باب في أحكام الدماء والحدود
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- التنوخي، ابن ناجي
- الكتاب
- شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني
- المؤلف
- قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيرواني (المتوفى: 837هـ)أعتنى به: أحمد فريد المزيدي
- الناشر
- دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الأولى، 1428 هـ - 2007 م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
فيعارضه الرجل فيقول له: قال الشافعي كذا قال الحنفي فقال: أرى أن يستتاب قال عياض، وأجمع المسلمون خاصتهم وعامتهم من لدن عهد الصحابة إلى هلم جرًا في مشارق الأرض ومغاربها أن من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عابه أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرضه أو شبهه بشيء على طريق الذم أو الازدراء به أو التصغير لشأنه أو النقص منه أو العيب له أو دعا عليه أو تمني مضرته أو نسب إليه ما لا يليق بنسبه العلي أو عنت في جانبه العزيز بهجو من القبيح أو سخف من الكلام أو منكر من القول أو غيره من بلاء ومنحه جرت عليه أو برئ منه أو كذبه أو استجهله أنه ساب له صرح بذلك أو لوح.
ويقتل كفر إن استحل شيئًا من ذلك ولم يرجع عنه فإن لم يستحله ورجع عنه قتل حدا ولا تقبل توبته على المشهور فيهما ويتخرج عليهما غسله والصلاة عليه ودفنه وميراثه والفرق بين استتابة من سب الله تعالى وعدم استتابة من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله برئ من النقص لذاته لا يلحقه النقص ولا استكمال بغيره سبحانه وتعالى بخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه من جنس من يلحقه النقص فلا يزول إلا بقتل مستنقصه.
وقيل: إنما ثبت له ذلك الكمال بإخباره تعالى الذي لا يتبدل ولا يتحول.
قلت: وما ثبت بالعرض لا يقاوم ما ثبت بالذات وإن كان لا يلحقه نقص.
(ومن سبه من أهل الذمة بغير ما به كفر أو سب الله عز وجل بغير ما به كفر قتل إلا أن يسلم):
ما ذكره من أن من سبه من أهل الذمة بغير ما به كفر فإنه يقتل هو المشهور، وحكى ابن الجلاب وعبد الوهاب، قولاً بالقتل مطلقًا كان بما به كفروا أو غيره وما ذكر من سقوط القتل عنه بالإسلام هو أحد قولي مالك.
(وميراث المرتد لجماعة المسلمين):
ما ذكره لا أعلم فيه خلافًا، واختلف في ميراث الزنديق فقيل كذلك قاله أشهب وابن نافع وقيل لورثته قاله ابن القاسم.
(والمحارب لا عفو فيه إذا ظفر به):
قال ابن الحاجب: الحرية كل فعل يقصد به أخذ المال على وجه تتعذر معه الاستغاثة عادة من رجل أو امرأة حرًا وعبدًا ومسلم أو ذمي أو مستأمن واعترضه ابن عبد السلام بأنه غير مانع لدخول ما ليس بحرابة، وهو غصب السلطان وشبهه فإنه فعل يقصد به على وجه تتعذر به على وجه تتعذر معه الاستغاثة عادة ثم سأل نفسه،
فقال: إن قلت: المتعذر في الحرابة عادة إنما هو الإغاثة وليس الاستغاثة فإن المسلوب يستغيث وجد مغيثا أم لا فلا تتعذر الاستغاثة أصلاً.
وأجاب بأن استغاثة المعدوم ومن لا تنفع إغاثته كلا شيء وإنما المعتبر الاستغاثة التي ترجى معها الإغاثة وهذا النوع من الاستغاثة هو المعتبر في الكلية، وقال بعض شيوخنا: الحرابة الخروج لإخافة السبيل بأخذ مال محرم بمكابرة قتال أو خوفه أو إذهاب عقل أو قتل خفية أو لمجرد قطع الطريق لا لإمرة أو نائرة، ولا عداوة فيدخل في قوله، والخناقون والذين يسقون الناس السيكران ليأخذوا أموالهم محاربون.
(فإن قتل أحدا فلابد من قتله):
ما ذكره هو المشهور في المذهب وقال أبو مصعب الإمام فيه بالخيار وظاهر كلام الشيخ ولو عفا عنه أولياء المقتول وهو كذلك وظاهر كلام أهل المذهب ولو رأي الإمام من حسن المصلحة إطلاقه لكثرة إذاية الذين وراءه كأعراب إفريقية لفعل والله أعلم.
وأفتي شيخنا أو مهدي عبد الله الشبيبي رحمه الله تعالى بالعفو عن نحو أربعين محاربًا أخذوا في حالة واحدة بالقيروان والحالة هذه وبه أقول ومال إليه شيخنا أبو مهدي رحمه الله، وظاهر كلامه: وإن كان المقتول غير كفؤ وهو كذلك وصرح به بعد وقد قتل عثمان رضي الله عنه مسلمًا قتل ذميا حرابة.
(فإن لم يقتل فيسع الإمام فيه اجتهاده بقدر جرمه وكثرة مقامه في فساده فأما قتله أو صلبه ثم قتله أو يقطعه من خلاف أو ينفيه إلى بلد يسجن بها حتى يموت):
ما ذكر الشيخ هو قول مالك وغيره وفهموا قوله تعالى: " إنما جزؤا الذين يحاربون الله ورسوله) [المائدة: 33]
الآية على التخيير الاجتهادي فكل ما رآه الإمام سدادا تعين ولا يجوز الانتقال لغيره.
قال ابن عبد السلام: فعلى هذا يكون لا فرق بين قولنا أو للتخيير هنا، ولا بين قول غيرنا إنها للتفصيل.
قلت: فيما نسبه للمذهب دون ذكر غيره قصور وكذلك في فهمه نظر لقول اللخمي في كونه على الترتيب أو التخيير روايتان للأكثر، وابن وهب فعلى الترتيب إن لم يخف ولم يأخذ مالا، ولا قتل أخذ فيه بأسر الحكم ابن القاسم، وهو أن يجلد وينفي ويسجن في الموضع الذي نفي إليه، وإن أخاف أو أخذ مالا أو جمعهما خير في قتله وقطعه، وكذلك إن طال أمره ونصب، ولم يأخذ مالا، وإن طال زمنه وعلا أمره،
وأخذ المال ولم يقتل قتل ولا بخير فيه.
وعلى رواية ابن وهب قال مالك: إن نفر الناس من كل مكان وعظم فساده، وأخذ أموال الناس فالسلطان يرى فيه رأيه في أحد الأربعة ويستشير في ذلك، وحيث يقتل قال اللخمي يقتل على الوجه المعتاد المعروف بالسيف والرمح ولا يقتل على صفه يعذب بها ولا بحجارة ولا بغير ذلك، وإن رأى صلبه فليصلبه قائمًا لا منكسًا وينبغي أن تطلق يداه؛ لأن له في ذلك بعض الراحة إلى أن يموت وإن لم تطلق فلا بأس.
قال: وظاهر القرآن أن الصلب حد قائم بنفسه كالنفي والمذهب إضافته للقتل ولمالك في بعض المواضع قال: يقتل أو يصلب أو يقطع أو ينفى كظاهر القرآن.
واختلف هل يقدم الصلب على القتل أو العكس على قولين لابن القاسم، وأشهب وعلى الأول فاختلف قول سحنون إذا مات هل ينزل من ساعته، ويدفع إلى أهله للصلاة عليه والدفن ونحوه لأصبغ وإذا صلوا عليه رده الإمام للخشبة اليوم والثلاثة ليردع به أهل الفساد على قولين.
قال ابن الماجشون: لا يمكن أهله من الصلاة عليه، ويبقي على الخشبة حتى يفني وتأكله الكلاب.
وقول الشيخ أو ينفيه إلى بلد يسجن بها حتى يموت يريد أو تظهر توبته الحقيقية ويريد إذا كان حرا، وأما العبد فإنه لا ينفى ويسجن ببلده.
(فإن لم يقدر عليه حتى جاء تائبًا وضع عنه كل حق هو لله من ذلك، وأخذ بحقوق الناس في مال أو دم):
ظاهر كلام الشيخ إذا جاء إلى السلطان طائعا بغير سلاح، وقال: جئتك تائبا؛ أنه ينفعه ذلك، وإن لم تثبت توبته، وهو كذلك عند ابن القاسم، قال: وكذلك إذا ترك ما كان عليه وإن لم يأت خلافًا لابن الماجشون في قوله توبته إنما هي أن يترك ما هو عليه، ويجلس في موضعه حتى لو علم الإمام حاله لم يقم عليه حد الحرابة.
وقيل: إنما تكون بالمجيء إلى الإمام وإن ترك ما هو عليه لم يسقط ذلك حكما من الأحكام إن أخذ قبل أن يأتي الإمام.
قال ابن رشد في مقدماته فهي ثلاثة أقوال واختلف إذا فر المحارب في القتال فقال ابن القاسم: إن كان قتل أحدا فليتبع وإلا فلا أحب أن يتبع ولا يقتل.
وقال سحنون: ويتبعون ويقتلون مقبلين ومدبرين ومنهزمين وليس هروبهم توبة
وفي الإجهاز على جريحهم قولان لهما، ولا يجوز أن يؤمن المحارب إن سأل الأمان بخلاف المشترك؛ لأن المشرك يقر إذا أمن على حاله ويبده أموال المسلمين ولا يجوز تأمين المحارب على ذلك.
واختلف إذا امتنع بنفسه حتى أعطي الأمان فقيل: يتم له ذلك، وقيل: لا قاله أصبغ.
(وكل واحد من اللصوص ضمان لجميع ما سلبوه من الأموال):
ما ذكر هو المعروف، وقال ابن عبد الحكم، لا يضمن إلا ما أخذ خاصة نقله الباجي، وأفتى بعض المتأخرين بالأول إن كان رئيس القوم بحيث يقدر على ردهم، وبالثاني: إن لم يكن ذلك وعلى الأول فإن غرم يرجع على أصحابه كالحملاء.
وأما المجتمعون على السرقة فكل واحد مخاطب بما أخذه خاصة على ظاهر كلام بعض الشيوخ.
وقال ابن رشد: إذا تعاونوا فهم كالمحاربين، وقال اللخمي: إن اعترف بعض المحاربين لما في أيديهم لأهل رفقة اختصوا به وأخذ كل واحد منهم ما لم ينازع فيه فإن تنازع اثنان في شيء قسم بينهما على حكم التداعي فيه فإن فضل عنهم شيء أوقفه الإمام فإن تنازعه اثنان أحدهما من أهل الرفقة اختص به بعد حلفه، وإن ادعاه رجل من غيرهم فإنه يدفع إليه بعد الاستيناء به واليمين وضمنه إياه قاله مالك يريد بعد أن يصفه كاللقطة.
واختلف هل يأخذه بحميل قاله سحنون أو بغيره قاله مالك في ذلك قولان وإن ادعاه أجنبيان حلفا وقسم بينهما فإن نكل أحدهما كان للآخر، وإن نكلا قال محمد لم يكن لهما فيه شيء.
(وتقتل الجماعة بالواحد في الحرابة والغيلة وإن ولي القتل واحد منهم):
قال الباجي ومحمد بن المواز عن مالك وابن القاسم وأشهب: إن ولي أحد المحاربين قتل رجل ممن قطعوا عليه، ولم يعاونوه أي أصحابه قتلوا أجمعين، ولا عفو فيهم للإمام ولا للولي.
قال ابن القاسم: ولو تابوا كلهم قبل القدرة عليهم فللولي قتلهم جميعا، وقتل من شاء منهم والعفو عمن شاء.
قال أشهب: لا يقتل منهم إلا من ولي القتل، أو أعان عليه أو أمسكه لمن يعلم أنه يريد قتله، ولا يقتل الآخرون ويجلد كل واحد منهم، ويسجن عامًا.
(ويقتل المسلم يقتل الذمي قتل غيلة أو حرابة):
يريد ما لم يتب المحارب فإن تاب كان للذمي عليه دية إذ لا يقتل مسلم بكافر
والحالة هذه، ولو جرح ذمي فأسلم قبل أن يموت فقال ابن القاسم ديته دية الحر المسلم.
وقال أشهب: دية المجوسي.
(ومن زني من حصر محصن رجم حتى يموت):
قال ابن الحاجب: الزنى أن يطأ فرج آدمي لا ملك له فيه باتفاق متعمدًا فيتناول اللواط، واعترض بأنه غير جامع إذ لا يحتوي إلا على فعل الزاني دون الزانية ورد بأن قوله أن يطأ: مصدر لا يمكن وقوعه إلا من اثنين فذكر أحدهما يستلزم الآخر، واختير ذكر الفاعل؛ لأنه يجري مجرى العلة في الاستغناء بها عن المعمول واعترض أيضًا بأنه غير مانع بل لا يدخل تحته شيء من أفراد المحدود؛ لأن قوله آدمي حقيقة في الذكر دون الأنثى وإتيان الذكر لا يسمى زنا عرفا بل يسمي لواطًا.
وأجيب بأنه إنما أراد بالآدمي الجنس الذي يشمل الذكر والأنثى وحده بعض شيوخنا فقال: الزنى الشامل للواط مغيب حشفة آدمي في فرج آخر دون شبهة حلية عمدًا فتخرج المحللة ووطء الأب أمة ابنه لا زوجته.
وظاهر كلام الشيخ: ولو كانت الموطوءة ميتة أن الواطئ يحد بذلك؛ لأنه يطلق عليه أنه زني، وهو كذلك على المشهور وهو نص المدونة في كتاب الرضاع.
وقيل: يؤدب، ولا يحد قاله ابن شعبان.
واختلف إذا وطئ أمة من المغنم وهو من أهل الجيش والمشهور ثبوته ونفاه ابن الماجشون وعزاهما في المدونة في العتق الثاني لابن القاسم، وغيره.
وقال ابن عبد البر: اختلف قول مالك وأصحابه في حده، واختلف الروايات فيه عن على بن أبي طالب رضي الله عنه، وكذلك القولان في الحرية والقول بنفي الحد عزاه ابن رشد في المقدمات لأشهب وعزاه اللخمي لابن الماجشون، وفي قذف المدونة من تزوج امرأة في عدتها أو على عمتها أو خالتها عمدًا لم يحد، وعوقب.
وقال اللخمي: قال مالك في متزوج الخامسة والمبتوتة عالما بتحريم ذلك يحد، وقال في متزوج المعتدة كذلك لا يحد ولا فرق في ذلك، وقيل في المعتدة إنه يحد.
وقال التونسي: إن كان التحريم من القرآن بسبب ولم يحرم عينها، وتحل يوما ما كالخامسة ففي الحد قولان.
(والإحصان أن يتزوج امرأة نكاحا صحيحا ويطأها وطأ صحيحا):
احترز رحمه الله تعالى بقوله: أن يتزوج امرأة من ملك اليمين وصحيحا احتراز من الفاسد واشتراطه الوطء الصحيح ليخرج به الوطء الغير المباح كوطء الحائض.
والصائمة، ويشترط البلوغ والعقل والإسلام والحرية.
قال الفاكهاني رحمه الله: أنشدنا لنفسه القاضي زين الدين بن رشيق رحمه الله تعالى، ونفعنا بعلمه وعمله:
شروط الإحصان ست أتت = فخذها على النص مستفهما
بلوغ وعقل وحرية = ورابعها كونه مسلمًا
وتزويج صحيح ووطء مباح = متى اختل شرط فلن يرجما
واختلف إذا زنى الكافر هل يحد أم لا؟ والمشهور أنه لا يحد.
وقال المغيرة: يحد حد البكر بكرا أو ثيبًا نقله اللخمي.
قلت: وكان المغيرة رحمه الله تعالى ناقض أصله؛ لأنه يقول: إنهم مخاطبون بفروع الشريعة إذ هو القائل بأن طلاقهم لازم بناء منه على أن أنكحتهم صحيحة فكان حقه أن يجعله كالمسلم سواء كما جنح إليه ابن عبد البر، وكما يقطع في السرقة وهو قول الطحاوي وأحد قولي الشافعي.
وأجابني شيخنا أبو مهدي أيده الله تعالى باحتمال موافقته على أن من شرط الإحصان الإسلام ومثله لبعض شيوخنا.
(فإن لم يحصن جلد مائة جلدة وغربه الإمام إلى بلد آخر وحبس فيه عامًا):
ما ذكر من الجلد متفق عليه عند أهل العلم؛ لأنه بنص القرآن، وما ذكره من التغريب قال به الجمهور وصح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو حنيفة: لا يغرب ورأى أنه زيادة على ما ذكر في الآية والزيادة عنده على النص نسخ والكتاب لا ينسخ بخير الآحاد.
(وعلى العبد في الزنى خمسون جلدة وكذلك الأمة وإن كانا متزوجين):
يريد، وإن كان بعضه حرا، وكذلك المكاتب والمدبر والمعتق إلى أجل وأم الولد.
(ولا تغريب عليهما ولا على امرأة):
ما ذكر الشيخ مثله في المدونة، واحتج أهل المذهب على أنهما لا يغربان بقوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: " إذا زنت ولم تحصن فقال إذا زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو
بضفير" ولم يتعرض إلى التغريب، والحديث صحيح خرج مخرج بيان الحكم.
وقال الشافعي، وغيره: تنفى المرأة كالرجل، وقال به الشيخ أبو الحسن اللخمي رحمه الله إذا وجدت المرأة من يسافر معها من ذوي محارمها، أو رفقة مأمونة فيها رجال ونساء كالخروج إلى الحج فإن عدم ذلك سجنت بموضعها عامًا؛ لأنه إذا تعذر التغريب لم يسقط السجن.
(ولا يحد الزاني إلا باعتراف أو حمل يظهر أو بشهادة أربعة رجال أحرار بالغين عدول يرونه كالمرود في المكحلة، ويشهدون في وقت واحد وإن لم يتم أحدهم الصفة حد الثلاثة الذين أتموها):
ظاهر كلام الشيخ: وإن كان إنما أقر مرة واحدة وهو كذلك عندنا خلافًا لأبي حنيفة، فقال هو وغيره: لابد من تكرار إقراره أربع مرات زاد أبو حنيفة: في مجالس مفترقة، وما ذكر من اعتبار الحمل وهو كذلك في غير الطارئة وأما الطارئة فلا حد عليها إذا قالت: هو من زوجي طلقني أو غاب عنى.
قاله اللخمي، وألغاه الشافعي وغيره فقبلوا قولها إذا قالت: إنها استكرهت، وقال به اللخمي على تفصيل سيأتي عن قرب إن شاء الله تعالى.
وما ذكر من اعتبار الشهادة هو كذلك باتفاق وما عدا قوله: ويشهدون في وقت واحد فإن ابن الماجشون أجاز التفريق في الشهادة في الزنى نقله عنه أبو عمران الصنهاجي في نظائره.
(ولا حد على من لم يحتلم):
لا شك أنه يحد كما قال؛ لأنه غير مكلف، ولا شك أنه يؤدب كما يؤدب في المكتب، ويمكن أن يختلف في أدبه كما اختلف في الصغير إذا غصب مالا هل يؤدب أم لا؟ على قولين حكاهما ابن رشد في مقدماته وغيره لا يقال لا يلزم من عدم أدبه في غصب المال أن لا يؤدب هنا؛ لأنه ما غصبه وأتلفه يؤخذ من ماله إن كان أو مهما ظهر له إن لم يكن وذلك كان في أدبه لاسيما إن كان أتلفه في فساد، ولا كذلك هنا، لأن القائل بعدم الأدب علله بكونه غير مخاطب والله أعلم.
(ويجد واطئ أمة والده):
إنما كان يحد الولد لعدم الشبهة له في مال الوالد وذكر ابن خويزمنداد عن ابن
وهب وأشهب أنه لا يحد قال اللخمي: لأنه نفقته ترجع عليه عند بعض أهل العلم متى احتاج فيدرأ عنه الحد للخلاف.
(ولا يحد واطئ أمة ولده وتقوم عليه، وإن لم تحمل):
يريد لقوة الشبهة في مال ابنه، وكذلك الجد لا حد عليه خلافًا لأشهب، وظاهر كلام الشيخ أنها تقوم عليه، وإن لم تحمل، وهو كذلك عند أكثر أهل المذهب، وقال ابن عبد الحكم: الابن مخير في أخذها ومثله لابن الماجشون.
وظاهر كلام الشيخ تحتم القيمة وإن كان معدما، وهو كذلك نص عليه في المدونة، وقيل: للابن أخذها ما لم تحمل.
واختلف إذا حلل الأمة سيدها لرجل فوطئها فالمشهور أنه شبهة.
وقال الأبهري: إن كان عالما حد، ولا يلحق به الولد؛ لأنه زان بوطئه من ليس بزوجه له ولا ملك يمين ولا هو جاهل بالوطء.
قال ابن عبد السلام: وهو إجراء على أصل المذهب وذهب إليه جماعة خارج المذهب، وأما المستأجرة للوطء وغيره فالحد ثابت اتفاقًا.
(ويؤدب الشريك في الأمة يطؤها ويضمن قيمتها إن كان لها مالك فإن لم تحمل فالشريك بالخيار بين أن يتماسك أو تقوم عليه):
ما ذكر من أدب الواطئ هو كذلك إن لم يعذر بجهل قاله في قذف المدونة، وما ذكره من ضمانه القيمة هو كذلك باتفاق، واختلف متى يكون هل يوم الحمل أو يوم الوطء، أو يوم الحكم على ثلاثة أقوال وكلها لمالك وكل هذا مع اليسر.
وأما إن أعسر الواطئ فإنها تباع عليه، وهي إحدى المسائل التي تباع فيها أم الولد.
وثانيها: إذا وطئ العامل أمة القراض فحملت وكان معسرا.
وثالثها: أمة المفلس إذا وقفت للبيع ووطئها وحملت.
ورابعها: الابن يطأ أمة من تركة أبيه وعلى الأب دين يستغرق التركة، والابن عديم وهو عالم بالدين حالة الوطء.
وخامسها: إذا وطئ الراهن أمته المرهونة، وحملت وكان معسرا فإنها تباع بعد الوضع وحلول الأجل.
وسادسها: الأمة الجانية إذا وطئها السيد بعد علمه بالجناية وهو عديم فإنه تسلم للمجني عليه، وكل هذه النظائر ذكرها خليل رحمه الله تعالى في الرهون.
وما ذكر الشيخ من أن الشريك بالخيار إذا لم تحمل هو كذلك قاله في المدونة.
وقال في كتاب محمد: يجبر على أن تقوم على شريكه كالأب، وأخذ من كتاب الشركة من المدونة، وقيل: إذا لم تحمل لم تقوم عليه، وكانت على حالها في الشركة، ويلزم نصف ما نقصها الوطء.
قال ابن عبد السلام: وهو الظاهر عندي لأنه نقص يسير في الغالب المرأة تقول هذا الحمل من فلان، وذلك هو الأصل في التعدي، وهو الذي مال إليه اللخمي هنا.
(وإن قالت امرأة بها حمل استكرهت لم تصدق وحدت إلا أن تعرف بينة أنها احتملت حتى غاب عليها أو جائت مستغيثة عند النازل أو جاءت تدمي):
ما ذكر الشيخ هو المشهور، وقيل: يقبل قولها مطلقًا حكاه ابن الحاجب.
وقال اللخمي: إن لم تكون طارئة وادعت أنه من غصب، وتقدم لها ذكر ذلك أو أتت متعلقة برجل أو كان سماع وأشتكت ولم تأت متعلقة به لم تحد إن ادعته على من يشبه، وإن ادعته على رجل صالح حدت هذا إن تقدمت الشكوى قبل ظهور الحمل، وإن لم تذكره إلا بعد ظهوره حدث إلا أن يكون معروفة بالخير وقالت: كتمت ذلك رجاء أن لا أجمل أو أن يسقط فتعذر ومثله لو لم تسم من أكرهها، وهي معروفة بالخير هذا الذي أخذ به ومثله عمر رضي الله عنه في امرأة ظهر بها حمل، وقالت: كنت نائمة فما استيقظت إلا وفد ركبني رجل فأمر أن ترفع إلى الموسم هي وأناس من قومها فسألهم عنها فأثنوا عليها خيرا فلم يحدها وكساها وأوصى بها أهلها.
(والنصراني إن غصب المسلمة في الزنا قتل):
واختلف بماذا يثبت ذلك عليه هل بأربعة شهداء أو بشاهدين على قولين لابن القاسم وظاهر كلام الشيخ، ولو كانت المغصوبة أمة وهو كذلك في أحد القولين قال هو رحمه الله عن ابن المواز إنه لا يقتل كما لو قتلها، وفيه اختلاف.
وهذا أحب إلى لما جاء أنه لا يقتل حر بعبد.
قال ابن عبد السلام: وأجيب بأن الذي جاء إنما هو في قتل القصاص، وهو خارج عما نحن فيه.
قلت: فإذا عرفت هذا فاعلم أن قول الفاكهاني ظاهر كلام الشيخ يقتضي الحرة والأمة، وليس ذلك مراده لقول ابن الجلاب في الأمة عليه العقوبة الشديدة وما نقصها قصور.
وظاهر كلام الشيخ لو طاوعته أنه لا يقتل، وهو كذلك قاله ابن وهب في سماع عبد الملك بزيادة يضرب ضربًا يموت منه خلافًا منه خلافًا لربيعة وكلاهما حكاه ابن رشد.
(وإن رجع المقر بالزنا أقيل وترك):
ظاهره رجع إليى شبهة مثل أن يقول أصبت امرأتي حائضًا فظننته زنى أو لا، وهو قول ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم، وروي عن مالك، وقيل: لا يقبل إذا رجع لغير شبهة قاله أشهب، وعبد الملك، وروي عن مالك أيضًا وكلاهما حكاه الباجي وزعم ابن المواز أن أصحاب مالك لم يختلفوا في رجوعه للشبهة وقبله غير واحد كالباجي.
قلت: وفيه نظر لقول ابن زرقون حكي الخطابي في شرح السنن عن مالك عدم قبوله، وهو غريب فظاهره ولو رجع إلى شبهة.
(ويقيم الرجل على عبده وأمته حد الزنا إذا ظهر حمل أو قامت بينة غيره أربعة شهداء أو كان إقرار):
ما ذكره هو مذهبنا واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: " وإذا زنت أمة أحدكم فليجلدها .. " الحديث فظاهره مخاطبة السادات ورؤية السيد لا أثر لها بالنسبة إلى إقامة الحد عليها.
قال ابن عبد السلام: وهو مقتضى القواعد؛ لأنه كالقاضي، وهو لا يحكم بعلمه ولا سيما في الحدود وقيل: إنه معتبر وهو ظاهر الأحاديث.
قلت: وكلاهما نقله ابن الحاجب عن مالك، وأطلق القول في ذلك وقبله الباجي وعزا اللخمي الثاني لرواية المبسوط، وقال: وقد قال عبد الملك إن رأى أمته تزني لم يجلدها إذ ليس للسلطان أن يجلدها برؤيته فإن كان حمل أو ولد فله أن يحد به.
قلت: وهو ظاهر كلام الشيخ فالأقوال على هذا ثلاثة.
(ولكن إن كان للأمة زوج حر أو عبد لغيره فلا يقيم الحد عليها إلا السلطان):
يريد إذا كان الزوج مملوكا لغيره، وأما إن كان عبده فله إقامته عليها، وهذا التفصيل ذكره اللخمي وغيره عن مختصر ابن عبد الحكم.
قال أبو إسحاق التونسي: وكذلك العبد إن كانت له زوجة حرة أو أمة لغير سيده فلا يقيم الحد عليه إلا السلطان.
قلت: وهذا هو الصواب وبه أقول، ولم يحفظه ابن عبد السلام بل جعل المذهب أنه يقيمه عليه قائلاً: لا يلحق المرأة عار إذا حد زوجها، وهو بعيد؛ لأن العيان يشهد بخلافه.
(ومن عمل عمل قوم لوط بذكر بالغ أطاعه رجما أحصنا أو لم يحصنا):
ظاهر كلام الشيخ ولو كان اللائطان عبدين أو كافرين، وهو كذلك، وقال أشهب: يجلد العبدان خمسين خمسين ويؤدب الكافران وضعفه ابن عبد السلام بأنه لو كان من باب الزنا لاعتبر الإحصان ولم يؤدب الكافران إلا بشرط أن يظهراه.
وقال بعض شيوخنا: فيه ميل لاعتبار الإحصان، وذهب أبو حنيفة وغيره إلى أن من فعل هذا الفعل سواء كان حرًا أو عبدًا مسلمًا أو كافرًا أنه يعزر خاصة.
وقال ابن عبد البر عن ابن عباس حده أن يرمى من أعلى شاهق في القرية ثم يتبع بالحجارة.
وقال الباجي عن ابن حبيب: كتب أبو بكر أن يحرق بالنار ففعل وفعله ابن الزبير وهشام بن عبد الملك في زمانه والقشيري بالعراق ومن أخذ بهذا لم يخطأ وألحق ابن القصار بهذا إتيان الأجنبية في دبرها حكاه الباجي.
وقيل: إنه يلحق بالزنا قاله ابن الماجشون ومثله في الموازية حكاه الشيخ أبو محمد.
قلت: وهو نص كتاب القذف من المدونة قال بعض شيوخنا: وربما أجري القولان على إباحة ذلك في الزوجة لزوجها وحرمة ذلك والمساحقة لا حد فيها بل فيها الأدب ومقداره راجع إلى اجتهاد الحاكم قاله ابن القاسم.
وقال أصبغ: مقداره خمسون كذلك نقله الباجي وغيره، ونقل أبو محمد عنه بزيادة ونحوها وضعفه لعدم الدليل على تعين هذا العدد.
(وعلي القاذف الحر الحد ثمانون وعلى العبد أربعون في القذف وخمسون في الزنا والكافر يحد في القذف ثمانين):
القذف في اللغة الرمي قال الله تعالى: (ويقذفون من كل جانب* دحورًا) [الصافات:8، 9]
في الاصطلاح.
قال ابن الحاجب: وهو ما يدل على الزنا واللواط والنفي عن الأب أو الجد لغير المجهول، وإنما قال لغير المجهول؛ لأن المجهولين لا تعلم صحة أنسابهم إلى آبائهم المعينين، ولذلك لا يتوارثون وسلمه ابن عبد السلام وغيره.
واعترضه بعض شيوخنا بأن فيه تكرر الثاني إذ هو يسمي زنى ولذلك أدخله في حد الزنا كما تقدم وإلا خير إذ المجهول لا نسب له يعرف لا يتصور فيه قال: والقذف الأعم نسبة آدمي غيره لزنا أو قطع نسب مسلم والأخص بإيجاب الحد نسبة آدمي مكلف غيره حرًا عفيفا بالغا مسلمًا أو صغيرة تطيق الوطء لزنا أو قطع نسب مسلم فيخرج قذف الرجل نفسه، وهو من الكبائر لوجوب الحد فيه.
وما ذكر الشيخ أن مقدار حده ثمانون هو كذلك بإجماع لقوله تعالى: (والذين يرمون المحصنت ثم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمنين جلدة) [النور: 4]
وما ذكر في العبد هو مذهب الجمهور، وبه قال الخلفاء الأربعة.
وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مع آخرين هو كالحر لعموم الآية.
وما ذكر الشيخ ولو كان سكرانا، وهو كذلك في قول وظاهر كلامه، ولو كان القاذف أبا لابنه وهو كذلك قاله ابن القاسم في المدونة بعد أن ذكر أن مالكًا استثقله.
وقال أصبغ: لا يحد وعلى الحد فنقل الشيخ أبو محمد عن ابن القاسم في الموازية أنه لا تقبل شهادة الولد في شيء لقوله تعالى: (فلا تقل لهما أف) [الإسراء: 23]
وضعف الشيخ عز الدين الحكم له بحده؛ لأنه إنما يفسق لارتكاب كبيرة والقاضي يحكم بالمنع من المعاصي، وذكر ابن عبد السلام الخلاف في حده له بصريح القذف وتعريضه ولابن محرز مثله، ونقل أبو محمد عن ابن الماجشون أنه لا يحد في تعريضه بابنه.
(ولا حد على قاذف عبد أو كافر):
اختلف إذا قال لعبده وأبواه حران مسلمان لست لأبيك فالأكثر على أن السيد يضرب الحد، ونقل اللخمي عن سحنون عن أشهب أنه قال: لا حد على من قطع نسب عبد، وإن كان أبواه حرين؛ لأنه يصح أنها أتت به، وزعمت أنها ولدت فلا يكون قاذفا لواحد منهما.
وفي المدونة في أوائل الرجم يحد قاذف المجنون وفي القذف منهما كل ما لا يقام الحد فيه ليس على من رمي به رجلاً حد الفرية.
قال بعض شيوخنا: وكان يجري لنا مناقضة ما ذكرناه من قولها قال: ويجاب بحمل قولها في الرجم على المجنون الذي يفيق أحيانا.
(ويحد قاذف الصبية بالزني إن كان مثلها يوطأ، ولا يحد قاذف الصبي):
ما ذكر في الصبي هو كذلك، وما ذكره في الصبية هو المشهور، وقال ابن عبد الحكم، وابن الجهم: لا حد عليه.
قال اللخمي: والأول أحسن للحوق المعرة لها بذلك قال الفاكهاني: وذهب بعض الشيوخ وأظنه أبا محمد صالح إلى أنه لو قذف صبي بأنه فعل به لكان الحد على قاذفه للحوق المعرة كالصبية.
(ولا حد على من لم يبلغ في قذف ولا وطء ومن نفى رجلاً من نسبه فعليه الحد):
الإجتماع على أن من شرط الحد التكليف ولذلك حمل بعض شيوخنا قول اللخمي في النكاح الثالث إذا أشرف على البلوغ ولم يحتلم فقال مالك مرة: يحد إذا زنا على ثبوت البلوغ بالإثبات.
(وفي التعريض الحد ومن قال لرجل يا لوطي حد):
يريد مثل أما أنا فلست بزان أو جدي معروف وما ذكر هو قولنا، وقول جمهور العلماء وبه قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال الشافعي وأبو حنيفة: يؤدب خاصة وهذا بخلاف النكاح والصرف وبيع الطعام بالطعام فإن التعريض فيه جائز.
ويؤخذ من كلام الشيخ أن التعريض في الجانب العلي كالصريح، وهو أخذ أحروي وهو كذلك وبه الفتوى والحكم قديما وحديثًا.
واختلف المذهب إذا قال زنت رجلاه أو يداه وشبههما على قولين فذهب ابن القاسم في المدونة إلى ثبوته ونفاه أشهب في المثالين نقله ابن يونس عن محمد عنه.
واختلف إذا قال مالك أصل وشبهه على ثلاثة أقسام: فقيل: لا يحد قاله في الموازية والعتبية، وقيل: يحد قاله أصبغ، وقيل: إن كان المقول فيه من العرب حد له وإلا فلا، وهي زاهي ابن شعبان لو قال مولي لعربي أنا خير منك حد له وقاله الزهري، وكذلك لو كانا ابني عم قاله أحدهما لصاحبه، وفي هاتين المسألتين خلاف وبهذا أقول.
(ومن قذف جماعة فحد واحد يلزمه لمن قام به منهم ثم لا شيء عليه):
ظاهر كلامه سواء قذف كل واحد واحدًا أو قذفهم جميعا بكلمة واحدة، وهو قول مالك في المدونة وهو أحد الأقوال الثلاثة التي ذكرها اللخمي.
وقيل: بتعدد الحد مطلقًا حكاه ابن شعبان، وقيل: إن اجتمعوا وقاموا به فحد واحد وإلا تعدد الحد قاله المغيرة، وابن دينار، وأما لو تكرر القذف لواحد فإنه لا يتكرر الحد على المعروف وحكى ابن الحاجب فيه خلافًا قال: ولو قذف قذفات لواحد أو جماعة فحد واحد على الأصح، وثالثها: إن كان بكلمة واحدة فتعقبوه بأن ظاهره ثبوت الأقوال الثلاثة في الواحد والجماعة، وإنما هي في الجماعة حسبما تقدم.
وذكر الشيخ أبو عمران الصنهاجي أن لهذه المسألة نظائر من ذلك من اشترى شياها مصراة فعليه صاع واحد كشاة واحدة.
وقيل: عليه في كل واحدة صاع، ومن قال: أنا أنحر ولدي وله أولاد فعليه هدي واحد وقيل في كل واحد هدي ومن فرط في قضاء رمضان فلم يقضه حتى دخل عليه رمضان آخر ثان وثالث فعليه كفارة واحدة، ومن كرر الوطء في رمضان فعليه كفارة واحدة.
واختلف إن وطئ ثم كفر ثم وطئ ومن كرر اليمين بالله في شيء واحد فليس عليه إلا كفارة واحدة، ومن كرر الطيب في الحج فليس عليه إلا فدية واحدة وإذا ولغ الكلب في إناء واحد ثم كلاب فسبع يجزئ عن جميعها، ومن حلف بصدقة ماله ثم حنث فليس عليه إلا ثلث ماله، وقيل: ثلث ما بقي، ولو قال لجماعة أحدكم زان فإن قام بعد بعضهم فلا يحد بلا خلاف، وإن قام عليه جميعهم فكذلك واستبعد ابن رشد في رسم العرية من سماع عيسى ومن قذف رجلاً فحد له، ثم قذفه ثانية فإنه يحد قاله في المدونة في كتاب الرجم، وفي الكافي يزجر عن ذلك ولا حد عليه.
قال بعض شيوخنا: وفي اقتصاره على ما ذكره فقط دون ما في المدونة وغيرها نظر ولو ضرب بعض الحد ثم قذفه أو غيره فقال ابن القاسم: يستأنف حينئذ الحد إلا أن يبقي يسيرا فيكمل ثم يستأنف.
وقال أشهب مثله إلا أن يمضي يسير فيتمادى ويجزئ لها معًا.
(ومن كرر شرب الخمر أو الزنى فحد واحد في ذلك كله وكذلك من قذفه جماعة):
مثل هذا إذا تكررت موجبات الوضوء فوضوء واحد يجزئ وأما لو شرب الخمر وقذف فلا يتعدد أيضًا للاتحاد على المنصوص وخرج اللخمي فيه خلافًا من الخلاف الذي تقدم في قذف الجماعة.
وأما إذا زني وقذف يتعدد الحد على المشهور قال ابن حارث وذهب عبد الملك إلى الاستغناء بحد الزنى لكونه أكثر وقول الشيخ، وكذلك من قذف جماعة معترض لكونه سبق ذكره ونبه عليه الفاكهاني رحمه الله تعالى.
(ومن لزمته حدود وقتل فالقتل يجزئ في هذا إلا في القذف فيحد قبل أن يقتل):
إنما استثنى القذف للحوق العار، وقال في المدونة: إن شهد عليه أنه زنى وهو بكر ثم زنى بعد أن أحصن رجم، ولم يجلد، وقال اللخمي: القياس أن يجلد ثم يرجم؛ لأن الضرب غير جنس القتل.
(ومن شرب خمرا أو نبيذا مسكرا حد ثمانين سكر أو لم يسكر ولا سجن عليه):
ظاهر كلامه، وإن كان قليلاً وهو كذلك من غير تفصيل بين المسكرات عندنا وللحنفية تفصيل فيما يحرم من الأشربة ويحل يطول ذكره وظاهر كلامه إن كان بدويا وادعى جهل التحريم، وهو كذلك عند مالك، وأصحابه إلا ابن وهب فإنه قال: لا يحد ويعزر، وفعله عمر والقولان نقلهما محمد بن المواز.
واختلف إذا أكل الحشيشة هل يلزم فيها الحد كالخمر أو يؤدب خاصة لأنها مفسدة وليست بمسكرة أو الفرق بين أن تخمر فالأول وإلا فالثاني؟ على ثلاثة أقوال: وكذلك الثلاثة في بطلان صلاة من صلى بها، وأما جورة الطيب فنص ابن هارون على أنها مسكرة، وأنها طاهرة واعترض بذلك قول ابن الحاجب والجمادات مما ليس من حيوان طاهرة إلا المسكر.
قلت: وما ذكره لا أعرفه وكذلك أنكره شيخنا أبو محمد رحمه الله تعالى حسا ومعنى فإن العيان خلافه لأن التواتر على أنها جامدة فقط، وليست بمسكرة ولذلك يجوز أن تعمل للأدوية إن كانت منفردة بقيد اليسارة والشهادة على شرب الخمر إن كان مما يشربها لكونه كافرًا أو مسلمًا عاصيا ثم تاب عمل عليها اتفاقًا وإلا فقولان.
قال ابن القصار: لا يعول عليها، وقال الباجي يعول عليها وعليه العمل عندنا بإفريقية فإنه شك شهود الرائحة فإن كان من أهل الخير ترك وإلا نكل قاله في سماع ابن القاسم في العتبية والموازية وإن شهد شاهدان بأنها رائحة خمر وآخرون بنفي ذلك فالمعروف ثبوت الحد.
واختار ابن عبد السام عدمه كأحد القولين في اختلاف المقومين في المسروق.
قلت: ولهاتين المسألتين نظائر من ذلك إذا شهد أن فلانا قتل فلان وشهد آخرون انه كان حينئذ في بلدنا بحيث لا يمكن قتله فقال سحنون: يقتل لأن من أثبت حكما أولى مما نفاه وهو مشهور المذهب.
وقال القاضي إسماعيل: يقضي ببينة البراءة ولا يقتل وكذلك وقع الخلاف فيما إذا شهدت بينة بالعدم وأخرى بالملاء على ثلاثة أقوال ثالثها: يقضي بأعدل البينتين فإن تكافأت قضي ببينة الملاء، وكذلك إذا عدلت البينة رجلاً وجرحته أخرى فقيل بينه الجرح أولى.
وقيل: يقضى بالأعدل، وكذلك إذا شهدت بينة أنه نكح في المرض المخوف، وأخرى في الصحة وذكر هذه المسألة ابن حارث، وذكر فيها ثلاثة أقوال ابن خويزمنداد وذكر فيها ثلاثة أقوال: ثالثها: يقضي بالتي هي أرجح وإليك النظر في بقية
النظائر، وظاهر كلام الشيخ أنه لا يسجن، وإن كثر ذلك منه، وهو كذلك وعليه العمل.
وقال ابن حبيب إن المشهور بالفسق لا بأس أن يطاف به ويشهر واستحب مالك أن يلزم السجن.
(ويجرد المحدود):
قال مالك: وتترك له يداه يتقي بهما ولا تشد بالحبال، وقاله على بن أبي طالب رضي الله عنه.
قال الباجي عن محمد: لا يتولى ضرب الحد قوي ولا ضعيف، ولكن وسط الرجال.
قال مالك: وكنت أسمع أنه يختار العدل ويضرب في الظهر والكتفين دون سائر الأعضاء، ولأبي زيد عن ابن القاسم إن ضرب على ظهره بالدرة أجزأة، وما هو بالبين.
قال الشيخ أبو محمد عن ابن عبد الحكم: أحب إلى أن يكون ضرب الحدود بين يدي القاضي لئلا يتعدى فيها.
(ولا تجرد المرأة إلا مما يقيها الضرب، ويجلدان قاعدين):
لأنها عورة واستحسن مالك أن تجعل في قفة.
(ولا تحد حامل حتى تضع ولا مريض مثقل حتى يبرأ):
لأنه يخشى عليهما الموت وليؤخرهما وينظر للجلد اعتدال الهواء مطلقًا على المشهور وقيل: لا يؤخر في الحر قاله في الموازية والحق أنه خلاف في حال كما قاله بعض الشيوخ.
قال اللخمي: إن كان ضعيف الجسم يخاف عليه الموت من الحد سقط وسجن وإن كان الحد قصاصًا رجع إلى الدية، وفي كونها في ماله أو على العاقلة قولان وإن كان حد قذف فمن حق المقذوف تفريق ذلك عليه، وكذلك حد الزنى والشرب.
(ولا يقتل واطئ البهيمة وليعاقب):
لولا قوله وليعاقب لا حتمل قوله أن يقام عليها أنه يحد حد البكر فكأنه قال: ولا يحد واطئ البهيمة وليعاقب، وما ذكر هو المشهور، وقيل: يحد قاله ابن شعبان، وقال الطرطوشي: لا يختلف قول مالك إن البهيمة لا تقتل وإن كانت مما يؤكل أكلت.
(ومن سرق ربع دينار ذهبًا أو قيمته يوم السرقة ثلاثة دراهم من العروض أو وزن ثلاثة دراهم فضة إذا سرق من حرز):
قال بعض شيوخنا: السرقة أخذ مكلف حرًا لا يعقل لصغره أو مالا محترما لغيره
نصابًا أخرجه من حرزه بقصد أخذه خفية لا شبهة له فيه.
وما ذكر الشيخ أنه يشترط أن يكون مقدرا المسروق ربع دينار أو ثلاثة دراهم هو مذهب الجمهور، وقال الحسن وغيره: ويقطع فيما سرق مما تكون له قيمة وإن قل واحتجوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده".
وتأوله الجمهور كما قاله البخاري قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أنه مما يساوي دراهم واضطرب العلماء في مقدار ما يقطع فيه على عشرة أقوال محلها المطولات.
وظاهر كلام الشيخ أن التقويم لا يكون إلا بالدرهم من غير اعتبار غالب مما يباع به ذلك العرض، وهو كذلك على المشهور، وهو ظاهر المدونة ونص الموازية وقيل: يبنى على الأغلب قاله الأبهري وعبد الوهاب وتؤول على المدونة وقيل: إن التقويم لا يكون إلا بالذهب ولو كان المسروق دراهم حكاه ابن حارث عن ابن عبد الحكم وبه قال الشافعي، ونقل عبد الحق عن بعض شيوخ صقلية أن السرقة إن كانت في بلد إنما يتعامل فيه بالعروض قوم في أقرب البلدان إليه التي يتعامل فيها بالدراهم.
قال ابن رشد: وهو خطأ صراح إذ قد تكون ببلد السرقة كاسدة لا قيمة لها فيه، وفي قيمة بلد الدراهم كثيرة فيؤدي إلى قطع اليد في أقل من نصاب، ويريد الشيخ أنه إذا سرق ما يقطع فيه مرة واحدة، وأما لو كان عن تكرار فلا يقطع مطلقًا.
وقال سحنون: إلا في فور واحد، قال في المدونة: ولو سرق ثوبًا قيمته دون النصاب وفيه دنانير أو دراهم لا يشعر بها قطع بخلاف حجر، أو خشبة فيهما ذلك، وقيدها اللخمي بما إذا كان الثوب مما جرت العادة أنه يحمل فيه الدراهم كالصر وإلا فشبهة تدرأ الحد.
ونص أصبغ على أن من سرق ليلا عصا مفضضة وفضتها ظاهرة، وقال: لم أر الفضة بالليل فإن رئي أنه لم ير ذلك لم يقطع، وأقام ابن رشد من مسألة المدونة مثل ما قال ابن كنانة فيمن حلف أن لا يأخذ من فلان درهما فأخذ منه قميصًا وفيه درهم مصرور وهو لا يعلم ثم لما علم رده إنه إن كان مما تجعل في مثله الدراهم فهو حانث، وإلا فلا.
قال أشهب: لا شيء عليه، وقال ابن القاسم: إنه حانث ورد ابن عبد السلام الإقامة المذكورة بأن البابين مختلفان لما قد علمت أن الحدود تدرأ بالشبهات وإن
الحنث يقع بأدنى سبب وتردد المغربي هل هذا مما يفرق به أم لا؟ وعزا بعض شيوخنا ما وقع التفرقة به لنفسه.
(ولا قطع في الخلسة ويقطع في ذلك يد الرجل والمرأة والعبد):
يعني به الخطفة وألحقوا بذلك إذا رئي وهو في الحرز فهرب بما معه فإنه لا يقطع.
واختلف إذا تركه وأحضر من يشهد عليه وهو قادر على منعه على ثلاثة أقوال ففي الموازية: لا يقطع وقاله مالك، وقال ابن القاسم يقطع وكلاهما نقله الشيخ أبو محمد، وقيل: الفرق بين أن يشعر برؤيتهم له فيفر فلا يقطع؛ لأنه مختلس وبين أن لا يشعر بذلك فيقطع لأنه سارق وذكره ابن شاس عن بعض المتأخرين وعزا ابن هارون الأول لمحمد فقط، ولم يعز الثالث إلا لمالك.
قال بعض شيوخنا: ولا أعرفه لغيره.
(ثم إن سرق قطعت رجله من خلاف ثم إن سرق فيده ثم إن سرق فرجله ثم إن سرق جلد وسجن):
ما ذكر الشيخ من صفة الترتيب هو مذهبنا وذهب عطاء إلى أنه لا تقطع منه رجل، وإنما تقطع الأيدي فقط، وما ذكر من أنه إذا سرق في الخامسة أنه يجلد ويسجن هو المشهور، وقال أبو مصعب: يقتل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعثمان وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم، ولو كانت اليد اليمني شلاء فقيل: إن الرجل اليسري تقطع.
وقال أبو مصعب: تقطع الشلاء ومثله عن ابن وهب نقله ابن زرقون وعنه تقطع إذا كان ينتفع بها ذكره اللخمي عن مختصر ما ليس في المختصر والقولان الأولان في المدونة قال فيها: إن سرق ولا يمين له أو له يمين شلاء قطعت رجله اليسري.
قال مالك ثم عرضتها عليه فقال: امحها، وقل تقطع يده اليسري وقوله في الرجل اليسري أحب إلى وبه أقول، وتقدم أن هذه من الممحوات الأربع وإليك النظر في بقيتها لو قطع الجلاد أو الإمام اليسرى عمدًا فله القصاص والحد باق وإن كان خطأ فإنه يجزئ خلافًا لابن الماجشون والعقل له.
(ومن أقر بسرقة قطع وإن رجع أقيل وغرم السرقة إن كانت معه وإلا أتبع بها):
يريد إذا كان طائعا وأما إذا كان أقر بها من غير طوع ففي ذلك خمسة أقوال ذكرها اللخمي فقيل إقراره، كالعدم قاله مالك، وقال سحنون: يعول على إقراره.
وقال أشهب: بالأول إن لم يعين، وبالثاني إن عين وعرف أنها للمسروق منه.
ووقع لابن القاسم ما يقتضي أنه لا يؤخذ إلا أن يعين وينضاف إلى ذلك ما يدل على صحته كقوله اجترأت.
وقال مالك في المدونة: إن عين السرقة قطع إلا أن يقول دفعها لي فلان، وإنما أقررت لما أصابني ولو أخرج دنانير لم يقطع؛ لأنها تعرف.
قلت: وجرت عادة أمراء إفريقية بضربه الضرب الوجيع كالخمسمائة سوط والالف فإن اعترف ربما أمروا بقتله لكونه محاربًا لإتيانه بالسلاح وليس بحكم شرعي، وإنما الخلاف السابق في الضرب اليسير أو التهديد بالقول أو بالسجن والله أعلم.
وإن رجع عن إقراره إلى شبهة سقط القطع باتفاق وفي غير شبهة روايتان وتثبت السرقة بالبينة كالإقرار بها طوعا.
وفي المدونة: وينبغي للإمام إذا شهدت عنده بينة على سرقة أن يسألهم عن السرقة ما هي؟ ويكف هي ومن أين أخذها؟ وإلى أين أخرجها؟ كما يسألهم في الزني، وأراد بقوله: ينبغي على الوجوب وظاهره سواء كانوا عالمين بالأحكام الشرعية أم لا، وهو كذلك خلافا لسحنون في قوله: إنما يسأل من كان جاهلا، ومعنى كما يسأل في الزني إشارة إلى الضبط فيما ذكر فقط؛ لأن المعروف أنه لا يشترط معاينة إتيان بينة السرقة للشهادة بها، وفي نظائر أبي عمران الصناجي اشترط ذلك، ولم يحك غيره وتبعه القرافي.
قال بعض شيوخنا: وهو وهم وظاهر كلامه أنهما انفراد بذلك وليس كذلك بل ذكره ابن حارث في كتابة المسمي بأصول الفتوى عن مالك ولم يحك غيره ولفظة قال المغيرة: سمعت مالكًا يجيز شهادة الأفذاذ في كل شيء من النكاح والطلاق والعتاق والقذف وشرف الخمر ما خلا الزنا والسرقة.
(ومن أخذ في الحرز لم يقطع حتى يخرج السرقة من الحرز)
قال ابن الحاجب: الحرز ما لا يعد الواضع فيه في العرف مضيعا للمال ثم قال رحمه الله وظهرو الدواب حرز فحمله ابن هارون على ظاهره دون تقييد.
وقال ابن عبد السلام: كذا قال في المدونة: وظاهر سياق الكلام هنا أن ذلك مشروط بما إذا كان معه ربه ما لم يخرج إلى الخلسة.
قال بعض شيوخنا: وفيما قاله نظر؛ لأن لفظها والدور حرز لما فيها غاب أهلها أو حضروا وكذلك ظهور الدواب
وبهذا اللفظ نقلها ابن يونس ولم يقيدها.
واختلف إذا سرق القناديل من المسجد على ثلاثة أقوال: فقيل: القطع فيها ثابت قاله أصبغ وابن الماجشون، وروي عن مالك وقيل بنفي القطع قاله أشهب وقيل: إن كان عليها غلق قطع، وإلا فلا والثلاثة لابن القاسم، وفي الحصر خمسة أقوال الثلاثة المذكورة.
وقال سحنون: إن ربط بعضها ببعض قطع وإلا فلا، وعن ابن القاسم إن سرقها نهارا لم يقطع، وإن سرقها ليلا قطع، وسمع عيسى بن القاسم: من سرق أبواب المسجد قطع وللشيخ أبي محمد عن الموازية قال أشهب: لا قطع في بلاط المسجد، وقال أصبغ: يقطع.
(وكذلك الكفن من القبر):
ظاهر كلامه: ولو كان القبر في الصحراء، وهو كذلك ومثله إذا ألقي الميت في البحر فهو كالقبر وسواء شد في خشبة أم لا؛ لأنه قبره ونص عليه ابن شاس، وما ذكر أنه يقطع سارق الكفن هو مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة وغيره إنه لا يقطع، وقال ربيعة: إنه محارب.
(ومن سرق من بيت أذن له في دخوله لم يقطع):
مثله الرجل يدخل إلى حانوت التاجر ليشتري منه فيسرق فإنه لا يقطع للإذن له في الدخول، اللخمي إن سرق أحد الزوجين من مال الآخر فإن كان من موضع لم يحجر عليه لم يقطع، وإن كان من موضع محجور بائن عن مسكنهما قطع، وإن كان معهما في بيت واحد فسرق من تابوت مغلق أو من بيت محجور معهما في الدار والدار غير مشتركة.
فقال ابن القاسم: يقطع وفي الموازية لا يقطع وعدم القطع أحسن إن كان القصد بالغلق التحفظ من أجنبي يطرقها وإن كان ليتحفظ كل واحد منهما من الآخر قطع وإن سرق الزوج من شيء شورها به ولم يبن به قطع على القول بأنه وجب جميعه لها وعلى القول الآخر انه مترقب لا يقطع كما لو كانت أمة فأصابها وتقدم الخلاف في حصر المسجد وشبهها ولو أخرها إلى هنا لكان أولى.
(ولا يقطع المختلس):
قال الفاكهاني: انظر لم كرر الاختلاس، وقد تقدم وهو ساقط هنا في بعض النسخ، ولكن هو في روايتنا.
(وإقرار العبد فيما يلزمه في بدنه من حد أو قطع يلزمه وما كان في رقبته فلا إقرار له):
خالف أشهب رحمه الله في إقراره بالقتل فقال: لا يلزم كإقراره بالمال
والمعروف لا قطع عليه إذا سرق من مال سيده مطلقًا، وقيل: يقطع فيما حجر عليه قاله في مختصر الوقار، وبه قال أبو مصعب ويريد الشيخ بالعبد من فيه شائبة رق كالمدبر، وأم الولد، وهذا ما لم يعين السرقة فإن عينها حلف السيد على نفي دعوى المدعى.
وأما المأذون وشبهه فإقراره معمول به ومن ادعى على عبد دعوى فلا يمين عليه، وكذلك السفيه على معروف المذهب وفي أحكام ابن سهل لأبي محمد الأصيلي توجه اليمين عليه بذلك متعقبنا قول الأندلسيين بسقوطها واحتج بتوجه اليمين على من أحاط بالدين بمالة وعلى ذات الزوج بدعوى أكثر من ثلثها.
قلت: ورده بعض شيوخنا: بأن السفيه لا يجوز إقراره ولو لزمته اليمين فإن له يوجب نكولها غرمه لم تكن له فائدة فإن وجبت لزم إعمال إقراره وإقرار من أحاط الدين بماله لازم وكذلك الزوجة فيما ادعى عليه بأكثر من ثلثها بمعارضة إن كانت الدعوى بها وإن كانت بعطية منعت توجيهها عليه فتأمله.
قلت: ولا يتخرج قول الأصيلى في العبد لأن المال للسيد.
(ولا قطع في ثمر معلق ولا في الجمار في النخل، ولا في النغم الراعية حتى تسرق من مراحها وكذلك التمر من الأندر):
قال الفاكهاني يريد إذا كان في الحائط قال: وأما النخلة تكون في الدار فإنه يقطع سارقها قاله ابن المواز.
قلت: وظاهر كلام الشيخ ولو كان على الثمر غلق، وهو كذلك عند ابن الماجشون، وقال ابن المواز: لو دخل سارق دارًا فسرق من ثمرها المعلق في رأس النخلة فإنه يقطع قال اللخمي: فيلزم عليه إذا كان النخل أو الكروم أو غيره من الثمار عليه غلق، وعلم أنه أحيط به من السارق أو كان لا غلق عليه حارس أن يقطع.
واختلف قول مالك إذا سرق من الزرع بعد حصاده وهو في موضعه لم ينقل على موضع الحرز، وفي المدونة من احتمل بعيرا من القطار في مسيرة وبان به فإنه يقطع.
وقال ابن يونس: وروى ابن المواز: وإذا سيقت الإبل والدواب للرعي، وهي تسار غير مقطورة فمن سرق منها قطع ما لم تنته للرعي والمقطورة أبين وكذلك الزوامل، وكذلك إن رجعت من الراعي، وهي تسار غير مقطورة وقد خرجت من حد الرعي ولم تصل إلى مراحها فإنه يقطع سارقها.
قال اللخمي: اختلف إن سرق منها، وهي سائرة إلى المرعى أو راجعة منها ومعها من يسوقها فقيل: يقطع وقيل: لا
(ولا يشفع لمن بلغ الإمام في السرقة والزنا)
ظاهر كلام الشيخ، وإن كان السارق والزاني قد تابا وحسنت حالتهما، وهو كذلك وحديث ماعز مع الغامدية يدل عليه.
(واختلف في ذلك في القذف):
قال الشيخ أبو الحسن اللخمي رحمه الله تعالى: اختلف قول مالك في حد القذف هل هو حق الله أو للمقذوف لجعله مرة للمقذوف وأجاز عفوه وإن بلغ الإمام، ومرة جعله لله فلم يجز العفو ولو قبل الإمام إلا أن يريد سترا على نفسه ولم يختلف أن عفوه جائز إذا أراد سترا، وهذا يسحن فيمن لم يعرف بذلك، وكان ذلك منه فلتة.
وقال ابن رشد في المقدمات: لا خلاف أنه حق للمقذوف وهل هو حق لله تعالى في ذلك ثلاثة أقوال:
أحدهما: أن فيه حقًا لله فلا يجوز فيه العفو بلغ الإمام أم لا.
وهو دليل سماع أشهب وعليه يقيمه الإمام إن بلغ إليه صاحبه أو أجنبي.
والثاني: لا حق لله فيه تعالى ولصاحبه العفو مطلقًا وهو أحد قولي مالك في السرقة والرجم من المدونة.
والثالث: حق لصاحبه ما لم يبلغ الإمام فإذا بلغه صار حقًا لله، ولم يجز لصاحبه العفو عنه إلا أن يريد سترا وهو أحد قولي مالك.
قلت: فإذا عرفت هذا فاعلم أنه خلاف قول الشيخ؛ لأن ظاهر كلامه يقتضي أنه لا خلاف في العفو قبل بلوغ الإمام وليس كذلك، ولما ذكر ابن الحاجب أن حد القذف من حقوق الآدميين على الأصح قال: وعليهما تحليفه عليه.
قال ابن عبد السلام: أما عدم توجه هذه الدعوى على أنه حق لله تعالى فصحيح، وأما توجهها على كونه حقًا للآدمي ففيه نظر إلا لو كان حقًا ماليا، وأما إذا كان حقاً بدنيا فلا يلزم، وقد قال أشهب: فيما قدمنا أن القاتل إذا ادعى على ولي القتيل أنه عفا عنه ولم تتوجه هذه الدعوى ولم يحلف لها، واعترضه بعض شيوخنا بأن في كلامه الوهم من وجهين:
أحدهما: أن القاعدة لا يستشكل التخريج المطلق على أصل المذهب إلا لمخالفة المشهور وأما ما موافقته فلا هو ههنا موافق قال في كتاب الديات من المدونة ما نصه: وإن ادعى القاتل أن ولي الدم عفا عنه فله أن يستحلفه فإن نكل ردت اليمين على القاتل ابن يونس يحلف يمينا واحدة لا خمسين يمينا؛ لأن المدعي عليه إنما
كان يحلف يمينا واحدة أنه ما عفي عنه فهي اليمين المردودة.
الثاني: من اطلع على كلامه هذا يعقد أن المذهب أو المعروف منه عدم توجه دعوى العفو عن الدم وهو غلط فتأمله منصفًا.
(ومن سرق من الكم قطع):
ظاهر كلام الشيخ وإن كان المسروق من كمه نائمًا وهو كذلك باتفاق وكذلك الجيب زعم بعض الشيوخ الاتفاق عليه ويمكن أن يتخرج قول من أنه لا يقطع من أحد نقلي ابن شعبان وغيره في المودع إذا وضع الوديعة في جيبه فضاعت أنه ضامن وقد تقدم قول الحاجب في الحرز ما لا يعد الواضع فيه في العرف مضيعا للمال ومن سرق صبيا فإنه يقطع وقيل: بعكسه قاله ابن الماجشون.
وقال أشهب: بالأول إن كان لا يعقل.
وبالثاني: إن كان يعقل، وقال اللخمي: أرى أن يقطع إلا أن يكون ببلد يخشي فيه على أطفالهم من السرقة.
وأما من سرق ما على صبي من حلى ففي الموازية: إن كان صغيرا لا يعقل، ولا حافظ له وليس في حرز لم يقطع وإلا قطع عليه.
قال الباجي: فأورد الروايتين على الإطلاق، وقال في المدونة: إن دهن رأسه ولحيته بدهن في الحرز ثم خرج فإن كان في الدهن ما يبلغ ربع دينار قطع وإلا فلا.
قال بعض شيوخنا: يقوم منها ما نص عليه ابن شاس، وابن الحاجب، أو من ابتلع درة وخرج فإنه يقطع ولا أعرفها بنصها إلا للغزالي في الوجيز.
(ومن سرق من الهري أو بيت المال أو المغنم فليقطع وقيل: إن سرق فوق حقه من المغنم فليقطع، وقيل: إن سرق فوق حقه من المغنم بثلاثة دراهم قطع):
لا خلاف أن من سرق من الهري أنه يقطع وهو موضع يختص بالطعام.
قال الفاكهاني: رويناه بتشديد الياء والقول بأنه يقطع في الغنيمة هو لابن القاسم والقول بأنه لا يقطع لابن الماجشون، وصوب لتحقق الشركة وقيل: لابن القاسم في كتاب السرقة من المدونة أليس له فيها حصة؟ قال: قال مالك، وكم تلك الحصة ففهم منه أن القطع إنما هو مع كبر الجيش وقله الغنيمة ولو انعكس الفرض لكانت كمسألة الشريكين، والقولان في العتق الثاني من المدونة لابن القاسم وغيره ولم يذكر في السرقة غير ابن القاسم.
وما ذكر الشيخ أنه يقطع إذا سرق من بيت المال، وهو كذلك باتفاق وعلل ذلك في كتاب العتق من المدونة بأن من له فيها حق باق لأنه لا يورق عنه ولما ذكر ابن
الحاجب أن من سرق من مال شركة لم يحجب عنه فإنه لا يقطع قال بخلاف بيت المال والغنائم المحجورة فإنه كالأجنبي على المشهور.
قال ابن عبد السلام: فظاهره أن الخلاف فيهما وليس كذلك إذ الاتفاق في بيت المال على القطع.
قلت: والصواب أنه إنما قصد ذكر الخلاف في الثانية خاصة؛ لأن قوله ما بخلاف بيت المال أي فإنه يقطع وقوله الغنائم أي: وبالخلاف في الغنائم فهي مسألة مستقلة بذاتها والله أعلم.
ولو أراد فهما عنه لقال على المشهور فيهما والله أعلم.
(ويتبع السارق إذا قطع بقيمة ما فات من السرقة في ملائه ولا يتبع في عدمه):
المراد بالملإ أن يكون من حين السرقة إلى حين القطع عند الأكثر وعند أشهب إلى حين القديم، وقيل: لا يغرم إذا أتلفها مطلقا لقول عبد الوهاب عن بعض شيوخنا غرمه استحسان والقياس عدمه، وقيل: عكسه نقله اللخمي عن حكاية ابن شعبان قائلا، وقاله غير واحد من أهل المذهب.
قلت: وهو الصواب لأن القطع إنما هو لله بدليل أن عفوه لا يرفع عنه القطع.
(ويتبع في عدمه لما لا يقطع فيه من السرقة):
ما ذكر متفق عليه فيما علمت كما أنه إذا قطع وهي قائمة فربها أحق بها.