باب في الأقضية والشهادات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- التنوخي، ابن ناجي
- الكتاب
- شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني
- المؤلف
- قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيرواني (المتوفى: 837هـ)أعتنى به: أحمد فريد المزيدي
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال الأبهري: القضاء في اللغة: على وجوه: مرجعها إلى انقضاء الشيء وتمامه، قال الله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) [الجمعة:10]
وفي الاصطلاح: قال بعض شيوخنا: صفة حكمية توجب لموصوفها نفوذ الحكم الشرعي، ولو بتعديل أو تجريح لا في عموم مصالح المسلمين فيخرج التحكيم وولاية الشرطة وأحكامها وأخواتها والإمامة، وقول بعضهم هو الفصل بين الخصمين واضح قصوره.
وطلب خطة القضاء على ثلاثة أقسام: فيجب عليه إذا كان من أهل الاجتهاد والعدالة ولا يكون هناك قاض أو يكون ولكن لا تحل ولايته وتستحب في مثل إذا كان هناك عالم مجتهد خفي علمه على الناس فأراد أن يشهره بولاية القضاء ليعلم الجاهل ويفتي المسترشد ويحرم في مثل إذا كان ليس من أهل العدالة، والأصل أن ذلك مكروه إلا لعارض ولم تزل العلماء قديما وحديثا يهربون من الحصول فيه ولما طلب ابن وهب
للقضاء استخفى عند بعض الناس فأشرف عليه رجل من أصحابه فقال: يا أستاذ ما بالك لم تتقدم تحكم بين الناس بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؟ فقال: "يا فلان بينا أنا أرجو أن أحشر في زمرة العلماء أو زمرة الأنبياء أحشر في زمرة القضاة وزمرة السلاطين لا أفعل ذلك أبدا".
وبقي ابن الأغلب يطلب سحنون بن سعيد نحوا من عام وهو يمتنع منه حتى حلف له لئن لم تتقدم لأقدمن على الناس رجلا من الشيعة فتقدم لما تعين عليه على شروط شرطها عليه، ولم يتقدم عبد الله بن فروخ في القيروان إلا كرها ثم لما جلس في الجامع فرح الناس له وكبروا حتى سمع الأمير تكبيرهم من قصره فلما أتى الخصماء يدلون بالحجج جعل لا يأتي له رجلان يدليان بحجتهما إلا بكى ويقول: يا فلان ويا فلان أترضيان أن أدخل النار بسبب حكمي بينكما ناشدتكما الله إلا ما قمتما عني ويقومان عنه وبكى كثير من الناس لبكائه فقيل للأمير: إن لم يعفه يموت من البكاء فقال لهم قولوا له: أخبرني من يتولى القضاء بعدك، وأعفيك فقال: إن كان ثم أحد فما ثم إلا ابن غانم فأعفاه، وتقدم ابن غانم وكذلك عيسى بن مسكين رضي الله عنه لم يتول القضاء إلا بعد إشراف على الموت حسبما هو مذكور في محله، وبالجملة فإن المتقدمين رضي الله عنهم على قدر هروبهم منه وبعدهم على جلالة قدرهم طلب أهل زماننا القرب من بعضهم بالتصريح، وبعضهم بالإشارة وبعضهم بصحبة السلطنة أو من ينتمي إليها إلى غير ذلك فشتان ما بين الفريقين فإنا لله وإنا إليه راجعون وللقضاء شروط كمال وشروط وجوب محلها المدونة.
(والبينة على المدعي واليمين على من أنكر):
هذا مخصوص عندنا بوجهين:
أحدهما: التدمية فإنه لا يفتقر فيها إلى بينة عند مالك والليث وكل العلماء على خلافهم.
والثاني: المغصوبة تحمل بينة وتدعي الوطء لها الصداق كاملا اتفاقا فيما قد علمت، ويكفي في البينتين شاهدان.
وفي العتبية ما ظاهره أنه لابد من أربعة، قال ابن عبد السلام: وليس بصحيح وإذا ادعى المديان على رب الدين عدمه لزمته اليمن أنه ما يعلم عدمه فإن نكل حلف المدين، حكاه المتيطي رحمه الله في باب النفقات عن جماعة من الفقهاء قال: ونحوه لابن شعبان وبه كان يفتي ابن الفخار.
قلت: وكان الشيخ أو اسحاق بن عبدالرفيع حكم به بتونس فترك أكثر الناس حقوقهم من أجل اليمين فحكم بعدم توجهها عموما واستمر عليه العمل إلى الآن، وبه أفتى بعض شيوخنا فيمن لا يظن به علم حال المدين لبعده عنه وعلى الأول فاختلف إذا توجهت اليمين على المطلوب فقيل: يحلف على البت، قاله أبو عمران.
قيل: على العلم إذ قد يكون مالك مالا من إرث أو هبة، ولم يعلم.
قال الشيخ ابن رشد: وقول أبي عمران ظاهر المجموعة وأشار اللخمي على أن من كان ظاهر الفقر بدناءة حاله وصناعته كالبقال والخياط ممن شأن أهلها العدم يقبل قوله في العدم ولا يحبس إلا أن تكون الدعوى في يسير عومل فيه في صنعته فلا يصدق حتي يثبت ذلك، وللمدعى عليه أن يسأل عن السبب قاله أشهب.
واختلف إذ قال المدعي: نسيت هل يقبل قوله بغير يمين أو به؟ على قولين
لأشهب والباجي.
(ولا يمين حتى تثبت الخلطة أو الظنة كذلك قضى حكام أهل المدينة):
مراده بالظنة التهمة التي تنزل منزلة ثبوت الخلطة كالدعاوى على الصناع حسبما نص عليه يحيى بن عمر وألزمه الباجي المنتصبين للتجارة في الأسواق، وذكره ابن شاس غير معزو لإلزام الباجي.
واعترضه ابن هارون وكذلك دعوى الغريب بأنه وضع وديعة عند من يكون أهلا لها في الديانة، والأمانة، والمتهم بالسرقة، وكذلك الرجل يقول عند موته إن لي عند فلان دينا هذا معنى ما أراد الشيخ بالظنة، والله أعلم.
وقول المغربي: قالوا: أراد بالخلطة المعاملات وبالظنة الغصب والتعدد بعيد، وقال شيخنا أبو مهدي رحمه الله تعالى: بل هو الأقرب؛ لأنه ظاهر المدونة قال فيها: ومن ادعى قبل رجل دين أو غصبا أو استهلاكا فإن عرف بمخالطته ومعاملته أو علمت تهمته فيما ادعى قبله من التعدي والغصب ينظر فيه الإمام فإما أحلفه أو أخذ له كفيلا حتى يأتي ببينة وإن لم تعلم خلطته أو تهمته فيما ذكرنا لم يعرض له، وما ذكر الشيخ من ثبوت الخلطة هو المشهور.
وقال ابن نافع: لا تشترط، حكاه ابن زرقون ولم يحفظه أكثر شيوخ المذهب كابن حارث وابن رشد قائلا: مذهب مالك وكافة أصحابه الحكم بالخلطة، وبقول ابن نافع: قال الأندلسيون: واستمر عليه العمل بإفريقية وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم "لو يعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" وربما رواه سحنون باسناده إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" إذا كانت بينهما خلطة.
وقد تقدم أن المطلق يرد إلى المقيد قالوا: حديثنا أشهر رواية وأثبت نقلا قلنا: هذا لا يمنع من رد المطلق إلى المقيد إذا اشتركا في الصحة وإنما يمنع من ذلك الطعن في رواية أحدهما ثم يترجح ما ذكرناه من جهة المعني، وهو أن الحرج والمشقة تلحق الناس بالأيمان لاسيما أهل الديانات.
واختلف إذا اقام المدعي البينة بالخلطة فردها المدعى عليه بعداوة أو جرحة هل
تتوجه اليمين بهذه الدعوى أم لا؟
فقال ابن القاسم عن مالك: إنها لا تتوجه وقيل: لابد من توجهها حكاه أبو بكر بن محمد بن اللباد ولم يسم قائله، ويقوم منه أن من شهدت عليه بينة أنه تعرض إلى الجانب العلي وجرحها أنه لا يطلق بل ينكل ثم يرسل.
وبه قال الشيخ أبو اسحاق القابسي رحمه الله تعالى: كأنه لم يشهد عليه إلا أن يكون ممن يليق به ذلك، ويكون الشاهدان من أهل التبريز فأسقطهما بعداوة فهو وإن لم ينفذ الحكم عليه بشهادتهما فالأرجح ظن صدقهما وللحاكم هنا في تنكيله موضع اجتهاد، والله أعلم وهو ولي الإرشاد، ذكره عنه أبو الفضل عياض في الشفاء ولا يتخرج من رواية ابن القاسم أنه يرسل مطلقا لحرمة الجانب العلي، ولقد بعدنا عن كلام الشيخ فلنرجع إليه.
(وقد قال عمر بن عبدالعزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور):
معناه ما أحدثوا من الفجور مما ليس فيه نص تستنبط أحكامه مما وق النص فيه بحسب الاجتهاد وظاهر كلام الشيخ أنه لم يحفظه حديثا وذكر ابن وضاح أنه حديث، وأن ابن عاصم كان يحلف الناس بالطلاق تغليظا عليهم متأولا الحديث على ذلك قال: فذكرت ذلك لسحنون فلم يرتضه.
(وإذا نكل المدعى عليه لم يقض للطالب حتى يحلف فيما يدعي فيه معرفة):
قال شيخنا أبو مهدي رحمه الله: قصد الشيخ بقوله فيما يدعي فيه معرفة إلى أن القاضي لا يقلب عليه يمين التهمة، وفيها يقول ابن رشد في أجوبته، واختلف في توجيه يمين التهمة وفي انقلابها، والأظهر أنها إذا توجهت أن لا ترجع إذ لا يكلف أن يحلف على ما لا يعرف، قال: والذي أره في ذلك أن تلحق يمين التهمة إذا قويت وتسقط إذا ضعفت.
وقال عبد الحق في النكت المعروف عدم توجهها، ذكر ذلك في كتاب الوكالة.
قلت: وقال ابن زرقون: مذهب المدونة في تضمين الصناع والسرقة أنها تتوجه، وقاله ابن زرقون: مذهب المدونة في تضمين الصناع والسرقة أنها تتوجه، وقاله غير ابن القاسم في غير المدونة، وقال أشهب: لا تتوجه وعلى الأول فالمشهور لا تنقلب وفي سماع عيسى أنها تنقلب ولابن رشد مثل ابن زرقون، وما قاله شيخنا في فهم كلام الشيخ فيه نظر؛ لأن كلامه إنما دل على أنه مطالب أن لا يحلف إلا في الأمر البين، وهل يوجه عليه القاضي ما قال في ذلك مسكوت عنه فليس في كلامه جلاء لا ينفي ولا بإثبات، والله أعلم.
واختلف المذهب هل يبدأ أو لا بيمين من توجه عليه الحلف أم لا؟ على ثلاثة أقوال: فقيل: يبدأ أولا به ثم يؤمر من حلف له بإحضار ما وجب عليه، وقيل: لا يحلف حتى يحضره، واستمر عليه العمل عندنا بتونس، وذكر القولين أبو حفص العطار فذكر الأول عن نفسه، والثاني عن عبد الواحد.
وقيل: يكفي أن يشهد المطلوب أنه مليء بحقه، ويحلف الطالب ثم يرفع له ولا تقبل منه بينة بالعدم ولم يحك أكثر شيوخ المذهب غيره كابن أبي زمنين وفضل ويؤخذ ذلك من قول جنايات المدونة ومن جنى عبده جناية فقال أبيعه وأدفع الأرش من ثمنه فليس له ذلك إلا أن يضمن وهو ثقة مأمون أو يأتي بضامن ثقة فيؤخر اليوم واليومين.
وزعم بعض شيوخنا أنه إنما يؤخذ منها القول الثاني الذي عليه العمل، وسمعت شيخنا أبو مهدي غير ما مرة بذكر أن القول الثاني لا يوجد لغير المتأخرين من التونسيين، وفيه نظر إذ هو في تعليقة أبي حفص العطار عن عبدالواحد، وهو غريب فاعلمه.
فإن قلت في عد قول عبد الرحمن نظر لأن أبا حفص ذكر أن المسألة وقعت لعبد الواحد مع امرأة وأن اليمين توجهت عليه.
قلت: لا نظر فيه؛ لأن فتواه ليست بقاصرة عليه، وإنما هي متعدية، وقد ذكروا أن العبد إذا روى حديثا يقتضى عتق نفسه فإنه لا يقدح، وقد أفتى مالك في أم ولده لما استحقت بأخذ قيمتها فقط.
قال عياض: فحكم فيها بقوله وليس في كلام الشيخ ما يدل على شيء من الأقوال الثلاثة بل كلامه أعم لمن تأمله.
وإذا تم نكوله بقوله: لا أحلف وشبهه ثم أراد أن يحلف فليس له ذلك.
قال في كتاب الديات من المدونة فيمن قام له شاهد بحق وأبي أن يحلف ورد اليمين على المطلوب ثم بدا له أن يحلف فليس له ذلك، وأما إذا التزم المدعى عليه اليمين ثم يريد الرجوع إلى إحلاف المدعي فهل له ذلك أم لا؟
فقال أبو عمران: له ذلك وأباه الشيخ أبو القاسم بن الكاتب وإذا امتنع المدعى عليه عن إقرار وإنكار فروى أشهب أنه يحبس حتى يجيب بأحد الأمرين وصححه بعض الشيوخ بقوله: إن طال سجنه ينبغي أن يحمل عليه السوط وفي المسألة أقوال أخر لم أذكرها لطولها.
(واليمين بالله الذي لا إله إلا هو):
ما ذكر الشيخ هو المشهور وقيل: يزاد عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم،
رواه ابن كنانة وبه قال الشافعي كذا عزاه ابن الحاجب لرواية من ذكر وعزاه ابن رشد لقوله في المدونة لا لروايته وظاهر كلام الشيخ لو قال بالله فقط، أو قال: والذي لا إله إلا هو فإنه لا يكفي، وهو كذلك نص عليهما أشهب، وهو ظاهر المدونة.
قال الشيخ: والذي يقتضيه قول مالك أنها يمين مجزئة.
قال: وهو أحسن؛ لأنه لا خلاف أن من حلف بذلك فحنث أن الكفارة عليه.
قلت: يرد بأن هذا الباب أخص فيطالب فيه بكمال التهويل، والله أعلم.
وقاله بعض شيوخنا، ولما ذكر المازري قول أشهب قال: وحمل بعض أشياخي على مالك أنه يرى الاكتفاء بقوله والله فقط وإنما يتعلق في هذا بقوله في كتاب اللعان يقول بالله وليس مقصود مالك في اللعان بيان اللفظ المحلوف به.
قال بعض شيوخنا: وإنما اختصت اليمين بهذا الاسم المعظم دون سائر أسمائه تعالى التسعة التسعين؛ لأن أسماء الله تعالى كلها صفات ما عدا هذا الاسم فإنه مخصوص به غير صفة بل هو علم، وقد قال سيبويه: الأعلام مختصرات الصفات، معناه إذا ذكر الاسم العلم فكأن صفاته مذكورة معه لاشتهاره وعدم خفائه إلى غير ذلك من الوجوه المذكورة في كتب العربية.
(ويحلف قائما ويحلف عند منبر الرسول صلى الله عليه وسلم في ربع دينار فأكثر وفي غير المدينة يحلف في ذلك في الجامع، وحيث يعظم منه)
وظاهر كلام الشيخ: أن حلفه قائما شرط، وهو ظاهر رواية ابن القاسم ورواية ابن كنانة يحلف جالسا، وظاهره أنه لا يشترط استقبال القبلة، وهو ظاهر نص المدونة.
وقال مطرف وابن الماجشون: يحلف مستقبل القبلة حكاه اللخمي، وابن يونس عنهما.
وظاهر كلامه أيضا أنه لا يعتبر وقت الصلاة، ولو كان المال عظيما، وهو كذلك في مشهور المذهب، وروى ابن كنانة أنه يعتبر ذلك فيه وعليه يحمل قول ابن الحاجب وقيل: بوقت الصلاة يعني به في المال العظيم هذا الذي أعرفه في المذهب.
وقال الفاكهاني: التغليظ يكون بالمكان والزمان ثم قال: وأما الزمان فبعد العصر قال الأبهري: لأن من شأن أهل الدين أن يرتعدوا في الأوقات الشريفة، والمواضع المعظمة هذا هو الغالب من أهل الدين.
وقال الفاكهاني: وكذلك ينبغي أن يضاف إلى ما بعد العصر زمان رمضان ليله
ونهاره لا سيما ليلة القدر منه ويوم عرفة ويوم عاشوراء ويوم الجمعة فإنها أوقات مشرفة في الشرع معظمة عند الناس.
قلت: وفيما ذكر نظر من وجهين:
أحدهما: أن ما ذكره من التغليظ بالزمان بعد العصر لا أعرفه إلا في اللعان على خلاف فيه حسبما قدمناه.
الثاني: كونه لم يذكر غيره من أن المذهب على خلافه فكلامه يوهم مطالعة أنه المذهب والله أعلم.
وظاهر كلام الشيخ أيضا: إن لم يبلغ ربع دينار أنه لا يحلف في الجامع، وهو كذلك نص عليه عبد الملك قائلا: يحلف في مكانه الذي قضي عليه فيه.
وقال ابن الحاجب: يحلف في مسجد من المساجد وتممه بعض الشيوخ بقوله: فإن لم يكن عندهم مسجد حلف كما قال عبد الملك ولا يكلفه الانتقال إلى الجامع، وأما المرأة فقال في المدونة: تخرج فيما له بال من الحقوق فإن كانت من لا تخرج نهارا فلتخرج ليلا وتحلف في اليسير في بيتها إن لم تكن ممن تخرج ويبعث القاضي إليها من يحلفها، ويجزئ رجل واحد.
وقال عياض في بعض النسخ: لم يذكر نهارا فقيل: يحتمل أنها لا تخرج جملة وهي التي لا تنصرف ولا تخرج من نساء الملوك فيبعث إليها الإمام من يحلفها، ولا يترك خصمها لامتهانها هكذا ذكره عبد الوهاب، وهذا فيما يطالبن به ونحوه لابن كنانة في المدونة.
وقد حلف سحنون أمثال هؤلاء في أقرب المساجد إليهن وأما شيوخ الأندلسيين فرأوا أنه لا بد من خروج هؤلاء فإن امتنعت حكم عليها بحكم الملك، وليس بصواب وفسر أبو محمد الذي له بال بربع دينار، وفي كتاب ابن حبيب مثله في قوله: إنهن كالرجال يحلفن في الجامع في ربع دينار فصاعدا وذهب بعض شيوخنا أنهن بخلاف الرجال، وإن الذي له بال في حقهن هو المال الكثير وأما ربع دينار ونحوه فلا يحلفن فيه في المسجد وكذلك قال محمد.
قلت: وقال اللخمي في كتاب محمد: تحلف المرأة في بيتها في أقل من ربع دينار وفي دينار فأكثر في الجامع فيحمل نقل عياض على ما ذكره ونقل ابن يونس عن ابن الماجشون مثل ما تاوله أبو محمد وعزا المتيطي هذا القول في النكاح لمطرف فقط.
(ويحلف الكافر بالله حيث يعظم):
يريد يقول: بالله الذي لا إله إلا هو فبالله من قوله ترجمة وإنما قلنا ذلك؛ لأنه رحمهالله تعالى اختصر المدونة على ذلك, ومثله فى كتاب محمد قال: يمين الحر والعبد واالنصرانى في الحقوق سواء وكذلك في كتاب ابن حبيب.
وذهب الشيخ أبو القاسم بن شبلون، وغيره، إلا أنه لا يلزم الكافر ذلك قالوا: لأنهم لا يوحدون، ولا يكلفون ما ليس من دينهم.
قال ابن محرز: وليس كذلك بل يحلفون كالمسلمين، ولا يكون ذلك منهم إيمانا، ونص عليه المتقدمون من علمائنا ويدل عليه استحلاف المجوس بالله، وهم ينفون الصالح تعالى الله عن قولهم اعتقادهم علوا كبيرا ولم يكن ذلك إيمانا.
قال المتيطي: واحتج ابن الهندي لعدم الزيادة بأن إلزامه ذلك إكراه في الدين والله تعالى يقول: (لا إكراه في الدين) [البقرة: 256]
وقال اللخمي: يلزم اليهودي الزيادة لأنهم يوحدون بخلاف النصراني المتيطي وفيه نظر لأن اليهود قالوا: عزير ابن الله.
وحكى ابن شعبان عن رواية الواقدي: يحلف اليهودي بالله الذي أنزل التوراة على موسى والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى.
وقال ابن المواز في مجوسية أسلم زوجها وتلاعنا فقالت: أقول والنار لا أحلف بالله فقال: لا تحلفي إلا بالله، وقال اللخمي: ينبغي أن يحلفوا بما يعظمون لما في ذلك من استخراج الحق كحلفهم في كنائسهم وبيعهم، وبيت نارهم، ولا فرق.
قال ابن هارون: هو بعيد.
قلت: وجه بعده أن الحلف بغير الله أشد من السير إلى ما ذكر.
وقال الشيخ أبو الحسن القابسي رضي الله عنه: ولو أراد المسلم أن يحلف الكافر يوم السبت فله ذلك.
وقال غيره من المتأخرين: ليس له ذلك والقولان حكاهما المازري فخصص بعضهم الخلاف اليهودي لأن النصراني لا يعظم يوما وعممه ابن عات فيهما.
قال: لأن يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى كذا عزاه بعض شيوخنا والذي في الطرر عن نقل ابن فتحون إنما الخلاف في اليهودي فقط، ولولا الإطالة لذكرنا لفظه، ولما وقف بعض أصحابنا على كلامنا هذا استثبت شيخنا في نقله وأحضر له مختصر وطرر ابن عات وعرفني أنه أصلح تأليفه وعاجلني السفر إلى جزيرة جربة قاضيا فلا أدري
كيف أصلحه، ولا يحلفون في الكنيسة إلا في ربع دينار، وقال المشاور: الحكم كذلك في القليل والكثير حكاه ابن عات.
(وإذا وجد الطالب بنية بعد يمين المطلوب لم يكن علم بها قضى له بها، وإن كان علم بها فلا تقبل منه، وقد قيل تقبل منه):
ما ذكر أنه يعمل على البينة إذا لم يكن عالما بها هو كذلك باتفاق، وأما إذا كان عالما بها فذكر رحمه الله قولين فيها، والقول الأول هو نص المدونة، قال فيها: وإن استحلفه بعد علمه ببينة تاركًا لها وهي حاضرة أوغائبة فلا حق له إلا أن قوله تاركا لها، قال أبو إبراهيم سقط في بعض المواضع فقيل اختلاف.
قلت: وعلى القول باشتراطه فهل المراد تصريحا أو إعراضه كاف وعليه الأكثر في ذلك تأويلان عليها حكاهما عياض والقول الثاني من كلام الشيخ رواه ابن نافع وبه أخذ ابن وهب، وأشهب، وهو قول الليث وغيره كالشافعي.
قال ابن يونس: واستحسن بعض فقهائنا القرويين إذا كان أمد البينة يطول عند القضاة ويشتد على الخصم ذلك أن له أن يحلف رجاء أن ينكل وله القيام بها، واختار اللخمي قولا ففصل فيه لم أذكره لطوله، وكل هذا إذا وجد شاهدان.
قال اللخمي: وأما لو وجد واحد، فقال ابن القاسم، وغيره: يحلف معه ويستحق، وقال ابن كنانة في الواضحة: ليس ذلك لأنه لا يسقط يمينا ولا درأ حقا بيمينه مع شاهده ولكن أتى بشاهدين.
قلت: وعزا القول الثاني أبو محمد من نقل ابن حبيب لمطرف وابن الماجشون وابن عبدالحكم وأصبغ ولم يذكر غيره وكذلك أكثر شيوخ المذهب كابن يونس وهو محمول على عدم العلم حتى يثبت العلم قاله سحنون في المدونة.
قال عياض: ثبت ذلك في كتاب ابن سهل لأحمد بن خالد، وابن أيمن عن ابن وضاح ولم يكن عند غيرهما، ولا في كتاب ابن عات، وهو صحيح على الأصل.
قلت: وبه الفتوى عندنا واستمر عليه عمل القضاة، ولا أعرف خلافه.
(ويقضي بشاهد ويمين في الأموال):
ما ذكره هو مشهور المذهب وذكر يحيى بن يحيى أنه لا يحكم به وذكر أن الليث بن سعد كان يفتي به قال أبو حنيفة وغيره وأطبقوا في قولهم حتى قال محمد بن الحسن: يفسخ القضاء به؛ لأنه خلاف القرآن.
(ولا يقضي ذلك في نكاح أو طلاق أو حد):
ما ذكر في مسألة النكاح هو نص المدونة في كتاب الأيمان بالطلاق.
قال فيها: ومن ادعى نكاح امرأة أو أنكرته فلا يمين له عليها، وإن أقام شاهدا ولا يثبت نكاح إلا بشاهدين.
وقال ابن القاسم في الموازية: إذا ادعى الرجل على امرأة نكاحا أو العكس أن اليمين ساقطة ما لم يقم بذلك شاهد فلا بد من اليمين.
قال القاضي عبدالوهاب: فإن نكل جرى على اختلاف قول مالك في دعوى الطلاق مع الشاهد ونقل ابن الهندي لزوم اليمين بمجرد الدعوى لما روي أشبه شيء بالبيع النكاح.
ونقل ابن الحارث عن سحنون مثله، وإن كانا طارئين فالمجموع أربعة أقوال، واختلف إذا أقامت المرأة شاهدا بالنكاح على ميت.
قال ابن القاسم: تحلف وترث، وقال أشهب: لا ترث وقيل بالأول: إن لم يورث بقرابة أو ولاء، وبالثاني: إن ورث بذلك، وكذلك الثلاثة في دعوى الرجل النكاح عليها بعد موته، والثلاثة والأقوال حكاها ابن يونس في الصورتين في كتاب الشهادات وسبب الخلاف بين ابن القاسم، وأشهب في الدعوى إذا لم تكن بمال لكنها تؤول إليه ولا يقال لو صح هذا لا طرد في حال الحياة؛ لأن حال الحياة لا تترتب عليه أحكام أخرى كلحوق النسب.
قال ابن عبدالسلام: وقد ورد سؤالا وجوابا وما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى في الطلاق هو كذلك إلا أنه يؤمر بأن يقرأ ويحلف فإن امتنع فاختلف في المسألة على أربعة أقوال حكاها المتيطي:
أحدها: لزوم الطلاق رواه ابن أبي زين، وبه قال أشهب.
قلت: وهو قصور إذ هو أحد الأقوال عن مالك في المدونة في آخر كتاب الأيمان بالطلاق، ولفظها: قال مالك: فإن نكل طلقت عليه مكانه ومثله في العتق الثاني وبه قال ابن عبدالحكم.
الثاني: أنه يسجن حتى يحلف أو يطلق وإليه رجع مالك.
الثالث: أنه يدين وتبقى له زوجته قاله بعض أصحاب مالك.
الرابع: أنه إذا مضى له أربعة أشهر من يوم إبايته عن اليمين فإنه يدخل عليه الإيلاء فإن استمر على الإبابة طلق علي بالإيلاء، وعلى القول بأنه يسجن اختلف في
قدره في ثلاثة أقوال عن مالك فقيل: سنة قال المتيطي: وعليه العمل.
قال ابن عبد السلام وذكره ابن القاسم في أواخر العتق الثاني من المدونة، وأطلق ذلك في الأيمان بالطلاق.
قلت: بل أطلق فيه أيضا، ولفظه وأنا أرى إن طال سجنه أن يخلي سبيله ويدين نعم هو قول له خارج المدونة كما لا شك فيه، وقيل: إن ذلك يرجع إلى اجتهاد الحاكم وقيل: يسجن أبدا وهو نص أيمانهم أيضا، وما ذكر في الحد هو كذلك باتفاق وكذلك في الأدب على المشهور.
وحكى ابن رشد قولا شاذا إنه يؤدب بالشاهد واليمين.
(ولا في دم عمد أو نفس إلا مع القسامة في النفس وقد قيل: يقضي بذلك في الجراح):
هو قول ابن سحنون يريد كقطع اليد أو موضحة عمدا.
وقوله: وقد قيل: يقضي بذلك في الجراح هو قول ابن القاسم في شهادات المدونة، وأشارالشيخ لتضعيفه بوجهين:
وهما فقد تقدم القول الأول عليه، وقوله: وقد قيل كقوله في اليتيم، وقد قيل: يتيمم لكل صلاة.
(ولا تجوز شهادة النساء إلا في الأموال):
يريد وما لا يطلع عليه إلا هن كما يقوله الآن والوكالة لطلب المال واسناد الوصية التي ليس فيها إلا المال فيجوز فيها شاهد وامرأتان قاله مالك، وابن القاسم، ومنع ذلك عبد الملك وسحنون ومنع ابن القاسم في ذلك الشاهد واليمين واحتج عليه سحنون بذلك قائلا: كل موضع لا يقبل فيه شاهد ويمين لا تقبل النساء.
(ومائة امرأة كامرأتين وذلك كرجل واحد يقضي بذلك مع رجل واحد أو مع اليمين فيما يجوز فيه شاهد ويمين):
مثل هذا في المدونة قال فيها: وإن شهدن لرجل أن فلانا أوصى له بكذا جازت شهادتهن مع يمينه وامرأتان في ذلك ومائة امرأة سواء يحلف معهن ويستحق، وقال فيها: إذا كانت بينة أحد المتداعيين رجلين أو رجلا امرأتين فيما تجوز شهادة النساءء فيه وبينة الآخر مائة رجل واستووا في العدالة فإنهم يسقطون وبقي الشيء في يد حائزه ويحلف فظاهر المدونة والرسالة أن الأمر كذلك حقيقة.
وقال اللخمي في الأول: هذا مبالغة ولا تستوي امرأتان مع مائة امرأة لأنه يفيد العلم.
وقال في الثانية: محمل قول ابن القاسم على الغابات ولو كثروا حتى يقع العلم يصدقهن لقضى بهن؛ لأن القضاء باثنين لغلبة الظن وتبعه المازري على هذا وقال
بعض المغاربة انظر هل يسلم هذا للخمي أم لا.
قلت: وأفتى به بعض من لقيناه من القرويين غير ما مرة قال: وهو المذهب عندي ولا يفتقر إلى تزكية، ولا إلى تجريح مهما كثروا، وأول ما أفتى به بالقيروان في أمير شهد عليه أناس شتى بما يوجب عزله ولم يزكهم أحد من العدول وحكم القاضي بما أفتى له به.
فعزله وأدبه.
ولم يرتضه شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني رحمه الله قال: وهو عندي خلاف المذهب؛ لأنه إذا قبل القاضي شهادتهم بمجرد كثرتهم فهو يحكم بعلمه، وقد علمت أنه لا يجوز هكذا سمعت منه غير ما مرة وقد كان أخبرني شيخنا الأول بأنه ناظره فيها ومرض اعتلاله هذا بأن الذي لا يحكم القاضي فيه بعلمه إنما هو إذا لم يكن مستندا لشهادة أحد، وفي هذا قد استند حكمه لشهادة من شهد فلا ريبة فقلت ذلك لشيخنا أبي مهدي في درسه فلم يقبله قائلا: لما لم يزك من شهد فهو كالعدم.
قلت: في فهم الشيخين نظر؛ لأن المسألتين المركب عليهما كلام اللخمي إنما هو إذا ثبتت عدالة من شهد ألا ترى إلى قول المدونة، واستووا في العدالة وإلى قول اللخمي لأن القضاء باثنين لغلبة الظن فهمها لم يزك من شهد ولو كثر عددهم جدا فلم يدخل في كلام اللخمي وإذا لم يدخل فلا شك أنها كالعدم ولا يختلف في ذلك والله أعلم.
(وشهادة امرأتين فقط فيما لا يطلع عليه الرجال من الولادة والاستهلال وشبهه جائزة):
ظاهر كلامه أن شهادتهن في الولادة مقبولة، وإن لم يحضر الجسد، وهو كذلك عند ابن القاسم خلافا لسحنون.
وقال اللخمي: إن كانت المناكرة بقرب الولادة لا تجوز؛ لأنه يقدر على إظهاره وإن كان مقبورا وإن كان بعد طول لقدوم من ناكرها أو كانت الأم مقرة ثم أنكرت أن تجوز.
وأما شهادتهن في الاستهلال فتجوز باتفاق.
واختلف هل تجوز شهادتهن على أنه ذكر أو أنثى على ثلاثة أقوال: فأجازها ابن القاسم، لكن مع يمين القائم بشهادتهن وردها أشهب، وقال أصبغ: إن فات بالدفن والطول حتى تغير نظرت فإن كل فضل المال يرجع إلى بيت المال أو إلى العشير البعيد جازت كما قال ابن القاسم وإن كان يرجع إلى بعض الورثة دون بعض أخذت بقول
أشهب، ولو ادعى الزوج على زوجته عيب فرجها فقال ابن القاسم: لا ينظر إليها النساء وهي مصدقة وأنكره سحنون فإن كان العيب بغير الفرج مما هو عورة فقيل: تقبل فيه شهادة النساء.
وقيل: يبقر الثوب حتى ينكشف موضع العيب فيطلع عليه الرجال ولا تقبل شهادتهن حينئذ وعزا اللخمي القولين لأصبغ لغيره وعزاهما المازري للموازي ولغيرها.
قال بعض شيوخنا: والأول هو ظاهر الأيمان بالطلاق من المدونة ولو كان العيب بفرج الأمة فاختلف فيه البائع والمشتري فإنه تقبل فيه شهادتهن باتفاق، وإذا كان القاضي هو الباعث فاختلف هل يكتفي بامرأة واحدة؟ في ذلك قولان بناء على أنه من باب الخبرأم لا، واختار اللخمي أنه لا بد من امرأتين قائلا: لأن العدالة ضعفت وأراد الشيخ بقوله وشبهه كالرضاع وعيوب النساء.
(ولا تجوز شهادة خصم ولا ظنين):
يريد إذا كانت الخصومة في الدنيا وحطامها، وأما في الدين كما إذا شهد على أهل البدع فلا قاله سحنون، وكذلك لا تجوز شهادة المتهاجرين.
وقال ابن كنانة: إن كانت المتهاجرة خفيفة وقعت على أمر خفيف جازت الشهادة.
قال اللخمي: وهذا يحسن في المبرز في الصلاح، والخير قال: واختلف إذا اصطلحا بعد الخصومة فقال محمد: جائز، وقال مطرف ابن الماجشون: إن طال الأمد، وإن كان يحدثان ذلك فلا.
قلت: والصواب أنه خلاف في حال واختلف في أربعة أتوا متعلقين برجل شهدوا عليه بالزنا فمنعه ابن القاسم لأنهم خصماؤهم، وفي كتاب ابن حبيب جوازها، واستحسنه اللخمي؛ لأن الأصل منازعتهم في سبب الدين والظنين.
قال ابن رشد: قيل: هو المتهم في دينه، وقيل: هو المتهم في شهادته، واستمر العمل عندنا بافريقية على قبول شهادة الطلبة بعضهم على بعض.
قال ابن عات: قال الشعباني: تقبل شهادة القراء في كل شيء إلا شهادة بعضهم على بعض لأنهم يتحاسدون كالضرائر والحسود ظالم لا تقبل شهادته على من يحسده.
وقال المتيطي في المبسوطة لابن وهب: لا تجوز شهادة القارئ على القارئ يعني: العلماء لأنهم أشد الناس تحاسدا، وقاله سفيان الثوري ومالك بن دينار، ويقوم من كلام الشيخ أن العدو لا يوكل على العدو وهو كذلك نص عليه أبو إسحاق بن
شعبان قائلا: لما نهي عنه من الضرر الضرار، وهو أيضا ظاهر ما في مديان المدونة قال فيها: ومن أدى عن رجل دينا بغير أمره أو دفع عنه مهر زوجته جاز ذلك إن فعله رفقا بالمطلوب، وأما إن أراد الضرر بطلبه وإعناته وأراد حبسه لعدم أو لعداوة بينه وبينه منع من ذلك كله ويقوم من كلامه أيضًا من أن القاضي لا يحكم على عدوه، وهو كذلك قاله أبو محمد في نوادره عن ابن المواز.
فإن قلت: لا نسلم أن هذا يقوم من كلام الشيخ؛ لأن حكم القاضي ظاهر فإذا حكم عليه سأل غيره من أهل العلم عن حكمه بخلاف الشهادة فإنها خفية؛ لأنه يشهد عن علمه، وبهذا الذي ذكرنا استدل الماوردي في الأحكام السلطانية في أنه لا يحكم على عدوه ولا يشهد نقله ابن الحاج في نوازله عنه.
قلت: ومن أحكام القاضي ما هو باطن أيضا كالتعديل والتجريح بلا فرق والله أعلم.
ولهذا قال ابن الحاج: هو خلاف مذهب مالك وخلاف ما في نوازل سحنون من أقضية العتبية.
(ولا يقبل إلا العدول):
قال ابن الحاجب: العدالة المحافظة الدينية على اجتناب الكذب والكبائر وتوقي الصغائر وأداء الأمانة وحسن المعاملة ليس معها بدعة فإنها فسق.
وما ذكر الشيخ فهو مذهبنا وقال الشافعي: الناس محمولون على العدالة حتى يثبت نقيضها وظاهر كلام الشيخ ولو كان العدل مولي عليه السوء نظره في المال لا يجرحه، وهو كذلك رواه أشهب.
وقيل: لا تقبل شهادته، قال ابن المواز وأشهب وأخذ من كتاب الشهادات من المدونة.
(ولا تجوز شهادة المحدود ولا شهادة عبد ولا صبي ولا كافر):
ما ذكر الشيخ من أن شهادة المحدود لا تجوز هو كذلك باتفاق معناه إذا لم يتب كما يقوله الآن وما ذكر أن شهادة العبيد غير معمول بها هو كذلك باتفاق أهل المذهب وخارج المذهب قول بجوازها لغير السيد محتجا بقوله تعالى: (ممن ترضون من الشهداء) [البقرة: 282]
، وبقوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) [الطلاق:2]
، والعبد قد يكون عدلا مرضيا ورد بأن الآيتين مخصوصتان بقوله تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) [البقرة: 282]
، والعبد لا يتصرف إلا بإذن سيده.
قال ابن شعبان في زاهيه: قيل: ولو عتق العبد وشهد حينئذ فإنه ينظر في حاله
بخلاف الكافر إذا شهد حين أسلم لقوله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يجب ما قبله" وكذلك الصبي قرب احتلامه.
وما ذكر أن شهادة الصبي لا تجوز هو كذلك باتفاق؛ لأنه غير مكلف، واختلف في شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراح للضرورة وإذا لم تجز شهادة الصبي فأحرى من لا عقل له والكافر لا تجوز شهادته باتفاق وخارج المذهب قول بجوازها في الوصية.
وأما شهادة المسلم على الكافر فإنه معمول بها نص على ذلك في المدونة وأقام منها بعض من لقيناه من القرويين أن شهادة الرعية على الوالي معمول بها؛ لأن العداوة العامة لا أثر لها قال: ونص على ذلك ابن جرير رحمه الله، وأول ما سمعت هذه الإقامة من شيخنا هذا حفظه الله تعالى لما نزلت بقاضي القيروان في واليها تعرض إلى الجانب العالي أسأل الله السلامة من ذلك فشهد عليه جماعة من أهلها وزكوا وعذر بذلك فسأله عنها فأفتاه بذلك وسلم له ذلك أهل العلم ببلدنا وغيرها وترد الإقامة، وإن كنت أقول بموجبها؛ لأن العداوة التي بين المسلم والكافر إنما هي دينية، وقد علمت أنه لا أثر لها بخلاف العداوة التي بين الرعية والوالي إنما هي دنيوية والعداوة الدنيوية معتبرة والله أعلم.
(وإذا تاب المحدود في الزنا قبلت شهادته إلا في الزنا):
اعلم أنه إذا ثبتت التوبة لا يشترط مضي زمان بل التوبة كافية، وقيل: لابد من مضي ستة أشهر، وقيل: لابد من سنة، وما ذكر الشيخ رحمه الله من أن شهادة المحدود في الزنا وكذلك شهادة من حد في شيء لا تجوز شهادته فيه هو كذلك على المشهور، وبه قال سحنون.
وقال ابن كنانة وأصبغ وروي عن مالك أنها تقبل واختاره الأبهري.
قال المازري: وهو مذهب الكتاب وعزاه ابن يونس لبعض شيوخه ولم يرتضه قائلا: ليس في الكتاب دليل عليه والقياس هو قول سحنون والجماعة الفرق على مذهب ابن كنانة بين ولد الزنا ومن حد في شيء أن ولد الزنا لا يندفع عاره بالتوبة وغيره يندفع كاندفاع الكفر بالإسلام وضعف ابن يونس هذا الفرق وزعم أنها في الجميع باقية؛ لأنها إذا بقيت في ولد الزنا وليس الزنا من فعله كانت في الزاني أبقى؛ لأنه من فعله.
واختلف متى ترد شهادة القاذف فقال عبد الملك إذا عجز عن اثبات ما ادعاه وحق عليه القذف، وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون بل حتى يحد وكلاهما حكاه ابن تونس.
واختلف هل يجوز أن يولي ولد الزنا القضاء أم لا؟ على قولين لسحنون والباجي وعلى الأول فهل يمنع أن يحكم في الزنى أم لا؟ على قولين لسحنون وأصبغ.
(ولا تجوز شهادة الابن للأبوين ولا هما له):
ما ذكر الشيخ أن شهادة الابن للأبوين وهما له لا تجوز هو معروف المذهب وحكى بعض الشافعية عن مالك أن شهادته لأبيه مقبولة.
قال المازري: وهي حكاية منكرة وربما كانت وهما، وأما شهادة الأب لابنه فلا خلاف أنها لا تقبل وليس المراد بالأبوين دنية، وإنما المراد عموما، وكذلك الأبناء وإن سفلوا.
وظاهر كلام الشيخ: أن شهادة الابن لأحد أبويه لا تجوز وهو كذلك عند سحنون.
وقال ابن نافع: ذلك جائز ما لم تكن تهمة كموالاة الأب للابن بالصلة وقيل: إن كان مبرزا ويكون ما شهد فيه يسيرا فإنها جائزة قاله مالك في المجموعة والموازية، وفي شهادة الأب لأحد ولديه على الآخر إذا استوت حالتهما قولان لابن محرز وسحنون.
(ولا الزوج للزوجة ولا هي له):
ما ذكر هو قول مالك وأبي حنيفة وقال الشافعي بل هي مقبولة، وقال ابن أبي ليلى، والنخعي: تقبل شهادة الزوج لها دون العكس.
وظاهر كلام الشيخ إذا طلق الرجل زوجته طلاقا بائنا أن شهادته لها مقبولة، وهو كذلك قاله سحنون في العتبية قائلا: وإن كان له منها ولد، وقال عنه ابن عبدون: إنما تجوز إذا كان مليا ليس لولده حاجة إلى أمهم فإن كان عديما والولد في نفقة أمهم لم تجز.
قلت: وينبغي أن يكون هذا مفسرا لما قبله.
واختلف هل يشهد الرجل لربيه أم لا؟ على قولين لابن القاسم وسحنون.
(وتجوز شهادة الأخ العدل لأخيه):
ظاهر كلام الشيخ سواء كان مبرزا أم لا، ومثل هذا الإطلاق وقع في شهادة المدونة، ووقع في أول الشهادات منها اشتراط التبريز فقيل: اختلاف، وقيل: لا.
واختلف المذهب في شهادته له في المال على سبعة أقوال، هذان القولان،
والثالث: تقبل في اليسير دون الكثير قاله ابن كنانة.
والرابع: لأشهب إن كان مبرزا قبلت مطلقا وإلا قبلت في اليسير.
الخامس: أنها مردودة مطلقا.
والسادس: تجوز في غير الربع المتهم بجره إليه أو إلى ابنه كحبس مرجعه إلى ابنه.
والسابع: تجوز إن لم تنله صلته، وكلاهما حكاه الباجي، وكل هذا الخلاف إذا لم يكن الشاهد في نفقة أخيه المشهود له أو يتكرر عليه معروفه.
وأجاز ابن القاسم أن يعدل الأخ أخاه ومنعه أشهب في التعديل وصوب وكذلك الخلاف في تجريح من جرحه.
قال اللخمي: ويختلف في شهادته له في جراح الخطأ لأنها مال.
واختلف في شهادته له جراح العمد فالمعروف المنع؛ لأنه مما تدرك فيه الحمية والتعصب، وأجازها أشهب في العتبية والأول أحسن.
قلت: ولا يقال: إن أشهب ناقض أصله في التعديل؛ لأن التعديل ادخل في النفوس فيكتسب به شرفا زمانا طويلا ودائما فالتهمة فيه أشد وألزم والله أعلم.
قال ابن رشد: والمسائل التي يشترط فيها التبريز ست ما تقدم وشهادة الصديق الملاطف لصديقه وشهادة الشريك لشريكه في غير مال المفاوضة وشهادة المولى لمن أعتقه وشهادة الأجير لمن استأجره إذا لم يكن في عياله، وإذا زاد ونقص في شهادته.
(ولا تجوز شهادة مجرب في كذب أو مظهر لكبيرة ولا جار إلى نفسه ولا دافع عنها):
ظاهر كلامه أن الكذبة الواحدة لا أثر لها وهو كذلك ومثله أقام غير واحد من المتأخرين من قول المدونة ومما يجرح فيها الشاهدان عليه بين أنه شارب خمر أو آكل ربا أو صاحب قيان أو كذاب في غير شيء واحد فأفتى بصيغة فعال للمبالغة ليدل على التكرار، وأشار بقوله أيضا في غير شيء إلى الكذب الجائز لا يقدح كالكذب للصلح بين المتهاجرين، واشتراط الشيخ الإظهار في الكبيرة لا مفهوم له بل إذا شهد عليه أنه فعل حراما كبيرا مستترا فإنه يقدح كما هو ظاهر المدونة كما تقدم في لفظها.
ظاهر كلام الشيخ أن مظهر الصغيرة لا يقدح في شهادته وليس كذلك وقد تقدم لابن الحاجب أنه اشترط في العدالة توقي الصغائر وظاهر كلام ابن القاسم في العتبية أن من ترك الجمعة مرة واحدة إنها جرحة في شهادته وبه قال أصبغ، وقيل: إن تكرر تركه ثلاث مرات، قاله ابن الماجشون وغيره.
وأما من اقتصر على الزكاة فشهادته جائزة ونقل الباجي عن أصحابنا أنها ترد وسبب الخلاف هل ينتفي عنه اسم البخل أم لا؟ وقد أكثر الشيوخ الكلام فيما يجرح به الشاهد لأنه مضطر إليه فمن شاء فلينظره في المطولات.
قال الفاكهاني: وقول الشيخ ولا جار إلى نفسه فهو أن يشهد لشريكه في شيء من مال الشركة.
(ولا وصي ليتيمه وتجوز شهادته عليه):
مثاله من أعتق عبدا فلا تجوز شهادته لسيده أنه أدى دينه؛ لأنه يباع فيما على سيده من دين قال: وقوله: ولا وصي ليتيمه راجع في المعنى إلى قوله: ولا جار، وإنما كرره ليقول وتجوز شهادته عليه وذكر عبد الوهاب رواية أن شهادة الوصي على من يلي عليه لا تجوز لأنه يتهم في أن يريد أن يخرج عن أيديهم مالا قد تعين عليه حفظه ويسقط عن نفسه ما لزمه بقوله.
(ولا يجوز تجريح النساء ولا تعديلهن):
زاد في المدونة: لا للرجال ولا النساء وهو واضح لما تقدم من أن شهادتهن إنما هي جائزة في المال فإن قلت: لم لم يجز ذلك وهل هي شهادة على غير المال تؤول إلى المال؟ وقد علمت أن ابن القاسم أجاز شهادتين في ذلك.
قلت: قال بعض شيوخنا لما كان لا يقتصر تجريحهن على الشهادة التي شهدن فيها من جرحته بل يتعدى إلى غيرها أشبهت الحكم في البدن والله أعلم.
(ولا يقبل في التزكية إلا من يقول عدل رضي):
أي هو عدل ف ينفسه رضي في أفعاله.
قال الفاكهاني، ويريد الشيخ، وكونه من أهل اليقظة والتحرز نص على ذلك ابن عبد الحكم قائلا: قد يكون الرجل الخير الفاضل ضعيفا لا يؤمن علهي لغفلته، وقد يلبس عليه وتابعه على ذلك شيوخ المذهب كابن رشد والباجي ويكفي في تعديل الغير أن يقول هو عدل رضي ولا بد منها قاله ابن الجلاب كما هو ظاهر كلام الشيخ ووجهه أن الله تعالى قال: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) [الطلاق: 2]
وقال عز من قائل: (ممن ترضون من الشهداء) [البقرة:282]
وزاد سحنون على الوصفين جائز الشهادة.
وقال بعض الأندلسيين: إن المعلوم من المذهب أنه إن اقتصر على أحد اللفظين من العدالة والرضى أجزأه، وروى ابن كنانة: يقبل إذا قال أعلمه وأعرفه عدلا رضيا جائز الشهادة ولا يقبل إذا قال لا أعلمه إلا عدلا رضيا.
وقال ابن عبد الحكم وغيره: يكفي أن يقول أراه عدلا رضيا، وليس عليه أن يقول هو عدل رضي عند الله ولا يقول أرضاه لي وعلي.
واعلم أنه لا يجب ذكر سبب التعديل بلا خلاف في المذهب، وذكر أرباب الأصول فيه خلافا، واختلف في سبب التجريح على أربعة أقوال: فقيل: يجب وقيل: لا وقيل: إن كان عالما بوجهه لم يجب قاله مطرف، وقيل: إن كان مبرزا لم يجب قاله أشهب.
قال ابن عبدالسلام: والأقرب أنه لابد من ذكره لاختلاف العلماء في كثير من أسبابه مع غموض بعضه وقد جرح أقوال من المحدثين ونسبوهم إلى أشياء هم منها براء، واستفسر بعضهم من جرحهم ما لا يصلح أن يكون جرحة، فقال بعضهم: رأيت فلانا يبيع ولا يرجح الميزان، وقال بعضهم: رأيته يغتاب بحضرته، ولا ينكر وجرح شاهد شاهدا فقال لما سئل عن الجرحة رأيته يبول وهو قائم فقيل له: وإذا بال قائما ماذا يكون؟ قال: يتطاير عليه بوله فقيل له: هل رأيته صلى به بعد ذلك فقال لا فظهر غلطه.
(ولا يقبل في ذلك ولا في التجريح واحد):
إنما لا يقبل في ذلك واحد؛ لأن التعديل والتجريح أمر ظاهر لا يخفى فشهادة
واحدة في ذلك ريبة وكذلك العدم لا يثبت بالشاهد واليمين وعلته ما ذكرناه، وكذلك النكاح والطلاق والعناق والولاء والنسب والإحباس، والوصايا لغير المعينين وهلال رمضان وهلال ذي الحجة وغيرهما، والموت والقذف والإيصاء، ونقل الشهادة لا يكون إلا بشاهدين.
قال الفاكهاني رحمه الله: وهذه المسألة سقطت في بعض النسخ وهي في روايتنا ثابتة، وهي على التقدير زيادتها صحيحة لا أعلم في ذلك خلافا.
(وتقبل شهادة الصبيان في الجراح قبل أن يفترقوا أو يدخل بينهم كبير):
ما ذكر الشخ من أن الشهادة مقبولة فيما ذكر زعم ابن الحارث الاتفاق عليه،
وليس كذلك بل هو مشهور المذهب، وقيل: إنها باطلة كشهادتهم في المال قاله ابن عبد الحكم ومحمد بن صدقة ومطرف كذا عزاه ابن زرقون ولم يعزه ابن رشد إلا لمطرف كما أن اللخمي والمازري لم يعزواه إلا لابن عبد الحكم.
وظاهر كلام الشيخ أن شهادتهم في القتل لا تجوز وهو قول أشهب، وقال مالك: إنها مقبولة وهو المشهور والقولان في المدونة.
ولما ذكر الفاكهاني القولين قال بعد وظاهر الرسالة موافق لقول أشهب، وقد علمت المشهور ما هو فكأنه أشار إلى التعقب عليه لكونه كلامه إنما جاء على الشاذ، والمستقرأ من كلام الشيخ أنه لا يتعقب عليه بمثل هذا لأن طريقة أصحاب مالك طريقه مالك حسبما قدمنا ذلك عند قول الشيخ على مذهب مالك بن أنس رحمه الله وطريقته والمشهور اشتراط الحرية قال ابن زرقون وحكى القاضي عبدالوهاب في شرح الرسالة عن بعض متأخري أصحابنا أن شهادة العبيد منهم جائزة.
قلت: ولم يحفظه ابن رشد بل قال: لا أعلم في ذلك خلافا ولا بد أن يكون ممن يحكم لهم بالاسلام وممن يعقل الشهادة واعتبر ابن القاسم كونهم اثنين فصاعدا، وفي كتاب ابن مزين عن ابن نافع يقسم بشهادة الصبي الواحد وألزمه ابن هارون أن يحلف مع شهادته في الجراح، وتكون فيه الدية ومنع أشهب ومالك من المدونة شهادة إناثهم.
وقال ابن عبد السلام: في قول ابن الحاجب الإناث مطلقا، وفي المجموعة عن مالك تجوز شهادة غلام وجاريتين خاصة، وفي المدونة على المخزومي تجوز شهادة إناثهم.
وقال ابن عبد السلام: في قول ابن الحاجب، وفي اشتراط الذكورية قولان اضطرب المذهب في ذلك، وكذلك اختلف قوله المدونة في ذلك فظاهره أن قول مالك وابن القاسم اختلف فيها وليس كذلك.
ويقوم من كلام الشيخ أن شهادة النساء في الولائم، والأعراس مقبولة، وهو أحد قولي ابن الجلاب فذكر أولا عدم الجواز واعترض أصحابنا قبولهم قال: واعتبرها بشهادة الصبيان وذكرهما المازري روايتين.
فإن قلت: ما ذكرته يرد بقول سحنون لما قال له ولده يلزمك في غصب بعضهم من بعض في المال هذا موضع اتباع الماضيين ولا وجه للقياس فيما هو سنة أو كالسنة وقد فرقت الأئمة بين الدماء والأموال فقبلوا في الدماء ما لم يقبلوا في الأموال.
قلت: ما ذكره سحنون من أنه سنة أو كالسنة ممنوع بخلاف كثير من أهل العلم ممن ذكرنا من أهل المذهب وبه قال القاسم وسالم بن عبد الله من أهل المدينة، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما وبقول القاسم وسالم بن عبد الله ضعف ابن عبد السلام قول ابن الحاجب، وعلى العمل بشهادتهم إجماع أهل المدينة ثم إن كلام سحنون إنما فرق الدماء والأموال مسألتنا من الأول.
(وإذا اختلف المتبايعان استحلف البائع ثم يأخذ المبتاع أو يحلف ويبرأ):
يعني إذا باع رجل سلعة لرجل فيقول البائع بعتها بدينار مثلا ويقول المشتري بل بنصف دينار فإنه يحلف البائع أولا لقد بعتها بدينار ثم يقال للمشتري: اختر إما أن تدفع ما حلف عليه، وإلا فاحلف ويتفاسخا.
وظاهر كلامه ولو قبض المشتري السلعة وفاتت وإلى هذا ذهب أشهب في روايته قال: والقيمة تتنزل في الفوات منزلتها.
قال ابن بشير: وبه كان يتفي من أدركناه من محققي الأشياخ يريد كالمازري، وقيل: القول قول المشتري بنفس العقد عزاه بعض الشيوخ لكتاب ابن حبيب قال ابن بشير: ولم يوجد فيه وقيل: لا يكون القول قوله إلا إذا قبض السلعة وقيل: إذا بان بها وكلاهما رواه ابن وهب، وقيل: إذا قبضها المشتري وقبض البائع الثمن فالقول قول المشتري وإلا فلا حكاه الباجي وقيل يتحالفان ما لم تفت في يد المشتري بتغير سوق فأعلى فالقول قوله، رواه ابن القاسم عن مالك في المدونة قائلا: وثبت عليه، فالحاصل ستة أقوال.
وما ذكر الشيخ من أن المبدئ باليمين إنما هو البائع هو المشهور، وهو نص المدونة في كتاب الأكرية وقيل: بل يبدأ المبتاع قاله في العتبية وأخذه المازري من قول المدونة من تضمين الصناع إذا تجاهل الورثة الثمن يبدأ بوراث المبتاع أنهم لا يعلمون بما ابتاعها به أبوهم ثم ترد فإن فاتت لزمت ورثة المبتاع بقيمتها.
ولم يذكر ابن عبد السلام هذا الأخذ بل سأل نفسه هل يؤخذ منها أم لا؟ فقال: لا لأن الجهل عندهم يتنزل منزلة الفوات، وسلمه خليل رحمه الله ورده بعض شيوخنا بأنه لو كان كما قال للزم عدم ردها كفواتها، وقيل: يقرع بينهما قاله اللخمي، وقيل: يخير الحاكم قاله بعض شيوخنا المازري، ويحتمل أن يريد الشيخ بقوله إذا اختلف المتبايعان اختلافهما في جنس الثمن وقطع شيخنا أبو مهدي بأن هذا مراد الشيخ لكونه لم يقيد التخالف بعد الفوات فحمله على الأول يؤدي إلى حمله على غير
المشهور وحمله على الثاني جار على المذهب، وإن وقع الفوات فإذا دار الأمر بين حمله على الأول والثاني فحمله على الثاني أولى لما ذكرت.
قلت: وقطع الفاكهاني بحمل كلامه على الأول من غير احتمال عكس ما قاله شيخنا وزعم ابن الحاجب الاتفاق على التحالف في اختلافهما في الجنس كابن حارث وخرج عبد الحميد الصائغ قولا بأن يكون القول قول البائع من قول المدونة في تضمين الصناع فيمن صبغ ثوبا أسود فادعى ربه أنه إنما أمره بأحمر أن القول قول الصباغ مع اختلافهما في الجنس؛ لأن الصباغ يدعي أنه باعه نيلا ورب الثوب يدعي أنه اشترى عصفرا.
وفرق المازري بأن صاحب الثوب ما دفع إليه ثوبه فكأنه ائتمنه عليه، وبأن صاحب الثوب يدعي على الصباغ تعديا يوجب عليه تعمير ذمته بقيمة الثوب.
وقال ابن عبدالسلام في رد المازري: عندي نظر تركت جلب ذلك استغناء بما ذكره بعض الشيوخ يعني به: ابن زرقون عن ابن القاسم في الكراء إن القول قول الساكن إن أشبه.
قلت: ظاهره أن القول المخرج قول ابن القاسم وليس كذلك بل القول المخرج هو أن القول قول البائع وقول ابن القاسم في الساكن يوجب أن القول قول المشتري فهي ثلاثة أقوال.
(وإذا اختلف المتداعيان في شيء بأيديهما حلفا وقسم بينهما وإن أقاما بينتين قضى بأعدلهما فإن استويا حلفا وكان بينهما):
ما ذكر أنه يقسم بينهما هو كذلك باتفاق وذلك أن كلا منهما له شبهة لحوزه فجعله بينهما عدل وما ذكر من أنه يقضي بأعدل البينتين هو المشهور وروي عن مالك أنه لا يرجح بها.
وقال ابن عبد السلام: وهذه الرواية إما أن تكون مبنية على القول بنفي الترجيح في الأدلة وإما أن تكون لا ترجح بذلك ويكون الترجيح بغير ذلك، وهو الأقرب.
قلت: قال بعض شيوخنا ولا أعرف هذه الرواية لنقل غيره ولم يعزه ابن رشد إلا للمخزومي وبعض أهل العلم وعزاه ابن حبيب لبعض علمائنا والمشهور لا يرجح بكثرة العدد وهو قول المدونة.
وروى ابن حبيب أنه يرجح بذلك وجمع بعض الشيوخ بين المسألتين وذكر فيها ثلاثة أقوال: ثالثها: يرجح العدالة دون زيادة كثرة العدد، قال القرافي في توجيه
المشهور والمقصود من علم القضاء إنما هو قطع النزاع والعدالة أقوى من زيادة العدد؛ لأن كل واحد يمكنه زيادة العدد في الشهود ولا يمكنه ذلك في مزيد العدالة.
ورده ابن عبد السلام بأن من رجح بزيادة العدد لم يقل به كيف ما اتفق وإنما اعتبر مع قيد العدالة فليس بسهل حينئذ.
ووجهه المازري بأن الشارع لما قيد شهادة الزنا بأربعة والطلاق باثنين وقيد في المال بالواحد مع اليمين دل على أنه لا تأثير للعدد.
واختلف قول ابن القاسم هل يترجح الشاهدان على الشهاد واليمين والشاهد والمرأتين أم لا؟
قال ابن عبدالسلام: فإن قلت: هب أن رجحان الشاهدين على الشاهد واليمين ظاهر للاختلاف في قبول الشاهد واليمين فما السبب في رجحانهما على الشاهد والمرأتين.
قلت: لما نبه عليه بقوله تعالى (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) [البقرة: 282]
من زيادة مزية الرجلين على الرجل والمرأتين.
(وإذا رجع الشاهد بعد الحكم أغرم ما أتلف بشهادته إن اعترف أنه شهد بزور قاله أصحاب مالك):
ظاهر كلامه يقتضي أن جميع أصحاب مالك فرقوا بين أن يعترف أنه شهد يزور أم لا فإن شهد به غرم، وإن قال شبه علي فإنه لا يغرم وتبع في هذا النقل ابن المواز وليس كذلك بل قال ابن القاسم ومطرف وأصبغ في الواضحة: إنه يغرم مطلقا، وهو ظاهر كتاب السرقة من المدونة قال فيها: إن رجعا عن عتق أو طلاق أو دين أو قصاص أو حد أو غير ذلك فإنهما يضمنان، وهذا القول كذا عزاه ابن رشد وهو الصواب عندي لقول أصحابنا العمد والخطأ في أموال المسلمين سواء وكذلك قال في أحكام الشعبي من أفتى بغرم ما لا يجب فقضى به غرمه قاله أصبغ بن خليل، ولم يرتض بعض شيوخنا ما قلناه فقال: الخطأ كالعمد في الأموال باتفاق المذهب ولذلك رجع غير واحد القول الثاني فما وجه القول الأول؟
قلت: إنما وقع الاتفاق على أن الخطأ كالعمد في فعل غير المأذون له في الفعل، وأما المأذون له في الفعل فليس كذلك كالراعي بضرب الشاة ضرب مثلها فتهلك فلا يضمن والوكيل على شراء عبد يشتري أبا الموكل خطأ فإن لا ضمان عليه، والشاهد لما كان مطلوبا بالشهادة صار كالمأذون له في الفعل منضما إلى أن الأصل عدم التفريط
وعدم الضمان.
وفيما قاله شيخنا نظر؛ لأن هذا الفرق لو صح لا طرد وبيان عدم اطراده ما ذكرناه عن أحكام الشعبي بأن المفتي مأذون له بل هو مأمور بذلك ولا سيما إن لم يكن في ذلك الإقليم غيره.
وقد قال رحمه الله: ما تقدم من ضمانه لم يحك غير ذلك في كتاب الغصب من تأليفه، ولو رجع الشاهد بعد الحكم وقبل الاستيفاء فإن كان مالا نفذ، وإن كان دما ففيه خلاف، وإن كان قبل القضاء فلا ينفذ خلافا لأبي ثور.
قال في المدونة في كتاب السرقة: لو أدب لكان لذلك أهلا، وقال سحنون: لا يؤدب كالمرتد.
(ومن قال رددت إليك ما وكلتني عليه أو على بيعه أو دفعت إليك ثمنه أو وديعتك أو قراضك فالقول قوله):
ما ذكر من أن الوكيل على البيع إذا قال دفعت إليك ثمنه إن القول قوله هو كذلك وكلامه رحمه الله تعالى أعم من أن تلزمه اليمين أم لا.
واختلف في المسألة على أربعة أقوال حكاها ابن رشد في المقدمات في كتاب الوديعة فقيل: يحلف وهو سماع ابن القاسم في المدونة في الوكالات وقيل: إن كان بمقدار الأيام اليسيرة فالقول قول الموكل أنه ما قبض شيئا وعلى الوكيل إقامة البينة ويصدق الوكيل إن كان بعد شهر ونحوه مع يمينه وإن طال جدا لم يحلف رواه مطرف.
وقيل: إن كان كيسير الأيام حلف وإن طال فلا قاله ابن عبد الحكم وابن الماجشون.
وقيل: الوكيل على معين غارم مطلقا والمفوض إليه يحلف بالقرب خاصة قاله أصبغ.
قلت: الذي عزا بعض شيوخنا للفظ المدونة إنه مصدق وكذلك اختصرها البراذعي والذي تلقيانه من شيوخنا بأجمعهم أنه إذا قال في الكتاب: مصدق فإنه لا يحلف بخلاف إذا قال قبل قوله فإنه لا بد من اليمين وعزا ابن يونس الأول لابن القاسم وابن الماجشونن وابن عبد الحكم وعزا القول الثاني لقول مطرف لا لروايته ولقول ابن القاسم في العتبية.
ويريد الشيخ في مسألة الوديعة إذا قبضها بغير بينة ولو قبضها ببينة فلا يقبل قوله
قاله في المدونة وقيل: يقبل قوله مطلقا حكاه ابن شاس عن ابن القاسم قاله ابن عبد السلام وهو قول شاذ على نظر في صحة نسبته إلى المذهب يريد أن ابن رشد إنما خرجه من دعوى المستأجر رد ما استأجره من العروض أنه مصدق ولو قبضه ببينة رواه أصبغ وضعفه بفرق ذكره والمراد بالبينة إذا كانت مقصودة التوثق، وأما إن كانت اتفاقا فلا، قاله غير واحد كعبد الحق، واللخمي وابن يونس.
وقيل: لا يشترط فيها أن تكون مقصودة التوثق حكاه ابن عات عن ابن زرب حسبما قدمناه.
(ومن قال دفعت إلى فلان كما أمرتني فأنكر فلان على الدافع البينة وإلا ضمن):
إنما قال يضمن؛ لأنه دفع إلى غير اليد التي دفعت إليه فوجب أن يضمن وهذا هو مشهور المذهب ونقل ابن رشد في المقدمات عن ابن الماجشون فيمن بعث بضاعة من رجل لرجل أنه لا يلزمه إشهاد في دفعها ويصدق، وإن أنكر القابض كانت دينا أو صلة.
قال: ويتخرج من قول ابن القاسم في المدونة أن من أمر غيره أن يشتري لؤلؤا من بلد وينقد عنه فزعم أنه ابتاعه ونقد ثمنه ثم تلف حلف على ذلك ورجع عليه بالثمن لأنه أمينه ومن سماع عسى فيمن اشترى ثوبا من ثوبين على أن أحدهما قد وجب عليه بخياره فيضيع أحدهما فيدع أنه كان اختار هذا الباقي أنه مصدق والمسائل أربع دافع أمانة لأمانة، وذمة لذمة ودافع ما في أمانة لذمة، وعكسه ولولا الإطالة لذكرنا جميع ذلك فانظر المقدمات.
(وكذلك على ولي الأيتام البينة أنه أنفق عليهم أو دفع إليهم):
ظاهر كلامه وإن قاموا عليه بعد طول من ترشيدهم وهو ظاهر المذهب لقوله تعالى: (فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم) [النساء: 6]
الآية، قال مالك: لئلا تضمنوا، وقال ابن الماجشون: لئلا تحلفوا كذا نقله المغربي عنه نصا، وخرجه اللخمي وتبعه خليل، وكأنه من عند نفسه من قوله السابق فيمن بعث بضاعة مع رجل أنه لا يلزمه الإشهاد في دفعها وإن أنكر القابض.
وفي الموازنة: إن طال الزمان كعشرين سنة مقيمين معه لا يبطلونه فالقول قوله مع يمنه.
قال ابن يونس: لأن العرف قبض أموالهم فإذا رشدوا كالبياعات بغير كتب وثيقة إذا مضى من الزمان ما يظن معه عدم تأخير قبض الثمن إليه فالقول قول المشتري وجعل القاضي أبو بكر بن زرب أن مقدار ثمانية أعوام كاف.
وقيل: إن الطول يرجع فيه إلى العرف قاله ابن رشد فالحاصل خمسة أقوال، وجعل خليل المشهور مقيد بعدم الطول وليس على عمومه.
وقال بعض شيوخنا: المعروف من المذهب عدم قبوله مطلقا، وهو مذهب المدونة في وصاياها وفي تضمين الصناع نص شيخنا على ما ذكر في آخر مسألة من الوصايا من تأليفه وما نسبه للمدونة إنما هو ظاهرها وليس ذلك بنص فيها.
وما ذكر الشيخ أنه لا يقبل قوله مقدار النفقة إذا لم يكونوا في حضانته هو المشهور مطلقا.
وقال اللخمي: إن كانت الأم فقيرة وهي حاضنتهم وهي في عافية يصدق الوصي للقرينة.
وفي ترجمة دفع الوصي النفقة إلى الحاضنة في الربع الأخر من الطرر لابن عات ما نصه قاله الأبهري: الوصي مصدق فيما دفع من النفقة؛ لأنه لو كلف البينة لشق ذلك عليه إذا كان يحتاج على أن يشهدهم على درهم ودانق وحبة وهذا من الأمر الموضوع عن الناس، ولذا قال مالك: إن اللقطة لمن جاء بعلامتها، وقوله صلى الله عليه وسلم "البينة على المدعى واليمين على من أنكر" إنما ذلك إذا ادعى شيئا في يد غيره.
وقال أحمد بن ناصر: قوله مقبول فيما دفع من النفقة إذا أشبه نفقة الأيتام في حضانته كانوا أو عند حاضنتهم من غير بينة عن الحاضن لهم أو عليهم أنفسهم البينة أنه لم ينفق، وإلا فالقول قوله من غير يمين تلزمه في دعوى الأيتام وللحاضن اليمين عليه بدعواه.
(وإن كانوا في حضانته صدق في النفقة فيما يشبه):
يريد الشيخ بقوله صدق مع يمينه لنص مالك وابن القاسم وأشهب قال عياض: وهو مالا يختلف فيه لأن ما يشبه قد يكون وقد لا يكون واختلف إذا أراد أن يحسب أقل ما يمكن ويسقط الزائد فقال أبو عمران: لا يمين عليه، وقال عياض: تلزمه إذ قد يكون أقل منه لاحتمال استغناء اليتيم عن تلك النفقة التي لا شك فيها أياما مفترقة أو متوالية لمرض أو صلة من أحد وهو ظاهر قول مالك وابن القاسم في الموازنة من قوله: ويحلف ما لم يأت بأمر مستنكر وإذا زاد على مقدار العادة زيادة يسيرة صدق مع يمينه رواه ابن المواز، وقال ابن القاسم حكاه ابن يونس في سماع أشهب وربما قال: وله أن يشتري ما يلهو به.
وفي المجموعة لابن كنانة: وينفق في عرسه بقدر حاله وحال من تزوج وقدر ماله
فإن خشى أن يتهم رفع إلى الإمام.
(والصلح جائز إلا ما جر إلى حرام):
قال عياض: الصلح معاوضة عن دعوى واعترضه بعض شيوخنا بأنه غير جامع؛ لأنه يخرج عنه صلح الإقرار قال: وقول ابن شاس، وابن الحاجب، الصلح معاوضة كالبيع وإبراء وإسقاط تقسيم وتفسير له لا تعريف قال والصلح انتقاله عن حق أو دعوى بعوض لرفع نزاع أو لخوف وقوعه وهو مندوب إليه ويعرض له الوجوب حيث تتعين مصلحته وحرمته وكراهته لاستلزامه مفسدة واجبة المدار وأرجحيته ومعنى قول الشيخ: إلا ما جر إلى حرام كالصلح على دعوى عشرة دنانير أقر بخمسة منها فقط على دراهم مؤجلة ولا خلاف في تحريم هذه الصورة؛ لأنه حرام في حق كل واحد منهما وأما ما حرم في حق أحدهما فقط كصلحه عن عشرة دنانير أنكرها بدراهم مؤجلة فالمشهور أنه يفسخ.
وقال أصبغ: يمضي وأماما ظاهره الفساد وهو غير محقق ككونه في جهة معينة كدعوى كل واحد منهما على صاحبه دنانير أو دراهم فيصطلحان على تأخير كل واحد منهما صاحبه لأجل فإنه مكروه فإن وقع مضى.
وقال ابن الماجشون: يفسخ ما لم يطل.
(ويجوز على الإقرار والإنكار):
أما الصلح على الإقرار فبالاتفاق وأما الإنكار فالمشهور كذلك وقيل: إنه لا يجوز حكاه عياض عن ابن الجهم عن بعض أصحابه وأخذه شيخنا من قول سحنون إلا طلب السلابة شيئا خفيفا لم يجز أن يعطوه قال: والتخريج أحروي؛ لأن العادة في المحارب القتال المعروض للقتل وهو أشد من عداء الخصومة المعروضة للحلف ويرد بأن القافلة قد يتحقق أنها تغلب السلابة لكثرة عدد القافلة أو لشجاعتهم فيحرم عليهم إعطاء مال وإن قل؛ لأن فيه الإعانة على المعصية؛ لأنهم إذا وجدوا من يقدر عليه أخذوه أو قتلوه فيكون عليهم بعض إثم من ذلك لأنهم إذن غير مضطرين إلى الدفع من مالهم وقد ينكره خصمه ولا تكون عنده بينة وهومضطر إلى الصلح.
وأيضا فإن اللص معترف بأنه ظالم في أخذ المال والمنكر في الصلح يزعم أن ما يؤخذ منه فهو مظلوم فيه فافترقا والله أعلم.
وعلى المشهور أن الصلح على الإنكار جائز قال بعض شيوخنا: إنما ذلك باعتبار عقده، وأما ما في باطن الأمر فإن كان الصدق هو المنكر فالمأخوذ منه حرام
وإلا فحلال فإن وفى بالحق برئ وإلا فهو غاضب فيما بقي والصلح مع السكوت كالإقرار قاله عياض، ولم يحك فيه خلافا.
قال الفاكهاني: هو كالإقرار على المشهور ولم يحك خلافا في الإنكار كالمازري وابن القصار وغيرهما وما ذكر من الخلاف لا أعرفه لكنه جار على قواعد المذهب في السكوت هل هو كالإقرار أم لا؟
والمعروف أن الافتداء من اليمين جائز، قال في المدونة في كتاب الأيمان والنذور: من لزمته يمين فافتدى منها بمال جاز ذلك، وقال ابن هشام: إن علم المدعى عليه براءته وطلبت منه اليمين فليحلف ولا يصالح على شيء من ماله وإن صالح أثم من أربعة أوجه: الأول: أنه أذل نفسه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أذل الله من أذل نفسه".
والثاني: أنه أطعمه ما لا يحل.
والثالث: أنه أضاع ماله وقد نهى عليه السلام عن ذلك.
والرابع: جرأه على غيره كما جرأه على نفسه.
وقبله خليل ورده شيخنا أبو مهدي نقلا ومعنى.
أما نقلا فلأن عثمان صالح عن يمينه، وأبا بكر وعمر حلفا فالأمران جائزان.
وأما معنى فلأن ما استدل به لا ينهض؛ لأن في صلحه إحرار نفسه لأن الخصومات مرجوحة ولاسيما كثرتها ولم يضيع ماله بل ادخره عنده وكونه أطعمه مالا حراما أو جرأه على الغير ليس باختياره وإنما هو مضطر لذلك وظلم هو نفسه قال الله تعالى: (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق) [الشورى: 42].
(والأمة الغارة تتزوج على أنها حرة فلسيدها أخذها وأخذ قيمة الولد يوم الحكم له):
ما ذكر الشيخ من أن للسيد أخذ الأمة فهو كذلك على المشهور.
وروي عن مالك وفي الجلاب رواية أخرى يأخذ قيمتها ولا شيء له في الولد، وما ذكر من أن له أخذ قيمة الولد هو كذلك بلا خلاف.
قال ابن رشد: القياس أن الولد رق لمالك أمه لإجماعهم على أن ولد الأمة من
غير سيدها ملك له، وترك هذا القياس لإجماع الصحابة على حرمته خلافا لأبي ثور وداود في قولهما: إنه رقيق.
قلت: قال بعض شيوخنا: إن ثبت إجماع الصحابة رضوان الله عليهم فقول أبي ثور وداود باطل؛ لأن خلاف إجماع تقرر، وهذا الذي ذكرنا هو الذي أعرفه في المذهب.
وقول الفاكهاني قيل: يدخلها الأقوال الثلاثة الآتية في الأمة المستحقة لا أعرفه وظاهر كلام الشيخ أن الولد حر ولو كان الزوج عبدا وهو كذلك في قول حكاه ابن شاس ومذهب المدونة أنه رقيق قائلا: إذ لا بد من رقه مع أحد أبويه.
وقال التونسي: كان يجب حرية ولده لشرط ذلك وما الفرق بينه وبين الحر والفرق لعجزه عن غرم قيمته يبطل بالحر العديم وتوقع اليسر كتوقع العتق والفرق بأن لربه إبطاله من ذمته غير بين.
قلت: واعترضه بعض شيوخنا بأن الحر العديم إنما يطلب يسره فقط وفي العبد يطلب عتقه ويسره والموقوف على أمر أقر من الموقوف على أمرين وما ذكر من أن القيمة يوم الحكم هو المشهور.
وقال المغيرة: يوم الولادة وبه قال أشهب، وقيل: يوم القيامة ذكره ابن بشير تخريجا من المستحقة بملك وكذلك القول بيوم الحكم قال: والمنصوص يوم الولادة واشتد نكير شيخنا أبي مهدي عليه فقال: هذا منه رحمه الله قصور لنص المدونة في النكاح الأول أن قيمته يوم الحكم.
قلت: وقول ابن الحاجب وانفرد المغيرة بيوم الولادة قصور أيضا إذ هو قول أشهب ذكره ابن رشد عنهما في أول مسألة من رسم الكراء من سماع أصبغ من كتاب النكاح.
واختلف هل يقوم بماله فذكر عن مالك أنه يقوم بماله وقيل: بدونه قاله غير واحد.
وأخذه المازري وعياض من قول المدونة إذا كان الأب عديما أنها تؤخذ من الولد؛ لأنه لا يستحيل أن يكون في ماله خاصة مقدار قيمة نفسه مع ماله وإلا لزم أن يكون الجزء مساويا للكل.
قلت: ورده بعض شيوخنا باحتمال أن يكون طرأ له مال بعد العتق وقبل الدفع أو قوماه تقويما إجماليا على أن له مالا؛ لأن مال العبد تبع له فلا تشترط معرفته حقيقة،
ونقلت هذين الوجهين من درس شيخنا أبي مهدي رحمه الله تعالى فاعترض الوجه الثاني بأن تقويمه على طريق الإجمال دون بيان جهل ويفسخ إن وقع إذ فيه الضرر على المستحق وأجبته بأن أصول المذهب تدل على ما قال، وذلك أن العبد إذا كان بيده مال عين يصح أن يشتري بها ولولا أنه تبع لما جاز.
وقد قال في كتاب الخيار في المدونة ولو تلف مال العبد في عهدة الثلاث، وقد بيع به لم يكن للمبتاع رد العبد فلم يقبله واشتهر الخلاف في مقدار صداقها هل هو صداق المثل أو المسمى أو الأكثر منها أو الأقل منهما أو ربع دينار خاصة قاله ابن أبي حازم.
(ومن استحق أمة قد ولدت قيمتها وقيمة الولد يوم الحكم وقيل: يأخذها وقيمة الولد وقيل: له قيمتها فقط إلا أن يختار الثمن فيأخذ من الغاصب الذي باعها، ولو كانت بيد غاصب فعليه الحد وولده رقيق معها لربها):
اعلم ان هذه المسألة إحدى المسائل التي ذكر في الرسالة أن فيها ثلاثة أقوال وثانيتها: من ترك الفاتحة من ركعة وثالثتها: هل يتيمم لكل صلاة أم لا؟ رابعها: في تغليظ الدية على الأب إذا ضرب ابنه بحديدة وخامستها: في كفن الزوجة هل هو على الزوجة أم لا؟ وسادستها: في تقديم الظهر وتأخيرها والقول الأول قاله مالك وبه أخذ المصريون من أصحابه مع مطرف قاله ابن حبيب في واضحته.
والقول الثاني أيضا قاله مالك من رواية ابن القاسم في الموازية قال أشهب: وعليه جماعة الناس وهو قول علي رضي الله عنه قاله في المجموعة والقول الثالث قاله ابن دينار وابن الماجشون وابن كنانة وابن أبي حازم وعبد العزيز وغيرهم قاله اللخمي، والمازري، وبه أفتى مالك لما استحقت أم ولده إبراهيم وقال عياض: في الغصب لما استحقت أم ولده محمد ومثله لابن رشد.
قال خليل: والصواب قول ابن القاسم في كتاب القسم من المدونة بعد أن ذكر القولين الأولين عن مالك ولو رضي المستحق بأخذ قيمتها وقيمة ولدها لم يكن للذي أولدها أن يأبى ذلك ويجبر حينئذ في قولي مالك جميعا على غرم قيمتها وقيمة ولدها يوم الاستحقاق.
وقال المازري: أشار أشهب إلى بقاء قول مالك مع رضا المستحق بأخذ القيمة ولو لم تحمل لكان له أخذها وليس له ما نقصها بسبب الوطء قاله مالك في المدونة خلافا لسحنون في قوله له ما نقصها الوطء محتجا باستحقاق الثوب بعد لبسه وإذا رد
الأمة فإنه يرد النقص وجواب ذلك معلوم ومحله المدونة وفي المدونة: من ابتاع أمة فوطئها وهي بكر أو ثيب ثم استحقت بحرية فلا شيء عليه لوطئه لا صداق ولا ما نقصها.
وقال المغيرة: لها صداق مثلها قال اللخمي وهو أبين.
وعزا ابن عبد السلام القولين للمدونة اعترضه بعض شيوخنا بأن قول المغيرة ليس فيها وأقام ابن سهل من قولها أن من ورث شيئا واغتله ثم استحق بحبس أنه لا يرد شيئا وبمثل هذه الإقامة.
قال ابن القاسم في العتبية: لأن المستحق منخ كان ضامنا للثمن الذي دفع عند عدم البائع.
وقيل: إنه يرد الغلة؛ لأن ما اشتراه لو تلف رجع بالثمن وهو ظاهر مذهب ابن القاسم في المدونة؛ لأنه على الغلة بالضمان وبالأول جرى العمل.
(ومستحق الأرض بعد أن عمرت يدفع قيمة العمارة قائمة فإن أبى دفع إليه المشتري قيمة البقعة براحا وإن أبيا كانا شريكين بقيمة ما لكل واحد):
ما ذكر أنه يرجع على المستحق بقيمة العمارة هو قول ابن نافع ولا يتلفت إلى ما أنفق سواء كان البناء قليلا أو كثيرا جيدا أو رديئا، وقيل: يرجع بما أنفق فيهما فيما عمل من عمل البناء فأما بنيان الأمراء فلا أدري ما هو قاله مالك.
قال ابن رشد: تضعيفه أن يكون له رجوع فيما بنى من بنيان الأمراء صحيح؛ لأنه أتلف ماله فيما لا يسوغ له من السرف المنهي عنه.
وفي كون المعتبر من القيمة يوم بنائه، وهو الأقرب أو يوم الحكم قولان، وما ذكر الشيخ من أنهما إذا أبيا كانا شريكين هو المشهور، وروي عن مالك إن أبى المستحق من دفع قيمة العمارة جبر الباني والغرس على دفع قيمة الأرض؛ لأنه قد فوتها به حكاه المازري قال أبو محمد صالح: ولو استحقت هذه الأرض بعد أن عمرت فإنها حبس على المساكين فإنه يأخذ قيمة بنائه وشجره مقلوعا كما يفعل بالغاصب؛ لأنه يقال له: اقلع متاعك وليس للمساكين مال يعطونه لك وتأخذ قيمته قائما، ولا يجري بينكما من التخيير ما جرى فيمن استحق أرضا بعد أن عمرت لأنا إنا أجريناه بينكما أدى ذلك إلى بيع الحبس وما ذكره قبله غير واحد كالفاكهاني.
(والغاصب يؤمر بقلع بنائه وشجره وزرعه، وإن شاء أعطاه ربها قيمة ذلك النقض والشجر ملقى بعد قيمة أجر من يقلع ذلك):
قد تقدم حد ابن الحاجب للغصب حيث ترجم عليه الشيخ، وما ذكر من أن
الغاصب إنما يعطي قيمته منقوضا هو كذلك باتفاق إذ لا شبهة له وعكسه المشتري وهو إذا استحق من يده ربع بعد أن بنى فيه له قيمته قائما اتفاقا؛ لأنه دخل على التأبيد بوجه جائز.
واختلف في المكتري والمستعير ومن بنى في أرض زوجته فألحقهم ابن القاسم بالغصب وألحقهم ابن الماجشون ومطرف وابن حبيب بالمشتري ونص في المدونة على أن المشتري إذا أخذ بالشفعة من يده فإنه يأخذه قيمة ما بنى قائما فأخذ بعض شيوخنا بعمومه، وأفتى به، وكذلك شيخنا أبو مهدي وأكثر فتواه على حملها إذا لم يعلم المشتري بالشفيع فأما إن علم فله قيمته منقوضا.
وما ذكر الشيخ من إسقاط مقدار القلع من القيمة مثله لابن المواز وابن شعبان وقيده ابن رشد بما إذا كان الغاصب ممن لا يتولى ذلك بنفسه ولا بعبده وقيل: إنه لا يحط منه أجر القلع وتؤول على المدونة وإليه ذهب ابن دحون واعتل بذلك بأن الغاصب لو هدمه لم يكن للمغصوب منه أن يأخذه بالقيمة بعد هدمه وكذلك أنكر ابن سهل كلام ابن المواز وأعتقد أن قيمة البناء مقلوعا تستلزم طرح أجرة القلع فلا ينبغي أن يسقط مرة أخرى.
قال خليل: وليس بالبين فإن تقويم البناء مقلوعا أعم من كل واحد من وجهين طرح أجرة القعل وعدم طرحه والأعم لا يستلزم الأخص.
قال ابن الجلاب: ومن غصب أرضا وزرعه ثم أدركها ربها في إبان الزراعة كان بالخيار بين ترك الزرع فيها وأخذ كراء مثله من غاصبها وبين قلع الزرع منها.
وأما إن أدركها وقد فات وقت إبان زراعتها ففيها روايتان أحدهما كما ذكرناه آنفا والرواية الأخرى أنه ليس له قلع الزرع منها وله أجرة مثلها.
قال المغربي في كتاب كراء الدور والأرضين انظر قول الشيخ في الرسالة والغاصب يؤمر بقلع بنائه وسكت عن الزرع فاختلف الشيوخ ولم يسكت هل لقلعه على القول بالقلع أو للتفصيل فيه بين قبل الإبان وبعده وهل فيه نفع لزارع أم لا؟ وهو إنما قصد الاختصار أو لأنه لم يبينه في المدونة فأعرض عنه الشيخ وهذا التأويل الأخير بعيد والأول أولى.
(ولا شيء عليه فيما لا قيمة له بعد القلع والهدم):
مثل هذا في المدونة قال فيها: وكل ما لا منفعة فيه للغصب بعد قلعه كالجص والنقش فلا شيء له فيه يريد وإذا أزاله فإنه يغرم قيمته.
وقال غير واحد ممن لقيناهم: وهو جلي واضح، قال المغربي: وأقاموا منها أن من استحق أرضا بعد أن زرعها للغاصب ولا منفعة له في الزرع أنه لربها فلا شيء عليه.
قلت ونقله الفاكهاني نصا عن ابن القاسم في المدونة بأثر ما ذكرناه وكذلك ما حفره من بئر أو مطمرة فلا شيء له في ذلك وقيدها غير واحد من الشيوخ بما إذا لم يطوها بالأجر، وأما لو طواها به لكانت كالبناء.
وقال سحنون في كتاب ابنه متمما للمدونة ولرب الأرض أن يكلفه بردها.
(ويرد الغاصب الغلة ولا يردها غير الغاصب والول في الحيوان وفي الأمة إذا كانت الولد من غير السيد يأخذه المستحق للأمهات من يد مبتاع أو غيره):
قد تقدم ما في غلة الغاصب من الخلاف وإنما كان غير الغاصب لا يرد الغلة؛ لأنه إنما وضع يده بوجه شبهة.
(ومن غصب أمة ثم وطئها فولده رقيق وعليه الحد):
قال الفاكهاني: وهذه المسألة ثابتة في روايتنا وهي ساقطة من بعض النسخ.
قلت: وإنما كان ولده رقيقا؛ لأنه لا شبهة له، ولذا يحد وهذا إذا قامت البينة أو
كان إقرار بغصبها قبل الوطء وأما إن لم يكن إلا مجرد إقراره الآن بأن وطئ عالما فإنه يحد لأجل إقراره على نفسه بالزنا ويلحق به الولد لحق الله تعالى وحق الولد في ثبوت النسب، وهي إحدى المسائل التي يجتمع فيها الحد، وثبوت النسب وإليه النظر في نظائرها والقانون المذكور فيها.
قال ابن رشد: ويجب على الغاصب رد المغصوب بعينه إن كان قائما وإلا فمثله إن كان مثليا وظاهره ولو كان عينا، وفي الجلاب ولو امتنع غاصب عين من ردها وأراد أن يرد مثلها فقال ابن القاسم: يجبر ربها على ذلك وقال الأبهري: لا يجبر لخبث كسب الغاصب، وقيل: وقول ابن القاسم إنما أخذه له من البيع.
قلت: وقول الأبهري هو الصواب وأقام بعض شيوخنا من قول ابن القاسم: لو خلط زيتا بمثله وأراد أن يدفع مثله من غير أن ذلك له وعزاه المازري للشافعي ونقل رحمه الله عن أشهب أن لربه الأخذ منه وإن كره الغاصب ومن غصب غزلا ونسجه فإنه تلزمه القيمة.
وقيل: المثل والأول لابن القاسم والثاني لغيره وهما في أول المسألة من تضمين الصناع من المدونة والمراد بالغير أشهب إذ هو معزوله في الموازنة نقله الباجي إلا أنه لما ذكر القولين وعزاهما لابن القاسم، وأشهب، أخبر أن عزوه لهما نقله من الموازية وهو قصور إذ هما في المدونة كما سبق وتقدم اختلاف المذهب إذ مر على المغصوب وقت قيمته أرفع هل يلزم ذلك أم لا؟ واحتج عبد الملك بن الماجشون بقوله بأرفع القيم بأن على الغاصب أن يرد ما غصب في كل وقت فالوقت الذي كانت فيه أرفع القيم بقدر كأنه غصبه حينئذ وقبله غير واحد كاللخمي ويرد بأن لابن القاسم أن يمنع أن الدوام كالإنشاء، وأجرى اللخمي على القول بأرفع القيم إذ غصبه طعاما في شدة ثم قدر عليه في زمان الرخاء أنه يلزمه مقدار قيمته في زمان الغلاء؛ لأنه عطل عليه أسواقه، وفي العتبية عن مالك فيمن انتهب صرة وناس ينظرون إليه فطرحها في متلفة وادعى كذا وأكذبه ربها أن القول قول الغاصب وإن لم يفتحها.
وقال ابن كنانة وغيره: إن القول قول ربها إذا أشبه، ونص في المدونة والعتبية على وجوب اليمين على الغاصب إذا اختلفا في العدد.
قال خليل: ولم أر في الأمهات وجوبه إذا ادعى تلفا لكن نص فيها في الشيء المستحق إذا كان مما يغاب عليه إنه يحلف إذا ادعى المشتري تلفه وكذلك في رهن ما يغاب عليه ولا يمكن أن يكون الغاصب أسوأ حالا منها.
وقد نص ابن عبد السلام على وجوب اليمين هنا في التلف.
(وإصلاح السفل على صاحب السفل والخشب للسقف عليه وتعليق الغرف عليه إذا وهي السفل وهدم حتى يصلح):
ما ذكر الشيخ من أن على صاحب السفل الخشب للسقف مثله في المدونة وهو سماع ابن القاسم.
قال ابن رشد: ولا خلاف فيه وما ذكر من أن التعليق عليه هو أحد قولي أبي عمران وعن ابن القاسم أنه على صاحب الأعلى.
وقال ابن شعبان: إلا أن يهدمه من غير حاجة فيكون على صاحب الأسفل نقله عنه ابن يونس فقال بعض شيوخنا ظاهره جواز هدمه من غير حاجة.
وفي كتاب ابن سحنون عن أشهب وسحنون ليس له هدمه إلا من ضرورة وإن كانت فيه فضلة لصاحب العلو تسقط في مرحاض صاحب السفل فقيل: على السفل قاله أشهب وقيل: عليهما على عدد الجماجم قاله ابن وهب، وأصبغ، وكذلك اختلف المذهب في كنس كنيف الدار المكتراه هل هوعلى رب الدار أو على المكتري.
وفي المدونة: ومن اكترى دارا أو حماما واشترط كنيس المراحيض وغسالة الحمام على المكتري جاز؛ لأنه معروف وجهه وفيه أيضا من اكترى دارا فعلى ربها مرمتها، وكنس المراحيض، فظاهر لفظها الأول أن الكنس على المكتري وظاهر لفظها الثاني أنه على المكري فحمل ابن رشد ذلك على التناقض وحمله ابن يونس وعبد الحق عن بعض القرويين على أنهما يرجعان إلى قول واحد ومعنى اللفظ الأول أراد به الحادث في المستقبل ومعنى الثان أراد به ما كان قديما.
ومعنى قول الشيخ وهي ضعف وقوله وهدم قال بعض شيوخنا: قارب أن يهدم وهو الأقرب.
وقال الفاكهاني: يحمل أن يكون على بابه وهو ظاهر المدونة.
(ويجبر على أن يصلح أو يبيع ممن يصلح):
ما ذكر الشيخ مثله في المدونة وزاد فيها فإن باعه ممن يبنيه فامتنع أجبر المبتاع على أن يبنيه أو يبيع ممن يبني، وقيل: إنما يجوز البيع بشرط الإصلاح إن كان البائع لا مال له وإلا لم يجز على الإصلاح نقله ابن سحنون عن سحنون.
قال ابن القصار: ويجبر مطلقا إلا أن يختار رب العلو بناءه من ماله ويمنع رب السفل من النفع به حتى يعطيه ما أنفق، نقله اللخمي عنه واختار أن يجبر رب السفل
في بنائه أو بيعه ممن يبني أو يمكن رب العلو من بنائه إن رضي على أن يشتركا فيه بقيمة كراء القاعة وقيمة كراء البناء إلا أن يعطيه بعد ذلك قيمة البناء قائما يوم يأخذه.
وسمع ابن القاسم في كتاب الأقضية من له حائط وهو سترة على جاره ليس له هدمه إلا لوجه يعلم أنه لم يقصد به الضرر، واختلف إذا انهدم على أربعة أقوال: فقيل: إن سقط بسماوي أو بهدم لخوف سقوطه لم يلزمه بناؤه وإن هدمه ليجدده أو لمنفعته أجبر عل بنائه إن كان له مال وإلا فلا وإن هدمه ضرر ألزمه بناؤه إن كان له مال، وإن لم يكن له مال بيع ممن يبنيه قاله ابن القاسم.
وقيل: يجبر مطلقا كالحائط بين الشريكين قاله مطرف وابن الماجشون وهو ظاهر قول سحنون، وقيل: كذلك إلا أنه إن لم يكن له مال بيع من داره ما يبني به فإن كانت بيده صدقة أو عمرى فلصاحبه بناؤه وأتبع به دينا في ذمته قاله ابن الماجشون، وقيل: لا يلزمه شيء بكل حال وهو قول أصبغ وروايته وكل هذه الأقوال ذكرها ابن رشد، ومن أراد أن ينظر حائطه من دار جاره ليس له منعه أن يدخل داره فلينظره، وكذلك لو قلعت الريح ثوب رجل فألقته في دار لم يكن لصاحب الدار منعه أن يدخل فيأخذه أو يخرجه له قاله سحنون.
(ولا ضرر ولا ضرار):
هذا حديث ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال عياض: واختلف في معناه، فقيل: هما بمعنى واحد على طريق التأكيد، وقيل: بمعنيين أي لا يلزم لا ضرر من لم يقصد فاعله ولا ضرار الذي قصده وأتاه عمدا.
وقال الفاكهاني: قيل: هو على التأكيد وقيل: هي ألفاظ مترادفة والذي عندي فيه أن معنى لا ضرر استبداد أحدهما بالضرر ومعنى لا ضرار اشتراكهما في الضرر لأن الضرار مصدر ضارر على وزن فاعل مثل قاتل وخاصم، وهو لا يكون إلا من اثنين فيكون المعنى على النهي على أن لا يضر أحدهما نفسه دون صاحبه أو يضر كل واحد منهما الآخر، هذا أولى من التاكيد والترادف الذي الأصل عدمه فأشار بقوله آخرا أن ذكر الخلاف أولا إنما هو اختلاف عبارة لا حقيقة والله أعلم.
وذكر هذا الحديث ليبني عليه ما يقوله يليه، وقد احتج به في المدونة في النكاح حيث قال: ولا يكون الأب عاضلا لابنته البكرالبالغ في رده أول خاطب أو خاطبين
حتى يتبين ضرره فإذا تبين قال له الإمام: إما أن تزوج وإلا زوجناها عليك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ضرر ولا ضرار".
وفي القسمة أيضا في قوله: وأنا أرى أن ما لا ينقسم إلا بضرر، ولا يكون فيما يقسم منه منتفع من دار أو أرض أو حمام فإنه لا ينقسم ويباع فيقسم ثمنه لقوله النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر، ولا ضرار".
(فلا يفعل ما يضر بجاره من فتح كوة قريبة يكشف جاره منها أو فتح باب قبالة بابه أو حفر ما يضر بجاره في حفره وإن كان في ملكه):
ما ذكر من أنه لا يفتح كوة تضر بجاره هو المشهور.
وقال ابن رشد وسند قول أشهب وابن الماجشون ومحمد بن مسلمة ومحمد بن صدقة من أصحاب مالك أنه لا يمنع ويقال لجاره استر على نفسك إن شئت.
قلت: وقوله إن شئت فيه تجوز بل هو الواجب ونبه عليه بعض شيوخنا وظاهر كلام الشيخ: وإن كان يشرف منها على بستان جاره أنه يمنع وهو أحد نقلي ابن الحاج في نوازله، قال: ولا خلاف أن له أن يطلع على المزارع.
وظاهر كلام الشيخ أن فتح الباب الذي لم يقابل جائز وإن كانت السكة غير نافذة ولا يفتقر إلى إذن وهو كذلك عن ابن القاسم في المدونة وعند ابن وهب في العتبية إلا أنهما جعلا ما يقارب كالمقابل.
وقال ابن زرب يمنع مطلقا إلا بإذن جميع أهل الزقاق وبه جرى العمل بقرطبة وعليه العمل عندنا بإفريقية أيضا.
وقيل: له تحويل بابه بحيث لا يضر لقربه سد الأول، وأما فتح باب آخر فلا وهو ظاهر قول أشهب، وأما السكة النافذة، فقيل: يفتح بابا أو حانوتا قبالة باب جاره قاله ابن القاسم في المدونة في كتاب القسمة، وبه قال أشهب.
وقيل: يمنع إلا أن ينكب عن ذلك قاله سحنون.
وقيل: إن كانت السكة واسعة جاز وإلا فلا قاله ابن وهب والسكة الواسعة سبعة أذرع فاكثر وما ذكر الشيخ في الحفر هو قول المدونة.
وقيل: إنه جائز قاله ابن كنانة، وقيل: إن استفرغ ماء بئر جاره منع وإلا فلا، وهو في سماع أشهب وابن نافع، وقيل: إن وجد بدا من احتفاره ولم يضطر إليه منع وإلا فلا قاله أشهب، وهذه الفروع الثلاثة من كلام ابن رشد.
(ويقضي بالحائط لمن إليه القمط والعقود):
يريد وكذلك الطاقات إذا لم تكن نافذة وكانت من جهة أحدهما خاصة قضي بالحائظ لمن تلك الطاقات في جانبه، وروي أن حذيفة اليماني بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم لينظر في معاقد الحيطان فقضى به وفي سنده وهم قال عبد الحق: وهو متروك الحديث، والقمط هو الخشب الذي يكون بين البنيان وهل يلزم اليمين صاحب القمط أم لا؟ في هذا الأصل خلاف وتقدمت نظائرها في اللقطة فأغنى عن إعادتها.
(ولا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ):
هو في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى الحديث لا يمنع أحدكم فضل مائة ليسلم له الكلأ لأن الدواب إذا لم تشرب لم تأكل شيئا قال بعضهم: فهو من سد الذرائع قال ابن القاسم في حريم البئر من المدونة وذلك في الصحاري، وأما الفلاة والأرض المحروثة فللرجل منع كلائه عند مالك إن احتاج إليه وإلا فليخل بين الناس وبينه، وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم: رجل يحلف على سلعته لقد أعطى فيها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل حلف يمينا بعد العصر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، ورجل منع فضل ماء فيقول الله يوم القيامة: أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمله يداك".
قال الفاكهاني: قال أهل اللغة: الكلأ: العشب، قال في الصحاح: وسواء كانت رطبة أو يابسة ورأيت لبعض الفقهاء أن الكلأ يختص بالرطب من الربيع، ولم أدر من أين يأخذه والكلأ رويناه بالقصر ولا أعلم فيه خلافا.
(وأهل آبار الماشية أحق بها حتى يسقوا ثم الناس فيها سواء):
واختلف هل تورث بئر الماشية أم لا؟ فالأكثر على أن ورثة من حفرها تتنزل منزلته في الانتفاع.
وقال ابن الماجشون: لا حظ فيها للزوجين وفي المجموعة لا تورث ولا توهب ولا تباع وإن احتاج قال الباجي: يريد بقوله: لا تورث على ملك المالك.
وقال ابن الماجشون: إن كانت لهم سنة يعني الورثة من تقديم ذي المال الكثير أو قوم على قوم أو كبير على صغير حملوا عليه وإلا اقترعوا عليه.