شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالةصفحات 194-201
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب في البيوع وما شاكل البيوع

صفحات 194-201
عن هذه الطبعة
عَلَم
التنوخي، ابن ناجي
الكتاب
شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني
المؤلف
قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيرواني (المتوفى: 837هـ)أعتنى به: أحمد فريد المزيدي
الناشر
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
الطبعة
الأولى، 1428 هـ - 2007 م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بما فيه بالتسليم، واليد كالذي يكري راحلته مضمونة ثم يسلم إحدى وراحله إلى الراكب فإن ليس له أن يبدلها، ولم يكن ذلك بمنزلة العبد المستأجر بعينه؛ لأنه ليس في الذمة.
قال: وهذا إذا كان مستأجراً لجميع العام، وأما إن كان مستأجرًا لبعضه فلم أر فيه نصا وعندي أنه يعوض عنه من يتم العام كالموت، واختلف فيما رث من آلة الحائط كالأجبل والدلاء والزرانيق فقيل: على رب الحائط خلفه كالدواب، وقيل: يكون ذلك على العامل هذان القولان حكاهما الباجي، وإنما ترك هذا الأصل في الدواب والرقيق؛ لأن مدة حياتها مجهولة فلو لم تتعلق الخدمة حينئذ بذمة رب الحائط لفسدت المساقاة للغرر، وأما الآلة فأمد الانتفاع بها معلوم في العادة فوجب بقاؤها على مقتضى الأصل في التعيين ولو سرق ما ذكر فعلى ربه خلفه اتفاقًا ثم إذا مضي قدر الانتفاع جاء القولان قاله ابن الحاجب.
(ونفقة الدواب والأجراء على العامل): ما ذكر الشيخ مثله في المدونة وهر المشهور وفي مختصر ما ليس في المختصر أن نفقة الرقيق على رب الحائط، قال اللخمي: وهو مقتضى القياس ولأ، ها على العامل كالطعام بطعام إلى أجل، وأما في المدنة فقدم فيه خبر الواحد على القياس؛ لأنه لم يرو أنه (صلى الله عليه وسلم) كلف بشيء من ذلك لأهل خيبر، وفي المدونة فيمن سوقي في أصل أو زرع فله مساقاة غيره في مثل أمانته فإن ساقى غير أمين ضمن.
وقال اللخمي: للعامل أن يدفعه لأمين وإن لم يكن مثله في الأمانة، وقال ابن رشد: إن ساقي أمينا مثله جاز اتفاقًا، وإن كان دونه في الأمانة إلا أنه مأمون فيتخرج على ما تقدم في سماع عيسى من كتاب الشفعة يعني: أنه يتخرج فيه القولان، قال فيه: من اشترى شقصًا بثمن لأجل لشفيعه الشفعة فيه، وإن كان مليا دون المشتري في الملاء لغير حميل يلزمه، قاله محمد، وقال أشهب: ليس له ذلك إلا بحميل مثل المشتري في الملاء.
واختلف أشياخ أشياخنا في لفظ المدونة مثل قولها هنا وذلك أن أول لفظها يدل على شرط المساواة وآخر لفظها يدل على الاكتفاء بمطلق الأمانة فكان بعضهم يحمل قولها على قولين إذا كانا منصوصين خارجها وكان بعضهم يجعل آخر الكلام مفسراً لأوله وقاضيا عليه.
وحمل ابن عبد السلام قول المدونة هنا على ما فهم من لفظها الأول من

المساواة معترضًا قول ابن الحاجب له أن يساقي أمينا غيره بأنه خلاف المدونة ومقتضى النظر لأن المطلوب كون الثاني مساويا للأول في الأمانة، والقوة على العمل، وأجاب عن ظاهرها الثاني ما جرت به عادة المتقديمن في التمثيل بالجلي وأطال الكلام في ذلك فانظره.
قال ابن رشد في البيان: وظاهر قول مالك له أن يساقي أمينا أن المساقي الثاني محمول على غير الأمانة حتى تثبت بخلاف ورثة العامل، وهذا هو ظاهر ما في المدونة في القراض، والمساقاة والفرق بينهما أن مال القراض يغاب عليه بخلاف الحائط على المساقاة قال خليل: وهذا هو الفرق في إجازة مساقاة العامل غيره وعدم جواز مقارضة العامل غيره.
(وعليه زريعة البياض اليسير): إنما قال ذلك، لأنه لم يرو أن النبي صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم دفع إلى أهل خيبر شيئاً من البذر وكأنه من جملة العمل الذي يكون على العامل، ولذلك قال جماعة من أهل العلم: يجوز إعطاء الأرض بما يخرج منها، وممن قال بذلك خارج المذهب أحمد بن حنبل، وبه قال يحيى بن يحيى من أصحابنا ذكره عياض في مداركه وغيرها ويريد المشيخ باليسير الثلث، فأقل.
واعلم أن هذه إحدى المسائل التى الثلث فيها يسير.
وثانيتها: هبه ذات الزواج ثلث مالها.
وثالثها: الوصية بالثلث.
ورابعتها: استثناء ثلث الصبرة إذا باعها وكذلك الثمار والغنم إذا باعها وكذلك بيع الشاة واستثناء عند أشهب.
وخامستها: حلية السيف المحلى إذا كانت الثلث فلا بأس أن تباع بما فيها.
وسادستها: قطع ثلث الأذن والذنب من الأضحية على أحد القولين وحكموا بالكثرة للثلث في الجائحة، وفي حمل العاقلة ولا تحمل ما دونه، وفي المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتها فإذا بلغت الثلث رجعت إلى عقلها، وفي استحقاق الدور، وكذلك الطعام على خلاف فيه.
(ولا بأس أن يلغي ذلك للعامل، وهو أحله وإن كان البياض كثيرًا لم يجز ان يدخل في مساقاة النخل): كلامه يدل على أن لا بأس لما هو خير من غيره وهو كذلك، قال في المدونة:

أحب إلي أن يلغى البياض للعامل وهو أحله.
قال ابن عبد السلام: يعني: ليسلم من كراء الأرض بالجزء مما يخرج منها غير أنه لفظ فيه نظر إذا لا ينبغي أن يطلق تفضيل الحلية على شيء لم يفعله النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا أمر به ويجعل راجحا على شيء فعله.
قلت: ما ذكر قرره عبد الحق سؤالا وأجاب عنه بأنه جاء في الحديث الآخر أنه (صلى الله عليه وسلم) تركه لهم.
قال شيخنا أبو مهدي رحمه الله تعالى: واعلم أن الحلال متفاوت فما كان دليله قاطعا أو له أدلة كثيرة يؤتى فيه بصيغة أفعل، وما كان على غير ذلك فلا يقال: حلال وأحل وحرام كما قال في المدونة قيل لمالك: فإن ضرب للبيع أجلا قال: فذلك أحرمه قال: ونص على ذلك المازري في تعليقه على المدونة.
(إلا أن يكون قدر الثلث من الجميع فأقل): ما ذكر الشيخ من أن التبعية منسوبة للجميع هو المشهور، وقال ابن عبدوس: إنما يراعي أن يكون تبعًا لحصة العامل خاصة ومعرفة التبعية على الشيخ هو أن يقوم كراء البياض فإن قيل: خمسة نظر إلى الثمرة وقدرها عادة وطرح منها قدر النفقة فإن كان الباقي إذ ذاك ما قاله عشرة فأكثر جاز لتحقق التبعية، وإن كان أقل من عشرة لم يجز لأن كراء البياض حينئذ أكثر من الثلث ونسب اللخمي في أول أكرية الدور القول المشهور لابن القاسم، وغلطه قال: لأن السقي والعلاج ثمن الثمرة فكيف يصح أن يحط أحدهما من الآخر وإنما باع العامل عمله بالجزء الذي يأخذه بعد الطيب، وإنما يطيب علىملك رب الحائط، ولذلك قيل: يزكى إن كان في جملته خمسة أو سق، وإن كان علامل عبدًا أو نصرانيًا وغلطه بعض شيوخنا فقال: تغليطه غلط؛ لأن كراء البياض لما كان محض فائدة وجب أن لا ينسب إلا لما هو فائدة والذي هو فائدة من الثمرة إنما هو الباقي بعد قيمة مؤنتها.
(والشركة في الزرع جائزة إذا كانت الزريعة منها جميعا والبرح بينهما كانت الأرض لأحدهما والعمل على الآخر أو العمل بينهما واكتريا الأرض أو كانت بينهما أما إن كان البذر من عند أحدهما ومن عند الآخر الأرض والعمل عليه أو عليهما والربح بينهما لم يجوز ولو كانا اكتريا الأرض والبذر من عند واحد وعلى الآخر العمل جاز إذا تقاربت قيمة ذلك): اختلف المذهب هل تلزم الشركة بالعقد أم لا؟ على ثلاثة أقوال حكاها ابن

رشد فقيل: تلزم به قاله سحنون وابن الماجشون، وابن كنانة، وابن القاسم في كتاب ابن سحنون وقيل: لا تلزم به بل بالشروع قاله ابن كنانة في المبسوط وبه جرت الفتوي بقرطبة، وهو على قياس رواية على فى لزوم الجعل بالشروع.
وقيل: لا تلزم إلا بالأبدان قاله ابن القاسم في المدونة ورواه عنه أصبغ في العتبية، وعلى هذا الخلاف ينبني سلف أحدهما بعد العقد.
قال أبو عمران الصنهاجي: وهذه إحدى المسائل التى لا تلزم بالعقد وكذلك القراض والجعل والمغارسة والوكالة والذي يلزم بالعقد البيع والنكاح والإجارة والكراء والمساقاة على خلاف.
قال عياض: ووجوه الشركة ثلاثة: أحدهما: أن يشتركا في الأرض والعمل والآلة والزريعة فإنها جائزة باتفاق.
الثاني: أن يختص أحدهما بالبذر من عنده والآخر بأرض لها قيمة ويشتركان في غيرهما بالتساوي أو بالتفاوت فإنها فاسدة باتفاق لاشتمالها على كراء الأرض بما يخرج منها إلا على قول الداودي الذي يجيز كراءها بما يخرج منها والأصيلي، ويحيى بن يحيى في جواز كرائها بالجزء، وهو مذهب الليث بن سعد في الوجهين وكلاهما خلاف مذهب مالك، وأصحابه.
الثالث: أن يشتركا على غير غير هذين الوجهين وفي شركتهما خلاف مشهور معلوم في الأصل.
وقال ابن حارث: اتفقوا إذا كانت الأرض من عند أحدهما والبذر من عند الآخر أن الشركة فاسدة بكل حال، وهو قصور لما سبق من نقل عياض.
قال اللخمي: لو اشتركا على أن تكون الأرض والبذر كلاهما من عند واحد، والعمل على الآخر فذهب سحنون إلى جوازها، وذهب ابن حبيب وابن المواز إلى منعها وقد قال ابن عبد السلام: هذه مسألة الخماس، وقد قال ابن رشد فيهما: إن عقداها بلفظ الشركة جازت بلا خلاف، وإن عقداها بلفظ الإجارة امتنعت بلا خلاف، وإن كان العقد عاريا من اللفظين فأجاز ذلك ابن القاسم، ومنعه سحنون ورأى أن هذا تحصيل المذهب في ذلك.
قلت: واعترضه بعض شيوخنا بوجهين: أحدهما: أنه عكس العزو بل في أجوبه ابن رشد ما نصه حمله ابن القاسم على الإجارة فلم يجزه وإليه ذهب ابن حبيب، وحمله سحنون على الشركة، فأجازه وعبر

عنها بما إذا قال: أدفع لك أرضي وبذري وبقري وتتولي أنت العمل.
الثاني: دعواه أن مسألة عرفنا هي مسألة سحنون وابن المواز فيه نظر من وجوه: أحدها: إن عرفنا في الخماس بإفريقية في زمانه، وقبله وبعده إنما هو على أن كل التبن لرب الأرض، والبذر ومسألتهما ليس فيها اختصاص رب الأرض والبذر بشيء.
والثاني: أن مسألتهما فيها المنفرد بالعمل أخرج معه البقر، ومسألة عرفنا لا يأتي العامل بشيء بل يعمل بيده فقط، وكونه كذلك يصيره أجيرا أو يمنع كونه شريكًا.
الثالث: أن ظاهر أقوال المذهب أن شرط الشركة كون العمل فيها مضمونا لا عمل عامل معين ومسألة عرفنا إنما يدخلون فيها على أن العامل معين بنفس العمل، والحامل لنا على هذا الكلام خوف الاغترار بقوله فيعتقد أن في مسألة عرفنا قولاً بالصحة، وليس الأمر كذلك فتأمله منصفا.
ولقد أجاد ونصح شيخ مشايخنا الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن شعيب حيث سئل عن مسألة الخماس في الزرع بجزء مسمى من الزرع هل يجوز أم لا؟ وهل ينهض له عذر في إباحته لتعذر من يدخل على غير هذا؟ فأجاب بأنها إجارة فاسدة وليست بشركة؛ لأن الشركة تستدعي الاشتراك في الأصول التي هي مستند الأرباح وعدم المساعدة على ما يجوز من ذلك لا ينهض عذراً لأن غلبة الفساد في ذلك، وأمثاله إنما هو من إهمال حملة الشرع، ولو تعرضوا لفسخ عقود ذي الفساد لما استمروا على فسادهم فإن حاجة الضعيف إلى القوي أشد قال الله تعالى: (فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين* فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين* والوزن يومئذ الحق) [الأعراف: 6 - 8]. قلت: وكان الشيخ الخطيب المفتي أبو عبد الله محمد الرماح يفتي بأنه عذر يبيح الشركة على الوجه المذكور، وتبعه مفتينا بذل شيخنا أبو محمد عبد الله الشبيبي رحمه الله تعالى، وكلاهما من القرويين نفعنا الله تعالى ببركاتهما.
(ولا ينقد في كراء أرض غير مأمونة قبل أن تروي): يريد بشرط وظاهر كلامه أن العقد عليها جائز وهو كذلك عند ابن القاسم.
قال ابن رشد: لا يفرق ابن القاسم بين الأرضين في جواز العقد لعام أو لعامين أو لأعوام كثيرة ولو كانت غير مأمونة وفي جواز النقد قسمان، فالمأمونة كأرض النيل والمطر المأمون والسقي بالأنهار والعيون الثابتة، والآبار المعينة النقد فيها للأعوام الكثيرة جائز، وغير المأمونة لا يجوز فيها إلا بعد ريها وإمكان حرثها كانت من أرض

النيل أو المطر أو العيون أو الآبار وهي في وجوب النقد قسمان أرض النيل يجب فيها إذا رويت لأنها لا تفتقر إلى السقي بريها يكون المكتري قابضًا لما اكترى، وفي أرض ... السقي والمطر لا يجب فيها حتى يتم الزرع ويستغني عن الماء وكذلك ما يزرع بطونا لا يلزمه في البطن حتى يستغنى عن الماء.
ووافقه ابن الماجشون في أرض النيل، وفي أرض المطر والسقي غير المأمون وخالفه وفي أرض السقي المأمون وجعلها ابن القاسم كأرض المطر والسقي غير المأمون وجعلها ابن الماجشون كأرض النيل والأرض عغلى قول ابن الماجشون أربعة أرض النيل المأمونة يجوز كراؤها الأعوام الكثيرة ولو بالنقد قرب إبان ريها أو بعد قاله في المدونة.
وأرض السقي بالآبار والأنهار يجوز كراؤها العشرة الأعوام لا أكثر والنقد فيها على مذهبه جائز قاله فضل، وأرض السقي بالعيون لا يجوز كراؤها إلا الثلاثة أعوام أو أربعة ولا ينقد إلا السنة يريد ينقد للسنة الثانية قبل تمام الأولى بيسير وإن لم ترو الأرض هذا قوله في الواضحة، وأرض المطر لا يجوز كراؤها إلا لعام واحد قرب إبان ريها، ولا يجوز النقد فيها حتى تروي ريا مبلغا لزراعها أو لأكترها مع رجاء وقوع غيره قاله في المدونة.
قلت: وما فسر به ابن رشد قول الغير فسره المتيطي لأشهب.
(ومن ابتاع ثمرة في رءوس الشجر فأجيح ببرد أو جراد أو جليد أو غيره فإن أجيح قدر الثلث فأكثر وضع عن المشترى قدر ذلك من الثمن، وما نقص عن الثلث فمن المتباع): قال بعض شيوخنا: الجائحة ما أتلف من معجوز عن دفعه عادة قدرا من الثمرة أو نباتا بعد بيعه.
روى مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح.
قال عبد الحق وروى أبو محمد من حديث عبد الملك بن حبيب عن مطرف عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أصيب ثلث الثمرة فقد وجب على البائع الوضيعة" وظاهر كلام الشيخ أن الجائحة لا تختص بالأفات السماوية وهو كذلك في المشهور.

وقال ابن الماجشون: هي مختصة بها، وظاهر كلامه أيضًا ولو كانت الثمرة صداقًا فإنه لا جائحة فيها لقوله: ومن ابتاع؛ لأن إطلاق البيع على ذلك مجاز؛ لأن الصداق نحلة، وهو كذلك عند ابن القاسم؛ لأنه يشترط البيع المحض خلافًا لابن الماجشون، وصوبه اللخمي وابن يونس وضعف ابن رشد قول ابن القاسم بإيجاب الجائحة في العرية مع أنها لست بيعًا محضا.
وأجابه شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني رحمه الله بأنها بيع محض، وإنما المعروف فيها هبة الثمرة أولا وليست بمحل النزاع، ويريد الشيخ ما لم تكن الثمرة مشتراة مع الأصل فإنه لا جائحة فيها، ونص على ذلك في المدونة والموازية.
وقيل بثبوتها إن عظم خطرها قاله أصبغ، وظاهر كلام الشيخ، ولو اشترط إسقاط الجائحة، وهو كذلك في سماع ابن القاسم.
قال ابن رشد: لأنه لو أسقطها بعد العقد لم تلزمه لأنه أسقط حقا قبل وجوبه، وكذلك في العقد، ولا يؤثر فساده؛ لأنه لاحظ له من الثمن، ولأن الجائحة أمر نادر.
قلت: وما ذكره من السماع نقلة اللخمي عن رواية محمد، ونقل عن السليمانية أن البيع فاسد، واختار أن يخير البائع فإن أسقط شرطه صح البيع وإلا رد وله في الفوات الأكثر من الثمن أو القيمة، واختلف إذا لم تهلم الثمرة بل تعيبت كالغبار يصيبها أو الريح يسقطها قبل تناهي طيبها فتنقص قيمتها ففي البيان المشهور أن ذلك جائحة ينظر ما نقصها هل الثلث أم لا؟ وقال ابن شعبان، وهو أحد قولى ابن الماجشون: ليس ذلك بجائحة، وإنما هو عيب المبتاع بالخيار بين أن يتماسك أو يرد واختلف هل يعتبر الثلث في ذلك من الملكية أو من القيمة والأول لابن القاسم، والثاني لأشهب.
(ولا جائحة في الزرع ولا فيما اشترى بعد أن يبس من الثمار): ما ذكر الشيخ هو المشهور وقيل: فيه الجائحة قال ابن الحاجب: لو انتهت كالعنب يطيب والبقول والقصيل فلا جائحة كالتمر على النخل.
وقال سحنون: فيه الجائحة.
قلت: وقول سحنون نقله المتيطي عبد الرحمن بن دينار عن ابن كنانة، ونقل ابن يونس عن سحنون مثل المشهور.
(وتوضح جائحة البقول وإن قلت وقيل لا يوضع إلا قدر الثلث): القول الأول من قولى الشيخ هو رواية ابن القاسم والقول الثاني هو رواية على بن زياد وابن أشرس وكلاهما في المدونة، ولم يقع ذكر ابن أشرس في التهذيب إلا

هنا فيما قد علمت، وحكى ابن الجلاب عن مالك ما تقدم وزاد ورواية ثالثة بأنه لا جائحة فيها بالإطلاق، ولم يحفظها ابن حارث بل ذكر مثل ما ذكر الشيخ فقال: اتفقوا على وضع جائحة البقل واختلفوا في قدر ما يوضع ومثل ما ذكر ابن حارث ذكر اللخمي في المقانئ وألحقوا الزعفران والريحان والقرط والقضب بالبقول واختلف في الأصول المغيبة في الأرض مثل الجزر واللفت والبصل هل هي كالبقول أم لا؟ ومذهب المدونة أنها كالبقول وألحق أشهب المقانئ بالبقول فتوضع، وإن قلت: ألحقها ابن القاسم وابن المواز وابن حبيب بالثمار وكذلك اختلف في قصب السكر على ثلاثة أقوال كالبقل، واختلف في وضع الجائحة في ورق التوت.
فقيل: توضع بالإطلاق قاله ابن القاسم في سماع أبي زيد، وقيل: إذا بلغت الثلث قاله ابن حبيب.
قال ابن سحنون: وانظر لو مات دود الحرير الذى لا يراد ورق التوت إلا له هل يكون مشتريه كمكتري حمام أو فندق ثم جلا بلده فلم يجد من يعمره فيكون له متكلم أو لا يشبهه؛ لأن منافع الربع في ضمان مكتريه وورق التوت مبتاعه يضمن بالعقد كمن اشترى علفا لقافلة تأتيه فعدلت عن محله أو ليس هي مثله لا مكان نقل الطعام حيث يباع وورق التوت لا ينقل.
قال ابن يونس: وكذلك لو اشترى قوم ثماراً من بلد فانجلى أهلها لفتنة أو لموت كان ذلك جائحة.
(ومن أعرى ثمر نخلات لرجل من جنانة فلا باس أن يشتريها إذا أزهت بخرصها ثمرا يعطيه ذلك عند الجداد إن كان فيها خمسة أو سق فأقل): العرية بتشديد الياء لغة وعرفا يقال عرية وعرايا، قاله عياض والأصل في ذلك ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها من الثمر" وثبت لفظ " رخص" في حديث مسلم والبخاري وأبي داود.
قال الباجي: الرخصة عند الفقهاء تخصيص بعض الجملة المحظورة بالإباحة وسموها رخص؛ لأنها مستثناة من قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تبيعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها ولا تبيعوا التمر بالتمر"، وقال المازري: هي مستثناة من بيع الرطب بالتمر وربا الفضل والنساء.
قال ابن رشد: اختلف في جواز بيع العرية على ثلاثة أقوال:

فقيل: تجوز بالخرص والعين، وهو المشهور، وقيل: تمنع إلا بالخرص، وقيل: يمنع شراؤها بكل شيء للنهي عن العودة في الهبة وعن الربا وعن بيع الرطب بالتمر، واختلف إذا أعطاه الثمرة بغير لفظ العرية بل بلفظ الهبة والمنحة مثلاً فالمشهور عدم جواز الشراء اتباعا للفظ الحديث، وقيل: إنه جائز قاله ابن حبيب، وغيره، واختلف في علة شراء العارية فقيل: لقصد المعروف، وقيل: لرفع الضرر.
قاله ابن الماجشون، وعلله بهما معًا مالك وابن القاسم، والمراد على البدلية لا على لاجمع وعلى هذا الخلاف أجروا إذا أراد أن يشتري بعضها أو جميعها، وهي كل الحائط، وما ذكر الشيخ أن المعتبر خمسة أو سق هي رواية المصريين، وروى أبو الفرج عن مالك يشترط أن تكون أقل من الخمسة.
(ولا تجوز شراء أكثر من خمسة أو سق إلا بالعين أو العرض): ظاهر كلام الشيخ ولو أعراه عرايا من حوائط عدة فإنه لا يشتري إلا الخمسة فقط، وهو كذلك عنده وعند يحيى بن عمر رضي الله عنهما، وقيل: يشتري من كل حائط خمسة أو سق قاله أبو الحسن القابسي.
وقيل: إن كانت بلفظ واحد فالأول وإلا فالثاني قاله الشيخ أبو القاسم بن الكاتب، ورجحه عبد الحق لقول مالك: من اشترى حوائط فأصابتها جائحة: إنها إن كانت في صفقة واحدة اعتبر ثلث الجميع، وإن كانت صفقات اعتبر ثلث كل واحدة وكلها تؤول على المدونة قاله عياض.
وقال المازري: وسبب الخلاف هل يتعدد العقد بتعدد المعقود عليه أم لا؟ قلت: ومرضه بعض شيوخنا بقوله هذا يوجب قصر الخلاف على كونها في عقد واحد فيسقط الثالث وقد ذكر الثلاثة غير واحد كعبد الحق.

فصول الكتاب · 45 فصل · 495 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة · 495 صفحة
باب ما تنطق به الألسنة إلى آخره
باب ما يجب منه الوضو والغسلباب طهارة الماء والثوب والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاةباب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمارباب في الغسلباب فيمن لم يجد الماء وصفة التيممباب في المسح على الخفينباب أوقات الصلاة وأسمائهاباب الأذان والإقامةباب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسننباب الإمامة وحكم الإمام والمأمومباب جامع في الصلاةباب في سجود القرآنباب في صلاة السفرباب في صلاة الجمعةباب في صلاة الخوفباب في صلاة العيدين والتكبير أيام منىباب في صلاة الخسوفباب في صلاة الاستسقاءباب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنهباب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميتباب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسلهباب في الصيامباب في الاعتكافباب في زكاة العين والحرث والماشيةباب في زكاة الماشيةباب في زكاة الفطرباب في الحج والعمرةباب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختانباب في الجهادباب في الأيمان والنذور
باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء
باب في العدة والنفقة والاستبراء
باب في البيوع وما شاكل البيوع
باب في الوصايا والمدبر والمكاتب والمعتق وأم الولد والولاء
باب في الشفعة والهبة والصدقة والحبس والرهن
باب في أحكام الدماء والحدود
باب في الأقضية والشهادات
باب في الفرائضباب جمل من الفرائض ومن السنن الواجبة والرغائبباب في الفطرة وختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلكباب في الطعام والشرابباب في السلام والاستئذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله سبحانه والقول في السفرباب في التعالج وذكر الرقى والطيرة والنجوم والخصاء والوسم وذكر الكلاب والرفق بالمملوكباب في الرؤية والتثاؤب والعطاس واللعب بالنرد وغيره والسبق بالخيل والرمي وغير ذلك
جارٍ التحميل