كتَاب البَيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي تغلب
- الكتاب
- نَيْلُ المَآرِب بشَرح دَلِيلُ الطَّالِب
- المؤلف
- عبد القادر بن عمر بن عبد القادر ابن عمر بن أبي تغلب بن سالم التغلبي الشَّيْبَاني (المتوفى: 1135هـ)
- المحقق
- الدكتور محمد سُليمان عبد الله الأشقر - رحمه الله -
- الناشر
- مكتبة الفلاح، الكويت
- الطبعة
- الأولى، 1403 هـ - 1983 م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أو والده أو أخيه الذي لم يُرْهَنْ: مائة وخمسون.
فيكونُ للمرتهنِ ثلثا ثَمَنِهِمَا.
وقدّمه في الرعاية الكبرى.
الثاني: أن يقوّم غير المرهون مفرداً، كأن يكون الولدُ غير المرهونِ قيمتُه عشرونَ، وقيمته هو وأبوه مائة وعشرون، فيكون للمرتَهِنِ خمسةُ أسداس.
الثالث: أن يقوَّمَ المرهون مع قريبه، فإن كان أُمًّا قُوِّمتْ ولها ولد، ثم يقوّمِ الولد مع أُمِّهِ، فإن التفريق ممتنع.
قال في التلخيص: هذا هو الصحيح عندي إذا كان المرتَهِنُ يعلم أنَّ لها ولداً.
قال في الرعاية الكبرى: وهو أولى.
(ولا يصحّ رهن مال اليتيمِ للفاسقِ) ويحرم على الوليّ رهنُهُ، لما فيه من التعريضِ للهلاك، لأنّ الفاسق قد يجحده، أو يفرّط فيه، فيضيع.
ومثله مكاتَبٌ وقِنٌّ مأذونٌ له في التجارة، لاشتراط وجود المصلحة.
فصل
(وللراهن الرجوعُ في الرهنِ ما لم يقبضْه المرتهنُ) أو وكيلهُ، أوْ مَنِ اتفق الراهن والمرتهن أن يكون بيده.
وليس له قبضُهُ إلا بإذن الراهن.
فإن قَبَضَهُ بغير إذنِهِ لم يثبُتْ حكمه، وكان بمنزلةِ من لم يقبضْ، لفساد القبضِ.
(فإن قبضه) بإذنه (لَزِمَ، ولم يصحّ تصرفه فيه) ببيع أو هَبةٍ أو وقفٍ أو رهنٍ أو جعلِهِ صَدَاقاً أو عِوَضاً عن خُلْعٍ، ونحو ذلك (بلا إذن المرتهن، إلا بالعتق) أي عتق الراهنِ الرهنَ المقبوضَ، سواءٌ كان
الراهنُ موسراً أو معسراً، نصًّا.
ويحرم.
(وعليه) أي الراهن، إن كان موسراً (قيمتهُ تكونُ رهناً مكانه) لأنَّهُ أَبْطَلَ حقَّ المرتهن من الوثيقة بغير إذنه، فتلزَمُهُ قيمته، كما لو أَبْطَلَها أَجنبيٌّ.
قال في شرح المنتهى: ومحلُّ هذا إذا كانَ الدينُ مؤجَّلاً، إما لو كان حالاًّ، أو حلَّ، طولب بالدين خاصةً، لأنَّ ذمَّتَهُ تبرأُ بِهِ من الحقَّيْنِ معاً.
ومتى أيسَرَ معسِرٌ بقيمتِهِ قبل حلول الدين أُخِذَتْ منه القيمةُ، وجعلت رهناً مكانه.
(وكسْبُ الرهن،) ومَهْرُ المرهونة حيث وَجَبَ، وأرش جنايةٍ عليه، (ونماؤُهُ) أي الرهنِ، المتصلُ كالسِّمَنِ والتعلم، والمنفصل ولو صوفاً ولَبَناً وورقَ شجرٍ مقصوداً (رهنٌ) كالأَصْلِ، يُبَاعُ معه في وفاء الدين.
أما كون النماء يتبعُ الرهنَ، فلأنه حكمٌ ثبت في العين بعقد المالك، فيدخل فيهِ النماءُ والمنافع، كالملك بالبيعِ وغيرِهِ، وأما كون أرشِ الجنايةِ عليهِ يتبعُهُ فلأنه بدل جزءٍ، فكان من الرهن، كقيمته إذا أتلفه إنسان.
صفة الرهن بيد المرتهن
(وهو) أي الرهن (أمانةٌ بيد المرتَهِنِ) ولو قبل عقدِ الرهنِ، كبَعْدَ وفاءٍ أو إبراءٍ، (لا يضمنه إلا بالتفريط) أو التعدّي.
(ويقبل قوله) في عَدَمِ التعدي والتفريط، (بيمينه في تلفه، وأنّه لم يفرط) ولم يتعد.
وإن ادّعى التلفَ بحادثٍ ظاهرٍ قبل قولُهُ فيهِ ببينةٍ تشهد بالحادث.
ثم يقبل قوله (في تلفه) به بدونها.
(وإن تلف بعض الرهنِ) وبقي بعضه (فباقيه رهنٌ بجميع الحق)
لأن الحقَّ كله متعلق بجميعِ أجزاءِ الرهنِ، ولو كان الرهنُ عينينِ تلفتْ إحداهما.
(ولا ينفكّ منه) أي الرهن (شيءٌ حتى يقضيَ الدينَ كلَّهُ) لأن حقّ الوثيقةِ تعلقَ بجميعِ الرهنِ فيصير محبوساً بكل جزء منه، لا ينفك منه شيءٌ حتى يُقْضَى جميعه، ولو كان مما يُقْسَمُ قسمةَ إجبارٍ.
ومن قضى غريمَهُ، أو أسقطَ عنه بعضَ دينٍ له، وببعضِهِ رهنٌ أو كفيلٌ، وقع عما نواه.
(وإذا حل أجلُ الدَّيْنِ، وكان الراهِنُ قد شرط للمرتهن أنه إن لم يأتِهِ بحقه عند الحلول وإلا فالرهن له) أي للمرتهن (لم يصحّ الشرط بل يلزمُهُ) أي الراهنَ (الوفاءُ) لما عليه من الدين (أو يأذنَ للمرتهن) الراهنُ (في بيعِ الرهْنِ، أو يبيعَهُ هو) أي الراهن (بنفسه، ليوفيه) أي المرتهنَ (حقَّه).
(فإن أبى) الراهنُ كلاًّ من بيعِ الرهنِ، ووفاءِ الدين (حُبِسَ أو عُزِّرَ) بالبناء للمفعول فيهما، أي حَبَسَهُ الحاكم أو عزَّرَهُ حتى يفعل ما أمره به، لأن هذا شأن الحاكم.
(فإن أصرّ) على الامتناع (باعَهُ) أي الرهن (الحاكِمُ) نصًّا بنفسِهِ أو أمينِهِ لأنه تعيَّنَ طريقاً إلى أداء الواجِبِ، فوجَبَ فِعْلُهُ ووفاءُ دينِهِ.
قال في شرح المنتهى: وظاهر ما تقدم أنه ليس للمرتهن بيعُهُ بغير إذن ربِّهِ أو الحاكم.
وهو المذهب.
انتهى.
فصل
[في انتفاع المرتهن بالرهن]
(وللمرتهن ركوب الرهنِ) إذا كان فرساً أو ناقةً أو نحوهما.
(و) له (حلبه،) واسترضاعُ أمته (بقدر نفقته بلا إذن الراهنِ، ولو) كان الراهنُ (حاضراً) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الظَّهْرُ يُركب بنفقتِهِ إذا كان مرهوناً، ولَبَنُ الدّرِّ
يُشرَب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركَبُ وَيشْرَبُ النفقةُ"، رواه البخاري.
لا يقالُ: المرادُ به أن الراهن ينفِقُ وينتفع، لأنه مدفوع بما روي "إذا كانَتْ الدابَّةُ مرهونةً فعلى المرتهن عَلَفُها" 1 فجعل المرتهنَ هو المنفقَ، فيكون هو المنتفِع.
وقوله: بنفقته، أي بسببها، إذ الانتفاع عِوَضُ النفقةِ، وذلك إنما يتأتَّى في المرتهن، أما الراهن فإنفاقه وانتفاعه بسبب الملك.
ويكون المرتهن متحرّياً للعدلِ.
وسواءٌ أنفق المرتهن مع تعذّر النفقةِ من الراهِنِ بِسبَبِ غَيْبَةٍ، أو امتناعٍ، أو مع القدرة على أخذِ النفقةِ منه، أو استئذانِهِ.
ويرجع مرتهنٌ بفضلِ نفقتِهِ على راهن.
(وله) أي المرتهن (الانتفاعُ به) أي بالمرهونِ (مجاناً) أي من غير مقابل (بإذنِ راهنٍ) ما لم يكن الدَّيْن قرضاً.
قاله في المنتهى، (لكن يصيرُ) الرهن بعد أن كان أمانةً (مضموناً عليه بالانتفاعِ) أي انتفاع المرتهن به، لأنه صار عاريةً، وهي مضمونة.
قال البهوتى في شرحه 2 ظاهره لا يصير مضموناً عليه قبل الانتفاع به.
(ومُؤْنَةُ الرهنِ، وأجرةُ مخزنِهِ) إن احتاج إلى خَزْنٍ؛ (وأجرة ردِّه من إباقِهِ) أو شروده لو كان قِنًّا أو حيواناً فأبق أو شَرَدَ (على مالِكِهِ) كَكَفَنِهِ لو مات، فإن تعذر بِيعَ بقدر حاجته، أو بيع كلُّه إن خيف استِغْراقُهُ.
(وإن أنفق المرتهن على الرهن) ليرجع (بلا إذن الراهن، مع قدرته على استئذانه فمتبرِّعٌ) لأنه مفرّط، حيث لم يستأذِنِ المالكَ، إذ الرجوعُ فيه معنى المعاوضةِ، فافتقر إلى الإِذن والرضا كسائر المعاوضات.
فصل
(من قَبَضَ العينَ لحظِّ نفسِهِ كمرتهنٍ وأجيرٍ ومستأجرٍ ومشترٍ وبائعٍ وغاصبٍ وملتقطٍ ومقترضٍ ومضاربٍ، وادعى) كلٌّ (الرد للمالك، فأنكره) أي أنكَر المالكُ الردِّ (لم يُقْبَلْ قوله) أي قول قابضِ العينِ لحظِّ نفسِهِ (إلا) أن يُثْبِتَ الردّ (ببيّنةٍ) تشهَدُ له به.
(وكذا) في الحكم (مُودَعٌ) ادعى ردّ الوديعة، (ووكيلٌ) ادعى الردّ إلى موكِّلِهِ، (ووصي ودَلاَّلٌ) إذ كان الدلال (بِجُعْلٍ، إذا ادعى) المودَعُ والوكيلُ والدلّالُ بجعلٍ (الردّ، و) إن كان الدلال (بلا جُعْلٍ فيقبل قوله بيمينه).
باب الضَّمَان وَالكفَالَة
الضمان التزامُ إنسانٍ يصحّ تبرّعه، أو التزامُ مفلِسٍ، برضاهما، ما وَجَب أو يَجِبُ على غيرهما مع بقائِهِ على المضمون عنه.
(يصحّان) أي الضمانُ والكفالة (تنجيزاً) كَأَنَا ضامن أو كفيل الآن (و) يصحّان (تعليقاً) كإنْ أعطيتَهُ كَذَا فَأنَا ضامنٌ لك ما عليه، أو أنا كافل لك بَدَلَهُ، (و) يصحّان (توقيتاً) كإذا جاءَ رأسُ الشهرِ فأنَا ضامنٌ، أو كفيلٌ.
ويشترط صدورهما (ممن يصحّ تبرُّعُهُ) فلا يصح من صغيرٍ دون التمييز، ولا من مجنونٍ بلا خلاف، ولا من سفيهٍ.
ويصحّ الضمان بأنا ضمينٌ، وكفيلٌ، وقَبِيلٌ، وحَمِيلٌ، وصبيرٌ، وزعيمٌ.
وقال الشيخ: قياس المذهب: يصح بكل لفظٍ فُهِمَ منه الضمان عُرْفاً.
(ولربّ الحقِّ مطالبةُ الضامنِ والمضمونِ معاً) في الحياةِ والموتِ لثبوتهِ في ذمتهما، (أو) يطالبَ (أيَّهما شاءَ،) فلا يبرأُ المضمونُ عنه بمجرّد الضمان، كما يبرأُ المُحيلُ، بل يثبت الحق في ذمتهما جميعاً، (لكن لو ضَمِنَ) شخصٌ (ديناً حالاًّ إلى أجلٍ معلومٍ صحّ) الضمان،
(ولم يطالِبْ) ربُّ الحق (الضامنَ قبل مضيِّهِ) أي الأجل المعلومِ، قال الإِمامُ أحمدُ في رجلٍ ضَمِنَ ما على فلانٍ أن يؤدِّيَه حقه في ثلاث سنين: فهو عليه، ويؤديهِ كما ضَمِنَ.
فإن قيل: عندكم الحالُّ لا يؤجَّل، فكيف يؤجَّل على الضامن؟ أم كيف يثبتُ في ذمة الضامِنِ على غيرِ الوصفِ الذي يتصف به في ذمة المضمون عنه؟ فالجواب: أن الحق يتأجّل في ابتداءِ ثبوتِهِ إذا كان ثبوتُهُ بعقدٍ، ولم يكن على الضامِنِ حالًّا ثم تأجَّل، ويجوز تَخَالُفُ ما في الذمّتين، بدليلِ ما لو ماتَ المضمونُ عنه والدينُ مؤجَّلٌ.
إذا ثبتَ هذا، وكان الدينُ مؤجَّلاً إلى شهرٍ فضمنه إلى شهرين، لم يطالَبْ إلى مضيِّهما.
(ويصحّ ضمانُ عُهْدَةِ الثَّمَنِ والمُثْمَنِ) إن ظهر به عيبٌ أو خَرَج مستحقًا، (والمقبوضِ على وجهِ السَّوْمِ) وذلك أن يساوِمَ إنساناً على عينٍ، ويقْطعَ ثمنَها، أو أجْرَتَها، أو لم يقطعه، ثم يأخذَها ليريَها أهلَهُ، إن رَضُوا أخذها وإلاَّ ردّها، فيصح ضمانُهُ لأنه مضمونٌ مطلقاً.
وإن أخذ إنسان شيئاً بإذن ربّه ليريَهُ أهلَهُ فإن رضُوا به أخذه وإلاَّ رَدَّهُ من غير مساومةٍ ولا قطعِ ثمنٍ فلا يَضْمَنُهُ إذا تلف بغير تعدٍّ ولا تفريطٍ، ولا يصح ضمانُهُ، بل يصحّ ضمانُ التعدي فيه.
(و) يصح ضمانُ (العينِ المضمونةِ كالغصب والعارية) لأنها مضمونةٌ على من هي في يدهِ، كالحقوقِ الثابتةِ في الذمّةِ، وضمانُها في الحقيقة ضمانُ استنقاذِهَا وردِّها، أو قيمَتِها، عند تلفِها، فهي كَعُهْدَة المبيع.
ولا يصح ضمانُ غير المضمونةِ، كالوديعةِ ونحوها) كالعينِ المؤجَرَةِ، ومالِ الشركةِ، والمضاربةِ، والعينِ المدفوعةِ إلى الخيّاطِ، أو
القصّار، بل التعدِّي فيها، (ولا دَيْنِ الكتابة) لأنه ليس بلازمٍ، ولا مآلُهُ اللزومُ، لأن المكاتَب له تعجيز نفسِهِ والامتناعُ من الأداء (ولا بعضِ دينٍ لم يقدّر)، كما لا يصحّ ضمانُ "أحدِ هذين الدَّيْنَينِ" ولم يفسّره، لجهالته حالاً ومآلاً.
(وإن قضى الضامنُ ما على المدينِ، ونوى الرجوعَ عليه رَجَعَ) على مضمونٍ عنهُ، وإن لم ينوِ الرجوعَ لم يرجعْ، (ولو لم يأذنْ له) أي لِلضَّامِن (المدينُ في الضمانِ والقضاءِ.)
(وإذا رجعَ الضامنُ رجَعَ بالأقلِّ مما قضى.
ولو قيمةَ عرضٍ عَوَّضَهُ به، أو قَدْرِ الدين.
(وكذا) أي وكضامنٍ في هذه الأحكام كفيلٌ (وكلُّ من أدّى عن غيرِه ديناً واجباً) لا زكاةً ونحوَها مما يفتقِرُ إلى نيّةٍ لعدم إجزائه.
(وإن برئَ المديون) بإبراءٍ، أو حَوَالَةٍ، أو قضاءٍ (برئ ضامنُهُ) لأنه تَبَعٌ له، والضمان وثيقةٌ، فإذا برئ الأصيل زالت الوثيقة كالرهن.
(ولا عكسَ)، أي ولا يبرأ المديونُ ببراءةِ الضامنِ لأن الأصيل لا يبرأ ببراءةِ التَّبَعِ، ولأنه وثيقةٌ انحلّتْ من غير استيفاءِ الدين منها، فلا تبرأ ذمّة الأصل، كالرهن إذا انفسخ من غير استيفاءٍ.
(ولو ضَمِنَ اثنان) فأكثر (واحداً، وقال كلُّ) واحدٍ: (ضمنتُ لك الدينَ، كانَ لربِّهِ) أي الدين (طلبُ كلِّ واحدٍ بالدين كلِّه) لأنهما اشتركا في الضمان، وكلُّ واحدٍ منهما ضامنٌ الدين منفرداً، وله مطالبتهما معاً بالدين كلِّه.
(وإن قالا: ضمنّا لكَ الدين، فـ) هو (بينهما بالحِصَصِ) أي: نصفين.
فكل واحد منهما ضامنٌ للنِّصفِ، لأن مقتضى الشركة التسوية.
فصل
[في الكفالة بالبدن]
(والكَفَالَةُ هي أن يلتزمَ) الرشيدُ (بإحضارِ بَدَنِ من عليه حقٌّ ماليٌّ) يصح ضمانُهُ، معلوماً كان الدينُ أو مجهولاً، من كلِّ من يلزَمُهُ الحضورُ إلى مجلس الحُكْمِ، فلا تصح كفالة الابن لأبيه (إلى ربِّهِ) أي الدين.
وتنعقد بألفاظِ الضمانِ، نحو: أنا ضمينٌ ببدنِهِ، أو زعيمٌ به.
وإن ضمن معرفَتَهُ أُخِذَ بِهِ.
ومعناه أني أُعَرِّفك من هو، وأين هو.
كأنه قال: ضمنتُ لكَ حضورَه.
ولا تصح ببدنِ من عليهِ حَدٌّ للهِ تعالى كحد الزنا، أو لآدميٍّ كالقَذْفِ أو القِصَاصِ.
(ويعتبر) لصحة الكفالة (رضا الكفيلِ) لأنه لا يلزمَهُ الحقّ ابتداءً إلا برضاه، (لا المكفولِ) لأنها وثيقةٌ لا قبضَ فيها، فصحَّتْ من غير رضاه، كالشاهد، (ولا) رضا (المكفولِ له.)
وتصح حالَّةً ومؤجلة، كالضمان، والثمن في البيع.
تتمّة: إذا قال شخص لآخر: اضمَنْ عن فلانٍ، أو اكفلْ عنه، ففعل، كان الضمانُ والكفالة لازِمَيْنِ للمباشِرِ دون الآمرِ، لأنه كفَلَ باختيارِ نفسِهِ، وإنما الأمر للإرشادِ، فلا يلزم به شيءٌ.
[التزامات الكفيل]
(ومتى سلم الكفيلُ المكفولَ) به (لربِّ الحقِّ بمحلِّ العقدِ)، وقد حلَّ الأجَلُ، أوْ لَا، ولا ضرر في قبضه، مثلَ أن يكونَ في يومِ مجلِسِ الحُكْمِ، وليس ثَمَّ حائِلَةٌ ظالمة (أو سلم المكفولُ نفسَه، أو ماتَ، برئ الكفيلُ) قال الفتوحي في شرحه: ولو قالَ في الكفالَةِ: إن عَجَزْتَ عن إحضارِهِ، أو متى عجزْتَ عن إحضارِهِ، كان عليَّ القيامُ بما أقرَّ بِهِ،
قال ابن نصر الله: لم يبرأُ بموت المكفولِ، ويلزمه ما عليه.
قال: وقد وَقَعَتْ هذه المسألة، وأفتيتُ فيها بلزوم المال.
(وإن تعذر على الكفيلِ إحضار المكفولِ) مع حياتِهِ بأن توارى، أو غابَ، ومضى زمنٌ يمكن ردُّه فيه، أو مضى زمنٌ عيَّنَهُ لِإحضارِهِ (ضَمِنَ جميع ما عليهِ) للمكفولِ له، نصًّا.
(ومن كفله اثنان، فسلّمه أحدُهُما لم يبرأ الآخر) بذلك، لأن إحدى الوثيقتين انحلَّتْ من غير استيفاءٍ، فلم تنحلَّ الأخرى، كما لو أبرأ أحدَهُما.
(وإن سلَّم) المكفولُ (نفسَهُ بَرئَا) لأنه أدّى ما يلزم الكفيليِن لأجله، وهو إحضارُ نفسِهِ فبرئت ذمتهما.
باب الحَوَالة
وهي انتقالُ مالٍ من ذمّةٍ إلى ذمّةٍ.
وتصحُّ بلفظهَا، وبمعناها الخاصّ، كقول مدينٍ لربّ الدين: أَتبَعْتُكَ بدينِكَ على زيدٍ، ونحو ذلك.
(وشروطها) أي شروطُ صحة الحَوَالة (خمسة):
(أحدها: اتفاقُ الدينين): الدينِ المحالِ به للدين المحالِ عليه (في الجنسِ)، كأن يحيلَ من عليه ذهبٌ بذهبٍ، ومن عليه فضة بفضة.
فلو أحالَ من عليهِ ذهبٌ بفضةٍ، أو بالعكس، َ لم يصح؛ (والصِّفَةِ) فلو أحال من عليه صحاحٌ بِمكسَّرةٍ، أو من عليه دراهِمُ غُورِيةٌ بدراهمَ سليمانيّة، لم يصح: (والحلولِ والأجلِ،) فإن كان أحدهما حالاًّ والآخر مؤجّلاً، أو أحدُهما إلى شهرٍ والآخرُ إلى شهرين، لم تصحّ الحوالة.
(الثاني: علم قَدْرِ كل من الدينين،) فلا يصحُّ في المجهولِ.
(الثالث: استقرارُ المالِ المحالِ عليه) فلا تصحّ على مالِ سَلَمٍ، أو رَأسِه، بعد فسخٍ، أو صداقٍ قبل دخولٍ، أو مالِ كتابةٍ، (لا) استقرارُ المالِ (المحالِ به) فإن أحال المكاتَبُ سيّدَه بدينِ الكتابةِ، أو الزوجُ امرأتَهُ قبلَ الدُّخول، أو المشتري البائِعَ بثمن المبيع في مدة الخيارين، صحّ.
(الرابع: كونه) أي المال المحال عليه (يصحّ السَّلَمُ فيه) من مثليٍّ كمكيلٍ أو موزونٍ موصوفين، أو معدودٍ ومذروعٍ ينضبطان بالصفة.
(الخامس: رضا المُحِيلِ) لأن الحقَّ عليه، فلا يلزمه أداؤه من جهة الدين على المحال عليه (لا) رضا (المحتال إن كان المحالُ عليه مليًّا) فيجب على من أُحِيلَ على مليٍّ أن يحتالَ، فإن امتنعَ المحتالُ أُجْبِرَ على اتباعه، ولو ميتاً (و) المليء الذي يجبر المحتال على اتباعه (وهو من له القدرةُ على الوفَاءِ، وليس مماطِلاً، ويمكن حضوره لمجلسِ الحُكْمِ) فلا يلزمه أن يحتال على والده، ولا يصحّ أن يحيل ربَّ الدينِ على أبيه.
(فمتى توفّرت الشروطُ) الخمسةُ المذكورة (برئَ المحيلُ من الدينِ بمجرّدِ الحوالةِ، [ولو] أفلسَ المحالُ عليهِ بعد ذلكَ، أو مات،) أو جَحَدَ الدين.
(ومتى لم تتوفر الشروط) المذكورة (لم تصحّ الحوالة، وإنما تكون وكالةً.)
(والحوالة على مَا لَهُ في الديوَانِ إذنٌ له في الاستيفاء.
وللمحتالِ الرجوعُ ومطالبةُ محيلِهِ.
وإحالةُ من لا دينَ عليه وكالةٌ له في طلبِهِ وقبضه، ومن لا دينَ عليه على مثله وكالَةٌ في اقتراض.
وكذا مدينٌ على.
بريءٍ ربويٍّ 1، فلا يصارفه.
باب الصُّلْح
الصلحُ: التوفيق.
ويكون أنواعاً خمسة:
أحدها: بين مسلمِينَ وأهلِ حرب.
الثاني: بين أهل عدلٍ وأهل بغي.
الثالث: بين زوجينِ خيفَ شقاقٌ بينهما، أو خافَتْ إعراضهُ 1.
والرابع: بين متخاصِمَيْنِ في غير مالٍ.
الخامس: صلحٌ بالمال.
وهو فيه، أي المال، معاقَدَة يُتَوَصَّل بها إلى موافقةٍ بين مختلفَيْنِ.
(يصح) الصلح (ممن يصحّ تبرّعُهُ مع الإِقرار والإِنكار،) ولا يصحُّ ممن لا يصح تبرُّعُه كمكاتَبٍ، وقِنٍّ مأذونٍ له في تجارةٍ، ووليٍّ لصغيرٍ أو سفيهٍ.
(فإذا أقرّ) المدعى عليه (للمدعي بدينٍ) معلومٍ في ذمته (أو) أقرّ (بعينٍ) تحت يده (ثم صالَحَهُ على بعضِ الدَّيْنِ) كنصفِهِ أو ثلثه أو نحوِهِما (أو) صالَحَهُ (على بعضِ العينِ المدَّعاةِ فهو) أي ما صدر (هبةٌ
يصحُّ بلفظِها) أي الهبة، لأنَّ الإِنسانَ لا يُمنَعُ من إسقاطِ بعض حقِّهِ، أو هبتِهِ؛ (لا) يصحّ (بلفظ الصلح) لأنه هضمٌ للحقّ.
(وإن صالحه على عينٍ غير المدَّعاةِ)؛ كما لو اعترفَ له بعينٍ في يده، أو دينٍ في ذمته، ثم يعوِّضُه فيه ما يجوز تعويضُهُ عنه (فهو بَيْعٌ يصحُّ بلفظِ الصُّلح، وتثبُتُ فيه أحكامُ البيعِ) من العلم به وسائر شروط البيع، (فلو صالحهُ عن الدينِ بعينٍ، واتفقا في علة الربا، اشتُرِطَ قبضُ العِوَضِ في المجلس).
(فإذا) أقر له بذهبٍ فصالحه عنه بفضةٍ، أو عَكَسَ، فتكونُ هذه المصالحة صَرْفاً، لأنهَا بيعُ أحد النقدين بالآخر.
فيُشترَطَ لها ما يشترط للصرف، من التقابُضِ بالمجلسِ.
وكذا لو أقرّ له بقمحٍ وعوَّضه عنه شعيراً، أو نحوَهما مما لا يباع به نسيئةً.
(و) إن كان الصلحْ (بشيءٍ في الذمّةِ) فإنه (يبطل بالتفرُّقِ قبل القبضِ) لأنه إذا حصل التفرّق قبل القبضِ كان كلُّ واحدٍ من العِوَضَيْنِ ديناً، لأن مَحلَّهُ الذمة، فيصيرُ بيعَ دينٍ بدينٍ، وهو منهيٌّ عنه شرعاً.
(وإن صالَحَ عن عيبٍ في المبيعِ) بشيءٍ معين، كدينارٍ، أو منفعةٍ كسكنى دارٍ معيَنةٍ، (صحّ) الصلح، لأنه يجوز أخذ العوضِ عن عيبِ المبيعِ (فلو زال العيب سريعاً) بأن كان المبيعُ مريضاً فعوفي (أو لم يكن) كما لو كان ببطنِ الأمة نفخةٌ، فظنَّ أنها حامل، ثم بانَ لهما الحالُ، (رجَعَ بما دفعه).
(ويصحّ الصلح عما) أيْ مجهولٍ (تعذَّر علمُه من دينٍ،) كما لو كان بين شخصينِ معاملةٌ وحسابٌ قد مضى عليهِ زمن طويل، ولا عِلْمَ لكلِّ واحدٍ منهما بما عليه لصاحِبِه، (أو) تعذَّرَ علمه من (عينٍ)، نَقَلَ عبدُ الله: إذا اختلَطَ قفيزُ حنطةٍ بقفيزِ شعيرٍ وطُحِنَا، فإن عُرِفَتْ قيمةُ دقيقِ الحنطةِ أو دقيقِ الشعيرِ، بيعَ هذا وأُعْطِيَ كلُ واحدٍ منهما قيمةَ مالِهِ، إلا
أن يصطلحا على شيء.
ويصح بمالٍ معلومٍ نقداً أو نسيئةً.
تتمة: قال في الإِقناع: فإن أمكن معرفتُهُ ولم تتعذّر، كتركةٍ موجودةٍ صولح بعضُ الورثةِ عن ميراثِهِ منها، لم يصحَّ الصلح 1.
(و) من قال لغريمه (أَقِرَّ لي بديني، وأعطيكَ منه كذا) أو أقرّ لي بديني وخذ منه مائةً، (فأقرّ، لزمه الدينُ) كله (ولم يلزمه أن يعطيه.)
فصل
[في الصلح على الإِنكار]
(وإذا أنكر) المدعى عليه (دعوى المدعي، أو سَكَتَ وهو) أي المدعى عليه (يجهله) أي المدعى به، (ثم صالحه) على نقدٍ أو نسيئةٍ (صحَّ الصلح وكان) الصلح (إبراءاً في حقّه) أي المدعى عليه، لأنه إنما بَذَل مالَ الصُّلْحِ ليدفَعَ عن نفسِهِ الخُصُومَةَ، لا في مقابلة حقٍّ ثبت عليه، فلا شفعة فيه إن كان شقصاً من عقارٍ، ولا يستحقُّ المدعى عليه لعيبٍ وجَدَه فيما ادُّعي عليه به شيئاً، (وبيعاً في حقّ المدعي) فله ردّ المصَالَحِ به عما ادّعاه، بعيبٍ فيهِ، ويثبت فيما إذا صالَحَهُ بشقصٍ مشفوعٍ الشفعةُ، إلا إذا صالَح ببعضِ عينٍ مدعًى بها، فهو فيه كالمنكر.
(ومن علم بكذب نفسه) منهما (فالصلح باطلٌ في حقه) لأنه إن كان المدعي فإن الصلح مبنيٌّ على دعواه الباطلة، وإن كان المدعى عليه فإنه مبنيٌّ على جَحْدِ المدعى عليه حقَّ المدَّعي.
(وما أخذه) المدعي العالمُ بكذبِ نفسِهِ من المال المصالَح بِهِ، أو المدعى عليه مما انتقصه من الحق يجحده (فحرام) على كلٍّ منهما،
لأنه أَكْلُ مالِ الغيرِ بالباطِلِ، المنهيُّ عَنه.
(ومن قال) لآخر: (صالِحْني عن الملك الذي تَدّعيه، لم يكنْ مقراً) به، أي لم يكن القائلُ مقراً بالملك للمَقُول له، لاحتمال إرادة صيانَةِ نفسِهِ عن التبذّل، أو حضورِ مجلسِ الحُكْمِ بذلك، فإنّ ذوي المروءاتِ يصعُبُ عليهم ذلك، ويرون رفع ضررها عنهم من أَعْظَمِ مصالحِهِمْ.
(وإن صالح أجنبيٌّ عن منكرٍ للدعوى صحّ الصلحُ، أَذِنَ المنكِرُ له،) أي للمصالِحِ بالصلحِ (أوْ لا،) أي أو لم يأذن له، (لكنْ لا يرجعُ) المصالِحُ (عليه) أي على المنكِرِ (بدونِ إِذنِهِ) لأنه أدّى عنه ما لا يَلْزَمُهُ أداؤُه، فكان متبرّعاً، كما لو تصدق عنه.
قال في شرح المنتهى: وعُلِمَ مما تقدّم أن المنكِرَ إذا أذن للأجنبيِّ في الصُّلْحِ، أو في الأداءِ، له الرجوع إذا أدَّى بنيته.
أما الرجوعُ مع الإِذْنِ في الأداءِ فظاهر، وأما مع الإذْن ِفي الصلح فقط فلأنه يجب عليه الأداء بعقد 1 الصلح، فإذا أدى فقد أدّى واجباً عن غيرِهِ، محتسباً بالرجوع، فكان له الرجوعُ على أصحّ الروايتين.
انتهى.
(ومن صالَحَ) آخرَ (عن دارٍ ونحوِها) كعبدٍ وثوبٍ بعوضٍ (فبانَ العِوَضُ) المصالَح به (مستَحَقًّا)، أو كان قنًّا فبانَ حُرًّا (رجَعَ بالدار) أي المصالَحِ عنها، أو بالعَبْدِ أو بالثَّوْبِ المصالَحِ عَنْهُ إن كان باقياً، أو بقيمتِهِ إن كان تالفاً.
ومحل ذلك إن كان الصلحُ (مع الإِقرار) من المصالِحِ.
لأن الصلح إذَنْ بيعٌ في الحقيقة.
فإذا تبيّن أن العِوَضَ كان مستحقّا أو حراً كان البيع فاسداً، فرجع فيما كان له، (و) رَجَعَ (بالدَّعْوى) أي إلى دعواه قبل الصلح.
وفي الرعاية: أو قيمةِ المصالَح
بِهِ المستَحَقِّ لغير المدعى عليه، (مع الإِنكار) متعلِّق برَجَعَ، وكذا قوله: وبالدعوى.
وجه المذهبِ أن الصلح لما تبيَّنَ فساده بخروجِ المُصَالَحِ به غيرَ مالٍ، كما لو صالَحَ بعصير فبان خمْراً، وبقنّ فبان حرًّا، أو غيرَ مستَحَقٍّ للمدعى عليه، كما لو بان أنه غصَبَه أو نحو ذلك، حُكِم ببطلانِ عقدِ الصلح.
وحيثُ بَطَل عادَ الأمرُ إلى ما كان عليه قبلَهُ، فيرجع المدعي فيما كان له، وهو الدَّعْوى.
[الصلح عما ليس بمال]
(ولا يصحّ الصلحُ عن خيارٍ) في بيعٍ أو إجارةٍ، لأن الخيار لم يُشْرَعْ لاستفادةِ مالٍ، وإنما شُرِعَ للنظر في الأحظّ، فلم يصح الاعتياضُ عنه،
(أو شفعةٍ) بأن صالَحَ المشتري صاحِبَ الشفعةِ، لأنها تثبت لإِزالة الضَّررِ، فإذا رضي بالعوض تبيَّنَ أن لا ضَرَرَ، فلا استحقاقَ، فيبطل العوضُ، لبطلان معوَّضِهِ، (أو حدِّ قذفٍ) أي صالح قاذفٌ مقذوفاً عن حدِّ قذفٍ.
(وتسقطُ جميعُها) أي الشفعةُ والخيارُ وحدُّ القذفِ لرضا مستحقها بتركها؛ (ولا شارباً أو سارقاً) أو زانياً (ليطلّقها) ولا يرفعه إلى السلطان؛ (أو شاهداً ليكتم شهادتَهُ) عليه، أو صالحه على أن لا يشهد عليه بالزور، لم يصحّ، لأنه صلح على حرامٍ أو تركِ واجبٍ.
فصل
[في أحكام الجوار]
(ويحرم على الشخصِ أن يُجْريَ ماءً في أرض غيرِهِ، أو سطحِهِ) أي سطح غيره (بلا إذنه) أي إذن صاحبِ الأرضِ، أو السطح، لتضرره أو تضرُّرِ أرضِهِ، وكزرعِهِ بلا إذنه، بجامعِ أنّ كلا منهما استعمالٌ لمالِ
الغيرِ بغير إذنِهِ.
وفي رواية: إن دَعَتْ ضرورةٌ، قيل: أو حاجةٌ، (ويصحَّ الصلحُ على ذلك بعوضٍ) لأن ذلك إما بيعٌ أو إجارةٌ، وكل منهما جائز.
(ومن له حقُّ ماءٍ يجري على سطحِ جارِهِ لم يجزْ لجارِهِ تعليةُ سطحِهِ ليمنعَ جَرْيَ الماء،) لِإبطال حقِّهِ بذلك، أو ليكثُرَ ضَرَرُهُ.
(وحَرُمَ على الجارِ أن يُحْدِثَ بملكه ما) أي شيئاً (يضرّ بجاره، كحمّامٍ) يتأذّى جاره بدخانِهِ، أو يضرُّ ماؤه حائِطَهُ، (وكنيفٍ) يتأذى جاره بريحِهِ، أو يصلُ إلى بئرِهِ، (ورَحًى) يهتزّ بها حائِطُهُ، (وتَنُّورٍ) يتعدَّى دخانُهُ إليه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا ضرَرَ ولا ضِرارَ" 1 وهذا إضرارٌ بجاره.
(وله) أي للجارِ (مَنْعُه) أي منعُ جارِهِ (من ذلك،) بخلاف طبخٍ وخَبْزٍ فيه.
(ويحرم) على الإِنسان (التصرُّفُ في جدارِ جارٍ) أو جدارٍ (مشَترَكٍ) بين المتصرّف وبين غيره (بفتح رَوْزَنَةٍ) الروزنة الكُوَّةُ والكوة الخرق في الحائط، (أو) بفتح (طاقٍ) قال في القاموس: الطاقُ ما عُطِفَ من البنيان 2 انتهى.
قال في شرح المنتهى: قلت: ومن ذلك طاقُ القِبْلَةِ، (أو بضربِ وتدٍ ونحوِهِ) كجعل رفٍّ فيه، (إلا بإذنِهِ) أي الشريك، (وكذا) في الحكمِ إلا ما يُستثنى (وضعُ خَشَبِ) على جدارِ جارِهِ أو المشتَرَكِ (إلا أن لا يُمْكِنَ تسقيفٌ إلاَّ به) فيجوز بَلا ضَرَرٍ.
(ويُجْبَر الجارُ إن أبى.)
وجدارُ مسجدٍ كجدارِ دارٍ، نصًّا.
قال في شرح المنتهى: فَرْعٌ: من وجد بناءَهُ أو خشبه على حائطِ
جارِهِ أو مشتركٍ، ولم يعلمْ سبَبَه، فمتى زالَ فله إعادتُه، لأن الظاهر أن هذا الوَضْعَ بحق، فلا يزولُ هذا الظاهرُ حتَّى يُعْلَم خلافُه.
وكذلك لو وجد مسيلَ مائِهِ في أرضِ غيرِهِ، أو مجرى مائِهِ على سطحِ غيره.
(وله) أي للِإنسان (أن يسند قماشَهُ) ويستند (ويجلس 1 في ظل حائطِ غيرِه) من غير إذنِهِ، (وينظرَ في ضوءِ سراجِهِ) أي الغير (من غير إذنِهِ) أي مالِكِ الحائِط والسراجِ.
[المرافق العامة والمشتركة]
(وحَرُمَ أن يتصرَّفَ) الإِنسان (في طريقٍ نافذٍ بما يضرُّ المارَّ كإخراجِ دُكانٍ) بضم داله (ودَكَّةٍ) بفتحها، قال في القاموس 2: والدكة بالفتح والدكان بالضم بناءٌ سُطِّح أعْلَاهُ للمقْعَدِ.
وقال في موضع آخر والدُّكَّانُ كرمّانٍ، الحانوتُ، معرّب.
(وجَنَاحٍ) وهو الروشَنُ على أطرافِ خشبٍ مدفونةٍ في الحائِطِ، (وساباطٍ) وهو سقيفةٌ بين حائطينِ تحتَها طريقٌ (وميزَابٍ) ولو أذِنَ الإِمامُ بذلك للضَّرَرِ، (ويضمن ما تلف به) من نفسٍ أو مالٍ أو طرفٍ لتعدّيه به.
(ويحرم التصرّف بذلك في ملك غيرِهِ أو هوائِهِ) أي هواءِ غيره إلا بإذنِهِ، (أو) في (دربٍ غير نافذٍ إلا بإذن أهلِهِ) أي أهلِ الدربِ الذي هو غيرُ نافذٍ، إذا فَعَلَهُ فيه.
أما كون فِعْلِ ذلك لا يجوزُ في ملك غيره أو هوائِه فلأنّهُ نوعُ تصرفٍ في ملك الغير، يتضرّر به، فلم يجز إلا بإذن مالكه.
وأما كونُ فعلِ ذلكَ لا يجوزُ في دربٍ غيرِ نافذٍ إلا بإذن أهله فلأن الدَّرْبَ ملكٌ لقومٍ معيّنين، فلم يجز إلا بإذنهم، لأن الحقَّ لهم.
(ويجبر الشريك على العمارة مع شريكه في المِلْكِ) المشترك، (والوقْفِ) المشترك.
فإن انهدم حائطهُما أو سقفهُما فطلب أحدهما صاحِبَه ببنائِهِ معه، أجبر.
فإن امتنع أخذ الحاكم من مالِهِ النَّقْدِ، وأنفق عليه.
فإن لم يكن له عين مالٍ وكان له متاعٌ باعَهُ، وأنفق منه على حصَّته مع الشريك، فإن لم يكن للمتنع نقدٌ ولا عَرْض اقترض الحاكم عليه، وأنفق على حصَّته.
وإن أنفقَ الشريكُ بإذن شريكه، أو إذن حاكم، أو بنيّةِ رجوعٍ، رَجَعَ بما أنفق على حصة الشريك، وكان بينَ الشريكين كما كان قبل انهدامِهِ.
(وإن هدم الشريكُ البناءَ) المشترك بين الهادم وغيره، (وكان) هدمه له (لخوف سقوطه) أي البناء، (فلا شيء) أي لا ضمانَ (عليهِ) لأنه مُحْسِنٌ، (وإلا) بأن هدم الشريك البناءَ المشتركَ لغيرِ خوف سقوطه (لزمه إعادته) كما كان، لأنه متعد.
(وإن أهمل الشريك بناء حائِط بستانٍ اتَّفقَا عليه) أي على البناءِ، (فما تلف من ثمرتِهِ) أي البستان (بسبب إهمالِهِ ضمن) الشريك المهمِل (وحصةَ شريكه) منه.
قال في الإِقناع وشرحه: ولو اتّفقا، أي الشريكان، على بناء حائِط بستانٍ فبنى أحدُهما وأهمَلَ الآخر، فما تلف من الثَّمَرَةِ بسبب إهمالِ الآخرِ ضمنه، أي ضمن نصيبَ شريكِهِ منه الذي أهْمَل.
قاله الشيخ.
انتهى.