نيل المارب بشرح دليل الطالبصفحات 158-197
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 158-197
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي تغلب
الكتاب
نَيْلُ المَآرِب بشَرح دَلِيلُ الطَّالِب
المؤلف
عبد القادر بن عمر بن عبد القادر ابن عمر بن أبي تغلب بن سالم التغلبي الشَّيْبَاني (المتوفى: 1135هـ)
المحقق
الدكتور محمد سُليمان عبد الله الأشقر - رحمه الله -
الناشر
مكتبة الفلاح، الكويت
الطبعة
الأولى، 1403 هـ - 1983 م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(وأفضلها) أي أفضل صلاة التطوع (ما سُنَّ) أن يُصلَّى (جماعةً) لأنه أشْبَهُ بالفرائض.
(وآكدها الكسوفُ) أي آكدُ ما تسن له الجماعةُ من الصلوات المسنونة صلاةُ الكسوف؛ (فالاستسقاء) يعني أن صلاة الاستسقاء تلي صلاة الكسوفِ في الأكدية، (فالتراويحُ) ذكره في "المذهب" وغيرِه، لأنها تسنّ لها الجماعة؛ (فالوتر) يعني أنه يلي التراويح في الآكدية.

[الوتر]

(وأقله) أي الوتر (ركعة.) ولا يُكْرَه الوتر بها، ولو بلا عذرٍ من مرضٍ أو سفر ونحوهما.
(وأكثره) أي أكثر الوتر (إحدى عشرة) ركعةً، يسلم من كل اثنتين، ويوتر بركعة.
وسن فعلُها عَقِبَ الشفع بلا تأخيرٍ، نصًّا.
وإن صلاَّها كلَّها بسلامٍ واحد، بأن سَرَد عشراً، وتشهّد، ثم قام فأتى بالركعة، جاز؛ أو سرد الأحَدَ عَشَرَ، ولم يجلس إلاَّ في الأخيرة، جاز، لكنِ الأُولى أوْلى.
وكذا إن أوتر بثلاثٍ، أو خمسٍ، أو سبعٍ، أو تسعٍ.
وإن أوتر بتسع سَرَدَ ثمانياً وجلس وتشهد ولم يسلِّمْ، ثم يصلي التاسعة ويتشهَّدُ ويسلم.
وإن أوتر بسبعٍ أو خمسٍ سَرَدَهُنَّ ولم يجلس إلا في آخرهن، وهو أفضل فيما إذا أوتر بسبعٍ أو خمسٍ.
(وأدنى الكمال ثلاثُ) ركعاتٍ (بسلامين.) وهو أفضل.
(ويجوز) أن يصلي الثلاث (بـ) سلامٍ (واحدٍ) لأنه ورد (سَرْداً) من

غير جلوسٍ عقب الثانية، لتُخَالِفَ المغرب.
(ووقته) أي الوتر (ما بين صلاة العشاء) ولو مع جمعِ تقديم (وطلوعِ الفجر.) فمن صلى الوتر قبل العشاء لم تصحّ.
ومن صلاةُ بعد الفجر كان قضاءً.

[قنوت الوتر]

(ويقنت فيه) أي في الوتر في الركعة الأخيرة جميع السَّنَةِ (بعد الركوعِ ندباً، فلو كبَّر ورفع يديه) بعد الفراغ من القراءة (ثم قَنَتَ قبل الركوع جاز) نص عليه.
(ولا بأس أن يدعو في قنوته بما شاء) ما لم يكن من أمر الدنيا، فيرفع يديه إلى صدره يبسطهما، وبطونُهما نحو السماء، ولو مأموماً.
(ومن) بعض (ما وَرَدَ: اللهُمّ اهدنا فيمن هديتَ) أصل الهدى الرشاد والبيان، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والهداية من الله التوفيق والإِرشاد.
وطلبُ الهداية من جهة المؤمنين مع كونهم مهتدين بمعنى طلب التثبيت عليها، أو بمعنى المزيد منها.
(وعافِنَا فيمن عافيت) المراد بها العافية من الأسقام والبلايا.
والعافية أن يعافِيَكَ الله من الناس، ويعافِيَهُمْ منك (وتولَّنا فيمن تولَّيْتَ) الولي ضد العدوّ، مأخوذ من تَلَيْتُ الشيءَ إذا اعتنيتَ به ونظرت فيه، كما ينظر الولي في حال اليتيم.
لأنه سبحانه وتعالى ينظر في أمر موليِّه بالعناية 1. ويجوز أن يكون من وَليتُ الشيءَ إذا لم يكن بينك وبينه واسطة، بمعنى أنّ الوليّ يقطع الوسائط بينه وبين الله تعالى، حتى يصيرَ في مقام المراقَبَةِ والمُشَاهَدَةِ، وهو الإِحسان (وبارِكْ لنا فيما أعطيت) البركةُ

الزيادة.
وقيل: هي حِلول الخير الإِلهيّ في الشيء.
والعطية: الهبة.
والمراد بها هنا ما أنعم الله به (وَقِنَا شَرّ ما قضيتَ.
إنَّك تقضي، ولا يقضى عليك) سبحانه لا رادّ لأمره، ولا معقب لحكمه، فإنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد (إنه لا يذلُّ من واليتَ، ولا يعزّ من عاديتَ.
تباركتَ) تنزهت عن صفات المحدثين (ربَّنا وتعالَيْتَ.) رواه أحمد 1 (اللُّهم إنا نعوذُ برضاك من سَخَطِكَ، وبعفوِكَ من عُقُوبَتِك وبِكَ مِنْكَ) قال الخطّابي: في هذا معنًى لطيف، وذلك أنه سأل اللَهَ تعالى أن يجيره برضاه من سَخَطِهِ، وهما ضدَّان متقابلان.
وكذلك المعافاة والمؤاخذة 2 بالعقوبة، لجأ إلى ما لا ضدّ له وهو الله سبحانه وتعالى: أظهر العجز والانقطاع، وفزع منه إليه، فاستعاذ به منه (لا نحصي ثناءً عليك) أي لا نطيقه، ولا نبلُغُه، ولا تنتهي غايته، لقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ أي تطيقوه (أنْتَ كما أثنيت على نفسك) 3 اعترافٌ بالعجز عن الثناء، وردُّه إلى المحيطِ علمه بكل شيء جملةً وتفصيلاً.
فكما أنه تعالى لا نهاية لسلطانه وعظمته، لا نهاية للثناء عليه، لأن الثناء تابع لِلْمُثْنى عليه.
(ثم يصلّي على النبي - صلى الله عليه وسلم -) نصّ عليه.
(ويؤمّن مأموم) على قنوت إمامه بأن يقول: "آمين" 4 إن سمع قنوت إمامه، وإلّا دَعَا.

وكذلك إذا اقتدى بشافعيٍّ في الصبح يؤمّن.
(ثم يمسح وجْهَهُ بيديه، هنا) أي في القنوت (وخارجَ الصلاة) إذا دَعَا.

[القنوت في غير الوتر]

(وكُرِهَ القنوت في غير الوتر) رويت 1 كراهة ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي الدرداء رضي الله تعالى عنهم، وعنّا بهم.
ومحل الكراهة إلاَّ أن ينزل بالمسلمين نازلة، غير الطاعون، فيسن لِإمام الوقت خاصَّةً القنوت في غير الجُمُعة.

[السنن الراتبة]

(وأفضل الرواتبِ) المؤكدهَ (سنة الفجر، ثم سنة المغرب، ثم) سنة الظهر والعشاء (سواءٌ) في الفضيلة.
(والرواتب المؤكدة عشر) ركعات: (ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر) فيخيَّر في السفر في فعل غيرِ سُنَّة فجرٍ ووتر لتأكدهما 2. (ويسن قضاء الرواتب والوتر، إلاَّ ما فات) من الرواتب (مع فرضِهِ وكثر، فالأوْلى تركه) أي تركُ قضائها، لحصول المشقة به، إلا سُنَّةَ الفجر فيقضيها لتأكّدها.
(وفعله الكلّ) أي السنن كلها (ببيتٍ أفضلُ) من فعلها بالمسجد.
(ويسن الفصل بين الفرض وسنّتِهِ) سواء كانت قبله أو بعده (بقيامٍ) أي انتقال (أو كلامٍ).

[التراويح]

(والتراويح) سنة مؤكدة، وهي (عشرون ركعةً) عند أكثر أهل العلم.
وقال مالك: الاختيار ستٌّ وثلاثون ركعة.
(برمضانَ) جماعةً، نصًّا.
والأصل في مسنونيتها الإِجماع، يسلِّم من كل اثنتين بنيَّةٍ أوَّلَ كل ركعتين أنّهما من التراويح.
(ووقتها) أي التراويح (ما بين) فرضِ (العشاءِ و) سنة (الوتر) وعلم مما تقدم أنها لا تصح قبل صلاة العشاء، فمن صلى التراويح، ثم ذكر أنه صلى العشاء محدثاً، فإنه يعيد التراويح، لأنها سنة تفعل بعد مكتوبة، فلم تصح قبلها، كسنة العشاء والسنة التي بعد الظهر.

فصل

[قيام الليل]

(وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار) قال أحمد: ليس بعدَ المكتوبة عندي أفضلُ من قيام الليل.
انتهى.
(والنصفُ الأخيرُ) منه (أفضلُ من) النصفِ (الأوَّلِ).
وبعد النوم أفضل، لأن الناشِئة لا تكون إلاَّ بعد رَقْدةٍ، ومن لم يرقدْ فلا ناشئةَ له.
قاله أحمد.
وقال: "هِيَ أَشدُّ وَطْأً أي تَثْبِيتاً: تَفْهمُ ما تَقْرأ وَتَعِي أُذُنُك" (والتهجُّد ما كان بعد النوم).
قال البهوتي: وظاهره ولو يسيراً.
(ويُسَنُّ قيامُ الليلِ) فإذا استيقظَ من نومِهِ ذَكَرَ الله تعالى، وقال ما ورد بعد الاستيقاظ، ومنه "لا إلهَ إلا الله وحدَهُ لا شَرِيكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ، وهو على كل شيءٍ قديرٌ.
الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلا بالله العلي العظيم.
ثم إن شاء

قال: "اللهمَّ اغفرْ لي" أو دَعَا استجيب له، فإن توضأ أو صلَّى قبلت صلاته" 1. (و) يسن (افتتاحه) أي قيام الليل (بركعتين خفيفتين) لما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا قام أحدكم من الليل فليفْتتح صلاته بركعتين خفيفتين" رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
(و) يسن (نِيَّتُه) أي نية قيام الليلِ (عند النومِ) ليفوز بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من نام ونيَّتُهُ أن يقوم، كُتِب له ما نواه وكان نومه صدقة عليه" 2. (ويصح التطوع بركعةٍ) ونحوها كثلاثٍ وخمسٍ.
(وأَجْرُ) المصلي (القاعد) أي المصلي قاعداً (غيرِ المعذورِ نصفُ أَجْرِ القائِمِ) قال في الإِنصاف: فأما إن كان معذوراً، لمَرَضٍ ونحوه، فإنها كصلاة القائم في الأجر.
قال في الفروع: ويتوجه فيه فرضاً ونفلاً.
انتهى.
وسن تربُّعه بمحل قيامٍ، وثَنْيُ رجليهِ بركوعٍ وسجودٍ.
قال في الإِنصاف: فائدة: يجوز له القيام إذا ابتدأ الصلاة جالساً، وعكسه في النفل لا غير.
(وكثرة الركوعِ والسجودِ أفضلُ من طول القيام) لأن السجودَ في نفسِهِ أفضلُ وآكَدُ، بدليل أنه يجب في الفرض والنفل، ولا يباح بحالٍ إلا لله تعالى.
والقيامُ يَسْقُطُ في النفل، ويباح في غير الصلاة، للوالدين، والعالِم، وسيد القوم.
والاستكثار مما هو آكَدُ وأفضل أولى.

[صلاة الضحى]

(وتسن صلاة الضحى غِبًّا) لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يداوم عليها.
(وأقلُّها ركعتان.
وأكثرها ثمانٍ) أي ثمان ركعاتٍ.
(ووقتُها) أي وقت صلاة الضحى (من خروجِ وقت النَّهيِ) وهو إذا عَلَتِ الشمسُ، ويستمرُّ (إلى قبيلِ الزوال) يعني إلى دخول وقت النهي، بقيامِ الشمس.
كذا في شرح المنتهى.
(وأفضله) أي أفضل وقتٍ تصلَّى فيه صلاة الضحى (إذا اشتدَّ الحَرُّ).

[تحية المسجد]

(وتسن تحية المسجد) ركعتان فأكثر، لمن دَخَلَهُ قَصْدَ الجلوسِ به، أوْ لا، غيرَ خطيبِ دخلَ للخُطْبَةِ، وَقَيِّمِهِ، وداخلِهِ لصلاةِ عيد، وداخِلِهِ والإِمامُ في مكتوَبةٍ، أو بعد الشروعِ في الإِقامةِ، وداخلِ المسجدِ الحرام، لأن تحيَّتَهُ الطوافُ.
وَتجزئُ راتبةٌ، وفريضةٌ، ولو فائتتين، عنها.
وإن نوى التحيةَ والفرضَ فظاهر كلامِهِمْ حصولُهما له.
قَطَع به في المنتهى وغيره.
فإن جَلَس قبل فعلها قام فأتى بها إن لم يَطُلِ الفَصْلُ.
ولا تَحْصُلُ بأقلّ من ركعتينِ، ولا بصلاة جنازةٍ، وسجود تلاوةٍ، وشكر.

[سنة الوضوء وتطوعات أخرى]

(و) تُسن (سنةُ الوضوء) أي ركعتانِ عَقِبَهُ.
(و) يسن (إحياء ما بين العشاءَيْنِ.
وهو من قيام الليلِ) لأن الليلَ

من المَغْرِبِ إلى طلوعِ الفجر الثاني.
ويستحبُّ أن يكون له تطوّعاتٌ يداوِمُ عليهَا وإن فاتَتْ يقضيها.

فصل

[في سجود التلاوة]

(ويسن) بتأكُّدٍ (سجود التلاوةِ مَعَ قِصَرِ الفصل) بين السجودِ وسَبَبِهِ، فإن طال الفصل لم يسجدْ، لفوات محله، ويكرره بتكرارِها، كتكرار ركعتي الطواف بتكراره (للقارئ) متعلق بيسن، (والمستمِعِ) وهو الذي يَقْصِدُ السماعَ.
ولا يسنُّ للسامِعِ وهو الذي لا يقصِدُ الاستماع.
(وهو كالنافلةِ فيما يعتبر لها) من عدم وجوب ستر أحد العاتقين والقيام (يكبِّر) تكبيرتين: تكبيرةً (إذا سجد، بلا تكبيرةِ إحرامٍ) ولو خارج الصلاة، (و) تكبيرةً (إذا رفع) من السجود، لأنه سجودٌ مفرد، فشُرِعَ التكبير في ابتدائه وفي الرفع منه، كسجود السهو.
(و) إن كان خارجَ الصلاةِ فإنه (يجلسُ) إذا رفع رأسه.
وإنما يُشْرَعُ جلوسُه إذا كان خارج الصلاةِ، لأن السلام يَعْقُبُه، فشرع، ليكون سلامُه في حال جلوسه، (ويسلِّم) تسليمةً واحدةً عن يمينه.
فتبطلُ بتركِها عمداً وسهواً.
وسجودُه لها والتسليمُ رُكنان.
(لا تشهدٍ) لأنها صلاةٌ لا ركوع فيها، فلم يُشْرَعْ فيها التشهد، كصلاة الجنازةِ، بلْ ولا يُسَنُّ.
نصّ عليه الإِمام أحمد.
ويقول في سجوده: "سبحانَ ربِّي الأعلى" وجوباً.
قاله في المبدع.
(وإن سجدَ المأمومُ لقراءةِ نفسه، أو) سجد (لقراءةِ غيرِ إمامِهِ عمداً بطلت صلاته) لأنه زاد فيها سجوداً.

(ويلزمُ المأمومَ متابعة إمامِه في صلاةِ الجهرِ إذا سجدَ) للتلاوة.
(فلو تَرَكَ) المأمومُ (متابعتَه) أي إمامه في الصلاة الجهرية (عمداً بطلت) صلاتُه لتعمُّدهِ ترك الواجب، ولو كان هناك مانعٌ من السماعِ، كبعدٍ وطَرَشٍ، لأنه لا يمنَعُ وجوبَ المتابَعَةِ.
ويكرَهُ لِإمامٍ قراءةُ سجدةٍ في صلاة سرٍّ، وسجودُه لها.
فإنْ فَعَلَ خُير المأمومُ بين المتابعة وتركها، والأوْلى السجودُ، متابعةً لإمامه.
(ويعتبر) لاستحباب السجودِ في حقّ المستمع (كونُ القارئِ يصلحُ إماماً للمستمع) ولو في نفلٍ فقط.
(فلا يسجد) المستمعُ (إن لم يسجدِ القارئُ).
(ولا) يسجدُ المستمع (قُدَّامَهُ) أي قدامَ القارئ.
ولا يسجد المستمع (عن يسارِهِ) أي عن يسارِ القارئ (مع خُلُوِّ يمينه) ما لم يكن عن يمينِهِ مَنْ يسجدُ لقراءَتِهِ لعدمِ صحةِ الائتمام حينئذ.
(ولا يسجد رجلٌ) مستمعٌ (لتلاوة امرأةٍ و) تلاوة (خنثى، ويسجد) مستمعٌ من (رجلٍ وخنثى وأنثى لتلاوة) رجلٍ (أمّيٍّ و) لتلاوة (زَمِنٍ) لأن قراءة الفاتحةِ، والقيام، ليس واحدٌ منهما بركنٍ في السجود، (و) لتلاوةِ (مميِّزٍ) لصحةِ إمامتِهِ في النفل.
وسجودُ سجدةِ التلاوةِ من النوافلِ.
والسجدات أربع عشرة: في الحج اثنتنان.
وسجدة "ص" سجدة شكر.

[سجود الشكر]

(ويسن سجودُ الشُّكرِ) لله تعالى (عند تجدُّدِ النِّعَمِ) مطلقاً

(واندفاعِ النَّقَمِ) مطلقاً، أي سواءٌ كانت النعمُ أو اندفاع النقم لَه أو (1) للناس.
(وإن سجد له) أي للشكرِ (عالماً ذاكراً) لا جاهلاً وناسياً (في صلاةٍ، بطلتْ) لأن سببَ الشُّكرِ ليس له تعلُّقٌ بالصلاةِ، بخلاف سجودِ التلاوة.
(وصفتُهُ وأحكامُهُ كسجودِ التلاوةِ.) (2) ومَنْ رأَى مبتلًى في دينِه، سَجَدَ بحضورِهِ، أو مبتلًى في بدنه سجدَ بغير حضوره.

فصل

(في أوقات النهي)

(وهي) ثلاثة:

الوقت الأوّل:

(من طلوعِ الفجر) الثاني (إلى ارتفاع الشمس قَيْدَ رُمْحٍ) أي قدر رمح في رأي العين.

(و) الوقت الثاني

: (من صلاة العصر) يعني أن النَّهيَ متعلق بنفس صلاة العصر، ولو مجموعةً وقْتَ الظهرِ (إلى غروبِ الشمس) أي حتى يتم غروبها.
وتُفْعَلُ سنةُ الظهر بعدها ولو في جمعِ تأخيرٍ.

(و) الوقت الثالث

: (عند قيامها) أي قيام الشمس ولو يومَ جمعة (حتى تزولَ) أي حتى تميل.12

(فتحرم صلاة التطوُّع في هذه الأوقات.
ولا تنعقد) صلاة التطوّع إن ابتدأها المصلي فيها، أو كان شَرَعَ فيها فدخل وقت النهي وهو فيها، فَيَحْرُم عليه الاستدامة.
كذا في الإِقناع وشرحه.
(ولو) كان المصلِّي (جاهلاً للوقتِ أو التحريم) حتى ما لَهُ سببٌ كسجودِ تلاوةٍ، وصلاة كسوفٍ، وقضاءِ سُنَّةٍ راتبةٍ، وتحيةِ مسجدٍ، سوى تحيةِ مسجدٍ حالَ خطبةِ جمعةٍ، سواء كان ذلك شتاءً أو صيفاً، وسواءٌ عَلِمَ أن ذلك الوقتَ وقتُ نهيٍ، أو جهله، فإن التحية تجوز وتنعقد 1. (سوى سنّةِ الفجر قبلها) أي قبل صلاة الفجر، قال في حاشية المنتهى: لا بعدَها، لأنّها تكون قضاءً، (و) سوى (ركعتي الطواف،) فرضاً كان الطواف أو نفلاً، في كلِّ وقت منها، (و) سوى (سنةِ الظهر بعد العَصْرِ إذا جَمَعَ) تقديماً كان أو تأخيراً، (و) سوى (إعادةِ جماعةٍ) إذا (أقيمت وهو بالمسجد،) ولو معَ غيرِ إمامِ الحيّ، وسواءٌ كان صلَّى جماعةً أو وحدَهُ، في كل وقت من الأوقات.
وعلم منه أن من دخل المسجدَ وقت نهي فوجد الإِمام يصلي فلا يُعِيدُ معه.
(ويجوز فيها) كلِّها (قضاءُ الفرائضِ).
(و) يجوز فيها كلِّها (فعلُ) الصلاة (المنذورةِ) مطلقاً، بأن لم يقيِّد بوقتٍ، في أيّ وقتٍ من أوقات النهي، (ولو نذرها فيها) أي مقيَّداً بوقتٍ من أوقاتِ النَّهْيَ، بأن يقول: لله تعالى عليَّ أن أصليَ ركعتينِ عِنْدَ طلوع الشمس، مثلَاَ.
تنبيه: لو نذر الصلاةَ في مكانِ غصبِ، ففي مفردات أبي يعلَى: ينعقد، فقيل له: يصلي في غيرها؟ فقالَ: فلم يف بنذره.
قال في

الفروع: ويتوجه جوابه 1 كصوم يوم العيد.
(والاعتبار في التحريم بعد العصر بفراغ صلاةِ نفسه، لا بشروعِهِ فيها، فلم أحرم بها ثم قَلَبَها نفلاً) أو قطعَها (لم يُمنَعْ من التطوّع) حتى يصليها.

[آداب قراءة القرآن]

(وتباحُ قراءة القرآن) قائماً، وقاعداً، وراكباً، وماشياً، و (في الطريق) نَقَلَهُ ابن منصور وغيرُه، (ومع حدثٍ أصغرَ، ونجاسةِ ثوبٍ وبدنٍ وفمٍ) قال في الفروع: ولا تَمْنَعُ نجاسةُ الفمِ القراءةَ.
ذكره القَاضي.
وقال ابن تميم: الأوْلى المنع.
(وحفظ القرآنِ) العظيم (فرضُ كفايةٍ) إجماعاً.
(ويتعيّنُ حفظُ ما يجب في الصلاةِ) فقط.
ثم الواجب عليه بعد ذلك ما يحتاج إليه من العلمِ من أمورِ دينِه، ثمّ إن علم ذلكَ فهل الأفضلُ في حقه حفظُ بقية القرآن، أو الاشتغال بنوافل العلم النافع؟ فيه احتمالان.
وتسن القراءةُ في المُصْحَف، والخَتْمُ في كلَّ أسبوع، ولا بأس به كلَّ ثلاثٍ، وكُرِهَ فوقَ أربعين.

باب صَلَاة الجَمَاعَة

(تجب) للخمسِ المؤداة، على الأعيان (على الرِّجالِ الأحرارِ القادرين) عليها، فلا تجب على غيرِ مكلفٍ، كصغيرٍ، لأنه لم يجب عليه ما تجب له الجماعة، وهي الصلاة.
ولا على من فيه رِقّ، لملك سيده نفعَه، أو بعضَ نفعِهِ، رفقاً بسيده.
ولا على امرأةٍ، ولا على خنثى، ولا على ذي عذر من الأعذار المذكورةِ في بابها (حضراً وسفراً) حتى في شدَّةِ خوفٍ، لا شرطٌ، خلافاً لابن عقيل.
فتصحّ من منفردٍ لا عذرَ له 1. (وأقلها إمام ومأمومٌ) في غير جمعةٍ وعيدٍ (ولو) كان المأموم (أنثى) والإِمام رجلٌ أو أنثى أو عبدٌ.
(ولا تنعقدُ بالمميِّز في الفرض.
وتُسَنُّ الجماعة بالمسجد) لأن المسجد يشتمل على الشَّرَفِ، والطهارة 2 وإظهار الشعار، وكثرة الجماعة، وغير ذلك.
ولو دار الأمر بين فعل الصلاة في المسجد فذًّا، وبين فعلها في بيتِهِ جماعةً، تعين فعلُها في بيته، تحصيلاً للواجب.

ولو دارَ الأمر بين فعلها في المسجد في جماعةٍ يسيرةٍ وفعلِها في بيتِهِ في جماعةٍ كثيرة، كان فعلُها في المسجد أَوْلى.
قال بعض أصحابنا: وإقامتُها في الرُّبُطِ والمدارِس ونحوِها قريب من إقامتها بالمساجد.
(و) تسن الجماعة (للنساءِ منفرداتٍ عن الرّجال) لأنهن من أهل الفرض، أشبَهْنَ الرجال.
ويكره لحسناءَ حضورُها مع الرجال.
ويباحُ لغيرِ الحسناءِ حضورُ الجماعةِ مع الرجال.
(وحَرُمَ أن يؤمّ بمسجدٍ له إمام راتبٌ) لأن الراتبَ للمسجِدِ بمنزلة صاحبِ البيتِ.
وهو، أي صاحب البيت، أحقُّ بالإِمامة ممن سواه، (فلا تصحُّ إلاَّ مع إذنه) أي إذن الإِمام الراتب (إن كَرِهَ ذلك) أي إمامةَ غيرِهِ (ما لم يَضِقِ الوقتُ) لأنّ تحصيل الصلاة إذاً فرضٌ متعين، وانتظار الإِمام مستَحَبٌّ، فمراعاة تحصيلِ الواجِبِ أَوْلى، وَيُرَاسَل إذا تأخَّر عن وقته المعتاد مع قُرْبِ مَحَلِّه، وعدم مشقةٍ.
وإن بَعُدَ محلُّه، أو لم يُظَنَ حضورُه، أو ظُنَّ ولا يَكْرَهُ ذلك، صَلَّوْا.
(ومن كبَّر قبل تسليمةِ الإِمام الأُولى أدرك الجماعة) ولو لم يجلس، لأنه أدرك جزءاً، من صلاة الإِمام، أشبه ما لو أدرك ركعة.
(ومن أدرك الركوعَ) مع الإِمام قبل رفع رأسِهِ من الركوع، بحيث يَصِلُ المأموم إلى الركوعِ المجزئ، قبل أن يرول الإِمام عن قدر الإِجزاء منه (غَيْرَ شاكٍّ) في إدراك الإِمام راكعاً (أدرك الركعة) ولو لم يدركْ معه الطمأنينة، (واطمأنَّ) المسبوقُ (ثم تابَعَ) إمامَه.
وعُلِمَ منه أنه لو شك هل أدركه راكعاً أوْلا، لم يَعْتَدَّ بها، ويسجد للسهو.
(ويسن دخولُ المأمومِ مع إمامِهِ كيف أدرَكَهُ) وإن لي يَعْتَدّ بما أدركه فيه.

وينحط المأموم، إذ أدرك الإِمامَ جالساً، بلا تكبير 1، لأنه لا يُعْتَدُّ له به، وقد فات محل التكبير.
ويقوم مسبوقٌ به وجوباً.
(وإن قام المسبوقُ) لقضاءِ ما فاتَهُ (قبل تسليمةِ إمامهِ) التسليمةَ (الثانيةَ ولم يرجع) المسبوقُ ثم يقومَ بعد تسليمةِ الإِمام الثانية (انقلبتْ) صلاتُه (نفلاً).
(وإذا أقيمت الصلاة التي يريد أن يصلي مع إمامها لم تنعقد نافلته).
(وإن أقيمت وهو فيها) أي النافلة (أتمها خفيفة).
ومن صلى ثم أقيمت الجماعة سُنَّ أن يعيد، والأوْلى فَرْضُه).
وفي الإِقناع وغيره: إلا في المغرب [كذا] في شرح المنتهى 2 (ويتحمل الإِمام عن المأموم) ثمانية أشياء: الأول: (القراءة) للفاتحة.
(و) الثاني: (سجودُ السهو) إذا كان دَخل معه في الركعة الأولى.
(و) الثالث: (سجود التلاوة) إذا أتى بها المأموم في الصلاة خلفه.
(و) الرابع: (السُّتْرَةُ) قُدَّامَه، لأن سترةَ الإِمام سترةٌ لمن خَلْفَهُ.
(و) الخامس: (دعاءُ القنوت) فإن المأمومَ لا يُسَنَّ له عند قنوتِ إمامِهِ غيرُ التأمين.
(و) السادس: (التشهد الأوَّلُ إذا سُبِقَ) المأموم (بركعة في) صلاةٍ (رُبَاعِيَّة) فقط.
والسابع: سجود التلاوةِ في الصلاة السرّيّة إذا قرأ الإِمام سرًّا.

ويسجد، لأن المأموم يُخَير بين السجود وعدمه.
والثامن: قول "سمع الله لمن حمده" وقول "ملء السماء ... إلى آخره".
(وسن للمأموم أن يستفتح) بأن يقول: "سبحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ ... إلخ" (و) أن (يتعوَّذ) بأن يقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" (في) الصلاة (الجهريّة).
(و) يسن للمأموم أيضاً أن (يقرأ الفاتحة وسورةً) أيضاً (حيث شرعت) السورة (في سَكَتَاتِ إمامه) أي سكتات الإِمام في الصلاة الجهريّة، ولو كان سكوتُهُ لتنفُّسٍ.
ولا يضرُّ تفريق الفاتحة.

[سكتات الإِمام]

(وهي) أي السَّكَتَاتُ الثلاث: الأولى: (قبل) قراءة (الفاتحة.) قال في الإِقناع: ومواضعُ سكتاتِهِ ثلاثة: بعد تكبيرة الإِحرام.
قال في الإِنصاف والمبدع: إحداها مختصٌّ بأوَّل ركعةٍ، للاستفتاح، انتهى.
(و) الثانية: (بعدها) أي بعد الفاتحة.
وسن أن تكون سَكْتَتُهُ هنا بقدر الفاتحة، ليقرأها المأموم فيها.
(و) الثالثة: (بعد فراغ القراءةِ) ليتمكَّن المأمومُ من قراءة سورةٍ فيها.

[قراءة المأموم خلف الإِمام]

(ويقرأ) المأمومُ استحباباً الفاتحةَ وسورةً (فيما لا يجهر فيه الإِمام متى شاء) أو كان، لا يسمعه، لبُعْدٍ، أو طَرَشٍ، إن لم يشغل من بِجَنْبِهِ، فإن سمع همهمَةَ الإِمام ولم يفهم قراءته لم يقرأ.
نصَّ عليه.

فصل

[في متابعة الإِمام للمأموم]

(ومن أحرم مع إمامه، أو قبل إتمامه) أي الإِمام (لتكبيرة الإِحرام لم تنعقد صلاته.) قال في الإِنصاف: أما تكبيرةُ الإِحرامِ فإنه يشترط أن يأتي بها بعد إمامه.
(والأوْلى للمأمومِ أن يَشْرَعَ في أفعالِ الصلاةِ بعد إمامه.) قال في شرح المغني، والمقنع، وابن رزين، وابن الجوزي في "المذهب"، وغيره: يستحب أن يشرَعَ المأمومُ في أفعالِ الصلاةِ بعد فراغ الإِمام مما كان فيه.
(فإن وافَقَهُ فيها) أي في أفعال الصلاة، (أو) وافقه (في السلام، كُرِهَ) وصحتْ، لأنه اجتمع معه في الركن.
(وإن سبقه) بشيءٍ من أفعال الصلاة (حَرُمَ.
فمن ركع أو سجد أو رفع) من ركوعٍ أو سجودٍ (قبل إمامه عمداً لزمه أن يرجع) إلى المحلِّ الذي كان مع الإِمام فيه قبل أن يفعل ما فعله من ركوعٍ أو سجودٍ أو غيرِهِما قبل الإِمام (ليأتي به) أي بما فعله قبل الإِمام (مع إمامهِ) ليكون مؤتمًّا بإمامه.
(فإن أبى) الرجوعَ (عالماً) بوجوبه، (عمدًا) أي غير ساهٍ وناسٍ، واستمر على الإِباء حتى أدركه الإِمام فيما سبقه من ركوعٍ أو سجودٍ أو نحوِهما (بطلت صلاته.
لا) تبطل (صلاة ناسٍ) أي غيرِ متعمِّدٍ، (و) لا صلاة (جاهِلٍ) أي: وجوبَ الرجوع 1.

[تخفيف القراءة]

(ويسن للِإمام التخفيفُ) أي تخفيف الصلاة (مع الإِتمام.) أي إتمام الصلاة.

وتكره لِإمامٍ سرعةٌ تمنَعُ مأموماً فعلَ ما يُسَنَّ له فعله من مسنونات الصلاة.
ومحل استحباب التخفيف (ما لم يؤْثِرِ المأمومُ التطويلَ) لأنه إنما استُحِبَّ التخفيفُ لأن توفُّرَ الجماعةِ بِهِ أقربُ، ولأن التطويل ينفِّرهم، فأما إذا اختاروه لم يُكْرَهُ لزوال علة الكراهة.
(و) يسن للِإمام (انتظارُ داخلٍ) في ركوعٍ وغيره.
ومحل استحبابِ ذلك (إن لم يشقَّ) انتظار الإِمام الداخل (على المأمومِ) لأن حرمَةَ المأمومِ الذي معه في الصلاة أعظَمُ حرمةً من الذي لم يدخلْ معه في الصلاة، فلا يَشُقُّ على من معه لنفع الداخل معه.
(ومن استأذنته امرأته) إلى المضى إلى المسجد، (أو) استأذنَتْهُ (أَمّتُهُ إلى المسجدِ كُرِهَ) له (مَنْعُها).
(وبيتُها خيرٌ لها).
ولأبِ ثم وليٍّ مَحْرَمٍ مَنْعُ موليَّتِهِ من الخروجِ من بيتِها إن خَشِيَ به فتنةً أو ضَرراً، ومن الانفرادِ عنه.

فصل (في الإِمامة)

(الأوْلى بها) أي الإِمامة (الأجودُ قراءةً الأفْقَهُ)، ثم الأجودُ قراءةً الفقيهُ، (ويقدَّم قارئٌ لا يعلم فِقْهَ صلاتِهِ على فقيهٍ أمّيٍّ، ثم) مع استوائِهِما في القراءة والفقهِ الأوْلى بالإِمامة (الأسَنُّ) الأكْبَرُ سنًّا، (ثمَّ) مع استوائِهِما في السنّ الأولى بالإِمامة (الأشرف) من الرجلين وهو القرشي.
(ثم) مع استوائهما فيما تقدَّمَ الَأوْلى بالإِمامَةِ (الأتْقى والأوْرَع) لقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ هو (ثم يُقْرَعُ) وهذا إنما يكونُ مع التشاح

ّ في الإِمامة،

فمن خرجت له القرعةُ كان هو الأحقَّ بالإِمامة.

(وصاحبُ البيتِ) إذا أقيمت الجماعةُ فيهِ وهو حاضرٌ صالحٌ للِإمامةِ، (وإمامُ المسجدِ) الراتبُ (ولو) كان (عبداً، أحقُّ) بالإِمامة ممن حضر، ولو كان في الحاضرين من هو أقرأ أو أفقهُ منه.
(والحرُّ أولى) بالإِمامة (من العبد).
(والحاضرُ) أي المقيمُ أولى من المسافرِ سَفرَ قصرٍ، لأنه ربما قَصَرَ فيفوتُ المأمومينَ بعضُ الصلاةِ في جماعةٍ.
(والبصيرُ) أوْلى من الأعمى، لأن البصير أقْدَرُ على توقِّي النجاسة واستقبال القبلة.
والناشئُ في المدن أو القرى، ويسمى حَضَريًّا أوى من بدويٍّ، وهو الناشئُ بالبادية.
(والمتوضئ أولى من ضدهم).
(وتكره إمامةُ غير الأوْلى) بالإِمامة (بلا إذنه) أي إذن الأولى.
وإمامةُ المفضولِ بدون إذن الفاضل مكروهة 1. (ولا تصح إمامةُ الفاسِقِ) مطلقاً 2 أي سواءٌ كان فسقُهُ من جهة الأفعال، أو من جهة الاعتقاد، ولو مستوراً، ولو بمثلِهِ، وعلى المذهب يستثنى من ذلك ما أشار إليه بقوله (إلا في جمعةٍ وعيدٍ)، ومحل ذلك إن (تعذرَا خَلْفَ غيرِهِ) أي تعذر فعلُهُمَا خلفَ غيرِ الفاسق، بأن تُعْدَمَ جمعةٌ أخرى خلف عدل، لأن الجمعةَ والعيدَ من شعائِرِ الإِسلام الظاهرة.
وتليها الأئمة دون غيرهم، فتركُهُمَا خلفهم يفضي إلى تركهما بالكلية.
ولا يعيد الجمعة.
(وتصحُّ إمامةُ الأعمى والأصمِّ) لأن العمى والصَّمَمَ فَقْدُ حاسَّتين لا

يُخِلّانِ بشىءٍ من أفعالِ الصلاةِ، ولا شروطِها، فصحَّتْ مع ذلك الإِمامة، كما لو كان أعمى فاقِدَ الشّمّ.
(و) تصح خلف (الأقلف) وهو الذي لم يختتن، لأنه ذكرٌ مسلم عدل قارئ، فصحَّتْ إمامته، كالمختتن.
والنجاسة تحت القلفة بمحلٍّ لا تمكن إزالتها منه معفوٌّ عنها لعدم إمكان إزالتها.
وكل نجاسةٍ معفوٍّ عنها لا تؤثر في إبطال الصلاة.
هذا كله إذا كانتْ غير مفتوقةٍ، أما المفتوقة، أو التي يمكنه فَتْقهَا وغَسْل ما تحتها، فهذا إن ترك غَسْلَ ما تحت القُلْفَةِ، مما يمكنه غَسْلُه، لم تصحَّ صلاته، فضلاً عن إمامته، كحمله نجاسةً لا يعفى عنها مع القدرة على إزالتها.
(و) تصح الصلاة خلفَ (كثيرِ لحنٍ لم يُحِلِ المعنى) كجرِّ دالِ (الحمدُ)، ونصب هاء (لِلَّهِ) ونصب باء (ربِّ) ونحو ذلك، سواءٌ كان المؤتم مثلَهُ أو كانَ لا يلحَنُ، لأن مدلولَ اللفظ باقٍ، وهو مفهومُ كلام الرب سبحانه وتعالى، لكن مع الكراهة.
(و) تصح الصلاةُ خلفَ الفأفاءِ الذي يكرِّر الفاءَ، وخلفَ (التَّمتامِ الّذي يكرر التاءَ)، وخلف من لا يُفْصِحُ ببعضِ الحروفِ، كالقاف والضاد، أو يُصْرَعُ، (مع الكراهة) في الجميع.
قال جماعة: ومن يُضْحِكُ صوتُه أو رؤيته.
قال في الفروِع: وقيل: والأمرد.
(ولا تصحُّ إمامة العاجزِ عن شرطٍ) كمن بثوبِهِ نجاسةً لا يعفى عنها، ولم يجد ماءً يغسلها به، ولا يجدُ ثوباً غيره، وكالمتطهِّرِ بأحَدِ الطهورَيْنِ بِعَادِمِهِمَا، إلا بمثله، (أو) عاجزٍ عن (ركنٍ) كقيامٍ أو ركوعٍ أو سجودٍ أو قعودٍ (إلا بمثله).
ويستثنى من ذلك صورةٌ أشار إليها بقوله: (إلاّ الإِمامَ الراتبَ) أي إمامَ الحيِّ الراتبَ العاجزَ عن القيامِ فقط، (بمسِجدٍ) لأن إمام الحي

يُحْتَاجُ إلى تقديمِهِ، بخلاف غيرهِ، والقيام أخفُّ الأركان، بدليل سقوطِهِ في النَفْل (المرجوَّ زوال عِلَّتِهِ) لئلا يفضي عدم اشتراط ذلك إلى ترك القيام على الدوام.
(فيصلّي) الإِمامُ (جالساً، ويجلِسون) أي يجلس المأمومون القادرون على القيام (خلفه) أي خلف إمام الحيّ إذا صلَّى بهم جالساً.
وهو من المفردات.
(وتصحُّ) الصلاةُ خَلْفَه (قياماً).
والأفضلُ لإمام الحيّ أن يَسْتَخْلِفَ إذا مرض والحالة هذه.
(وإن تَرَكَ الإِمَام ركناً أو شرطاً مُخْتَلَفاً فيه مقلِّداً) لإِمام (صحَّتْ) صلاتُه.
وإن تركه من غير تقليد أعادَ الإِمامُ والمؤتمُّ به.
(ومن صلَّى خلفَهُ) أي خلف من ترك ركناً أو شرطاً (معتقداً بطلانَ صلاتِهِ، أعاد) المأموم.
قال في الإِقناع وشرْحِهِ: وإن ترَكَ الإِمامُ ركناً، أو واجباً، أو شرطاً، عنده وحده، أو عنده وعند المأموم، عالماً، أعادَ.
وإن كان عند المأموم وحده، كالحنبليّ اقتدى بمن مسّ ذكَرَهُ أوْ تركَ سَتْر إحدى العاتِقَيْنِ أو الطمأنينةَ في الركوع، ونحوه، أو تكبيرةَ الانتقالِ، مقلِّداً من لا يرى ذلك مفسداً، فلا إعادة على الإِمام ولا على المأموم.
ومثله لو صلى شافعيٌّ قبلَ الإِمام الراتِبِ، فتصحُّ صلاة الحنبليّ خلفه.
انتهى.
(ولا إنكار في مسائل الاجتهاد) أي المسائل التي ليس فيها دليل يجبُ العملُ به وجوباً ظاهراً مثل حديث صحيح لا مُعارِض 1 له من جنسه.
(ولا تصحُّ إمامة المرأةِ بالرجالِ) ولا بالخناثى.
ولا فرق في ذلك بين الفرضِ والنفل على الصحيح، وإنه إذا صلى خَلفَها ثم علم لزمه الإِعادة.
ذكره السامريّ وغيره.

وعُلِمَ منه صحةُ إمامةِ المرأةِ والخنثى بالنساء.
(ولا) تصح (إمامة المميز بالبالغ في الفرض).
(وتصح إمامته) أي الصبيّ المميز بالبالغِ (في النفلِ) كالتراويح، والوتر، والكسوف، والاستسقاء، لأنه متنفل يؤم متنفلين.
(و) تصح إمامة الصبيُّ (في الفرض) كالظهرِ والعصرِ (بـ) صبيٍّ (مثله).
(ولا تصح إمامةُ محدثٍ) حدثاً أصغر أو أكبر، (ولا) إمامةُ (نَجِسٍ) أي مَنْ ببَدَنِهِ أو ثوبِهِ نجاسة غير معفوٍّ عنها (يعلم ذلك) أي وهو يعلم بِحَدَثِهِ، أوَ نجاسته، لأنه أخلّ بشرطِ الصلاة مع القدرةِ أشبَهَ المتلاعِبَ لكونهِ لا صلاةَ له في نفسه.
(فإن جَهِلَ هو) أي الإِمام، حدثَه أو نجاستَه (والمأمومُ) معاً، واستمرّ جَهْلُهُمَا (حتى انقضت الصلاة، صحَّتْ صلاة المأموم وحده) أي دون الإِمام.
(ولا تصحّ إمامة الأمِّيّ) 1 نسبة إلى الأم، كأنه على الحالة التي ولدته أمه عليها، (و) في عرف الفقهاء: (هو من لا يحسن الفاتحة) أي يحفظها، أو يُدْغِمُ فيها ما لا يُدْغَمُ، أو يبدل حرفاً لا يُبْدَل؛ بمأمومٍ ليس بأمّيٍّ مثلِهِ، إِلاَّ ضادَ "المغضوب" وضاد "الضالين" بظاءٍ، أو يلحن فيها لحناً يحيل المعنى عجزاً عن إصلاحه (إلا بمثله).
(ويصح النفلُ خلف الفرضِ.
ولا عكس) أي لا يصح الفَرْضُ خلف النفل.
(تصحُّ المقضيّةُ خلفَ الحاضرةِ.
وعكسه) أي الحاضِرةُ خلف

المقضيّة، وقاضيها من يوْمٍ 1 بقاضيها من غيره (حيث تساوَتَا في الاسم) فلا يصح عَصْرٌ خلف ظهرٍ، ولا عكسه.

فصل

[في وقوف الإِمام]

(يصح وقوفُ الإِمامِ وسط المأمومين، والسنةُ وقوفه متقدماً عليهم) ووقوفهم خلفه، إلا العراةَ فوسَطا وجوباً، وامرأةً أمّتْ نساءً فوسطاً ندباً.
(ويقف الرجل الواحدُ) والخنثى (عن يمينه) أي يمين الإِمام (محاذياً له، ولا تصح) الصلاة (خلفه) 2 أي الإِمام لأنه يكون فذًا، (ولا) تصحُّ (عن يسارِه) أي الإِمام (مع خُلوِّ يمينه) قال في الفروع: ومن صلى عن يسارِه ركعةً فأكْثَر مع خُلُوِّ يمينه، لم تصح.
نص عليه.
(وتقفُ المرأةُ خلفَه) وإن وقفتْ بجانبه، أي جانب إمامِها الرجلِ، فكرجلٍ، يعني أن المرأة إذا أئتمت برجلٍ ووقفت عن يمينه، فإن صلاتها تصح كما تصح صلاة الرجل عن يمين إمامه.
(وإن صلى الرجلُ ركعةً خلفَ الصفّ منفرداً فصلاتُهُ باطلة).
(وإن أمكن المأمومَ الاقتداءُ بإمامه) ولو لم يكنِ بالمسجد، بأن كان خارِجَه، والإمام بالمسجدِ (ولو كان بينهما) أي بين الإِمام والمأموم (فوقُ ثلثمائَةِ ذراعٍ صح) الاقتداءُ (إن رأى الإمامَ أو رأى من وراءَه) ولو كانت رؤيتُه في بعضها فقط، أو كانت مما لا يمكن الاستطراقُ منه كشبّاكٍ ونحوه.

(وإن كان الإِمام والمأمومُ في المسجدِ لم تُشترط الرؤية) أي رؤيةُ الإِمام، ولا رؤيةُ من وراءَه (وكفى سماعُ التكبير) في الفرض والنفل.
(وإن كان بينهما) أي بين الإِمامِ والمأمومِ (نهرٌ تجري فيه السفُن، أو طريق) ولم تتصل فيه الصفوفُ حيثُ صحّتْ تلك الصلاة في الطريق بأن كانتْ على جنازةٍ ونحوها، أو كان في غيرِ شدّةِ خوفٍ بسفينةٍ وإمامُه بأخرى غيرِ مقرونةٍ بها (لم يصحّ) الاقتداء.
وألْحَقَ الآمديُّ بالنهر: النارَ، والبئر.
وقيل: والسَّبُع، وقاله أبو المعالي في الشوك والنار.
(وكُرِه علوُّ الإِمام عن المأموم) ما لم يكن كدرجةِ منبرٍ فلا يكره.
وتصحُّ ولو كان كثيراً، وهو ذراعٌ فأكثر.
و (لا) يكره (عكسُه) أي علوّ المأموم عن الإِمام ولو كان كثيراً.
(وكُرِهَ لمن أكل بصلاً أو فجلاً ونحوَه) كثومٍ وكراثٍ (حضورُ المسجدِ) وإن لم يكن به أحد.
وكذا حضور الجماعةِ.
قال في الفروع: ويتوجه: مثلُه من بِهِ رائحةٌ كريهة.
قال في الإِقناع وشرحه: فإن دخله آكِلُ ذلك، أي من له رائحة كريهة من ثومٍ وبصل ونحوهما، أو دخله من له صُنَانٌ أو بَخَرٌ (1) قَوِيَ إِخراجُهُ، أي استحباب إخراجه، إزالةً للأذى.
انتهى.

فصل

في ذكر الأعذار المبيحة لترك الجمعة والجماعة

(يُعْذَرُ بترك الجمعة والجماعة المريضُ والخائِفُ حدوثَ المرض.)1

ومحل ذلك إذا كان المريض والخائف حدوثَ المرض ليسَا بالمسجدِ.
فإن كانا بالمسجد لزمتهما الجمعةُ والجماعةُ، لعدم المشقّة.
وتلزم الجمعة دونَ الجماعةِ من لم يتضرر بإتيان الجمعةِ راكباً، أو محمولاً، أو تبرَّع أحدٌ بذلك، أو بِقَوْدِ أعمى.
(و) يعذر بترك الجمعة والجماعة (المَدافعُ احَدَ الأخْبَثينِ) البولِ والغائِط.
(و) يعذر بذلك (من له ضائعٌ يرجوه) كما لو دَلَّهُ عليه إنسان بمكانٍ، ويخاف إن لم يمضِ إليه سريعاً ينتقل عن ذلك المكان، أو قَدِمَ له بضائعُ من سفرٍ ويخافُ إن لم يتلقَّه أن يفوتَه.
لكن قال المجْدُ: الأفضل تركُ ما يرجو وجوده، ويصلَّيَ الجمعةَ والجماعةَ.
(أو يخافُ ضياعَ مالِهِ أو فواتَه) أي ذوات مالِهِ، كشرودِ دابّتِهِ، وإباقِ عبده، وسفرِ من له عندَه وديعةٌ، ونحو ذلك، (أو) يخافُ (ضرراً فيه) أي في ماله، كاحتراق خبزه، أو طبخه، أو إطلاق الماء على زرعه، بغيبته عنه، (أو) يخاف ضرراً (على مالٍ استؤجر لحفظه، كنِطارةٍ) بكسر النون (بِبُسْتانٍ 1، أو) كان يحصل له (أذىً بمطرٍ ووَحَلٍ) بفتحِ الحاء المهملة، وتسكينها لغةٌ رديئة (وثلجٍ، وجليدٍ، وريحٍ باردةٍ بليلةٍ مظلمة) ويأتي في باب الجَمْعِ أنه لا يشترط لصحة الجمع بين العشاءين كون الليلة مظلمة (أو) كان يضرُّه (تطويل إمامٍ) لا إن كان بطريقه إلى المسجد منكر.
ولا يُعْذَرُ بتركِ الجُمُعةِ والجماعةِ مَنْ جَهِلَ الطريقَ إذا وَجَدَ من يهديه.

باب صَلاَة أهل الأَعْذار

جَمْعُ عذرٍ، وهم المريضُ، والمسافر، والخائف ونحوهم.
(يلزم المريضَ) القادرَ على القيام (أن يصلي المكتوبة) أي المفروضة (قائماً، ولو مستنداً) إلى شيء، ولو بأجرةٍ يقدر عليها.
(فإن لم يستطع) لعجز، أو شَقَّ لضررٍ يلحقه بقيامه، أو زيادةَ مرضٍ (ف) يصلي (قاعداً) متربِّعاً، ندباً.
ويثني رجليه في ركوعِهِ وسجودهِ كمتنفِّل.
(فإن لم يستطع) القعودَ، أو شقَّ عليه (فـ) يصلي (على جنبِهِ.
و) الجنب (الأيمن أفضل.) وتكره للمريضِ الصلاةُ على ظَهْرِهِ ورجلاه إلى القبلة، مع قدرةٍ على جنبه.
وتصح.
وإن لم يقدرِ المريضُ أن يصليَ على أحد جنبيه تعيّن عليهِ أن يصلي على ظهرِه ورجلاه إلى القبلة، وجهاً واحداً.
(ويومئ بالركوعِ وبالسجودِ) من عَجَزَ عنهما ما أمكَنَهُ.
(ويجعله) أي يجعل السجودَ (أخفضَ) من الركوع.
(فإن عَجَزَ) عن جميع ما تقدم (أومأ بطرْفِهِ) أي بعينه، (واستحضَرَ) الفعلَ (بقلبِهِ) عند إيمائه له.
(وكذا) يستحضرُ (القولَ) عند

إيمائه له (إن عجز عَنْه) أي عن القول (بلسَانِهِ) كأسيٍر خائف أن يعلموا بصلاتِهِ.
(ولا تسقط) الصلاة عن المريضِ (ما دام عقلُه ثابتاً) لقدرته على أن ينوي بقلبه مع الإِيماءِ بطرفه.
(ومن قَدِرَ على القيام) وكان يصلي قاعداً، (أو القعودِ) وكان يصلي عن جنبِهِ أو مستلقياً (في أثنائِها) أي أثناءِ الصلاة (انتقلَ إليه) أي إلى ما قدر عليه بعد أن كان عاجزاً عنه، وأتمَّها به، فيقومُ أو يقعدُ من كان عاجزاً عنه وجوباً، لأن المبيحَ العجزُ، وقد زال.
ويركع بلا قراءة من كان قَرَأَ في حال العجز، وإلاَّ قَرَأ بعد قيامِهِ.
ومن قدر على قيامٍ أو قعودٍ دون ركوعٍ وسجودٍ أومأ بركوعٍ قائماً، وبسجودٍ قاعداً.
(ومن قَدِر أن يقوم) أي يصلي قائماً (منفرداً، أو) قدر أن (يجلسَ) أن صلى (في الجماعةِ، خُيِّر) بين أن يصلي قائماً منفرداً، وبين أن يصلي جالساً في جماعةٍ، لأنه في كل منهما يفعل واجباً، ويترك واجباً.
وقيلَ: يلزمه أن يصلِّي قائماً منفرداً لأن القيامَ ركنٌ بخلاف الجماعة.
(وتصح) المكتوبةُ (على الراحلةِ) واقفةً وسائرةً (لمن يتأذَّى بنحو مطرٍ ووحْلٍ) وثلجٍ وبَرَدٍ (أو يخافُ على نفسه من نزولِه) من سيل، أو سَبُعٍ، أو عَجْزٍ عن ركوبِ إن نزل.
(و) يجب (عليه) أي على من يصلِّي الفرضَ على الراحلةِ لعذرٍ مما ذُكِر (الاستقبالُ وما يقدِرُ عليه) من ركوعٍ وغيره.
ولا تصحُّ صلاةُ الفَرْضِ على الراحلةِ لمرضٍ، لأنه لا يزول ضرره 1 بالصلاةِ عليها، بخلاف المطر ونحوه.

(ويومئُ) بركوع وسجودٍ (من) كان (بالماءِ والطينِ) ولا يمكنُه خروجٌ، كمصلوبٍ، ومربوطٍ.
ويسجد غريقٌ على متن الماء.
ولا إعادة على واحد من هؤلاء.

فصل

(في صلاة المسافر)

(قَصْرُ الصلاةِ الرباعيّة) لا الثُّنائيّة والثُّلاثية، فإنه لا يجوز قصرُهما (أفضلُ) من الإِتمام.
ولا يكره الإِتمام (لمن نوى سفراً).
هذه عبارةُ المنتهى، والمحرَّر، والتنقيح، وهي أوْلى من قولِ المقنع "مَنْ سَافَرَ" لأنه يَرِدُ عليها من خرج في طلب ضالَّةٍ، أو آبقٍ، حتى جاوز المسافة، فإنه ليس له القصر حيث لم ينوِ.
وقال الحَجَّاويّ: ولو قال: "من ابتداءِ السفر" كما في الفروع وغيرها 1، لكان أجود، لأنه قد يَنْوي ولا يسافر، فإن قيل: قولُهُ بعد ذلك: "إذا جاوزَ بيوتَ قريتِهِ العامِرَة" يدلُّ عليه.
قيل: لا بد فيه من إضمارٍ، وهو أن يقال: القَصْرُ إذا جاوزَها مسافراً وإلاَّ فقد يجاوزُ بيوت قريَتِهِ بعد النّية من غَيْرِ سَفَرٍ.
(مباحاً) 2 فيدخُلُ فيه الواجبُ كالحجِّ والجهادِ وقضاءِ الدين، والمسنونُ كزيارةِ الرَّحمِ، والمباحُ كالتجارةِ ولو نزْهةً وفُرْجَةً.
(لمحلٍّ معيَّنٍ) فلا قصرَ لِهائِمٍ، وتائِهٍ، وسائحٍ، لا يقصد مكاناً معيناً (يبلغ) سفرُه ذهاباً (ستَّةَ عَشَرَ فرسخاً) تقريباً، برًّا أو بحراً.

(وهي) أي الستةَ عشرَ فرسخاً (يومانِ) أي مسيرةً يومَيْنِ لا رجوعَ في أَثْنائِهما (قاصِدَانِ) أي معتدلان طولاً وقصَراً 1. (في زمنٍ معتدلِ) الحرِّ والبردِ (بسير الأثقالِ ودبيبِ الأقدامِ) وذلكَ أربعةُ بُرُدٍ.
والبريدُ أربعة فراسخ.
والفرسخ ثلاثةُ أميالٍ هاشميَّةٍ، وبأميالِ بني أميّة ميلانِ ونصفٌ.
والهاشِميُّ اثنا عشرَ ألفَ قدمِ، وهي ستةُ آلاف ذراعٍ 2. والذراع أربعٌ وعشرونَ إصبعَاً معترضةً معتدلةً، كل إصبعٍ ستُّ شعيراتٍ بطونُ بعضِها إلى بعضٍ عَرْضُ كل شعيرةٍ ستُّ شعراتِ برذون.
قال ابن حجر في شرح البخاري: والذراعُ الذي ذُكِرَ قد حُرِّرَ بذراعِ الحديدِ المستعملِ الآن في مصر والحجازِ في هذه الأعصارِ، فنقص عن ذراع الحديدِ بقدر الثمن.
فائدة: من مكة إلى عسفان أربعةُ بُرُدٍ.
وذكر صاحب "المسالك" أن من دمشقَ إلى القطيفة أربعة وعشرين ميلاً، ومن دمشق إلى الكُسْوَة اثنيْ عشرَ ميلاً.
(إذا فارقَ) متعلقٌ بقوله: "قَصْرُ الرباعية" (بيوتَ قريتِهِ العامرةِ) سواءٌ كانت داخِلَ السورِ أو خارِجَهُ، وسواءٌ وليتْها بيوتٌ خاربة أو البرّيّة.
لكن لو وليتها بيوتٌ خاربةٌ، ثم بيوت عامرةٌ فلا بدّ من مفارقة البيوت العامرةِ التي تلي الخاربة.

ولو بَرَزُوا لِمَكانٍ لقصدِ الاجتماعِ، ثم بعدَ اجتماعهم يُنْشِئُونَ السفر من ذلك المكان، فلهم القصر قبل مفارَقَتِهِ في ظاهر كلامهم.
(ولا يعيدُ من قَصَرَ،) بشرطِهِ، (ثم رجع قبل استكمالِ المسافةِ) لأن المعتبر نِيَّةُ المسافة لا حقيقتها.

[الصور التي يتم فيها المسافر]

إذا تقرَّرَ هذا، فإنه يُستثنى من حالة السفر إحدى وعشرون صورةً يلزمه فيها الإِتمام: الأولى: إذا مرّ بِوَطَنِهِ، ولو لم يكن له به حاجة.
الثانية: إذا مرّ ببلدٍ له به امرأةٌ، ولو لم يكن وطنَه.
الثالثة: ما أشار إليها بقوله (ويلزمه إتمامُ الصلاةِ إن دخل وقتُها وهو) أي مريد السفر (في الحضر.) الرابعة: إذا مرّ ببلدٍ تزوَّجَ فيه، ولو بعدَ مفارَقَتِهِ الزوجة 1. الخامسة: إذا وقع بعض الصلاة في الحضر، وهي مصوَّرة في راكبِ السفينة إذَا أَحْرَمَ بالصلاةِ مقصورَةً، ثم وصلت إلى وطنه في أثناء الصلاة 2. السادسة: إذا ذكر صلاةَ حضرٍ بسفر.
السابعة: إذا ذَكَرَ صلاةَ سفرٍ في حضر.
الثامنة: ما أشار إليها بقوله (أو صلّى خلفَ من يُتِمَّ.) التاسعة: إذا ائتم بمن يَشُكُّ فيه هل هو مقيمٌ أو مسافر، فيتمُّ ولو بانَ مسافراً.
ويكفي علمُه بسفرِهِ بعلامةٍ من لباس ونحوه.
العاشرة: إذا شكَّ إمامٌ في أثنائها أنه نوى القصرَ عندَ إحرامِها،

كما لو نَوَى الصلاة مطلقاً فإنَّ نِيّتَهُ تنصرف إلى الإِتمام 1. الحادية عشرة: إذا أعاد صلاةً فاسدةً يلزمُهُ إتمامها 2. الثانية عشرة: ما أشار إليها بقوله: أوْ لم ينوِ القصر عند الإِحرام).
الثالثة عشرة: إذا نوى القصرَ ثم رفَضَهُ بعد أن نواه.
الرابعة عشرة: إذا جَهِلَ أن إمامه نواه.
الخامسة عشرة: ما أشار إليها بقوله: (أو نوى إقامة مطلقة) أي غير مقيدة بزمن مخصوص.
السادسة عشرة: ما أشار إليها بقوله: (أو أكثر من أربعةِ أيام) أي أكثر من عشرين صلاة.
ولا فرق بين كون ما نوى الإِقامة فيه موضع لبث وقرار في العادة، كالقُرى، أو لا يقام فيه عادةً، كالمفاوز.
السابعة عشرة: ما أشار إليها بقوله: (أو أقام) المسافر (لـ) قضاء (حاجته وظن أنَّها لا تنقضي) الحاجَةُ (إلا بعد) مضيِّ (الأربعة.) الثامنة عشرة: إذا شكَّ المسافر في نية المدة، أي هل نَوَى إقامةَ عشرينَ صلاةً، أو أكثر؟ التاسعة عشرة: إذا عزم في صلاته على قطع الطريق ونحوه.
العشرون: إذا تاب المسافِرُ من المعصية في أثناء الصلاة، وكان نوى القصر، فيتمّ.
الحادية والعشرون: ما أشار إليها بقوله: (أو أخّر الصلاة بلا عُذْرٍ) له في التأخير (حتى ضاقَ وَقْتُها عنها) أي عن فعلِها كلِّها مقصورةً في الوقت، لزمه أن يتمّ الصلاة التي ضاق وقتها عنها 3.

(ويقصر إن أقامَ لحاجةٍ بلا نِيّةِ الإِقامة فوق الأربعة، ولا يدري متى تنقضي) يعني أنه يقصر ما دام كذلك.
(أو حبِسَ ظلماً، أو) حُبِسَ (بِمَطَرٍ،) أو بِمرَضٍ، أو ثلجٍ، أو بَرْدٍ (ولو أقام سنين.)

فصل

في حكم (الجمع) بين الصلاتين

يباح الجمعُ مطلقاً في ثمانِ حالات: الأولى: ما أشار إليها بقوله: (يباحُ بِسَفرِ القَصرِ) فليسَ بمكروهٍ ولا مستحبّ (الجمعُ بين الظهرِ والعصر) بوقتِ إحداهما (و) بينَ (العشاءَينِ) وهما المغرب والعشاءُ (بوقتِ إحداهما) أي إحدى الصلاتين.
الثانية: ما أشار إليها بقوله: (ويباحُ لمقيمٍ مريضٍ يلحقُه) أي المريضَ المقيمَ (بتركِهِ) أي بترك الجمع (مشقَّةٌ.) الثالثة: ما أشار إليها بقوله: (ولمرضعٍ لمشقةِ كثرةِ النجاسة) أي مشقَّةِ تطهيرها لكلِّ صلاةٍ.
الرابعة: المستحاضة ونحوها.
الخامسة: ما أشار إليه بقوله: (ولعاجزٍ عن الطهارة) بالماء أو التيمُّمِ (لكل صلاة).
السادسة: لِعاجزٍ عن معرفةِ الوقتِ كأعمى، ونحوه، كالمطمور.
السابعة: ما أشار إليها بقوله: (ولعذرٍ) يعني يبيح تركَ الجمعَةِ والجماعَةِ، كخوفِهِ على نفسه، أو حُرْمَتِهِ، أو مالِهِ.
الحالة الثامنة: ما أشار إليها بقوله: (أو) لِـ (شغلٍ يبيح ترك الجمعة والجماعَةِ) كما لو كان ترك الجمع يُعِيقُهُ عن معيشةٍ يحتاجها، فإنه يباح

له الجمع في هذه الحالة.
(ويختصّ بجوازِ جمعِ العشاءَيْنِ ولو صلَّى ببيتِهِ) أو في مسجدٍ طريقُه تحتَ ساباطٍ، ولمقيمٍ في المسجد ونحوه ولو لم يَنَلْهُ إلا يسيرٌ: (ثلجٌ) وبَرَدٌ، لأنهما في حكم المطر (وجليدٌ) لأنه من شدة البرد، (ووحَلٌ) بتحريك الحاء، وإسكانُهَا لغة رديئة، (وريحٌ شديدةٌ باردةٌ) لا ليلة مظلمةً (ومطرٌ يُبلُّ الثياب، وتوجد معه مشقَّةٌ.) لكنّ المرادَ وجودُ المشقّةِ في الجملةٍ، لا لكلِّ فردٍ من أفرادِ المصلِّينَ.
(والأفضلُ) لمن يريد الجمعَ (فعلُ الأرفقِ) به (من تقديمِ الجمعِ) أي تقديم العصرِ في وقت الظهر، وتقديمِ العشاءِ في وقتِ المغربِ (أو تأخيرِهِ) أي تأخيرِ الظهرِ إلى وقتِ العصرِ، وتأخير المغرب إلى وقَتِ العَشاءِ.
فإن استويا فتأخيرُهُ أفضل.

[شروط جمع التقديم وجمع التأخير]

(فإن جمع تقديماً اشترِطَ لصحة الجمع) خمسة شروط: الأول: الترتيبُ سواءٌ نَسِيَهُ أو ذكره، بخلاف سقوطِهِ مع النِّسيان في قضاء الفوائت.
الثاني: (نيته) أي نية الجمعِ (عندَ إحرامِ الأولى.) ولا تشترط نية الجمع عند إحرام الثانية.
(و) الثالث: (أن لا يفرّق بينهما) أي بين الصلاتين (بنحو نافِلَةٍ بل بقدر إقامةٍ ووضوءٍ خفيف،) لأن معنى الجمع المتابَعةُ والمقارنة، ولا يحصل ذلك مع تفريقٍ بأكثر مما ذكر.
(و) الرابع: (أن يُوجَد العُذْرَ عِنْدَ افتتاحِهِمَا) أي افتتاحِ الصلاتين المجموعتين، وسلامِ الأولى.

(و) الخامس: (يستمر) العذر المبيح للجمع في غير جمع مطرٍ ونحوه (إلى فراغ الثانيةِ.
فلو أحرم بالأولى ناوياً الجمعَ لمطرٍ، ثم انقطع ولم يَعُدْ، فإن حصل وَحْلٌ لم يبطل الجمع، وإلاَّ بَطَل، لزوال العذر المبيح.
(وإن جَمَعَ تأخيراً) أي في وقت الثانيةِ من الصَّلاتينِ المجموعيتن (اشتُرِط له) ثلاثة شروط: الأول: (الترتيب).
(و) الثاني: (نية الجمع بوقت الأُولى) من الصلاتين المجموعتين، مع وجود العذر المبيح له (قبل أن يضيق وقْتُها عنها) أي عن فِعْلِها، لأنّ تأخيرَها عنه حرام، وهو ينافي الرخصة التي هي إباحة الجمع.
(و) الشرط الثالث: (بقاءُ العُذْرِ) من حين نِيّةِ الجمع عند وجوده بوقت الأولى (إلى دخولِ وقت الثانية) لأن المجوِّز للجمع العذرُ، فإذا لم يستمرّ إلى دخول وقت الثانية وَجَبَ أن لا يجوز الجمع لزوال المقتضى، كالمريض يَبْرَأُ والمُسَافِرِ يقدَم.
(لا غير) ما تقدم من الشروط، فلا يشترط استمراره في وقت الثانية، لأنهما صارتا واجبتين في ذمته، فلا بد من فِعْلِهما.
(ولا يُشْتَرَطَ للصِحَّةِ) أي لصحةِ الجمعِ مطلقاً (اتحادُ الإمام والمأموم، فلو صلاَّهما) أي المجموعتين (خلف إمامَيْنِ) كلَّ واحدةٍ خلفَ إمامٍ (أو) صلاهَما (بمأمومِ الأُولى، وبـ) مأمومٍ (آخَرَ الثانيةَ، أو) صلاّهما (خلف من لم يَجْمَعْ، أَو) صلى (إحداهما) أي المجموعين (منفرداً، و) صلى (الأُخْرى في جماعة، أو صلَّى) إماماً (بمن لم يجمع، صحَّ) ذلك كله، لكن متى ذكر أنه نَسِيَ من الأُولى ركناً، أو إحداهُمَا ونسيها، أعادَهُما إن بقي الوقتُ، وإلا قضاهما مرتَّباً.
وإن بان

أنه من الثانية أعادها فقط.
والله تعالى أعلم.

فصل

(في صفة صلاة الخوف) وأحكامها

(تصح صلاة الخوفِ إن كان القتال مباحاً) ولو (حَضَراً و) تصحّ (سفراً).
(ولا تأثيرَ للخوفِ في تغييرِ عددِ ركعاتِ الصلاة، بل) يؤثّر الخوف (في صفتها وبعض شروطها).
(وإذا اشتدَّ الخوف) بِأن تواصَل الضَّرْبُ والطَّعْنُ، والكرُّ والفرُّ، ولم يمكن تفريقُ القومِ صفَّيْنِ، ولا صلاتُهم على وجهٍ من وجوهِهَا، وحضرَ وقتُ الصلاةِ، لم تؤخَّر و (صلوا رجالاً أو ركباناً) متوجِّهين (للقبلةِ وغيرِها) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾.
(ولا يلزم) المصلّيَ في هذه الحالة (افتتاحُها) أي الصلاة (إليها) أي إلى القبلة، (ولو أمكنَ) المصليَ ذلك، كبقية أجزاءِ الصلاة، (يومِئُون) بالركوعِ والسجودِ (طاقتَهم) أي بقدر ما يطيقونه، لأنهم لو أتمُّوا الركوعَ والسجودَ لكانوا هدفاً لأسلحةِ الكفّار.
ويكونُ سجودُهُمْ أخفضَ من ركوعِهم.
ولا يجب سجودٌ على ظهر الدابة.
(وكذا) أي وكحالةِ شدةِ الخوفِ عند المسايَفَةِ (في) فعلِ الصلاةِ وحكمِها (حالةُ الهربِ من عدوٍّ) هرباً مباحاً، بأن تكون الكفَّارُ أكثَرَ من مِثْلي المسلمين، (أو) هربِ من (سَيْلٍ، أو) هربٍ من (سَبُعٍ) وهو الحيوانُ المعروف.
وقد يطلَق على كل حيوان مفترسٍ، كما هُنَا، (أو) هربٍ من (نارٍ، أو) هربٍ من (غريمٍ ظالمٍ،) فلو كان بحقٍّ وهو قادر

على وفائِهِ لم يجز (أو) لم يكن هارباً ولكن صلَّى كالصلاة السابقة لـ (خوفِ فوتِ وقت الوقوفِ بعرفةَ) يعني أنه إذا قَصَدَ المحرمُ عرفاتِ ليلاً، وبقي من وقتِ الوقوفِ مقدارُ ما إن صلاَّها فيه على الأرض فاتَهُ الوقوفُ، فإنه يصليها صلاة خائِفٍ وهو ماشٍ، حرصاً على إدراك الحجّ، لأن الحجَّ في حقِّ المحرِم كالشيء الحاصِلِ، والفواتُ طارٍ عليه، ولأن الضَّرَرَ الذي يلحقه بفوات الحجّ لا ينقصُ عن الضَّررِ الحاصِلِ من الغريمِ الظالمِ في حق المدينِ المُعْسِر، بخوفِهِ من حبسه إياه أياماً، (أو خافَ على نفسِهِ أو أهلِهِ أو مالِهِ) يعني أن من خافَ على نفسِهِ أو أهلِهِ أو مالِهِ إنْ ترَكَ الصلاةَ على هيئتِها في شدةِ الخوفِ جازَ لَهُ أن يصلي صلاةَ شدةِ الخوفِ من أجلِ ذلك 1 (أو ذبٍّ عن ذلك) أي عن نفسِهِ أو أهلِهِ أو مالِهِ (وعنْ نفسِ غيرِه) يعني أن له أن يصلّي صلاةَ شِدَّةِ الخوفِ من أجلِ ردّ الصائل عن نفسِهِ أو أهلِهِ أو مالِهِ أو نفسِ غيره بقتالِ الصائلِ على شيءٍ من ذلك.
(وإن خافَ) شخصٌ (عدوًّا إن تخلَّف عن رُفْقَتِهِ، فصلّى صلاة خائفٍ ثم بانَ) له (أمْنُ الطريق لم يُعِدْ) صلاته.
(ومن خافَ أو آمِنَ في صلاته انتقلَ، وبنى) يعني أن من دخل في صلاته وهو آمنٌ، ثم طرأ له في أثنائِها خوفٌ كمّلها على هيئةِ الخائفِ وبنى على هيئةِ صلاة الآمن، وإن دخل فيها وهو خائفٌ ثم أَمِنَ فيها كَمَّلَها على هيئةِ صلاةِ الآمن وبنى على ما مضى منها على هيئةِ صلاةِ الخائفِ، لأن بناءَهُ في الصورتين على صلاةٍ صحيحةٍ، كما لو ابتدأها صحيحاً فمرض في أثنائِها، أو ابتدأها مريضاً فعوفي في أثنائها.
(ولمصلٍّ كرٌّ وفرٌّ لمصلحةٍ) وكذا التقدُّمُ والتأخُّر والطعنُ والضربُ.

(ولا تبطُلُ) الصلاةُ (بطولِهِ) أي الكرّ والفرّ، (وجازَ لحاجةٍ) في صلاة الخوفِ (حملُ نَجِسٍ) غيرِ معفو عنه في غيرها، (ولا يعيدُ) أيْ ولا تلزَمُهُ الإِعادة.

باب صَلاَة الجُمْعَة

[شروط وجوب الجمعة]

(تجب على كل ذكرٍ مسلمٍ مكلَّفٍ عاقلٍ) لأن الإِسلامَ والعقلَ شرطانِ للتكليفِ وصحَّةِ العبادةِ، فلا تجب على مجنونٍ ولا على صبيّ؛ (حرٍّ) لأن العبد مملوكُ المنفعةِ، محبوسٌ على سيده؛ (لا عُذْرَ لَه) مما تقدم.
(وكذا) تجب (على مسافرٍ لا يباحُ له القصر) كَقِصَرِ سفرِه، أو لِعِصْيانِهِ بِسَفَرِهِ.
(و) تجب (على مقيمٍ خارجَ البلدِ إذا كان بينهما) أي المسافر والمقيم خارج البلد (وبين الجمعة) أي بينه وبين موضعها من المنارةِ، نصًّا، (وقتَ فعلِهَا 1 فَرْسَخٌ فأقلُّ) تقريباً.
(ولا تَجِبُ) صلاة الجمعة (على من يباحُ له القصْر).
وكما لا تجب عليه بنفسِهِ لا تلزَمُه بغيرِهِ.
نصَّ عليه.
(ولا) تجب (على عبدٍ، و) لا (مبعَّضٍ، و) لا (امرأةٍ)، ولا خنثى.

(ومن حضرها) أي الجمعة (منهم) أي من العبد والمبعض والمرأة والخنثى (أجزأته) عن صلاة الظهر، لأنّ إسقاط الجمعةِ عنهم تخفيفٌ، فإذا حضرها أحدٌ منهم أجزأتْهُ (ولم يحسب هو) أي مَنْ ذُكِرَ، من العبد وما عطف عليه.
(ولا) يُحْسَبُ (من ليس من أهل البلد من الأربعين).
(ولا تصح إمامتهم) أي العبد وما عطف عليه والغريب (فيها) أي الجمعة 1.

[شروط صحة الجمعة]

(وشُرِطَ لصحةِ الجمعةِ أربعةُ شروط) ليس منها إذن الإِمام: (أحدها: الوقت) لأنها صلاةٌ مفروضةٌ، فاشتُرِطَ لها الوقْتُ، كبقيّةِ المفروضات.
(وهو) أي وَقْتُ الجُمُعَةِ (مِنْ أوَّلِ وقت العيدِ) نصَّ عليه، (إلى آخر وقت الظهر،) لأن الجمعة واقعةٌ موقع الظُّهْرِ، فوجَبَ إلحاقُها بالظهر لما بينهما من المشابهة.
(وتجب) الجمعة (بالزوال) لأن ما قبله وقت جوازٍ.
(و) فعلها (بعده) أي الزوال (أفضلُ) من فعلها قبل الزوال، خروجاً من الخلاف.
ولأنَ الناس يجتمعونَ إليها عند الزوال، فلو انتظروا الإِبرادَ شَقَّ عليهم.
(الثاني): من شروط صحة الجمعة (أن تكون بِقَرْيَةٍ) مبنيّةٍ بما جرت عادةُ أهلِها به، (ولو من قَصَبٍ) أو حجر أو خشب (يستوطنها أربعون) رجلاً ولو بالإِمام، من أهلِ وجوبها (استيطانَ إقامةٍ لا يظعَنُونَ)

أي لا يرحلون عنها (صيفاً ولا شتاءً) لأن ذلك هو الاستيطان.
(وتصح) صلاة الجمعة (فيما قاربَ البنيانَ من الصحراءِ) ولو بلا عذرٍ، لا فيما بعد عن البنيان، لشبههم إذاً بالمسافرين.
ولا يتمّمُ عددٌ من مكانين متقاربين.
ولا يصحُّ تجميع كاملٍ في ناقص مع القربِ الموجبِ للسعي 1. ولا يشترط للجمعة المِصْرُ.
(الثالث): من شروط صحة الجمعة: (حضورُ أربعينَ) ممن تجب عليهم الجمعةُ صلاتَها وخُطبتَها، ولو كان فيهم خَرَسٌ أو صَمَمٌ، لا كلُّهم.
(فإن نقصوا) أي نقصَ الأربعون (قبل إتمامها) أي الجمعة (استأنفوا ظهراً)، لأن العدد شرطٌ فاعتبِرَ، في جميعِها، كالطهارة، إن لم تمكن إعادتها جمعةً بشروطِها.
وإن بقي العدد، ولو ممن لم يسمع الخُطْبة، ولحقوا بهم قبل نقصهم، أتمّ بهم الإِمام جمعة.
(الرابع) من شروط صحة الجمعة: (تقدم خطبتين) على الصلاة، بدل ركعتين، لا مِنَ الظهر، لأن الجمعة ليست بدلاً عن الظهر، وإنما هيَ فرضٌ مستقل.

[شروط الخطبتين]

(من شَرْطِ صحتهما) أي الخطبتين (خمسة أشياء): الأوّل: (الوقت) فلا تصحّ واحدةٌ منهما قبل الوقت، لما تقدم أنهما بدل ركعتين.

فصول الكتاب · 33 فصل · 512 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نيل المارب بشرح دليل الطالب · 512 صفحة
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كتَاب الجَنَائز
كتَاب الصِّيَامكتَاب الاعتكَافكتَاب الحَجِّكتَاب الجهَاد
كتَاب البَيع
كتَاب الحَجْركتَاب الشَّركَةكتَاب العَاريَةكتَاب الغصب
كتَاب الوَقف
كتَاب العتق
كتَاب الصَّدَاقكتَاب الخلعكتَاب الطّلاقكتَاب الإِيلاَءكتَاب الظهَاركتَاب اللعَانكتَاب العدّةكتَاب الرّضَاعكتَاب النفَقَاتكتَاب الجنَايَاتكتَاب الدّيَات
كتَاب الحُدود
كتَاب الأطعَمةكتَاب الصَّيدكتَاب الأَيمَانكتَاب (القضَاء) والفتياكتاب القاضي إلى القاضيكتَاب الشهَادَاتكتَاب الإقَرار
جارٍ التحميل