شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالةصفحات 109-153
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب في البيوع وما شاكل البيوع

صفحات 109-153
عن هذه الطبعة
عَلَم
التنوخي، ابن ناجي
الكتاب
شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني
المؤلف
قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيرواني (المتوفى: 837هـ)أعتنى به: أحمد فريد المزيدي
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال ابن عبد السلام: معرفة حقيقة البيع ضرورية حتى للصبيان ورده بعض شيوخنا بأن المعلوم ضرورة وجودة عند وقوعه لكثرة تكرره ولا يلزمه منه علم حقيقته حسبما تقدم في الحج وعرفه بعض الشيوخ بأنه دفع عوض عن معوض فيدخل الفاسد وخصص المازري وابن يونس تعريف الحقائق الشرعية بصحيحها لأنه المقصود بالذات فقال: نقل الملك يعوض لاعتقادهما أن الفاسد لا ينقل الملك بل شبهة الملك انتقدهما ابن عبد السلام بأن ذكر لفظي العوض فيهما يوجب خللا لأنه لا يعرف إلا بعد معرفة البيع أو ما هو ملزوم له ورد بعض شيوخنا الأول لأنه لا يتناول إلا بيع المعاوضة ورد الثاني بأنه لا يتناول شيئا من البيع لأن نقل الملك لازم للبيع الأعم منه.

وكونه بعوض يخصصه بالبيع عن ملك الهبة والصدقة ولا يصيره نفس المبيع ويدخل فيه النكاح والإجارة قال: وحقيقته عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة ومكايسة أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة معين غير المعين فيه، واعلم أن البيع ينقسم على أربعة أقسام: بيع مساومة وبيع مزايدة وبيع استرسال واستيهاب وبيع مرابحة.
فالأولان جائزان بلا خلاف وكذلك يجوز بيع المرابحة بالإطلاق ومال المازري إلى منعه أن افتقر إلى فكرة حسابية وكذلك بيع الاسترسال في الأكثر وسمع عيسى عن ابن القاسم من قال لبائع بعني كما تبيع من الناس فإنه لا يصلح ويفسخ إن كان قائمًا ويرد مثله إن كان مثليا وإلا رد قيمته، وهل لا يكون الاسترسال إلا في المشتري أو فيه وفي البائع قولان لابن القاسم وابن حبيب وغيره وهو الصحيح قاله ابن رشد في أول المرابحة وآخره.
(وأحل الله البيع وحرم الربا) لا خلاف أن البيع من حيث الجملة جائز قال ابن عبد السلام وهو معلوم من الدين ضرورة فالاستدلال على ذلك من الكتاب والسنة المذكورة في الكتب والمجالس

على سبيل التبرك يذكر الآي والأحاديث مع تمرين الطلبة على الاستدلال واختلف السلف في معنى قوله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربوا) [البقرة: 275] فقيل: المراد به ما كانت الجاهلية عليه من فسخ الدين في الدين يقول المطلوب أخزني وأزيدك فقالوا سواء علينا إن زادنا في أول البيع أو عند محل الأجل فكذبهم الله وإلى هذا ذهب مجاهد وغيره فالألف واللام لتعريف العهد، وقيل المراد به كل بيع محرم بالإطلاق وإليه ذهب عمر به الخطاب وعائشة (رضي الله عنها) ولا خلاف أن من استحل الربا كافر لأن من أحل ما حرم الله تعالى فهو كافر، ودليله قوله تعالى (ومن عاد فينتقم الله منه) [المائدة: 35] وقوله (ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [البقرة: 275] ويريد مستحلا وأما غير المستحل ففاسق يؤدب خاصة وكذلك من قال إن المسكر حلال فهو كافر أيضا وبالجملة كل من أحل ما حرم الله فهو كافر.
(وكان ربا الجاهلية في الديون إما أن يقضيه وإما أن يربي له فيه): كأنه رحمه الله قصد بهذا الكلام تبيين ما سبق من قوله وحرم الربا وأما إذا أخر الطالب المطلوب بحميل أو رهن بعد الأجل فإنه جائز لكنه كابتداء سلف على حميل أو رهن فإن لم يحل الأجل وأخره إلى أبعد من أجله فلا يجوز لأنه سلف جر نفعا وإما إلى الأجل دونه فذلك جائز نص على جميع ذلك في المدونة في كتاب الحمالة، وأما من أسلم له ربا فإن كان قبضه طاب له وكذلك إن قبض بعضه طاب له ما قبض فإن لم يقبض فلا يحل له أن يأخذه وهو موضع عن الذي هو عليه وزعم بعض الشيوخ الاتفاق عليه، فإن قلت يلزم من قال أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أن يقول برد ما أخذ لصاحبه، قلت لنص التنزيل بإباحته قال تعالى: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهي فله ما سلف) [البقرة: 275]. وقال (صلى الله عليه وسلم) " ومن أسلم على شيء فهو له حلال".
(ومن الربا في غير النسيئة بيع الفضة بالفضة يدا بيد متفاضلا وكذلك الذهب بالذهب ولا تجوز الفضة بفضة ولا ذهب بذهب إلا مثلا بمثل يدا بيد والفضة بالذهب ربا إلا يدا بيد):

ما ذكر الشيخ من أن الذهب بالذهب والفضة بالفضة لا يجوز فيه التفاضل هو كذلك وهو مخصوص عندنا بالمبادلة فإنه يجوز أن يبادل الثلاثة دنانير أو أقل بأوزن منها اتفاقًا ولا يجوز السبعة بأكثر اتفاقا واختلف فيما بينهما على قولين، واختلف هل ذلك سدس في الدينار أو دانقان على قولين حكاهما ابن شاس.
قال ابن عبد السلام: والأول ظاهر المدونة ورده بعض شيوخنا بأنه لم يذكره تحديدا بل فرضًا ونصها: ولو أبدل ستة دنانير تنقص سدسًا سدسًا فلا بأس به، قلت: وسمعت غير واحد من شيوخي يقول إن الجزء من الدينار كالدينار، واختلف في الفلوس هل حكمها حكم العين في ربا الفضل والنسا وذلك جائز أو مكروه على ثلاثة أقوال، وأخذ التحريم والكراهة من قول المدونة وليست بحرام بين ولذاكره التأخير فيها، ومنهم من تأول الكراهة فيها على التحريم فردها إلى قول واحد وبه أقول ومثله منعه في السلم الثالث من المدونة بيعها جزافا كالعين، ويعارض ذلك قول زكاتها ألا تزكي إلا في الإدارة كالعروض وقولها في سلمها الثاني إذا باع بها وكيل ضمن لأنها كالعروض إلا سلعة يسيرة إلى غير ذلك من النظائر.
واختلف إذا اشترى ببعض درهم ودفع درهما ورد عليه باقيه على ستة أقوال: فقيل أنه جائز وإن كانت أكثر من النصف وهذا نقله التونسي مع صاحب الأمر المهم قاصرا ما زاد على النصف على ثلاثة أرباعه مضعفا له قال بعض من لقيناه ومثل هذا حكي في أحكام الشعبي عن أبي زيد قال: كان أبو بكر بن اللباد يبعثي بالدرهم أشتري يجزئه بقلا وأرد عليه بقيته خراريب وقيل يمنع ذلك مطلقا.
قاله سحنون وصوبه ابن عبد السلام قائلاً: لم يثبت أن الشرع اعتبر هذه الضرورة وإن ثبت اعتبارها في غير هذا الباب فلا تتحقق المساواة بين هذا الباب وبين ذلك الموضع، قلت: وأخذ من المدونة قال فيها أصل قول مالك لا تجوز فضة بفضة مع أحدهما أو مع كل منهما سلعة ولو كانت الفضة يسيرة وقيل: يمنع ما زاد على الثلث وقيل: ما زاد على النصف وهو المشهور وقال مالك في الموازية: كنا نكرهه فحمله بعض شيوخنا على ظاهره والأقرب رده إلى التحريم وقيل: إن كان في البلد خراريب فلا يجوز أن يرد نصفه ويأخذ نصفه طعام إذ لا ضرورة وهذا ذكره ابن يونس على طريق التقييد، وظاهر كلام غير خلافه وإليه ذهب بعض من لقيناه.
(والطعام من الحبوب القطنية وشبهها مما يدخر من قوت أو إدام لا يجوز الجنس منه بجنسه إلا مثلاً يدا بيد ولا يجوز فيه تأخير): قال ابن الحاجب: المطعومات ما يعد طعامًا لا دواء قال ابن عبد السلام يريد به كل ما يتخذ للأكل أو الشرب مما ليس بدواء واعترضه بعض شيوخنا بأنه إذا أراد الأكل والشرب فقد خرج الملح لاتخاذه لغير ذلك كتلميح الجلد للدبغ وإلا دخل الزعفران قال والأولى تفسيره بما غلب اتخاذه لأكل آدمي لإصلاحه أو سربه فيدخل الفلفل واللبن، ويخرج الزعفران لعدم غلبة اتخاذه لإصلاحه والماء كذلك.
واختلف المذهب في علة ربا بالفضل على ستة أقوال: فقيل الاقتيات قاله إسماعيل القاضي، وقيل الاتخاذ للأكل غالبا قاله ابن نافع ومثله في الموطأ، وقيل الاقتيات والادخار وهو قول مالك في غير الموطأ وهذه الثلاثة حكاها وقيل الادخار مع التفكه والقوت وإصلاحه ذكره ابن بشير، وقيل العلة في البر الاقتيات وفي التمر التفكه الصالح للقوت.
وفي الملح كونه مؤتدما وهذا نقله اللخمي عن الأبهري عن بعض أصحابنا وقيل: العلة المالية فكل ما هو عنده من جنس واحد لا يحل التفاضل بينهما فلا يباع ثوب بثوبين قاله ابن الماجشون قال ابن بشير وهو يوجب الربا في الدور والأرضين ولا يمكن قوله قلت: وبيان الصحيح من هذه الأقوال له موضع غير هذا ولا حد للادخار على ظاهر المذهب وإنما يرجع فيه إلى العرف، وحكى التادلي أنه سمع في بعض المجالس أن حده ستة أشهر فأكثر، وقد تقدم أن الزعفران ليس بطعام فمن منع سلف طعام في زعفران إلى أجل فيستتاب ثلاثا، فإن لم يتب ضربت عنقه لمخالفته الإجماع لأن الإجماع دل على أنه ليس بطعام نقله عبد الحق في تهذيب الطالب عن ابن سحنون قال ابن عبد السلام وليس بصحيح للخلاف خارج المذهب في كونه محكوما عليه بحكم الطعام لأجل أنه مصلح للطعام سلمنا الإجماع لكن من شرط الذي يستتاب منه مخالفة أن يكون منقولاً بالتواتر وهو غير حاصل هنا.
قلت: ويرد على خلاف في ذلك ثلاثة أقوال تخالفها إن كان نحو العبادات الخمس قال بعض شيوخنا على أن هذا الإجماع لم أجده في كتب الإجماع بحال ومن أوعبها كتاب الحافظ أبي الحسن بن القطان ووقفت على نسخة بخطة فلم أجده.
(ولا يجوز طعام بطعام إلى أجل كان من جنسه أو من خلافه كان مما يدخر أو لا يدخر إلى قوله يدا بيد): اختلف في التوابل فنص في المدونة في السلم الثالث وكتاب أكرية الدور على أن

الفلفل طعام وقال أصبغ في التوابل أدوية كذلك نقله ابن الحاجب متبعًا لابن شاس فإنه ذكر التوابل ولم يعزها واعترضه بعض الشيوخ بأنه إنما خالف ابن المواز في أربعة خاصة وهي الأنيسون والشمار والكمونان، قال وأما التوابل التي هي من مصلحة الطعام فالفلفل والكراوية والكزبرة والقرفة والسنبل وأجابة خليل بنقل المازري، واختلف في التوابل كالكمون والفلفل والكراوية هل هي من الربويات أم لا وإذا فرغنا على مذهب المدونة، فالمشهور أنها أجناس مطلقاً وهو اختيار الباجي.
وقال ابن القاسم: الأنيسون والثمار جنس والكمونان جنس وضعفه الباجي واختلف في الحلبة على ثلاثة أقوال: فقيل: إنها دواء قاله ابن الحاجب صوبه ابن عبد السلام لأن غالب استعمالها في الأدوية وقيل: إنها طعام قاله ابن القاسم، وقيل: الخضراء طعام واليابسة دواء قاله أصبغ ومنهم من يجعله تفسير اللأولين.
(ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد فيما يدخر من الفواكه اليابسة وسائر الأداء والطعام والشراب إلا الماء وحده): ما ذكر أن الماء يجوز فيه التفاضل هو نص الكتاب السلم الثالث من المدونة قال فيها لا يجوز بيع الماء قبل قبضه ويجوز متفاضلا يدا بيد، وظاهر كلام الشيخ وإن كان الماء عذبا وهو كذلك في منصوص المذهب وخرج عبد الوهاب أنه لا يجوز من رواية ابن نافع أنه يمنع بيعه بطعام إلى أجل أنه لا يجوز فيه التفاضل ورده المازري بأن ربا النساء أعم من ربا التفاضل، ولا يلزم من وجود ربا النساء التفاضل، ألا ترى أن الخس والهنديا يمنع بيع بعضهما ببعض إلى أجل ولا يمنع التفاضل فيهما وفرع المازري فيها على التخريج إذا بيعت دار بدار ولكل منهما ماء عذب فإنه لا يجوز على رأي ألا تباع ويجوز على رأي لغوها قلت: وألزم بعض شيوخنا على رواية ابن نافع أن لا تغسل به نجاسة.
(وما اختلفت أجناسه من ذلك ومن سائر الحبوب والثمار والطعام فلا بأس بالتفاضل فيه يدا بيد ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه إلا في الخضر والفواكه): اختلف المذهب في الأخباز إذا كان أصلها مختلفا هل يجوز فيها التفاضل أم لا كما إذا كان أحد الخبزين من قمح والآخر من ذرة على ثلاثة أقوال فقال أشهب: إنها كلها صنف واحد وقيل إنها تابعة لما عملت منه قاله البرقي وقيل إن خبز القمح والشعير والسلت، والذرة والدخن والأرز صنف واحد وخبز القطنية صنف واحد قاله

ابن القاسم وأشهب، وهذه الأقوال الثلاثة حكاها ابن زرقون واختلف في الخبز والكعك بأبزار فقال المازري: يجوز بينهما التفاضل وقيل هما صنف واحد قاله بعض المتأخرين ونقله ابن شاس وإن كان الكعك بلا أبزار لم يجز التفاضل فيه قولاً واحداً.
واختلف في جواز التمر بخله على ثلاثة أقوال: فقيل بالجواز وهو مذهب المدونة وقيل بمنعه وقيل: يجوز في اليسير دون الكثير للمزابنة وهذه الثلاثة حكاها ابن رشد، واختلف في نبيذ التمر ونبيذ العنب فقيل: إن ذلك جنس واحد قاله في المدونة وقيل جنسان قاله في كتاب أبي الفرج والقولان حكاهما الباجي وهذا الفصل الكلام فيه متسع جداً ولولا الإطالة لذكرناه.
(والقمح والشعير والسلت كجنس واحد فيما يحل منه ويحرم):

ما ذكر الشيخ من أن القمح والشعير جنس واحد هو المشهور المعروف من المذهب وقال الشيخ السيوري: إنهما جنسان وحكاه المازري في المعلم قائلاً: ووافقه في ذلك بعض من أخذ عنه يريد عبد الحميد الصائغ وبقول أبي القاسم السيوري قال الشافعي وأبو حنيفة قال ابن عبد السلام: وهو الصحيح لقوله عليه السلام " التمر بالتمر والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير والملح بالملح مثلاً بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربي إلا ما اختلفت ألوانه".
وما ذكر الشيخ من أن السلت حكمه حكم القمح والشعير هو المذهب، وقول السيوري لا يتخرج فيه لأنه أقرب القمح من الشعير قاله بعض شيوخنا، واختلف في العدس هل هو من جنس القمح والشعير أم لا والمعروف عدم الإلحاق وقيل: بالإلحاق وحكاه ابن عبد البر عن ابن كنانة وعزاه اللخمي لرواية ابن حبيب واختلف في الأرز والدخن والذرة والمشهور أنها لا تلحق بما تقدم وعليه ففي جنسيتهما قولان.
(والزبيب كله صنف واحد): يعني سواء كان أحمر أو أسود وصرح به ابن الجلاب والتين كله جنس واحد قاله الباجي وكذلك العنب.
(والتمر كله صنف واحد): يعني كان جديدا أو قديما ولذلك أجاز مالك جديد التمر بقديمه ومنعه عبد الحق قال اللخمي وليس بحسن إن اختلف صنفاهما كصيحاني وبرني، قال ابن حبيب وتمر النخل يكون له ست درجات أولها طلع، ثم أغريض ثم بلح ثم بسر ثم زهو، ثم رطب ثم تمر.
(والقطنية أصناف في البيوع واختلف فيها قول مالك ولم يختلف قوله في الزكاة إنها صنف واحد):

القول بأنها أصناف رواه ابن القاسم وبه قال سحنون وأكثر أصحاب مالك كذا قال ابن عبد البر قال ابن رشد، وبه قال سائر أصحاب مالك والقول بأنها صنف رواه ابن وهب وقال ابن القاسم وأشهب عن مالك الحمص والعدس، واللوبيا صنف واحد والجلبان صنف واحد وما عدا ذلك أصناف مختلفة، وروى أشهب عن مالك الحمص والعدس صنف واحد وسائر القطاني، وأصناف فتحصل في المسألة أربعة أقوال واختلف في الكرسنة فقيل هي من القطاني قاله مالك وقيل صنف على حدة قاله ابن حبيب وقيل إنها غير طعام وهو ظاهر قول يحيى بن عمر وقاله غيره وقيل لا زكاة فيه قال ابن رشد وهو الأظهر لأنها علف وليست بطعام.
(ولحوم ذوات الأربع من الأنعام والوحش صنف ولحوم الطير كله صنف): يعني سواء كان صغيرًا أو كبيرًا أو وحشيا أو أنسيا بريا أو بحريا أو يدخل في ذلك النعام وصرح بذلك ابن الجلاب وخارج المذهب قول إنه كلحوم ذوات الأربع وقال ابن عبد السلام: والقياس أن لحوم الطير تختلف والاختلاف بين لحوم ذوات الأربع أكثر فإن لحوم الإبل لا تقارب لحم الضأن قطعا.
(ولحوم دواب الماء كلها صنف): قال ابن الجلاب: الجراد صنف وذكر ابن الحاجب مثله قال ابن عبد السلام يعنى على القول بأنه ربوي واضطراب المذهب في ذلك، قلت ظاهرة أنه أضطراب هل هو صنف واحد أو أصناف على القول بأنه ربوى ولم أقف عليه فتأمله ويمكن أن يتخرج على القول بأنه لا يفتقر إلى نية ذكاة لأنه نثره حوت أن يكون من دواب الماء لا صنفا منفردا بذاته.
(وما تولد من لحوم الجنس الواحد من شحم فهو كلحمه): لا يريد الشيخ بالشحم خصوصه بل وكذلك غيره قال في المدونة: وما أضيف اللحم من شحم، وكبد، وكرش، وقلب، ورئة، وطحال، وكلى، وحلقوم، وكراع، وخصاء ورأس وشبهه حكمه حكم اللحم، قلت: ويقوم من قولها جوازا أكل خصا الخصي وذكر أنه منصوص عليه كذلك في النوادر، ويقوم منها أيضًا أن المشيمة تؤكل وهو أحد الأقوال الثلاثة وقيل: لا تؤكل وقيل: إن أكل الولد أكلت وإلا فلا، وقد ذكرنا عزو ذلك في الذبائح، وفي المدونة لا بأس باللحم الطري بالمطبوخ إذا غيرته الصنعة وقال ابن عبد الحكم: لا يجوز مثلا بمثل بحال وإن طبخ بأبزار أو خل، مرق

نقله عنه ابن زرقون، واختلف في الخبز هل هو ناقل أم لا، فالمشهور أنه ناقل.
وفي المبسوط عن ابن نافع لا يجوز بيع القمح والدقيق بالخبز وعلى المشهور أن الصنعة معتبره فإن كانت يسيرة كتجفيف اللحم دون أبزار فكالعدم وإن كانت بأبزار فتعتبرة وأما طبخه بالماء والملح فقال ابن حبيب لا أثر له وأما إذا أضيف إليها بصل أو كراث أو ثوم فكان بعض شيوخنا يراه معتبرا وسمعت بعض من لقيناه يعزوه لأبي عمران الفاسي قائلا خلافا للخمي، واختلف المذهب في اللحوم إذا طبخت طبخا مختلفا، والمشهور أنه لا يخرجها عن أصلها، واختار اللخمي وابن عبد السلام أن ذلك يخرجها.
(وألبان ذلك الصنف وجبته وسمنه صنف): يعني سواء كان مضروبا أم لا وخرج اللخمي في اللبن الذي أخرج زبده قولاً بأنه ليس بربوي من قول المدونة ويجوز سمن بلبن قد أخرج زبده قائلاً: ولو كان ربويا لكان من الرطب باليابس ورده ابن بشير بأن السمن نقلته الصنعة والنار قال ابن الحاجب: ووهما فإما بلبن فيه زبد فلا قال ابن عبد السلام، ويعني وهم اللخمي في تخريجه وابن بشير في الرد عليه لأن في المدونة متصلاً بالمسألة فأما بلبن فيه زبد فلا يجوز كبيع لبن فيه زبد بالسمن ولو كانت الصنعة والنار ناقلتين في هذا الموضع لجاز بيع الزبد باللبن قال وهذا الذي رد به على ابن بشير في غاية الظهور فإنه اقتصر على الوصف الذي فرق به وأما توجيهه على اللخمي فقلق لأنه إنما يتوجه عليه أن لو كان تخريج اللخمي اللبن في كل لبن مضروب، وأما إذا كان تخريجه في المضروب وحده فإنه لا يتناوله أصلاً، وقال: قيل كان تخريج اللخمي مما يرد بأول وهلة لأنه إذا ثبت أنه ربوي قبل إخراج زبده لكونه مقتاتا وكونه قادم دوام وجوده مقام ادخاره فلا يزيل عنه ذلك إلا زوال ذلك الوصف.
وأطال رحمه الله الكلام في هذه المسألة وناقشه بعض شيوخنا في ذلك وهي مسألة صعبة قل من يفهم كلام ابن عبد السلام فيها مع ما أورد عليه ولم أستطع فهمه قال في كتاب محمد: الجبن والسمن والزبد لا يجوز باللبن واختلف في اللبن المضروب فأجيز وكره واختلف في بيع الحليب بالحليب متماثلا ومذهب المدونة جوازه وروى أبو الفرج عن مالك منعه لما فيهما من الزبد المجهول قال الفاكهاني: ظاهر قول الشيخ وألبان ذلك الصنف إلى آخره يقتضي جواز بيع بعضه ببعض متماثلا لأن ذلك شأن الصنف الواحد قال ولم يجز ذلك مالك ولا أحد من أصحابه فلا يجوز لبن بجبن ولا

بسمن فانظر هذا فإنه عندي من مشكلات الرسالة.
(ومن ابتاع طعاما فلا يجوز بيعه قبل أن يستوفيه إذا كان شراؤه ذلك على وزن أو كيل أو عدد بخلاف الجزاف وكذلك كل طعام أو إدام أو شراب إلا الماء وحده وما يكون من الأدوية والزرايع التي لا يعتصر منها زيت فلا يدخل ذلك فيما يحرم من بيع الطعام قبل قبضه أو التفاضل في الجنس الواحد منه): ظاهر كلام الشيخ سواء كان الطعام ربويا أم لا وهو كذلك في مشهور المذهب وروى أبو الفرج أنه جائز في الطعام إذا كان غير ربوي وأبعد لأن عموم أحاديث النهي عن بيع الطعام قبل قبضه يتناول غير الربوي كتناولها الروي، وقيل إن كان مكيلا أو موزونا أو معدودا، وإن كان غير مطعوم ولا يجوز بيعه قبل قبضه قاله ابن حبيب وعبد العزيز بن مسلمة ويحيى بن سعيد وربيعة.
قال ابن عبد السلام: وهو الصحيح لنهيه (صلى الله عليه وسلم) عن ربح ما لم يضمن وحمل أهل المذهب هذا النهي المذكور على الطعام وحده وذلك دعوى لا دليل عليها وقيل: لو سلم بيع الطعام من أهل العينة وبيع بنقد فإنه يجوز بيعه قبل قبضه قاله أبو الفرج، وما ذكر الشيخ من أن بيع الطعام إذا كان جرافا يجوز هو مشهور المذهب وقيل: لا يجوز حتى ينقله، رواه أبو بكر الوقار، وروى ابن نافع أنه يكره بيعه قبل نقله، وحكى عبد الوهاب عن مالك أنه استحب أن لا يباع مطلقا حتى ينقل فيتحصل في ذلك أربعة أقوال إذا بنينا على أن نقيض المستحب ليس بمكروه وعلى المشهور فاختلف إذا كان ضمان الجزاف من البائع مثل أن يشتري لبن غنم بأعيانها فهل يجوز بيعه قبل قبضه؟ نظرا إلى كونه جزافا وهو قول أشهب أولا نظرا إلى كونه في ضمان البائع، وهو قول ابن القاسم في ذلك قولان.
ووقع لمالك في العتبية فيمن اشترى نصف ثمرة بعدما بدا صلاحها قال: ليس له بيعها حتى يستوفيها قال ابن القاسم ثم سألناه عنه فقال ذلك جائز قلت: ويقوم من كلام الشيخ أن من اشترى بدينار قمحا فاكتال نصفه ثم سأله أن يعطيه بالنصف الثاني زيتا أنه لا يجوز وهو كذلك في سماع ابن القاسم قال لا خير فيه لأنه بيع الطعام قبل قبضه وطعام النكاح كالبيع باتفاق وما يأخذه المستحقون من بيت المال من طعام ففي جواز بيعه قبل قبضه قولان حكاهما ابن بشير ولم يحك ابن رشد في أرزاق القضاة وشبههم خلافا فإنه لا يجوز وطعام الخلع لا يجوز كغيره قاله في السلم الثالث من

المدونة قال بعض شيوخنا: وأظن أن في المذهب قولاً بجواز بيعه قبل قبضه قلت: وذكر أبو عمران الصنهاجي ولا أعرفه لغيره ويتخرج في النكاح من باب أحرى ولو ثبت الطعام في الذمة عن تعد أو غصب ففي جواز بيعه قولان وأخذ الجواز من المدونة من كتاب الصرف ولو باع أشجار أو استثني ثمرتها فهل يمنع من بيع ما استثناءه قبل قبضه أم لا قولان لمالك واختار ابن عبد الحكم والأبهري الجواز وسبب الخلاف هل المستثنى مبقى أو مشترى قال الفاكهاني عن الغريب الشراء يمد ويقصر الجزاف بكسر الجيم وفتحها وضمها.
(ولا بأس ببيع الطعام القرض قبل أن يستوفيه): يعني أن من أقرض طعامًا فإنه يجوز له أن يبيعه قبل قبضه ودليل ذلك قوله (صلى الله عليه وسلم) " من ابتاع طعامًا فلا بيعه حتى يستوفيه" قالوا خصوصية البيع تدل على أن القرض بخلافه وفي المدونة من أقرض طعامًا له من سلم قبل قبضه فقبضه المقرض له لم يعجبني أن بيعه منه قبل قبضه لأنه بيع له قبل قبضه قاله ابن يونس ولا يجوز من غيره كهو وقيل: أما اليسير من الكثير فلا بأس به وكأنه وكيل على قبضه قال مالك في كتاب ابن المواز ومن أحيل بطعام قرض له على طعام مسلم فقال ابن القاسم: لا يجوز بيعه إياه قبل قبضه وخرج اللخمي قولاً فيه بالجواز من رواية ابن حبيب قال: واختلف فيمن وهب له طعام سلم أو تصدق به عليه فروى ابن حبيب أنه لا يجوز له بيعه قبل قبضه وقيل لا يجوز رواه غيره قلت: وإلى الثاني ذهب المغيرة وابن القاسم.
(ولا بأس بالشركة والتولية والإقالة في الطعام المكيل قبل قبضه): أما الشركة فقال في المدونة: أجمع أهل العلم على جوازها وروى أبو الفرج منعها حكاه غير واحد كابن زرقون وعلى الأول لو كان الثمن مؤجلا ففي المدونة جوازها وقيل لا يجوز قاله ابن القاسم وأشهب وأما التولية فإنها جائزة عندنا ومنعها أبو حنيفة والشافعي ووافقونا على جواز الإقالة وهما محجوجان بما ذكر عبد الرزاق عن جريج قال أخبرني ربيعة بن عبد الرحمن عن النبي (صلى الله عليه وسلم) حديثا مستفيضًا بالمدينة قال: " من ابتاع طعامًا فلا بيعه حتى يقبضه ويستوفيه" إلا أن يشترط فيه أو يوليه أو يقبله.
واستدل العلماء على جواز الإقالة أيضًا بما خرج أبو داود عن أبي هريرة قال:

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " من أقال مسلمًا أقال الله عثرته" وفي المدونة: إن ابتعت سلعة فلم تقبضها حتى أشركت فيها رجلاً فهلكت قبل قبضه إياها وابتعت طعاماً فلم تكتله حتى أشركت فيه رجلاً فهلك قبل قبضه إياه أو لم تقاسمه حتى هلك الطعام فضمانه منكما وترجع عليه بنصف الثمن قال عياض: وأنكرها سحنون، وحكى فضل في التولية إنها من المولى حتى يكتاله وكذلك ينبغي في الشركة وعليه حمل إنكار سحنون.
قال أبو عمران: ولا يعرف هذا إلا من قول فضل وقول ابن القاسم إنه من المولي بنفس العقد كالجزاف وقد سوى في الكتاب بعد هذا بين الشركة والتولية في وجود النقص قال على المولي نقصه وله زيادته إذا كان من نقص الكيل وزيادته وليس ذاك للذي ولي وإن كان كثيراً وضع عليه بحسابه ولم يكن عليه ضمان فيما نقص والشركة مثله، قال أبو محمد زهده يدل على أن ليس على المشترك أجر الكيل وكذلك ينبغي في الإقالة إذ هما معروفان كالشركة، وكذلك ينبغي في القرض والهبة وإن وجدوا زيادة أو نقصانا فلهم وعليهم بخلاف البيع ذلك للبائع قال.
واختلف فيمن وهب أقساطا من دهن جلجلان أنه على من عصر فينبغي أن يجرى على الخلاف الذي ذكرناه أيضاً ولم يجعل الطعام في الشركة إن لم يكن قبض ثمنه كالمحبوسة في الثمن لما كان أصل الشركة معروفا وتأول بعض المذاكرين مسألة الكتاب على أن الهلاك ببينة ولو كان بدعوى لخرجت على الخلاف في المحبوسة في الثمن والصواب ما ذكرناه قال في المدونة: ومن قال لرجلين اشتريا عبداً أشركاني فيه فأشركاه كان بينهم أثلاثاً قال ابن محرز: قالوا هذا على أنه لقيهما معاً، ولو لقيهما منفردين لكان له نصفه قال ابن يونس: اختلف في هذا على ثلاثة أقوال أحدها قول المدونة بالإطلاق، والثاني لغيرها أنه يكون له نصفه والثالث لبعض أصحابنا القرويين الفرق أن يلقاهما معًا أو مفترقين فإن لقيهما معًا فله ثلثه أو مفترقين فله نصفه.
(وكل عقد بيع أو إجارة أو كراء بخطر أو غرر في ثمن أو مثمون أو أجل فلا يجوز): وفي الموطأ من مراسيل ابن المسيب أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نهي عن بيع الغرر وقال المازري ما تردد فيه بين السلامة والعطب قلت واعترضه بعض شيوخنا بأنه غير

جامع الخروج غرر فاسد كصور بيع الجزاف وبيعتين في بيعة ونحوهما إذ لا عطب فيهما قال، وقول ابن الحاجب وهو ذو الجهل والخطر وتعذر التسليم يتعقب من ثلاثة أوجه أحدها جهل صفة المبيع فهو تعريف مباين الثاني أن الخطر مساو في المعرفة للغرر أو أخفى منه الثالث إن تعذر التسليم إنما ذكره الأصوليون من حكمة التعليل بالغرر قال والأقرب أن الغرر ما شك في حصول أحد عوضيه أو مقصود منه غالبا.
قال الباجي: ويسير الغرر عفو إذ لا يكاد يفارق وزاد المازري كون متعلق اليسير غير يسير ومقصود لضرورة ارتكابه وقدره في جواز بيع الأفنية وجواز الكراء بالشهر مع احتمال نقصه وتمامه وجواز دخول الحمام مع اختلاف قدر ما يكفي الناس ولبثهم فيه والشرب من الساقي إجماعا في الجميع وذلك دليل على إلغاء ما هو منه يسير غير مقصود دعت الضرورة إليه قال ابن عبد السلام وزيادة القيد الأخير فيه إشكال من وجهين: الأول: أنه إذا كان يسيرا في نفسه غير مقصود إليه من المتبايعين ولا أحدهما فلا معنى للمنع منه لأن المنع من بيع الغرر إنما هو لما يؤدي إليه من المخاصمة والمنازعة.
والثاني: أنهم قالوا والمازري فيهم العيان يشهد له أن أكثر البياعات لا تخلو عن يشير الغرر فلو اشترطنا مع ذلك في اجازة البيع احتياج المتبايعين إلى ارتكاب ذلك الغرر ومعلوم أن الذي يباح عند الحاجة، ويمنع منه عند عدمها هو رخصة فيلزم عليه أن تكون أكثر البياعات رخصة وهو باطل قطعا وخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نهى عن الملامسة والمنابذة والملامسة عندنا أن يلمس الثوب، فيجب البيع من غير تبيين والمنابذة أن يتنابذا أن يتنابدا ثوبين فيجب البيع.
وخرج مسلم أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نهى عن بيع الحصاة.
قال المازري: واختلف في تأويله وأحسن ما قيل فيه تأويلات منها أن يبيع من أرضه قدر رمي الحصاة ولا شك في جهله لاختلاف قوة الرامي، وقيل: معناه أي ثوب وقعت عليه الحصاة فهو المبيع وهو مجهول أيضا كالأول وقيل: معناه إذا أعجبه الثوب تركه على حصاة وقيل معناه أرمي بالحصاة فما خرج كان لي بعدده دنانير أو دراهم وهذا مجهول أيضًا وهذا إذا كان بمعنى الخيار وجعل ترك الحصاة علما على الاختيار لم

يمنع إلا أن تكون عادتهم في الجاهلية أن يضعوا أمورا تفسر مثل أن يكون متى ترك الحصاة ولو بعد عام وجب البيع وقيل كان الرجل يسوم الثوب وبيده حصاة ويقول إذا سقطت من يدي وجب البيع.
وهذا إذا كان معناه إذا سقطت باختياره فهو بيع خيار إذا وقع مؤجلا فلا يمنع إلا أن يكون ثمنه مجهولا، وقد يكون هذا هو معني القولين الأخيرين قال ابن رشد: وشراء الغاصب ما غصبه وهو بيده إن علم منعه ربه إن لم يبعه فسد البيع وإن علم رده إليه إن لم يبعه جاز اتفاقًا فيهما وإلا فقولان وأما بيعه ربه من غير الغاصب وهو بيد الغاصب فإن كان الغاضب لا يأخذه حكم فسد إجماعا وإن كان يأخذه الحكم فإن كان حاضرا مقرا بالغصب جاز البيع وإن أنكر فقولان لأنه شراء ما فيه خصومة وهما قائمان من المدونة وإن كان الغاصب غائبا عن مجلس الشراء فإن كان على غصبه بينة جاز وإلا فلا وقيل إنما الخلاف إذا كان ببينة وإلا فالمنع اتفاقًا.
(ولا يجوز بين الغرر ولا بيع شيء مجهول ولا إلى أجل مجهول): قال الفاكهاني: لا أدري لم كرر الشيخ هذه المسألة وهي بعض ما قبلها لأن الغرر الذي ذكره ثانيا هو ما في الثمن أو المثمون وقد تقدم استيفاء الكلام عليه، وقوله ولا بيع شيء مجهول هو الغرر في المثمون المتقدم أيضًا وكذلك الأجل المجهول فتأمله.
(ولا يجوز في البيوع التدليس ولا الغش ولا الخلابة ولا الخديعة):

قيل إنها ألفاظ مترادفة والصحيح أنها متباينة فمثال التدليس أن يعلم بسلعته عيبًا فيكتمه ومثال الغش أن يجعل في اللبن ماء ومثال الخلابة أن يكذب في الثمن أو يرقم على السلعة أكثر مما اشتراها به ومثال الخديعة أن يخدعه بالكلام، وقال في المدونة: ومن ابتاع ثيابًا فرقم عليها أكثر مما ابتاعها به وباعها برقمها ولم يقل قامت على بكذا فقد شدد مالك فيه الكراهة واتقي فيها وجه الخلابة وأقام منها بعض من لقيناه من القرويين ما يفعله فسقة التجار يبيع الثوب ويربط فيه صره دراهم ويرى البدوي أن لا علم له بذلك فيطمع البدوي فيها فيدفع أكثر من الثمن المعتاد أو يأخذ التاجر دراهمه ويعلم أن للمشتري فيه مقالا قال ابن أبي زمنين: فإن نزلت مسألة الكتاب خير المبتاع بين أخذها وردها فإن فاتت ففيها القيمة كذا فسره ابن الماجشون وقال ابن أخي هشام، ويلزمه الأقل من الثمن أو القيمة وسواء باعها مرابحة أو مساومة ومن الخديعة أن ينسب السلعة إلى غير جنسها وللمبتاع الرد بذلك قاله ابن حبيب واختلف فيمن باع حجرا بثمن يسير ثم وجده ياقوته أو زبرجدة تساوي مالا كثيرًا فسمع أشهب وابن نافع أنه لا مقال للبائع، ولو شاء لتثبت وهو المشهور وفي سماع أبي زيد أن له مقالا قال ابن رشد: وهذا الاختلاف إنما هو لم يسم أحدهما الشيء بغير اسمه كقوله: أبيعك هذه الزجاجة فيجدها المشتري ياقوتة فإنه لا يلزم المبيع باتفاق.
قال ابن يونس في كتاب الصيد وأما لو اشتري رجل حوتا فوجد في جوفه جوهرة فقال الأبياني هي له وقال بعض شيوخنا أنها للبائع قلت: وأعرف فيها قولاً ثالثاً بالفرق بين أن تباع وزنا فللمشتري أو جزافا فللبائع ذكره بعض القرويين وأظنه أبا زيد عبد الرحمن بن الدباغ صاحب معالم الإيمان وكان بعض من لقيناه يعزوه لنقل اللخمي عن بعض القرويين وكل هذا إذا لم تكن مملوكة قبل وأما لو ملكت كما لو وجدت مثقوبة فهي لقطة اتفاقاً.
وأما الخرزة البونية فسمعت شيخنا أبا مهدي عيسى الغبريني رحمه الله تعالى ينقل عن ابن الحاج أنها للمشتري باتفاق والخلاف فيما تقدم ليس هو من باب الغبن وإن كان فيه اختلاف واضطراب أيضًا والمشهور أنه لا قيام له وعليه العمل عندنا بإفريقيا وذهب البغداديون إلى القيام به وهو الثلث قاله الأبهري وأصحابه، وقال ابن القصار هو

ما زاد عليه، وقيل ما خرج عن المعتاد وظاهر قول أبي عمر بن عبد البر أن قول الغبريني في بيع الوصي والوكيل، كقدره في بيع من باع ملك نفسه قال بعض شيوخنا وكان بعض من لقيناه ينكر ذلك ويقول غبن بيعهما ما نقص عن القيمة نقصًا بينا، وإن لم يبلغ الثلث وهو صواب لأنه مقتضى الروايات في المدونة وغيرها ولو ابتاع الوكيل بمالا يشبه من الثمن لم يلزمه.
(ولا كتمان العيوب ولا خلط دنئ بجيد): في مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مر على صبرة من طعام فأدخل يده فنالت أصابعه بللا فقال " ما هذا يا صاحب الطعام" فقال أصابته السماء يا رسول الله قال " أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس من غشنا فليس منا" قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: يعاقب من غش بسجن أو ضرب أو إخراجه من السوق إن اعتاده، ونقل ابن القاسم، أنه لا يشترط اعتياده في إخراجه من السوق بل يخرج مطلقا قال وعليه يصح رده بعد مدة يرجي فيها أنه قد تاب وإن لم تظهر توبته وعلى الأول لا يرد حتى تظهر توبته.
قال ابن حبيب: ويؤدب بالمال اليسير كلبن غشه بماء يتصدق به مع تأديبه وأما بالمال الكثير فلا نعم لا يرد إليه ويباع ممن لا يغش به قاله أصحاب مالك، قلت وأقيم من العتق بالمثلة الأدب بالملال الكثير ويرد بحرمة الآدمي وسيأتي عزو ذلك عند ذكر الشيخ والعتق بالمثلة إن شاء الله تعالى قال ابن رشد لا يتصدق على من لم يعلم بغشه إذا اشتراه أو ورثه، وسمع أشهب وابن نافع أحب إلى أن لا يخلط لبن البقر بلبن الغنم لإخراج زبدهما فإذا وقع الخلط فلابد من البيان فحمل ابن رشد أحب إلي على الوجوب ومن خلط قمحا بشعير لقوته وفضلت منه فضلة فروى محمد يكره أن يبيعه وإن قل ثمنه.
وقال ابن الماجشون ومطرف وخففه ابن القاسم وقال بعض الشيوخ: إن أمكن تمييز الدنئ من الجيد كسمين اللحم مع هزيله لم يجز بيع كثيره حتى يميز ويجوز بيع قليله والقليل كالخمسة أرطال والكثير كالعشرين رطلا قاله ابن القاسم، وإن لم يمكن تمييزه كالسمن مع العسل، فقيل يجوز بيعه بعد وقيل: يمنع وقيل: إن خلط للأكل جاز، وإن خلط للبيع لم يجز وقيل: مثله إن كان يسيرا، فإن بان الغش فإن المشتري بالخيار ودليله حديث المصراة فهو خير النظرين وخرج فيه قول بالفسخ من بيع

النجش على قول القرويين وابن الجهم بفسخه، وألحق فيه للآدمي ورده المازري بأن الرد عندهم في مسألة النجش لدلالة النهي على الفساد وشرطها عدم النص بلغو دلالته.
وقوله (صلى الله عليه وسلم) في حديث المصراة؛ فهو بخير النظرين نص في لغو الدلالة قال: ولا يتوهم تخريج الفسخ من أحد القولين فيما إذا اطلع على أنه مغصوب لأن الغصب لو علم به في العقد أفسده بخلاف الغش.
(ولا أن يكتم من أمر سلعته ما إذا ذكره كرهه المبتاع أو كان ذكره أبخس له في الثمن): يريد كجلد الميتة والثوب المنسوخ من شعر الميتة وكل مسألة فيها خلاف شهر بين أهل العلم كلحم المغلصة إلى غير ذلك مما يكثر تكرره، ونقل بعض من لقيناه عن بعض المغاربة بأنه أخذ من قول الشيخ ولا أن يكتم من أمر سلعته إلى آخره أن الكيمياء لا تجوز لأن من يدفع له من ذهبها شيء لو أعلمه ما قبله ولا يمكنه أن يبينه لأنه يخاف على نفسه قال شيخنا أبو مهدي: وهب أنه لا يخاف فيدخله الفساد من جهة أرى وهي صيرورتها إلى أصلها وإن بعد أمرها وذكر حكاية المازري المقتضية لذلك ولولا الإطالة لذكرناها.
(ومن ابتاع عبداً فوجد به عيبًا فله أن يحبسه ولا شيء له أو يرده ويأخذ ثمنه إلا أن يدخله عنده عيب مفسد فله أن يرجع بقيمة العيب القديم من الثمن أو يرده ويرد ما نقصه العيب عنده): قال القاضي عبد الوهاب: وليس للمبتاع أن يحبسه ويرجع بقيمة العيب لحديث المصراة وما ذكر الشيخ من أنه بالخيار مراده به ما لم يصرح بالرضا أو يسكت من غير عذر وجعل ابن القاسم في المدونة: السكوت رضا ولم يقيده وقال أشهب: إن كان قريبا كاليومين فليس سكوته برضا وأكثر من لقيناه حمله على الخلاف وعلى كل حال، فالسكوت يدل على الرضا إما مطلقًا وإما مقيدا بالطول من غير خلاف.
وإن كان الشيوخ يحكي الخلاف في السكوت هل يتنزل منزلة النطق أم لا وما ذكرناه من نفي الخلاف هو اختيار ابن عبد السلام واختلف المذهب إذا تصرف على الدابة بعد اطلاعه على العيب فروي عن مالك أنه يدل على الرضا وبه أخذ ابن القاسم وأصبغ وابن حبيب، وقيل عكسه قال مالك أيضًا وبه أخذ أشهب وابن عبد الحكم ونقل عن ابن كنانة إذا وجد العيب وهو مسافر فليشهد على عدم الرضا ويردها

ولا يركبها في ردها إلا أن يكون بين قريتين فليبلغ عليها القرية.
وقال ابن نافع: لا يركبها إلا أن لا يجد بدا قلت: فيتحصل في المسألة أربعة أقوال، واختلف المذهب في العيب الظاهر إذ زعم المشتري أنه لم يعلم به هل له مقال أم لا فقال ابن حبيب لا مقال له، قال ابن عبد السلام وعليه اعتمد غير واحد ممن صنف في الأحكام وعليه يعتمد أصحاب الوثائق واعترض بعض شيوخنا نقله عن الموثقين بأن المتيطي وابن سهل منهم ومع هذا فقد أوجبا اليمين فقط على البت في العيب الظاهر، ومثله لابن عات في غير موضع من الطرر منها قوله ومن امتنع من دفع ثمن ما ابتاعه لدعواه عيبًا به إن كان ظاهراً لا طول في الخصام فيه لم يلزمه دفعه حتى يحاكمه، وقال في المدونة: إذا وجد العبد أعورًا أو أقطع إن له مقالا فحملها غير واحد على خلاف قول ابن حبيب وتأولها بعضهم على أن البيع وقع على غاية الصفة ولا يثبت العيب إلا بعد لين من أهل العلم بعيوب تلك السلعة وإن لم يوجد عدل قبل غيرهم ولو كانوا غير مسلمين للضرورة.
(إلا أن يدخله عنده عيب مفسد فله أن يرجع بقيمة العيب القديم من الثمن أو يرده ويرد ما نقصه العيب عنده): ظاهر كلام الشيخ ولو قال البائع: أن أقبله بالعيب الحادث وإليه ذهب عيسى بن دينار ورواه يحيى عن ابن القاسم وقال به ابن نافع ورواه عن مالك لأن المشتري قد يتعلق له غرض بعين المبيع وقيل إن كانت فيه زيادة مع العيب أو فراهية لحاجة المبتاع وأما إن لم يكن فيه غير النقص، فلا مقال للمشتري ونحا إلى هذا القول اللخمي قال عياض: ورجع هذا القول شيوخنا وقيل لا مقال للمشتري مطلقًا وهو مذهب المدونة، ورواه عيسى عن ابن القاسم.
وقال أشهب: وقال ابن لبابة: إن كان البائع مدلسًا فالتخيير باق وإلا فلا قال عياض: وهو جيد في الفقه فيتحصل في المسألة أربعة أقوال وكلها في التنبيهات والعيوب الحادثة عند المشتري على ثلاثة أقسام: قسم: لا أثر له وهو ما إذا كان يسيرا كالعجف.
وقسم: يتحتم فيه الرجوع بالأرش وهو كل ما يخرج عن المقصود كالعمي وما بينهما هو بالخيار كما قال الشيخ وهو الذي أراد بقول عيب مفسد والله أعلم.
واختلف المذهب إذا تلف المبيع بعد أن طلع المشتري على بيعه وقبل قبض

البائع له على أربعة أقوال: فقيل ضمانه من البائع بنفس قول المشتري رددته قاله ابن القصار وقيل حتى يقبضه البائع قاله مالك في الموازية.
وقيل إن حكم به حاكم من البائع وهو مذهب المدونة وأول رواية الموازية وكلها نقلها اللخمي وقيد بالأول بكونه عيب رد لا شك فيه وقيل إن الضمان من البائع إذا أشهد المشتري أنه غير راض به ولم يطل أمده يرى بحيث أنه رضيه حكاه ابن رشد في المقدمات عن أصبغ.
(وإن رد عبدًا بعيب وقد استغله فله غلته): ما ذكر الشيخ هو مذهبنا واحتجوا على أن الغلة للمشتري بحديث الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الخراج بالضمان.
وبما ذكر أبو داود بسنده إلى عائشة رضي الله عنها أن رجلاً ابتاع غلامًا فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم فوجد به عيبًا فخاصمه إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فرده عليه فقال الرجل: يا رسول الله قد استغل غلامي فقال عليه السلام: " الخراج بالضمان".
" وأما من اشترى نخلا وفيه ثمر قد أبر واشترطها أو اشترى غنما وعليها صوف قد كمل فجد النخل طيبها أو جز الصوف" فقال ابن القاسم: يرد ذلك للبائع، وقال أشهب: وهو للمشتري، وقال ابن القاسم في المدونة: ولا يرد اللبن وإن كان في الضروع يوم البيع، وقال ابن المواز: اتفق على ذلك ابن القاسم، وأشهب.
وقال ابن عبد السلام: وانظر هل فيه قولة لأشهب أم لا: قلت، والصواب أنه لا قولة فيه ليسارة اللبن وأنه لا يبقي كالصوف والتمر.
(والبيع على الخيار جائز إذا ضربا لذلك أجلا قريباً إلى ما تختبر فيه تلك السلعة أو ما تكون فيه المشورة): ظاهر كلام الشيخ أن خيار المجلس لا يعول عليه، وهو كذلك عند مالك وقال به الفقهاء السبعة كذا قال ابن شاس وابن الحاجب وسلمه التونسيون كابن عبد السلام واعترضه الشيخ خليل بأن الإجماع على أن سعيد بن المسيب من الفقهاء السبعة وهو

قائل بخيار المجلس قاله المازري، وصاحب الإكمال، وبه قال ابن حبيب لحديث الموطأ.
وقد أكثر المازري في الاعتذار عن مالك حيث روى الحديث، ولم يأخذ به فمن شاء فلينظره في شرحه، وحقيقة بيع الخيار بيع وقف أولا على إمضاء متوقع فيخرج الخيار الحكمي قاله بعض شيوخنا.
قال المازري: وفي كونه رخصة لاستثنائه من بين الغرر، وحجر المبيع خلاف قال في المدونة: أمر الخيار في الدور الشهر، ونحوه.
وقال ابن حبيب فيها وفي الأرضين الشهران ومثله في الموازية، قال عبد الحق الدور والأرضون سواء لا وجه لمن فرق بينهما وجعل ما تقدم وفاقًا للمدونة لا خلافًا، وهل المدة في الدور الثلاثة الأشهر نقله عياض في الإكمال عن الداودي.
قال التونسي: له أن يقيم بالدار ليلا ليختبر جيرانها دون سكناه، قال المتيطي: واختلف في جواز شرط السكني على ثلاثة أقوال: فقيل: جائز نقله غير واحد، وقيل: لا يجوز قاله ابن القاسم، وقيل: إن كان من أهل محلتها لم يحتج إلى السكنى لأنه عالم بجيرانها، وإن لم يكن من أهلها جاز شرط السكنى، قاله اللخمي، وفي المدونة: أمدا بالخيار في الجارية الجمعة وشبهها ابن حبيب، وكذلك العبد.
قال محمد: أجاز ابن القاسم فيه عشرة، وروى ابن وهب فيه شهراً قلت: وأما المكاتب فإنه أجاز فيه الخيار شهراً.
قال في المدونة: ومن كاتب أمته على أن أحدهما بالخيار يوما أو شهراً جاز، ولا يقال: هو خلاف لأن الشرع متشوف للحرية.
وأما الدابة فإن كان اختبارها بركوبها ففي المدونة: اليوم وشبهه، وإن كان اختبارها في كثرة الأكل وقلته وغلاء ثمنها، ورخصه فيوسع له في الأجل فتجوز الثلاثة الأيام كالثوب.
قال عياض: كذا في رواية شيوخي، وكذا رواه ابن وضاح، وفي بعض النسخ اليوم واليومان، وما نبه عليه في كتاب ابن عتاب ليس عند ابن وضاح، واختار اللخمي أن يكون بحساب الثمن ليس الدينار كالعشرين، ولا هي كالمائة، ولا فرق بين الثياب وغيرها إذا كان المقصود اعتبار حال الثمن وصوبه ابن عبد السلام قائلاً: ينبغي أن لا

يقتصر القاضي، ولا المفتي على ما وقع في الروايات.
قال الفاكهاني عن الغريب، والمشورة بفتح الميم وإسكان الشين وفتح الواو وبضم الشين وإسكان الواو لغتان.
(ولا يجوز النقد في الخيار، ولا في عهدة الثلاث ولا في المواضعة بشرط) اعلم أن قيد الشرط راجع إلى الثلاث التي ذكرها الشيخ ويزاد بيع الشيء الغائب على الصفة ولا يجوز دفع الثمن، ولو مع الطوع في الأمة إذا بيعت على خيار، وفيها مواضعة وكذلك بيع الشيء الغائب على الخيار والسلم على خيار، وكذلك الأرض غير المأمونة على خيار.
وذكر عبد الحق في النكت: أنه لا يجوز ولو مع الطوع بخلاف الرهن إذ ليس الحق في غير الرهن، وإنما هو توثقة، في غير الحق في عينه، وما ذكر الشيخ أن شرط النقد فيما ذكر لا يجوز هو كذلك اتفاقًا لاحتماله تارة بيعًا، وتارة سلفًا، فيقوم من قوله إن كل ما لا يعرف بعينه من مكيل أو موزون لا يصح بيعه بالخيار بشرط الغيبة عليه، ونص على ذلك سحنون في المدونة: إلا أنه ذكر ذلك في المبتاع.
وفي الموازية والبائع لأنه إذا أمضى البيع كان بيعا، وإن لم يمض البيع وجب رده، وقد يكون تصرف فيه، ويرد مثله فيكون سلفًا، ويريد سحنون ما لم يطبع عليه، ونص عليه اللخمي.
قلت: فإن وقع البيع في بيع الخيار على شرط النقد فهل يفسد البيع أم لا والمعروف من المذهب أنه يفسد وحكي ابن الجلاب قولاً بعدم فساده ونصه، وفي

فساد البيع بشرط النقد قولان.
قال بعض شيوخنا ولا أعرفه إلا كرواية محمد عن نقد ثمن ثوب حتى يراه فإن لم يرضه رده جاز إن قرب وطبع عليه، وعلى الأول لو وقع الاتفاق على إسقاط الشرط، فذهب سحنون إلى صحة العقد.
وقيل: إنه لا يصح عزاه عبد الحق لبعض الأندلسيين قال ابن رشد: وهو ظاهر المدونة، وعزا المازري القولين للمتأخرين.
(والنفقة في ذلك والضمان على البائع): أما النفقة فهي على البائع سواء قلنا: إن البيع منعقد من أوله أو بآخره، وظاهر كلام الشيخ في الضمان سواء كان المبيع مما يعاب عليه أم لا، وليس كذلك، وإنما يضمن البائع ما لا يغاب عليه، وأما ما يغاب عليه فمن المشتري، وهو نص المدونة، وهو المشهور، وهو الذي أراد الشيخ، والله أعلم.
وقيل: إن الضمان ممن شرطه الخيار مطلقًا قاله مالك، وحكاه ابن رشد وتتخرج النفقة والغلة عليه، وعلى الأول فاختلف لو قامت البينة بهلاكه من غير سببه، فقال ابن القاسم لا يضمن.
وقال أشهب: يضمن بناء على أصليهما هل الضمان بالتهمة أو بالأصالة، وكلاهما حكاه المازري، واللبن والسمن، غلة اتفاقًا.
وأما الصوف فإن اشترطه المشتري فهو له كمن اشترى سلعتين، وإن لم يشترطه فهو للبائع واختلف في أرش الجناية، فقيل: إنها للبائع وهو مذهب المدونة، وقيل: إنه تبع له قاله ابن حبيب، ولو ولدت الأمة ثم أمضي البيع.
فقال ابن القاسم: يتبعها كالصوف، وقال أشهب: كالغلة وكلاهما في المدونة: واستشكلت هذه المسألة من وجهين: أحدهما: كيف جاز بيعها مع أن الحامل المقرب لا يجوز بيعها وأجيب بأنه لا مانع من أن يكون باعها في آخر الشهر السادس وولدته في أول السابع قاله عياض على غير ذلك من التأويلات.
وقال بعض من لقيناه: هذا الإشكال إنما يرد على غير طريق ابن رشد، وأما هو فقال رحمه الله مذهب مالك جواز بيع المريض، قال وهو دليل خيار المدونة وظاهرها في الاستبراء وسماع عيسى عن ابن القاسم.

ونص أصبغ ونسب المنع لابن حبيب، وابن الماجشون، قال: ومال إليه سحنون، وهي طريقة لا اعتراض عليها.
الثاني: أن كلا من ابن القاسم، وأشهب ناقض أصله، وذلك في الحرة إذا تزوجت عبدًا بغير إذن سيده، فأجاز نكاحه بعد أن زنت فقال ابن القاسم: لا ترجم، وقال أشهب: ترجم.
وأجاب بعض شيوخنا عن أشهب: بأن الحدود تدرأ بالشبهات، وعن ابن القاسم بأنه خيار حكمي وناقضًا أصليهما، وبقوليهما أيضًا في الأمة إذا جنت ثم ولدت ثم أسلمها سيدها للمجني عليه، فقال ابن القاسم: لا يتبعها ولدها خلافًا لأشهب، وإذا وهب للعبد المبيع بالخيار مال ففي المدونة هو للبائع، وقال ابن الكاتب: يعني بذلك أن يباع بدون ماله وحمله الأكثر على الوفاق، وحمله ابن الجلاب على الخلاف وارتضاه بعض من لقيناه.
(وإنما يتواضع للاستبراء الجارية التي للفراش في الأغلب أو التي أقر البائع بوطئها وإن كانت وخشا): اختلف المذهب إذا باعها بشرط ترك المواضعة فقيل: البيع جائز والشرط باطل، ويحكم بينهما بالمواضعة، وقيل: إن البيع فاسد، قاله الأبهري ومثله في كتاب ابن المواز، ولهذه المسألة نظائر منها إذا اشترط إسقاط الجائحة فقال ابن القاسم لا يعول عليه، وقيل: إن البيع فاسد وعزاه اللخمي للسليمانية، ومنها إذا اشترط ضمان العارية فقال ابن القاسم: لا يلتفت إليه خلافًا لأشهب.
قال ابن الجلاب: ولو ماتت الأمة المتواضعة، ولم يعلم هل كان موتها قبل مدة الاستبراء أو بعدها فقال مالك الضمان من البائع، وقال مرة من المشتري.
(ولا تجوز البراءة من الحمل إلا حملا ظاهرًا): اعلم أنه اختلف المذهب في بيع الجارية التي يزيد في ثمنها الحمل أو البقرة، أو غيرها على أنها حامل على أربعة أقوال: فقيل: لا يجوز قاله مالك في سماع ابن القاسم، وقيل: إنه جائز وإن وجدت غير حامل فله الرد قاله أشهب: وقيل: جائز فإذا وجدها غير حامل فإن كان يظن أنها حامل، فلا يردها، وإن كان يعلم أنها حامل بمعرفته فله ردها لأنه غره، وأطمعه.
قال ابن أبي حازم، وقيل: يجوز في الحمل الظاهر دون الخفي قاله سحنون وهذه

الأقوال الأربعة حكاها ابن زرقون والقول بالمنع مطلقًا هو نص البيوع الفاسدة من المدونة.
قال فيها: ومن باع شاة على أنها حامل لم يجز وكأنه أخذ لجنينها ثمنا حين باعها بشرط أنها حامل، وهو ظاهر كلام الشيخ ولتخصيصه الجواز في بيع البراءة بالحمل الظاهر فدل على أن غير البراءة لا يجوز مطلقًا وتعقب ابن الفخار قول الشيخ قائلاً: الصواب أنه لا تجوز البراءة من الحمل في الجواري الرفيعات إلا في الحمل الظاهر، ويجوز من حمل الوخش، وإن لم يكن ظاهراً هذا قول مالك، ولا يعرف خلافه وزعم ابن زرقون وابن رشد أن بيعها بشرط البراءة متفق عليه لأنه تبرأ من عيب، وهو قصور لنقل ابن يونس في أواخر كتاب الخيار.
قال: ولو شرط حمل الجارية في البيع فسخ، وقيل: إن كان ظاهراً جاز فيها، وفي الغنم.
وقيل: إن كان على البراءة جاز في الوجهين، قال ابن زرقون، وغيره: إنما يجوز في الرمكة على القول به إن قال: إنها حامل مطلقًا، ولو قيل: إنها حامل من فرس أو حمار لفسد البيع؛ لاحتمال أن يكون انفلت عليها غيره.
قلت: واختار بعض من لقيناه الجواز إذا كان يعلم أنه حفظها من غيره.
(والبراءة في الرقيق جائزة مما لم يعلم البائع).
ظاهر كلام الشيخ أن غير الرقيق لا تفيد فيه البراءة، وهو نص المدونة قال المتيطي، وعليه العمل وبه الفتوى، وبه قال الجمهور من أصحاب مالك.
وقيل: تفيد في كل شيء من عرض وغيره، قاله أشهب، وابن وهب وابن حبيب، وابن كنانة، واستقرئ من المدونة، وبه قال مالك في كتاب ابن حبيب.
وقيل: فيما عدا الحمل الخفي من الرائعة إذ لا تصح البراءة منه لخطره، وقيل عكسه، قاله عبد الوهاب، وتأوله اللخمي على المدونة أيضًا، وعليه العمل عندنا بتونس.
وقيل: تفيد في الحيوان وهو نص الموطأ، والواضحة وأحد قولي الموازية، وقيل: تفيد من السلطان خاصة قاله مالك، وحكي ابن أبي زمنين وابن الكاتب وغيرهما أنه لا يختلف قول مالك في بيع السلطان: إنه بيع براءة، وقيل: يفيد من الورثة لقضاء دين وشبهه.
وقيل: فيما طالبت إقامته عند بائعه، واختبره، قاله في الواضحة والموازية، وتأول على المدونة، وقيل: تفيد في كل شيء إذا كان العيب تافهًا غير مضر، رواه ابن القاسم

في كتاب محمد ونحوه في العتبية وعليه حمل قول المغيرة، وهو مثل قول المدونة إن البراءة لا تنفع في أهل الميراث، ولا غيرهم إلا أن يكون خفيفا، وزعم ابن الكاتب انه لا يختلف قول مالك في اليسير، وغيره جعله مختلفا فيه كما قلنا فهذه ثمانية أقوال.
وبالجملة فقد أطال عياض الكلام عليها جدا وذكر أولا أن فيها تسعة أقوال ثم زاد في آخر كلامه عاشرا ويظهر أن في بعضها التكرار قال: وفي الكتاب منها ستة، قلت: وكل هذه الخلاف فيما لا يشترط فيه التماثل، وأما ما يشترط فيه التماثل كمد قمح بمد فلا يجوز اشترط البراءة، لما يؤدي إليه من التفاضل.
وكذلك لا يجوز في القرض كما إذا استقرض عبداً وتبرأ من عيوبه دخله سلف جر منفعة نص على ذلك الباجي والمازري، وقبله خليل، وقال بعض من لقيناه بدخول المسألة الأولى في الخلاف إذ ليس ثم تفاضل البتة؛ لأن الفرض أن القدر واحد وقصاري الأمر أن الصفة تختلف على تقدير الوجود، وذلك لا يضر.
(ولا يفرق بين الأم وولدها في البيع حتى يثغر): الأصل في هذا ما خرجه الترمذي عن أبي أيوب قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: " من فرق بين الوالدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبائه يوم القيامة".
ووقع في المدونة: ما يوهم جواز التفرقة قال في كتاب المرابحة في الجارية التي ولدت عنده: لا يبيعها مرابحة، ويحبس ولدها إلا أن يبين واعترضه فضل، قال: هذه من بيع التفرقة، وللناس في ذلك تأويلات: أحدها: لعله أعتق الولد.
الثاني: لعله بلغ حد التفرقة.
الثالث: لعله مات.
الرابع: لعله على تأويل ابن القاسم عن مالك في العتبية، وتخريجه في سماعه على المسألة أنه رجع إلى إجازة بيع التفرقة، وقد وهموه في هذا التأويل.
الخامس: أن يكون ذلك برضا الأم على أحد القولين.
السادس: أنه إنما تكلم هنا على أحكام بيع المرابحة ولم يتعرض للكلام على التفرقة فلم يتحرز منها وكلها ذكرها عياض رحمه الله تعالى، وما ذكر الشيخ من أن

حده الإثغار هو قول مالك في المدونة قائلاً: ما لم يعجل به، وهو أحد الأقوال الستة.
وقيل: سبع سنين قاله ابن حبيب، وقيل: عشر سنين، قاله ابن وهب، والليث بن سعد، وقيل: باستغنائه عن أمه، ومعرفة ما يؤمر به، وينهي عنه، ولا يقال يمكن أن يتأول هذا القول برجوعه إلى أحد هذه الأقوال السابقة؛ لأن معرفة ما ذكر يختلف باختلاف قرائح الأطفال.
وقيل: وحدة البلوغ، رواه ابن غانم عن مالك، وقيل: لا يفرق بينهما وإن بلغ نقله ابن يونس عن ابن عبد الحكم لقوله للأب أخذ الولد وظاهره التأبيد، وصرح به اللخمي، وأبعده المازري ووجه ابن يونس بعموم الحديث وقد تقدم معارضة بعض من لقيناه قول ابن عبد الحكم بقوله للأب أخذ الولد الذكر من الأم عند الإثغار والجواب عن ذلك.
وظاهر كلام الشيخ أن التفرقة لا تجوز ولو رضيت الأم بذلك، وهو كذلك ونص عليه مالك في كتاب محمد، وقيل: إن الجمع بينهما حق للأم قاله في المختصر، واختار ابن يونس الأول.
وظاهر كلام الشيخ أن الأب لا يلحق بالأم وهو كذلك، واختار اللخمي انه يلحق بها كقول بعض المدنيين، والاتفاق على أنه لا يلحق بهما غيرهما، والمراد بالأم من النسب أما من الرضاع فلا، قاله التادلي، وهو واضح لأن الأم من الرضاع ليس لها من الحنان والشفقة ما للأم من النسب ألا ترى أنه لا حضانة لها، ويريد الشيخ إلحاق الهبة وشبهها بالبيع في التفرقة وهي جائزة في العتق وشبهه كالكتابة وفي الحيوان البهيمي على ظاهر المذهب، وروى عيسى عن ابن القاسم أنها لا تجوز وأن حد التفرقة أن يستغني عن أمه بالرعي، قاله التادلي والمغربي، وأظنه في العتبية، ولا أتحققه، ووقع للشيخ أبي بكر بن اللباد نحوه وذلك أن ابن يونس نقله عنه في الراعي إذا استؤجر على رعاية غنم، ولم يكن عرف برعي الأولاد ولا شرط فإن على ربها أن يأتي براع معه للأولاد للتفرقة وتأوله بعض شيوخنا بأن معناه أن التفرقة تعذيب لها فهو من باب النهي عن تعذيب الحيوان.
وقال الفاكهاني: ظاهر الحديث يعم العقلاء وغيرهم ولم أقف عليه بالنص في غير العقلاء فمن وجده فليضفه إلى هذا الموضع راجيا ثواب الله تعالى.
(وكل بيع فاسد فضمانه من البائع فإن قبضه المبتاع فضمانه من المبتاع من يوم قبضه):

يريد بالفاسد ما كان حرامًا وصرح ابن رشد باندراج المكروه في الفاسد، وقال بعض شيوخنا إن غني بالفاسد ما نهي عنه فقط فمندرج وإن عني به مع سلب خاصية البيع عنه فغير مندرج، وما ذكر الشيخ من أن الضمان من المشتري إذا قبضه هو المشهور.
وسمع أبو زيد بن القاسم في جامع البيوع: ومن ابتاع زرعا قبل بدور صلاحه ثم حصده وحمله إلى منزله فأصابته نار فاحترق وعلم أن ذلك القمح بعينه احترق فمصيبته من البائع قال ابن رشد: وهو خلاف المعلوم من المذهب ونحوه سمع يحيى في كتاب الخلع ووجهة بأنه لما كان بيعا فاسدا لم ينعقد فيه بيع زاد في أجوبته ولا يفيته بيع ولا غيره.
قلت: قال بعض شيوخنا وظاهر هذا السماع إنما يكون الضمان من البائع إذا قامت بهلاكه بينة، وقيل: إن كان البيع متفقا على تحريمه فمصيبته من البائع، وهو في يد مشتريه كالرهن هكذا نقله المازري عن سحنون وعبر عنه اللخمي بقوله: إن كان البيع حراماً.
وظاهر كلام الشيخ: إذا أمكنه البائع من قبضه ولم يقبضه أن مصيبته من البائع وهو كذلك.
وقال أشهب: يضمنه المشتري بالتمكين أو ينقد الثمن كقبضه، وناقضه أو عمر أن قوله هذا بروايته عن مالك أن من تزوج امرأة على عبد فمات العبد قبل القبض وهو لم يكن يقدر على منع الزوجة منه أن ضمانه من الزوج.
قلت: ولا مناقضة عليه في ذلك إذ لا يلزم من الرواية الأخذ بها وعلى تسليمه فالتمكين أخص مما في الرواية والله أعلم.
(فإن حال سوقه أو تغير في بدنه فعليه قيمته يوم قبضه ولا يرده، وإن كان مما يوزن أو يكال فليرد مثله):

ما ذكر الشيخ من أن تغيير السوق مفيت هو المشهور.
وقيل: إنه غير مفيت حكاه ابن عبد البر قال في كافيه، وفي الفوت يتغير الأسواق اختلاف عن مالك وأصحابه، وما ذكره من تغير البدن متفق عليه فيما قد علمت قال في المدونة: مثل الولادة والعيب، وزيادة بدن وزوال بياض العين.
وظاهر كلام الشيخ أن طول الزمان لا أثر له في التفويت، وهو كذلك العروض قاله في المدونة: وذكر ابن رشد أنه فوت فيها لسرعة التغيير فيها قال اللخمي: واختلف إذا طال الزمان في الحيوان فقال في التدليس من المدونة من كتاب عبدا اشتراه شراء فاسدًا فعجز بعد شهر فات رده لأنه طول وقال في ثالث سلمها الشهر والشهران ليس بفوت في العبيد والدواب.
وقال المازري: اعتقد بعض أشياخي أن قولي المدونة واختلاف حقيقة، وليس كذلك وإنما هو اختلاف في شهادة بعادة؛ لأنه أشار في المدونة: إلى المقدار من الزمان الذي لا يمضي إلا وقد تغير الحيوان فتغيره في ذاته أو سوقه معتبرا وإنما الخلاف في قدر الزمان الذي يستدل به على التغير.
قلت: قال بعض شيوخنا هذا منه تعسف على اللخمي كان حاصل كلامه إنما هو في قدر الزمان الذي هو مظنة التغيير لا في التغيير وهذا مقتضى كلام اللخمي لمن تأمل وأنصف قال في المدونة: ولو تغير سوق السلعة له فروي بخلاف رجوعها بعد بيعه بها ففرق القابسي بأن سوق الثانية ليست هى الأولى بعينها وإنما هي مثلها والسلعة التي اشتريت شراء فاسدًا ثم بيعت ثم عادت فإنك تقطع أنها هي ومنهم من فرق بأن تغيير السوق غير داخل تحت قدرة البشر فلا يتهم الناس فيه بخلاف البيع ورد بأن فرض المسألة في المدونة: فيما إذا عادت إليه بميراث أيضاً، ولا تهمة فيه، ولما رأى أشهب رحمه الله تعالى أنه لا فرق بينهما جعل مسألة البيع كرجوع السوق.

وظاهر كلام الشيخ أن تغير السوق في المكيل والموزن معتبر وهو قول ابن وهب والمشهور أنه لا أثر له قال بعض الشيوخ الأربعة يفيتها حوالة الأسواق البيع الفاسد، واختلاف المتبايعين وبيع العرض بالعرض وبيع المرابحة وأربعة لا يفيتها حوالة الأسواق الرد بالعيب وهبة الثواب والإقالة في السلم والاستحقاق يجمعها قول الشاعر: وأربعة إذا الأسواق حالت = منعن من الفوات كما علمت إقالتك السلم ورد عيب = وعطاء الثواب وما استحقت وأربعة تفوت إذا استحالت = فأولها المبيع إذا اختلفت وعرض فيه عرض من مبيع = وبيع فاسد مع ما ربحت (ولايفيت الرباع حوالة الأسواق): ما ذكر الشيخ وهو المشهور، وقال ابن وهب: إنه يفيته تغير الأسواق كالعروض والحيوان، واعتذر عن المشهور بأن العقار المقصود منه غالبًا وإنما هو الاقتناء دون التجارة وما هو كذلك لا يطلب منه كثره الأثمان وقلتها، فلا يكون تغير سوقه مفيتا له بخلاف العروض، والحيوان غالباً، وبقيت الرباع الغرس والهدم والبناء قاله في رهون المدونة.
واختلف إذا طال الزمان في الدور الأرضين فالمشهور أنه ليس بفوت وقيل: إن طالت المدة كعشرين سنة فإنه مفيت نقله اللخمي عن أصبغ قائلاً: ولابد من أن يدخلها التغيير في ذلك.
وأشار المازري إلى أنه وفاق، وقال ابن رشد في ذلك قولان كلاهما في كتاب الشفعة من المدونة.
وأما الزرع فليس بمفيت نقله أبو محمد عن ابن المواز قائلاً: فإن فسخ بيعه في إبانه لم يقلع وعليه كراء المثل، وبعد الإبان لا كراء عليه، ولو أثمرت الأصول عند مبتاعها ففسخ بيعها، وقد طالبت الثمرة فهي للمبتاع ولو لم تجد وإن لم تطلب فهي للبائع وعليه للمبتاع ما أنفق.
(ولا يجوز سلف يجر منفعة):

يعني القرض بالمنفعة إما للمقرض، وإما للأجنبي؛ لأن المنفعة إذا انتفع بها الأجنبي من جهة المقرض فكأنه هو الذي انتفع بها، وما ذكرناه من منفعة الأجنبي مأخوذ من رهون المدونة وقراضها ولو الإطالة لذكرنا لفظها في الكتابين ويقوم من كلام الشيخ أن السفاتج ممتنعة وهو نص المدونة في بيوع الآجال وزعم الباجي أن هذا القول هو المشهور.
وقيل: إنه جائز نقله عياض عن ابن عبد الحكم وعزاه الباجي لرواية أبي الفرج، وقيل: إن غلب خوف الطريق جاز وإلا منع، وهو اختيار اللخمي محتجا بإجازة مالك تأخير نقد كراء المضمون لاقتطاع الأكرياء أموال الناس.
قال ابن عبد السلام: وفي احتجاجه نظر لأن المحظور في مسألة الكراء بيع الدين بالدين، وهو أخف من المحظور في مسألة السفاتج؛ لأنه سلف جر منفعة وهو عين الربا، وقيل: إن طلب المستقرض السلف جاز وإلا منع نقله ابن يونس عن الموازية، وفي الجلاب عن مالك الكراهة فيتحصل في ذلك خمسة أقوال، وتردد خليل هل تحمل الكراهة على التحريم فترد للمشهور أم لا، وكذلك تردد في قول اللخمي قال ومثله لعبد الوهاب هل هو تقييد أو خلاف ولما ذكر ابن بشير في السفاتج القولين، وأن المشهور المنع قال: وكذلك الطعام المسوس أو القديم في زمان الشدة بشرط أخذه جديداً، واعترضه بعض شيوخنا بأن كلامه يقتضي أن المشهور المنع ولم يحك غيره في السائس إلا الجواز.
قلت: قال ابن عبد السلام ظاهر المذهب المنع والأقرب الجواز لأن منفعة السلف يسيرة جدا لا يمكن العاقل أن يقصدها غالبا.
وقال خليل ك المشهور المنع خلافًا لسحنون، وقيد اللخمي المنع بما لم يقم دليل

على إرادة نفع المسلف فقط.
وقال ابن حبيب: يمنع مطلقًا ونقل أبو محمد صالح عن أبي موسى الموماني أن قول اللخمي تفسير للمذهب لقول المدونة إن أقرضك فدانًا من زرع لتحصده أنت وتدرسه لحاجتك وترد مثله فإن فعل ذلك رفقًا بك دونه جاز.
واختلف إذا اشترط المقرض إسقاط يمين دعوى القضاء في العقد أو تطوع له به على ثلاثة أقوال: فقيل: يمنع قاله يحيى بن عمر، وقيل: إنه جائز قاله ابن لبابة، وقيل: إنه يمنع في العقد قاله ابن العطار.
وأما شرط التصديق في البيع في العقد ففيه ثلاثة أقوال ثالثها: إن كان البائع من المتورعين جاز ووفي له بشرطه وإلا فلا، واستمر العمل عندنا بتونس على العمل بذلك مطلقاً.
(ولا يجوز بيع وسلف): الأصل في ذلك ما خرجه الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: " لا يحل بيع وسلف" وذكر الباجي أن الإجماع على منعه فإن وقع وأسقط مشترط السلف شرطه فنص في المدونة على الصحة وهو المشهور.
وقيل: إنه لابد من فسخ البيع قاله ابن عبد الحكم ونقله ابن حارث وغيره وعزاه الباجي لبعض المدنيين وعلى الأول فهل التخيير في إسقاط شرطه ما لم يغب على السلف فإن غاب فقد فات الربا فلا تخيير أو يخير مطلقًا، في ذلك قولان، واشترط ذلك سحنون، وابن حبيب، وابن القاسم، ولم يشترط ذلك أصبغ، وعلى الأول فإن كانت السلعة قائمة ردت وإن فاتت بيد المشتري ففيها القيمة ما بلغت، وعلى الثاني فعليه في الفوات الأكثر من الثمن أو القيمة وكلا هذين القولين تؤول على المدونة، ونص في المدونة: على أن المعتبر في القيمة يوم القبض.
وقال ابن الجلاب: يوم الفوات لا يوم الحكم ولا يوم القبض ويقوم من كلام الشيخ أن من عليه دينار قد حل وباع لصاحب الدين سلعة وشرط عليه أن لا يقاصه أنه لا يجوز ووجه الإقامة إنما كانت المقاصة واجبة لمن طلبها عند اجتماع شرائطها كان

اشتراط عدم المقاصة قرينة في إدارة تأخير الدين السابق فيكون بيعًا وسلفًا، وهو كذلك عند ابن القاسم.
وقال أشهب: يصح ويبطل الشرط.
وقال أصبغ: يصح ويوفي بالشرط، وهذه الأقوال الثلاثة حكاها ابن الحارث.
(وكذلك ما قارن السلف من إجارة أو كراء): لا خصوصية لما ذكر بل وكذلك النكاح والشركة والقراض مع السلف.
(والسلف جائز في كل شيء إلا في الجواري وكذلك تراب الفضة): أنما قال السلف جائز نفيًا لما يتوهم وإلا فهو مندوب إليه من حيث الجملة، ويعرض له التحريم، والكراهة، وأما الإباحة فمتعذرة؛ لأنه من القرب، وما ذكر الشيخ من منع قرض الجواري مثله في الآجال والسلم الأول من المدونة.
وقيل: جائز على رد المثل قاله ابن عبد الحكم كذا نقله عنه ابن يونس والمارزي، ولفظ ابن بشير فيه إجازة ابن عبد الحكم وأوجب رد المثل وفي الحمديسية عنه أجازه إذا اشترط عليه أن لا يرد عينها وإنما يرد مثلها، وهو مثل النقل الأول عنه واعترضه بعضهم بأن الشرط لا ينفع لأنها على مثل الدين صفة ومقدارًا ومن أتى بذلك أجبر ربه على قبوله.
قال خليل: وفيه نظر لجواز استثناء هذه الصورة لئلا يؤدي إلى إعارة الفروج ويريد الشيخ ما لم يكن قرض الجواري للمرأة أو لذي محرم أو كانت في سن من لا توطأ وقيد به اللخمي وغيره المدونة وحمله الباجي على الخلاف للمذهب وهو بعيد فإن وقع قرض الجواري وفرعنا على المشهور فإنه يفسخ ما لم يفت فإذا فات لزمته القيمة، وقيل: المثل واختلف في المفيت ما هو على ثلاثة أقوال: مجرد الغيبة عليه نقله ابن يونس عن بعض الأصحاب وقيل: مجرد الغيبة عليها لا أثر له الأثر للوطء قاله عبد الوهاب في معونته.
وقيل: إن كانت غيبة يشبه الوطء فيها فهي فوت وإلا فلا قاله المازري وتراب المعادن والصواغين لا يجوز قرضه وقول ابن عبد السلام في السلم اختلف في قرض تراب المعادن لا أعرف وكذلك لا يجوز قرض الدور والأرضين والبساتين، واختلف في قرض قواديس قفصه، ونحوها قال بعض شيوخنا لا يجوز.
قال التادلي: وظاهر كلام الشيخ أن قرض لحوم الأضاحي جائز، وفيه القولان اللذان في جلد الميتة وقد ذكرهما اللخمي في جلد الميتة بعد الدبغ، ويجريان هنا بطريق

الأولي ذكر هذا في الأضاحي أعني التادلي.
(ولا تجوز الوضيعة من الدين على تعجيله): إنما لا يجز ذلك لأنه يدخله في الوضيعة ثلاث علل سلف جر منفعة، والتفاضل بين الذهبين أو الفضتين والنساء؛ لأنه عجل عشرة في عشرين فهو إذا حل يقبض من نفسه عشرين ويدخله الطعام من قرض إذا كان مما لا يجوز فيه التفاضل والثلاث علل، وإن كان مما يجوز فيه التفاضل دخلته علتان من الثلاث سلف جر منفعة والنساء وإن كان الطعام من بيع دخلته أربع علل الثلاثة المذكور والرابعة بيع الطعام قبل قبضه ويدخله في القرض سلف جر منفعة والنساء، وما ذكر الشيخ هو المشهور وذكر اللخمي في إرخاء الستور عن ابن القاسم أنه جائز.
قال بعض شيوخنا: حكي غير واحد من شيوخ بلدنا أن بعض الطلبة ذكر مجلس تدريس بعض شيوخه في كتاب الآجال من المدونة قول ابن القاسم هذا فأنكر عليه.
وقال اللخمي: حكاه عنه فلما انقضى المجلس نظروا محله من كلام اللخمي في بيوع الآجال حيث ذكرها في المدونة: فلم يجدوا في اللخمي ما ذكر عنه فلما كان من الغد قالوا له: ما ذكرت عن اللخمي غير صحيح إذا لم يذكره في محله فانصرف الطالب عنهم في هم شديد فلما نام من الليل رأى في نومه الشيخ أبا الحسن اللخمي فقال له: يا سيدي نقلت عنك كذا وكذا له القصة وكون الطلبة نظروا كتابك في بيوع الآجال، ولم يجدوا فيه ذلك النقل فقال له: ذكرته في فضل الخلع فانتبه الطالب فرحًا فقام في ليلته، ونظر الكتاب فوجده كما نقل فلما أصبح ذكر ذلك لأهل المجلس واشتهرت قصته وتفضل الله عليه برؤيته المذكورة.
(على تعجيله): علته حط عني الضمان وأزيدك لأن الطالب لا يجبر على قبضه قبل الأجل لأن منفعة التأجيل لهما معاً.
(ولا التأخير به على الزيادة فيه): يريد سواء كانت الزيادة من المديان أو من أجنبي ومنه هدية المديان إلا أن تكون معتادة.
وقال ابن الحاجب: وفي مبايعته بالمسامحة الجواز والكراهية قال غير واحد فظاهره أنه لا يختلف إذا لم تكن مسامحة أنه جائز ومقتضى ما حكاه المازري وابن

بشير وغيرها أن النفل على العكس إن كانت مسامحة منع اتفاقًا لأنها هدية مديان وإلا فقولان الجواز والكراهة.
وقيد اللخمي الخلاف بما قبل الأجل، وأما بعده فلم يحك إلا الكراهة وصرح المازري بعدم الجواز بعد الأجل وهو آكد في التهمة؛ لأن الدين قد وجب على من عليه قضاؤه وأما هدية رب المال للعامل لئلا يدع العمل فلا يجوز لأنه سلف جر منفعة وكذلك لا تجوز هدية العامل لرب المال قبل الشغل بالمال وبعده.
(ولا تعجيل عرض على الزيادة فيه إذا كان من بيع ولا بأس بتعجيله ذلك من قرض إذا كانت الزيادة في الصفة): قال غير واحد: الفرق بين البيع والقرض أن الأجل في القرض حق للمقرض فلم يسقط بالتعجيل حقا له بخلاف البيع؛ لأن الأجل حق لهما، ونقل الفاكهاني هذا الفرق عن ابن عيسى في إقالته، وهو يقتضي سواء كان المزيد في الصفة كإعطاء أجود مما في ذمته أو في الذات، وهو خلاف ظاهر قول الشيخ إذا كانت الزيادة في الصفة.
(ومن رد في القرض أكثر عددا في مجلس القضاء فقد اختلف في ذلك إذا لم يكن فيه شرط، ولا وأي ولا عادة فأجازه أشهب وكرهه ابن القاسم، ولم يجزه): أراد الشيخ بالوأي التصريح بالوعد وبه فسر صاحب مختصر العين.
قال التادلي: وقيل: هو التعريض بالعدة وفي المشارق هو الوعد المضمر والعادة معروفة وسواء كانت خاصة مع المستقرض أو عاملة لأهل البلد.
وقال أبو محمد صالح: لا خلاف في العادة الخاصة واختلف في العامة بالجواز والمنع، وظاهر كلام الشيخ أن أشهب يجيز ذلك سواء كانت الزيادة يسيرة أو كثيرة كمن سلف عشرة دراهم مثلاً فقضى أحد عشر أو خمسة عشر، وابن القاسم يحرمه مطلقاً، وبقول أشهب قال القاضي عبد الوهاب، قال ابن عبد السلام وعزاه اللخمي لابن حبيب وعيسى.
قلت: واعترض بعض شيوخنا عليه من وجهين: أحدهما: أن قول ابن حبيب ليس في التبصرة.
الثاني: قول عز وابن الحاجب لأشهب الجواز مطلقاً قائلاً: لا أعرفه.
قلت: ويرد بأن ظاهر الرسالة كما تقدم، وقول ابن القاسم مثله، وروى ابن المواز في المسألة قولاً ثالثًا: أنه لا تجوز الزيادة إذا كانت يسيرة كدرهمين في مائة نقله أبو محمد

عن أشهب وابن حبيب، وعزاه غيره لابن القاسم إلا أنه لم يذكر تحديد اليسير.
قلت: والصواب عندي عكس الثالث؛ لأنه إذا كانت الزيادة يسيرة فهما يتهمان فيها بخلاف الكثيرة، والله أعلم.
وفي الصحيح عن أبي رافع أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) استسلف من رجل بكرا فقدمت عليه إبل الصدقة فأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أبا رافع أن يقضي الرجل بكرا فرجع إليه أبو رافع فقال: يا رسول الله لم أجد فيها إلا خياراً رباعيا فقال: " أعطه إياه إن خير الناس أحسنهم قضاء".
قال ابن عبد السلام: الظاهر أن هذا الحديث يشتمل على جواز المتصل والمنفصل لقوله: " إن خير الناس أحسنهم قضاء: فمهما كثرت الزيادة في القضاء كانت أحسن.
(وكذلك أن يعجل العروض والطعام من قرض لا من يبع): قال الفاكهاني: يريد إذا كان المعجل في البلد الذي اقترض فيه، وأما إن كان في غيره فلا يلزمه أخذه.
قلت: ما ذكره صحيح، وكذلك لو طلبه المقرض بعد حلول الأجل بغير البلد الذي اقرضه فيه فإنه لا يجبر على الدفع له ولكنه يلزمه أن يوكل من يقبضه عليه في البلد الذي اقرضه فيه.
ونص عليه الشيخ أبو القاسم بن الجلاب، وبه أفتي من لقيناه قائلاً: لا أعرف فيه خلافًا إلا أن الصواب في الضامن عدم لزومه إلا أن يكون ملكاً، ويريد أيضا إذا كان البلد آمنا، وأما لو طلبه في أخذه بين بلدين أو مكان مخوف فإنه لا يجبر قال ابن بشير في الموازية واختلف في الجوهر إذا كانا من بيع وطلب أخذه في غير البلد المشترط ففيه القضاء، ولم يكن حمل فقيل كالعين يجبر على قبوله، وقيل: كالعروض، وهو المشهور.
قال ابن بشير: هو خلاف في شهادة إن كان الأمن في الطريق فهو كالعين وإلا فهو كالعرض واختلف المذهب إذا أراد المديان دفع بعض ما عليه، وهو موسر هل يجبر رب المال على قبضه أم لا؟ فروى محمد وبه قال ابن القاسم في رواية أبي زيد: إنه يجبر، وقال ابن القاسم لا يجبر، وأما المعسر فيجبر اتفاقًا.

(ولا يجوز بيع ثمر أو حب لم يبد صلاحه): يريد إذا كان على التبقية والمسألة لا تخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: ما تقدم، وهو إذا كان على التبقية فنصوص المذهب على فساده، وأجازه أبو حنيفة وحلم النهي على الكراهة وخرج اللخمي قولاً في المذهب بجوازه إذا لم ينقد الثمن.
وقال اللخمي: هذا إذا اشترط مصيبته من المشتري أو من البائع والبيع بالنقد؛ لأنه تارة بيعاً وتارة سلفًا، وإن كانت المصيبة من البائع والبيع بغير النقد فإنه جائز.
وقال المازري: بعد أن ذكر عن المذهب المنع وأن بعض أشياخه انفرد بذكر ما تقدم: وفي المذهب ما يشير إلى الاختلاف في هذا الأصل فإن فيه قولين مشهورين في جواز كراء الأرض الغرقة على أن العقد إنما يتم بتصرف الماء عنها يريد مسألة المدونة وفيها قولان لابن القاسم وغيره وفرق بعض شيوخنا بأن الغرر هنا يقدر على رفعه بالعقد مع شرط الجد وغرر انكشاف الماء غير مقدور على رفعه وقد فرقوا بهذا المعني في فصل الخلع بالضرر.
الثاني: أن يكون على القطع فإنه جائز بثلاثة شروط قاله اللخمي في السلم الأول: أن يبلغ الثمر مبلغا ينتفع به، وإن يحتاج إلى بيعه وإن يتمالأ عليه أكثر أهل موضعه ومهما اختل شرط منها فإنه لا يجوز لأنه فساد.
الثالث: إذا وقع العقد عاريا عن الجد والتبقية فظاهر ما في كتاب البيوع الفاسدة من المدونة أنه جائز، وقيل: إنه لا يجوز قاله عبد الوهاب وعزاه المازري لرواية البغداديين، وهو أصل ابن القاسم في البيع المحتمل للصحة والفساد نص عليه في الرواحل والدواب من المدونة خلافًا لابن حبيب وحمل فضل قول المدونة على أن عرفهم على الجد ونحوه لأبي محمد وجعل اللخمي كثرة الثمن دليلا على البقاء وقلته دليلا على الجد.
(ويجوز بيعه إذا بدا صلاح بعضه وإن نخله من نخيل كثيرة): يريد إذا كان طيبه متلاحقًا، وما ذكره هو قول مالك الذي رجع إليه، وقيل: لا يجوز حتى يبدو صلاح جميعه، وهو قول مالك الأول، وقيل: يجوز إذا بدا صلاح بعضه، ولو لم يقرب إذا لم ينقطع الأول حتى يبدو صلاح ما بعده قاله ابن كنانة، وقيل: يجوز بيعه ببدو صلاح ما حوله وبه قال مالك أيضًا وابن حبيب، وهذه الأقوال الأربعة حكاها ابن رشد، وفي المسألة قول خامس حكاه ابن حارث أحب إلى أن لا

يباع ما حوله ولا أراه حرامًا، وعزي لابن القاسم وابن حبيب قال ابن رشد: وما استعجل زهوه بسبب مرض في الثمرة وشبهه لم يبع به الحائط اتفاقًا، وفي الحديث نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها.
قال ابن عبد السلام: هذا يدل على أنه يشترط عموم ذلك في جميع الحائط كما اشترط ذلك بعض أهل العلم بعد أن جعل أصل المذهب أن الصلاح في بعض الحائط كاف.
قلت: فظاهر كلامه أنه لم يحفظه في المذهب، وهو قصور لما تقدم وصلاح الثمرة زهوها زاد ابن الحاجب وظهور الحلاوة فيها.
قال ابن عبد السلام: لا أحفظه الآن عن المتقدمين، وإنما ذكروا الحلاوة في التين مع ظهور السواد في أسوده والبياض في أبيضه، وكذلك العنبري في لونه وطعمه.
قلت: واعترضه بعض شيوخنا بأنه قصور في حفظ المذهب لقول المتيطي بدو صلاح العنب ظهور الحلاوة فيه مع السواد في السواد في أسوده وحاصله في سائر الثمار إمكان الانتفاع به.
وقال خليل: الظاهر أن ابن الحاجب أراد التنويع فالزهو خاص بالتمر وظهور الحلاوة في غيره قال وفي كلامه نظر لأن الحلاوة لا تعلم؛ لأن بعضها قد لا تظهر فيه الحلاوة كالموز لأنه يباع في شجره.
قال ابن المواز: ولا يطيب حتى ينزع قال الباجي: يريد إذا بلغ مبلغا إذا نزع من أصله تهيأ للنضج، قال غير واحد: وبدو الصلاح في الزيتون أن ينحو إلى السواد وبدو صلاح القثاء والفقوس أن ينعقد، ويبلغ مبلغا يوجد له طعم وسمع أصبغ وأشهب أن بدو الصلاح في البطيخ أن يؤكل فقوسًا قد تهيأ للبطيخ.
قلت: هذا في الكبار، وأما في الصغار فلا، وقال ابن حبيب أن ينحو ناحية الاصفرار والطيب؛ لأنه الغرض المقصود منه.
قال الفاكهاني: وقول الشيخ، وإن نخلة من نخلات كثيرة رويناه بالرفع أي، وإن أزهت نخلة ويجوز النصب على خبر كان مقدرة ولها نظائر كثيرة والرفع أحسن.
(ولا يجوز بيع ما في الأنهار والبرك من الحيتان، ولا بيع الجنين في بطن أمه ولا بيع ما في بطون سائر الحيوانات): قال الفاكهاني عن الغريب الأنهار جمع نهر بفتح الهاء، وإسكانها لغتان مشهورتان.

قالوا: وكذلك كل ما كان على ثلاثة أحرف وعينه حرف حلق نحو شهر، وأما قوله في (جنت ونهر) [القمر: 45] فقال الزهري: أي أنهار وقد يعبر عن الجمع بالواحد كما قال تعالى (ويولون الدبر) [القمر: 45] والبرك جمع بركة بكسر الباء سميت بذلك لإقامة الماء فيها والجنين كأنه فعيل بمعني مفعول أي مستور ومنه سميت الجن لأنها مستورة، ويقوم من كلام الشيخ من باب أحرى أنه لا يباع الطير في الهواء وهو كذلك وسمع عيسى وأصبغ ابن القاسم لا يحل صعاب الإبل للغرر في أخذها وربما عطبت به ولجهل ما فيها من العيوب، وكذلك المهاري والفيلة، وكل ذلك مفسوخ.
قال أصبغ: احتجاجه بجهل عيوبها غير صحيح لأن البراءة في بيعها غير جائزة.
قال ابن رشد: اعتراض أصبغ غير لازم؛ لأن ابن القاسم لا يجيز بيع البراءة وهو الصحيح المعروف من قول مالك.
(ولا بيع نتاج ما تنتج الناقة ولا بيع ما في ظهور الإبل): النتاج بكسر النون ليس إلا وفي الموطأ مرسلا، روى مالك عن ابن شهاب عن ابن المسيب أنه قال: لا ربا في الحيوان وأنهاكم عن ثلاثة المضامين والملاقيح، وحبل الحبلة، فالمضامين ما في بطون الإناث من الإبل، والملاقيح: ما في ظهور الفحول وعكس ابن حبيب وخرج مسلم ومالك في الموطأ عن نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه نهى عن بيع حبل الحبلة فسره ابن وهب وغيره بنتاج ما تنتج الناقة، وأما النزو فإن كان مضبوطًا بمرة أو زمان فإنه جائز وروى ابن حبيب كراهيته للنهي عنه، وأن أخذ الأجر فيه ليس من مكارم الأخلاق فإن فعل لم يفسخ ولم يؤد الأجر ومنعه جماعة من أهل العلم مطلقاً.
قال ابن عبد السلام: وهو أسعد بظاهر الحديث وسمع عيسى بن القاسم جواز نزو البغل على البغلة واختلف المذهب في جواز الأجرة على ذلك على ثلاثة أقوال: فقيل: إن ذلك جائز قاله عيسى بن دينار وصوبه ابن رشد، وقيل: مكروه قاله ابن القاسم، وعنه الوقف ولو سمي أعواماً فحصلت في الأول انفسخت قاله سحنون كالصبي في الرضاع.
(ولا يبع الآبق والبعير الشارد).

ظاهر كلام الشيخ بيع بنقد أو بغير نقد كان الطلب في ذلك كله على البائع أو على المشتري، وهو كذلك وللخمي فيه تفصيل مال فيه إلى الجواز إذا لم ينقد الثمن وكان البيع فيهما على أن صفته كذا، وأن طلبه على البائع فإن أتى به على تلك الصفة أخذ الثمن وإلا فلا، واحتج بقول ابن القاسم فيمن قال اعصر زيتونك فقد أخذت زيته كل رطل بدرهم، وكان يختلف خروجه لا خير فيه إلا أن يشترط إن خرج جيداً أو أنه بالخيار ولا ينقد، وصرح المازري وابن بشير وغيرهما بأنه اختيار اللخمي لا أنه المذهب.
(ونهى عن بيع الكلاب واختلف في بيع ما أذن في اتخاذه منها): أما الكلب المنهي عن اتخاذه فاتفق المذهب على تحريم بيعه، وأما المأذون فيه فاختلف فيه على سبعة أقوال: أحدها: أن بيعه لا يجوز وهو مذهب المدونة، وقيل: إنه جائز قاله مالك، وابن كنانة، وابن نفاع وسحنون قائلاً: أبيعه وأحج بثمنه، قال خليل وشهره بعضهم والأكثرون على المنع.
قلت: وعزو ابن الفاكهاني هذا القول لابن كنانة فقط قصور وقيل: إنه مكروه قاله مالك أيضاً وقيل: بجوازه إن وقع في المغانم، وقيل: وكذلك في الميراث والدين ويكره في غيرهما والمراد بالميراث يعني لليتيم.
وأما للبالغين فلا كذا فسره ابن مزين وقيل: لا بأس بشرائه ولا يجوز بيعه كذا نقله ابن زرقون ونقل ابن رشد ويكره بيعه، وإذا فرعنا على مذهب المدونة بالمنع ووقع البيع فروى أشهب في مدونته أنه يفسخ إلا أن يطول.
وحكى ابن عبد الحكم أنه يفسخ وإن طال والقولان حكاهما ابن زرقون.
قلت: والصواب أنه يمضي بالعقد مراعاة لقول من قال ممن تقدم بجوازه وهو قول أبي حنيفة أيضًا، وأما بيع الصور التي على قدر البشر يجعل لها وجوه فقال مالك: لا خير فيها وليس التجر فيها من عمل الناس، وحمله ابن رشد على أنها ليست مصورة

فصول الكتاب · 45 فصل · 495 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة · 495 صفحة
باب ما تنطق به الألسنة إلى آخره
باب ما يجب منه الوضو والغسلباب طهارة الماء والثوب والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاةباب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمارباب في الغسلباب فيمن لم يجد الماء وصفة التيممباب في المسح على الخفينباب أوقات الصلاة وأسمائهاباب الأذان والإقامةباب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسننباب الإمامة وحكم الإمام والمأمومباب جامع في الصلاةباب في سجود القرآنباب في صلاة السفرباب في صلاة الجمعةباب في صلاة الخوفباب في صلاة العيدين والتكبير أيام منىباب في صلاة الخسوفباب في صلاة الاستسقاءباب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنهباب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميتباب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسلهباب في الصيامباب في الاعتكافباب في زكاة العين والحرث والماشيةباب في زكاة الماشيةباب في زكاة الفطرباب في الحج والعمرةباب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختانباب في الجهادباب في الأيمان والنذور
باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء
باب في العدة والنفقة والاستبراء
باب في البيوع وما شاكل البيوع
باب في الوصايا والمدبر والمكاتب والمعتق وأم الولد والولاء
باب في الشفعة والهبة والصدقة والحبس والرهن
باب في أحكام الدماء والحدود
باب في الأقضية والشهادات
باب في الفرائضباب جمل من الفرائض ومن السنن الواجبة والرغائبباب في الفطرة وختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلكباب في الطعام والشرابباب في السلام والاستئذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله سبحانه والقول في السفرباب في التعالج وذكر الرقى والطيرة والنجوم والخصاء والوسم وذكر الكلاب والرفق بالمملوكباب في الرؤية والتثاؤب والعطاس واللعب بالنرد وغيره والسبق بالخيل والرمي وغير ذلك
جارٍ التحميل