القول فى ترك القراء إمالة يا إذا كان حرف نداء
4 الإمالة أصلها 5 للأفعال لأنها كثيرة التغيير لأنك تقول مضى123
ويمضى ويبنى الفعل على أبنية مختلفة فتظهر حال الياء ثم اتسعوا في ذلك فأجروا الأسماء لقوَّتها مجرى الأفعال والامالة توجد فى كلامهم على سبعة = في بعض الأحوال وذلك اذا كانت الألف مبدلة من عين ما يقال فيه فلت بكسر الفاء وذلك نحو خاف وطاب فإنك تقول اذا لحقته تاءُ الضمير خفت وطبت على وزن فلت لأن عينه حذفت بخلاف ما يقال فيه فلت بالضم مثل قمت فإنه لا يمال وتشبيه الف بالألف المنقلبة عن الياء نحو الكبا وامالة لامالة وهذا النوع إما ان يكون فى كلمة أو فيما هو كجزء الكلمة وإما ان يكون فى كلمتين والأول مثل عمادا اميلت فتحة الدال فى حالة الوقف لامالة فتح الميم ومثل نأى اميلت فتحة النون لامالة فتحة الهمزة وكلاهما فى كلمة واحدة ومثل معزانا اميلت فتحة نون نا لامالة فتحة الزاي وجاز ذلك وان كانت نا كلمة برأسها لكونها ضميرًا متصلًا وهى كجزء الكلمة وهى في الآخر وهو محل التغيير واما ما كان فى كلمتين فان تميل فتحة فى كلمة لامالة مثل تلك الفتحة فى نظير تلك الكلمة فى الفواصل كقوله تعالى والضحى اميل ليزاوج قلى وسهلٍ ذلك كونه فى اواخر الكلام ومواضع الوقف وذكر بعضهم أسبابًا أخر وقال فريق ملخصها انها ترجع الى شيئين الياء والكسرة وهذه الأسباب ليست بموجبة الامالة وانما هي مجوزة عند من هي فى لغته وقد شذ عن القياس امالة الحجاج علمًا لأنه ليس فيه كسرة ولا ياء ولا نحوهما من اسباب الامالة وانما اميل لكثرة الاستعمال وهذا فى الرفع والنصب اما في حالة الجر فالامالة سائغة غير شاذة لأجل كسرة الإعراب ومثله الناس وذهب صاحب المفصل الى ان الألف فى آخر الفعل تمال كيف كانت وقال شارحه ان غزا ودعا تجوز فيهما الامالة لأن هذا البناء قد ينقل بالهمزة الى افعل فيصير واوه ياء نحو اغزيت وادعيت فتقول اغزى وادعى بالامالة وقد يبنى لما لم يسم فاعله فيصير الى الياء نحو غزي ودعي فتخيلوا ما هو موجود فى الحكم موجودًا فى اللفظ وهو الظاهر من كلام الشافية فى الألف الصائرة ياء.
وصريح كلام سيبويه ج 2 ص 360 حيث يقول والامالة فى الفعل لا تنكسر اذا قلت غزا =
أنحاءٍ إمالة لياءٍ موجودة كإمالة شيبان وعيمان وإمالة لياءٍ غير موجودة فى اللفظ وهي فى البناء منقلبةٌ كإمالة باع وسار لأنه من البيع والسير وإمالة لكسرة موجودة كإمالتهم ألف عماد وكافر وإمالةٌ لكسرة غير موجودة ولكنها مقدرة فى أصل البناء كإمالتهم خاف لأجل الكسرة التي فى خفت وإمالةٌ لإمالةٍ كقولك رأيت عمادًا فأمالوا الألف التي بعد الدال إذا وقفوا لإمالتهم الألف التي بعد الميم وإمالةٌ للتشبيه وهي إمالةٌ شاذة نحو قولهم الحجاج أمالوا الاسم من هذا النوع دون الوصف
وليست حروف المعاني مما تحب فيه الامالة وإنما حكي النحويون يا زيدُ 1 لأن يا عندهم فى هذا الموضع واقعةٌ موقع الفعل فكأنهم قالوا أدعوا زيدًا فأمالوا هذا الحرف كما أمالوا الفعل إذ كان واقعًا موقعه وقوّى الإمالة ان فيه ياًء موجودة وقد قالوا فى حروف التهجي باتا فأمالوا ليفرقوا بينها وبين غيرها 2 ولأنهم حكوا ببيت باء فدلوا بذلك على أنها = وصفا ودعا وانما كان في الفعل متلئبًا لأن الفعل لا يثبت على هذه الحال للمعنى ألا ترى أنك تقول غزا ثم تقول غزي فتدخله الياء وتغلب عليه... فإذا قلت افعل قلت اغزي.
وقد جعل أبو العلاء امالة غزا للتشبيه كالمكا وهو خلاف ما نقلناه عن سيبويه وغيره.
من ذوات الياء والقراءة سماع وقياس واختيار فإذا سُمع الحرف وكان السامع له من أهله المعرفة قاسه على نظائره بعد صحة الخبر فيه فإذا وضح له أنه مستقيم كان الاختيار بعد ذلك إليه فنقول ان القراء تركوا إمالة يا لأن الحروف أصلها الاّ تدخلها الإمالة ولم يطالبوا بأن يحملوا القراءة على ما يجوز فى كلام العرب كما أنهم لا يطالبون بأن يقرؤوا ولله على الناس حِجٌّ البيت ولا يلزمهم إذا كان في الحرف من الكتاب لغتان أو ثلاث ان يستعملوا ذلك كله بل قراءتهم مردودة الى الرواية كما ان قياس الفقهاء معلق بالكتاب والخبر وهم مجمعون على قراءة المشعر الحرام بالفتح وقد حُكي ان كسر الميم منه أكثر فى كلام العرب 1 وانما تحمل القراءة على معظم الكلام وأقومه فى قياس العربية والممال عند البصريين هو الألف فيجعلونها ثلاثة أنواع ألف تفخيم وألف ترخيم وهى ألف الإمالة وكذلك سماها سيبويه فى كتابه وألفٌ بين بين وانما سمى تلك ألف ترخيم لأن النطق بها أخف من النطق بالمفخمة وأما الفراء فدل كلامه على أن الممال هو الحرف الذي قبل الألف لأنه جعل النون هي المكسورة = أنها لا تمال اذا كملت بالمد نحو باء وتاء وثاء لأنها لا تكون اذا موقوفًا عليها ولقوة الداعي الى إمالتها اميلت مع حرف الاستعلاء نحو طا وظا.
بخلاف نحو طالب وظالم.
في قولهم إنا لله وهذا قول حسن وإنا لله من الامالة الشاذة لأنه ليس موضع إمالة وانما كثر استعماله ولزمته اللام المكسورة التى فى اسم الله سبحانه فشبه بألف فاعل ومفاعل وأمالوا إما لا وهذا أيضًا شاذ وإنما فعلوا ذلك لأن الاستعمال كثر فآثروا التخفيف وقد مضى القول فى أن الإمالة أخف من التفخيم وقول الفراء يقوى فى أن الممال هو الحرف الذى قبل الألف لأن الامالة تبين فى الحرف حدثًا ليس فى التفخيم والألف لا تحتمل ذلك لأنها ضعيفة جدًا وغيرها بالتغيير أليق وهو له أجمل وقد أمالوا الفتحة فى الحجر والضرر فدلَّ ذلك على ان الإمالة إنما هي في الحرف الذي قبل الألف وكذلك قول بعضهم نعمة فى الوقف الكسرة على الميم بينة فأما الهاء فبريّةٌ من ذلك وليست الهاء بأضعف من الألف بل لها مزية في القوة لأن الهاء تمكن حركتها والألف لا تحتمل شيئًا من الحركات 1 وأنت اذا جئت فى الفواصل بحرف ممال وحرف مفخم تبينت في ذلك تنافرًا من اللفظ ألا ترى أنك اذا قلت في المثل أنكحنا الفرا فسترى 2
ففخمت الفرا وأملت ترى فقد جئت باللفظين متباينين ومن تفقد ذلك وجده كثيرًا في فواصل السجع وقوافي الشعر ويقوى ترك الإمالة فى الحروف التي ليست مشتقة فيحكم على الفاتها بانها منقلبات على ياءات ولو قويت الإمالة فى شيْ منها لقويت في لكن 1 لأنها على هيئة فاعل وبعد الفها كسرة واختلف النحويون فحكي عن المازني أن لكن = نظرنا في الأمر فسننظر عما ينكشف وفي مجمع الأمثال قاله رجل لإمراته حين خطب اليه ابنته رجل وأبى ان يزوجه فرضيت أمها بتزويجه فغلبت الأب حتى زوجها منه بكره وقال انكحنا الفرا فسترى ثم اساء الزوج العشرة فطلقها يضرب في التحذير من سوء العاقبة والفرا ليس فيه سبب يوجب الإمالة وترى الفه منقلبة عن ياءٍ فى بعض الصور.
الخفيفة مأخوذة من الثقيلة وقال غيره بل هي على حالها وقد زعم الفراء أن أصلها لا كئن واحتج بدخول اللام في الخبر وأنشد: 1 ولكنني من واحد لكميد وهذه دعوى لا تثبت وإن صح دخول اللام فى خبر لكن فيجوز أن يكون شاذًا وقد زادوا اللام فى مواضع كما قال الراجز: 2 أم الحليس لعجوز شهر به وهى المسنة التي فيها بقية والبيت معروف وقد حكى الفرآء دخول اللام على اللام فى قول الشاعر:
لددتهم النصيحة أى لدٍ فمجوا النصح ثم ثنوا فقاوءا فلا والله لا يرجى لما بي ولا للما بهم أبدًا دواءُ 1 ويروي شفاء وفى قول الآخر: فلئن قوم أصابوا غرة وأصبنا من زمان رنقا للقد كنا لدى ارحلنا لصنيعين لباس وتقى 2
إلا أن قول الفراء يقوي ترك الإمالة في لكن لا صدرها لا النافية وقراءة الكسائي جرت على هذه العلة وترك الإمالة في مثل قولك يخرج 1
وأنت تريد يا فلان أخرج وفي مثل قوله ألا يا سجدوا 2 وفى مثل قول الشاعر:
الا يا سلمى ثم اسلمي ثمت اسلمي ثلاث تحيات وان لم تكلمي 3 = من الدهر فسروا واصبنا يقظة منه فتكدرنا فقد كنا في منازلنا أرصدنا أنفسنا لعملين محمودين الشجاعة والتقوى.
وروي فلئن يومًا أصابوا...... للقد كانوا لدى أزماننا... بصنيعين..... قال في شرح التسهيل أجاز الفراء أن يجمع بين لامي توكيد تقول إن زيدًا للقد قام وانشد البيتين.
واجب على رأى البصريين لأن الألف ذهبت لإلتقاء الساكنين وإنما تكون الإمالة للألف فمن أمال في قولك يا زيد لم يمكنه أن يميل في هذا الموضع لأن الألف قد ذهبت فإذا وقف الواقف فأظهر الألف فالواجب الا يميل ليكون حال الوصل كحال الوقف وإذا سقطت الألف لم يبق للإمالة مدخل لأن أصل الإمالة إنما وضع لهذا الحرف وإن كانوا قد أمالوا أشيآء إلى الكسرة وإلى الضمة ألا أن معظم الباب للألف على رأى البصريين فأما على رأى الفراء إذا كان اعتقاده أن الإمالة للحرف الذي قبل الألف فلا تجب بعد سقوطها لأنها من أجل الألف تحدث فمن قال على رأيه يا زيد فأمال لم يبق له إلى الإمالة سبيل إذ قال يا اشكر محمدا وهو يريد يا فلان اشكر محمدًا 1 ومن زعم أنك تميل إذا قلت يا زيد لأن الحرف مشبه بالفعل قويت عنده الإمالة في قول الشاعر: يا لعنة الله والأقوام كلهم والطيبين على سمعان من جار 2
لأنه قد جعل يا كالمستغنية ولم يجعلها كغيرها من الحروف لأنك إذا قلت ان وليت ونحو ذلك لم يكن بد من أن تجيء بالاسم ويا هذه قد خالفت الحروف في أنها تحذف تارة ويحذف اسمها أخرى والذي أذهب اليه أنهم أمالوا يا زيد لأجل الياء الموجودة وإذا قيل ذلك فإمالتهم يا جذع أقوى من إمالتهم يا عمرو لأن الجيم من جذع مكسورة والعين من عمرو مفتوحة والياء المنقلبة أجذب إلى الإمالة من الياء الموجودة.
القول في قول الراجز 1
أين الشظاظان وأين المربعه وأين وسْقُ الناقة الجلنفعه
الأبيات التي يسأل عنها على أربعة أضرب بيت فارد وهو الذي ليس بعده شيء ولا قبله وبيت فاتح وهو المبتدأ به وبعده بيت آخر وبيت واسط وهو الذي قبله بيت وبعده بيت وبيت خاتم وهو الذي يكون آخر الأبيات وكل بيت يسأل عنه فأنه لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون معناه قد كمل فيه وإما أن يكون معناه يكمل في الذى بعده أو الذى قبله أو فيهما جميعًا وإنما قدمت ذلك لأن هذا الشعر الذى سال عنه يتردد في كتب اللغة وهو على ما ذكر ليس قبله شيء ولا بعده وهو بيتان لأن قوله: (أين الشظاظان وأين المرْبعه) بيتٌ 2 على رأى النحويين المتقدمين والمتأخرين ألا ترى الذين عدوا شواهد كتاب سيبويه عدُّوا قول العجاج:
قواطنا مكة من ورق الحمي 3
بيتًا وكذلك قول الآخر دار لسعدى إِذهِ من هواكا 1
وعدوا قول الآخر:
رُب ابن عمّ لسليمى مُشمعل طباخ ساعات الكرى زاد الكسل 2
بيتين وكذلك جميع ما تسميه العرب رجزًا اذا عدَّه أهل العلم بالعربية = للعجاج مطلعها يا دار سلمى يا اسلمى ثم اسلمي وقد أورده سيبويه ج 1 ص 8 شاهدًا على أنه يجوز في الشعر حذف ما لا يحذف يشبهونه بما قد حذف واستعمل محذوفًا ورواية البت فيه كما هي هنا وفى ديوان العجاج المطبوع أو الفا مكة.
قواطن: سواكن والورق جمع أورق وهي ما كان على لون الرماد والحمي أراد به الحمام وللأعلم الشنتمري كلام في توجيه الحذف فراجعه في كتاب سيبويه 1 - 8.
جرى عدده على ما تقدم ذكره والشظاظان تثنية شِظاظ وهو عود يُدخل في عروة الجوالق 1
قال الراجز:
نبهتُ ميمونًا بأشمذين فقال لي وأنَّ أَنّتين
أما ترى ما قد أصاب عيني من الشظاظ ومن الحنوين 2
والمربعة عصًا قصيرةٌ تدخل تحت الجوالق ويأخذ الرجلان بطرفيها إذا أراد رفعهُ يقال ربعنا الحمل وارتبعناه.
وفي الحديث أنه مر بقوم يرتبعون حجرًا وفى رواية أخرى يربعون حجرًا أى يرفعونه 3 ويقال رابعتُ الرجل والمرأة إذا فعلتَ أنتَ وأحدهما ذلك بحمل أو حجر 4 = طباخ إلى الساعات ونصب الزاد على التعدي والتقدير طباخ الكرى على تشبيه الساعات بالمفعول به لا على الظرف ولما أضاف الطباخ إلى الساعات على هذا التأويل اتساعًا ومجازًا عداه إلى الزاد يقول إذا كسل أصحابه عن طبخ الزاد عند تعريسهم وغلبة الكرى عليهم كفاهم ذلك وشمر في خدمتهم.
ويجوز إضافة طباخ إلى الزاد والفصل بالظروف ضرورة قال الاعلم والأول أجود واستشهد به شارح المفصل ج 2 ص 46 وج 3 ص 40.
وأنشد ابن الأعرابي:
يا ليت أُم الغمر كانت صاحبي مكان من أَنشا على الركائب
ورابعتني تحت ليل ضاربِ بساعدٍ فعمٍ وكفّ خاضب 1
وقيل رابعتني أي أخذت بيدي.
والوسق الحمل وفيه لغتان فتح الواو وكسرها والجلنفعة الغليظة الجافية 2 ومن روى المطبَّعة فانه يعني التي قد أُثقل حملها يقال طبَّعتُ الناقة والسفينة إذا أوقرتها ولذلك قالوا للنهر المملوء ماًء طِبعٌ 3 قال الهذليّ: 4
وما حمل البختي عام غياره عليه الوسوق بُرها وشعيرها
أتى قريًة كانت كثيرًا طعامها كرفغ التراب كل شيء يميرها
فقيل تحمل فوق طوْقِك إِنها مطبَّعة من يأتها لا يضيرها 5
يعني أن هذه القرية مملوءةٌ من الطعام ويجوز أن تكون المطبَّعة في البيت قد وقعت في طبع وهو النهر لأنَّ الإبل قد توحل كما جرت عادتها ألا ترى إلى قول لَبيدٍ 1
فتولوا فاترًا مشيهم كروايا الطبع همت بالوحل 2 = أصابهم بمطر وغيث والوسوق جمع وسق.
والقرية الضيعة أو كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قرار وقد تطلق على المدن وغيرها والرفغ الأرض الكثيرة التراب ويقال جاء فلان بمال كرفع التراب في كثرته وتراب رفغ وطعام رفغ لين قال بعضهم أصل الرفغ اللين والسهولة.
والرفغ الناحية وقول أبي ذؤيب يفسر بجميع ذلك وماره يميره جلب له الميرة وهو الطعام تحمل احمل طوقك طاقتك وقدرتك مطبعة مملوءة لا يضيرها لا يضيرها أي لا يضر أهلها لكثرة ما فيها ويروى من نابها لا يضيرها وهذه الأبيات جاءت في الأصل مجرفة كثيرًا أولها ما حمل التحني.
كرفع التراب.
فأصلحنا على ما جاءت في اللسان وجاء فيه أتى قرية كما هنا بالياء المثناة هذا يشكل على قول الأزهري المتقدم وقربة مطبعة فلعل في إحدى الروايتين تحريفًا والبيت الثالث أورده سيبويه ج 1 ص 438 شاهدًا على رفع يضيرها على نية التقديم.
والتقدير لا يضيرها من يأتها وروايته فقلت تحمل وأورده شارح المفصل شاهدًا على إرادة التقديم أو إرادة الفاء يصف الشاعر قرية كثيرة الطعام من امتاز منها وحمل فوق طاقته لم ينقصها.
القول 1 في قراءة ابن عامر على ما حكي في بعض الروايات من وقله: أفئدة 2 اختلف أهل العلم في مستنكر القراآت فكان بعضهم يجترئ على تخطئة المتقدمين وكان بعضهم لا يقدم على ذلك ويجعل لكل شيء وجهًا وإن كان بعيدًا في العربية واحتج من أجاز غلط الرواة بأن الذين نقلوا القراءة كان فيهم قوم قد أدركوا زمن الفصاحة فجاؤوا بها على ما يجب وقوم سبقتهم الفصاحة ولم يكن لهم علم بقياس العربية فلحقهم الوهم الذي لا يتعرى منه ولد آدم صلى الله عليه وسلم وأفئيدة بناء مستنكر لم يجئ مثله في الأحاد ولا في الجموع ولم يحك سيبويه ولا غيره فيما أعلم شيئًا على مثال أفعيلة بفتح الهمزة ولا على مثال أفعيل إلا ما روي في قراءة الحسن من أنه
كان يفتح همزة الانجيل وهذا في الشذوذ يشبه قراءة ابن عامر هذه 1 والانجيل قد وافق ألفاظ العربية فأن كان له فيها حظ فقد زعموا اشتقاقه من قولهم استنجل الوادي إذا ظهر فيه نجل وهو الماء المستنقع 2 ويجوز أن يكون اشتقاقه من النجل وهو الولد كأن هذا الكتاب ولد للكتب المتقدمة وقد جاءت الألفاظ كلها يشبه أن يكون الانجيل مشتقًا منه لأن النجل السعة في العين فيجوز أن يكون هذا الكتاب سعة في الدين وكذلك قولهم نجلت الإبل الكمأة إذا استثارتها بأخفافها فيجوز أن يكون الانجيل استثير من العلم القديم وكل نون وجيم ولام في العربية وأن اتسع ذلك لا يمتنع أن يكون اشتقاق الإنجيل منه 3 = وكلام أبي العلاء في المنقول عن هشام عن ابن عامر أي افئيدة قال في اتحاف فضلاء النشر ص 170 وعن الحسن الإنجيل بفتح الهمزة حيث وقع.
قال الزمخشري في الكشاف ج 1 ص 135 والتوراة والانجيل اسمان اعجميان وتكلف اشتقاقهما من الورى والنجل ووزنها بتفعلة وافعيل أنما يصح بعد كونهما عربيين وقرأ الحسن الانجيل بفتح الهمزة وهو دليل على العجمة لأن أفعيل بفتح الهمزة عديم في لغة العرب.
وقيل الإنجيل الأصل وهو مع هذا جائز عليه أن يكون أعجميًا وافق ألفاظ العربية وذلك به أشبه كما أن يعقوب اسم النبي صلى الله عليه وسلم لا يحمل على أنه مأخوذ من اليعقوب الذي هو ذكر الحجل وأما فتح الهمزة في إنجيل فمها يقول بعض الناس أنه غلط لأنه لا قياس له ولم ينقل مثله في الشعر الفصيح ولا الآثار الثابتة.
وأما أفئيدة فأن صح أنها قرأ بها موثوق به فب الفصاحة فأنها والله أعلم أفئدة في الأصل كما قرأت الجماعة ثم زيدت الياء بعد الهمزة لأن الكشرة فيها لازمة 1 فتكون هذه القراءات مشاكلة لقراءة من قرأ فذانيك برهانان وزيادة الياء في أفئيدة أقوى منها في ذانيك لأن نون التثنية ليست ثابتة كثبات غيرها من حروف الاسم اذ كانت تسقط في الواحد وفي الإضافة وقد وجدنا العرب زادوا الألفات والياءآت والواوات وقد حملوا قراءة ابن كثير إنه من يتقي ويصبر 2 على
أن الياء التي بعد القاف حدثت لتمكين الكسرة كأنه كان أنه من يتق ويصبر كقراءة الجماعة ثم زيدت الياء لأجل الكشرة وإلى هذا الرأي ذهب الفارسي 1 فأما المتقدمون فكانوا يحملون عذا على أنه من رد الأشياء إلى أصولها فالياء في يتقي على رأي من تقدم هي أصلية لأنها لام يفتعل وعلى قول الفارسي تكون زائدة وعلى هذين القولين يجري قول الشاعر 2:
ألم يأتيك والانباء تنمي... بمالاقت لبون بني زياد
ويوقى قراءة ابن كثير أن قراءات الجماعة اجتمعت فيها متحركات أربعة وهي التاء الثانية من يتق والقاف والواو والياء وهم يستثقلون الجمع بين متحركات في هذا العدد ولذلك لم يجيء توالي هذه العدة من المتحركات في الشعر إلا عند زخارف 1 وليس في أصل أبنيتهم أن يجيء مثل ذلك فأما قولهم علبط وهو الغليظ والمكثير يقال قطيع من الغنم علبط إذا كان كثيرًا متراكبًا وهدبد وهو العشا في العين ويقال هو اللبن الغليظ وما كان مثليهما فإنما جاء على الحذف والأصل علابط وهدابد 2 وقد زادوا = من باب الإعمال لأن كلا من يأتي وتنمى يطلب ما لاقت الأول يطلبه على انه فاعل والثاني على انه مفعول واعمل الثاني فجره بالباء واضمر في الأول فاعله وهذا على مذهب البصريين من انه يضمر الفاعل قبل الذكر وقد رواه ابن جني في سر الصناعة ألم يأتك.
ولا شاهد فيه.
وفيه كف الجزء الأول مفاعيلن ورواه الأصمعي وهل أتاك.
ولا شاهد فيه أيضًا وفيه قبض الجزء الأول.
الياء للزوم الكسرة في مواضع كثيرة قالوا سواعيد في جمع ساعدٍ وانما المعروف سواعد قال التغلبي:
وسواعيد يختلين اختلاء... كالمغالي يطرن كل مطير
يختلين يقطعن مثل ما يختلى الزرع والمغالي السهام انتي يغلى بها أي يرمي بها فهذه ضرورة وأنشد الفرآء قول زهير:
عليهن فرسان كرام لبساهم... سوابيغ زغف لا تخرقها نبل 1
فهذه زيادة بغير ضرورة لأنه لو حذف الياء لم يضر بالبيت وكذلك قولهم حواجيب في جمع حاجب وتوابيل في جمع تابل 2 هو من هذا الباب وقياس قول الفراء انك إذا قلت فواعل كان دخول الياء فيها = أنه لا يوجد كلمة فيها اربع حركات متوالية.
والدليل على انهم يستثقلون توالي اربع متحركات انهم يسكنون آخر الماضي الثلاثي اذا اتصل بضمير الرفع المتصل فيقولون ضربت باسكان الباء حتى لا تتوالى حركات اربع فيما هو كالكلمة الواحدة لأن التاء كجزء الكلمة.
أصلح من دخولها في غيرها لأنه قد جاء فاعول في معنى فاعل كقولك رجل حاطوم وقاشور 1 ويجب على قياس قوله أن يكون دخول اليآء في مثل مذاود 2 أقوى منها في فواعل لأن مفاعل ومفاعيل تشتركان كثيرًا ولان مفعلًا مقصور من مفعال 3 وقولك في منخر 4 منخير أقوى من قولك في مسجد مسجيد لان مفعيلًا قد كثر نحو المعطير والمحضير 5 ومفعيل قليل على أن الفراء قد حكي مسكين بفتح الميم 6 في كتاب التثنية والجمع وحكى أبو مسحل 7 منديل في منديل وهذه
نوادر لا يطرد عليها القياس وقولنا مفاعيل في مفاعل عند الضرورة أقوى من قولهم أفاعيل في أفاعل إذا كانت أفعل جمع أفعل مثل أحمر وأحامر لأنه لا يجيء مثل افعال 1 في الواحد إلا وهو يراد به الجمع فمن باب أفئيدة قول عبد مناف بن ربع الهذلي: وللقسي أزاميل وغمغمة... حس الشمال تسوق الماء والبردا 2 فأزاميل جمع ازمل وهو الصوت وانما القياس أزامل وقولهم في الضرورة أزانيد أسوغ من قولهم أزاميل لأنهم قالوا زند 3 وازند وجآء أزناد فاذا قيل أزانيد كان على ازناد واذا قيل ازاند وهو الوجه كان على ازند قال أبو ذويب: = بغداد وأخذ النحو والقرآن عن الكسائي وروى عن علي المبارك أربعين ألف بيت شاهد على النحو وصنف النوادر والغريب وفي غاية النهاية في طبقات الفراء لابن الجوزي والفهرست عبد الوهاب بن جريش المعروف بأبي مسحل.
اقبا الكشوح أهضمان كلاهما... كعالية الخطي واري الازاند 1 ومن هذا البيت الذي أنشده سيبويه 2 تنفي يداها الحصى في كل هاجرة... نفي الدراهم تنفاد الصياريف 3
فهذا البيت ذكره في ضرورة الشعر والاشبه أن يكون المراد به زيادة الباء في الصياريف لان الواحد صيرف والباب صيارف كما انك اذا جمعت جيدرًا وهو القصير قلت جيادر ومن روى الدراهم فانه يحتمل وجهين احدهما ان يكون من باب سواعيد وهو اقوى منه لان فعلالا كثير ويجوز أن يكون على قول من قال درهام فان كان درهام نطقوا به في غير الضرورة فليس في قول الفرزدق الدراهيم شيء يحمل على الاضطرار لان الباب على ذلك كما تقول عرزال وعرازيل 1 وقنطار وقناطير وان كانوا لم يقولوا درهام الا في الضرورة كما قال الراجز: لو ان عندي مائتي درهام... لابتعت دارًا في بني حرام وعشت عيش الملك الهمام... وسرت في الأرض بلا خاتام 2 = بسرعة السير في وقت الهاجرة التي يتعذر فيها السير وان بديها لشدة وقعهما في الحصى تثيرانه وتنفيانه عن مكانه فيقرع بعضه بعضًا ويسمع له صوت كصوت الدراهم والدنانير اذا نفي الصيرف رديئها من جيدها وقال ابن بري شبه خروج الحصى من تحت مناسمها بارتفاع الدراهم عن الاصابع اذا نقدت وقد سبق امرؤ القيس إلى هذا المعنى حيث يقول: كأن صليل المروحين تشده... صليل زيوف ينتقدون بعبقرا وبيت الفرزدق هذا يستشهد به النحاة على اضافة المصدر إلى المفعول ثم رفعه الفاعل فكلمة نفي مفعول مطلق أي نفيا كنفي وتنقاد فاعل نفي.
فإن دراهيم يجوز أن يشبه بما ذكره النحويون من الضرورة التي يلتزمها الشاعر خشية النقص على الوزن وان لم يكن استعمال غيرها نخلًا بالنظم كما أنشدوا للهذلي 1: أليت على معاري فاخرات... بهن ملوب كدم العباط فزعموا أنه فتح الياء للضرورة ولو قال على معار فاخرات لم يخل بالبيت وانما كان ينقصه حركة لا يشعر بها في الغريزة ولا تعدم قصيدة من قصائد العرب والمحدثين اذا كانت على وزن بين الهذلي الذي قافيته العباط ان تجيء فيها مواضع كثيرة قد حذفت منها الحركات والابيات قويمة في الغريزة ومما زادوا فيه الياء كما زبدت في افئيدة قولهم شيمال في شمال وبعضهم ينشد بين امرئ القيس: = يكن في كلامهم وهذا يدل على أنه لم يعرف خاتاما.
كأني بفتخاء الجناحين لقوة... دفوف من العقبان طأطأت شيمالي 1 يريد شمالي واما قول الراجز: لا عهد لي بالنيضال... كأنني شيخ بال 2
فإنه أراد النضال فزاد الياء وهذا مردود إلى الاصل فهو اقوى من أفئيدة لأنك إذا قلت قاتلت وضاربت فأصل المصدر أن يجيء على فيعال مثل ضيراب وقيتال ليكون على عدة مصادر ذوات الأربعة بالزيادة وغير الزيادة نحو الاكرم والحراج والكذاب وأما زيادتهم الألف فكقولهم العقراب في العقرب وهذا رديء لأنه يخرج الى بناءٍ مرفوض وإنما يجيئ فعلال في المضاعف قالوا بالناقة خزعال أي ضلع 1 وحكم الضرورة ليس كحكم غيرها في الأبنية ألا تراهم يقولون فعل لم يجيء منه إلا شيء قليل مثل إبل وإطل للخاصرة وبلزوهي المرأة الضخمة في أشياء نوادر ولا يعتدون بقولهم في الضرورة دبس وبكر يريدون الدبس والبكر في أشباه لهما كثيرة قال أبو زبيد 2: = الياء التي جاء بها أولئك في قيتال ونحوها واما المفاعلة فهي التي تلزم ولا تنكسر كلزوم الاستفعال استفعلت وقال ثعلب اشبع الكسرة فاتبعها الياء كما قال الآخر ادنو فانظور اتبع الضمة الواو اختيارًا وهو على قول ثعلب اضطرار.
فنهزة من لقوا حسبنهم... أشهى إليه من بارد الدبس وقال أوس بن حجر 1: لنا صرخة ثم إصماتة... كما طرقت بنفاس بكر 2 وقال الراجز في العقرب 3: أعوذ بالله من آل العقراب... المصغيات الشايلات الأذناب وقد ادهى قوم أن قولهم استكان 4 إنما هو من استكن أي افتعل
من السكون ثم زيدت عليه الألف وهذا نقض للقياس لا يجوز أن يهذب إليه ذاهب عرف أصول العربية لأنهم لم تجر عادتهم بمثل ذلك ولو فعلوه في موضع لم يجعلوه أصلًا يقاس عليه وقد قالوا يستكين ومستكين قال ابن أحمر 1:
ولا تصلي بمطروق إذا ما... سرى في القوم أصبح مستكينًا
وإنما استكان استفعل ومستكين مستفعل وهو مأخوذ من قولهم كان كذا وكذا أي المسكين 2 كأنه شيء قد كان أي ذهب ومضى ويجوز أن يكون مأخوذًا من الكين وهو لحمة الفرج يراد أنه قد ذل وضعف كأنه قد صار من ذلك فاذا كان من الكون فألفه منقلبة من الواو = [حال] إلى حال الا أن استحال عام في كل حال واستكان خاص بالتغيير عن كون مخصوص وهو خلاف الذل وقيل انها من الكين وهو لحم الفرج لأنه في أسفل موضع وأذله أي صار مثله في الحقارة والذل قال ابو علي الفارسي في قوله تعالى فما ضعفوا وما استكانوا لا أقول انه افتعلوا من السكون وزيدت الألف كما في منتزاج لكنه عندس استفعلوا مثل استقاموا والعين حرف علة ولذا ثبت في اسم الفاعل نحو مستكين وفي نحو يستكين على انه يجوز ان يكون من الزيادات اللازمة كما قالوا مكان وهو مفعل من الكون ثم قالوا أمكنة واماكن وتمكن واستمكن على توهم اصالة الميم للزومه وثباته في جميع تصرفاته وجعل ابن الحاجب استكان من الفعل المحمول على الفعل الثلاثي لانه استفعل من كان لا افتعل من السكون لبعد ان تكون المدة زائدة كما في منتزاح ولقولهم في مصدره استكانة لان افتعل لا يجيء منه افتعالة.
وكلامه يدل على ان الأكثر على انه افتعل من السكون.
وإذا كان من الكين فهو من ذوات الياء واستكان على القول الذي حكي 1 وزنه افتعال ويستكين وزنه يفتعيل ومستكين وزنه مفتعيل وهذه أبنية مستنكرة وإنما يستعمل مثلها في الضرورة فأما في عمود اللفظ فلا يجوز أن تقع وقد روي أن الحسن قرأ واعتدت لهن متكآءً 2 بالمد فهذا مفتعال وهو يضاهي في الألف باب افئيدة في الياء ومن مفتعال المستعمل في الضرورة قول الشاعر أنشده الفارسي وعن شتم الرجال بمنتزاح 3 يريد يمنتزح وما أعتقد أن شاعرًا قويًا في الفصاحة يريد مثل هذه الزيادات وإنما هي شواذ ونوادر وقد يجوز ان ينطبق بها غير فصيح لأن
البيت إذا قاله القائل حمله الراشد والغوي وربما أنشده من العرب غير الفصيح فغيره بطبعه الرديء ومن زيادة الألف على رأي أبي علي قول الراجز: إذا العجوز غضبت فطلق... ولا ترضاها ولا تملق 1. فهو يرى أن هذه الألف زيدت بعد الجزم وليست الألف التي في قولك هو يترضاها والمذهب القديم ان الألف هي الأصلية لأن ردهم الأشياء إلى أصولها عند الضرورات أشبه من اجتذاب ما يستحدث من الزيادات وعلى هذا يجري القول في بيت عبد يغوث ابن وقاص 2:
وتضحك مني شيخة عبشمية... كأن لم تري قبلي أسيرًا يمانيًا
فمن روي تري على المواجهة فلا ضرورة في البيت ومن روى ترى على الغائب المؤنث فهو مردود إلى الأصل على القول المتقدم والألف فيه هي الياء التي كانت في رأيت وهي من نفس الحرف وهي على رأي الفارسي مجتلبة لأجل فتحة الراء والقول الأول أقيس لأنهم قد ردوا الأشياء إلى أحكامها في أصول الأبنية كما قالوا رادد 1 في رادٍ وقاضي في قاضٍ فاذا فعلوا ذلك جاز أن تلحق الألف بالهمزة كما قال الشاعر:
وكنت أرجي بعد نعمان جابرًا... فلوًأ بالعينين والأنف جابر 2
وإنما هو لوى بغير همزٍ فكأنه قال لوى فلم يستقم ذلك فعدل إلى الهمزة لمجانستها الألف.
وأما زيادتهم الواو لأجل الضمة فكقولهم القرنفول قال الراجز:
خود أناة كالمهاة عطبول... كأنما نكهتها القرنفول 3 = على هذا الوجه وإنما فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب الثاني ترى بالألف على الأخبار على المؤنثة الغائبة فقيل أصله ترأى فلما دخل الجازم حذفت الألف فصار لم ترأ فخففت الهمزة وجعلت ألفاً ونقلت حركتها إلى الساكن قبلها وهي الراء فالألف على هذا التقدير بدل من الهمزة التي هي عين الكلمة واللام محذوفة للجزم وقيل غير ذلك وإيضاح هذا البحث في شرح المفصل ج 10 ص 107.
ويقال إن طيئًا تقول أنظور في معنى 1 انتظر وقد أنشد الفراء: لو أن عمرًاهم أن يرقودا يريد يرقد ويجب أن يكون من هذه اللغة قول الوليد بن يزيد 2: إني سمعت بليل... نحو الرصافة رنه خرجت اسحب ذيلي... أنظور ماشأ نهنه وقد ينشد أنظر بغير واو وذلك كسر في البيت 3. وأما قول من يحتج لأفئيدة أنها من الوفود غلا فائدة فيه لأنها لا تخرج بذلك الى وجه محتمل وانما جعلها رديئة كونها في وزن مستنكر فمن أي شيء اخذت على ذلك فهي مستكرهة وليس معنى القراءة اذا كانت بالياء إلا كمعناها بغير ياء واذا جعلوا أفئيدة من الوفود لزمهم في ذلك أشياء أولها لأنهم همزوا واو وفود لضمتها همزًا لازمًا ثم جمعوها على أفعلة لأن فعولًا وفعالًا قد يجمعان على افعلة أما فعول فيشبه بفعول مثل عمود واما فعال فيشبه بحمار وبابه وقد قالوا استرة في جمع = العنق والنكهة ريح الفم والقرنفل والقرنفول نبات هندي طيب الرائحة وقيل انما اشبع الفاء للضرورة ورواه في اللسان كأن في انيابها القرنفول.
ستر كأنه جمع ستور أو ستار 1 وقالوا افرخة في جمع فرخ كانه جمع فروخ أو فراخ فهو جمع الجمع قال الشاعر:
أفواه أفرخة من النغران 2
فكانهم قالوا أفود أو وفاد على مثل كعب وكعاب ثم همزوا الواو في وفاد للكسرة ثم جمعوا ثانية فكان القياس أن يقولوا آفدة كما قالوا إناء وآنية وإهاب وآهبة 3 ثم كرهوا ان يجيئوا بأفعلة التي للجمع في لفظ فاعلة فأخروا الهمزة كما قالوا رآء ورأى فقالوا أفئدة ثم زادوا الياء بعد ذلك لمكان الكسرة كما زادوها فيما تقدم ذكره وإذا = وتد مفروق.
وفي ديوانه المطبوع في دمشق سنة 1355 أقول ما شانهنه ولا شاهد فيه على هذه الرواية.
جعلوا أفئيدة في معنى افئدة جمع فؤاد فقد استغنوا عن هذا الاحتيال في الهمزة وتغييره وتكون العلة واحدة في زيادة الياء للكسرة وقد روى عطاء بن أبي رباح 1 عن عبد الله بن عباس 2 في قوله تعالى أفئدة من الناس تهوي اليهم ما يدل على أنه جمع فؤاد لأنه فسر تهوي 3 تحن وهذا هو قياس التفسير ويجوز أن يكون قوله افئدة يراد به اصحاب الافئدة ثم حذف كما يحذف المضاف ومثله في القرآن كثير كقوله واسأل القرية 4
ونحوه وكقول الشاعر 1:
حسبت بغام راحلتي عناقًا... وما هو ويب غيرك بالعناق
اراد بغام عناق ولو كانت افئيدة كملة موحدة لجاز ان يكون اشتقاقها من الأفد وهو السرعة اذ كانوا قد قالوا هو افد أي عجل وقد افد البين أي حان قال ابن أبي ربيعة 2: = على وجه الاعجاز وقال بعض العلماء الاولى ابقاء القرية على ظاهرها وعدم اضمار مضاف إليها ويكون الكلام مبنياً على دعوى ظهور الأمر بحيث أن الجماد قد علم به.
وهذا معنى لطيف ولكنه لا يخلو عن ارتكاب مجاز والجمهور على خلافه واكثرهم على انه من مجاز الحذف.
ونقل داود الظاهري ان اسم القرية مشترك بين المكان وأهله ولا حاجة على هذا القول إلى تكلف شيء والراجح عن العلماء ان التجوز والاضمار أولى من الاشتراك فحمل الآية على احدهما أولى من حملها عليه.
فالأولى حملها على مذهب الجمهور وهو ما ذكره ابو العلاء.
يا أم طلحة ان البين قد أفدا فكان يكون معناه جماعة عجلة وهو على انه جمع لا يمتنع من مثل هذه الدعوى وكونه من افد أقيس من كونه من الوفود لأنه اذا كان من افد نقص رتبة في التغيير لأن الهمزة فيه غير منقلبة (1).