باب في صلاة السفر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- التنوخي، ابن ناجي
- الكتاب
- شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني
- المؤلف
- قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيرواني (المتوفى: 837هـ)أعتنى به: أحمد فريد المزيدي
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
السفر على خمسة أقسام: واجب كسفر الحج والجهاد العينين ومندوب إليه كالسفر لهما إذا لم يتعينا، ومباح كسفره لطبل الأ رباح ولا خلاف أنه يقصر في جميعها، ومكروه كالصيد للهو على المشهور خلافا لابن عبد الحكم ونحوه لليث بن سعد، وحرام كسفره لقطع الطريق وسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى.
(ومن سافر مسافة أربعة برد وهي ثمانية وأربعون ميلا فعليه أن يقصر الصلاة):
ظاهر كلام الشيخ سواء كان سفره سفر معصية أم لا وهو قول مالك من رواية زياد بن عبد الرحمن، والمشهور أن العاصي لا يقصر وفي المدونة لا يقصر من سافر للهو ويقصر على أصل ابن عبد الحكم القائل بجوازه كما تقدم، ولما ذكره اب الحاجب أنه لا يترخص المعاصي على الأصح قاله، وكذلك المكروه كصيد اللهو وظاهره أن الأصح تحريم القصد له كالعاصي، والصواب عندي أنه يستحب له أن لا يقصر فإن قصر فلا شيء عليه، وعليه تحمل المدونة ولا يبعد أن يكون هو مراد ابن
الحاجب وأن العطف إنما وقع في كونه لا يقصر، وذلك أعم من التحريم والكراهة.
وظاهر كلام الشيخ أن القصر فرض وهو قول القاضي اسماعيل وسحنون وابن الجهم قائلا ورواه أشهب وعمر وابن رشد فهمه من رواية أشهب، ولولا الإطالة لذكرناه، وقيل القصر سنة رواه ابن خويز منداد وأبو مصعب، وقال عياض في الإكمال هو المشهور من مذهب مالك وأكثر أصحابه وأكثر العلماء من السلف والخلف، وقيل مستحب وقيل مباح وعزه عياض لعامة أصحابنا البغداديين وعزا الاستحباب للأبهري.
وما ذكره الشيخ من أن المعتبر في المسافة ثمانية وأربعون ميلا هو المشهور وسمع أشهب خمسة وأربعين ميلا وروى أبو قرة اثنان وأربعون ميلا، وفي المبسوط أربعون ونقل ابن عطية عن المذهب قولين آخرين وهما ثلاثون وستة وثلاثون ذكر ذلك عند تكلمه على معنى قوله تبارك وتعالى (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) [البقرة: 184].
وروي عن مالك اعتبار مسافة يومين، وروي يوم وليلة، وفي المبسوط في البحر يوم فذكر المازري أنه رد الثالث للثاني لأن حركة البحر أسرع والثاني للأول لأن الليلة بدل اليوم الثاني، والكل للأول المشهور وهو ثمانية وأربعون ميلا لأنه السير المعتاد، وقال عياض حمل الأكثرون ذلك على الخلاف والميل ألفا ذراع قاله ابن حبيب، وقال ابن عبد البر الأصح ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع.
(ولا يقصر حتى يجاوز بيوت المصر وتصير خلفه ليس بين يديه ولا بحذائه منها شيء):
ظاهر كلامه سواء كان الموضع موضع جمعة أم لا وهو كذلك في القول المشهور، وقيل إن كان الموضع موضع جمعة فلا يقصر حتى يجاوز ثلاثة أميال قاله مطرف وابن الماجشون، قال ابن عبد السلام: وله حظ في النظر لأن حقيقة السفر واحدة فالمسقط للجمعة وهو سبب القصر فكما أن ما دون ثلاثة أميال لا يسقط الجمعة فكذلك لا أثر له هنا، قلت وعزا الباجي والمازري هذا القول لرواية مطرف وابن الماجشون لا لقولهما وحمله ابن رشد على التفسير والأكثرون على الخلاف، وقيل باعتبار ثلاثة أميال سواء كان الموضع موضع جمعة أم لا نقله القاضي سند عن مالك وهو ظاهر كلام ابن الحاجب، فإن قلت إنما حكاه ابن الجلاب بلفظ قد قيل ولم يعزه لمالك فلعله لغيره.
قلت كل ما في ابن الجلاب هو لمالك حتى ينص عليه أنه لغيره ذكر هذا ابن عبد السلام عند تكلمه على قول ابن الحاجب في النكاح وزيد البخر والإفضاء، وانظر إذا فرعنا على المشهور فهل الثلاثة الأميال محسوبة من الثمانية والأربعين ميلا كما هو ظاهر كلامهم أو لا تحسب لأجل أنه لما حكم بأنه يتم فيها فكأنها وطنه لم أر في ذلك نصا، وهي أول مسألة استشكلها في صغرى فلم يجيبني عنه من سألته حينئذ قائلا لا أدري وهو الشيخ أبو محمد الشبيبي رحمه الله تعالى، واختار واحد ممن لقيته بعد أنها تحسب والصواب عندي أنها لا تحسب.
(ثم لا يتم حتى يرجع إليها أو يقاربها بأقل من الميل):
ما ذكر الشيخ نحوه في المدونة ولم يرتضه ابن عبد السلام قائلا إذ لا فرق بين الخروج والرجوع قال والأولى قول ابن الحاجب والقصر إليه كالقصر منه وقول المجموعة لا يزال يقصر حتى يدخل منزله يرجع إليه.
(وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع أو ما يصلي فيه عشرين صلاة أتم الصلاة حتى يظعن من مكانه ذلك):
قد قدمنا غير مرة أن الشيخ إذا أتى في كلامه بأو أراد أن المسألة ذات قولين، والقول بأن المعتبر إقامة أربعة أيام هو نص المدونة وهو المشهور، والقول باعتبارعشر ين صلاة هو لسحنون وابن الماجشون ولا يقال إن القولين بمعنى واحد، لأنه إذا نوى الإقامة مثلا قبل طلوع الشمس؛ فإن هذا اليوم ملغي على الأول ومعتبر على الثاني وقال ابن نافع يعتد به إلى مثل وقته، ولهذه المسألة نظائر المعتدة والعهدة الكبرى والصغرى وبيع الخيار والعقيقة والكراء والحالف لا أكلم فلانا عشرة أيام مثلا وتلومات القاضي، والصواب أن تلومات القاضي مما يرجع فيها إلى نظره، وإليه كان يذهب بعض من لقيته ممن تولى قضاء الجماعة بتونس حرسها الله تعالى.
وأقام المغربي قولا من المدونة أن من دخل بلدة وهو مريض وهي ليست ببلده ونوى أن يقيم فيها أربعة أيام فأكثر وفيها تحبيس على المرضى بها فإنها يدخل معهم في ذلك قال، ونص على ذلك ابن سهل وابن العطار، وقال فضل يدخل معهم عند قدومه وإن لم ينو إقامة، وانظر ما في وصايا اللخمي فيمن أوصى لجيرانه أن من سكن قبل القسمة ولو بيوم دخل في القسمة ولا شيء لمن رحل، قلت وكان بعض من لقيته يمنع دخوله، وهو الأقرب لأن من يوقف شيئا على من ذكر فإن الغالب عليه أنه إنما يريد
من سكنها ناويا على التأبيد والله أعلم.
(ومن خرج ولم يصل الظهر والعصر وقد بقي من النهار قدر ثلاث ركعات صلاها سفريتين فإن بقي قدر ما يصلي في ركعتين أو ركعة صلى الظهر حضرية والعصر سفرية):
ما ذكر الشيخ أنه من سافر لقدر ثلاث ركعات أنه يصلي الظهر والعصر سفريتين هو كذلك باتفاق إذا كان ناسيا ولهما واختلف إذا تعمد تركهما والمنصوص كذلك، وألزم الشيخ أبو الحسن اللخمي القائل بأن الصلاة لا تسقط عن متعمد التأخير من أصحاب الأعذار إلا بقدر كل صلاة عدم قصر المسافر حينئذن وظاهر كلام ابن الحاجب أن الخلاف فيه بالنص ولم أقف عليه وذلك أنه لما ذكر عن اللخمي أن من أخر الصلاة عمدا حتى بقي من الوقت قدرها، فإنه مأثوم إجماعا، فذكر كلاما بعده زاد عليه، ثم قال ويلزم أن لا يقصر المسافر ولا يتم القادم إلا مع ذلك وفيه خلاف فتدبر كلامه ولولا الإطلالة لذكرناه.
(ولو دخل خمس ركعات ناسيا لهما صلاهما حضريتين فإن كان بقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة صلى الظهر سفرية والعصر حضرية وإن قدم في ليل وقد بقي للفجر ركعة فأكثر ولم يكن يصلي المغرب والعشاء صلى المغرب ثلاثا والعشاء حضرية):
اعلم أن قوله ناسيا طردي بل وكذلك العامد وتقدم نقل ابن الحاجب الخلاف في ذلك.
(ولو خرج وقد بقي من الليل ركعة فأكثر صلى المغرب ثم صلى العشاء سفرية):
اعلم أنه إذا سافر لأربع ركعات قبل الفجر فإنه يقصر العشاء وإن سافر لأقل فالرواية كذلك، وروى ابن الجلاب يتم ولو قدم لأربع قبل الفجر أتم ولأقل فإنه يقصر وخرج ابن الجلاب إتمامه.