باب إعراب الصحيح الآخر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن مالك
- الكتاب
- شرح تسهيل الفوائد
- المؤلف
- محمد بن عبد الله، ابن مالك الطائي الجياني، أبو عبد الله، جمال الدين (المتوفى: 672هـ)
- المحقق
- د. عبد الرحمن السيد، د. محمد بدوي المختون
- الناشر
- هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى (1410هـ - 1990م)
- عدد الأجزاء
- 4 أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ص: الإعرابُ ما جيء به لبيان مقتضى العامل من حركةٍ، أو حرف، أو سكون، أو حذف.
وهو في الاسم أصلٌ، لوجوب قبوله بصيغة واحدة معاني مختلفة، والفعل والحرف ليسا كذلك فبنيا، إلا المضارع فإنه شابه الاسم بجواز شبه ما وجب له فأعرب، ما لم تتصل به نون توكيد أو إناث.
ش: الإعراب في اللغة التبيين، يقال: أعرب فلان عما في نفسه إذا بينه، وهو عند المحققين من النحويين عبارة عن المجعول آخر الكلمة مبينا للمعنى الحادث فيها بالتركيب من حركة أو سكون أو ما يقوم مقامهما، وذلك المجعول قد يتغير لتغير مدلوله وهو الأكثر، كالضمة والفتحة والكسرة في نحو: ضرب زيدٌ غلامَ عمرو.
وقد يلزم للزوم مدلوله كرفع: لا نَولُك أن تفعل، ولعمرك.
وكنصب سبحانَ الله ورويدَك.
وكجر الكُلاع وعِرْيَط من ذي الكلاع وأمِّ عريط.
وبهذا الإعراب اللازم يعلم فساد قول من جعل الإعراب تغيرا، وقد اعتذر عن ذلك بوجهين: أحدهما أن ما لازم وجها واحدا من وجوه الإعراب فهو صالح للتغيير فيصدق عليه متغيِّر، وعلى الوجه الذي لازمه تغير.
والثاني أن الإعراب تجدد في حال التركيب، فهو تَغير باعتبار كونه مُنتقلا إليه من السكون الذي كان قبل التركيب.
والجواب عن الأول أن الصالح لمعنى لم يوجد بعد لا ينسب إليه ذلك المعنى حقيقة حتى يصير قائما به، ألا ترى أن رجلا صالح للبناء إذا ركب مع لا، وخمسة عشر صالح للإعراب إذا فك تركيبه، ومع ذلك لا ينسب إليهما إلا ما هو حاصل في الحال من إعراب رجل وبناء خمسة عشر، فكذا لا ينسب تغيير إلى ما لا تغير له في الحال.
والجواب عن الثاني أن المبني على حركة مسبوق بأصالة السكون، فهو متغير أيضا، وحاله تغير، فلا يصلح أن يحدّ بالتغيير الإعراب لكونه غير مانع من مشاركة
البناء، ولا يخلص من هذا القدح قولهم: لتغير العامل، فإن زيادة ذلك توجب زيادة فساد، لأن ذلك يستلزم كون الحال المنتقل عنها حاصلة بعاملٍ تغير، ثم خلفه عامل آخر حال التركيب، وذلك باطل بيقين، إذ لا عامل قبل التركيب، وإذا لم يصح أن يعبَّر عن الإعراب بالتغيير صح التعبير عنه بأنه المجعول آخرا من حركة وغيرها على الوجه المذكور.
وقال بعضهم: لو كانت الحركات وما جرى مجراها إعرابا لم تُضف إلى الإعراب، لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، وهذا قول صادر عمن لا تأمل له، لأن إضافة أحد الاسمين إلى الآخر مع توافقهما معنى أو تقاربهما واقعة في كلامهم بإجماع، وأكثر ذلك فيما يقدر أولهما بعضا أو نوعا، والثاني كلا أو جِنْسا وكلا التقديرين في حركات الإعراب صالح فلا يلزم من استعماله خلاف ما ذكرنا.
وينبغي أن تعلم أن المعاني التي تعرض للكلم على ضربين.
أحدهما ما يعرض قبل التركيب كالتصغير والجمع والمبالغة والمفاعلة والمطاوعة والطلب، فهذا الضرب بإزاء كل معنى من معانيه صيغة تدل عليه، فلا حاجة إلى الإعراب بالنسبة إليه.
والثاني من الضربين ما يعرض مع التركيب كالفاعلية والمفعولية والإضافة، وكون الفعل المضارع مأمورا به أو معطوفا أو علة أو مستأنفا، وهذا الضرب تتعاقب معانيه على صيغة واحدة فتفتقر إلى إعراب يميز بعضها عن بعض، والاسم والفعل المضارع شريكان في قبول ذلك مع التركيب، فاشتركا في الإعراب، لكن الاسم عند التباس بعض ما يعرض له ببعض ليس له ما يغنيه عن الإعراب، لأن معانيه مقصورة عليه، فجعل قبوله لها واجبا، لأن الواجب لا محيص عنه، والفعل المضارع وإن كان قابلا بالتركيب لمعان يخاف التباس بعضها ببعض فقد يغنيه عن الإعراب تقدير اسم مكانه نحو: لا تُعنَ بالجفاء وتمدح عمرا، فإنه يحتمل أن يكون نهيا عن الفعلين مطلقا، وعن الجمع بينهما، وعن الجفاء وحده مع استئناف الثاني، فالجزم دليل الأول، والنصب دليل الثاني، والرفع دليل الثالث، ويغني عن ذلك وضع اسم موضع كل واحد من المجزوم والمنصوب والمرفوع نحو أن تقول: لا تُعنَ بالجفاء ومدحؤ عمرٍو، ولا تعن بالجفاء مادحا عمرا، ولا تعن بالجفاء ولك مدحُ عمرو، فقد ظهر بهذا
تفاوت ما بين سببي إعراب الاسم وإعراب الفعل في القوة والضعف، فلذا جعل الاسم أصلا والفعل المضارع فرعا.
والجمع بينهما بما ذكرته أولى من الجمع بينهما بالإبهام والتخصيص، ولام الابتداء، ومجاراة المضارع اسم الفاعل في الحركة والسكون، لأن المشابهة بهذه الأمور بمعزل عما جيء بالإعراب لأجله، بخلاف المشابهة التي اعتبرتها، ولأن في الفعل الماضي من مشابهة الاسم ما يقاوم المشابهة المعزوة للمضارع، ولعلها أكمل، فمن ذلك أن الماضي إذا ورد مجردا من قد كان مبهما من بُعْدِ الماضي وقربه، وإذا اقترن بقد فقد تخلص للقرب، فهذا شبيه بإبهام المضارع عند تجرده من القرائن، وتخلصه للاستقبال بحرف التنفيس.
وأما لام الابتداء، وإن كان للمضارع بها مزيد شبه بالاسم، لكونها لا تدخل إلا عليهما، فتقاومها اللام الواقعة بعد لو، فإنها تصحب الاسم والفعل الماضي خاصة كقوله تعالى (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة) و (ولو أسمعهم لتولَّو) وليس الاعتبار بتلك أحق من الاعتبار بهذه، ولو لم يظفر بهذه لقاوم تلك تاء التأنيث فإنها تتصل بآخر الماضي كما تتصل بآخر الاسم، فحصل للماضي بذلك من مشابهة الاسم مثل ما حصل للمضارع بلام الابتداء.
ويقاوم لام الابتداء أيضا مباشرة مذ ومنذ، فإن المضاي يشارك الاسم فيهما دون المضارع.
وأما مجاراة المضارع اسم الفاعل في الحركة والسكون، فالماضي غير الثلاثي شريكه فيها، وإنما يختص بها المضارع إذا كان الماضي على فَعَل مطلقا، أو على فَعِل متعديا.
وللماضي ما يقاوم الفائت من اتحاد وزنه ووزن الصفة والمصدر وتقاربهما، فالاتحاد نحو: طَلَبَ طَلَبا، وحَلب حلبا، وغلب غلبا، وفرِح وأشِر وبطر، فهو فرح وأشِر وبطر، والتقارب نحو: تَعب تَعبا وحسب حَسْبا، وكذب كذِبا.
ولا ريب في أن التوازن في هذا الضرب أكمل منه في: يضرب فهو ضارب، فبان بما ذكرناه تفضيل ما اعتبرناه.
وفي قولنا في المضارع "فأعرب ما لم تتصل به نون توكيد أو إناث" إشعار بأن المضارع لا يُحكم ببنائه لتوكيده بالنون مطلقا، بل المؤكد بها معرب ومبني، فالمعرب ما أسند إلى ضمير اثنين أو جمع أو مخاطبة، نحو: هل تفعلانِّ، وهل تفْعَلُنّ، وهل تفعِلنَّ، والمبني ما ليس كذلك.
وإنما كان الأمر كذلك لأن المؤكَد بالنون إنما بني لتركيبه معها وتنزُّله منها منزلة صدر المركب من عجزه، وذلك منتف من يفعلانِّ وأخويه.
هذا مذهب المحققين، ويدل على صحته أن البناء المشار إليه إما بالتركيب، وإما لكون النون من خصائص الفعل، فضعف بلحاقها شَبَهُ الاسم، إذ لا قائل بغير ذلك، والثاني باطل لأنه مرتب على كون النون من خصائص الفعل، ولو كان ذلك مؤثرا لبنى المجزوم، والمقرون بحرف التنفيس، والمسند إلى ياء المخاطبة، لأنها مساوية للمؤكد في الاتصال بما يخص الفعل، بل ضَعف شبه هذه الثلاثة أشد من ضعف شبه المؤكد بالنون، لأن النون وإن لم يَلِقْ لفظها بالاسم فمعناها به لائق، بخلاف لم وحرف التنفيس وياء المخاطبة بالفعل لكان ما اتصل به أحد الثلاثة مبنيا، لأنها أمكن في الاختصاص، وفي عدم بناء ما اتصلت به دلالة على أن موجب البناء التركيب إذ لا ثالث لهما.
وإذا ثبت أن موجب البناء هو التركيب لم يكن فيه لتفعلانِّ وأخويه نصيب، لأن الفاعل البارز حاجز، وثلاثة أشياء لا تركب.
وأيضا فإن الوقف على نحو: هل تَفعلين، بحذف نون التوكيد وثبوت نون الرفع، فلو كان قبل الوقف مبنيا لبقي بناؤه، لأن الوقف عارض، فلا اعتداد بزوال ما زال لأجله، كما لا اعتداد بزوال ما زال لالتقاء الساكنين نحو: هل تذكر الله، والأصل: تذكرنْ، فحذفت النون الخفيفة لالتقاء الساكنين، وبقيت فتحة الراء الناشئة عن النون مع كونها زائلة، لأن زوالها عارض فلم يعتد به، ولا فرق بين العروضين، فلو كان لتفعلُنْ ونحوه قبل الوقف بناء لاستصحب عند عروض الوقف كما استصحب بناء هل تذكرَنْ عند عروض التقاء الساكنين.
وهذا منتهى القول في المؤكد بالنون بالنسبة إلى بنائه وإعرابه دون تعرض إلى ما سوى ذلك من أسباب توكيده بها.
وسائر أسباب بنائه ما ذهب إليه سيبويه من أنه مبني حملا على الماضي المتصل بها، لأن أصل كل واحد منهما البناء على السكون، فأخرج عنه المضارع إلى الإعراب للمناسبة المتقدم ذكرها، وأخرج عنه الماضي إلى الفتح تفضيلا على الأمر لشبهه بالمضارع لوقوعه صفة وصلة وحالا وشرطا ومسندا بعد كان وإن وظن وأخواتها، بخلاف الأمر، فاشتركا في العود إلى الأصل بالنون، كما اشتركا في الخروج عنه بالمناسبتين المذكورتين.
وقيل إنما بني المتصل بنون الإناث لتركيبه معها، لأن الفعل والفاعل كالشيء الواحد معنى وحكمًا، فإذا انضم إلى ذلك أن يكون مستحقًّا للاتصال لكونه على حرف واحد تأكد امتزاجه وجعله مع ما اتصل به شيئًا واحدًا.
فمقتضى هذا أن يبنى المتصل بألف الضمير أو واوه أو يائه، لكن منع من ذلك شبهه بالاسم المثنى والمجموع على حده، كما منع من بناء "أي" مع ما فيها من تضمن معنى الحرف شبهها ببعض وكل معنى واستعمالا.
وقيل إنما بني المتصل بنون الإناث لنقصان شبهه بالاسم لأنها لا تلحق الأسماء، وما لحقته من الأفعال إن باين الاسم ازدادت بها مباينته، وإن شابهه نقصت بها مشابهته.
ص: ويَمْنَعُ إعرابَ الاسم مُشابهةُ الحرفِ بلا مُعارِض، والسَّلامةُ منها تَمَكُّن، وأنواعُ الإعراب رفعٌ ونصب وجر وجزم.
ش: الحرف أمكن في عدم الإعراب من الفعل، لأن من الأفعال ما يعرب وليس من الحروف ما يعرب.
وما لا يعرب من الأفعال شبيه بما يعرب: أما الماضي فلمشاركته المضارع في وقوعه مواقعه المذكورة، وفي كونهما مخرجين على الأصل،
مردودين بنون الإناث إليه، ولشبهه بالمعرب لم يجز أن تلحقه هاء السكت وقفا، إذ لا يلحق متحركا بحركة إعرابية ولا شبيهة بإعرابية، كاسم لا التبرئة، والمنادى المضموم.
وأما الأمر فشَبَهُهُ بالمجزوم بَيِّن، لأنه يجرى مجراه في تسكين آخره إن كان صحيحًا، وفي حذفه إن كان معتلا، ولا يعامل هذه المعاملة غيره من المبنيات المعتلة، بل يكتفي بسكون آخره كالذي والتي.
وإذا ثبت أن المبني من الأفعال يُشَبّه بالمعرب، ضعف جعل مناسبته سببًا لبناء بعض الأسماء، فهذا بيان ضعف القول بأن أسماء الأفعال بنيت لمناسبة الأفعال التي هي واقعة موقعها كنَزالِ وهَيْهات، فإنهما بمعنى أنزِل وبَعُد واقعان موقعهما، ويزيده ضعفًا أيضًا أن مثل هذه المناسبة موجودة في المصادر الواقعة دعاء، كسقْيًا له، فإنه بمعنى سقاه "الله" وفي الواقعة أمرًا كقوله تعالى (فضرب الرقاب) فإنه بمعنى اضربوا الرقاب، وهما معربان بإجماع.
وأيضًا فمن أسماء الأفعال ما هو بمعنى المضارع وواقع موقعه، كأفٍّ وأوّه بمعنى أتضجر وأتوجع، فلو كان بناء نَزالِ وهيهات لوقوعهما موقع مبنيين، لكان أفّ وأوّه معربي لوقوعهما موقع مضارعين، فثبت بهذا وبما قبله أن بناء أسماء الأفعال ليس لمناسبتها الأفعال بل لمناسبتها الحروف لأنها شبيهة بالحروف الناسخة للابتداء في لزوم معنى الفعل والاختصاص بالاسم، وكونها عاملة غير معمولة، وسنذكر في مواضع الأسماء المبنية ما لكل منها من وجوه شبه الحرف.
ومما يشكل أمره من الأسماء المبنية ما بني قبل التركيب كحروف التهجي المسرودة، وهي أيضًا غير خالية من شبه الحرف، لأنها كلها غير عاملة في شيء ولا معمولة لشيء، فأشبهت الحروف المهملة كهل ولو ولولا.
وامتنع بعض النحويين من الحكم عليها بالبناء وقال: لو كانت مبنية لم تسكن أواخرها وصلا بعد ساكن نحو: سين قاف، إذ ليس في المبنيات ما يكون كذلك.
ولا يلزم أصلا من عدم الإعراب لفظًا عدمه حكمًا، ولو لزم ذلك لم يقل في الإفراد: فتى ونحوه،
لأن سبب الإعلال في مثله فتح ما قبل آخره، مع تحركه أو تقدير تحركه، ولكان الموقوف عليه مبنيا، وكذا المحكي والمتبع، وهذا القول غير بعيد من الصواب.
والإشارة بقولنا "بلا معارض" إلى نحو "أي" فإنها في جميع أحوالها تناسب الحروف، إلا أن هذه المناسبة تعارضها مخالفة "أي" لسائر الموصولات ولأدوات الاستفهام والشرط بإضافتها، وكونها بمعنى بعض إن أضيفت إلى معرفة، وبمعنى كل إن أضيفت إلى نكرة، فعارضت مناسبة أي للمعرب مناسبتها للحرف، فغلبت مناسبة المعرب لأنها داعية إلى ما هو مستحق للاسم بالأصالة، وليثبت بذلك مزية ما له جابر على ما لا جابر له، ولأن إلغاء شبه الحرف في أي لما فيها من شبه التمكن، كإلغاء عُجمة لِجامٍ ونحوه لما فيه من شبه الاسم العربي بقبول الألف واللام والإضافة.
وقولنا "والسلامة منها تَمَكُّن" أي سلامة الاسم من مناسبة الحرف المؤثرة تمكن، أي تَثَبُّت في مقام الأصالة.
فالاسم ضربان: متمكن وهو المعرب، وغير متمكن وهو المبني.
والمتمكن ضربان: أمكن وهو المنصرف، وغير أمكن وهو ما لا ينصرف.
ولما كان المضارع شريك الاسم في الإعراب، وكان الكلام في الإعراب عموما، لم يستغن عن ذكر الأنواع الأربعة، وقدم الرفع والنصب للاشتراك فيهما، وقدم الرفع لأن الكلام قد يستغنى به عن غيره، وقدم الجر لأنه خاص بما هو أصل، وأخر الجزم لأنه خاص بما هو فرع.
ص: وخُصَّ الجرُّ بالاسم لأن عامله لا يستقل، فيحمل غيره عليه، بخلاف الرفع والنصب، وخُصَّ الجزم بالفعل لكونه فيه كالعوض من الجر.
ش: لما كان الاسم في الإعراب أصلا للفعل، كانت عوامله أصلا لعوامله فقبل رافع الاسم وناصبه أن يُفرَّع عليهما، لاستقلالهما بالعمل وعدم تعلقهما بعامل آخر، بخلاف عامل الجر فإنه غير مستقل، لافتقاره إلى ما يتعلق به من فعل أو ما يقوم مقامه، فموضع المجرور نصب بما يتعلق به الجار، ولذلك إذا حذف الجار نصب معموله، وإذا عطف على المجرور جاز نصب المعطوف، وربما اختير النصب.
فشارك المضارع الاسم في الرفع والنصب لقوة عامليهما بالاستقلال، وإمكان التفريع
عليهما، وضعف عامل الجر لعدم استقلاله عن تفريع غيره عليه، فانفرد به الاسم، وجعل جزم الفعل عوضا مما فاته من المشاركة في الجر فانفرد به ليكون كل واحد من صنفي المعرب ثلاثة أوجه من الإعراب بتعادل، وذلك أن الجزم راجح باستغناء عامله عن تعلق بغيره، والجر راجح بكونه ثبوتا، بخلاف الجزم فإنه بحذف حركة أو حرف فتعادلا بذلك.
ص: والإعرابُ بالحركة والسكون أصلٌ، وينوب عنهما الحرفُ والحذفُ، فارفع بضمة، وانصب بفتحة، وجرّ بكسرة، واجزم بسكون، إلا في موضع النيابة.
ش: أي إعراب غير المجزوم بحركة أصلٌ لإعرابه بحرف، وإعراب المجزوم بسكون أصل لإعرابه بحذف.
والدليل على أن الحركة أصل للحرف أنها لا يصار إلى غيرها إلا عند تعذرها، ولذلك اشترك الاسم والفعل في الرفع بضمة، والنصب بفتحة، ولم يشتركا في الإعراب بحرف، وإنما كانت أصالة الإعراب في غير الجزم للحركة لأنها أخف من الحرف وأبين، أما رجحانها في الخفة فظاهر، وأما كونها أبين فلأنها لا تخفى زيادتها على بنية الكلمة لسقوطها وإدراك مفهوم الكلمة بدونها، بخلاف الحرف فإن سقوطه في الغالب مخل بمفهوم الكلمة، ولذلك اختلف في المعرب بحرف هل هو قائم مقام الحركة، أو الحركة مقدرة فيه أو فيما قبله؟
وإنما كان السكون في الجزم أصلا لأن بنية الفعل لا تنقص به، بخلاف حذف آخره، ولذلك قد يستغنى عن حذفه بتقديره ظاهر الحركة قبل الجزم كألم يأتيك.
ص: وتنوب الفتحة عن الكسرة في جر
ما لا ينصرف
، إلا أن يُضاف أو يَصْحب الألفَ واللام أو بدَلَها.
ش: الذي لا ينصرف من الأسماء ما امتنع تنوينه لسببين كأحمد وإبراهيم وعمران وعمر وطلحة ومعد يكرب، وأحمر وسكران وثلاث، أو لسبب بمنزلة سببين كصحراء، ومساجد، فهذا النوع إذا جُرّ نابت الفتحة فيه عن الكسرة، لأنه لو جر بالكسرة مع عدم التنوين لتُوُهِّم أنه مضاف إلى ياء المتكلم، وقد حذفت لدلالة الكسرة عليها، أو مبني، لأن الكسرة لا تكون إعرابية إلا مع تنوين أو ما يعاقبه من الإضافة والألف واللام، ولذلك إذا أضيف أو دخل عليه الألف واللام جر بالكسرة لزوال التوهم.
وقد تناول قولنا "أو يصحب الألف واللام" المعَرِّفةَ والزائدة والموصولة فإنهن متساويات في إيجاب جر ما لا ينصرف بالكسرة، بخلاف أن يقال حرف التعريف.
فالمعرِّفة كقوله تعالى: (مثل الفريقين كالأعمى والأصمّ) والزائدة كقول الشاعر:
رأيتُ الوليدَ بنَ اليزيد مُباركا... شديدًا بأعباءِ الخلافةِ كاهِلُه
والموصولة كقول الآخر:
وما أنت باليقظانِ ناظِرُه إذا... رَضيتَ بما يُنْسيكَ ذِكْرَ العَواقب
والهاء من قولنا "أو بدلها" عائدة إلى اللام، وأشير بذلك إلى لغة من يجعل اللام ميما، فإن حكمها في ذلك حكم اللام، كقول بعضهم:
أإنْ شِمتَ من نجد بُريْقَا تألّقا... تُكابدُ ليلَ مأرْمَد اعتاد أولقا أراد: ليل الأرمد، فجرّ أرمد بكسرة مع الميم كما يجر بها مع اللام.
ص: والكسرةُ عن الفتحة في نصب أولاتِ،
والجمع بالألف والتاء
الزائدتين، وإن سُمِّيَ به فكذاك، والأعرفُ حينئذ بقاء تنوينه، وقد يجعل كأرطاةَ علما.
ش: أولو وأولات بمعنى ذوي وذوات، إلا أن هذين جمعان لأن مفرديهما من لفظيهما بخلاف أولو وأولات، فلذلك لم يغن عن ذكرهما ذكر جمعي التصحيح، بل أفردا بالذكر تنبيها على أن إعرابهما كإعراب جمعي التصحيح، وقيدت الألف والتاء بالزيادة احترازا من نحو قضاةٍ وأبيات، فإن كلا منهما يصدق عليه أنه جمع بألف وتاء، لكن ألف قضاة منقلبة عن أصل لا زائدة، وتاء أبيات أصل.
ولم يتعرض لتأنيث الواحد ولا لسلامة نظمه لأن هذا الجمع قد يكون للمذكر كحمّامات ودريْهمات وأشهر معلومات.
وسنبين المطرد من ذلك وغير المطرد، وقد يكون بغير سلامة النظم كتمرات وغرفات وكسرات.
وقولنا: "وإن سمي به فكذلك" أي وإن سمي بهذا النوع الذي تنوب فيه الكسرة عن الفتحة فله بعد التسمية به من ثبوت التنوين ونيابة الكسرة عن الفتحة ما كان له قبل التسمية به، لأنه سُلك بمسلمات ونحوه سبيل مسلمين ونحوه، فقوبل بالتنوين النون، وبالكسرة الياء، ولولا قصد هذه المقابلة لساوى عرفات عرفة في منع التنوين والكسرة، لتساويهما في التعريف والتأنيث مع زيادة ثقل عرفات بعلامة الجمعية، ومن العرب من يكتفي بعد التسمية بتقابل الكسرة والياء ويسقط التنوين فيقول:
هذه عرفاتُ، ورأيت عرفاتِ، ومررت بعرفاتِ.
ومنهم من يقول: رأيت عرفاتَ، ومررت بعرفاتَ، فيلحق لفظه بلفظ ما لا ينصرف.
وإلى هذه اللغة الإشارة بقولنا "وقد يجعل كأرْطاةَ علما" أي يجعل كواحد زيد في آخره ألف وتاء كأرطاة وسِعلاة وبهماة.
ص: وتنوب الواو عن الضمة، والألف عن الفتحة، والياء عن الكسرة فيما أضيف إلى غير ياء المتكلم من أب وأخ وحم غير مماثل قَرْوًا وقَرْءًا وخَطَأ، وفمٍ بلا ميم، وفي ذي بمعنى صاحب، والتزام نقص هَنٍ أعرف من إلحاقه بهنّ.
ش: في إعراب هذه الأسماء خلاف:
فمن النحويين من زعم أن إعرابها مع الإضافة كإعرابها مجردة، وأن حروف المد بعد الحركات ناشئة عن إشباع الحركات، والحركات قبلها هي الإعراب.
ومنهم من يجعل إعرابها بالحركات والحروف معا.
ومنهم من زعم أن الحركات التي قبل حروف المد منقولة منها، فسلمت الواو في الرفع لوجود التجانس، وانقلبت في غيره بمقتضى الإعلال.
ومنهم من جعل إعرابها منويا في حروف المد، وما قبلها حركات إتباع مدلول بها على الإعراب المنوي، وسيأتي الكلام على هذا الوجه.
ومنهم من جعل إعرابها بحروف المد على سبيل النيابة عن الحركات، وهذا أسهل المذاهب وأبعدها عن التكلف، لأن الإعراب إنما جيء به لبيان مقتضى العامل، ولا فائدة في جعل مقدر متنازع فيه دليلا، وإلغاء ظاهر واف بالدلالة المطلوبة.
ولا يمنع من ذلك أصالة الحروف، لأن الحرف المختلف البيان صالح للدلالة، أصلا كان أو زائدًا، مع أن في جعل الحروف المشار إليها نفس الإعراب مزيد فائدة، وهو كون ذلك توطئة لإعراب المثنى والمجموع على حده، لأنهما فرعان على الواحد، وإعرابهما بالحروف لا مندوحة عنه، فإذا سبق مثله في الآحاد أمن مِنَ استبعاد، ولم يحد عن المعتاد.
فهذه خمسة أقوال، أضعفها الثالث، لأن فيه مخالفة النظائر من ثلاثة أوجه: أحدها النقل في غير وقف إلى متحرك، والثاني جعل حرف الإعراب غير آخر، والثالث التباس فتحة الإعراب بالفتحة التي تستحقها البنية.
وهذا الوجه وارد على القول الثاني مع ما فيه من نسبة دلالة واحدة إلى شيئين.
والأول أيضا ضعيف لا، هـ يلزم منه وجوب ما لا يجوز إلا في الضرورة أو الندرة.
والحم أبو زوج المرأة وغيره من أقاربه، هذا هو المشهور، وقد يطلق على أقارب الزوجة.
وأشير بعدم مماثلة قروا وقرءًا وخطأ إلى ثلاث لغات يكون فيها معربًا بالحركات في حال إفراده وإضافته فيقال: هذا حَمْوٌ وحَمْوُك، وحَمْءٌ وحَمؤُكَ، وحَمَأ وحَمَؤُك، فيعامل معاملة قَرْوٍ وقَرءٍ وخَطأٍ وأشباهها.
وقيل "وفم بلا ميم" ليعم صور الاستعمال كلها، بخلاف قول من يقول: فوك، فإنه يوهم كون الحكم مقصورا على المضاف إلى الضمير.
وقيل لفظ "ذي بمعنى صاحب" لئلا يذهب الوهم إلى ذي المشاربه إلى مؤنث.
ولما كان "ذو" لا يضاف إلى ياء المتكلم بخلاف ما ذكر قبله لم يجز أن يعطف على المجرور بمن، بل عطف على المجرور بفي وهو "ما" فلذلك أعيدت "في" فقيل "وفي ذي بمعنى صاحب" حرصًا على البيان.
وقد جرت عادة أكثر النحويين أن يذكروا الهن مع هذه الأسماء فيوهم ذلك مساواته لهن في الاستعمال، وليس كذلك، بل المشهور فيه إجراؤه مجْرَى يدٍ في ملازمة النقص إفرادا وإضافة، وفي إعرابه بالحركات، كما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من تَعَزَّى بعزاء الجاهلية فأعضُّوه بهن أبيه ولا تَكْنُوا" وقال علي رضي الله عنه: من يَطُل هنُ أبيه ينتطق به.
ومن ذلك قول الشاعر:
رُحتِ وفي رجليكِ ما فيهما... وقد بدا هنْك من المِئزَر
أراد: قد بدا هنُك، فشبه بعضد فسكن النون كما تسكن الضاد.
ومن العرب من يقول: هذا هنوك، ورأيت هناك، ومررت بهنيك، وهو قليل، فمن لم ينبه على قلته فليس بمصيب، وإن حظى من الفضائل بأوفر نصيب.
ص: وقد تشدد نونه، وخاء أخ، وباء أب، وقد يقال أخْوٌ، وقد يقصر حَمٌ وهما، أو يلزمهما النقص كيد ودم، وربما قصرا أو ضُعِّفَ دم.
ش: ذكر الأزهري أن تشديد خاء أخ وباء أب لغة، وأنه يقال: استأببت فلانًا بباءين، أي اتخذته أبًا، وقال سُحيم عبد بني الحسحاس في تشديد نون هن:
ألا ليتَ شِعْرِي هل أبيتن ليلة... وهَنِّي جاذٍ بين لِهْمزمَتى هند
وقال رجل من طيء في أخْو:
ما المرءُ أخْوَك إن لم تُلْفِه وَزَرًا... عند الكريهة مِعْوانًا على النُّوب
وأنشد الفراء:
لِأخْويْنِ كانا أحسنَ الناسِ شيمَةً... وأنفعه في حاجةٍ لي أريدُها
وقد يقصر حم وهما، أي الأب والأخ فيقال: هذا أباك، ومررت بأباك، وكذا الأخ والحم، وفي المثل: مُكرَهٌ أخاك لا بطلٌ، ويروى بالواو، وقال الشاعر:
أخاك الذي إنْ تَدْعُه لِمُلمَّةٍ... يُجبْك لما تبغى ويكفيك من يبغى
وإن تَجْفُه يوما فليس بمكافئًا... فيَطْمَعَ ذو التزوير والوشى أن يصغى
وقال الراجز:
إنّ أباها وأبا أباها... قد بلغا في المجد غايتاها
واستعمال الحم مقصورًا مشهور على قلته، قالوا للمرأة حماة.
والتزام نقص الثلاثة قليل، ومنه قول الراجز:
بأبه اقتدى عَدِيٌّ في الكَرَم... ومَنْ يُشابه أبَه فما ظَلَم
وعلى هذه اللغة قيل في التثنية: أبان، قال الشاعر:
بما عُنِيتَ به من سُودَدٍ ونَدَى... يحيى أباك رَهِينَيْ ميتة وبلى
ومثله:
ولستَ وإنْ أعيَا أباك مَجادة... إذا لم تَرُمْ ما أسْلَفاه بماجد
ولما جرى ذكر يد ودم أشير غلى ما سمع فيهما من القصر كقول الراجز:
يا رُبَّ سارٍ باتَ ما تَوَسَّدا... إلا ذراعَ العَنْسِ أو كفّ اليَدَا
وكقول الشاعر:
كأَطُوم فقدت بُرْغُزَها... أعْقَبَتْها الغُبْسُ منه عَدَما
غَفَلتْ ثم أتَتْ تطلُبه... فإذا هي بعظام ودما
ومثل تضعيف الدم قول الشاعر:
أهانَ دَمَّك فرْغًا بعد عزته... يا عَمْرُو بَغْيُك إصرارا على الحَسَد
فقد شُفِيتَ شفاءً لا انقضاء له... وسَعْدُ مُرْدِيك موفورٌ على الأَبَد
وقال آخر: والدمُ يجري بينهما كالجدول
ص: وقد تثلثُ فاء فم منقوصًا أو مقصورا، أو يضعّف مفتوح الفاء أو مضمومها، أو تَتْبَعُ فاؤه حرف إعرابه في الحركة كما فُعِل بفاء مَرْءٍ وعيني امرِئ، وابْنِم، ونحوُها فوك وأخواتُه على الأصح، وربما قيل "فا" دون إضافة صريحة نصبا، ولا يختص بالضرورة نحو:
يصبح ظمآنَ وفي البحر فمُه
خلافا لأبي علي.
ش: في الفم تسع لغات: فتح الفاء وكسرها وضمها مع تخفيف الميم والنقص، وفتحها وضمها مع تشديد الميم، وفتحها وكسرها وضمها مع التخفيف والقصر، وأنشد الفراء:
يا حَبَّذا عينا سُلَيمى والفَما
وحكى ابن الأعرابي في تثنيته فموان وفميان، وهذا يدل على أن الفرزدق ليس مضطرا في قوله:
هما نَفَثا في فِيَّ مِن فَمَوَيْهما
بل هو مختار لأنه قد ثبت القصر في الإفراد، وثبت بنقل ابن الأعرابي رحمه الله أن العرب قالت في تثنيته: فموان وفميان، وأطلق القول.
فعلم أن ذلك غير مختص بنظم دون نثر.
وحكى اللحياني أنه يقال: فمّ وأفمام، فعلم بهذا النقل أن التشديد لغة صحيحة لثبوت الجمع على وفقها، فليس بمصيب من زعم أنّ التشديد لم يستعمل في غير ضرورة، بل الصحيح أن للفم ثلاث مواد: إحداها فَ مَ ى، والثانية ف م ووالثالثة ف م م، ومادة رابعة من ف وهـ، وكلها أصول متوافقة في المعنى، لا أن أصلها فَوه كما زعم الأكثرون، لأن ذلك مدَّعًى لا دليل عليه، مع ما فيه من الجمع بين البدل والمبدل منه في غير ضرورة، مع تصرف وتوسع، كما ثبت من اللغات المأثورة بالروايات المشهورة.
واللغة التاسعة النقص وإتباع الفاء الميم في الحركة الإعرابية وغيرها.
ولما أشير إلى هذه اللغة بُيِّنَ ما وافق الفمَ فيها فقيل: كما فعل بفاء مرء وعيني امرئ وابنم.
ففي مرء لغتان: إحداهما فتح الميم مطلقا، وهي لغة القرآن، والثانية إتباعها الهمزة في حركات الإعراب.
وفي امرئ وابنم أيضًا لغتان: إحداهما فتح راء امرأ ونون ابنم مطلقًا، والثانية إتباعهما الهمزة والميم في حركات الإعراب، وهذه أفصح اللغتين.
ونحوهما فوك وأخواته عند سيبويه وأبي علي، وهو مذهب قوي من جهة القياس، لأن الأصل في الإعراب أن يكون بالحركات ظاهرة أو مقدرة، فإذا أمكن التقدير على وجه يوجد معه النظير فلا عدول عنه، وقد أمكن ذلك في هذه الأسماء فوجب
المصير إليه، واقتصر القول عليه.
وإذا كان التقدير مرعيا في المقصور نحو: جاء الفتى، وفي المحكي كقولك: من زيدا؟ لقائل: رأيت زيدا، وفي المتبع كقراءة بعضهم (الحمد لله) وكقولهم: واغلام زيداه، مع عدم ظاهر تابع للمقدر، فهو عند وجود ذلك أحق بالرعاية وأولى، وهذا هو حال الأسماء الستة على القول المشار إليه.
ولهذا القول أيضا مرجح آخر وهو أن من الأسماء الستة ما يعرض استعماله دون عامل فيكون بالواو كقولك: أبو جاد هواز، فلو كانت الواو من الأسماء المذكورة قائمة مقام ضمة الإعراب لساوتها في التوقف على عامل، وفي عدم ذلك دليل على أن الأمر بخلاف ذلك.
وهذا الرد أيضا وارد على ادعاء أن الإعراب في الأسماء المذكورة هو الحروف مع الحركات، أو الحركات دون الحروف، لأن ذلك كله غير متوقف على عامل في المثال المذكور وما أشبهه.
وإذا بطلت تلك الأقوال صح ما اختاره سيبويه وتعين المصير إليه، ومثل هذا قول الشاعر:
وداهيةٍ من دواهي المَنُو... نِ يَرْهَبُها الناسُ لا فَالها
فأقحم اللام ونوى الإضافة، وكقولهم: لا أبالك.
وزعم الفارسي أن قوله:
يصبح ظمآن وفي البحر فمه
من الضرورات، بناء على أن الميم حقها ألا تثبت في غير الشعر، وهذا من تحكماته العارية من الدليل، والصحيح أن ذلك جائز في النثر والنظم، وفي الحديث
الصحيح "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".
ومثال قولهم "فا" دون إضافة صريحة قول الراجز:
خالط من سَلْمَى خَياشْيم وَفا
أراد خياشيمها وفاها، فحذف المضاف إليه ونوى الثبوت، وأبقى المضاف على الحال التي كان عليها.
ص: وتنوب النون عن الضمة في فعل اتصل به ألفُ اثنين، أو واو جمع، أو ياء مخاطبة، مكسورةً بعد الألف غالبا، مفتوحةً بعد أختيها، وليست دليل الإعراب خلافًا للأخفش.
ش: قد علم بما تقدم أيُّ فعلٍ هو المعرب، فلم يحتج هنا إلى تقييد بمضارعة بل أطلق القول لأمن اللبس، ويتناول قولنا "ألف اثنين أو واو جمع" كونهما ضميرين نحو: أنتما تذهبان، وأنتم تذهبون.
وكونهما علامتي تثنية الفاعل وجمعه كقوله صلى الله عليه وسلم "يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار" فالنون الواقعة بعد الألف بحاليها، وبعد الواو بحاليها نائبة عن الضمة الإعرابية وكذلك النون المتصلة بياء المخاطبة نحو: أنت تفعلين.
وقد كان ينبغي أن يستغنى بتقدير الإعراب قبل الحروف الثلاثة عن هذه النون، كما استغنى بتقديره قبل ياء المتكلم في نحو: غلامي، لكن سهل الاستغناء بالتقدير في نحو: غلامي، كونُ الاسم أصيلَ الإعراب فلا يذهب الوهم إلى بنائه دون سبب قوي، بخلاف الفعل، فإن أصله البناء فلم يستغن فيه متصلا بهذه الحروف بتقدير الإعراب لئلا يذهب الوهم إلى مراجعة الأصل، كما راجعه
مع نون الإناث، بل جيء بعد هذه الحروف بالنون المذكورة قائمة بثبوتها مقام الضمة، وبسقوطها مقام الفتحة والسكون، حملا للنصب على الجزم في الفعل لأن الجزم في الفعل نظير الجر في الاسم، وقد حملوا النصب على الجر في المثنى وجمعي التصحيح نحو: مررت بالزيدين والهندات، ورأيت الزيدين والهندات، فحمل أيضًا النصب على الجزم في نحو: لم يذهبا ولن يذهبا، ولم يذهبوا ولن يذهبوا، ولم تذهبي ولن تذهبي.
وأشير بكسرة هذه النون بعد الألف غالبًا إلى فتح بعض العرب إياها كقراءة بعض القراء (أتعدانني أن أخرج).
وزعم الأخفش أن هذه النون دليل إعراب مقدر قبل الثلاثة الأحرف، وهو قول ضعيف، لأن الإعراب مجتلب للدلالة على ما يحدث بالعامل، والنون وافية بذلك، فادعاء إعراب غيرها مدلول عليه بها مردود، لعدم الحاجة إليه، والدلالة عليه.
ص: وتحذف جزما ونصبا، ولنون التوكيد، وقد تحذف لنون الوقاية، أو تدغم فيها، ونَدَر حذفها مفردة في الرفع نظما ونثرا.
ش: قد تقدم الكلام على حذف النون جزمًا ونصبًا، وعلى حذفها لأجل نون التوكيد، عند الكلام على المؤكد بها متى يكون مبنيًّا ومتى يكون معربًا، وأما اجتماعها مع نون الوقاية فعلى ثلاثة أوجه:
أحدها الفك نحو (أتعدانني أن أخرَج).
والثاني الإدغام نحو "أتعدانِّي" وهي قراءة هشام عن ابن عامر.
والثالث الحذف نحو (أين شركائي الذين كنتم تشاقُّون فيهم) قرأ بها نافع.
وقرأ غيره "تشاقُّونَ" وقرأ ابن عامر (أفغيرَ الله تأمرونني) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون بالإدغام.
وفي المحذوف خلاف، فأكثر المتأخرين على أن المحذوفة في التخفيف نون الوقاية وأن الباقية نون الرفع.
ومذهب سيبويه والأخفش عكس ذلك، وهو الصحيح لوجوه: أحدها أن نون الرفع قد تحذف دون سبب، مع عدم ملاقاتها لنون الوقاية، ولا تحذف نون الوقاية المتصلة بفعل محض غير مرفوع بالنون، وحذف ما عهد حذفه أولى من حذف ما لم يعهد حذفه.
وأيضا فإن نون الرفع نائبة عن الضمة، وقد حذفت الضمة تخفيفًا في الفعل نحو قوله تعالى (إن الله يأمرْكم) و (وما يُشعرْكم) في قراءة للسوسي.
وفي الاسم كقراءة بعض السلف (ورُسلْنا لديهم يكتبون) بسكون اللام و (وبُعولتْهن أحق) بسكون التاء، فحذف النون النائبة عنها تخفيفًا أولى، وليؤمن بذلك تفضيل الفرع على الأصل.
وأيضا فإن حذف نون الرفع يؤمن معه حذف نون الوقاية إذ لا يعرض لها سبب آخر يدعو إلى حذفها، وحذف نون الوقاية أولا لا يؤمن معه حذف نون الرفع عند الجزم والنصب، وحذفُ ما يؤمَن بحذفه حذفٌ أولى من حذف ما لا يؤمن بحذفه حذف.
وأيضًا لو حذفت نون الوقاية لاحتيج إلى كسر نون الرفع بعد الواو والياء، وإذا حذفت نون الرفع لم يحتج إلى تغيير ثان، وتغيير يؤمن معه تغيير أولى من تغيير لا يؤمن معه تغيير.
ومثال حذفها مفردة في الرفع نظما قول الراجز:
أبِيتُ أسْرِي وتَبِيتِي تَدلُكِي... وَجهَكِ بالعَنْبَرِ والمِسْك الذكي
وقال أبو طالب:
فإن يَكُ قومٌ سَرَّهم ما صنعتم... سَيَحتَلِبُوها لاقِحًا غير باهِل
ومن حذفها في الرفع نثرًا قراءة أبي عمرو من بعض طُرُقه (قالوا ساحران تظّاهرا) بتشديد الظاء، وقول النبي صلى الله عليه وسلم "والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا".
ص: وما جِيء به لا لبيان مقتضى العامل من شبه الإعراب، وليس حكاية، أو إتباعا، أو نقلا، أو تخلّصا من سكونين فهو بناء.
وأنواعه: ضم وفتح وكسر ووقف.
ش: شبه الإعراب يعم البناء اللازم والعارض، والوارد منه بسكون كمن وقُمْ ولمْ، وبفتحة كأين وذهبَ وسوف، وبكسرة كأمس وجيرِ، وبضمة كنحنُ ومنذُ.
وبنائب عن ضمة كيا زيدون ويا زيدان، وبنائب عن فتحة كلا رجلين، وبنائب عن سكون كاخش وافعلا.
ويعم الحكاية نحو: مَنْ زيدٍ؟ لقائل: مررت بزيدٍ، ومنون؟ لقائل: جاء رجالٌ.
ويعم الإتباع (كالحمدِ لله) و (للملائكةُ اسجدوا) والأولى قراءة
زيد بن علي، والثانية قراءة أبي جعفر المدني.
والنقل نحو (ألم تعلمَ أن الله) وهي قراءة لورش.
والتخلص من سكونين (من يشأِ الله يضلله) ولكلٍّ موضعٌ يُبَيّنُ فيه إن شاء الله تعالى.