شرح المقدمة الحضرمية المسمى بشرى الكريم بشرح مسائل التعليمصفحات 461-500
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(السابع: السلام) -كغيرها من الصلاة فيما مر فيه- وجوباً وندباً إلا في (وبركاته) .. فسنة هنا عند (حج)، لا ثَمَّ.
والمختار من حيث الدليل سنها ثَمَّ أيضاً.
ويجب كونه بعد التكبيرة الرابعة، ولا يجب بعدها ذكر.
(وسن رفع يديه) على ما مر في الرفع؛ لتكبيرة الإحرام (في) كل من (التكبيرات) الأربع، ويظهر عدم سنه في الزائد عليها لو أتى به؛ لأنه غير مطلوب في ذاته، فالرفع له كذلك، ومثله الرفع للزائد في تكبير العيد.
ويسن أن يضع يديه بين كل تكبيرتين تحت صدره، ويجهر الإمام ندباً بالتكبيرات والسلام، لا بغيرها، والمبلغ المحتاج إليه مثله.
(والإسرار) بقراءة وذكر وغيرهما إلا ما مر ولو ليلاً؛ لما صح عن أبي أمامه: أنه من السنة، فترك الرفع خلاف الأولى، وترك الإسرار مكروه كتركه في غيرها من الصلاة.
(والتعوذ) للفاتحة؛ لأنه سنة للقراءة (دون الاستفتاح) والسورة وإن صلى على قبر أو غائب.
نعم؛ ينبغي للمأموم إذا فرغ قبل إمامه من نحو (فاتحة) .. أن يدعو للميت عند (ع ش).
وفي "الإيعاب": أنه يأتي بالسورة بعد (الفاتحة)، ويندب الدعاء للمؤمنين عقب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كما مر، وبعد الثالثة: (اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنثانا، اللهم من أحييته منا .. فأحيه على الإسلام، ومن توفيته .. فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده).
ويقول مع ذلك في الطفل الذي أبواه مسلمان: (اللهم اجعله فرطاً لأبويه وسلفاً وذخراً وعظة واعتباراً وشفيعاً، وثقل به موازينهما، وأفرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده، ولا تحرمهما أجره).
فإن لم يكونا حيين أو مسلمين .. أتى بما يقتضيه الحال.
وقي الكبير: (اللهم إن هذا عبدك وابن عبديك .. إلخ)، وهو المشهور.

ويجوز تأنيث الضمائر إلا الهاء من منزول به، باعتبار أن الميت نسمة، وتذكيرها بملاحظة الميت أو الشخص، فإن لم يلاحظ ذلك .. وجب التذكير في المذكر، والتأنيث في المؤنث، وفي "الأصل" زيادة بسط هنا.
ويسن بعد الرابعة الدعاء، قال في "التحفة": (وصح تطويل الدعاء بعد الرابعة، فيسن ذلك، وظاهر إطلاقهم إلحاقها بالثالثة، أو تطويلها عليها) اهـ وفي "النهاية": حده كما بين التكبيرات، أي: الأولى والأخيرة، كما أفاده الحديث.
ومنه: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله.
ويصلي بعد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويقرأ فيها آية: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ) إلى (العَظِيم) [غافر:7]، وآية: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) [البقرة:201]، وآية (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران:8] اهـ لكن في "فتاوى حج": أن القراءة بعد غير الأولى مكروهة، كالقراءة في غير القيام في غيرها.
ولو تخلف عن إمامه بلا عذر بتكبيرة حتى شرع إمامه في أخرى .. بطلت صلاته، بأن كبر إمامه الثالثة وهو لم يكبر الثانية؛ لأنه تخلف فاحش، كهو بركعة.
وخرج بـ (حتى كبر أخرى): ما لو تخلف عن إمامه بالرابعة حتى سلم .. فلا تبطل عند (م ر) فإن كان عذر، كأن نسي القراءة ثم تذكر، واشتغل بها حتى كبر إمامه .. لم تبطل بسبقه بتكبيرة، بل بتكبيرتين بأن شرع في الرابعة والمأموم في الفاتحة.
قال (ب ج): (هذا على طريقة من يعين "الفاتحة" عقب الأولى) اهـ أو كأن نسي للصلاة أو القدوة، فلا يضر التخلف هنا ولو بجميع التكبيرات، كما لو نسي ذلك في غيرها من الصلاة، فلا يضر ولو بجميع الركعات.
بل في "التحفة": أن التخلف لعذر لا يضر مطلقاً، فيجري على ترتيب نفسه، ولو تقدم عمداً بتكبيرة .. لم تبطل؛ لأن غايته أنه كزيادة تكبيرة، وهو لا يضر كما قاله (حج)، وخالفه (م ر)، ما لم يقصد بها الذكر.
ويكبر مسبوق، ويقرأ (الفاتحة) ندباً كما قاله (سم)، ووجوباً كما قاله الزيادي؛ لأن المسبوق تتعين عليه (الفاتحة) في الأولى؛ لسقوطها، أو بعضها عنه بتكبير الإمام قبل

قراءته لها، حتى لو قصد تأخيرها .. لم يعتد بقصده.
وإذا كبر الإمام قبل إتمامه لها .. تابعه في التكبير، وسقطت عنه كلها أو بعضها إن لم يشتغل بالتعوذ، وإلا .. أتى بقدره -نظير ما مر ثَمَّ- ثم يكبر، ويكون متخلفاً بعذر إن ظن أنه يدرك الفاتحة بعد التعوذ، كأن أدركه من أول صلاته، أو كان الإمام بطيء قراءة، وإلا .. فهو بعيد؛ إذ لا دعاء افتتاح هنا.
وكذا لو جمع الموافق بين الفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الثانية، فتخلفه لما بقي منهما تخلف بعذر.
وإذا سلم الإمام .. تدارك المسبوق ما بقي عليه من التكبيرات بأذكارها حتى لو لم يتم الفاتحة مع سلام الإمام .. أتمها، ولا تسقط عنه كالتكبير، وإنما سقطت تكبيرات العيد؛ لأنها سنة، والاشتغال بها يفوت عليه الإنصات للإمام، بخلافها هنا.
ويندب أن لا ترفع الجنازة حتى يتم المسبوق صلاته، ولا يضر رفعها قبل تمامه وإن حولت عن القبلة، وزاد ما بينهما على ثلاث مئة ذراع، وحال حائل في الدوام، لا في الابتداء.
ولو أحرم على جنازة سائرة .. صح إن كانت عند إحرامه لجهة القبلة ولا حائل بينهما في الابتداء، ولم يزد ما بينهما على ثلاث مئة ذراع إلى تمام الصلاة، فلا يضر الحائل في الأثناء.
وفي "التحفة": يضر الحائل كالزيادة على ثلاث مئة ذراع مطلقاً.
(ويشترط فيها) أي: صلاة الجنازة (شروط الصلاة) وفي القدوة فيها شروط القدوة الماران.
ويكره ويسن ما كره وسن ثَمَّ مما يأتي هنا منها.
ولها شروط زائدة، منها: تقدم طهره بماء أو تراب، وطهر ما اتصل به كصلاة الحي، فيضر نجاسة ببدنه أو كفنه أو برجل نعشه وهو مربوط به.
نعم؛ لا يضر نجاسة القبر ونحو دم من مقتول مثلاً لم ينقطع.
ومنها: عدم التقدم على الميت الحاضر ولو في القبر، فإن كان غائباً .. جاز.
ومنها: أن يجمعهما مسجد أو مكان واحد، بأن لا يكون بينهما حائل، ولا أزيد من ثلاث مئة ذراع تقريباً ابتداءً فيهما كما مر.

أمَّا ما لا يتأتى هنا كالوقت الشرعي .. فليس شرطاً لها، بل لها وقت آخر يدخل بتمام طهره وإن لم يكفن، لكنها تكره قبله؛ لما فيها من الإزراء بالميت.
وفرقوا بين الطهر والستر بأن إعتناء الشارع بالطهر أقوى.
وكذا فرقوا بينهما في مواضع، مع قول (حج) في كتاب "الأعلام" بأن القول بأن إزالة النجاسة لا تشترط للصلاة قوي، والقول بعدم شرطية السترة واه لا يعتد به، فعليه: السترة أقوى.
ويسقط فرضها بذَكر ولو صبياً، ومع وجود رجل؛ لأنه من جنس الرجال، وصلاته أرجى للقبول وإن كانت نفلاً؛ لأنها قد تغني عن الفرض، كما لو بلغ بعدها في الوقت لا بغير ذكر مع وجوده ولو صبياً في محل الصلاة وما ينسب إليه كخارج السور القريب منه؛ لأنه أكمل.
وعليه: لو كان الذكر صبياً .. يلزمهن أمره بها، وضربه على تركها، فالوجوب عليهن، والفعل منه، فإن امتنع بعدهما .. صلت النساء، وسقط الفرض وإن حضر بعدها رجال.
واستبعد (حج) عدم مخاطبتهن مع وجود صبي، وقال: وإنما يتجه إن راد الصلاة، وإلا .. توجه الأمر عليهن.
وتندب الجماعة في صلاتهن على الجنازة، وتقع نفلاً مع الاكتفاء بغيرهن كما في (ب ج)، لكن قال (حج) والجمهور: إن الجماعة لا تسن لهن.
ويجب تقديم الصلاة على الدفن، فإن دفن قبلها .. أثم كل من علم بها ولم يعذر، ويسقط الفرض بالصلاة على القبر.
(ويصلي) من يأتي جوازاً، بل ندباً، خلافاً لمالك وأبي حنيفة (على الغائب) عن عمران البلد وسورها، وعن حد غوث وإن لم يكن في جهة القبلة؛ لما صح: (أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بموت النجاشي يوم موته، ثم خرج بهم إلى المصلى وصلى عليه هو وأصحابه، وذلك سنة تسع).
ويسقط بها الفرض عن أهل محله إن علموا بها، ولا بد من ظنه أن الميت غسل، أو ينوي الصلاة عليه إن غسل.
أمَّا من بالبلد .. فلا يصلى عليه إلا من حضره وإن كبرت البلد، وعذر بنحو مرض أو حبس كما في "التحفة".

لكن في "لإمداد"، و"النهاية": أنها تصح إن شق عليه الحضور.
(و) على قبر (المدفون) وإن بلي؛ لأن عجب الذنب لا يفنى، سواء دفن قبل الصلاة أم بعدها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم صلى على قبر امرأة أو رجل كان يقم المسجد.
ويسقط بها الفرض وإن أثم دافنوه، بشرط أن لا يتقدم عليه، وعدم حائل، وأن لا يزيد ما بينه وبينه على ثلاث مئة ذراع تقريباً.
وإنما يصلي عليهما (من كان من أهل) أداء (فرض الصلاة عليه) أي: على من ذكر منهما (يوم الموت) أي: وقته.
والمعتمد: اعتبار قبل الدفن بزمن يتمكن فيه من الصلاة بأن يكون حينئذٍ مسلماً مكلفاً طاهراً؛ لأنه يؤدي فرضاً خوطب به، ولا يصح إلاَّ ممن كان كذلك.
فلا تصح من كافر وغير مكلف ونحو حائض حينئذٍ؛ لأنهم متطوعون بها، وهذه لا يتطوع بها.
ويرد عليه: صلاة النساء مع وجود الرجال؛ فإنها تطوع وتصح، إلا أن يجاب بأنهن من أهل الفرض في الجملة، أي: بتقدير انفرادهن.
ومعنى (لا يتطوع بها): لا يؤتى بها ابتداءً على صورة النفلية، أي: من غير جنازة، بأن يصليها بلا سبب، أو المعنى: لا يطلب فعلها ممن فعلها أولاً.
ومع ذلك، لو صلاها ثانياً ولو مراراً ومنفرداً .. وقعت نفلاً مطلقاً، وتجب لها نية الفرضية أي: صورة.
أمَّا من صلاها من لم يصل عليها أولاً .. فتقع له ولو على القبر فرضاً كالأول؛ إذ ليس فعل بعضهم أولى بوصف الفرضية من بعض وإن أسقط الأول الحرج.
ولا يقال: كيف تقع صلاة الثاني فرضاً مع أنه لو تركها .. لم يأثم؟! لأنه قد يكون الشيء غير فرض، فإذا دخل فيه .. صار فرضاً كالحج ممن قد حج، وإحدى خصال كفارة اليمين.
وقولهم: (فرض الكفاية يسقط بفعل واحد) معناه: يسقط الإثم به، ولو فعله غيره .. وقع فرضاً أيضاً.

(إلا النبي صلى الله عليه وسلم) وغيره من الأنبياء، فلا يصلى على قبورهم بحال؛ لخبر: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذو قبور أنبيائهم مساجد"، أي بصلاتهم إليها، وهذا الدليل لا يطابق المُدَّعى؛ لأن المُدَّعى في الصلاة عليها، والدليل في الصلاة إليها.
وفيه إشكال آخر، وهو أن النصارى لم يمت نبيهم، ومع ذلك فالحكم وهو منع الصلاة عليهم مسلم؛ لأنا لم نكن من أهل فرضها عند موتهم عند (حج) ولذلك، وللنهي عند (م ر).
(وأولى الناس) أي: أحقهم، كما في "النهاية".
وفي "التحفة": يحتمل أنه بمعنى أحق، فيكون الترتيب واجباً، ويحتمل أنه على ظاهره، فيكون مندوباً، ثم قال: وكلام "الروضة" ظاهر في الثاني.
وقال (سم): ظاهر الندب أنه لو تقدم غير الأولى بغير رضا الأولى .. أنه لا يحرم؛ لأن الجميع مخاطبون بهذا الفرض حتى الأجنبي.
(بالصلاة عليه) أي: الميت ولو امرأة (عصباته) الذكور وإن أوصى بها لغيرهم، فلا تنفذ بها وصيته لغيرهم، أي: لا يجب تنفيذها وإن كان هو الأولى؛ رعاية لغرض الميت، فقد أوصى أبو بكر أن يصلي عليه عمر، وعمر أوصى بها لصهيب وأجازها أولياؤهما.
ويقدم منهم الأقرب فالأقرب؛ نظراً لمزيد الشفقة، إذ من كان أقرب .. دعاؤه أقرب للإجابة.
فيقدم الأب، فالجد لأب وإن علا، فالابن، فابنه وإن سفل، فباقي العصبة من النسب، فالولاء، فالسلطان على ترتيب الإرث في غير ابني عم أحدهما أخ لأم، فيقدم أخ لأم هنا وإن لم يقدم في الإرث، فيقدم أخ شقيق ثم لأب، ثم ابن الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم عم شقيق، فلأب، فابن العم الشقيق، فابن العم لأب، ثم المعتق، فعصبته، فمعتق المعتق، فعصبته، وهكذا، ثم الإمام.
(ثم ذوو الأرحام) الأقرب فالأقرب، فيقدم أبو أم، ثم بنو البنات، فأخ لأم، فخال، فعم لأم.

ولا حق للوالي ولا للزوج ولا للسيد إذ وجد أحد من الأقارب، وإلا .. قدما على الأجانب، بخلاف الغسل والدفن والتكفين فلهما حق فيها، ولا للمرأة مع ذكر، وإلا .. قدمت بترتيب الذكر، ولا لقاتل وعدو ونحو صبي.
ولو استوى اثنان في درجة وهما أهل للإمامة .. قدم العدل الأسن في الإسلام على الأفقه، بخلاف ما مر في سائر الصلوات؛ لأن الغرض هنا الدعاء، ودعاء الأسن أقرب للإجابة.
ويقدم العدل الحر الأبعد على القن القريب الأفقه والأسن؛ لأنه أليق بالإمامة، لأنها ولاية.
فإن استووا في جميع ما ذكر، وغيره مما مر .. أقرع.
أمَّا من لم يكن أهلاً للإمامة، كفاسق .. فلا حق له فيها.
ولا يقدم نائبه، وإنما يقدم نائب المرأة في ملكها في إمامة الصلاة؛ لأن تقديمه لمعنى خارج عن ذاتها، وهو الملكية، وهو غير موجود هنا.
ولا تؤخر الصلاة لغير ولي، أمَّا هو .. فتؤخر له إن رجي حضوره ولم يظن رضاه، وإلا .. صلي عليه.
ويسن أن يقف غير مأموم من إمام ومنفرد ولو على القبر عند رأس ذكر، وعجز غيره؛ للاتباع.
قال (ب ج)، والونائي بأن يوضع رأس الميت لجهة يسار الإمام والمنفرد، ورأس الأنثى عن يمينهما؛ ليكون معظم الميت عن يمينهما، خلاف ما عليه عمل الناس في الذكر، وعلى ما عليه عملهم في الأنثى، وهذا في غير المسجد النبوي، أمَّا فيه .. فيجعل رأس الميت يسارهما مطلقاً؛ ليكون رأسه جهة القبر الشريف كما قاله بعض المحققين.
اهـ ولو حضر رجل وامرأة في نعش واحد .. روعيت المرأة.
ويجوز على جنائز صلاة واحدة برضا أوليائها، والأفضل إفراد كل بصلاة إن أمكن، فإن خيف نحو تغيره بالتأخير .. فالأفضل الجمع، بل إن ظنه وجب.
ولو حضرت الجنائز مرتبة .. فولي السابقة أولى، وقدم إلى الإمام الأسبق من الذكور أو غيرهم إن كانوا من نوع واحد وإن كان المتأخر أفضل، فلو سبق غير ذكر، ثم حضر

ذكر أُخِّر غير الذكر له، أو حضروا معاً .. أقرع بين الأولياء، وقدم إليه الرجل، فالصبي فالخنثى فالمرأة، فإن اتحد النوع .. قدم إليه أفضلهم بالورع ونحوه، لا بالحرية؛ لانقطاع الرق بالموت.
وتحرم الصلاة على كافر ولو ذمياً كما مر، وكذا الدعاء له بأخروي، ولمن شك في إسلامه ولو من والديه، بخلاف من ظنه ولو بقرينة، فيُعلَّق بـ (إن كان مسلماً)، ولو اختلط من يصلي عليه بغيره، كمسلم غير شهيد بكافر أو شهيد، ولم يتميز .. وجب تجهيز كل، وصلى على الجميع، وهو أفضل بقصد من تصح الصلاة عليه منهم، أو على واحد فواحد، بقصد الصلاة عليه إن كان مسلماً أو غير شهيد، ويغتفر التردد؛ للضرورة.
ويقول في المثال الأول: (اللهم اغفر للمسلم منهم) إن كان فيهم كافر، وفي اختلاط الشهيد بغيره يدعو لهما ويقول في الثاني: (اللهم اغفر له إن كان مسلماً) إن اشتبه المسلم بغيره، وفي هذه الحالة يدفنان بين قبور المسلمين والكفار.
ولو اختلط محرم بغيره .. ستر جميع بدنهما بغير محيط.
وتسن الصلاة على الميت بمسجد إن أمن تلويثه، وبثلاثة صفوف فأكثر، ولو كان الصف واحداً.
وقال (حج): أقل الصف اثنان، فلا تسن الصفوف الثلاثة إلا من ستة فأكثر، فلو حضر خمسة .. وقف واحد مع الإمام، وأربعة صفين من اثنين، والثلاثة في الأفضلية بمنزلة الصف الأول.
والأفضل لمن جاء بعدهم: أن يتحرى الصف الأول.
ولو وجد جزء ميت مسلم غير شهيد، ولو نحو شعرة عند (حج) .. صلى عليه بعد غسله، وستره بخرقة بقصد الجملة، وجوباً إن كانت بقيته .. غسلت ولم يصل عليها، وندباً إن صلي على البقية، فإن لم تغسل البقية .. وجبت الصلاة على الجزء بنيته فقط، فإن شك في غسله .. علق، كأصلي على هذا الجزء وعلى البقية إن غسلت.
ويشترط في الجزء: انفصاله منه بعد موته، أو يموت بعد انفصاله حالاً.
ويجب للجزء ثلاث لفائف إن كان له تركة، أمَّا المنفصل من حي .. فيسن مواراته بخرقة ودفنه إن مات، بخلاف ما لو لم يمت .. فيسن دفنه بلا لف خرقة.

(ولا يغسل الشهيد ولا يصلى عليه) ولو نحو جنب، أي: يحرم ذلك وإن لم يؤد الغسل لإزالة دم الشهادة؛ إشارة إلى تطهير الله لهم بالشهادة، وأنه تعالى يتولى مكافأتهم من غير واسطة بدعاء لهم من مصل، ولا غيره؛ تنويهاً بمحبته تعالى لهم، وإعلاء منزلتهم.
(وهو) أي: (الشهيد) (من) أي: مسلم ولو قناً ولو أنثى وغير مكلف (مات في قتال الكفار).
قال (ق ل): (أو كافر واحد ولو مرتداً، أو في قطع طريق أو صيال أو قتله كافرٌ استعان به البغاة أو عكسه) اهـ أو انقضت الحرب ولم تبق فيه حياة مستقرة (بسببه) -اي: القتال- ولو برمح دابة له، أو قتله مسلم خطأ، أو عاد إليه سهمه، أو سقط من دابته وإن لم يكن به أثر دم.
وخرج بـ (قتال الكفار): قتلهم أسيراً صبراً، وموته حال القتال بنحو حمى، وجرحه فيه مع بقاء الحياة المستقرة بعد انقضائه فيه وإن قطع بموته.
وتجب إزالة نجاسة غير دم الشهادة منه إن لم يعف عنها كبول وإن أدت إزالتها لإزالة دم الشهادة، وكذا دم شهادة أصابه من غيره، ونجاسة شهادة غير الدم ولو منه.
ويكفن في ثيابه الملطخة وغيرها من التي مات فيها ندباًً، ولا يجاب بعض الورثة لنزعها إن لاقت به، أمَّا كلهم .. فيجابون.
نعم؛ مالا يعتاد التكفين فيه كدرع وفرو .. لا يكفن فيه.
وإذا لم تكفه ثيابه التي مات فيها .. تممت إلى ثلاثة على ما مر.
وخرج بـ (الشهيد) المذكور: شهيد الآخرة، كمبطون وغريق وطالب علم، وقد استوعبتهم في "الأصل" فيغسل ويصلى عليه.
(ولا) يصلى أيضاً (على السقط) -بتثليث أوله- من السقوط، أي: تحرم عليه (إلا إذا ظهرت أمارات الحياة، كاختلاج) اختياري بعد انفصاله .. فهو كالكبير، وبالأولى ما لو علمت حياته بنحو صياح وإن لم ينفصل كله، وكذا إن بلغ ستة أشهر عند (م ر)، وإن لم تظهر فيه أمارة حياة.
(ويغسل) ويكفن ويدفن وجوباً (إن بلغ أربعة أشهر) أي: مئة وعشرون يوماً، وهي

حد نفخ الروح غالباً، وتحرم الصلاة عليه؛ إذ الغسل أوسع باباً منها، إذ الذمي يغسل ولا يصلى عليه، فإن لم يبلغ الأربعة الأشهر .. لم يجب له شيء.
وندب لفه بخرقة ودفنه، فإن ظهر خلقه قبل الأربعة على خلاف الغالب .. وجب له ما عدا الصلاة، ولم يظهر خلقه بعد الأربعة .. لم يجب له شيء.


(فصل:) في الدفن وما يتعلق به.

(وأقل الدفن) المحصل للواجب (حفرة تكتم رائحتة) بعد طمها من الظهور (وتحرسه من السباع) أن تنبشه وتأكله.
فإن لم يمنعه إلا البناء عليه .. وجب، فإن لم يمنعه .. وجب صندوق.
ولا يكفي البناء عليه مع إمكان الحفر.
ويجوز جعل من بسفينة بين لوحين بعد غسله والصلاة عليه، ويلقى في البحر؛ لينبذه البحر إلى الساحل وإن كان أهله كفاراً، إذ قد يجده مسلم فيدفنه، وهذا إن تعذر دفنه بالبر، وإلا .. وجب.
وأمَّا الفساقي .. فيحرم الدفن فيها؛ لما فيه من اختلاط الرجال بالنساء، وإدخال ميت على ميت قبل بلائه، وعدم منعها للرائحة.
(وأكمله:) قبر واسع، بأن يزاد في طوله وعرضه قدر ما يسع من ينزله القبر ومن يعينه، لا أزيد؛ لأنه تحجير على الناس.
وفي عمقه بأن لا ينقص عن (قامة وبسطة، وذلك أربعة أذرع ونصف) بذراع اليد المعتدلة ولو في صغير، كما هو ظاهر إطلاقهم.
واللحد في الأرض الصلبة أفضل من الشق، وإلا .. فالشق أفضل.
ويسن أن يوسع كل من اللحد والشق، ويتأكد عند رأسه ورجليه؛ ليمكن وضعه حينئذٍ منحنياً كهيئة الراكع؛ للخبر الصحيح بذلك، وأن يرفع سقف كل من اللحد والشق بحيث لا يمسه عند انتفاخه؛ بل يجب ذلك، وأن يدخله القبر ولو أنثى الرجالُ ولو صغاراً؛ لضعف النساء عن ذلك.

نعم؛ الأنثى أحق بالأنثى في أربعة مواضع: حملها من محل موتها إلى المغتسل، وحملها منه إلى وضعها في النعش، وحملها منه إلى تسليمها لمن في القبر، وحل شدادها فيه.
وفي الأخيرين مشقة؛ ولذا كان العمل على خلافهما.
ويقدم ندباً من الرجال الأحق بالصلاة عليه درجة.
نعم؛ الأحق بالأنثى زوج وإن لم يكن له حق في الصلاة عليها مع أقاربها؛ لأن منظوره أكثر.
فالمحرم الأقرب فالأقرب فعبدها؛ لأنه كالمحرم في النظر ونحوه، فممسوح، فمجبوب، فخصي؛ لضعف شهوتهم، فعصبة لا محرم لهم كابن عم، فمعتق، فعصبته كما مر فذو رحم، فرجل صالح، فالأفضل فالأفضل، ثم النساء كترتيبهم في الغسل.
وخرج بـ (الأحق درجة): الأحق صفة، فلو اتفق اثنان أسنُّ وأفقه .. قدم الأفقه كالغسل، عكس الصلاة.
وأن يدخله القبر وتر واحد فأكثر بحسب الحاجة، وأن يستر القبر بثوب عند الدفن.
وأن يقول مدخله: باسم الله، وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ورد: (أن من قيل ذلك عند دفنه .. أمن من العذاب أربعين سنة).
وسن أن يزيد: الرحمن الرحيم، ويدعو له بما يليق بالحال، كاللهم افتح أبواب السماء لروحه، وأكرم نزله ووسع مدخله ووسع له في قبره.
وأن يوضع في القبر على شقه الأيمن، بل قيل: يجب، ويجب توجيهه للقبلة.
وندب أن يسند وجهه ورجلاه إلى جدار القبر، ويتجافى بباقيه حتى يكون قريباً من هيئة الراكع؛ لئلا ينكب لوجهه، وأن يسند ظهره بنحو لبنة طاهرة؛ لتمنعه من الاستلقاء لقفاه، ويجعل تحت رأسه نحو لبنة، ويفضي بخده الأيمن بعد تنحية الكفن عنه إليه أو إلى الأرض.
وأن تسد فتح القبر؛ ليمنع إهالة التراب عليه، كذا في "شرح المنهج"، لكن المعتمد: وجوبه.
ولو انهار التراب أثناء الدفن .. وجب إصلاحه، أو بعده .. فلا، وأن يحثو من دنا من القبر -أي: من حضره وإن بعد- ثلاث حثيات تراب بيديه، يقول مع الأولى: منها

خلقناكم، اللهم لقنه عند المسألة حجته، ومع الثانية: وفيها نعيدكم، اللهم افتح أبواب السماء لروحه، ومع الثالثة: ومنها نخرجكم تارة أخرى، اللهم جاف الأرض عن جنبيه.
وأن يهال عليه التراب بنحو مساح، وأن لا يزيد على تراب القبر إلا لرفعه نحو شبر.
وأن يأخذ كل من حضر شيئاً من تراب القبر، ويقرأ عليه سبع مرات (سورة القدر)، ثم يوضع في الكفن أو القبر، فقد ورد: (أن الميت الذي يفعل له ذلك لا يعذب في قبره).
وأن يمكث جماعة بعد الدفن يسألون له التثبيت ويستغفرون له؛ لأنه حينئذٍ في سؤال منكر ونكير.
وندب تلقين بالغ ومجنون سبق له تكليف ولو شهيداً بعد تمام الدفن، وهو يا عبد الله ابن أمته ثلاثاً اذكر ما خرجت عليه .. إلخ، وهو مشهور.
وأن يرفع القبر قدر شبر، وتسطيحه أولى من تسنيمه.
ويحرم دفن اثنين من جنسين بقبر واحد حيث لا محرمية، وكذا معها، أو من جنس واحد حيث لا ضرورة عند (م ر)، وهذا في الابتداء.
أمَّا في الدوام، كأن يدخل ميت على ميت .. فحرام إلا إن بلي الأول بالكلية حتى عظامه إلا لضرورة.
ولو حفر قبراً فوجد عظام الميت قبل تمام الحفر .. أعاده حتماً، ولا يتم الحفر إلا لضرورة، أو بعده جعله في جانب من القبر ودفن الميت معه فيه، وإذا جاز الجمع .. قدم أفضلهما، لا فرع على أصل من جنسه؛ لحرمته، فإن كانا من جنسين .. قدم الذكر.
وكره أن يجعل تحته فرش أو مخدة أو صندوق؛ لأنه إضاعة مال لغير غرض شرعي.
نعم؛ إن احتيج لصندوق لنحو نداوة الأرض .. لم يكره، ونفذت وصيته به.
وجاز بلا كراهة دفن بليل مطلقاً، ووقت كراهة الصلاة إن لم يتحره، وإلا .. كره كراهة تحريم.
وليس من التحري التأخير إليه؛ لكثرة المصلين، والدفن في غيرهما أفضل.
والدفن بمقبرة؛ لينال دعاء الزائرين أفضل، وكره مبيت بمقبرة حيث لم تكن مسكونة ولا اجتماع، وإلا .. فلا كراهة.

وكره جلوس على قبر مسلم، ووطء، واتكاء عليه؛ للنهي عن الأولين، وقياساً في الأخير.
نعم؛ إن كان له حاجة، كأن لا يصل إلى قبر ميته إلا بوطء في المقبرة .. فلا كراهة.
ومحلها: إن لم يبلَ الميت، وإلا .. فلا كراهة.
ولا كراهة في المشي على القبور بالنعل ما لم تكن متنجسة بنجاسة رطبة فيحرم، ويكره باليابسة، وبول عند القبر، وحرم عليه، وعلى التراب المختلط بأجزاء الميت، وكره تجصيص القبر وتبيضه ولو باطناً، لا تطيينه، وكذا يكره بناؤه وكتابة عليه وبناء قبة عليه.
نعم؛ إن احتيج لبناء نحو قبة أو بيت؛ لخوف سارق أو سبع ولو بمسبلة، أو كانت الكتابة على القبر والقبة لصالح في غير مسبلة .. فلا كراهة، ولذا تصح الوصية بقبة له.
ويحرم لغير خوف نحو سارق بناء في مسبلة، وهي ما جرت عادة أهل البلد بالدفن فيها موقوفة كانت أم لا، وتهدم وجوباً؛ لحرمته، لما فيه من التضييق، وتأبيد البناء بعد بلاء الميت، فيحرم الناس البقعة.
وفي "النهاية": ويلحق بحرمة البناء في المسبلة البناء عليه في الموات؛ لأنه تضييق بلا فائدة، أي: في غير قبر نحو عالم.
فروع: يسن وضع جريدة خضراء على القبر؛ للاتباع، لأنه يخفف عنه ببركة تسبيحها؛ إذ هو أكمل من تسبيح اليابس؛ لأن فيه نوعَ حياة.
وقيس بها: ما اعتيد من طرح الريحان ونحوه، ويحرم أخذ ذلك، وظاهر هذا أن اليابس لا يحرم أخذه؛ نظراً لتقييد الحديث التخفيف بالأخضر بما لم ييبس.
وثمر الشجر النابت بالمقبرة المباحة مباح، وصرفه لمصالحها أولى.
وثمر المغروس بمسجدٍ ملكُه إن غرس له، فيصرف لمصالحه، وإن غرس ليؤكل أو جهل .. فمباح.
ولو ماتت امرأة حامل بجنين حي، فإن كان لا يرجى حياته .. أخر دفنها إلى موته، وإلا .. شق جوفها وأخرج، وما يقع من وضع نحو حجر عليه ليموت .. حرام وإن لم ترج حياته.

وتسن زيارة القبور لذكر مطلقاً ولغيره داخل البلد أو خارجه، مع مَحْرَم لنبي أو نحو عالم، وكذا قريب عند جمع، ولغير من ذكر مكروهة ولو في البلد.
ويسن للزائر أن يقرب من القبر كقربه منه حياً، ويقف إذا وصل القبر، وهو أفضل، أو يجلس قُبالة وجهه متطهراً متأدباً.
ويقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أنتم لنا فرط، ونحن لكم تبع، أسأل الله لنا ولكم العافية.
ويقرأ ما تيسر خصوصاً (يس)، وأحد عشر من (الإخلاص).
وورد: (أن من دخل المقابر، فقال: اللهم رب الأرواح الفانية، والأجساد البالية، والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليهم روحاً منك وسلام مني .. كتب له بعدد من مات إلى يوم القيامة حسنات)، ثم يستقبل القبلة ويدعو.
والتحقيق: أن الميت ينتفع بالقراءة بأحد ثلاثة أمور: أن ينويه بها، أو حضوره عنده، أو دعاؤه له بمثل ثواب قراءته ولو بعد، والدعاء والصدقة تنفعه بلا خلاف.
وفي تقبيل ضرائح الأولياء خلاف، فعند (حج): مكروه، وعند (م ر): سنة.
(ويحرم نبشه) أي: القبر (قبل بلاء) الميت عند أهل الخبرة بتلك الأرض لإدخال ميت آخر، أو لغيره ولو لنقله إلى مكة أو المدينة، ويحرم نقله قبل دفنه إلى محل آخر وإن أوصى به وأمن تغيره.
نعم؛ إن جرت عادتهم بالدفن في غير محلهم .. لم يحرم النقل إليه، وكذا لو نقل لمقبرة أقرب من مقبرة محل موته.
ومن بقرب حرم مكة أو المدينة أو إيلياء أو مقابر صلحاء .. فلا يحرم، بل يسن، ونقله خوف نحو سيل جائز ولخوف نبشه واجب، ولو أوصى بنقله فيما ذكر .. نفذت وصيته إن أمن تغيره وقرب المحل، ولا يجوز نقله إلا بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه.
ولا يجوز نبشه (إلا لضرورة) كدفن بلا طهر أو لغير القبلة أو في أرض أو ثوب مغصوب أو وقع فيه مال وإن قل ولو من تركته، أو لغيره وإن لم يطلبه وإن تغير الميت.

نعم؛ إذا انمحق الميت وصار تراباً .. جاز نبشه، بل تحرم عمارة القبر حينئذٍ، إلا في نحو صحابي ومشهور بولاية، أو علم .. فلا يجوز؛ احتراماً لهم وإبقاءً لمآثرهم للتبرك بهم، ولأن أجساد الشهداء والأولياء والعلماء لا تفنى، كالمرابط والمؤذن احتساباً، وحافظ القرآن والعامل به، وكثير الذكر والمحب لله، والميت بالطاعون.
خاتمة تسن تعزية نحو أهل الميت كصهر وصديق ولو لبعضهم بعضاً، وألحق بالميت مصيبة بنحو مال.
ويكره لأهل الميت الاجتماع بمكان، ليأتيهم الناس لـ (التعزية)، وهي الأمر بالصبر، والحمل عليه بوعد الأجر، والتحذير من الوزر بالجزع، والدعاء للميت بالمغفرة، وللحي بجبر المصيبة.
وأن يعمهم بالتعزية إلا شابة وأمرد حسناً، فلا يعزيهما إلا محارمهما وزوجهما.
ويكره ابتداء أجنبي لهما بالتعزية، بل الحرمة أقرب، والرد عليهما، ويحرمان منهما كالسلام، وهي بعد الدفن أولى؛ لاشتغال أهل الميت بتجهيزه قبله إلا أن يرى من أهله جزعاً شديداً.
ثلاثة أيام تقريباً لحاضر من الموت، ومن قدوم لغائب، وزوال نحو حبس لمعذور بحبس أو غيره، فتكره بعدها؛ إذ الغالب أن المصاب يسكن بعدها.
فيعزى مسلم بمسلم مع المصافحة: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك.
وجاز بكاء على الميت قبل موته وبعده؛ للأخبار بذلك، لكنه بعده خلاف الأولى أو مكروه.
وحرم ندب ونوح وجزع بنحو ضرب نحو صدر؛ لخبر مسلم: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها .. تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" رواه مسلم.
وله أيضاً: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية".
والسربال: القميص البالي، والدرع: القميص، والقطران: معروف وهو أبلغ في اشتعال النار بالنائحة.

قال في "كشف النقاب": (البكاء) بالقصر: الدمع، وبالمد: رفع الصوت كما قاله (حج)، و (الإعلام بالموت): الإخبار به من غير ذكر مآثره ومفاخره، و (الندب): عد محاسنه بأداة النداء، كواكهفاه، واسيداه مع البكاء أو رفع الصوت، و (النوح): رفع الصوت بالندب، و (الجزع): ضرب الصدر أو الوجه، ونحوه كشف ثوب ونشر شعر وقطعه وتغيير لباس أو زي، أو ترك لباس معتاد وتسويد وجه وإلقاء الرماد على الرأس، والإفراط في رفع الصوت.
فالبكى -بالقصر- مباح قبل الموت، بل يندب؛ للشفقة، ولكنه في حضرة المحتضر خلاف الأولى إن لم يغلبه.
وفصل بعضهم فقال: إن كان لمحبة ورقة كالبكاء على طفل .. فلا بأس به، والصبر أجمل، وإن كان لِمَا فقده من نحو علمه أو شجاعته .. فمستحب، أو لِمَا فقده من بره وقيامه به .. فمكروه.
وأمَّا الإعلام بموته .. فلا بأس به، بل إن قصد به كثرة المصلين .. فمستحب، وأمَّا (الرثاء) الذي هو: ذكر فضائله ومآثره بحق في نظم أو نثر .. فمكروه، حيث لم يوجد فيها الندب السابق وإن فعلت مع الاجتماع، لكن إن كانت بحق في نحو عالم وخلت عن البكاء والضجر وتجديد الحزن .. فهي بالطاعة أشبه؛ لأن كثير من الصحابة والعلماء يفعلونه.
وأمَّا (نعي الجاهلية) الذي هو النداء بموت الشخص، وذكر مآثره .. فهو من الرثاء.
وأمَّا (الندب) وهو تعداد الشمائل بنحو واكهفاه .. فحرام إن كان برفع صوت أو ببكاء، فإن ذكر صفاته الجميلة بغير بكاء ولا رفع صوت ولا كذب .. لم يحرم.
وأمَّا الجزع .. فحرام، ولا يعذب الميت بشيء من ذلك إلا إن أوصى به) اهـ قال في "التحفة": ويتأكد نهي الأهل عن ذلك؛ خروجاً من الخلاف، للخبر الحسن: (أن من يقال فيه ذلك يوكل به ملكان يلهزانه، ويقولان له: أهكذا أنت؟!.
و (اللهز): الدفع في الصدر باليد مقبوضة) اهـ والنوح والجزع كبيرة كما في "التحفة"، لكن في (ب ج) وغيره: أن ذلك صغيرة.
ويسن لنحو جيران أهل الميت وإن لم يكونوا جيرانه أو كانوا ببلد غير بلده ولأقاربه

الأباعد تهيئة طعام يشبعهم يوماً وليلة، وأن يلح عليهم في الأكل، ولا بأس بالقسم عليهم إذا عرف أنهم يبرون قسمه بلا تضرر، وحرم تهيئة طعام لنائحة ونادبة؛ لأنه إعانة على معصية.
نعم؛ ما اعتيد من العمل لأهل الميت طعاماً جزاء لما عملوه له فيمن مات له قَبْلُ من القرض الحكمي، وعليه عمل أهل جهتنا.
وبينت في "الأصل" ما في ذلك بما لم أر من نبه عليه، والله سبحانه أعلم.


﴿باب الزكاة﴾ وهي لغة: التطهير والإصلاح، قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) [الشمس:9]، أي: طهرها أو أصلحها، والنماء والمدح، ومنه: (فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ) [النجم:32].
وشرعاً: اسم لما يخرج عن مال أو بدن على وجه مخصوص.
والأصل فيها: الكتاب والسنة والإجماع.
وهي معلومة من الدين بالضرورة، يكفر جاحد أصلها أو بعض جزيئاتها الضرورية.
بخلاف المختلف فيه منها؛ كوجوبها في مال الصبي والتجارة.
وبخلاف غير المعلوم من الدين بالضرورة، قال الونائي نقلاً عن الشيخ خضر: (وذلك كزكاة الفطر فمن جحدها .. عرّف، فن جحدها بعد ذلك .. كفر) اهـ وفي كونها غير معلومة من الدين بالضرورة مع كفر جاحدها ولو بعد التعريف .. نظر؛ إذ (الإيمان): التصديق بما علم من الدين بالضرورة، و (الكفر): ضده، وهو جحد شيء مما علم من الدين بالضرورة، فما لم يعلم .. كذلك ليس التصديق به داخلاً في حقيقة الإيمان، ولا جحده داخلاً في حقيقة الكفر.
نعم؛ لو قيل: إنها معلومة من الدين بالضرورة، ولكن جهل ذلك شخص؛ لعظم غباوته بأمر الدين لم يبعد فيعرف، فإن جحدها بعد ذلك .. كفر؛ لأنه لا يكفر إلا بجحد ما علم من الدين بالضرورة، وعلمه الجاحد كما حققه (حج) في: "فتح المبين"، و"الفتاوى الحديثية".
نعم؛ يمكن أنه أراد بقوله: فإن حجدها، أصل الزكاة، بأن كان غبياً، وعليه فهو واضح.
وفرضت في شعبان في السنة الثانية من الهجرة مع زكاة الفطر.
والمشهور عند المحدثين: أنها فرضت في شوال من السنة المذكورة، وزكاة الفطر قبل العيد بيومين بعد فرض رمضان، وفي كونها من الشرائع القديمة خلاف.
وقدمها على الصوم والحج مع أنهما أفضل منها؛ مراعاة للحديث، واهتماماً بشأنها؛ لأنها مظنة البخل بها.

وكما أنها اسم للمال المخرج، فهي أيضاً اسم للإخراج، فتكون بمعنى التزكية.
ووجبت في ثمانية من المال لثمانية أصناف من الناس.
ويسن لآخذ الزكاة الدعاء لمعطيها، وقيل: يجب، وأن يقول المعطي ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.
(لا تجب الزكاة) للأموال الإ بخمسة شروط، زيادة على كل ما يأتي لكل في بابه: الأول: الحرية، فلا تجب (إلا على الحر) ولو مبعضاً، ملك ببعضه الحر نصاباً لتمام ملكه؛ ولذا كفَّر كالموسر، بخلاف الرقيق؛ لأنه لا يملك، وبخلاف المكاتب؛ لضعف ملكه.
والثاني: الإسلام؛ للخبر الصحيح: "فرضها على المسلمين"، فلا تجب إلا على (المسلم) ولو أصالة كالمرتد إن عاد للإسلام، أو وجبت عليه قبل الردة.
ولو أخرجها في ردته .. اجزأته إن عاد للإسلام، واغتفر عدم النية.
وشمل المسلم: الصبي والمجنون، فلا تجب على الكافر بالمعنى المتقدم في الصلاة.
والثالث: قوة الملك، ويعبر عنه بالملك التام، فلا زكاة على مكاتب؛ لضعف ملكه عن احتمال المواساة، ولذا لا تلزمه نفقة قريبه، ولم يرث ولم يورث، ولا على سيده فيما له عليه من دين الكتابة؛ لأنه في معرض السقوط بتعجيزه.
الرابع: تعين المالك، فلا زكاة في مال مسجد نقداً أو غيره، ولا في موقوف مطلقاً، ولا في نتاجه وثمرتِه إن كان على جهة كالفقراء أو على نحو رباط أو قنطرة.
أمَّا ثمرة الموقوف على معين .. ففيه زكاة.
وفي ثمرة الموقوف على إمام مسجد ونحوه خلاف، والراجح: عدم الوجوب.
الخامس: تيقن وجود المالك، بأن يكون (غير الجنين) فلا زكاة فيما وقف له ولو جميع التركة؛ لأنه لا ثقة بوجوده فضلاً عن حياته، حتى لو انفصل ميتاً .. لم تجب على بقية الورثة زكاة ذلك؛ لضعف ملكهم على خلاف في ذلك.
فمتى وجدت الشروط المذكورة .. وجبت الزكاة في المال عيناً أو ديناً، وفي مغصوب، وضال، ومجحود وإن تعذر أخذه، ومملوك بعقد قبل قبضه، لكن لا يجب دفعها مما ذكر إلا إذا قبضه أو تمكن من قبضه وتركه اختياراً، وتمكن من الإخراج.

والمخاطب بإخراجها من مال المحجور عليه: الولي الذي يعتقد وجوبها في مال المولى عليه، ويعصي بتأخيرها وإن كان المولى عليه حنفياً؛ إذ العبرة بعقيدة الولى.
ولو لم يخرجها الولى المعتقد للوجوب .. أثم، ولزم المولى عليه إخراجها ولو حنفياً إذا كمل كما في "التحفة".
ولا يمنع الدين من وجوبها وإن حجر به، وقيل: يمنع وجوبها مطلقاً.
ولو اجتمع زكاة أو غيرها من حقوق الله كحج وكفارة ودين آدمي في تركة، وضاقت عنهما .. قدم حق الله تعالى وإن سبق تعلق غيرها عليها؛ لخبر: "فدين الله أحق بالقضاء"، ولأنه يصرف للآدمي ففيه حق الله وحق الآدمي.
نعم؛ الجزية ودين الآدمي يستويان، وكون حق الله مبنياً على المسامحة كما في الحدود.
ولو اجتمعت زكاة وغيرها من حقوق الله .. استويا ما لم تتعلق الزكاة بعين المال بأن بقي النصاب، وإلا .. قدمت.
وخرج بـ (تركة): اجتماعهما على حي ضاق ماله، فإن لم يحجر عليه .. قدمت الزكاة جزماً، وإلا .. قدم دين الأجنبي جزماً ما لم تتعلق بالعين، وإلا .. فتقدم مطلقاً.
ثم شرع في بيان ما تجب الزكاة فيه بقوله: (وذلك) أي: وجوب الزكاة (في أنواع) خمسة أو ستة؛ لأنها إمَّا زكاة بدن، وهي زكاة الفطر، أو زكاة مال، وهي إما متعلقة بالعين، وهي زكاة النعم والمعشرات والنقد والركاز، وإمَّا متعلقة بالقيمة، وهي زكاة التجارة.
(الأول: النعم) الإبل والبقر والغنم، فلا تجب في غيرها من الحيوانات إلا لتجارة، ولا في متولد بين زكوي وغيره، كبين غنم وظباء.
وإنما لزم المحرم جزاؤه؛ تغليظاً عليه، وتجب في متولد بين زكويين، كبين بقر وإبل، لكن تعتبر بأخفهما؛ لأنه المتيقن، لكن بالنسبة للعدد لا للسن.
فتجب في أربعين متولدة بين ضأن وبقر ما له سنتان.
(ففي كل خمس من الإبل إلى عشرين) منها (شاة) ففي خمس: شاة، وعشر: شاتان، وخمسة عشر: ثلاث شياه، وعشرين: أربع شياه.

والمراد بالشاة (جذعة، أو جذع ضأن له سنة) أو أجذع قبل تمامها، أو تمت لها سنة وإن لم تجذع (أو ثنية معز، أو ثني له سنتان) كاملتان.
وإنما أجزأ الذكر هنا؛ لصدق اسم الشاة عليه؛ إذ تاؤها للوحدة، لا لتأنيث، ولأنها من غير الجنس.
وشرط الشاة هنا: كونها من غنم البلد أو مثلها، أو أعلى منها قيمة، وأن تكون صحيحة وإن كانت إبله مريضة أو معيبة؛ لأن الواجب هنا في الذمة، فلم يعتبر فيه صفة المخرج عنه بخلافها فيما يأتي.
فإن لم يجد صحيحة .. فرّق قيمتها، كمن فقد بنت مخاض مثلاً فلم يجدها، ولا ابن لبون .. فيفرق قيمتها؛ للضرورة.
(وفي خمس وعشرين بنت مخاض) وهي ما (لها سنة) كاملة، سميت بذلك؛ لأن أمها آن لها أن تحمل مرة أخرى، فتصير من المخاض، أي: الحوامل، وتجزئ في أقل من خمس وعشرين وأن زادت قيمة الشاة عليها.
(أو ابن لبون) ولو خنثى، وهو ما (له سنتان) وإن لم يساو قيمة بنت مخاض؛ لأن زيادة السن تجبر نقص الذكورة.
وإنما يجزئ (إن فقدها) -أي: بنت المخاض- بأن لم يملكها، أو ملكها معيبة أو مغصوبة وعجز عن إخراجها من الغاصب عند الإخراج، أو مرهونة، ولا يكلف تحصيلها بشراء أو غيره، وله إن لم يطلب جبراناً إخراج بنت لبون فما فوقها ولو مع وجود ابن لبون.
نعم؛ لو كانت عنده بنت مخاض كريمة .. منعت إخراج ابن لبون فما فوقه، فيخرجها، أو يحصل بنت مخاض أخرى بنحو شراء، ولا يكلف عن الحوامل حاملاً.
(وفي ست وثلاثين بنت لبون) وهي ما (لها سنتان) كاملتان، سميت بذلك؛ لأن أمها آن لها أن تضع ثانياً، وتصير ذات لبن.
(وفي ست وأربعين حقة) وهي ما (لها ثلاث) من السنين، سميت بذلك؛ لأنها آن لها أن تركب، ويطرقها الفحل.

(وفي إحدى وستين جذعة) -بالذال المعجمة- وهي ما (لها أربع) سنين تامة، ويلزم من تمامها طعنها فيما بعدها، وكذا فيما قبلها، سميت بذلك؛ لأنها أجذعت، أي: أسقطت مقدم أسنانها.
(وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان، وفي مئة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، وفي مئة وثلاثين حقة وبنتا لبون، ثم) بزيادة كل عشر يتغير الواجب، فيجب (في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة) وما بين النصب عفو.
وأعلم: أن أسنان الزكاة تحديدية لا يغتفر فيها نقص، بل لا بد من الزيادة بأن تطعن بنت المخاض في الثانية، وبنت اللبون في الثالثة، والحقة في الرابعة، والجذعة في الخامسة.
والأصل في ذلك: كتاب أبي بكر لأنس، كما في "البخاري".
(ومن فقد واجبه) أو ما نزل منزلته من الإبل ( .. صعد إلى أعلى منه) بدرجة، كالحقة إن كانت سليمة، وقال الزيادي: مطلقاً.
(وأخذ) جبراناً، أعني: (شاتين كالأضحية) أي: يجزئان فيها بأن يكون كل ثنية معز، أو جذعة ضأن، أو لها سنة وإن لم تجذع، (أو) أخذ (عشرين درهماً) نقرة خالصة (إسلامية)؛ لأنها المراد عند الإطلاق.
نعم؛ لو لم يجدها أو غلبت المغشوشة .. أجزأ منها ما يكون فيه من النقرة قدر الواجب.
ولا يبعض جبران واحد، فلا يجوز شاة وعشرة دراهم إلا إن كان الآخذ له المالك، ورضي بذلك (أو نزل إلى أسفل منه) أي: من واجبه بدرجة، كبنت المخاض، كما في المثال المذكور.

(وأعطى بخيرته) جبراناً، أي: (شاتين، أو عشرين درهماً) إسلامية كما مر بخيرة الدافع فيهما.
ومصرف الجبران بيت المال، فإن تعذر .. فمن مال المستحقين.
وقي "شرح سم" على "الغاية": قضية نص "الأم": أنه فيما يقبضه من الزكاة، ويعمل العامل بالمصلحة لهم في دفعه وأخذه، أي: طلبه، وإن لم يجب على المالك موافقته.
ويجوز أن يصعد أو ينزل درجتين فأكثر مع تعدد الجبران عند فقد قربى في جهة المخرجة، كأن لم يجد من لزمته بنت مخاض إلا حقة، أو إلا جذعة، فيخرج الحقة مع أخذه جبرانين، أو الجذعة مع أخذه ثلاثة.
وكأن لم يجد من لزمته حقة إلا بنت مخاض، فيخرجها مع فقد بنت لبون، ويعطى جبرانين.
وللمالك الصعود أكثر من درجة إذا قنع بجبران واحد مطلقاً، أمَّا إذا لم يفقد واجبه .. فيمتنع النزول وكذا الصعود إن طلب جبراناً.
والمعيب والكريم هنا كالمعدوم؛ لخبر: "إياك وكرائم أموالهم".
وإنما منعت بنت مخاض كريمة ابن لبون؛ لأن الذكر لا مدخل له في فرائض الإبل، فكان الانتقال إليه أغلظ من الصعود والنزول، وأكثر الصعود أربع درجات، وأكثر النزول ثلاث.
ولو اتفق في إبل أو بقر في نصاب واحد فرضان .. وجب الأغبط منهما للمستحقين، ففي مئتي بعير يجب الأغبط من أربع حقاق، أو خمس بنات لبون إن وجدا بماله بصفة الإجزاء كاملاً.
ولو أخذ الساعي غير الأغبط .. لم يجزئ فيرد، هذا إن قصر الساعي أو دلس المالك، وإلا .. أجزأ، وجبر تفاوت النقص من نقد البلد، أو بجزء من الأغبط، لا من المأخوذ.
وإن وجد أحدهما بماله فقط .. أخذ وإن وجد بعض من الآخر، وإن لم يوجدا أو أحدهما بماله بصفة الإجزاء .. فله تحصيل ما شاء منهما كلاً أو بعضاً متمماً به ما عنده بشراء أو غيره ولو غير أغبط؛ لما في تحصيل الأغبط من المشقة.


(فصل) في واجب البقر.
ولا شيء فيما دون الثلاثين منها (وفي ثلاثين من البقر: تبيع) أي: ذكر (ابن سنة) كاملة، سمي تبيعاً؛ لأنه يتبع أمه.
(أو تبيعة) أنثى بنت سنة كاملة أيضاً.
(وفي الأربعين: مسنة) وهي ما (لها سنتان) كاملتان، سميت بذلك؛ لتكامل أسنانها، وذلك لما صح عن معاذ لما بعثه صلى الله عليه وسلم إلى اليمن: أنه أمره بذلك، ويجزئ عن المسنة تبيعان.
(وفي ستين: تبيعان).
(ثم) يختلف الواجب بكل عشر.
فيجب (في كل ثلاثين: تبيع، وفي كل أربعين: مسنة) ففي مئة وعشرين ثلاث مسنات، أو أربعة أتبعة، أي: الأغبط منهما إن وجدا بماله، وإلا .. فما وجد منهما بماله، فإن لم يوجدا فيه .. حصل منهما ما شاء، كما مر.
وليس هنا نزول ولا صعود بجبران، وكذا زكاة الغنم.


(فصل) في زكاة الغنم.

ولا زكاة فيما دون الأربعين منها (وفي أربعين من الغنم: شاة) ويستمر ذلك (إلى مئة وإحدى وعشرين .. فشاتان) تجبان فيها (وفي مئتين وواحدة: ثلاث) من الشياه (وفي أربع مئة:) منها (أربع، ثم في كل مئة: شاة) كما في كتاب الصدّيق، رواه "البخاري"، وما بين النصب عفو.


(فصل) في بعض ما يتعلق بما مر.

(ولا يجوز) ولا يجزئ (أخذ المعيب من ذلك) أي: من جميع النعم المذكورة؛ للخبر الصحيح.
ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، والهرمة: الكبيرة التي أسقطت أسنانها، و (ذات العوار): المعيبة.
والمراد عيب المبيع لا الأضحية؛ لأن الزكاة يدخلها التقويم عند التقسيط، فلا يعتبر فيها إلا ما يخل بالتقويم (إلا إذا كانت) نعمه (معيبة كلها) .. فيؤخذ منها حينئذٍ معيب، ولا يكلف صحيحة؛ للإضرار.
(وكذا المراض) فلا يجوز أخذ المريض إلا إذا كانت نعمه كلها مراضاً، فيؤخذ منها حينئذٍ متوسط العيب أو المرض؛ مراعاة للجانبين.
(ولا يجوز أخذ الذكر إلا فيما تقدم) أنه يؤخذ شاة ذكر عن خمس من الإبل، وفي الجبران وابن لبون، أو حق بدلاً عن بنت مخاض فقدها، والتبيع عن ثلاثين من البقر، وكذا يؤخذ تبيعان عن مسنة وابن لبون، أو حق عما دون خمسة وعشرين من الإبل عند فقد بنت مخاض؛ فلا يؤخذ الذكر إلا فيما ذكر.
(وإلا إذا كانت) نعمه (كلها ذكوراً) .. فيخرج ذكراً منها؛ تسهيلاً عليه، لبناء الزكاة على التخفيف، لكن يخرج عن ستة وثلاثين ابن لبون أكثر قيمة من ابن اللبون المأخوذ بدلاً عن بنت مخاض.
فلو كانت قيمة المأخوذ عن بنت المخاض خمسين .. كان قيمة المأخوذ عن ست وثلاثين اثنين وسبعين هذا إن قلنا: واجب الخمسة والعشرين الذكور ابن لبون، كما في "التحفة"، و"النهاية"، و"المغني"، وغيرها.
فإن قلنا: واجبها ابن مخاض، ونقله في "الإيعاب" عن تصريح الأكثرين .. فلا يعتبر ما ذكر.

(ولا) يجوز (أخذ الصغير إلا إذا كانت) نعمه جميعها (صغاراً) بأن كانت في سن لا فرض فيه، ويتصور بأن تموت الأمهات وقد تم حولها بعد موتها، والنتاج صغار.
أمَّا إذا ماتت بعد تمام حولها .. فيبنى حولها على حول الأمهات الثاني الذي ماتت بعد شروعها فيه.
أو بأن ملك نصاباً من صغار المعز، وتم لها حول .. فتجب الزكاة فيه وإن لم تكن في سن الإجزاء وهو سنتان.
وكالمعز في ذلك البقر، ولا يرد أن شرط زكاة النعم السوم، ولا سوم للصغار؛ لأن النتاج تابع للأمهات، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في المتبوع، ولأن اللبن كالكلأ؛ لأنه ناشئ منه.
وإنما يجزئ إن كان من الجنس، فلا يجزئ في خمسة أبعرة صغار إلا شاة مجزئة أضحية.
أمَّا لو لم تكن نعمه كلها ذكوراً ولا صغاراً ولا مراضاً، بأن كان فيها ولو واحدة أنثى صحيحة تجزئ أضحية .. فيجب إخراجها.
فلو ملك مئة من الغنم، ثم نتجت منها إحدى وعشرون .. وجب شاتان تجزئان أضحية، لكن بالقسط في القيمة، ولا يؤخذ خيار إلا برضا مالكها، كما مر.
فرع: يجزئ في الزكاة نوع عن نوع آخر، كضأن عن معز وعكسه، وكأرحبية عن مهرية وعكسه من الإبل، وعراب عن جواميس وعكسه من البقر برعاية القيمة.
ففي ثلاثين عنزاً وعشر نعاج: عنز أو نعجة بقيمة ثلاثة أرباع عنز وربع نعجة.
فلو كانت قيمة العنز المجزئة ديناراً، وقيمة النعجة المجزئة دينارين .. لزم عنز أو نعجة، قيمتها دينار وربع، ويقاس بذلك البقر والإبل.
(وإذا اشترك اثنان) معينان أو أكثر من أهل الزكاة (في نصاب) من جنس واحد وإن اختلف النوع ولو غير ماشية أو في أقل منه ولأحدهما نصاب ولو بضمه للمشترك ( .. وجبت عليهما الزكاة) وزكيا كواحد، كما في خلطة الجوار الآتية، بل أولى، ولكل منهما الانفراد بالإخراج بلا إذن الآخر على المعتمد، فيرجع من أخرجها ببدل ما أخرجه على الآخر؛ لإذن الشارع في ذلك، ولأن الخلطة تجعل المالين مالاً واحداً،

فسلطته على الدفع المبرئ الموجب للرجوع، وبهذا فارقت نظائرها.
ثم إنها قد تفيد تخفيفاً، كثمانين بينهما على السواء، وتثقيلاً، كأربعين كذلك، وتثقيلاً على أحدهما، وتخفيفاً على الآخر كستين، لأحدهما ثلثاها وللآخر ثلثها، وقد لا تفيد شيئاً كمئتين، سواء بينهما، ويأتي ذلك في خلطة الجوار.
أمَّا إذا لم يكن لأحدهما نصاب .. فلا زكاة وإن بلغه مجموع المالين، كأن انفرد كل منهما بتسعة عشر، واشتركا في ثنتين، أو خلطا ثمانية وثلاثين، وميزا شاتين .. فالشركة تجعل المال المخلوط وغيره من أموال المتخالطين، ومال خليط أحدهما وخليط خليطة كمال واحد، وقد أوضحت ذلك في "الأصل".
ويشترط: دوام الخلطة سنة في الحول، فلو ملك كل أربعين شاة أول محرم، وخلطاها أول صفر .. لم تثبت الخلطة في الحول الأول، فإذا جاء المحرم .. أخرج كل شاة، وثبتت الخلطة في الحول الثاني وما بعده.
وفي غير الحولي بقاؤها إلى وقت الوجوب، كبدو الصلاح، هذا في خلطة الشيوع.
وأمَّا خلطة الجوار .. فيشترط دوامها سنة، وأن يتحد مشرب الماشية ومسرحها الشامل للمرعى، وطريقه، وما تجتمع فيه؛ لتساق منه للمرعى ومراحها وراعيها.
وكذا فحلها إن اتحد نوع الماشية، بأن يكون مرسلاً في الماشية، ومحل حلبها.
وفي الشجر والزرع: أن يتحد المكان، وماء السقي والحرث والملقح والجذاذ والحصاد والحمال والحافظ.
والجرين وهو موضع تجفيف الثمر، وتخليص الحب من أول الزرع والثمر.
وفي التجارة والنقد: اتحاد المكان والحارس ونحوهما.
ومعلوم أن خلطة غير الماشية إنما تفيد الإيجاب؛ إذ لا وقص فيها.
وخرج بالمعينين: ما لو كان عنده أربعون شاة .. فيجب عليه شاة للحول الأول، وإذا لم يخرجها .. لم يجب عليه شيء للحول الآتي؛ لنقص النصاب، والشركة فيها غير معتبرة؛ لعدم تعين أهل الزكاة المالكين للشاة.
وبـ (الأهل): غيره كذمي، فلا عبرة بخلطته، بل إن بلغ نصيب أهل الزكاة نصاباً .. زكاه، وإلا .. فلا وجوب، وكذا لا عبرة بخلطة جنسين، كبقر وغنم.


(فصل: وشروط وجوب زكاة الماشية) خمسة، زيادة على الشروط العامة المتقدمة كونها نعماً، فلا زكاة في غيرها كخيل، وكونها نصاباً، فلا زكاة فيما دونه.
والثالث: (مضي حول كامل متوال في ملكه)؛ لخبر: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول"؛ لأنه وإن قلنا بضعفه اعتضد بآثار صحيحة، بل أجمع عليه التابعون والفقهاء، وهو شرط لوجوب كل زكاة إلا الحبوب والثمار والمعدن والركاز وزكاة الفطر والنتاج والربح بشرطهما.
(إلا النتاج) من نصاب قبل تمام حوله ولو بلحظة ( .. فيتبع) أي: النتاج (الأمهات في الحول) إن كان من جنس الأمهات، وملكه بملكها، وبلغت به نصاباً أخر، أو ماتت الأمهات وهو نصاب، أو بعض الأمهات والباقي مع النتاج نصاب.
كأن ملك مئة وعشرين شاة، ونتجت واحدة منهن قبل تمام الحول والأمهات باقية، فيجب شاتان، أو نتجت واحده من تسع وثلاثين من البقر في الحول، فتجب مسنة، أو ملك أربعين شاة، فنتجت أربعون، ثم ماتت الأمهات في الحول وجب شاة من النتاج، أو نتج منها عشرون ثم مات عشرون من الأمهات، فتجب شاة كبيرة بالقسط من القيمة.
أمَّا ما نتج من دون النصاب وإن بلغ به نصاباً أو نتج مع آخر الحول أو بعده، أو كان من غير جنس الأمهات، كأن نتجت بقرة بعيراً، أو لم يتحد سبب ملكهما، كأن ملك النصاب بإرث والنتاج بشراء .. فليس له في جميع ذلك حكم النصاب.
وكذا إن لم يبلغ به نصاباً أخر في نحو مئة من الغنم، نتجت منها عشرون .. فلا أثر له، بل تجب شاة واحدة.
وهل هي حينئذٍ زكاة للأمهات مع النتاج أو لها فقط؟ تردد فيه بعضهم.
ولو ادعى المالك النتاج بعد الحول .. صدق.
وإنما لم يشترط في النتاج الحول؛ لأنه لأجل حصول النماء، والنتاج نماء عظيم.
وخرج بقوله: (مضي حول .. إلخ) ما لو مات المالك أو باعه أثناءه .. فينقطع حوله، فيستأنفه من انتقل إليه من وارث أو غيره من وقت انتقاله.
نعم؛ السائمة لا يستأنفه فيها إلا من وقت إسامتها مع قصده لها.

وعرض التجارة لا ينعقد حوله حتى يتصرف فيه نحو الوارث إن أبدله بعرض آخر قاصداً للتجارة فيه.
ولو زال ملكه عنه في الحول فعاد إليه ولو بإقالة أو ردَّ بعيب أو بهبة أو بادل بمثله مبادلة صحيحة في غير نحو قرض نقد .. استأنف؛ لأنه ملك جديد، فاحتاج لحول، ويكره له ذلك إن قصد الفرار من الزكاة فقط، وقيل: يحرم، وقيل: يأثم على قصده، لا فعله.
وفي "الإحياء": أنه لا تبرأ به ذمته من الزكاة باطناً، وإن هذا من الفقه المضر وشمل ذلك بيع بعض النقد ببعض، ولذا قال ابن سريج: بشروا الصيارفة أن لا زكاة عليهم.
أمَّا لو أقرض نصاب نقد في الحول .. فلا ينقطع؛ لأن الملك لم يزل بالكلية، لثبوت بدله في ذمة المقترض والدَّين فيه الزكاة، وكذا لو ردَّ المبيع وهو مال تجارة وقد باعه بعرض تجارة .. فلا يستأنف له حولاً.
(و) الرابع: (أن تكون) الماشية (سائمة) أي: راعية في كل الحول (في كلأ مباح) أو مملوك قيمته يسيرة، لا يعد مثله كلفة في مقابلة نمائها، وذلك للتقييد بالسوم في الأحاديث في الإبل والغنم، وألحق بهما البقر.
وإنما اختصت السائمة بالزكاة؛ لتوفر مؤنتها بالرعي في الكلأ المذكور.
(و) لا بد من (أن يكون السوم من المالك) المكلف العالم بملكه لها، أو من نائبه ولو حاكماً.
(فلا زكاة) في معلوفة ولا في سائمة في كلأ مملوك وإن قلت قيمته، كما في "الأسنى"، و"شروح الإرشاد"، و"العباب".
وفي "النهاية": (لو رعت ما اشتراه أو وهب له .. فسائمة؛ لأن قيمة الكلأ تافهة، وإن جزه وقربه لها .. فمعلوفة، ما لم يكن من الحرم) اهـ وقال في "التحفة": إن عد ذلك العرف تافهاً في مقابلة نمائها .. فسائمة وإلا فلا، واعتمده في "شرح المنهج"، وغيره، وكذا فصل فيما لو استأجر من يرعاها.
ولو سرحها نهاراً وألقى لها شيئاً من العلف .. فسائمة، قاله (م ر).
قال (سم): وسكوتهم عن الماء مشعر بأنه لا أثر له.

ولا زكاة أيضاً (فيما) أي: في سائمة اعتلفت، أو (سامت بنفسها، أو) علفها، أو (أسامها غير المالك) كالغاصب والمشتري شراء فاسداً، لعدم السوم، أو إسامة المالك أو نائبه، ولا في سائمة علفها المالك بنية قطع السوم وإن قل، أو قدراً لا تعيش بدونه بلا ضرر بيّن، كيومين ونصف ولو مفرقة، بخلاف ما دونها؛ لقلة المؤنة فيه بالنسبة لنماء الماشية.
ولا أثر لمجرد قصد العلف، ولا للاعتلاف من مال حربي.
(و) الخامس: (أن لا تكون عاملة) لمالكها أو بأجرة أو لغاصب (في حرث ونحوه) كحمل ونضح ولو محرماً، وإلا .. فلا زكاة فيها وإن أسيمت، سواء أخذ في مقابلة عملها أجرة، أم لا؛ لأنها معدة لاستعمال مباح، فأشبهت ثياب البدن.
وصح: خبر "ليس في البقر العوامل شيء" وقيس بها غيرها، بل في رواية: "ليس في العوامل شيء" وزمن كونها عاملة، يقاس بزمن علفها فيما مر.
تنبيه: يندب أخذ زكاة السائمة عند ورودها ماء؛ لأنه أقرب إلى الضبط، فلا يكلفهم الساعي ردها إلى البلد، كما لا يجب عليه تتبع المراعي، فإن لم ترده كوقت الربيع .. فعند بيوت أهلها، ويصدق مخرجها في عددها إن كان ثقة، وللساعي عدها، وإلا .. فتعدّ وجوباً، والأسهل عند مضيق تمر به واحدة واحدة وبيد كل من الساعي والمالك أو نائبهما قضيب يعد به.


﴿باب زكاة النبات﴾ أي: النابت؛ إذ النبات يستعمل مصدراً واسم عين كما هنا.
والمراد به: الثمر والحبوب، فالأول من الشجر، وهو ما له ساق، والثاني من النجم، وهو ما لا ساق له كالزرع، قال تعالى: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) [الرحمن:6].
والأصل فيه: الكتاب والسنة والإجماع.
(لا تجب) الزكاة فيما أخرجته الأرض (إلا في الأقوات) أي: المقتاتات وهو ما يقوم بها البدن غالباً؛ لأن الاقتيات ضروري للحياة، فأوجب فيه الشارع شيئاً لأرباب الضرورات، بخلاف ما يؤكل تنعماً أو تأدماً.
(وهي من الثمار: الرطب والعنب) إجماعاً دون غيرهما من سائر الثمار.
(ومن الحب: الحنطة والشعير والأرز، وسائر المقتات في حال الاختيار) ولو نادراً، كذرة ودخن؛ بناءً على أنه جنس مستقل، لا نوع من الذره وحمص وبسلا، وباقلا ولوبيا، وهو: الدجر والجلبان، و (الماش) وهو نوع منه، وحب الجاروش وغير ذلك من كل ما يقتات اختياراً؛ للخبر الصحيح: "فيما سقت السماء والسيل والبعل العشر، وفيما سقي بالنضخ نصف العشر".
وإنما يكون في الثمر والحنطة والحبوب، وأمَّا القثاء والبطيخ والرمان والقضب -بالمعجمة- وهو الرطبة -بفتح فسكون- أي: الحشيش الأخضر .. فعفو عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيس بما فيه غيره بجامع الاقتيات، وصلاحية الادخار فيما يجب فيه، وعدمها فيما لا يجب فيه، سواء أزرع ذلك، أو نبت اتفاقاً.
وخرج بـ (القوت): غيره، كخوخ، ومشمش وتين وجوز ولوز وتفاح وزيتون وسمسم وزعفران.
وبـ (الاختيار): ما يقتات ضرورة، كحب حنظل وغاسول وحلبة وترمس، فلا

تجب الزكاة في شيء منها، ولا تجب أيضاً في ثمار موقوفه على غير معين كمسجد وإمام كما مر بخلاف المعيّن، كأولادِ زيد.
والموقوف المصروف لأقارب الواقف فيه خلاف، والأوجه فيه عدم الزكاة.
قال الونائي: (وعلى زارع أرض -فيها خراج وأجرة- زكاة معهما، ولا يؤديهما من حبها إلا بعد إخراج الزكاة للكل، ولا يحل لمؤجر أرض أخذ إجارتها من حبها قبل أداء الزكاة، فإن فعل .. لم يمللك قدر الزكاة، ويؤخذ منه.
ولو أخذ الإمام الخراج على أنه بدل من الزكاة .. فهو كأخذ القيمة بالاجتهاد أو التقليد.
والأصح: إجزاءه، أو أخذه ظلماً .. لم يجزئ عنها.
وبهذا يعلم: أن المكس لا يجزئ عن الزكاة إلا إن أخذه الإمام أو نائبه على أنه بدل عنها باجتهاد أو تقليد صحيح، لا مطلقاً، خلافاً لمن وهم فيه.
وصرح أئمتنا بأن النواحي التي يؤخذ الخراج من أرضها -ولم يعلم أصله- بجواز أخذه؛ لأن الظاهر أنه بحق، ويحكم بملك أهلها لها، فلهم التصرف فيها بالبيع وغيره؛ لأن الظاهر في اليد الملك، وحينئذٍ فالوجه: أن أراضي مصر من ذلك.
تنبيه: قدم مخالف لشافعي، أو باعه ما لا يعتقد تعلق الزكاة به على خلاف اعتقاد الشافعي، فهل يحل له أخذه اعتباراً بعقيدة المخالف، أو لا اعتباراً بعقيدة نفسه؟ الذي يظهر الثاني، خلافاً لمن مال إلى الأوّل.
اهـ "التحفة".
ولا يخفى أن الأحوط التقليد الصحيح في هذا أو مثله) اهـ كلام الونائي.
(ونصابه) أي: المقتات اختياراً من ثمر وحب (خمسة أوسق)؛ لخبر الشيخين "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" وهي تحديد (كل وسق ستون صاعاً) إجماعاً.
(والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث بالبغدادي) فجملتها: ألف وست مئة رطل بغدادي، والأصح عند النووي: أنه مئة وثمانية وعشرون درهماً، وأربعة أسباع درهم.
وهي بالكيل المصري: ستة أرداب إلا سدساً عند (حج)، وستة وربع عند (م ر).
تنبيه: مذهب أبي حنيفة: وجوب الزكاة في كل ما خرج من الأرض إلا الحطب والقصب والحشيش، ولا يعتبر عنده النصاب.

ومذهب أحمد: تجب فيما يكال أو يوزن ويدخر من القوت، ولا بد من النصاب.
ومذهب مالك كالشافعي، قاله في "القلائد".
(ويعتبر ذلك بالكيل) والتقدير بالوزن وإنما هو؛ للاستظهار، وإلا .. فالمعول عليه الكيل، وإن خالفه لوزن إلا العدس .. فيعتبر بالوزن كما يأتي في الفطرة.
قال الكردي: (ويؤيده ما رأيته نقلاً عن البندنيجي: أن مما يستوي فيه الكيل والوزن العدسَ والماش) اهـ وإنما يعتبر حال كونه (تمراً أو زبيباً إن تتمر) الرطب (أو تزبب) العنب (وإلا) يتتمر أو يتزبب ذلك بأن لا يتأتي من الرطب تمر، ولا من العنب زبيب جيدان في العادة، أو كانت تطول مدة جفافه ( .. فرطباً وعنباً) يوسق ويخرج منهما؛ لأن هذا أكمل أحواله.
ويضم غير المتجفف إلى المتجفف؛ لتكيل النصاب، لأنهما جنس واحد، ويقطع بإذن الإمام كما لو أضر بأصله .. فيعتبر رطباً، ويقطع بالإذن ويؤخذ الواجب منه رطباً.
وفي "التحفة": (وبحث بعضهم أن للمالك الاستقلال بالقسمة.
ويؤيده إطلاق "التتمة" عن جمع: تجويز القسمة بين المالك والمستحقين كيلاً أو وزناً، ولا ربا؛ لأن قسمة ذلك إفراز، ويلزم على هذه الطريقة تجويز القسمة بين المالك والمستحقين على التحيل) اهـ وهذا فيما لا يجف، وأمَّا ما يجف .. فلا يصح قبض الزكاة منه إلا جافاً.
(ويعتبر الحب) حال كونه (مصفى من) نحو (التبن) والقشر الذي لا يؤكل، ولايدخر معه، ويغتفر قليل لا يؤثر في الكيل.
أمَّا ما يدخر في قشرة الذي لا يؤكل معه وهو الأرز، ولو قشرته الحمراء عند (حج)، والعلس .. فنصابه عشرة أوسق تحديداً؛ اعتباراً لقشره بالنصف؛ إذ خالصه يجيء منه خمسة أوسق غالباً.
وظاهر "التحفة": اعتبار العشرة مطلقاً، وصرح به في "الإيعاب".
لكن في غيرهما من كتبه، و"الأسنى"، و"النهاية"، وغيرها: أن الخمسة لو حصلت من دون العشرة، أو أكثر .. اعتبر ما حصلت منه دون العشرة، وفي "المغني"، و"النهاية": أن القشرة الحمراء من الأرز يكمل الخمسة الأوسق بها.

(ولا يكمل جنس بجنس) إجماعاً في التمر والزبيب، وقياساً في الحبوب.
(وتضم الأنواع بعضها إلى بعض)؛ لتكميل النصاب وإن اختلفت جودة ورداءة ولوناً وغيرها، كبر مصري وشامي، وتمر برني ومعقلي؛ لاتحاد الاسم.
وفي "التحفة": ومرَّ أن الدخن نوع من الذرة، فيضم إليها، لكنه مشكل؛ لاختلافهم صورة ولوناً مطبعاً وطعماً، ومع اختلاف هذه تتعذر النوعية اتفاقاً، فليحمل كلامهم على نوع من الذرة يساوي الدخن في أكثر تلك الأوصاف.
(و) يضم (العلس) وهو قوت أهل ناحية صنعاء، وكل حبتين منه فأكثر في كمام (إلى الحنطة) في إكمال النصاب؛ لأنه نوع منها، بخلاف السلت، فإنه يشبهها لوناً، ويشبه الشعير طبعاً، أصغر من الشعير جرماً.
ولا يضر اختلاط برًّ بحبات شعير بحيث لو ميز الشعير .. لم تؤثر نقصاً في البر.
(ويخرج من كل) من الأنواع (بقسطه إن سهل)؛ لانتفاء المشقة، بخلاف الماشية فيخرج من نوع منها مع مراعاة القيمة، ولا يكلف بعضاً من كل؛ للمشقة.
ولو أخرج هنا عن الكل من النوع الأعلى .. أجزأ؛ لأنه زاد خيراً، وليس بدلاً عن الواجب؛ لاتحاد الجنس.
(وإلا) يسهل ( .. أخرج من الوسط)؛ رعاية للجانبين، فإن أخرج من الأعلى أو تكلف، وأخرج من كل حصته وهو أفضل .. جاز.
(ولا يضم ثمر عام إلى ثمر عام آخر) في إكمال النصاب وإن أطلع ثمر العام الثاني قبل جذاذ الأول إجماعاً.
ومثل ذلك: الشجر الذي يثمر مرتين في العام، بأن أثمر نخل أو كرم ثم بلغ وقت نهايته وإن لم يقطع، ثم أطلع ثانياً في عامه، فلا يضم أحدهما للآخر؛ لأن كل حمل كثمر عام.
(وكذلك الزرع) فلا يضم زرع عام إلى زرع عام آخر.
(ويضم) في إكمال النصاب (ثمر العام وزرعه بعضه إلى بعض) بأن بلغ وقت نهايتهما في عام واحد جذاذاً في الثمر، وحصاداً في الزرع وإن لم يقطعا فيه.

وصورته في الثمر: أن يكون عنده نخل مثلاً يثمر بعضه في الربيع، وبعضه في الصيف، أو يكون له نخل مثلاً يثمر مرتين، وإطلاع الثاني قبل جذاذ الأول، وجذاذ الجميع في عام واحد.
فإن كان بين وقت جذاذهما اثنا عشر شهراً .. فالثاني ثمر آخر وإن أطلع قبل وقت جذاذ الأول، وكذا إذا كان إطلاع الثاني بعد وقت نهاية الأول كما مر.
ولو تواصل بذر الزرع عادة .. فهو زرع عام واحد وإن تمادى شهراً أو شهرين وإن لم يقع حصاده في عام واحد .. فيضم بعضه إلى بعض.
أما إذا تفاصل البذر بأن إختلفت أوقاته عادة .. فإنما يضم بعضه إلى بعض إن وقع حصادهما في عام واحد.
وما ذكرته من اعتبار الإدراك في الثمر كالزرع .. جرى عليه في "المنهج" وهو ظاهر "التحفة".
وقال في "الفتح": وهو وجيه؛ لوضوح القياس على الزرع.
لكن في "الشرح" و"الإمداد" و"الأسني": أن العبرة في التمر بالإطلاع في عام واحد وإن لم يقطع في عام واحد، واعتبره الخطيب، و (م ر).
وفي "الفتح": (وما استخلف من أصله كذرة سَنبَلَتْ مرة ثانية في عام ضم لأصله) اهـ ويصدق مالك الزرع أنه زرع عامين، ويحلف ندباً إن اتهم.


(فصل) في واجب ما ذكر وما يتبعه.

(وواجب ما شرب) من ثمر أو زرع (بغير مؤنة) كالمسقي بالمطر أو الماء المنصب إليه من نهر أو جبل أو عين أو ثلج أو ساقية حفرت من النهر وإن احتاجت لمؤنة (العشر).
(و) واجب (ما سقي بمؤنة كالنواضح) من نحو الإبل والبقر، وتسمى سواني، أو الدواليب -جمع دولاب- وهو ما يديره الحيوان، أو ناعورة، وهو ما يديره الماء، وكالماء المملوك الذي اشتراه أو غصبه أو اتهبه؛ للمنة في الأخير، ولأنه مضمون عليه في الأولين وإن كان الشراء فاسداً.

أما غير المملوك .. ففيه العشر وإن اشتراه أو غصبه؛ لأنه يرجع بما بذله في ثمنه.
وبحث (سم): أن في حصول المباح بكلفة نصف العشر.
(نصفه)؛ للأحاديث الصحيحة الصريحة في ذلك.
والمعنى فيه كثرة المؤنة وخفتها، كما في السائمة والمعلوفة، بالنظر للوجوب وعدمه.
تنبيه: ماء العيون والأنهار إن ملك محل منبعه .. فهو مملوك لذي الأرض الذي نبع فيها، وإلا .. فهو باق على إباحته، ففي ما سقي به العشر، ولا يملك حتى يحرز.
(و) واجب (ما سقي بهما) أي: بالمؤنة ودونها (سواء) باعتبار عيش الزرع ونمائه، بأن كان النصف من هذا والنصف من ذاك.
فلو كان من زرعه إلى إدراكه ثمانية أشهر، فاحتاج في أربعة إلى سقيتين، فسقى فيها بالمطر، وفي أربعة إلى سقية، فسقى فيها بالنضح .. فهذا سواء.
(أو أشكل) مقدار ما يسقي به منهما، كأن سقي بالنوعين، وجهل نفع كل منهما باعتبار المدة لا عدد السقيات؛ إذ رُبَّ سقية أنفع من سقيات (ثلاثة أرباعه).
أمَّا في الأولى .. فعملاً بواجبهما، ومن ثم لو كان ثلثاه بمطر وثلثه بدولاب، وجب خمسة أسداس العشر، وفي عكسه ثلثا العشر.
وأما في الثانية .. فلئلا يلزم التحكم، فإن علم تفاوتهما بلا تعيين .. فقد علمنا نقص الواجب عن العشر وزيادته على نصفه، فيؤخذ المتيقن ويوقف الباقي إلى البيان، ويصدق المالك فيما سقي به منهما، فإن اتهم .. فيحلف ندباً.
(وإلا) بأن سقي بهما متفاوتاً وعلم ( .. فقسطه) أي: قسط كل منهما، ويكون التقسيط باعتبار نموّ الزرع، والثمرُ باعتبار المدة.
(ولا تجب) الزكاة فيما مر (إلا ببدو الصلاح في الثمر) كله أو بعضه وإن قل، كحبة بأن تظهر مبادئ النضج والحلاوة والتلون.
وضابطه: بُلوغه صفة يطلب فيها غالباً؛ لأنه حينئذٍ ثمرة كاملة، وقبله حصرم أو بلح.

(واشتداد الحب) ولو في بعضه أيضاً (في الزرع)؛ لأنه حينئذٍ قوت وقبله بقل، وألحق البعض بالكل فيهما كالبيع، والوجوب على من بدا الصلاح في ملكه.
فلو باع نخلاً مثمراً، فبدا الصلاح في مدة الخيار .. فالزكاة على من الملك له، وهو من انفرد بالخيار، حتى لو كان المشتري .. لزمته، وامتنع الفسخ لشركة المستحقين في الثمر، وهي عيب، ولو كان كافراً سقطت وإن رده على البائع.
ولو اشترى ثمرة قبل بدو الصلاح بشرط القطع، فبدا صلاحها قبله .. وجبت الزكاة على المشتري، وامتنع القطع لشركة أهل الزكاة، فلو كره البائع إبقاءها .. فله الفسخ، وإذا فسخ .. لم تسقط الزكاة عن المشتري.
والمراد بوجوبها ببدو الصلاح انعقاد سبب الوجوب.
ولا يصح الإخراج إلا بعد الجفاف والتصفية، وكثير يفرقون من الرطب والسنابل، وهو لا يجوز ولو للناطور.
نعم؛ إن عجل زكاة ذلك من الحب المصفى عنده أو من الثمر الجاف .. جاز.
وجاز التفرقة من الثمر إن خرص عليه، وضمن حصة المستحقين لا من السنابل؛ لأنها لا تخرص.
وقد صرحوا بأن من تصدق بالمال الزكوي .. يلزمه زكاته، ولا تسقط بالتصدق به.
نعم؛ الإمام أحمد يُجَوَّز الأكل له ولعياله والإهداء بالمعروف، وفيه قول عندنا سيأتي قريباً، والكلام في السنابل اشتد حبها، فإن لم يشتد أوشك فيه .. فلا زكاة فيها، ولا يحرم التصرف فيها.
(وسن خرص الثمر) الذي تجب فيه الزكاة من رطب وعنب ولو بالبصرة (على مالكه) الموسر ولو بتلك الشجر بعد بدو صلاحه كله، وكذا بعضه على معتمد "التحفة"، و"النهاية"، و"المغني"، خلافاً لـ"شرحي الإرشاد"؛ للأمر بذلك، ولذا قيل بوجوبه.
وحكمته: الرفق بالمالك والمستحق.
بأن يرى ما على كل شجرة فيقدره رطباً ثم جافاً، أو ثمرة كل نوع رطباً ثم جافاً.
أمَّا المعسر .. فلا يجوز الخرص عليه.
وخرج بالثمر: الحب؛ لتعذر الحرز فيه.

وفي "التحفة": وبحث بعضهم: أن للمالك إذا اشتدت ضرورته لشيء منه، أَخْذَه ويحسبه، واستدل له بما لا يأتي على قواعدنا وإن نقل عن الأئمة الثلاثة ما قيل: إنه يوافقه.
وببعد بدو الصلاح قبله؛ لتعذر خرصه، ولعدم تعلق الزكاة به.
والمشهور: إدخال جميع الثمر في الخرص؛ لعموم الأدلة الموجبة لعشر الكل أو نصفه.
وأمَّا خبر: "إذا خرصتم .. فحذوا، ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث .. فدعوا الربع" .. فحملوه -كالشافعي في أظهر قوليه- على أنه يترك من الزكاة شيء يفرقه في أقاربه وجيرانه.
ونظر في "التحفة" في تضعيف مقابل المشهور مع شهادة الحديث له، وبعد تأويله، قال: (ومن ثم قال الأذرعي: ليس عنه جواب شاف، وهو مذهب الحنابلة) اهـ ويكفي خارص واحد إن كان من طرف الحاكم، وإلا .. حكَّم المالك عدلين يخرصان عليه، ويُضَمَّنانه.
(وشرط الخارص: أن يكون ذكراً مسلماً حراً عدلاً)؛ لأن الخرص إخبارٌ، وولاية، وانتفاء وصف مما ذكر، يمنع قبول الخبر والولاية.
(عارفاً) بالخرص؛ لأن الجاهل بالشيء ليس من أهل الاجتهاد فيه.
(و) إذا خرص .. فلا بد لصحة تصرف المالك في المخروص من أن (يُضَمَّن) الساعي أو الخارص المحكم (المالك) القدر (الواجب) عليه من المخروص، تضميناً صحيحاً صريحاً (في ذمته) كأن يقول: ضمنتك حق المستحقين من الرطب مثلاً بكذا تمراً (ويقبل) المالك أو نائبه ذلك التضمين صريحاً أيضاً، فحينئذٍ ينتقل حق المستحقين إلى ذمة المالك.
(ثم) بعد ذلك له أن (يتصرف في جميع الثمر) بما شاء؛ إذ لم يبق فيه لغيره حق، وهذا فائدة التضمين.
فإن انتفى الخرص أو التضمين أو القبول .. لم ينفذ تصرفه إلا فيما عدا الواجب شائعاً، ويخير المشتري إن جهل وإن زكىَّ المالك بعد من مال آخر.

نعم؛ إن قال: بعتك هذا إلا قدر الزكاة، وهو العشر مثلاً .. صح، ويرد المشتري قدر الزكاة على البائع؛ لأن له ولاية إخراجها، ولا يصح تصرف المشتري في المبيع قبل إخراج الزكاة أو ردها للمالك، أي: كأن يرد شاة من أربعين مثلاً، وهذا في غير زكاة التجارة.
أمَّا هي .. فيصح بيع الكل ولو بعد الوجوب بغير محاباة، وإلا .. بطل في قدرها؛ لأنها متعلقة بالذمة لا بعين المال.
ولو تلف المخروص قبل التمكن من أداء الزكاة .. فلا زكاة على المالك، أو تلف بعضه .. زكى الباقي ولو دون نصاب.
ولو أتلفه المالك قبل بدو الصلاح .. فلا شيء عليه، أو بعده وقبل التضمين .. لزمه عشر قيمة الرطب عند (حج)، ومثل عشره على ما نقله (سم) عن (م ر).
ولو ادعى هلاك المخروص، جاء فيه تفصيل الوديع في دعواه تلف الوديعة، أو الظلم .. لم تسمع دعواه إلا ببينة، أو الغلط في الخرص بما يبعد .. لم تسمع دعواه.
نعم؛ يحط عنه القدر المحتمل أو بما لا يبعد كعشر قُبِل إن تلف المخروص، وإلا .. أعيد كيله، وللمالك قطع ما يضر الشجر من الثمر بإذن الإمام إن أمكن.
ويندب قطع الثمر نهاراً وإن لم تكن زكوية؛ ليطعم الفقراء مما ليس زكوياً ومما خرص، وضمن حق المستحقين فيه وإلا حرم؛ لشركة المستحقين فيه كما مر.


﴿باب زكاة النقد﴾ هو مصدر، معناه: الإعطاء حالاً، أطلق بمعنى المنقود.
والمراد به هنا: ما قابل العرض والدين.
وقد يطلق على المضروب وحده، ولو عبر بزكاة الذهب والفضة .. كان أولى؛ ليشمل المضروب وغيره.
(وزكاته ربع العشر ولو من معدن) والأصل فيه قبل الإجماع.
آية (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) [التوبة:34]، فسر الكنز فيها بالمال الذي لم تؤد زكاته، ودلت بمفهومها على: وجوب الزكاة؛ لأن الوعيد الشديد على عدم أدائها يستلزم وجوبها.
(ونصاب الذهب عشرون مثقالاً) يقيناً (خالصة) إجماعاً، فلو نقص في ميزان وتم في آخر .. فلا زكاة؛ للشك.
(والمثقال أربعة وعشرون قيراطاً) وهو اثنان وسبعون حبة من شعير لم يقشر، وقطع من طرفيه ما دق وطال، ولم يختلف جاهلية ولا إسلاماً، بخلاف الدرهم.
(ونصاب الفضة مئتا درهم إسلامي) خالصة يقيناً بوزن مكة؛ لخبر: "ليس في أقل من عشرين ديناراً شيء، وفي عشرين نصف دينار"، وخبر الشيخين: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" والأوقية أربعون درهماً.
(والدرهم) الإسلامي (سبعة عشر قيراطاً إلا خمس قيراط) فيكون خمسين حبة، وخمسي حبة، فهو ستة دوانق؛ إذ الدانق ثمان حبات وخمسا حبة.
ومتى زيد عليه ثلاثة أسباع .. كان مثقالاً، أو نقص من المثقال ثلاثة أعشاره .. كان درهماً، فكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وكل عشرة مثاقيل أربعة عشر درهماً وسبعان (وما زاد) منهما (على ذلك) أي: على ما ذكر فيهما ( .. فبحسابه) وإن قل؛ إذ لا وقص فيهما كالمعشرات؛ لإمكان التجزي فيها بلا ضرورة، بخلاف المواشي، فلا

فصول الكتاب · 4 فصل · 711 صفحة
جارٍ التحميل