شرح التسهيل لابن مالكصفحات 45-52

باب الأحرف

صفحات 45-52
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن مالك
الكتاب
شرح تسهيل الفوائد
المؤلف
محمد بن عبد الله، ابن مالك الطائي الجياني، أبو عبد الله، جمال الدين (المتوفى: 672هـ)
المحقق
د. عبد الرحمن السيد، د. محمد بدوي المختون
الناشر
هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى (1410هـ - 1990م)
عدد الأجزاء
4 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

نرضى عن الله إن الناس قد علموا... أنْ لا يدانِينا في خلقه بشرُ وقول الكوفيين عندي أولى بالصواب، فإنه لا يلزم منه إهمال ما وجب له الإعمال، ومما يؤيده قول الشاعر: رأيتك أحييت النَّدى بعد موته... فعاش الندى من بعد أنْ هو خامل فوصل أنْ بجملة اسمية، وليس قبلها فعل قلبي ولا معناه، وكل موضع هو هكذا فهو لأن الناصبة الفعل، وأن الناصبة الفعل لا توصل بجملة اسمية، فصح وقوع المخففة موقع الناصبة.
وقريب من قوله: أنْ هو خامل، قول الآخر: فلا تُلْهك الدُّنيا عن الدين واعْتَمِل... لآخرة لا بد عن ستصيرها أبدل همزة أن عينا، وحسن وقوع المخففة هنا، لأن لا بد تجري مجرى تيقن.
وتخفف كأنّ فلا تلغى، بل تعمل عمل أنَّ المخففة، إلا أن خبرها إذا قدر اسمها لا يلزم كونه جملة، بل قد يكون مفردا، بخلاف خبر أنّ إذا قدر اسمها.
وإن كان جملة جاز كونها فعلية مبدوأة بلم كقوله تعالى: (كأنْ لم تَغْن بالأمس).
وبقد كقول الشاعر: لا يهولنّك اصطلاءُ لظى الحر... ب فمحذورُها كأن قد ألمّا وابتدائية كقول الشاعر: ووجهٌ مشرقُ النَّحْر... كأنْ ثدياه حُقّان

وشرطية كقول الآخر: وَيْ كأنْ مَنْ يكُمْ له نَشَبٌ يُحْـ... ــــببْ ومن يَفْتَقِر يعش عيش ضُرّ ومثال إفراد الخبر مع تقدير الاسم قول الشاعر: ويوما تُوافينا بوجه مُقَسَّم... كأنْ ظبيةٌ تعطُو إلى وارِق السَّلم أي كأنها ظبية، ويروى بالنصب على حذف الخبر، والتقدير: كأن ظبيةً عاطيةً المذكورة، وهذا من عكس التشبيه، ويروى بالجر على زيادة أن شذوذا.
وفي لعل عَشر لغات: لعلّ، علّ، لعنّ، عن، لأنّ، أنّ، رعَنّ، رغَنّ، لغَنّ، لعلّت.
فالستة المتقدمة مشهورة، والأربعة الباقية قليلة.
وأقلها استعمالا لعلت.
ذكرها أبو علي في التذكرة.
ومن ورود أنّ بمعنى لعل ما حكاه الخليل من قول بعض العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا، واستشهد الأخفش على ذلك بقول الراجز: قلت لشَيْبان ادنُ من لِقائِه... أنا نُغَدّى القوم من شوائه ومن قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو: (أنها إذا جاءت لا يؤمنون).
بالفتح.
وقال امرؤ القيس في لأنّ: عُوجا على الطّلَل المُحيل لأننا... نبكي الديارَ كما بكى ابن حِذام وقال الفرزدق في لَعَنّ:

ألستم عالجين بنا لعنّا... نرى العرصاتِ أو أثر الخيام وإذا كان الاسم في هذا الباب وغيره اسم معنًى جاز كون الخبر فعلا مقرونا بأن كقولك: إنّ الصلاح أن يعصى الهوى.
فلو كان الاسم اسم عين امتنع ذلك كما يمتنع في الابتداء، وقد يُسْتباح في لعل حملا على عسى، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لعلك أن تخلف فينتفع بك أقوام ويضرّ بك آخرون".
وروى أبو زيد أن بني عقيل يجرون بلعل مفتوحة الآخر ومكسورته، ومن شواهد ذلك: لعل اللهِ يُمكنني عليها... جهارا من زهير أو أَسِيد وروى الفراء أيضا الجر بلعل، وأنشد: علّ صروفِ الدهر أو دُولاتها... تدلننا اللّمّةَ من لمّاتها وزعم أبو علي أن لعل خففت وأعملت في ضمير الشأن محذوفا، ووليها في اللفظ لام الجر مفتوحا تارة ومكسورا تارة، والجر به، ولعل على أصلها.
ولا يخفى ما في هذا من التكلف.
فصل: ص: يجوز رفع المعطوف على اسم إن، ولكن بعد الخبر بإجماع، لا قبله مطلقا، خلافا للكسائي.
ولا يشترط خفاء إعراب الاسم خلافا للفراء، وإن تُوُهِّم ما رأياه قُدِّر تأخير المعطوف أو حذفُ خبرٍ قبله، وأنّ في ذلك كإنّ على الأصح، وكذا البواقي عند الفراء.
والنعت وعطف البيان والتوكيد كالمنسوق عند الجرمي والزجاج والفراء.
وندر: إنهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيد ذاهبان.
وأجاز الكسائي رفع المعطوف على أول مفعولي ظن إنْ خَفِي إعراب الثاني.

ش: نصب المعطوف على اسم إن مستغن عن التنبيه عليه، لأنه كالعطف على سائر المعمولات.
ولا فرق في ذلك بين إن وأخواتها، ولا بين وقوعه قبل الخبر [ووقوعه بعده، ومثال وقوعه قبل الخبر] قوله تعالى: (إنّ المسلمين والمسلمات).
الآية، ومثال وقوعه بعد الخبر قول الراجز: إنّ الربيعَ الجودَ والخريفا... بدا أبي العباس والصيوفا أراد: إن الربيع الجود والخريف والصيوف بدا أبي العباس.
والذي لا يستغنى عن التنبيه رفع المعطوف، وهو على ضربين: أحدهما مشترك فيه، وهو العطف على الضمير المرفوع بالخبر، والثاني العطف على معنى الابتداء، وهو عند البصريين مخصوص بإنّ ولكن، ومشروط بتمام الجملة قبله، ومثاله مع إنّ قول الشاعر: إن الخلافة والنبوةَ فيهم... والمكرماتُ وسادةٌ أطهار ومثله قول الآخر: فمن يكُ لم ينجب أبوه وأمُّه... فإنّ لنا الأمَّ النجيبةَ والأبُ ومثاله مع لكن قول الآخر: وما زلتُ سباقا إلى كل غاية... بها يُقْتضَى في الناس مجدٌ وإجلالُ وما قَصّرت بي في التَّسامي خُئُولةٌ... ولكنّ عمي الطيبُ الأصل والخالُ وهذا العطف المشار إليه ليس من عطف المفردات كما ظن بعضهم، بل هو من عطف الجمل، ولذلك لم يستعمل إلا بعد تمام الجملة، أو تقدير تمامها، ولو كان

من عطف المفردات لكان وقوعه قبل التمام أولى، لأن وصل المعطوف بالمعطوف عليه أجود من فصله.
ولو كان من عطف المفردات لجاز رفع غيره من التوابع، ولم يحتج سيبويه في قوله تعالى: (قل إن ربي يقذف بالحق علامُ الغيوب).
إلى أن يجعله خبر مبتدأ أو بدلا من فاعل يقذف.
وأيضا فإن وأخواتها مشبهة بالأفعال لفظا ومعنى واختصاصًا فلا عمل للابتداء بعد دخولها، كما لا عمل له بعد دخول الأفعال الناسخة.
ولقوة شبهها بالأفعال لم يبطل عملها بالفصل في نحو: إن فيك زيدا راغب، ولا بتقديم المسند في نحو: إن عندك زيدا، ولا بالحذف مع دليل كقراءة حمزة والكسائي: (وفي خلقكم وما يَبُثّ من دابة آيات).
بخلاف "ما" المشبهة بليس، و"لا" المشبهة بإنّ، فإنها ضعيفة الشبه وضعيفة العمل، ولذا لا تعمل في الخبر عند سيبويه، ويُبْطِل عملَها الفصلُ بإجماع، فلضعفها لم تنسخ عمل الابتداء لفظا ومحلا، بل هو باق تقديرا بعد دخولها، ولهذا ينعت اسمها باعتبار المحل رفعا، ولم يفعل ذلك باسم إنّ.
والحاصل أن عمل الابتداء بعد إنّ منسوخ لفظا ومحلا كانتساخه بكان وظن، إلا أنّ وإنّ ولكنّ لم يتغير بدخولهما معنى الجملة، ويتغير بدخول كأن وليت ولعل، فجاز أن يعطف بعد مصحوبي إن ولكن مبتدأ مصرح بخبره، ومحذوف خبره، كما يجوز ذلك بعد المبتدأ والخبر لبقاء المعنى على ما كان عليه.
ولكون الخبر الموجود صالحا للدلالة على المحذوف، إذ لا تخالف بينهما، بخلاف خبر كأن وليت ولعل فإنه مخالف لخبر المبتدأ المجرد، فلا يغني أحدهما عن الآخر.
فلو كان خبر المعطوف مخالفا لزم ثبوته نحو: (وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين).
ومثله: (إن وعْدَ الله حق والساعة لا ريب فيها).

وقرأ حمزة بنصب "الساعة" ولم يختلف في رفع "والله ولي المتقين".
وحمل سيبويه ما أوهم العطف قبل التمام على التقديم والتأخير فالتقدير عنده في: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى).
إن الذين آمنوا والذين هادوا مَنْ آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون والنصارى كذلك.
وأسهل من التقديم والتأخير تقدير خبر قبل العطف مدلول عليه بخبر ما بعده، كأنه قيل: إن الذين آمنوا فرحون، والذين هادوا والصائبون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
فإنّ حذْف ما قبل العطف لدلالة ما بعده مقطوع بثبوته في كلام العرب قبل دخول إن، كقول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما... عندك راضٍ والرأيُ مختلف وبعد دخولها، كقول الآخر: خليليّ هل طبٌّ فإني وأنتما... وإن لم تبُوحا الهوى دَنِفان وأنشد سيبويه قول الفرزدق: إني ضَمنتُ لمن أتاني ما جَنى... وأبى فكان وكنت غيرَ غَدورِ ثم قال: ترك أن يكون للأول خبر حين استغنى بالآخر.
ومثل إنّ ولكنّ في رفع المعطوف على معنى الابتداء أنّ إذا تقدمها عِلْم أو معناه، فمعناه كقوله تعالى: (وأذانٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريءٌ من المشركين ورسولُه).
وصريح العلم كقول الشاعر:

وإلا فاعلموا أنا وأنتم... بغاةٌ ما بقينا في شقاق تقديره عند سيبويه: فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك، حمله على التقديم والتأخير، كما حمل آية المائدة، فسوَّى بين إنّ وأنّ، فصح أن من فرّق بينهما على الإطلاق مخالف لسيبويه.
وجعل من هذا القبيل قوله تعالى: (أن الله بريءٌ من المشركين ورسولُه).
وزعم قوم أنه إنما أورده بكسر الهمزة، وهي قراءة الحسن، وهو بعيد من عادة سيبويه، فإنه إذا استدل بقراءة تخالف المشهور لا يستغنى عما يشعر بذلك، كما فعل إذ أورد: (وإذا لا يلبثوا خلفك إلا قليلا).
وأجاز الكسائي رفع المعطوف بعد إن قبل الخبر مطلقا، فيقول: إن زيدا وعمرٌو قائمان، وإنك وزيدٌ ذاهبان.
ووافقه الفراء إن خفي إعراب الاسم نحو: إنك وزيدٌ ذاهبان، وكلا المذهبين ضعيف، لأن إنّ وأخواتها، فكما امتنع بكان أن يكون للجزأين إعراب في المحل يخالف إعراب اللفظ يمتنع بإنّ، ولو جاز أن يكون اسم إن مرفوع المحل باعتبار عروض العامل، لجاز أن يكون خبر كان مرفوع المحل بذلك، ولا اعتبار لتساويهما في أصالة الرفع وعروض النصب، ولا حجة لهما فيما حكى سيبويه من قول بعض العرب: إنهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيد ذاهبان.
لأن الأول يخرج على أن أصله: إنهم هم أجمعون ذاهبون، فهم مبتدأ، وأجمعون توكيد، وذاهبون خبر المبتدأ، وهو وخبره خبر إن.
وأصل الثاني: إنك أنت وزيد ذاهبان، فأنت مبتدأ، وزيد معطوف، وذاهبان خبر المبتدأ، والجملة خبر إن.
وحذف المتبوع وإبقاء التابع عند فهم المعنى جائز بإجماع، فالقول به راجح.
وغَلَّط سيبويه من قال: إنهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيد ذاهبان، فقال: واعلم أن ناسا من العرب يغلطون فيقولون: إنهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيد

ذاهبان، وذلك أن معناه معنى الابتداء، فيرى أنه قال "هم" كما قال: لستُ مدركَ ما مضى... ولا سابقٍ شيئا وهذا غير مرضي منه رحمه الله، فإن المطبوع على العربية كزهير قائل البيت لو جاز غلطه في هذا لم يوثق بشيء من كلامه، بل يجب أن يعتقد الصواب في كل ما نطقت به العرب المأمون حدوث لحنهم بتغير الطباع، وسيبويه موافق على هذا، ولولا ذلك ما قبل نادرا كلدُن غدوةً، وهذا حجرُ ضبٍّ خربٍ.
وأجاز الفراء في المعطوف على اسم غير إن ما أجاز في المعطوف على اسم إن، واستشهد بقول الراجز: يا ليتني وأنت يا لميسُ... في بلدة ليس بها أنيسُ ولا حجة له فيه لأن تقديره: يا ليتني وأنت معي يالميس، فحذف "مع" وهو خبر أنت، والجملة حالية واقعة بين اسم ليت وخبرها.
وأجاز الجرمي والزجاج والفراء رفع نعت الاسم بعد الخبر، وبمثل ذلك حكموا للتوكيد وعطف البيان، وأجازوا أن يكون من ذلك: (قل إن ربي يقذف بالحق علامُ الغيوب).
وأجاز الكسائي رفع المعطوف على أول مفعولي ظن إن خفي إعراب ثانيهما، نحو: ظننت زيدا صديقي وعمرٌو.

جارٍ التحميل