باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- التنوخي، ابن ناجي
- الكتاب
- شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني
- المؤلف
- قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيرواني (المتوفى: 837هـ)أعتنى به: أحمد فريد المزيدي
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
النكاح فلو جعل الإخراج من الثلث علة الفساد للزم الدور.
قلت: وهذه المسألة إحدى ممحوات المدونة الأربع وثانيها في الضحايا وثالثها في الإيمان والنذور ورابعها في السرقة وأمره بالمحو مبالغة في طرحه لظهور الصواب في القول المرجوع إليه، ووقعت المسامحة في بقائه مكتوبا لأنه يصح أن يذهب إليه المجتهد يوماً ما وهذا هو الموجب لتعدد الأقوال التي يرجع المجتهد عنها ونبه على هذا ابن عبد السلام.
(وإن بنى بها فلها الصداق في الثلث مبدأ ولا ميراث لها):
ظاهر كلام الشيخ أن لها المسمى وإن كان أكثر من صداق المثل وهو قول ابن عبد الملك قائلاً: لأنه بالتسمية أصابها وكذلك رواه ابن نافع وأشهب قال سحنون: وهو خير من قول ابن القاسم من قول لها صداق المثل ولا يعجبني وفي ثاني نكاح المدونة إن دخل بها فمهرها في ثلثه وزاد في الأيمان بالطلاق وإن زاد على مهر مثلها سقط ما زاده، ففسرها أبو عمران بالأقل منهما فيتحصل في ذلك ثلاثة أقوال ثالثها: لها الأقل من صداق المثل والمسمى وما ذكر الشيخ أنه في الثلث وهو المشهور واحد الأقوال الثلاثة وقيل يكون من رأس ماله نقله القابسي عن المغيرة، وقيل أما ربع دينار فمن رأس المال قاله القابسي.
قال عبد الحق: وهو الذي حفظت من شيوخنا وهو حسن إذ لا يستباح بضع بأقل منه وكالسيد يفسخ نكاح عبده بعد بنائه يترك لزوجته ربع دينار، وقال أبو عمران: لا أدري من أين نقل القابسي عن المغيرة ما ذكر والذي رأيته في كتاب المغيرة أنه من الثلث قال خليل: ولا يلزم القابسي ما ذكره أبو عمران لاحتمال أن ينقل عنه بواسطة دون كتاب ونقل عبد الحق عن ابن حبيب أنه يدخل فيما لم يعلم به.
(ولو طلق المريض امرأته لزمه ذلك وكان لها الميراث منه إن مات في مرضه ذلك):
تكلم رحمه الله على الوجه المشكل وهو إذا طلقها ثلاثا وأخرى إذا طلقها أقل من ذلك أنها ترثه وعمدة أهل المذهب في إرثها قضاء عثمان لامرأة عبد الرحمن بن عوف وهو المروي عن عمر وعائشة رضي الله عنهما قال ابن عبد البر: لا أعلم لهم مخالفا من الصحابة إلا عبد الله بن الزبير وجمهور علماء المسلمين على ما روي عن الصحابة وقالت طائفة منهم بقول ابن الزبير.
قال ابن عبد السلام: وهو القياس لأن الزوجية أمر نسبي لا تعقل إلا بين اثنين
فلو صحت من جانب المرأة لصحت من جانب الزوج فوجب إذا ورثته أن يرثها وأجمعوا على أنه لا يرثها فوجب أن لا ترثه إلى غير ذلك من اللوازم المنتفية، وظاهر كلام الشيخ: ولو كان الطلاق بخلع أو تخييرا وتمليكا وهو كذلك قاله في إرخاء الستور من المدونة قائلاً: لأن طلق في الصحة طلاقا رجعيا ثم مرض في العدة ولم يرتجعها، وخرجت من العدة ومات بعد فإنها لا ترثه وقيل: إنها ترثه حكاه ابن عبد البر في الكافي، واختلف إذا كان أوقع الطلاق في الصحة والحنث وقع منه في المرض ففي الأيمان بالطلاق من المدونة أنها ترثه.
وروي زياد بن جعفر أنها لا ترثه حكاه الباجي وعزا الأول لمشهور قول أصحابنا.
قال ابن عبد السلام: وما رواه زياد هو الصحيح عندي لانتفاء التهمة فيه من كل الوجوه ألا ترى أن اليمين وقعت في الصحة من الزوج والحنث وقع في المرض واختلف إذا طلق أمة أو ذمية فعتقت الأمة وأسلمت الذمية بعد العدة وقبل موته ففي إرثهما قولان لمحمد وابن الماجشون وعزاهما الباجي لابن القاسم وسحنون.
قال في المدونة: ومن ارتد في مرضه فقتل على ردته لم ترثه ورثته المسلمون ولا زوجته إذ لا يتهم أحد بالردة على منع الميراث، وظاهره وإن كان معروفا بالبغض لمن يرثه قال اللخمي: وإن راجع الإسلام بالقرب ثم مات في مرضه فإنها لا ترثه على قول ابن القاسم لأن ردته طلاق وترثه على قول عبد الملك أن إسلامه يوجب بقاءها زوجة دون طلاق.
قلت: قال بعض شيوخنا: الأظهر أن ترثه زوجته على قول ابن القاسم، أيضاً لأنه مطلق في المرض ورافع تهمة قتله والفرض نفيه لإسلامه.
وأجابه شيخنا أبو مهدي أيده الله بأنه إنما علل في الكتاب بأن نفس الردة تزيل التهمة لا أن قتله هو الموجب لرفع التهمة وإنما ذكر القتل في التصوير لا في التعليل واضطراب المذهب فيما إذا عاجله الموت على أربعة أقوال: فقيل: إنه لا يورث قاله في المدونة وعكسه نقله ابن شعبان وقيل بالأول إن لم يتهم قاله في المدونة وقيل إن ورثه بعيد ومن يعلم أن بينه وبينه عداوة حسن إرثه والثلاثة الأقوال حكاه اللخمي واختار الرابع.
(ومن طلق امرأته ثلاثا لم تحل له بملك ولا نكاح حتى تنكح زوجا غيره).
أتى رحمه الله بلفظ الآية في قوله تعالى (حتى تنكح زوجاً غيره) [البقرة: 230]
، واختلف هل المراد بالنكاح العقد مع الوطء أم العقد كاف فالمعروف هو الأول وصرح به الشيخ في باب ما يجب منه الوضوء والغسل وذهب سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير رضي الله عنهما إلى أن العقد كاف، وحكاه أبو عمران الفاسي عن أبي الحسن اللباد الفرضي البغدادي وأخذ الشيخ أبو الحسن المغربي مثله من قول أشهب في المدونة في النكاح الثالث.
وقال أشهب في كتاب الاستبراء: عقد النكاح تحريم للأمة كان يطؤها أم لا حكى قول أشهب هذا فيما إذا وطئ أمة بملك ثم تزوج أختها ويرد بأن قول أشهب في باب ما يحرم به الشيء ومسألتنا في باب ما يباح به الشيء وما يباح به الشيء أشد يدل عليه ما في باب الأيمان في قولهم يحنث بالأقل ولا يبرأ إلا بالجميع ونص على هذا المعني أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله مستدلا على قاعدة البر والحنث بالفرق بين المبتوتة فإنها لا تحل إلا بالوطء وبين ما نكح الآباء والأبناء فإن العقد فيه كاف ويكفي إيلاج الحشفة أو مثلها من مقطوعها.
وظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق في المحلل بين أن يكون مسلما أو ذميا لذمية، وهي رواية ابن شعبان وقاله علي بن زياد وأشهب.
والمشهور من المذهب أن وطء الذمي لا يحلها وليحيي بن يحيي الفرق بين
طلاق الذمي إياها فلا تحل لأن طلاقه ليس بطلاق وبين موته عنها فتحل ذكره المتيطي رحمه الله.
قال اللخمي: والصواب ما روى ابن شعبان لعموم قوله تعالى (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) [البقرة: 230].
ورده بعض شيوخنا بنفي العموم للفعل والنكره في غير نفي قال: ويجاب بأنهما في سياقه كقوله تعالى (إذا تداينتم بدين) [البقرة: 282]
قال مالك: هذا يجمع الدين كله واستشكل ويجاب بابه في سياق الشرط، ويشترط في الوطء الذي نحل به الانتشار في القول المشهور، وقيل: لا يشترط ذكره في الموازية قال بعض من لقيناه وانظر هل يتخرج هذا الخلاف في الغسل، ورجع الثاني وذكر أنه لم يقف على نص في ذلك وهو قصور لقول ابن شعبان إن أدخلت زوجة العنين ذكره في فرجها لزمها الغسل قال أبو محمد لا أعرف خلافه.
(وطلاق الثلاث في كلمة واحدة بدعة ويلزم إن وقع):
ما ذكر الشيخ من طلاق الثلاثة في كلمة واحدة بدعة هو مذهبنا، وقيل خارج المذهب، إنه من طلاق السنة متمسكا قائله بحديث اللعان ونصه: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها؛ فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره، وما ذكر الشيخ من أنه يلزمه هو المغروف وكذلك قال ابن رافع رأسه ومحمد بن مخلد من أئمة قرطبة ونص ابن مغيث، قال محمد بن ناصر ومحمد بن عبد السلام وهو فقيه عصره وابن زنباع وغيرهم بأنه تلزمه طلقة واحدة في ذلك أخذاه من مسائل متعددة من المدونة من ذلك قولها إذا تصدق الرجل بجميع ماله يلزمه منه الثلث.
وقد اختلف شيوخ القرويين في القائل الأيمان تلزمني، فقال أبو محمد ثلاثا، وقال أبو عمران وأبو بكر بن عبد الرحمن تلزمه طلقة واحدة إذا لم تكن له نية ونقل الشيخ أبو الحسن المغربي في كتاب الحج عن ابن سيرين أنه قال: ما ذبحت قط ديكا بيدي ولو وجدت من يرد المطلقة ثلاثا لذبحته بيدي، وهذا منه مبالغة وتغليظ في الزجر عن ذلك.
وكذلك سمعت بعض من لقيته من القرويين يذكر أن الإمام المازري قال: نصرهم ابن مغيث لا أغاثه الله على أن في دعائه عليه نظرا لأنه رحمة الله لم يذكر ما ذكره بالتشهي بل بما ظهر له من الاجتهاد فهو مأجور سواء أصاب أو أخطأ.
ويرد أخذه من مسألة المدونة في باب الأيمان أشد، وبيانه أنا لو أخرجنا عنه جميع ماله لأصابه الحرج والضيق الشديد ولا سيما إن كان ذا مال طائل وعيال كثير ولا صنعة له ووجود مثل زوجته وأحسن منها موجود في كل زمان بلا تكلف وكذلك مسألة الأيمان تلزمه يحتمل أن يكون الشيخان رأيا فيها أن القائل ذلك إنما يتناول لفظه لزوم الطلاق ظاهر إلا نصا فأشبه ما إذا قال: أنت طالق فإنه تلزمه طلقة واحدة لا ثلاث بخلاف مسألتنا فإنه صرح فيها بالطلاق ثلاثا والله أعلم.
وخرج أبو داود عن ابن عمر عن أنمر قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أبغض الحلال إلى الله الطلاق" وصرفه الخطابي لسوء العشرة لا للطلاق لإباحة الله له وفعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومحمل كونه أبغض فيكون أحل من الطلاق كقول مالك إلغاء البياض أحله وقبله المتيطي.
وحمله اللخمي على المرجوحية وقسمه إلى أربعة أقسام فقال: إذا كان الزوجان كل واحد منهما يقول بحق صاحبه استحب البقاء وكره الطلاق لحديث " أبعض الحلال إلى الله الطلاق" وإن كانت غير مؤدية حقه كان مباحا.
قلت: وذكر ابن رشد أنه مندوب إليه وإن كانت غير صينية في نفسها استحب الفراق إلا أن تتعلق بها نفسه.
قلت: وذكر ابن رشد أنه مباح قال وإن فسد ما بينهما، ولا يكاد يسلم دينه معها وجب الفراق.
قلت: وزاد ابن بشير حرمته أصلاً وهو إذا خيف من وقوعه ارتكاب كبيرة مثل أن يكون لأحدهما بالآخر علاقة إن فارقها خاف ارتكاب الزنا وهو عندي من حيث الجملة مكروه كما قال ابن عطية لأنه تبديل ينشأ في الإسلام، قال وروى أبو موسى الأشعري أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: " لا تطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات".
وروى أنس أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال " ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق".
(وطلاق السنة مباح وهو أن يطلقها في طهر لم يقربها فيه طلقة ثم لا يتبعها طلاقا حتى تنقضي العدة):
ذكر الشيخ رحمه الله لطلاق السنة أربعة قيود:
الأول: أن يطلقها في ظهر احترازاً من طلاقها في الحيض فإنه ممنوع للإجماع واختلف في علة المنع فقيل: لأنها لا تعتد بتلك الحيضة فيكون تطويلا عليها في العدة، وقيل: تعتد وعليهما الخلاف في طلاق غير المدخول بها وهي حائض وكذلك الحامل وسيأتيان، قال في المدونة: ولا تطلق التي رأت القصة البيضاء حتى تغتسل بالماء وإن كانت مسافرة فتيممت فلا بأس أن يطلقها بعد التيمم لجواز صلاتها به.
واعترض بأن النهي عن الطلاق في الحيض إنما هو لتطويل العدة وبنفس رؤيتها القصة البيضاء قد ارتفع عنها الحيض فليس فيه تطويل، ولذلك قال ابن عبد السلام: الظاهر للقول الثاني أنه يجوز أن يطلقها برؤية القصة ولو قلنا بالتعبد لانتفاء الحيض وتعذره.
القيد الثاني: كونه لم يطأ فيه، قال في المدونة: ويكره أن يطلقها في طهر جامع فيه.
واختلف في علة الكراهة على ثلاثة أقوال: فقيل للبس العدة عليها بماذا تكون لأنها لا تدري بماذا تعتد هل تعتد بالإقراء أو بوضع الحمل قاله أبو محمد بن أبي زيد والقاضي عبد الوهاب، وقيل لتكون مستبرأة فتكون على يقين من نفي الحمل إن أتت بولد، وقيل خوف الندم إن خرجت حاملا فإن طلقها في طهر جامع فيه لزمه واعتدت به ولا يؤمر برجعتها قاله في المدونة، وقال ابن كنانة لا تعتد به.
وقال ابن عبد السلام: أظن أني وقفت على قول في المذهب أنه يجبر على الرجعة ولا اتحققه الآن فإن صح وجوده فوجهه ظاهر.
قلت: قال بعض شيوخنا لا أعرفه إلا من قول عياض ذهب بعض الناس إلى جبره على الرجعة كمن طلق في الحيض، وقال خليل حكاه بعض المغاربة.
القيد الثالث: أن تكون الطلقة واحدة احترازاً من طلاقها اثنتين أو ثلاثا وقد تقدم اختلاف العلماء في طلاق الثلاث في كلمة واحدة هل هو من طلاق السنة أم لا؟
الرابع: لا يتبعها طلاقا وهو معروف المذهب وقال في المدونة عن ابن مسعود: إن أراد أن يطلقها ثلاثا فيطلقها في كل طهر طلقة قال غير واحد: وبه أخذ أشهب ما لم يرتجعها إلا أن يطأها.
وبقي ثلاثة شروط أخر وهي كونه لم يتقدم له طلاق في حيض وكون المطلقة ممن تحيض، وكون الطلقة خلت عن عوض والستة الأول حكم جميعها عبد الوهاب في
تلقينه وزاد ابن العربي السابع قال في أحكام القرآن له وهي سبعة شروط ذكرها علماؤنا مستقرأة من حديث ابن عمر رضي الله عنه.
قلت: وما زاده مختلف فيه في المذهب فقد قيل: إن الخلع ليس كالطلاق لأنه برضاها، ورأى بعض المتأخرين أن هذا القول هو الجاري على المشهور بأن النهي معلل.
(وله الرجعة في التي تحيض ما لم تدخل في الحيضة الثالثة في الحرة أو الثانية في الأمة):
ما ذكر الشيخ مثله في المدونة قال فيها: وليرتجع الحامل ما بقي في بطنها ولد وغير الحامل ما لم تر أول قطرة من الحيضة الثالثة في الحرة أو الثانية في الأمة واختصره أبو محمد وغيره على أنه من كلام ابن القاسم واختصره ابن أبي زمنين.
قال غيره: وغير الحامل، ما لم تر أول قطرة وهو أشهب، وزاد في المدونة عن أشهب أيضا أحب إلى أن لا تنكح حتى تستمر الحيضة لأنها ربما رأت الدم ساعة أو يوما ثم ينقطع عنها فيعلم أن ذلك ليس يحيض، فإذا رأت المرأة هذا في الحيضة الثالثة فلترجع إلى بيتها والعدة باقية ولزوجها عليها الرجعة حتى تعود إليها حيضتها صحيحة مستقيمة.
وأخذ غير واحد من قول ابن القاسم أن الدفعة الواحدة حيض من قول أشهب أن اليوم ليس بحيض في العدة والاستبراء وعلى اختصار أبي محمد وغيره فاختلف الشيوخ هل قول أشهب وفاق لابن القاسم أو خلاف وإلى أنه خلاف ذهب سحنون وابن رشد، قال المتيطي رحمه الله: وهو الصحيح، لأن أقل الحيض لا حد له عند ابن القاسم، وقد يكون يوما أو ساعة.
قلت: إذا كان قبله طهر تام فلا معنى لاستحباب تربصها، وإنما يلزمها التربص على النكاح على قول ابن الماجشون الذي يقول: أقل الحيض خمسة أيام.
وعلى قول ابن مسلمة الذي يقول أقله ثلاثة أيام لاحتمال أن ينقطع عنها قبل ذلك ونحوه في رواية ابن وهب، قال ابن عبد السلام – بعد أن ذكر هذا الإلزام لبعضهم – وقد لا يلزم ألا ترى أن مالكا وابن القاسم يقولان: إن الدفعة وما اشبهها ليست بحيض في هذا الباب مع أنها تبين برؤية أول الدم الثالث أن لا يبعد أن يسلك ابن الماجشون وابن مسلمة هذه الطريقة.
قال عبد الحق في النكت: وإذا نكحت ثم قالت انقطع الدم عني صدقت وفسخ
النكاح ولا يمين عليها في إرادة فسخ النكاح لأن هذا أمر لا يعلم إلا من جهتها وقول أشهب: إنها إذا لم تستمر الحيضة ترجع إلى بيتها ولزوجها رجعتها يبين ما قلناه لأنه لم يتهمها في رجعة الزوج ووجوب النفقة والسكني فكذلك لا تتهم فيما وصفنا.
ثم قال: وأما لو قالت هذه المرأة قد انقضت عدتي بهذا اللفظ ثم تزوجت فبعد ذلك قالت: ظننت أن الحيضة تستمر فلهذا قلت قد انقضت عدتي، وقد انقطع عني فههنا تتهم في فسخ النكاح ولا يقبل ذلك منها والله أعلم.
(فإن كانت ممن لم تحض أو ممن يئست من المحيض طلقها متى شاء وكذلك الحامل).
أراد بقوله أو ممن قد يئست من لم تر الحيض في عمرها وليس مراده من جاوز سنها الخمسين أو السبعين سنة كما قال في غير هذا الموضع، وتلحق المستحاضة لغير المميزة بما ذكر لأن عدتها بالأشهر، واختلف في المميزة على قولين وسبب الخلاف هل عدتها بالأقراء وبالسنة كما سنبينه في موضعه إن شاء الله وما ذكر الشيخ من أن الحامل يطلقها متى شاء هو قول ابن شعبان وعزاه عبد الحق لأبي عمران وصوبه ونقل عن ابن القصار أنها لا تطلق في الحيض وهو جار على التعبد ولو طلقها في دم بين توأمين فهو كدم حيضتها.
(وترتجع الحامل ما لم تضع والمعتدة بالشهور ما لم تنقض عدتها والأقراء هي الأطهار):
ظاهر كلام الشيخ أنه إذا خرج بعض الولد أن له الرجعة قبل وضع باقيه وهو ظاهر كلام المدونة في كتاب العدة وطلاق السنة ونصها: وترتجع الحامل ما لم تضع آخر ولد في بطنها وهو مخالف لظاهر كتاب إرخاء الستور ونصها: وترتجع الحامل ما بقي في بطنها ولد فظاهره إذا خرج بعضه لا ترتجع ونقل أبو الحسن المغربي عن ابن
وهب ما يقتضي أنه إذا خرج ثلثاه لا رجعة له.
واختلف هل يجب الإشهاد في الرجعة أم لا فالمشهور أنه مستحب وقال ابن بكير إنه واجب ورواه أبو بكر القاضي وبه قال أبو بكر بن العلاء وأخذ بعض شيوخنا من المدونة من قولها فيمن منعت نفسها وقد ارتجعت حتى يشهد فقد أصابت قائلاً: إذ لا يمنع ذو حق من حقه لأمر غير واجب.
قال ابن عبد السلام: وأشار غير واحد إلى عدم الخلاف في المسألة وإن الاستحباب في ذلك هو اقتران الإشهاد بالارتجاع وأن الإيجاب إنما يرجع إلى التوثق لأنه شرط في الارتجاع كما ذهب إليه الشافعي وفي كتاب العدة من المدونة قال مالك: بأس أن يدخل عليها ويأكل معها إذا كان ممن يتحفظ بها ثم رجع فقال: لا يفعل.
قال عياض: فظاهره منع التلذذ على كل حال وإنما الخلاف في غيره وإليه ذهب وابن محرز وغيره، وقال اللخمي: الباب كله واحد وإن قوله اختلف في جميع ذلك، وخرج الخلاف في التلذذ بها وهو بعيد والرجعة تكون بالقول كراجعتك وبالفعل كالوطء واختلف هل يفتقر إلى نية أم لا؟ على ثلاثة أقوال: فقيل باشتراطها قاله أشهب وعكسه وهو ظاهر قول ابن وهب وقيل: يشترط في الفعل دون القول قاله في المدونة وهو المشهور وعليه فلو وطئها ولم ينو رجعتها واسترسل على ذلك وطلقها ثلاثا بعد خروجها من العدة فقال أبو محمد: لا يلزمه لأنها أجنبية، وقال أبو عمران: يلزمه مراعاة لقول ابن وهب والليث والوطء لا يفتقر إلى نية.
قلت: وهو الصواب أخذا بالاحتياط وبه أفتى غير واحد من شيوخي كشيخنا أبي مهدي عيسي أيده الله تعالى.
(وينهى أن يطلق في الحيض فإن طلق لزمه ويجبر على الرجعة ما لم ينقض العدة):
ما ذكر الشيخ أنه ينهي أن يطلق في الحيض صحيح ولا أعلم فيه خلافا وما ذكر أنه يلزمه هو نقل الأكثر باتفاق وشذ بعض التابعين في قوله بعدم اللزوم إذا طلق في الحيض قال خليل: وبذلك قال بعض البغداديين وما في الصحيح يرده وما ذكر من أنه يجبر على الرجعة صحيح ويعني بالتهديد ثم بالسجن ثم بالسوط ويكون ذلك قريبا في موضع واحد فإن أبي ألزمه الحاكم الرجعة قاله ابن القاسم وأشهب في نقل ابن المواز وسمع أصبغ بن
القاسم من أبي الارتجاع من طلاق الحيض قضى عليه السلطان بها، وأشهد على القضية بذلك فكانت رجعة تكون بها امرأة أبداً حتى إذا خرجت من العدة توارثا.
قال ابن رشد: فظاهر هذا السماع إجباره بالإشهاد بما ذكر دون السجن والضرب خلاف ما تقدم لابن المواز.
قلت: قوله في السماع فإن أبي أعم من الضرب وغيره فالأولى تفسيره به ليكون وفاقاً وهو أولي من حمله على الخلاف مع الاحتمال المذكور، وذكر ابن رشد أن الباجي حكى في وثائقه قولين في سجنه فلعل مستنده السماع المذكور، واستشكل ابن عبد السلام كونه يضرب ويسجن بقوله إذا كان حصول الرجعة من القاضي بالحكم عليه ممكنا فلا معنى لضربه وسجنه إلا أن يقال من شرطها إلزام القاضي له ذلك تحقيق إباية المطلق ولا يتحقق إلا بذلك وفيه نظر.
واختلف هل للزوج أن يطأ بارتجاع الحاكم إذا لم ينوها الزوج أم لا؟ فقال أبو عمران ذلك له قائلا: كما كان له أن يطأ في نكاح الهزل وقال بعض البغداديين: لا يطأ وصوب ابن رشد الأول قائلاً: كالسيد يجبر عبده على النكاح، قال الشيخ اللخمي: إن أخطأ الحاكم فطلق لإعسار ونحوه في الحيض لم يتم بخلاف طلاق الزوج لنفسه؛ لأن القاضي فيه كالوكيل على صفة لأنه لو أجيز فعله لجبر الزوج على الرجعة ثم يطلق إذا طهرت فتلزمه طلقتان.
(والتي لم يدخل بها يطلقها متى شاء):
ما ذكر الشيخ مثله في المدونة وذهب أشهب إلى كراهة طلاقها في الحيض، ونقل عبد الوهاب عن مالك منعه وسبب الخلاف هل النهي معلل بتطويل العدة أو متعبد به.
(الواحدة تبينها والثلاث تحرمها إلا بعد زوج):
ظاهر كلام الشيخ: وإن كانت مطلقة بسبب الإعسار بالنفقة وهو كذلك على ظاهر المدونة ونصها، وإن أيسر الزوج في العدة ارتجع إن شاء فمفهومه أن الطلاق قبل البناء لا رجعة فيه لما قد علمت أن المطلقة قبل البناء لا عدة عليها، وقال أبو إبراهيم: انظر في كتاب ابن الجلاب فإنه سواء قبل الدخول وبعده ونقل أبو عمر بن عبد البر في الكافي كذلك رواه عن مالك وقال: لا أدري ما هذا.
قلت: ما نقله أبو عمر بن عبد البر صحيح، وكذلك نقله غيره عنه كالمتيطي
وما نقله عن ابن الجلاب قال بعض شيوخنا هو وهم وإنما فيه مثل ما في المدونة قال الشيخ خليل: ولعل ما في الكافي محمول على ما إذا دخل بها وتصادقا على نفي الوطء وإلا فلا يصح إذ لا عدة على غير مدخول بها لنص القرآن.
(ومن قال لزوجته أنت طالق فهي واحدة حتى ينوي أكثر من ذلك):
ظاهر كلام الشيخ أنه يقبل قوله بغير يمين وهي رواية المدنيين وقيل: لابد من يمينه قاله ابن القاسم ويجعله ابن بشير المشهور قائلا: وهما جاريان على يمين التهمة، وإذا نوى بقوله: أنت طالق واحدة الثلاث فإنه تلزمه الثلاث بلا خلاف لأنه طلق بنية صحبها قول ويكون أراد إيقاع الثلاث مرة واحدة في كلمة واحدة، وكذلك لو قال: أنت طالق واحدة ونوى به الثلاث، وهو أبين في التقدير من المسألة الأولى.
وفي المدونة ولو قال لها: أنت طالق تطليقة ونوى اثنتين أو ثلاثا فهو ما نوى وإن لم ينو شيء فهي واحدة وهذه أشد إشكالا من المسألة الأولى لأنه يبعد ذلك التقدير المتقدم في قوله تطليقة ولذلك قال بعض من تكلم عليه يختلف هل هو طلاق باللفظ أو بالنية.
قال ابن عبد السلام: يعني أن اللفظ لا يطابق هذه النية لا لغة ولا شرعا فيجب أن يكون بالنية وحدها وقد تقدم أن المشهور عدم اشتراط اللفظ الموضوع للطلاق وأنه يلزم بقوله واسقني الماء إذا أراد الطلاق أو لم يعد من الطلاق بالنية ولو قال: أنت طالق الطلاق فهي طلقتان إلا أن يريد به واحدة، نقله ابن عات عن ابن سحنون، وهي أول مسألة في الأيمان بالطلاق من المدونة من طلق زوجته فقيل له ما صنعت فقال هي طالق وقال: إنما أردت إخباره بالتطليقة التي طلقتها قبل قوله واختلف هل بيمين أم لا؟
فقال أبو القاسم بن محرز: يحلف إن تقدمت له فيها طلقة وعزاه ابن يونس لبعض شيوخنا بعد أن قيد المدونة باليمين مطلقا، وقال عياض: إنما ذلك إذا أراد رجعتها وحيث يجب حلفه قال عبد الحق: إن أبي فلا رجعة له وعليه نفقتها في عدتها لإقراره إلا أن يقر أنها الثلاث أو يوقعها، وقال ابن شاس: إن لم تكن له نية في لزومه طلقة أو طلقتان قولان للمتأخرين وفي كتاب ابن المواز من أشهد رجلا أن امرأته طالق ثم آخر كذلك وقال: إنما أردت واحدة دين وحلف اختلف هل اليمين في هذه أبين من الأولى أم لا؟ لأن كثرة الشهود مما يقصده الناس قولان للأكثر وعياض.
(الخلع طلقة لا رجعة فيها وإن لم يسم طلاقا إذا أعطته شيء فخلعها به من نفسه):
قال في المدونة: والمختلعة هي التي تختلع من كل الذي لها والمفتدية التي تعطيه بعض الذي لها والمبارئة هي التي تبارئ زوجها قبل الدخول تقول له خذ الذي لك وتاركني، وروى محمد بن يحيى: والمبارئة هي التي لا تأخذ ولا تعطي والمختلعة هي التي تعطي ما أعطاها وزيادة عليه، والمفتدية هي التي تعطي بعض ما أعطاها وكذلك المصالحة، ونقل ابن عبد السلام عن بعضهم المفتدية هي التي تترك كل ما أعطاها.
وقال أبو عمر بن عبد البر: الخلع والصلح والمفتدية سواء وهي أسماء مختلفة ومعانيها متفقة ومنهم من قال: الخلع أخذ الكل والصلح أخذ البعض والفدية أخذ الأكثر والأقل، وما ذكر الشيخ أن الخلع طلقة بائنة هو المذهب وقال الشافعي في أحد قوليه إنه يفسخ إذا لم يذكر طلاقا، وإعطاء الأجنبي مالا كإعطاء الزوجة ولذلك يتحيل به في إسقاط موجبات الطلاق الرجعي والخلع قال في المدونة: وإذا أخذ منها شيء وانقلبت وقالا ذلك بذلك ولم يسميا طلاقا فهو طلاق الخلع وإن سميا طلاقا لزم ما سميا.
وأخذ منها بعض من لقيناه من القرويين أن الحفر والدفن والواقع بين أهل البادية في زماننا تلزم فيه طلقة واحدة ما لم يكن عرف بأكثر.
وصورة ذلك أن يحفر أحدها حفرة ويردمها الآخر إشارة منهما إلى المتاركة وعدم المطالبة بشيء، وقال شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني أيده الله تعالى: هذه إقامة ضعيفة وإن كنت أقول بموجبها لأن هذا فعل صحبه قول وهو قول وقالا ذلك بذلك، وفي الفرع المقيس فعل خاصة فهو أضعف فلا يلزم ما قيل والله أعلم.
قلت: وفيما قاله نظر لأن القضاء بهما ملزوم للقول غالبا، واختلف في جواز الغرر في الخلع على أربعة أقوال: الجواز قاله الغير في المدونة على ظاهر قولة لأنه يرسل من يده بالغرر ولا يأخذ والغير هو ابن نافع والكراهة لأصبغ وهو أحد قولي ابن القاسم.
والمنع والجواز في الغرر الذي يقدر على إزالته وعدم الجواز فيما لا يقدر على إزالته واختلف إذا وقع لفظ الخلع على غير عوض على ثلاثة أقوال طلقة رجعية طلقة بائنة ثلاثا.
(ومن قال لزوجته أنت طالق البتة فهي ثلاث دخل بها أو لم يدخل):
ما ذكر الشيخ هو مذهذب المدونة وقيل ينوي إن لم يكن دخل بها نقله الباجي
عن مالك وابن زرقون عن ابن الماجشون قال الباجي: وسبب الخلاف هل تتبعض البته أم لا؟ وجعل ابن بشير المشهور وما في المدونة وجعل ابن الحاجب القول الثاني هو المشهور فيها وفي سائر الكنايات الظاهرة، قال الشيخ خليل ومثله لابن غلاب وحكم بتلة مثل بتة قاله ابن شاس.
(وإن قال: أنت برية أو خلية أو حرام أو حبلك على غاربك فهي ثلاث في التي دخل بها وينوي في التي لم يدخل بها):
ما ذكر الشيخ مثله في المدونة إلا في قوله: حبلك على غاربك فإن ظاهرها يقتضي أنه لا ينوي مطلقا قاله اللخمي، وفي كتاب محمد وغيره أنه ينوي قبل الدخول أو يحلف ويقوم منها في حبلك على غاربك أنه إذا قال لها: أنت أطلق من الأرنب في فحص كذا أنه يلزمه الثلاث.
وبه أفتى ابن عات لما نزلت بقرطبة، وأفتى ابن القطان بطلقة رجعية إلا أن ينوي الثلاث مستدلا بقول المدونة إذا قال: أنت طالق لا رجعة لي عليك أنها رجعية إلا أن ينوي الثلاث وذكر القولين ابن حمديس واختار الأول، واختلف إذا قال: أنت على حرام على سبعة أقوال، فقيل ينوي مطلقا نقله أبو عمر في الكافي عن مالك وجماعة من أصحابه، وعكسه قاله عبد الملك وقيل كما قال الشيخ وهو قول مالك وابن القاسم
وهو المشهور وقيل يلزم فيها طلقة بائنة رواه ابن خويز منداد، وقيل: طلقة رجعية قاله ابن مسلمة وقيل واحدة قبل البناء وثلاث بعده قاله أبو مصعب وابن عبد الحكم.
وقيل: لا يلزمه فيه شيء نقله عياض في الإكمال عن أصبغ، وظاهر لفظ اللخمي والمازري والباجي وغيرهم أن معني القول بأنه لا ينوي بعد البناء أنه مطلقا ولو مستفتيا ولابن رشد بعض أصحاب سحنون خلافه، وأطلق المازري وعياض والأكثر فرض المسألة وقيدها اللخمي بكونه أراد الطلاق فيسقط السابع، وعبر المازري بقوله أولا: أنت على حرام، وثانيا: بقوله الحلال على حرام، وكان الشيخ الصالح العالم أبو الربيع سليمان المراغي مفتيا بسوسة فأفتى بالحلال على حرام لرجل بطلقة وأمر من كان حينئذ قاضيا بها أن يحكم بذلك ليكون محترما بحكم الحاكم، وحمله على هذا كون الرجل له أولاد من زوجته فبلغ الخبر إلى الشيخ الفقيه أبي القاسم الغبريني وكان مفتيا بتونس فأفتي بنقض ذلك الحكم وإلزامه الثلاث قائلاً: محجرا على قضاة القرى أن لا يحكموا إلا بالمشهور ولا يعول إلا على مفتي تونس بإفريقية لا على غيره.
قلت: وهذا منه رحمه الله تعسف كما ترى بل كل من يعرف بالعلم، وإن كان في بادية يعول على فتواه إذ رآه الناس أهلا لذلك كالشيخ المذكور نفعنا الله بعلمه وعمله ولقد رأيت بعض من لقيته من القرويين وهو شيخنا أبو محمد عبد الله الشيبي رحمه الله قام له على قدميه إجلالا لما يظن به وهو يقرئنا العلم في مسجده المعروف به وما رأيته عمل ذلك لأحد غيره قط إذا كان لا يخاف في الله لومة لائم.
وفي المدونة قيل فيمن قال على حرام إن فعلت كذا قال لا يكون الحرام يمينا في شيء إلا أن يحرم به زوجته فيلزمه الثلاث فإن قلت ما بال البراذعي اقتصرها سؤالا وجوابا كما هي في الأم قلت قال بعض شيوخنا لاحتمال لفظه أن يحرم زوجته كونه بالنص عليها أو بالنية أو بمجرد التعليق، قال اللخمي: من قال علي حرام ولم يقل أنت أو قال الحلال حرام ولم يقل على فلا شيء عليه ومثله لابن العربي في الأحكام له قائلاً: وإنما يلزمه في قوله أنت حرام وأنت على حرام والحلال على حرام ولو قال ما انقلبت إليه حرام أو ما أعيش فيه حرام وأما ما أملكه حرام علي فإنه يلزمه إلا أن يحاشي وهل يكفي إخراجها بقلبه؟ قاله أكثر أصحابنا ولا يحاشيها إلا بلفظه كما دخلت في لفظة قاله أشهب في ذلك قولان.
وفي المدونة إذا قال: أنت على حرام وقال: أردت الكذب لا الطلاق لزمه
التحريم ولا ينوي لقول مالك في شبهه ولا نية له سأل عمن لاعب امرأته فاخذت بذكره تلذذ فنهاها فأبت فقال هو عليك حرام وقال أردت أن أحرم أن تمسه لا تحريم امرأتي فوقف وخشي أنه حنث وألزمه غيره من أهل المدينة التحريم وهذا عندي أخف والذي سألت عنه أشد وأبين إلا أن ينوي لأنه ابتدأ التحريم من قبل يمينه وما سأل عنه مالك كان له سبب ينوي به.
(والمطلقة قبل البناء لها نصف الصداق إلا أن تعفو عنه هي إن كانت ثيبا):
لا خلاف في المذهب أن المطلقة قبل البناء وقد سمي لها أن لها نصف الصداق لقوله تعالى (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم) [البقرة: 237]
الآية، واختلف المذهب هل تملك المرأة جميع الصداق بالعقد أم لا؟ على ثلاثة أقوال، فقيل تملك جمعيه بالعقد قاله عبد الملك، وهو قول رهونها قال فيها ومن راهن امرأته رهنا قبل البناء بجميع الصداق جاز ذلك لأن عقد النكاح يوجب لها الصداق وقيل: تملك النصف خاصة ويكمل بالموت قاله مالك وابن القاسم وقيل: غير مستقر يستقر نصفه بالطلاق وكله بالموت وقيل: تملك النصف خاصة ويكمل بالموت قاله مالك وابن القاسم، وقيل: غير مستقر يستقر نصفه بالطلاق وكله بالموت قاله ابن رشد على مقتضي المذهب مبطلا الأول بأنه لو وجب به لما سقط بالردة ومبطلا الثاني باستحقاقها كله بالموت، والموت لا يوجب شيء.
ومفهوم كلام الشيخ أنه لو بنى ثم طلقها فإن لها جميع الصداق إن لم يطأها وهو كذلك عند مالك من رواية ابن القصار، وبه قال المغيرة، وقيل أن لها النصف وإن طالت إقامته معها قاله ابن أبي سلمة وعبر عنه في المدونة بقوله، وقال ناس لها نصفه وإنما عبر عنه بذلك؛ لأن له اتباعا، وفي المدونة إن طالب إقامته معها فلها جميعه لطول تلذذه وأخلاقه شورتها، قال أبو عمران فظاهر إن انخرم تخليق الثياب والتلذذ لم يجب كل المهر، وقال المتيطي أسقط البراذعي لفظ وخلق ثيابها ذكره كالمعترض عليه وأجابه شيخنا أبو مهدي عيسي أيده الله تعالى بأن طول الإقامة مستلزم لتخليق الثياب فرأى أن ذكره لا يحتاج إليه والطول سنة وقيل: ما يعد طولا في العرف.
قال ابن بشير: وفي المذهب قول ثالث إنه أكثر من السنة وهو راجع إلى القول بالعرف واختار اللخمي أن يكون لها النصف وتعارض من تمتعه بها واختلف إذا افتضها بإصبعه فقيل لها كل المهر قاله ابن القاسم وقيل: لها النصف مع ما شأنها، وفرق
اللخمي بين أن يرى أنها لا تتزوج بعد لا مهر ثيب أم لا، واختلف في استحقاق المهر بوطء الدبر أم لا وفيه نظر وفي البكر أبعد، قلت: وفي كتاب الرجم لو جامع في الدبر انحل الإيلاء فأخذ منه بعض شيوخنا أن لها جميعه.
(وإن كانت بكرا فذلك إلى أبيها وكذلك السيد في أمته):
ظاهر كلام الشيخ وإن بلغت وروى ابن زيادة عن مالك رفع الحجر عنها ببلوغها وفي رواية مطرف استحباب تأخير أمرها العام ونحوه من غير إيجاب وظاهره وإن كانت معنسة، وهو كذلك في أحد الأقوال الثلاثة قال في المدونة: وإذا عنست الجارية البكر في بيت أبيها وأونس منها الرشد جاز عتقها وهبتها وكفالتها قيل هذا قول مالك قال: هذا رأيي وقوله إن ذلك ليس بجائز هو الذي يعرف.
قال ابن القاسم وقد سأل مالك عن الجارية المعنسة إذا أعتقت أجائز؟ قال إن أجازه الوالد، وسئل ابن القاسم في باب آخر عن البكر التي عنست في بيت أهلها تجوز كفالتها، قال: قال مالك في هبتها وصدقتها إنها لا تجوز فكذلك كفالتها لا تجوز وكان مالك مرة مرة يقول فما وجدت في كتاب عبد الرحيم إنها إذا عنست جاز أمرها قيل هي ثلاثة فعلي قول ابن القاسم تجوز أفعالها بشرطين إيناس الرشد مع التعنس.
وعلى قول مالك ثلاثة شروط يزاد إلى ما ذكر إجازة الولد وعلى رواية عبد الرحيم شرط واحد وهو التعنيس، ومعنى قوله: إن أجازه الوالد إن قال في المجهولة الحال هي رشيدة لأن المعلوم سفهها لا يجوز له إجازة تبرعاتها فإن قلت: ما بال البراذعي اختصرها سؤالا وجوابا في قوله هذا قول مالك على ما هو عليه في الأم وجرت عادته لا يفعل ذلك إلا لمعني من المعاني فما هو هذا المعنى لا يجيبه إلا بما سمع من مالك، أو ما هو جار على ما سمع ولولا أن سحنونا أعاد السؤال بقوله أهذا قول مالك؟ لفهمه أن ما أجابه به ابن القاسم وهو قول مالك قال: وكذلك استدلال ابن القاسم كفالتها لا تجوز لسماع مثله من مالك في هبتها وصدقتها ضعيف لأن الكفالة مرجع ولذلك قال ابن الماجشون: يجوز للمرأة أن تتكفل بجميع مالها وتقدم الخلاف في سن العانس في أوائل النكاح.
(ومن طلق فينبغي له أن يمتع ولا يجبر والتي لم يدخل بها وقد فرض لها لا متعة لها):
اعلم أن قوله: " ولا يجبر" تأكيد؛ لأن قوله ظاهر في أنها مستحبة ومعلوم أن المستحب لا يجبر عليه من أباه وما ذكرناه من أنها مستحبة هو المشهور، وقيل: إنها
واجبة، قاله ابن مسلمة وابن حبيب والأبهري وبه قال السيوري وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وإن ماتت الزوجة دفعها إلى ورثتها قاله ابن القاسم، وقال أصبغ: لا شيء لهم لأنه عوض لها وتسلية من الطلاق ولو بقيت حية لدفع ذلك إليها وإن طالت المدة، قاله ابن القاسم، قال أبو عمران الفاسي: وهي على قدر حالها وقال أبو عمر بن عبد البر بل هي على قدر حاله وقيل: بقدر حالهما قاله ابن رشد وعزاه ابن عبد السلام لابن خويز منداد.
وفي التهذيب عن ابن عباس وغيره أعلاها خادم ونفقة وأدناها كسوة ويعني بالنفقة ما يقرب من ثمن الخادم وقال ابن منذر في الإشراف: أعلاها خادم ثم كسوة ثم نفقة وهو خلاف ما تقدم وإتيان سحنون بالنص عن المتقدمين هو آخذ به على ما دل عليه السياق وكثيرا ما يفعل ذلك.
(ولا للمختلعة):
يريد وكذلك المصالح والمفتدية ومن اختارت نفسها للعتق والملاعنة نص على جميع ذلك في المدونة وكذلك لا متعة لمن قامت بعيب ولا لمن فسخ نكاحها العارض حدث نص على ذلك الشيخ أبو الحسن اللخمي، واختلف في متعة المخيرة والمملكة فروى ابن وهب ثبوت المتعة ونفاها ابن خويز منداد وهو المشهور قاله ابن رشد.
(وإن مات عن التي لم يفرض لها ولم يبن بها فلها الميراث ولا صداق لها ولو دخل بها كان لها صداق المثل إن لم تكن رضيت بشيء معلوم):
ما ذكر الشيخ من ثبوت الميراث لها وهو كذلك لا أعلم فيها خلافاً وما ذكر من نفي الصداق هو المشهور، وحكى عبد الحميد الصائغ قولين لها الصداق، وقال ابن بشير: وهو شذوذ قال خليل واختار ابن العربي وغيره ما نقله عبد الحميد لما رواه الترمذي وصححه أنه عليه السلام قضى به ولا خلاف أنه إذا طلقها لا تستحق شيئاً.
(وترد المرأة من الجنون والجذام والبرص وداء الفرج):
ما ذكر أنها ترد من العيوب الأربعة هو مذهبنا فالجنون هو الصرع أو الوسواس المذهب للعقل، وأما الجذام فهو معلوم، وفي مختصر ما ليس في المختصر يرد النكاح للجذام لأنه يخشي حدوثه بالآخر ولأنه لا تطيب نفس الواطئ وقل ما يسلم ولدها وإن سلم كان في نسله.
وظاهر كلام الشيخ أنها ترد من الجذام وإن قل وهو كذلك نص عليه غير واحد كالمتيطي وكذلك ظاهر كلامه في البرص وترد بفاحش القرع لأنه من معنى الجذام والبرص نقله الباجي عن ابن حبيب قائلا: لم أره لغيره من أصحابنا وظاهر المذهب خلافه وأنه كالجرب ونقل المتيطي عن فضل أنه قال هو خلاف قول مالك ولما نقل ابن عبد السلام كلام الباجي قال: كلام ابن حبيب عندي أقرب إلى أصول المذهب لأن التأذي عندي بالقرع أشد من التأذي بالجرب وأيضا فإن القرع عسير الزوال بخلاف الجرب والله أعلم وداء الفرج ما يمنع الوطء ولذاته كعفل لا يقدر معه على الوطء.
وفي وثائق ابن العطار ما يمنع الجماع وتعقبه ابن الفخار قائلاً: هو خطأ، وإذا
أنكرت دعوى عيبها فما كان ظاهراً كالجذام بوجهها وكفيها ثبت بالرجال وما كان بسائر جسدها غير الفرج ثبت بالنساء وما كان بالفرج فقال مالك تصدق ومثله لابن القاسم وغيره، وقال سحنون: ينظرها النساء، ونقلة أبو عمر عن مالك من رواية علي وبه قال ابن لبابة ونقله عن مالك وأصحابه ونقله حمديس وغيره من رواية ابن وهب.
قال ابن أبي زمنين: هو مثل قول المدونة في نظر النساء إلى الفرج قال المتيطي: إن أراد قول نكاحها الأول ما علم أهل المعرفة أنه من عيوب الفرج ردت به لا مكان تقارر الزوجين على صفته ثم يسأل أهل المعرفة به عن ذلك وعلى الأول فقال ابن الهندي تحلف وقال الشيخ أبو إبراهيم: ولها رد اليمين على الزوج قال: ورأيت بعض من مضي يفتي به والكلام في هذا الفصل متسع جدا ومحله المدونة ولولا الإطالة لذكرناه.
وقوله: فإن دخل بها ولم يعلم أدى صداقها ورجع به على أبيها وكذلك إن زوجها أخوها يقوم من كلام الشيخ أن من أكرى مطمورة وهو يعلم أنها تسيس فساس ما عمل فيها المكتري فإنه يرجع عليه، وبذلك حكم ابن عبد السلام ولو باعها لما رجع عليه بشيء ومثله في نوازل الشعبي عن محمد بن عبد الحكم الخولاني فيما إذا أكرى أو باع خابية دلس فيها بكسر وعلم أن المشتري يجعل فيها سمنا أو زيتا فانهرق من كسرها فإنه يضمن في الكراء لا في البيع.
وما ذكر الشيخ من أن الرجوع على الولي هو المذهب ويمكن عندي أن يتخرج في عدمه قول بنفيه من عموم قول ابن بشير اختلف في الغرور بالقول: الفعل على ثلاثة أقوال ثالثها يثبت الغرم في الغرور الفعلي دون القولي والله أعلم.
ولا خصوصية لذكر الأب والأخ بل كذبك الولد قال ابن رشد في قريب القرابة هو الأب والابن والأخ قاله مالك في موطئه وابن حبيب في واضحته.
قلت: والأقرب أن الجد من قريب القرابة وهو ظاهر قول المدونة ويرجع به الزوج على وليها إن كان الذي أنكحها أبا أو أخا أو من يرى أنه يعلم ذلك منها يريد كالجد وأما الابن فقد دل عليه ذكر الأخ من باب أحرى وبه قال شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني.
وذهب إلى الأول بعض من لقيناه من القرويين، وظاهر كلام الشيخ أن للولي الرجوع عليه لا يرجع على المرأة بشيء وهو كذلك وظاهر كلامه أيضاً أنه يرجع
على الولي في كل عيب من العيوب الأربعة وهو المشهور وحكى فضل من عيسى بن دينار أن داء الفرج لا يرجع به إلا على المرأة خاصة وزعم أنه في العتبية، وتعقب بأنه لم يقع له ذكر فيها فيما عندنا، وظاهر كلامه أن قريب القرابة يرجع عليه ولو غاب غيبة بعيدة بحيث يخفي عليه خبرها وهو كذلك عند أشهب ربطا للحكم بمظنته.
وقال ابن حبيب: يحلف ما علم به ويسقط عنه الغرم ويرجع على الزوجة ويترك لها ربع دينار وظاهر كلامه ولو أعسر الولي فإنه لا يرجع على المرأة وهو كذلك قاله مالك وابن القاسم وقال ابن حبيب يرجع عليها إن كانت موسرة فإن كانا معدمين فإنه يرجع على أولهما يسرا.
(وإن زوجها ولي ليس بقريب القرابة فلا شيء عليه ولا يكون لها إلا ربع دينار):
إنما قال يترك لها ربع دينار لئلا يعرى البضع عن عوض وظاهر كلام الشيخ أن الحكم عام في سائر العيوب وهو كذلك، ونقل ابن رشد عن بعض المتأخرين أن الجنون والجذام محمول على العلم به من كل الأولياء، وكذلك برص الوجه والذراع والساق، وأما داء الفرج الخفي فالأولياء كلهم فيه محمولون على الجهل، وأما داء الفرج الظاهر للأم فالأب فيه وحده محمول على العلم، وأما البرص في غير الأطراف فقريب القرابة محمول على العلم فيه بخلاف غيره، وظاهر كلامه أنه لا يمين على الولي البعيد وهو كذلك عن ابن المواز، وقال ابن حبيب: إن اتهم حلف وتعقب بعض شيوخنا إطلاق ابن الحاجب الخلاف في قوله وفي تحليفه قولان والولي البعيد كابن العم أو السلطان.
(ويؤجل المعترض سنة فإن وطئ وإلا فرق بينهما إن شاءت):
يعني من يوم ترافعه نص على ذلك في المدونة ونقله الباجي من رواية محمد قال: وتحقيقه من يوم الحكم إذ قد يطول إثبات عنته، وظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق في ذلك بين الحر والعبد وهو كذلك قاله ابن الجهم وحكاه عبد الوهاب عن مالك، وبه قال جمهور الفقهاء، قال اللخمي: وهو أقيس لأن العلة في أجله إنما هو لتمر عليه الفصول الأربعة وذلك يعطي أن لا فرق بينهما وقيل: أجل العبد نصف سنة قاله في المدونة ونصها في كتاب النكاح الأول وأجله في الفقد والاعتراض والإيلاء نصف أجل الحر، وعزاه ابن عبد البر لمالك وأصحابه.
وقال المتيطي: وبه الحكم وكل هذا ما لم يسبق من المعترض وطء، وأما إن سبق فلا مقال لها، قال في النكاح الثاني من المدونة: من وطئ امرأته ثم حدث ما منعه
من الوطء من علة أو زمانة أو اعتراض عنها لا قول لامرأته ومثله في الإيلاء منها، وخرج اللخمي أن لها مقالا من قول مالك فيمن قطع ذكره بعد أصابته وظاهر كلامه أنه لو مرض في التأجيل أنه لا يزاد على السنة شيء وهو كذلك عند ابن القاسم قائلاً: ولو عم مرضه السنة كلها.
وقال أصبغ: إن مرض أعمها استأنف سنة، وقال ابن الماجشون: لا تطلق عليه بعد انقضاء السنة هكذا حكي هذه الأقوال الثلاثة المتيطي وغيره على أنه لا يبعد أن يرد القولان الآخران إلى قول واحد وكل هذا إذا مرض بعد التأجيل وأما لو رافعته وهو مريض فإنه لا يؤخر حتى يصح نقله الباجي عن يحيى عن ابن القاسم قال: ولو قطع ذكره في التأجيل فإنه يعجل طلاقها قاله ابن القاسم وقيل لا قول لها قاله أشهب وعبد الملك وأصبغ وغيرهم فلا فراق البتة وهي مصيبة نزلت بالمرأة قال خليل وحكي في البيان قولا ثالثا لا يعجل الفراق حتى تنقضي السنة إذ لعلها ترضى به.
(والمفقود يضرب له أجل أربع سنين من يوم ترفع ذلك وينتهي الكشف عنه ثم تعتد كعدة الميت ثم تتزوج إن شاءت):
ما ذكر الشيخ من أن ضرب الأجل بعد انتهاء الكشف عنه هو المشهور وقيل من يوم الرفع نقله اللخمي عن رواية مختصر ابن عبد الحكم قال الفاكهاني: وانظر على من تكون أجرة البعث للكشف هل هي على الزوج أو على الزوجة أو بيت المال فإني لم أر في ذلك نقلا؟ قلت والصواب أنها على المرأة لأنها هي الطالبة للفراق لاسيما إن ادعى الزوج عذرا منعه من الإتيان إلى بلده والله أعلم فاختار شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني أنها من بيت المال.
واختلف هل يكتفي بالضرب للواحدة من نسائه أو يستأنف لمن قامت على قولين: والأول لمالك وابن القاسم، والثاني لأبي عمران واختاره بعض القرويين وكلاهما حكي المتيطي رحمه الله، وظاهر كلام الشيخ أنه لا يشترط في ضرب الأجل قاضي الجماعة، بل غيره كاف في ذلك وهو المشهور قال في ثاني نكاح المدونة ويجوز ضرب ولاة الصلاة، وصاحب الشرطة لأجل العنين والمفقود وقال سحنون لا يضرب أجله إلا من ينفذ كتابه في البلدان، قال فضل مثل قاضي الجماعة بقرطبة والقيروان وأن لا قاضي كورة الأندلس وإفريقية وعزا المتيطي قول سحنون لأبي مصعب وابن الماجشون لا غير وعلى الأول فنص أبو الحسن القابسي وأبو عمران على أن صالحي
البلد يتنزل منزلة القاضي عند عدمه وخرج على قول سحنون عدم الاكتفاء بذلك واختلف لأي شيء كانا الأجل لأربع سنين فقال الأبهري لأنها أقصى أمد الحمل وضعف بأربعة أوجه:
أحدها: أن أجل العبد سنتان ولو كان كما قال للزم إطراده فيه كالحر.
الثاني: أن ذلك ينقض عليه بالصغيرة التي أقام أبوها بحقها.
الثالث: أن قائله يقول سائراً أو راجعا لو قامت بعد عشرين سنه فلابد من ضرب الأجل المذكور.
الرابع: اختلف في أقصى أمد الحمل فقيل إنه أمد وصول الكتاب في بلاد المسلمين، وقيل لأن الجهات أربع فيوجه إلى كل جهة منها، وقيل للإجماع باتفاق الأمة عليها ووقف نكاحها على موته فامتنع إحداث ثالث، واختلف إذا قدم زوجها بعد انقضاء عدتها، فقيل لا سبيل له إليها نقله ابن عيشون عن ابن نافع ولم يحفظها اللخمي له بل قال غير واحد من البغداديين إن الطلاق عليها من الضرر الذي يدركها من عدم الوطء، وعلى هذا لا يكون أحق بها وإن لم تتزوج وخرج رحمه الله أنه أحق بها ولو دخل بها الثاني من الكتابية تسلم وتتزوج ثم يثبت الأول أنه أسلم قبلها أو في عدتها، قال ابن رشد وفيه نظر لأن امرأة المفقود اجتهد لها الحاكم بعد الكشف وضرب الأجل وأذن لها في النكاح بخلاف النصرانية تسلم.
وقيل: هو أحق بها ما لم يعقد عليها النكاح وقيل: ما لم يدخل وكلاهما لمالك في المدونة قال سحنون فيها بالأول أخذ المغيرة وغيره وبالثاني أخذ ابن القاسم وأشهب، قال المتيطي وهو المشهور وبه القضاء وهو المروي عن عمر قال ابن رشد: وقول ابن نافع بعيد جدا لأن حكم الاجتهاد إذا بان خطؤه متفق على نقضه إجماعا ولو قيل على هذا إن المفقود أحق بها وإن بني بها الثاني كالمنعي لها زوجها لكان له وجه في القياس، ولكن لم يقوله فأين هذا من قول ابن نافع إلا أنه يشبه الرواية فيمن خرص عليه أربعة أوسق فوجد خمسة إنه يعمل على ما خرص عليه فظاهر كلام ابن رشد قبول نقل كلام ابن عيشون ونبه عليه بعض شيوخنا.
وقال أبو عمران وعبد الحق إن نقل ابن عيشون ضعيف.
(ولا يورث ماله حتى يأتي عليه من الزمان مالا يعيش إلى مثله):
ما ذكر الشيخ هو المشهور وقيل يقسم ماله بعد أربع سنين حكاه ابن رشد
وقبله خليل وعلى الأول فاختلف في حد تعميره فقال ابن القاسم وأشهب ومالك مرة سبعون سنه واختاره القاضي عبد الوهاب، وقال مالك وابن القاسم أيضا ومطرف ثمانون واختاره أبو محمد وأبو الحسن القابسي وأبو القاسم بن محرز، قال ابن العطار وبه القضاء، وعن ابن القاسم تسعون، وقال ابن الماجشون وأشهب مائة وللداودي عن محمد بن عبد الحكم مائة وعشرون.
وفي نظائر أبي عمران قيل وستون سنة ذكره ابن عيشون قال المتيطي عن الباجي في تسجيلاته قيل: يعمر خمساً وسبعين سنه، وبه القضاء وبه قضي ابن زرب وابن الهندي وكان ابن عبد السلام قاضي الجماعة يقضي بالثمانين وإذا فرعنا على القول بسبعين فإن فقد زيد لها عشرة وكذلك على القول بثمانين، قال أبو عمران وإن فقد ابن خمس وتسعين زيد خمس سنين وإن فقد وهو ابن مائة على القول به اجتهد فيما يزاد له.
وقال ابن سحنون: استحب أصحابنا أن يزد له عشر سنين وقيل العام والعامان وإن فقد ابن مائة بالأقل والاحتياطي إذا شهد به اثنان قيل: فإن لم يعرف الشهود تاريخ ولادته وشهدوا على التقدير نفذ ذلك ويأخذ بالأقل كما تقدم قال ابن الهندي: وإذا أثبت الحاكم موته بالسبعين وأراد الورثة قسم ماله فلابد من إيمانهم على مبلغ سنة لأن البينة إنما شهدت بالتقدير ولو شهد بتاريخ الولادة لم يكن عليهم يمين ولا يضرب للأسير أجل وتبقي زوجته على حالها، قالوا لأن القاضي لا يمكنه الكشف عن حالها كما يمكنه ذلك في المفقود في بلاد المسلمين.
واختلف في المفقود في بلاد المسلمين في حرب العدو على أربعة أقوال حكاها المتيطي فقيل: تعتد زوجته بعد التلوم ولا يقسم ماله حتى يموت بالتعمير وهو قول أحمد بن خالد، وفي كتاب محمد حكمه حكم المفقود في زوجته وماله وأنكره ابن المواز، وقال مالك وابن القاسم هو كالأسير لا تنكح امرأته أبدا ويوقف ماله حتى تعلم وفاته أو ينقضي تعميره وروى أشهب وابن نافع يضرب لامرأته سنه من وقت النظر فيها فإذا انقضت سنه فإنه يورث ماله وتنكح امرأته بعد العدة.
وأما من فقد في فتن المسلمين فقال مالك: ليس في ذلك أجل وتعتذر زوجته من يوم التقاء الصفين وقال ابن القاسم: تتربص زوجته سنة ثم تعتد وعنه أنها داخلة في السنة، وقال في العتبية: إن كان ذلك في بلده تلوم الإمام لزوجته بقدر ما ينصرف من
هرب أو من انهزم، قال ابن القاسم وتعتد امرأته يوم التلوم وعنه من يوم اللقاء ويقسم ماله، وفي كتاب محمد أن ما بعد تتربص فيه الزوجة أربع سنين كالمفقود.
وأما ماله فمن قال إن العدة من يوم اللقاء؛ ورث ماله حينئذ ومن قال: أجل الزوجة أربع سنين كالمفقود؛ قال يقسم ماله بعد التعمير، واختلف على القول أن الزوجة تتربص سنة فقيل يقسم ماله بعد السنة، وقال ابن حبيب بعد التعمير ولسحنون قول ثالث فانظره، وأما من فقد من الطاعون فيحكم فيه بحكم الموت ناجزاً وكذلك حكم البادية ينتجعون في الشدائد من ديارهم إلى غيرها أمن البوادي ثم يفقدون نص عليه اللخمي.
(ولا تخطب المرأة في عدتها):
لا خلاف أن تصريح خطبة المعتدة حرام فإن فعل ووقعت المواعدة فيها فلا يتزوجها بعد فإن فعل فخمسة أقوال حكاها المتيطي والمشهور يستحب الفراق بطلقة ثم تعتد ثم يخطبها إن شاء الله وقيل يجب الفسخ بغير قضاء، وقيل بالقضاء وكلاهما لابن القاسم، وقيل بمثل ما قبله وتحرم عليه للأبد قاله أشهب في سماع عيسى إن كانت المواعدة تشبه الإيجاب فليفارقها بطلقة ولا ينكحها أبداً وإن كانت تشبه التعريض ثبت النكاح.
قالت: ما ذكره من الاضطراب عن ابن القاسم إنما عزاه اللخمي لابن الماجشون وما ذكره من سماع عيسى نقله ابن حارث.
(ولا بأس بالتعريض بالقول المعروف):
اعلم أن بأس هنا لصريح الإباحة وهي على ثلاثة أقسام.
تارة تكون كما قلناه كقوله في الرسالة ((ولا بأس بالسواك للصائم))
وتارة تكون لما غيره خير منه كقوله ((ولا بأس بعتق الأعور في الظهار)) إذا فيه
اختلاف ولقائل أن يقول ((إن لا بأس)) هنا لصريح الإباحة أيضا ألا ترى إلى قول مالك في المدونة في كتاب الظهار وأجاز مالك عتق الأعور.
وتارة لما هو خير من غيره كقوله: ((ولا بأس بغسل أحد الزوجين، صاحبه من غير ضرورة)).
ومن التعريض قوله إنك على لكريمة وإن الله لسائق إليك خيرا وإني لأرجو أن أتزوجك وتبرأ ابن الحاجب من بعض ... ألفاظ التعريض وكأنه رأى أنها تقرب من التصريح ونصه قالوا: مثل إني فيك لراغب ولك محب وبك معجب تعريض، ونقل الباجي عن إسماعيل القاضي إنما يعرض للخطبة ليفهم مراده للإيجاب، وفي المقدمات يجوز التعريض من كلا الجانبين معاً، وروى ابن حبيب لا بأس أن يهدي لها، ولا أحب أن يفتي به إلا لمن تحجزه التقوى عما وراءه.
وأما المواعدة وهي مفاعلة لا تكون إلا من الجانبين فإنها في العدة لا تجوز قاله ابن حبيب ونحوه قال اللخمي: النكاح والمواعدة في العدة ممنوعان فظاهره أن المواعدة حرام ونبه عليه بعض شيوخنا، والهدية في زماننا أقوى من المواعدة فالصواب حرمتها إن لم تكن مثله قيل وأما العدة بالتخفيف وهي أن تكون من جانب واحد فحكمها الكراهة باتفاق خوف خلف الوعد.
(ومن نكح بكرا فله أن يقيم عندها سبعاً دون سائر نسائه وفي الثيب ثلاثة أيام):
ظاهر كلام الشيخ أنه حق للزوج لقوله فله إذ هو الواقع في أكثر النسخ وهو كذلك في رواية أشهب وفي رواية ابن القاسم انه حق للزوجة وكلاهما حكاه ابن يونس، وحكي الباجي عن ابن القصار أنه حق لهما معا فجاءت الأقوال الثلاثة وعلى الثاني فإنها مما يقضي به لأن الأصل أن من له حق يقضي له به عند التشاجر نقله الباجي عن ابن عيد الحكم وهو الصحيح قاله القاضي أبو بكر قال أصبغ: لا يقضي عليه وعلى أنه حق لها فالحكم عام، وإن لم يكن للزوج امرأة غيرها في رواية الفرج عن مالك وبه قال ابن عبد الحكم.
وقال القاضي أبو بكر: لا معني له فلا يلتفت إليه بل يسقط حقها وعزا المتيطي هذا القول لمشهور المذهب المذهب وعزاه ابن يونس لنص ابن حبيب وظاهر رواية محمد عن مالك، وظاهر كلام الشيخ سواء كانت الزوجة حرة أو أمة مسلمة أو كتابة وهو كذلك باتفاق وسمع ابن القاسم، لا يتخلف عن الجمعة ولا عن الجماعات، ونقل
سحنون عن بعض الناس لا يخرج وهو حق لها بالسنة ونقل ابن يونس عن بعض فقهائنا بأنه يرجع إلى أقرب مذكور وهو الجماعات وأما الجمعة فلا.
قلت: هذا يدل على أنه قول مذهبي ولم يقيده اللخمي، وخرجه على أن الجمعة فرض كفاية وقبله المازري ورده ابن بشير وبأن كون فرضيتها على الكفاية لم يذهب إليه إلا أصحاب الشافعي وجمهور الأئمة على خلافه ظنا منه أن القائل بالتخلف مذهبي، فلذلك قال المشهور لا يتخلف والشاذ يتخلف فلعله عند اللخمي خارج المذهب لأن نقله كالأكثر حكاه سحنون عن بعض الناس.
وكان بعض شيوخنا يتردد هل هو مذهبي أم لا والأقرب الجزم بالأول وإنما عبر سحنون ببعض الناس إشارة لضعفه والله أعلم.
وقال اللخمي: العادة اليوم أن لا يخرج إلا للصلاة وإن كان خلوا من غيرها وعلى المرأة لخروجه وصم وأرى أن يلزم العادة، وقال محمد بن عبد الحكم إن زفت إليه امرأتان في ليلة واحدة أقرع بينهما وقال اللخمي: وعلى أحد قولي مالك إن الحق له فهو مخير دون قرعة.
قلت: واختار بعض شيوخنا إن سبقت إحداهما بالدعاء للبناء فهي مقدمة وإلا فالسابقة بالعقد وإن عقدا معا فالقرعة.
(ولا يجمع بين أختين من ملك اليمين فى الوطء فإن شاء وطء الأخرى فليحرم عليه فرج الأولى ببيع أو كتابة أو عتق وشبهه مما تحرم به ومن وطء أمة بملك لم تحل له أمها ولا ابنتها وتحرم على آبائه وأبنائه كتحريم النكاح والطلاق بيد العبد دون السيد):
ظاهر كلامه وإن بيعت وبها عيب وهو كذلك نص عليه في المدونة قائلاً: لأن للمشتري التماسك بها، قال ابن محرز: فظاهرها ولو بيعت بتدليس ونقل أبو محمد عن الموازية قيل لا تحرم به وقال اللخمي: بيعها وبها عيب تحريم وفي الموازية ليس بتحريم فظاهرها عموم قول الموازية في المدلس وغيره ويريد الشيخ بالبيع إذا كان بتلا وأما بيع الخيار فلا ويريد إذا كان صحيحا أو فاسدا بعد فوته وما ذكر من أن الكتابية يحرم بها الفرج مثله في الموطأ والمدونة والجلاب والتلقين.
وقال اللخمي: الكتابية لا تحرم لأنها إن ظهر بها حمل أو عجزت حلت قال
بعض شيوخنا وهو وهم منه أو توهيم.
قلت: الصواب أنه توهيم لابن القاسم لأنه شارح للمدونة فترك قولها للعلم به وذكر غير ما فيها إشارة بالتوهيم وتكميلا للفائدة وإلى هذا ذهب شيخنا الغبريني أيده الله تعالى، وظاهر كلامه سواء كان العتق ناجزا أو مؤجلا وهو كذلك لأنه يمنع من الوطء ومقدماته وإخدامها الأجل الطويل كالسنين الكثيرة أو حياة المخدم تحريم والسنة لغو قاله ابن الماجشون، وقال ابن بشير لم يذكر عن غيره خلافه وفيه نظر لإمكان رجوعها له وهو يطأ الأخرى إلا أن يغلب على الظن إن إحداهما لا تجيء إلى ذلك الوقت.
(ولا طلاق لصبي):
ما ذكر هو كذلك باتفاق لأنه غير مكلف وظاهر كلام الشيخ ولو كان الطلاق معلقا أو حنث بعد البلوغ أنه لا يلزمه وهو ظاهر المدونة أيضا وأما البالغ السفيه فطلاقه لازم لتكليفه، وتردد بعض البغداديين في لزومه الطلاق من قول المغيرة إذا أعتق أم ولده فإنها ترد ورده المازري ببقاء الأرش له في أم ولده وأجابه بعض شيوخنا ببقاء الخلع في زوجته أيضاً فهو كالأرش في أم الولد ورده أبو مهدي عيسى الغبريني أيده الله تعالى بأن الأرش أتي بخلاف الخلع.
وأما طلاق السكران فأطلق غير واحد من الرواة بلزومه وقال ابن رشد ونحوه للباجي: إن كان لا يميز الرجل من المرأة ولا الأرض من السماء فهو كالمجنون باتفاق.
وقال ابن رشد: وأما السكران المختلط فطلاقه لازم، وقال محمد بن عبد الحكم طلاقه لا يلزم وذكره المازري رواية شاذة ولو شرب من طلق سكرانا ولم يعلم به أو علم قصد به التداوي فلا شيء عليه قاله أصبغ وأما إن شربه متعديا فهل يكون كالخمر نظر إلى عدوانه أو لا؟ لأن النفوس لا تدعو إليه فيه نظر قاله ابن بشير.
قلت: الصواب أنه كالخمر وهو ظافر قول أصبغ السابق.
(والمملكة والخيرة لهما أن يقضيا مادامتا في المجلس):
يعني أن الرجل إذا قال لزوجته: خيارك بيدك أو أمرك بيدك كان لها القضاء ما لم يفترقا من المجلس وما ذكر هو قول مالك الأول وقوله الآخر إن لها الخيار وإن افترقا ما لم توقف أو توطأ، وكلاهما في المدونة قال فيها وبالأول أخذ ابن القاسم وجماعة من الناس، واحتج بعض الشيوخ للقول الآخر بقوله (صلى الله عليه وسلم) لعائشة رضي الله عنهما لما خيرها
" ألا عليك لا تعجلي حتى تستأمري أبويك".
وأجيب بأنه (صلى الله عليه وسلم) قد جعل ذلك بيدها على هذا الوجه والخلاف إنما هو إذا لم ينص على أن ذلك بيدها بعد الافتراق ولا على عدمه وخروج اللخمي رحمه الله قولاً آخر ببقاء ذلك بيدها ثلاثة أيام من أحد قولي مالك في الشفعة إذا أوقف المشتري الشفيع على الأخذ أو الترك فطلب الشفيع أن يمهل ثلاثة أيام ليري رأيه ومن المصراة ومن التي تدعي الحمل وهو ينكره له فسخه في ذلك بعد الوضع من الذي اشترى سلعة بالخيار يمهل، ويضرب له من الأجل بقدر ما يختار في مثلها ويرد بفرق واضح وهو أن العصمة لا تقبل التأخير في احتمال حلها للزومية الخيار وشبيهة نكاح المتعة قاله بعض شيوخنا.
ونقل ابن عبد السلام عن بعضهم تخريج الخلاف من الشفعة فقط قال وهو تخريج ضعيف لأن الزوج بتمليكه طالب للجواب وشأن الجواب أن يكون بأثر السؤال وحق الشفيع واجب بالشرع لا بإمضاء المشتري واستدعائه الجواب ولذلك قيل في الشفعة: إن الشفيع باق على حقه أبداً وإن كان المشهور خلافه.
قلت: وهذا التضعيف يضعف به التخريج من بقية النظائر المذكورة.
وظاهر كلام الشيخ أن الحكم لها وإن طال المجلس حتى يفترقا بالأبدان وهو قول حكاه عياض عن نقل بعضهم وفي المدونة إن وثب حين ملكها يريد قطع ذلك عنها لم ينفعه ذلك وحد ذلك إذا قعد معها قدر ما يرى الناس إنها تختار في مثله ولم يقم فرار فلا خيار لها في ذلك، وقال في باب بعد هذا طال المجلس، وذهب عامة النهار وعلم أنهما قد تركا ذلك وخرجا مما كانا فيه إلى غيره فلا قضاء لها، وأجراه المازري على قول مالك إذا تأخر القبول في الوكالة بالزمان الطويل.
قال ابن عبد السلام: وقد يفرق بين الوكالة والتخيير لأن الوكالة التي ليست بعوض غير لازمة من جانب الموكل لأن الموكل إن رأى مصلحة أبقاه وإلا عزله، وأما الزوج فعليه ضرر في إنفاذ الخيار لكونه لازما له فلذلك تقيد خيارها بالقرب ويسقط بطول المجلس على أحد القولين قال خليل، وهذا الفرق وإنما يتم في الوكالة ليست بعوض وأما التي بعوض فلا للزومها وعلى هذا فلعل المازري رأي أن الغالب في الوكالة أن تكون بعوض ولم يلتفت إلى الفرق المذكور والله أعلم.
وظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الخيير جائز للرجل يرى أن يجعله بيد زوجته
وهو كذلك نص عليه الشيخ أبو عمران الفاسي قائلاً: ما علمت من كرهه إنما يكره للمرأة خاصة أن تطلق نفسها ثلاثة فيلزمه قيل له هو السبب في ذلك قال ليس من قصد البدعة كمن لم يقصدها حكاه ابن يونس وقيل: إنه مكروه، وقال أبو بكر القاضي في نقل الباجي وعزاه عبد الملك لأبي محمد عن بعض البغداديين قائلاً: الكراهة إيقاع الثلاث، قال بعض شيوخنا تشبيه يوجب حرمته وهو مقتضى قول اللخمي ويمنع لمنع الزوج من إيقاع الثلاث فإن فعل انتزعه الحاكم من يدها ما لم توقع.
(وله أن يناكر المملكة خاصة فيما فوق الواحدة):
يعني إذا ملكها وقضت باثنين أو ثلاث، وقال: إنما أردت واحدة فالقول قولها ويريد إذا قال ذلك فورا ويريد أيضا يحلف قاله في المدونة، قال ابن عبد السلام: ولا أعلم فيه نص خلاف وأصله من أيمان التهمة وهي مختلف فيما كما قد علمت، قال ابن المواز: وإن كانت المناكرة بعد الدخول حلف الزوج مكانه أن له الرجعة، وقال الباجي وغيره: لا يحلف إلا عند إراره الارتجاع وإن كانت قبل الدخول فإنه يحلف إذا أراد نكاحها باتفاق.
والحلف المذكور لا يكون إلا في الجامع لأن به ينفسخ وإرادة نكاح لا ينعقد بأقل من ربع دينار هذا هو الجاري على أصولهم فتدبره وسمع عيسى من ملك امرأته فقضت بالبتة فلم يناكرها وادعى أنه جاهل بأن له ذلك وأراد مناكرتها حين علم أنه لا يعذر بذلك وسمع أشهب وابن نافع من قال لامرأته: وليتك أمرك إن شاء الله فقالت: فارقتك لزمه فراقها فإن أراد بقوله اللعب لا الطلاق حلف ما أراد الطلاق ولا شيء عليه.
قال ابن رشد: الاستثناء في التمليك لغو كالطلاق وقوله في عدم إرادة الطلاق لأنه مستفت مع موافقتها له وهو جار على أصولهم فيمن ادعى نية مخالفة لظاهر لفظه وهو مستفت فينوي ولا يمين عليه وقوله " حلف ما أراد الطلاق" معناه لإن طالبه أحد باليمين.
(وليس لها في التخيير أن تقضي إلا بالثلاث ثم لا نكرة له فيها):
ما ذكر الشيخ أنه لا نكره له هو المشهور وقيل تقبل منه إراده طلقة رجعية على ظاهر قول سحنون وقيل: مثله إلا أن الطلقة بائنة قاله ابن الجهم وقيل: لا يلزمه في التخيير إلا واحدة بائنة مطلقا ذكره ابن خويز منداد عن مالك وقيل: إن اختارت نفسها فيلزمه الثلاث وإن اختارت زوجها ردت عليه الخيار عليه فهي واحدة بائنة حكاه
النقاش عن مالك ويريد الشيخ إذا كانت مدخولا بها وأما غير المدخول بها فله مناكرتها لبينونتها واختلف في المدخول بها إذا أعطته شيئا على أن يخيرها ففعل فقيل له المناكرة لأنها تبين بالواحدة كغير المدخول بها قاله سحنون وابن المواز، وقيل لا قاله مالك.
وظاهر كلامه لو قضت بواحدة فإنها كالعدم وهو كذلك قاله في المدونة وقال عبد الملك تلزمه الثلاثة ووجه بأن اختيار البعض فيما لا يتبعض اختيار له بكماله كمن طلق بعض طلقة ويرد بأن التخيير ظاهر في الثلاث لا نص فهو قابل للتبعيض ولذلك قال سحنون وابن الجهم: يقبل منه إرادة طلقة كما تقدم وبالجملة فيتحصل في المسألة ستة أقوال ظاهرة مما تقدم مع عزوها وذكرها عياض في تنبيهاته، وعلى ما في المدونة فهل تمكن بعد ذلك من أن تطلق نفسها بالثلاث أم لا فالمشهور أن ليس لها ذلك لأنها لما أوقعت واحدة وهي غير ما خيرت فيه صارت كالتاركة لمقتضى التخيير.
وقال أشهب: إن لها أن تقضي بالثلاث واختاره اللخمي لأنها ما تركت ما جعلت لها مطلقا وإنما تركته على شرط لزوم الواحدة فلما لم يحصل ذلك الشرط وجب أن لا يحصل المشروط وهو ترك ما فعل بيدها، قال ابن المواز متمما للمشهور إنما إذا أوقعت واحدة لا تلزم المراد ما لم يتبين منه الرضا بما أوقعته فيلزم ذلك وهل لزوم ما دون الثلاث على ما قاله ابن المواز من باب الطلاق بالنية أم لا؟ تردد بعض الشيوخ في ذلك.
وفي المدونة: وإن خيرها فقالت اخترت نفسي إن دخلت على ضرتي فإنها توقف فتختار أو تترك وعورضت بالمسألة السابقة إذا طلقت واحدة إنها يبطل ما بيدها وذلك لأن المخيرة في المسألة الأولى اختارت بعض حقها وهو الواحدة وأسقطت ما زاد عليها، كما أنها في المسألة الثانية أخذت بحقها في إحدى الحالتين، وهي إن دخلت عليها ضرتها وأسقطت غير ذلك من الأحوال ولذلك قال سحنون: إن قولها اخترت نفسي إن دخلت على ضرتي رد لما خيرها الزوج فقه فقد سوى بينهما وبينهما فرق ولولا الإطالة لذكرناه.
(وكل حالف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر فهو مول):
الإيلاء: في اللغة: هو اليمين، وقيل مطلق الامتناع.
وفي الاصطلاح قال ابن الحاجب: الإيلاء الحلف بيمين يتضمن ترك وطء الزوجة غير المرضعة أكثر من أربعة أشهر يلزم الحنث فيها حكما وللعبد أكثر من شهرين
وظاهره أنه لا يكون مواليا لا بزيادة مؤثرة قاله عبد الوهاب، فإذا عرفت هذا فاعلم أن ظاهر كلام الشيخ أنه إذا حلف أن لا يطأ حتى تفطم ولدها أنه مول، وهو قول أصبغ واختاره اللخمي.
وقال في المدونة: لا يكون موليا ومثله في الموطأ والموازية ولذلك قال ابن الحاجب: فيما سبق غير المرضعة وإنما لا يكون موليا عند مالك لأنه لم يقصد إلى الضرر بالزوجة وإنما قصد استصلاح الولد وأصل الإيلاء مراعاة الضرر، وعورض هذا بأن الإيلاء يصح من المريض مع أنه لا يريد الإضرار وإنما يريد استصلاح بدنه فإذا كان حال الولد مانعا من لزوم الإيلاء فرعي حال الحالف أولي فخرج من كل واحد منهما خلاف في الأخرى
وظاهر كلام الشيخ أنه إذا حلف على أربعة أشهر لا يكون موليا وهو كذلك في المشهور وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما، وروى عبد الملك عن مالك أنه يكون مواليه وبه قال أبو حنيفة والثوري ويريد الشيخ بقوله أكثر من أربعة أشهر بالنسبة إلى الحر وأما العبد فاختلف فيه فالمشهور امتناعه أكثر من شهرين وفي مختصر ابن شعبان أجله أربعة أشهر واختاره اللخمي وهو مذهب الشافعي.
(ولا يقع عليه الطلاق إلا بعد أجل الإيلاء وهو أربعة أشهر للحر وشهران للعبد حتى يوقفه السلطان):
ظاهر كلام الشيخ أنه إذا أوقفه السلطان أنه لا يمهل بل يجبر بالفيئة أو الطلاق ناجزاً وهو كذلك في سماع أشهب وابن نافع، وقال ابن رشد كسماعهما: لا يؤجل صاحب الشفعة لينظر وفي مختصر ابن عبد الحكم يؤجل ثلاثة أيام لذلك وحيث يطلق عليه السلطان فإنه يوقع عليه طلقة رجعية ولو طلق عليه ثلاثا خطأ أو جهلا سقط الزائد قاله ابن القاسم في سماع محمد بن خالد، وفي المدونة لا يفئ إلا بالجماع إن لم يكن له عذر ولا بالجماع بين الفخذين قال ابن عبد السلام وهو مشكل في النظر ألا ترى أن الكفارة تلزم بالوطء بين الفخذين إن لم تكن له نية في الفرج عند مالك
قال ابن شاس: الفيئة بمغيب الحشفة في القبل إن كانت ثيبا والافتضاض إن كانت بكرا.
قلت: واستشكله بعض ... شيوخنا قائلا: الأول كاف لاستلزامه الثاني، وقال ابن عبد السلام قد يقال يكفي أقل من مغيب الحشفة بناء على أصل المذهب في التحنيث
بالأقل، وفي رجم المدونة إن جامع في الدبر انحل الإيلاء لأنه عند مالك جماع لا شك فيه إلا أن ينوي الفرج بعينه فلا تلزمه كفارة في الدبر وهو مول، ولم يقره سحنون قال بعضهم إنما طرحها سحنون لأنها مسألة شنعاء يريد لأنها توهم إجازة وطء الزوجة هنالك، والمذهب على المنع منه.
قال ابن عبد السلام: ويحتمل أن يكون إنما طرحها لمخالفتها ما في إيلائها في الوطء بين الفخذين وفي حال الإيلاء بالوطء المحرم كوطء الحائض قولان ووطء المكره لغو كالمجنون قاله ابن شاس قال خليل وهو خلاف ما نص عليه ابن المواز وأصبغ في العتبية ونقله صاحب تهذيب الطالب واللخمي وصاحب البيان إن وطء المجنون في جنونه فيئة قال في البيان لأنها نالت بوطئه في جنونه ما نالت بوطئه في صحته.
(ومن تظاهر من امرأته فلا يطؤها حتى يكفر بعتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب ليس فيها شرك ولا طرف من حرية):
قال ابن الحاجب: الظهار تشبيه من يجوز وطؤها بمن يحرم واعترضها بعض شيوخنا بأنه غير مانع لقول المدونة من قال لزوجته: أنت على كفلانة الأجنبية فهي كالبتات وبأنه غير جامع لأن من قال: أنت على كرأس أمي مثلا أنه يلزمه الظهار لأن كلامه يقتضي تشبيه الجملة واعتراضه غيره بأنه غير مانع أيضا لأنه يدخل فيه ما إذا قال لإحدى زوجتيه أنت علي كظهر زوجتي الأخرى وبأنه غير جامع لخروج الزوجة الحائض منه إذا قال لها أنت على كظهر أمي فهو ظهار.
ورد بأن مراده بقوله من يجوز وطؤها من الأصل جواز وطئها، وإن كان قد يعرض عدم الجواز ولو شبه من زوجته ما هو شبه المنفصل عنها كالكلام والشعر أجراه ابن رشد على من طلق ذلك منها وفيه خلاف وحكمه التحريم قاله عبد الوهاب لأنه منكر من القول ونحوه رواية ابن شعبان يؤدب المظاهر، قال الباجي وفي المبسوط رواية بأن الظهار يمين تكفر وهي محتملة الجواز والكراهية وهي أرجح.
وظاهر كلام الشيخ أن للمظاهر الاستمتاع بغير الوطء كنظره إلى شعرها وكتقبيله إياها وهو كذلك في أحد القولين إلا أنه يستحب له عدم ذلك وقيل: إنه يجب عليه ترك الاستمتاع بذلك وعزا اللخمي منع رؤية شعرها لمالك في المدونة وعزا الجواز لابن القاسم في العتبية.
قلت: واعترضه بعض شيوخنا بأن ما نسبه للعتبية وهم إنما هو فيها لأشهب
وهي آخر مسألة من سماعه قال فيها ما نصه قال أشهب: قلت لمالك: هل يرى شعرها؟ قال: نعم أرجو ذلك، قال في المدونة: وجائز أن يكون معها في بيت ويدخل عليها بلا إذن إذا كان تؤمن ناحيته وجائز أن ينظر إلى وجهها وقد ينظر غيره إليه.
قال المغربي: معناه لذة، ويدل على هذا جواز النظر بغير لذة لغير عذر وفيه قولان بالجواز والمنع لما يتوقع وقد يقال معنى الكتاب وقد ينظره غيره إليه لعذر من شهادة أو مداواة أو خطبة والأول أظهر.
قلت: القول بالمنع لا أعرفه وقد سألت عنه كثيراً ممن يظن به حفظ المذهب فكل لم يعرفه كشيخنا أبي مهدي عيسى الغبريني أيده الله تعالى، فإن قلت: ما الفرق بين المظاهر وبين من طلق طلقة رجعية فإن الذي رجع إليه مالك لا يدخل عليها وكل منهما محرم.
قيل: لأن الرجعية منحلة العصمة منحلة النكاح بخلاف المظاهر منها فإنها ثابتة العصمة منحلة النكاح قال عياض.
قلت: ولا تجب الكفارة إلا بالعودة، واختلف فيها على خمسة أقوال:
أحدها: العزم على إمساكها قاله مالك ونحوه لعبد الله بن عبد الحكم ويحيى بن عمر، وقيل العزم على وطئها قاله مالك وحمل على المدونة وقبل العزم عليها رواة أشهب وبه قال أصبغ وتأول على المدونة أيضا وقيل الوطء نفسه حكاه ابن الجلاب ونصه ومن أصحابنا من قال: لا تجب الكفارة بالعودة على إحدى الروايتين عن مالك هو الوطء نفسه فعلى ما قال يجوز الوطء مرة ثم يحرم حتى يكفر، وقيل العودة مجرد بقاء العصمة وإن لم يعزم على الإمساك قال ابن رشد تأويلا لقول ابن نافع في المدونة.
(فإن لم يجد صام شهرين متتابعين):
لا خلاف أن الأمر كما قال لأنه بنص التنزيل، ولذلك قال في المدونة: من ظاهر وليس له إلا خادم واحد أو دار لا فضل فيها أو عوض ثمن رقبة لم يجزه الصوم لقدرته على العتق.
فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين عادم الماء فإنه يجوز له أن يتيمم إذا كان محتاجا لنفقة ما يشتريه به والله سبحانه لم يجز التيمم إلا عند عدم الماء كما لم يجز الصوم هنا إلا عند العجز عن العتق، قيل لأن آية التيمم مخصوصة بالذي لم يقدر على استعمال الماء، والعام إذا خصص ضعف في قول ولم يقع تخصيص لآية الظهار قاله
شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني أيده الله تعالى.
قال خليل: لأن المظاهر لما أدخل الظهار على نفسه شدد عليه ولأنه أتى المنكر والزور ولتكرار الوضوء ولأن الحكم في الظهار معلق على عدم المطلق بخلافه في التيمم فإنه معلق على وجود الصعيد وهو وجدان ما لا حرج فيه لقوله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) [الحج: 78].
قلت: ولم يذكر ابن عبد السلام غير الأخير قائلاً: ذلك من الفروق لكنه أحسنها واختلف متى يعتبر العجز عنه فالمشهور أنه يعتبر وقت الأداء.
ونقل محمد عن ابن القاسم أن من ظاهر وهو موسر فلم يعتق حتى أعدم وصام ثم أيسر فإنه يعتق فحمله الباجي على الاستحباب مستدلاً بمسألة الصلاة إذا تركها وهو قادر على القيام وصلي لكونه مريضا جالسا ثم صح فإنه لا يقضي ومسألة إذا ترك الصلاة وهو قادر على الطهر بالماء ثم تركها ثم قضاها بالتيمم.
وقال الفاكهاني: وفي باب الأيمان والنذور وكأنه من عنده مثلها مسألة الصلاة السابقة ولا أعرف في إعادتها خلافا وينبغي أن يختلف فيها ويرد بأنه في الظهار غير مأمور بالصوم وتركه ليس فيه محظور فلذلك أمره بالإعادة وفي الصلاة هو مامور بها لقوله (صلى الله عليه وسلم) " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فإن ذلك وقت لها فإن الله تعالى يقول: (وأقم الصلاة لذكرى) [طه: 14]
وذلك يناسب عدم الإعادة وقال شيخنا الغبريني أيده الله وانظر ابن عبد السلام فإنه نقل اعتذار عما ذكر الباجي ورده ولولا الإطالة لذكرناه وحمله ابن شاس وابن الحاجب على الوجوب فقالا ويعتبر العجز عن العتق، وقت الأداء، وقيل وقت الوجوب كالفاكهاني متبعين في ذلك أبا الحسن اللخمي رحمه الله تعالى.
قال ابن شاس: ولو تكلف المعسر الإعتاق فإنه يجزئه وما ذكره لا أعلم فيه خلافا قال ابن عبد السلام وهو ممن فرضه التيمم فتركه واغتسل وكمن فرضه في الصلاة الجلوس فتكلف القيام أو تكلف الصيام ولم يفطر، وتردد الغزالي في إجزاء الغسل إذا كان يخشي عليه الهلاك فاغتسل وصلي وسلم ومن قال كل مملوك أملكه إلى عشر سنين حر فلزمه ظهار وهو موسر فإن صبرت امرأته هذه المدة لم يصم وإلا صام
قاله سحنون.
قال ابن عبد السلام: وقد يقال إن طلبت الاحتياط فيه أن يشتري ويعتق ويصوم للخلاف في لزوم العتق المعلق على الملك، وقد علمت ما في الطلاق المعلق على النكاح من الخلاف والصائم لا يخلو إما أن يبتدئ في الشهرين بالأهلة أو بغيرها فإن صام بالأهلة كمل الشهرين ولو قصرا على الستين فإن أفطر في شهر لعذر فقيل يلزمه بقدر ما أفطر قاله سحنون مع ابن عبد الحكم وقيل يلزمه إكمال ثلاثين قاله عبد الملك وغيره، ولو ابتدأ بغير الأهلة فإن الشهر المبتدأ يكمل ثلاثين على المنصوص وخرج اللخمي على قول ابن عبد الحكم إنه يصام بقدر ما فات منه، ولا خلاف أنه إذا أفطر متعمداً أن يبتدئ كما أنه لا خلاف إذا أفطر لمرض أنه يبني.
واختلف إذا أفطر خطأ كمن ظن أن الشمس غربت أو نسيانا على ثلاثة أقوال حكاها ابن بشير ثالثها يبني في النسيان ويبتدئ في الخطأ ولما ذكرها ابن الحاجب قال والمشهور لا يقطع واعترضه خليل بأن اللخمي إنما عزاه لابن عبد الحكم ومثله لصاحب البيان وغيره.
قلت: ما ذكر عن ابن رشد صحيح قال في سماع يحيى المشهور لا عذر بتفرقة النسيان وعذره به ابن عبد الحكم وما ذكره عن اللخمي فغير صحيح إنما ذكر عدم القطع عن المدونة في الخطأ وخرجه في النسيان والقطع للموازية نصا في النسيان وخرجه في الخطأ، وذكر عن ابن عبد الحكم أنه يبني في النسيان قال وهو أبين لقوله عليه الصلاة والسلام " حمل عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" فسوى بين النسيان، والاستكراه ثم قال: وأما الجاهل فيبتدئ الصوم في ذي القعدة أو ذي الحجة، والصواب أنه يبتدئ الصوم بخلاف الناسي فلم يعز بعض شيوخنا الثالث لنقل اللخمي إلا لاختياره وكأنه رأى أن قول ابن عبد الحكم يرجع لمذهب المدونة على تخريجه والغالب أن كل ما في المدونة هو المشهور فصدق ما ذكره ابن الحاجب، وإن كان الثالث هو لابن عبد الحكم مع اللخمي فليس هو المشهور الذي ذكره ابن الحاجب وبطل قوله ولم يعزه إلا لابن عبد الحكم وجعل اللخمي في فرض المسألة الجهل عوض الخطأ.
(فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا مدين لكل مسكين)
لا خلاف أنه يطعم ستين مسكينا قال اللخمي لأنه بنص التنزيل، واختلف في مقدار ما يعطي لكل مسكين، فقيل مد بمد النبي (صلى الله عليه وسلم) قاله ابن القصار وبه فسر اللخمي قول ابن الماجشون وإن غدى أو عشى أجزأه وعزاه الباجي لابن كنانة، والمشهور أنه لا يعطي إلا بمد هشام وهو مذهب المدونة، واختلف في قدره على أربعة أقوال، فقيل مد وثلثان قاله في المدونة وهو المشهور، وقال ابن حبيب: مد وثلث، وقيل مد ونصف نقله ابن بشير، وقيل إنه مدان رواه البغداديون وهو الذي ذكر الشيخ رحمه الله تعالى بالنسبة إلى أن المدين هنا مقدار ما يخرج فيتحصل في مقدار ما يعطى لكل مسكين خمسة أقوال، ومد هشام جعله لفرض الزوجات قاله ابن حبيب وهو هشام بن إسماعيل بن الوليد بن المغيرة المخزومي وكان واليا بالمدينة لعبد الملك بن مروان.
واختلف إذا لم يكف الفقير مد هشام هل يزاد أم لا؟ فقال بعض الشيوخ إنه يزاد قال عياض: وظاهر المدونة خلافه في قولها ويطعم الرضيع من الكفارات إذا كان قد أكل الطعام ويعطى ما يعطى الكبير، قال في المدونة: ولا يجزئ فيها عرض ولا ثمن فيه وفاء بالقيمة وخرجه بعضهم على إجزاء القيمة في الزكاة ورده بعض شيوخنا بظهور التعبد في الكفارات ومن نقل ابن الحاجب لا تجزئ القيمة في كفارته وقيل كاليمين بأن كلامه يقتضي خلافا فيها منصوصاً ولا يذكره في اليمين ومثله الخليل قائلاً: ولا يقال إن المصنف شبه لإفادة الحكم لأنه لم يذكر هنا حكما والأقرب في هذا المحل أن يكون معنى قوله.
وقيل كاليمين في إجزاء الغداء والعشاء وهو قول ابن الماجشون، وقد يقال على بعد وقيل كاليمين أي إذا قلنا فيه مد النبي (صلى الله عليه وسلم) فهل يزاد ثلث المد أو نصفه.
(ولا يطؤها في ليل أو نهار حتى تنقضي الكفارة):
يعني أن التي ظاهر منها لا يطؤها بالإطلاق ودل كلامه أن غير التي ظاهر منها توطأ وهو كذلك بالإطلاق في الإطعام وليلا في الصيام.
(فإن فعل ذلك فليتب إلى الله سبحانه):
يعني إن فعل ذلك عمداً وإما إن فعل ذلك نسيانا فلا يفتقر إلى توبة لقوله (صلى الله عليه وسلم) " حمل عن أمتى خطؤها ونسيانها وما استكرهوا عليه" أي حمل أئمة عن الأمة.
(فإن كان وطؤه بعد أن فعل بعض الكفارة بإطعام أو صوم فليبتدئها):
سياق كلام الشيخ رحمه الله تعالى يقتضي إن فعل ذلك عمداً وما ذكر هو المذهب في الصوم وهو المشهور في الإطعام، وقال ابن الماجشون: ومن وطئ قبل تمام إطعامه أحب إلى أن يبتدئ قال اللخمي هذا الداعي أحد قولي الثوري فجوز له أن يطأ قبل تمامها وفي نوازل أصبغ من قبل امرأته في صوم ظهاره استغفر الله ولا شيء عليه.
وقال سحنون وقيل إنه يستأنف قال في سماع أبي زيد وهو قول مطرف وابن الماجشون.
وظاهر كلام المؤلف على ما قلناه من السياق أنه لو فعل ذلك ناسيا أنه يعذر به وهو كذلك في أحد القولين تخريجا على قول اللخمي قال يختلف فيه كأكله نسيانا، وقال ابن حارث عن أشهب يتمادى ويصل قضاءه.
(ولا بأس بعتق الأعور في الظهار وولد الزنا):
اعلم أن العيوب على ثلاثة أقسام: قسم لا يجزئ بلا خلاف من حيث الجملة وهو الذي يمنع الكسب ويشين وفي إجزاء المجنون في أقل الأزمنة كمرة في شهر قولان لأشهب ومالك عن ابن القاسم وعكسه عكسه والثالث ما يشين ولا يمنع الكسب كالعور وفيه اختلاف وجعل من أمثلته في التهذيب كجدع أذن وتعقبها عبد الحق بأن في الأم كجدع في أذن فإذا عرفت هذا فاعلم أن قول الشيخ لا بأس هنا لما هو خير منه لرعي الخلاف إذ هو شبهة، ولقائل أن يقول الصواب أن لا بأس هنا لصريح الإباحة ألا ترى إلى قوله في المدونة وأجاز مالك عتق الأعور وقد قدمنا هذا عن قرب.
(ويجزئ الصغير ومن صلى وصام أحب إلينا):
ما ذكر مثله في المدونة زاد فيها عن ابن القاسم يريد من عقل الصلاة والصيام، قال ابن القاسم تفسيره صحيح بناء على أن الكافر إذا أسلم فتشهد بالشهادتين فلم
يصل ثم ارتد أنه يقتل وحكى ابن القاسم أنه لا يقتل حتى تتقدم منه صلاة.
ويريد الشيخ أن نفقته عليه حتى يبلغ الكسب وهو كذلك حسبما كان يدرس به بعض من لقيته من القرويين، ويفتي به قائلاً: نص عليه أبو حفص العطار قلت: ويؤخذ ذلك من المدونة من كتاب التجارة بأرض العدو، ومن أعتق ابن أمته الصغير فله بيع أمه ويشترط على المبتاع نفقة الولد ومؤنته قال المغربي: وأقام الشيخ منها أن من أعتق زمنا كانت نفقته عليه ومثله في كتاب ابن المواز وقيل نفقته على السلطان وعلى المسلمين قلت: وهو الصواب فيه وفي الصغير فإن قلت ظاهر كلام الشيخ إن أعتق الشغير لا يشترط فيه العجز عن القدرة على الكبير، وهو مخالف لظاهر المدونة قال فيها ويجزئ عتق الصغير والعجمي في كفارة الظهار إذا كان من قصر النفقة قلت: الأمر كما قلناه عند بعضهم، ونقله ابن عبد السلام ولكن قد قيدها أبو عمران.
وصوب على أن ذلك على طريق الاستحباب قائلا: ولو أعتق صغيرا وهو قادر على غيره لأجزأه قال أصبغ: ومن أعتق منفوسا ثم كبر وأخرس أو أصابه جنون أو صمم فلا شيء عليه وقد اجزأه وهذا شيء يحدث بعد ذلك وكذلك في البيع لا يزد به قاله ابن محرر: وأما الشيخ الزمن فإنه لا يجزئ والفرق بينه وبين الصغير أن الصغير يقدر على الكسب في الحال بخلاف الشيخ الكبير ومن أعتق عبداً معضوبًا له فإنه يجزئه لأن ملكه باق عليه فقد أخرج رقبة من الرق ولا يجزئ المنقطع الخبر لأنه لا يدري أموجود هو أو معدوم صحيح أو معيب ما لم تعلم سلامته بعد ذلك نص عليه في المدونة في آخر الضوال والإباق وعارضها المغربي بقول ظهارها إذا أعتق ما في بطن أمته فإنه لا يجزئه ويعتق إذا وضعته ويجاب بأن ما في البطن أشد غررا والله أعلم.
(واللعان بين كل زوجين في نفي حمل يدعي قبله الاستبراء أو رؤية الزنا كالمرود في المحكلة واختلف في اللعان في القذف):
قال ابن الحاجب: اللعان يمين الزوج على الزوجة بزني أو ينفي نسب ويمين الزوجة على تكذيبه وأبطل لكون غير جامع بلعان من لا يجب على زوجته لعان، وبلعان من إيان زوجته لأن كونه زوجا مجاز وأبطل كونه غير مانع بحلفها مرة قال ابن رشد وغيره لا خلاف أنه يلاعن في ثلاث مسائل وهي أن ينفي حملا لم يقربه، وادعى استبراء أو ادعى رؤية لا مسيس بعدها في غيرها ظاهره الحمل أو قال ما وطئتها قط أو منذ وضعت منذ مدة عينها لما تلحق لمثله الأنساب.
واختلف في ثلاث مسائل وهي أن يقذفها ولا يدعي رؤية وأن ينفي حملا ولا يدعي استبراء ويدعي رؤية ولا مسيس بعدها في بينة الحمل وما ذكر الشيخ أنه يشترط في رؤية الزنا الصفة التي ذكرها هو سماع أشهب وابن نافع، ونقل أبو محمد في نوادره عن ابن القاسم أن قوله رأيتها تزني كاف ونقله ابن رشد عن ابن نافع، واختلف في مقدار الاستبراء الذي يدعي الزوج على أربعة أقوال، فقيل بحيضة وقيل بثلاثة والأخير منهما لعبد الملك وأكثر أصحابه وعن عبد الملك أيضًا إن كانت أمة فحيضة وإن كانت حرة فثلاث والمغيرة لا ينفيه إلا بخمس سنين فاعتبر الأمد وله القولان الأولان أيضًا.
وقال ابن عبد السلام: الأظهر هو القول الأول لأن المطلوب ما يحصل به الظن، وذلك يحصل بحيضة واحدة وظاهر حديث هلال بن أمية أنه لا يحتاج إلى الاستبراء فإن لم يكن إجماع فالأظهر عدم اشتراطه، قال في المدونة: ويلاعن الأخرس بما يفهم عنه من إشارة أو كتابة وكذلك يعلم قذفه ويقوم منها جوز شهادته وهو قول أبي إسحاق في زاهيه واختار أبو حفص العطار أنها لا تجوز قياسًا على المحرم ولا تجوز شهادته، وتجوز في الأحكام التي بينه وبين غيره قاله وخالفوني فيها ذكر ذلك في كتاب الحمالة من تعليقه وقال غيره لا يجوز ويقوم منها أيضا إن إشارته في صلاته تتنزل منزلة كلام غيره فتبطل مع العمد قال ابن العربي في القبس.
ووقعت في دمشق فقال شيخنا أبو الفتح لا تبطل لأن الإشارة لا تبطل الصلاة إجماعا وقال شيخنا أبو حامد: تبطل لأن إشارته كلام والكلام محرم على الأبكم في الصلاة على قدره ولا يقوم منها أن شهادة المفهوم يعول عليها لأن إشارته ككلام غيره وفي ذلك ثلاثة أقوال: العمل بها لسماع أشهب وابن نافع مع سماع أصبغ وابن القاسم وعكسه قاله ابن القاسم في سماع يحيى وقيل بالأول وتثبت شهادته بذلك ذكر ذلك ابن رشد في التخيير والتمليك، ووقعت في زمان ابن عبد السلام في مال معتبر وحكم بأعمال الشهادة.
(وإذا افترقا باللعان لم يتناكحا أبدًا):
ظاهر كلام الشيخ أن الافتراق لا يكون إلا بتمام لعانهما حتى لو لم يبق من لعان المرأة إلا مرة واحدة وأكذب الزوج نفسه بقيت له زوجة وجلد الحد هو معروف من