باب الاستثناء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن مالك
- الكتاب
- شرح تسهيل الفوائد
- المؤلف
- محمد بن عبد الله، ابن مالك الطائي الجياني، أبو عبد الله، جمال الدين (المتوفى: 672هـ)
- المحقق
- د. عبد الرحمن السيد، د. محمد بدوي المختون
- الناشر
- هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى (1410هـ - 1990م)
- عدد الأجزاء
- 4 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ما المجدُ إلا قد تبيَّن أنه... بندًى وحِلْمٍ لا يزالُ مُؤَثّلا
وإنما أغنى اقتران الماضي بقد عن تقدم فعل لأن اقترانه بها يقرّبه من الحال فيكون ذلك شبيها بالمضارع.
وإنما كان المضارع مستغنيا عن شرط في وقوعه بعد إلا لشبهه بالاسم، والاسم بإلا أولى لأن المستثنى لا يكون إلا اسما أو مؤوّلا باسم.
وإنما أساغ تقدم الفعل وقوع الماضي بعد إلا لأن تقدم الفعل مقرونا بالنفي يجعل الكلام بمعنى كلّما كان كذا وكذا كان كذا وكذا فكان فيه فعلان كما كانا مع "كُلّما".
ص: ولا يعمل ما بعد إلا فيما قبلها مطلقا، ولا ما قبلها فيما بعدها إلا أن يكون مستثنى أو مستثنى منه أو تابعا به، وما ظُن من غير الثلاثة معمولا لما قبلها قدّر له عامل خلافا للكسائي في منصوب ومخفوض، وله ولابن الأنباري في مرفوع.
ش: الاستثناء في حكم جملة مستأنفة، لأنك إذا قلت جاء القوم إلا زيدان فكأنك قلت جاء القوم ما فيهم زيد، فمقتضى هذا ألا يعمل ما بعد "إلا" فيما قبلها، ولا ما قبلها فيما بعدها على الإطلاق، كما لا يعمل ما بعد ما فيما قبلها ولا ما قبلها فيما بعدها، واستمرّ على ما اقتضته هذه المسألة في منع إعمال ما بعدها فيما قبلها نحو ما زيد إلا أنا ضارب، فلا يجوز إعمال ضارب في زيد لما ذكرت لك.
بل تقدّر هاء عائدة إلى زيد ويرتفع هو بالابتداء.
وكذا استمر على ما اقتضته المناسبة من عدم إعمال ما قبلها فيما بعدها إلا فيما لا مندوحة عنه من إعمال ما قبلها في مستثنى منه نحو ما قام إلا زيد أحد، أو تابع له نحو ما مررت بأحد إلا زيدا خير من عمرو، أو مستثنى فرّغ له العامل نحو ما قام إلا زيدٌ.
ولم تجُز الزيادة على هذه الثلاثة لئلا تكثر مخالفة الأصل ويترك مقتضى الدليل دون ضرورة، فلا يقال ما ضرب إلا زيد عمرا، ولا ما ضرب إلا زيدا عمرو ولا سار إلا زيد بعمرو.
بل الواجب أن يؤخر المقرون بإلا استمرارا على مقتضى الدليل المذكور.
فإن ورد ما يخالف ذلك قدّر له عامل بعد إلا كقوله تعالى (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نُوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبيّنات والزّبر) أي أرسلناهم بالبيّنات فهذا مثال تأخر المجرور، ومثال تأخر المنصوب قول الشاعر:
وما كَفَّ إلا ماجدٌ ضَيْرَ بائِسِ... أمانيُّه منه أُتيحتْ بلا مَنِّ
أي إلا ماجد كفّ ضير بائس.
ومثال تأخر المرفوع قول الشاعر:
تزَوّدت من ليلى بتكليم ساعةٍ... فما زادني إلا غراما كلامُها
ومثله قول الآخر:
وهل يُنبت الخَطّيَّ إلا وَشيجُه... وتُغرسُ إلا في منابتها النَّخْلُ
ومثله ما أنشد سيبويه من قول الآخر:
مَشائِيمُ ليسوا مصلحين عشيرةَ... ولا ناعبٍ إلا ببيْن غُرابها
وأجاز الكسائي الأوجه الثلاثة على تعليق المعمولات بما قبل إلا، ووافقه ابن الأنباري في المرفوع خاصة.
وفرّق بينه وبين غيره بأن قال: الدليل يقتضي ألا يتأخر مرفوع ولا غيره، لأن مسائل الاستثناء المفرَّغ فيها العامل لما بعد إلا حقيقة بأن تختم بالمستثنى.
فإن كان الواقع بعده مرفوعا نُوي تقديمه واتصاله برافعه لأنه كجزء منه، وتأخره لفظا لا يمنع أن ينوى تقديمه فإنه الأصل.
ويلزم من ذلك تقدير المستثنى مختوما به، وإن كان الواقع بعد المستثنى غير مرفوع لم يجز أن ينوى تقديمه، لأنه
متأخر بالأصالة وقد وقع في موضعه فيلزم من تجويزه منع كون المستثنى المفرغ له العامل غير مختوم به لفظا ولا تقديرا.
فصل: ص: يستثنى بحاشا وخلا وعدا، فيجررن المستثنى أحرفا، وينصبنه أفعالا.
ويتعيّن الثاني، لخلا وعدا بعد "ما" عند غير الجرمي.
والتزم سيبويه فعلية عدا وحرفية حاشا.
فإن وليها مجرور باللام لم تتعين فعليتها خلافا للمبرد، بل اسميتُها لجواز تنوينها وكثر فيها حاشا وقلّ حشا وحاشْ.
وربما قيل ما حاشى، وليس أحاشي مضارع حاشا المستثنى بها خلافا للمبرد.
والنصب في (ما النساءَ وذكرَهُنَّ) بعدا مضمرة خلافا لمن أوّل "ما" بإلا.
ويستثنى بليس ولا يكون فينصبان المستثنى خبرا واسمها وبعض مضاف إلى ضمير المستثنى منه لازم الحذف، وكذا فاعل الأفعال الثلاثة.
وقد يوصف على رأي المستثنى منه منكرا أو مصوب "أل الجنسية" بليس ولا يكون، فيلحقهما ما يلحق الأفعال الموصوف بها من ضمير وعلامة.
ش: من أدوات الاستثناء "حاشا وعدا وخلا" والمستثنى بهن منصوب أو مجرور، فإن كان منصوبا فهن أفعال مستحقة منع التصرّف لوقوعها موقع الحروف وتأديتها معناها.
وإن كان المستثنى بهنّ مجرورا فهن أحرف جر.
وكون "حاشا" حرفا جارا هو المشهور، ولذلك لم يتعرّض سيبويه لفعليتها والنصب بها، إلا أنّ ذلك ثابت بالنقل الصحيح عمّن يوثق بعربيته، فمن ذلك قول بعضهم: "اللهم اغفر لي ولمن سمعني حاشا الشيطان وأبا الأصبغ".
رواه أبو
عمرو الشيباني وغيره.
وقال الأخفش: وأما حاشا فقد سمعت من ينصب بها، وأنشد ابن خروف في شرح الكتاب:
حاشا قُرَيْشًا فإن اللهَ فضّلهم... على البريّة بالإسلام والدِّين
وتعصّب بعض المتأخرين مانعا فعلية حاشا بقول بعض العرب: حاشاي ولم يقل حاشاني وأنشد:
في فتيةٍ جعلوا الصليب إلههم... حاشايَ إنِّي مسلمٌ معذورُ
والجواب أن هذا ورد على استعمالها حرفا، لأنه أكثر من استعمالها فعلا.
ولو أن من قال حاشا الشطان فنصب بها دعته حاجة إلى استثنائه نفسه قاصدا للنصب لقال حاشاني كما يقال عساني.
وإنما نظرت حاشا بعسى لتساويهما في عدم التصرّف وتأدية كل واحد منهما معنى حرف، وكما قيل في عدا عداني كقوله:
تملُّ الندامَى ما عداني لأنّني... بكلِّ الذي يهوى نَديمي مُولَعُ
وأجاز الفراء نصب المستثنى بحاشا وخفضه وقال: إذا استثنيت بما عدا وما خلا ضميرا لمتكلم قلت: ما عداني وما خلاني.
ومن نصب بحاشا قال حاشاني، ومن خفض قال حاشايَ.
وهذا نصّه.
وقال بعض المتعصبين أيضا: لو كانت حاشا فعلا لجاز أن يوصل بها "ما" كما وُصلت بعدا وخلا.
وهذا غير لازم، فإن من أفعال هذا الباب "ليس ولا يكون" ولم توصل "ما" بهما، وأيضا فإن الدليل يقتضي ألا توصل "ما" وغيرها من الحروف الموصولة بالأفعال إلا بفعل له مصدر مستعمل حتى يُقَدَّر الحرف وصلته واقعين موقع ذلك المصدر.
ومعلوم أن أفعال هذا الباب ليس لها مصادر مستعملة.
فإذا وُصل ببعضها حرف مصدري فهو على خلاف الأصل فلا يُبالى بانفراده بذلك، فيقال لمَ لمْ يوافقْه غيره، فإن موافقته تكثير
للشذوذ، ومخالفته استمرار على مقتضى الدليل، على أنه قد قيل ما حاشا في حديث ابن عمر من مسند أبي أمية الطرسُوسيّ عن ابن عمر قال "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسامةُ أحبُّ الناسِ إليّ ما حاشا فاطمةَ".
ومن ورود الجر بحاشا وإن كان هو المجمع عليه قول الشاعر:
حاشا أبي ثوبان إنَّ به... ضَنًّا عن المَلْحاةِ والشَّتْمِ
كذا أنشده أكثر النحويين والصحيح:
حاشا أبي ثوبان إن أبا... ثوبان ليس ببكمةَ فَدْمِ
عمرو بن عبد الله إن به... ضنا عن الملحاة والشتم
والبيتان للجميح الأسديّ، وقبلهما:
وبنو رواحة ينظرون إذا... نظر النديُّ بآنف خُثْم
ثم استثنى فقال حاشا أبي ثوبان.
وقال المرزوقي رواه الضَّبيّ: حاشا أبا ثوبان، بالنصب.
وإذا وليها مجرور باللام فارقت الحرفية بلا خلاف، إذ لا يدخل حرفُ جر على حرف جرّ.
وإذا لم تكن حرفا فهي إما فعل وإما اسم، فمذهب المبرد أنها حينئذ فعل والصحيح أنها اسم، فينتصب انتصاب المصدر الواقع بدلا من اللفظ بالفعل.
فمن قال "حاشى الله" فكأنه قال تنزيها لله.
ويؤيد هذا قراءة أبي السمّال "حاشًى لله" بالتنوين، فهذا مِثل قولهم رعْيًا
لزيد.
وقرأ ابن مسعود "حاشى الله" بالإضافة، فهذا مثل سُبْحانَ الله ومعاذَ اللهِ.
وأما القراءة المشهورة "حاشى لله" بلا تنوين.
فالوجه فيها أن يكون حاشا مبنيا لشبهه بحاشى الذي هو حرف، فإنه شبيه به لفظا ومعنى فجرى مجراه في البناء كما جرى "عن" في قوله: - من عن يميني تارة وأمامي ? مجرى عن في نحو رويت عن زيد وأعرضت عن عمرو.
وقيل حاشا كثيرا وحاشا قليلا.
واستدل المبرد على فعلية حاشا بقول النابغة: ولا أحاشِي من الأقوام من أحد
وهذا منه غلط لأن حاشا إذا كانت فعلا وقُصد بها الاستثناء فهي واقعة موقع إلا ومؤدية معناها، فلا تتصرف كما لا تتصرف عدا وخلا وليس ولا يكون، بل هي أحق بمنع التصرف، لأن فيها مع مساواتها الأربع شبها بحاشا الحرفية لفظا ومعنى.
وأما أحاشي فمضارع حاشيت بمعنى استثنيت وهو فعل متصرف مشتق من لفظ حاشى المستثنى بها كما اشتق سوّفت من لفظ سوف، ولويت من لفظ لولا، ولاليت من لفظ لا، وأيّهت من لفظ أيّها، وأمثال ذلك كثيرة.
وفعلية عدا أشهر من حرفيتها ولذلك قال سيبويه: "وما جاء من الأفعال فيه معنى إلا فلا يكون وليس وعدا وخلا" ثم قال: وما فيه ذلك المعنى من حروف الإضافة وليس باسم فحاشا وخلا في بعض اللغات.
وسوَّى المبرّد بين خلا وعدا في الفعلية ثم قال: وقد تكون خلا حرف خفض فتقول حاشى القوم خلا زيد مثل سوى زيد.
وأنشد غيرهما في حرفية عدا والخفض بها:
تركنا في الحضيض بنات عَوْجٍ... عواكفَ قد خَضَعن إلى النُسورِ
أبحنا حَيَّهم، قَتْلا وأسْرا... عدا الشَّمْطاءِ والطفلِ الصغيرِ
ومن النصب بها وإن كان هو المشهور قول الراجز:
يا مَن دحا الأرضَ ومن طحاها... أنزِلْ بهم صاعقةً أراها
تحرّق الأحشاءَ من لظاها... عدا سُلَيْمى وعدا أباها
ومن الجر بخلا قول الشاعر:
خلا اللهِ لا أرجو سواكَ وإنما... أعُدُّ عيالي شُعْبةَ من عيالكا
هكذا رواه من يوثق بعربيته خلا الله، بالجر.
واتفق النحويون إلا أبا عمرو والجرمي على وجوب نصب المستثنى بما عدا وما خلا كقول لبيد:
ألا كل شيء ما خلا اللهَ باطلُ... وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ
لأن "ما" مصدرية، ولا يليها حرف جر، وإنما توصل بجملة فعلية، وقد توصل بجملة من مبتدأ وخبر.
وروى الجرميّ عن بعض العرب جرّ ما استثني بما عدا وما خلا، والوجه فيه أن تُجعل ما زائدة وعدا وخلا في حرفي الجرّ، وفيه شذوذ، لأنّ ما إذا زيدت مع حرف جر لا تتقدّم عليه، بل تتأخّر عنه نحو (فبِما رحمةٍ) و (عمّا قليل).
ومن كلام العرب: "كل شيء مهه ما النساءَ وذَكرهن" ومعناه: كل شيء يسير ما عدا النساء وذكرهن.
فحذفوا عدا وأبقوا عملها.
وزعم بعض الناس أن "ما" ههنا بمعنى إلا وليس بشيء.
وليس ولا يكون المستثنى بهما هما الرافعان الاسم الناصبان الخبر، فلذا يجب نصب ما استثنى بهما لأنه الخبر، ولوقوعهما موقع إلا التزم حذف اسمهما لئلا يفصلهما من المستثنى فيجهل قصد الاستثناء.
ومن شواهد الاستثناء بليس قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يُطْبع المؤمنُ على كل خُلُق ليس الخيانة والكذبَ" أراد إلا الخيانة والكذب، فأوقع ليس موقع إلا، [وتقول قام القوم ليس زيدا] وأصله: ليس بعضهم زيدا، وكذلك إذا قلت قاموا لا يكون زيدا، معناه إلا زيدا، وأصله لا يكون بعضهم زيدا.
وكذا يقدّر أكثر النحويين فاعل عدا وخلا، وفيه ضعف؛ لأن قولك قاموا عدا زيدا إن جُعل تقديره جاوز بعضهم زيدا لم يستقم، إلا بأن يراد بالبعض مَن سوى زيد، وهذا وإن صحّ إطلاق البعض على الكل إلا واحدا فلا يحسن لقلته في الاستعمال.
فالأجود أن يجعل الفاعل مصدر ما عمل في المستثنى منه، فيقدّر قاموا عدا زيدا، جاوز قيامهم زيدا ويستمرّ على هذا السنن أبدا إذا دعتْ إليه حاجة.
وأما المرفوع بليس ولا يكون فلا يقدّر إلا بعضا مضافا إلى ضمير المستثنى منه، فلذلك لا يختلف اللفظ بهما، فيقال جاءني القوم لا يكون زيدا وأتوني ليس عمرا، ومررت بالنساء لا يكون فلانة وليس فلانة، والتقدير لا يكون بعضهم زيدا وليس بعضهم عمرا، ولا يكون بعضهم فلانة وليس بعضهم فلانة.
وهذا هو القياس؛ ألا يتحمّل ليس ولا يكون ضميرا يطابق ما تقدّم، لأن الاستثناء مقدّر الاستئناف.
وإن جعلتهما وصفا للمستثنى منه ألحقتهما ما يلحق الأفعال المتصرفة إذا وصفت بها من ضمير يطابق الموصوف ومن علامة تأنيث إن كان مؤنثا، ولا يكون الموصوف إلا نكرة أو معرّفا تعريف الجنس لا تعريف العهد، وذلك قولك أتتني امرأة لا تكون فلانة، وأتاني القوم ليسوا إخوتك، وهما من أمثلة أبي العباس مثّل بهما بعد أن قال: وإن جعلته وصفا فجيّد.
وكان الجرميّ يختاره.
فصل: ص: يستثنى بغير، فتجرّ المستثنى معربةً بما له بعد إلا، ولا يجوز فتحها مطلقا لتضمّن معنى إلا خلافا للفراء.
بل قد تفتح في الرفع والجر لإضافتها إلى
مبنيّ واعتبار المعنى في المعطوف على المستثنى بها جائز.
ويساويها في الاستثناء المنقطع "بَيْدَ" مضافا إلى أنّ وصلتها وتساويها مطلقا سوى، وينفرد بلزوم الإضافة لفظا، وبوقوعه صلة دون شيء قبله.
والأصحّ عدم ظرفيته ولزومه النصب، وقد تضم سينُه.
وقد تفتح ويمد وقد يقال ليس إلّا، وليس غيرُ، وغيرَ، إذا فهم المعنى، وقد ينوّن، وقد يقال ليس غيرُه وغيرَه ولم تكن غيره وغيره وفاقا للأخفش.
والمذكور بعد "لا سيَّما" منبّه على أولويته بالحكم لا مستثنى.
فإن جُرّ فبالإضافة وما زائدة، وإن رُفع فخبر مبتدأ محذوف، وما بمعنى الذي، وقد توصل بظرف أو جملة فعلية.
وقد يقال لا سيما بالتخفيف، ولا سواء ما.
ش: الاستثناء بغير حُمل على إلّا، والوصف بها هو الأصل.
والاستثناء بإلا هو الأصل.
والوصف بها وما بعدها حمل على غير، ولذلك لا يحكم على غير بأنها مستثنى بها حتى يكون موضعها صالحا لإلّا، فتقدّر إلا في موضعها وتنظر ما يستحقه الواقع بعدها من نصب لازم أو نصب مرجَّح عليه الإتباع، أو تأثر بعامل مفرّغ فتعطاه غير ويجرى هو على مقتضى الإضافة، فتقول جاءني القوم غيرَ زيد، بنصب لازم، وما جاءني أحد غيرُ زيد بنصب مرجح عليه الإتباع، وما لزيد علم غير ظنّ، بنصب مرجّح على الإتباع.
وما جاءني غيرُ زيد بإيجاب التأثر بالعامل.
فتفعل بغير ما كنت تفعل بالواقع بعد إلا.
وقد سبق تبيين الخلاف في نصب "غير" وترجيح كونها إذا نصبت حالا يؤدى معنى الاستثناء فأغنى ذكرُه ثَمَّ عن إعادته هنا.
وأجاز الفراء بناء "غير" على الفتح عند تفريغ العامل، سواء كان المضاف إليه معربا أو مبنيا، فيقال على رأيه: ما جاء غيرَ زيد وما جاءك أحد غيرَك ولم يذكر في الاحتجاج لذلك من كلام العرب غير مضاف إلى مبني، وكان حامله على العموم جعل سبب البناء تضمّن غير معنى إلّا، وذلك عارض فلا يُجعل وحده سببا.
بل إذا أضيف غير إلى مبني جاز بناؤها، صلح موضعها لإلا أو لم يصلح، لكن بناءها إذا أضيفت إلى مبني وصلح موضعها لإلا أقوى من بنائها إذا أضيفت إلى مبني ولم يصلح موضعها لإلا، فمثال الأول قول
الشاعر:
لم يَمْنعْ الشرْب منها غيرَ أنْ نطقتْ... حمامةٌ في غُصونٍ ذاتِ أوقالِ
ومثال الثاني قول الشاعر:
لُذْ بقَيْسٍ حين يأبى غيرَه... تُلْفِه بَحْرًا مُفِيضا خَيْرَه
وقولي "واعتبار المعنى في المعطوف على المستثنى بها جائز" أشرت به إلى قول سيبويه: زعم الخليل ويونس أنه يجوز ما أتاني غير زيدٍ وعمرٌو، والوجه الجرّ، وذلك أن غير زيد في موضع إلا زيد وفي معناه محمولة على الموضع كما قال: فلَسْنا بالجبال ولا الحديدا
فلما كان في موضع إلا زيد وكان معناه كمعناه حملوه على الموضع.
والدليل على أنك إذا قلت غير زيد فكأنك قلت إلا زيد أنك تقول ما أتاني غير زيد وإلا عمرو.
قلت إذا قيل ما أتاني غير زيد وعمرو بالرفع فلا يخلو أن يحكم لغير هنا بحكم إلا وتنزل منزلتها أوْلا.
فإن لم يحكم لها بحكم إلا فسد المعنى المراد، وذلك أن المراد
إدخال زيد وعمرو في الإتيان، وأن يقال ما أتاني غير هذين، فإن لم تجعل غير بمنزلة إلا ورفع عمرو كان المعنى إخراجه من الإتيان وكأنه قيل ما أتاني غير زيد، وما أتاني عمرو.
والمراد خلاف ذلك، فلزم ألا يصح المعنى حتى تنزّل "غير" منزلة "إلا" ويُعرب "عمرو" بإعراب ما بعد إلا وبإعراب ما بعد غير لا بإعرابها نفسه.
ومثال مساواة "بَيْدَ" لغير في الاستثناء المنقطع قول النبي صلى الله عليه وسلم "أنا أفْصَح من نطق بالضاد بَيْد أني من قريش، واستُرضعت في بني سَعْد".
وقولي "وتساويها مطلقا "سوى" أردت بذلك أن سوى يستثنى به كما يستثنى بغير استثناء متصلا نحو قاموا سوى زيد، ونحو قول الشاعر:
كلُّ سعيٍ سوى الذي يُورث الفَوْ... زَ فعُقْباه حسرةٌ وخَسارُ
واستثناء منقطعا كقوله:
لم ألْف في الدار ذا نُطْقٍ سوى طَلَلٍ... قد كاد يعفو وما بالعهد مِن قِدَمِ
وتُساويها أيضا في الوصف بها كقول الشاعر:
أصابَهم بَلاءٌ كان فيهم... سوى ما قد أصاب بني النَّضيرِ
وتساويها أيضا في قبول تأثير العوامل المفرَّغة رافعةً وناصبةً وخافضةً في نثر ونظم كقول النبي صلى الله عليه وسلم "دعوتُ ربّي ألا يُسَلِّط على أمّتي عدوّا من سِوى أنفسهم" وقوله "ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالشَعرة البيضاء في جلد الثور الأسود
وكالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض".
وكقول بعض العرب: أتاني سواكَ، رواه الفراء.
ومن أمثلته أتيت سواك أي غيرِك، وكقول أبي دواد:
وكلُّ مَن ظنَّ أنّ الموتَ مُخطِئُه... معلَّلُ بسواء الحقِ مَكْذُوبُ
وكقول الآخر:
أأتركُ ليلى ليسَ بيني وبينها... سوى ليلةٍ إنّي إذَنْ لصَبُورُ
وكقول الآخر:
ولديك كفيلٌ بالمنى لمؤمِّل... وإن سواكَ مَن يُؤمِّلُه يَشْقَى
وكقول الآخر:
وإذا تُباع كريمةٌ أو تُشتَرى... فسواك بائِعُها وأنت المُشتري
وكقول الآخر:
ذِكْرك اللهَ عند ذكرِ سواه... صارفٌ عن فؤادِك الغفلاتِ
وكقول الآخر:
فلمّا صَرَّح الشَّرُّ... فأمْسَى وهْو عُرْيانُ
ولم يَبْقَ سوى العُدْوا... نِ دِنّاهُم كما دانُوا
وجعل سيبويه سوى ظرفا غير متصرف فقال في باب ما يحتمل الشعرُ مما لا يُحتمل في غيره: "وجعلوا ما لا يجري من الكلام إلا ظرفا بمنزلة غيره من الأسماء
وذلك قول المرار العجليّ:
ولا يَنْطقُ الفحشاءَ مَن كان منهم... إذا جلسوا مِنّا ولا مِن سوائنا
ثم قال: "فعلوا ذلك لأن معنى سواء معنى غير".
قلت: قد صرّح سيبويه بأن معنى سواء معنى غير، فلذلك يستلزم انتفاء الظرفية كما هي منتفية عن غير، فإن الظرف في العُرْف ما ضُمّن معنى "في" من أسماء الزمان أو المكان، وسوى ليس كذلك فلا يصح كونه ظرفا.
وإن سُلِّم كونه ظرفا لم يُسلَّم لزوم الظرفية للشواهد التي تقدّم ذكرها نثرا ونظما، فإن تعلّق في ادعاء الظرفية بقول العرب: رأيت الذي سواك، فوصلوا الموصول بسواك وَحْدَه كما وصلوه بعِنْدي ونحوه من الظروف.
فالجواب أن يقال لا يلزم من معاملته معاملة الظرف كونه ظرفا، فإن حرف الجر يعامل معاملة الظرف ولم يكن بذلك ظرفا، وإن سُمّي ظرفا فمجاز، وإن أُطلق على "سوى" ظرف إطلاقا مجازيا لم يمتنع.
وإنما يمتنع تسميته ظرفا بقصد الحقيقة.
وإن كان ذلك مع عدم التصرف فامتناعه أحقُّ.
فإن قيل فلِمَ استُجيز الوصل بسوى ولم يُستجر بغير وهما بمعنى واحد، فعن ذلك جوابان: أحدهما أن هذا من النوادر كنصب "غُدْوةً" بعد "لدُنْ" وكإضافة "ذي" إلى تسلم في قولهم: اذهبْ بذي تَسْلَم.
والثاني أن سوى لازمة الإضافة لفظا ومعنى فشبّه بعند وَلدي في ذلك مع كثرة الاستعمال، فعُومِل بالوصل به معاملتهما، ولم تعامل "غير" هذه المعاملة، لأنها قد تنفك عن الإضافة لفظا.
فإن قيل: فما موضع سوى من الإعراب بعد الموصول؟ قلت يحتمل أن يكون موضعه رفعا على أنه خبر مبتدأ مضمر، ويحتمل أن يكون موضعه نصبا على أنه حال، وقبله ثبت مضمرا، كما أضمر قبل أنّ في قولهم: "لا أفعل ذلك ما أنّ حِراء مكانه".
ويقوّي هذا الوجه قول مَن قال: رأيت الذي سواكَ، بالنصب، ونظيره أيضا
قولهم: "كل شيء مههٌ ما النساءَ وذِكْرهنّ" ولنا أن نجعل سواك بعد الموصول خبر مبتدأ محذوف، على أن يكون مبنيا لإبهامه وإضافته إلى مبني كما فعل ذلك بغير في قوله:
لُذْ بقيْس حين يأبَى غيره... تلْفه بحرا مفيضا خيره
وقد يكتفى بإلا وبغير عن المستثنى إذا عُرف المعنى.
ولم تستعمل العرب ذلك بعد غير "ليس" فيقال: قبضت عشرة ليس إلا، وليس غيرُ وغيرَ: فالأول على تقدير ليس غيرُ ذلك مقبوضا، والثاني على تقدير: ليس المقبوض غيرَ ذلك.
ومن هذا القبيل قول سيبويه في باب مجاري أواخر الكلم من العربية: "وأما الفتح والكسر [والضم] والوقف فللأسماء [غير] المتمكنة المضارعة عندهم ما ليس باسم [ولا فعل] مما جاء لمعنى ليس غير"
وذكر ابن خروف أنه رُوي مضموم الراء ومفتوحها، والأخفش يراه معربا في الحالين، ويرى أن التنوين نُزع للإضافة، لأن المضاف إليه ثابت في التقدير، وذكر أن بعض العرب ينوّن غيرا لأنه في اللفظ غير مضاف.
قال السيرافي: وينبغي أن يكون تنوينه على وجهين: الرفع والنصب.
قلت: تنوين "غير" يؤول على أنه معرب، لأن تنوينه إما للصرف، وإما للتعويض من المضاف إليه.
وأيهما كان لزم كون ما هو فيه معربا، لأن تنوين الصرف لم يلحق مبنيّا، وتنوين العِوَض يوجب للمنوّن ماله مع المضاف إليه من بناء أو إعراب، لأنه قام مقامه، ولذلك حُكم ببناء "إذْ" وإعراب "كل وبعض".
وذهب المبرد وأكثر المتأخرين إلى بناء غير في: ليس غير، لشبهها بقبْلُ وبعْدُ
في الإبهام والقطع عن الإضافة ونية المضاف إليه.
وأجاز الأخفش أن يقال ليس غيرُه وغيرَه، ولم يكن غيرُه وغيرَه في موضع ليس غيرُ، وماله على ذلك دليل غير القياس.
قال السيرافي: الحذف الذي استعملوه بعد إلا وغير إنما يستعمل إذا كانت إلا وغير بعد ليس ولو كان مكان ليس غيرها من ألفاظ الجحد لم يجز الحذف.
ومن النحويين من جعل "لا سيّما" من أدوات الاستثناء.
وذلك عندي غير صحيح، لأن أصل أدوات الاستثناء هو إلا، فما وقع موقعه وأغنى عنه فهو من أدواته، وما لم يكن كذلك فليس منها.
ومعلوم أن إلا تقع موقع حاشا وعدا وخلا وليس ولا يكون وغير وسوى وغير ذلك مما لم يختلف في الاستثناء به.
فوجب الاعتراف بأنه من أدواته، ولا سيّما بخلاف ذلك فلا يعدّ من أدواته، بل هو مضادّ لها، فإن الذي يلي لا سيما داخل فيما قبله ومشهود له بأنه أحق بذلك من غيره، وهذا المعنى مفوهم بالبديهة من قول امرئ القيس:
ألا رُبَّ يومٍ صالحٍ لكَ منهما... ولا سيَّما يومٌ بدارة جُلْجُل
فلا تردّد في أن مراده دخول يوم "دارة جلجل" فيما دخلت فيه الأيام الأخر من الصلاح وأنّ له مزية.
وهذا ضد المستفاد بإلا.
فلا سبيل إلى إلحاق "لا سيما" بأدوات الاستثناء.
وإذا ثبت هذا فلْتعلمْ أن "لا" من لا سيما هي العاملة عمل إنّ وسيّ اسمها وهو نكرة وإن أضيف إلى معرفة لأنه كمثل معنى وحكما و"ما" بعده زائدة إن جُرّ ما يليها.
وبمعنى الذي إن رُفع، وهو حين يُرفع خبر مبتدأ محذوف، والمبتدأ وخبره صلة "ما".
وحسّن حذف هذا المبتدأ ما حصل من الاستطالة بذكر دارة جلجل.
ويجوز أن تجعل "ما" عوضا من المضاف إليه، ويوما منصوبا على التمييز، كما كان ينتصب بعد ذكر مضاف إليه كقولك لي مثلُه يوما وكقولهم على التمرة مثلُها زُبْدا.
أشار إلى هذا الوجه الفارسيّ واستحسنه أبو علي الشلوبين ولا بأس به في كل ما وقع بعد لا سيما من صالح للتميز.
ويجوز أن يجعل "يوما" من البيت المذكور منصوبا على الظرف ويكون صلة لما، وبدارة جلجل صفة ليوما أو متعلقا به لما فيه من معنى الاستقرار.
ويجوز أن يجعل بدارة جلجل صلة ما ويوما منصوبا لما فيه من معنى الاستقرار، فإن ما المذكورة قد توصل بظرف كقولك يعجبني الاعتكافُ ولا سيّما عند الكعبة، والتهجّد ولا سيّما قربَ الصبح.
وقد توصل بجملة فعلية كقولك: يعجبني كلامُك لا سيما تَعِظُ به، فمن الأول قول الشاعر:
يَسُرُّ الكريمَ الحمدُ لا سيَّما لدى... شهادةِ مَن في خيره يَتقلَّبُ
ومن الثاني قوله:
فُقِ الناس في الحمْد لا سِيّما... يُنيلُك من ذي الجلال الرِضا
وقد تخفف "لا سيَّما" كقول الشاعر:
فِهْ بالعقود وبالأيمانِ لا سِيَما... عَقْدٌ وفاءٌ به من أعظمِ القُرَبِ
وقد يقال: لا سواما، بمعنى لا سيِّما.
كمل السِّفر الأول من شرح تسهيل الفوائد لمصنّفه جمال الدين بن مالك رحمة الله عليه.
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا كثيرا
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يا رب