نيل المارب بشرح دليل الطالبصفحات 256-268
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتَاب الجَنَائز

صفحات 256-268
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي تغلب
الكتاب
نَيْلُ المَآرِب بشَرح دَلِيلُ الطَّالِب
المؤلف
عبد القادر بن عمر بن عبد القادر ابن عمر بن أبي تغلب بن سالم التغلبي الشَّيْبَاني (المتوفى: 1135هـ)
المحقق
الدكتور محمد سُليمان عبد الله الأشقر - رحمه الله -
الناشر
مكتبة الفلاح، الكويت
الطبعة
الأولى، 1403 هـ - 1983 م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(وكُتُبِ عِلْمٍ) يحتاجها لِنَظَرٍ وحفظٍ، وحلى المرأةِ لِلُبْسِها، أو لكراءٍ تحتاج إليه.
(وتلزمُه) أي وتلزَمُ من تلزَمُهُ الفطرةُ (عن نفسهِ وعمن يمونُه من المسلمين) كولدهِ، وزوجته، وعبدِهِ، ولو للتجارة.
فيجتمعُ في عبيدِ التجارة زكاةُ القيمةِ وزكاةُ الفطرِ.
نصَّ عليه، حتى زوجةُ عبده الحرة.
(فإن لم يجد) من عنده عائلةٌ فطرةً تكفي (لجميعهم بدأ بنفسه) لأن الفطرة تنبني على النفقة، فكما أنه يبدأُ بنفسِهِ في النفقة، فكذلك في الفُطْرَةِ؛ (فزوجتِهِ) يعني أنه متى فضل عنده صاعٌ عن فطرة نفسِهِ أخرجه عن زوجتِهِ، لأن نفقتَها مقدَّمةٌ على سائر النفقات، ولأنها تجب على سبيلِ المعاوَضَةِ مع اليسارِ والإعسار، فَقُدِّمتْ لذلك.
(فرقيقِهِ) يعني أنه متى فَضَلَ عنده شيء عن فطرته وفطرةِ زوجته أخرجَهُ عن رقيقه، لوجوب نفقتِهِ مع الإِعسار، بخلاف نفقة الأقارب، فإنها صلةٌ لا تجب إلا مع اليسار؛ (فأمِّهِ) يعني أنه متى فَضَلَ عنده شيءٌ بعد من تقدم أخرجه عن أُمِّهِ لأن الأم مقدَّمةٌ في البِرِّ، بدليلِ الحديث الشريف 1؛ (فأبيهِ) بعد أُمِّهِ, (فولَدهِ) يعني أنّه متى فَضَلَ شيءٌ بعد من تقدّم أخرجه عن ولده، فإن كان له أولادٌ ولم يكف لجميعهم أقْرَعَ؛ (فأقربَ في الميراثِ) يعني أنه متى فضل شيء عنده بعد من تقدم، وله أقارب، قُدم الأقربُ فالأقربُ من ميراثٍ، لأن الأقرب أولى من الأبعد، فقُدِّم، كالميراث.
(وتجب) الفُطْرَةُ (على من تبرع بمؤنةِ شخصٍ شهرَ رمضانَ) لا أكثر، و (لا) تجب (على من استأجَرَ أجيراً) أو ظئراً (بطعامهِ) أو شرابه 2

لأن الواجب هاهنا أجرة تعتمد الشَّرْطَ في العقد، فلا يزادُ عليهما، كما لو كانت دراهم.
(وتسنّ) الفُطْرَةُ (عن الجنينِ.) ولا تجب لمن نفقته في بيت المال، كاللقيط.

فصل

[إخراج زكاة الفطر]

(والأفضل إخراجُها) أي زكاة الفطرة (يومَ العيد، قبلَ الصلاة) أي قبل مضيّ قدر الصلاة.
(ويكره) إخراجها (بعدها) أي الصلاة في يومه.
(ويحرم تأخيرُها) أي الفطرة (عن يوم العيد مع القدرة.
ويقضيها).
(وتجزئ قبل العيد بيومين) ولا تجزئ قبلهما.
ومن عليهِ فُطْرَةُ غيرِهِ كزوجته وعبدهِ وولدِهِ أخرجها مع فُطْرَتِهِ مكانَ نَفْسِهِ 1، لأن الفطرة سبب وجوب الزكاة، فَفُرِّقَتْ في البلد الذي وجد سببها وهو فيه 2. (والواجب) في الفطرة (عن كل شخصٍ صاعُ تمرٍ، أو بُرٍّ، أو زبيبٍ، أو شعيرٍ، أو أَقِطٍ،) وهو شيءٌ يُعْمَل من اللَّبنِ المخيضِ، وقيل من لَبَنِ الإبل فقط، أو صاعٌ مجموعٌ من الخمسة المذكورة.
(ويجزئ دقيق البُرِّ، و) دقيق (الشعير،) وسَوِيقُهُمَا 3 (إن كان)

دقيقُ البرِّ والشعيرِ، والسويقُ (وزنَ الحبّ)، قال في الإِقناع وشرحه: وصاعُ الدقيقِ يعتبرُ بوزنِ حبِّه.
نصّ عليه.
انتهى، ولو بلا نخلٍ، كَبِلاَ تنقيةٍ، لا خبزٌ، ومعيبٌ كَمُسَوِّسٍ، ومبلولٍ وقديمٍ تغيَّر طعمه، ولا مختلطٌ بكثير مما لا يجزئ كالقمحِ المختلط بكثير الزوان 1. (ويُخْرج مع عدم ذلك) أي عدم الأصنافِ الخمسةِ (ما يقومُ مقامَهُ) أي مقامَ أحدِهَا (من حبٍّ يُقْتاتَ كذرةٍ ودُخْنٍ وباقِلاً) وأرزٍّ وعدس وتينٍ يابس.
وقال ابن حامد: يجزئه إخراج كلِّ ما يُقْتَاتُ من لبنٍ ولحمٍ.
(ويجوز أن تعطيَ الجماعةُ فطرتَهم لواحدٍ، و) يجوز (أن يعطي الواحِدُ فُطْرَتَهُ لجماعةٍ).
(ولا يجزئ إخراجُ القيمة في الزكاةِ مطلقاً) سواء في المواشي أو المعشَّراتِ.
(ويحرم على الشخص شراءُ زكاتِهِ وصدَقتِهِ، ولو اشتراها من غَيْرِ من أخَذَهَا منه.) وإن رجعتْ إليه بإرثٍ أو هبةٍ أو وصيةٍ، أو ردَّها له الإمام بعد قبضِها مِنْهُ، لكونِهِ من أهلها، جاز.

باب إخرَاج الزكاةِ بَعْد استقرارهَا

(يجب إخراجُها فوراً) أي من غيرِ تأخيرٍ إلا في صُوَرٍ تأتي (كـ) وجوبِ الفوريَّةِ في (النذرِ) المطلق (والكفارةِ)، لأن الأمْرَ المُطْلَقَ في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ يقتضي الفورية.
(ومحلُّ الفوريَّةِ إن أمكنَ الإخراجُ، ولم يخف ضرراً على نفسِهِ أو مالِهِ أو معيشَتِهِ أو نحوِ ذلك.
(وله تأخيرُها لِزَمَنِ الحاجة، و) له تأخيرُها أيضاً لقريبٍ وجارٍ.) قال في الإنصاف: ويجوز أيضاً التأخير لقريبٍ وجارٍ.
قَدمهُ في الفروع.
قال: وجزمَ به جماعة.
ويجوز أيضاً التأخير للجارِ كالقريبِ.
جزَمَ به في الحاويين.
(و) يجوزُ تأخيرُها أيضاً (لتعذُّرِ إخراجها من النصابِ) لغيبةٍ وغيرِها إلى قُدْرَتِهِ عليه، (ولو قَدِرَ أن يخرجها من غيره) لأن الأصل الإخراجُ من عَيْنِ المال المخرج عنه، والإخراجُ من غيرِه رُخصَةٌ، ولا تنقلب الرخصة تضييقاً.
(ومن جَحَدَ وجوبَها) أي الزكاة، (عالماً) بالوجوب، أو جاهلاً به لكَوْنهِ 1 قريبَ عهدٍ بالإسلام وعُرِّفَ، فَعَلِمَ وأصرَّ على الجحود عناداً، فقد (كفر) لأنه مكذِّبٌ لله ورسوله.

وتجرى عليه أحكام المرتدين، بأن يُسْتَتَابَ ثلاثاً.
فإن تابَ وإلا قُتِلَ كُفْراً، حتى (ولو أخرجَها) مع جُحُودهِ لأن أدلة الوجوبِ ظاهرةٌ في الكتاب والسنة والإجماع.
وتؤخَذُ منْهُ إن كانت وجبت.
(ومن مَنَعَها) أي الزكاة (بخلاً) بها (أو تهاوناً) من غيرِ أن يجحدَها (أُخِذَتْ منه) قهراً، كدين الآدمي، وكما يؤخذ منه العشر، (وعُزِّرَ) أي عَزَّرَ إمامٌ عادلٌ من عَلِمَ تحريمَ مَنْعِها.
(ومن) طولب بالزكاة و (ادَّعى إخراجَها) لمستحقها صُدِّقَ بلا يمينٍ، (أو) ادعى (بقاءَ الحولِ) أيْ أنَّه لم يُحُلِ الحوْلُ على ماله، (أو) ادعى (نَقْصَ النِّصابِ، أو) ادعى (زوالَ المِلْكِ) عن النصاب في أثناء الحول، أو تَجَدُّدَهُ قريباً، أو أن ما بيده لغيره، ونحوِ ذلك، مما يَمْنَعُ وجوبَ الزكاةِ أو نقصانَها (صُدِّقَ بلا يمين) لأنها عبادةٌ مؤتمن عليهَا فلا يُسْتَحْلَفُ، كالصلاةِ والكفارةِ، بخلاف الوصيةِ للفقراء بمالٍ، فيحلَّف.
(ويلزم أن يخرج عن الصغيرِ والمجنونِ وليُّهما) في مالِهِما، كما يجب عليه صرف النفقةِ الواجبةِ لأن ذلك حقٌّ تدخله النيابة، فقام الوليُّ فيه مقامَ المولَّى عليهِ، كالنفقات، والغَراماتِ.
ومحلُّ ذلك إذا كان كلٌّ من الصغيرِ والمجنونِ حرًّا مسلماً تامَّ الملك.
(وسنَّ) لمخرج الزكاة (إظهارها).
(و) سنَّ أيضاً (أن يفرِّقها ربُّها) أي ربُّ الزكاة (بنفسِهِ) ليكونَ على يقين من وصولها إلى مستحقِّها وسواء كانت من الأَمْوالِ الظاهرةِ أو الباطِنَةِ.
(و) سن أن (يقول) رب المال (عند دفعها) أي دفع الزكاة لمستحقها: (اللهمَّ أجعلها مغنماً ولا تجعلها مَغْرَماً)، ويحمد الله تعالى على توفيقِهِ لإِدائِها.
ومعناه: اللهم اجعلْها مَثْمَرَةً لا مَنْقَصَةً.

(و) سن أن (يقول الآخذ للزكاة: آجَرَكَ اللهُ فيما أعطيتَ وبارَكَ لك فيما أبقيتَ وجعله لكَ طهوراً) لأنه مأمورٌ بالدعاء.

فصل

في النية في الزكاة

(ويشترط لإخراجها) أي الزكاةِ (نيَّةٌ من مكلَّفٍ) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات" ومحلُّها القلبُ، لأنه محل الاعتقاداتِ كلِّها، إلا أنْ تؤخذَ قهراً فإنها تجزئ من غير نية.
(وله تقديمُها) أي النية (بيسير).
(والأفضل قَرْنُها) أي النية (بالدفع، فينوي الزكاة، أو الصدقةَ الواجبةَ،) أو صدقةَ المال، أو صدقَةَ الفِطْر.
(ولا يجزئ أن ينوي صدقةً مطلقةً، ولو تصدَّق بجميع ماله) فإنها لا تجزئ عن الفرض.
(ولا تجب نيَّة الفرضية) لاكتفائه بنية الزكاة، فإنها لا تكون إلا فرضاً.
(ولا) يجب أيضاً (تعيينُ المال المزكّى عنه) على المذهب.
وفي تعليقِ القاضي وجه: يُعتبَر نية التعيينِ إذا اختلفَ المالُ، مثلَ شاةٍ عن خمسٍ من الإبلِ، وأخرى عن أربعين من الغنم.
(وإن وكّل) ربُّ المال (في إخراجِهَا مسلماً) ثقةً نصًّا، مكلَّفاً ذَكَراً، أو أنثى (أجزأت نية الموكِّل) فقط، (مع قُرْبِ زَمَنِ الإِخراج) من زمن التوكيل، لأن الموكِّل هو الذي عليه الفرض، وتأخيرُ الأداءِ عن النية بالزمنِ اليسيرِ جائز، (وإلا) بأن لم يَقْرُبْ زَمَنُ الإخراج من زمن التوكيل (نوى) الموكِّل مع 1 (الوكيل أيضاً) لئلا يَخْلوَ الدفع إلى المستحق عن

نيةٍ مقارنةٍ أو مقاربةٍ، ولو نوى الوكيلُ دون الموكِّل لم تجزئ.

[نقل الزكاة من بلدها]

(والأفضل جَعْلُ زكاةِ كل مالٍ في فقراءِ بلده) ويجوز نقلُها إلى دونِ مسافةِ قصرٍ من بلدِ المال، نص عليه، لأنه في حكم بلدٍ واحدٍ، بدليل الأحكام.
(ويحرم نقلُها إلى مسافةِ قصرٍ) سواء كان النقلُ لِرَحِمٍ، أو شدّةِ حاجةٍ، أو ثغرٍ، أو غيرِ ذلك، حيثُ كان ببلدِ الوجوبِ مُسْتحِقٌّ، لأن فقراءَ أهلِ كل مكانٍ إنما يَعْلَمُ بهم غالباً أهلُهُ ومن قَرُبَ منهم، وأطماعُهُمْ تتعلَّق بزكاةِ مالِ البلدِ، ولهم حُرْمَةَ قُرْبِ الدار، فَمُنِعَ من النقل، ليستغْنُوا بها غالباً.
(وتجزئُ) يعني أنه متى نَقَلَ الزكاةَ مع الحرمة، وأخرجها في غير بلد المال، فإنها تجزئه على الأصل.

[تعجيل الزكاة]

(ويصح تعجيل الزكاة لحولين) على الأصح (فقط) لا لأكثرَ من حولين.
ومحلُّ جوازِ التعجيل (إذا كمل النصاب) لأنه سببها، فلم يجز تقديمُها عليهِ، كالتَّكْفيرِ قبلَ الحَلِفِ (لا منه) أي النصاب (لحولين) 1 وقد علم منه أنه إذا أخرج للحول الأول أنه يصح التعجيل.
(فإن تلف النصابُ) المعجَّل زكاته (أو نَقَصَ) قبل الحول (وقع نفلاً.) وإن مات قابضُ زكاةٍ معجلةٍ، أو استغنى قبل مضيِّ الحول أجزأتِ الزكاةُ عمن عجَّلها.
= المنتهى.
ولم نغير لأن النسخ متفقة، فلعله سهوٌ من الشارح رحمه الله تعالى.
ثم رأيت الشيخ (عبد الغني) استشكل عبارة الشارح أيضاً.

باب أهل الزّكاة

(وهم ثمانية) أصنافٍ لا يجوز صرفها إلى غيرهم، من بناءِ المساجِد والقناطِر، وسد البُثُوقِ 1، وتكفين الموتى، ووقْفِ المصاحِفِ، وغيرِ ذلكَ من جهاتِ الخير، وذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية.
(الأول: الفقير، وهو من لم يجدْ) شيئاً، ألبتة، أو لم يجد (نصف كفايته،) وهو أشدُّ حاجةً من المسكين.
(الثاني: المسكين، وهو من يَجِدُ نِصْفَها) أي نصفَ كفايته (أو أكثرَها) أي أكثَرَ الكفاية.
(الثالث: العاملُ عليها) لقوله تعالى: (وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا) وهم السعاةُ الذين يبعثهم الإمام لأخذ الزكاة من أربابها (كَجَابٍ، وحافِظٍ، وكاتِبٍ، وقاسِم،) وكلِّ من يُحتاج إليه فيها.
وشُرِطَ كون العامِل عليها مكلِّفاً، مسلماً، أميناً، كافياً، من غير ذوي القربى.
(الرابع: المؤلَّفُ) لقوله عز وجل: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، (و)

المؤلَّفُ (هو السَّيِّد المُطاعُ في عشيرته، ممن يُرجى إسلامُهُ، أو يُخْشَى شره، أو يرجى بعطيته قوةُ إيمانه، أو) إسلام نظيرِهِ، أو من أجل (جبايتها) أي جباية الزكاة (ممن لا يُعْطيها،) وهم قومٌ إذا أُعْطُوا من الزكاة جَبَوْهَا ممن لا يعطيها إلا بالتَّخْويفِ، أو مِنْ أجلِ دفعٍ عن المسلمين.
(الخامس: المكاتَبُ) ولو قبل حلول نجم، ويجزئ أن يشتريَ منها رقبةً لا تَعْتَقُ عليه برحِمٍ، ولا تعليقٍ، فيعتقُها، وأن يفديَ بها أسيراً مسلماً، لا أن يُعْتِقَ قِنَّهُ أو مكاتَبَهُ عنها.
(السادس: الغارم) من المسلمين (وهو) ضربان: الأول: (من تدين للإصلاح بين الناس) أو تحمل إتلافاً أو نهباً عن غيره، ولم يدفعْ من ماله ما تحمَّله.
والضرب الثاني مِنْ صِنْفَ الغارم، ما أشار إليه بقوله: (أو تديَّنَ لنفسِهِ) أي لإصلاح نفسِه في أمرٍ مباح، أو محرّمٍ وتاب منه، (وأَعْسَر).
قال في الفروع: ومن غَرِمَ في معصيةٍ لم يُدْفَعْ إليه شيء، فإن تابَ دُفِعَ إليه في الأصحّ.
(السابع: المغازي في سبيل الله) لقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (بلا ديوانٍ،) أو لا يكفيه.
(الثامن: ابنُ السبيل) لقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (وهو الغريب المنقطع بمحلٍّ غير بَلَده) في سفرٍ مباحٍ، أو محرَّمٍ وتابَ منه، لا مكروهٍ وَنُزْهَةٍ.
(فيعطى للجميعِ منَ الزكاةِ بقَدْرِ الحاجَةِ) فيعطى الفقيرُ والمسكينُ من الزكاةِ تمامَ كفاييهِما مع عائِلَتِهِمَا سنةً.
ويعطى المؤلَّفُ منها ما يحصُل به التأليف، ويعطى المكاتَبُ ما يقضي به ديْنَه، ولو مع قوّته وقدرتِهِ على التكسُّب.

ويعطى الغارِمُ ما يفي به دينَهُ، ويعطى المغازي ما يحتاج إليه لغَزْوِهِ من سلاحٍ، وفَرَسٍ، إنْ كانَ فارساً.
وحمولَتَهُ، وجميعَ ما يحتاجُه له ولعَودِهِ.
ويعطى ابن السبيلِ، ولو وَجَدَ مقرضاً ما يبلغُهُ بلدَهُ، ولو كانَ له اليسارُ في بلده؛ (إلا العامل، فيعطى بقدر أجرتِهِ) منها (ولو كانَ غنيًّا أو قِنًّا) إلا إن تَلِفَتْ بيدِهِ بلا تفريطٍ فيه، فإنه يعطى أجرتَهُ من بيتِ المالِ.
ويستحبُّ صرفُها في الأصنافِ الثمانية كلِّها.
(ويجزئ دفعُها إلى الخوارجِ والبغاةِ.
وكذلك من أَخذَهَا من السلاطينِ قهراً أو اختياراً، عَدَل فيها أو جار.)

فصل

[فيمن لا يصح دفع الزكاة إليه]

(ولا يجزئ دفعُ الزكاة للكافِر) غير المؤلفِ.
(ولا) يجزئُ دفعها (للرقيقِ) غيرِ العاملِ والمكاتَب.
(ولا) يجزئُ دفع الزكاة (للغنيِّ بمالٍ أَو كسبٍ، ولا لمن تلزمه) أي المخرج (نفقتُهُ) كعتيقِهِ، ما لم يكنْ عاملاً، أو غازياً، أو مؤلَّفاً، أو مكاتَباً، أو ابنَ سبيلٍ، أو غارماً لإصلاح ذات بين (ولا للزوج) 1 لأنها تعود إليها بإنفاقه عليها.
(ولا) يجزئ دفع الزكاة (لبني هاشم) وهم سلالة هاشمٍ،

فيدخل آلُ عباسٍ، وآل عليٍّ، وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ عقيلٍ، وآل الحارثِ بنِ عبد المطلب، وآلُ أبي لهبٍ، ما لم يكونوا غزاةً، أو مؤلَّفةً، أو غارمين لِإصلاح ذات البين.
وكذا مواليهم.

[حكم من دفع الزكاة لغير أهلها]

(فإن دفعها) أي دفع الزكاةَ ربُّ المالِ (لغير مستحِقِّها وهو يَجْهَل) عدم استحقاقِهِ، كما لو دَفَعها لعبدٍ أو هاشميٍّ، أو لأبيه، ونحو ذلك، (ثُمَّ عَلِمَ) حقيقةَ الحالِ (لم يجزئْهُ) لأنه ليس بمستحقٍّ، ولا يخفى حالُهُ غالباً، فلم يُعْذَرْ بجهالَتِهِ، كدين الآدمي.
(ويستردُّها) ربها (منه) أي ممن أخذها (بنمائها) سواء كان متصلاً كالسِّمَنِ، أو منفصلاً كالولد، لأنَّه نماءُ ملكِه.
وإن تلفت الزكاة في يد القابِضِ ضَمِنَها، لعَدَمِ ملكِهِ لها.
(وإن دَفَعها لمن يظنُّه فقيراً فبان غنيًّا أجزأ.) وإن دفع صدقة التطوّع إلى غنيٍّ وهو لا يعلم غناهُ لم يرجعْ، لأن المقصود الثواب.
(وسن أن يفرق الزكاة على أقارِبِهِ الذين لا تلزمه نفقتهم) كخالٍ وخالةٍ (على قدر حاجَتِهِمْ) فيزيد ذَا الحاجةِ منهُمْ على قدرِ حاجتِهِ، فإن استوَوْا في الحاجَةِ وتفاوتوا في القرب، بدأ بالأقرب فالأقرب منهم.
(و) له تفرقة مالِهِ 1 (على ذوي أرحامِهِ كعمَّتِهِ وبنتِ أخيه) هذا تكرار مع ما قبله.
(وتجزئُ) الزكاة (إن دفعها) ربها (لمن تبرَّع بنفَقَتِهِ بضمِّهِ إلى عيالِهِ) كيتيمٍ أجنبي.

فصل

[في صدقة التطوع]

(وتسن صدقة التطوُّع) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ وعن أنس بن مالكٍ، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الصدقةَ لتطفئُ غَضَبَ الربِّ وتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوء" رواه الترمذي 1. (في كل وقتٍ، لا سيما سِراً،) وبطيبِ نفسٍ، وفي الصِّحَّة أفضلُ.
(و) كونُهَا (في الزمانِ) الفاضِلِ كالعَشْرِ، (و) في (المكانِ الفاضِلِ) كالحرمين، أفضلُ.
(و) كون صدقة التطوُّع (على جارِهِ وذوي رَحمهِ) لا سيّما مع عداوةٍ (فهي) أي الصدقة على ذوي أرحامِهِ (صدقَةٌ وَصِلَةٌ) وهي أفضل من الصدقة على غير الجار وغير ذوي الأرحام، لقوله جل من قائلٍ: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾.
(ومن تصدَّق بما ينقصُ مؤنةٌ تلزمه) أي مؤنةُ من تلزمَهُ مؤنته، (أو أضر بنفسِهِ أو غريمهِ) أو كفيلِهِ بسبب صدقتِهِ (أَثِمَ بذلك،) أي بما يضرّ بواحدٍ ممن ذكر.
(وكره لمن لا صبر له) على الضيق، (أو لا عادةَ له على الضيق، أن ينقُص نفسه عن الكفاية التامة) نصّ عليه.
وظهر من ذلك أن الفقيرَ لا يقترضُ ليتصدَّقَ بما يقترضُه.
لكن نصَّ أحمدُ في فقيرٍ لقريبِهِ وليمة: يستقرضُ ويهدي له.
وهو محمول على ما

إذا ظن وفاءٌ.
ذكره في المبدع.
قال في الفروع: قال شيخنا: فيه صلةُ الرحم بالقَرْضِ.
وقد ذكر ابن عقيلٍ في مواضع: أُقْسِمُ بالله لو عَبَسَ الزمانُ في وجهِكَ مرةً، لعبَسَ في وجهك أهلُكَ وجيرانُك.
ثم حث على إمساكِ المالِ.
وذكر ابن الجوزيّ في كتاب "السرِّ المصونِ" أن الأوْلى أن يدّخر لحاجةٍ تعرِضُ.
قال بِشْرٌ الحافي: "لو أن لي دجاجةً أعولُها خِفْتُ أن أكون عَشّاراً على الجسر".
وقال الثوري: "من كان بيده مال فليجعلْهُ في قَرْنِ ثورٍ، فإنه زمانٌ من احتاج فيه كانَ أولَ ما يبذُلُ دينَهُ".
(والمنّ بالصدقةِ كبيرةٌ) والكبيرةُ ما فيه حدٌّ في الدُّنْيا أو وعيد في الآخرة 1. (ويبطل به) أي بالمنّ (الثواب) قال ربنا عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾.

فصول الكتاب · 33 فصل · 512 صفحة
جارٍ التحميل