شرح التسهيل لابن مالكصفحات 186-225

باب الموصول

صفحات 186-225
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن مالك
الكتاب
شرح تسهيل الفوائد
المؤلف
محمد بن عبد الله، ابن مالك الطائي الجياني، أبو عبد الله، جمال الدين (المتوفى: 672هـ)
المحقق
د. عبد الرحمن السيد، د. محمد بدوي المختون
الناشر
هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى (1410هـ - 1990م)
عدد الأجزاء
4 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ص: وهو من الأسماء ما افتقر أبدا إلى عائدٍ أو خَلَفه، وجملةٍ صريحة أو مؤولة غير طلبية ولا إنشائية.
ش: نبهت بقولي "وهو من الأسماء" على أن الحرف الموصول لم يقْصد دخوله في الحد، بل قُصِد الاقتصارُ على حد الموصولات الاسمية.
واحترزت "بالعائد" من: حيث وإذ وإذا، فإنها أسماء تفتقر إلى جملة لكنها مستغنية عن عائد.
واحترزت "بأبدا" من النكرة الموصوفة بجملة فإنها على حال وصفها بها تفتقر إليها وإلى عائد، لكن الموضع بالأصالة لمفرد، وتؤول الجملة به، ويغني ذكره عنها، فالافتقار إلى ما تؤول به لا إليها، وإن صدق في الظاهر أنها مُفْتقرٌ إليها، فلا يصدق على الافتقار إليها أنه كائن أبدا.
بخلاف الجملة الموصول بها فإن الافتقار إليها كائن أبدا عند ذكر الموصول، وإذا وقع موقعها ظرف أو حرف جر وجب تعليقه بفعل مسند إلى ضمير الموصول وإذا وقعت الصلة صفة موصولا بها الألف واللام يجب تأولها بفعل، ولذلك تعمل حينئذ ماضية المعنى وحاضرته ومستقبلته.
وإذا لم تقع صلة فلا تعمل إلا في حضور أو استقبال.
وإلى الصفة المشار إليها والظرف وحرف الجر أشرت بقولي "أو مؤولة".
وأشرت بقولي "أو خَلَفه" إلى أن العائد قد يغني عنه قرينة تدل عليه، أو ظاهر يقوم مقامه كقوله: وأنت الذي في رحمة الله أطمع

أراد: وأنت الذي في رحمته أطمعُ وقيد الجملة الموصول بها بكونها غير طلبية ولا إنشائية لأن الغرض بالصلة تحصيل الوضوح للمحصول، والجملة الطلبية لم يتحصل معناها بعد، فهي أحرى بألا يتحصل بها وضوح غيرها، وأما الإنشائية فإن حصول معناها مقارن لحصول لفظها، فلا يصلح وقوعها صلة، لأن الصلة مُعَرِّفة، والموصولُ مُعَرَّف، فلا بد من تقدم الشعور بمعناها على الشعور بمعناه.
والمشهور عند النحويين تقييد الجملة الموصول بها بكونها معهودة، وذلك غير لازم، لأن الموصول قد يراد به معهود، فتكون صلته معهودة، كقوله تعالى (وإذ تقولُ للذي أنْعَمَ الله عليه وأنعمت عليه) وكقول الشاعر: ألا أيُها القلبُ الذي قادَه الهوى... أفقْ لا أقَرَّ اللهُ عينَك من قلب وقد يراد به الجنس فتوافقه صلته، كقوله تعالى (كمثل الذي ينعق بمالا يسمعُ إلا دعاءً ونداء) وكقول الشاعر: فيَسْعَى إذا أبْنِي ليهدمَ صالحي... وليس الذي بيني كمَنْ شأنُه الهدْم وقد يُقْصدُ تعظيمُ الموصول فتبْهم صلته كقول الشاعر: فإنْ أستطعْ أغلبْ وإنْ يَغْلب الهوى... فمثلُ الذي لا قيْتُ يُغْلَبُ صاحبُه

ومثله قوله عز وجل (فغشيهم من اليَمِّ ما غشيهم) وقال الشاعر: وكنتَ إذا أرْسَلْتَ رائدا... لقلبك يوما أتْعَبَتْكَ المناظرُ رأيتَ الذي لا كلُّه أنت قادرٌ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر ص: ومن الحروف ما أُوِّل مع ما يليه بمصدر، ولم يَحْتَج إلى عائد.
ش: لما كان الموصول على ضربين: أحدهما من الأسماء، والآخر من الحروف، وفرغت من حد الأول، شرعت في حد الثاني.
فقولي "ما أوِّل بمصدر" يتناول: صه، أي سكوتا ونحوه، فإنه يؤول بمصدر معرفة إن لم ينون، وبمصدر نكرة إن نون.
ويتناول أيضا الفعل المضاف إليه نحو: حين قمت، فإن معناه: حين قيامك.
ويتناول أيضا نحو: هو، من قوله تعالى (هو أقرب للتقوى) فإنه بمعنى العدل.
فاحترزت من هذه الأشياء ونحوها بقولي "مع ما يليه" فإن هذه الأشياء مؤولة بمصادر لا مع شيء يليها، بخلاف الحروف الموصولة فإنها تؤول بمصادر مع ما يليها من صلاتها.
ولما كان "الذي" قد يوصف به مصدر ثم يحذف المصدر ويقام هو مقامه، فيصدق عليه حينئذ أنه مؤول مع ما يليه بمصدر، مع أنه ليس من الحروف الموصولة، احترزت منه بعدم الاحتياج إلى عائد، فإن "الذي" الموصوف به مصدر على ما قدر لا يستغني عن عائد، ومثال ذلك قوله تعالى (وخُضْتم كالذي خاضوا) أي كالخوض الذي خاضوه، فحذف الخوض وأقيم الذي مقامه، وحذف العائد إلى الذي لأنه منصوب متصل بفعل، وحذف مثله كثير.
ص: فمن الأسماء: الذي والتي للواحد والواحدة، وقد تُشَدُّ ياءاهما

مكسورتين أو مضمومتين، أو تُحْذفان ساكنا ما قبلهما أو مكسورا، ويخلفهما في التثنية علامتُها مُجوَّزا شدُّ نونها وحذفها وإنْ عُنِيَ بالذي من يَعْلَم أو شِبْهُه فجمعه الذين مطلقا.
ويُغْني عنه الذي في غير تخصيص كثيرا، وفيه للضرورة قليلا، وربما قيل: اللَّذُون رفعا، وقد يقال: لَذِي ولَذان ولَذين ولَتي ولاتي.
ش: لما ثبت أن الموصول ضربان: أحدهما من الأسماء والآخر من الحروف، شرعت في ذكر الأسماء، فبدأت بالذي والتي لأنهما كالأصل لغيرهما، فإن غيرهما إذا أشكل أمره يستدل على موصوليته بصلاحية موضعه للذي إن كان مذكرا والتي إن كان مؤنثا.
وفي الذي والتي ست لغات: الأولى: ما بدئ به.
والثاني: حذف الياء مع بقاء الذال والتاء مكسورتين كقول الشاعر: لا تعذِل اللَّذِ لا ينفَكُّ محتسبا... حمدا وإن كان لا يُبقي ولا يذَر والثالثة: حذف الياء وتسكين الذال والتاء كقول الشاعر: فلم أرَ بيْنا كان أحسنَ بهْجَةً... من اللَّذْ له من آل عزَّةَ عامر وكقول الآخر: ما اللَّذْ يسوءك سوءًا بعد بَسْط يد... بالبِرّ إلا كمثل البغي عدوانا ومثله: فما نحن إلا من أناس تحرّموا... بأدنى من اللذ نحن فيه وأبرءوا والرابعة: تشديد الياء مكسورة كقول الشاعر:

وليسَ المال فاعلمهُ بمالٍ... وإن أرضاك إلا للَّذيِّ ينالُ به العلاءَ ويمتهنْه... لأقرَبِ أقْرَبيه وللقَصِيِّ والخامسة: تشديد الياء مضمومة كقول الشاعر: أغْضِ ما اسطعتَ فالكريمُ الذيُّ... يألفُ الحِلمَ إن جفاهُ بذِيُّ السادسة: حذف الألف واللام وتخفيف الياء ساكنة، وبهذه اللغة قرأ بعض الأعراب، قال أبو عمرو بن العلاء: سمعتُ أعرابيا يقرأ بتخفيف اللام (صراط لذين).
ومن استعمال اللَّتِ قوله: شُغِفَتْ بكَ اللَّتِ تَيَّمْتك فمثلُ ما... بك ما بها من لَوْعَةٍ وغرام ومن استعمال اللتْ قوله: أرضنا اللَّتْ أوَتْ ذوي الفقرِ والذُّ... لِّ فآضُوا ذوي غِنًى واعتزازِ ومثله: فقل لِلَّتْ تلومُك إن نفسي... أراها لا تُعَوَّذ بالتَّميم

وقد استغنوا في التثنية بقولهم: اللذان واللتان عن اللذيين واللتيين، فاعتبروا أخف اللغات وإن كانت أقل من الذي والتي.
وذلك أن المفرد أخف من المثنى، وخفف جوازا بحذف الياء، فلما قصدوا التثنية وهي أثقل من الإفراد وأحوج إلى التخفيف التزم فيها من حذف الياء ما كان في الإفراد جائزا.
وجوز تشديد النون عوضا عن المحذوف.
ولما كان الحذف مستعملا في الإفراد بوجه ما لم يكن التعويض لازما بل جائزا.
ولما كانت التثنية من خصائص الأسماء المتمكنة ولحقت الذي والتي، وكان لحاقها لها معارضا لشبهها بالحروف أعربا في التثنية، كما جُعلت إضافة أي معارضة لشبهها بالحروف فأعربت.
ولم يُعربْ أكثر العرب "الذين" وإن كان الجمع من خصائص الأسماء لأن الذين مخصوص بأولي العلم، والذي عام، فلم يجر على سنن الجموع المتمكنة، بخلاف اللَّذَين واللَّتين، فإنهما جرتا على سنن المثنيات المتمكنة لفظا ومعنى.
وعلى كل حال ففي الذي والذين شبه بالشجى والشَّجين في اللفظ وبعض المعنى فلذلك لم تجمع العرب على ترك إعراب الذين، بل إعرابه في لغة هذيل مشهور، فيقولون: نصرت الذين آمنوا على الذين كفروا، ومن ذلك قول بعضهم: وبنو نويجية الَّذون كأنهم... معط مخرمة من الخزان وإذا لم يقصد بالذي مخصص جاز أن يعبر به عن جمع حملا على مَنْ كقوله

تعالى (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون) ولو لم يكن المراد به جمعا لم يشَر إليه بجمع ولا عاد عليه ضمير جمع، ومن ذلك أيضا قوله تعالى (كما يقومُ الذي يتخبَّطه الشيطانُ من المسِّ) فلو لم يرَد به جمعٌ لم يضرب به مثل لجمع.
فإن قُصِد بالذي مُخَصَّص فلا محيصَ عن اللَّذَيْن في التثنية، والذِين في الجمع، ما لم يضطر شاعر، كقوله: أبَني كُلَيْبٍ إنَّ عَمَّيَّ اللَّذا... قتلا الملوكَ وفَكَّكا الأغلالا وكقول الآخر: وإنَّ الذي حانَتْ بِفَلْجٍ دماؤهم... هم القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالد ومن قال: الذون رفعًا والذين نصبا وجرا قال في اللاء إذا أريد به ما يراد بالذين: اللاءون رفعا، واللائين جرا ونصبا.
ومن قال "الذين" مطلقا قال "اللائين" مطلقا.
وقيل: اللاءون في الرفع واللائين في النصب والجر لغة هذيل.
ويقال أيضا في اللاء بمعنى اللاتي إذا جمع اللاءات معربا ومبنيا على الكسر، ومنه قول الشاعر: أولئك إخواني الذين عرفتهم... وأخْواتُكَ اللاءات زُيِّنَ بالكتَم

بضم التاء على الإعراب، وبكسرها على البناء.
ص: وبمعنى الذين الألى والأُلاءِ والَّلاءِ والَّلائين مطلقا، أو جَرًّا ونصبا واللاؤون رفعا.
وجمع التي اللائي واللاتي واللواتي.
وبلا ياءات، واللَّا واللَّوا، واللاءات مكسورًا أو معربا إعراب أولات والألى.
وقد ترادف التي واللاتي ذات وذوات مضمومتين مطلقا.
ش: المشهور في الألى ورودها بمعنى الذين، وفي اللاء ورودها بمعنى اللاتي، وقد ترد الألى بمعنى اللاتي، واللائي بمعنى الذين، وقد جاءت الألى بالمعنيين في قول الشاعر: وتُفنى الألى يَسْتَلْئِمُون على الألى... تَراهُنَّ يوم الرَّوْع كالحِدَأ القُبْل وقال آخر في ورود الألى بمعنى اللائي: وأمّا الأُلى يَسْكُنّ غَوْرَ تِهامةٍ... فكلُّ فتاةٍ تتركُ الحِجْلَ أفصَما

وقال آخر في ورود اللاء بمعنى الذين: فما آباؤنا بأمَنَّ منه... علينا اللاءِ قد مَهَدوا الحُجورا وقال ابن الزَّبِير: أرِحني من اللائي إذا حلّ بينهم... يُمَشُّون في الدّارات مشي الأرامل وقال كثير: تَرُوق عيونَ اللاء لا يَطْعمونها... ويروى بريّاها الضجيع المكافِح وله: من اللائي يعود الحلم فيهم... ويعطون الجزيل بلا حساب وقال آخر في اللائين: وإنّا من اللائين إن قَدَرُوا عَفَوْا... وإنْ أتْرَبُوا جادوا وإن تَرِبُوا عَفُّوا فقوله من اللائين يحتمل أن يكون على لغة من يبني، ويحتمل أن يكون على لغة من يعرب، فإن فيه لغتين كما في الذين، واللاءون رفعا لغة هذيل، ومنه قول بعضهم: هم اللاءُون فكُّوا الغُلَّ عني... بمَرْوِ الشاهِجان وهُمْ جناحي

وقيل الأُلاء بمعنى الألي، قال كثير: أبى الله للشُّمِّ الأُلاء كأنهم... سُيوفٌ أجادَ القَيْنُ يوما صِقالها والصحيح أن الذين جمع الذي مرادًا به من يعقل، وأن اللائين جمع اللاء مرادف الذين، وأن اللاءات جمع اللاء مرادف اللاتي.
وكذلك اللوائي واللواتي هما جمعان للائي واللاتي، على حد قولهم في الهادِي وهو العنق هواد، وفي الهابي وهو الغبار هواب.
وأما اللاتي فيحتمل أن يكون اسما للجمع، لأنه ليس على بناء من أبنية الجمع، ويحتمل أن يكون جمعا لأنه متضمن لحروف التي، ويغتفر كونه مخالفا لأبنية الجموع كما اغتفر في اللتيا كونه مخالفا لأبنية التصغير.
وأما اللاء والألي وغيرهما من الموصولات الدالة على جمع فأسماء جموع، لأنها لا تتضمن حروف الواحد.
وإثبات ياءات اللاتي واللائي واللواتي واللوائي هو الأصل، وحذفها تخفيف واجتناب للاستطالة، وقد بالغوا حتى حذفوا التاء والياء من اللاتي واللوائي فقالوا: اللا واللوا، قال الراجز: جمعتُها من أيْنُق غِزار... من اللَّوا شُرِّفْن بالصِّرار وقال الكميت: وكانت من الَّلا لا يغيِّرُها ابنُها... إذا ما الغلامُ الأحمقُ الأمَّ غيَّرا وقال آخر: فدومي على العهد الذي كان بيننا... أم أنت من الَّلا ما لهُنّ عُهُود والأظهر عندي أن الأصل في: اللّوا، اللواء.
وفي: اللا، اللاء، ثم قصرا.
وروى الفراء عن بعض فصحاء العرب: بالفضل ذو فضلكم الله به، والكرامة ذاتُ

أكرمكم الله بَهْ، أراد: التي أكرمكم الله بها، فحذف الألف، وحرك الباء بحركة الهاء.
وأنْشد في ذوات بمعنى اللاتي: جَمَعْتُها من أيْنَقٍ مَوارِقِ... ذواتُ يَنْهَضْنَ بغير سائق أراد اللاتي ينهضن.
وتاء ذات وذوات مضمومة أبدًا.
ص: وبمعنى الذي وفُروعِه "مَنْ" و"ما" و"ذا" غيرَ مُلغى ولا مُشارٍ به بعد استفهام بما أو مَنْ، و"ذو" الطائيةُ مبنيةً غالبا، و"أيّ" مضافًا إلى معرفة لفظا أو نية، ولا يلزم استقبال عامله ولا تقديمُه خلافا للكوفيين، وقد يؤنث بالتاء موافِقا للتي، وبمعنى الذي وفروعه "الألف واللام" خلافا للمازني ومن وافقه في حرفيتها، وتُوصَل بصفةٍ مَحْضة، وقد تُوصَل بمضارع اختيارا، وبمبتدأ وخبر أو ظرف اضطرارا.
ش: فروع الذي اللذان والذين والتي واللتان واللاتي، فمن وما صالحان لمواقعها كلها كقولك لمن قال: مررت برجل وبرجال وبامرأة وبنسوةٍ: عرفت مَن مررت به ومَن مررت بهم، ومن مررت بها، ومن مررت بهن.
وكقولك لمن قال: اشتريت كتابا وثوبين وعمامة وملاحف، عرفت ما اشتريته، وما اشتريتهما، وما اشتريتها، وما اشتريتهن.
وكذلك "ذا" بعد استفهام بما أو من يقع أيضا موقع الذي وموقع كل واحد من فروعه المبنية عليها، نحو: ماذا علمت أخير أم شرٌّ؟ وماذا أنفقت أدرهمان أم ديناران؟ وماذا صليت أركعةٌ أم تسليمةٌ؟ ومن ذا خطبت أهندٌ أم دعدٌ؟ فلو ألغيت (ذا) حقيقة بتقدير سقوطها، أو حكما بجعلها مع (ما) و (من) شيئا واحدا حكم للموضع بما يستحقه لفظ أي الاستفهامية لو وقعت فيه، ويظهر أثر ذلك في الجواب والتفصيل.
فالجواب كقولك: خيرا، لمن قال لك: ماذا صنعت؟ والتفصيل كقولك: أخيرا أم شرا؟ وأزيدا أم عمرا؟ فلو جعل (ذا) بمعنى

الذي لكان الرفع أولى من الحالين، كما قال الشاعر: ألا تسألانِ المرءَ ماذا يحاول... أنَحْبٌ فَيقْضى أم ضلالٌ وباطلُ وعلى هذا تحمل قراءة أبي عمرو (قل العفوُ) بالرفع، وقراءة غيره بالنصب محمولة على الوجه الآخر.
ولو قصد "بذا" الإشارة، لكان "ماذا" و"من ذا" مبتدأ وخبرا واستغنى عن جواب وتفصيل.
وقد تكون "ماذا" في غير الاستفهام والإشارة اسما واحدا بمعنى الذي، أو بمعنى شيء كقول الشاعر: دَعي ماذا علمتُ سأتَّقيه... ولكن بالمُغَيَّبِ حَدِّثِيني وأنشد أبو علي قول الشاعر: أنَوْرًا سَرْعَ ماذا يا فَرُوق... وحَبْلُ الوَصْلِ مُنْبَتٌّ حَذِيق وقال: فاعل سرع "ماذا" وما زائدة، ويجوز أن يكون "ماذا" اسما واحدا كما هما في قوله: دعي ماذا علمت... أي دعي شيئا علمت، كذا قال أبو علي.
وعندي أن جَعْلَ "ماذا" في البيت الذي أوله "دعى" بمعنى الذي أولى من جعلها بمعنى شيء.
ومثل "ماذا" في احتمال معنى شيء ومعنى الذي في غير استفهام قول الشاعر: فلله ماذا هَيَّجَتْ من صبابة... على هالِكٍ يَهْذِي بهند ولا يدري

ويتعين إلغاء "ذا" أو جعلها مركبة مع ما في قول جرير: يا خُزْرَ تَغْلبَ ماذا بالُ نِسْوَتكم... لا يَسْتَفِقْن إلى الدَّيْرَيْنِ تحنانا ويترجح ذلك إذا كان بعدها الذي كقول ابن الدُميْنة: فماذا الذي يَشْفى من الحب بعدما... تشربه بطنُ الفؤادِ وظاهره وقد تجعل "ذا" في هذا البيت بمعنى الذي، والذي بعدها توكيدا أو خبر مبتدأ مضمر، كقول معاوية رضي الله عنه: إنَّ الذين الألى أدخلتهم نَفرٌ... لولا بوادر إرعاد وإبراق ويتعين أيضا التركيب والإلغاء في قول الشاعر: وأبلغ أبا سعد إذا ما لقيته... نذيرا وماذا ينفعنَّ نذير لأنها لو جعلت (ذا) بمعنى الذي لم يؤكد الفعل بعدها بالنون لأنه موجب، وإذا لم يجعل بمعنى الذي كان الاستفهام مستوليا على الفعل بعدها فيسوغ توكيده بالنون.
ومثال "ذا" الموصولة بعد مَن الاستفهامية قول الأعشى ميمون: وغريبة تأتي الملوك كريمة... قد قُلْتُها لِيُقالَ مَنْ ذا قالها والاحتجاج بهذا البيت أولى من الاحتجاج بقول ابن أبي كاهل: ويحسب أنَّ النائباتِ تركنه... ومن ذا الذي عَرينه فهو وازرُ لاستصعاب دخول موصول على موصول، إلا أن يجعل الثاني توكيدا لفظيا، أو خبر مبتدأ كما تقدم من قول ابن الدمينة:

فماذا الذي يشفي من الحب ومثل قول الأعشى قول أمية بن أبي عائذ الهذلي: ألا إنّ قلبي لدى الظاعِنين... حزينٌ فَمَنْ ذا يُعَزِّي الحَزينا وبمعنى الذي وفروعه "ذو" في لغة طيء، قال حاتم: ومن حَسَدٍ يَجُورُ عَلَيّ قوم... وأيُّ الدهر ذُو لم يحسدوني أراد، أي الدهر الذي لم يحسدوني فيه، ويتميز بعضها من بعض بالعائد أو بما هي له كقول الشاعر: فإن الماءَ ماءُ أبي وجدّي... وبِئري ذو حفَرتُ وذو طويتُ أي التي حفرت والتي طويت.
وبناؤها هو المشهور، وبعضهم يعربها بالحروف كما يعرب "ذو" بمعنى صاحب.
ويروى بالوجهين قول الشاعر: وإما كرامٌ موسِرُون أتيتُهم... فَحَسْبِيَ من ذي عندهم ما كَفانيا ومنهم من يقول: رأيت ذاتُ فعلت، وذواتُ فعلن، بمعنى التي فَعلت واللاتي فعلن.
وقد تقدم التنبيه على ذلك.
وأطلق ابن عصفور القول بتثنيتها وجمعها.
وأظن حامله على ذلك قولهم: ذات وذوات بمعنى: التي واللاتي.
فأضربت عنه لذلك.
ومن المستعمل بمعنى الذي وفروعه "أيّ" مضافة إلى معرفة لفظا كقولك: أقصد أيَّهم هو أكرم.
أو نية كقولك: سل منهم أيا تلقاه.
ولا يلتزم استقبال عامله

ولا تقديمه كما لا يلزم مع غيره.
وقال الكوفيون بلزوم ذلك، ولا حجة لهم إلا كون ما ورد على وفق ما قالوه.
كقوله تعالى (ثم لننزِعَنّ من كلِّ شيعةٍ أيُّهم أشدُّ) وكقول الشاعر: فادْنُوا إلى حقكم يأخذْه أيكمُ... شئتم وإلا فإياكم وإيانا وتقول في "أي" قاصدا بها معنى التي: عليك من النساء بأيِّهن تُرْضيك، وبأيتهن ترضيك، قال الشاعر: أمّا النّساء فأهوى أيْهن أرى... للحب أهلا فلا أنْفَك مَشْغُوفا وقال آخر: إذا اشتبه الرُّشدُ في الحادثا... ت فارْضَ بأيَّتها قد قُدِرْ ومن المستعمل بمعنى الذي وفروعه "الألف واللام" في نحو: رأيت الحسن وجهُه، والحسن وجهُها، والكريمَ أبوهما، والكريم أبوهم، والكريم أبوهن.
وزعم المازني أن الألف واللام للتعريف، وأن الضمائر عائدة على موصوفات محذوفة.
وهذا ضعيف لوجهين: أحدهما أن ذلك لو جاء مع الألف واللام المعرفة لجاز مع التنكير، إذ لا فرق بين تقدير الموصوف منكرا وتقديره معرفا، بل كان ذلك مع التنكير أولى، لأن حذف المنكر أكثر من حذف المعرف.
الثاني: أن الألف واللام لو كانت المعرفة لكان لحاقها اسم الفاعل قادحا في صحة عمله مع كونه بمعنى الحال والاستقبال، والأمر بخلاف ذلك، فإن لحاق الألف واللام به يوجب صحة عمله وإن كان ماضي المعنى، فعلم بذلك أن الألف واللام غير المعرفة، وأنها موصولة بالصفة، لأن الصفة بذلك يجب تأولها بفعل ليكون في حكم الجملة المصرح بجزأيها، ولأجل هذا التأويل وجب العمل مطلقا، وحسُن

أن يعطف على اسم الفاعل الموصول به فعل صريح، كقوله تعالى (فالمغيرات صبْحا فأثرْن به نقعا) و (إن المصدقين والمصدّقات وأقرضوا الله قرضا حسنا).
وعَنيْت بالصفة المحضة أسماء الفاعلين وأسماء المفعولين والصفات المشبهة بأسماء الفاعلين.
ووصل الألف واللام بفعل مضارع نحو قول الشاعر: ما أنتَ بالحَكم الْتُرْضَى حكومَتُه... ولا الأصيلِ ولا ذي الرأي والجَدَل وكقول الآخر: يقولُ الخَنا وأبْغَضُ العُجْم ناطقا... إلى ربِّنا صوتُ الحمار اليُجَدَّع وكذا قول الآخر: ما كاليرُوحُ ويَغْدُو لاهِيًا مَرِحا... مُشَمِّرًا يستديمُ الحزمَ ذو رَشَد ومثله: وليس اليُرَى للخِلِّ مثل الذي يرى... له الخِلُّ أهلا أن يُعَدّ خليلا واستدل ابن بَرهان على موصولية الألف واللام بدخولها على الفعل.
واستدلاله قوي، لأن حرف التعريف في اختصاصه بالاسم كحرف التنفيس في اختصاصه

بالفعل، فكما لا يدخل حرف التنفيس على اسم، لا يدخل حرف التعريف على فعل، فوجب اعتقاد الألف واللام في: الترضى، واليجدع، واليرى، واليروح أسماء بمعنى الذي، لا حرف تعريف.
وعندي أن مثل هذا غير مخصوص بالضرورة، لتمكن قائل الأول أن يقول: ما أنت بالحكم المرضي حكومته ولتمكن قائل الثاني من أن يقول: إلى ربنا صوت الحمارِ يُجدع ولتمكن الثالث من أن يقول: ما مَنْ يروح ولتمكن الرابع من أن يقول: وما من يري فإذ لم يفعلوا ذلك مع استطاعته ففي ذلك إشعار بالاختيار وعدم الاضطرار.
وأيضا فمقتضى النظر وصل الألف واللام، إذ هما من الموصولات الاسمية، بما توصل به أخواتها من الجمل الاسمية والفعلية والظروف، فمنعوها ذلك حملا على المعرِّفة، لأنها مثلها في اللفظ، وجعلوا صلتها ما هو جملة في المعنى ومفرد في اللفظ صالح لدخول المعرفة عليه، وهو اسم الفاعل وشبهه من الصفات.
ثم كان في التزام ذلك إيهام أن الألف واللام معرفة لا اسم موصول، فقصدوا التنصيص على مغايرة المعرفة، فأدخلوها على الفعل المشابه لاسم الفاعل وهو المضارع، فلما كان حاملهم على ذلك هو السبب، وفيه إبداء ما يحق إبداؤه، وكشف ما لا يصلح خفاؤه، استحق أن يجعل مما يحكم فيه بالاختيار ولا يخص بالاضطرار، ولذلك لم يقلّ في أشعارهم، كما قل الوصل بجملة من مبتدأ وخبر كقوله: مِنَ القومِ الرسُولُ اللهِ منهم... له دانَتْ رِقابُ بني مَعَدّ

وبظرف كقول الراجز: مَنْ لا يزال شاكرا على المعه... فهو حَرٍ بعِيشَةٍ ذاتِ سَعَة والتقدير: الذين رسول الله منهم، وعلى الذي معه.
وقال متمم: وغَيَّرني ما غال سَعْدا ومالكا... وعمرًا وحجرا بالمُشَقرّ ألْمَعا قال بعضهم: أراد الذين معا، وقال الكسائي: أراد معا فأدخل الألف واللام، والقولان متقاربان.
وقال الشلوبين: الدليل على أن الألف واللام حرف قولك: جاء القائمُ، فلو كانت اسما لكانت فاعلا واستحق قائم البناء، لأنه على هذا التقدير مهمل، لأنه صلة، والصلة لا يتسلط عليها عامل الموصول.
والجواب أن يقال: قد قام الدليل على أنها غير المعرفة بدخولها على الفعل، وتصحيحها عمل اسم الفاعل ذي المضي، فلم يبق إلا كونُها اسما موصولا إذ لا ثالث.
والجواب عن شبهة الشلوبين أن يقال: مقتضى الدليل أن يظهر عمل عامل الموصول في آخر الصلة، لأن نسبتها منه نسبة أجزاء المركب منه، لكن منع من ذلك كون الصلة جملة، والجمل لا تتأثر بالعوامل، فلما كانت صلة الألف واللام في اللفظ غير جملة جيء بها على مقتضى الدليل لعدم المانع.
ص: ويجوزُ حذفُ عائد غير الألف واللام إن كان متصلا منصوبا بفعل أو وصف، أو مجرورا بإضافة صفة ناصبة له تقديرا، أو بحرفٍ جُرَّ بمثله معنى ومَتَعَلَّقا الموصولُ أو موصوفٌ به.
وقد يحذف منصوبُ صلة الألف واللام، والمجرور بحرف وإن لم يكمل شرط الحذف.

ولا يحذف المرفوع إلا مبتدأ ليس خبره جملة ولا ظرفا، بلا شرط عند الكوفيين، وعند البصريين بشرط الاستطالة في صلة غير "أيّ" غالبا، وبلا شرط في صلتها.
ش: قيد العائد الذي يجوز حذفه بكونه لغير الألف واللام، لأن عائدهما عند الأكثر لا يحذف، لأنه يكمل صلتهما تكميل صلة غيرهما ويميزهما من المعرفتين، ويبدي من التأنيث والتثنية والجمع ما لا يبديانه.
وقيد بالنصب احترازا من غير المنصوب، فإنه فيه تفصيل يأتي ذكره.
وقيد المنصوب بالاتصال احترازا من المنفصل فإنه لا يجوز حذفه، إذ لو حذف جهل كونه منفصلا.
واشترط في المتصل انتصابه بفعل أو وصف احترازا من نصبه بغيرهما، نحو: رأيت الذي كأنه أسد، فإن حذفه لا يجوز.
ومثل الجائز الحذف لاتصاله بفعل كقوله تعالى: (وآمنوا بما أنزلتُ مصدقا) ومنه قول الشاعر: كأنك لم تُسْبَقْ من الدهرِ ساعة... إذا أنت أدركتَ الذي كنت تطلب وقال آخر: وحاجةٍ دون أخرى قد سمحت بها... جعلتُها للتي أخْفَيْتُ عنوانا ومما جاء بوجهين قوله تعالى (وما عملته أيديهم) و (وفيها ما تشتهيه الأنفسُ) قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بالحذف فيهما، ووافقهم في "تشتهي"

ابن كثير وأبو عمرو.
ومثال المتصل الجائز الحذف لنصبه بوصف قوله: ما الله مُوليكَ فضلٌ فاحْمَدَنْه به... فما لدى غيرِه نفعٌ ولا ضرر وقوله: وليس من الراجي يخيب بما جد... إذا عجزه لم يَسْتَبِن بدليل تقدير الأول: موليكه، وتقدير الثاني: من الراجيه.
ومثال المجرور بالإضافة صفة ناصبة تقديرا قوله تعالى (وتُخْفي في نفسِك ما الله مبديه) فهذا مثال الإثبات.
ومثال الحذف قوله تعالى (فاقض ما أنت قاض) ومثله قول الشاعر: ويَصْغُر في عيني تِلادي إذا انثنت... يميني بإدراكِ الذي كنتُ طالبا ومثله: لَعَمْرُك ما تدري الضواربُ بالحصى... ولا زاجراتُ الطير ما الله صانع ومثال المجرور بحرف جُرَّ بمثله الموصول أو موصوف به: مررت بالذي مررت به، أو بالرجل الذي مررت به، فهذا مثال الإثبات.
ومثال الحذف قوله تعالى (ويشرب مما تشْربون) ومثله قول الشاعر: نُصلِّي لِلَّذي صَلَّتْ قريشٌ... ونعبده وإن جَحَد العمومُ

أراد نصلي للذي صلت له، فحذف العائد المجرور باللام، لأن الموصول مجرور بمثلها معنى ومتعلقا، وكذا لو كان أحد المتعلقين فعلا والآخر صفة بمعناه كقوله: وقد كنتَ تُخْفي حُبَّ سمراءَ حِقبَةً... فَبُحْ لان منها بالذي أنت بائح وكذا لو كان الموصوف مجرورا بها كقوله: إنْ تُعْن نفسُك بالأمرِ الذي عُنِيَت... نفوسُ قوم سَمَوْا تَظْفَرْ بما ظَفِروا أراد الذي عنيت به فحذف المجرور بالباء لأن الموصوف بالموصول مجرور بمثلها.
ولا يجوز حذف العائد المجرور إن خلا مما شرط في جواز حذفه إلا قليلا، ومنه قول حاتم: ومِنْ حَسَدٍ يَجُورُ عَلَيّ قومي... وأيُّ الدهرِ ذو لم يَحْسَدُوني ومثله قول الفرزدق: لعل الذي أصْعَدْتِني أن يردَّني... إلى الأرض إنْ لم يَقْدِر الحينَ قادر وربما حذف إن جر بمثل ما جر به الموصول معنى لا متعلقا كقول الشاعر: فأبلغ الحارث بن نضلة والـ... مَرء معنى بلوم من يثق أراد من يثق به، ومثله:

وإنّ لساني شُهْدَةٌ يُشْتَفى بها... وهُوَّ عَلى مَنْ صَبِّه اللهُ عَلْقَمُ أراد: من صبه الله عليه، وقد يحذف منصوب صلة الألف واللام كقوله: ما المستفِزُّ الهوى محمودَ عاقبة... ولو أُتِيحَ له صفوٌ بلا كَدَرِ وقد يحذف العائد المجرور لوجود مثله بعد الصلة كقوله: لو أنَّ ما عالجتُ لين فؤادِها... فقسا استُلِينَ به لَلان الجَنْدَل أراد: لو أن ما عالجت به لين فؤادها فقسا، فحذف به المتصل بعالجت استغناء عنه بالمتصل باستلين وإن كان بعد الصلة، لأنه عائد على ما، والكلام واحد، وإلى مثل هذين أشرت بقولي: وقد يحذف المجرور بحرف، وإن لم يكمل شرط الحذف.
وقيدت جواز حذف العائد المرفوع بكونه مبتدأ احترازا من غير المبتدأ كالفاعل، فإن حذفه وحذف ما أشبهه لا يجوز، وأما المبتدأ فإن عاد على أيّ جاز حذفه بإجماع طالت الصلة أو لم تطل، ما لم يكن خبره جملة أو ظرفا.
وإن عاد على غير أي ولم يكن خبره جملة ولا ظرفا جاز حذفه عند الكوفيين مطلقا كجوازه في صلة أي، ولم يجز حذفه عند البصريين دون استكراه إلا إذا طالت الصلة، كقول بعض العرب: ما أنا بالذي قائلٌ لك سوءا، أراد: ما أنا بالذي هو قائل لك سوءا، فحسُن الحذف لطول الصلة بالمجرور والمنصوب.
فإن زاد الطول ازداد الحذف حسنا كقوله تعالى (وهو الذي في السماء إلهٌ وفي الأرض إله) التقدير والله أعلم: وهو الذي في السماء إله، وهو في الأرض إله.
فإن عدمت الاستطالة ضعف الحذف ولم يمتنع كقول الشاعر:

مَنْ يُعْنَ بالحمد لم يَنْطِق بما سَفَهٌ... ولا يَحِد عن سبيل الحلم والكرم أراد: لا ينطق بما هو سفه.
ومثله قراءة بعض السلف (تماما على الذي أحسنُ).
واشترط في جواز الحذف كون الخبر غير جملة ولا ظرف، لأنه لو كان أحدهما ثم حذف المبتدأ لم يعلم حذفه، لأن ما بقي من الجملة أو الظرف، صالح للوصل به دون شيء آخر، فامتنع الحذف.
ص: وهي حينئذ على موصوليتها مبنية على الضم غالبا، خلافا للخليل ويونس، وإن حُذِف ما تُضافُ إليه أعربت مطلقا، وإنْ أنثتْ بالتاء حينئذ لم تمنع الصرفَ خلافا لأبي عمرو.
ش: مذهب الخليل ويونس أن "أيًّا" الموصولة معربةٌ أبدا، وما ورد عنهم مما يوهم البناء عند حذف شطر صلتها كقوله تعالى (ثم لَنَنْزِعَنّ من كلِّ شيعةٍ أيُّهم أشدُّ على الرحمن عِتِيًّا) جعله الخليل محكيا بقول مقدر.
وحكم يونس بتعليق الفعل قبلها، لأن التعليق عنده غير مخصوص بأفعال القلوب، والحجة عليهما قول الشاعر: إذا ما لَقيتَ بَني مالِك... فسَلِّم على أيُّهم أفضلُ لأن حروف الجر لا تعلق، ولا يضمر قول بينها وبين معمولها، وإذا بطل التعليق وإضمار القول تعين البناء، إذ لا قائل بخلاف ذلك.
ونبهت بقولي "غالبا" على أن بناء أي عند حذف شطر صلتها غير لازم، وإنما هو أحق من الإعراب، ومن شواهد الإعراب قراءة طلحة بن مُصرِّف ومعاذ بن مسلم (لننزِعَنَّ من كلِّ شيعة أيَّهم) بالنصب، وإعرابها حينئذ مع قلته قوي،

لأنها في الشرط والاستفهام تعرب قولا واحدا لمخالفتها غيرها من أسماء الشرط والاستفهام، بإضافتها ووفاقها في المعنى لبعض إن أضيفت إلى معرفة، ولكلِّ إن أضيفت إلى نكرة.
والموصولة أيضا مخالفة لغيرها من الأسماء الموصولة بإضافتها، إلا أنها لا تضاف إلا إلى معرفة، فوافقت في المعنى بعضا دون كلٍّ، فضعف بذلك مُوجِبُ إعرابها، فجعل لها حالان: حال بناء وحال إعراب، وكان أولى أحوالها بالبناء الحال التي يحذف فيها شطر صلتها مع التصريح بما تضاف إليه، لأن حذف شطر صلتها لم يستحسن فيها ولا في غيرها إلا لتنزيل ما تضاف إليه منزلته، وذلك يستلزم تنزُّلها حينئذ منزلة غير مضاف لفظا ولا نية، وإنما أعربت لإضافتها، فإذا صارت في تقدير ما لم يضف ضعف سبب إعرابها فبنيت غالبا.
فإن حذف ما تضاف إليه أعربت على كل حال، لأن ذلك يبدي تمكنها في الإضافة لاستغنائها بمعناها عن لفظها، وإلحاق التنوين بها عوضا، فأشبهت بذلك كلاًّ، وفإن كُلَّا يحذف ما يضاف إليه كثيرا ويجاء بالتنوين عوضا منه.
وإذا قيل في "أيّ" أية لإرادة معنى التي فإما أن يصرح بما تضاف إليه وإما أن يحذف وينوى، فإن صرح به فحكم "أية" معه حكم "أي" حين يصرح بما تضاف إليه بلا خلاف، وإن نوى فكذلك أيضا، وكان أبو عمرو يمنعها الصرف حينئذ للتأنيث والتعريف، لأن التعريف بالإضافة المنوية شبيه بالتعريف بالعلمية ولذلك منع من الصرف جُمعَ المؤكد به، لأن فيه عدلا وتعريفا بإضافة منوية فكان كالعلم المعدول، إلا أنَّ شَبَه جُمعَ بالعلم أشد من شبه أيَّة، لأن جُمع لا يستعمل ما يضاف إليه، بخلاف أية فإن استعمال ما تضاف إليه أكثر من عدمه، فلم تشبه العلم.
ص: ويجوز الحضور أو الغيبة في ضمير المخبر به أو بموصوفه عن حاضر مقدم، ما لم يُقْصَد تشبيهه بالمخبر به فتَتعين الغيبة، ودون التشبيه يجوز الأمران إن وُجد ضميران.
ش: الإشارة بهذا الكلام إلى نحو: أنت الذي فعل، وأنت فلان الذي فعل، وأنت رجل فعل، ففي فعل الأول ضمير عائد على موصول مخبر به، وفي فعل الثاني ضمير عائد على موصول موصوفُه مُخْبرٌ به، وفي فعل الثالث ضمير عائد على نكرة مخبر به، والمخبر عنه في الأمثلة الثلاثة حاضر مقدم، وقد جيء بمضمر خبره غائبًا

مُعتبرا به حال الخبر، ولو جيء به حاضرا معتبرا به حال المخبر عنه جاز، فكنت تقول: فعلتَ، في الأمثلة الثلاثة، لأن المخبر عنه والمخبر به شيء واحد في المعنى، وفي حديث محاجَّةِ موسى آدم عليهما السلام "أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته؟ " وفي رواية "أنت الذي أعطاه الله علم كل شيء واصطفاه على الناس برسالته؟ ومن اعتبار حال المخبر عنه قول الفرزدق: وأنتَ الذي تَلْوِي الجنودُ رءوسها... إليك وللأيتامِ أنتَ طعامُها ومثله قول قيس العامري: وأنت الذي إن شئت نَعَّمتَ عيشتي... وإن شئت بعد الله أنعمت باليا ومن اعتبار حال الخبر قول الفرزدق: وأنت الذي أمست نزار تَعُدُّه... لدَفْعِ الأعادي والأمور الشدائِد فلو قصد تشبيه المخبر عنه بالمخبر به تعين كون العائد بلفظ الغيبة كقولك: أنت الذي فعل، بمعنى كالذي فعل.
وكذلك تتعين الغيبة عند تأخر ما يدل على الحضور كقولك: الذي فعل أنت، فلذلك قلت في الأصل "عن حاضر مقدم".

ومثال ما يجوز فيه الأمران إن وجد ضميران مع عدم التشبيه قولُ بعض الأنصار رضي الله عنهم: نحن الذين بايَعُوا محمدا... على الجهادِ ما بقينا أبدا ومثله: أأنت الهلاليُّ الذي كنتَ مرةً... سمعنا به والأرحبيُّ المعَلَّقُ أي ومعه الأرحبي.
ص: ويُغْني عن الجملة الموصول بها ظرفٌ أو جارٌ ومجرورٌ منْويٌّ معه استقَرَّ أو شبهُه، وفاعلٌ هو العائد أو ملابسٌ له، ولا يُفْعَل ذلك لذي حَدَث خاص ما لم يعمل مثله في الموصول أو موصوف به، وقد يغني عن عائد الجملة ظاهرٌ.
ش: الظرفُ الموصول به جملةٌ في المعنى، لأنه لا بد من تعلقه بفعل لا يستغني عن فاعل، وكذا حرف الجر الموصول به، فلو استغنيت عن ذكرهما بذكر الجملة لكان الإلغاء، إلا أن التصريح بذكرهما أجود، وذلك نحو: عرفت الذي عندك، أي الذي استقر عندك، والذي في الدّار، أي الذي استقر فيها.
وتقدير الفعل هنا مجمع عليه، بخلاف تقديره في غير صلة ففيه خلاف يذكر في باب المبتدأ إن شاء الله تعالى.
ولو تعلق الظرف والجار بذي حدث خاص كجلس أو قام لم يجز الاستغناء بتقدير، إذ ليس بعض المقدرات أولى من بعض، فإن عمل مثلُه في الموصول أو موصوف به جاز الاستغناء به، فقد حكى الكسائي: نزلنا المنزل الذي البارحة، والمراد: نزلنا المنزل الذي نزلناه البارحة.
ومثل ورود الظاهر مغنيا عن عائد الجملة قول الشاعر ? أنشده الكسائي:

فيا ربّ ليلى أنتَ في كلِّ موِطِن... وأنتَ الذي في رحمةِ الله أطمع أراد: وأنت الذي في رحمته، فاستغنى بالظاهر عن الضمير، ومثله: إن جُملَ التي شغفت بجمل.. ففؤادي وإن نأت غيرُ سال ومثله: سعادُ التي أضناكَ حبُّ سعادا... وإعراضُها عنك استمر وزادا أراد سعاد التي أضناك حبها، فاستغنى بظاهر سعاد عن ضميرها، ومن هذا القبيل: أبو سعيد الذي رويت عن الخدري.
ومثل هذا في الصلة نادر، وإنما يكثر الاستغناء بالظاهر عن المضمر في الإخبار، وله موضع يأتي إن شاء الله تعالى.
فصل: ص: "مَنْ وما" في اللفظ مفردان مُذَكَّران، فإن عُنِي بهما غير ذلك فمراعاةُ اللفظ فيما اتصل بهما وبما أشْبَههُما أولى، ما لم يَعْضُد المعنى سابقٌ فيُخْتارُ مراعاتُه، أو يلزم بمراعاة اللفظ لَبْسٌ أو قُبْح فيجب مراعاة المعنى مطلقا، خلافا لابن السَّرَّاج في نحو: مَنْ هي مُحْسِنةٌ أمُّك، فإنْ حُذِفَ "هي" سَهل التذكير.
ويُعْتَبَر المعنى بعد اعتبار اللفظ كثيرا، وقد يُعْتَبر اللفظ بعد ذلك.
ش: قد تقدم أن "مَنْ" و"ما" يقع كل واحد منهما موقع الذي والتي وتثنيتهما وجمعهما، والكلام الآن في أنهما في اللفظ مفردان مذكران، فإن وافق معناهما لفظهما... المتكلم واستوى العالم والمتعلم وإذا خالف معناهما لفظهما فلك فيما لهما من ضمير وغيره مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى لكن مراعاة اللفظ فيما اتصل بهما أولى كقوله تعالى (أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله) و (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم).

ومراعاة المعنى فيما اتصل بهما جائز، كقوله تعالى: (ومنهم من يستمعون إليك) و (ومن الشياطين من يَغُوصون له) ومنه قول امرئ القيس: فتُوضِحَ فالمِقْراةِ لم يعفُ رسمُها... لما نَسَجَتْها من يمين وشمأل أي للذي نسجتها، ومثله قول الآخر: تعشَّ فإن عاهدتَني لا تخونُني... نكنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يصطحبان أي نكن مثل اللذين يصطحبان.
هذا إذا لم يعضد المعنى سابق فيختار مراعاته كقول الشاعر: وإن من النِّسْوانِ مَنْ هي روضةٌ... تَهِيجُ الرياضُ قبلها وتَصُوحُ فاعتضد اعتبار المعنى وهو التأنيث بسبق النسوان.
والإشارة بقولي "أو بما أشبههما" إلى: كم وكأين.
وأشرت بقولي "ما لم يلزم لبس" إلى نحو قولك: أعط من سألتْك لا مَنْ سألك، وأعرض عمن مررت بها، فهذا وأمثاله يجب فيه مراعاة المعنى لئلا يوقع في لبس وفهم غير المراد.
وأشرت "بما يلزم منه قبح" إلى نحو: من هي حمراء أمتُك، فإن مراعاة المعنى فيه متعينة، إذ لو استعمل التذكير مراعاة للفظ (مَنْ) فقيل: مَنْ هو أحمر أمتك، لكان في غاية من القبح.

ووافق ابن السراج على منع التذكير في هذا وأمثاله.
وأجاز في نحو: مَنْ هي محسنةٌ أمك، أن يقال: من هي محسن أمُّك، أو: منْ محسنٌ أمك.
فأما: مَنّ محسن أمك، فغريب، وأما: من هي محسنٌ أمُّك، ففيه من القبح قريب ما في: من هي أحمر أمتك، فوجب اجتنابهما.
والذي حمل ابنَ السراج على جواز: من هي محسن أمك، شبه محسن بمرضع ونحوه من الصفات الجارية على الإناث بلفظ خالٍ من علامة، بخلاف أحمر فإن إجراء مثله على مؤنث لم يقع، فلذلك اتفق على منع: من هي أحمر أمتك.
واعتبار المعنى بعد اعتبار اللفظ كقوله تعالى (ومِن الناس من يقولُ آمنّا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين).
فلو عُضِد المعنى بعد اعتبار اللفظ تعين اعتبار المعنى، ولذلك قرأ (ومن يَقنُت منكنّ لله ورسوله وتعمل) بالتأنيث الخمسةُ غير حمزة والكسائي، لأن معنى التأنيث قد اعتضد بسبق (من يقنت منكن) وهو نظير اعتضاد التأنيث في (من هي روضة) لسبق (وإن من النسوان).
واعتبار اللفظ بعد اعتبار المعنى كقوله تعالى (ومنْ يؤمن بالله ويعمل صالحا يُدْخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا) ومثله قول الشاعر: لست ممن يَكِعّ أو يستَكِينو... ن إذا كافَحَتْه خيلُ الأعادي ص: وتقعُ "مَنْ وما" شرطِيَّتين واستفهاميتين، ونكرتين موصوفتين، ويُوصف بما على رأى.
ولا تزاد "مَنْ" خلافا للكسائي، ولا تقع على غير من يعقل إلا مُنَزَّلا منزلتَه

أو مُجامِعا له بشُمُولٍ أو اقترانٍ خلافا لقطرب.
و"ما" في الغالب لما لا يعقل وحدَه، وله مع من يعقل، ولصفات من يعقل، وللمُبْهَم أمرُه، وأفْرِدَت نكرة، وقد تساويها "مَنْ" عند أبي علي.
وقد تقع "الذي" مصدريةن وموصوفة بمعرفة أو شبهها في امتناع لحاق أل.
ش: مثال (من وما) في الشرط قوله تعالى (ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتِيَ خيرا كثيرا) و (وما يفعلوا من خير فلن يُكْفَروه) ومثالهما في الاستفهام قوله تعالى (ومَنْ أصدقُ من الله حديثا) و (وما تلك بيمينك يا موسى).
ومثالهما نكرتين موصوفتين قول الشاعر: ألا رُبَّ من تَغْتَشُّه لك ناصحٌ... ومُؤتَمنٍ بالغيبِ غيرُ أمين وقال آخر: ربما تكره النفوسُ من الأمـ... ـــــر له فَرْجَةٌ كحلِّ العِقال وأجاز الأخفش تنكير (أيّ) ووصفها قياسا على (من وما) نظرا إلى أنها أمكن في الاسمية منهما، فهي أحق منهما بأن تستعمل معرفة ونكرة وموصوفة وغير موصوفة، وقد وصفت في النداء، فوصفها في غيره ليس بِبِدْع، إلا أن السماع بذلك مفقود.

واختُلفَ في (ما) من نحو قولهم: لِأمْر ما جَدَع قصيرٌ أنفه، فالمشهور أنها حرف زائد منبه على وصف مُراد لائق بالمحل، وقال قوم: هي اسم موصوف به.
والأول أولى، لأن زيادة ما عوضا عن محذوف ثابت في كلامهم، من ذلك قولهم: أمّا أنت منطلقا انطلقت، فزادوا ما عوضا من كان، ومن ذلك قولهم: حيثما تكنْ أكنْ، فزادوا ما عوضا من الإضافة.
وليس في كلامهم نكرةٌ موصوفٌ بها جامدةٌ كجمود ما إلا وهي مردفة بمُكَمِّل كقولهم: مررت برجل أيِّ رجل، وأطعمنا شاةً كلّ شاة، وهذا رجلٌ ما شئت من رجل، فالحكم على ما المذكورة بالاسمية واقتضاء الوصفية جاء بما لا نظير له، فوجب اجتنابه.
وأجاز الكسائي وقوع مَن زائدة مستشهدا بقول الشاعر: يا شاةَ مَنْ قَنَصٍ لمن حَلَّت له... حَرُمَت عليّ وليتها لم تحرم ولا حجة فيما استشهد به لوجهين: أحدهما: أن الرواية: يا شاة ما قنص، بزيادة ما.
والثاني: أن (من) على تقدير صحة الرواية بها يحتمل أن تكون نكرة موصوفة بقنص، على تقدير: يا شاة رجل قنص، أي ذي قنص، والحمل على هذا راجح لأنه تقدير شائع أمثاله بإجماع، إذ ليس فيه إلا حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وأمثال ذلك كثيرة.
بخلاف ما ذهب إليه الكسائي رحمه الله فإنه لم يثبت مثله دون احتمال فوجب اجتنابه.
وزعم محمد بن المستنير الملقب قطْرُبًا أن (مَنْ) تقع على ما لا يعقل دون اشتراط ما يصحح ذلك، وجعل من ذلك قوله تعالى (ومَنْ لستم له برازقين) وهذا القول غير مرضي، إذ لا دليل عليه ولا محْوج إليه، وإنما تقع على ما لا يعقل إذا نزل منزلة من يعقل كقوله تعالى (ومَنْ أضلُّ مِمّن يدعو من دون الله مَنْ لا يستجيب له) فعبر بمن عن الأصنام لتنزلها منزلة من يعقل، ومثله: بكيتُ على سِرْب القَطا إذ مَرَرْنَ بي... فقلتُ ومثلي بالبكاء جديرُ أسِرْبَ القطا هَل مَنْ يعير جناحَه... لعلي إلى مَنْ قد هَويتُ أطيرُ وكذا إذا جامع من يعقل بشمول كقوله تعالى (ألم ترَ أن الله يسبح له من في السموات والأرض) وباقتران كقوله تعالى (خلق كلَّ دابّة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين) وكقوله تعالى (أفمَنْ يخلق كمَنْ لا يخلق) ومثله ما حكى الفراء من قول بعض العرب: اشتبه عليَّ الراكب وجمله، فما أدري مَنْ ذا ومن ذا.
وما في الغالب لما لا يعقل، واحترزت بقولي (في الغالب) من نحو قوله تعالى (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) ومن قول العرب: سبحان ما سخَّركن لنا، ومجيئها لما لا يعقل كثير.
وله مع من يعقل كقوله تعالى (ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة) ولصفات من يعقل كقوله تعالى (فانْكِحوا ما طاب لكم من النساء) وللمبهم أمره كقولك وأنت ترى شبحا تُقَدِّر إنسانيته وعدم إنسانيته أبصرت ما هناك.
وكذا لو علمت إنسانيته ولم تدر أذكر هو أم أنثى، ومنه قوله تعالى (إني نذرتُ لك ما في بطني محررًا).

وأردت "بإفرادها نكرة" إخلاؤها من صفة ومن تضمين معنى شرط أو استفهام، وذلك في التعجب نحو: ما أحسن فلانا.
وفي باب نعم وبئس كقوله تعالى (فنعماهي) على رأي.
وفي نحو قولهم: إني مما أفعل، أي من أمر أن أفعل.
وقد تساويها "مَنْ" في وقوعها نكرة غير موصوفة ولا مضمنة شرطًا ولا استفهاما، وهذا مما انفرد به أبو علي الفارسين وحجته في ذلك قول الشاعر: وكيفَ أرْهَبُ أمرا أو أراعُ به... وقد زكاتُ إلى بِشْرِ بنِ مروان ونِعْمَ مَزْكَأ مَنْ ضاقَتْ مذاهبه... ونِعْمَ مَنْ هو في سِرٍّ وإعلان فمن الثانية في موضع نصب على التمييز، وفاعل نعم مضمر مُفَسَّر بمَنْ كما فُسِّر بما في نعما، وهو مبتدأ خبره الجملة التي قبله، وفي سر وإعلان متعلق بنعم.
والصحيح غير ما ذهب إليه، وبيان ذلك مستوفى في باب نعم وبئس.
وحكى أبو علي في الشيرازيات عن أبي الحسن عن يونس وقوع الذي مصدريَّة غير محتاجة إلى عائد، وتأول على ذلك قوله تعالى (ذلك الذي يُبَشِّرُ الله عباده) قال أبو علي: ويقوي هذا أنها جاءت موصوفة غير موصولة، وأنشد الأصمعي: حتى إذا كانا هما اللذَيْن... مثلَ الجَدِيلَيْن المُحَمْلَجَيْن فنصب مثل الجديلين وجعله صفة للذين.
قال أبو علي: ويجيء قوله تعالى (كالذي خاضوا) على قياس، فيكون التقدير: وخضتم كخوضهم، فلا يعود

إلى الذي شيء، لأنها في مثل هذا حرف.
قلت: حاصل كلام أبي على أن الذي على ثلاثة أقسام: موصولة، وموصوفة مستغنية بالصفة عن الصلة، ومصدرية محكوم بحرفيتها.
وهذا المذهب أيضا هو مذهب الفراء رحمه الله، وهو الصحيح، وبه أقول.
وأجاز الفراء في قوله تعالى (تمامًا على الذي أحسن) أن يكون الذي مصدرية والتقدير: تمامًا على إحسانه، أي على إحسان موسى عليه السلام.
وأجاز أن تكون موصوفة بأحسن على أن أحسن أفعل تفضيل، قال: لأن العرب تقول: مررت بالذي خير منك، ولا تقول: مررت بالذي قائم، لأن خيرًا منك كالمعرفة إذ لم تدخل فيه الألف واللام.
وكذا يقولون: مررت بالذي أخيك، وبالذي مثلك، إذا جعلوا صفة الذي معرفة أو نكرة لا تدخله الألف واللام، جعلوها تابعة للذي، أنشد الكسائي: إنّ الزُّبَيْرِيّ الذي مثلَ الجَلَم... مشى بأسلافك في أهل الحرم قلت: وهذا الذي أنشد الكسائي مثل الذي أنشد الأصمعي: حتى إذا كانا... البيت وحكى الفراء عن بعض العرب: أبوك بالجارية الذي يكفل، وبالجارية ما يكفل، والمعنى: أبوك بالجارية كفالته، وهذا صريح في ورود الذي مصدرية.
ومنه قول عبد الله بن رواحة: فثبَّتَ الله ما أتاك من حسن... في المُرْسَلين ونَصْرًا كالذي نُصِرُوا أي ونصرا كنصرهم، ومثله قول جرير:

يا أُمَّ عَمْرٍو جزاك الله مغفرة... ردّي عليَّ فؤادي كالذي كانا ومثله قول ابن أبي ربيعة: لو أنّهم صبروا عنّا فنعرفه... منهم إذا لصبرنا كالذي صبروا ومثله قول الآخر: دعاني أبو سعد وأهدى نصيحة... إليّ ومما أن تغر النصائح لأجرر لحيى كلب نبهان كالذي... دعا القاسطيَّ حَتفُه وهو نازح فصل: ص: وتقع "أيٌّ" شرطية، واستفهامية، وصفة لنكرة مذكورة غالبا، وحالا لمعرفة، ويلزمها في هذين الوجهين الإضافة لفظا ومعنى إلى ما يماثل الموصوف لفظا ومعنى، أو معنى لا لفظا.
وقد يُسْتَغنى في الشرط والاستفهام بمعنى الإضافة إن علم المضاف إليه.
وأيّ فيهما بمنزلة كلّ مع النكرة، وبمنزلة بعض مع المعرفة.
ولا تقع نكرة موصوفة خلافا للأخفش.
وقد يحذف ثالثُها في الاستفهام، وتضاف فيه إلى النكرة بلا شرط، وإلى المعرفةِ بشرطِ إفهام تثنيةٍ أو جمعٍ أو قصدِ أجزاءٍ أو تكريرها عطفا بالواو.
ش: من شواهد أي الشرطية قول الشاعر: أيَّ حين تلمّ بي تَلْقَ ما شِئْـ... ــــتَ من الخير فاتخذني خليلا ومن شواهد الاستفهامية قوله تعالى (فأيُّ الفريقين أحقُّ بالأمن) وقول

ابن مسعود رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم "أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: الصلاةُ على وقتها" ومن شواهد الواقعة صفة لنكرة قول الشاعر: دعوت امرأ أيَّ امرئ فأجابني... وكنتُ وإيّاه ملاذًا وموْئِلا وأشرت بقولي "مذكورة غالبا" إلى ندور قول الفرزدق: إذا حاربَ الحجاجُ أيَّ منافق... علاه بسيف كلّما هزّ يقطع أراد: منافقا أيَّ منافق.
ومن شواهد الواقعة حالا لمعرفة قول الآخر: فأوْمَاتُ إيماءً خفِيًّا لِحَبْترٍ... فلله عينا حَبْترِ أيّما فتى ولا تستغني في هذين الوجهين عن الإضافة معنى ولفظا إلى نكرة تماثل ما هي له لفظا ومعنى نحو: دعوت امرأ أي امرئ، أو معنى لا لفظا نحو: دعوت امرأ أي فتى.
فأما في الشرط والاستفهام فيجوز استغناؤها بمعنى الإضافة عن لفظها إن كان المضاف إليه معلوما كقوله تعالى (أيًّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) فهذا مثال حذف المضاف إليه في الشرط، ومن حذفه في الاستفهام قول ابن مسعود رضي الله عنه "ثم أيّ؟ قال: بر الوالدين.
قلت: ثم أيٌّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله" وهي فيهما مع النكرة بمنزلة كلِّ، ومع المعرفة بمنزلة بعض.
ولهذا يقال في التنكير: أيُّ الرجلين أتيا؟ وأيُّ رجال ذهبوا؟ فتثنى الضمير وتجمعه كما تفعل حين تقول:

كل رجلين أتيا، وكل رجال ذهبوا.
ويقال في التعريف: أيُّ الرجلين أتى؟ وأيُّ الرجال ذهب؟ وأجاز الأخفش وقوع أي نكرة موصوفة نحو قولك: مررت بأيِّ كريم، ولا حجة له إلا القياس على "ما" و"من" في قول العرب: رغبتُ فيما خيرٍ مما عندك، و: فكفى بنا فضلا على مَنْ غيرِنا والقياس في مثل هذا ضعيف.
وأشرت بقولي "وقد يحذف ثالثها في الاستفهام" إلى قول الفرزدق: تنظرت نضرًا والسِّماكين أيْهما... عليَّ من الغَيْث استهلت مواطره وتناول قولي "وإلى المعرفة بشرط إفهام تثنية أو جمع" ما أضيف إلى مثنى لفظا ومعنى، وإلى جمع لفظا ومعنى، وإلى مثنى معنى لا لفظا نحو: أيُّ الرجلين أفضل؟ وأيّ الرجال أفضل؟ وأيُّهما أكرم؟ وأيُّهم أكرم؟ فإن كانت المعرفة التي أضيف إليها أي مفردة اللفظ والمعنى لم يضف إليها إلا مقصودا أجزاؤها، نحو: أيُّ ثوبك بلى؟ أو معطوفا عليها بالواو، ومثله قول الشاعر: فلئن لقيتُك خالييْن لتعلمَنْ... أيِّي وأيُّك فارس الأحزاب فصل: ص: من الموصولات الحرفية "أنْ" الناصبةُ مضارعا، وتوصَلُ بفعل متصرف مطلقا.
ومنها "أنّ" وتوصل بمعموليها.

ومنها "كَيْ" وتوصل بمضارع مقرونةً بلام التعليل لفظا أو تقديرا.
ومنها "ما" وتوصل بفعل متصرف غيرِ أمر، وتختص بنيابتها عن ظرف زمان، موصولةً في الغالب بفعل ماضي اللفظ، مثبتٍ أو منفيٍّ بلم، [وليست اسما فتفتقر إلى ضمير، خلافا لأبي الحسن وابن السراج،] وتُوصلُ بجملة اسمية على رأي.
ومنها "لو" التاليةُ غالبا مُفْهِمَ تمنٍّ، وصلتها كصلة "ما" في غير نيابة، وتغني عن التمني فينتصب بعدها الفعلُ مقرونًا بالفاء].
ش: قد تبين من كلامي في أول هذا الباب أن الموصولات الحرفية هي التي تقوم بصلاتها مقام مصادر، والحاجة الآن داعية إلى تعيينها.
فمنها "أنْ" وقيدت "بنصبها المضارع" احترازا من التي أصلها "أنّ" نحو (علم أن سيكون) ومن الزائدة نحو (فلما أن جاء البشير) ومن التفسيرية نحو (فأوْحيْنا إلى موسى أن اضرب بعصاك الحجر) ولهن موضع يذكرن فيه، وكذا المصدرية لاستيفاء القول فيها موضع آخر.
والذي دعت الحاجة إليه هنا كيفية وصلها وبيان ما توصل به، فذكر أنها توصل بفعل متصرف مطلقا، ليتناول ذلك الفعل المضارع المتصرف نحو: أريد أن تفعل، والماضي المتصرف نحو، عجبت من أن أتيت، والأمر المتصرف نحو: أرسلت إليه بأن افعلْ، وقرنت أن بالباء بعد: أرسلت، لئلا يوهم تجردها من الباء أنها التفسيرية.
وعلم بذكر "التصرف" قيدا لما توصل به أنْ، أنها لا توصل بما لا تصرف له من مضارع كينبغي في الأشهر، ولا ماض كعسى، ولا أمر كهَلُمَّ في لغة بني تميم.

وإذا ثبت هذا فاعلم أن الواقعة في قوله تعالى (وأنْ عسى أنْ يكون قد اقترب أجلهم) (وأنْ ليس للإنسان إلا ما سعى) مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، والجملة بعدها خبرها.
ومثال وصل "كي" مقرونة بلام التعليل لفظا، جئت لكي أراك.
ومثالها مقرونة بها تقديرا: جئت كي أراك.
ولا يتعين كون "كي" مصدرية إلا وهي مقرونة باللام لفظا، وأما إذا لم تقارنها اللام لفظا فيحتمل أن تكون مصدرية، واللام مقدرة كما تقدر مع "أن" في: جئت أنْ أراك.
ويحتمل أن تكون حرف جر بمعنى اللام، ويكون الفعل بعدها منصوبا بأن مقدرة، فإذا لفظ باللام لم تكن بمعناها لئلا يلزم دخول حرف جر على حرف جر وأما قول الشاعر: فقالت أكلَّ الناسِ أصبحتَ مانحًا... لسانَك كيما أن تَغُرّ وتخدعا فكي فيه حرفُ جرٍ لا حرفٌ مصدري، لئلا يلزم دخول حرف مصدري على حرف مصدري، وأجاز الفراء ذلك وجعل أحدهما مؤكدا للآخر، وأيّدَ مذهبه في ذلك بقول الشاعر: أردتُ لكيما أن تطيرَ بِقرْبَتي... فتتركها شَنًّا ببيداء بَلْقَع فجمع بين اللام وكي وأن، فهذا لا محيص فيه من أحد أمرين مُسْتَغْرَبَيْن: إمّا أن تكون كي مصدرية فيلزم اجتماعها مع أنْ وهما حرفان مصدريان، وإمّا أن تكون حرف جر فيلزم اجتماعها مع اللام وهما حرفا جر.
إلا أن اجتماع حرفين مصدريين أسهل

من اجتماع حرفي جر، لأن للحرف المصدري شبها للأسماء بوقوعه مواقعها، وتوكيد اسم بمثله جائز ولو كان موصولا كقراءة زيد بن علي رضي الله عنهما (خلقكم والذين مَنّ قبلكم) وكقول معاوية رضي الله عنه: إنّ الذين الألى أدخلتهم نفر....لولا بَوادِرُ إبْراق وإرْعاد وكذا توكيد ما له شبه بالأسماء من الحروف، بخلاف ما لا شبه له بها كحروف الجر.
ويجوز جعل: مَنّ في الآية، والألى في البيت خبرَ مبتدأ مضمر، هو وخبره صلة الذين.
وأشرت بالتنبيه على أن "كي" لا تخلو من لام التعليل إلى أنها لا تتصرف تصرف "أنْ" فإنَّ أنْ يبتدأ بها، وتكون فاعلة ومفعولة ومضافًا إليها ومجرورة بأكثر حروف الجر.
وكي لا تقع إلا مجرورة باللام، أو مقدرًا معها اللام.
وأما "ما" المصدرية فتوصل بفعل متصرف غير أمر، وأكثر ما يكون ماضيًا كقوله تعالى (وضاقت عليكم الأرضُ بما رَحُبَت) وكقول الشاعر: يَسُرُّ المرءَ ما ذهب الليالي... وكان ذهابُهنّ له ذهابا وتقع هي وصلتها موقع ظرف الزمان كقولك: جُدْ ما دُمْتَ واجدا، أي مدة دوامك واجدا، ولا يشاركها في هذا الاستعمال غيرها.
وقد أجاز الزمخشري مشاركة "أنْ" إياها في ذلك، وجعل من ذلك قوله تعالى (ألمْ تَرَ إلى الذي حاجَّ إبراهيم في ربِّه أن آتاه الله الملك) والذي ذهب إليه غير جائز عندي؛ لأن استعمال أن في موضع التعليل مجمع عليه، وهو لائق في هذا الموضع فلا يعدل عنه.
واستعمالها في موضع التوقيت لا يعترف به أكثر

جارٍ التحميل