باب الأفعال الرافعة الاسم الناصبة الخبر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن مالك
- الكتاب
- شرح تسهيل الفوائد
- المؤلف
- محمد بن عبد الله، ابن مالك الطائي الجياني، أبو عبد الله، جمال الدين (المتوفى: 672هـ)
- المحقق
- د. عبد الرحمن السيد، د. محمد بدوي المختون
- الناشر
- هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى (1410هـ - 1990م)
- عدد الأجزاء
- 4 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وسوى بينه وبين قول من قال: ملحفة جديدة، بالتاء، وبين من قال: ولات حينُ مناص، بالرفع.
فإن المشهور: ملحفة جديد، بلا تاء، ولات حينَ مناص، بالنصب.
وأنشد سيبويه على نصب الخبر متوسطا قول الفرزدق:
فأصبحوا قد أعاد اللهُ نعمتَهم... إذ هم قريش وإذا ما مثلَهم بشرُ
واستشهد أبو علي في التذكرة على نصب خبر ما مقدما على اسمها بقول الشاعر:
أما واللهِ عالم كلِّ غَيْب... ورب الحجر والبيت العتيقِ
لو انّك يا حُسَيْن خُلِقْت حرا... وما بالحُرِّ أنت ولا الخليقِ
بناء على أن الباء لا تدخل على الخبر إلا وهو مستحق للنصب، وسيأتي الكلام على هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
ورد على سيبويه الاستدلال ببيت الفرزدق، لأنه سمع من لغتهم منع نصب الخبر مطلقا.
لكنه رفع بشرا بالابتداء، وحذف الخبر، ونصب مثلهم على الحال.
أو يكون تكلم الفرزدق بهذا معتقدا جوازه عند الحجازيين فلم يصب.
والجواب عن الأول أن الحال فضلة، فحق الكلام أن يتم بدونها، ومعلوم أن الكلام هنا لا يتم بدون مثلهم، فلا يكون حالا، وإذا انتفت الحالية تعينت الخبرية.
والجواب عن الثاني أن الفرزدق كان له أضداد من الحجازيين والتميميين، ومن مناهم أن يظفروا بزلة منه يشنعون بها عليه، مبادرين إلى تخطئته، ولو جرى شيء من ذلك لنقل، لتوفر الدواعي على التحدث بمثل ذلك لو اتفق، ففي عدم ذلك دليل على إجماع أضداده الحجازيين والتميميين على تصويب قوله، فثبت بهذا صحة استشهاد سيبويه بما أنشده، والله أعلم.
وروى عن يونس من غير طريق سيبويه إعمال "ما" في الخبر الموجب بإلا،
واستشهد على ذلك بعض النحويين بقول الشاعر:
وما الدهرُ إلا مَنْجَنُونا بأهله... وما صاحبُ الحاجات إلا معذبا
وتكلف في توجيه هذا البيت بأن قال: منجنونا منصوب نصب المصدر الذي يستغنى به عن خبر المبتدأ المقصود حصر خبره، فكأنه قال: وما الدهر إلا يدور بأهله دوران منجنون، أي: دولاب، ثم حذف الفعل على حد تسير إذا قيل: ما أنت إلا سير البريد، ثم حذف المضاف وهو دوران، وأقيم المضاف إليه مقامه وهو منجنون.
وأما إلا معذبا فمثل: إلا تعذيبا، لأن مُفَعّلا من فَعّل بمنزلة تفعيل، ومنه قوله تعالى: (ومَزّقناهم كل مُمَزَّق).
وهذا عندي تكلف لا حاجة إليه، فالأولى أن يجعل منجنونا ومعذبا خبرين لما منصوبين بها، إلحاقا لها بليس في نقض النفي، كما ألحقت بها في عدم النقض.
وأقوى من الاستشهاد بهذا البيت الاستشهاد بقول مغلس:
وما حقُّ الذي يعثُو نهارا... ويسرقُ ليله إلا نَكالا
وإذا عطف على خبر ما المنصوب ببل ولكنْ لم يجز في المعطوف إلا الرفع، كقولك: ما زيدٌ قائما بل قاعدٌ، وما خالد مقيما بل ظاعن، وإنما لم يجز ههنا في المعطوف إلا الرفع لأنه بمنزلة الموجب بإلا.
وقياس مذهب يونس ألا يمتنع نصب المعطوف ببل ولكن.
ص: وتُلحق بها "إنْ" النافية قليلا، و"لا" كثيرا، ورفعها معرفة نادر، وتُكْسَعُ بالتاء فتختص بالحين أو مرادفه، مُقْتَصرا على منصوبها بكثرة، وعلى مرفوعها بقلة، وقد يضاف إليها "حين" لفظا أو تقديرا، وربما استغنى مع التقدير عن "لا" بالتاء.
وتهمل "لات" على الأصح إن وليها هَنّا.
ش: مقتضى النظر أن يكون إلحاق "إنْ" النافية بليس راجحا على إلحاق "لا" لمشابهتها لها في الدخول على المعرفة، وعلى الظرف والجار والمجرور، وعلى المخبر عنه بمحصور، فيقال: إنْ زيد فيها، وإن زيد إلا فيها، و: (إنْ عندكم من سلطان) كما يقال بما.
ولو استعملت "لا" هذا الاستعمال لم يجز.
ومقتضى النظر أيضا أن يكون إلحاق لات بليس راجحا على إلحاق "ما" و"إن" و"لا"، لأن اتصال التاء بها جعلها مختصة بالاسم، وشبيهة بليس في اللفظ، إذ صارت بها على ثلاثة أحرف أوسطها ساكن كليس، إلا أن الاستعمال اقتضى تقليل الإلحاق في "إنْ" وكثرته في "لا" مجردة، وقصره في "لا" مكسوعة بالتاء على الحين أو مرادفه.
وذكر السيرافي أن المرفوع بعد لات في مذهب الأخفش مرفوع بالابتداء، وأن المنصوب بعدها منصوب بإضمار فعل.
وكلام الأخفش في كتابه المترجم "بمعاني القرآن" موافق كلام سيبويه في أنّ لات تعمل عمل ليس على الوجه المذكور.
وأكثر النحويين يزعمون أن مذهب سيبويه في إنْ النافية الإهمال، وكلامه مشعر بأن مذهبه فيها الإعمال، وذلك أنه قال في باب عدة ما يكون عليه الكلم:
"وأما إنْ مع ما في لغة أهل الحجاز، فهي بمنزلة ما مع إنّ الثقيلة تجعلها من حروف الابتداء، وتمنعها أن تكون من حروف ليس" فعلم بهذه العبارة أن في الكلام حروفا مناسبة لليس من جملتها ما، ولا شيء من الحروف يصلح لمشاركة ما في هذه المناسبة إلا إنْ ولا فتعين كونهما مقصودين.
وصرح أبو العباس المبرد بإعمال إنْ عمل ليس، وتابعه أبو علي وأبو الفتح بن جني، ومن شواهد ذلك ما أنشد الكسائي من قول الشاعر:
إنْ هو مستوليا على أحد... إلا على أضعف المجانين
وقال آخر:
إن المرءُ ميتا بانقضاء حياته... ولكن بأن يُبْغى عليه فيُخْذلا
وذكر أبو الفتح في المحتسب أن سعيد بن جبير رضي الله عنه قرأ: (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) على أنَّ إنْ نافية، والذين اسمها، وعبادا خبرها، وأمثالكم صفة، وقال: معناه: ما الذين تدعون من دون الله أمثالكم في الإنسانية، وإنما هي حجارة ونحوها مما لا حياة له ولا عقل، فضلا لكم بعبادتهم أشد من ضلالكم لو عبدتم أمثالكم.
ومن عمل "لا" مجردة من التاء عمل ليس قول الشاعر:
تعزَّ فلا شيءٌ على الأرض باقيا... ولا وَزَرٌ مما قضى الله واقيا
ومثله قوله:
نصرتُك إذ لا صاحبٌ غيرَ خاذل... فبُؤِّئت حصنا بالكُماة حصينا
ومثله قول سواد بن قارب رضي الله عنه:
وكن لي شفيعا يومَ لا ذو شفاعةٍ... بمُغْنٍ فتيلا عن سواد بن قارب
ومثله قول الآخر:
من صدَّ عن نيرانها... فأنا ابن قيسٍ لا بَراح
فحذف الخبر، ومثله قول الراجز:
والله لولا أن يَحُشَّ الطُّبَّخُ... بيَ الجحيمَ حين لا مُسْتَصْرَخُ
فهذا وأمثاله مشهور، أعني إعمال لا في نكرة عمل ليس.
وشذ إعمالها في معرفة في قول النابغة الجعدي رضي الله عنه:
بَدَت فعلَ ذي وُدٍّ فلما تبعتُها... تولّت وخلَّت حاجتي في فؤاديا
وحلّت سوادَ القلب لا أنا باغيا... سواها ولا في حبها متراخيا
وقد حذا المتنبي حذو النابغة فقال:
إذا الجودُ لم يُرْزَق خلاصا من الأذى... فلا المجدُ مكسوبا ولا المال باقيا
والقياس على هذا شائع عندي.
ولم تستعمل لات إلا في الحين أو مرادفه مقتصرا بها على الحين كله، كقوله تعالى: (ولات حين مناص) وكقول الشاعر:
غافلا تعرضُ المنيةُ للمر....ء فيُدْعَى ولات حين إباء
ومثال إعمالها في مرادف الحين قول رجل من طيء:
ندم البغاةُ ولاتَ ساعةَ مَنْدم... والبغي مرتع مبتغيه وخيم
وأنشد أبو الحسن الأخفش، وأبو زكريا الفراء:
طلبوا صُلْحَنا ولات أوانِ... فأجبنا أن ليس حين بقاء
أراد: ولات أوان صلح، فقطع أوانا عن الإضافة ونواها، وبنى أوانا على الكسر تشبيها بفعالِ.
وإضافة حين إلى لات لفظا كقول الشاعر:
لعل حلومَكم تأوي إليكم... إذا شمَّرْتُ واضطرت شذاتي
وذلك حين لات أوانِ حلم... ولكن قبلها اجتنبوا أذاتي
وإضافة حين إليها تقديرا كقول الآخر:
تذكر حُبَّ ليلى لات حينا... وأمسى الشيب قد قطع القرينا
وأشرت بقولي: وربما استغنى مع التقدير عن لا "بالتاء" إلى قول الشاعر:
العاطفونَ تحين لا من عاطف... والمنعمون يدا إذا ما أنْعَموا
أراد: هم العاطفون حين لات حين ما من عاطف، فحذف حين مع لا، وهذا أولى من قول من قال: إنه أراد "العاطفونَهْ" بهاء السكت، ثم أثبتها وأبدلها تاء.
وقد تجيء لات وبعدها هَنّا، كقول الشاعر:
حنّتْ نوارِ ولات هَنّا حنت... وبدا الذي كانت نوار أجَنّت
ولا عمل للات في هذا وأشباهه، ولكنها مهملة، وهنّا في موضع نصب على الظرفية، والفعل بعده صلة لأنْ محذوفة، وأن وصلتها في موضع رفع بالابتداء، والخبر هنّا، كأنه قال: ولا هنالك حنين، هكذا قال أبو علي.
وزعم ابن عصفور أن "هنّا" اسم لات، وما قاله غير صحيح، لأن هنا ظرف غير متصرف فلا يخلو من معنى "في".
ص: ورفع ما بعد "إلا" في نحو: ليس الطيبُ إلا المسكُ، لغة تميم، ولا ضمير في ليس خلافا لأبي علي.
ش: روى أبو عمرو بن العلاء في نحو: ليس الطيب إلا المسك، وليس البِرّ إلا العمل الصالح، النصب عن الحجازيين، والرفع عن بني تميم.
فأما النصب فعلى ما تستحقه ليس من رفع الاسم ونصب الخبر، وأما الرفع فعلى إهمال ليس وجعلها حرفا.
وقد أشار سيبويه إلى جواز ذلك في بعض الكلام، وأجاز في قول من قال: ليس خلق الله أشعر منه، كون ليس فعلا متحملا ضمير الشأن اسما، وكونها حرفا مهملا.
واضطرب قول أبي علي في ليس، فرجح في بعض تصانيفها حرفيتها مع ظهور عملها، والتزم في موضع آخر فعليتها وإبقاء عملها في نحو: ليس الطيب إلا المسك، وذهب إلى أنها متحملة ضمير الشأن اسما، وما بعد ذلك خبرها.
وما ذهب إليه غير صحيح، لأن الجملة المخبر بها عن ضمير الشأن في حكم مفرد هو المخبر عنه في المعنى، ولذلك استغنى عن عود ضمير منها إلى صاحب الخبر.
فإذا قصد إيجابها بإلا لزم تقدمها على جزأيها وامتنع توسطها، كما امتنع توسطها بين جزأي خبر مفرد قصد إيجابه، فلو كان اسم ليس في: ليس الطيب إلا المسك، ضمير الشأن، لزم أن يقال: ليس إلا الطيب المسك، كما يلزم أن يقال في: كلامي زيد قائم، عند حصر الخبر: ليس كلامي إلا زيد قائم، ولو وسط إلا فقيل: ليس كلامي زيد إلا قائم، لم يجز، فكذا لا يجوز: ليس الطيب إلا المسك، على تقدير: ليس الشأن الطيب إلا المسك، بل الواجب إذا قصد الحصر في خبر ضمير الشأن
أن يجاء بإلا مقدمة على جزأي الجملة، كما قال الشاعر:
ألا ليس إلا ما قضى اللهُ كائن... وما يستطيع المرء نفعا ولا ضرا
ويمكن في: ليس الطيب إلا المسك، إبقاء العمل على وجه لا محذور فيه، وهو أن يجعل "الطيب" اسم ليس، والمسك بدل منه، والخبر محذوف، والتقدير: ليس الطيب في الوجود إلا المسك، ويكون الاستغناء هنا بالبدل عن الخبر، كالاستغناء به في نحو: لا فتى إلا على، ولا سيف إلا ذو الفقار.
ص: ولا تلزم حاليةُ المنفي "بليس" و"ما" على الأصح.
ش: وزعم قوم من النحويين أن "ليس وما" مخصوصان بنفي ما في الحال، والصحيح أنهما ينفيان ما في الحال، وما في الماضي، وما في الاستقبال.
وقد تنبه أبو موسى الجزولي إلى ذلك، فقال في كتابه المسمى بالقانون: وليس لانتفاء الصفة عن الموصوف مطلقا.
قال أبو علي الشلوبين: قال أبو موسى ذلك، وإن كان الأضهر عند النحويين أن ليس إنما هي لانتفاء الصفة عن الموصوف في الحال، لأن سيبويه حكى: ليس خلق الله مثله، وأجاز: ما زيد ضربته، على أن تكون "ما" حجازية.
ثم بين الشلوبين أن مراد القائلين: إن ليس لانتفاء الصفة في الحال، أن الخبر إذا لم يكن مخصوصا بزمان دون زمان، ونفى بليس، فإنه يحمل نفيها على الحال، كما يحمل الإيجاب عليه أيضا.
فإن اقترن الخبر بالزمان أو ما يدل عليه فهو بحسب المقترن به، موجبا كان أو منفيا بليس.
قلت: قد ورد استقبال المنفي بليس في القرآن العزيز وأشعار العرب كثيرا، وكذا ورد استقبال المنفي بما.
فمن استقبال المنفي بليس قوله تعالى: (ألا يومَ يأتيهم ليس مصروفا عنهم) وقوله تعالى: (ولستم بآخذيه إلا أن تُغْمِضُوا فيه)
وقوله تعالى: (ليس لهم طعام إلا من ضريع) ومثله قول حسان: وما مثلُه فيهم ولا كان قبله... وليس يكون الدهرَ ما دام يَذْبُل ومثله قول زهير: بدا لي أني لستُ مُدركَ ما مضى... ولا سابقا شيئا إذا كان جائيا ومثله: إني على العهد لست أنْقُضُه... ما اخضر في رأس نخلة سَعَف ومثله: ولست بمُسْتَبقٍ أخا لا تَلُمُّه... على شَعَث أيُّ الرجالِ المهذبُ ومثله: هَوِّنْ عليك فإن الأمور... بكف الإله مقاديرها فليس بآتيك مَنْهِيُّها... ولا قاصرٍ عنك مأمورها ومثله: ولستَ لما لم يقضِه الله واجدا... ولا عادما ما الله حَمّ وقدّرا ومن استقبال المنفي بما قول الله تعالى: (وما هو بمُزَحْزحه من العذاب أن يُعَمّر) و (وما هم بخارجين من النار) (وما هم بخارجين منها)
(لا يمسهم فيها نَصَب وما هم منها بمخرجين) (يَصلَوْنها يوم الدين وما هم عنها بغائبين) ومن ورود ذلك في غير القرآن قول الشاعر:
وما الدنيا بباقية لحيٍّ... ولا أحدٌ على الدنيا بباق
ومثله قول امرئ القيس:
وما المرء ما دامت حُشاشة نفسه... بمدرك أطراف الخطوب ولا آل
وشواهد ذلك شائعة ذائعة.
ص: وتزاد الباء كثيرا في الخبر المنفي بليس وما أختها، وقد تزاد بعد نفي فعل ناسخ للابتداء، وبعد: أو لم يروا أنّ، وشبهه، وبعد "لا" التبرئة، وهل، وما المكفوفة بإنْ، والتميمية، خلافا لأبي علي والزمخشري، وربما زيدت في الحال المنفية، وخبر إنّ ولكنّ.
ش:
زيادة الباء في الخبر المنفي
بليس قوله تعالى: (أليس الله بكاف عبدَه) وفي الخبر المنفي بما قوله تعالى: (وما ربك بغافل عما تعملون) وقلت: في الخبر المنفي، ولم أقل في خبر ليس، ليعلم أن الموجب بعد ليس وغيرها لا تدخله الباء.
ومثال دخولها بعد نفي فعل ناسخ للابتداء قول الشاعر:
وإنْ مُدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن... بأعجلهم إذ أجشعُ القوم أعجلُ
ومثله:
دعاني أخي والخيل بيني وبينه... فلما دعاني لم يجبرني بأقْعَد
ومثال دخولها بعد أنَّ المسبوقة بأوَ لمْ يَرَوْا، قوله تعالى: (أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يَعْيَ بخلقهن بقادر) وهذا من إجراء الشيء على ما هو في معناه، لأن معنى: أو لم يروا أن الله، أو ليس الله.
ومثال دخول الباء بعد "لا" التبرئة قول العرب: لا خير بخير بعده النار، إذا لم تجعل الباء بمعنى في.
ومثال دخولها بعد هل قول الشاعر:
يقول إذا اقْلَوْلَى عليها وأقْرَدَت... ألا هل أخو عيش لذيد بدائم
ومثال دخولها بعد ما المكفوفة بإنْ قول الشاعر:
لعَمْرُك ما إن أبو مالك... بواهٍ ولا بضعيف قواه
ومثال دخولها بعد ما التميمية قول الفرزدق:
لعمرك ما مَعْنٌ بتارك حقه... ولا مُنْسِئٌ معْنٌ ولا مُتَيسِّرُ
وزعم أبو علي أن دخول الباء على الخبر بعد ما مخصوص بلغة أهل الحجاز، وتبعه في ذلك الزمخشري، وهو بخلاف ما زعماه لوجوه:
أحدها: أن أشعار بني تميم تتضمن الباء كثيرا بعد ما، كقول الفرزدق المتقدم.
الثاني: أن الباء إنما دخلت على الخبر بعد ما لكونه منفيا، لا كونه خبرا منصوبا، ولذلك دخلت على خبر لم أكن، وامتنع دخولها على خبر كنت.
وإذا ثبت أن كون المسوغ لدخولها النفي، فلا فرق بين منفي منصوب المحل ومنفي مرفوع المحل.
الثالث: أن الباء المذكورة قد ثبت دخولها بعد بطلان العمل، وبعد هل، كقوله:
بواه ولا بضعيف قواه
وقوله: ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم
وإنما دخلت على الخبر بعد هل لشبه هل بحرف نفي، فلأن تدخل على ما التميمية أحق وأولى، لأن شبه ما بما، أكمل من شبه هل بما، وقد تقدم أن الفراء حكى أن أهل نجد كثيرا ما يجرون الخبر بعد ما بالباء، وإذا أسقطوا الباء رفعوا، وهذا دليل واضح على أن وجود الباء جارة للخبر بعد ما لا يلزم منه كون الخبر منصوب المحل، بل جائز أن يقال: هو منصوب المحل، وأن يقال هو مرفوع المحل، وإن كان المتكلم به حجازيا، فإن الحجازي قد يتكلم بلغة غيره، وغيره قد يتكلم بلغته، إلا أن الظاهر أن محل المجرور نصب إن كان المتكلم حجازيا، ورفع إن كان المتكلم تميميا أو نجديا.
فمن دخول اللغة التميمية في الحجازية كسر هاء الغائب بعد كسرة أو ياء ساكنة، وإدغام نحو: (ولا يضار كاتب ولا شهيد) ورفع الله من قوله تعالى: (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا اللهُ) لأن اللغة الحجازية بهُ وفيهُ بالضم، ولا يضارر بالفك، وإلا اللهَ بالنصب، لأن الاستثناء منقطع.
وإذا جاز للحجازي أن يتكلم باللغة التميمية، جاز للتميمي أن يتكلم باللغة الحجازية، بل التميمي بذلك أولى لوجهين: أحدهما: أن الحجازية أفصح، وانقياد الفصيح
لموافقة الأفصح أكثر وقوعا من العكس.
الثاني أن معظم القرآن حجازي، والتميميون يتعبدون بتلاوته كما أنزل، ولذلك لا يقرأ أحد منهم: (ما هذا بشرا) بالرفع إلا من جهل كونه منزلا بالنصب.
ومثال دخول الباء على حال منفية قول الشاعر:
فما رجعتْ بخائبة ركابُ... حكيمُ بنُ المُسَيَّب منتهاها
ومثله:
كائن دُعيت إلى بأساءَ داهمةٍ... فما انبعثتُ بمَزْءُود ولا وَكَل
ومثال دخولها على خبر إنّ قول امرئ القيس:
فإنْ تَنأَ عنها حِقْبة لا تُلاقها... فإنك مما أحدثت بالمجرِّب
ومثال دخولها على خبر لكن قول الشاعر:
ولكنّ أجْرًا لو فعلتِ بهين... وهل ينكرُ المعروف في الناس والأجرُ
ص: وقد يجر المعطوف على الخبر الصالح للباء مع سقوطها، ويندر ذلك مع غير ليس وما، وقد يفعل ذلك في المعطوف على منصوب اسم الفاعل المتصل.
ش: لما كثر دخول الباء على خبر ليس وخبر ما، جاز للمتكلم أن يجر المعطوف بعدهما على الخبر المنصوب كقول الشاعر:
مشائِيمُ ليسُوا مصلحين عشيرة... ولا ناعبٍ إلا ببَيْنٍ غرابُها
وقال آخر في جر المعطوف على المنصوب بما:
ما الحازمُ الشهمُ مِقداما ولا بطلٍ... إنْ لم يكنْ للهوى بالعقل غلّابا
فكأنه قال: ما الحازم بمقدام ولا بطل.
وقد عومل بهذه المعاملة المعطوف على منصوب كان المنفية، كقول الشاعر:
وما كنتُ ذا نَيْرَبٍ فيهمُ... ولا مُنْمِشٍ فيهم مُنْملِ
وإلى هذا أشرت بقولي: ويندر ذلك بعد خبر غير ليس وما.
فجر منمشا لعطفه على منصوب كان المنفية لشبهه بمنصوب ليس في صلاحيته للباء، حتى كأنه قال: وما كنت بذي نيرب ولا منمش، والنيرب النميمة، والمنمش المفسد ذات البين، والمنمل كذلك.
ونبهت بقولي: "الصالح للباء" على أن المعطوف على خبر لا يصلح للباء لا يجوز جره، نحو: لست تفعل ولا مقاربا.
وقد يجر المعطوف على المنصوب باسم الفاعل كقول امرئ القيس:
فظلّ طُهاةُ اللحم من بين مُنْضِج... صَفِيفَ شِواء أو قديرٍ مُعَجَّل
لأن المنصوب باسم الفاعل يجر كثيرا بإضافته إليه، فكأنه إذا انتصب مجرور، وجواز جر المعطوف على منصوب اسم الفاعل مشروط بالاتصال، كاتصال منضج بالمنصوب، فلو كان منفصلا لم يجز الجر، نحو أن يقال: من بين منضج بالنار صفيف شواء، لأن الانفصال يزيل تصور الإضافة المقتضية للجر، فلذلك لا يجوز جر المعطوف مع انفصال اسم الفاعل من معموله.
ص: وإن وَلِيَ العاطفَ بعد خبر ليس أو ما وصفٌ يتلوه سببي، أعْطِيَ الوصفُ
ما له مفردا، ورفع السببي، أو جعلا مبتدأ وخبرا.
وإن تلاه أجنبي عُطف بعد ليس على اسمها، والوصف على خبرها.
وإن جُرَّ بالباء جاز على الأصح جرُّ الوصف المذكور، ويتعين رفعه بعد ما.
ش: إذا وقع بعد معمولي ليس أو ما عاطفٌ يليه وصف بعده سببي نحو: ليس زيد قائما ولا ذاهبا أبوه، وما عمرو مقيما ولا ظاعنا أخوه، فلك أن تعطي الوصف من النصب والجر ما كنت تعطيه دون مذكور بعده، وترفع به السببي، أو ترفعهما مبتدأ وخبرا فتقول: ليس زيد قائما، ولا ذاهب أبوه، وما عمرو مقيما، ولا ظاعنٌ أخوه.
وإن تلا الوصفَ أجنبيٌّ والعامل ليس، جاز رفعه عطفا على اسمها ونصب الوصف عطفا على الخبر، وجاز جعلهما مبتدأ وخبرا، نحو: ليس زيد قائما ولا ذاهبا عمرو، وليس زيد قائما ولا ذاهبٌ عمرٌو.
وإن كان خبر ليس مجرورا بالباء جاز جر الوصف المذكور بباب مقدرة مدلول عليها بالمتقدمة، وهو كثير في الكلام، ومنه قول الشاعر:
وليس بمُدْنٍ حَتْفه ذو تقدم... لحرب ولا مُسْتَنْسِئ العُمر مُحْجِم
ومنه قول الآخر:
فليس بآتيك مَنْهيُّها... ولا قاصرٍ عنك مأمورُها
ومنه قول الآخر:
وليس بمعروف لنا أنْ تَرُدَّها... صِحاحا ولا مُسْتنكرٍ أن تُعَقّرا
وليس هذا من العطف على عاملين، بل من حذف عامل لدلالة عامل مثله عليه، وحذف حرف الجر من المعطوف لدلالة مثله عليه كثير، ومنه قوله تعالى:
(وفي خلقكم وما يَبُثُّ من دابة آياتٌ لقوم يوقِنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آياتٌ لقوم يعقلون) فحذف في الجارة لاختلاف الليل والنهار لدلالة الجارة لخلقكم عليها.
ومثله قول الشاعر:
أخْلِقْ بذي الصَّبْر أن يحظى بحاجته... ومُدْمِن القَرْع للأبواب أن يَلجا
وإذا استسهل بقاء الجر بمضاف حذف لدلالة مثله عليه، كان بقاء الجر بحرف الجر المحذوف لدلالة مثله عليه أحق وأولى، لأن حرف الجر في عمل الجر أمكن من الاسم المضاف.
ومن حذف المضاف وبقاء المضاف إليه قول الشاعر:
أكلَّ امرْئ تحسبين امرَأ... ونارٍ تَوقّدُ بالليل نارا
ومثله قراءة بعض القراء: (تُريدون عَرَض الدنيا والله يريد الآخرةِ) على تقدير: عرض الآخرة.
ويستقصى الكلام على نظائر هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
وليس بعد "ما" في الوصف التاليه أجنبيٌّ بعد عاطف إلا الرفع كقولك: ما زيد قائما ولا ذاهب عمرو، لأن المعطوف عليه مع قربه من العامل لو قدم فيه الخبر لبطل العمل، فبطلانه بالتقديم في المعطوف لبعده من العامل أحق وأولى، ومثال ذلك قول الشاعر:
لعَمْرُكَ ما مَعْنٌ بتاركِ حقه... ولا مُنْسِئٌ معنٌ ولا مُتَيَسِّر