باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- التنوخي، ابن ناجي
- الكتاب
- شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني
- المؤلف
- قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيرواني (المتوفى: 837هـ)أعتنى به: أحمد فريد المزيدي
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
واللعان والخلع والرضاع
قال ابن بشير: النكاح عقد على البضع بعوض واعترضه بعض شيوخنا بأنه غير مانع لدخول بعض صور الزنا وإن أراد صحيحه فيعترض أيضا بدخول نكاح المعتمد وما عقد بغير ولي وكثير من صور فاسدة، وقال ابن عبد السلام: ترك ابن الحاجب تعريفه اكتفاء بذكر أركانه: الصيغة والولي والزوج والزوجة والصداق إذ لا معنى للحد إلا ذكر مجموع الأجزاء.
واعترضه شيخنا بأن ما ذكره أركانه الحسية لامتناع حملها عليه لا المعنوية وحده الجامع المانع عقد على مجرد متعة التلذذ بآدمية غير موجب قيمتها ببينة قبله غير والكافي بعد أن يسلم له عدم اعتبار الهيئة الاجتماعية في التعقل الثانية لا الأولى، وقال: عالم عاقدها حرمتها إن حرمها الكتاب على المشهور أو الإجماع على الآخر وهو مندوب إليه من حيث الجملة.
قال اللخمي: وهذا لمن لا أرب له إن رجى نسله وإلا فمباح كالعقيم والشيخ الفاني والخصي والمجبوب وذو أرب كالأول إن قدر على العفة وإلا وجب وإن لم يعفه صوم أو تسر وإلا فهو أولى منها والمرأة مثله، إلا في التسري لا متناعه عليها وصيغته كل لفظ يدل على التأبيد مدة الحياة كأنكحت وزوجت وبعت.
واختلف هل ينعقد بلفظ الهبة أم لا؟ فقيل: ينعقد قاله القاضيان ابن القصار، وعبد الوهاب وقيل: عكسه وقيل: وإن ذكر الصداق فالأول وإلا فالثاني قاله ابن القاسم، وهذا والذي قبله كلاهما لمالك ونص على ذلك ابن عبد البر قال ابن القصار ولفظ الصدقة كالهبة، وقيل: إنها لغو قاله ابن رشد والإحلال والإباحة لا ينعقد بهما عند ابن القصار خلافا لبعض أصحابه قيل وزعم ابن عبد البر والإجماع على الأول.
(ولا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدين عدلين):
مذهبنا أن الولي شرط في العقد وقال أبو حنيفة للمرأة أن تعقد النكاح على نفسها قياسا على بيعها وشرائها ووافق على أن وجود الولي أكمل واحتج أهل المذهب بما خرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة وصححه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " لا تزوج
المرأة المرأة ولا المرأة نفسها" فإن الزانية هي التي تزوج نفسها، وما ذكره أصحابنا لا يرد به على أبي حنيفة لما تقدم من مذهبه أنه يقدم القياس على خبر الآحاد ونقل بعض أئمة الشافعية عن مالك مثل قول أبي حنيفة في الدنية.
قال ابن عبد السلام: وهو غلط لا شك فيه وأما الصداق فهو أحد أركان النكاح كما سبق لابن الحاجب ورده بعض شيوخنا بدليل صحة نكاح التفويض قال: والأظهر أنه غير ركن في صحيح النكاح وإسقاطه غير مناف له، وأما الشهادة فهي شرط في جواز الدخول لا في صحة العقد.
وقال الشافعي وأبو حنيفة: هي شرط في العقد قال عياض وهو ظاهر رواية أشهب: فإذا عرفت هذا فاعلم أن ما ذكره الشيخ من قوله ولا نكاح إلى آخره هو لفظ الحديث الوارد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) فإذا حملنا لفظ نكاح من قوله: " ولا نكاح إلا بولي" على العقد لزم التخصيص لخروج نكاح التفويض ولو حملناه على الوطء لم يلزم ذلك ونبه على هذا ابن عبد السلام وهو بين.
(فإن لم يشهدا في العقد فلا يبن بها حتى يشهدا):
فإن وقع الدخول ولم يقع الإشهاد فإنه يفسخ بطلقة لأن العقد وقع صحيحا بدليل لو وقع الإشهاد قبل الدخول لصح النكاح خلاف ظاهر رواية أشهب كما سبق وتكون هذه الطلقة بائنة؛ لأنها من طلاق القاضي والأصل فيما يوقعه القاضي من الطلاق أن يكون بائنا ثم إن وقع وجهالة فلا حد اتفاقا وعكسه عكسه.
واختلف إذا وجد أحد الوصفين والشاهد الواحد فشو قاله ابن الماجشون وغيره.
وقال ابن الحاجب: والإشهاد شرط في جواز الدخول لا في صحة العقد فإن دخل قبله فسخ بطلقة بائنة، وقيل: ويحدان إن ثبت الوطء ما لم يكن فاشيا وعن ابن القاسم ما لم يجهلا فظاهر كلامه أن المذهب سقوط الحد في جميع الصور وأن من أهل المذهب من اعتبر الفشو في سقوط الحد وأن ابن القاسم اعتبر الجهالة.
قال ابن عبد السلام: وهذا شيء لا يقوله أحد من أهل المذهب؛ لأن الحد ساقط مع انتفاء الفشو والجهالة.
(وأقل الصداق ربع دينار):
اعلم أن أقل الصداق ربع دينار أو ثلاثة دراهم ما قيمته أحدهما في مشهور المذهب وقيل: تعتبر القيمة للدراهم فقط نقله المتيطي عن ابن شعبان ونقله اللخمي بلفظ (قيل) قائلاً: هو كقول ابن القاسم في نصاب السرقة.
وقال ابن وهب في الواضحة: يجوز بأدنى من درهمين وما تراضى عليه الأهلون هكذا نقله المتيطي، ونقل اللخمي عنه: يجوز بالدرهم والنعل والسوط واعتمد إنما قطعت في ربع دينار نكالاً لخيانتها والنكاح مباح جائز فلا يقاس أحدهما على الآخر ونحو هذا الاعتراض لابن الفخار على ابن العطار فتأمله قال المتيطي وغيره: ويشترط الخلوص في الذهب والفضة، وأشار ابن عبد السلام إلى أنه يمكن تخريج الخلاف في اشتراط الخلوص من الزكاة وقبله خليل، وأما أكثره فلا حد فيه.
قال ابن عبد البرد بلا خلاف لقوله تعالى: (وءاتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئاً) [النساء:20]
قال ابن الجلاب: ولا أحب الإغراق في كثرته ونقله عياض في الإكمال عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مستدلاً بفعله (صلى الله عليه وسلم) فإن قلت: قول عمر يناقض فعله؛ لأنه أصدق أم كلثوم بنت علي أربعين ألفا ولا سيما إن أصدقتهم كانت على النقد.
قلت: لا مناقضة بينهما لأن الإغراق معتبر بالأشخاص فمن كان وافر المال جدا حتى لا تكون الأربعون ألفا في حقه كالعدم فليس بإغراق والله أعلم فمن نكح بأقل الصداق فإن كان قبل الدخول فالزواج بالخيار بين أن يتمه أو يفسخ النكاح، وقيل: لا بد من تحتم الفسخ قاله بعض الرواة وكلا القولين في المدونة، وفسر المتيطي بعض الرواة بابن الماجشون، وعلى الأول لو اختار الفسخ ففي لزوم نصف المسمى قولان، وأما إذا طلق ففي المدونة لها نصف الدرهمين، وحكي ابن بشير قولا بانه لا شيء لها ولم يحكه اللخمي إلا بالتخريج على قول الغير وتعقبه بعض شيوخنا بقول ابن كنانة: إذا طلق وهو مختار فيلزم بخلاف إذا فسخه الحاكم وأما إذا وقع الدخول فإنه يتمه جبراً وفي رواية الدباغ عن الغير أنه يفسخ ويكون لها صداق مثلها كمن تزوج بغير صداق.
(وللأب إنكاح ابنته البكر بغير إذنها وإن بلغت وإن شاء شاروها):
أما إن لم تبلغ البكر فالاتفاق على أنه يجبرها على النكاح وإذا بلغت فكذلك
على المشهور ومال الشيخ أبو الحسن اللخمي إلى عدم جبرها لحديث مسلم " البكر يستأذنها أبوها" ونحوه لابن الهندي، وأفتى به الشيخ أبو القاسم السيوري فيما ذكر بعض من جمع فتاوى جماعة من الإفريقيين.
قال في المدونة: ولا يجبر أحد أحدا على النكاح إلا الأب في ابنته البكر وظاهرها ولو كانت البكر مرشدة، وهو كذلك في اختيار ابن عبد البر قال المتيطي وغيره: المشهور ولا يجبرها، وعليه فإذنها لابد أن يكون نطقا قاله ابن الهندي وابن القطان والباجي وهو المشهور، وقيل: صماتها كاف قاله ابن لبانة، وقيل مثله إن كان صداقها عينا وإن كان عرضا طولبت بالكلام قاله غير واحد، وظاهرها ولو كانت معنسة وهو أحد قولي مالك من رواية محمد بن المواز وروى ابن وهب عنه لا يجبرها.
ونقله أبو إبراهيم عن مالك قائلاً: ومثله رواية عبد الرحيم في كتاب الكفالة، واختلف في حد التعنيس فقيل: الأربعون سنة وقال ابن وهب ثلاثون سنة وقيل: خمس وثلاثون سنة وقيل: خمس وأربعون وقيل: من الخمسين إلى الستين وقيل: ثلاثة وثلاثون وقيل: خمسون فيتحصل فيها سبعة أقوال، وكل هذا في ذات الأب، وأما إن كانت مهملة فقيل لا يبلغ بها الثلاثين ولابن الماجشون يبلغ بها ذلك.
وقال أصبغ: أربعون وقيل: من الخمسين إلى الستين، ولما ذكر ابن عبد السلام هذه الأقوال قال: وأنت تعلم أن وجود دليل شرعي على مثل هذا التحديث متعذر وحيث يجبر الأب ابنته فهل يستحب له أن يستأذنها أم لا؟ اختلف في ذلك على قولين حكاهما اللخمي وتعقبه ابن بشير بأن ظاهر المذهب استحبابه اتفاقا، ورده بعض شيوخنا بنقل الباجي روى عيسى عن ابن القاسم إنكاره ومثله لخليل قائلاً: في كلام اللخمي نظر من وجه آخر وذلك أنه نسب القول بعدم الاستحباب للمدونة وهو لا يؤخذ منها لأن الذي فيها ليس المشهور لازمة وذلك لا ينافي الاستحباب، والاستحباب أولى وهو الذي اقتصر عليه ابن الجلاب للخروج من الخلاف ولتطييب قلبها ولأنها قد يكون بها عيب فتظهره حينئذ.
(وأما غير الأب في البكر وصي أو غيره فلا يزوجها حتى تبلغ وتأذن وإذنها صماتها):
يريد إلا أن ينص الأب للوصي على الإجبار فيتنزل منزلته وقيل: والولي والوصي سيان وقيل: لا ولاية لوصي وهو كالأجنبي حكاه ابن بشير ولو لم يسم قائله وعزاه ابن عات لحكاية ابن مغيث عن منذر بن سعيد محتجا بقوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام (فهب لى من لدنك وليا (5) يرثنى) [مريم: 5 - 6]
، والوصي ليس بوارث فدل على أنه غير ولي وفيه أقوال لولا الإطالة لذكرناها، وكذلك اختلف في مقدم القاضي فقيل: إن ولي النسب مقدم عليه؛ لأنه مقدم على القاضي والمقدم مقدم قاله ابن حبيب، وقيل: إن المقدم غير واحد قال: لأن القاضي أنزله منزلة الأب.
وأما غير الوصي كالأخ فهل له أن يزوج اليتيمة قبل البلوغ أم لا؟ اختلف في ذلك على خمسة أقوال، فقيل: لا يزوجها كما قال المؤلف وهو المعروف في المذهب، وقيل: إنه يجبرها على النكاح وعزاه المازرى لقولة شاذة.
وقيل بالأول إن لم تطق المسيس وبالثاني أن أطاقته حكاه ابن حارث عن رواية وخيف عليها الحاجة.
قال ابن بشير: اتفق المتأخرون عليه إن خيف فسادها.
قال ابن عبد السلام: وعليه العمل ببلدنا اليوم مع زيادة بلوغ سنها عشر سنين مع مشورة القاضي، وقيل: تزوج ولها الخيار إذا بلغت نقله ابن الحاجب وتعقبه ابن عبد السلام ابن نافع قائلا: اتفقوا على منعه قبل إطاقتها المسيس وقيل: يجبرها إن كانت مميزة بأن غيره إنما حكاه بعد الوقوع.
وإذا فرعنا على القول بالمنع فإنها تخير وقوي نقل غيره بأن نقل أهل المذهب يقتضيه لأن الخيار عندهم مناف لعقده النكاح وأجابه خليل رحمه الله بتصريح ابن شاس بأن ذلك ابتداء وبقربه من إحدى روايتي ابن الجلاب أن
النكاح جائز، ولها الخيار إذا بلغت في فسخه وإمضائه وما ذكر الشيخ أن إذنها صماتها صحيح قال في المدونة: إن قال وليها إني زوجتك من فلان فسكتت فذلك منها رضا قال غيره: إذا كانت تعلم أن السكوت رضا، فقيل وفاق قاله حمديس، وقيل خلاف قاله سحنون وابن حارث واختلف رأي أبي عمران فقال مرة بالأول ومرة بالثاني ومرة بالوقوف حكى هذه الأقوال الثلاثة عنه المتيطي.
قال شريح في المدونة: فإن معصت وجهها لم تنكح وفسر ذلك بلطم وجهها قاله أبو إبراهيم والأقرب تفسير غيره أي غطت وجهها، وأقيم منها أن بكاءها يدل على عدم رضاها وهذه الإقامة لأبي إبراهيم ومثله في ابن الجلاب، وقيل: إنه رضا كالضحك لنقل ابن مغيث نزلت، واختلف فيها وحكم بإمضاء النكاح، وقلت: ووجهه أن بكاءها لكونها تذكرت إياها على ما جرت به العادة.
(ولا يزوج الثيب أب ولا غيره إلا برضاها وتأذن بالقول):
ظاهر كلام الشيخ سواء كانت سفيهة أو رشيدة وهو كذلك في الرشيدة باتفاق وفي السفيهة على المشهور، وقيل الأب يجبرها حكاها المتيطي عن بعض القرويين لنقل ابن المواز عن أشهب: لا إذن لسفيهة في نفسها ولا مالها كالبكر وظاهر كلام الشيخ ولو كانت الثيوبة من زنا لا تجبر وهو كذلك عند ابن عبد الحكم ذكره ابن حارث وغيره وهو مذهب ابن الجلاب.
وقيل: إنها تجبر على النكاح قاله في المدونة وقيل: إن تكرار الزنا منها حتى زال جلباب الحياء عن وجهها لم تجبر وإلا تجبر وإلا جبرت قاله القاضي عبد الوهاب لمناظرة وقعت بينه وبين مخالفه في عله الإجبار هل هي البكارة أو الحياء واختار اللخمي الأول أنها لا تجبر ويكون إذنها كبكر فيجمع عليها حكم الثيب وحكم البكر.
وعزاه ابن رشد للشيخ أبي محمد وعزاه أبو إبراهيم لمحمد بن وضاح فيتحصل في المسألة أربعة أقوال وجعل بعض الشيوخ قول القاضي عبد الوهاب تفسيرا للمديونه وهو الأقرب؛ لأنه إنما قصد المناظرة عن المذهب.
قال ابن رشد: والوطء بالغصب كوطء الزنا ولم يرتضه بعض شيوخنا قائلا: المغتصبة أقرب إلى الجبر.
قلت: وهذا التضعيف إنما يتمشى أن لو قصد التخريج ولكنه ذكر الخلاف فيها بالنص.
فقال في مقدماته: اختلف فيها إذا زنت أو غصبت فقيل: حكمها حكم البكر عموما وقيل: حكم الثيب، وقيل: مثلها في أنها لا تزوج إلا برضاها وحكم البكر في أن إذنها صماتها.
وظاهر كلام الشيخ إن ثيبت قبل البلوغ أنها لا تجبر وهو أحد الأقوال الثلاثة وقيل: إنها تجبر وقيل: إن أراد أن يزوجها قبل البلوغ فله الجبر وإلا فلا.
(ولا تنكح امرأة بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها كالرجل من عشيرتها أو السلطان):
قال في التهذيب: وقول عمر لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان فذو الرأي من أهلها كالرجل من العشيرة أو العم والمولى.
وقال عنه ابن نافع: هو الرجل من العصبة ونقل أبو إبراهيم عن عبد الملك هو الرجل من البطن وقال اللخمي: اختلف في معنى ذي الرأي فقيل: هو الرجل الصالح والفاضل، وقيل: هو الوجيه الذي له رأي ومن يرجع إليه في الأمور فيتحصل فيه ابن نافع قائلا: اتفقوا على منعه قبل إطاقتها المسيس وقيل: يجبرها إن كانت مميزة والفاضل، وقيل: هو الوجيه الذي له رأي ومن يرجع إليه في الأمور فيتحصل فيه قولان وفي كيفية كونه من أهلها ثلاثة أقوال وقول عمر الى الترتيب عند اللخمي وعلى التخيير عند الباجي ولا يكون الحاكم وليا في النكاح حتى يثبت عنده أربعة عشرة فصلا، وهي كونها صحيحة بالغة غير مولي عليها ولا محرمة على الزوج وأنها حرة وأنها بكر أو ثيب وإن لا ولي لها أو عضله لها أو غيبته عنها وخلوها من الزوج والعدة ورضاها بالزوج والصداق وأنه كفؤ لها في الحال والمال وأن المهر مهر مثلها في غير المالكة أمر نفسها، وإن كانت غير بالغ فيثبت فقرها وأنها بنت عشرة أعوام فأكثر أنظر وثائق الغرناطي.
(وقد اختلف في الدنية تولي أجنبيا):
اختلف في ولاية الإسلام مع ولاية النسب على ثلاثة أقوال حكاها غير واحد فقيل: لها مدخل ويصح ذلك إن وقع مع وجود ولي النسب حكاه القاضي عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وقيل: إن الدنية وغيرها سواء لا يزوجها إلا ولي أو سلطان، رواه أشهب وقيل بالأول في الدنية وبالثاني في غيرها قاله مالك في المدونة ونصها: قيل لمالك في رجال من الموالي يأخذون صبيان الأعراب تصيبهم السنة فيكفلونهم ويربونهم حتى يكبروا فتكون فيهم الجارية فيريد أن يزوجها فقال: ذلك جائز، ومن أنظر لها منه وأما كل امرأة لها بال وغنى وقدر فتلك لا يزوجها إلا وليها أو السلطان.
قال ابن رشد: يريد بغير رضاها؛ لأنه جعله بحضانتها كوكيل على إنكاحها لا يفتقر إلى رضاها، وقال ابن حبيب في روايته عن مالك: إذا مات أبوها أو غاب أولياؤها فإنه يزوجها وإلا فلا وقول أبي إبراهيم، وعلى هذا حمل الشيوخ المسألة على أنها غير ذات أب خلاف ما تقدم لابن رشد، وظاهر المدونة، والحاصر لا يزوج إلا الدنية فقط قال المتيطي: وظاهر قول ابن العطار أنه ولي مطلقا وأقيم منها أن الحاضن يبيع ربع المحضون، وهذه الإقامة لأبي عبد الرحمن وغيره ونحوه لابن لماجشون في الواضحة وهو أحد الأقوال الأربعة، وقيل: إنه لا يبيع أخذه من كتاب القسم من المدونة فيمن كنف أخا له صغيرا قال: لا يجوز بيعه عليه ولا قسمه وهو قول أصبغ في الثمانية وقيل بالأول في اليسير، وبالثاني في الكثير قاله في العتبية، وقاله أصبغ أيضا، وبه مضي عمل الموثقين وقيل بالأول إن كانت البلدة لا سلطان فيها، وبالثاني إن كان فيها قاله ابن الهندي، وكلاهما ذكره المتيطي قائلا: وعلى الثالث، واختلف في مقدار اليسير على ثلاثة أقول فقال بعض الاندلسيين عشرة دنانير ونحوها.
وقال ابن العطار عشرون ونحوها وقال محمد ثلاثون.
قلت: ويقوم منها أن له أن يرشدها، وأباه شيخنا أبو مهدي عيسي الغبريني أيده الله تعالى قائلا: هو اشد وما قلناه أولى؛ لأن التسلط على ذاتها أشد فهو أحروي والله أعلم.
فإن قلت: ما بال البراذعي اختصرها سؤالا وجوابا كما هو في الأم؟ قلت: لأنها فيها الخلوة بالأجنبية، وفي إجازة المدونة: أكره للأعرابي أن يؤاجر غير ذي محرم منه حرة أو أمة وظاهر المدونة أنه لا حد لمقدار زمان الحضانة وإنمايرجع في ذلك إلى العرف وإلى هذا ذهب بعض الشيوخ وقال بعض الموثقين: إنها محدودة بعشر سنين.
وقال أبو محمد صالح: أقلها أربعة أعوام وظاهرها أيضا أن الولاية للحاضن ولو طلقت أو ماتت وهو كذلك عند ابن عتاب، وقيل: لا تعود قاله ابن العطار في وثائقه، وقيل: إن كان خيرا فاضلا عادت وإلا فلا قاله ابن الطلاع في وثائقه وقيل: إن عادت إلى كفالته عادت نقله ابن فتحون.
(والابن أولى من الأب والأب أولى من الأخ ومن قرب من العصبة أحق):
ما ذكر الشيخ من أن الابن مقدم على الأب هو المشهور، وقيل: إن الأب أولى منه حكاه من رواية المدنيين قائلاً: ذلك في بعض الكتب قال ابن عبد السلام:
واختار بعض أشياخ أن لا ولاية للابن في هذا الباب إلا أن يكون من عشيرة أمه وهو القياس ويريد الشيخ أن ابن الابن كالابن نص على ذلك في المدونة ومعنى قوله " ومن قرب من العصبة أحق" يعني به أن الأخ وابنه مقدمان على الجد وهو كذلك لأن الأخ يتقرب ببنوة الأب والجد يتقرب بأبوته.
وقال المغيرة: الجد أولى منهما واختلف هل الأخ الشقيق مقدم على الأخ للأب أو هما سواء؟ قولان والأول منهما رواه ابن القاسم في كتاب حبيب واختاره، والثاني رواه على عن مالك في المدونة وأجراهما اللخمي في ابنيهما والعمين وابنيهما.
وقال ابن الحاجب: وفي تقديم الشقيق من الأخ والعم وابنه على الآخر روايتان لابن القاسم والمدونة فظاهره أن الخلاف في الجميع بالنص وليس كذلك بل كما قدمناه ونبه عليه ابن عبد السلام.
(وإن زوجها البعيد مضى ذلك):
ظاهر كلام الشيخ أنه لا يجوز ابتداء وهو كذلك قال في المدونة: وإن زوجها الأبعد برضاها وهي ثيب وولدها حاضر فأنكر ولدها وسائر الأولياء ولم يرد النكاح، وروى البغداديون جوازه ابتداء وتأول على المدونة نقله عياض وفي المدونة روي على إن كانا أخوين جاز ولا ينبغي إن كانا أخا وعما وابنه، وفيها روى أكثر الرواة ينظر السلطان بعضهم للأقرب رده ما لم يطل وتلد الأولاد، وقال ابن حبيب في الواضحة: ما لم يبن بها.
وقال المغيرة يفسخ على كل حال؛ فيتحصل في المسألة سبعة أقوال وكل هذا في ذات المنصب والقدر وأما الدنية فيمضي فيها باتفاق قاله اللخمي.
قلت: وأشار إليه في المدونة بقوله: وهو في ذات المنصب والقدر ويريد بالمنصب عمل يدها وبالقدر مالها وجمالها قاله البلوطي، وهذا في غير المجبرة، وأما المجبرة كالأب في ابنته البكر وكالسيد في أمته فالمشهور تحتم الفسخ وروى عبد الوهاب عن مالك أنه يمضي بإجازة السيد، وخرجه اللخمي في الأب ولم يحفظ ابن عبد السلام التخريج المذكور قائلاً: الفرق على هذا القول بين الحرة والأمة أن الغالب في حال الأمة صلاحية كل أحد لها وأنه كفؤ لها فلم يبق إلا إلحاق عيب النكاح، وذلك بيد السيد ومن حقه فإذا رضيه لزمه ومضى النكاح فكلامه رحمه الله هذا يرد به تخريج اللخمي.
(وللوصي أن يزوج الطفل في ولايته):
ما ذكر الشيخ مثله في المدونة ونقل ابن زرقون عن سحنون أنه لا يزوجه وقيل بالأول إن كانت ذات شرف أو مال أو بنت عم قاله المغيرة وروى ابن المواز لا يعجبني أن يزوجه فيتحصل في المسألة أربعة أقوال، وخرج اللخمي الخلاف في الأب وبعده بعض شيوخنا يريد لأن الأب محمول على النظر بخلاف الوصي فإنه محمول على غير النظر على أحد القولين ويجاب بأن المانع علل بكونه إذا بلغ طلق لكونه مكرها فلا فرق على هذا بين الأب وغيره.
قال ابن رشد: ولم أر في الحاكم خلافا، وينبغي أن يجوز له ذلك بلا خلاف لأن الحاكم لا يفعل ذلك إلا بعد أن يثبت عنده أن في ذلك مصلحة قلت: ويرد بما قلناه والله أعلم.
واختلف في جبر السفيه فقال ابن القاسم: يجبره وقال عبد الملك: لا يجبره وأخذه عبد الحق من كتاب إرخاء الستور من المدونة وذلك أنه قال في العبد يزوجه سيده بغير إذنه والسفيه لا يزوجه إلا بإذنه، وقال عياض: في إرخاء الستور لعبد الملك لابن القاسم وأخذ الأول من النكاح من قولها والولي في يتيمه.
قال ابن عبد السلام: والصحيح عدم جبره وللزومه الطلاق إذا طلق فإذا جبره على ما لا يجب فيلزمه الصداق أو نصفه من غير منفعة تعود عليه وهذا سوء نظر في حقه والله أعلم.
(ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها وليس ذوو الأرحام من الأولياء والأولياء من العصبة):
إنما كان له تزويج الذكر دون الأنثى قالوا لأن الذكر قادر على أن يحل عن نفسه بعد البلوغ بالطلاق بخلاف الأنثى.
قلت: وهو ضعف لأن حاله التزويج ليس له فيها منفعة في الحال وما هذا شأنه لا ينبغي لناظر فعله ولا سيما إن كان الابن فقيرا فليس بمصلحة تعمير ذمته بالصداق بخلاف تعمير ذمته بالديوان في المعاملات المالية؛ لأن المنفعة بأعواض الديون حاصلة في الحال.
(ولا يخطب أحد على خطبة أخيه ولا يسوم على سومه وذلك إذا ركنا وتقاربا):
ظاهر كلام الشيخ أن الركون كاف وإن لم يقدر وهو كذلك عند ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وغيرهم، وقيل: لا يكفي الركون حتى يسمى الصداق لاحتمال عدم الموافقة عند تقديره قاله ابن نافع وهو ظاهر قول مالك في الموطأ على واحد كالبالجي، وحكاه أبو عمر بن عبد البر على معنى آخر فقال ابن القاسم معني النهي في ذلك في رجلين صالحين، وأما عن ركنت لرجل سوء فينبغي للولي أن يحضها كل واحد فذلك في المتقاربين فأما فاسق وصالح فلا قاله ابن القاسم حسبما نقله عنه على رجل صالح الذي يعلمها الخير ويعينها عليه، وهذا إنما فيه الحض على مخالطة أهل الخير ومجانبة أهل الشر فإن وقع العقد بعد الركون للأول فقيل يفسخ مطلقا وعكسه.
وقيل: يفسخ قبل الدخول لا بعده وهو المشهور، وكلها لمالك ومفهوم كلام الشيخ إذا لم يقع تراكن أنه جائز وهو كذلك باتفاق، وإذا أمر رجل رجلاً أن يخطب له فأراد أن يخطب لنفسه فله ذلك ويعلمها بالباعث له أولا وفعله عمر حسبما نقله ابن عبد البر عن ابن وهب ولولا الإطالة لذكرنا ذلك وفي سماع ابن أبي أويس أكره لك، وما سمعت فيه رخصة وتأوله بعض شيوخنا على ما إذا خص نفسه، وأما السوم على سوم الأخ فذكره الشيخ أيضا في البيوع فلنؤخر الكلام على ما يتعلق به إلى ذلك المكان.
(ولا يجوز نكاح الشغار وهو البضع بالبضع):
اعلم أن في كلام الشيخ تقديم التصديق قبل التصور وقد علمت ما فيه، ولا خلاف أن نكاح الشغار لا يجوز ابتداء واختلف إذا وقع صريحه على ثلاثة أقوال: فقيل: يفسخ أبدا وهو المشهور وقيل: يمضي بالدخول رواه على بن زياد، وقيل: إنه يمضي العقد حكاه ابن بشير في آخر الفصل عن مالك بعد أن قال في أوله: لا خلاف فقد تناقض كلامه رحمه الله ونبه عليه بعض شيوخنا وهذا القول الأخير أخذه الشيخ أبو القاسم السيوري وابن شبلون من المدونة من قولها فيه الإرث والطلاق ورده ابن سعدون بأن قوله بالإرث في إنما هو تفوت موضع الفسخ بالموت وألزمه بعض شيوخنا القول به منصوص أنه يفسخ قبل البناء ونقل وبعض المتأخرين فيه خلافا منصوصا، وهو باطل في كل نكاح فاسد وخرجه بعض شيوخنا من أحد قوليه فيما اختلف فيه أنه يمضي ولا يرد وأن نزوله كحكم حاكم به وعلى المشهور أنه يفسخ أبدا وإن
وقع الدخول فقال في المدونة لها صداق المثل، وأما في وجه الشغار فقال أيضا في المدونة يفرض لها صداق مثلها ولا يلتفت إلى ما سميا.
قال سحنون: إلا أن يكون ما سميا أكثر فلا ينقص من التسمية فحمل بعض الشيخ قول سحنون على التفسير واحتج بتنظير ابن القاسم بالتي بعدها وبأن ابن لبابة ذكر من قول ابن القاسم ولم يذكر فيه اسم سحنون يكون معنى قوله ولا يلتفت إلى ما سميا إن كان أقل من المثل فيكون لها الأكثر وحمله بعض الشيوخ على الخلاف، واحتج بأن هذه الزيادة لم تقع في الأسدية وبأن في مختصر ابن أبي زيد لها صداق المثل كان أقل من التسمية أو أكثر وأما وجه الشغار فإنه يفسخ قبل الدخول ويمضي بعده وأخرى فيه بعض الشيوخ قولا بالفسخ بعد البناء من الصداق الفاسد وقبله خليل.
وقال ابن أبي حازم: لا يفسخ قبل البناء وظاهر ما حكاه المتيطي عنه جواز الإقدام عليه لأنه قال: وقال ابن أبي حازم في المدونة: لا بأس وأما المركب منهما فيجري كل من الصريح والوجه على أصله السابق.
(ولا نكاح بغير صداق):
لا خلاف أنه لا يجوز ابتداء فإن وقع فقيل يفسخ أبدا، وقيل قبل الدخول فقط والقولان في المدونة نصها قال ابن القاسم ومن نكح بغير صداق فإن كان على إسقاطه فسخ قبل البناء وثبت بعده ولها صداق المثل، وهذا الذي استحسن وقد بلغني ذلك عن مالك، وقيل: يفسخ ذلك وإن دخلا.
قال ابن القاسم: وإن لم يذكر الصداق ولا شرطا فذلك تفويض جائز وبالقول الثاني قول أشهب وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ إلا أن أشهب قال: لها ثلاثة دراهم فقط إذا وقع الدخول وقال ابن وهب وأصبغ: لها صداق المثل.
(ولا نكاح المتعة وهو النكاح إلى أجل):
لا خلاف في المذهب أن نكاح المتعة لا يجوز ويفسخ أبدا وفي كونه بطلاق أو دونه قولان وهل لها بالدخول المسمى أو صداق المثل؟ قولان قال اللخمي: والأحسن المسمي لأن فساده في عقده وصوبه ابن رشد بأن شروط النكاح من الولي وغيره حصلت ولكن وقع التوافق على انحلاله بعد شهر مثلا وقيل: بل هو بغير ولي وبغير صداق وبغير شهود قاله أبو عمر بن عبد البر في التمهيد، وقال القاضي وهو ظاهر أحاديث مسلم: وأما نكاح النهارية فقال مالك: لا خير فيه قال ابن القاسم يفسخ قبل
البناء ويمضي بعده بصداق المثل.
وقال عيسى يفسخ مطلقا نقله ابن رشد وعليه يكون لها المسمى إذا وقع الدخول، ولو تزوج المسافر ليفارق إذا سافر وفهمت ذلك المرأة ففي جوازه ومنعه قولان ذكرهما اللخمي، وأما نكاح الخيار فإن كان في المجلس فإنه جائز لأنه كالمراودة على النكاح وهو أخف من الصرف فيه، وأما بعد الافتراق فما قرب منه فجائز أيضا قال اللخمي: وهو في هذا الموضع أوسع من الصرف، وقد قال ابن القاسم في كتاب محمد: إن شرطا مشورة فلأن الشيء القليل وهو حاضر في البلد فأتيا به من فوره جاز.
قلت: وحمل ابن رشد سماع أصبغ مثله على أنهما لم يفترقا من المجلس، وأما إذا كان الخيار ليوم أو يومين فمنعه في المدونة قائلا: لأنهما لو ماتا لم يتوارثا وخرج اللخمي جوازه من الصرف على القول به وضعف تعليلها قائلا: لأن المانع عنده خوف الموت ومراعاته في اليومين والثلاثة نادر والنادر لا حكم له، وأيضا فإن النكاح غير منعقد حتى يمضي فلا يضر عدم الميراث ويجوز على تعليلها إذا كان الزوج عبداً وكانت هي أمة لأنه لا ميراث فيه ولو كان منعقدا ونص في المدونة على أن الخيار للزوجين والولي لا يجوز كما إذا كان لأحدهم.
وقال ابن رشد: وهو جائز لانحلاله وحيث يمنع فلا خلاف أنه يفسخ قبل البناء وفي فسخه بعد البناء قولان لمالك والذي رجع إليه عدم الفسخ والقولان في المدونة ورجح بعض الشيوخ الفسخ لأن فسادة في عقده قال في المدونة: ولها المسمى دون صداق المثل، قال عياض في الأسدية: لها صداق المثل، قال الفاكهاني: فقول شيخنا جمال الدين الصنهاجي ظاهر المدونة فيها وفي التي بعدها تليها صداق المثل هو ظاهر.
وكذلك القولان فيها في إن لم يأت بالصداق وإلى أجل كذا بالنسبة إلى الفسخ بعد البناء وقال أشهب: هو نكاح جائز ابتداء.
(ولا النكاح في العدة ولا ما جر إلى غرر في عقد أو صداق ولا بما لا يجوز بيعه):
لا خلاف أن عقد النكاح في العدة لا يجوز بل التصريح بالخطبة حرام إجتماعا وعكسه التعريض فإنه جائز ويأتي الكلام على ذلك حيث تكلم عليه الشيخ إن شاء الله.
(وما فسد من النكاح لصداقة فسخ قبل البناء فإن دخل بها مضى وكان فيه صداق المثل):
اختلف المذهب فيها فسد لصداقه كمن نكح على عبد آبق على ثلاثة أقوال:
فقيل: يفسخ أبدا وعكسه وقيل: يفسخ قبل البناء لا بعده قاله في المدونة وهو المشهور وعليه الشيخ وكلها لمالك، ولم يقف ابن عبد السلام على القول بعدم الفسخ لمالك لقوله ذكره غير واحد ولم ينسبه وأجابه خليل بأن عبد الوهاب في الإشراف نقله، وكذلك نقله ابن الجلاب أيضا.
وظاهر كلام الشيخ أن فسخه قبل البناء على طريق الوجوب، وهو كذلك عند جميع المغاربة الذي هو منهم، وذهب العراقيون إلى أن ذلك على طريق الاستحباب، وكلاهما تأويل على المدونة ولو دعا الزوج إلى البناء والنفقة فأنفق ثم عثر على الفساد، وفسخ فقيل يرجع بها عليها كمن اشترى من رجل داره على أن ينفق على البائع حياته، وقال عبد الله بن الوليد: لا يرجع بها عليها لأن الفسخ قبل البناء غير واجب إذ أجازه جماعة من العلماء إذا عجل ربع دينار، ورده بعض شيوخنا بأن الفرض الحكم بفسخه، ومراعاة الخلاف مع الحكم بنقضه لا يصح، ويجاب بأنه إنما قصد مراعاة الخلاف.
وأجرى غير واحد ممن لقيته ذلك الخلاف في الحمل إذا نقش بعد النفقة عليه، وذكر في المدونة من الأشياء التي فسادها في الصداق الجنين في بطن أمه ثم قال وما هلك بيد الزوجة ضمنته قبل قبضه وتكون مصيبتها من الزوج وما قبضت ثم تغير في يدها في بدن أو سوق فقد فات وترد القيمة فيما له قيمة والمثل فيما له مثل وأقام عياض من مسألة الجنين أن يبيع التفرقة بقيمة حوالة الأسواق.
(وما فسد من النكاح لعقده وفسخ بعد البناء ففيه المسمى):
قال الشيخ أبو الحسن اللخمي كل نكاح أجمع على فساده فإنه يفسخ أبدا وكل نكاح اختلف فيه، فإن كان فساده لعقده فسخ قبل البناء وفي فسخه بعده خلاف كنكاح المريض والمحرم ومثله نقل ابن شاس.
وقال ابن الحاجب: وما اختلف فيه فإن كان بنص أو سنة أو لحق الورثة فكذلك يعني يفسخ أبداً اتفاقا فإن لم يكن كذلك، فإن كان لخلل في عقده ففي فسخه بعد الدخول قولان، واعترضه بعض شيوخنا من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن نكاح المريض مختلف فيه كما سبق.
الثاني: أن قوله وإن كان لنص أو سنة خلاف إطلاق الشيوخ وظاهر الروايات الحكم في المختلف فيه مطلقا.
الثالث: أن وجود فيه بالقرآن أو السنة ينفي القول بجوازه.
(وتقع به الحرمة كما تقع بالنكاح الصحيح ولكن لا تحل به المطلقة ثلاثا ولا يحصن به الزوجان):
اعلم أن النكاح المختلف في صحته وفساده بين أهل العلم والمذهب قائل بفساده فإنه يعتبر عقدة في التحريم كما يعتبر العقد الصحيح المتفق عليه احتياطا فتحرم به على الآباء والأبناء وتحرم أمهات النساء، وكذلك يعتبر وطؤه من باب أحرى فتحرم الربيبة.
ثم اعلم أنه اختلف المذهب هل يراعي كل خلاف أولا يراعى إلا الخلاف المشهور، وعلى الثاني فقيل هو ما كثر قائله وقيل ما قوي دليله.
قال ابن عبد السلام: والذي ينبغي أن يعقد من ذلك، وهو الذي تدل عليه مسائل المذهب أن الإمام رحمه الله تعالى – يعني به مالكا- إنما يراعي من الخلاف ما قوي دليله فإذا تحقق فليس بمراعاة الخلاف البتة وإنما هو إعطاء كل واحد من الدليلين ما يقتضيه من الحكم مع وجود المعارض والله أعلم.
وقد أجاز رحمه الله تعالى الصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وأكثرهم على خلافه وأباح بيع ما ليس فيه حق توفيه من غير الطعام قبل قبضه وأجاز أكل الصيد إذا أكل منه الكلب إلى غير ذلك من المسائل ولم يراع في ذلك خلاف الجمهور وهذا مما يدل على أن المراعي عنده إنما هو الدليل لا كثرة القاتل والله أعلم.
وأما كل نكاح مجمع على فساده فإن كان مما يدرأ الحد فيه فإن وطأه معتبرا ولا يعتبر العقد على المشهور، وقيل: ويعتبر قاله ابن القاسم في المدونة.
وقال ابن عبد السلام وهو قول ابن الماجشون، واعترضه بعض شيوخنا بأنه خلاف ما نقل الباجي عنه في قوله ما حرم بالكتاب أو بالسنة كخامسة أو معتدة أو المرأة على أختها أو خالتها لغو وإن كان مما لا يدرأ حده فعكس ما قبله لا يعتبر عقده باتفاق وفي الوطء قولان وهما كالخلاف في الزنى هل يحرم الحلال أم لا؟
(وحرم الله سبحانه من النساء سبعا بالقرابة وسبعا بالرضاع والصهر فقال تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ [النساء: 23]
فهؤلاء من القرابة):
قال ابن الحاجب: والقرابة هي السبع في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: 23]
، وهي أصوله وفصوله وفصول أول أصوله وأول فصل من كل أصل وإن علا، قال الشيخ ابن عبد السلام: اعلم أن كل من له عليك ولادة بمباشرة أو بدرجة فأكثر فهو أصلك وكل ما لك عليه ولادة بمباشرة أو بدرجة فهو فصلك فيدخل في الأول الأم باعتبار ولدها وأمها وإن علت، وكذلك الأب باعتبار ابنه وأبيه وإن علا فهذا مراد المؤلف بأصوله وفصوله، وقد علمت من هذا أن أول أصوله هو من باشره بالولادة وذلك هو الأب والأم وفصولهما هو الأخ والأخت من أي جهة كانا وأولادهما.
وهذا معنى قول المؤلف وفصول أول أصوله وهم بنو أبيه وبنو أمه وإن سفلوا؛ لأنهم أولاد أبيه ثم قوله وأول فصل من كل أصل وإن علا يعني أول فصل خاصة من كل أصل ماعدا الأصل الأول لأن الأصل الذي يلي الأصل الأول هو الجد الاقرب والجدة القربى، وإن الأول عم أو خال أو عمة أو خالة وابنة الجدة الموصوفة وابنها كذلك وهم أول الفصول والتحريم مقصور عليهم، وأما أولادهم، فهم حلال لأنهم إما أولاد عم أو أولاد عمة أو أولاد خال أو أولاد خالة وأولاد أولادهم، ورأي بعض شيوخنا أن عبارة ابن الحاجب فيها طول فقال هي فرعه وأصله وأقرب فرعه وأبعد أقربه.
واختلف المذهب في تحريم المخلوقة من مائة على وجه الزنى والمشهور أنها تحرم عليه وبه قال أبو حنيفة.
وقال ابن الماجشون: لا تحرم عليه قال سحنون هو خطأ صراح وبقول ابن الماجشون قال الشافعي قال ابن عبد السلام وهو الأقرب لأنها لو كانت بنتا لحصلت لها أحكام البنت من الميراث وولاية الإجبار ووجوب النفقة وجواز الخلوة بها وحمل الجناية عنها إلى غير ذلك، واللازم باطل انظر تمامه ولولا الإطالة لذكرناه.
(واللاتي من الرضاع والصهر قوله تعالي: ﴿وأمهتكم التي أرضعنكم وأخوتكم من الرضعة وأمهت نسائكم وربئبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلئل أبنائكم الذين من أصلبكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ [النساء: 23]
، وقال تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء﴾ [النساء: 22]
وحرم النبي عليه السلام بالرضاع ما يحرم من النسب):
ظاهر كلام الشيخ أن أمهات النساء يحرمن سواء دخل بالبنت أم لا وسواء طلق البنت أو ماتت وهو كذلك باتفاق المذهب، وحكي عن على بن أبي طالب رضي الله عنه، وزيد بن ثابت وابن عمر وابن الزبير وجابر وإحدى الروايتين عن ابن عباس أنها لا تحرم إلا بدخول البنت وحكي عن زيد أنه إن طلق البنت لم تحرم وفي الموت تحرم، ومذهبنا أن الربيبة تحرم على من دخل بأمها وإن لم تكن في حجره، وحكي عن علي أنه طلق البنت لم تحرم وركن إليه ابن عبد السلام بقوله هو ظاهر الآية لأنها مقيدة بوصفين:
أحدهما: كون الأم مدخولا بها.
والثاني: كون البنت في حجره والحكم المعلل بعلة مركبة لا يثبت إلا بعد حصول جميع أجزائها ويقوي اعتبار هذا القيد ما وقع في الصحيح وقد عرض على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نكاح ربيبته بنت أم سلمة، فقال: "لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأباها ثوبية" فانظر كيف ذكر هذا الوصف كما هو مذكور في الآية، ولو كان ملغي لما تكرر ذكره في الكتاب والسنة والله أعلم.
والمشهور أن أمة الابن لا تحرم على الأب حتى يطأها الابن أو يتلذذ بها، وقال الشافعي تحرم عليه ومثله لابن حبيب حسبما نذكره إن شاء الله تعالى بعد، وسبب الخلاف هل يصدق عليها بالملك أنها حليلة أم لا يصدق عليها إلا بعد الاستمتاع.
(ونهى أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها فمن نكح امرأة حرمت بالعقد دون أن تمس على أبائه وأبنائه وحرمت عليه أمهاتها ولا تحرم عليه بناتها حتى يدخل بالأم):
ما ذكر الشيخ صحيح وقاس عليه أصحابنا وغيرهما وضابطه ما قاله بعض المتقدمين كل امرأتين يمنع نكاحهما لو كانت إحداهما ذكرا وانتقض عليه بصورتين وهما الجمع بين المرأة وأم زوجها والمرأة مع ابنة زوجها فإنه جائز فزيد في الحد المذكور من القرابة فيتخرج بذلك الصورتان فإنهما أجنبيتان وقيل ضابطه كل امرأتين بينهما من القرابة والرضاع ما يمنع نكاحهما أن لو كانت إحداهما ذكرا فإن جمع بينهما في عقد فسخ فيهما ولا مهر إن لم بين ولمن بنى منهما مهرها.
قال الشيخ أبو الطاهر: هذا مع عدم العلم بالتحريم وأما مع العلم به ففي كونه كمحض زنا في هذا الأصل قولان ويجري عليهما نفي الصداق وثبوته، وأما إذا كان
تزويجهما في عقدين فإن علمت الأولى منهما فسخ نكاح الثانية وثبتت الأولى في غير الأم وابنتها باتفاق وأما فيهما ففيه كلام يطول جلبه وإن جهلت الأولى فسخ فيهما وإن ادعى الزوج تعيينهما فقال محمد بن المواز: يصدق ويفارق الأخرى وعارضها اللخمي بقول: نكاح المدونة لا تصدق المرأة إذا تزوجها رجلان جهل أولهما.
وفرق ابن بشير بينهما بوجهين أحدهما: أن عدم تصديق الزوجة للتهمة، الثاني: أن الزوج قادر على فسخ النكاح وابتدائه ورده بعض شيوخنا بأنه أيضا يتهم لاحتمال خوف عدم إصابته من يريد نكاحها منهما بعد الفسخ وأنها قادرة على الفسخ لعدم تعيينها.
(أو يتلذذ منها بنكاح أو ملك يمين أو بشبهه من نكاح أو ملك):
ظاهر كلام الشيخ سواء كانت لذة بقبلة أو نظرة أو مباشرة وهو كذلك فأما النظرة فاختلف فيها على ثلاثة أقوال: أحدها ما تقدم وهو المشهور وقال ابن القصار نظره إلى وجهها أو غيره من جسدها لا يحرمها.
وعزاه ابن رشد لابن شعبان قال: وروى ابن وهب إيجابه الكراهة وذكر ابن بشير قولين في غير النظر للوجه قال، وأما النظر له فهو لغو باتفاق وخصص ابن الحاجب الخلاف بباطن الجسد فقال والمشهور أن اللذة بالمباشرة والقبلة، والنظر لباطن الجسد كالوطء في تحريم البنت.
قال ابن عبد السلام: وهو خلاف ظاهر الروايات قال ابن حبيب ومن تلذذ بأمته بتقبيل أو تجريد أو ملاعبة أو مغامزة أو نظر إلى شيء من محاسنها نظر شهوة حرم على أبيه وأبنه التلذذ بشيء منها ورواه أيضا محمد عن مالك، وزاد وكذلك إن نظر إلى ساقها ومعصمها تلذذ وأما القبلة والمباشرة فقد تقدم كلام ابن الحاجب فيهما، وأنه حكي الخلاف فيهما كالنظر.
قال ابن عبد السلام: ولا أعرف القول الشاذ في المذهب نعم هو قول الشافعي والحسن.
قلت: ومثله لبعض شيوخنا وأجابهما شيخنا أو مهدي عيسى الغبريني أيده الله تعالى بأن ابن عبد البر ذكره في الكافي رواية عن مالك.
قال ابن حبيب: لا يحل مسيس جارية ملكها أبوه وابنه الذي بلغ مبلغ من يتلذذ بالجواري خيفة أن يكون قد مسها.
قال ابن عبد السلام: وفيما قاله نظر وينبغي
أن يكون المنع على الاحتياط لا على اللزوم.
(ولا يحرم بالزنا حلال):
اختلف المذهب في وطء الزنا هل ينشر الحرمة أم لا؟ على ثلاثة أقوال: فقيل إنه لا ينشر الحرمة كما قال الشيخ قاله مالك في الموطأ وبه قال جميع أصحابه وهذا القول مذكور في المدونة، وزعم ابن عبد السلام أنه المشهور وقيل إنه ينشر الحرمة كالصحيح قاله في سماع أبي زيد ورواه ابن حبيب في واضحته قائلاً: رجع مالك عما في الموطأ إلى التحريم وأفتى به إلى أن مات وقيل: إنه ينشر الكراهة رواه ابن المواز وهذان القولان مؤولان معا على المدونة فتأولها اللخمي وابن رشد في البيان على الكراهة وتأولها غيرهما على التحريم.
قال عياض: والأكثرون على الكراهة قال في الأمهات في موضع لا أحب وفي آخر لا ينبغي وفي آخر أكرهه وفي آخر فليفارقها، وقال في التهذيب: ومن زنى بأم زوجته أو ابنتها حرمت عليه زوجته.
قالت: وتعقب غير واحد اختصاره لما ذكر وأما إذا كان الوطء مستندا إلى شبهة كمن وطئ أجنبية يظنها زوجته فإنه ينشر الحرمة في المشهور.
وعن سحنون لا أثر له قال ابن عبد السلام: وهذا الخلاف إنما هو على القول بأن الزنا لا يحرم وأما على أنه يحرم فلا شك أن وطء الاشتباه يحرم وعلى الأول لو حاول أن يلتذ بزوجته فوضع يده على ابنتها فالتذ فالجمهور على الفراق، وقيل: لا أثر له قاله ابن القاسم وبه قال سعيد ابن أخي هشام، وأبو القاسم بن شبلون وأبو محمد بن أبي زيد في أحد قوليه وهو مقتضى قول سحنون واختاره الشيخ أبو القاسم بن محرز وألف فيها تأليفا، واعتمد المازري عليه في تأليفه المسمي بكشف الغطا عن لمس الخطا، وعلى الأول فذلك محمول على وجوب الفراق والإجبار عليه عند الأكثر ورأى القابسي وأبو عمر أن ذلك على وجه الاستحباب لا على الإجبار وهو مذهب أبي الطيب عبد المنعم فإنه أمر بالفراق وتوقف في الإجبار وذهب بعض فقهاء صقلية إلى أن لمس الإبنة ينشر الحرمة وإن لم يلتذ إذا كان أصل لمسه لقصد اللذة.
قال المازري: وهو ضعيف لا يتخرج على الأصل ولا ينبني على التحقيق.
قلت: بل له أصل وهو نقض الطهارة به وإن كانت الطهارة أيسر.
(وحرم الله سبحانه وطء الكوافر ممن ليس من أهل الكتاب بملك أو نكاح)
ما ذكر هو المعروف من المذهب ونقل اللخمي عن ابن القصار عن بعض أصحابه على القول بأن لهم كتابا تجوز مناكحتهم واختلف في الصابئة والسامرية فعلى أن الصابئين من النصارى والسامرية من اليهود ويجوز وعلى نفيه نفيه.
(ويحل وطء الكتابيات بالملك ويحل وطء حرائرهن بالنكاح ولا يحل وطء امهاتهن بالنكاح لحر ولا لعبد):
ما ذكره متفق عليه في المذهب، وقال أبو عمر لا يجوز محتجا بقوله تعالى:
(ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) [البقرة: 221]
ولا أعظم شركا من قولها أن ربها عيسى وتمسك الجمهور بقوله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات) [المائدة: 5]
إلى قوله: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) [المائدة:5].
وفي المدونة يجوز للمسلم نكاح الحرة الكتابية وإنما كرهه مالك ولم يحرمه لما تتغذى به من خمر وخنزير وتغذي به ولدها وهو يقبل ويضاجع.
قال ابن عبد السلام: فنسبة ابن القاسم الكراهة لمالك تدل على أن ذلك عنده ليس بمكروه.
قلت: ولم يرتضه بعض من لاقيناه وقيل في علة الكراهة: خشية أن تموت حاملا، والجنين في بطنها ابن مسلم فتدفن به في مقابر الكفار وهي حفرة من حفر النار.
وقيل: لأنه يوجب مودة لقوله تعالى: (وجعل بينكم مودة ورحمة) [الروم:21]
مع قوله تعالى (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الأخر يوادون من حاد الله ورسوله) [المجادلة:22]
إلى آخره وكلاهما حكاه المتيطي قال في المدونة: وليس له منعها من التغذي بالخمر والخنزير ولا من الذهاب إلى الكنيسة وقال إبراهيم في كتاب طلاق السنة عن محمد بن المواز: وله منعها من ذلك إلا من الذهاب للكنيسة لفريضتها ولا يمنعها صومها ولا يطؤها وهي صائمة لأن صومها من دينها وليس شرب الخمر وأكل الخنزير منه، وروي عن مالك غير هذا، وأظنه وهما وما أخبرتك به هو أحب إلى، وقاله ابن وهب قال: لأنها كما رضيت أن يملكها مسلم كان له منعها من ذلك.
(ولا تتزوج المرأة عبدها ولا عبد ولدها ولا الرجل أمته):
قال في المدونة: ولا مكاتبها وهو عبدها ما دام في حال الأداء ولا بأس أن يرى شعرها إن كان وغدا وكذلك عبدها وإن كان لغيرها فيه شركة فلا، ونقل اللخمي عن ابن عبد الحكم أنه لا يراها وإن كان وغدا ولا يخلو معها في بيت، وكذلك اختلف في عبد زوجها وعبد الأجنبي هل يدخل عليها ويرى شعرها أم لا؟ واختلف أيضا في العبد الخصي، قال ابن القاسم والوغد الذي لا منظر له ولا خطب.
(ولا أمة ولده وله أن يتزوج أمة والده أمه وله أن يتزوج بنت امرأة أبيه من رجل غيره وتتزوج المرأة ابن زوجة أبيها من رجل غيره):
ما ذكر أنه أمة ولده هو المشهور من المذهب وأجازه ابن عبد الحكم على كراهة في ذلك وإن وقع لم يفسخ.
قال ابن رشد: وهو ينحو إلى ما روي عن مالك في عبد سرق من مال ابن سيده أنه تقطع يده وأجاز في العتبية أنه يتزوج الرجل أمة زوجته، وعن ابن كنانة كراهته وهذا في جارية ملكتها ولم تكن من صداقها، وأما جارية الصداق فيجوز له ذلك فيها بعد الدخول ومنع منه في العتبية قبل الدخول.
وقال ابن رشد: إنه يجري على الخلاف في حده أن لو زنى بها حينئذ وضعفه ابن عبد السلام للشبهة فلا يلزم من نفي الحد تزويجها يريد لقوله (صلى الله عليه وسلم) " ادرءوا الحدود بالشبهات"
(ويجوز للحر والعبد نكاح أربع حرائر مسلمات أو كتابيات):
يريد أن الزيادة على أربع زوجات حرام بإجماع من أهل السنة، وحكي عن بعض المبتدعة جواز ذلك.
قال ابن عبد السلام: فمن الأئمة من نسب إليهم من غير حصر، ومنهم من بلغ به إلى التسع خاصة، ولا حجة لهم في قوله: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) [النساء:3]
الآية، لأن المعنى في لسان العرب فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا هذا هو موضوع هذه الألفاظ في اللسان فالآية حجة للجمهور لا عليهم ولا حجة لهم أيضا في أنه صلى الله عليه وسلم توفي عن تسع لأن ذلك من خصائصه بالدلائل الدالة عليه وهو حديث غيلان الثقفي.
وأما تزويج الاثنين فما دون فمباح في حق العبد والحر، وأما الثالثة والرابعة فيباحان في حق الحر باتفاق وكذلك في حق العبد على المشهور وقيل: إنهما في حقه ممنوعان نقله أبو محمد عن رواية ابن وهب، قال ابن عبد البر: وهو القياس على تشطير حده وطلاقه وعزا واحد كابن الحاجب هذا القول لابن وهب لان لروايته.
وفي النوادر: روى أشهب في نكاحه، أربعا وقال إنا نقول ذلك وما أدري ما هو؟ قال بعض شيوخنا: وهذا يقتضي الوقف والتقليد فلعله يريد ما أدري ما سبق لي من دليل ترجيح دخوله في عموم قوله تعالى: (فانكحوا) [النساء:3]
على قياسه على تنصيف وحده.
(وللعبد نكاح أربع إماء مسلمات وللحر ذلك إن خشي العنت ولم يجد للحرائر طولا):
ما ذكر من أن العبد له تزويج الأمة المسلمة هو كذلك باتفاق لأن الأمة من نسائه وشرط في الحر ثلاثة شروط شرط في المنكوحة وهي كونها مسلمة وشرطان في الناكح وهما أن يخشى العنت ولم يجد للحرائر طولا وهو كذلك في مشهور المذهب.
وقيل: بإلغاء الشرطين الأخيرين وهو أحد قولي مالك وابن القاسم، قال الباجي في شرح الموطأ: العنت الزنا.
وقال أصبغ: قال ربيعة وهو من أوعية العلم: هو الهوى واختلف في الطول على خمسة أقوال، فقيل: قدر ما يتزوج به الحرة قاله في المدونة وقيل: ويشتري به أمة نقله ابن الحاجب وسلمة ابن عبد السلام، وقال بعض شيوخنا لا أعرفه لكن هو مقتضى علة رقاق الولد واشترط ابن حبيب أن يكون قادرا على النفقة مع ذلك، وقيل: الطول وجود الحرة في عصمته لا الأمة، وقيل: الأمة وقيل: قدر ما يتوصل به إلى دفع العنت وعلى الأول فنقل ابن الحاجب أنه يشترط في الحرة أن تكون مسلمة قال ابن عبد السلام وهو خلاف المدونة بل خلاف الاتفاق على ما حكى بعضهم.
قلت: ما ذكر ابن الحاجب مثله لابن العربي في الأحكام فلا غرابة فيه وحيث يباح له تزويج الأمة ففي جواز الزيادة عليها لأربع قولان حكاهما ابن بشير.
(وليعد بين نسائه):
هامش
هامش
يريد فيما يرجع إلى ذاته وماله لا أنه ليس عليه المساواة في الجماع ما لم يقصد توفير نفسه لينشط للأخرى، قال ابن رشد في رسم الأقضية، الثاني من سماع أشهب وابن نافع يقضي على الرجل أن يسكن كل واحدة بيتا ويقضي عليه أن يدور عليهن في بيوتهن ومثله للخمي وقال ابن شعبان في زاهيه من حق كل واحدة انفرادها بمنزل منفرد بمرحاض وليس عليه إبعاد الدارين.
وسمع ابن القاسم لا بأس أن يكسو إحداهما الخز ويحليها دون الأخرى إن لم يكن مليا، قال ابن رشد وهذا في مذهب مالك وأصحابه أنه إن أقام لكل واحدة ما يجب لها بقدر حالها فلا حرج عليه أن يوسع على من يشاء منهن وبما شاء.
وقال ابن نافع: يجب عليه أن يعدل بينهن في ماله بعد إقامته لكل واحدة ما يجب لها والأول أظهر وما نقله عن ابن نافع عزاه المتيطي رواية، وظاهر كلام الشيخ أنه لو كانت من نسائه أمة فإنه يقسم لها في المبيت كالحرة وهو كذلك في المشهور.
وقال ابن الماجشون: ورجع مالك إلى أنها ليست كالحرة، وبه أقول وعليه قال ابن شاس لو أعتقت في أثناء زمنها أتم لها كالحرة ولا يدخل على ضرتها في زمنها غلا لحاجة، وقيل إلا لضرورة وسمع أشهب وابن نافع سمعت أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان فكان لا يشرب الماء في بيت إحداهما في يوم الأخرى.
قال ابن رشد: وروي أنهما توفيتا معا في وباء الشام ودفنتا في حفرة وأسهم بينهما أيتهما تقدم في القبر وذلك على وجه التحري في العدل دون وجوبه، واختلف في جميع الحرتين في فراش واحد من غير وطء فمنعه مالك وكرهه ابن الماجشون وفي الإماء ثلاثة أقوال: المنع والكراهة وكلاهما لمالك وقال ابن الماجشون يجوز ذلك
بخلاف الحرتين.
(وعليه النفقة والسكنى بقدر وجده):
اعلم أنه تجب عليه النفقة والسكنى بقدر حاله من حالها، واختلف هل يجب عليه ثياب تخرج فيها والملحفة فقال اللخمي ظاهر المذهب أنها لا تفرض عليه، وقال في المبسوط تفرض على الغني دون الفقير ولا تفرض لها فاكهة خضراء ولا يابسة ولا جبن ولا زيتون ولا عسل ولا سمن وهذا الفصل متسع جدا واختصاره أنه يرجع فيه إلى العوائد.
واختلف إذا عجز عن نفقة مثلها وقدر على ما دونها مما يكفي من هو دونها فقيل: تطلق عليه، قاله فضل وغيره وقيل لا تطلق عليه، قاله ابن وهب وغيره وعلى الثاني فاختلف إذا عجز عما سوى ما يقيم رمقها فالمشهور تطلق عليه، وقال محمد: لا تطلق عليه.
قال اللخمي: وقول محمد فيما لا تعيش إلا به حرج تصبح وتمسي جائعة وعليه ما يسد جوعها وإلا فرق بينهما وإن كان من خشن الطعام والإدام معه لم تطلق عليه إلا أن تكون من أهل الشرف وممن لا تألف مثل ذلك ولا اتساع لها وإن جاعت لم تلزم به، وكذلك الكسوة إن كان لباس مثل ذلك معرة عليها طلقت عليه وإلا فلا، ولا يلزمه أن يضحى عنها اتفاقا وكذلك عن ابن نافع لا يلزمه أن يخرج عنها زكاة الفطر، والأكثر على خلافه فيها، وعلى الزوج من الزينة ما يزيل الشعث عنها كالمشط والمكحلة والنضوخ وحناء رأسها.
قال ابن المواز: واختلف في أجرة القابلة فقيل عليها وقيل عليه وقيل إن كانت المنفعة لها فعليها وإن كانت للولد فعلى الأب والثلاثة حكاها المتيطي رحمه الله وأما الإخدام ففي أجوبة ابن رشد الإخدام واجب للزوجة كنفقتها تطلق بالعجز عنه قاله ابن الماجشون.
وقيل: يجب كالنفقة ولا تطلق بالعجز عنه وهو مذهب ابن القاسم، وقال ابن حبيب: لا تجب إلا أن يكون الزوج موسرا والزوجة من ذوات القدر والإنفاق على أنها تطلق عليه في عجز النفقة بعد التلوم على المشهور وقيل لا يفتقر إلى تلوم وعلى الأول فقيل يوم ونحوه وقيل يؤخر أياما وقيل ثلاثة أيام وقيل ونحوها وقيل شهر وقبل غير ذلك والحق أنه يرجع إلى اجتهاد القاضي.
(ولا قسم في المبيت لأمته ولا لأم ولده):
يعني وإنما له أن يطأ أمته وأم ولده ويقيم عندهما ما شاء ما لم يقصد الضرر فيمنع وقال ابن الحاجب: ويجب القسم للزوجات دون المستولدات إلا أن الأولى العدل وكف الأذى واعترضه ابن عبد السلام بأن لفظ المدونة يدل على أن كف الأذى واجب قال فيها: وليس لأم ولد مع الحرة قسم وجائر أن يقيم عند أم ولده ما يشاء ما لم يضار.
وقلت: روده بعض شيوخنا بوجهين:
أحدهما: أن المحكوم عليه بالأولوية مجموع العدل وكف الأذى لا مجرد كف الأذى فقط.
الثاني: أن الأذى غير الضرر وأخف منه فلا تنافي بين كون ترك الأذى، وكون كف الضرر واجبا ودليل كون غيره وأخف منه قوله تعالى (لن يضروكم إلا أذى) [آل عمران: 111]
قال اللخمي: المذهب أن لا مقال للحرة في إقامته عند الأمة وفيه نظر إلا أن يثبت فيه إجماع.
(ولا نفقة للزوجة حتى يدخل بها أو يدعى إلى الدخول وهي ممن يوطأ مثلها):
ظاهر كلامه وإن كانت يتيمة وهو كذلك وقال ابن عبد الحكم: تجب من حين عقد النكاح عليها مطلقا وقاله سحنون في اليتيمة وحكاه المتيطي رواية ولم يحفظ قول ابن عبد الحكم، وذكر الشيخ أنه يشترط في المرأة أن تكون ممن تطيق الوطء وسكت عن الزوج واختلف فيه فقيل كالمرأة وقيل يشترط البلوغ وهو المشهور، ويشترط أن لا يكون أحدهما مريضا فإن كان فلا يخلو من ثلاثة أوجه فإن كان بلغ بصاحبه به السياق فالدعوة حينئذ لغو وإن كان لا يمنع الوطء فمعتبر باتفاق فيهما وفيما بينهما قولان حكاهما اللخمي.
قال عياض: ظاهر مسائل المدونة أن لأبي البكر دعاء الزوج للبناء الموجب للنفقة وإن لم تطلبه وابنته، وهو المذهب عند بعض شيوخنا، وقاله أبو المطرف والشعبي كجبره على النكاح وبيعه ما لها وقال المارودي: ليس له ذلك إلا بالذي دعاها أو توكيلها إياه ومثله لابن عات.
قلت: واختار بعض شيوخنا إن كانت نفقتها على أبيها فالأول وإن كان في مالها فالثاني.
(ونكاح التفويض جائز وهو أن يعقداه ولا يذكران صداقا):
في كلامه تقديم التصديق على التصور ومثله في المدونة وابن الحاجب وقد قدمنا غير ما مرة أنه مجتنب وأكثر ما يجيب به عنه بعض شيوخنا بشعور التصديق بذكر الحكم كما هنا وما ذكر أنه جائز هو كذلك باتفاق قاله الباجي والأصل في ذلك قوله تعالى (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء) [البقرة: 236]
وخرج أو داود عن عقبة بن عامر أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لرجل: " أترضى أن أزوجك فلانة" قال: نعم، وقال للمرأة: " أترضين أن أزوجك فلانا" قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه فدخل الرجل بها ولم يفرض صداقا ولم يعطها شيئا وكان ممن شهد الحديبية وله سهم بخيبر فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) زوجني فلانه ولم يفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا وإني أشهدكم أني أعطيتها سهمي بخيبر فأخذت سهمه فباعته بمائة الف دينار.
واعلم أن نكاح التفويض أصل وقيست عليه هبة الثواب قال في شفعة المدونة: وإنما جازت هبة الثواب على غير عوض مسمي لأنه على وجه التفويض في النكاح وسمعت بعض من لقيته من القرويين ينقل غير ما مرة أن بعض أهل المذهب جعل نكاح التفويض فرعا وقاسه على هبة الثواب قائلاً: غاب عني موضعه.
قلت: وهو ضعيف للاستدلال المذكور فلا يحتاج إلى قياس وإذا طلق الزوج في نكاح التفويض فلا شيء لها من الصداق اتفاقا وكذلك لا شيء لها في الموت على المشهور وترثه لأنها زوجته ومثله ذكر الشيخ بعد وحكى عبد الحميد الصائغ قولا بلزوم الصداق كالمدخول بها قال ابن بشير وهو قول شاذ.
(ثم لا يدخل بها حتى يفرض لها فإن فرض لها صداق المثل لزمها وإن كان أقل فهي مخيرة فإن كرهت فرق بينهما إلا أن يرضيها أو يفرض لها صداق مثلها فيلزمها):
ما ذكر من أنه لا يدخل حتى يفرض لها معناه إن منعته من الدخول وما ذكر من أن فرضه قبل البناء مستحب وعليه حمل قول المدونة ليس للزوج البناء حتى يفرض وفي المقدمات إنما يجب تسمية الصداق عند الدخول، قال خليل: فظاهره أن التقدير قبل البناء واجب وما ذكر من أنه إذا فرض لها صداق المثل يلزمها هو المذهب وخرج بعض من لقيته من القرويين قولا أنه لا يلزمها إلا أن ترضى من قول مطرف في الهبات إنما يهب الناس ليعاوضوا أكثر، وكنت أجيب بأن النكاح مبني على المكارمة فلا يتخرج والله اعلم.
وما ذكر من أن الخيار لها إذا فرض من صداق المثل معناه إذا كانت رشيدة وأما البكر ذات الأب فالنظر في ذلك للأب باتفاق قاله أبو حفص العطار، وأما التي لا أب لها ولا وصي فقال ابن القاسم: لا يعتبر رضاها، وقال غيره: يعتبر رضاها والقولان في المدونة وطرح سحنون قول الغير على أنه قد قال به في العتبية ورواه زياد عن مالك، وحمل الأشياخ المسألة على من لم يعلم حالها بسفه ولا رشد، قال ابن الحاجب: وفي رضى السفيهة غير المولى عليها بدونه قولان وتعقبه ابن عبد السلام بما سبق من حمل الأشياخ المسألة على ما ذكر وأما التي عليها وصي فالمشهور يعتبر رضاها معا إن كان نظرا.
وقيل: ذلك موقوف على رضى الوصي فقط قاله في الواضحة واختاره غير واحد إذ النظر له في المال خاصة ومهر المثل ما يرغب به مثله في مثلها ويعتبر الدين والجمال والحسب، والزمان والبلاد.
قال في المدونة: وينظر فقد يزوج فقير لقرابته وأجنبي لماله فليس صداقهما سواء وصداق المثل يعتبر يوم العقد وقيل يوم الحكم إن لم يبن أو يوم الدخول إن بني والقولان حكاهما عياض.
(وإذا ارد أحد الزوجين انفسخ النكاح بطلاق وقد قيل بغير طلاق):
القول بالردة طلقة ويريد بائنة هو مذهب المدونة وهو المشهور والقول بأنه فسخ قاله مالك وابن الماجشون وبقي عليها قول ثالث بأنه يلزمه طلقة رجعية فيكون أحق بها إذا رجع إلى الإسلام في العدة، قاله ابن الماجشون أيضا وسحنون والمغيرة وهو مذهب المدونة في كتاب أمهات الأولاد في بعض الروايات والرابع وهو إن رجع إلى الإسلام فلا شيء عليه حكاه ابن يونس ونصه، قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: وإن ارتد الزوج ثم عاود الإسلام في عدتها فهو أحق بها في الطلاق كله كما لو أسلمت ثم أسلم في عدتها، ولو لم يسلم حتى انقضت عدتها لزمه فيها طلقة.
وظاهر كلام الشيخ: ولو علم رغبة الزوجة في فراق زوجها وهو ظاهر المذهب وذكر ابن عادت أن ابن زرب وقف عن الجواب فيها فقال له بعض من حضره من أهل بجاية: نزلت ببجاية وأفتي فيها الفقيه الحوفي بأن ارتدادها لا يكون طلاقا وظاهر كلامه أيضا ولو ارتد إلى دين زوجته، وهو كذلك عند ابن القاسم في المدونة.
وقال أصبغ: لا يحال بينهما وأخذ ابن عبد السلام من قول أصبغ قول ابن المواز أن المرأة تدخل على زوجها في السجن إذا سجن في حق غيرها، واختار ابن رشد خلاف قول سحنون.
قلت: ووجه الإقامة أن المطلوب التضييق عليه ليراجع الإسلام كما أن المطلوب ذلك في المحبوس لأداء ما عليه فلما لم يعتبره أصبغ في المرتد لزم اطراده من باب أحرى.
والله أعلم.
والفتوي عندنا بإفريقية بقول سحنون: ولو ادعى الزوج على زوجته ارتداد فأنكرته فرق الحاكم بينهما لإقراره بما يوجب الفرقة وهي الردة قاله سحنون في كتاب ابنه نقله ابن يونس.
(وإذا أسلم الكافران ثبتا على نكاحهما):
ظاهر كلامه وإن كان نكاحهما بالأولى ولا صداق، وهو كذلك ما لم يكن ثم مانع من الاستدامة من نسب أو رضاع وكذلك إن تزوجها في العدة ووقع إسلامهما قبل انقضائها، فإن النكاح يفسخ قاله ابن القاسم وأشهب ومثله إذا تزوجها بنكاح متعة وأسلما قبل انقضاء الأجل نص على ذلك أشهب وجعله غير واحد المذهب، وقال عبد الحق الإشبيلي: أجمعوا على أن الزوجين إذا أسلما في حالة واحدة أن لهما البقاء على النكاح الأول، إلا أن يكون بينهما نسب، أو رضاع يوجب التحريم.
قلت: ورأى بعض شيوخنا أن ما ذكره ينقض بما تقدم.
واختلف في أنكحتهم فقيل: إنها فاسدة والإسلام هو الذي يصحح بعضها وقيل: إنها صحيحة وإنما الفاسد منها بعضها والمشهور أنها على الفساد ولأجل هذا الاختلاف اختلف التونسيون هل تجوز شهادة الشهود المعينين للشهادة بين الناس لليهود في أنكحتهم بولي ومهر شرعي أو تمنع؟ على فريقين وألف كل واحد منهما على صاحبه ورجح ابن عبد السلام المنع، وسبب الخلاف الخلاف في أنكحتهم هل هي على الصحة، أو على الفساد؟ وهل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ في ذلك
قولان في المذهب ثالثها مخاطبون بالنواهي دون الأوامر ورابعها مخاطبون بغير الجهاد، وأما الجهاد فلا وكلاهما لأرباب الأصول.
قال ابن عبد السلام: وفي هذا الإجراء نظر من وجوه يطول ذكرها منها: أن ما عقدوه على الصفة التي توافق شرعنا لا معنى لدخول الخلاف فيه على هذا التقدير ولكن الخلاف فيه أيضا قال في المدونة: وطلاق المشرك ليس بطلاق ونقل غير واحد عن المغيرة إلزامهم ذلك، وذلك يجري على الأصل المذكور.
(وإن أسلم أحدهما فذلك فسخ بغير طلاق):
ما ذكر هو قول مالك وأصحابه، وقال ابن القاسم: وإن أسلمت قبل إسلامه ولم يسلم مكانه فلا رجعة وهي طلقة بائنة ورد بعض الشيوخ الأول بأن طلاق الكافر لغو.
(فإن أسلمت هي كان أحق بها إن أسلم في العدة):
يعني إذا أسلمت الزوجة بعد البناء وسواء كانت مجوسية أو كتابية فإن ينتظر في العدة وهو كذلك باتفاق قاله ابن حارث زاد في الموازنة للسنة وفي موضع آخر: ولو كان عبداً، وسمع أصبغ ابن القاسم يقول إسلامه رجعة دون إحداث رجعة، وأطلق الشيخ على الانتظار عدة، ومثله للبراذعي وابن يونس وغيرهما.
قال ابن عبد السلام: إطلاق ابن الحاجب لفظ العدة مجاز إنما هو استبراء على المشهور، واعترضه بعض شيوخنا بأن كلامه يوهم أنه مختص بهذا الإطلاق وليس كذلك بل أطلقه البراذعي ومن ذكر معه.
وظاهر كلام الشيخ لو لم بين بها لبانت وهو كذلك باتفاق عند بعضهم وقيل: إنما ذلك مع الطول وفي القرب قولان منصوصان وهذه طريقة اللخمي وأشار الباجي إلى أن الخلاف في القرب وإنما هو مخرج.
(وإن أسلم هو وكانت كتابية ثبت عليها):
ما ذكر هو كذلك باتفاق ولكن مع الكراهة في الاستدامة كما يكره للمسلم نكاح الكتابية ابتداء هكذا نبه عليه بعضهم وقبله ابن عبد السلام، ورده شيخنا أو مهدي عيسي الغبريني بأنهما ليسا سواء لسبقية النكاح في الكافر بخلاف المسلم والجملة إنما يمنع من يرى أن الدوام كالإنشاء.
(فإن كانت مجوسية فأسلمت بعده مكانها كانا زوجين وإن تأخر ذلك فقد بانت منه):
ما ذكر من أن المجوسية إن أسلمت مكانها ثبت عليها وإلا فلا هو قول ابن القاسم، وقيل: يعرض ... عليها الإسلام ثلاثة أيام فإن لم تسلم فرق بينهما حكاه غير واحد، وقيل إن أسلمت في العدة بقيت زوجة قاله أشهب في أحد قوليه.
وفي المدونة: يعرض عليها الإسلام فإن أبت وقعت الفرقة بينهما وإن أسلمت بقيت زوجة ما لم يبعد ما بين إسلامهما.
قلت: كم الطول؟ قال: لا أدري الشهودر وأكثر منه قليل، وفي بعض الروايات ورأى الشهرين.
وفي النوادر عن الموازية إن لم توقف فحتى يمضي مثل الشهر عند ابن القاسم، فقال أبو إبراهيم هذا خلاف رواية الشهر والشهرين، وتأول الشيخ أبو بكر بن اللباد قول المدونة على أنه غفل عنهما.
وكلام ابن أبي زمنين يقتضي أنه باق على ظاهره، وإذا سبق إسلام الزوج سقطت نفقتها باتفاق وأما إذا سبق إسلامها فإن كانت حاملا فالنفقة باتفاق عليه، وإن لم تكن حاملا فسمع أصبغ: هي عليه لأنه أحق بها ما دامت في العدة كالمطلقة واحدة، قال أصبغ وبه أفتيت لما أرسل السلطان إلى فاستفتاني في ذلك، وسمع عيسى لا تلزمه لأن أمرها فسخ لا طلاق والسنة لا نفقة في الفسخ.
قال ابن رشد: وهو الصواب عند أهل النظر لما ذكر لأن النفقة إنما وجبت للمتعة فقد سقطت متعته مهما بإسلامها فإن وجبت للعصمة سقطت أيضا لارتفاعها بالفسخ وكونه أحق بها إن أسلم في عدتها أم لا يحمله القياس وأما السكنى فالاتفاق على ثبوتها ويوجد في بعض نسخ ابن بشير الخلاف فيها كالنفقة قال ابن عبد السلام: وليس بشيء.
(وإذا أسلم مشرك وعنده أكثر من أربع فليختر أربعا ويفارق باقيهن):
ظاهرة أوائل كن أو أواخر وهو كذلك في منصوص المذهب وقال أبو حنيفة يتعين الأول وخرجه اللخمي في المذهب، وقال: يلزم على قول أشهب من تزوج امرأة في شركه ولم يبن بها ثم أسلمت حرمت على أبيه وابنه وحرمت عليه أمها وأن من تزوج أما وابنتها في حال شركه أو أختين أو أكثر من أربع ثم أسلم أنه يلزمه العقد الأول، ويفسخ الثاني، واختلف هل له الخيار إذا كان محرما أو مريضا أو كانت المخير فيها أمة وهو واجد للطول أم لا فقيل بذلك لكونه كرجعة.
وقيل: يمنع كابتداء نكاح وهذا الخلاف أشار إليه عبد الحميد الصائغ إلى إجرائه هل الفرقة فسخ أو طلاق، ولو اختار أربعا فإذا هن أخوات فله تمام الأربع ما لم يتزوجن قاله ابن الماجشون، قال ابن عبد الحكم: له ذلك، وإن دخل بهن أزواجهن، وقال اللخمي: أما لو كانت الفرقة بطلاق وبانت فلا تمام له، وإذا اختار أربعا وفارق البواقي فلمن بني بها من البواقي مهرها.
واختلف فيمن لم يبن بها على ثلاثة أقوال: فظاهر المذهب لا شيء لهن لأنه فسخ قبل الدخول، وقال ابن المواز لكل واحدة خمس صداقها لأنه لو فارق الجميع لزمه صداقان وهو خمس اثنان من عشرة، وقال ابن حبيب لكل واحدة نصف صداقها لأنه في الاختيار كالمطلق.
(ومن لاعن زوجته لم تحل له أبداً):
اختلف الفرقة بين المتلاعبين هل هي بطلاق أم لا؟ فالأكثر على أنها بغير طلاق واستحب عيسى بن دينار أن يوقع الطلاق بأثر اللعان، وقال ابن شعبان عن ابن مسلمة أنه طلاق البتة تحل له بعد زوج إن أكذب نفسه وكان ينحو إليه أشهب.
وقال عبد الملك في الثمانية واعلم أن بنفس حلف الزوج تقع الحرمة بينهما وإن لم تلتعن الزوجة وهو مقتضى قول سحنون وأصبغ والموطأ، والمشهور أن الفرقة لا تكون إلا بتمام حلفهما معا، وهو ظاهر قول الشيخ لأن اللعان في علة لا تقع إلا من الزوجين معا فهو كقوله بعد وإن افترقا باللعان لم يتناكحا أبداً فلا تعارض في كلامه والله اعلم.
(وكذلك الذي يتزوج المرأة في عدتها ويطؤها في عدتها):
ما ذكره هو المشهور وقال ابن نافع لا تحرم عليه بحال واحتج للمشهور بأنه حكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمحضر الصحابة رضي الله عنهم، ولم ينكروا عليه فهو اجتماع سكوتي وقد علمت ما فيه، وظاهر كلام الشيخ لو عقد في العدة ودخل بعدها أنها لا تحرم عليه وهي إحدى الروايتين وكلاهما لمالك في المدونة قاله ابن عبد السلام.
قلت: وفيه نظر وذلك أنه لما ذكر في كتابه العدة وطلاق السنة أن مالكا قال: تحرم عليه للأبد وأن المغيرة وغيره قالوا: لا تحرم عليه قال بإثره قال ابن القاسم: وكان مالك يفسخ هذا النكاح وما هو بالحرام البين أراد به وما تأبيد التحريم بحرام بين
فالتأييد حاصل في قوليه معا فأين القول الأول له فيها أنها لا تحرم عليه للأبد نعم هو قول له في غير المدونة وظاهر كلامه ولو كانت العدة من طلاق رجعي لأنه يصدق عليه أنه نكاح في عدة وهو كذلك عند غير ابن القاسم في المدونة.
وقال ابن القاسم: لا تحرم عليه كالمتزوج في العدة ألا ترى أن أحكام الزوجية بينهما فاقية من الميراث وغيره، وقال ابن رشد: ويحتمل أن يتخرج قول ثالث وهو إن راجعها زوجها لم يكن هذا متزوجا في العدة من قول ابن بشير في النصرانية تسلم تحت النصراني، فتتزوج في العدة أنه إن لم يسلم زوجها حتى انقضت العدة كان نكاحها فيها تزويجها في العدة، وإن أسلم لم يكن نكاحها فيها.
قلت: وإنما قال يحتمل لأنه يفرق بينهما لأن إسلامه كشف دوام عصمته دون طلاق قاله بعض شيوخنا وظاهر كلامه أن القبلة والمباشرة لا تحرم بهما، وهو نحو ما في كتاب ابن المواز يؤمر بالتحريم ولا يقضى عليه واستحسنه أشهب لأنه لم يوجب لبسا في لحوق النسب.
وفي المدونة هما كالوطء فتحرم، نص على ذلك في كتاب العدة في آخر فصل المفقود فاعلم ذلك.
واختلف إذا وطئها في الاستبراء على أربعة أقوال: فقيل تحرم وقيل لا ووقع لابن القاسم أنها تحرم إن كانت حاملا ولا تحرم في غيره قال ابن رشد ولو عكس لكان أصوب لأن فيه إذا وطئ غير الحامل اختلاط الأنساب.
(ولا نكاح لعبد ولا أمة إلا بإذن السيد):
ما ذكر هو كذلك باتفاق لأن تزويج العبد يعيبه ولذلك لو طلب العبد من سيده أن يزوجه وامتنع من ذلك فإنه لا يجبر قال ابن عبد السلام: وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يقصد الضرر، فإن قصده أمر بالتزويج أو البيع، وقد اختلف المذهب هل يجب على الولد أن يزوج أباه إذا طلبه أم لا؟ وسبب الخلاف هل يلحق النكاح بالأقوات أم لا؟ وللشافعية في المسألة تفصيل ونص بعض المتأخرين منهم على الوجوب حتى قال في الحيوان البهيمي يجب إرسال الذكور على الإناث زمان الضراب وللسيد أن يجبره على النكاح إذا أباه منه ما لم يقصد الضرر ولا يختلف فيه كما اختلف في الوصي هل يجير محجوره أم لا؟ لأن المحجور هناك إذا أكره على النكاح وطلق أتلف مال نفسه وإذا طلق العبد هنا أتلف مال سيده الذي أجبره لأن مال العبد لسيدة قاله ابن عبد السلام أيضا.
قلت: وفيه عندي نظر بدليل أن السيد لا يزكي مال العبد ولو كان مالكا له لزكاه كما إذا كان له مال وديعة وقد علمت أن مال العبد يتبعه في العتق ولو كان غير مالك له لما تبعه فبان بهذا أن السيد لا يملكه إلا بعد الانتزاع نعم إن مالك العبد غير كامل لقدره السيد على الانتزاع، ولذلك لا زكاة عليه فيه، ولو تزوج بغي إذن سيده فله فسخه بطلقة وقال الأبهري: القياس دون طلاق على الأول فلا يطلق إلا واحدة وقيل بالبتات طلقتين وبالأول قال أكثر الرواة وبالثاني قال مالك والقولان في المدونة.
(ولا تعقد امرأة ولا عبد ولا من على غير دين الإسلام نكاح امرأة):
ظاهرة كلامه يقتضي أن من ذكر يعقد على الذكور وهو كذلك قاله في الواضحة والعتبية وغيرهما لأن الولاية إنما تشترط في المرأة خاصة.
قال المتيطي: وهو المشهور المعمول له وقيل إن المرأة لا تعقد مطلقا وأخذ ذلك من المدونة من قولها ولا تعقد المرأة النكاح على أحد من الناس فظاهرها العموم قاله غير واحد كابن سعدون، وعبد الوهاب وعبد الحميد ومثله في الموازية وتأويلها ابن رشد على أن المراد من النساء لنص سماع عيسى لا بأس أن يوكل الرجل نصرانيا أو عبدا أو امرأة على عقد نكاحه.
ومثل هذا التأويل لأبي محمد بن أبي محمد عبد الحق.
قلت: والأقرب عندي هو الأول ويؤيده قول اللبيدي وقع في وصايا المدونة لا تعقد على أنثى ولا ذكر، وما ذكر الشيخ في العبد وهو كذلك، وقال ابن عبد السالم ولا أعلم الآن في ذلك خلاف على أن ظاهر كلام أصبغ يدل على وجود الخلاف فيه لقوله لاميراث في النكاح الذي تولي العبد عقدته وإن فسخ بطلقة لضعف الاختلاف.
قلت: فيما قاله نظر لأنه يحتمل الخلاف أن يكون خارج المذهب لأن باب الميراث لا يقتصر في مراعاة الخلاف فيه على المذهبين فقط والله أعلم.
ودل كلام الشيخ من باب أحرى أن الصبي والمعتوه لا يعقدان وهو كذلك، وقال ابن البشير قال اللخمي: يعقد الصبي المميز قلت ورده بعض شيوخنا بأن اللخمي إنما حكاه فيمن أنيت، وقد قيل إنه علامة على البلوغ، وظاهر كلام الشيخ في الكافر أنه لا يعقد سواء كان كفره كفر جزيه أم لا؟ وهو كذلك باتفاق في غير كفر الجزية وباختلاف في كفر الجزية والقول بأنه لا يمنع الولاية حكاه ابن بطال عن أصبغ وإلى هذا أشار ابن الحاجب بقوله: والمشهور أن كفر الجزية من الولي يسلب الولاية عن
المسلمة كغيره.
وتعقبه ابن عبد السلام قائلاً: لم أر أحداً من الحفاظ وغيرهم إلا وهو ينكر وجود هذا القول الشاذ ونسب المؤلف فيه إلى الوهم وقال ابن هارون: بقيت زمانا أبحث عليه فلم أقف عليه حتى أخبرني بعض فضلاء أصحابنا أنه في ابن بطال فنظرته فوجدته نقله عن أصبغ.
قلت: وكذلك نقل ابن رشد انه وقف عليه لابن بطال عن اصبغ بعد أن كان لا يحفظ إلا ما أخبره به شيخه الفقيه القاضي أبو عبد الله ابن الشيخ أبي عبد الله الزواوي أنهم وجدوا في بجاية كتابا لبعض الأندلسيين، وفيه أن الكافر من أهل الجزية تكون له الولاية أو قال البنت المسلمة لا تتزوج بغير أمره ورضاه.
وحاصل هذا الباب أنه يشترط في الولي العقل والبلوغ والحرية والذكورية والاسلام واختلف في المسلم الفاسق هل نصح ولايته أم لا؟ فأجاز ابن القصار نكاحه وكره عبد الوهاب مع وجود عدل فإن عقد جاز وكلاهما نقله اللخمي، وقال ابن شاس وابن الحاجب، والمشهور أن الفسق لا يسلب إلا الكمال فظاهر كلامهما أن الشاذ يسلب الأجزاء، قال بعض شيوخنا ولا أعرفه ومثله لخليل.
(ولا يجوز أن يتزوج الرجل امرأة ليحلها لمن طلقها ثلاثا ولا يحلها ذلك).
ظاهر كلام الشيخ: ولو لم يشترط عليه التحليل فإنه لا يحلها إذا نواه وهو كذلك في المشهور، وحكاه عبد الحميد الصائغ في تعليقه عن مالك قال: وذهب غير واحد من أصحابنا إلي أنه يحلها وهو مأجور ولو اشترط تحليلها ما حلت اتفاقا.
قال ابن حبيب: ويجب على المحلل أن يعلم الأول أن قصده التحليل بإنكاحها.
وقال ابن عبد البر في كافيه: علم الأول وجهله في ذلك سواء، وقيل: إن علم الأول قصد الثاني إجلاله فينبغي له تركها، وقيل إن علم أحد الثلاثة بالتحليل فسخ النكاح وهو شذوذ.
وكذا نقل المتيطي هذا القول ظاهره أنه في المذهب ولم يعزه ابن عبد البر في الاستذكار إلا للنخعي والحسن البصري، ولو زوجها من غيره ليس له طلاقها بعد وطئه حلت له قاله بعض الشيوخ مستدلا بما رواه ابن نافع: لا بأس أن يتزوج الرجل المرأة تعجبه ليصيبها وقد أضمر في قلبه فراقها بعد شهر.
ولو تزوجها من حلف ليتزوجن على امرأته فقيل: يحلها وإن لم يشبه أن تكون من نسائه أم لا ففيه خلاف وكذلك في إبرائه من يمينه حكاه ابن رشد.
(ولا يجوز نكاح المحرم لنفسه ولا يعقد نكاحا لغيره):
ما ذكر هو مذهبنا، وقال أبو حنيفة وغيره: يجوز للمحرم أن ينكح وبين الفريقين احتجاج يطول ذكره.
قال ابن الجلاب: وله رجعة امرأته في العدة، ومثله في المدونة والموطأ قال ابن عبد البر: وهو متفق عليه بين فقهاء الأمصار، ونقل الباجي عن احمد بن حنبل منعها.
قال ابن عبد السلام: ولا يبعد تخريجه في المذهب على القول بأنها قبل الارتجاع محرمة الوطء، وأن الإشهاد في الرجعة واجب، ورده بعض شيوخنا بأن حرمة الإحرام أشد لعدم القدرة على عدم رفعها وبالاتفاق على ثبوت الإرث بينهما في المسألة المخرج منها.
قال ابن الجلاب: وله شراء الجواري وقال ابن عبد السلام: ولا يبعد منعه على القول بأنها فراش بنفس عقد البيع، وإن لم يقر سيدها بوطئها كما ذهب إليه بعض شيوخ المذهب فيمن تراد للفراش منهن.
ورده بعض شيوخنا بأن مظنة وقوع الوطء في الزوجة أقوى لحقها فيه وهو
مظنة الطلب مظنة الإباحة وبأن النكاح خاص بالوطء وإليه أشار ابن الجلاب في قوله لأنه لا ينكح إلا من يحل له وطؤها فإن وقع نكاح المحرم أو إنكاحه فإنه يفسخ أبداً، وفي فسخه بطلاق روايتان، وكذلك الروايتان في تأبيد التحريم والمشهور عدم التأبيد قاله ابن عبد البر.
(ولا يجوز نكاح المريض ويفسخ):
يريد المرض والمخوف وهو الذي يحجر فيه عن ماله قال ابن بشير، وقال اللخمي: ما ظاهرة إذا أشرف على الموت أنه لا يجوز بلا خلاف، وكذلك ألحق بغير المخوف ما يكون مخوفا إلا أنه يتطاول كالسل والجذام في أوله وظاهر كلام الشيخ، ولو احتاج المريض إلى زوجة تقوم به وسواء كانت ترثه أم لا، واختلف في المسألة على أربعة أقوال فالمشهور ما قال الشيخ.
ونقل اللخمي عن مطرف جوازه وكذلك عزاه ابن المنذر والمتيطي وحكاه ابن الحاجب عن مالك، وحكى ابن المنذر أيضاً عن مالك أنه يجوز إن لم يكن مضارا وكانت له حاجة لمن يقوم به أو في الإصابة، وإن لم تكن له حاجة إلى شيء من ذلك فهو مضار.
وقيل: إن كانت لا ترثه فإنه جائز كما إذا كانت أمة أو كتابية بناء على أنه لحق الورثة وأجيب بجواز الإسلام والعتق.
وقوله: ويفسخ إنما قال يفسخ لئلا يقال يراعى فيه الخلاف بعد الوقوع كما يوجد في كثير من الأنكحة الفاسدة.
وظاهر كلام الشيخ: ولو صح المريض فإنه يفسخ بناء على فساده في عقده وهو كذلك قاله في سماع أشهب وبه قال سحنون وأصبغ وأشهب، ورواه ابن وهب أيضاً، وقيل لا يفسخ وهو اختيار ابن القاسم وبه قال ابن رشد بناء على أنه لحق الورثة وكلاهما في المدونة قال فيها: قال مالك وإن صحا ثبت النكاح دخلا أو لم يدخلا وكان يقول لا يثبت وإن صحا ثم عرضها عليه فقال امحها وأرى إذا صحا ثبت النكاح ومنهم من علل فساده بأنه في صداقه إذ لا تدري ما يخرج لها من الثلث كله أو بعضه ورد بأنه لو كان كذلك لمضى بالبناء كغيره ورد بأن غيره إذا وجب فيه صداق المثل بالدخول زال الغرر لتعلق صداق المثل بالذمة بخلاف ما هنا.
قال ابن عبد السلام: وهو ضعيف لأن إخراج الصداق من الثلث معلل بفساد