باب المفعول المسمَّى ظرفا ومفعولا فيه
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن مالك
- الكتاب
- شرح تسهيل الفوائد
- المؤلف
- محمد بن عبد الله، ابن مالك الطائي الجياني، أبو عبد الله، جمال الدين (المتوفى: 672هـ)
- المحقق
- د. عبد الرحمن السيد، د. محمد بدوي المختون
- الناشر
- هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى (1410هـ - 1990م)
- عدد الأجزاء
- 4 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
على النقص لقيل الزيدان مع، كما قال هم يدٌ واحدة على مَن سواهم، وهم جميع.
ومن شواهد وقوع معا في موضع رفع قول الشاعر:
أفيقُوا بني حَرْبٍ وأهواؤنا معًا... وأرحامُنا موصولةٌ لم تُقَضَّبِ
ومثله قول الآخر:
حننْت إلى رَيّا ونفسُكَ باعدتْ... مَزارك من رَيّا وشَعْباكما معا
وإلى نحو هذين البيتين أشرت بقولي "وغير حاليتها حينئذ قليل"، وانتُصر للمذهب الأول بأن قيل لا نُسلّم بأن معًا في البيتين في موضع رفع، بل هو منصوب على الحال بعامل محذوف هو الخبر، والتقدير وأهواؤنا كائنة معا، وشعباكما كائنان معا.
وهذا التقدير باطل بالإجماع على بطلان نظيره وهو أن يقال زيد قائما، على تقدير زيد كائن قائما.
وانتُصر له أيضا بأن قيل القول بلزوم النقص هو الصحيح لأنه مسلتزم لموافقة النظائر.
فإن حاصله حكم بنقصان اسم في الإفراد كما هو في الإضافة ونظائر ذلك موجودة كيد ودم وغد.
والقول بكون "معا" مقصورا في الإفراد ثنائيًا في الإضافة مستلزم لما لا نظيرَ له، فلا يُصار إليه، فإن الثنائي المعرب إما منقوص في الإفراد والإضافة كيد، وإما متمّم في الإضافة وحدها كأب، فإن حُكم بأن "معا" مقصور في الإفراد منقوص في الإضافة لزم عدم النظير وثبوت ما هو بالنفي جدير.
والجواب أن يقال: مقتضى الدليل كون الإفراد مظنة جبر ما غيّر من الثنائيّات في إحدى حالتيه، لأن ثاني جزءَي ذي الإضافة متمّم لأولهما، ولذلك عاقب التنوين ونوني التثنية والجمع، بخلاف المنقوص المفرد فلا متمم له إلّا ما يُجبر به من ردّ ما كان محذوفا، فإذا جعلناه منقوصا في الإضافة مقصورا في الإفراد فعلنا بمقتضى
الدليل وسلكنا سواء السبيل، بخلاف باب أب فإن فيه شذوذا، ولذلك لم تجر العرب فيه إلا على سَنَن واحد، فمنهم مَن يُلزمه الجبر ويلحقه بباب عصا، ومنهم مَن يُلزمه النقص ويلحقه بباب يد، وأيضا ففي الحكم بأن معا غير ملازم النقص بيان لاستحقاق الإعراب إذ لا يكون بذلك موضوعا موضع الحروف الثنائية، بخلاف الحكم عليه بالنقص في حالتي إفراده وإضافته فإنه يلزم منه استحقاق البناء كسائر الأسماء الثنائية دائما دون جابر.
ومع ذلك قد ألغت "ربيعةُ" جبره في الإفراد لأنه جَبْر لمْ يتمحَض، ولذلك لم يُتّفَقْ على الاعتراف به بخلاف جبر باب يد، فيقال على اللغة الربعية ذهبت مع أخيك ومع ابنك بالسكون قبل حركة وبالكسر قبل سكون.
وبعضهم يفتح قبل السكون، هكذا روى الكسائيُّ عن ربيعة، ولولا الكسر قبل السكون لأمكن أن يقال إن السكون سكون تخفيف لا سكون بناء.
ومن الوارد بالسكون قول الشاعر:
فَرِيشى منكمُ وهوايَ مَعْكم... وإنْ كانتْ زيارتَكم لِماما
وقد خفى على سيبويه أن السكون لغة لأنه قال: وسألت الخليل ? رحمه الله ? عن معكم لأيّ شيء نصبتها؟ فقال: لأنها استعملت غير مضافة اسما كجميع ووقعت نكرة كقولك جاءا معا وذهبا معا وقد ذهبا معه، ومن معه، صارت ظرفا فجعلوها بمنزلة أمام وقدّام، قال الشاعر فجعلها كهلْ حين اضطر وأنشد لأعرابي: "ريشى منكم البيت".
فذكر سبب إعرابها وتضمن كلامه أنها اسم على كل حال، وأن نقصها لم يزل بالإفراد ولذلك بيّن من كلامه الذي ذكرته.
وزعم قوم أن الساكن العين حرف، وليس بصحيح، لأن المعنى مع الحركة والسكون واحد فلا سبيل إلى الحرفية.
وزعم النحاس أن النحويين مجمعون على
أن الساكن العين حرف.
وهذا منه عجب، لأنَّ كلام سيبويه مشعر بلزوم الاسمية على كل حال، وأن الشاعر إنما سكّنها اضطرارا.
ومن الظروف العادمة التصرف "بَيْنَ بَيْنَ" كقول الشاعر:
نَحْمي حقيقتَنا وبَعْـ... ـــضُ القوم يَسْقُط بين بَيْنا
والأصل بين هؤلاء وبين هؤلاء، فأزيلت الإضافة ورُكّب الاسمان تركيب خمسةَ عشرَ، فلو أُضيف الصدرُ إلى العجُز جاز بقاء الظرفية وزوالها، فبقاؤها كقولك: من أحكام الهمزة التسهيل بينَ بينَ، وزوالها كقولك: بَيْنَ بَيْنَ أقيس من الإبدال.
فإن أضيف إليهما تعين زوال الظرفية ولذلك خطأ ابنُ جنّي مضن قال همزةُ بينَ بينَ بالفتح، وقال: الصواب أن يقال همزة بين بينٍ بالإضافة.
والأصل وقوع "بين" مفردا ظرفا لمتوسط في مكان أو زمان ملازما للإضافة إلى ما يتوسط فيه منهما.
وإذا خلا من التركيب والوصل بما والألف لم يلازم الإضافة والظرفية.
وقد تقدم التنبيه على ذلك.
ومن ظروف المكان العادمة التصرف الملازمة للإضافة حوال وتثنيته، وحول وتثنيته وجمعه، فالأول كقول الشاعر:
أهَدَموا بَيْتكَ لا أبا لكا... وأنا أمْشِي الدَّأَلَى حَوالَكا
والثاني كقول النبي صلى الله عليه وسلم "حَوالَيْنا ولا عَلينا" والثالث كقوله تعالى: (فلمّا أضاءتْ ما حوْلَهُ) والرابع كقول الراجز:
يا إبلي ما ذامُه فتابَيهْ... ماءٌ رواء ونَصِيُّ حَوْلَيهْ
والخامس كقول امرئ القيس:
فقالتْ سباكَ اللهُ إنّك فاضِحي... ألَسْتَ ترى السُّمّارَ والناسَ أحْوالي
ومن ظروف المكان العادمة التصرف "بَدَل" لا بمعنى بديل كقولك هذا بدل ذلك، أي هذا مكان ذلك، فلا يجوز حينئذ أن تستعمل غير ظرف، وكذا مكان إذا أردت به بدل.
قال ابن خروف في شرح كتاب سيبويه: البدل والمكان إذا استعملا بمعنى واحد لا يرفعان.
فإن ذكر كل واحد منهما في موضعه ولم يحمل أحدهما على الآخر في المعنى رفعا نحو قولك: هذا مكانُك، يشير إلى المكان، وهذا بدلٌ من هذا فترفع، لأنك أشرت بهذا إلى البدل وهو هو.
وإنما نصب البدل والمكان ولم يجز فيهما الاتساع حتى إذا أخرج كل واحد منهما عن موضعه فلزما طريقة واحدة.
هذا نص ابن خروف.
ص: ويتوسع في الظرف المتصرف فيجعل مفعولا به مجازا، ويجوز حينئذ إضماره غير مقرون بفي والإضافة والإسناد إليه، ويمنع من هذا التوسع على الأصح تعدّي الفعل إلى ثلاثة.
ش: من ضروب المجاز التوسع بإقامة الظرف المتصرف مقام فاعل الحدث الواقع فيه مقام المفعول المُوقع به الحدث كقول تعالى: (اشْتَدَّتْ به الريحُ في يومٍ عاصفٍ) وقوله تعالى: (إنّا نخافُ مِن ربّنا يوما عَبوسًا قمطريرا) وكقول الشاعر:
أقول للحْيانٍ وقد صَفِرتْ لهم... وطابِي ويومِي ضِيّقُ الحَجْر مُعْوِرُ
والثاني كقولهم: وُلد له ستّون عاما، وصِيدَ عليه الليل والنهار كقول
الشاعر:
أما النهارُ ففي قَيْدٍ وسلْسلَةٍ... والليلُ في جوفٍ مَنْحوتٍ من الساجِ
يعني نفسه وكان مأسورا، فأخبر أن نهاره مقيد وليله مسجون مبالغة.
ويضاف المصدر إلى الظرف المتوسَّع فيه على الوجهين، فإضافته على تقديره فاعلا كقوله تعالى: (بل مكرُ الليلِ والنهارِ إذْ تأمروننا) كان الأصل ليلكم ونهاركم ماكران ثم أضيف المصدر إلى المخبر عنه بمعناه مجازا، كما يضاف إلى المخبر عنه بمعناه حقيقة، وإضافته إليه على تقديره مفعولا به كقوله تعالى (للذين يُؤْلون من نسائِهم تربُّصُ أربعةِ أشهُر) أي إمضاء أربعة أشهر بتربّص.
وكما أضيفَ إليه المصدر على تأويل الفاعلية وعلى تأويل المفعولية أضيف إليه بلفظ اسم الفاعل واسم المفعول، فمن الأول:
يا سارقَ الليلةِ أهلَ الدارِ
ومن الثاني: يا مسروق الليلة أهل الدار ? ذكرها سيبويه.
وإذا ثبت من كلامهم التوسع بجعل الظرف المتصرف فاعلا ومفعولا به ومضافا إليه على معنى الفاعلية والمفعولية لزم من ذلك جواز الحكم عليه في حال النصب بأنه مفعول به تجوّزا ما لم يمنع من ذلك مانع.
وتظهر فائدة ذلك في إضماره مستغنيا عن لفظ "في" فإن الظرف أصله أن يكون مظروفا بلفظها فاستغنى عن لفظها بمعناها مع الظاهر، ولزوم الرجوع إلى الأصل مع الضمير، لأن الإضمار يردّ الشيء إلى أصله، ولذلك لزم مَن يقول: لدُ زيد أن يقول من لدنه، بردّ النون، ولزم
مَن يقول لم يكن صديقنا أن يقول أما الصديق فإن لا يكنه فمن يكنه، فيرد النون أيضا.
ولزم من يقول قعدت حينا: الحين قعدت له فيرد اللام، ولا يستغني مع المضمر بمعناها كما استغنى مع الظاهر.
ولزم مَن يقول المال لزيد بكسر اللام أن يقول له فيفتح، لأن فتحها هو الأصل.
فعلى هذا يلزم من أضمر الظرف مقصودا به معنى الظرفية أنْ يقرنه بفي كقولك في: صمت اليوم: اليوم صمت فيه، فمن قال صمته علم أنه لم يقصد الظرفية وإنما قصد جعله مفعولا به توسّعا، فمن ذلك قول الشاعر:
ويومًا شَهِدْناه سُلَيْما وعامِرا... قليلا سِوى الطعْنِ النِهالِ نوافِلُهْ
ومنه:
فإنْ أنتَ لم تقدِرْ على أنْ تُهِينه... فدَعْهُ إلى اليوم الذي أنتَ قادِرُهْ
يا رُبَّ يومٍ لي لا أظَلّله... أرْمَضُ من تحتُ وأضْحى من عَلُهْ
وهذا التوسع في باب أعلم جائز على ظاهر قول سيبويه، فإنه قال في باب المفعول الذي يتعداه فعله إلى مفعول بعد أن مثل بأرى عبدُ الله أبا فلان، لو أدخلت في هذا الفعل الفاعل وبنيتَه له لتعداه فعله إلى ثلاثة مفعولين.
ثم قال: واعلم أن الأفعال إذا انتهت ههنا فلم تجاوز تعدت إلى جميع ما تعدّى إليه الفعل الذي لا يتعدى الفاعل، وذلك قولك: أعطى عبدُ الله الثوبَ إعطاء جميلا، ونُبّئت زيدا أبا فلان تنْبيئا، وسرق عبد الله الثوبَ الليلةَ، لا تجعله ظرفا، لكن تجعله على قولك يا مسروق الليلة الثوبَ.
هذا نصه.
قال ابن خروف في شرحه: أجاز سيبويه نصب الظرف مفعولا به بالمتعدي إلى ثلاثة، وإنما قاسه ولم يقس النقل، لأن النقل فيه نصب الفاعل ولا ينصب الفاعل إلا تشبيها بما ثبت أصله في الكلام، كما نصب الفاعل في حسن الوجه، تشبيها بضارب زيدا.
ونصب الظرف على الاتساع ليس فيه تغيير عما كان عليه، وجميعه مجاز في متعدّ لواحد وأكثر.
والنقل كله حقيقة فاقتصر فيه على السماع، بخلاف نصب الظرف على الاتساع فإنه مجاز فلا معنى لمراعاة التعدي وغير التعدي فيه.
ومنعه قوم في باب أعلم قياسا على النقل.
قلت: جواز تعدي ذي ثلاثة إلى ظرف على أنه مفعول به يستلزم مشبّها دون مشبَّه به لأنه إذا فعل ذلك بما له مفعول واحد ومفعولان لم يعدم أصلا يحمل عليه بخلاف نصبه ما له ثلاثة، فإنه يلزم منه فرع لا أصل له ومشبَّه دون مشبَّه به فوجب منعه.
ولأن جواز ذلك في باب أعلم مرتب على ما سمع من إقامة الظرف مقام فاعل الحدث الواقع فيه، ومقام ما يقع به إخبار عنه وإضافة إليه، ولم يسمع من ذلك شيء في باب أعلم، فلا يحكم فيه بجواز ذلك المجاز لعدم سماع ما يرتّب عليه.