باب في البيوع وما شاكل البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- التنوخي، ابن ناجي
- الكتاب
- شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني
- المؤلف
- قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيرواني (المتوفى: 837هـ)أعتنى به: أحمد فريد المزيدي
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بصور الإنسان وإنما فيها شبه الوجوه بالتزاويق فصارت كالرقم، ومثله قول أصبغ لا بأس بها ما لم تكن تماثيل مصورة تبقي ولو كانت فخارا أو عيدانا تتكسر وتبلى خف بيعها وصوب ابن رشد أن ما يبقي كما لا يبقي.
(وأما من قتله فعليه قيمته):
يعني: أن من قتل كلبا مأذونا في اتخاذه فعليه قيمته، وأما غير المأذون فلا وهو كذلك قاله في المدونة في الضحايا، ونقل الفاكهاني عن سحنون أن من قتل الكلب المأذون فيه فلا قيمة عليه كالشافعي.
قلت: لا أعرفه وليس هو أصله، ويقوم من كلام الشيخ أن من قتل أم ولد رجل فإنه يغرم قيمتها وأن من استهلك لحم أضحية فإنه يغرم قيمته، وكذلك من استهلك جلد ميتة أو زرعا قبل بدو صلاحه أو قتل مدبرا وهو كذلك في الجميع.
ونقل ابن يونس في كتاب الغصب في أم ولد إذا غصبت فماتت قيل: لا ضمان عليه كالحرة وقيل: كالأمة قال بعض من لقيناه ولا يتخرج القول الأول فيما سبق من لحم الأضحية وما بعده؛ لأنه لم يبق له في أم الولد إلا المتعة وغيرها إذا أتلفه إنما أتلف أمرا ماليا ولذا قال كالحرة.
(ولا يجوز بيع اللحم بالحيوان من جنسه):
الأصل في ذلك ما خرجه مسلم وأبو داود عن سعيد بن المسيب أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نهى عن بيع اللحم بالحيوان من جنسه، وما ذكر الشيخ من أنه محمول على الجنس الواحد هو تفسير مالك بحديث وأخذ به وخصصه عبد الوهاب وابن القصار والأبهري وغيرهم من البغداديين بالحسي الذي لا يراد إلا للذبح وأجرى اللخمي قولاً بالجواز في الجنس إذا تبين الفضل من أجل أن مالكًا لم يطرد العلة، وقال بالمنع وإن ظهر الفضل مع كونه علل بالمزابنة.
وقال أبو حنيفو: لا يجوز بيع اللحم بالحيوان من جنسه، ومن غير جنسه، قال أبو عمر بن عبد البر: وعن أشهب نحوه والمعروف عنه كما قال مالك في المدونة: ذوات الأربع من الأنعام والوحش جنس والطير صغره وكبيره وحشيه وإنسيه جنس والحوت صغيره وكبيره جنس يجوز لحم كل جنس بحي ولا بأس بلحم الأنعام بالخيل وسائل الدواب ولو لأجل لأنها لا تؤكل لحومها.
وأما بالثعلب والضبع والهر، فقال ابن القاسم: هو عندي مكروه لكراهة مالك
أكلها دون تحريم ولا بأس بالجراد بالطيور وليس هو لحما، واختلف المذهب في الحي الذي لا تطول حياته كطير الماء أو لا منفعة فيه إلا كونه متخذا للحم كالخصي من المعز على قولين لمالك وأخذ ابن القاسم بالمنع وأشهب بالجواز ورجحه ابن عبد السلام بوجهين: أحدهما: أنه كالصحيح المراد للاقتناء؛ لأنه يصدق عليه أنه حيوان.
الثاني: لا يجوز بيعه باللحم إلا على قول من يجيزه بشرط التحري إذا فرعنا على ما اختار ابن القاسم فاختلف على قولين فيما إذا كانت تطول حياته أو كانت منفعته يسيرة، كالصوف في الخصي.
(ولا بيعتان في بيعة وذلك أن يشتري سلعة إما بخمسة نقدا أو عشرة إلى أجل قد لزمته بأحد الثمنين):
الأصل في ذلك ما في الموطأ وخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وصححه قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن بيعتين في بيعة قال أبو عمر بن عبد البر، ورد هذا الحديث من طرق صحاح، وتلقاه أهل العلم بالقبول وظاهر كلام الشيخ أنه لو كان بخمسة إلى أجل أو بعشرة نقدا أنه جائز، وهو كذلك؛ لأن كل عاقل يختار لنفسه ما هو يسير عليه، وهو ههنا خمسة إلى أجل، واختلف المذهب إذا قال: خذ الثوب أو الشاة بدينار إن شئت فروي أشهب جواز ذلك، وروي ابن القاسم لا يجوز واختلف أيضًا إذا اشترى على اللزوم ثوباً يختاره من ثوبين فأكثر على الجواز ولو اختلفت القيمة وهو مذهب المدونة.
وقال ابن المواز: إنه لا يجوز ولو اختلفت قيمتها وصفتها ما لم تتباين تباينا يجوز معه سلم أحدهما في الآخر، وقال ابن حبيب: لا يجوز حتى تكون مساوية غير مختلفة القيمة ولا خلاف في المنع إذا اختلفت الأجناس كحرير وصوف وهو آكد من بيعتين في بيعة لأنه بيع شيئين مختلفين بثمن واحد على اللزوم وسمع عيسى بن القاسم ولو اشترى عشرة يختارها من غنم بعد اشترائه عشرة منها كذلك قبل اختيارها جاز، ولو اشتراها غيره قبل اختياره لم يجز لأنه غرر.
قال ابن رشد: الفرق بينهما أنه يعلم ما يختار فلم يدخل في العشرة الثانية على غرر وغيره لا يعلم ذلك، وقال ابن المواز: يجوز ذلك لغيره كهو ووجهه أن الثاني علم
أن الأول لا يختار إلا خيارها وخيارها لا يخفى على ذي معرفة.
(ولا يجوز بيع التمر بالرطب ولا الزبيب بالعنب لا متفاضلا ولا مثلاً بمثل ولا رطب بيابس من جنسه من سائر الثمار والفواكه وهو مما نهي عنه من المزابنة):
ما ذكر الشيخ من أن التمر بالرطب لا يجوز هو المنصوص وخرج اللخمي فيه قولاً بالجواز من أحد القولين في بيع اللحم الطري باليابس ورده ابن بشير بأنا نمنع أن اليبس في اللحم حال كمال وإنما الكمال فيه حال الرطوبة فلا يطلب التيبيس فيه كما يطلب في الرطب فإن تيبيس الثمرة هو كمالها.
قلت: ورده بعض شيوخنا بأنه فاسد والوضع لأنه في معرض النص إذا خرج مالك في الموطأ وأبو داود أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سئل عن شراء التمر بالرطب فقال لمن حوله: " أينقص الرطب إذا جف" قالوا: نعم فنهي عن ذلك، ومثله قول خليل قياس فاسد الوضع لمقابلة النص واختلف المذهب هل يجوز بيع الرطب بالرطب أم لا؟ والمشهور جوازه.
وقال ابن عبد الحكم: لا يجوز لنقصه إذا جف قال ابن عبد السلام: وهو أجري على الأصل لأنه لا يتحقق مقدار ما ينقص كل واحد منهما، وأما الزيتون بالزيتون مثلا بمثل فإنه جائز نص عليه اللخمي قائلاً: وإن كان زيت أحدهما أكثر من الآخر وزعم ابن الحاجب الاتفاق عليه قال ابن عبد السلام: ولولا الاتفاق عليه لكان الأنسب المنع لأن المطلوب زيته، وهو غير معلوم التساوي بخلاف اللحم باللحم.
قلت: وأجابه بعض من لقيناه بأن الاتفاق على جواز القمح بالقمح وإن علم أن ريع أحدهما أكثر من الآخر مع أن القمح المقصود منه الدقيق بخلاف الزيتون فإنه كثيراً ما يؤكل كذلك، واختلف في طري الزيتون بيابسه بتحري النقص والمشهور منع القمح المبلول بمثله وجواز المشوي بالمشوي والقديد بالقديد، وقد علمت ما فرق به بينهما.
(ولا يباع جزاف بمكيل من صنفه ولا جزاف بجزاف من صنفه إلا أن يتبين الفضل بينهما إن كان مما يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه):
إنما جاز إذا بان الفضل لانتفاء وصف المزابنة؛ لأنه يصير حينئذ بيع معلوم معلوم من جنسه، واختلف في بيع الرطب باليابس إذا كانا ربوبيين على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أن ذلك ممنوع وهو دليل ما في سماع عيسى وأصبغ.
والثاني: أنه يجوز بشرط تحري المساواة وهو أيضًا في سماع عيسى.
الثالث: إن علم أحدهما أكثر جاز وإلا فلا وذهب فضل إلى رد القولين إلى الثالث.
(ولا بأس الشيء الغائب على الصفة):
ظاهر كلام الشيخ وإن كان حاضر البلد، وهو كذلك، وروى ابن المواز، وقال به أنه لا يجوز والقول الأول نص عليه في المدونة في غير ما موضع قال في آخر كتاب السلم الثالث منها، وإن بعت من رجل رطل حديد بعينه في بيتك برطلين من حديد في بيته قثم افترقتما قبل قبضه ووزنه جاز ذلك، وفي كتاب الرد بالعيب منها، وإن بعت من رجل سلعة حاضرة في بيتك أو في موضع قريب يجوز فيه النقد ووصفتها جاز ذلك ويريد الشيخ ما لم يبعد الغائب جدا نقله هو رحمه الله عن ابن حبيب، ونقله المازري غير معزو له كأنه المذهب ولم يحده بتعيين مسافة.
وقال ابن شاس كإفريقية من خراسان وظاهر كلام الشيخ أنه لو بيع الغائب دون وصف ولا تقدم رؤية أنه لا يجوز وإن كان على خياره عند رؤيته، وهو المعروف وهو نص المدونة وظاهر ما في السلم الثالث، منها جوازه، وأنكره ابن القصار والأبهري وعبد الوهاب لجهله حين العقد.
وقال بعضهم: إنها من بقايا أسئلة أسد لمحمد بن الحسن.
قلت: قال بعض شيوخنا: وهذا جهل لسماع سحنون أسئلتها من ابن القاسم حسبما هو مذكور في المدارك ونحوه قول خليل هو باطل؛ لأن نسبة الوهم بغير دليل إلى أسد وسحنون لا تجوز، وأما بيع الأعمى فقال المازري: إن كان بعد إبصاره أجناس المبيع وصفاته جاز وإن كان خلق أعمى فمنع الأبهري بيعه.
وأجازه القاضي عبد الوهاب، قلت: ويتعارض المفهومان فيمن عمي صغيرا بحيث لا يعلم أجناس المبيع وصفاته ونبه على هذا بعض شيوخنا، وألحقه ابن عبد السلام بالأصلي قال: وينبغي أن يكون هذا في الصفات التي لا تدرك إلا بحاسة البصر، وأما ما يدرك بغير ذلك من الحواس فلا مانع من أن يجوز بيعهما وشراؤهما لذلك قال: ولولا أنهم اتفقوا فيما قد علمته على صحة بيع الأعمى الذي تقدم منه إبصار وشرائه لكان النظر يقتضي أن لا يجوز ذلك.
(ولا ينقد فيه بشرط إلا أن يقرب مكانه أو يكون مما يؤمن تغيره من دار أو أرض أو شجره فيجوز النقد فيه):
ظاهر كلام الشيخ أن التطوح بالنقد جائز، وهو كذلك كنظائره من بيع الخيار، وعهده الثالث والمواضع وظاهر كلامه أيضًا أن القريب يجوز بالنقد فيه سواء كان حيوانا أو غيره، وهو أحد القولين فيهما.
أما الحيوان فحكى الخلاف فيه غير واحد، وأما القريب من غير الحيوان فزعم ابن الحاجب الاتفاق على الجواز وقبله ابن عبد السلام واعترضه بعض شيوخنا بأن في أول سماع يحيى بن القاسم من كتاب المرابحة لا يجوز لمن ابتاع طعامًا غائبًا بعينه أن يوليه أحداً ابن رشد يحتمل قوله هذا على القول أن النقد في الغائب، وإن قربت غيبته لا يجوز في المقدمات في جواز شرط النقد في العروض القريبة قولان ومثله لخليل قال لاختلاف قول مالك في قريب الغيبة ذكره ابن رشد، واختلف في حد القرب في الحيوان على خمسة أقوال: يوم ويومان ونصف يوم وبريد وبريدان، وظاهر كلام الشيخ أن الدور والأرضين يجوز اشتراط النقد فيهما، وإن بعدتا، وهو كذلك في المشهور.
ونقل ابن الحاجب منعه عن أشهب.
قال ابن عبد السلام، ولست أذكر الآن الموضع الذي حكي أشهب فيه مثل ما حكاه المؤلف، وأجاب بعض شيوخنا بأن ابن حارث نقله عنه قال: قال أشهب: إن كان بعيداً لم يجز النقد فيه كان المبيع داراً أو ما كان من شيء ولم يحفظه خليل إلا بنقل الباجي عنه، ولم يذكر كلام ابن عبد السلام.
(والعهدة في الرقيق جائزة إن اشترطت أو كانت جارية بالبلد):
يريد الشيخ أو يحمل السلطان الناس عليها، وما ذكره مع ما قلناه هي رواية المصريين، وروى المدنيون: يقضي بها في كل بلد وإن لم يعرفوها وعلى الإمام أن يحكم بها ولو على من جهلها وفي الموازية عن ابن القاسم: لا يحكم بها ولو اشترطوها ذكره ابن رشد.
قال اللخمي: ولو شرط أسقاطها حيث العادة ثبوتها فقيل: نسقط، وقيل: لا، ويتخرج قول بفساد العقد من فساد البيع بإفساد شرطه.
قلت: وأشار المازري لرده بأن ذلك في الشرط المتفق على فساده بخلاف المختلف فيه هنا والنفقة، والكسوة على البائع والغلة للمشتري على المشهور والشاذ للبائع وصوب، واختلف هل يلغى اليوم الذي وقع فيه البيع أم لا؟ على أربعة أقوال: فقيل: يلغي، رواه ابن القاسم، وقيل: لا يلغى بل يكمل من الرابع بقدر ما مضى منه رواه غيره، وقيل: إن عقد قرب طلوع الشمس حسب ذلك اليوم وإلا ألغي قاله ابن عبد البر.
وقيل: إن مر أكثر النهار ألغي وإلا حسب يومًا كاملاً حكاه عياض وتقدمت نظائره في القصر.
(فعهدة الثلاث الضمان فيها من البائع من كل شيء وعهدة الصفة من الجنون والجذام والبرص):
اعلم أن العهدة مخصوصة بالرقيق على المعلوم من المذهب وقول التادلي، وقيل: إنها في كل شيء لا أعرفه وكذلك أنكره بعض من لقيناه كما نقلته له.
(ولا بأس بالسلم في العروض والرقيق والحيوان والطعام والإدام بصفة معلومة وأجل معلوم):
السلم جائز بإجماع من حيث الجملة، واستدل ابن عباس على جوازه بقوله تعالى: (يأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمي فاكتبوه) [البقرة: 282]
الآية.
قال مالك: هذا لجميع الدين كله، واستشكل ابن عبد السلام رحمه الله تعالى الاستدلال بالآية من وجهين:
أحدهما: أن لفظ دين نكرة في سياق الثبوت فلا تعم ورده بعض شيوخنا بأنه في سياق الشرط فهي كالنفي فتعم ومثله لبعض من لقيناه قائلاً: نص على ذلك إمام
الحرمين في البرهان له.
الثاني: أن مقصود الآية إنما هو وجوب الكتب في أي دين ما وفي كل دين جائز لا أن كل دين جائز.
قلت: هذا بناء منه على الوجه الأول بنفي التعميم أما على ما اختاره غيره فالآية تدل على أن كل دين جائز إلا ما قام الدليل على تحريمه من غيرها، وفي الصحيح أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: " من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم"، وحده بعض شيوخنا بأنه عقد معاوضة بوجوب عمارته في ذمة بغير عين ولامنفعة غير متماثل العوضين وأحد شروط السلم معرفة الأوصاف التي تختلف فيها القيمة اختلافا لا يتغابن بمثله في السلم فلذلك لا يجوز السلم في تراب المعادن ولا يقال الصواب جوازه في تراب معادن الذهب كبيعه في أحد القولين لأن الصحيح في بيعه أنه خلاف في حال وذلك أن ابن حمدون منع بيعه واحتج بأنه تراب ذهب مختلط فإن صح فلا يخالفه غيره ولا يقال يتخرج منه الخلاف في جواز قسمته؛ لأن القسمة تمييز حق على الصحيح.
فإن قلت: هل يتخرج الجواز من قول ابن عبد السلام؟
قد قدمنا أن أهل المذهب اختلفوا هل يجوز قرضه أم لا قلت: لا يتخرج؛ لأن القرض معروف على أن قوله قد قدمنا أن أهل المذهب اختلفوا هل يجوز قرضه أم لا لم يذكره في البيع ولم يذكره فيما بعد في القرض فلا أدري أين ذكره ولا أعرفه من نقل غيره، وفي أخذه من كلام ابن يونس نظر في قوله قال يحيى بن عمر لا تجوز فسمته ولو جازت لجاز قرضه.
وقاله ابن عبد الحكم، ويحتمل أن يكون راجعا إلى ما قاله يحيى من عدم جواز قسمته لا إلى جواز قرضه والله أعلم.
ولا يجوز السلم في الربع على المنصوص وخرج بعض الشيوخ الجواز من قول أشهب يجوز السلم في فدادين القصيل، والبقول بصفة الطول والعرض والجودة والرداءة، وعبر المازري عن المنصوص بالمشهور مسامحة ورد التخريج بما حاصله أن إجازة أشهب السلم في القصيل على فدادين معلومة لا يلزم منه تعيين الموضع المشخص إذ لا أثر له في المبيع، وإنما أثره في علم قدر المشترى من القصيل بمجموع مسافته وصفاته وخفته.
قال الفاكهاني: ولو اكتفى الشيخ أبو محمد بقوله الحيوان لأجزأه عن ذكر الرقيق.
(ويعجل رأس المال أو يؤخره إلى مثل يومين أو ثلاثة، وإن كان بشرط):
المطلوب تقديم رأس المال خوف الكالئ بالكالئ فإن لم يقدم فجوز في المدونة تأخير ثلاثة أيام بشرط نص على ذلك في بيع الخيار منها وعليه واعتمد الشيخ، وقال عبد الوهاب إنما يجوز يومان لا أكثر وحكي ابن سحنون وغيره من البغداديين قولاً بأنه إذا وقع التأخير بشرط فإنه لا يجوز مطلقاً، وهو اختيار ابن الكاتب، وعبد الحق، وصاحب الكافي؛ لأنه ظاهر النهي عن الكالئ بالكالئ ولم يحك الباجي قول المدونة فاستدركه عليه ابن زرقون.
قال ابن يونس: قال بعض أصحابنا على القول بإجازة السلم إلى ثلاثة أيام لا يجوز تأخير رأس المال له اليومين ومثله لابن الكاتب.
وذكره الباجي غير معزو وكأنه المذهب وظاهر كلام الشيخ أنه إن تأخر أكثر من ثلاثة أيام لا يجوز سواء كان بشرط أو بغير شرط، وهو كذلك.
وقيل: إن كان بغير شرط جاز التأخير ولو إلى حلول الأجل والقولان معًا لابن القاسم، وأما إن حصلت صورة القبض حسا، ولو لم تحصل معني ففي مختصر ابن شعبان إذا وجد في رأس المال درهما ناقصًا انتقض من السلم بقدره.
قال ابن عبد السلام: وقد علمت أن هذا الباب أخف من الصرف باعتبار المناجزة فكل ما جاز في الصرف من هذا النوع كان متفقا عليه أي: ومختلفا فيه فيجوز في هذا الباب أحرى.
وأما إن اطلع على أن بعض رأس المال نحاساً أو رصاصًا أو زائفًا فالمنصوص أنه يجوز للمسلم إليه البدل.
وقال أشهب: لم يكونا عملا على ذلك وليس بخلاف ويجوز تأخير البدل الثلاثة الأيام لا أكثر، وقال أشهب: يجوز أكثر بشرط أن يبقى من اجل السلم اليوم واليومان ولو اطلع على زائف فأخره به بشرط أمد بعيد فإن عثر على ذلك بعد يومين أمر بالدبل وفسخ تراضيهما وإن لم يعثر على ذلك إلا بعد أيام كثيرة، فقال أبو بكر بن عبد الرحمن يفسد السلم كله.
وقيل لا يفسد إلا ما قابلة قاله أبو عمران.
(وأجل السلم أحب إلينا أن يكون خمسة عشر يومًا أو على أن يقبض ببلد آخر، وإن كانت مسافته اليومين أو ثلاثة):
اعلم أنه اختلف المذهب في أجل السلم على ستة أقوال:
أحدهما: مقدار ما تتغير فيه الأسواق دون تحديد قاله مالك، وقيل: حده خمسة عشرة يومًا قاله ابن القاسم، وهو الذي عول عليه الشيخ في قوله أحب ولفظة أحب على الوجوب، وهذان القولان في المدونة قال فيها ولا يجوز للرجل أن يبيع ما ليس عنده إلا أن يكون على وجه السلف مضمونا عليه إلى أجل معلوم تتغير فيه الأسواق ولم يحد مالك فيه حدا، وإن الخمسة عشر يومًا في البلد الواحد.
قلت: وكان بعض أشياخي من القرويين يرد قول مالك إلى قول ابن القاسم ويري أنه قصد به التفسير وهو ظاهر كلام ابن الحاجب لكونه لم يذكر قول مالك.
والصواب عندي حمله على الخلاف وهو اختيار ابن عبد السلام، وقيل: يجوز إلى يوم قاله ابن عبد الحكم، ورواه، وقيل: إلى اليومين قاله ابن وهب، وقيل: يجوز إلى خمسة أيام على ظاهر سماع عيسي بن القاسم في العتبية.
وقيل: يجوز إلى شهر لا أقل نقله المازري عن بعض الشافعية عن مالك، واستبعده وجمهور المذهب لم يحك خلافًا في منع السلم الحال ونقل ابن رشد عن سماع يحيى أن ذلك جائز، وذكره عياض في كتاب المرابحة عن مالك وعزاه المتيطي لرواية أبي تمام، ولم يحكه التونسي إلا بالتخريج من رواية ابن عبد الحكم بجوازه إلى يومين وعبد الوهاب من روايته إلى يوم وضعف بأن فيهما مطلق الأجل وأخذه غير واحد من قول المدونة في المرابحة يجوز البيع مرابحة والثمن عوض وأخذه بعضهم من الشفعة والثمن، وكذلك قال بعض شيوخنا والأخذ الأول أظهر بأن بيع المرابحة بيع اتفاقًا، والأخذ بالشفعة يشبه الاستحقاق وفي شراء الغائب من المدونة من له عرض دين فباعه من رجل بدنانير أو دراهم فوجد فيها نحاسًا أو رصاصًا فله بدله والرضا به والبيع في ذلك تام فظاهره.
وإن أحل وهو نفس السلم الحال قال: وأصرح منه قول هباتها وكل دين لك من عرض أو عين فلك بيعه من غير غريمك قبل محله وبعده بثمن معجل وظاهر كلام الشيخ إذا اشترط قبضه ببلدة أخري إنه لا يشترط تسمية الأجل ولا الخروج عاجلا، وهو كذلك نص عليه في الموازية.
وقال ابن أبي زمنين: يشترط أحدهما، واختاره ابن يونس ومراد الشيخ بالبلد إذا كانت بعيدة بحيث يكون تغيير الأسواق فيها لبعدها غالبا.
(ومن أسلم إلى ثلاثة أيام يقبضه ببلد أسلم فيه فقد أجازه غير واحد من العلماء وكرهه آخرون):
يعني: أنها إذا وقع السلم إلى ثلاثة أيام فاختلف فيه هل يمضي أم لا إلا أن في كلامه مسامحة وهو قوله أجازه، وكرهه، وأراد إمضاءه غير واحد وفسخه آخرون وعزا ابن يونس عدم الفسخ لأصبغ قائلاً: لأنه ليس بحرام ولا مكروه بين، وعزا الفسخ لمحمد قائلاً: أحب إلينا وعزاه غير واحد لأصبغ أيضًا، وهو ظاهر المدونة عند ابن رشد إلا أن ابن يونس صور المسألة فيما إذا وقع السلم إلى يومين وكلام الشيخ يقضي أن اليومين لا خلاف أنه يفسخ فيهما إلا أن يقال ما قارب الشيء له حكمه.
وقال الفاكهاني رحمه الله تعالى: روايته في هذا الموضع يقبضه بالمضارع وفي بعض النسخ فقبضه ماض، ويختلف المعنى لاختلاف الروايتين فعلى المضارع يكون المعني أنهما دخلا على ذلك وعلى الماضي يكون الأمر مبهما.
(ولا يجوز أن يكون رأس المال من جنس ما أسلم فيه):
اعلم أنه إذا أسلم الشيء في جنسه لا يخلو من ثلاثة أوجه:
الأول: إذا أسلمه في أزيد منه فهو سلف جر منفعة وهو لا يجوز.
قال ابن عبد السلام: وهذا بين على مذهبنا في اعتبار سد الذرائع، وأما من لم يعتبرها من أهل العلم فيجيزون التفاضل في العروض والحيوان نقدا أو إلى أجل، وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال: أمرني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن أجهز له جيشا فأمرني أن آخذ بشاتين وأمرني أن آخذ بعيرا ببعيرين.
الثاني: سلم الشيء في أقل منه فلا يجوز أيضًا؛ لأنه ضمان بجعل كبعيرين في بعير إلى أجل أو ثوبين في ثوب من جنسهما إلى أجل؛ لأن أحد الثوبين المعجلين عوض عن المؤجل.
وهو الثوب الثاني عن ضمان المؤجل، وذلك عوض عن المعروف وذلك لا يجوز بناء على اعتبار سد الذرائع.
الثالث: إذا أسلم الشيء في مثله صفة ومقداراً ففي ذلك قولان منعه في كتاب ابن المواز مطلقاً: وفي المدونة إن ابتغيت به نفع نفسك منه، وإن ابتغيب به نفع الذي أسلمت إليه جاز ولو أسلم رديئا في جيد أو العكس فإنه لا يجوز قاله في المدونة؛ لأنه ضمان يجعل وسلف وجر منفعة وفي المدونة يجوز سلم فرسين سابقين في فرسين ليسا مثلهما.
(ولا يسلم شيء في جنسه أو فيما يقرب منه إلا أن يقرضه شيئاً في مثله صفة ومقدارًا والنفع للمتسلف):
قال الفاكهاني رحمه الله: انظر لأي شيء كرر سلم الشيء في جنسه والذي يظهر أنه ليس بين الكلامين تفاوت لأن رأس المال إذا كان حديدا مثلاً وأسلمه في حديد أيضًا صدق عليه أن يقال: إن رأس المال من جنس ما أسلم فيه، وأنه أيضًا أسلم الشيء في جنسه.
واعلم أن مثل الأول كالحيوان المأكول اللحم إن لم يكن فيه عمل مقصود، ولا منفعة مقصودة فصغيره وكبيره سواء لا يجوز أن يسلم حجل في يمام وكالبقر لا يجوز أن يسلم بقرة في بقرتين إلا أن يسلم البقرة القوية على العمل الفارهة في الحرث وشبهها في حواشي البقر قاله في المدونة.
قال الباجي: تسلم البقرة القوية على الحرث في ذكور البقر اتفاقًا، وهو ظاهر قول ابن القاسم في الإناث، وحكي ابن حبيب أن المقصود كثرة اللبن فعلي ما ذكره يجوز سلم البقرة الكثيرة اللبن، وإن كانت قوية على الحرث في الثور القوي عليه.
وفي المدونة: لا يسلم الضان في المعز ولا العكس إلا غنما غزيرة اللبن موصوفه بالكرم فلا بأس أن تسلم في حواشي الغنم.
وقيل: إن كثرة اللبن في الغنم لغو قاله ابن حبيب، وغيره، ومثال الثاني كسلم البغال في الحمير وثوب القطن في الكتان المتقاربين، وفي ذلك قولان.
واختلف المذهب في سلم السيف الجيد في الردئ ففي المدونة الجواز وقال سحنون بالمنع، وهذا الفصل متسع جداً ومحله المدونة قال التادلي: ويقوم من كلام الشيخ افتقار القرض لأن يكون بلفظه وفيه قولان، ويؤخذ منه جواز اشتراط ما يوجبه الحكم من قوله في مثله صفة ومقداراً لأن الصفة والمقدار مما يوجبه الحكم وإن لم يقع العقد عليهما في القرض، واختلف في فساد العقد به إن وقع واشترط على ثلاثة أقوال ثالثها: يمنع في الطعام فإن وقع فسخ.
(ولا يجوز دين بدين):
اعلم أن حقيقة بيع الدين بالدين أن تتقدم عمارة الذمتين أو إحداهما على المعاوضة كمن له دين على رجل، وللثاني دين على ثالث وللثالث دين على رابع فباع كل واحد من صاحبي الدين ما يملكه من الدين بالدين الذي على الآخر، وكذلك لو
كان لرجل على رجل دين فباعه من ثالث بدين.
(وتأخير رأس المال بشرط إلى محل السلم أو ما بعد من العقدة من ذلك):
اعلم أن هذا يسمي عند أهل المذهب ابتداء الدين بالدين وهو إذا لم تعمر الذمة إلا عند المعاوضة والبعد الذي أراد الشيخ إذا كان أكثر من ثلاثة أيام على حسب ما تقدم قبل هذا.
(ولا يجوز فسخ دين في دين وهو أن يكون لك شيء في ذمته فتفسخه في شيء آخر لا تتعجله):
اعلم أن فسخ الدين في الدين هو أن يكون الدينان من جنس واحد والذي يفسخ فيه أكثره ويكونان من جنسين مختلفين وذلك إذا باع دينه من الذي هو عليه.
وكلام الشيخ فيه تقديم التصديق على التصور وقد علمت ما فيه وظاهر كلامه سواء كان الذي فسخه فيه مضمونا أو منافع فأما المضمون فلا خلاف فيه وكذلك المنافع غير المعينة وأما المنافع المعينة كمن له دين على رجل ففسخه في ركوب دابة معينة فاختلف في ذلك، والمشهور قول ابن القاسم أنه لا يجوز وأجازه أشهب، وقيل: إنه جائز إذا كان العمل يقتضي قبل الأجل أو إلى الأجل، وأما إن كان يتأخر بعد الأجل لم يجز وهذا معنى ما قاله مالك في كتاب محمد، وكذلك اختلف ابن القاسم وأشهب في بيعه بدار غائبة أو بجارية تتواضع أو بثمرة يتأخر جدادها.
قال في المدونة: ومن لك عليه ألف درهم حالة فاشتريت منه بها سلعة حاضرة بعينها فلا تفارقه حتى تقبضها فإن دخلت بيتك قبل أن تقبضها فالبيع جائز، وتقبضها إذا خرجت، وقال في البيوع الفاسدة وكل دين لك على رجل من دين بيع أو قرض
فلا تفسخه عليه إلا فيما تتعجله فإن أخذت به منه قبل الأجل أو بعده سلعة معينة فلا تفارقه حتى تقبضها وإن أخرتها لم يجز.
قال عياض: قال سحنون: مسألة هذا الكتاب خير من الأخرى وقاله يحيى بن عمر، وذهب إلى أنه اختلاف من قوله، وذهب فضل وابن أبي زمنين والاندلسيون إلى الفرق بينهما، وأن الأولى حاضرة المجلس كما نص عليه في الكتاب فصارت في ضمان المشتري لحضورها والأخرى لم يحضر ولم يدخل في الضمان وبقيت في ضمان البائع فصارت ذمة بذمة وتأول القرويون المسألة على غير هذا وخطئوا هذا التأويل قالوا: لأن ما يسقط الضمان هنا لا يتنزل منزلة القبض كما أنه لا يجوز له أن يأخذه في دينه عقارا غائبا، وإن دخل في ضمانه بالعقد.
قالوا: إنما الفرق بينهما قرب أمد هذه المسألة إنما هو دخول البيت ودخول البيت، والخروج منه قريب، ومسألة البيوع الفاسدة بعد أمد التفريق بينهما.
(ولا يجوز بيع ما ليس عندك على أن يكون عليك حالا):
قد قدمنا أن السلم الحال لا يجوز على المشهور المنصوص وهذا ما لم يكن الغالب وجوده عند المسلم إليه فإن كان الغالب وجوده فإنه يجوز أن يسلم إليه على الحلول إجراء له مجرى النقد كالقصاب والخباز الدائم، وأخذ اللخمي منه جواز السلم على الحلول وأجيب بأنه إنما أجيز هنا لتيسره عليهم بخلاف غيرهم.
(وإذا بعت سلعة بثمن مؤجل فلا تشترها بأقل منه نقدا أو إلى أجل دون الأجل الأول ولا بأكثر منه إلى أبعد من أجله، وأما إلى الأجل نفسه فذلك كله جائز وتكون مقاصة):
قال ابن الحاجب: بيوع الآجال لقب لما يفسد بعض صوره منها لتطرق التهمة فإنهما قصدا إلى ظاهر جائز ليتوصلا به إلى بطن ممنوع حسما للذريعة، واعترضه ابن عبد السلام بأنه غير مانع لقوله هذا الكلام وإن كان شاملا لبياعات الآجال إلا أنه يدخل تحته كثير من البياعات الممنوعة عند أهل المذهب وإن لم تكن من بياعات الآجال كصرفك فضة رديئة من رجل بذهب ثم تشتري منه بذهب فضة طيبة هي دون الأولى في الوزن وذلك في مجلس واحد، وفي مجلسين متقاربين، ومثل هذا في الأطعمة كثير وكاقتضاء الطعام من الطعام المخالف له في القدر الجنس وغير ذلك مما لا يحصى كثرة في المذهب.
وأجاب الشيخ خليل بأن في صدر الكلام ما يخرج ما ذكره لان قوله لقب لما يفسد معناه لقب لصور مخصوصة من بيوع الآجال يفسد بعضها للتهمة، وتلك الصور المخصوصة مذكورة في الباب، وليست الصورتان وشبههما منها وذكر أهل المذهب طرقا في الدليل على اعتبار سد الذرائع وأحسنها أن الأمة اجتمعت على المنع من بيع وسلف، وذلك أن البيع على انفراد جائز إجماعا، وكذلك السلف على انفراده إجماعا، والإجماع على المنع من اجتماعها في عقد واحد فإذا ثبت ذلك فالمنع ليس لأجل هذا العقد، وإنما هو للهيئة الاجتماعية، وليس ذلك المنع لذاتها لأن الأحكام الشرعية إنما تتبع غالبا فيتعين أن يكون الحكم بالمنع تابعًا للصفة في هذا العقد، ولا معنى بعد البحث إلا ما يتقى في هذا العقد أن يكون أسقط شيئًا من الثمن أو زيد فيه لأجل انضمامه وهذا هو القول بسد الذرائع من حيث الجملة، فلم يبق بعد ذلك نظر إلا في تحقيق الذريعة فحيث تحققت منع منها.
ولابن عبد السلام اعتراضات على هذا الدليل لم أذكر كلامه لطوله، وقد أكثر أهل المذهب الكلام في هذا المذهب وهو من أصعب كتب المالكية ولا سيما من ابن الحاجب، لقت أخبرني بعض من لقيناه عن شيخه القاضي الحافظ أبي العباس أحمد بن حيدرة رحمه الله أنه كان يأمر طلبته أن لا ينظروا على كلام ابن الحاجب في هذا الباب شيئا لابن عبد السلام ولا غيره فلما أخذ مرة يقرر كلامه في بياعات أهل العينة، قال كلامه مجحف هنا فيما قال ابن عبد السلام عليه فقالوا: إنما لم ننظره امتثالا لأمرك فأمر القارئ بالوقف وأمرهم أن ينظروا كلام الشيخ وأقرأهم المسألة من الغد.
(ولا بأس بشراء الجزاف فيما يوزن أو يكال سوي الدنانير والدراهم ما كان مسكوكا وأما نقار الذهب والفضة فذلك فيهما جائز):
ظاهر كلام الشيخ، وإن قل الطعام وحضر المكيال أن الجزاف جائز وهو كذلك نص عليه ابن حارث ويشترط في الجزاف أن يكون المتبايعان عالمين بالحواز وجاهلين بقدر المبيع من كيله أو وزنه أو عدده.
قال المازري: ولا يصح ما في كتاب ابن حبيب من جواز الجزاف في الأترج والبطيخ وإن اختلفت آحاده بالصغر والكبر، لأنه تقصد آحاده فيمتنع لذلك إلا أن يكون الثمن عند المتعاقدين لا يختلف باختلاف صغره وكبره فإن علم البائع بقدر المبيع أو علم المشتري به عند الشراء فلا يجوز ذلك وإن رضي به.
ونقل ابن زرقون عن سحنون جوازه، ولو لم يظهر ذلك للمشتري إلا بعد البيع فإنه بالخيار بين إمضائه وفسخه، وذهب الأبهري إلى تحتم الفسخ، قال المازري: وهو ممن انفرد به وناقض ابن القصار قولهم: إنه بالخيار إذا اطلع عليه مع قولهم ذكره في العقد مانع من الخيار بل يتحتم الفسخ وأجابه عبد الوهاب بأن العيب قد يكون ذكره في العقد يوجب فسادا؛ لأنه يوجب غرراً بخلاف إذا اطلع عليه بعد البيع فإنه كالعيب كما قال سحنون فيمن باع أمة وشرط أنها مغنية: إن البيع فاسد ولو اطلع على ذلك بعد لم يفسد وكان له الخيار وتتم خليل قول سحنون بما إذا كان القصد من ذلك زيادة الثمن ولو كان القصد التبري فإنه جائز.
وظاهر كلام الشيخ أن الدنانير والدراهم لا يجوز بيعها جزافا سواء كان التعامل بها وزنا أو عددا، وهو أحد الأقوال الثلاثة، وقيل: إنه يجوز بالإطلاق، قاله ابن عبد السلام، وقيل: إن كانت التعامل بها وزنا جاز وعددا لا يجوز وهو المشهور وظاهر كلامه أن الفلوس يجوز بيعها جزافا، وليس كذلك بل حكمها حكم النقدين قاله ابن بشيرة وغيره.
(ولا يجوز شراء الرقيق والثياب جزافا، ولا ما يمكن عدده بلا مشقة جزافا):
يؤخذ من كلام الشيخ أنه يمتنع الجزاف في كبير الحيتان؛ لأنه مما يمكن عدده بلا كبير مشقة، وهو كذلك نص عليه في كتاب ابن المواز، ويدخل فيه الخشب المجموع بعضها على بعض؛ لأنه مما يخف عدده.
(ومن باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع، وكذلك غيرها من الثمار):
ما ذكر الشيخ من أن النخل إذا أبرت هي للبائع هو المذهب ما لم يكن لفظ يدل على دخول الثمرة فتكون للمشتري كالنص.
قال ابن عات عن ابن عتاب: أفتى ابن الفخار فيمن باع ملكًا في قرية، وفي الملك شجرة زيتون طاب ثمرها، ولم يشترطه المبتاع إلا أن في الوثيقة اشترى فلان من فلان جميع ما حوت أملاكه من الأرض والشجر ولم يذكر الثمرة فطلب المبتاع أخذها أنها له واحتج بأن الشجر نفسه لو لم يذكر في الابتياع لدخل فيه وتبع الأرض فإذا دخلت الأصول في الشراء فأحرى الثمرة.
وقال ابن عات: ولم يذكر ذلك رواية ولم يسأل عنه إذا كان لا يجتر أعلى سؤاله، وكان حافظا ذاكرا للرواية، ولم أزل أطلب ذلك.
رواية فلما امتحنت بالفتوى، ونزلت هذه المسألة في دار بيعت وفيها نخلة
مزهية فأفتيت بما كنت سمعته منه وخولفت في ذلك ولم أزل أطلبها إلى أن ظفرت بها في كتاب الشروط لابن عبد الحكم قال: ومن الناس من يقول من اشترى داراً بما فيها وفيها نخلة فالثمرة للمشتري ولو طابت.
وأما نحن فنجعل ذلك للبائع إلا أن يشترطه المبتاع تبعًا للسنة.
قال ابن عادت: والذي أقول به ما شهدت به الفتوي ونفذ به الحكم.
قلت: واعترض بعض شيوخنا كلامه بأن ظاهر قوله وظفرت بها بأنه ظفر بما يوافقه، وحاصل ما ذكر أنه ظفر بما يخالفه.
وقال المتيطي: والمشهور من المذهب والمعمول به أن الثمار المأبورة لا تندرج في الشجر.
وقال ابن الفجار: هي للمبتاع، واحتج بأن الشجرة لو لم تذكر في الابتياع لدخلت فيه، وكانت تبعاً للأرض.
وقال ابن عات: وبه كنت أفتي.
قلت: ووهمه بعض شيوخنا من وجهين:
أحدهما: أن تصور مثل هذا فاسد؛ لأنه قياس في معرض النص والإجماع على بطلانه، وروى مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: " ومن اتباع نخلا بعد أن أبرت فثمرها للذي باعها إلا أن يشترطه المبتاع"، وهو في الموطأ والترمذي وغيرهما.
الثاني: فهمه قولي الشيخين على ذلك، وليس كذلك في مسألتي الأرض والدار لخاصية فيهما، وهي اشتمالهما على لفظ دل على اشتراط المبتاع الثمرة لأن مسألة ابن الفخار هي من باع جميع ما حوته أملاكه، ولفظ جميع ما احتوته أملاكه كالنص في دخول الثمرة وكذلك مسألة ابن عات لقوله ونزلت هذه المسألة وأجابه بعض من لقيناه بأن احتجاج ابن الفخار يدل على إلقاء وصف معني جميع ما احتوته أملاكه إذا لم يعمل به.
(والإبار التذكير):
وهو عبارة عن ثبوت ما يثبت وسقوط ما يسقط.
وقيل: هو جعل الذكار في النخل.
(وإبار الزرع خروجه من الأرض):
ما ذكر الشيخ صرح المتيطي بأنه المشهور وهو أحد الأقوال الخمسة، وقيل:
إباره بذره في الأرض نقله ابن عبد البر عن مالك، وقيل: أن يستقل ويبرز.
حكاه ابن رشد، وقيل: إذا أخذه الحب ووقع في الأسدية وهو أحد قولي ابن عبد الحكم، وقيل: هو إذا سنبل حكاه التادلي.
(من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع):
ما ذكره الشيخ صحيح لا أعلم فيه خلافًا، وأخرج أهل المذهب ثياب مهنة العبد في كونها للمشتري لأجل العرف، واختلف إذا اشترط البائع ثياب المهنة لنفسه هل يوفي بالشرط، وهي رواية ابن القاسم أو يبطل الشرط، وهي رواية أشهب، وقال ابن مغيث في وثائقه، وبه مضت الفتوى عند الشيوخ المتيطي وغيره، وهذه إحدى المسائل الست التى قال مالك فيها بصحة البيع، وبطلان الشرط.
وثانيها: من اشترى أرضًا بزرعها الأخضر على أن الزكاة على البائع.
وثالثها: البيع على أن لا مواضعة على البائع.
ورابعها: البيع على أن لا عهدة عليه.
وخامسها: البيع على أن المبتاع إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا فلا بيع بينهما.
وسادسها: اشترط عدم القيام بالجائحة.
قال ابن عبد السلام خلافًا لما في السليمانية من أن البيع جائز، والشرط جائز واعترضه خليل بنقل اللخمي عنها أن البيع فاسد وزاد سابعة وهي إذا اشترط على المشتري ما لا غرض فيه ولا مالية فإنه يلغى.
اعلم أن مال العبد بالنسبة إلى بيعه به كالعدم على المعروف فيجوز أن يشتري بالعين وإن كان ماله عينا، واختار اللخمي اعتباره وكأنه هو الأقرب لقصد الناس إليه، وعلى الأول فقال عبد الحق لو كان في ماله جارية حامل منه واستثناها مبتاعها فإنها تتبعه ويبقي ولدها لبائعها ويصلح بيعه كما لو كان ماله عبداً آبقًا أو بعيرا شاردًا واختلف المذهب إذا اشترى العبد أو لا ثم أراد أن يشتري ماله فقل: يجوز كما يجوز به شراؤه معه قاله ابن القاسم.
وقيل: لا رواه أشهب وقيل بالأول إن قرب، وبالثاني: وإن بعد قاله ابن القاسم أيضاً حكي هذه الأقوال الثلاثة ابن رشد قائلاً: رجعت عن جعل الثالث مفسرا للأولين وأن الخلاف في القرب لا في البعد إلى كون الأقوال ثلاثة وفي كتاب العيوب سمع ابن القاسم لا والله لا يجوز لمشتري حائط أبرت ثمره اشتراء ثمرته بعده كاستثنائها مع أصلحا قبل بدو صلاحها.
وحصل ابن رشد فيها ثلاثة أقوال كما تقدم.
(ولا بأس ما في العدل على البرنامج بصفة معلومة):
البرنامج بفتح الباء وكسر الميم وما ذكر الشيخ من أنه جائز هو نص الموطأ والمدونة وغيرهما، وروي ابن شعبان: انه لا يجوز ونقل العتبي عن أصبغ.
قلت لابن القاسم من ابتاع قلل خل مطينة لا يدري ما فيها ولا ملأها قال: إن كان مضى عليه عمل الناس أجزأته كأنه لا يرى به بأسا.
وقال أصبغ: لا بأس به؛ لأن فتحه فساد أصلاً وذوق واحد منه وبيعه عليه صواب.
وقال ابن رشد: جوازه على الصفة من خل طيب أو وسط كجواز بيع البرنامج والثواب الرفيع الذي يفسده النشر على الصفة.
وقوله: مطينة لا يدري ملأها ملأها أي لا يدري هي هل ملأى أو ناقصة فلذلك لا يجوز لأنه بيع جزاف غير مرئي.
(ولا يجوز شراء ثوب ولا ينشر ولا يوصف أو في ليل مظلم لا يتأملانه ولا يعرفان ما فيه):
قال ابن المواز: اختلف قول مالك هل يجوز بيع الساج المدرج في جرابه على الصفة أم لا؟ على قولين:
قلت: وحكى التادلي قولاً ثالثًا بالفرق بين أن يخرج طرفه فيجوز وإلا فلا، وما ذكره لا أعرفه، ولا يشبه قول ابن عبد البر بيع الثوب في طيسه دون أن ينظر إليه لا يجوز عند الجميع؛ لأنه من معنى بيع الملامسة فإن عرف ذرعه طولا وعرضا ونظر إلى الشىء منه، واشتري على ذلك جاز فإذا خالف كان له القيام كالعيب؛ لأنها مسألة أخرى ولذلك لم يحك فيه خلافاً، وعرضت هذه على بعض من لقيناه فأقره واستحسنه.
وقال اللخمي: إن كان لا مضرة في إخراجه من جرابه جري على الخلاف في بيع الحاضر على الصفة وإن كان فيه مضرة جرى على الخلاف في بيع البرنامج قال المتيوى وقول الشيخ في ليل مظلم يدل على الجواز في ليل مقمر وأباه أبو محمد صالح وتمسك بقول المدونة ولا يجوز شراء في ليل ولم يقيده.
(وكذلك الدابة في ليل مظلم):
قال التادلي: الحيوان المأكول اللحم يجوز شراؤه ليلا؛ يدرك سمنه باللمس قال: ويقوم من هنا أنه لا يجوز شراء الأعمي.
قلت: وقد قدمنا الخلاف فى ذلك على نقل المازرى، وما يتعلق به فانظره.
(ولا يسوم احد على سوم أخيه، وذلك إذا ركنا وتقاربا لا في أول التساوم):
الأصل في هذا ما خرجه مالك ومسلم وأبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: " لا يبع بعضكم على بيع بعض".
قال ابن حبيب: إنما النهي للمشتري لا للبائع، وقال الباجي: يحتمل حمله على ظاهره فيمنع البائع أيضا أن يبيع على بيع أخيه، وإنما خصصه ابن حبيب بالمشتري؛ لأن الإرخاص مستحب مشروع وما ذكره الشيخ من أن معناه إذا ركنا وتقاربا هو معنى قول مالك في الموطأ، وإنما النهي إذا ركن البائع للسائم وجعل يشترط وزن الذهب والتبري من العيوب وشبه ذلك ما يعرف به أن البائع إنما أراد المبايعة للسائم.
وقول الشيخ على بيع أخيه طردي لنقل الباجي عن رواية ابن المواز الذمي كالمسلم واختلف إذا وقع هل يفسخ أم لا؟ على ثلاثة أقوال: فقيل: يفسخ مطلقا وقيل: عكسه رواه ابن حبيب وحكاه ابن يونس عن ابن القاسم، وقيل: يفسخ ما لم يفت قاله ابن عبد البر، وسمع سحنون بن القاسم عن أبي القاسم يؤدي فاعل ذلك فأطلقه ابن رشد، وابن يونس، وقال الباجي لعله يريد من يتكرر منه ذلك بعد الزجر.
قلت: وهذا كالنص في أن النهي محمول على التحريم، وقول التادلي قيل: محمول على الكراهية وقيل: على التحريم لا أعرفه وقول ابن وهب يزجر ولا يؤدب وإن كان عالما بمكروهيته ولا يثبته؛ لأنه أراد تحريمه بقوله يزجر، وكذلك قول مالك لا يفسخ لقوله وليستغفر الله.
(والبيع ينعقد بالكلام وإن لم يفترق المتبايعان):
ما ذكر الشيخ هو المشهور قال ابن شاس، وابن الحاجب، وبه قال الفقهاء السبعة واعترضه خليل بأن سعيد بن المسيب هو من الفقهاء السبعة بلا خلاف وهو قائل بخيار المجلس كقول ابن حبيب لا ينعقد البيع إلا بعد الافتراق من المجلس ذكره المازري، وصاحب الإكمال وتلكم الناس في قول مالك بسبب مخالفته للحديث مع كونه رواه حتى قال ابن أبي ذئب فيه على طريق المبالغة إن لم يرجع عن قوله يضرب عنقه، وقد أطال المازري في الاعتذار عن مالك فمن شاء فلينظره ولا خصوصية لقول الشيخ ينعقد بالكلام بل وكذلك بالمعاطاة والإشارة قاله التادلي.
(والإجازة جائزة إذا ضربا لذلك أجلا وسميا الثمن):
قال بعض شيوخنا: الإجازة بيع منفعة ما يمكن نقله غير سفينة ولا حيوان لا يعقل بعوض غير ناشئ عنها بعضه يتبعض كتبعضها فيخرج كراء الدور والسفن والرواحل والقراض والمساقاة والمغارسة والجعل، وقول عبد الوهاب هي معاوضة على منافع الأعيان لا يخفي بطلان طرده، ونحوه قول عياض بيع منافع معلومة بعوض معلوم.
قال محمد بن المواز: هي جائزة إجماعا قال ابن يونس: وخلاف الأصم فيها كالعدم؛ لأنه مبتدع، واستدل غير واحد على جوازها بقوله تعالى: (فإن أرضعن لكم فأتوهن أجورهن) [الطلاق: 6]
، وقال تعالي (على أن تأجرني ثمني حجج) [القصص: 27]
وقال تعالي: (ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا) [الزخرف: 32]
، وقال صلى الله عليه وسلم: " من استأجر أجيرا فليعلمه أجره ".
وقال: "أوفوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه"، وهي من العقود اللازمة باتفاق وظاهر كلام الشيخ إذا لم يسميا الثمن لم يجز وهو كذلك إلا أن يكون العرف لا يختلف فيجوز وفي سماع ابن القاسم لا بأس باستعمال الخياط المخاط الذي لا يكاد يخالف مستعمله دون تسمية أجر إذا فرغ أرضاه بشيء.
قال ابن رشد: لأن الناس استأجروه كما يعطي الحجام والحمامي، والمنع منه حرج في الدين وغلو فيه وكره النخعي أن يستعمل الصانع إلا بشيء معلوم، وقاله ابن حبيب.
(ولا يضرب في الجعل أجل في رد آبق أو بعير شارد أو حفر بئر أو بيع ثوب ونحوه ولا شيء له إلا بتمام العمل):
قال ابن رشد: الجعل جعل الرجل جعلا لرجل على عمله أن لم يكمله لم يكن له شيء، وانتقده بعض شيوخنا بالقراض وحده بأن قال معاوضة على عمل آدمي يجب عوضه بتمامه لا بعضه ببعض فتخرج الإجازة والمساقاة لاستحقاق بعضها ببعض فيهما والقراض لعدم وجوب عوضه لجواز تجره ولا ربح.
واستدل غير واحد لجواز الجعل بما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: انطلق نفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا بكل شيء فلم ينفعه شيء فقال بعضهم: لو أتينا هذا الرهط الذين أضافونا لعل أن يكون عندهم بعض شيء فأتوهم فقالوا: أيها الرهط: إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء فلم ينفعه شيء فهل عندكم من شيء؟ فقال بعضهم: إني والله لأرقي، ولكن الله لقد استضفناكم فلم يضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم فانطلق فتفل عليه، وقرأ الحمد لله رب العالمين إلى آخرها فقام فكأنما نشط من عقال فقال: فانطلق يمشي وما به علة قال: فأوفوهم جعلهم الذي جاعلوهم عليه فقال بعضهم: اقسموا، وقال بعضهم: لا تفعلوا حتى نأتي النبي (صلى الله عليه وسلم) فنذكر الذي كان فننظر ما يأمر به فقدموا على رسول الله (صلي الله عليه وسلم) فذكروا له ذلك فقال: " وما يدريك أنها رقية " ثم قال: " قد أصبتم اقسموا واضربوا لى معكم بسهم – وضحك رسول الله (صلىالله عليه وسلم) - ".
قال بعض شيوخنا: وفي الاستدلال به على الجعل نظر لجواز أن يكون إقراره عليه الصلاة والسلام إياهم على ذلك لاستحقاقهم إياه الضيافة فأجاز لهم استخلاص ذلك بالرقية.
قلت: لا نظر فيه؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام: " وما يدريك أنها رقية " مع قوله عليه الصلاة والسلام: " إن أحق ما أخذتهم عليه أجرا كتاب الله " يقتضي صرف ما أخذوه للرقية، ولا خلاف في جوازه فيما قل، واختلف فيما كثر فنقل ابن رشد عن المذهب الجواز.
قال: وقول عبد الوهاب وغيره بمنعه غير صحيح.
قلت: قال بعض شيوخنا والروايات عامة فإن اشتراط الجعل على البيع تسمية الثمن أو تفويضه للمجعول له وهو نقل ابن رشد، وابن يونس عن المذهب فيجب تقييد المدونة بجواز الجعل في بيع قليل السلع بالبلد سموا لها ثمنا أم لا بالتفويض له فيه.
قال ابن يونس عن بعض القرويين معنى قول المدونة لا يجوز الجعل على بيع كثير السلع والدواب: أنه لا يأخذ شيئًا إلا ببيع جميعها وهو عرفهم، ولو كان على ما باع فله قدره من الجعل أو على أنه إن شاء ترك وسلم الثياب جاز وكذلك قوله يجوز
الجعل على شراء كثير السلع يريد لأنه كلما اشترى أخذ بحسابه وهو عرفهم ولو كان لا يأخذ شيئًا إلا بعد شراء الجميع لم يجز ابن يونس، ونحوه لابن المواز.
(والأجير على البيع إذا تم الأجل ولم يبع وجب له جميع الأجر وإن باع في نصف الأجل فله نصف الإجارة):
قال ابن يونس في المدونة: من آجر من يبيع له متاعه شهرا فباعه قبل الشهر فليأته بمتاع آخر لبيعه له لتمام الشهر.
قال محمد بن المواز: هذا إن لم يكن متاعا بعينه، وكذلك القمح وغيره ويجوز فيه النقد والمعين لا يجوز فيه النقد، وإن باع في نصف الأجل فله بحسابه.
قلت: ولهذا قال التادلي يريد الشيخ بيع المعين كالدابة لا المضمون قائلاً، وظاهره شرط فيه الخلف أم لا وهو المشهور وقيل: لابد من اشتراط الخلف فيها، وإلا فهي فاسدة.
واعلم أنه اختلف المذهب إذا باع رجل نصف ثوب على أن يبيع مشتريه باقيه لبائعه هل يجوز أم لا؟ على أربعة أقوال: فقيل ذلك جائز مطلقاً، قاله في الموطأ، وبه قالابن لبانة.
وقيل: لا يجوز وقاله ابن المواز، وقيل: إن ضرب أجلا للبيع جاز وإلا فلا، وهو المشهور وكلا هذين القولين في المدونة عن مالك وقيل: إن ضرب الأجل كره وإلا جاز رواه في مختصر ما ليس في المختصر، وحمل بعض شيوخنا الكراهة على التحريم، وهو ظاهر كلام ابن الحاجب لقوله: ورابعها عكسه، وفي المدونة: تجوز الإجارة على بيع سلع كثيرة على أنه بالخيار شهرا ولا ينقد بشرط.
قال ابن يونس: يريد ولا تطوعا، وقال بعض المغاربة: يجوز مع التطوع، وقال سحنون: إنما يجوز خيار ثلاثة أيام فقط، وقال حمديس: بل إذا كان شهراً فسدت ومعنى المدونة بعتها على حساب الشهر كذا.
وقيل: معناها أنه بالخيار ما لم يعمل قاله القابسي.
قلت: ومن هذا أخذ بجواز الكراء على قبول الزيادة مطلقاً، وقال شيخنا أو مهدي عيسي الغبريني أيده الله تعالى: الصواب تحريمه فيما يكثر الغرر فيه وذلك في الحمامات، والأفران والكوش فإن معظم كرائها إنما هي للأعياد فيزاد على المكتري قرب الموسم فيلحقه في ذلك ضرر شديد.
(والكراء كالبيع فيمايحل ويحرم):
قال التادلي: ما ذكر الشيخ ليس على إطلاقه فإن الكراء على وجهين: مضمون ومعين، فالمضمون كدابة مكتراة وهو جائز نقدا وإلى أجل إذا شرع في الركوب وإن لم يشرع في الركوب كالكراء في سفر الحج في غير وقته فإنه لا يجوز وإلا بالنقد؛ لأنه سلم، وقد أرخص مالك في دفع الدينار والدينارين ويتأخر الباقي إلى أن تشرع في الركوب، واختلف في جواز ذلك لغير الحاج على قولين وهذا بخلاف البيع؛ لأنه دين بدين والمعين كالدابة يسلمها إليه بعينها وفي تعيينها بالإضافة كدابتك قولان فيجوز كراؤها بنقد أو إلى أجل إذا شرع في الركوب وإن لم يشرع فإن تأخر يسيرا فقولان.
وحد اليسير: وقيل: عشرة أيام، وقيل: أقل من ذلك.
(ومن اكترى دابة بعينها إلى بلد فماتت انفسخ الكراء فيما بقي وكذلك الأجير يموت والدار تنهدم قبل تمام مدة الكراء):
اعلم أن الموت وصف طردي والمراد إذا تعذر السفر بها كما إذا مرضت أو استحقت أو سرقت وكذلك رجوعه لخوف الطريق أو لحمل واد، واختلف إذا غصب المكترى من يد مكتريه هل له في ذلك مقال أم لا فقيل له ذلك، ويسقط عنه الكراء من حينئذ قاله مالك في سماع ابن القاسم.
وقيل بل هي جائحة نزلت بالمكترى نقله ابن الحارث عن سحنون واختار: إن قصد الغاصب غصب الرقاب فالأول وإن قصد غصب المنافع، فالثاني وضعف، وقيل: إن المصيبة من المكتري إلا أن يكون سلطانا ليس فوقه سلطان لايمنعه منه إلا الله تعالى قاله ابن القاسم، وعبد الملك في المجموعة وجعله ابن رشد تفسيرًا السماع ابن القاسم قائلاً: لأنه عن أخرجه من يقدر على الامتناع منه فرفعه لم يمنعه منه فلم يفعل فكأنه أسلم ذلك إليه قال ابن عبد السلام وينبغي أن يكون ذلك مقصورا على ما إذا غصبت المنفعة أو الرقبة بعد قبض المكتري إياها وأما لو كان ذلك قبل القبض فتكون المصيبة من المكتري؛ لأن المكتري لم يتمكن من القبض ولو أقر المكتري بقبضه المكتري فإنه لا يقبل ذلك منه قاله ابن شاس وابن الحاجب.
وأخذه بعض شيوخنا من قول المدونة إذا أقر الراهن بجناية العبد الرهن بعد رهنه لا يقبل على المرتهن قائلاً: ويخير المقر له بغصب العبد المكترى في إمضاء الكراء فيستحق ما أكرى به في تضمينه قيمة العبد إن طالت مدة إجارته لا مطلقاً خلافاً لبعضهم وما ذكر الشيخ من فسخ الكراء في انهدام الدار صحيح إذا كان مما يضر به.
وأما إذا كان خفيفا كالشرافات فكالعدم قاله في المدونة وظاهر كلام الشيخ: أن رب الدار لا يجبر على الإصلاح، وهو كذلك عند ابن القاسم، وقال غيره: يلزمه ما لم يكثر فلا يلزمه بإجماع كذا نقله ابن رشد.
وقيل: إن كانت السكني لا تصلح إلا بإزالة الهطل وأجبر وإلا فلا حكاه ابن الحاجب.
(ولا بأس بتعليم المعلم القرآن على الحذاق ومشارطة الطبيب على البرء ولا ينتقض الكراء بموت الراكب أو الساكن ولا بموت غنم الرعاية وليأت بمثلها):
صرح في المدونة بلا بأس كما فعل ابن الحاجب الشيخ والمراد به الإباحة في أخذ الأجرة على تعليمه ولا يقال: لما غيره خير منه؛ لأن أبا حنيفة يمنع الإجارة على تعليم القرآن؛ لأن الدليل دل على ضعف قوله لما في البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله".
قال ابن رشد: إجازة ذلك هو المذهب وأجمع عليه أهل المدينة وهم الحجة على من سواهم، واحتج بحديث جواز الجعل على الرقية من القرآن حسبما ذكرناه، وناقض ابن يونس، قول ابن حبيب بجواز ذلك بقوله لا تجوز إجارة المصحف قائلاً كما أن المعلم يتعب فكذلك الاوراق تتمزق وتبلي ذكره عند الكلام على إجازه المصحف، وما ذكر الشيخ أن التعليم على الحذاق جائز هو المشهور.
وقال ابن الجلاب، وقيل: لا يجوز على التعليم إلا مدة معلومة مشاهرة أو غيرها، وقيل: يريد لاختلاف أفهام الصبيان فالمشاهرة أخف غررا وأجاز ابن حبيب أن يسمي في المقاطعة أجلا ورواه عن مالك قال بعض الشيوخ وهو خلاف المشهور في توقيت ما أجله فراغه.
وقال اللخمي: إن جمع الأجل والقدر الذي يعلمه فإن كان لا يدري هل يتعلم ذلك القدر في المدة أم لا فسخت الإجارة، واختلف إذا كان الغالب التعليم فيها فأجيز ومنع، وفي المدونة: ولا يعجبني الإجارة على تعليم الفقة، والفرائض لكراهة مالك بيع كتبهما.
قال: وعليه تكره على كتابته.
وروى محمد منع بيعها في الدين وقال في غير الموازية الوارث فيها كغيره إن كان اهلا لها، وقاله سحنون، وعلى هذا لا تجوز على تعليمه وكتابته، وقيل: جائزة وتباع في الدين وغيره قال محمد بن عبد الحكم يبعت كتب ابن وهب بثلاثمائة دينار
وأصحابنا متوافرون ولم ينكروه وكان أبي وصيه فعلي هذا تجوز الإجازة على تعليمه وكتابته، وهو أحسن ولا أرى أن يختلف فيه اليوم لنقص حفظ الناس وفهمهم عمن تقدم.
قال مالك: لم يكن للقاسم ولا لسعيد كتب وما كنت أكتب في هذه الألواح.
وقلت لابن شهاب: أكنت تكتب العلم؟ قال: لا.
قلت: أكنت تطلب أن يعاد عليك الحديث؟ قال: لا فلو فعل الناس هذا لضاع العلم وتلف رسمه، والناس اليوم مع كتبهم في قصور، والقول في الفروع والقياس فيه واجب ومعرفة أقوال المتقدمين والترجيح بينهما متعين في موضع الاجتهاد.
قلت: وضعف بعض من لقينا من القرويين أخذ الجواز من بيع كتب ابن وهب؛ لأن أكثر كتبه الحديث.
وقال أبو عمر بن عبد البر: بيع الكتب الصحاح جائز كمسلم ويرد بأنه سمع من مالك ما قد علمت من الكراهة ويبعت كتبه أجمع وذلك يدل على ما قاله ابن عبد الحكم.
واعم أن كتب الطب كالفقة فيما يظهر والله أعلم.
(ومن اكترى كراء مضمونا فماتت الدابة فليأت بغيرها):
الدابة المضمونة يجوز كراؤها بذكر جنسها ونوعها والذكورة والأنوثة، ونص على ذلك غير واحد، وفي المعونة لا يحتاج لتعيين الراكب لتقارب الناس عادة ولا لوصفه وتبعه ابن شاس، وابن الحاجب، وقبله ابن عبد السلام وظاهره عدم لزوم ذكر كونه رجلاً أو امرأة.
قال بعض شيوخنا: والأظهر لزوم تعيين أحدهما؛ لأن ركوب النساء أشق.
قال ابن شاس: ويصف المحمل بالسلعة أو الضيق وعلى مكرى الدابة تسليم ما العادة تسليمه معها من إكاف وبرذعة وحزام وسرج في الفرس وغير ذلك من المعتاد؛ لأن العرف كالشرط.
قال بعض شيوخنا: وهو كالنص في أنه إن لم يكن بذلك عرف لم يلزمه.
(وإن مات الراكب لم ينفسخ الكراء وليكتروا مكانه غيره):
سبق ما يغني عن هذا ويريد لابد أن يكون الثاني مثل الأول في الخفة والأمانة ولا تكن المرأة؛ لأن الغالب أنها اثقل على البهيمة لرخوة أعضائها وكذلك الميت.
قال اللخمي: ولمكترى المنافع بيعها كالرقاب إلا ما يتعذر كونه كالأول أو يشك فيه، ويختلف ذلك في الدواب والثياب والدور، وفي جوازه في الدواب وكراهيته
روايتان، وفي المدونة لمكتري الدابة للحمولة والسفينة والدار كراؤها من مثله في مثل ما اكتراها له، وكذلك الفسطاط له كراؤه من مثله في حاله وأمانته وصنعته فيه ومن استأجر ثوبا يلبسه إلى الليل لم يعطه غيره لاختلاف الناس في اللباس والأمانة فإن دفعه لغيره ضمنه إن تلف ولو بدا له على السفر بالدابة أو مات اكتريت ومثله، وكذلك الثياب في الحياة والموت.
وقال اللخمي: المنع في الثياب أحسن لاختلاف اللباس واليسير فيها يؤثر والأمر في الخباء والفسطاط أخف.
قال شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني أيده الله تعالى: وكتب العلم كالثياب فمن اكتراها لا يعيرها لغيره لاختلاف الناس فيها.
قال ابن الحاجب: وفي ضمانه ما أجره لغيره ثالثها المشهور إن كان مثل أمانته لم يضمن.
وقال ابن عبد السلام: إطلاق هذا الكلام في كل مستأجر من دار أو غيرها لا يصح ومقتضى كلامه أن مكتري الدابة إن اكتراها ممن ليس مثله في حفظه إياها وخفته أنه لا ضمان عليه في قول وهذا لا يوجد ونحوه.
قال ابن هارون: لا يوجد هذا الخلاف وأجابهما بعض شيوخنا بأن سياق الكلام يقتضي أن خلافه إنما هو فيما يغاب عليه، وذلك أنه لما قال والمستأجر أمين فرع عليه قوله السابق، وهذا الخلاف إنما هو فيما يغاب عليه، والقول الثاني هو الثاني لم يوجد بحال.
(ومن اكتري ما عونا أو غيره فلا ضمان عليه في هلاكه بيده وهو مصدق إلا أن يتبين كذبه):
قال التادلى: قيل: إن كراء الماعون مكروه وقيل: لا وقال اللخمي: إن من كانت عادته يتعيش به فإنه يجوز له من غير كراهة، وإن لم تكن عادته فإن أكراه إلى مدة تنقص الشيء المكترى فهو جائز وإن كان لا ينقصه فمكروه لما فيه من دناءة الأخلاق.
قلت: فيما قاله نظر بل قال اللخمي فأما إجازة الثياب والحلي والماعون فهي على ثلاثة أوجه فمن كان شأنه أن يشتري هذه الأشياء ويدفعها للكراء ذلك جائز وكذلك ما لم يكن ذلك شأنه ويكره لمن يطيل استخدامه حتى ينقصه واختلف إذا كان الاستعمال في الأمر الخفيف مما لا ينقص مثله فأجيز وكره.
قال مالك في إجازة الحلي لا بأس به، وقال مرة اكرهه وليس من الحرام البين
وليس من أخلاق الناس فيريد أنه ليس من مكاره الأخلاق أخذ الإجازة في مثل ذلك وكذلك إذا كان الذي يستأجره قليل الثمن، وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): " لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير من أن يأخذ عليها خراجًا معلومًا "، أخرجه الصحيحان فظاهر كلامه كما تري أن القسمين الأولين إنما نقل الجواز فيهما عن المذهب بلا خلاف من اختياره وأن القسم الثالث فيه قولان وأشار إلى أنهما يتخرجان من الخلاف في الحلي والماعون، وما ذكر الشيخ من تصديقه وهوالمشهور، ونقل ابن سحنون قولاً آخر أنه لا يصدق حكاه اللخمي وفي التهذيب من رواية أشهب فيمن اكترى جفنة فادعى ضياعها ضمنها إلا أن يقيم بينة على ذلك والذي ذكرناه هو طريق الأكثر.
وقال ابن المواز: إنما الرواية في دعوى من كسرها لقدرته على تصديث نفسه بإحضاره فلقتيها ويصدق في الضياع وفي رواية فأين فلقتاها.
قال محمد: إلا أن يقول: سرقتا أو تلفتا وسلك ابن رشد طريق محمد قائلاً: لا خلاف أعلمه أن المكتري يصدق إلا ما في الدمياطية لابن القاسم فيمن يكتري المناجل والحديد أنه ضامن.
قلت: قال شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني أيده الله تعالى وأفتى شيخنا بما في الدمياطية في جوهر فيحتمل أن يكون لخصوصية في النازلة.
ويحتمل أن يكون للمصلحة لأن العوام لو علموا أنه لا ضمان عليهم لكثرت منازعتهم في ذلك وعلى الأول فقال ابن القاسم يلزمه الكراء.
وقال غيره: لا يلزمه والقولان في المدونة وعزا ابن يونس قول الغير لأشهب: قال: وبه أخذ سحنون قائلاً: في قول ابن القاسم في هذه المسألة عراقية يصدقه في الضياع ويغرمه الكراء، ولبعض علمائنا أنه ناقض كل من ابن القاسم وسحنون جوابه بجوابه في مسألة كتاب العارية فيمن استعار دابة فركبها إلى موضع فما رجع زعم ربها أنه إنما أعاره إياها إلى دون ما ركبها إليه فذهب ابن القاسم إلى أن القول قول المستعير في رفع الضمان والكراء.
وقال سحنون: القول قول المستعير في الضمان لا في الكراء، والصواب: أنه لا يتناقض والفرق لابن القاسم بينهما أن المكتري مقر بالكراء مدع إسقاطه فعليه البيان، وفي مسألة العارية المعير مقر بالعارية مدع على المستعير فوجب قبول قوله لأنه مدعى عليه.
والفرق لسحنون أن الأصل براءة الذمة من عدم العداء؛ لأن وضع يد المستعير
على الدابة بإذن فكان القول قوله في عدم عدائه، والأصل في تناول ما الغير عن عوض لا عن عطية.
قال التادلي: وقول الشيخ وصدق يريد ويحلف إن كان متهما لقد ضاع ولا فرطت ولا يمن عليه إن كان غير متهم.
وقال ابن القاسم.
وقيل: يحلف مطلقاً، وقيل: يحلف غير المتهم أنه ما فرط، قال: ولو أخرجه من يده فهلك فإن كان مما يجوز له أن يكريه من غيره فلا ضمان عليه وإلا ضمن.
قلت: وقد تقدم في المسألة التي قبلها كلام ابن الحاجب، وما عليه.
(والصناع ضامنون لما غابوا عليه عملوه بأجر أو بغير أجر):
قال الباجي: ضمان الصناع مما أجمع عليه العلماء، وقال القاضي عبد الوهاب: أجمع على تضمينهم الصحابة رضي الله عنهم، وفي المدونة قضاء الخلفاء بتضمينهم، وهو صالح للعامة يريد لاحتياج الناس إليهم فغلبوا رعي المصلحة العامة، وهي الضمان على رعي المصلحة الخاصة وهي سقوط الضمان كما روعي ذلك في التلقي وغيره، وحكي ابن رشد أن الشافعي قال في أحد قوليه لا ضمان على الصناع ولو عملوا بأجر ولو انتصب الصانع لبعض الناس فقط فإنه يضمن قاله بعض شيوخ ابن يونس، وهو ظاهر سماع ابن القاسم.
وقيل: لا يضمن حتى يكون منتصبا لعموم الناس قاله عياض، وابن رشد في المقدمات، وفي تضمين الأوعية وشبهها كالثياب للنساج قولان فذهب ابن القاسم ورواه عن مالك أنها تضمن وبه قال ابن المواز.
وقال سحنون: لا تضمن وأخذه الشيخ المغربي من قول رهون المدونة، ومن ارتهن نصف ثوب فقبض جميعه فهلك عنده لم يضمن إلا نصفه خاصة، ولم يرتضه بعض ما لقيناه مفرقاً له بأن الصناع مضطرون إلى المثال، فهو كنفس المصنوع فيستصحب الضمان، وظاهر كلام الشيخ أنهم ضامنون ولو قامت البينة على الضياع، وهو كذلك عن أشهب خلافًا لابن القاسم وظاهر كلامه ولو شرطوا عدم الضمان وهو كذلك عند ابن القاسم خلافًا لأشهب وكل منهما روى عن مالك مثل ما قاله ابن عبد السلام والجاري على أصليهما عكس قوليهما؛ لأن الضمان عند ابن القاسم ضمان تهمة ويصح اشتراط سقوط موجبه كما إذا اشترط الوكيل المخصوص سقوط البينة على قضاء الدين والجاري على أصل أشهب أنه يضمن؛ لأنه ضمان أصاله عنده.
فشرط سقوطه يتضمن مخالفة مقتضى العقد، وهو باطل.
قلت: ويجاب عن ابن القاسم بأن شرط نفي الضمان مما يقوي التهمة وعن أشهب بأن شرطه كناسخ الضمان.
(ولا ضمان على صاحب الحمام):
ظاهر كلام الشيخ أنه المكتري لا حارس الثياب، وما قاله صحيح إلا أن يفرط قال ابن عبد السلام: ولا أعرف فيه غير ذلك قال ابن الحاجب: والحمامي أمين على الثياب، وقيل: يضمن فإن كان مراده المكترى فليس القول الثاني بالضمان مطلقًا بموجود في المذهب والله أعلم.
قال: والذي قاله مالك في العتبية أمرت صاحب السوق أن يضمن أصحاب الحمامات ثياب الناس أو يأتوا بأمين يحرسها.
قال ابن يونس: ورأيت في بعض الحواشي لابن عبد الحكم وزاد ولا ضمان على من يحرسها.
قلت: وأجابه بعض شيوخنا بأن ما ذكره ابن الحاجب نقله عياض في مداركه لما عرف بأبي على الحسن بن نصر السوسي.
قال: سمعت من يحيى بن عمر وغيره كان فقيها عدلا ورعا زاهدًا ولي أحكام سوسة فكان لا يضمن الحمامي ما تلف عنده فكثر مشاكوه فحكم يتضمينهم لما حدث به يحيى بن عمر عن الحارث عن ابن وهب عن مالك بتضمين صاحب الحمامي وفي إجازة المدونة ولا ضمان على من جلس لحفظ ثياب من دخل الحمام؛ لأنه أجير ومثله سماع ابن القاسم لا ضمان على حارس الحمام.
وقال ابن رشد: إن إكراه رب الحمام لحفظ ثياب من داخله بأجر في ذمته فلا ضمان عليه اتفاقًا إلا أن يتعدى أو يفرط وإن كان يحرس بجعل يأخذه من كل من يدخل الحمام ويحرس ثيابه فقال مالك: لا ضمان عليه قال ابن لبابة: وما سواه خطأ، وقال ابن حبيب يضمن كالراعي المشتري على قول ابن المسيب، والحسن ومكحول والاوزاعي لانه لما نصب نفسه لذلك صار كالصانع المشترك ولو نام حارس بيت فسرق ما فيه فلا ضمان عليه وله أجره وكذلك حارس النخل وغيره، وكذلك من أعطى متاعا ليبيعه فيضيع أو يضيع ثمنه لا أجر له ولا ضمان عليه وكل هذا نقله ابن يونس عن رواية ابن المواز، وقيده بعض شيوخنا بكونه في نوم وقته المعتاد لا في نومه في وقت حاجة العس والحرس حسبما قاله اللخمي في نوم الراعي نهارا.
قال التادلى: اختلف في السماسرة فقال مالك: لا يضمنون وقال سحنون:
يضمنون وفرق ابن رشد بين المتهم ومنهم فيضمن وإلا فلا.
قلت: ذكر عياض في أواخر كتاب التدليس بالعيوب ما نصه والمعروف من قول مالك وأصحابه في السماسرة والمأمورين والوكلاء أنهم لا يضمنون؛ لأنهم أمناء وليسوا بصناع سواء كانوا أرباب حوانيت أم لا كذلك جاء في أمهاتنا وأجوبه شيوخنا ثم استمر في كلامه وهو كالنص في أن المراد بالسمسار الجليس.
(ولا ضمان على صاحب السفينة):
قال غير واحد يريد إلا ما حمل من الطعام والإدام فإنه يضمن إلا أن تقوم بينة على هلاكه.
قال اللخمي: اختلف إذا حمل الطعام على المدينة ولم يصحبه ربه أو في السفر في البحر وصاحبه معه أو لم يكن معه صاحبه، وليس الطعام مما تدعو إليه الحاجة في الغالب فالمعروف في المذهب أنه ضامن، وقال ابن كنانة: لا ضمان عليه ويريد؛ لأن ربه قادر على أنه يصحبه دون ضرر فتركه قصدا دليل على أنه أئتمنه فإن صحبه في البحر ثم نقص أو ذهب بعضه صدق عند مالك وفي أكريه السفر أنه غير مصدق؛ لأنه ائتمنه وحازه وإنما يدخل التاجر وقت إقلاعه.
وفي المدونة: إذا غرقت السفينة بمد النواتية فإن فعلوا ما يجوز لهم من المد والعمل فيها لم يضمنوا فإذا تعدوا فأغرقوا في مد أو علاج ضمنوا ما هلك فيها من الناس، والحمولة ابن يونس قيل في أموالهم وقيل: الديات على عواقلهم.
(ولا كراء له إلا على البلاغ):
ما ذكره هو قول مالك وابن القاسم ولو غرقت بالساحل.
وقال ابن نافع له بحساب ما سار كحكم البر، والقولان في المدونة وروى ابن أبي جعفر عن ابن القاسم مثل قول ابن نافع.
وقال يحيى بن عمر: إن أكريت على قطع البحر فهي على البلاغ وإن أكريت إلى الريف فبحساب ما بلغت، وفرق أصبغ في نوازنه بين كونهم ملججين أو غير ملججين محاذين لقرية قادرين على النزول إليها أو غير قادرين وسواء على ظاهر قوله كان كراؤهم على قطع البحر أو على الريف، وهذه الأقوال الأربعة حكاها ابن رشد قائلاً: قول أصبغ هو استحسان على غير قياس، وكذلك تفرقة يحيى.
وقول ابن نافع أظهر من قول ابن القاسم في المدونة؛ لأن رد الكراء إلى الاجارة أولي من رده إلى الجعل.
واعلم أنه إذا هال البحر، وقد وقع الخوف وجب الرمي عاجلا، ويرمي الأثقل والأقل ثمنا فإن تقاربت الأثمان رمي الأثقل.
قال الطرطوشي: ويبدأ بطرح الأمتعة ثم البهائم لشرف النفس، وقبله القرافي ومرضه بعض شيوخنا بقوله: الشرف إنما هو للنفس الآدمية.
واختلف في جرم السفينة هل يقع عليه غرام أو لا؟ ثلاثة أقوال:
فقيل: كغيره رواه إسماعيل القاضي، وبه قال سحنون وابن عبد الحكم قال ابن يونس: وهو القياس.
وقيل: لا غرم عليه رواه ابن القاسم، وقيل: إن قام دليل على هلاكه لولا الطرح فالأول وإلا فالثاني قاله محمد بن محمد بن عبد الحكم.
وقال بعض شيوخنا: وقول ابن عبد السلام: قال ابن عبد الحكم أجمع أصحابنا أن المركب لا يدخل في شيء من حكم الطرح لا أعرفه، واختلف في دخول متاع السفينة في الغرم على قولين: وفي دخول العبيد ثلاثة أقوال:
فقيل: يدخلون، وقيل: لا يدخلون، وقيل: إن كانوا للتجارة دخلوا وإلا فلا ولا شيء على الأحرار باتفاق والعين للقنية لغو وللتجر قولان.
(ولا بأس بالشركة بالأبدان إذا عملا في موضع واحد عملا واحدًا أو متقاربا):
ظاهر كلام الشيخ أن لو اختلفت صنعتهما أنه لا يجوز، وهو كذلك وسمع أصبغ أشهب إن اشتركا خراز وحداد في حانوت واحد يعمل كل واحد مع صاحبه لأنهما يحسبان ذلك ويعملانه جميعا فلا بأس به.
قال ابن رشد: أجازه لتعاونهما معًا وسمع أن الشركاء في حانوت وصنعة كل واحد غير صنعة صاحبه فال خير فيه، ولو كان عملهما واحدًا في حانوتين مفترقين فلا بأس به.
قال ابن رشد: لا وجه لقوله لا بأس به إلا أن يكون معناه أنهما يجتمعان معًا على أحد الأعمال ثم يأخذ كل واحد منهما ما يعمل من العمل يذهب به لحانوته يعمله فيه لرفيق له في ذلك لسعة حانوته أو انشراحها وقربه من منزله وشبه ذلك.
وقال عياض: تأول شيوخنا ما في العتبية من جواز الافتراق بتعاونهما في الموضعين وارتفاق السلعتين سواء في الموضعين فيكون وفاقًا للمدونة؛ لأن المقصود من وحدة المكان تقارب أسواقه ومنافعه.
قال أبو محمد عبد الله الدكالي في مسائله: لو اشترك قارئ وحاسب على أن يقتسما على قدر عمليهما جاز ذلك على جميع الرجلين سلعتيهما في البيع ورده بعض
شيوخنا بقوة الغرر في الشركة بجهل قدر عمل كل واحد منهما، وقدر عوضه والمجهول في السلعة قدر العوض فقط.
(وتجوز الشركة بالأموال على أن يكون الربح بينهما بقدر ما أخرج كل واحد منهما والعمل عليهما بقدر ما شرطًا من الربح لكل واحد، ولا يجوز أن يختلف رأس المال ويستويا في الربح):
اعلم أن الشركة بالدنانير والدراهم من كلا الجانبين جائزة نص على ذلك في المدونة وغيرها.
قال ابن المنذر إجماعًا: قال ابن رشد وهو اجماع على غير قياس، وفي صحبة القياس عليه قولان واختلف في جوازها بالطعام المتفق في صفته ونوعه، فأجازه ابن القاسم قياسًا على الدنانير والدراهم ومنعه مالك فقيل: لأنه بيع الطعام قبل قبضه قال بعض شيوخ عبد الحق، وقيل: لأن علل الطعام كثيرة بخلاف علل الدنانير والدراهم.
وقيل: لأن الطعام مما تختلف فيه الأغراض، وقيل: لأن الطعام يطلب فيه التساوي في الشركة والشركة تطلب التساوي في القيمة، وذلك لا يكاد يوجد ذكره إسماعيل القاضي، وقال ابن رشد: لأن الإجماع عنده على غير قياس لا يقاس عليه.
فإن قلت: كيف يقول ابن القاسم في المدونة لم يجزه لنا مالك منذ لقيناه ولا أعلم لكراهته له وجهًا مع أن قول مالك وجه بوجوه كثيرة كما قلناه؟
قلت: أراد وجها بينا واضحا ويدل على ذلك أن بعض التعاليل السابقة زائفة، والله أعلم.
واختلف إذا غاب أحد النقدين فأجازه مالك وابن القاسم ومنعه سحنون، وكذلك نقله اللخمي عنه ونقله التونسي عنه الكراهة.
قال بعض شيوخ عبد الحق: إنما يجوز عند ابن القاسم بشرط قرب الغيبة ووقف التجر بالحاضر عن حضور الغائب وتردد بعض شيوخنا في كونه وفاقًا أو خلافًا قائلاً: الأظهر أنه خلاف لاحتجاج ابن القاسم على الجواز بقول مالك فيها، وقال بعض من لقيناه من القروبين هو وفاق لا شك فيه، وأجازه في المدونة أنه يخرج أحدهما ذهب وفضة والآخر كذلك وعورضت بقول سلمها الثالث بمنع بيع مد من قمح ومد من شعير بمثلهما وأجيب ببقاء اليد هنا على ما لكل واحد منهما وتصح الشركة بالعرض من جانب والنقد من جانب وحكاه ابن الحاجب قولاً بالمنع.
(والقراض جائز بالدنانير والدراهم):
قال ابن الحاجب: القراض إجارة على التجر في مال بجزء من ربحه واعتراض بأنه غير جامع لقوله بعد ولو شرط الربح كله لأحدهما أو لغيرهما جاز.
وأجيب بأن إطلاق القراض عليه إنما هو مجاز؛ لأنه من باب التبرعات، وقبله خليل واعترضه غير واحد أيضًا بأنه غير مانع لمدلول لفظ من قال آجرتك على أن تتجر لي بهذه المائة سنة بنصف ربحها.
وقال ابن عبد السلام وأجيب بأن معنى القراض هو الإجارة على الصفة المذكورة، ولكن هذا المعني لا ينعقد بكل لفظ بل بلفظ القراض وغيره من الألفاظ التى ذكرها الفقهاء، وانعقاده بها ليس من تصوره وإنما هو من أحكامه فرجع إلى التصديق والكلام في التصور في هذه الطريقة يدفع كثيراً من الأسئلة عن التعريف فتأمله والقراض جائز بلا خلاف قاله عبد الوهاب وأول من عمل به في الإسلام عبد الله بن عمر وعبيد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
وقيل: إن أول من عمل به يعقوب مولي عثمان بن عفان وذلك أن عمر بن الخطاب بعث من يقيم من الأسواق من ليس بفقيه فأقيم يعقوب فيمن أقيم فجاء إلى عثمان بن عفان فأخبره فأعطاه مزودتين قراضًا على النصف، وقال: إن جاءك من يعرض لك فقال له المال لعثمان فقال ذلك فلم يقم فجاء بمزودتين إحداهما ربح والأخرى رأس المال، ولا يلزم القراض إلا بالشروع وخرج اللخمي انعقاده من الجعالة ولزوم أول حصة من أحد قولي مالك في لزوم أول شهر من كراء المشاهرة، وظاهر كلام الشيخ أن القراض بالذهب والفضة جائز وإن كانا مغشوشين، وهو كذلك.
وقاله الباجي حيث تعامل بها لتقويم المتلف بها كالطيبة والاتفاق على تعلق الزكاة بها.
وقيل: إنه ممنوع مطلقًا قاله عبد الوهاب، وقال ابن الحاجب: ويجوز بالمغشوش على الأصح وقبله ابن عبد السلام بإطلاقه، ورده بعض شيوخنا بالاتفاق على المنع حيث لا يتعامل بها وظاهر كلام الأكثر أن الغش غير محدود.
وقال ابن الحاجب: إن كان الغش النصف جاز واختلف في القراض بالفلوس.
فقيل: إنه ممنوع قاله مالك وابن القاسم، وقيل: مكروه نقله اللخمي، وقيل: إنه جائز قاله أشهب وقيده ابن رشد باليسير وأطلقة اللخمي واختار الجواز حيث يتعامل بها ولا يتغير سوقها.
(وقد أرخص فيه بنقار الذهب والفضة):
اختلف في القراض بالنقار على ثلاثة أقوال المنع والكراهة، والجواز، وكل هذا إذا كان لا يتعامل بها، وأما إن كان يتعامل بها فلا خلاف في جواز ذلك قاله غير واحد كاللخمي، واختلف في الحلي على ما تقدم من الثلاثة الأقوال بالكراهة، رواه ابن المواز والقولان بالجواز والمنع، رواهما ابن الحاجب، واختار اللخمي رحمه الله: إن كان يتعامل به كأرض المصامدة جاز، وإلا كره إن كان لا يوجد مثله وإلا منع.
(ولا يجوز بالعروض ويكون إن نزل أجيرا في بيعها وعلى قراض مثله في الثمن):
ما ذكر الشيخ أن القراض بالعروض لا يجوز هو كذلك باتفاق عند ابن حارث، وقال اللخمي: إن كان لا خطب لبيع العرض أو علم أنه يبيعه له وهو لم يأخذه قراضًا أو يقول له كلف من بيعه ويأتيك بالثمن فاجعله قراضًا جاز قال المازري: وذكر أنهم وجدوا وثيقة بخط ابن أبي زيد أنه دفع لرجل عرضا، وقال له بعد ولك دينار فإذا قبضت ثمنه فاجعله قراضا، وهذا يدل على جواز القراض بالعروض وتأول بعضهم عليه أن يكون بناء على أحد القولين في اجتماع جعل وإجارة فالإجارة في البيع والجعل في القرض وفيه نظر؛ لأن الجعل لا يجوز في الكثير بل في القليل فيلزمه أن يقيد في الوثيقة هذا الوجه لو قصد به القليل، ولو كان قصده أيضًا الإجارة لضرب لها أجلا.
قلت: وحمل شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني أيده الله تعالى ما تقدم عن الشيخ أبي محمد بن أبي زيد: أنه قراض بالوديعة، وهو جائز عند ابن المواز فليس عليه في ذلك درك الجعل، قال: ويدل على ما قلناه: أنه لو تلف هذا المال قبل العمل لكان من ربه كالحكم بعد الشروع في العمل، وفي المدونة: ولا يجوز بدين على غريمه يقتضيه فأطلق ابن يونس وعبر عنه أبو عمر بن عبد البر في الكافي بالكراهة.
وقال اللخمي: إن كان على غير حاضر أو موسر غير مالك جاز، ولو اقتضي الدين ثم رده عليه فراضًا فإنه جائز قاله في المدونة.
قال ابن رشد: وعلى قولهما فيمن صرف دنانير بدراهم ثم أراد أن يصرفها منه بدنانير مخالفة لعيوبها أنه لا يجوز في المجلس إلا بعد اليوم واليومين والثلاثة حتى يبرأ من التهمة، وعلى قول ابن حبيب في صاحب المال يعلم ضياع بعضه فيقول للعامل: اعمل بما بقي، ويكون ذلك قراضًا مؤتنفا يصح جعل الدين قراضًا بمجرد إحضاره.
وعن أشهب أنه إن نزل مضى، وهو بعيد وفرق غيره بين ما هنا وبين مسألة الصرف في كتاب السلم لأن ما هنا خرج من ذمة إلى أمانة، وما في الصرف من ذمة إلى ذمة فما هنا أخف، وأما القراض بالوديعة فإن أحضرها فلا خلاف في الجواز واختلف قبل إحضارها على أربعة أقوال ثالثها: إن كان المودع ثقة مأمونا جاز، ورابعها يكره وكلها حكاها ابن رشد واللخمي قول خامس حذفته لطوله.
(وللعامل كسوته وطعامه إذا سافر في المال الذي له بال):
ما ذكر الشيخ أن له طعامه في السفر ويريد سيرا ورجوعا وهو كذلك على المعروف من المذهب.
وقال الشافعي: لا ينفق في سفر ولا حضر إلا بإذن رب المال، ولأصحابه ثلاثه أقوال، هذا وقول مالك والثالث ينفق في السفر بقدر ما بين نفقة السفر، والحضر.
وهذا الذي ذكرناه قاله أبو عمر بن عبد البر قائلاً: القياس هو الأول منها؛ لأنه لا يجوز القراض على جزء مجهول فإطلاق النفقة له يصير الحصة مجهولة وربما اغترقت النفقة كثير المال ولم يكن ربح.
وقال ابن عبد السلام: لا يبعد القول الثالث على أصول المذهب، وقيل في الوصي يخرج المحجور في سفر الحج دون ضرورة: إن زيادة نفقة السفر على الحاضر على الوصي.
قلت: ورده بعض شيوخنا بقوله: ولا يخفي ضعف هذا التخريج؛ لأن السفر بالمحجور المذكور عداء وسفر العامل جائز ولا جاحة لهذا التخريج لقول اللخمي.
قال عبد الوهاب: من سافر لأجل المال له النفقة، والكسوة التى لولا الخروج بالمال لم يحتج إليها في الحاضر، ومحل هذا فيمن كانت مؤنته في المقام من أجل متاجر يرجو حوالة سوقها، وأما المدير أو ذو صنعة عطلها السفر فله جميع النفقة والكسوة، كقول مالك.
قلت: فيتحصل في المسألة أربعة أقوال: وعزوها ظاهر، وما ذكر عن عبد الوهاب هو في تلقينه فيما يرجع إلى النفقة، وهو اختيار أبي إسحاق التونسي وعبد الحميد الصائغ وظاهر كلام الشيخ أنه لا تحديد في المال الذي يجب فيه ما ذكر من النفقة بل المعتبر العرف ومثله في الموازية، واختاره شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني أيده الله تعالى ولمالك في مختصر ما ليس في المختصر السعون يسير لا ينفق منها.
وقيل: ينفق منها إن كانت خمسين قاله مالك في نقل اللخمي، وقيل: في الأربعين
دينارا النفقة، رواه ابن المواز في نقل الباجي، وعزاه ابن يونس لنقل محمد لا لروايته، وظاهر كلام الشيخ أنه لو كان يتجر به في بلده أنه لا ينفق منه، ولو كان ما ينفق منه يسيرا، وهو كذلك قال ابن العطار عن نوادر الإجماع أجمعوا أنه يأكل منمال القراض إن لم يسافر به إلا الليث قال: له أن يتغذى منه إذا اشتغل به عن الانقلاب إلى أهله وفي المدونة قول الليث معزو له، وذكره ابن فتوح كأنه المذهب غير معزو لليث فقال من تجر في الحضر فليس له أن يأكل من مال القراض إلا أن يتغذى بالأفلس ونحوها، وأسقط قوله إذا اشتغل عن الانقلاب إلى أهله.
وفي الموازية بإثر قول الليث، وأباه مالك، وقال التونسي لا فرق بين اشتغاله في سفره وإقامته بالمال ولعل الفرق بينهم في سفره وإقامته، وإن أمره كذا جرى فيما مضى.
وقال اللخمي: يحمل قول مالك بسقوطها في الإقامة على أن عمل القراض لم يقطعه عما كانت تقوم نفقته منه في سفره، ولو كانت له صنعة أو تجارة منها نفقة فعطلها لأجل عمل القراض كانت له نفقته كسفره.
(وإنما يكتسي في السفر البعيد):
يريد إلا أن تطول إقامته في السفر القريب، قال في المدونة: له أن يكتسي منه في بعيد السفر إن حمل المال ذلك لا في قريبه إلا أن يقيم بموضع يحتاج فيه إلى الكسوة.
قال الباجي: وروى أبو محمد له في الأربعين دينارًا النفقة والكسوة في بعيد السفر، وفي سماع عيسى بن القاسم: إن كثر المال وقرب السفر فله فيه الطعام لا الكسوة إلا أن يقيم للشراء الشهرين والثلاثة.
وفي الموازية فله أن يكتسي من مال القراض، واختلف في البضاعة، فقيل: هي كالقراض في النفقة والكسوة، وقيل: هما ساقطان، وكلاهما لمالك، وفي المدونة له أن يرد ما بقي من النفقة لصاحبه.
وقال بعض شيوخنا: الصواب عليه لا له وسمع ابن القاسم ما فضل عن المقارض إذا قدم من سفره مثل الجبة لا تؤخذ منه.
قال ابن رشد كقول سحنون في نوازله لا تؤخذ منه الثياب التي اشتريت للسفر إلا أن يكون لها قدر، وقال: ومثله لمالك في الموطأ، وهو استحسان لا قياس ليسارة ذلك مع العرف الجاري على قوله في المدونة في كسوة السنة للزوجة ثم يموت أحد الزوجين قبل السنة استحسن أن لا تتبع المراة بشيء من ذلك لباقي السنة بخلاف النفقة.
قلت: ولا يعارض قول المدونة في نفقة العامل قول جهادها ما فضل عنه بعد أن رجع إلى بلده من طعام أخذه من الغنيمة بغير إذن الإمام يأكل القليل، ويتصدق بالكثير؛ لأن طالبها هنا معين، وفي الجهاد غير معين، ونبه على هذا بعض شيوخنا وهو جلي واضح.
(ولا يقسمان الربح حتى ينض رأس المال):
ظاهر كلامه وإن رضيا بذلك، ونص ابن الجلاب على أنهما لو تفاصلا بغير حضرة المال ثم حضر المال وفيه وضيعة فإنه يرد ما أخذ إليه ويجبر به النقص، ونقل ابن حبيب مثله عن ابن القاسم، ونقل عن مالك وأصحابه أنه قراض مؤتنف، واختاره.
قال ابن عبد السلام: واختار غير واحد من المتقدمين والمتأخيرن نقل ابن حبيب، وهو ظاهر الموطأ، وقال بعض شيوخنا ما ذكره عن غير واحد لا أعرفه ومشاهير مؤلفي المذهب كابن يونس واللخمي والتونسي وابن رشد، ونحوهم ليس لهم في ذلك نص وكذلك ما ذكره عن الموطأ، لأن الذي في الموطأ قال مالك: لا يجوز للمتقارضين أن يتحاسبا ويتفاصلا، والمال غائب عنهما حتى يحضر المال فسيتوفي صاحب المال رأس ماله ثم يقتسمان الربح على شرطهما.
(والمساقاة جائزة في الأصول على ما تراضيا عليه من الإجزاء):
قال ابن رشد: المساقاة عبارة عن العمل في الحائط بجزء من ثمرته، وانتقده بعض شيوخنا بأن كلامه غير مانع لأنها لا تنعقد بلفظ الإجارة عند ابن القاسم خلافًا لسحنون، وإذا وقعت كذلك يحكم فيها بالإجارة الفاسدة لا بالمساقاة الفاسدة، وبأنه غير جامع؛ لأن كلامه يقتضي أنها لا تلزم إلا بالعمل، وليس كذلك بل تلزم بالعقد.
قلت: وفي النقض عليه بهذه الصورة نظر، وينقض عليه أيضًا بقول المدونة: لا بأس بالمساقاة على أن كل الثمرة للعامل، وكذلك ينتقض عليه أيضًا بقول المؤلف على ما تراضيا عليه من الإجزاء، والله أعلم.
وقال ابن عبد السلام: لم يعرفها ابن الحاجب؛ لأن رسمه للقراض بأنه إجارة على التجر في المال بجزء من ربحه دل على رسم المساقاة فإنها إجازة على عمل الحائط بجزء من غلته، وهي كالمعلومة ضرورة عند الفقهاء، ورده بعض شيوخنا بأنه لو كان كما قال لدل عليه القراض إما مطابقة أو تضمنا أو التزامًا، ولا خفاء بنفي الأولين؛ لأن رسم القراض ليس نفس المساقاة، ولا جزءاً منه وكذلك الثالث ضرورة أن رسم المساقاة بما قال ليس من لوازم القراض لا ذهنيا ولا خارجيا إلا أن يريد الدلالة
المعنوية لا العرفية كدلالة الفعل على الفاعل، وفيه نظر؛ لأنه غير معتبر في التعريفات ورسمها بما ذكر يبطل بقول المدونة لا بأس بالمساقاة على أن كل الثمرة للعامل كما سبق وحدها شيخنا بأن قال: عقد على عمل مؤنة النبات بقدر لا من غير غلته لا بلفظ بيع أو إجارة أو جعل والمذهب جواز المساقاة.
قال عبد الوهاب: وهي مستثناة من أصول ممنوعة للضرورة، وظاهر كلام الشيخ أن المساقاة في الزرع وشبهه لا تجوز وإن عجز عنه صاحبه، وهو أحد الأقوال الأربعة ذكرها اللخمي، وبه قال ابن عبدوس.
وقيل: بعكسه قاله ابن نافع وقيل: تكره المساقاة فيه، رواه محمد بن المواز وقيل: تجوز بشرط العجز قاله في المدونة، وهي لازمة بالعقد على المشهور، وقيل: لا تلزم، وقال سحنون: أولها لازم كالإجارة وآخرها كالجعال.
(والعمل كله على المساقي):
يعني من السقي والتنقية والجداد، واختلف في عصر الزيتون فقال في كتاب محمد: إن لم يشترط علىأحد فهو بينهما، وقال ابن حبيب: العصر على العامل وإن شرط على صاحب الحائط، وكان له قدر لم يجز ورد العامل إلى إجازة مثله.
قال ابن الحاجب: ولا يسترط تفصيل العمل، ويحمل على العرف قال ابن عبد السلام: لعل مراده إذا كان العرف منضبطًا وإلا فلا بد من البيان وقد يقال لابد من تفصيله لأنه اختلف في أمور هل هي على العامل أو على رب الحائط فالسكوت عنها جهالة.
قلت: قال بعض شيوخنا: عمل المساقاة كله في الذمة كمسلم فيه فيجب ذكره في العقد مبينا كوصف المسلم فيه، وذكر قولي ابن الحاجب، وابن عبد السلام ثم قال: إن كانت بموضع عرفه منضبط فواضح عدم وجوب بيانه مسائل المدونة الدالة على أن العرف كالشرط وإلا فالظاهر وجوب بيانه ففي أكرية الدور من المدونة لا بأس بكراء حانوت لا يسمي ما يعمل فيه، وله أن يعمل فيه ما لا يضر بالحانوت في البناء.
قال غيره: إن تفاوت ضر الأعمال لم يجز الكراء إلا على أمر معروف، وقال الباجي: إن كان ثم عرف قام مقام الوصف وإلا فلابد من وصفه.
واعلم أنه قصر العامل عما وجب عليه فإنه يؤخذ بذلك قاله سحنون فمن
أعطى كرمه أو زيتونه مساقاة على أن يسقي ويقطع ويجني وعلى أن يحرثه ثلاث حرثات ففعل ما شرط عليه إلا أنه لم يحرثه إلا حرثتين، قال: ينظر إلى عمل جميع الحائط المشترط عليه من سقي وحرث فإن كان ما ترك يكون منه الثلث حط من النصف الذي هو له ثلثه إن ساقاه على النصف ثم على هذه النسبة.
وقال مالك: إذا دخل الحائط سيل أقام فيه حتى استغني عن الماء فلا يحاسبه رب الحائط بذلك، قال ابن رشد: وهذا مما لا اختلاف فيه بخلاف الإجارة بالدنانير والدراهم على السقي زمنه، وهو معلوم عند أهل المعرفة فإن سقى المطر الحائط فيجب أن يحط من إجارته قدر ما أقام الماء في الحائط، ويسقط عنه سقيه.
(ولا يشترط عليه عملا غير عمل المساقاة ولا عمل شيء ينشئه في الحائط إلا ما لا بال له من سد الحظيرة وإصلاح الضفيرة، وهي مجتمع الماء من غير ان ينشئ بناءها):
قال الفاكهاني: قال الغريب سد الحظيرة رويناه بالسين المهملة، وقال بعض شراح الرسالة بالشين المعجمة، ونقل عن يحيى بن يحيى ما حظر بزرب فبالمعجمة، وما كان بجدار فهو بالمهملة.
(والتذكير على العامل وتنقية مناقع الشجر وإصلاح مسقط الماء من الغرب وتنقية العين وشبه ذلك جائز أن يشترط على العامل):
قال اللخمي: اختلف قول مالك في الإبار فجعله مرة على رب الحائط ومرة على العامل وتأول بعضهم كونه على رب الحائط أنه الشيء الذي يلقح به، وكونه على العامل عمله وتعليقه، وليس ببين.
(ولا تجوز المساقة على إخراج ما في الحائط من الدواب):
ما ذكر الشيخ مثله في المدونة ودل كلام الشيخ على أن ما في الحائط من رقيق وشبهه أنه يجب دخوله في العقد سواء اشترط العامل ذلك أو لم يشترطه، وهو كذلك وكذلك الأجراء إن كانت إجارتهم وجيبة فهي على رب الحائط لأنه لم يرو أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أخذ لليهود شيئا مما ذكر أنه يترك للعامل.
وقال ابن نافع: لا يكون الرقيق والدواب للعامل إلا أن يشرطهم، والعقد صحيح وقاله عيسى بن دينار محتجا بأن صاحب الحائط يقول: لو اشترطتهم على ما ساقيتك إلا على أقل من هذا الجزء.
قال الباجي: وهذا يقتضي أن له اشتراط إخراج ذلك، واختلف إذا نزلت مسألة الشيخ، وهي إذا اشترط إخراج ما في الحائط ويلحق بذلك ما إذا اشترط العامل على رب الحائط إدخالهم في المساقاة وليسوا فيها فقال في المدونة: الثمرة لربها وللعامل إجارة مثله.
وقال ابن المواز: له مساقاة مثله فيها وعنه كالأول ولابن القاسم في المدونة إذا اشترط إخراج الرقيق كان للعامل مساقاة مثله.
(وما مات منها فعلى ربه خلفه):
يريد وكذلك لو مرض أو غاب أو أبق وهو معنى ما في الموطأ والمدونة وزاد في غيرهما، وإن لم يشترط ذلك عليه العامل.
قال الباجي: وهذا لأن العقد كان على عمل في ذمة صاحب الحائط ولكنه يتعين