نيل المارب بشرح دليل الطالبصفحات 216-255
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتَاب الجَنَائز

صفحات 216-255
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي تغلب
الكتاب
نَيْلُ المَآرِب بشَرح دَلِيلُ الطَّالِب
المؤلف
عبد القادر بن عمر بن عبد القادر ابن عمر بن أبي تغلب بن سالم التغلبي الشَّيْبَاني (المتوفى: 1135هـ)
المحقق
الدكتور محمد سُليمان عبد الله الأشقر - رحمه الله -
الناشر
مكتبة الفلاح، الكويت
الطبعة
الأولى، 1403 هـ - 1983 م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بفتح الجيم جمع جِنازة، بكسرها، والفتح لغة.
وقيل: بالفتح للميت، وبالكسر اسم للنعش عليه ميت.
ويقال عكسه.
فإن لم يكن ميتٌ فلا يقال: نعشٌ، ولا جنازة، إنما يقال: سرير.
(يسن الاستعداد للموت) بالتوبةِ من المعاصي والخروجِ من المظالم (والإِكثار من ذكره) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أكْثِروا من ذِكْرِ هَاذِمِ اللذّاتِ" 1. (ويكره الأنين) لأنه يترجِمُ عن الشكوى المنهيّ عنها 2، ما لم يغلبه.
ويستحب للمريض الصبرُ على المرض، والرضا بقضاء الله تعالى.

[تمني الموت]

(و) يكره (تمنِّي الموت) نزل به ضُرّ، أو لم ينزل، ويستثنى من

ذلك حالتان لا يكره تمنيه فيهما: أشار للأولى بقوله: (إلا لخوفِ فتنةٍ) في دينِهِ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وإذا أردْتَ بقومٍ فتنةً فاقبضني إليك غيرَ مفتونٍ" 1. الحالة الثانية: تمنّي الشهادة، لا سيّما عند حضور أسبابها، فتستحبّ، لما في الصحيح "مَنْ تمنَّى الشهادةَ خالصاً من قلبِه أعطاه الله منازلَ الشهداءِ" 2.

[عيادة المريض]

(وتسنّ عيادَةُ المريضِ المسْلِمِ) ونصه "غير المبتدع" كرافضيّ، ومن يَجْهَرُ بالمعصية، من أوّل مرضِه.
قال في الإِقناع: وظاهره: ولو من وجع ضرسٍ، ورمَدٍ، ودُمَّلٍ، خلافاً لأبي المعالي وابن المَنْجَا.
قال: ثلاثةٌ لا تعاد ولا يسمّى صاحبها مريضاً: الضَّرس، والرمَد، والدُّمَّل.
وتحرُم عيادة الذميّ.
ولا يجبُ التَّداوي، ولو ظُنَّ نَفْعُهُ، وتركُه أَفْضَل 3.

[تلقين المحتضر وما يصنع به]

(و) سنّ (تلقينه) أي المريض المنزول به (عند موته) قول (لا إله إلا الله) لما روى مسلمٌ عن أبي سعيد مرفوعاً "لقِّنُوا مَوْتَاكُم: لا إله إلا

الله"، وعن معاذٍ مرفوعاً "من كان آخرُ كلامِهِ: لا إله إلا اللهُ، دَخَلَ الجنة" رواه أحمد 1. ويلقَّنُ (مَرةً) نقله مُهنَّا.
واختار الأكثر: ثلاثاً (ولم يَزِدْ إلاَّ أنْ يتكلّم) قال في الإِنصاف: قال في مجمع البحرين: المنصوص أنه لا يزيد على مرة، ما لم يتكلمْ.
وإنما استُحِبَّ تكرار الثلاثِ إذا لم يُجِبْ أوّلاً، لجوازِ أن يكون ساهياً، أو غافلاً.
وإذا كرر الثلاثَ عُلِمَ أن ثَمَّ مانعاً.
انتهى.
(و) سنَّ (قراءةُ الفاتحةِ، و) قراءةُ سورة (يس) عند من نُزِلَ به، لأن قراءةَ ذلك تُسَهِّل خروج الروح.
(و) سن (توجيهُهُ) إلى القبلة على جنبه الأيمنِ مع سِعةِ المكانِ، وإلا) أي وإن لم يمكنْ توجيهُهُ لضيقِ المكان (فعلى ظهرِهِ) أي فيلقى على قفاه، وأخْمَصاهُ إلى القبلة، كالموضوعِ على المُغْتَسَل.
زاد جماعة: وُيرفعُ رأسَه قليلاً ليصيرَ وجهه إلى القبلة.
فائدة: ينبغي للمريض أن يستحضرَ في نفسِهِ أنه حقيرٌ من مخلوقاتِ الله تعالى، والله سبحانه وتعالى غنيٌّ عن عباداتِه، وطاعاتِه، وأنّه لا يطلبُ العفوَ والإِحسانَ إلا منه، وأنه أكرمُ الأكرمين، وأرحمُ الراحمين، وأن يكثرَ ما دامَ حاضرَ الذهنِ من قراءةِ القرآنِ، ويشكرَ الله تعالى بقلبِه ولسانِه، وأن يبادِرَ إلى أداء الحقوق إلى أهلها، بردّ المظالم، والودائع، والعواري، واستحلالُ أهلِهِ من والدٍ، وزوجةٍ، وأولادٍ، وغلمانٍ، وجيرانٍ، وأصحابٍ، وكلِّ من كان بينُهُ وبينه معاملة أو تعلُّقٌ في شيء، ويحافظَ على الصلواتِ الخمسِ واجتنابِ النجاساتِ، ويصبر

على مشقة ذلك، ويحذِّر نفسَهُ من التساهُل في ذلك، فإنّ من أقبح الأمورِ أن يكونَ آخِرُ عمرهِ وخروجِه من الدنيا التي هي مزرعةٌ للآخرةِ مفرّطاً فيما وجب عليه، أو نُدِبَ إليه، وأن يتعاهد نفسَهُ بتقليم أظفاره، وأخذِ شعرِ شاربِه، وإبطِهِ، وعانَتِهِ، وأن يعتمدَ على اللهِ تعالى فيمن يحب من بنيه وغيرِهم، ويوصي للأرْجَحِ في نظره.
(فإذا ماتَ سُنَّ تغميضُ عينيهِ) ويباحُ من مَحْرمٍ ذكرٍ أو أنثى.
ويكرَهُ من حائضٍ وجُنُبِ وأن يَقْرَباهُ.
(و) سنّ (قولَ: "بسم الله وعلى وفاةِ رسولِ اللهِ) - صلى الله عليه وسلم - "لما روى البيهقيّ عن بكرِ بن عبد الله المزنيّ، ولفظه: "وعلى ملّةِ رسولِ الله".
وسنَّ شَدُّ لَحْيَيْهِ بعصابة، وتليينُ مفاصله، بأن يردّ ذراعيِه إلى عَضُدَيْهِ، ثم يردهما، ويردّ أصابعَ يديهِ إلى كفَّيْهِ، ثم يبسطهما، ويردُّ فخذيه إلى بطنِه، وساقيه إلى فخذيه، ثم يمدُّهما.
والمقصود منه السهولةُ في الغسلِ.
(ولا بأسَ بتقبيلِهِ والنظر إليه) ممن يباحُ له ذلك حال حياته (ولو بعدَ تكفينه.)

فصل

في غسل الميت

(وغَسْل الميتِ) مرةً واحدةً، أو تيممُه لعذرٍ، كخوفٍ عليه من تقطع وتهرٍّ، كالمحترقِ والمسمومِ، ونحوهم (فرضُ كفايةٍ) إجماعاً، على كلِّ من عُرِفَ به وأمكنَهُ.
وهو من حقوق الله تعالى الواجبةِ للِإنسان المسلم بعدِ موتِهِ، حتى ولو وصّى بإسقاطه.
قال في التنقيح: وغسلُه فرضُ كفايةٍ، ويتعيّن مع

جنابةٍ أو حيضٍ.
ويسقطانِ به.
انتهى.
فيحمل كلام المنقّح على أن الغسلَ تعيَّنَ على الميِّتِ قبل موتِهِ ثم مات.
وأنَّ الذي يتولى غسلَه يقومُ مقامَه في ذلك، ويكونُ ثوابُهُ كثوابِهِ.
(وشُرِطَ) بالبناء للمفعولِ، لصحةِ غسلِهِ (في الماء الطهوريَّةُ) كسائر الطهاراتِ (والإِباحةُ) كباقي الأغسال.
(و) شُرِطَ (في الغاسِلِ الإِسلام) فلا يصح من كافرٍ، والمرادُ: غيرَ نائبِ مسلمٍ نَوَاه، (والعقلُ) لأن غير العاقلِ ليس أهلاً للنية، (والتمييزُ) لا البلوغُ، لصحةِ غسلِ المميِّز لنفسِهِ.
(والأفضل) أن يُخْتارَ لغسل الميت (ثقةٌ عارفٌ بأحكامِ الغَسْل) ونَقَل حنبلٌ: لا ينبغي إلا ذلك، وأوجبَهُ أبو المعالي ولو جُنُباً أو حائضاً.
(والأوْلى به) أي الغسل (وصيُّهُ العدلُ،) عمومُهُ يتناول ما لو وصّى لامرأتِهِ.
وهو مقتضى استدلالِهِم بأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه وصَّى لامرأتِهِ، فغسّلته.
وكذا لو وصَّتْ لزوجها.
ولعل المرادَ الاكتفاءُ بالعدالةِ الظاهرة.
وتعتبر العدالة أيضاً في غير الوصيّ، لعدم الفرق، أو فيه وحدَه.
والأوْلى بعد وصيِّه العدلِ أبوهُ وإن علا، ثم الأقربُ فالأقربُ، كالميراث.
(وإذا شَرَع) الغاسل (في غسله سَتَر عورتَهُ وجوباً) وهي ما بين سرَّةٍ وركبةٍ إلا منْ دونَ سبعٍ، ثم جَرَّدهُ من ثيابِه ندباً.
(ثم يلفُّ على يدِه خرقةٌ فينجِّيهِ) أي يمسح مخرجَه (بها) أي بالخرقة.
(ويجبُ غسلُ ما بِهِ) أي الميت (من نجاسةٍ) لأن المقصودَ بالغَسْلِ تطهيرُه حَسَبَ الإِمكان.
(ويحرم مسُّ عورةِ من بلغَ سبعَ سنينَ) لأن التطهيرُ يمكنُ بدونِ مسٍّ، فأشْبَهَ حال الحياةِ.

(وسُنَّ أن لا يمسَّ) الغاسلُ (سائرَ) أي باقيَ (بدنه إلا بخرقةٍ) فحينئذ يُعِدُّ الغاسل خِرّقَتَينِ: إحداهما للسبيلين، والأخرى لبقيّة بدنه.
(وللرجلِ أن يغسلَ زوجتَهُ) إن لم تكن ذمّيّةً، ولو قَبلَ الدخولِ.
(و) للسَّيِّدِ أن يغسِلَ (أمَتَهُ) وَطئَها أَوْ لا، وأُمَّ ولدِهِ، ومكاتَبَتَهْ، ولو لم يشترطْ وطأَها.
ولا يغسل سيُّدٌ أَمتَهُ المزوَّجة، ولا المعتدَّةَ من زوجٍ، ولا المعتَقَ بعضُها، ولا من هي في استبراءٍ واجبٍ، ولا تَغْسِلُه.
(و) للرجلِ أن يغسلَ (بنتَ دونِ سبعِ سنينَ).
(وللمرأةِ غَسْلُ زوجِها) ولو قبلَ الدخولِ.
ولو وضعتْ عقبَ موتِهِ أو طلاقٍ رجعيٍّ ما لم تتزوّجْ أو تكنْ ذمّيّة، (وسيّدِها، وابنِ دونِ سبعِ) سنين.
(وحُكْمُ غسلِ الميِّت فيما يَجِبُ وُيسَنُّ كغَسْلِ الجَنَابَةِ، لكنْ لا يُدْخِلُ) الغاسِلُ (الماءَ في فمهِ) أي الميّت (و) لا في (أَنْفِهِ) خشيةَ تحريكِ النجاسة، (بل يأخذُ خرقةً مبلولةً) بماءٍ (فيمسَحُ بها) أي بالخرقة (أسنانَه ومِنْخَريِهِ) وينظّفها ثم يَغسِلُ شِقَّهُ الأيمنَ، ثم شِقَّه الأيسرَ، ثم يفيضُ الماء على جميع بدنِهِ، ليعُمَّه بالغسل.
ويثلَّثُ ذلك.
(ويكره الاقتصارُ في غسلِه) أي الميت (على مرّةٍ) واحدةٍ (إن لم يخرجْ منه شيء.
فإن خرج) منه شئ (وجب إعادةُ الغسلِ إلى سبعِ) مراتٍ.
قال في شرح الإِقناع: لأن المقصود من غسلِ الميتِ أن يكون خاتمةُ أمرِهِ الطهارةَ الكاملةَ، ألا ترى أنّ الموت جرى مجرى زوال العقل؟ ولا فرقَ بين الخارجِ من السبيلين، وغيرهما.
(فإن خرج منه) شيءٌ (بعدها) أي السبع غسلاتٍ (حُشِيَ) محلُّ الخارج (بقطنٍ) ليمنع الخارجَ.
(فإن لم يستمسكْ) الخارجُ بعد حشوِ

محله بالقطن (فـ) إنه يُحشى (بطينٍ حرٍّ) أي خالصٍ، لأن فيه قوةً تمنع الخارج.
(ثم يُغْسَل المحل) أي محل النجاسةِ (ويُوَضَّأ) الميتُ (وجوباً)، كالجُنُبِ إذا أحدث بعد غسلِهِ، لتكون طهارةً كاملة (ولا غسلَ) أي لا غسل بعدَ السبعِ واجبٌ.
(وإن خرجَ) منه شيء قليلٌ أو كثيرٌ (بعد تكفينه لم يُعِدِ الوضوءَ ولا الغسلَ،) لما في ذلك من المشقة، بالاحتياجِ إلى إخراجِهِ من الكفن، وإعادةِ غسلِه وتطهيرِ أكفانِهِ وتجفيفِها أو إبدالِها، ثمّ لا يؤْمَن أن يخرجَ شيء بعد ذلك.

[الشهيد]

(وشهيدُ المعركة المقتولُ ظلماً لا يغسلُ) وجوباً (ولا يكفَّنُ، ولا يصلَّى عليه، ويجب بقاء دَمِهِ عليه) إلا أن تخالطه نجاسة، فيغسلا.
(ودفْنُهُ في ثيابه) التي قتِل فيها بعد نزعِ آلة الحرب، ونحوِ خفٍّ وفَرْوٍ.
(وإن حُمِلَ فأَكَلَ أو شرب أو نام أو بال أو تكلم أو عطس، أو طال بقاؤه عرفاً، أو قتل وعليه ما يوجب الغسل من نحو جنابةٍ) كغسل حيضٍ ونفاسٍ وإسلامٍ (فهو كغيره) في أنه يغْسَل ويكفَّن ويصلَّى عليه.
وإن قتل وعليه حدثٌ أصغرُ لم يوضّأ.
(وسِقْطٌ لأربعة أشهرٍ) فأكثر (كالمولود حيًّا) يعني أنه يغسل ويصلى عليه.
فائدة: يحرُم سوءُ الظنَّ بمسلمٍ ظاهرِ العدالةِ.
قال القاضي وغيره: ويستحبُّ ظنُّ الخير، بالأخِ المسلم.
وفي "نهاية المبتدئين" حُسْنُ الظنِّ بأهل الدين حَسَنٌ.
وذكر المهدويّ والقرطبيّ عن أكثرِ العلماء: أنه يحرم ظنُّ السوءِ بمن ظاهرُهُ الخير.
وأنه لا حرج بظنِّ السوءِ لمن ظاهره

الشر.
وأما ما روي من حديث "إياكم والظنَّ فإِن الظنَّ أكذب الحديث" (1) محمولٌ والله أعلم على الظن المجرّد الذي لم يعضده قرينةٌ تدل على صدقِهِ.
(ولا يغسِل مسلمٌ كافراً ولو ذمّياً) سواء كان قريباً أو أجنبيًّا، (ولا يكفِّنُه ولا يصلي عليه) أما تكفينُه فإنه تَوَلٍّ، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وأما الصلاةُ عليه فهي شفاعةٌ للميّت، والكافرُ ليس من أهلها.
(ولا يتَّبعُ جنازَتَه) لأن في ذلك تعظيماً له.
(بل يُوَارَى لعدم من يواريه) من الكفّار.
ولا فرقَ في ذلك بين الذمّيّ، والحربيّ، والمرتدّ، والمستأمِن، لأنّ في تركِهِ سبباً للمُثْلَةِ به، وهي ممنوعةٌ في حقّه، بدليل عموماتِ النهيِ عنها.

فصل

في الكلام على الكفن

(وتكفينُه) أي الميت (فرضُ كفايةٍ) على كل من علم به (والواجب) لحق الله تعالى وحقّه (سترُ جميعِهِ سوى رأسِ المُحْرِمِ، (ووجهِ المحرِمَةِ بثوب) واحدٍ، متعلقٌ بتكفينِهِ إلا يَصِفُ البشَرَةَ) أي سوادَها وبياضَها.
(ويجب أن يكون من ملبوسِ مثلِهِ) أي مثل الميت (ما لم يوصِ الميت بدونه) أي بدونِ ملبوسِ مثلِهِ.
وُيكْرَه في أعلى من ملبوس مثله.
وتكونُ مؤنةُ تجهيزِه من رأسِ ماله مقدَّماً حتى على دينٍ بِرَهْنٍ وأرشِ جنايتِهِ ونحوهما.1

فإنْ لم يكن له مال فممن تلزَمُه، إلا الزوجَ.
إنه لا يلزمه كفَنُ زوجته، ولا مُؤْنَة تجهيزها.
ثم من بيت المال، إنْ كان الميِّت مسلماً.
ثمَّ إن لم يكن بيتُ مالٍ، أو كانَ وتعذَّر، فَعَلَى كلِّ مسلم عالم به.
(والسنّة تكفينُ الرجل في ثلاثِ لفائِفَ بِيضٍ من قطن.) وكره تكفين الرجل في أكثر من ثلاثةِ أثوابٍ، وتعميمُه 1، ظاهرُهُ: وإن وَرِثَهُ غيرُ مكلّف، أو كان عليه دين.
(تُبْسَطُ) اللفائفُ الثلاثُ (على بعضها) 2 بأن تُبْسَطَ واحدةٌ، ثم أخرى فوقها، ليوضع الميت عليها مرة واحدةً، ولا يُحتاجُ إلى حملِه ووضعِه على واحدةٍ بعدِ واحدة.
بعد تَبْخيرها، ويجعل الظاهرة أحسنَها، والحنوطَ فيما بينها.
(ويوضع) الميتُ (عليها) أي على اللفائفِ الثلاثِ المبسوطات (مستلقياً) لأنه أمكن لإِدراجِهِ.
(ثم يُرَدُّ طرفُ) اللفافَةِ (العليا من الجانبِ الأيسر) أي جانب الميت الأيسَرِ (على شِقِّهِ الأيمنِ، ثم) يرد (طرفها) أي طرف اللفافة (الأيمنَ على) شق الميت (الأيسَرِ، ثم الثانية) تُرَدُّ كذلك، (ثُمَّ الثالثة) ترد (كذلك،) فَيُدْرِجُه فيها إدراجاً.
ويجعل أكثر الفاضلِ عند رأسِهِ.
ثم تعقدُ.
وتُحَلُّ في القبر.
(و) تكفَّن (الأنثى) والخنثى (في خمسة أثوابٍ بيضٍ من قطنٍ) استحباباً: (إزارٍ، وخمارٍ، وقميصٍ، ولفافتين) قال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهلِ العلم يرى أن تكفين المرأة في خمسة أثواب.
(و) يكفَّن (الصبيُّ في ثوب واحد.
ويباحُ) أن يكفن الصبيّ (في

ثلاثةٍ) من الثياب، ما لم يرثْهُ غيرُ مكلفٍ من صغيرٍ أو مجنونٍ.
(و) تكفَّنُ (الصغيرةُ في قميصٍ ولفافتينِ) استحباباً نصاً، لا خمارَ فيه.
فائدة: قال في الإِقناع: قال ابن عقيل: ومن أخرجَ فوقَ العادةِ، فأكثَرَ الطيبَ والحوائجَ، وأعطا المُقْرِئينَ بين يدي الجنازة (1)، وأعطى الحمَّالين والحفّارين زيادةً على العادة، على طريق المروءة، لا بقدر الواجب، فمتبرِّع.
فإن كان من التَّرِكَةِ فمن نصيبِه.
انتهى.
قال في شرحه: وكذا ما يعطى لمن يرفع صوتَهُ بالذِّكرِ، وما يُصْرَفُ من طعام ونحوه لياليَ جُمَعٍ، وما يُصْنَعُ في أيامها من البِدَعِ المستحدثة، خصوصاً إذا كان في الورثة قاصِرٌ.
انتهى.
(ويكره التكفين بشعَرٍ وصوفٍ) لأنه خلاف فعل السلفِ.
(و) يكره التكفين (بـ) مُزَعْفَرٍ ومُعَصْفَرٍ (ومنقوشٍ) ولو لامرأة، لأنه غير لائقٍ بحال الميّتِ.
(ويحرم) التكفين (بجلْدٍ) لأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بنزع الجلود عن الشهداء، وأن يدفنوهم في ثيابهم.
(و) يحرم التكفين (بحريرٍ ومُذَهَّب) في حق الذَّكَرِ والأنثى والخنثى.
ويجوز التكفين بالحرير عند عدمِ ثوبٍ واحدٍ يستر جميعَه، لِوجوِبهِ، ولأنّ الضرورة تندفع به.

فصل

في الصلاةِ على الميّت

(والصلاةُ عليه) أي على الميّت حيثُ قلنا يُشرَعُ تغسيلُه (فرضُ1

كفايةٍ) بقوله - صلى الله عليه وسلم -:"صلُّوا على من قال لا إله إلا الله" 1. والأمْرُ للوجوب.
وإنما يجب على العالم بالميِّتِ من المسلمين، لأن من لم يعلم معذور.
(ويسقط) فرضُ الصلاة على الميت (بـ) صلاةِ واحدٍ (مكلفٍ ولو أنثى) أو خنثى، لأن الصلاةَ على الميت فرضٌ تعلَّق بالواحِدِ، كغسله وتكفينه، ودفنه.
(وشروطُها) أي الصلاة على الميت (ثمانية): الأول: (النية؛ و) الثاني: (التكليف؛ و) الثالث: (استقبال القبلة؛ و) الرابع: (ستر العورة؛ و) الخامس: (اجتناب النجاسة) في ثوب المصلي وبدنِهِ وبُقْعَتِهِ؛ (و) السادس: (حضور الميّت) بين يدي المصلي، فلا تصحّ على جنازةٍ محمولةٍ، ولو صلى وهي من وراءِ جدارٍ لم تصح (إن كان بالبلد؛ و) السابع: (إسلام المصلّي والمصلِّى عليه، لأن الصلاة على الميت شفاعةٌ، والكافر لا يستجابُ فيه دعاءٌ؛ (و) الثامن: (طهارتهما) أي المصلي والمصلَّى عليه (ولو بترابِ، لعذر) مثلِ فقدِ الماء.
(وأركانُها سبعة) أشياء، قال في المنتهى: "وواجباتها" 2: الأول: (القيام) من قادرٍ (في فرضِها)، فلا تصح من قاعد، ولا ممن على راحلة، إلا لعذرٍ فيهما، كبقية الصلواتِ المفروضة.
قال في شرح المنتهى: وعلم من قوله: "فرضها" أن الصلاة لو تكررتْ لم يَجبِ القيامُ على من صلَّى على الجنازةِ، بعد أن صلَّى عليها غيْرُه، لسقوط الفرض بالصلاة الأولى.
(و) الثاني: (التكبيراتُ الأربعُ) فإن ترك منها غيرُ مسبوقٍ ولو

تكبيرةً واحدةً عمداً بطلت صلاتُه، وسهواً يكبر وجوباً، ما لم يطل الفصل.
وصحَّتْ.
فإن طال، أو وُجِد منافٍ للصلاة استأنف.
(و) الثالث: (قراءة الفاتحة) لإِمامٍ ومنفردٍ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - "لا صلاةَ إلا بفاتحةِ الكتابِ" 1 ولأنها صلاةٌ مفروضة، فوجبت القراءة فيها، كالمكتوبة، وُيسَنُّ إسرارُها، ولو ليلاً.
(و) الرابع: (الصلاة على) النبيّ (محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -) زاد الأثرم: والسنةُ أن يفعلَ من وراءَ الإِمام مثلَ ما يفعل إمامهم.
(و) الخامس: (الدعاءُ للميت.) ويكفي أدنى دعاءٍ له.
(و) السادس: (السلام).
(و) السابع: (الترتيب) للأركان، فتتعين القراءة في الأُولى، والصلاةُ على النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، في الثانية.
صرح به في المستوعِبِ والكافي والتلخيص والبُلْغة.
(لكن لا يتعيَّن كونُ الدعاءِ) للميت (في) التكبيرةِ (الثالثةِ) أي بعدها، (بل يجوز) الدعاء للميت (بعد) التكبيرةِ (الرابعة،) نقله الزركشي عن الأصحابِ.
(وصفتُها) أي صفة الصلاة على الجِنازة، أن يقومَ إمامٌ عند صدرِ رجلٍ، ووسطِ امرأةٍ، وبين ذلك من خنثى.
و (أن ينوي) والأوْلى معرفةُ ذكوريّته وأنوثيّته.
ولا يعتبر ذلك.
(ثم يكبّر،) ويضَعُ يمينَه على شمالِه، ويتعوّذ، ويبسمل، ولا يستفتح، (ويقرأُ الفاتحةَ) كما سبق (ثم يكبر، ويصلي على محمد) - صلى الله عليه وسلم - (كَفِي التشهُّدِ) ولا يزيد عليه، (ثم يكبِّر، ويدعو للميت) في الثالثةِ سرًّا (بنحو: اللَّهم ارحمه) لأنه لا تحديدَ فيه.
ويسنُّ بالمأثور، فيقول: "اللهمّ اغفرْ لحيِّنا، وميِّتنا، وشاهِدِنا،

وغائِبِنا، وصغيرِنا، وكبيرِنا، وذكرِنا، وأنثانا، إنك تعلم مُتَقَلَّبَنَا، ومثْوانا، وأنت على كل شيء قدير.
اللهمّ من أحييته منّا فأحْيِهِ على الإسلام والسنّة، ومن توفيته منّا فتوفَّهُ على الإيمان.
اللهم اغفرْ له، وارحمه، وعافِهِ، واعفُ عنه، وأكرمْ نُزُلَهُ، ووسِّع مُدْخَلَهُ بالماءِ والثلجِ والبَرَدِ، ونقِّه من الذنوب والخطايا كما ينقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَسِ، وأبدلْهُ داراً خيراً من دارِهِ، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخْله الجنةَ، وأعِذْهُ من عذابِ القبرِ وعذابِ النارِ، وافسحْ له في قبرِهِ، ونَوِّر ْلَهُ فيه.
اللهم إنه عبدك [وابن عبدك] 1 وابنُ أَمتِكَ، نَزَلَ بِكَ، وأنْتَ خيرُ منزولٍ به، ولا نعلم إلا خيراً" 2. (ثم يكبر) الرابعة، (ويقفُ) بعدها (قليلاً، ويسلم).
(وتجزئُ) تسليمةٌ (واحدةٌ، ولو لم يقل ورحمةُ الله).
(ويجوز أن يصلِّي على الميت) من فاتته الصلاةُ قبلُ الدفن (مِنْ دَفْنِهِ إلى شهرٍ وشيء) قال القاضي: كاليومِ واليومين.
(وتحرم الصلاةُ بعد ذلك) أي بعد الزيادة اليسيرة على الشهر نصَّ عليه، لأنه لم يُتحقَّق بقاؤه بعدَ المدةِ المذكورة.

فصل

في حمل الميت ودفنه

(وحملُهُ ودفنُه فرضُ كفايةٍ) وهو إكرام الميت، فإنه لو تُرِكَ لأنْتَنَ وتأَذَّى الناسُ برائحتِهِ، واستُقذِرَ، وربما أكلته الوحوش.
(لكن يسقطُ الحملُ والدفنُ والتكفينُ بالكافِر) لأن فاعلَ كلٌّ من ذلك لا يختصُّ أن يكون من أهلِ القربة.
(ويكره أخْذُ الأجرةِ على ذلك) أي الحمل والدفن، لأنه يُذْهِبُ الأجر.
(و) كذا يكره أخذ الأجرة (على الغسلِ) والتكفينِ.
(ويسن كونُ الماشي أمامَ الجنازةِ) قال ابن المنذر: ثبتَ أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكرٍ وعمرَ كانوا يمشونَ أمام الجنازةِ: رواهُ أحمد عن ابن عُمَرَ، ولأنهم شفعاء، والشفيعُ يتقدمُ على المشفوعِ له، ولا يكره خلفَها.
(و) سُنَّ كون (الراكبِ) ولو في سفينة (خلفَها) أي الجنازة، بل قال الأوزاعى: إنه أفضل، لأنها متبوعة.
ويكره الركوب هنا إلا لحاجة.
ولا يكره لِعَوْدٍ 1. (والقربُ منها أفضلُ) من البُعْدِ عنها.
(ويكره القيامُ لها) إذا جاءتْ أو مرتْ به وهو جالس.
(و) يكره (رفع الصوتِ) والصيحةُ (معها) وعند رفعِها، (ولو بالذِّكر والقرآنِ) بل يسن الذكر والقرآن سرًّا.
ويسن لمتبعها أن يكون متخشعاً متفكراً في مآله.
متعظاً بالموت وبما يصير إليه الميّت.
وقول القائل مع الجنازة: "استغفِروا له" ونحوه، بدعة، عند الإمام أحمد.
وكرِهَهُ وحرمه أبو حفصٍ.
ويحرم أن يتَّبعها من منكَرٍ وهو عاجزٌ عن إزالته.

(ويسن أن يعمَّقُ القبرُ ويوسِّع بلا حدّ) لأن تعميقَ القبر أنفى لظهور الرائحة التي يستضِرّ بها الأحياء، وأبعدُ لقدرةِ الوحشِ على نبشه.
والتوسعةُ هي الزيادة في الطول والعرضِ، والعُمقُ هو الزيادة في النزول.
وهو بالعين المهملة.
(ويكفي ما يمنَعُ من السباع والرائِحة) فمتى حصل ذلك حصل المقصود.
ولا فرق في ذلك بين قبرِ الرجلِ وقبر المرأةِ.
(وكُرِه إدخال القبرِ خشباً) إلا لضرورة.
(وما) أي شيء (مسَّه نار) كالآجر، ودفنٌ في تابوتٍ، ولو امرأةً.
(و) كره (وضعُ فراشٍ تحته.
و) كره (جعلُ مِخَدًةٍ تحت رأسِهِ) نص عليه الإِمام أحمد، لأنه لم ينقل عن أحد من السلف.
(وسُنّ قول مُدْخِلِه القبرَ "بسم اللهِ وعلى ملَّة رسولِ اللهِ) - صلى الله عليه وسلم -. (ويجب أن يستقبلَ به) أي بالميت (القبلةَ) لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة 1: "قبلتكم أحياءً وأمواتاً" ولأن ذلك طريقةُ المسلمين بنقل الخلَفِ عن السلَفِ.
(ويسن على جنبه الأيمنِ) لأنه يشبه النائمَ، والنائمُ سنّته النوم على جنبه الأيمن، وأن يجعلَ تحتَ رأسِهِ لَبِنةً.
(ويحرم دفَنُ غيرِه عليهِ أو معَهُ إلا لضرورةٍ) أو حاجةٍ لكثرةِ الموتى وقلةِ من يدفنهم، خوفَ الفسادِ عليهم.
ومتى ظنّ أنه بَلِيَ، وصار رميماً جاز نبشُه ودفن غيرِهِ فيهِ.
وإن شكَّ في ذلك رُجِعَ إلى قولِ أهلِ الخبرةِ.
فإن حَفَرَ فوجد فيها عظاماً دفنَها مكانَها وأعادَ الترابَ كما كان،

ولم يجزْ دفنُ ميتٍ آخرَ عليه نصًّا.
(وسُنَّ) لكل من حضر (أن يحثوَ الترابَ عليهِ) أي على الميت (ثلاثاً) أي ثلاث حَثَيَاتٍ باليد، (ثم يهالُ) عليه التراب، لأنّ مواراتَهُ فرضٌ.
وبالحثْيِ يصيرُ ممن شارك فيه، وفي ذلك أقوى عبرةٍ وتذكارٍ، فاستُحب لذلك.

[تلقين الميت]

(واستَحَبَّ الأكثرُ تلقينَهُ 1 بعدَ الدفنِ) فيقوم الملقن عند رأسه بعد تسوية التراب عليه فيقول: "يا فلانُ بن فلانة" ثلاثاً، فإن لم يعرف اسم أُمِّه نَسَبَهُ إلى حوّاء، ثم يقول: "اذكُرْ ما خرجتَ عليهِ من الدنيا: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.
وأنك رضيتَ بالله ربًّا، وبالإِسلام ديناً، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآنِ إماماً، وبالكعبةِ قبلةً، وبالمؤمنين إخواناً، وأنّ الجنة حقّ، وأنّ النار حقّ، وأن البعثَ حقّ، وأن الساعة آتيةُ لا ريبَ فيها، وأن الله يبعثُ من في القبور" 2.

[صفة القبر وصيانة القبور]

(وسن رشُّ القبرِ بالماءِ) ووضع حصاً صغارٍ عليه، ليحفَظَ ترابَه.
(و) سن (رفعُه قدرَ شِبرٍ) ليُعْرَفُ أنه قبر فَيُتَوقَّى ويترحَّمُ على صاحبه.
ويكره رفعُه فوقَ شبرٍ.

(ويكره تزويقُهُ، وتجصيصُه، وتبخيرُه، وتقبيلُه، والطوافُ به، والاتِّكاءُ إليه، والمبيتُ) عنده، (والضحكُ عنده) وكتابةُ الرقاعِ إليه، ودسها في الأنقاب، (والحديثُ في أمر الدُّنْيَا.
والكتابةُ عليهِ 1، و) يكره (الجلوسُ) عليه، ويكره الوطء عليه (والبناءُ) سواء لاصَقَ البناءُ الأرضَ أوْ لا، ولو في ملكِهِ، من قُبَّةٍ أو غيرها، للنهْيِ عن ذلك.
(و) يكره (المشي بالنعلِ، إلا لخوفِ شوكٍ ونحوه) مما يُتَأذّى به، كحرارةِ الأرض.
(ويحرم إسراجُ المقابر) لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"لعنَ الله زوَّاراتِ القبورِ، والمتخذين عليها المساجد والسرج" 2 رواه أبو داود والنسائي بمعناه، ولأنّ في ذلك تضييعاً للمالِ من غير فائدةٍ، ومغالاةً في تعظيمِ الأموات.
(و) يحرم (الدفن بالمساجِدِ) ونحوها كَرُبُطٍ.
(و) يحرم الدفن (في ملك الغير) ما لم يأذَنْ رَبذُ المِلْكِ في دفنه.
(وُينْبَشُ) من دُفِنَ في المسجد نحوِه نصًّا، ومن دُفِنَ في ملكِ الغيرِ بغيرِ إذنِهِ، والأوْلى تركهُ في الثانية.
(والدفنُ بالصحراءِ أفضلُ) من الدفن بالعُمْرانِ، لأنه أقلُّ ضرراً على الأحياء من الوَرَثَةِ، وأشْبَهُ بمساكنِ 3 الآخرةِ، وأكثرُ للدُّعاءِ له، والترحُّمَ عليه.

[من ماتت وجنينها حي]

(وإن ماتت) المرأةُ (الحاملُ) بمن ترجى حياته (حَرُمَ شقُّ بطنِها) من أجل الحمل، مسلمةً كانت أو ذمّيةً، على الأصحّ، لما في ذلك من هَتْكِ حرمةٍ متيقَّنةٍ، لإبقاءِ حياةٍ موهومةٍ، لأن الغالبَ والظاهرَ أنّ الولدَ لا يعيشُ، (وأخْرَجَ (1) النساءُ من ترجى حياتُهُ) وهو ما إذا كان يتحرَّكُ حركةً قويّةً، وانتفَخَتِ المَخَارجُ، بعد تمامِ ستَّةِ أشهرٍ، (فإن تعذّر) عليهنَّ إخراجُه (لم تدفنْ) وتُرِكَ حتّى يموت، ولا تدفَنُ قبلَهُ، ولا يوضَعُ عليه ما يموّته، ولو قَدر الرِّجالُ على إخراجه (2) (وإن خرج بعضه) أي الحمل (حيًّا شُقَّ) بطنها (للباقي)، لتيقُّنِ حياتِهِ، بعد أن كانت موهومة.

فصل

في أحكام المصاب والتعزية

(تسن تعزيةُ المسلم) ولو صغيراً، قبلَ الدفنِ وبعدَه، وتُكرَهُ لشابةٍ أجنبيةٍ، (إلى ثلاثةِ أيام) بلياليهن، فلا تعزيةَ بعدَها.
(فيقال) في التعزية (له) أي لمسلم مصابٍ بمسلم: (أعظمَ اللهُ أجرَكَ، وأحْسَنَ عزاءَكَ، وغَفَرَ لميتك.
ويقول هو) أي المصاب: (استجابَ اللهُ دعاءَك، ورَحِمَنَا وإياك.)12

وكُرِهَ تكرارُها، فلا يعزِّي عند القبر من عزَّى.
وإذا رأى الرجلَ قد شقَّ ثوبه على المصيبةِ عزّاه، ولم يتركْ حقًّا لباطلٍ.
وإن نهاه فحسَنٌ.

[البكاء والندب والنياحة]

(ولا بأسَ بالبكاءِ على الميت) قبلَ الموتِ وبعدَهُ لكثرة الأخبارِ بذلك.
(ويحرُم النَّدْبُ وهو البكاءُ مع تعدادِ محاسِنِ الميت) بلفظ النداءِ، بـ (وا) مع زيادة الأَلِفِ والهاءِ في آخرِه، كَوَاسَيِّدَاهْ.
واخليلاهْ.
واانقطاعَ ظهراهْ 1. (و) تحرمُ (النياحة)، وهي رفع الصوتِ بذلك بِرَنَّةٍ.
ويحرُم شقُّ الثوبِ، ولطمُ الخدّ، والصراخُ، ونتقُ الشعَر، ونَشرُه، وحلْقُه) وفي الفصولِ: يحرم النَّحيبُ، والتَّعْدَادُ، وإظهار الجزَعِ، لأن ذلك يشبه التظلُّم من الظالم، وهو عدْلٌ من الله تعالى.

[زيارة القبور]

(وتسن زيارة القبورِ للرجالِ.) وأن يقف زائرٌ أمامَه قريباً منه.
وتباح زيارة المسلم لقبر كافر.
(وتكره) زيارة القبور (للنساءِ،) وإن علمْنَ أنَّه يقعُ منهن محرَّم حرمتْ زيارتهن القبور، قولاً واحداً.
(وإن اجتازَتْ المرأةُ بقبرٍ في طريقِها) ولم تكنْ خرجتْ له (فسلمتْ عليه ودعتْ له فحسَنٌ) لأنها لم تخرج لذلك.
(وسنّ لمنِ زارَ القبورَ) إذا كان للمسلمين (أو مرّ بها أن يقول)

معرفاً: (السلامُ عليكُمْ دارَ قومٍ مؤمنينَ إن شاءَ اللهُ بكم للاحقون.
ويرحَمُ الله المستقدمينَ منكم والمستأخرين.
نسألُ الله لنا ولكم العافيةَ اللهم لا تحرمْنا أجرَهم، ولا تفتِنّا بعدهم، واغفرْ لنا ولهم) فقوله للاحقون للتبرك 1.

[ابتداء السلام ورده]

(وابتداءُ السلامِ على الحيّ سُنّة) ومن جماعةٍ سنة كفايةٍ.
والأفضلُ السلامُ من جميعِهِمْ، فلو سلم عليه جماعةٌ، فقال: وعليكم السلام، وقَصَد الرد على الذين سلَّموا عليه جميعاً، جاز ذلك، وسقط الفرضُ في حقٌّ الجميع.
ويكرهُ الانحناء.
ورفعُ الصوتِ بابتداءِ السلام سنة، ليسمعه المسلَّم عليهم سماعاً محقَّقاً.
وإن سلَّم على أيقاظٍ عندهم نيامٌ، أو على من لم يعلم هل هم أيقاظٌ أو نيامٌ، خفَضَ صوته بحيثُ يُسْمِعُ الأيْقاظ ولا يوقظُ النيام.
ولو سلم على إنسانٍ، ثم لَقِيَهُ على قربٍ سُنَّ أن يسلّم عليهِ ثانياً وثالثاً وأكثرَ.
وسُنَّ أن يبدأ بالسلام قبل كل ّكلامٍ.
ولا يتركُ السلامَ إذا كان يغلبُ على ظنِّهِ أن المسلم عليهِ لا يردُّ عليه.
وإن دخل على جماعةٍ فيهم علماءُ سلَّم على الكلِّ، ثم يسلم على العلماءِ ثانياً.

(وردُّه) فرضُ عينٍ على المسلم عليهِ المنفرد، و (فرضُ كفايةٍ) على الجماعة المسلَّمِ عليهم، فيسقُطُ بردِّ واحدٍ منهم.
ويجب الرد فوراً بحيثُ يُعَدُّ جواباً للسلام، وإلا لم يكن ردًّا.
ورفع الصوتِ بالردِّ واجبٌ قدر الإبلاغ.
وتُزادُ الواو في ردّ السلام وجوباً.
ويخيَّر بين تعريفِهِ وتنكيرِه في سلامِه على الحيّ.
ويكره أن يسلّم على امرأةٍ أجنبيةٍ إلا أن تكونَ عجوزاً أو بَرْزَةً.
ويكره في الحمّام، وعلى آكلٍ، وتالٍ، ومقاتلٍ، وذاكرٍ، وملبٍّ، ومحدِّثٍ، وخطيبٍ، وواعظٍ، وعلى من يسمَعُ لهمْ، ومكرِّرِ فقهٍ، ومدرسٍ، ومن يبحث في العِلْم، وعلى من يؤذّن، أو يقيمُ، وعلى من هو على حاجَتِه، أو يتمتّع بأهْلِهِ، أو مشتغلٍ بالقضاءِ، ونحوهم.
ومن سلّم في حالةٍ لا يستحبُّ فيها السّلامُ لم يستحقَّ جواباً.

[تشميت العاطس]

(وتشميتُ العاطسِ إذا حَمِدَ فرضُ كفاية) فيقولُ له: يرحمك الله، أو: يرحمكم الله.
(وردُّه) أي العاطسِ على من شَمَّتَهُ (فرضُ عينٍ) فيقول: "يهديكم الله ويصلحُ بالَكُم".
ويكرَهُ أن يشمِّت من لم يحمِدَ، وإن نسيَ لم يذكّره، لكن يعلِّم الصغيرَ ونحوَهُ أن يَحمد.
قال الشيخ عبد القادر: ويقال للصبيّ إذا عطَسَ: بورك فيكَ، وجبرك الله 1. فإن عَطَسَ ثانياً وحَمِدَ شمَّتَهُ، وإن

عطس ثالثاً وحَمِدَ شمَّته، وإن عطس رابعاً دَعَا لَه بالعافيةِ، ولا يشمِّت للرابعةِ إلا إذا لم يكن شمَّته قبلها ثلاثاً.
فالاعتبار بالتشميتِ، لا بعدَدِ العَطَسات.
فلو عطس أكثر من ثلاثٍ متواليات شمّته بعددها 1 إذا لم يتقدَّم تشميت.
قال في شرح المنظومة: قولاً واحداً.

[الميت وعمل الأحياء]

(ويعرف الميت زائرَهُ يومِ الجمعةِ قبلَ طلوعِ الشمسِ) وفي الغُنْية: يعرفه كل وقت، وهذا الوقت آكد 2. (ويتأذى بالمنكرِ عندَه وينتفع بالخير) عنده.
ويجب الإيمان بتعذيب الموتى في قبورِهم.
ويسنُّ لزائرِ الميتِ فعلُ ما يخفّفُ عن الميت، ولو بجعل جريدةٍ رطبةٍ في القبر.
وكلَّ قربةٍ فَعَلَها مسلمٌ وجعَلَ ثوابَها لمسلمٍ حيٍّ أو ميّتٍ حصَل له ثوابُها، ولو جهلَ الجاعلُ من جعلَه لهُ، كالدعاءِ إجماعاً، والاستغفارِ، وواجبٍ تدخله النيابَةُ كالحجِّ، وصدَقةِ التطوّع، وكذا العتقُ، والقراءةُ والصلاةُ، والصيام 3. وهل يُشتَرَطُ في إهداءِ القُرْبَةِ إلى الميّتِ أن ينويَه قبل فعلِها؟ به جزم الحلواني، في التبصرة.
وإهداءُ القُرَبِ مستَحبٌّ.
قال في الفنون: ويستحبُّ إهداؤُها حتَّى للنبي - صلى الله عليه وسلم -. وكذا قال صاحب المحرر.

باب الزَّكَاة [الزكاة] أحد أركانِ الإسلامِ ومبانيهِ المذكورة في قوله - صلى الله عليه وسلم -:"بُني الإسلامُ على خمسٍ" فذكَرَ منها "وإيتاءُ الزكاة." 1 وهي حقٌّ واجبٌ في مالٍ خاص لطائفةٍ مخصوصةٍ بوقتٍ مخصوصٍ.
(شرطُ وجوبها) أي الزكاة (خمسةُ أشياءَ): أحدها: الإِسلام، فلا تجبُ على الكافِر، ولو كان) الكافر (مُرْتدًّا) سواءٌ حكَمْنَا ببقاءِ المِلكِ مع الرَّدّة أو زوالِهِ.
الثاني: من شروط وجوب الزكاة (الحريّة، فلا تجب) الزكاة (على الرقيق) ولو قلنا: إنه يملك بالتمليك، (ولو) كان (مكاتباً) لأن مِلكَهُ ضعيفٌ لا يحتمِل المواسَاةَ، ولأنّ تعلُّق حاجة المكاتَب إلى فكِّ رقبته من الرَّقِّ بمالِهِ أشدُّ من تعلُّق حاجةِ الحُرّ المفلِسِ بمسكنِهِ وثياب بَذْلَتِهِ، فكان بإسقاط الزكاة منه أولى وأحرى (لكن تجب) الزكاة (على المبعَّض بقدرِ مِلْكِهِ) من مالٍ زكويّ، لأن ملكه عليه تامٌّ، أشبهَ الحرّ.
(الثالث) من شروط وجوب الزكاة: (مِلكُ النَّصابٍ) لمسلم حرٍّ.
ولا فرق بين بهيمةِ الأنعامِ وغيرها.
ولا يشترط كون النصاب تحديداً مطلقاً بل يكون (تقريباً في الأثمانِ) وهي الذهبُ والفِضّةُ وقِيَمُ عُروضِ

التِّجارة.
فتجبُ مع نقصٍ يسيرٍ في النصابِ كالحبّةِ والحبتين، لأن هذا لا ينضَبِطُ غالباً، وكنقصِ الحولِ ساعةً أو ساعتين (و) يشترط كون النصاب (تحديداً في غيرِها) أي غير الأثمان وعروضِ التجارةِ، فلو نقص نصابُ الحبِّ والتمر يسيراً لم تجبْ.
وشُرِطَ كونَ النصابِ لغيرِ محجورٍ عليه لِفَلَسٍ.
(الرابع) من شروط وجوبِ الزكاة: (الملكُ التامُّ) ولو في غلة موقوفٍ على معيَّنٍ من سائمةٍ سواء كانت من غنمٍ أو غيرِها.
(فلا زكاة على السيِّد في دينِ الكتابةِ) لنقصِ مِلكِهِ فيه.
ودليل نقصِهِ أنَّه لا يستقرُّ في الذمّةِ بحالٍ لِعدَمِ صِحَّةِ الحَوَالَةِ عليه، وعدم صحة ضمانِهِ.
(ولا) زكاةَ أيضاً (في حصَّةِ المضارب قبل القسمةِ) أي قسمةِ المالِ ولو مُلِكَتْ بالظهور، لنقصانِ مِلْكِهِ بعدم استقرارِه، لأنَّهُ وقايةٌ لرأسِ المال، بدليل أنه لو خسرَ المالُ بقدر ما ربح لم يكن للمضاربِ شيءٌ.
ويزكِّي رب المال حصَّتَهُ من الربح، كالأصلِ، تبعاً له.
(الخامس) من شروط وجوبِ الزكاة: (تمامُ الحول) لأثمانٍ وماشيةٍ وعروضِ تجارةٍ (ولا يضرُّ لو نَقَصَ نصفَ يومٍ) لكن يُسْتَقْبَلُ لصداقٍ وأجرةٍ وعوضِ خُلْعٍ معيَّنينِ، ولو قبلَ قبضٍ، حولٌ مِن عقدٍ.
(وتجب) الزكاة (في مال الصغيرِ والمجنونِ.) ولا تجبُ في المال الذي وُقِفَ للجنينِ في إرثٍ أو وصيةٍ وانفصلَ حيًّا، لأنه لا مالَ له ما دام حملاً.
واختار ابن حمدانَ الوجوبَ.
(وهي) أي الزكاة واجبةٌ (في خمسة أشياء): الأول: (في سائمة بهيمةِ الأنعام) وهي الإِبلُ والبقرُ والغنمُ.
سميت بذلك لأنها لا تتكلم.

الثاني: ما أشار إليه بقوله: (وفي الخارجِ من الأرض).
الثالث: ما أشار إليه بقوله: (وفي العسل.) الرابع: ما أشار إليه بقوله: (وفي الأثمان) التي هي الذَّهبُ والفضة.
الخامس: ما أشار إليه بقوله: (وفي عروض التجارة) وتأتي.
(ويمنع وجوبها) أي الزكاة (دينٌ ينقص النصاب) سواءٌ, كان النصابُ من الأموال الباطنة، كالأثمانِ، وقيمِ عُروضِ التجارةِ، أو من الأموالِ الظاهرةِ كالمواشي والحبوب والثمار، ولو كان الدين كفارةً ونحوَها، أو زكاةَ غنمٍ عن إبلٍ أو غير ذلك من ديون الله تعالى.
(ومن مات وعليه زكاةٌ أُخذَتْ من تركته) ولو لم يوصِ بها، كالعشر، لأنها حقٌّ واجب تصح الوصية به، فلم يسقط بالموت، كدين الآدمي.

باب زَكاة السَّائمَة

وخُصَّتْ السائمةُ بالذّكْرِ للاحتراز عن المعلوفَةِ، فإنها لا زكاةَ فيها عند أكثرِ أهل العلم (تجب فيها) أي السائمة (بثلاثةِ شروط: أحدُها: أن تُتَّخَذَ للدرّ والنَّسْل والتسمين، لا للعمل) فلا زكاة في سائمةٍ للانتفاع بظهرِها، كلالإبل التي تُكرى وتُؤْجَر.
(الثاني: أن تَسُومَ أي ترعى المباحَ أكثَرَ الحول.) (الثالث: أن تبلغ نصاباً) ولا شيء فيما دونه إلا إذا كان عروضاً.

[نصاب الإبل وزكاتها]

(فأقلّ نصابِ الإبل خمسٌ، وفيها شاةٌ) بصفة إبلٍ غيرِ معيبةٍ، وفي المعيبة شاة صحيحةٌ تنقص قيمتُها بقدرِ نقصِ الإبِلِ.
(ثم) إن زاد عدد الإبلِ على خمسٍ فإنه يجب (في كل خمسٍ شاةٌ إلى خمس وعشرين فتجبُ بنتُ مخاضٍ، وهي ما تمّ لها سنة) سميت بذلك لأن أُمَّها قد حملت.
والماخِضُ الحامل.
وليس كونُ أمِّها ماخِضاً شرطاً، وإنما ذُكِرَ للتعريف.
(وفي ستٍّ وثلاثين بنتُ لبونٍ، لها سنتان) سميتْ بذلك لأن أمَّها وضعَتْ غالباً فهي ذاتُ لبن.

(وفي ستٍّ وأربعين حِقَّة، لها ثلاث سنين) ودخلتْ في الرابعة، سميتْ بذلك لأنها استحَقَّتْ أن تُرْكَبَ ويُحمَل عليها، وَيطْرقَها الفَحْلُ.
(وفي إحدى وستين جَذَعَةٌ) وهي التي (لها أربعُ سنين) سميت بذلك لإسقاط سِنِّها.
(و) يجب (في ستٍّ وسبعين بنتاً لَبونٍ) إجماعاً.
(وفي إحدى وتسعين حِقتان).
(وفي مائةٍ وإحدى وعشرينَ ثلاث بناتِ لبونٍ) لظاهر خبر الصديق (1) (إلى مائةٍ وثلاثينَ، فيستقرُّ في كل أربعينَ بنتُ لبون، وفي كلِّ خمسين حِقّةٌ).
(1)

فصل

في نصابِ البقر وزَكاتها

و (أقلُّ نصاب البقرِ أهليةً كانَتْ أو وحشيةً) على الأصحِّ من الروايتين في وجوبهَا في الوحشية (ثلاثونَ).
(وفيها) أي في الثلاثين (تَبِيعٌ) أو تبيعَةٌ (وهو) أي التبيع (ما له) أي ما تمَّ له (سنةٌ) وكذلك التبيعة.
(و) تجب في (أربعينَ) من البقر (مُسِنَّةٌ لها سنتان).
(و) يجب (في ستين) من البقر (تبيعانِ).1

(ثم) فيما زاد على ذلك (في كل ثلاثينَ تبيعٌ وفي كل أربعين مُسِنَّةٌ).

[زكاة الغنم]

وأقلُّ نصابِ الغنم، أهليةً كانت أو وحشيةً، كالظباء (أربعون، وفيها شاةٌ تمَّ لها سنة، أو جذعةُ ضأنٍ) تَمَّ (لها سِتَّةُ أشهر).
(و) يجب (في مائةٍ وإحدى وعشرين شاتان، و) يجب (في مائتين وواحدةٍ ثلاثُ شياهٍ، وفي أربعمائةٍ أربع شياهٍ، ثم) فيما زاد على ذلك (في كل مائةٍ شاةٍ شاةٌ) ففي خمسمائةٍ خمسُ شياهٍ، وهكذا.

فصل

في حكم الخلطة

وهي مؤثّرة في الزكاة، ولو لم يبلغ مالُ كل خليطٍ بمفرده نصاباً.
(إذا اختلطَ اثنانِ فأكثرُ من أهل الزكاةِ) فلا أثرَ لخلطةِ من ليسَ من أهل الزكاة (في نصاب) فلا أثر لخلطةِ دونِ نصابٍ (ماشيةٍ لهم) أي لأهلِ الزكاةِ اختلاطاً يستغرق (جميع الحوْلِ) سواءٌ كان خلطةَ أعيانٍ، بأن يملكا نصاباً من الماشيةِ مُشَاعاً بإرثٍ أو شراءٍ أو هبةٍ أو جُعالةٍ أو صَداقٍ أو مُخالَعَةٍ أو غيره؛ أو خلطةَ أوصافٍ، بأن يكونُ مال كل منهما متميزاً (واشتركا في المبيتِ والمَسْرحِ) وهو ما تجتَمِعُ فيه الماشيةُ لِتذهبَ إلى المرعى (والمَحْلَبِ) الموضعُ الذي تُحْلَبُ فيه، لا الإناء، (والفحلِ) بأن لا يُخَصَّ بِطَرْقِ أحدِ المالَيْنِ الذي لأحد الشركاء دون مال الآخر (والمرعى) وهو موضعُ الرعْي ووقْتُه (زُكَّيا كالواحِدِ) جوابُ إذا.
(ولا تشترط نيةُ الخِلْطَةِ) لصحّتها.
(ولا) يعتبر لصحةِ الخلطة (اتحاد المَشْرَبِ) وهو المكان الذي

تشرب منه، (و) لا اتحادُ (الراعي، ولا اتحادُ الفحلِ إن اختلف النوع، كالبقر والجاموس والضّأْنِ والمَعْز) للضرورة.
(وقد تفيد الخلطةُ تغليظاً، كاثنين اختلطا بأربعين شاةً، لكل واحدٍ عشرون، فيلزمهما شاة).
(و) قد تفيد الخلطةُ (تخفيفاً كثلاثةٍ اختلطوا بمائةٍ وعشرين، شاة لك واحدٍ) منهم (أربعون شاة، فيلزمهم شاةٌ) واحدة.
(ولا أثر لتفرقةِ المال) الزكوي (ما لم يكن) المال الزكويّ (سائمةً، فإن كانت) الماشية لشخصٍ من أهل الزكاة (سائمةً بمحلّين بينهما مسافةُ قصرٍ فلكلِّ) محلٍّ (حكْمُ نفسِهِ، فإذا كان له) أي لمالك واحد (شياةٌ بمحالَّ متباعدةٍ، في كل محلٍّ أربعون، فعليهِ شياهٌ بعدد المحالّ، ولا شيءَ عليه إن لم يجتمع له في كل محلٍّ أربعون، ما لم يكن خلطةٌ) فإذا كان لشخص من أهل الزكاة ستون شاةً بثلاثِ محالَّ متباعدةٍ، في كل محل عشرون، ولم تكن خلطة، فلا شيء عليه.

باب زكَاة الخَارج منَ الأرْض مِنَ الزَّرع والثّمَار والمَعدِنِ والرِّكاز

(تجب) الزكاة (في كل مكيلٍ مُدَّخَرٍ) نقله أبو طالب، وكذا نَقَل صالحٌ وعبدُ الله: ما كانَ يكالُ ويُدَّخَر فيه نفع، ففيه العشر.
وما كان مثلَ الخِيَارِ والقِثّاء والبَصَل والرِّياحِينِ فليس فيه زكاةٌ إلا أن يُبَاعَ ويحولَ على ثمنِهِ حَوْل.
قاله في الفروع.
واختاره جماعة.
وجزم به آخرون.
انتهى.
(من الحبِّ كالقمح والشعيرِ والذرة والأَرُزّ والحِمِّص والعَدَس والباقِلاَّ) أي الفول (والكِرْسَنة 1 والسِمْسِم والدُّخْنِ والكَراويَا والكُزْبُرَةِ وبِزْرِ القُطْن و) بزر (الكَتّانِ) بفتح الكاف (و) بزر (البَطيخ ونحوه) من الأبازير.
(و) تجب في كل ما يكال ويدَّخَرُ (من الثمرِ كالتَّمْرِ والزبيبِ واللَّوز والفُستُق والبُندُق والسُّمَّاقِ).
(ولا زكاة في عُنَّابٍ) في الأصحّ، (و) لا في (زَيتونٍ وجَوْزٍ وتينٍ ومِشْمِشٍ) بكسر ميمَيْهِ، (ونَبْقٍ وتُوتٍ وزَعْرورٍ ورمَّانٍ) وخَوْخ وخُضَرٍ كيقطينٍ ولِفْتٍ.
(وإنما تجب) الزكاة (فيما تجب) فيه (بشرطين): (الأوّل: أن يبلغ نصاباً وقدرُه) أي النصاب (بعد تصفيةِ الحبّ)

من قشره (وجفافِ الثمر، خمسةُ أَوْسُقٍ) لأنها زكاةٌ، فاعتُبِر لها النِّصابُ كسائِر الزكوات.
(وهي) أي الخمسة أوسقٍ (ثلاثمائة صاعٍ) لأن الوَسْقَ بفتح الواو وكسرها ستونَ صاعاً إجماعاً لنص الخبر 1 (و) قدرُ النصاب (بالأرادِبِّ ستةُ) أرادِبَّ (وربعُ) إردبٍّ تقريباً.
(و) قَدْرُ النصاب (بالرِّطل العراقيِّ ألف وستّمائةِ) رطلٍ، (و) قدر النصاب (بـ) الرطل (القُدْسى مائتان وسبعة وخمسون) رطلاً (وسُبْعُ رطل.) وقدر النصاب بالرطل الدِّمشقيّ ثلاثمائة رطلٍ واثنان وأربعون رطلاً وستَّةُ أسباعِ رطلٍ.
الشرط (الثاني) من شروط وجوب الزكاة في الخارج من الأرض: (أن يكون) المزكّي (مالكاً لِلنّصابِ وقتَ وجوبها.
فوقتُ الوجوب في الحبِّ: إذا اشتد، وفي الثمر: إذا بَدَا صلاحُها) فلا تَجِبُ في مُكْتَسَبِ لَقَّاطٍ وأجرة حَصَّادٍ، ولا فيما يجتنى من المُباحِ كبُطْم وزَعْبَلٍ وهو شعير الجبل، وبِزْرِ قطونا ونحوِه.
ولا يشترط لوجوب الزكاة فعل الزرع فيزكي نصاباً حَصَلَ من حبٍّ له سَقَطَ بملكه من الأرْضِ أو سقَطَ في أرضٍ مباحَةٍ، لأنه مِلْكُهُ وقتَ وجوبِ الزكاة.

فصل (ويجب فيما) أي في حبٍّ وثَمَرٍ (يُسقى بلا كُلْفَةٍ) كَبعُرُوقِهِ، وغيثٍ، وهو ما يُزْرَعُ على المطر، ولو بإجراءِ ماءِ حفيرة شراهُ ربُّ الزَّرْعِ أو الثمر (العشرُ) فاعل يجب.

(و) يجب فيما (يُسقى بكلفةٍ) كَدَوَالي [جمْعُ داليةٍ] 1 وهي الدولاب تديره البقر، والدلاءِ الصغارِ التي يستقي بها الرجل.
وناضحٍ وهو البعيرُ الذي يسقى عليه، والناعورةِ يُديرُها الماء (نصفُ العشر).
(ويجب) على رب المال (إخراجُ زكاةِ الحبّ مصفًّى) من سنبله وقشره، (و) إخراجُ (الثَّمَرِ يابساً) ولو احتيجَ إلى قطعِ ما بدا صلاحُهُ قبل كمالِهِ لضعفِ أصلٍ، أو خوفِ عَطَشٍ، أو تحسينِ بقيَّةٍ، أو وَجَبَ قطعُه لكون رُطبِهِ لا يُتْمِر، أو عِنَبِهِ لا يُزَبَّب.
(فلو خالَفَ) المالكُ (وأخرج رُطَباً) وعِنَباً وسُنْبُلاً (لم يُجْزِهِ) إخراجُه (ووقعَ نَفْلاً) إن كان الإِخراج للفقراء.
فلو كان الآخذ الساعي فإن جفَّفه وصفَّاه وجاء قدرَ الواجِبِ أجزأ، وإلاَّ رَدَّ الفضْلَ إن زاد، وأخذ النقْصَ إن نَقَصَ.
وإن كان بحالِهِ بيد الساعي ردَّه، ويطَالِبُهُ بالواجِبِ.
وإن تلِفَ بيد الساعي ردَّ بدله لمالكه.

[خرص الثمار]

(وسن للِإمام بعثُ خارِصٍ لثَمَرَةِ النَّخل والكرْمِ إذا بدا صلاحُها) فيخرِصُها على مُلاّكِها ليتصرفوا فيها، لأنه بالخَرْصِ يعرف الساعي، والمالك قدر ما عليه من الزكاة.
والخرص إنما استُعمِل هنا مع كونه إنما يُفِيدُ غلبَةَ الظنِّ للحاجة، فإن التيقُّن متعذِّر.
(ويكفي) خارصٌ (واحد) لأنه كحاكمٍ وقائفٍ في تنفيذِ ما يؤدّي إليه اجتهادُه.
(وشرط كونه) أي الخارص (مسلماً أميناً) لا يُتَّهم، (خبيراً) بالخَرْصِ، ولو قِنًّا.

(وأجرته) أي أجرة خارص الثمار (على ربِّ الثمرة.) وإن لم يبعث الإمام خارصاً فعلى مالكِ الثمار فعلُ ما يفعله خارصٌ، ليعرف قدر ما عليه، قبل تصرُّفه.
ويجب تركُهُ لرب المال الثلثَ أو الرُّبعَ، فيجتهد بحسَبِ المصلحة.
(ويجب عليه) أي الإمام (بعثُ السُّعَاةِ قُرْبَ الوجوبِ لقبضِ زكاةِ المالِ الظاهِر) كالسائمة، والزرع، والثمار.

[الخراج]

(ويجتمع العُشْرُ والخراجُ في الأرض الخراجية) كأُجرةِ المَتْجَرِ، مع زكاةِ التجارةِ.
(وهي) أي الأرض الخراجيّة ثلاثة أضْرُب: أحدها: (ما فُتِحَتْ عَنْوَةً ولَم تقسم بين الغانمين، كمصر والشام، والعراق.) والثانية: ما جَلَا عنها أهلُها خوفاً منًّا.
والثالثة: ما صولح أهلُها على أنها لنا ونُقِرَّها معهم بالخراج.
ولا زكاةَ على من بيده أرضٌ خراجيّةٌ في قدر الخراج إذا لم يكن له مال آخَرُ يقابِله.
(وتضمينُ أموالِ العُشْرِ والأرضِ الخراجيّة باطِلٌ) 1.

[زكاة العسل]

(وفي العَسَلِ العُشْر) سواء أخذه من مِلْكِهِ أو مواتٍ، وسواءٌ كانت

الأرض التي أُخِذَ منها عشريةً أو خَرَاجية.
(ونصابه) أي العسل (مائةٌ وستونَ رطلاً عراقيَّةً) وأربعةٌ وثلاثون رطلاً وسبعا رطلٍ دمشقيّ.

[الركاز]

(وفي الرّكاز وهو الكَنْز) دِفْنُ الجاهلية أو دِفْنُ من تقدم من كُفّارٍ، وكان عليه أو على بعضه علامة كُفْرٍ فقط، وفيهِ (ولو) كان (قليلاً) أي دونَ نصابٍ، أو كان عَرْضاً (الخُمُسُ) على واجِدِهِ من مسلمٍ وذمّيّ، وكبيرٍ وصغيرٍ، وعاقلٍ ومجنون، وحرٍّ ومكاتَب، يُصْرَفُ مصرِف الفيء المطلق.
وباقيهِ لواجِدِهِ ولو أجيراً لنقضِ حائطٍ، أو حفر بئرٍ أو نحو ذلك على الأصحّ، لا إن كان أجيراً لِطَلَبِ الركاز فيكون لمستأجِرِهِ.
(ولا يَمْنَعُ من وجوِبه) أي الخمس (الدينُ).

باب زكاة الأثمَان وَهيَ الذّهَب وَالفضَّة

(و) القدر الواجب (فيها ربع العُشْر إذا بلغتْ نصاباً) ولا شيءَ فيها قبله.
(فنصاب الذهب بالمثاقيل عشرون مثقالاً) 1 وهي بالدراهم الإسلامية ثمانيةٌ وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم.
(و) قدر النصابِ (بالدنانير خمسةٌ وعشرون) ديناراً (وسُبُعا دينارٍ وتُسْعُ دينارٍ) بالدينار الذي زنته درهمٌ وثُمْنُ درهمٍ على التحديد.
(ونصاب الفضة) بالدراهم (مائتا درهم) إسلامية.
(والدرهم اثنتا عشرةَ حبَّةَ خروبٍ.
والمثقالُ درهم وثلاثة أسباع درهم 2. ويُضَمُّ الذهبَ إلى الفضة في تكميلِ النصاب) لأن مقاصِدَهُما وزكاتَهُمَا متَّفقة، ولأن أحدَهُما يضم إلى ما يضم إليه الآخر، فيضمُّ إلى الآخر، كأنواع الجنس.
(ويُخْرِجُ من أيّهما شاء) يعني أن من وجب عليه زكاةُ عشرين

مثقالاً من الذهب، أجزأ إخراجُ قيمة ربع عشرِها من الفضّة، ومن وجب عليه زكاة مائتي درهم من الفضة أجزأ إخراج قيمة ربع عشرها من الذهب.
(ولا زكاة في حُلِيٍّ مباحٍ مُعَدٍّ لاستعمالٍ أو إعارة) لأنه معدول به عن جهة الاسترباح إلى استعمالٍ مباحٍ فأشَبه ثيابَ البذلة، وعبيدَ الخِدمة، والبَقَرَ العوامِلَ، ولو لمن يحرم عليه، كرجلٍ يتّخذ حلىيّ النساء لإعارتهن، أو امرأةٍ تتخذ حلى الرجال لإعارتهم.
وإنما لم تجب زكاةُ الحليِّ إذا كان مالكها غير فارٍّ من الزكاة.
(وتجب) الزكاةُ (في الحليّ المحرَّم) وآنيةٍ من ذهب أو فضة (وكذا) تجب الزكاة (في) الحليّ (المباحِ المعدِّ للكِراءِ أو النَّفَقَةِ.) قال أحمد ما كان على سَرْجٍ أو لِجَام ففيه الزكاة.
قال في شرح المنتهى: وعلى قياسِ ما ذُكِرَ حليةُ كلِّ ما على الدابة، وحلية الدواة، والمِقلَمَةِ، والمُكْحُلَةِ ونحو ذلك.
ومحلُّ وجوبِ الزكاة فيهِ إذا اجتمع منه شيء.
انتهى.
وإنما تجب فيما ذكر (إذا بلغ نصاباً وزناً.
وُيخْرجُ عن قِيمتِهِ إن زادَتْ).

فصل

في حلية الرجال والنساء

(وتحرم تحليةُ المسجد بذهبٍ أو فضةٍ) وكذا المحرابُ والسَّقفُ.
وتجبُ إزالته وزكاتُهُ، إلا إذا استُهْلِكَ فلم يجتمع منه شيء بالإِزالة، فلا تحرُمُ استدامَتُهُ، لأنه لا فائدة في إتلافه وإزالته.
ولا زكاةَ فيهِ لأن ماليَّتَهُ ذهبتْ.
ولما وَليَ عمر بن عبد العزيز الخلافَةَ، أراد جَمْعَ

ما في مسجد دمشق، مما مُوِّهَ به من الذهب.
فقيل له: إنه لا يجتمع منه شيء، فتركه.
(ويباح للذكر الخاتَمُ من الفضة، ولو زادَ على مثقالٍ).
(وجَعْلُه بخنصَرِ يسارٍ أفضلُ) من لبسه بخنصر يمنى.
وإنما كان في الخنصر لكونها طرفاً، فهو أبعد من الامتهان فيما تتناوله اليد.
ويَجْعَلُ فصه مما يلي كفه.
وكُرِهَ لبسه بسبابةٍ ووسطى.
(وتباح قَبِيعَةُ السيفِ) وهو ما يجعل على طرف القبضة.
وقوله: (فقط) لم أرها لغيره.
(ولو) كانت القبيعةُ.
(من ذهب).
(و) يباح له أيضاً (حلية المنطقة) وهي ما شددت به وسطك (و) يباح له أيضاً (الجوشنُ) وهو الدرع (والخوذة) وهي البيضة (لا) حلية (الرِّكابِ، واللِّجام، والدواة،) والسَّرْج، والمِرآةِ، والمُشْطِ، والمُكْحُلَةِ والمَبْخَرَةِ، فتحرم.
(ويباح للنساء ما جرت عادتهن بلبسه) كطوقٍ وخَلخالٍ وسوَارٍ ودُمْلُج وقُرْطٍ وقِلَادةٍ وتاج وخَاتمٍ وما أشبه ذلك، قلَّ أو كثر (ولو زاد على ألفِ مثقالٍ).
(وللرجل والمرأة التحلّي بالجوهَرِ والياقوت والزبَرْجَدِ) والزُّمُرُّدِ والبَلَخْشِ.
قال في الإنصاف: وهو الصحيح من المذهب.
(وكره تختُّمهما) أي الرجل والمرأة (بالحديدِ، والرَّصاصِ، والنُّحاس) وأما الدُّملوج الحديد فجوّزه أبو الخطاب وخالفه ابن الزاغوني.
(ويستحب) تختمه (بالعقيق) ذكره في التلخيص، ومشى عليه في المنتهى والمستوعِبِ وابنُ تميم، وقال في الإقناع: ويباح التختم بالعقيق.

باب زكاَة العرُوض

أي عروض التجارة (وهي ما يُعَدُّ للبيع والشراء لأجل الربح) وسمّي عَرْضاً لأنه يَعْرِض ثم يزول ويفنى.
(فتقوَّم إذا حال الحول عليها.
وأوّلُهُ) أي الحول (من حين بلوغ القيمة نصاباً) فلو نقصت قيمةُ النصاب في بعض الحول، ثم زادت القيمةُ فبلغتْهُ ابتدىء حينئذ كسائر أموال الزكاة.
قاله في المبدع.
(بالأحظِّ) متعلق بتقوم (للمساكينِ من ذهبٍ أو فضةٍ) لا بما اشتريت به.
فلو كانت قيمته تبلغ نصاباً بأحدِ النَّقْدَيْنِ دون الآخر، فإنه يقوَّم بما يبلغ به نصاباً، وتقوَّم المغنيةُ ساذَجَةً، والخَصِيُّ بصفته.
(فإن بلغت القيمة نصاباً وجب ربع العشر، وإلا) بأن لم تبلغ القيمة نصاباً (فلا) تجب عليه الزكاة فيها.
(وكذا أموال الصيارف) فيما ذكر.
(ولا عبرة بقيمةِ) صنعة (آنية الذهب والفضةِ) لتحريمها.
وكذا رِكابٌ ولجام ونحو ذلك، (بل) العبرة (بوزنها.
ولا) عبرة (بما فيه صناعةٌ محرمة، فيقوَّمُ عارياً عنها) بأن يقوَّمَ الطنبور ونحوه سبيكةً.
(ومن) كان (عنده عرضٌ) معد (للتجارة، أو وَرِثَه فنواه للقُنْيَةِ، ثم نواه للتجارة، لم يَصِرْ لها) أي للتجارة، لأن القُنْيَةَ الأصْلُ في العُروض،

والرُّد إلى الأصل يكفي فيه مجرّد النية، كما لو نَوَى المسافر الإِقامة.
ولأن نيّةَ التجارة شرطٌ لوجوب الزكاة في العُروض، فإذا نوى القُنْيَةَ زالتْ نية التجارةِ، ففاتَ شَرْط الوجوبِ وفارقَتِ السائمةَ إذا نوى عَلْفَها لأن الشرط فيها الإِسامة، دون نيتها، فلا ينتفي الوجوب إلا بانتفاء السوم (بمجرّد النية، غيرَ حليِّ اللبس) لأن الأصل وجوب الزكاة فيه، فإذا نواه للتجارة فقد ردّه إلى الأصل، والرد إلى الأصل يكفي فيه مجرَّد النية.

[زكاة المعادن]

(وما استُخْرِجَ من المعادن) والمعدِنُ كل متوَلِّدٍ من الأرض لا من جنسها، ولا نبات، كذهب وفضةٍ وجَوْهرٍ وبلور وعقيقٍ وصُفْرٍ ورصاصٍ وحديدٍ وكُحْلٍ وزرنيخٍ ومَغْرَةٍ وكبريتٍ وزِفْتٍ وملحٍ وزئبقٍ ونفطٍ ونحو ذلك (ففيه بمجرَّد إحرازه ربعُ العشر.) ولوجوب الزكاة في المعدن شرطان: أشار للأول بقوله: (إن بلغت القيمة نصاباً بعد السبك والتصفية) كالحبّ والثَّمَر.
فلو أخْرَجَ ربع عُشْرِ ترابِهِ قبل تصفيته، وجبَ ردُّه إن كان باقياً، أو قيمتَهَ إن كان تالفاً.
والقول في قدر المقبوض قول الآخذ، لأنه غارِم، فإن صفّاه الآخذ فكان قدرَ الزكاةِ أجزأ، وان زادَ ردَّ الزائد إلا أن يَسمَح له بها المُخْرِج.
وإن نَقَص فعلى المُخْرِج.
والشرط الثاني: كون المُخْرِجِ من أهل الوجوب.

باب [زكاة الفطر]

زكاة الفطر صدقةٌ واجبةٌ بالفطر من رمضانَ.
وتسمَّى فَرْضاً.
ومصرفها كزكاة.
ولا يمنَعُ وجوبَها دينٌ إلا مع طلب.
(تجب بأول ليلة العيد، فمن ماتْ أو أَعْسَرَ قبل الغروب) أو طلَّق زوجته، أو أعتق عبده، أو أيْسَرَ النسيب 1، أو انتقلَ المِلْكُ في الرقيق، وكان كله قبل غروب الشمس (فلا زكاةَ عليهِ، و) إن حصل شيءٌ مما ذُكِرَ من موتٍ أو إعسارٍ أو طلاقٍ أو عتقٍ أو نحو ذلك (بعده) أي الغروب، فإن الزكاة (تستقرّ في ذمته).
(وهي) أي زكاة الفطر (واجبة على كل مسلم) حرٍّ، ولو من أهل البادية، ومكاتَبٍ ذكرٍ وأنثى، كبيرٍ أو صغيرٍ، ولو يتيماً.
ويخرج عنه من مالِهِ وليُّهُ، وسيد مسلِمٌ عن عبدِهِ المسلم، (يجدُ ما يَفْضُلُ عن قوته وقوت عياله يومَ العيد وليلَتَهُ، بعد ما يحتاجه من مسكنٍ وخادم ودابةٍ وثيابِ بذلة) أي ما يُمْتَهَنُ من الثياب في الخدمة

فصول الكتاب · 33 فصل · 512 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نيل المارب بشرح دليل الطالب · 512 صفحة
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كتَاب الجَنَائز
كتَاب الصِّيَامكتَاب الاعتكَافكتَاب الحَجِّكتَاب الجهَاد
كتَاب البَيع
كتَاب الحَجْركتَاب الشَّركَةكتَاب العَاريَةكتَاب الغصب
كتَاب الوَقف
كتَاب العتق
كتَاب الصَّدَاقكتَاب الخلعكتَاب الطّلاقكتَاب الإِيلاَءكتَاب الظهَاركتَاب اللعَانكتَاب العدّةكتَاب الرّضَاعكتَاب النفَقَاتكتَاب الجنَايَاتكتَاب الدّيَات
كتَاب الحُدود
كتَاب الأطعَمةكتَاب الصَّيدكتَاب الأَيمَانكتَاب (القضَاء) والفتياكتاب القاضي إلى القاضيكتَاب الشهَادَاتكتَاب الإقَرار
جارٍ التحميل