باب إعراب الفعل وعوامله
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن مالك
- الكتاب
- شرح تسهيل الفوائد
- المؤلف
- محمد بن عبد الله، ابن مالك الطائي الجياني، أبو عبد الله، جمال الدين (المتوفى: 672هـ)
- المحقق
- د. عبد الرحمن السيد، د. محمد بدوي المختون
- الناشر
- هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى (1410هـ - 1990م)
- عدد الأجزاء
- 4 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
من الحديث، وأنشد الشيخ رحمه الله:
ومَن يقتربْ منا ويخضعَ نُؤْوه... ولا يخشَ ظلما ما أقام ولا هَضْما
وأما قول زهير:
ومَنْ لا يُقَدِّمْ رجلَه مُطْمَئِنّة... فَيُثْبِتها في مُسْتوى الأرضِ يَزلق
فنصب يثبت فيه لأن الفعل المتقدم على الفاء منفي، وجواب النفي النصب، في مجازاة وغيرها.
وأجاز الكوفيون نصب المعطوف على الشرط بثم كما في الواو والفاء، ومنه قراءة الحسن: (ومَن يخرجْ من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركَه الموت).
ومثال الثاني: إن تأتني آتك وأحسنْ إليك، فالوجه فيه الجزم على الإشراط في معنى الجزاء، أو الرفع على الاستئناف.
ويجوز نصبه بإضمار أنْ على تقدير: إن تأتني يكن إتيان وإحسان.
وحكى سيبويه أن بعضهم قرأ: (يُحاسبْكم به الله فيغفرَ لمن يشاء ويعذبَ من يشاء) ثم قال: واعلم أن النصب بالفاء والواو في قولك: إن تأتني آتك وأعطيَك، ضعيف، وهو نحو من قوله:
وألحقُ بالحجاز فأستريحا
فهذا يجوز، وليس بحد الكلام ولا وجهه، إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلا، لأنه ليس بواجب أن يفعل، إلا أن يكون من الأول فعل، فلما ضارع الذي لا يوجب كالاستفهام ونحوه، أجازوا فيه هذا على ضعف، وإن كان معناه كمعنى ما قبله، وأنشد الأعشى:
ومن يَغْتربْ من قومنا لا يزلْ يرى... مصارعَ مظلومٍ مَجَرًّا ومَسْحَبا
وتُدْفَنَ فيه الصالحاتُ وإنْ يُسئْ... يكنْ ما أساء النارَ في رأس كوكبا
ومثال الثالث قراءة ابن عامر: (إذا قضى أمرا فإنما يقول له كنْ فيكونَ) بالنصب، على تقدير: فإنما يكون منه كن فيكون من ذلك الأمر، وهو نادر لا يكاد يعثر على مثله إلا في ضرورة الشعر.
فأما قولهم: إنما هي ضربة من الأسد فيحطم ظهره، فمن النصب بإضمار أن جوازا، لعطف مصدر مؤول على مصدر صريح، والمعنى: هي ضربة فحطمة، لا من باب قراءة ابن عامر.
ويختص بالضرورة إضمار أن الناصبة بعد الحصر بإلا، كقولك: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا.
وبعد الخبر المثبت الخالي من الشرط كقول الشاعر:
سأترك منزلي لبنى تميم... وألحقُ بالحجاز فأستريحا
أصل الكلام: ألحق بالحجاز فأستريحُ، ولكن لما كان الرَّوِيُّ مفتوحا اضطر فنصب على تقدير: يكون لحاق فاستراحة، ومثله قول طرفة:
لنا هَضْبةٌ لا ينزلُ الذُّلُّ وسْطَها... ويأوى إليها المستجيرُ فَيُعصَما
وقول الأعشى:
ثُمّتَ لا تَجْزُونني بعد ذاكُمُ... ولكن سيجزيني الإلهُ فيُعْقِبا
وقد يجزم المعطوف على ما قرن بالفاء اللازم لسقوطها الجزم، وهي الفاء الواقعة في جواب شرط أو طلب.
أما الشرط فإذا عطف على جوابه المقرون بالفاء مضارع فالوجه رفعه، كقوله تعالى: (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفرُ عنكم من سيئاتكم) لأن الكلام الذي بعد الفاء أجرى مجراه في غير الجزاء، فحق ما عطف عليه أن يكون كذلك، ويجوز فيه النصب بإضمار أن كما تقدم، والجزم أيضا بالعطف على موضع الفاء، كقراءة بعضهم: (من يضلل الله فلا هادي له ويذَرْهم في طُغْيانهم يعمهون) ونظّر سيبويه الجزم فيه بالنصب في قوله:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وأما الطلب فإذا عُطِف على جوابه المقرون بالفاء مضارعٌ كما في قولك: زرني فأزورَك وأحسن عشرتك، فلك في المعطوف النصب على التشريك في عمل أنْ المضمرة، والرفع على الاستئناف، والجزم على توهم حذف الفاء، ومنه قراءة بعضهم: (لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصَّدَّقَ وأكنْ من الصالحين) فالجزم في ذا نظير الجر في قوله:
ولا سابقٍ شيئا إذا كان جائيا
وحكى الفراء عن العرب الرفع والجزم في المضارع المنفي بلا الصالح قبلها كي، وأنهم يقولون: ربطت الفرس لا ينفلتُ، ولا ينفلتْ، وأوثقت العبد لا يفرُّ ولا يفررْ، قال: وإنما جزم لأن تأويله: إن لم أربطه فر، فجزم على التأويل، وأنشد لرجل من عقيل:
وحتى رأَيْنا أحسنَ الفعل بيننا... مُجاملةً لا يقرف الشَّرَّ قارِفُ
ولآخر:
لو كنتَ إذ جئتَنا حاولت رُؤْيتنا... أتيتنا ماشيا لا تُعرَفِ الفرسُ
بجزم يقرف وتعرف، ورفعهما.
فصل: ص: تظهر أنْ وتضمر بعد عاطف الفعل على اسم صريح، وبعد لام الجر غير الجحودية، ما لم يقرن الفعل بلا بعد اللام فيتعين الإظهار.
ولا تنصب أن محذوفة في غير المواضع المذكورة إلا نادرا، وفي القياس عليه خلاف.
ش: اطرد نصب المضارع بإضمار أن جائزة الإظهار في موضعين: أحدهما: أن يكون الفعل معطوفا على اسم صريح، كقول الشاعر:
لَلُبْسُ عباءة وتقرَّ عيني... أحبُّ إليّ من لُبْس الشُّفوف
أراد: للبس عباءة وأن تقر عيني، فحذف أن وأبقى عملها، ولو استقام الوزن بإظهار أنْ كان أقيس.
ولا يختص هذا الإضمار بالمعطوف بالواو، بل يجوز في المعطوف بغيرها،
كالفاء، وثم، وأو، مثاله بالفاء قول بعض الطائيين:
لولا تَوَقُّعُ مُعْتَرٍّ فأُرضيَهُ... ما كنتُ أُوثِر إتْرابا على تَرَب
ومثاله بثم قول الآخر:
إنّي وقتْلي سُلَيْكا ثم أعقلَه... كالثور يضربُ لما عافت البقرُ
ومثاله بأو قراءة السبعة إلا نافعا: (أو يرسلَ رسولا) بنصب يرسل، عطفا على "وَحْيا" وأصله: أو أن يرسل رسولا، ومثله قول الشاعر:
ولولا رجالٌ من رِزامٍ أعزةٌ... وآلُ سُلَيم أو أسوءَك عَلْقَما
والثاني: أن يكون بعد لام الجر غير المؤكدة للنفي، وهي لام التعليل، كما في نحو: جئت لتحسنَ.
ولام العاقبة كما في قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكونَ لهم عدوا وحزنا) والزائدة كما في قوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم) فإن الفعل إذا وقع بعد إحدى هذه اللامات كان نصبه بإضمار أن، لأن اللام حرف جر، فهي كسائر عوامل الأسماء في امتناع دخولها على الأفعال، فإذا وليها الفعل وجب أن يكون مقدرا بأن، ليكون معها اسما مجرورا باللام، فنصبوه بها، وإن شئت أظهرت أن نحو: جئت لأن تحسن، وأردت لأن تفعل.
وإنما يجوز إضمار أن وإظهارها بعد اللام المذكورة إذا كان الفعل بعدها مثبتا، فلو كان منفيا بلا وجب إظهار أن، كما في قولك: جئت لئلا تجيء.
ولا يجوز إضمار أن بعد غير اللام من حروف الجر، خصوصا بذلك لكثرة دور معناها في الكلام.
وقد تحذف أن قبل المضارع في غير المواضع المذكورة، فتلغى غالبا، كقولهم: تسمعُ بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ من أن تراه.
وقول الشاعر:
ألا أيُّهذا الزَّاجري أحضرُ الوغى... وأن أشهدَ اللذاتِ هل أنت مُخْلِدي
وقول الآخر:
وما راعني إلا يسيرُ بشرطة... وعَهْدي به قينا يَفُشُّ بِكير
تقديره: أن تسمع، وعن أن أحضر، وإلا أن يسير، ولكنهم رفعوا لأنهم ألْغَوا "أنْ" لما ضعفت بالحذف على غير القياس.
وقد لا يلغونها، فينصبون بها المضارع، كقوله:
فلم أرَ مثلها خُباسَة واحِد... ونَهْنَهْتُ نفسي بعد ما كدتُ أفْعَلَه
قال سيبويه: "أراد: بعد ما كدت أن أفعله" وهو قليل لا يقاس عليه، ورآه الكوفيون مقيسا، وروَوْا: خذ اللصَّ قبل يأخذَك.
وأنشدوا:
ألا أيُّهذا الزاجري أحضرَ الوغى
بالنصب.
فصل: ص: تزاد "أنْ" جوازا بعد لمّا، وبين القسم ولو، وشذوذا بعد كاف الجر.
وتفيد تفسيرا بعد معنى القول لا لفظه، وتفيده "أيْ" غالبا فيما سوى
ذلك.
وتقع بين مشتركين في الإعراب فتُعَدّ عاطفة على رأى.
وإن ولى أنْ الصالحة للتفسير مضارع معه "لا" رفع على النفي، وجزم على النهي، ونصب على جعل أنْ مصدرية.
ولا تفيد أن مجازاة خلافا للكوفيين، ولا نفيا خلافا لبعضهم.
ش: أن في الكلام على ثلاثة أضرب: مصدرية، وزائدة، ومفسرة.
فالمصدرية نحو: أريد أن تفعل، وعلمت أن سوف تقوم، وقد تقدم ذكرها.
والزائدة هي التي دخولها في الكلام كخروجها، وتقع بعد لمّا الحينية، كقوله تعالى: (فلمّا أن جاء البشير) وبين القسم ولو، كقولك: أما والله أنْ لو قام زيد قام عمرو، ومثله قول الشاعر:
فأقسمُ أنْ لو التقينا وأنتمُ... لكان لكم يومٌ من الشَّرِّ مظلمُ
وشذ زيادتها بعد كاف الجر كما في قوله:
كأنْ ظبيةٍ تَعْطُو إلى وَارِقِ السَّلَم
يروى بنصب ظبية على أنه اسم كأن، وبرفعها على أنها الخبر، والاسم محذوف، وبجرها على زيادة أن، والكاف حرف تشبيه.
وأما المفسرة فهي الداخلة على جملة محكي بها قول مقدر مفسر بجملة قبله بمعنى القول لا لفظه، مذكورة أو محذوفة، فالمذكورة كقوله تعالى: (ونُودوا أنْ تلكمُ الجنة) ومثله: (فأوحينا إليه أن اصنع الفُلْك) وقوله تعالى: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله) لأن "ما أمرتني به" في معنى القول لا لفظه، وما بعده مفسر له، والمعنى: ما أمرتني به أي قول: اعبدوا الله.
وأما المحذوفة فكقوله تعالى: (وانطلق الملأ منهم أن امشوا) المعنى: ثم نهضوا وانطلقوا من مجالسهم يؤمئُون، أي يقول بعضهم لبعض: امشوا.
ولو كان المحذوف مقدرا بلفظ القول لم تدخل "أن" كقوله تعالى: "والملائكةُ باسِطو أيديهم أخْرِجُوا أنفسكم) وقوله تعالى: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم).
ولو لم يكن ما قبل أن جملة كما في قوله تعالى: (وآخِرُ دعواهم أن الحمدُ لله رب العالمين) فهي مصدرية في موضع رفع بالخبر لا مفسرة، لأن المفسرة لا تدخل إلا على جملة محكية هي فضلة في الكلام.
ويستفاد التفسير بأي بعد ما فيه معنى القول قليلا، وبعد غيره مما يحتاج إلى التفسير لإجمال اللفظ، أو غرابة فيه، أو حذف منه كثيرا، فيؤتى بها مع المفسر بيانا لما قبلها، أو بدلا منه.
وقد تقع بين مشتركين في الإعراب، فيعدها صاحب المفتاح عاطفة، وليس بمرضى، لأنه يجوز الاستغناء عنها، وحرف العطف لا يستغنى عنه.
فإن قلت: إذا جاز الاستغناء عن وقوع أي بين المشتركين في الإعراب، فما الفائدة في ذكره؟ قلت: الفائدة هي التنبيه على حاجة ما قبلها إلى التفسير، ورفع توهم
كون التابع بدل غلط أو نسيان أو إضراب.
ويجوز الحكم على أن الصالحة للتفسير بكونها مصدرية، فتقول: أشرت إليه أن أفعل.
على معنى: أشرت إليه بالفعل، بدليل ظهور الباء في قولهم: أوعزت إليه بأن افعل.
وإذا وَلِيَ أن هذه مضارع، فإن كان مثبتا كقولك: أوحيت إليه أن يفعل، جاز رفعه على معنى أي، ونصبه على جعل أنْ مصدرية.
وإن كان بعد "لا" جاز جزمه على النهي، وكون أن مصدرية، ورفعه ونصبه على النفي ومعنى أي، أو كون أن مصدرية.
وزعم الكوفيون في أنْ أنها حرف مجازاة في مثل قوله:
أتَجْزَعُ أنْ أُذْنا قُتَيْبةَ حُزَّتا... جهارا ولم تَجْزعْ لقتل ابن مالك
لصحة وقوع إنْ موقعها، كقولك: أتجزع إنْ أذنا قتيبة حزتا؟ والصحيح أنها مصدرية مقدر معها اللام، كأنه قال: أتجزع لأن حزت أذنا قتيبة.
ولا تدل أنْ على نفي خلافا لبعضهم.
فص: ص: المنصوب بعد حتى مستقبل، أو ماض في حكمه، وعلامة ذلك كون ما بعدها غاية لما قبلها، أو متسببا عنه، وإن كان الفعل حالا أو مؤولا به رفع، وعلامة ذلك صلاحية جعل الفاء مكان حتى، وكون ما بعدها فضلة متسببا عما قبلها ذا محل صالح للابتداء، فإن دل على حدث غير واجب تعين النصب خلافا للأخفش.
ش: حتى الداخلة على المضارع إما حرف بمعنى إلى أو كي، فيليها المضارع غاية لما قبلها أو مسببا عنه، وينصب بأن مضمرة لكونه من تمام الكلام الذي
قبلها، وإما حرف ابتداء بمنزلة الفاء، فتأتي بعد تمام الكلام، داخلة على جملة محصلة المعنى، مسببة عما قبلها، متصلة به، أو منقطعة عنه، فيليها المضارع مرفوعا لكونه مستأنفا لم يدخل عليه ناصب ولا جازم.
ولا يخلو المضارع بعد حتى من أن يكون مستقبلا أو حالا أو ماضيا، فإن كان مستقبلا فهي حرف جر بمعنى إلى أو كي، والفعل بعدها نصب بإضمار أن، ليكون معها اسما مجرورا بحتى، وذلك قولك: لأسيرن حتى تطلعَ الشمس، أي: إلى أن تطلع الشمس، وكلمته حتى يأمر بشيء، أي: كي يأمر، ولا يجوز كونها ابتدائية ورفع ما بعدها، لأنه غير محصل لكونه مستقبلا.
وإن كان المضارع بعد "حتى" حالا فهي حرف ابتداء، وما بعدها رفع، لأنه منقطع عما قبلها، فلم يدخل عليه ناصب ولا جازم، وذلك قولك: سرت حتى أدخُلها الآن، ومرض حتى لا يرجونه، وضرب أمس حتى لا يستطيعُ أن يتحرك اليوم، ورأى مني عاما أول شيئا حتى لا أستطيعُ أن أكلمه العام بشيء، وقول حسان:
يُغْشَوْن حتى ما تَهِرُّ كلابُهم... لا يسألون عن السَّواد المُقْبِل
ولا يجوز أن تكون جارة، لأن الجارة لا تدخل على المضارع إلا منصوبا بأن مضمرة، وأن لا تنصب الحال.
وإن كان المضارع بعد حتى ماضي المعنى فهو مؤول إما بالمستقبل نظرا إلى أنه غاية لما قبل حتى، فهو مستقبل بالإضافة إليه، وإما بالحال على قصد الإخبار بمضى ما قبل حتى وحكاية حال ما بعدها.
فإن كان الماضي المعنى غير فضلة، أو غير متسبب عما قبل حتى، أو محله غير صالح للابتداء لأنه جعل غاية، فهو مؤول بالمستقبل.
فالأول كما إذا وقع اسم كان الناقصة، كقولك: كان سيري حتى أدخلَها، فتنصب على التأويل بالمستقبل، وجعل حتى الجارة في موضع خبر كان، ولا يجوز
الرفع على التأويل بالحال، وجعل حتى ابتدائية، لئلا تبقى كان بلا خبر، فإن حتى الابتدائية بمنزلة الفاء.
والثاني كما إذا كان الدخول من شخص والسير من آخر، فقلت: كنتُ سرت حتى يدخلَها زيد، فإنك تنصب على التأويل بالمستقبل وجعل حتى جارة، والمعنى: إلى أن يدخلها زيد.
ولا يجوز الرفع على الحال وجعل حتى ابتدائية، لأن حتى الابتدائية لا تخلو من معنى السببية، وسيرك لا يكون سببا لدخول غيرك.
والثالث كما إذا أردت بيان الغاية فقلت: كنت سرت حتى أدخلَها، فتنصب على معنى: إلى أن أدخلها، ولا يجوز الرفع، لأن الغاية حرف جر، وحرف الجر لا يليه المبتدأ والخبر، فلا يليه الفعل المرفوع.
وإذا كان الماضي المعنى متسببا عما قبلها، وكان ذا محل صالح للابتداء، لأن المراد بيان السببية، فهو مؤول بالحال فيرفع، لأن حتى قبل الحال حرف ابتداء بمنزلة الفاء، وذلك قولك في كان التامة: كان سيرى حتى أدخلُها، لأنه تم الكلام قبل حتى، فيبقى ما بعدها جملة مستأنفة، فيرفع على معنى: فأنا أدخلها، لأن حتى الابتدائية بمنزلة الفاء في السببية، ولأنها لا تقع بين العامل ومعموله، وليست بمنزلة الفاء في إشْراك الفعل الآخر الأول إذا قلت: لم أجئ فآكل، لجواز مجيئها حيث لا يصح التشريك، كقولك: كان سيرى شديدا حتى أدخلُها.
ويجوز تأويله بالمستقبل وقصد الغاية فينصب، على معنى: إلى أن أدخلها، ومثله: (وزُلزِلوا حتى يقولَ الرسول) قراءة نافع بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب.
واعلم أن المضارع الماضي المعنى إنما يرتفع بعد حتى إذا كان متسببا عما قبلها، فلهذا لا يرتفع الفعل بعد حتى إلا إذا كان واجبا، أي حاصلا لحصول سببه يقينا أو ظنا، فإن الضمير ينعقد على الظن كانعقاده على العلم، وذلك قولك: إن
زيدا سار حتى يدخلُها، وما سار إلا قليلا حتى يدخلُها، وأظن عبد الله سار حتى يدخلُها، فلك في كل هذا الرفع على الابتداء، لأن الدخول قد وجب بوجوب السير، وتأدّى به.
وإن كان الماضي المعنى بعد حتى غير واجب، لأن ما قبله غير مؤد إليه، ولا مسبب له، كقولك: ما سار زيد حتى يدخلَها، تعين النصب على الغاية، وقصد معنى: ما سار إلى أن يدخلها، بل إلى ما دون ذلك، لأنك لو رفعته على الابتداء لكان ما بعد حتى الابتدائية غير محصل، ولا متسبب عما قبلها، وذلك لا يكون.
وتقول: قلما سرت حتى أدخلها، بالنصب إن أردت النفي، وإن أردت بيان أنك سرت قليلا نصبت على الغاية، ورفعت على الابتداء.
وتقول: إنما سرت حتى أدخلها، بالنصب إن أردت الغاية، أو تحقير السير، وجعلته سيرا لا يوجب الدخول.
وإن لم ترد ذلك تعين الرفع.
وأجاز الأخفش رفع غير الواجب، وقال: ما سرت حتى أدخلُها، معنى الرفع فيها صحيح، إلا أن العرب لا ترفع غير الواجب، ألا ترى أنك لو قلت: ما سرت فأدخلها، أي ما كان مني سير ولا دخول.
أو قلت: ماسرت فإذا أنا داخل الآن لا أمتنع، كان حسنا".
وغلط في ذلك بأن الدخول في حتى إذا وقع إنما يقع بالسير، قال السيرافي: والذي عندي أن أبا الحسن أراد أن "ما" تدخل على: سرت حتى أدخلها، بعد وجوب الرفع، فتنفي جملة الكلام، فلذلك رآه صحيحا في القياس، وإن كانت العرب لا تتكلم به.