باب الحال
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن مالك
- الكتاب
- شرح تسهيل الفوائد
- المؤلف
- محمد بن عبد الله، ابن مالك الطائي الجياني، أبو عبد الله، جمال الدين (المتوفى: 672هـ)
- المحقق
- د. عبد الرحمن السيد، د. محمد بدوي المختون
- الناشر
- هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى (1410هـ - 1990م)
- عدد الأجزاء
- 4 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وكقول امرئ القيس:
ظللْتُ ردائي فوق رأسي قاعدًا... أعدُّ الحصى ما تنقضي عبراتي
أو مصدرة بلم كقوله تعالى (فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسْهم سوءٌ) وكقوله تعالى: (وردَّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا).
وكقول زهير:
كأنَّ فُتات العِهْن في كلِّ مَنزلِ... نَزَلْنَ به حَبُّ الفَنا لم يُحطَّمِ
أو مصدرة بماض تال لإلّا نحو (ما يأتيهم من رسولٍ إلّا كانوا به يستهزئون) أو مصدرة بماض متلو بأو كقول الشاعر:
كُنْ للخليل نصيرًا جارَ أو عَدَلا... ولا تشحَّ عليه جاد أو بَخِلا
أو مصدرة بماض مخالف لذينك كقوله تعالى (أو جاءوكم حَصِرتْ صدورهم) فكل واحدة من هذه الجمل في موضع نصب على الحال، ومتضمنة لضمير يعود على صاحب الحال يربطها به، وقد تجامعه واو الحال، أو تغني عنه في غير مؤكدة ولا مصدرة بمضارع مثبت أو منفي بلا أو ماض تال لإلّا أو متلو بأو.
ومجامعته الواو في الجملة الاسمية أكثر من انفراده.
فمن مجامعته الواو (فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون) و (وتنسونَ
أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب) و (ولا تباشروهنَّ وأنتم عاكفون في المساجد) و (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ) و (لِمَ تكفرون بآياتِ الله واللهُ شهيدٌ على ما تعملون) و (فلا تموتُنَّ إلّا وأنتم مسلمون).
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" ومنه قول امرئ القيس:
نظرتُ إليها والنجومُ كأنَّها... مصابيحُ رُهْبان تُشَبُّ لقُفّالِ
وقوله:
أيَقْتُلُني والمشرِفيُّ مُضاجِعي... ومَسْنونةٌ زُرْقٌ كأنيابِ أغوال
وقوله:
لياليَ يَدعوني الهوى فأُجيبُه... وأعْيُن مَن أهوى إليَّ روانِ
ومن الاستغناء بالواو عن الضمير قوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغمِّ أمنةً نعاسًا يغشى طائفةً منكم وطائفةٌ قد أهمّتهم أنفُسُهم)، وقوله تعالى: (لئِنْ أكله الذئبُ ونحن عُصْبةٌ) وقوله تعالى (كما أخرجك ربُّكَ مِن بيتِك
بالحقِّ وإنَّ فريقًا من المؤمنين لكارهون) وكقوله صلى الله عليه وسلم "كنتُ نبيًّا وآدمُ بين الماء والطين".
ومنه قول امرئ القيس:
وقد أغتدي والطَّيْرُ في وُكُناتِها... بمُنْجرد قَيْد الأوابد هَيْكلِ
وقوله أيضا:
إذا ركبوا الخيلَ واستلأموا... تَحَرَّقَتِ الأرضُ واليومُ قُرُّ
وقوله:
بَعثتُ إليها والنجومُ طوالعٌ... حِذارًا عليها أن تقومَ فَتُسْمَعا
وقوله:
لك الويلُ إنْ أمْسى ولا أمُّ هاشِم... قريبٌ ولا البَسْباسةُ ابنةُ يَشْكُرا
ومنه قول طرفة:
أرَقَّ العينَ خَيالٌ لم يَقِر... طاف والرَّكْبُ بصَحْراءَ يُسْرُ
ومنه قول عنترة:
يَدْعونَ عنْتَر والرماحُ كأنّها... أشْطانُ بئْرٍ في لَبانِ الأدْهم
ومن الاستغناء عن الواو بالضمير قوله تعالى: (وقلنا اهبطوا بعضهم لبعض عدو) وقوله تعالى: (اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدوّ) وقوله تعالى (ولمّا جاءهم رسول من عند الله مصدِّقٌ لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون) وقوله تعالى (والله يحكم لا معقِّب لحكمه) وقوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنّهم ليأكلون الطعام) وقوله تعالى: (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوهُهم مُسوَدّة).
ومنه قول الشاعر:
وتشربُ أسارِي القطا الكُدْرُ بعدما... سَرَتْ أحْناؤُها تَتَصَلْصُلُ
ومثله:
حتى تركناهم لدى مَعْركٍ... أرْجُلُهم كالخشبِ الشّائل
ومثله:
لهم لواءٌ بكفَّي ماجدٍ بطلٍ... لا يقطعُ الخِرْقَ إلّا طرْفُه سامِ
ومثله:
راحُوا بصائرهم على أكتافهم... وبصيرتي يعدو بها عتد وَأَى
ومثله:
ثم راحوا عبَقُ المِسْكِ بهم... يُلْحِفون الأرضَ هُدّابَ الأُزُرْ
ومثهل:
فغَدَتْ كِلا الفرجين تحسب أنه... مولى المخافةِ خلفُها وأمامُها
ومثله:
ما بالُ عينك دمعُها لا يَرْقأ... وحَشاك مِن خَفقانه لا يَهْدأُ
ومثله:
ظعنتْ أمامةُ قلبُها بك هائمٌ... فاعصِ الذي يُغريك بالسلوان
ومثله:
أتاني المعليَّ عذرُه مُتبيِّنٌ... فمنَ يعزُه للبغي فهْوَ ظلومُ
ومثله:
الذئبُ يَطْرُقها في الدهر واحدةً... وكلَّ يومٍ تراني مُدْيةٌ بيدي
وروى سيبويه: كلمته فوه إلى فيّ، و"رجع عوده على بدئه".
وزعم الزمخشري أن قولهم كلمته فوه إلي فيّ نادر.
وهو من المسائل التي حرفته عن الصواب، وعجزتْ ناصره عن الجواب.
وقد تنبه في الكشاف فجعل قوله تعالى (بعضكم لبعض عدوّ) في موضع نصب على الحال، وكذا فعل بـ "لا
معقب لحكمه"، فقال: هو جملة محلها النصب على الحال، كأنه قيل: والله يحكم نافذا حكمه، كما تقول جاءني زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة، يريد حاسرا.
هذا نصه في الكشاف.
وعندي أن إفراد الضمير أقيس من إفراد الواو، لأن إفراد الضمير وُجد في الحال وشبهها وهما الخبر والنعت، وإفراد الواو مستغنى بها عن الضمير لم يوجد إلا في الحال، فكان لإفراد الضمير مزية على إفراد الواو.
ومن اجتماع الواو والضمير في المصدرة بليس قوله تعالى (ولا تيَّمَموا الخبيثَ منه تنفقون ولستم بآخذيه إلّا أن تغمضوا فيه) ومنه قول الشاعر:
أعَنْ سيِّء تنهى ولست بمُنتَهٍ... وتُدْعى بخَيْر أنتَ عنه بمَعْزِلِ
ومثله:
وقد علمتْ سلمى وإنْ كان بعلها... فإنّ الفتى يهذي وليس بفَعّال
ومثله:
صرفتُ الهوى عنهنّ مِن خشية الرّدى... ولستْ بمقْلِيّ الخِلال ولا قالي
ومن انفراد الواو قول الشاعر:
دهم الشتاءُ ولستُ أمْلِكُ عُدّة... والصَّبرُ في السَّبَرات غيرُ مُطيع
ومثله:
تسلّت عماياتُ الرجالِ عن الصِّبا... وليس صبايَ عن هواها بمُنْسَلِ
ومن إفراد الضمير قول الراجز:
إذا جرى في كفّه الرشاءُ... جرى القَليب ليس فيه ماءُ
وحكى سيبويه الاستغناء عن الواو بنية الضمير إذا كان معلوما كقولك مررت بالبر قفيز بدرهم، أي قفيز منه بدرهم، وجاز هذا كما جاز في الابتداء السمن منوان بدرهم، على تقدير منوان منه بدرهم.
فلو قيل بيع السمن منوان بدرهم على تقدير منه وجعل الجملة حالا لجاز وحسن.
وإلى هذا وأمثاله أشرت بقولي "وقد تخلو منهما عند ظهور الملابسة".
ثم قلت "وقد تصحب الواو المضارع المثبت أو المنفي بلا فيجعل على الأصح خبر مبتدأ مقدر" فأشرت بذلك إلى قول بعض العرب:
قمت وأصك عينه، رواه الأصمعي، وإلى قول عنترة:
عُلِّقْتُها عَرَضا وأقْتُلُ قومَها... زَعْمًا ورَبِّ البيتِ ليس بمَزعَم
وإلى قول زهير:
بَلينَ وتحسَبُ آياتهنْـ... ــــنَ عَن فرْط حوْلَيْن رِقًّا مُحيلا
وإلى قول الآخر:
فلمَّا خَشيتُ أظافيرَهم... نجوْتُ وأرْهَنُهم مالِكا
ويمكن أن يكون من هذا قوله تعالى (قالوا نُؤمنُ بما أُنزِل علينا ويكفرون بما وراءَه) وقوله تعالى (إنّ الذين كفروا ويصُدُون عن سبيل الله) وقراءة غير نافع (ولا تُسْأَلُ عن أصحاب الجحيم) وقراءة ابن ذكوان (فاستقيما ولا تَتَّبِعانِ) تخفيف النون.
والتقدير: قمت وأنا أصكّ، وعلقتها عرضا وأنا أقتل قومها" وبَلين أنت تحسب آياتهن، ونجوت وأنا أرهنهم، وقالوا نؤمن بما أنزل علينا وهم يكفرون وإن الذين كفروا وهم يصدون وإنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا، وأنت لا تسأل عن أصحاب الجحيم، وفاستقيما وأنتما لا تتبعان.
فإن كانت الجملة مصدرة بمضارع منفي بلم جاز فيها ما يجوز في الجملة الاسمية من إفراد الضمير كقوله تعالى (فانقلبوا بنعمة من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوءٌ) وكقوله تعالى (وردَّ اللهُ الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا) وكقول زهير:
كأنَّ فُتاتَ العِهْنِ في كُلِ منزل... نزلْنَ به حَبُّ الفَنا لم يُحطَّم
وكقول امرئ القيس:
فأدْرَكَ لم يَجْهدْ ولم يَثْنِ شأوَه... يَمُرُّ كخُذرُوف الوليد المثقَّبِ وكقول أبي القيس بن الأسلت: وأضْرِب القَوْنَس يومَ الوغى... بالسَّيفِ لم يَقْصُرْ به باعِي وكقول عنترة: إذ يتَّقون بي الأسِنَّة لم أخِم... عنها ولكنّي تَضايَقَ مُقْدَمِي ومن إفراد الواو قول عنترة: ولقد خَشيتُ بأنْ أموتَ ولم تكنْ... للحرْب دائرةٌ على ابنَي ضَمْضَم وكقوله: وقد كنتُ أخشى أن أموتَ ولم تكنْ... قرائبُ عَمرو وسْط نَوْح مُسَلّب ومن اجتماع الواو والضمير قوله تعالى: (أو قال أُوحِي إليّ ولم يُوحَ إليه شيء) وقوله تعالى (أنّى يكون لي غُلام ولم يمسسني بَشَرٌ) وكقول كعب: لا تأخذنّي بأقوال الوُشاةِ ولم... أُذنبْ وإن كثرتْ فيَّ الأقاويلُ وكقول الآخر:
سقط النصيفُ ولم تُرِد إسقاطَه... فتناولتْه واتَّقَتنا باليد
ومثله:
بأيدي رجالٍ لم يَشيمُوا سُيُوفهم... ولم تكثُرِ القتلى بها يومَ سُلَّتِ
وكثرت شواهد لم، لأن ابن خروف قال: فإن كانت ماضية معنى لا لفظا احتاجت إلى الواو، كان فيها ضميرا أو لم يكن، والمستعمل بخلاف ما قال.
والمنفي بلما كالمنفيّ بلم في القياس، إلا أنّي لم أجده مستعملا إلا بالواو كقوله تعالى (ولمّا يأتِكُم مَثَلُ الذين خَلَوا مِن قبلكم) وكقول الشاعر:
بانتْ قَطامِ ولمّا يَحْظَ ذومِقَة... منها بوصْل ولا إنجازِ مِيعادِ
فإن صُدّرت الجملة بفعل ماض لفظا وليس قبله إلا ولا بعده أو، فإما أن يتضمن ضمير صاحب الحال أو لا يتضمنه، فإن تضمنه فالأكثر أن يكون الفعل مقرونا بالواو وقد كقوله تعالى (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلامَ الله ثم يحرِّفُونه) وكقوله تعالى (أنَّى يكون لي غلامٌ وقد بلغني الكبرُ) وكقوله تعالى (وما لكم ألّا تأكلوا ممّا ذُكِر اسم الله عليه وقد فَصَّل لكم ما حَرَّم عليكم)، وكقوله تعالى (الآن وقد عَصَيْتَ قبلُ وكنتَ من المفسدين) وكقول امرئ القيس:
أيقتُلُني وقد شَغَفْتُ فُؤادَها... كما شَغَف المهنوءةَ الرجُلُ الطّالي
وكقول زهير:
كأنّي وقد خلّفْتُ تسعين حجّة... خَلَعْتُ بها عن مَنكبِيَّ رِدائيا
وكقول علقمة:
يكلّفُني ليلى وقد شَطَّ وَليُها... وعادتْ عوادٍ بيننا وخُطوبُ
وانفراد الضمير مع التجرد من قد والواو أكثر من اجتماعه مع أحدهما، واجتماعه مع الواو وحدها أكثر من اجتماعه مع قد وحدها.
فمن انفراد الضمير قوله تعالى (أوْ جاءوكم حَصِرَتْ صدورُهم) وقوله تعالى: (هذه بضاعتُنا رُدَّتْ إلينا) وقوله تعالى (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تَولَّوا) وقوله تعالى (وجاءوا أباهم عشاءً يبكون قالوا) ومنه قول امرئ القيس:
له كَفل كالدِعْص لبَّدَه الندى... إلى حارك مثلِ الغَبيط المُذَأبِ
وقوله أيضا:
دَريرٍ كخُذروف الوليد أمرّه... تقلُّبُ كَفَّيْه بخيطٍ مُوَصّل
وقول طرفة:
وكرِّي إذا نادى المضافُ مُحنّبا... كسِيد الغَضا نبّهته المتورِّد
وقال الذبياني:
سبقت الرجال الباهشين إلى العُلا... كسَبْق الجواد اصطاد قبل الطوارد
ومثله:
وإني لتعروني لذكراك هِزّة... كما انتفضَ العصفورُ بلَّلَه القطرُ
ومثال اجتماع الضمير مع الواو وحدها قوله تعالى (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا) وقوله تعالى (الَّذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قُتِلوا) وقوله تعالى (ونادى نوحٌ ابنه وكان في مَعْزِلٍ).
وقوله تعالى (وقال الذي نجا منهما وادَّكر بعد أُمّةٍ) وقوله تعالى (قال ربِّ أنَّى يكون لي غلامٌ وكانت امرأتي عاقرا).
ومثال اجتماع الضمير مع قد وحدها قول الشاعر:
أتيناكم قد عمّكم حَذَرُ العِدى... فنِلتم بنا أمْنا ولم تَعْدموا نصْرا
ومثله:
بَصرتْ بي قد لاح شيبي فصدّتْ... فتسلَّيْتُ واكتَسيتُ وقارا
وقال النابغة:
وقفتُ بربْع الدار قد غَيَّر البِلى... معارِفَها والسارياتُ الهواطِلُ
وزعم قوم أن الفعل الماضي لفظا لا يقع حالا وليس قبله قد ظاهرة إلا وهي
قبله مقدرة.
وهذه دعوى لا تقوم عليها حجة، لأن الأصل عدم التقدير، ولأن وجود قد مع الفعل المشار إليه لا يزيد معنى على ما يفهم به إذا لم توجد.
وحق المحذوف المقدر ثبوته أن يدل على معنى لا يدرك بدونه.
فإن قيل قد تدل على التقريب، قلنا دلالتها على التقريب مستغنى عنها بدلالة سياق الكلام على الحالية، كما أغنى عن تقدير السين وسوف سياق الكلام في مثل قوله تعالى (وكذلك يجتبيك ربُّك ويُعلّمُك من تأويل الأحاديث).
بل كما استغنى عن تقدير قد مع الماضي القريب الوقوع إذا وقع نعتا أو خبرا.
ولو كان الماضي معنى لا يقع حالا إلا وقبله قد مقدرة لامتنع وقوع المنفي بلم حالا، ولكان المنفي بلما أولى منه بذلك، لأن لم تنفي فَعل، ولمّا تنفي قد فعل، وهذا واضح لا ريب فيه.
وأجاز بعض من قَدّر قبل الفعل الماضي الاستغناء عن تقديرها بجعل الفعل صفة لموصوف مقدّر، وهو أيضا تكلّف شيء لا حاجة إليه.
قال أبو الحسن بن خروف: وزعم ابن بابشاذ أن سيبويه رحمه الله يجعل حصرت صدورهم صفة لقوم.
ولم يفعل ذلك سيبويه.
قلت صدق أبو الحسن رحمه الله وغفر لابن بابشاذ.
وقال الزمخشري في الكشاف عند كلامه على قوله تعالى: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا) الواو في قوله تعالى وكنتم أمواتا للحال (فإن) قلت فكيف يصح أن يكون حالا وهو ماض ولا يقال جئت وقام الأمير، ولكن وقد قام الأمير، إلا أن تضمر قد.
قلت: لم تدخل الواو على كنتم أمواتا وحده، ولكن على جملة قوله تعالى (كنتم أمواتا) إلى (ترجعون) كأنه قيل كيف تكفرون وقصتكم هذه.
قلت: حاصل كلام الزمخشري أن وقوع الفعل الماضي لفظا ومعنى حالا جائز لكن بشرط تقدم قد عليه ظاهرة أو مقدرة.
وقد تقدم الرد على من اشترط ذلك.
فإن قيل فبأي اعتبار جاز أن يعمل تكفرون وهو حاضر المعنى في مضمون وكنتم أمواتا وهو ماضي المعنى، وحق الحال وعاملها أن يقترنا في الوجود؟ فالجواب أن الاقتران يقنع منه بالتقدير هنا كما قنع منه بالتقدير في نحو زيد اليوم في يده صقر صائدا به غدا.
فالحال كنتم أمواتا ماضية مقدرة الحضور، وفي "صائدا به غدا" مستقبلة مقدرة الحضور، فإن لم تتضمن الجملة الحالية ضميرا يعود إلى صاحب الحال لزمت الواو وقد كقول امرئ القيس:
فجِئْتُ وقد نَضَّتْ لنَوْم ثيابَها... لدى الستْر إلّا لِبْسة المتفضِّل
وكقول النابغة:
فلو كانت غداة البين مَنَّتْ... وقد رَفعوا الخُدورَ على الخيام
سمحتُ بنظرة فرأيتُ منها... تُحَيت الخِدر واضعةَ القِرام
وكقول علقمة:
فجالدتَهم حتى اتّقوْك بكبْشهم... وقد حان من شمس النهارِ غُروب
وكقول امرئ القيس:
أيقتُلني وقد شَغَفْتُ فؤادَها... كما شغف المهنوءةَ الرجلُ الطَّالِي
وإن كانت الجملة الحالية مؤكدة منعت الواو اسمية كانت أو فعلية نحو هو الحق لا ريب فيه، وكقول امرئ القيس:
خالي ابنُ كَبْشَةَ قد علمتَ مكانَه... وأبو يزيدَ ورهْطُه أعمامي
وخلت هذه من الواو لاتحادها بصاحبها من وجهين: أحدهما كونها حالا والحال
وصاحبها شيء واحد في المعنى، والثاني كونها مؤكدة، والمؤكد هو المؤكد في المعنى.
وقد لزم من الاتحاد من وجه في غير المؤكدة تغليب عدم الواو على وجودها، فليترتب على الاتحاد من وجهين لزوم عدم الواو.
فصل: ص: لا محل إعراب للجملة المفسرة، وهي الكاشفة حقيقة ما تلته مما يفتقر إلى ذلك، ولا للاعتراضية وهي المفيدة تقوية بين جزءي صلة أو إسناد أو مجازاة أو نحو ذلك، ويميزها من الحالية امتناع قيام مفرد مقامها، وجواز اقترانها بالفاء ولن وحرف تنفيس وكونها طلبية، وقد تعترض جملتان خلافا لأبي علي.
ش: لما انقضى الكلام على الجملة الحالية، وكان من الجمل جملتان تشابهانها وتغايرانها وجب التنبيه عليهما، وعلى ما يتميزان به، فالجملتان هما المفسرة والاعتراضية، وكلتاهما لا موضع لها من الإعراب، فالمفسرة كقوله تعالى (خلقه من تراب) بعد قوله تعالى (إنَّ مثل عيسى عند الله) وكقول النابغة: يكوى غيره وهو راتع، من قوله:
تكلّفني ذنب امرئ وتركْتَه... كذِي العُرّ يُكْوَى غيرُه وهْو راتِعُ
والاعتراضية الواقعة بين موصول وصلة، كقول الشاعر:
ماذا ولا عَتّبَ في المقدورِ رُمت أمَا... يُحظيك بالنّجْح أمْ خُسْرٌ وتضليلُ
وكقول الآخر:
وتركي بلادي والحوادثُ جمةٌ... طريدًا وقِدْمَا كنتُ غيرَ مطّرِد
وكقول الآخر:
ذاك الذي وأبيك يعرف مالِكًا... والحقُّ يدفعُ ترّهاتِ الباطِل
وبين مسند ومسند إليه كقول الشاعر:
وقد أدْركتني والحوادث جمةٌ... أسنةُ قوم لا ضِعافٍ ولا عُزْلِ
وبين شرط وجواب كقوله تعالى (إنْ يكن غنيًّا أو فقيرًا فاللهُ أولى بهما فلا تَتَّبِعوا الهوى أنْ تعدِلوا).
وكقول الشاعر:
إمّا تَرَيني قد نَخِلتُ ومَن يكُنْ... غَرضًا لأطْراف الأسنَّة يَنْحل
فَلَربَّ أبلجَ مثلَ بِعْلِكِ بادِنٍ... ضَخْمٍ على ظهر الجوادِ مهبّل
غادَرْتهُ متعفِّرًا أوصالُه... والقومُ بين مُجرَّح ومُجدّلِ
وبين قسم وجوابه كقوله تعالى (فلا أقسم بمواقع النُّجوم وإنّه لقسمٌ لو تعلمون عظيمٌ إنّه لقرآنٌ كريمٌ).
وكقول الشاعر:
لعمري وما عَمْري عليّ بهيّن... لقد نطقت بُطْلًا عليّ الأقارِعُ
وبين فعل ومفعول كقول الراجز:
وبَدّلتُ والدهرُ ذو تبدُّلِ... هَيفا دَبُورا بالصَّبا والشمأل
أو أبين كأن واسمها كقول الشاعر:
كأنّ وقد أتى حوْلٌ جديدٌ... أثافِيها حماماتٌ مُثُولُ
فلو أقمت مفردا مقام ولا عتب في المقدور، أو مقام والحوادث جمة، أو مقام وأبيك، أو مقام فالله أولى بهما، أو مقام ومن يكن غرضا لأطراف الأسنة ينحل، أو مقام وإنه لقسم لو تعلمون عظيم، أو مقام وما عمري عليّ بهيّن، أو مقام والدهر ذو تبدّل، لوجدته ممتنعا، فدل ذلك على أنها جمل اعتراضية لا حالية، لأن الجملة الحالية لا يمتنع أن يقام مفرد مقامها، فهذا أحد الأمور الفارقة بين الجملة الاعتراضية والحالية.
ومنها اقترانها بلن كقوله تعالى (فإنْ لم تفعلوا ولنْ تفعلوا) وبحرف تنفيس كقول زهير:
وما أدري وسوف إخالُ أدْري... أقومٌ آلُ حِصْنٍ أم نساءُ
أو بالفاء كقوله تعالى (فاللهُ أولى بهما).
وكقول الشاعر:
ألا أبلغُ بَنيَّ بني رَبيع... فأشرارُ البنينَ لهم فداءُ
بأنّي قد كبرت وطال عُمْري... فلا تَشْغَلْهُم عنّي النساءُ
وكقول الآخر:
واعلمْ فعِلْمُ المرءِ يَنْفَعُه... أنْ سوفَ يأتي كلُّ ما قُدِرا
ومن الأمور الفارقة التي تتميز بها الجملة الاعتراضية كونها طلبية، كقول تعالى (ولا تؤمنوا إلّا لِمن تبع دينكم قلْ إنّ الهدى هدى اللهِ أن يُؤتى أحدٌ مثل ما أُوتِيتم) فقل إن الهدى هدى الله جملة معترضة بين "تؤمنوا" و"أن يؤتى أحد"
ومن الجملة الطلبية المعترضة قوله تعالى (ومن يغفر الذنوبَ إلا اللهُ) اعترضت بين) استغفروا ولم يُصرُّوا) وهما جملتان معطوف إحداهما على الأخرى في صفة الذين.
ومن الجمل الطلبية المعترضة قول الشاعر:
إنَّ سُلَيْمى ? واللهُ يكلؤُها-... ضنّتْ بشيءٍ ما كان يَرْزَؤُها
فقوله والله يكلؤها جملة ابتدائية بمعنى الدعاء، وقد اعترضت بين اسم إنّ وخبرها.
وزعم أبو علي أن الاعتراض لا يكون إلا بجملة واحدة، وليس بصحيح ما زعم، بل الاعتراض يكون بجملتين كثيرا، ومن ذلك قول زهير:
لعَمرُ أبيكَ والأنباءُ تَنْمِي... وفي طُول المُعاشرةِ التقالي
لقد باليت مظعنَ أمِّ أوفى... ولكنْ أمُّ أوْفى لا تُبالي
ومنه قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلّا رجالًا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبيّنات والزُّبر) قال الزمخشري في الكشاف: (ولو أنَّ أهل القرى آمنوا واتَّقَوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض، ولكن كذَّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما "فأخذناهم بغتة" و (أفأمن أهل القرى) وهذا اعتراض بكلام تضمن سبع جمل: