كتَاب الحُدود
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي تغلب
- الكتاب
- نَيْلُ المَآرِب بشَرح دَلِيلُ الطَّالِب
- المؤلف
- عبد القادر بن عمر بن عبد القادر ابن عمر بن أبي تغلب بن سالم التغلبي الشَّيْبَاني (المتوفى: 1135هـ)
- المحقق
- الدكتور محمد سُليمان عبد الله الأشقر - رحمه الله -
- الناشر
- مكتبة الفلاح، الكويت
- الطبعة
- الأولى، 1403 هـ - 1983 م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
صدَّقَ من ادّعاها، كَفَر، لأنه مكذّبٌ لله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقوم الساعةُ حتى يخرجَ ثلاثونَ كذابونَ كلُّهم يزَعم أنه رسول الله." 1 (أو) ادعاءِ (الشركةِ لهُ) سبحانَه و (تعالى).
وأشار للثاني بقوله: (وبالفعلِ، كالسجود للصنم ونحوِهِ) كالشمس والقَمَرِ، لأن ذلك إشراك، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (وكإلقاءِ المصْحَفِ في قاذورةٍ) قال في المنتهى: أو امتَهنَ القرآن.
وأشار للثالث بقوله: (وبالاعتقادِ، كاعتقاد الشريك له) سبحانه و (تعالى.
أو) اعتقد (إنّ الزنا) حلال كَفَر، (أو) اعتَقَد أن (الخمْر حلال) كفر، (أو) اعتقد (إن الخبز حرام، ونحو ذلك) كاللحم والماء (مما أُجْمعَ عليه إجماعاً قطعيًّا) كفرَ.
وأشار للرابع بقوله: (وبالشكّ في شيء من ذلك) ومثله لا يجهله، كالناشئ في قرى الإِسلام كَفَر، لأنه مكذّبٌ لله سبحانه وتعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وسائر الأمة.
(فمن ارتدّ وهو مكلّفٌ مختارٌ) ولو كان أنثى دُعي إلى الإِسلام، و (استتيب ثلاثة أيام وجوباً،) لأنه أمكن استصلاحُهُ، فلم يجزْ إتلافه قبل استصلاحه.
وإنما كانت ثلاثة أيامٍ لأن الردة إنما تكون لشبهةٍ، ولا تزول في الحال، فوجب أن ينظر مدةً يتروى فيها.
وأولى ذلك ثلاثة أيام، للأثر 2.
وينبغي أن يضيّق عليه ويحبس.
(فإن تاب) في مدة الاستتابة برجوعِهِ إلى إسلامه (فلا شيء عليه) من قتلٍ أو تعزيرٍ.
(ولا يَحْبَطُ عَمَلُه) الذي عمله في حال إسلامه، قبل رِدَّتِهِ من صلاةٍ وحجٍّ وغيرِهِما إذا عاد إلى الإِسلام.
(وإن أصرّ) على ردته (قتل بالسيف) لأنه آلة القتل، ولا يحرَّق بالنار (ولا يقتله إلا الإمام أو نائبه) سواء كان المرتد حرًّا أو عبداً لأنه قتلٌ لحقّ الله تعالى، فكان إلى الإمام، كرجم الزاني، وقتل الحد.
(فإن قتله) أي المرتد (غيرُهما) أي غيرُ الإمام أو نائبه (بلا إذنٍ) من واحد منهما (أساءَ وعُزِّرَ) لافتياته على وليّ الأمر، (ولا ضَمانَ) على قاتله (ولو كان) قتله (قبل استتابته) لأنه مُهْدَرُ الدم في الجملة، وردَّتُهُ مبيحةٌ لدمه، وهي موجودة قبل الاستتابة كما هي موجودة بعدها، إلاَّ أن يلحق بدار حربٍ فلكل واحدٍ قتلُه وأخْذُ ما معه من المال، لأنه صار حربيًّا.
تتمة: من أطلق الشارعُ كفرَهُ، كدعواه لغير أبيه، ومن أتى عرافاً فصدّقه، فهو تشديدٌ لا يخرج به عن الإِسلام.
[إسلام الصغير وردته]
(ويصح إسلام المميّز) الذي يعقل الإسلام من ذكرٍ وأنثى، ومعنى عقلِهِ الإسلام أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى ربُّه لا شريكَ له، وأن محمداً عبدُهُ ورسوله للناس كافة، لأن عليًّا رضي الله عنه، أسلم وهو ابن ثمانِ سنين.
أخرجه البخاري.
= حبستموه ثلاثاً، وأطعمتموه كل يوم رغيفاً وأسقيتموه لعله يتوب أو يراجع الله" رواه مالك في الموطأ (شرح المنتهى).
(و) تصح أيضاً (رِدَّتُهُ) على الأصح، لأن الردة هي الكفر بعد الإِسلام (لكن لا يُقْتَلُ) الصغير الذي ارتدّ، ولا سكران (حتى يستتابَ) كل واحد منهما (بعد بلوغِهِ) أي بلوغ الصغير وصَحُوِ السكران (ثلاثَةَ أيام).
وإن مات وهو سكرانُ في سكرِهِ، أو مات الصغير قبل بلوغٍ وقبل توبةٍ، مات كافراً.
فصل
[في توبة المرتد]
(وتوبة المرتد، و) توبة (كل كافرٍ، إتيانه بالشهادتين) وهو قول: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله" لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أمرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يشْهَدُوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسولُ اللهِ، ويقيمُوا الصَّلاة، ويؤتُوا الزَّكاةَ، فإذا فَعَلوا ذلك عَصَمُوا مني دماءَهُم وأموالَهُم إلا بحقّ الإِسلام وحسابُهم على الله عز وجل" متفق عليه من رواية ابن عمر.
وهذا يدل على أن العِصمة تثبت بمجرّد الإِتيان بالشهادتين، (مع رجوعِهِ عمّا كَفَر به) أي مع إقرار جاحدٍ لفرضٍ أو تحليلٍ أو تحريمٍ أو نبيٍّ أو كتابٍ أو رسالةِ محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى غيرِ العرب، بما جحده.
(ولا يغني قوله) أي قول الكافر: ("محمد رسول الله" عن كلمة التوحيد) وهي "أشهد أن لا إله إلا الله [وأشهد أن محمداً رسول الله] " 1 ولو من مقر بالتوحيد.
(وقوله "أنا مسلم" توبة) وإن لم يلفظ بالشهادتين، لأنه إذا أخبر عن نفسه بما تضمّن الشهادتينِ كان مخبراً بهما.
(وإن كَتَب كافرٌ الشهادتينِ) بما يُبِينُ (صار مسلماً) لأن الخطّ كاللفظ، فإذا تلفّظ كافرٌ بالشهادتين، أو كتبَهما، ثم قال: لم أُرِدِ الإِسلام، فقد صارَ مرتدًّا، ويجبر على الإِسلام.
(وإن قال) كافر: (أسلمت، أو: أنا مسلم، أو: أنا مؤمن، صار مسلماً) بهذا القول وإن لم يتلفظ بالشهادتين.
فلو قال: لم أُرِدِ الإِسلام، أو قال: لم أعتقده، لم يقبل منه ذلك، وأجبر على الإِسلام وقد علم ما يراد منه.
وإن قال: أنا مسلم ولا أنطق بالشهادتين، ولا يحكم بإسلامه حتى يأتي بالشهادتين.
[توبة الزنادقة]
(ولا يقبل في الدنيا بحسَبِ الظاهر) بحيث يُتْرَك قتلهم وتثبت أحكام الإِسلام في حقّهم (توبةُ زنديقٍ,.
وهو المنافِقُ الذي يُظْهِرُ الإِسلام ويخفي الكفر) لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ والزنديق لا يُظْهرَ منه على ما يتبين به رجوعه وتوبته، لأن الزنديق لا يظهر منه بالتوبة خلافُ ما كان عليه، فإنه كان ينفي الكفر عن نفسه قبل ذلك.
وقلبه لا يطَّلِع عليه إلا الله، فلا يكون لما قاله حكم، لأن الظاهر من حاله أنه إنما يستدفع القتل بإظهار التوبة في ذلك.
والمشهور على ألسنة الناسِ أن الزنديقَ هو الذي لا يتمسُكُ بشريعةٍ، ويقول بدوامِ الدهر.
والعربُ تعبِّر عن هذا بقولهم: "مُلْحِدٌ" أي طاعن في الأديان.
ولا تقبل توبة الحلوليّة، ولا المباحية 1، وكمن يفضّل متبوعَه على
النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو يعتقد أنه إذا حصلت له المعرِفَةَ والتحقيق سقط عنه الأمر والنهيُ، أو يعتقد أن العارِفَ المحقّق يجور له التدّين بدين اليهود والنصارى، فلا يجب عليه الاعتصام بالكتاب والسنة، وأَمثال هؤلاء الطوائف المارقين من الدين، فلا تقبل توبتُهم في الظاهر كالمنافق 1.
[الردة التي لا تقبل التوبة منها]
(ولا) تقبل توبة (من تكرّرت ردته) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ ولأنّ تكرار الردة منه يدل على فساد عقيدتِهِ، وقلَّةِ مبالاتِهِ بالإِسلام؛
(أو سبّ الله) سبحانه و (تعالى) سبًّا صريحًا.
يعني أنه لا تقبل توبةُ من سبَّ اللهَ على الأصح، لأن ذنبه عظيمٌ جداً يدلُّ منه على فسادِ عقيدتِهِ واستخفافِهِ بالله الواحد القهار، (أو) سبَّ (رسولَهُ) أيّ رسولٍ كانَ (أو ملكاً له) يعني أنه لا تقبل توبةُ من سبَّ رسولاً أو مَلَكَاً لله سبحانه وتعالى، أو تَنَقَصَهُ.
ومن أظهر الخير، وأَبْطَنَ الفسق، كزنديقٍ في توبته.
(وكذا) لا تقبل توبة (من قذف نبيًّا) من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (أو) قذف (أمّه) كَفَر لما في ذلك من التعرض للقَدْحِ في النبوّة الموجِبِ للكُفْر.
(ويقتلُ حتّى ولو كانَ كافراً) ملتزماً (فأسلم) لأن قتلَهُ حدُّ قذفِهِ، فلا يسقِطُ بالتوبة، كقذفِ غيرِهما.
= الحلولية فهم الذين يزعمون أن الله -جل وعلا- حلّ في أشياخهم أو أقطابهم.
ومن قَذَفَ عائشة رضي الله تعالى عنها بما برّأها الله تعالى منه كَفَر، بلا خلافٍ.
ومن سبَّ غيرها من أزواجه - صلى الله عليه وسلم -، ففيه قولانِ: أحدُهما أنه كسبِّ واحدٍ من الصحابة.
والثاني: هو الصحيح، أنه كقذفِ عائشةَ رضي الله تعالى عنها، لقدحه فيه - صلى الله عليه وسلم -. ومن أنكرَ صحبةَ أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فقد كفر، لقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ﴾.