باب المضمَر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن مالك
- الكتاب
- شرح تسهيل الفوائد
- المؤلف
- محمد بن عبد الله، ابن مالك الطائي الجياني، أبو عبد الله، جمال الدين (المتوفى: 672هـ)
- المحقق
- د. عبد الرحمن السيد، د. محمد بدوي المختون
- الناشر
- هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى (1410هـ - 1990م)
- عدد الأجزاء
- 4 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ش: مثال ما يقدم كثيرا اضرب غلامَه زيدٌ، وغلامَه ضربَ زيدٌ، وضربَ غلامَ أخيه زيدٌ، وغلامَ أخيه ضربَ زيدٌ، وما أراد أخذ زيدٌ، وضربَ جاريةً يحبُّها زيدٌ، وهذه الأمثلة وأشباهها مندرجة تحت قولي: المكمل معمول فعل، لأن المضاف إليه يكمل المضاف، ومعمول الصلة يكمل الموصول، كما يكمل "ما" بفاعل "أراد" الممثل به، ومعمول الصفة مكمل للموصوف كما تكمل جارية بفاعل يحبها.
ومثل: ضرب غلامه زيدٌ، قوله تعالى (فأوْجَس في نفسه خيفةً موسى).
ومثل: غلامَه ضرب زيدٌ، قول العرب: في بيته يُؤْتَى الحكم، وشَتَّى تَئُوبُ الحَلبَةُ، فإن بيته في موضع نصب بيؤتى والهاء عائدة على الحكم، وقد تقدما على العامل والمفسر، وشتّى حال من الحَلبَة وفيه ضمير عائد عليهم وقد تقدما على العامل والمفسِّر.
والكوفيون لا يجيزون مثل هذا.
وسماعه عن فصحاء العرب، وهو حجة عليهم.
ومثال: غلامَ أخيه ضربَ زيدٌ قول الشاعر:
شرَّ يَوْمَيْها وأغواه لها... ركبتْ عَنْزٌ بِحِدْجٍ جَمَلا
لأن شر يوميها ظرف لركبت.
ومثل: ما أراد أخذ زيد، قول رجل من العرب:
ما شاء أنشأ ربِّي والذي هو لم... يشأ فلستَ تراه ناشئا أبدا
ومثال الضمير الذي يتقدم قليلا قول حسان يرثي مطعم بن عدي جد نافع بن جبير:
ولو أن مَجْدًا أخْلَدَ الدهرَ واحدا... من الناس أبقى مجدُه الدهرَ مُطْعِما
وقال غيره:
كَسا حِلْمُه ذا الحِلْمِ أثوابَ سُؤْدَدٍ... ورَقَّى نداه ذا الندى في ذُرا المجد
وقال:
لما رأى طالِبُوه مُصْعَبا ذُعِرُوا... وكاد لو ساعد المقْدُورُ ينتصر
وقال:
لقد جاز من يعني به الحمدُ إن أبَى... مكافأة الباغين والسفهاء
وأنشد أبو الفتح بن جني:
ألا ليتَ شعري هل يَلُومَنَّ قومُه... زُهَيْرًا على ما جَرَّ من كل جانب
وأنشد أيضا:
جَزَى بنوه أبا الغِيلان عن كِبَر... وحُسْنِ فعل كما يُجْزى سِنِمَّارُ
والنحويون إلا أبا الفتح يحكمون بمنع مثل هذا، والصحيح جوازه لوروده عن العرب في الأبيات المذكورة وغيرها، ولأن جواز نحو: ضرب غلامُه زيدا، أسهل من جواز: ضربوني وضربت الزيْدِين،، ونحو: ضربته زيدا، على إبدال زيد من الهاء.
وقد أجاز الأولَ البصريون، وأُجيز الثاني بإجماع، حكاه ابن كيسان، وكلاهما فيه ما في: ضرب غلامُه زيدا من تقديم ضمير على مُفَسِّر مُؤَخر الرتبة، لأن مفسِّر واو ضربوني معمولُ معطوفٍ على عاملها، والمعطوف ومعمولهُ أمكن في استحقاق التأخير من المفعول بالنسبة إلى الفاعل، لأن تقدم المفعول على الفاعل
يجوز في الاختيار كثيرا، وقد يجب، وتقدم المعطوف وما يتعلق به على المعطوف عليه بخلاف ذلك، فيلزم من أجاز: ضربوني وضربت الزيدين أن يحكم بأولية جواز: ضربَ غلامُه زيدا، لما ذكرناه.
وكذلك يلزم من أجاز إبدال ظاهر من مضمر لا مفسِّر له غيره نحو: ضربته زيدا، واللهم صل عليه الرءوف الرحيم، لأن البدل تابع، والتابع مؤخر بالرتبة، ومؤخر في الاستعمال على سبيل اللزوم، والمفعول ليس كذلك إذا لم يلزم تأخيره.
ومما حكم بجوازه لشبهه بما نحن بصدده أن يقال: ضَرَبَتْ جاريةٌ يُحبُّها زيدا، فيتقدم "يحبها" وهو مسند إلى ضمير يعود إلى زيد وإن كان متأخرا لفظا ورتبة، لأن يحبها مكمل لجارية إذ هو صفتها، فجاز تأخر مفسِّر ضميرها، كما جاز تأخر مفسر ضمير المضاف إليه نحو: ضرب غلامُه زيدا.
ولو لم يشارك صاحب الضمير المكمل به في عامله لم يجز التقديم نحو: ضربَ غلامُها جارَ هند، لأن "هند" مؤخر الرتبة من وجهين، ولا تعلق لها بضرب، بخلاف ضرب غلامُها هندًا.
فمن مثل هذا احترزت بقولي: وشاركه صاحب الضمير في عامله، فإن صاحب الضمير في: ضربَ غلامُه زيدا قد شارك المكمل به الضمير في عامله، وصاحب الضمير في: ضرب غلامُها جارَ هند غير مشارك في العامل.
ص: ويتقدم أيضا غيرَ مَنْويّ التأخير إن جُرَّ بِرُبَّ، أو رُفِعَ بِنِعْم أو شبهها أو بأول المتنازعين، أو أبدل منه المفسِّر، أو جُعِل خَبَرَه، أو كان المسَمَّى ضميرَ الشأنِ عند البصريين، وضمير المجهول عند الكوفيين.
ش: مثال المتقدم المجرور برب قولُ الشاعر أنشده أبو العباس أحمد بن يحيى:
واهٍ رَأبت وشيكا صَدْع أعظمِه... ورُبّه عَطِبًا أنقذتُ من عَطَبه
ومثال المتقدم المرفوع بنعم قول الشاعر:
نِعمَ امْرَأ هَرِمٌ لم تَعْرُ نائبة... إلا وكان لمُرْتاع بها وَزَرا
ومثال المتقدم المرفوع بأول المتنازعين قول الشاعر:
جَفَوْني ولم أجْفُ الأخلاءَ إنني... لغير جميلٍ من خَليلي مُهْمل
ومثال المفسَّر ببدل: اللهم صل عليه الرءوفِ الرحيم، حكاه الكسائي.
ومثال المفسَّر بخبره (إن هي إلا حياتنا الدنيا) قال الزمخشري: هذا ضمير لا يعلم ما يعنى به غلا بما يُتْلى به، وأصله، إن الحياة إلا حياتنا، ثم وضع هي موضع الحياة، لأن الخبر يدل عليها ويبينها.
ومنه: هي النفس تحمل ما حملت، وهي العرب تقول ما شاءت، وهذا من جيد كلامه.
وفي تنظيره بهي النفس وهي العرب ضعف، لإمكان جعل النفس والعرب بدلين.
ومثال ضمير الشأن (قل هو الله أحد) ولكل واحد منها موضع يستوفى فيه ما يحتاج إليه من البيان إن شاء الله تعالى.
ص: ولا يُفسَّر إلا بجملةٍ خبرية مُصَرَّج بجزأيها خلافا للكوفيين في نحو: ظننته قائما زيدٌ، وإنّه ضُرِب أو قام.
ش: إذا قصد المتكلم أن يستعظم السامع حديثه فقبل الأخذ فيه افتتحه بالضمير المسمى ضمير الشأن عند البصريين وضمير المجهول عند الكوفيين، وهو بمنزلة ضمير غائب تقدم ذكره، فلذلك استتر مرفوعا بكان أو كاد أو إحدى أخواتهما، ولا يجوز عند البصريين حذف بعض الجملة التي تفسره، لأنها مؤكدة به، ومدلول به على فخامة مدلولها، واختصارها مناف لذلك فلا يجوز، كما لا يجوز ترخيم
المندوب، ولا حذف حرف النداء قبله.
فبهذا يعلم أن ما أجازه الكوفيون من: إنه ضرب، وإنه قام، ونحوهما غير مستقيم ولا سليم، لافتتاحه بمزيد الاعتناء بالمحدث عنه، واختتامه بحذف ما لا بد منه.
وأما تجويزهم نحو: ظننته قائما زيد، على أن تكون الهاء ضمير الشأن، فمردود أيضا؛ لأن سامعه يسبق إلى فهمه كون زيد مبتدأ مؤخرا، وكون ظننت ومفعوليها خبرا مقدم، وذلك مفوت للغرض الذي لأجله جيء بضمير الشأن، لأن من شرطه عدم صلاحية الضمير لغير ذلك، حتى يحصل به من فخامة الأمر ما قصده المتكلم.
ص: وإفرادُه لازمٌ، وكذا تذكيرُه، ما لم يله مؤنث، أو مذكر شُبِّه به مؤنث، أو فعلٌ بعلامة تأنيث فيرجَّح تأنيثه باعتبار القصة، على تذكيره باعتبار الشأن.
ويبرز مبتدأ، واسم ما، ومنصوبا في بابي إنّ وظنّ، ويَسْتَكِنُّ في بابَيْ كان وكاد.
ش: لا يجوز أن يكون ضمير الشأن مثنى ولا مجموعا، لأنه كناية عن الشأن في التذكير وعن القصة في التأنيث، وهما مفردان فوجب إفراد ما هو كناية عنهما، فيقال: إنه أخواك منطلقان، وإنها جاريتاك حسنتان، وإنه إخوتك صالحون، وإنها إماؤك مُطيعات، ولا يؤنث إلا إذا وليه مؤنث كقوله تعالى (فإذا هي شاخصةٌ أبصارُ الذين كفروا) أو مذكر شُبِّه به مؤنث نحو: إنها قمرٌ جاريتك، أو فعل بعلامة تأنيث مسندا إلى مؤنث كقوله تعالى (فإنها لا تعمى الأبصار) وقول الشاعر:
على أنها تَعْفُو الكلومُ وإنما... نُوكلُ بالأدنى وإنَ جَلْ ما يمضي
فهذا وأمثاله التأنيث فيه أجود من التذكير، لأن مع التأنيث مشاكلة تحسن اللفظ
مع كون المعنى لا يختلف، إذ القصة والشأن بمعنى واحد، والتذكير مع ذلك جائز، كما قال أبو طالب:
وإنْ لا يكنْ لحمٌ غَرِيض فإنه... تُكَبُّ على أفواهِهن الغرائرُ
وكما قال غيره:
نَخَلَت له نَفْسِي النصيحةَ إنَّه... عند الشدائد تذهبُ الأحقادُ
فلو كان المؤنث الذي في الجملة بعد مذكر لم يُشبَّه به مؤنث فضلة أو كالفضلة لم يُكْتَرث بتأنيثه فيؤنث لأجله الضمير، بل حكمه حينئذ التذكير، كقول الشاعر:
ألا إنّه من يلغ عاقِبة الهوى... مطيع دواعيه يبؤ بهوان
وكذلك لا يكترث بتأنيث ما هو كفضله، كقوله تعالى (إنّه من يأتِ ربَّه مُجرِما فإن له جهنم) فذكّر تعالى الضمير مع اشتمال الجملة على جهنم وهي مؤنثة، لأنها في حكم الفضلة، إذ المعنى: من يأت ربه مجرما فجزاؤه جهنم.
وكذلك لا يُكْتَرَثُ بتأنيث ما ولِي الضمير من مؤنثٍ شبِّه به مذكر نحو: إنه شمس وجهك.
ولا بتأنيث فاعل فعل وَلِي الضمير بلا علامة تأنيث نحو: إنه قام جاريتك.
وبروزه مبتدأ كقوله تعالى (قل هو الله أحد).
وبروزه اسم ما كقول الشاعر:
وما هو مَنْ يَأسُو الكُلُومَ ويُتَّقَى... به نائباتُ الدهر كالدَّائم البخل
وبروزه في باب إن كقوله تعالى (وإنه لما قام عبد الله يدعوه).
وفي باب ظن كقول الشاعر:
علمتُه الحقُّ لا يخفى على أحد... فكُنْ مُحِقًّا تنل ما شئتَ من ظَفَر
واستكنانه في باب كان كقول الشاعر:
إذا مِتُّ كان الناسُ صنفان شامتٌ... وآخرُ مثْن بالذي كنت أصنع
واستكنانه في باب كاد كقوله تعالى (كاد يزيغُ قلوب فريق منهم) في قراءة حمزة وحفص.
ص: ويُبْنى المُضْمَرُ لشبهه بالحرف وضعا وافتقارا وجُمودا، أو للاستغناء باختلاف صِيَغِه لاختلاف المعاني.
وأعلاها اختصاصا ما للمُتكلم، وأدناها ما للغائب، ويُغَلَّبُ الأخص في الاجتماع.
ش: المراد بشبه الحرف وضعا كون بعض المضمرات على حرف واحد كتاء فعلت، وكاف حدثتك.
وعلى حرفين كنا، فبناء ما هو كذا واجب لخروجه عن وضع الأسماء المختصة والتحاقه بوضع الحروف، وحملت البواقي على هذه، لأن هذه أصول أو كالأصول، وليجري الباب على سنن واحد.
والمراد بالافتقار كون المضمر لا تتم دلالته على مسماه إلا بضميم من مشاهدة أو ما يقوم مقامها، فأشبه بذلك الحرف لأنه في الغالب لا يفهم معناه بنفسه بل مع ضميم.
والمراد بالجمود عدم التصرف في لفظه بوجه من الوجوه حتى بالتصغير، وبأن يوصف أو يوصف به كما فعل بالمبهمات، وبأن يبنى منه مفعلة دالا على الكثرة كما فعل بالمتمكن من الأسماء، وإن لم يكن مشتقا، كمسْبعة لموضع كثرة السباع، ومَذْأبة لموضع كثرة الذئاب.
والمراد باختلاف صيغه لاختلاف المعاني أن المتكلم إذا عبر عن نفسه خاصة فله تاء مضمومة في الرفع، وفي غيره ياء.
وإذا عبر عن المخاطب فله تاء مفتوحة في الرفع، وفي غيره كاف مفتوحة في التذكير ومكسورة في التأنيث، فأغنى ذلك عن إعرابه، لأن الامتياز حاصل بدونه.
وتغليب الأخص عند الاجتماع بأن يقال: أنا وأنت فعلنا، وأنت وهو فعلتما، ولا يغلب غير الأخص فيقال في الأولى: فعلتما، ولا في الثاني فعلا.
فصل: ص: من المضمرات المسمَّى عند البصريين فَصْلا وعند الكوفيين عمادا، ويقع بلفظ المرفوع المنفصل، مطابقًا لمعرفةٍ قبلُ، باقي الابتداء أو منسوخه، ذي خبرٍ بعدُ، معرفة أو كمعرفة في امتناع دخول الألف واللام عليه.
وأجاز بعضهم وقوعه بين نكرتين كمعرفتين، وربما وقع بين حال وصاحبها، وربما وقع بلفظ الغيبة بعد حاضرٍ قائمٍ مقامَ مُضاف.
ش: الضمير المسمى فصلا وعمادا كهو من قولك: حسبت زيدا هو الكريم، فسمي فصلاً للفصل به بين شيئين لا يستغني أحدهما عن الآخر، ولانفصال السامع عن توهم الخبر تابعًا.
وسمي عمادًا لأنه معتمد عليه في تقرير المراد ومزيد البيان.
وذكر التابع أولى من ذكر النعت، لأن الضمير المشار إليه قد يقع بعد ما لا ينعت، وقبل ما لا ينعت به.
ولا بد من مطابقةٍ لما قبله في حضوره وغيبته وتذكيره وتأنيثه، وإفراده وتثنيته وجمعه.
ولا يكون ما قبله عند غير الأخفش إلا مبتدأ أو ما كان مبتدأ، ثم دخل عليه بعض نواسخ الابتداء.
وقد تناول هذا قولي "باقي الابتداء أو منسوخه".
وقلت "مطابقًا لمعرفة قبلُ وذي خبر بعدُ" ليعلم أنه لو قدم الخبر لاستغنى عنه.
ولا يكون ما بعده إلا معرفة أو مضارعًا لها في عدم قبول حرف التعريف، كحسبتك أنت مثله أو خيرًا منه.
ولو أوقع قبل نكرة تقبل حرف التعريف لم يجز.
والإشارة بوقوعه بين نكرتين كمعرفتين إلى نحو: ما أظن أحدًا هو خيرا منك، فإن أحدًا بما فيه من العموم شبيه بالمعرف بالألف واللام الجنسية، وخيرًا منك شبيه بمعرفة في امتناع دخول حرف التعريف عليه.
وقد حكى سيبويه أن أهل المدينة يجيزون وقوع الفصل بين نكرتين كهاتين.
وروى عن يونس أن أبا عمرو رآه لحنا.
ولم يجعلوه فصلا وقبله نكرة، كما أنه لا يكون وصفا ولا بدلا لنكرة.
وحكى الأخفش أن بعض العرب يأتي بالفصل بين الحال وصاحبها فيقول: ضربت زيدًا هو ضاحكا، وعلى هذه اللغة قرأ بعضهم (هؤلاءُ بناتي هنَّ أطهرَ لكم) بنصب أطهر.
وأشرت بقولي "وربما وقع بلفظ الغيبة بعد حاضر" إلى قول الشاعر:
وكائِنْ بالأباطِح من صديقٍ... يراني إنْ أُصِبْتُ هو المصابا
تقديره عند أكثرهم: يرى مصابي إن أصبتُ هو المصاب، فحذف المضاف إلى الياء وأقامه في اللفظ مقامه، وطابق الفصل المحذوف لا الثابت.
ويجوز أن يكون هو توكيدا لضمير الفاعل.
ص: ولا يتقدَّمُ مع الخبر المُقَدَّم خلافا للكسائي، ولا موضع له من الإعراب على الأصح، وإنما تتعين فصليته إذا وليه منصوبٌ وقُرِنَ باللام، أو وَلِي ظاهرا، وهو مبتدأ مخبر عنه بما بعده عند كثير من العرب.
ش: لما كانت فائدة الفصل صون الخبر من توهمه تابعًا لزم من ذلك الاستغناء عنه إذا قدم الخبر، لأن تقدمه يمنع من توهمه تابعًا، إذ التابع لا يتقدم على المتبوع، فلو قدم المفعول الثاني: في حسبت زيدًا هو خيرًا منك، لترك الفصل لعدم الحاجة
إليه مع كونه في محله، فلأن يترك ولا يجاء به بعد الخبر المقدم أحق وأولى.
فظهر بهذا بطلان ما أجازه الكسائي رحمه الله من ذلك.
ولا موضع له من الإعراب، خلافًا لقوم يجعلونه توكيدًا لما قبله، قال سيبويه: لو كان كذلك لجاز: مررت بعبد الله هو نفسه، ثم قال: "ويدخل عليهم: إن كان زيد لهو الظريف، وإن كنا لنحن الصالحين، فالعرب تنصب هذا، والنحويون أجمعون، ولا يكون هو ونحن صفة وفيهما اللام" يعني بالصفة التوكيد.
ثم قال سيبويه "فصارت هو وأخواتها هنا بمنزلة ما إذا كانت لغوا، في أنها لا تغير ما بعدها عن حاله قبل أن تذكر".
فكلام سيبويه مشعر بأن الفصل لا موضع له من الإعراب، ويؤيد ذلك عدم تغيره لتغيِّر ما قبله كقولك: زيدٌ هو الفاضلُ، وعلمت زيدًا هو الفاضلَ، فلو كان له موضع من الإعراب لقلت: علمت زيدا إياه الفاضل، كما تقول: ما أكرمني إلا أنت، وما أكرمت إلا إياي.
والحاصل أن الضمير المشار إليه إذا وقع بين مخبر عنه وخبر متأخر، فإن كان الخبر نكرة لا تشبه المعرفة كشبه مثلك وخير منك امتنعت الفصلية، فإن كان معرفة أو شبهها ورفعته احتمل أن يكون الضمير فصلا وأن يكون مبتدأ، فإن نصبته وقرن الضمير باللام المفتوحة تعينت الفصلية ظاهرا كان ذو الخبر أو ضميرا.
وإن نصبت الخبر ولم يقرن الضمير باللام تعينت الفصلية إن كان المخبر عنه ظاهرًا، وجاز التوكيد والفصلية إن كان المخبر عنه ضميرا.
ومن العرب من يجعل الضمير المشار إليه مبتدأ ويرفع ما بعده بمقتضى الخبرية مطلقا، قال سيبويه: بلغنا أن رؤبة كان يقول: أظن زيدًا هو خيرٌ منك، وحدثنا عيسى أنَّ ناسًا كثيرًا من العرب يقولون (وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمون) وأنشد:
تبكي على لُبْنى وأنت تركتها... وكنت عليها بالملا أنتَ أقْدر