شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالةصفحات 279-321
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب في أحكام الدماء والحدود

صفحات 279-321
عن هذه الطبعة
عَلَم
التنوخي، ابن ناجي
الكتاب
شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني
المؤلف
قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيرواني (المتوفى: 837هـ)أعتنى به: أحمد فريد المزيدي
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال ابن رشد: قتل المسلم عمدًا عدوانا كبيرة ليس بعد الشرك أعظم منه وفي قبول التوبة منه وإنفاذ وعيده مذهبان للصحابة رضوان الله عليهم، وإلى الثاني ذهب ملك لقوله: لا تجوز إمامته.
قلت: قال بعض شيوخنا: لا يلزم منه عدم قبول توبته لعدم علم رفع سابق جرأته وقبول توبته أمر باطن وموجب منصب الإمامة أمر ظاهر.
قال ابن رشد في سماع عيسى من قول مالك: ليكثر العمل الصالح، والصدقة والحج والجهاد ويلزم الثغور من تعذر القود منه دليل على الرجاء عنده في قبول توبته خلاف قوله: لا تجوز إمامته.
قال: والقول بتخليده خلاف السنة، ومن توبته عرض نفسه على ولي المقتول قودا أودية وفي كون القود منه كفارة له أم لا؟ مذهبان وجه الثاني أنه لا نفع فيه للقتيل بل لوليه قال غيره، ونقل الأصوليون إجماع الملل على حفظ الأديان والعقول والنفوس والأعراض والأموال، وذكر بعضهم الأنساب عرض الأموال واستشكل الفاكهاني قول مجاهد جعل الله جزاء من قتل نفسًا مؤمنة بغير حق جهنم وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا فول قتل جميع الخلق لم يزد من عذاب الله على ذلك؛ لأن الإثم على قدر عظم المفسدة هذا أصل الشريعة والمستقرأ من أحكامها.
(ولا تقتل نفس بنفس إلا ببينة عادلة أو اعتراف أو بالقسامة إذا وجبت يقسم الولاة خمسين يمينا، ويستحقون الدم): مذهب مالك أن القود يجب بالقسامة، وبه قال ابن أبي ذئب، وابن حنبل وداود، وروى ذلك عن عبد الله بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين.
وقال إسحاق بن راهويه: من قال القود في القسامة لم يبعد، وأما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لا يقاد بالقسامة وإنما تجب بها الدية وإليك النظر في بقية اختلاف العلماء في ذلك.
(ولا يحلف في العمد أقل من رجلين): ما ذكره هو قول مالك لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: " أتحلفون خمسين

يمينا وتستحقون دم صاحبكم" فأتى بصيغة الجمع، وأقل الجمع عندنا اثنان ومن أهل العلم من قال: لا يحلف أقل من ثلاثة رعيا للصيغة، وأقلها عنده ثلاثة، ومنهم من قال: يحلف واحد وحمل الكلام على مجازه، وهو بعيد.
وعبر التادلى عن هذين القولين بلفظة قيل، وذلك يوهم أنها في المذهب وليس كذلك ويشترط في الحالفين أن يكونا عصبة اتباعا لقضية الأنصار فإن لم يكونا فالموالي فإن لم يكونا ردت اليمين.
(ولا يقتل بالقسامة أكثر من رجل واحد): ما ذكره هو قول الموطأ لا نعلم قسامة كانت قط إلا على واحد.
وقال المغيرة: يقسم على جماعة في العمد، ويقتلون كما يقتلون بالشهادة القاطعة قال: وكذلك كان في الزمان الأولى إلى زمان معاوية وعلى رضي الله عنهما.
وفي المجموعة وكتاب ابن المواز عن ابن القاسم في قوم وجب لهم دم رجل بقسامة فقدم للقتل فأرادوا قتله فأقر غيره أنه قتله قال: إن شاءوا قتلوا المقر بإقراره وإن شاءوا قتلوا الأول بالقسامة ولا يقتلون إلا واحدًا منهما، وهذا نحو ما قال مالك وإذا فرعنا عليه، وكان المدعي عليه جماعة، ففي ذلك ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم في المجموعة: إنهم لا يقسمون إلا على واحد بعينه.
وقال أشهب: هم بالخيار أن يقسموا على واحد كما قال ابن القاسم أو يقسموا على اثنين أو على الجميع فإذا أقسموا عليهم اختاروا واحدًا منهم فقتلوه وكلامهما نقله ابن يونس والباجي، ولابن حارث عن سحنون: إن كان الضرب واحدًا كاحتمالهم صخره حلفوا على جميعهم كالخطأ وإن افترق الضرب كما إذا ضربه واحد على الرأس وآخر على البطن وآخر على الظهر لم يحلفوا إلا على واحد وعزا الفاكهاني هذا القول لنقل مكي بن أبي طالب في تذكرته وهو قصور.
(وإنما تجب القسامة بقول الميت دمي عند فلان أو بشاهد على القتل أو بشاهدين على الجرح ثم يعيش بعد ذلك ويأكل ويشرب): ما ذكر أنه يقتل بقول الميت دمي عند فلان هو قول مالك.
قال ابن رشد: وتابعه على قوله أصحابه والليث بن سعد، والجمهور على

خلافه.
قلت: وفي اختصار الحريري، وقال عبد الرحمن بن أحمد بن مخلد: إنه توقف عن القول في التدمية ففهم منه بعض شيوخنا أنه قال بلغوها كقول المخالف، وسمعت شيخنا أبا مهدي رحمه الله يقول: هذه إحدى المسائل التى حلف فيها بالمشي إلى مكة أبو القاسم السيوري أن لا يفتي فيها بمذهب مالك، وكذلك وقف فيها اللؤلؤي ولم يفت به.
قلت: واحتج مالك على قوله بقوله تعالى: (فقلنا اضربوه ببعضها) [البقرة: 73] الآية.
قال ابن العربي: في أحكام القرآن فإن قيل: كان ذلك آية ومعجزة لموسى عليه السلام، قلنا: الآية، والمعجزة إنما كانا في إحياء الميت فلما صار حيا كان كلامه كسائر كلام الآدميين كلهم في القبول والرد، وهذا دقيق من العلم لا يتفطن له إلا مالك، فإن قيل: إنما قتله موسي بالآية.
قلنا: أليس في القرآن آية إنه إذا أخبر وجب صدقة فلعله أمرهم بالقسامة معه أو صدقه جبريل عليه السلام، وكما قتل النبي صلى الله عليه وسلم الحارث بن سويد.
وظاهر كلام الشيخ: ولو كان المدعي عليه القتل ورعا عدلا والمدعي مسخوطًا، وهو كذلك على المشهور، وقال ابن عبد الحكم: صواب.
قال: واختلف إذا قال ذلك على عدوه وفيه شبهة فيصح أن يقبل قوله؛ لأن عدو الإنسان يصح أن يفعل به ذلك، ويصح أن لا يقبل لتهمة إذا نزل به ذلك أنه يرميه بدعواه عليه ليشتفي منه، وظاهره أيضًا أنه لا فرق بين كون المدعي امرأة على زوجها أم لا، وهو ظاهر المذهب.
ومن الشيوخ من أخرج دعواها عليه لما شرع له من أدبها وربما أدى ذلك إلى قتلها نقله ابن هشام وابن عات عن ابن أبي زمنين عن الشعباني عن ابن مزين قائلاً: هو الذي تعلمناه من شيوخنا.
وظاهر كلامه أنه لا فرق بين أن يكون هناك أثر ضرب أم لا، وهو كذلك عند أصبغ خلافًا لابن كنانة، واختاره ابن رشد، وغيره.
وبالثاني: العمل، واختلف إذا قال الابن: إن أبي قتلني مثلاً فالأكثر أنه لا يقتل به، وقال أشهب: يقتل به.
واختلف قول مالك في أعمال قول دمي عند فلان خطأ، ويريد الشيخ أن الشاهد الواحد على القتل لابد من عدالته، وهو المشهور، وقيل: لا يشترط.

واعلم أنه إذا تعدد اللوث فلابد من القسامة كما لو شهد شاهد على الموت، وقال المقتول دمي عند فلان.
(وإذا نكل مدعو الدم حلف المدعي عليهم خمسين يمينا فإن لم يجد من يحلف من ولاته معه غير المدعي عليه وحده حلف الخمسين يمينا): اعلم أنه اختلف المذهب إذا نكل ولاة الدم، وكانت القسامة وجبت بقول المقتول أو بشاهد على القتل على ثلاثة أقوال حكاها ابن رشد في المقدمات: أحدها: أن الأيمان ترد على المدعي عليه فيحلف أو يحلف عنه رجلان فأكثر من ولاته خمسين يمينا إن أطاعوا بذلك، ولا يحلف هو معهم قاله ابن القاسم.
والثاني: أن المتهم يحلف معهم قاله ابن القاسم أيضًا.
والثالث: لا يحلف إلا المدعى عليه وحده، وليس له أن يستعين بأحد قاله مطرف.
قلت: وذكر ابن حارث قول مطرف رواية له ونقلة الشيخ أبو محمد قولاً له ورواية وإن وجبت القسامة بشاهدين على الجرح ففي رد الأيمان على القاتل قولان: أحدهما: أنها ترد على المدعي عليه، فيحلف ما مات من ضربي فإن نكل سجن حتى يحلف ولو حلف ضرب مائة وسجن عامًا، وإن أقر قتل قاله ابن القاسم، وابن الماجشون.
والقول الثاني: أن الأيمان لا ترد على القاتل ولا يحلف؛ لأن يمينه حينئذ غموس فعلى هذا إن أقر لم يقتل وهو قول أشهب، وابن عبد الحكم وأصبغ.
قال اللخمي: واختلف إن نكل المدعي عليه عن الأيمان ففي المدونة يحبس حتى يحلف.
وقال أشهب: عليه الدية وأرى أن يخير الأولياء في حبسه أبدًا حتى يحلف أو أخذهم الدية.
(ولو ادعى القتل على جماعة حلف كل واحد خمسين يمينا، ويحلف من الولاة في طلب الدم خمسون رجلاً خمسين يمينا): لأن كل واحد من الجماعة مدعي عليه فلا يبرأ إلا بالخمسين.
واختلف إذا كان المدعى عليهم أكثر من خمسين هل يحلفون كلهم أو إنما يحلف خمسون رجلاً منهم.
(وإن كانوا أقل قسمت عليهم الأيمان): يعني: إذا كان اثنان فإنه يحلف كل واحد منهما خمسًا وعشرين يمينا فإن أطاع

أحدهما أن يحلف أكثر الأيمان لم يجز ذلك قاله ابن رشد في مقدماته ولم يعزه وعزاه غيره لنقل أبي محمد عن ابن القاسم في الموازية.
قال ابن رشد: فإن كانوا أكثر من ذلك إلى الخمسين وتشاحوا مع تساويهم في العدد قسمت بينهم على عددهم فلو وقع كسر كما لو كانوا عشرين فيحلف كل واحد منهم يمينين يمينين ثم لا سبيل لهم إلى القتل إلا أن يحلف العشرة منهم العشرة الإيمان الباقية فإن أبي جميعهم من حلفها بطل الدم كنكولهم.
واختلف إذا طاع اثنان بحلف الخمسين فقال ابن القاسم: ذلك جائز، ولم يجزه المغيرة وأشهب وابن الماجشون، وأما لو كانوا أكثر من خمسين فإنه يجتزأ منهم بخمسين باتفاق عند الأكثر، وقد رأيت لابن الماجشون في كتاب مجهول أنه لابد أن يحلف كل واحد منهم يميناً يمينًا وإلا لم يستحق الدم.
(ولا تحلف امرأة في العمد): ما ذكر مثله في الموطأ والمدونة قال الفاكهاني: وقيل: تحلف.
(ويحلف الورثة في الخطأ بقدر ما يرثون من الدية من رجل أو امرأة): ما ذكر من أنه يحلف واحد منهم على قدر ميراثه هو متفق عليه؛ لأن الأيمان سبب لحصول الدية لهم فيجب توزيع الأيمان كما توزع الدية.
(وإن انكسرت يمين عليهم حلفها أكثرهم نصيبًا منها وإذا حضر بعض ورثة الخطأ لم يكن له بد أن يحلف جميع الأيمان ثم يحلف من يأتي بعده بقدر نصيبه من الميراث):

يعني كما لو كان الوارث ابنا وبنتا فإنها إنما تحلفها البنت مراعاة للتبعية والمتبوعية، والضمير المجرور في قوله منها عائد على اليمين المذكورة وتردد التادلي هل هو كذلك أو عائد على الدية، وهو بعيد.
وما ذكر الشيخ هو كذلك في القول المشهور ومثله قول المدونة إن لزم واحدًا نصف اليمين ولزم آخر ثلثها وآخر سدسها يحلفها صاحب النصف وصورتها بنت وزوج وأم عاصب.
وقيل: إنما يحلفها صاحب الأكثر من عدد الأيمان لا من عدد اليمين المنكسرة حكاه ابن رشد، ولم يعزه وعزاه غيره للموطأ من رواية يحيى.
وقيل: على كل واحد منهم يمين مستقلة نقلة ابن الحاجب ومثله في الكافي لابن عبد البر، وقال ابن حارث: واتفقوا على أنها لا تجبر على كل واحد منهم فتصير الأيمان أكثر من خمسين، وهذا يقتضي نفي الثالث.
قال ابن رشد: واختلف إذا انكسرت اليمين بأجراء متساوية مثل ما لو كان الورثة ثلاث إخوة لوجب على كل واحد منهم ستة عشر يمينا وثلثا بيمين فقال ابن القاسم، يجبر على كل واحد منهم الكسر الذي صار إلى حظه فيحلف كل واحد منهم سبعة عشر يمينا.
وقال أشهب: يحلف كل واحد منهم ستة عشر يمينا، ويقال لهم: عينوا اثنين منكم يحلفان يمينين فإن تشاحوا فيمن يحلف ما بقي فرأيت لابن كنانة: لايجبر الإمام منهم أحدًا، ويقال لهم: لا تأخذوا شيئًا إلا أن تحلفوا بقية الأيمان ويشبه أن يقول

أشهب مثل هذا أو يقرع بينهم فيها.
وقاله بعض أهل النظر وقاسه على قول ابن القاسم، ولا يصح إلا على قول أشهب.
(ويحلفون في القسامة قيامًا): ما ذكر هو المشهور، ونقل مكي في تذكرته عن ابن الماجشون أنهم يحلفون قعودا ولا خصوصية للحلف قيامًا في القسامة بل وكذلك كل الحقوق المالية على المشهور ونص الشيخ على ذلك بعد قوله: ويحلف قائمًا.
وظاهر كلام الشيخ: أنه لا يعتبر في أيمان القسامة زمن معين وهو كذلك.
وقيل: إنه تقع الأيمان بعد صلاة العصر يوم الجمعة ذكره ابن رشد واختلف في الذي يحلف به على أربعة أقوال: فقيل: يقول: بالله الذي لا إله إلا هو.
والثاني: يقول معه الذي أمات وأحيا.
والثالث: يقول معه لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم.
والرابع: لا يزيد فيها الرحمن الرحيم، وذكر ابن رشد أن العمل مضى عندهم مع كون اليمين بعد صلاة العصر من يوم الجمعة كما تقدم.
(ويجلب إلى مكة والمدينة وبيت المقدس أهل أعمالها للقسامة): لأن ذلك أيضًا أهول وأخوف على الحالف وأردع.
(ولا يجلب في غيرها إلا من الأميال اليسيرة): قال التادلي: واختلف في الأميال اليسيرة، فقال ثلاثة أميال.
وقيل: بريد، وقيل: عشرة أميال.
(ولا قسامة في جرح ولا في عبد ولا بين أهل الكتاب، ولا في قتيل بين الصفين أو وجد في محلة قوم): ما ذكر من أنه لا قسامة في الجرح هو نص المدونة، وما ذكر أنه لا قسامة في عبد هو كذلك؛ لأنه مال.
قال ابن زرقون: ولو قال العبد دمي عند فلان ففيه أربعة أقوال: يحلف المدعى عليه خمسين يمينا ويبرأ قال أشهب: ويضرب مائة ويسجن فإن كل حلف السيد يمينا واحدًا ويستحق قيمة عبده مع الضرب والسجن.
وقال ابن القاسم: ويحلف المدعي عليه يمينا واحدة ولا قيمة عليه ولا ضرب ولا سجن فإن نكل ضرب وسجن وغرم القيمة.
وروى أشهب عن مالك مثل قوله إلا أن مالكًا قال: إذا حلف المدعى عليه

الأيمان لم يضرب، ولم يسجن، وقال أصبغ: يحلف المدعى عليه خمسين يمينا فإن حلف برئ، وإن نكل لم يلزمه شيء لا قيمة ولا ضرب ولا سجن، وأما إذا أقام السيد شاهدا على أحد أنه قتل عبده حلف السيد يمينا واحدة وأخذ قيمته ويجلد مائة ويسجن عامًا قاله ابن القاسم، وأشهب، وفي المدونة قال مالك في نصراني قام على قتله شاهد واحد مسلم يحلف، ولأنه يمينا واحدة ويستحقون الدية على قاتله مسلمًا كان أو نصرانيا ومثله في رسم أوصى من سماع عيسى من الجنايات وسماع أشهب في الديات.
قال ابن رشد: وقيل: دم النصراني لا يستحق بالشاهد واليمين، وهو قول أشهب وظاهر سماع يحيى في الديات وفيه قول ثالث، وهو أن يحلف أولياؤه مع شاهدهم خمسين يمينا ويستحقون ديته، وهو قول المغيرة لمالك في المدونة من رواية محمد بن يحيى السبائي أنه يستحق بغير يمين.
قلت: وحكى ابن زرقون فيها وفيما إذا قال الذمي: دمي عند فلان أربعة أقوال فذكر ما تقدم عن المدونة في المسألتين، وعزاه لنقل ابن حبيب عن ابن القاسم، وقول المغيرة على فرض ما حكاه ابن رشد في مسألة الشاهد وعزاه لنقله قال: وهو غريب، وقيل: يحلف المدعى عليه خمسين يمينا ويبرأ قاله مالك، وأشهب وابن عبد الحكم.
وقيل: إن لم يكن إلا قول الذمي دمي عند فلان فلا قسامة فيه، وفي مسألة الشاهد فيحلف ولاته يمينا واحدة ويأخذون الدية ويضرب مائة ويسجن سنة قاله ابن القاسم في المدونة.
قال الفاكهاني: انظر قول الشيخ ولا بين أهل الكتاب هل المعنى إذا كان المقتول ذميا، والقاتل مسلماً أو المعنى لا قسامة بينهم إذا تحاكموا إلينا فلا نوجبها عليهم وكلاهما قد قيل.
ورجح بعضهم القول الأول لقوله: ولا في عبد، وما ذكر أنه لا قسامة في القتيل بين الصفين هو قول مالك في المدونة ورجع إليه ابن القاسم بعد أن أخذ بقوله في الموطأ بثبوتها قيل لابن القاسم في العتبية فإن كان القتيل الذي وجد بين الصفين إنما كانوا يقتلون على تأويل، قال: ليس على الذين قتلوه قتل، وإن عرفوا قيل: له فديته هل عليهم منها شيء؟ قال: لما سقط القتل سقطت الدية، وليس أهل التأويل كغيرهم، وروي معناه عن مالك، قال القاضي أبو الوليد بن رشد: ومن أهل العلم من يري أنه يقاد من صاحب التأويل ويقتص، وهو قول أصبغ وعطاء والخلاف في القصاص منه مطلقًا سواء تاب أو أخذ قبل أن يتوب ولا يقام عليه حد الحرابة وإن أخذ قبل أن

يتوب ولا يؤخذ منه ما أخذ من مال وإن كان موسرا إلا أن يوجد شيء بعينه بيده فإنه يرد إلى ربه.
واختلف إذا شهدت البينة أنه قتل ودخل في جماعة فقيل: لا شيء عليهم قاله سحنون وقيل: يستحلف كل واحد منهم خمسين يمينا ويغرمون الدية بلا قسامة قاله ابن القاسم في العتبية، وما ذكر أنه لا قسامة فيما إذا وجد في محلة قوم هو المعروف في المذهب بالإطلاق.
وقال ابن رشد في مقدماته: إنه لوث إذا وقع الأمر فيه على الصورة التي وقعت بخيبر للأنصار وذهبت طائفة من العراقيين خارج المذهب إلى أنه لوث بالإطلاق.
وكذلك قال بعض العلماء في الذي يموت في ازدحام الناس في الأعياد وغيرها: إن ديته على جميع الناس من ذلك، وتأول ابن يونس قول المدونة إذا وجد قتيل في قرية قوم أو دارهم لا يدرون من قتله لم يؤخذ به أحد بأن معناه إن لم يكن معه أحد، ولو وجد في دار ومعه رجل وعليه أثر قتله لقتل به مع القسامة.
(وقتل الغيلة لا عفو فيه): ظاهره وإن كان المقتول كافرًا أو القاتل له مسلم، وهو كذلك نص عليه في المدونة قال فيها: لا يتقل مسلم بكافر إلا أن يقتله قتل غيلة.
قال بعض شيوخنا: والاستثناء منقطع؛ لأن بالحرابة قتل لأن الغيلة حرابة، ولذا قال فيها: إن قطع يديه ورجليه غيلة حكم عليه بحكم المحارب.
قلت: ويجري فيه قول أبي مصعب أن الإمام مخير في المحارب إن قتل كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقال الفاكهاني عن أهل اللغة: قتل الغيلة هو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع خفي فإذا صار فيه قتله فهذا يقتل، ولا عفو فيه؛ لأنه حق الله وكل حق تعلق به حق الله فلا عفو فيه كالزنى، ونحوه.
واعترضه بأنه لا يختص حق الله تعالى بقتل الغيلة حتى يكون عله لما ذكر إذا لا حق من الحقوق للعبد إلا ولله فيه حق، وهو إيصال الحق إلى مستحقه فانظر العله في ذلك.
ونقل عن بعض أصحابنا وأظنه البوني رحمه الله تعالى أنه اشترط في ذلك أن يكون القتل على مال، وأما الثائرة، وهي العداوة بينهما يجوز العفو فيه.
قلت: ما ظنه عن البوني مثله نقل الباجي عن العتبية والموازية قال: قتل الغيلة حرابة، وهو قتل الرجل خفية لأخذ ماله، وقال: ومن أصحابنا من يقول هو القتل على

وجه القصد الذي لا يجوز عليه الخطأ، وقبله ابن زرقون فالعجب من الشيخ رحمه الله.
(ولرجل العفو عن دمه العمد إن لم يكن قتل غيلة وعفوه عن الخطأ في ثلثه): اعلم أنه اختلف المذهب إذا قال رجل لرجل: إن قتلتني فقد وهبت لك دمي، وهذا الخلاف حكاه سحنون عن أصحابنا قال: وأحسن ما رأيت في ذلك أنه يقتل القاتل؛ لأن المقتول عفا عن شيء لم يجب له، وإنما يجب للأولياء، ولا يشبه هنا من أنفذت مقاتله.
وقال: وأشهدكم أني قد عفوت عنه فقيل: فلو أنه قال له: اقطع يدي فقطعها قال: لا شيء عليه؛ لأن هذا جرح لا نفس، وذكر ابن رشد قولاً ثالثًا في مسألة القتل أنه لا يقتل به بل تكون الدية في ماله قال: وهو أظهر الأقوال.
(وإن عفا أحد البنين فلا قتل، ولمن بقي نصيبهم من الدية ولا عفو للبنات مع البنين): اعلم أنه إذا عفا بعض البنين فإنه يسقط نصيب العافي وحده؛ لأن الحق المشترك بين جماعة لا يسقط جميعه بإسقاط بعض الشركاء له وإلا لما كان للشركة فائدة، وهذا إذا بقي بعض العصبة، وأما إذا عفا البنون وثم بنات فإنه يسقط حق البنات من الدية وكذلك الأخوات مع الأخوة، قاله ابن القاسم، وأشهب.
وروى أشهب عن مالك أن حق الإناث باق وقال ابن المواز، وبالقول الأول قال: من أدركناه من أصحاب مالك، وهو أصله في موطئه، قال الباجي: وهذا إذا عفا الرجال في فور واحد فأما إن عفا أحدهم ثم بلغ الآخر فعفا فلا يضر ذلك من كان معهما من أخت أو غيرها؛ لأنه مال ثبت بعفو الأول قاله محمد.
(ومن عفي عنه في العمد ضرب مائة وحبس عامًا): ظاهر كلامه وإن كان رقيقًا أو امرأة وهو كذلك قاله في المدونة.
وقيل: إن الضرب والسجن ساقطان عنهما حكاه ابن عبد السلام مفسرا به قول ابن الحاجب، ومن عفي عنه ضرب مائة وحبس عامًان وإن كان رقيقًا أو امرأة على الأشهر والذي أعرفه للباجي رحمه الله تعالى قولين: أحدهما: مثل ما في المدونة.
والثاني لأصبغ في الموازية: لا حبس على عبد ولا على امرأة ويجلدان قاله

المغيرة، وخرجه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً قتل عبده متعمدًا فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة جلدة ونفاه سنة ومحا اسمه من المسلمين ولم يغربه وأمره أن يعتق رقبة قال عبد الحق في سنده إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف في غير الشاميين، وهذا الإسناد حجازي، رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي قرة عن إبراهيم عن عبد الله بن جبير عن أبيه عن على عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر رقبة وإسحاق بن أبي قرة متروك وذكر حديثه أيضًا الدارقطني ولا يصح في هذا شيء، وتعقب ابن القطان قوله هذا في الإسناد حجازي فإنه شامي بأنه في إسناد الدارقطني حدثنا إسماعيل بن عياش عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الحديث، وجعل أهل المذهب هذا الحديث أصلاً في قاتل العمد إذا تعذر القصاص منه لموجب ما ولو وجبت القسامة للأولياء فنكلوا فحلف المدعى عليه.
فقال ابن المواز على المدعى عليه الجلد، والسجن، ولم يخالف فيه إلا ابن عبد الحكم فإنه قال: إذا نكلوا فلا جلد، ولا سجن، والأكثر على تعميم هذا الحكم في كل مقتول واختاره ابن حبيب ورواه عن مالك إنما ذلك في المسلم عبدًا كان أو حرًا وأما غير المسلم فإنما لم يجب فيه إلا الأدب المؤلم.
وقال أشهب: إن شاء بدأ بالجلد أو بالحبس وذلك واسع وظاهر رواية عيسى عن ابن القاسم في العتبية أنه يبدأ بالجلد؛ لأنه قال: يأتنف حبس سنة من يوم جلد، ولا يحتسب بما مضى، ولم يذكر ابن رشد غير ما في السماع وحفظ الباجي قول أشهب.
(والدية على أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم): في الموطأ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قول الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم.
وروى أهل العراق أن عمر وضع الديات فوضع على أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألف شاة، وعلى أهل الحلل ألف حلة.
وروي مثله مرسلا إلا أنه لم يذكر الدراهم، وهو قول عطاء والزهري وفقهاء المدينة السبعة وغيرهم.

قال مالك: أهل البادية وأهل العمود أهل الإبل.
قال الباجي: لا خلاف في ذلك، وأما أهل مكة فقال إصبع في العتبية: هم أهل الذهب.
وقال أشهب: أهل الحجاز أهل إبل، وأهل مكة منهم، وأهل المدينة أهل الذهب، وفي الموازية عن مالك أهل الشام، وأهل مصر أهل الذهب.
وقال ابن حبيب: وكذلك أهل مكة، والمدينة، وقال أصبغ: هم اليوم أهل الذهب، وقال ابن الحاجب: أهل المغرب أهل الذهب.
وقال ابن حبيب: أهل الأندلس أهل ورق وأشار أصبغ في قوله: أهل مكة وأهل المدينة هم اليوم أهل الذهب إلى أن المعتبر في كل جهة الزمان الذي تجب الدية فيه، وهو اختيار القاضي الباجي رحمه الله تعالى.
(ودية العمد إذا قبلت خمس وعشرون حقة وخمسة وعشرون جذعة وخمس وعشرون بنت ليون وخمس وعشرون بنت مخاض): اختلف المذهب في الواجب في العمد فقال أشهب: يخير الولي في القصاص أو الدية وروى ابن القاسم تعيين القود فعلى رواية أشهب تعيين دية العمد لا إشكال فيها، وأما على رواية ابن القاسم فالقياس أن يقال لا يجب فيها إلا ما اصطلحوا عليه كما حكي عن أبي حنيفة، قاله ابن عبد السلام.
وظاهر كلام الشيخ سواء وقع النص على الدية بالتعيين أو بالإبهام.
قال الباجي: وهو المشهور عن مالك في الموازية إن اصطلحوا على شيء فهو ذلك، وإن اصطلحوا على دية مبهمة أو عفا بعض الأولياء رجع الأمر إلى دية مثل دية الخطأ.
(ودية الخطأ مخمسة عشرون من كل ما ذكرنا وعشرون ابن لبون ذكرا) قال ابن عبد السلام: الأحاديث في الخطأ مختلفة لم تقع بشرط الصحة فيما قد علمت فخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " في دية الخطأ عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنت مخاض وعشرون ابن مخاض وعشرون ابن لبون".
قالوا: إسناده ضعيف وخرج أيضًا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيمن قتل خطأ بمائة من الإبل ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقة وعشرون ابن لبون ذكروًا.

(وإنما تغلظ الدية في الأب يرمي ابنه بحديدة فيقتله فلا يقتل به ويكون عليه ثلاثون جذعة وثلاثون حقة وأربعون خلفة في بطونها أولادها، وقيل ذلك على عاقلته، وقيل ذلك في ماله): دل كلام الشيخ من باب أحرى أن الأم كالأب فلا تقتل؛ لأنه لم يقتل الأب إذا قتل أبنه لما طبع عليه من الحنانة والشفقة وبالإذن له في التأديب فالأم أحرى، وهذا ما لم تكن قرينة تدل على أ، هـ أراد قتله حقيقة فإن كانت فإنه يقتل به على المشهور خلافًا لأشهب وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما، وذلك إذا ذبحه أو شق جوفه وما أشبه ذلك.
وذكر الشيخ في ذكر كون الدية على من تكون؟ على ثلاثة أقوال: فقيل: إنها تكون على الأب يعني في ذمته فإن كان له مال الآن أخذه منه، وإلا انتظر يسره.
الثاني: أنها على العاقلة.
الثالث: أنها تكون في ماله إن كان وإن لم يكون فعلى عاقلته وإليه أشار الشيخ بقوله وقيل ذلك في ماله.
والثاني لمالك واللخمي وعزا ابن رشد الثالث لمطرف وابن حبيب لا غير ويريد الشيخ أنها حالة، قال ابن زرقون: لا خلاف أنها في مال الجاني حالة.
قلت: وقال ابن عبد السلام: لا يبعد وجود قول بأنها منجمة في مال الجاني إذا اختلف في تنجيم دية العمد مع كونها في مال الجاني.
قال اللخمي: قال عبد الملك هي على العاقلة معجلة، ولابن القاسم في الواضحة هي عليها منجمة ثم رجع لقول المدونة، وهو أحسن، والمشهور أنها تغلظ على أهل الذهب والورق، وقيل: لا تغلظ عزاه اللخمي لأول قول مالك في الموازية، ولم يعزه ابن رشد إلا لنقل عبد الوهاب وعزاه الباجي لرواية سحنون وابن عبد الحكم، وفي كيفية التغليظ خلاف شهير في المذهب، وكذلك اختلف هل تغظ الجراح أم لا؟ على ثلاثة أقوال حكاها ابن زرقون فروى ابن عبد الحكم: لا تغلظ فيها وقال مالك في المدون والمبسوط: تغلظ في الجراح كلها، وفرق عبد الملك وسحنون بين ما يقتص منه في العمد وما لا يقتص منه.
(ودية المرأة على النصف من دية الرجل): هو كذلك في كتابه صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم.
(وكذلك دية الكتابيين ونساؤهم على النصف من ذلك):

ما ذكر هو المذهب وقال أبو حنيفة: دية الكتابي مثل دية المسلم، وقال الشافعي: ديته مثل دية المسلم، ونقل الفاكهاني عنه مصل قول أبي حنيفة رضي الله عنه، واحتج أبو حنيفة بما رواه الدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ودي ذميا دية مسلم، وأجيب بأن في إسناده من هو متروك وفي مراسيل أبي داود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار" واحتج أصحابنا بما خرجه النسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى" وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " عقل الكافر نصف عقل المؤمن".
(والمجوسي ديته ثمانمائة درهم ونساؤهم على النصف من ذلك ودية جراحهم كذلك): ما ذكر الشيخ هو قولنا وقول الشافعي، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: دية المجوسي مثل دية الحر المسلم.
واختلف المذهب في دية المرتد على ثلاثة أقوال: فقيل: كدية المجوسي قال ابن القاسم وأشهب وأصبغ، في كتاب ابن سحنون وقيل: كدية من ارتد إليه ورواه سحنون عن أشهب وكلاهما حكاه الباجي، وقيل: لا شيء فيه حكاه ابن رشد في مقدماته، ولم يعزه كالأولين وعزاه في البيان لأشهب، وسحنون.
قال ابن عبد السلام: وهو الظاهر سواء قلنا بوجوب الاستنابة أو باستحبابها غير أنه إذا قيل بوجوبها فقد يظهر لوجوب الدية وجه، وهذه المسألة تشبه قتل الكافر إذا قتل قبل الدعوة هل تكون فيه الدية أم لا؟ قلت في تعليق الطرطوشي: من لم تبلغه الدعوة بحال كمن هو في جزيرة إن قتل لا يضمن ومن قول مالك إن أقام مسلم بدار الحرب مع القدرة على خروجه لا دية فيه.
(وفي اليدين الدية وكذلك في الرجلين أو العينين وفي كل واحد منهما نصفها): يريد أن الدية كاملة في مجموع اليدين سواء قطعت الأصابع خاصة أو قطعت من

الكف أو مع الذراع أو قطعت اليدان من المنكب، وهذا الذي قلناه هو قول مالك من رواية أشهب مستدلاً باستكمال دية الذكر بقطع الحشفة فتكون ديته كدية قطعه من أصله ولو قطع كفه وليس فيها إلا إصبع واحد فله دية الإصبع، واستحسن ابن القاسم في كف حكومة.
وقال أشهب: لا شيء له في الكف ما بقي له شيء فيه دية، واتفقوا إذا بقي الكف خاصة ففيها حكومة وإنه إذا لم يذهب إلا إصبع واحد لا شيء له فيها ما بقي من الكف.
واختلفوا فيما بين ذلك فجعل ابن القاسم الإصبع قليلاً كما لو لم يبق فيها شيء وجعل أشهب وجودها مانعا من أخذ الحكومة ووافقه على ذلك سحنون قاله ابن القاسم في الإصبعين وجعل عبد الملك الثلاثة من حيز القليل فله في الكف عنده بحساب ما ذهب من الأصابع.
وقال المغيرة: إذا ذهب منها إصبعان ثم قطع بعد فإن أخذ في الإصبعين عقلا وقودا فله عقل ثلاثة أصابع ولا حكومة له، وما ذكر الشيخ أن في الرجلين الدية صحيح لأنه بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم وسواء قطعت الأصابع وحدها أو الأصابع مع الرجل أو الرجل بإصبعها إلى الركبة وكذلك إلى الورك.
قال الفاكهاني: روينا قول الشيخ بالياء في الرجلين والعينين والوجه فيه، وكذلك الرجلان والعينان ويبعد فيه تقدير في عند البصريين إذ لا يحذف الجر ويبقى عمله عندهم قياسًا.
(وفي الأنف يقطع مارنه الدية): ما ذكر هو مذهب المدونة وهو المشهور، وفي المبسوط عن مالك أنه يعتبر من أصل الأنف.
قال ابن الحاجب: والأصح هو الأول وصحح غيره القول الثاني لموافقته ظاهر ما في كتاب عمرو بن حزم، وفي الأنف إذا أوعب جدعا مائة من الإبل، والمارن ما فوق العظم الذي هو أصل الأنف ويسمي أيضًا الأرنبة والرونة قاله أشهب، وإذا فرعنا على ما قال الشيخ وقطع بعض المارن كان فيه إلا دية واحدة، وهذا كما أن الذكر إذا قطع من أصله وجبت فيه الدية وإذا قطعت الحشفة فكذلك وإذا قطع بعض الحشفة نظر المقطوع منها فبحسابه منها يجب من الدية لا من أصل الذكر قاله في المدونة والمجموع والموازية.
وأما الشم فروي عن مالك أن فيه حكومة، وقال أبو الفرج: فيه الدية وكلاهما

نقله ابن زرقون وقال اللخمي: واختلف إذا ذهب الشم والأنف معًا فقال ابن القاسم: فيهما معًا دية واحدة، وقال ابن الجلاب: القياس ديتان والأول أحسن قياسًا على الذكر واللسان.
(وفي السمع الدية): يعني إذا لم يسمع بشيء من أذنه فيجب عليه الدية بلا خلاف وفي إبطال أحدهما نصف الدية وما نقص فبحسابه، ويعرف ذلك بأن يصاح من مواضع عدة مختلفة الجهات، وتكون الأذن الصحيحة مسدودة فإذا لم يضطرب قول المجني عليه بل تساوت الأماكن التي بلغ سمعه إليها سدت تلك الأذن الناقصة وفتحت الأذن الصحيحة وصيح حينئذ ثم يقدر أهل المعرفة ما نقصه من السمع ويلزم ذلك الجاني، وحكي نحو هذا عن على بن أبي طالب رضي الله عنه، وسكت في المدونة عن يمينه ونص في غيرها على لزومها.
قال بعض الشيوخ: وينبغي أن يختلف فيه؛ لأن ذلك يمين تهمة إذ الجاني لا يحقق دعوى المجنى عليه، وإنما هو متهم له فإن اختبر، واختلف قوله لم يكن له شيء.
وقال عيسى بن دينار: له الأقل مع يمينه.
واعلم أنه إن لم يكن يسمع إلا بأذن واحدة ففيها ما تقدم نصف الدية.
قال الفاكهاني: انظره مع قولهم في عين الأعور الدية الكاملة.
قلت: فرق ابن القاسم بين عين الأعور وغيرها بالسنة قاله في المدونة.
قال ابن الجلاب: فإذا ذهب السمع والأذن بضربة واحدة ففيهما دية واحدة قاله ابن القاسم، والقياس عندي أن تكون فيهما دية وحكومة أو ديتان على اختلاف الروايتين.
واختلف في أشراف الأذنين فقيل: فيهما دية، وقيل حكومة حكاهما القاضي عبد الوهاب.
(وفي العقل الدية): قال ابن رشد في مقدماته: محل العقل القلب لا الدماغ عند مالك خلافًا لابن الماجشون، وما ذكر الشيخ أن العقل فيه الدية صحيح، وكيف لا تكون فيه الدية، وهو أفضل صفات الإنسان فإذا وجبت الدية في السمع وشبهه فلأن تجب فيه أحرى ولو ذهب بعض العقل فبحسابه، وقدر اللخمي بالأيام وشبهها من الشهر فإن كان يذهب عقله يومًا وليلة في الشهر وجب له جزء من ثلاثين وهكذا.

(وفي الصلب ينكسر الدية): اختلف في المسألة على أربعة أقوال: فقيل: إن امتنع من القيام والجلوس وجبت الدية كاملة وإلا فلا.
وقيل: إن تعذر القيام فقط وجبت الدية، وإن لم يتعذر الجلوس قاله مالك، وقيل: فيه الدية إذا انطوى.
قال اللخمي: يريد إذا صار كالراكع، وقال عبد الملك في كتاب ابن حبيب: في الصلب الدية إن انكسر فلم يقدر على الجلوس ثم على هذه الأقوال فما نقص فبحسابه، واتفق المذهب على أنه إذا ضرب على صلبه فبطل بذلك قيامه وجماعه فإنه يلزمه فيه ديتان.
(وفي الأنثيين الدية): خرج النسائي في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم في البيضتين الدية، وروي عن ابن المسيب أنه قال: في البيضة اليسرى نصف الدية وفي اليمنى الثلث، فقيل له: لم؟ فقال: إن اليسرى إذا ذهبت لم يولد له وإذا ذهبت اليمنى ولد له.
قال ابن حبيب: وقيل: في اليسرى دية كاملة قال اللخمي: يريد لما قيل: إن النسل منها خاصة، ولو قطع الذكر والأنثيين بضربة كان فيها ديتان.
قال ابن حارث: اتفاقًا وهو قصور لنقل اللخمي رواية القاضي عبد الوهاب فيهما معًا دية واحدة وإن كان واحدة بعد أخرى فمذهب المدونة والمجموعة والموازية ديتان مطلقًا، وقال ابن الماجشون في الأول منهما قطعا الدية كاملة وفي الذكر إن كان هو الآخر الدية أيضًا كاملة وإن كان الاثنين فحكومة.
قال الفاكهاني: ذكر هذا القول مكي في تذكرته.
قلت: وعزاه اللخمي لابن حبيب ونقل الباجي عن مالك أن قطع الذكر أولا وآخرًا ففي الآخر الحكومة وعن ابن حبيب إن قطعهما بعد الذكر فلا دية فيهما، وفي الذكر الدية قطع قبلهما أو بعدهما، وقيل: أيهما قطع قبل صاحبه ففي الثاني حكومة حكاه أبو الفرج عن مالك فيتحصل في ذلك خمسة أقوال.
(وفي الحشفة الدية): ما ذكر هو المنصوص وخرج اللخمي من أحد القولين في الأنف أن الدية لا تجب فيه إذا من أصله لا من المارن قولاً هنا بأن الدية لا تجب في الحشفة وحدها بل يقطعه من أصله.

قال ابن عبد السلام: وفي هذا التخريج بعد؛ لأن في الحديث أن الأنف إذا أوعب جدعا الدية وروي هنا في الحشفة الدية فلا يبعد أن يفرق بينهما باتباع ما روي والله اعلم، ولو قطع عسيبها بعدها فحكومة كالكف بعد الأصابع.
وأما قطع أليتي المرأة أو الرجل فقال ابن القاسم في المدونة: فيهما حكومة.
قال الباجي، وقاله ابن وهب وقال أشهب: فيهما من المرأة الدية الكاملة.
(وفي اللسان الدية وفيما منع منه الكلام الدية): قال التادلي: والألسنة ثلاثة غير ناطق فيه الحكومة ولسان الصبي، قال مالك: يتربص به إذ لعله ينبت فلا دية وإلا فله الدية، وإذا قطع لسان الناطق ففيه دية كاملة فإن قطع ما لا يمنع النطق شيئًا فحكومة؛ لأن الدية للنطق لا له، ولذلك كان في لسان الأخرس حكومة.
(وفي ثديي المرأة الدية): يريد وكذلك قطع حلمتيهما وكذلك إن بطل اللبن قاله ابن القاسم، ولو بطل اللبن فأخذت الدية ثم عاد ردت.
(وفي عين الأعور الدية، وفي الموضحة خمس الإبل):

ما ذكر هو مذهبنا وبه قال الزهري، وربيعة، وقضى به عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما، وقاله ابن عمر والليث بن سعد، وقال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما فيها نصف الدية، قاله الشافعي، وعطاء.
قال أشهب: محتجا لقول مالك لأن ينظر بالعين الواحدة ما ينظر بالعينين معًا، ولا يعمل بيد واحدة ما يعمل باليدين، وعبر الفاكهاني عن أشهب ببعضهم، واعترضه بأنها دعوى محتاج عليها لدليل وأي فرق بين الأعور، ومن لا يسمع إلا بأذن واحدة ثم لا يقال فيها أيضًا انتقل السمع إليها.
قلت: وفرق ابن القاسم بين عين الأعور وغيرها بالسنة ومثله قول ابن الحاجب، وفي عين الأعور الدية كاملة بخلاف كل زوج في الإنسان لما جاء في السنة قال ابن

عبد السلام: وفيه نظر فإن ظاهر السنة مع المخالف؛ لأن في كتاب عمرو بن حزم في العين خمسون.
واختلف المذهب في ذكري العنين والخصي فقيل: تجب فيه الدية، وقيل: بل حكومة، وكذلك ما ليس فيه إلا الجمال كأشفار العينين فيه حكومة عندنا، معنى الحكومة هو أن يقوم المجني عليه عبدًا سالما بعشرة مثلاً ثم يقوم مع الجناية بتسعة فالتفاوت عشر فيجب عشر الدية قاله الشافعي وتبعه أصحابنا البغداديون وفي تفسير ابن مزين أن الحكومة أن ينظر الإمام أو الحاكم على قدر اجتهاده، ومن يحضره معه، وذكر أبو عمران في تعليقه القولين كما تقدم قائلاً: هو الذي كنا نقول قبل أن نظهر على قول ابن إدريس.
قلت: وذكر غيره أن القول الأول معزو لمالك ومثله في كتاب أبي الفرج وهو نص ابن الجلاب، وأن القول الثاني ذكره في النوادر لأشهب، وأما لو قطع من لحمه بضعة فإنه يجب القصاص، ويعتبر في البضعتين المساواة في المقدار طولا وعمقًا إن أمكن لسمن المجروح ونحافة الجارح، ولا شك في اعتبار محلها، وهذه المسألة داخلة في عموم قوله تعالى: (والجروح قصاص) [المائدة: 45] ولا قود في اللطمة باتفاق وفي ضربة السوط القود على المشهور، وقاله ابن القاسم، وروي عن مالك لا قود فيه كاللطمة نقله سحنون وعزاه في المجموعة لأشهب قائلاً: لأنه لا يعرف أحد تلك الضربة والضرب من الناس مختلف.
قال شيخنا أبو مهدي رحمه الله تعالى: ويفرق لابن القاسم بأحد أمرين أحدهما إما لنهيه صلى الله عليه وسلم عن لطم الوجه، وإما لأنه رأى الضرب بالسوط ينضبط بخلاف اللطمة.
(وفي السن خمس): من الإبل ظاهر كلام الشيخ لا فرق بين أن تكون من مقدم الفم أو مؤخرهن وهو كذلك؛ لأن السن تصدق على الأضراس وغيرها، ففي الفم اثنان وثلاثون سنا خلافًا للخمي في قوله: الأسنان اثنا عشر سنا والأضراس عشرون.
وقال ابن شعبان: للرجل الألح اثنان وثلاثون وللكوسج ثمانية وعشرون سنا.
قال اللخمي: يريد لأنه لا نواجذ له واسودادها كزوالها قاله في المدونة خلافًا للشافعي في قوله فيه حكومة وفي الموازية عن أشهب قال عمر وعلى وابن المسيب وعدد من التابعين: إذا اسودت وجب عقلها ولم يبلغني عن أحد خلافه، وسئل

القرويون رضي الله عنهم عمن أطعمته زوجته ما اسود به لونه فوقفوا فقال أحمد بن ناصر هي المدونة وأوجب الدية أخذها من قولها في السن إذا اسودت وأول ما وقفت على الإقامة المذكورة للشيخ المذكور في حال صغرى في تأليف الشيخ أبي بكر المالكي المسمي برياض النفوس وسلمها كغيره.
وقال بعض شيوخنا: قد يفرق بلزوم البياض للسن وسواد بعض الآدميين ولو قلع سن سوداء فكغيرها وسن الصبي الذي لم يثغر يوقف عقلها إلى الإياس كالقود.
قال ابن عبد السلام: وهذا ربما يظهر في الخطأ وأما في العمد فالمتبادر إلى الذهن وجوب القصاص وسواء نبتت أو لم تنبت؛ لأن المقصود من القصاص إنما هو إيلام الجاني بمثل ما آلم به المجني عليه، ولكن يجاب عن هذا بأنه لو وجب فيه القصاص لوجبت الدية والإلزام باطل.
(وفي كل إصبع عشر من الإبل وفي الأنملة ثلاث وثلث): الإصبع مؤنث بلا خلاف وقد قدمنا أن في الإصبع عشرة لغات منها قول الشيخ: وإن استاك بإصبعه، وفي الأنملة لغتان أصحهما الفتح في الميم والضم طردي.
وظاهر كلام الشيخ من غير تفضيل بعض الأصابع على بعض وهو كذلك عندنا وللسلف في تفضيل بعض الأصابع على بعض كلام يطول ذكره ولو قطعت يد لها أربع أصابع فله دية أربع أصابع قاله أشهب، وابن القاسم في المدونة.
قال اللخمي: واختلف فيمن له ستة أصابع فلا بن القاسم وفي العتبية إن كانت السادسة قوية ففيها عشر ولو قطعت عمدًا إذ لا قصاص فيها وفي كل يدها ستون وإن كانت ضعيفة ففيها حكومة إن انفردت مع اليد لا يزاد لها شيء، وقال ابن سحنون عنه إذا قطعت يد خطأ ففيها نصف الدية فقط وقيل: حكومة في الزائد ولم يفرق بين قوية وضعيفة، وقول ابن القاسم أبين.
(وفي كل أنملة من الإبهامين خمس من الإبل): ما ذكر الشيخ هو قول مالك قال ابن المواز وذكر عنه أنه رجع عن ذلك وقيل: إن فيها ثلاث أنامل وكذلك روى عنه سحنون أنه رجع إلى ذلك قال: وأخذ أصحابنا بالقول الأول.
قال الفاكهاني: وأما أبهام الرجلين ففي كل واحد أنملتان ولم يذكر أن بي ذلك خلافًا.
قلت: وقال اللخمي: بعد أن ذكر ما تقدم عن محمد بن المواز: المسألة تحتمل القولين جميعا أن يقال فيها أنملتان؛ لأن ذلك هو البائن منها وإن يقال فيها ثلاثة؛ لأن

الثالث وإن لم يكن بائنًا فهو متحرك بحركة الإبهام عن استعمال البائن من ذلك واستعمال الإبهام بالجميع البائن وغيره، وهو أقيس، ويريد الشيخ في أقل من أنملة بحساب ذلك الأقل.
(وفي المنقلة عشر ونصف عشر والموضحة ما أوضح العظم والمنقلة من طار فراشها من العظم ولم يصل إلى الدماغ وما وصل إليه فهي المأمومة ففيها ثلث الدية، وكذلك الجائفة وليس فيها دون الموضحة إلا الاجتهاد وكذلك في جراح الجسد ولا يعقل جرح إلا بعيد البرء): المنقول بكسر القاف المشددة قاله الجوهري.
(وما برأ على غير شين مما دون الموضحة فلا شيء فيه): قال الفاكهاني: ظاهرة أنه لا يعطى أجر الأدوية ولم يقل به مالك، وقيل: يعطى ما أنفق من الأدوية قال الفقهاء السبعة رضي الله تعالى عنهم.
قلت: وأخذه بعضهم من قول مالك بوجوب رفو الثوب قال بعض شيوخنا: وهو أخذ أحروي لأن الدماء أكد من الأموال وأراد الشيخ بقوله: ولم يقل به مالك أي لم يقل بأن له الأجرة، بل قال: مثل ظاهر كلام الشيخ إذا قيل له من انكسرت فخذه ثم انجبرت مستوية له ما أنفق في علاجه قال: ما علمته من أمر الناس أرأيت من برأ علي غير شين أتكون له قيمة الشين وما أنفق.
(وفي الجراح القصاص في العمد إلا في المتألف مثل المأمون والجائفة والمنقلة والفخذ والأنثيين والصلب ونحوه ففي كل ذلك الدية): يعني: أن الجراح على قسمين منها ما هو غير المتلف ومنها ما هو متلف فالأول قال الشيخ: فيه القصاص، ويعني بذلك إذا تحققت فيه المماثلة.
وأما مالا تتحقق فيه المماثلة فعلى ضربين ضرب لا تتأتى فيه المماثلة كالبياض العين فهذا لا قصاص فيه وضرب قد تتأنى فيه المماثلة والغالب نفيها ككسر العظام فحكى القاضي عبد الوهاب في ذلك روايتين وذكر في المدونة عن مالك أنه يقاد من الظفر وفي غيرها عنه: أنه لا يقاد بناء على أنه كالعظم أو كالشعر.
وأما المتلف فذكر الشيخ أنه لا قصاص في المأمونة الجائفة، وهو كذلك باتفاق لنصه صلى الله عليه وسلم بذلك وما ذكر أنه لا قصاص في المنقلة هو المشهور.
قال اللخمي: وروي عن مالك القصاص فيها حكاه عبد الوهاب.
قلت: وذكره ابن الجلاب أيضًا قال ابن زرقون قال محمد بن عبد الحكم القصاص.

في كل جرح ولو كان متلفا إلا ما خصصه الحديث عنه من الجائفة والمأمومة وقال ربيعة: القصاص عموما ولم يستثن وحيث لا قصاص فلابد من الأدب قاله في المدونة.
(ولا تحمل العاقلة قتل عمد ولا اعترافا به): قال الفاكهاني: روينا ولا اعتراف بغير تنوين والصواب تنوينه وكذلك هو في بعض النسخ، واختلف في المقر بالخطأ على خمسة أقوال: فقيل تكون الدية في مال المقرر وحده، وقيل: على العاقلة بقسامة في رواية ابن القاسم، وأشهب، وكلاهما في المدونة في كتاب الصلح، وقيل: تسقط الدية مطلقًا حكاه عبد الوهاب، ونجوه حكاه ابن ميسر عن ابن وهب، وابن القاسم.
وقيل: تقسط عليه، وعلى العاقلة فيلزمه منها ما يخصه، ولا يلزم العاقلة شيء حكاه ابن الجلاب عن رواية ابن وهب، وهو قول ابن دينار وغيره وفي المدونة في كتاب الديات إن اتهم أنه أراد غناء ولد المقتول كالأخ والصديق ولم يصدق، وإن كان من الأباعد صدق إن كان ثقة مأمونا ولم يخف أن يرشي على ذلك، وأطال عياض رحمه الله الكلام عليها في كتاب الصلح، وحصل فيها ستة أقوال وهو أحسن من تكلم عليها.
(وتحمل من جراح الخطأ ما كان قدر الثلث فأكثر، وما كان دون الثلث ففي مال الجاني): ما ذكر الشيخ هو مذهبنا خلافًا للشافعي في قوله تحمل القليل، والكثير إلى غير ذلك من المذاهب.
(وأما المأمومة والجائفة عمدًا فقال مالك ذلك على العاقلة، وقال أيضًا: إن ذلك في ماله إلا أن يكون عديما فتحمله العاقلة؛ لأنهما لا يقاد من عمدهما وكذلك ما بلغ ثلث الدية مما لا يقاد منه؛ لأنه متلف): ما ذكر الشيخ من القولين كلاهما في المدونة والذي رجع إليه مالك منهما هو القول الأول.
قال ابن القاسم فيها: وبه أقوال.
قال الفاكهاني: ترك الشيخ قولاً ثالثًا لمالك أيضًا أنها تكون في ماله وليس على العاقلة شيء، وإن كان عديما وذكره ابن الجلاب.
قلت: وذكر ابن زرقون هذه الروايات أيضًا وعزا ابن هارون هذا القول لظاهر ديات المدونة.
(ولا تعقل العاقلة من قتل نفسه عمدًا أو خطأ): ما ذكر هو مذهبنا وقال الأوزاعي من أخذ يضرب بسيفه في العدو فأصاب

نفسه فعلي عاقلته الدية ونحوه عن احمد بن حنبل رضي الله عنه وروي أن رجلاً فقأ عين نفسه خطأ فقضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بديتها على عاقلته، وقال أصابته يد من أيدي المسلمين وقال الفاكهاني: لا أعرف من خالف في الخطأ سوى الأوزاعي.
(وتعاقل المرأة الرجل إلى ثلث دية الرجل فإذا بلغتها رجعت إلى عقلها): قال في المدونة: في كتاب الجراحات: والمرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديته فإذا بلغت إلى ذلك رجعت إلى عقل نفسها، وقصد بقوله: تعاقل أي تساوي قال فيها: وتفسير ذلك أن للها في ثلاثة أصابع، ونصف أنملة أحدا وثلاثين بعيرا وثلثي بعير وهي والرجل في ذلك سواء إن أصيب منها ثلاث أصابع وأنملة رجعت إلى عقلها وكان لها من ذلك ستة عشر بعيرًا وثلث بعير ونحوه في الموطأ قال ربيعة لابن المسيب لما عظم جرحها واشتدت بليتها نقص عقلها قال أعراقي أنت؟ قلت: بل عالم متثبت أو جاهل متعلم قال: هي السنة يا ابن أخي وظاهر لفظه هذا يدل على أنه أرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(والنقر يقتلون رجلاً فإنهم يقتلون به):

النقر والنفير عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة قاله الفاكهاني عن أهل اللغة، وظاهر كلام الشيخ ولو كثروا جدًا وهو كذلك ويعني سواء باشروا القتل كما لو جرحه كل واحد جرحا أو ضربه كل واحد سوطًا وهم قاصدون قتله أو باشر بعضهم القتل والباقون بحضرته.
واختلف قول ابن القاسم إذا أنفذ رجل مقاتل رجل وأجهز عليه آخر فقال مرة في سمع يحيى يقتل الأول ويعاقب الثاني، وقال مرة في سماع أبي زيد بعكسه، وبالأول قال أشهب، وأختاره غير واحد كابن رشد قال ابن عبد السلام، ولكن قد يلزم عليه أمور شنيعة وهو أنه إذا كان يتعين على الأول القصاص لأنه هو الذي قتله حقيقة فهو من حينئذ كالميت فلا تجوز وصاياه، وقد ذهب إلى ذلك أصبغ، وهو خلاف ما أجمع عليه الصحابة، ويلزم أن لا يخاطب بالصلاة إلى ذلك، وقد أوصى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصلى على تلك الحالة وأنفذ المسلمون وصاياه وأشار إلى لزوم الصلاة له حينئذ بقوله: ولاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وأشار بعض الشيوخ يعنى به ابن رشد إلى أنه لو قيل بقتلهما معًا ما كان بعيدًا.
قال ابن شاس، واختلف المذهب إذا حفر رجل حفر لشخص معين لكي يقع فيها فوقف الرجل على شفيرها فرداه آخر فقال القاضي أبو الحسن يقتلان معًا للاعتداء، وقال القاضي أبو عبد الله بن هارون البصري يقتل المردي دون الحافز تغليبًا

للمباشرة.
قلت: قال بعض شيوخنا: الأظهر أن علم المردي بتقدم فعل الحافر وقصده قتلا معًا كبينة الزور مع القاضي العالم بزورها وإلا قتل وحده على رواية ابن القاسم في بينة الزور.
واختلف في قتل الأب إذا أمر ولده الصغير بالقتل وفي قتل المعلم على قولين، وكذلك القولان في السيد يأمر عبده وسواء كان العبد صغيرا أو كبيرا، وقيل: الفرق بين أن يكون العبد فصيحا فيقتل به، وبين أن يكون أعجميا فلا يقتل به، رواه ابن وهب عن مالك، ويقتل العبد إذا كان بالغاء اتفاقًا، وكذلك اتفق المذهب لو قتل بعض أعوان الإمام رجلاً ظلما بأمر الإمام على قتلهما معًا.
(والسكران إن قتل قتل): يقوم من كلام الشيخ من باب أحرى أن طلاقه يلزم وهو كذلك قال في المدونة: في كتاب الأيمان بالطلاق، ويلزم السكران طلاقه وخلعة وعتقه، وإن قتل قتل به فأطلقه غير واحد كابن يونس، وقال ابن رشد في النكاح الأول من بيانه السكران على قسمين طافح ونشوان فأما الطافح فهو الذي لا يميز بين الذرة والفيل، ولا يميز بين الرجل والمرأة فحكمه حكم المجنون غير أنه اختلف هل يقضي الصلاة أم لا؟ وأما النشوان فهو الذي معه شيء من التمييز ففيه أربعة أقوال: الأول: لا يلزمه شيء قاله ابن عبد الحكم.
الثاني: يلزمه كل شيء قاله ابن نافع.
الثالث: تلزمه الأفعال دون الأقوال قاله الليث.
الرابع: تلزمه الجنايات والطلاق والعتاق والحدود ولا تلزمه الإقرارات ولا العقود قاله مالك، ومثل له سلك ابن رشد، في أن الطافح لا يلزمه شيء باتفاق إلا في الصلاة ففيه اختلاف سلك أبو الوليد الباجي رحمه الله تعالى، ولم يتعرض للخلاف في الصلاة ولذلك تعقب على ابن الحاجب في قوله، وقال الباجي: المطبق به كالمجنون اتفاقًا إلا في الصلاة، وظاهر كلام غيرهما لا فرق بين الطافح وغيره؛ لأنه أدخله على نفسه اختيارًا وذلك يناسب عدم التفصيل، ولو تعرض السكران إلى الجانب العلي أسال الله السلامة من ذلك فقال شيخنا أبو مهدي رحمه الله يلزمه حكم ما لفظ كغيره ولا يختلف فيه لحرمة الجانب العلي، وقال بعض من أدركناه من مشايخنا من القرويين: لا فرق بين هذه المسألة وغيرها على ظاهر كلام ابن رشد، وغيره، وهو الباجي فيختلف فيها.

قلت: ونص الشيخ أبو الحسن القابسي على أنه يقتل وقبله عياض في الشفاء.
(وإن قتل مجنون رجلاً فالدية على عاقلته): خرج أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن المبتلى حتى يبرأ وعن الصبي حتى يحتلم".
قال ابن عبد السلام: وهذا الحديث قوي في الحجة لما في كتاب ابن المواز، وإن ما أصابه الجنون المطبق والصبي هدر من الدماء، والأموال، ولو قتل المجنون في حالة إفاقته فهو كالصحيح يقتص منه نص على ذلك في المدونة، ولو أشكل على البينة أقتل في حال عقله أو جنونه، فقال بعض من لقيناه: لا يلزمه شيء، وهو صواب.
وقال شيخنا أبو مهدي رحمه الله معتلا بأنه شك في المقتضى لأن الحاكم لا يحكم عليه إلا بعد أن تشهد البينة أنه قتله في حال كونه في عقله.
قال الشيخ أبو محمد في المجموعة لابن القاسم: ما جنى المجنون في حال إفاقته من حد أو قتل فلم يقم عليه حتى جن أخر لإفاقته الحد والقصاص فإن أيس من إفاقته وقد قتل كانت الدية عليه في ماله، وقال المغيرة: يسلم إلى أولياء المقتول فيقتلونه إن شاءوا.
(وعمد الصبي كالخطأ وذلك على عاقلته إن كان ثلث الدية فأكثر وإلا ففي ماله): ما ذكر مثله في المدونة وذلك في جناياتها وإذا جنى الصبي أو المجنون عمدًا أو خطأ بسيف أو غيره فهو كله خطأ تحمله العاقلة إن بلغ الثلث وإن لم يبلغ ففي ماله يتبعه به دينًا في عدمه والحكم ما تقدم إن كان مميزا باتفاق، وأما غير المميز فقال ابن الحاجب فقيل: المال في ماله والدية على عاقلته، وقيل: المال هدر كالمجنون وقيل: كلاهما وتقدم في الغصب اعتراض ابن عبد السلام ورده بعض شيوخنا عليه.
واختلف المذهب إذا اشترك بالغ عاقل في قتل رجل مع صبي وشبهه كالمجنون على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجب على البالغ نصف الدية.
الثاني: القصاص بعد أن يقسم ولاة المقتول أنه من ضربه مات في الحال وبعد أن طال.
الثالث: أنه مات في الحال قتل هذا البالغ من غير قسامة كما لو انفرد ولو مات

المقتول بعد طول قتل بقسامة وكل من شاركه يجب على عاقلته نصف الدية، وهذه الثلاثة الأقوال ذكرها ابن الحاجب مطلقًا.
وقال ابن يونس في قول المدونة في قتل رجل وصبي رجلاً عمدًا يقتل الرجل ما نصه يريد إذا تعمدًا جميعا قتله وتعاونا عليه كما لو لم يباشر قتله إلا الصبي والرجل معين له حتى لو كان رجلان لقتلا معًا فحينئذ يجب قتل الرجل وإلا لم يقتل الرجل عند ابن القاسم كما لو كانت من رمية الصبي خطأ واللخمي نحوه، ولم يفرق ابن حارث بين معرفة ضربة غير المتعمد وجهلها، وهو ظاهر المدونة.
وقال اللخمي: إن افترق ضربهم وعملت ضربة كل واحد منهم ولم يقصدوا التعاون فلهم أن يقسموا على بعض الضربات لمات منها ويثبت القود والدية على العاقلة ثم استمر في كلامه فانظره.
(وتقتل المرأة بالرجل والرجل بها ويقنص لبعضهم من بعض في الجراح): ما ذكر هو مذهبنا وذهب علي والحسن وعثمان رضي الله عنهم إلى أن أولياء المرأة إن قتلوا الرجل أدوا نصف الدية، وإن لم يقتلوا أخذوا ديتها الخيار لهم في ذلك.
(ولا يقتل حر بعبد ويقتل به العبد): ما ذكر من أنه لا يقتل حر بعبد هو مذهبنا أيضًا وسواء كان قنا أو فيه عقد حرية من مكاتب، وأم ولد ومدبر ومعتق إلى أجل.
وقال أبو حنيفة ك يقتل الحر بالعبد وبالمكاتب الذي لم يترك وفاء ولا يقتل بالمكاتب الذي يترك وفاء ولابد من أن يكون هذا العبد ملكا لغير القاتل عنده.
وقال النخعي: يقتل بعبد نفسه، قال الباجي وقولنا هو إجماع الصحابة رضوان الله عليهم أبي بكر وعمر وعثمان وعلى وابن عباس والزبير وزيد بن ثابت، ولا مخالف لهم وما روي من خلافه عن ابن مسعود فمرسل واتفقوا على أن العبد يقتل بالحر.
قال في جنايات المدونة فإن استحياه الولي خير السيد في إسلامه أو فدائه بالدية، وكذلك يخير في فدائه بالدية في قتله خطأ.
(ولا يقتل مسلم بكافر ويقتل به الكافر): تقدم أن المسلم يقتل بالكافر في الغيلة فما ذكره الشيخ مخصوص بذلك، وما ذكره هو مذهبنا وبه قال الشافعي والثوري وابن شبرمة وأحمد وإسحاق وداود وغيرهم.
وقال أبو حنيفة: يقتل المسلم بالكافر، وبه قال ابن أبي ليلي، وهو قول عمر بن

عبد العزيز، والشعبي، وغيرهما.
واحتج أهل المذهب بما في الصحيح عن على رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يقتل مسلم بكافر" واحتج الآخرون بما خرجه أبو داود في المراسيل عن عبد الله بن عبد العزيز الحضرمي، قال: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خبير مسلمًا بكافر قتله غيلة، وقال: " أنا أولى وأحق من أوفى بذمته" قيل: وهو ضعيف السند مع ما يرد عليه من القول بالوجوب على أصل مذهبنا في إلحاق قتل الغيلة بالحرابة واحتج بعض الحنفية بقوله تعالى: (يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى) [البقرة: 178] ، وهو لفظ عام في كل قتل.
وأجابه الفاكهاني بأن الكاف والميم في قوله تعالى: (كتب عليكم) [البقرة: 178] خطاب للمؤمنين بلا خلاف أعلمه فلم يدخل الكافر في عمومه، ولأن الله تعالى ربط آخر الآية بأولها، فقال: (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر) [البقرة: 178] إلى آخر الآية فإذا نقص العبد عن الحر بالرق وهو من آثار الكفر فأحرى أن ينقص عنه الكافر، ولأن الله تعالى قال: (فمن عفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف) [البقرة:178] ولا مداخلة بين المسلم والكافر فدل على عدم دخوله في هذا العموم والله أعلم.
(والسائق والقائد والراكب ضامنون لما وطئت الدابة وما كان منها من غير فعلهم أو وهي واقفة لغير شيء فعل بها فذلك هدر): قال في المدونة: ما أهلكت الدابة بيدها أو رجليها وعليها مؤخر ومقدم فعلي عاقلة المقدم إلا أن يحركها المؤخر فعليها إلا أن يعجز المقدم عن ردها فعلى المؤخر فقط.
واعلم أنه اختلف المذهب فيها إذا كان رجل راكبًا دابة وطارت حصاة من تحت حافرها فكسرت آنية مثلاً فقال الأشبيلي: هو ضامن لذلك، وقال ابن زرب: لا يضمن، وذهب بعض المتأخرين إلى الأول إن طارت بطرف حافرها، وإلى الثاني إن طارت من تحتها، ونص غير واحد كابن شاس أن الميزاب إذا سقط على شيء فأهلكه

فإنه هدر، وهو نص المدونة في كتاب الديات، وقيده بعضهم بما يأتي.
واختلف المذهب في الجدار المائل إذا وقع على شيء فأهلكه فقال أشهب: يضمن صاحبه سواء تقدم إليه أم لا إذا بلغ الحائط ما يجوز تركه وكذلك لو تقدم إلى السلطان في هدم حائط على حسن النظر للرعية فهو ضامن.
وأما نهي الناس وإشهادهم فليس بلازم له وقيل: إن أنكر رب الحائط ما قيل من ميل الحائط فههنا يحتاج إلى التقديم إليه، وإن أقر بأن حائطه مخوف فههنا ينفع الإشهاد عليه دون الحكم قاله بعض فقهاء القرويين وكلاهما نقله ابن يونس، ومذهب المدونة أنه لا يضمن حتى يشهد عليه.
قال ابن عبد السلام: ومعناه من القاضي ولا ينفع إشهاد غير القاضي أو من له النظر في ذلك، وإن كان ظاهر المدونة عندهم أن الإشهاد من غير القاضي كاف في ذلك، وأشار ابن شاس إلى أن هذا الكلام إنما هو مقصور على الميل الحادث في الجدار الذي بني مستقيما ولو بني مائلا فربه يضمن بالإطلاق، وفي المدونة في كتاب كراء الدور والأرضين إذا ربط دابته على باب الدار فحرنت فكسرت أو قتلت ولدرب الدار فذلك جبار كقول مالك فيمن نزل عن دابته وأوقفها بالطريق لشراء حاجته أو أوقفها لباب المسجد أو الجامع: قال أبو حفص العطار: إن كان يعلم أنها تضرب برجلها فهو ضامن كمتخذ الكلب العقور حيث لا يجوز له يضمن وإن لم يتقدم إليه، وإنما يحتاج على التقديم إذا كان في داره فأما في الطريق فهو ضامن.
(وما مات في بئر أو معدن من غير فعل أحد فهو هدر): دليله قوله صلى الله عليه وسلم: " البئر جبار والمعدن جبار"، وقال أهل اللغة: الجبار الهدر يقال: ذهب دمه جبارا قال التادلي: ويريد الشيخ إذا حفره في موضع يجوز له وإلا فهو ضامن.
(وتنجم الدية على العاقلة في ثلاث سنين وثلثها في سنة ونصفها في سنتين): قال ابن عبد السلام: كانت الدية في الجاهلة تحملها العاقلة فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام وكانوا يتعاقلون بالنصرة فجرى الأمر على ذلك حتى فعل عمر الديون اتفق القول بذلك.
والعاقلة هي العصبة والموالي الأعلون وبيت المال لا سيما إذا قلنا: إنه وارث

والمحالف ليس منها، وفي الموالي الأسفلين قولان: قال ابن المواز: أجمع العلماء على أن الموالي من الأسفلين لا يعقلون مع من أعتقهم وهو معني قول ابن القاسم.
قال ابن رشد وقاله سحنون وليس قول ابن المواز بصحيح بل يعقلون معهم على سماع أصبغ، وابن القاسم هذا ومثله لابن كنانة في المدونة وفي كتاب الجنايات من المدونة، وهو قوله في المبتل في المرض إذا لم تكن لسيده أموال مأمونة إن جنايته جناية عبد لأن العاقلة لا تحمل له جريرة حتى يحمل هو مع العاقلة ما لزم العاقلة من الجرائر، وهذا الأخذ من المدونة سبقه به ابن حارث.
قال بعض شيوخنا: وفيه نظر لاحتمال أن يريد بالعاقلة عاقلة قومه أو عشيرته لا عاقلة معتقه.
قال ابن شاس: وفي دخول الجاني في التحمل روايتان وتبعه ابن الحاجب وقبله ابن عبد السلام وابن هارون، وهو خلاف قول الباجي ويؤدي الجاني مع العاقلة قاله مالك، ومن أصحابنا من قال: هذا استحسان وليس بقياس فمقتضى عزوه عدم دخوله لبعض الأصحاب أنه لا يحفظه رواية وعبر عنه اللخمي بقوله: وقيل: لا يدخل ويبدأ بالفخذ ثم البطن ثم العمارة ثم العصابة ثم القبيلة ثم أقرب القبائل فإن لم تكن عصبة فالموالي فإن لم يكونوا فبيت المال إن كان الجاني مسلمًا وإن كان ذميا فأهل إقليمه من أهل دينه ثم يضم الأقرب الذي من كورهم ولا تضرب على فقير ولا على مخالف في الدين ولا على عبد ولا صبي ولا امرأة.
وقول الشيخ ونصفها في سنتين هو قول مالك وعنه يجتهد في ذلك وكلاهما في المدونة.
(والدية موروثة على الفرائض): قال الفاكهاني: هذا بلا خلاف أعلمه فيغير دية الجنين كما سيأتي.
(وفي جنين الحرة غرة أو وليدة تقوم بخمسين دينارا أو ستمائة درهم وتورث على كتاب الله تعالى): والأصل في ذلك قضاؤه صلى الله عليه وسلم بغرة عبد أو أمة فيما رواه البخاري ومسلم عن المغيرة، والرواية الصحيحة التي عليها الجمهور بالتنوين دون الإضافة وعبد بدل منه وذكر صاحب مطالع الأنوار: التنوين والإضافة نقله الفاكهاني.
ويعني الشيخ أن من ضرب حرة فألقت جنينا ميتا فإنه يلزمه دفع عبد أو أمة وهو معنى قوله غرة عبد أو وليدة إلا أن العلماء اختلفوا هل لفظة الغرة الواقعة في

الحديث بسبب اللغة زيادة على ذلك أم لا؟ فالمعلوم من مذهبنا أن ليس لها زيادة وإنما المراد بالغرة النسمة، وبه قال كثير من أهل العلم، ومنهم من قال بل هي مأخوذة من غرة الفرس، فلابد من عند من ذهب إلى هذا أن تكون من البيض أو تكون مأخوذة من الغرة بمعني الخيار والأحسن لأن الغرة عند العرب أحسن ما يملك واستحب مالك هذا الوجه، ولم يره على الوجوب.
وقال ابن عبد البر: يشترط أن تكون من البيض لا من السود؛ لأن أصل الغرة البياض الذي في الوجه قال: ولولا النبي صلى الله عليه وسلم أراد بالغرة معني زائدا على شخص العبد والأمة لما ذكره، واعترضه الفاكهاني بأن قال: ما ذكره لا يلزم لأنه صلى الله عليه وسلم عبر عن الجسم كله بالغرة، وهو كقوله عتق رقبة قاله الجوهري في صحاحه.
قال ابن عبد السلام: ولم أر لأحد من أهل العلم حدا في سن الغرة، وقال الشافعي أقلها سبع سنين.
فيها وفي الحيوان وقد أكثر الشيوخ الاعتذار عنه وكذلك حكى بعض الحنفية عن مالك وجوب الشفعة هذا خلاف قول ابن رشد في مقدماته وذلك أنه لما ذكر قول الشافعي ووجهه يكون لا يفرق بينهما وبين أمها دون هذا السن قال، وهذا مما لا يختلف فيه إلا ما استحسنه مالك من أن تكون قيمتها خمسين دينارا أو ستمائة درهم وخلاف عزو ابن عبد البر قول الشافعي لبعضهم معه والمذهب أن ليس عليه أن يقبلها معيبة ولابد من أن تكون الغرة تساوي ما ذكره الشيخ، وإلا لم يجبر على أخذها نص على ذلك في المدونة.
قال اللخمي: وليس ببين لأنه عليه أفضل الصلاة والسلام إنما أوجب الغرة من غير اعتبار القيمة وأثمان العبيد تختلف في البلدان وتختلف أثمانها في الأسواق وظاهر كلام الشيخ ولو تعددت الغرة تعدد ما ذكر وهو كذلك.
قال ابن عبد السلام: انظره مع المصراة وظاهر كلامه أيضًا ولو قصد إلى ضربها عمدًا وهو كذلك في قول أشهب وجعلها ابن الحاجب المشهور.
وقال ابن القاسم في المدونة والمجموعة إن تعمد الجنين بضرب بطن أو ظهر فالقود بالقسامة وألحق أبو موسي بن مناس ضرب الرأس بالبطن بخلاف ضرب الرجل وشبهها.
واختلف المذهب هل الغرة على الجاني أو على العاقلة فقيل عليه، وهو المشهور، وقال اللخمي: وروى أبو الفرج عن مالك أنها على العاقلة، وهذا الخلاف في

الخطأ إذا لم يبلغ ثلث الدية، وأما إذا بلغ ثلث دية الجاني فتكون الغرة على العاقلة، وفي المدونة وتورث الغرة على فرائض الله تعالى.
قال الباجي: قال ابن حبيب، وبه قال أصحاب مالك، وقال ربيعة: هي للأم فقط، وقال ابن هرمز هي للأبوين فإن انفرد أحدهما اختص بها وقاله مالك مرة ثم رجع إلى الأول وبقول ابن هرمز قال المغيرة.
قلت: وعزا ابن رشد في المقدمات قول المغيرة لابن دينار، وعبد العزيز بن أبي سلمة.
(ولا يرث قاتل العمد من مال ولا دية وقاتل الخطأ يرث من المال دون الدية): ما ذكر الشيخ من أن قاتل العمد لا يرث من المال، ولا من الدية زعم بعض الشيوخ أنه مجمع عليه من سائر العلماء وقبله ابن عبد السلام ورد بنقل الفاكهاني عن شيخه أبي محمد الغمري الفرضي عن بعض العلماء أنه يرث في العمد والخطأ ويجاب بأن الواحد لا ينقض الإجماع، ومذهبنا أنه لا يحجب وقيل خارج المذهب أنه يحجب وما ذكر الشيخ في الخطأ هو قولنا وقال الشافعي: لا يرث من المال ولا من الدية، وخرج أو داود في المراسيل عن ابن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يرث قاتل عمد ولا خطأ شيئًا من الدية" وخرج الدارقطني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يوم فتح مكة فقال: " لا يتوارث أهل ملتين وترث المرأة من دية زوجها وماله، وهو يرث من ديتها ومالها ما لم يقتل أحدهما صاحبه لم يرث من ديته وماله شيئًا، وإن قتل أحدهما صاحبه خطأ ورث من ماله ولم يرث من ديته".
ورواه محمد بن سعيد عن عمرو بن شعيب قال: أخبرني أبي عن جده قال عبد الحق عن محمد بن سعيد أظنه المصلوب وهو متروك الحديث عند الجميع قال الحوفي: وقاتل العمد والخطأ يرثان الولاء.
قلت: قال بعض شيوخنا، وقاله عبد القهار، ونقله عن المذهب وهو وهم، قال أصبغ: لا يرث قاتل العمد الولاء.
قال ابن رشد: لا خلاف فيه لأحد من أصحاب مالك، وفيه نظر إذ لا يصح إلا على القول بإرث الولاء كالمال يستحقه الأقرب للميت لا للمعتق، وقياس قول

الجمهور: إرث قائل العمد الولاء إن مات المولي بعد مدة لا يمكن أن يحيا إليها القتيل لو لم يتقل وإلا اتهم على إرث الولاء.
قلت: قال بعض شيوخنا: ويلزم مثله في النسب كقتل أخ لأب أحد أخويه الشقيقين، ومات الآخر لمدة لا يحيا إليها القتيل نعم لو قتل المولي والمعتق مشرف على الموت اتهم.
(وفي جنين الأمة من سيدها ما في جنين الحرة): ما ذكر الشيخ مثله في المدونة وكذلك جنين النصرانية من زوجها العبد المسلم.
قال اللخمي: ولأشهب في كتابه أن فيه عشر دية أمه، ولو كان زوج النصرانية مجوسيا كان فيه قولان هل فيه أربعون درهما على حكم الأب أو فيه عشر دية أمة ولو ذكر الشيخ هذه المسألة والتي بعدها عقب مسألة الغرة لكان أحسن لأنها منها.
(وإن كان من غيره ففيه عشر قيمتها): ما ذكر الشيخ هو المشهور، وقيل: إنما يلزمه ما نقصها كالبهيمة قاله ابن وهب وظاهر كلام الشيخ فيما ذكر سواء زاد على الغرة أو نقص كان أبوه حرًا أو عبدًا وهو كذلك نقله الباجي من رواية ابن نافع، وأما جنين الكتابية فهو على النصف من دية الحرة لما تقدم أن ديته على النصف من دية الحر المسلم.
(من قتل عبدًا فعليه قيمته): ظاهر كلامه: وإن بلغت القيمة دية الحرة أو زادت وسواء كان القتل عمدًا أو خطأ وهو كذلك قال في أول الديات من المدونة: وعلى قاتل عبيد أهل الذمة قيمتهم ما بلغت كعبيد المسلمين وإن كانت القيمة أضعاف الدية، وقال أبو حنيفة: ما لم تبلغ دية الحر فينقض منها عشرة دراهم.
(وتقتل الجماعة بالواحد في الحرية والغيلة وإن ولي القتل بعضهم): لا خصوصية لما ذكر بل وكذلك في غير الحرابة والغيلة كما تقدم إلا أن يريد بتحتم القتل في هذين ولا يصح العتق بخلاف غيرهما على أنه قد سبق له، وقتل الغيلة لا عفو فيه والله أعلم بمراده.
(وكفارة القتل في الخطأ واجبة عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ويؤمر بذلك إن عفي عنه في العمد فهو خير له): لا يقال: إن ظاهر كلام الشيخ: أولاً: دل من باب أحرى على أن الكفارة تجب في العمد وهو مناقض لقوله.

ثانيا: ويؤمر بذلك إن عفي عنه في العمد فهو خير له، وذلك كالنص في الاستحباب؛ لأنه معنى يوجب القتل فلم يوجب كفارة، ولأن قتل المؤمن عمدًا أعظم من أن يكفر قال الأبهري: ألا تري أن الكبائر لا كفارة فيها كعقوق الوالدين.
وقال الشافعي: تجب الكفارة كالخطأ وما ذكر الشيخ هو كذلك بإجماع لأنه بنص التنزيل قال تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطئًا) [النساء: 92] الآية، ويشترط في الرقبة ما تقدم في الأيمان والظهار من كونها سليمة من العيوب ومن الشركة فيها إلى غير ذلك.
قال ابن الجلاب: ومن لم يستطع الصوم فإنه ينتظر القدرة على العتق أو الصيام، ولا يجزئه الإطعام.
واعلم أن الكفارة المذكورة تجب في مال الصبي والمجنون نص على ذلك ابن شاس وتبعه ابن الحاجب، وقال بعض شيوخنا: ما ذكر ابن شاس واضح كالزكاة، ولم أجده لغيره من المذهب نصًا بل في وجيز الغزالي.
قلت: وقبله ابن عبد السلام ووجه ذلك بكون الكفارة عوضًا عن النفس فأشبهت أعواض المتلفات ومرضه بقوله إن كان هناك دليل شرعي من إجماع وغيره يجب له التسليم فحسن وإلا فمقتضى النظر سقوطها عنهما وردها إلى خطاب التكليف وقد جعل الشرع عوضًا عن الرقبة الصيام الذي هو من خطاب التكليف، قال شيخنا أبو مهدي رحمه الله، لما نقلت له كلام ابن عبد السلام هذا بقوله أقوال: واختلف قول مالك هل تجب الكفارة في شبه العمد أم لا؟ على قولين ذكرهما ابن الحاجب، وفي استحبابها في الجنين روايتان أيضًا ذكرهما غير واحد والأولي منهما هو مذهب المدونة قال فيها قلت: من ضرب امرأة خطأ فألقت جنينا ميتا أعليه كفارة؟ قال: قال مالك: إنما الكفارة في كتاب الله في قتل الحر خطأ واستحسن مالك الكفارة في الجنين.
فإن قلت: ما بال أبي سعيد البراذعي اختصرها سؤالا وجوابًا على ما هي في الأم وعادته أن لا يفعل ذلك إلا لمعني من المعاني فما هو هذا المعنى؟ قلت: قال بعض شيوخنا: لإشكال الجواب لعدم انحصار طرق الأحكام في نصوص القرآن.
(ويقتل الزنديق ولا تقبل توبته، وهو الذي يسر الكفر ويظهر الإسلام): ما ذكر هو المشهور، وقال ابن زرقون في المبسوط: قال المخزومي، وابن أبي

حازم ومحمد بن مسلمة: لا يقتل من أسر دينًا حتى يستتاب والإسرار والإظهار في ذلك سواء.
قلت: وبه قال ابن لبابة قياسًا على المرتد؛ لأنه من الذين كفروا فيعتبر في معرفة انتهائه عن الكفر في إقراره بالإسلام؛ لأنه غاية المقدور في ذلك واحتمال بقائه على مذهب الكفر لا يمنع من إجراء حكم الإسلام عليه إذ قيل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأجاب بقوله: " فهلا شققت على قلبه"، وظاهر كلام الشيخ: ولو جاء تائبا، وهو كذلك نقله ابن شاس عن بعض المتأخرين وقال المتيطي: تقبل توبته.
قال غير واحد، وهو مقتضى قول سحنون في شاهد الزور: إنه إذا جاء تائبًا لا يعاقب، وقال ابن الحاجب: الأصح قبوله وارتضاه ابن عبد السلام معبرا عنه بالصحيح لقوله تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) [الأنفال:38] ولو تزندق يهودي أو نصراني فقال أصبغ: لا يقتل؛ لأنه خرج من كفر إلى كفر وقاله مطرف، وابن عبد الحكم.
وروي عن مالك، وقال ابن الماجشون: بل يقتل؛ لأنه دين لا يقر عليه، ولا تؤخذ عليه الجزية، قال ابن حبيب: لا أعلم من قاله غيره، ولا أقول به.
قال الباجي: يحتمل أن يريد بالزند هنا الخروج إلى غير شريعة مثل التعطيل ومذاهب الدهرية، وحكى الشيخ عن ابن أبي محمد عن أبي بكر بن محمد، قال: روى عبد الرحمن بن إبراهيم الأندلسي في النصراني أو اليهودي يتزندق أنه يقتل؛ لأنه خرج من ذمة إلى ذمة، ولو أسلم لقتل كمسلم تزندق ثم تاب.
وعزا الفاكهاني قول ابن الماجشون لنقل مكي في تذكرته.
واعلم أن في كلام الشيخ تقديم التصديق على التصور، وقد علمت ما فيه.
(وكذلك الساحر، ولا تقبل توبته): ما ذكر الشيخ مثله حكي القاضي عبد الوهاب أنه لا يستتاب وحمله عليه قول مالك، وقال ابن عبد الحكم وأصبغ هو كالزنديق من كان للسحر والزندقة مظهرًا استتيب وكلاهما ذكره الباجي.
وروى ابن نافع عن مالك في المبسوط في المرأة تقر أنها عقدت زوجها عن نفسها أو عن غيرها من النساء أنها تنكل، ولا تقتل ولو سحر نفسه لم يقتل بذلك وقبله الشيخ أبو محمد وغيره.
وقال بعض شيوخنا: الأظهر أن فعل المرأة سحر، وأن كل فعل ينشأ عنه حادث

في أمر منفصل عن محل الفعل سحر.
وفي الموازية من لم يباشر عمل السحر أو جعل من يعمله فإنه يؤدي أدبًا شديدا وفيها أيضًا في الذي يقطع أذن المرأة أو يدخل السكاكين في جوف نفسه إن كان سحرًا قتل به، وإن كان خلافه عوقب.
قال الشيخ شهاب الدين القرافي في كتاب الانتقاد في الاعتقاد: من اعتقد أن هاروت وماروت بالهند يعذبان على خطيئاتها فهو كافر بل هم رسل الله وخاصته يجب تعظيمهم وتوقيرهم وتنزيههم ومن لم يعتقد ذلك وجب إراقة دمه.
وقبله الفاكهاني وهو الحق الذي لاشك فيه وعليه الأكثرون وكذلك قال به بعض شيوخنا القرويين واشتد نكيره على الشيخ أبي الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى في في كلامه فيهما بما يقتضي ذلك وتعرض للملائكة بكلام شنيع فظيع لا يقدر أحد على سماعه ذكره في كتابه المسمى بالدرياق في أوائله فاحذر من قراءة ذلك المحل منه، والميل لجميع ما دل عليه مما ذكرناه وكان إنكار شيخنا لما ذكرنا لما قرأته عليه في درسه في حال صغرى بالقيروان بمحضر الطلبة.
وبعض العوام فهم أن يسكتني فتماديت إلى أن فرغت الدولة فقال: ما أشك أن هذا الكلام كفر فالعجب من الشيخ رحمه الله تعالى، وكذلك قرأته بجامع القصبة من تونس في حال كتبي لهذا الموضع على شيخنا أبي مهدي رحمه الله تعالى خاليا عن الناس فأنكره أشد إنكار وتفجع على الشيخ رحمه الله، وقال: لم أزل أسمع أن أهل بغداد تكلموا فيه فلعل هذا المحل هو الموجب لكلامهم أو هو أحد الموجبات قال أصبغ: ولا يقتل الساحر حتى يثبت أن ما فعله من السحر الذي وصفه الله تعالى بأنه كفر قال: ويكشف عن ذلك من يعرف حقيقته.
قال الباجي: يريد ويثبت ذلك عند الإمام وقد استصوب بعض المتأخرين كلام أصبغ هذا، وحكاه الطرطوشي عن قدماء الأصحاب، واستشكل قول مالك أن تعلمه وتعليمه كفر وكذلك استشكل جواب من أجاب عن ذلك الإشكال بأن السحر علامة على الكفر فقال: لا إنا نتكلم في هذه المسألة باعتبار الفتيا.
قال ونحن نعلم أن حال الإنسان في تصديقه لله ولرسوله بعد عمل هذه الأعمال كحاله قبل ذلك وإن أراد الخاتمة فمشكل لأنا لا نكفر في الحال بكفر واقع في المال.
قلت: ولم يتعرض الشيخ رحمه الله لتبيين السحر، ولعل ذلك لصعوبته عنده، والله أعلم.

وقال ابن العربي في أحكامه هو كل كلام مؤلف يعظم فيه غير الله عز وجل وتنسب إليه المقادير والكائنات وقبله الفاكهاني.
(ويقتل من ارتد إلا أن يتوب): الأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم " من بدل دينه فاقتلوه" وروي "فاضربوا عنقه" خرجه البخاري ومسلم.
(ويؤخر للتوبة ثلاثًا وكذلك المرأة): اختلف قول مالك رحمه الله تعالى هل يؤخر ثلاثة أيام أم لا؟ فقيل: يؤخر وهو المشهور وقيل: يستتاب في الحال رواه ابن القصار والقول الأول مروي عن عمر رضي الله عنه على ما تضمنه حديث الموطأ، وعلى هذا القول فظاهر كلامهم أن التأخير واجب.
وقول التادلي اختلف فيه فقيل واجب وقي: مستحب لا أعرفه وعليه فلا يجوع ولا يعطش وكذلك لا يعاقب إن تاب؛ لأن في عقوبته تنفيرا له عن الإسلام، وليس في استتابته تخويف خلافًا لأصبغ بالقتل.
قال الفاكهاني: وقول الشيخ وكذلك المرأة إشارة إلى خلاف أبي حنيفة في ذلك مستدلاً بقوله صلى الله عليه وسلم: " لا تقتل المرأة " ونقل عن على بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: لا تقتل المرأة بل تسترق وقاله جماعة ودليلنا الحديث المتقدم.
(ومن لم يرتد وأقرب بالصلاة، وقال: لا أصلي أخر يمضي وقت صلاة واحدة فإن لم يصلها قتل): اختلف المذهب هل المراعى الوقت الضروري وهو المشهور والمختار، وهو قول نقله ابن خويزمنداد.
قال ابن بشير وهو بعيد جدًا لأن التأخير إلى ذلك الوقت لا يحرم فكيف يراق به دم وتأخيره مكروه فقط، وعلى القولين فهل تقدر العصر مثلاً بكمالها أو بمقدار ركعة فقط في ذلك قولان.
قال اللخمي: ولا تعتبر قراءة الفاتحة للخلاف.
قال المازري: ولا الطمأنينة، واختلف هل يقتل بالسيف ناجزا أم لا؟ فقيل بذلك قاله في سماع أشهب وقيل: بل بالطعن نخسًا لأن المطلوب رجوعه إلى الإسلام قاله بعض المتأخرين والأكثر على أنه يقتل حدا لا كفرا.
وقال ابن حبيب بل كفرا واختاره ابن عبد السلام ثم قال وعلى تسليم أنه ليس

بكافر فالأقرب قول أبي حنيفة أنه لا يقتل ولمتأخري أهل المذهب صوغ إلى ذلك إذ الأصل بعد الحكم بالإسلام حقن الدماء.
قال صلى الله عليه وسلم: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" قال: وهذا الحديث وإن كان مخصوصًا يعني بالمحارب وشبهه فلا يضر ذلك في الاستدلال به في غير محل التخصيص.
قلت: ونقل الفاكهاني الاستدلال بالحديث لأبي حنيفة وقال: كون الحديث على تقدير صحته مخصوصًا بما ذكر يدل على أنه متروك الظاهر، وأورد على المشهور أنه يقتل حد بأنه لو كان كذلك لم يسقط بتوبته قبل إقامة الحد عليه كسائر الحدود.
وقال ابن عبد السلام: ويمكن أن يقال: إن الترك الموجب لقتله حدا إنما هو الترك الجازم، وذلك لا يتحقق إلا بعد إقامة الحد عليه، واختلف إذا قال أنا أصلي، ولم يفعل فقيل يقتل قاله مالك.
وقيل: لا يقتل قاله ابن حبيب نقله عنه غير واحد وليس هو مناقضًا لأصله.
قال التادلي: وقول ابن حبيب هو ظاهر كلام الشيخ، وكذلك اختلف في قتله إذا امتنع من قضاء الفوائت على قولين للمتأخرين واستدل من قال بعدم قتله بالخلاف في وجوب القضاء عليه.
قال المازري: وبإجازة مالك تأخير القضاء للشغل.
(ومن امتنع من الزكاة أخذت منه كرها): يعني وتجزئه وأخذ من قولهم هذا أن الزكاة لا تفتقر إلى نية لظهور المنافاة بين التقرب وأخذ أيضًا من أحد القولين أن الفقراء شركاء لأن وصول الشريك إلى حقه مما في يد شريكه لا يشترط فيه لا نية القابض، ولا نية الدافع ورد ابن القصار الأول بأنه يعلم فتحصل النية.
وقال ابن العربي في الزكاة المأخوذة كرها إنها تجزئ ولا يحصل الثواب.
قلت: وأفتي شيخنا أبو محمد عبد الله الشبيبي رحمه الله تعالى في الفقير إذا قدر أن يأخذ من مال من يعلم أنه لا يزكي قطعا قدر ما عليه من الزكاة أنه لا يجزئ إذا لا شعور لصاحبه بخلاف المكره.
(ومن ترك الحج فالله حسيبه): قال الفاكهاني: قال أهل اللغة: معني حسيبك الله أي انتقم الله منك قال: ويريد الشيخ أنه لا يقتل لاختلاف الناس في وجوب الحج هل هو على الفور أو على التراخي والمشهور من مذهب مالك أنه على التراخي بخلاف تارك الصلاة فإن أوقاتها معروفة.

قلت: لا يرد على الشيخ أنه يلزم على قوله إن ظهر تعينه عليه بكبر سنه وكثرة ماله وأمن الطريق ووجود الماء في كل منهل أن يكون تاركه حينئذ الصلاة؛ لأن تعيينه لا يعلم إلا من جهته إذ كثير من الناس يعتقد أنه غني، وهو فقير في باطن الأمر، ويعتقد أنه قوي في بنيته، وأنه قوي على المشي على رجليه، وهو لا يستطيع ذلك.
(ومن ترك الصلاة جحدا لها فهو كالمرتد يستتاب ثلاثًا فإن لم يتب قتل): يريد وكذلك إذا شك فيها، وما ذكر أنه مرتد هو كذلك بإجماع قاله ابن بشير في تنبيهه وعياض في إكماله في كتاب الأيمان، وقول ابن الحاجب أما جاحدها فكافر باتفاق فيه مسامحة؛ لأنه إذا قال ذلك إنما يريد به اتفاق أهل المذهب ويكون منه تنبيها على أن الخلاف خارج المذهب بخلاف الإجماع هذا هو المستقرأ من كلامه، ولا أعرف هنا نص خلاف.
وقال الفاكهاني: إنما حسن التشيبه في قول الشيخ كالمرتد؛ لأنه لم يخرج عن الإسلام بالكلية كما خرج المرتد عنه من حيث إنه لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه ورثته، ولا غيرهم.
وقال الحنفي: لا يقتل واستدل بالحديث السابق، ولا دليل له في ذلك لأنا إذا قلنا: إنه مرتد صدق عليه أنه كافر بعد إيمانه فهو راجع لإحدى الخصال الثلاثة.
قلت: إنما أراد الشيخ بقوله كالمرتد أن حكم من تكلم بالكفر فهو كافر حقيقة فإذا عرفت هذا فاعلم أن قول الفاكهاني معترض من وجهين: أحدهما: أن في كلامه التناقض؛ لأنه حكم أولا بأنه ليس بكافر، وفي رده على أبي حنيفة حكم بكفره.
الثاني: أن خلاف أبي حنيفة إنما هو فيما سبق، وهو إذا أقر بوجوبها وقال: لا أصلي والله أعلم.
(ومن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل ولا تقبل توبته): قال التادلي: يريد وكذلك كل مرسل أو نبي أو ملك ومن اختلف في نبوته كأم موسى وأم عيسى وأم إسحاق والخضر ولقمان وذي القرنين والحواريين وإخوة يوسف عليهم الصلاة والسلام، واختلف فيمن سب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها أو أحدا من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
ومن اختلف في كونه ملكًا كهاروت وماروت نكل نكالا شديدا ولا يقتل وفي كتاب الافتداء لابن أبي زيد سئل عن الرجل يقول قال الفاروق كذا، وقال على كذا

فصول الكتاب · 45 فصل · 495 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة · 495 صفحة
باب ما تنطق به الألسنة إلى آخره
باب ما يجب منه الوضو والغسلباب طهارة الماء والثوب والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاةباب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمارباب في الغسلباب فيمن لم يجد الماء وصفة التيممباب في المسح على الخفينباب أوقات الصلاة وأسمائهاباب الأذان والإقامةباب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسننباب الإمامة وحكم الإمام والمأمومباب جامع في الصلاةباب في سجود القرآنباب في صلاة السفرباب في صلاة الجمعةباب في صلاة الخوفباب في صلاة العيدين والتكبير أيام منىباب في صلاة الخسوفباب في صلاة الاستسقاءباب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنهباب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميتباب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسلهباب في الصيامباب في الاعتكافباب في زكاة العين والحرث والماشيةباب في زكاة الماشيةباب في زكاة الفطرباب في الحج والعمرةباب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختانباب في الجهادباب في الأيمان والنذور
باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء
باب في العدة والنفقة والاستبراء
باب في البيوع وما شاكل البيوع
باب في الوصايا والمدبر والمكاتب والمعتق وأم الولد والولاء
باب في الشفعة والهبة والصدقة والحبس والرهن
باب في أحكام الدماء والحدود
باب في الأقضية والشهادات
باب في الفرائضباب جمل من الفرائض ومن السنن الواجبة والرغائبباب في الفطرة وختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلكباب في الطعام والشرابباب في السلام والاستئذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله سبحانه والقول في السفرباب في التعالج وذكر الرقى والطيرة والنجوم والخصاء والوسم وذكر الكلاب والرفق بالمملوكباب في الرؤية والتثاؤب والعطاس واللعب بالنرد وغيره والسبق بالخيل والرمي وغير ذلك
جارٍ التحميل