نيل المارب بشرح دليل الطالبصفحات 9-48
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتَاب الوَقف

صفحات 9-48
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي تغلب
الكتاب
نَيْلُ المَآرِب بشَرح دَلِيلُ الطَّالِب
المؤلف
عبد القادر بن عمر بن عبد القادر ابن عمر بن أبي تغلب بن سالم التغلبي الشَّيْبَاني (المتوفى: 1135هـ)
المحقق
الدكتور محمد سُليمان عبد الله الأشقر - رحمه الله -
الناشر
مكتبة الفلاح، الكويت
الطبعة
الأولى، 1403 هـ - 1983 م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وهو مصدر وَقَفَ الإِنسان الشيءَ يَقِفُهُ بمعنى حَبَسَهُ وأحْبَسَه، ولا يقال أوقفه إلا في لغة شاذة عكس أحْبَسَه 1. وهو مما اختصّ به المسلمون.
قال الشافعي: ولم تحبّس أهلُ الجاهلية.
ثم الوقف شرعاً تحبيس مالكٍ مطلقِ التصرف مالَهُ المنتَفَعَ به، مع بقاءِ عينه، بقطع تصرفِهِ وغيرِه في رقبته بنوعٍ من أنواع التصرفات، تحبيساً يصرفُ رَيْعَه إلى جهةِ بِرٍّ، تقرباً إلى الله سبحانَه وتعالى 2. و (يحصل) الوقف حكماً (بأحد أمرين): الأول: (بالفعل، مع دليلٍ يدل عليه) أي على الوقف عرفاً، كما يحصل ذلك بالقول لاشتراكِهِما في الدلالة عليه، في أصح الروايتين، (كأن يبني) إنسانٌ (بنياناً على هيئة المسجد، ويأذَن إذناً عامًّا) أي لمن

شاءَ الصلاةَ فيه من المسلمين، (بالصلاةِ فيه) حتى لو كان المكانُ المأذونُ في الصلاة فيه أسفَلَ بيتِهِ، أو عُلْوَهُ أو وسطه، فإنه يصح وإن لم يذكر استطراقاً، ويَسْتَطْرِقُ، (أو يجعلَ أرضَهُ) مهيَّأة لأن تكونَ (مقبَرَةً ويأذنَ إذناً عامًّا بالدفنِ فيها،) لأنَّ الإذنَ الخاصَّ قد يقعُ على غيرِ الموقوفِ، فلا يفيدُ دلالةَ الوقفِ.
قاله الحارثي.
(و) الثاني: (بالقول) روايةً واحدة.
والإشارةُ المفهمِةُ من الأخرس كالقول.
(وله) أي للوقف باللفظ (صريحٌ وكناية).
(فصريحُهُ) ثلاثةُ ألفاظٍ 1 (وقفتُ وحبستُ وسبَّلْتُ.) فمن أتى بكلمةٍ من هذه الكلمات صحّ بها الوقفُ، لعدم احتمالِ غيرِهِ، بعُرْفِ الاستعمالِ المنضمِّ إليه عُرْفُ الشرع، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن شئت حبَّسْتَ أصْلَها وسبَّلْتَ ثَمَرَتها" 2 فصارت هذه الألفاظُ في الوقفِ صريحةً فيه، كلفظ التطليق في الطلاق.
(وكنايَتُهُ) أي الوقف، ثلاثة ألفاظٍ: (تصدّقْتُ، وحرَّمْتُ، وأبَّدْتُ.) وإنما كانت هذه الألفاظُ كنايةً، لعدم خَلَاصِ كلّ لفظٍ منها عن اشتراكٍ، فإن الصدقة تُسْتَعْمَلُ في الزكاة، وهي ظاهرةٌ في صدقة

التطوعِ، والتحريم صريحٌ في الظهار، والتأبيد يستعمل في كل ما يراد تأبيده من وقف وغيره.
(فلا بد فيها) أي الكناية (من نيّة الوقف) فمتى أتى مالِكٌ بأحد هذه الكناياتِ الثلاثِ، واعترفَ أنه نوى بها الوقْفَ، لزم في الحكم، لأنها بالنيّة صارتْ ظاهرة فيه.
وإن قال: ما أردتُ بها الوقف، قُبِلَ قوله، لأنه أعلم بما في ضميرِهِ، لعدم الاطلاع على ما في الضمائر (ما لم يقل) الواقف بلفظٍ من ألفاظ الكناية بلا نيّةٍ، تصدَّقْتُ بداري (على قبيلة كذا أو) على (طائفة كذا)، أو يقرِنِ الكنايةَ بأحدِ الألفاظِ الخمسةِ: كتصدّقْتُ.
صدقةً موقوفةً، أو تصدقت صدقَةً محبَّسَةً، أو تصدقت صدقة مسبّلةً، أو تصدقت صدقةً محرَّمةً، أو تصدقتُ صدقةً مؤبّدةً.
أو قرنَ الكنايَةَ بحكمِ الوقفْ، كألّا تُباعَ، أو لا توهبَ، أو لا تورثَ، لأنّ ذلك كله لا يُستَعْمَل في سوى الوقف، فانتفت الشركة.

فصل

[في شروط صحة الوقف]

(وشروط الوقف) المعتبرةُ له (سبعة): (أحدها: كونُه) أي الواقف (من مالكٍ) فلا يصحّ أن يقف الإِنسان ملك غيره بغيرِ إذنِهِ، (جائزِ التصرُّفِ) فلا يصحّ من محجورٍ عليه، ولا من مجنون، (أو من يقوم مقامَهُ) أي مقامَ جائِزِ التصرّف كوكيله فيه.
(الثاني) من شروط صحة الوقف: (كونُ الموقوفِ عيناً يصح بيعُها) فلا يصحُّ وقفُ أمِّ ولدٍ، وكلبٍ، ومرهونٍ.
(وُينتَفَعُ بها) ما يعد انتفاعاً مباحاً، مع بقاء عينِها، فلا يصحّ وقفُ مطعومٍ ومشروبٍ غيرِ الماءِ، ولا

وقفُ دهنٍ وشمعٍ) لشعل (وأثمانٍ 1 وقناديلِ نقدٍ 2 على المساجِدِ ولا على غيرها) قال في الإِقناع: ولو وقف قنديلَ نقدٍ على مسجدٍ أو نحوِهِ لم يصحّ وقفُه، وهو باق على ملك صاحبِهِ، فيزكّيه.
ولو تصدق بدهنٍ على مسجدٍ ليوقَدَ فيه جاز، وهو من باب الوقف.
قاله الشيخ.
(الثالث) من شروط صحة الوقف: (كونُهُ على جهة بِرٍّ) وهو اسم جامعٌ للخير، وأصلُه طاعةُ الله تعالى.
والمراد اشتراطُ معنَى القُرْبة في الصَّرْفِ إلى الموقوفِ عليه، لأن الوقف قُرْبَةٌ وصدقة، فلا بد من وجودِهَا فيما لأجله الوقف، إذ هو المقصود (وقربةٍ كالمساكين، والمساجد، والقناطر، والأقارب،) لأنه شُرِعَ لتحصيلِ الثَّواب، فإذا لم يكن على برٍّ لم يحصل 3 المقصود الذي شُرِع من أجله، َ (فلا يصحُّ) الوقف (على الكنائِسِ) جمع كنيسةٍ.
قال في القاموس: الكنيسة معبد اليهودِ أو النصارى أو الكُفَّار.
انتهى، (ولا على اليهودِ والنصارى، ولا) يصح الوقف أيضاً (على جنسِ الأغنياءِ أو الفسّاق) أو قطّاع الطريق، ولا على التنوير على القبرِ، وتبخيرِهِ، ولا على من يقيم عنده أو يخدمه، أو يزوره.
قاله في الرعاية.
(أما لو وقفَ على ذمّيٍّ) معيّنٍ (أو فاسقٍ) معينٍ (أو غنيّ معيّن صحّ).
وإن وقَف على غيره واستثنى غلّته، أو بعضَها، له أو لولده، أو الأكلَ منه، أو الانتفاعَ لنفسه أو لأهله، أو أنه يطعم صديقَهُ مدّةَ حياتِهِ أو مدةً معينةً صح.

(الرابع) من شروط صحة الوقف: (كونه على معيّن) من جهة أو شخص (غَيْرَ نفسِه) عند الأكثر، وينصرف إلى من بَعْدَهُ في الحال.
وعنه: يصح.
قال المنقّح في التنقيح: اختاره جماعة، وعليه العملُ.
وهو أظهر، (يصحّ أن يَمْلِكَ فلا يصح الوقفُ على) شيءٍ (مجهولٍ، كرجلٍ،) لصدقه على كل رجلٍ (ومسجدٍ) لصدقه على كل مسجد.
قال في الإِنصاف عن كون الوقفِ لا يصح 1 على رجل ومسجد: بلا نزاع.
انتهى (أو على) مبهمٍ، كقوله: وقفت داري على (أحد هذين) الرجلين، أو على أحد ابنيّ هذين، أو على أحدِ هذين المسجدين، أو على إحدى هاتين القبيلتين، لتردده، كما لو قال: بعتك أحدَ هذين الثوبينِ، أو وهبتك أحدَهما.
(ولا يصحّ) الوقف (على نفسه، ولا) يصحّ الوقف (على من لا يملك، كالرقيق)، وأم الولد، (ولو) كان الرقيق (مكاتباً).
(ولا) يصحُّ الوقف على (الملائكة، والجن، والبهائم، والأموات).
(ولا) يصح الوقف (على الحمل استقلالاً بل) يصح الوقفُ عليه (تبعاً.) فإن قيل: قد جوّزتُم الوقفَ على المساجد والسقاياتِ وأشباهِها، وهي لا تملِكُ؟ قلنا: الوقفُ هناك على المسلمين، إلاَّ أنه عُيِّن في نفعٍ خاص لهم.
(الخامس) من شروط صحة الوقف: (كونُ الوقفِ منجزاً) أي غير معلقٍ أو مؤقّتٍ أو مشروطٍ فيه الخيارُ أو نحوه، كأن يبيعَهُ أو يَهَبَهُ أو يحوِّلَهُ عن جِهَتِهِ متى شاء، (فلا يصح تعليقُه) على شرطِ الخيارِ، سواء

كان التعليقُ لابتدائِهِ، كقوله: إذا قدمَ زيدٌ، أو وُلِدَ لي ولد، أو جاءَ رمضانُ، فداري وقف على كذا؛ أو كان التعليقُ لانتهائِهِ، كقوله: داري وقفٌ على كذا إلى أن يحضرَ زيدٌ، أو يولَدَ لي ولد، أو نحو ذلك، (إلاَّ) إن علّق الوقفَ (بموتهِ) بأن قال: هو وقفٌ بعد موتي، فإنه يصحّ، (فيلزم) الوقف (من حين الوقفيّة) أي من حين قوله: هو وقفٌ بعد موتي (إن خَرَج من الثُّلث) أي ثلثِ مالِ الواقفِ، لأنه في حكم الوصيّة.
فإن خَرَجَ من الثلث لم يكن لأحدٍ من الورثةِ، ولا من غيرهم، رد شيءٍ منه.
وإن زاد على الثُّلُثِ لزم الوقفُ منة في قدرِ الثُّلُثِ، ووُقِفَ الزائِدُ على إجازة الورثة.
(السادس) من شروط صحة الوقف: (أن لا يشرُط فيه)، أي الوقف، (ما) أي شيءٍ (ينافيه) أي الوقف، (كقوله)، أي الواقف: (وقفتُ على كذا) أي هذا الجملَ مثلاً (على أن أبيعَه، أو) على أن (أهَبَهُ متى شئتُ، أو) قال: وقفت هذا الجملَ (بشرطِ الخيارِ لي) مدةً معلومةً أو مجهولةً، (أو) قال: وقفتُ هذا الكرمَ على المساكينِ (بشرطِ أن أحوِّلَهُ) أي الوقف (من جهةٍ إلى جهة) كمِنْ جهةِ المساكينِ إلى جهَةِ أبناءِ السبيل.
(السابع) من شروط صحة الوقف: (أن يقفه على التأبيد، فلا يصحّ: وقفتُهُ شهراً) أو يوماً، أو سنةً (أو إلى سنةٍ أو نحوها) كإلي شهر.
(ولا يُشترط) لصحةِ الوقفِ (تعيينُ الجهةِ) الموقوفِ عليها، (فلو قال: وقفتُ كذا) كداري أو بستاني، (وسكتَ،) ولم يعيّن جهةً (صحّ) الوقفُ (وكانَ) الموقوفُ (لورثَتِهِ) أي الواقف (من النسبِ) يقتسمونه (على قدرِ إرْثِهِمْ مِنْهُ) ويقعُ الحجْبُ بينهم، كالميراث 1.

فصل

(ويلزم الوقفَ بمجرّدِهِ) أي بمجرّد اللفظ، كالعتق.
ولا يُشتَرط للزومِهِ إخراجُه عن يد الواقفِ، ولا فيما على شخصٍ معينٍ قَبَولُه للوقفِ.
ولا يَبْطُلَ بردّه.
(ويملكه) أي يملك غلَّتَهُ (الموقوفُ عليهِ) بمجرد الوقفِ.
(فَيَنظُرُ فيهِ هو) أي الموقوفُ عليه إن كان أهلاً للنظر (أو وليُّه) إن كان الموقوفُ عليه صغيراً أو مجنوناً أو سفيهاً (ما لم يشرُط الواقف ناظراً، فيتعيّن) الناظر الذي عيّنه الواقف.
(ويتعيّن صرفه) أي الوقف (إلى الجهةِ التي وُقِفَ عليها في الحال) فلو سبّل ماءً للشُّرب لم يَجُزِ الوضوءُ به.
قال الشيخ تقي الدين: يصح تغييرُ شرطِ الواقفِ إلى ما هو أصلَحُ منه، وإن اختلفَ باختلافِ الأزمان، حتى لو وقف على الفقهاءِ والصوفيةِ، واحتاجَ الناسُ إلى الجهاد، يُصْرَفُ للجند.
انتهى.
(ما لم يستثنِ الواقفُ منفعتَه) أي منفعة ما وقفه (أو غلَّتهُ له أو لولده) أي ولد الواقف، أو لأهلِهِ (أو لصديقِهِ مدةَ حياتِهِ، أو مدةً معلومةٍ، فيعُمَل بذلك.) فلو مات من استثنى نفعَ ما وقَفَهُ مدة معيّنةً في أثنائها، فلورثتِهِ.
ويصحّ إجارة المدةِ المستثنى نفعُها من الموقوفِ عليه وغيرِه.
(وحيثُ انقطعتِ الجهةُ والواقفُ حيٌّ بأن وقَفَ على أولادهِ وأولادِ زيدٍ فقط، فانقرضوا في حياته، (رَجَعَ) الوقفُ (إليه) أي إلى الواقِفِ (وَقْفاً) عليه.
قال ابن الزاغوني في الواضح: الخلافُ في الرجوع إلى الأقارب، أو إلى بيتِ المال، أو إلى المساكين، مختصٌّ بما إذا مات الواقفُ، أمّا إن كان حيًّا، فانقطعت الجهة، فهل يعود الوقْفُ إلى مِلكِهِ،

أو إلى عصبتِهِ؟ فيه روايتان.
انتهى وجزم في المنتهى والإِقناع بما في المتن.
(ومن وقَفَ على الفقراءِ فافتقَرَ، تناوَل منه.) قال في شرح المنتهى: والمراد بقوله: تناوَلَ منه.
جوازُ التناوُلِ منه، لا تعيُّنُهُ.
ووجهُ ذلك وجودُ الوصفِ الذي هو الفقر فيه.
(ولا يصح عتقُ الرقيق الموقوفِ بحالٍ) لأنه تعلَّقَ به حقّ من يؤولُ الوقفُ إليه، ولأن الوقفَ عِقدٌ لازمٌ لا يمكن إبطاله، وفي القولِ بنفوذِ عتقِهِ إبطالٌ له.
وإن كان بعضُهُ غيرَ موقوفٍ، فأعتقَه مالِكهُ صح فيه، ولم يَسْرِ إلى الموقوفِ، لأنه إذا لم يعتق بالمباشرة، فعدَمُ عتقِهِ بالسرايةِ من باب أولى.
(لكن لو وَطِئَ الأمَةَ الموقوفةَ عليه حَرُمَ) لأن ملكه لها ناقص، ولا يُؤْمَنُ حَبَلُها فتنقص، أو تتلف، أو تخرجُ من الوقف بأن تصير أمّ ولد.
(فإن حملت) منه (صارت أمّ ولد) له (تعتُقُ بموتهِ،) وولدُه حرٌّ، للشبهة، وعليه قيمته تُصْرَفُ في مثلِهِ لأنها بدل عن الوقف.
(وتجب قيمتُها في تركتِهِ) لأنه أتلَفَها على من بعده من البطون (يُشترى بها) أي بقيمتها الواجبة باستيلادِهَا، وبقيمةٍ وجَبَتْ بتلفها أو بعضها، (مثلُها) يكون وقفاً مكانَها، أو شقصُ أمةٍ يصير وقفاً بالشراء.

فصل

[في مصرف الوقف]

(وُيرْجَعُ) بالبناء للمفعول (في مصرِفِ الوقْفِ) عند التنازُعِ في

شيء من أمره (إلى شرطِ الواقف) كقوله: شرطْتُ لزيدٍ كذا، ولعمرٍو كذا، لأن عُمَرَ رضي الله عنه شَرَط في وقْفِهِ شروطاً 1، ولو لم يجِب اتباعُ شَرْطِهِ لم يكن في اشتراطِهِ فائدة، ولأن الزبير وَقَفَ على وَلَدِهِ، وجَعَل للمردودةِ من بنأتِهِ أن تسكن، غير مُضِرَّةٍ ولا مُضرًّا بها، فإذا استغنتْ بزوجٍ فلا حقّ لها فيه 2. ولأن الوقفَ متلقًّى من جهته، فاتُّبِعَ شرطُه.
ونصُّه كنصّ الشارع.
(فإن جُهِل) شرط الواقفِ كما لو قامت بيّنة بالوقفِ دون شَرطِه (عُمِلَ بالعادةِ الجاريةِ) المستمرّة إن كانت.
(فإن لم تكن) عادةٌ جارية (فبالعُرْفِ) المستمرّ في الوقف، في مقادير الصَّرْف، كفقهاء المدارس لأن الغالب وقوعُ الشرط على وَقْفِهِ.
(فإن لم يكنِ) عرف (فالتساوي بين المستحقّين،) لأن التشريك ثابتٌ، والتفضيلُ لم يثبت.
فإن لم تُعرف أربابُ الوقفِ جُعِل كوقفٍ مطلقٍ لم يذكر مصرِفُه.
ذكره في التلخيصِ.
(وُيرجَعُ إلى شرطِه) أي الواقف (في الترتيب بين البطون) كجعل استحقاقِ بطنٍ مرتَّباً على الآخر كأن يقفَ على أولاده ثم أولادِهم، (أو الاشتراك) كأن يقف على أولاده وأولادهم.
(و) يُرْجَعُ إلى شرطه (في إيجارِ الوقفِ وعدمه،) أي عدم الإِيجار، (وفي قدر مدة الإِيجارِ، فلا يزادُ) في الإِجارة (على ما قدّر) الواقف، فإذا شرط أن لا يؤجر أكثر من سنةٍ لم تَجُزِ الزيادة عليها، لكن عند الضرورة يُزَادُ بحسبها.

(ونصُّ الواقف كنص الشارع، يجبُ العملُ بجميعِ ما شَرَطَه ما لم يُفْضِ) العمل بشرطِهِ (إلى الإِخلال بالمقصود) الشرعي، (فَيُعْمَل به) أي بشرطِهِ (فيما إذا شَرَط أن لا ينزلَ في الوقفِ فاسقٌ) ولا مبتدعٌ، (ولا شرّيرٌ).
قال الشيخ: الجهاتُ الدينيّة مثل الخوانك 1 والمدارِسِ وغيرها لا يجوز أن ينزل فيها فاسقٌ، سواء كان فسقُهُ بظلمِهِ الخلقَ وتعدّيه عليهم، بقولهِ وفعلِهِ من نحو سبٍّ أو ضربٍ، أو كان فسقُهُ بتعدّيه حدودَ الله تعالى، يعني ولو لم يَشرطه الواقفَ، وهو صحيح.
قاله في الإِقناع وشرحه، (ولا ذو جاهٍ).
(وإن خصّصَ) الواقفُ (مقبرةً) أو رباطاً (أو مدرسةً: أو إمامتَها بأهل مذهبٍ، أو) بأهلِ (بلدٍ، أو) بأهل 2 (قبيلةٍ، تخصّصتْ) بهم.
قال في الإِنصاف: ولو خصص المدرسة بأهل مذهبٍ أو قبيلةٍ تخصصت.
وكذلك الرّباط والخانْكَاهُ.
والمقبرة كذلك.
وهو المذهب.
جَزَمَ به في التلخيص وغيره.
(لا المصلين بها) يعني لو خصص واقفُ المَدرسةِ المصلين بها بذي مذهبٍ، بأن قال: ليصليَ فيهِ الحنابلةُ أو الحنفية أو المالكيةُ أو الشافعيةُ فقَط، لم تختص بأهلِ ذلك المذهب على الصحيح.
(ولا) يُعْمَلُ بشرطه (إن شَرَط عدم استحقاق من ارتَكَبَ طريق الصلاح.) قال الشيخ: إذا اشتَرَطَ استحقاق رَيْعِ الوقف للعُزُوبَة فالمتأهِّل أحقًّ من المتعزِّب إذا استويا في سائر الصفات.
وقال: إذا وقف على الفقراءِ فأقاربُ الواقِفِ الفقراءُ أحَقُّ من الفقراءِ الأجانب مع

التساوي في الحاجة، وإذا قُدِّر وجودُ فقيرٍ مضطرٍّ كان دفع ضرورته واجباً.
وإذا لم تندفع ضرورتُه إلا بتشقيصِ كفايةِ أقارب الواقفِ من غير ضرورةٍ تَحْصُل لهم تعيَّنَ ذلك.

فصل

[في ناظر الوقف]

(وُيرْجَعُ) بالبناء للمفعولِ (إلى شرطِهِ) أي الواقف (في الناظر) 1 في الوقف، سواء شَرَطَهُ لنفسه، أو للموقوفِ عليه، أو لغيرهما، إمّا بالتعيينِ، كَفُلانٍ، أو بالوصف، كالأرْشَد أو الأعلم أو الأكبر.
فمن وُجِدَ فيه الشرْطُ ثبت له النظر، عملاً بالشرط.
(ويشترط في الناظر خمسةُ أشياءَ): الأول: (الإِسلام) قَطَع في الإِنصاف والتنقيح باشتراط الإِسلام في الناظر، من غير تفصيلٍ فيه 2. قال في المغني: ومتى كان النَّظَر للموقوفِ عليه، إما بِجَعْلِ الواقِفِ ذلك له، أو لكونهِ أحقَّ بذلك، رجلاً كان أو امرأة، عدلاً كانَ أو فاسقاً، لأنه ينظُرُ لنفسه، فكان له ذلك في هذه الأحوال، كالمُطْلَق 3. انتهى.
وجَزَمَ في المنتهى بما في المتن ولم يقيد.

(و) الثاني: (التكليف) لأن غير المكلف لا ينظر في ملكِهِ المُطْلَق 1، ففي الوقف أولى.
فإن لم يشترِطِ الواقفُ ناظراً، وكان الموقوفُ عليه صغيراً أو مجنوناً قام وليُّه في المالِ مقامَهُ في النظر، إلى أن يصير أهلاً.
(و) الثالث: (الكفايةُ لِلتَصرفِ).
(و) الرابع: (الخِبْرَةُ به) أي بالتصرف.
(و) الخامس: (القوة عليه،) لأن مراعاةَ حِفْظِ الوقفِ مطلوبةٌ شرعاً.
فإن لم يكن الناظر متَّصِفاً بهذه الصفات لم يمكنه مراعاةُ حفظِ الوقف.
(فإن كان) الناظرُ المشروطُ له النظرُ من الواقِفِ، أو ممن وقف عليه الوقفُ (ضعيفاً ضُمَّ إليه قويٌ أمين) يَنْحَفِظُ به الوقفُ، ولم تُزَلْ يده، لأنه أمكن الجمع بين الحقّين.
(ولا تشترط الذُّكورةُ ولا العدالة) في الناظِرِ (حيث كانَ) النظرُ (بِجَعْلِ الواقِفِ له).
(فإن كانَ) نصْبُ الناظِرِ (من غيرِهِ) أي غير الواقف (فلا بدّ فيه من العدالة).
(فإن لم يشترط الواقف ناظراً فالنظر للموقوفِ عليه مطلقاً) أي سواء كان عدلاً أو فاسقاً (حيثُ كان) آدمياً معيناً كزيدٍ أو جمعاً (محصوراً) كأولادهِ، وأولادِ أولادهِ، كلُّ واحدٍ منهم ينظرُ على حِصته، كالملْكِ المُطْلَق.
(وإلا) بأن كان الموقوفُ عليهِ غيرَ محصورٍ، كالوقفِ على جهةٍ لا

تنحصر، كالفقراء، والمساكين، والعلماء، والقُرَّاءِ، أو على مسجدٍ، أو مدرسةٍ، أو رِباطٍ، أو قنطرة، ونحو ذلك (فـ) نَظَرهُ (للحاكمِ) أو نائبه 1. (ولا نَظَرَ لحاكمٍ مع ناظرٍ خاصٍّ) قال في الفروع: ولا نَظَرَ لغيرِهِ معه.
أطْلَقَهُ الأصحاب، (لكنْ له) أي للحاكم (أن يَعْتَرِضَ عليه) أي على الناظر الخاصّ (إن فَعَلَ ما لا يَسُوغُ) فِعْلُه، أي لا يجوز.
وله ضَمُّ أمينٍ مع تفريطِهِ، أو تُهْمَتِهِ، ليحصل المقصود.
ولا اعتراضَ لأهْلِ الوَقْفِ على ناظرٍ أمينٍ.

[تصرفات ناظر الوقف]

(ووظيفة الناظِرِ حفظ الوقْفِ، وعمارَتُهُ، وإيجارُه، وزَرْعُهُ، والمخاصَمَة فيهِ، وتحصيلُ رَيْعِهِ) من أجرةٍ أو زرعٍ أو ثمرٍ، (والاجتهادُ في تنميته، وصَرْفُ الرَّيْعِ في جهاتِهِ من عمارةٍ وإصلاحٍ وإعطاءِ المستحقّين) وشراءِ طعامٍ أو شرابٍ شَرَطَه الواقِف، لأنّ الناظرَ هو الذي يلي الوقفَ وحفظَه وحفظَ رَيْعِهِ وتنفيذَ شرطِ واقِفِه.
(وإن آجَرَهُ) أي آجر الناظرُ الوقفَ (بأنقصَ) من أجرةِ المثلِ (صحّ) العقد (وضَمِنَ النَّقْصَ) إن كان المستحق غيرَهُ، لأنه متصرِّفٌ في مالِ غيرِهِ على وجهِ الحفظِ، فضَمِنَ ما نَقَصَه بعقدِهِ، كالوكيلِ إذا آجَرَ بأنْقَصَ من أجرةِ المثل، أو باعَ بدونِ ثمنِ المثلِ.
ولا بدّ في النقص المضمونِ أن يكون أكثر مما لا يُتغابَنُ 2 به في العادة، كما قيل في الوكيل.
(وله) أي لناظرِ الوقفِ (الأكلُ بمعروفٍ) نصًّا.

وظاهرُهُ (ولو لم يكن محتاجاً) قاله في "القواعد".
وقال الشيخ: له أخذُ أجرةِ عملِهِ مع فقرِهِ.
(وله) أي الناظر (التقريرُ في وظائِفِهِ) ذكروه في ناظِرِ المسجد.
فيُنَصِّبُ من يقوم بوظائِفِه من إمامٍ ومؤذّنٍ وقيِّمٍ، وغيرهم.

[الوظائف الموقوف عليها]

(ومن قُرِّرَ) بالبناء للمفعول (في وظيفةٍ تقريراً على وَفْقِ الشرعِ حَرُمَ) على الناظِرِ وغيرِهِ (إخراجُهُ منها بلا مُوجِبِ شرعيٍّ) يقتضي ذلك.
فائدة: لو تصادقَ المستحقّونَ لوقفٍ علىَ شيءٍ من مصارِفِهِ ومقاديرِ استحقاقِهِمْ فيه ونحوِ ذلك، ثم ظَهَرَ كتابُ وقفٍ منافٍ لما وَقَعَ التصادق عليه، عُمِلَ بما في كتابِ الوقفِ ولَغَا التصادُقُ.
أفتى بذلك ابن رجب.
(ومن نَزَلَ عن وظيفةٍ بيدِهِ لمن هو أهلٌ لها) أي للوظيفة (صح) النزولُ، (وكانَ) المنزولُ له (أحقَّ بها) من غيرِهِ 1. (وما يأخُذهُ الفقهاءُ من الوقف فكالرِّزقِ من بيت المال، لا كَجُعْلٍ ولا كأجْرَةٍ) في أصحّ الأقوال الثلاثة.
ولذلك لا يشترط العلمُ بالقَدْر.
وينبني على هذا أن القائلَ بالمنعِ من أخذِ الأُجرةِ على نوعِ القُرَب لا يُمنَعُ من أخذ المشروطِ في الوقف.
قاله الحارثي في الناظر.
وقال الشيخ تقيّ الدين: وما يؤخذ من بيت المال فليس عوضاً وأجرةً، بل رِزْقٌ للإعانة على الطاعة.
وكذلك المالُ الموقوفُ على أعمالِ البرّ، والموصى به، أو المنذورُ له ليس كالأُجرةِ والجُعْلِ -انتهى.
قاله في شرحي الإِقناع والمنتهى.
قلت: وعلى الأقوال الثلاثةِ، حيثُ كان

الاستحقاقُ بشرطٍ فلا بدّ من وجودهِ انتهى.
يعني إذا لم يكن الوقفُ من بيتِ المال، فإن كان منه، كأوقافِ السَّلاطينِ من بيتِ المال فليس بوقفٍ حقيقيٍّ، بل كلُّ من جازَ لَهُ الأكلُ من بيتِ المالِ جازَ لَهُ الأكل منها، كما أفتى به صاحب المنتهى موافقةً للشيخ الرمليِّ وغيرِهِ في وقفِ جامِعِ [ابن] طولون ونحوه.
انتهى.

فصل

[في ألفاظ الواقف في الموقوف عليهم]

(ومن وَقَفَ على وَلَدِهِ) ثم المساكِين، (أو) وَقَفَ على (ولد غيرِه) كعلى وَلَدِ زيدٍ ثم المساكين، دخل الأولادُ (الموجودون) حالةَ الوقفِ (فَقَطْ) نصَّا 1، (من ذكورٍ وإناثٍ) وخُنَاثى، لأنّ اللفظ شملهم (بالسويّة من غير تفضيلٍ) لأنه شرَّك بينهم، وإطلاق التشريك يقتضي التسوية، كما لو أقرَّ لهم بشيءٍ، وكولد الأمِّ في الميراث 2 (ودخل أولادُ الذُّكور خاصّةً) وُجِدُوا حالة الوقف أوْ لا.
(وإن قال): وقفت (على أولادي، دخل أولاده الموجودون) حال الوقف، (ومن يُوَلَد لهم)، أي لأولاده الموجودين، (لا) أولادُهُ (الحادِثون تبعاً) 3. (و) لو قال: وقفت (على ولدي ومن يُولَد لي، دخلِ) أولادُهُ

(الموجودون و) أولادُه (الحادِثِونَ تبعاً) للموجودين.
(ومن وقف) شيئاً.
على عَقِبِهِ، أو) وقفه على (نَسْلِهِ، أو) وقف على (وَلَدِ ولدِهِ، أو) وقف على (ذُرِّيَّتِهِ دخل الذكور والإِناث) من أولاده، (لا أولادُ الإِناث 1، إلا بقرينةٍ،).
كما لو قال: ومن ماتَ فنصيبُه لولَدِه، وكقوله: على أنّ لولَد البنات سهماً، ولولد الذُّكورِ سَهْمَانِ.
وعدم دخول ولد البنات في الصور المتقدّمة مع عدم القرينة.
اختاره الأكثر.
نقله في الفروع.
(ومن وقف) شيئاً (على بنيه، أو على بني فلان، فللذكور خاصّةً) لأن لفظ البنين وضع لذلك حقيقةً، لقوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾.
ولا يدخل فيه الخُنْثَى لأنه لا يُعلم كونه ذَكَراً.
وعلى هذا لو وقف على بناتِهِ اختصّ بهنّ، ولم يدخل فيه الذكورُ ولا الخناثى، لأنه لا يُعْلم كونهنّ إناثاً.
ويصح على ولده ومن يولد له.
(ويكره هنا) أي في الوقف (أن يفضّل بعضَ أولاده على بعضٍ لغير سببٍ) شرعيّ، لأنه يؤدّي إلى التقاطع.
(والسنة أن لا يزادَ ذَكَرٌ على أنثى.) واختار الموفق، وتبعه في الشرح والمبدِعِ وغيرِهِ: يستحب أن يقسمه بينهم للذكر مثلُ حظّ الأنثَيَيْنِ على حسب قسمة الله تعالى الميراثَ، كالعطية.
والذكر في مظنّة الحاجةِ غالباً بوجوب حقوقٍ تترتّبُ عليه، بخلاف الأنثى.
(فإن كان لبعضهم) أي لبعضِ أولَادِهِ (عيالٌ أو بِهِ حاجَةٌ) كمسكنة (أو [كان] عاجزاً 2 عن التكسّب) كأعمى ونحوه، (أو خصّ) أو فضّل (المشتغلين

بالعلم، أو خَصّ) أو فضّل (ذا الدينِ والصّلاحِ) دون الفسّاق، (فلا بأسَ بذلك.) 1 نص عليه.
لأنه لِغَرَضٍ مقصودٍ شرعاً.

فصل

[في نقض الوقف]

(والوقف عقدٌ لازم) بمجرّدِ القول، لأنه تبرّعٌ، يمنعُ البيعَ والهبةَ، فلزم بمجرَّدهِ، كالعتق.
قال في التلخيص وغيره: وحكمه اللزوم في الحال، أخرجَه مُخْرَجَ الوصية أو لم يخرجه، حَكَم به حاكِمٌ أوْ لا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يُبَاعُ أصْلُها، ولا يُوهَبُ، ولا يورث" 2 (لا يفسخ بإقالةٍ ولا غيرِها) لأنه عقدٌ يقتضي التأبيد، فكان من شأنه ذلك، (ولا يُوهَب، ولا يُرْهَنُ، ولا يُورَث، ولا يباع) أي يَحْرُم بيعه، ولا يصحّ.
وكذا المُنَاقَلَةُ به (إلا أن تتعطّل منافعه) المقصودة منه (بخرابٍ أو غيرِهِ) بحيث لا يَرُدُّ شيئاً، أو يردّ شيئاً لا يُعَدُّ نفعاً، (ولم يوجد ما يُعمَّر به) بأن لا يكون في الوقف ما يعمّر به ذلك، (فيباغ.) قال في المغني: وإذا لم تتعطّل منافع الوقف بالكليّة لكن قَلَّتْ، وكان غيرُهُ أنْفَعَ منه وأكثر رداً على أهلِ الوَقْفِ لم يَجُزْ بيعُه، لأن الأصل تحريم البيع، وإنما أبيح للضرورة، صيانةً لمقصودِ الوقف.
انتهى.
(وُيصْرَفُ ثمنه في مثلِهِ، أو بعضِ مثلِه).
ويصحُّ بيع بعضِهِ لإِصلاح باقيه.

(وبمجرّدِ شراءِ البَدَلِ) أي بَدَلِ ما بيع من الوقف (يصير) البدلُ (وقفاً) كبدل أضحية، ورهنٍ أُتْلِفَ.
والاحتياط وَقْفُه لئلا ينقُضَه بعد ذلك من لا يرى وقفيّتَهُ بمجرّد الشراء.
ويبيعُهُ حاكم إن كان على سبيلِ الخيرات، وإلا فناظِرُهُ الخاصّ.
والأحوط إذن حاكمٍ له.
(وكذا) في الحكم المذكور (حُكْمُ المسْجدِ لو ضاق على أهله) المصلّين به، وتعذّر توسيعه، (أو خَرِبَتْ مَحِلَّتُهُ) أي الناحية التي بها المسجد (أو استقذَرَ موضعُهُ.) ويصح بيع شجرة يَبِسَتْ، وجذعٍ انكسر، أو بَلِيَ، أو خيف الكسر أو الهدم.
(ويجوز نقل آلَتِهِ) أي المسجد الذي يجوز بيعه لخرابِه، أو خراب محلته، أو استقذار محلِّهِ، (و) نقلُ (حجارته لمسجدٍ آخر احتاجَ إليهاَ) واحتج الإِمام بأن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قد حوّل مَسْجِدَ الجامِعِ من التَّمارِينَ أي بالكوفة.
(وذلك) أي نقل آلته ونقضه إلى مثله (أولى من بيعه) لبقاءِ الانتفاع من غير خَلَلٍ فيه.
قال في شرح الإقناع: وعُلِمَ من قوله: "إلى مثله" أي آخر، أنّه لا يعمَّر بآلاتِ المسجِدِ مدرسةٌ، ولا رباطٌ، ولا بئرٌ، ولا حوضٌ، ولا قنطَرَةٌ.
وكذا آلاتُ كل واحدٍ من هذه الأمكنة لا يعمّر بها ما عداه، لأن جَعْلَهَا في مثل العين ممكن، فتعيَّنَ، لما تقدم.
قاله الحارثي.
(ويجوز نقض منارة المسجد، وجعلها في حائِطِهِ لتحصينه.) نصّ عليه في رواية محمد بن الحكم.

ويجوز اختصار 1 آنيةٍ موقوفةٍ وإنفاقُ الفَضْلِ على الإِصلاح.
(ومن وقف) شيئاً (على ثغرٍ فاختلّ) الثغر الموقوف عليه (صُرِفَ) ما كان يصرف له (في ثغرٍ مثلِهِ.) قال في الفروع: ذكره الشيخ انتهى.
قال في التنقيح: (وعلى قياسه) أي قياسِ الثَّغْرِ (مسجدٌ ورباطٌ ونحوهما) كسقايةٍ، ونصَّ فيمن وقف على قنطرةٍ، فانحرف الماء: يُرْصَدُ، لعلّه يرجع.
(ويحرم حفر البئر) بالمساجد، (وغَرْسُ الشجر بالمساجد.) قال في الإِنصاف: هذا المذهب.
انتهى.
فإن فَعَلَ طُمَّتْ وقُلِعَتْ، فإن لم تُقْلع فثمرتها لمساكينه.
(ولعلّ هذا) أي تحريم حفر البئر بالمسجد (حيث لم يكن فيه) أي الحفر (مصلحة).
قال في الإِقناع: ويتوجّه جوَاز حفر بئرٍ إن كان فيه مصلحة، ولم يحصل به ضيق.
قال في الرعاية: لم يكره أحمد حفْرَهَا فيه.

باب الهِبَة

(وهي) شرعاً (التبرّع) بالمالِ المعلومِ أو المجهولِ الذي تعذّر علمُه، بشرط أن يكونَ المال موجوداً مقدوراً على تسليمه (في حال الحياةِ) بلا عوضٍ.
فمن قَصَدَ بإعطائِهِ ثوابَ الآخِرَةِ فقط، فصدَقةٌ؛ أو إكراماً أو تودّداً ونحوَهُ، فهديةٌ؛ وإلاّ فهبة وعطيّة ونِحْلَةٌ.
ويعمُّ جميعَها لفظُ العطيّة.
(وهي) أي الهبة (مستحبّة) إذا قَصَد بها وجهَ الله تعالى، كالهِبَةِ لِلعلماءِ والفقراءِ والصالحينَ وما قَصَد به صلةَ الرّحم، لا مباهاةً ورياءً وسمعةً فَتُكره، (منعقدةٌ بكلِّ قولٍ) يدلّ على الهبة (أو فعلٍ يدلّ عليها) وقبضُها كبيعٍ.
ولا يصح القبض إلا بإذن واهب.
(وشروطها ثمانية): الأول: (كونها من جائزِ التصرف) وهو الحرّ المكلّف الرشيد.
(و) الثاني: (كونه مختاراً)، فلا تصح من مكرهٍ، (غيرِ هازِلٍ) فلا تصح منه.
(و) الثالث: (كون الموهوب يصحّ بيعُه) قال الفتوحي وعلم من هذا أن كل ما لا يصحُّ بيعُه لاَ تصحّ هبته، وهو المذهب.
واختاره القاضي.
وقدّمه في الفروع.

(و) الرابع: (كون الموهوبِ له يصحّ تملكه).
(و) الخامس: (كونه يَقْبَل ما وُهِبَ له بقولٍ أو فعلٍ يدل عليه، قبل تشاغُلِهما بما يقطع البيع عرفاً).
(و) السادس: (كون الهبة منجَّزةً) فلا تصح موَقَّتةً 1، كقوله: وهبتُك هذا شهراً، أو سنةً، أو نحو ذلك، لأنه تعليقٌ لانتهاءِ الهبة، فلا تصحّ معه كالبيع.
(و) السابع: (كونها) أي الهبة (غير مؤقّتة) بل لا بد من تنجينرها.
(لكن لو وقتت بعمر أحدهما) أي الواهب أو الموهوب له، كأَعْمَرْتُكَ هذه الدارَ، أو الفرَسَ، أو الأَمَةَ، أي جَعلتها لك عُمْرَكَ، أو حياتَكَ، أو عمري، أو حياتي، أو ما بقيتُ، أو أعطيتُكها 2 (لزمت) أي الهبة (ولغا التوقيت.) وتكون لمعطًى له ولورثته من بعده إن كانوا كتصريحه 3، وإلا فلبيت المال.
(و) الثامن: (كونها) أي الهبة (بغير عوض).

(فإن كانت) الهبةُ (بعوضٍ معلومٍ فبيعٌ) لأنه تمليكٌ بعوضٍ معلومٍ أشْبَهَ البيع (1)، وشاركَهُ في الحكم، فيثبت فيها الخيارُ والشفعة.
(و) إن كانت (بعوضٍ مجهولٍ فباطلة) لأنه عوض مجهول في معاوضةٍ فلم يصح العقد معه، كالبيع.
وحكمها حينئذ حكم البيع الفاسد، فيردّها الموهوبُ له بزيادتها مطلقاً، لأنها نماءُ ملكِ الواهبِ، وإن كانتْ تالفةً ردّ قيمتها.
وإن اختلفا في شرطِ عوضٍ فقولُ منكِرٍ بيمينه.
(ومن أهدى ليُهدى له أكثرُ، فلا بأسَ) به لغير النبي - صلى الله عليه وسلم - (2). (ويكره ردّ الهبة وإن قلَّتْ) أي كانت قليلة (بل السنّة أن يكافِئَ) المهدي له (أو يدعو له).
(وإن علم) من أَتَتْهُ الهديةُ (أنه) أي المهدي إنما (أهدى له حياءً وجبَ الردُّ) أي ردُّ الهدية إليه.
نَقَل هذه المسألة ابنُ مفلحٍ في "الآداب" عن ابن الجوزي.

فصل

(وتُمْلَك الهبة بـ) مجرَّد العقد، وهو الإِيجاب والقبول، فيصح تصرفٌ قبل القبض 3. (وتلزَمُ بالقبض) يعني أن الهبة لا تلزَمُ بدونِ قبضٍ بإذنِ واهبٍ، (بشرط أن يكونَ القبضُ بإذن الواهب) فيه، لأنه قبضٌ غيرُ مستحَقٍّ على12

الواهِبِ، فلم يصحّ بغير إذنه، كأصلِ العقد، وكالرّهن.
وهذا على المذهب وهو أنّ الهبة لا تلزم إلا بالقبض.
(فقبض ما وُهِبَ بكيلٍ أو وزنٍ أو عَدٍّ أو ذرْعٍ بذلك.
وقبضُ الصُّبْرَةِ وما يُنقَل بالنقل) كالخَشَب والأحْجَارِ.
(وقبض ما يتناول بالتناول.
وقبض غيرِ ذلك) كالدور والدكاكيَن (بالتَّخْلِية).
(ويَقْبَلُ ويقْبِضُ لصغيرٍ ومجنونٍ) وُهِبَ لهما شيء (وليهما)، لأنه قبولٌ لمال المحجور عليه، فيه حظّ، فكان إلى الوليّ، كالبيع والشراء.
والوليُّ الأبُ، أو وصيُّه، أو الحاكم، أو أمينُهُ.
وعند عدم الأوْلياءِ يقبِضُ له من يليه، من أمٍّ وقريبٍ وغيرِهما.
نصًّا.
قاله في الإِقناع.
لكن يصحّ من الصغيرِ والمجنونِ قبضُ المأكول الذي يُدْفَعُ مثلُه للصغير.
(ويصحّ أن يهبَ) الإنسان (شيئاً) من دارٍ أو عبد ونحوهما، (ويستثنيَ نفعَهُ مدة معلومةً) كالبيع والعتق.
(و) يصح (إن يَهَبَ) أمةً (حاملاً ويستثنيَ حملَها) كالعتق.
(وإن وهبَهُ وشَرَط الرجوعَ متى شاءَ لزمت) الهبة (ولغا الشرط).
(وإن وهبَ ديْنَهُ لمدينهِ) صحّ، (أو أبْرَأهُ منه) صحّ؛ (أو تَرَكَهُ له،) أو أحلَّهُ منه، أو أسْقَطَهُ عنه، أو ملَّكَهُ له، أو تصدَّقَ بهِ عليه، أو عفا عنه (صحّ، ولزم بمجرَّده،) وبرئتْ ذمَّتُه، (ولو قبْل حُلولهِ) أي الدين، لأنّ تأجيلَهُ لا يمنع ثبوتَهُ في الذِّمَّة.

[الإِبراء]

(وتصح البَرَاءَةُ) من الحقّ (ولو) كان الحقُّ (مجهولاً) لهما، أو لأحدهما، وسواء جَهِلَا قدرَهُ، أو صفتَهُ، أو هَمُا، ولو لم يتعذّر علمه.
لكن لو جهِلَهُ ربُّه، وعَلِمَهُ من عليه الحقّ وكتَمه خوفاً من أنه لو أعلمه لم

يبرئْهُ، لم يصح إبراؤُه.
قاله في الإِقناع.
(ولا تصحّ هبة الدين لغير من هو) أي الدين (عليه) لأن الهبة تقتضي وجودَ معيَّنٍ، وهو منتفٍ هنا (إلا إن كان ضامناً) فإنها تصحّ.

فصل

[في الرجوع في الهبة]

(ولكل واهبٍ) أباً كانَ أو غيرَه (أن يرجع في هبتِهِ قبل إقباضها) لأن عقد الهبةِ لمَ يتمّ، فلا يدخُلُ تحت المنع، قال الحارثي: وعتقُ الموهوبِ وبيعُه وهِبَتُه قبل القبض رجوع، لحصول المنافاة (مع الكراهة) خروجاً من خلاف من قال أنّ الهبة تلزم بالعقد.
(ولا يصح الرجوع) للأب فيما وهبه لابنه (إلاَّ بالقول) كأن يقول: قد رَجَعْتُ في هبتي، أو: ارتجعتُها، أو رددتُها.
(وبعد إقْباضِها يحرم) الرجوعُ، (ولا يصحّ)، لأنها صارت لازمةً، فتصرُّف الواهِب فيها بعده تصرُّفٌ في ملك الغير بغير مسوِّغ شرعيّ، (ما لم يكن) الواهبَ (أباً فإنَّ له أن يرجع) فيما وَهَبَهُ لابنه (بشروط أربعة): الشرط الأول: (أن لا يُسْقِطَ) أي الأب (حقَّه من الرجوع) فإن أسقطه سقط.
(و) الثاني: (إن لا تزيد زيادةً متّصلة) بالعين الموهوبة، كالسِّمَنِ، والكِبَرِ، والحَمْلِ، وتعلُّم الصنْعَةِ.
(و) الثالث: (أن تكون) العين الموهوبة (باقيةً في ملكه،) فإن تلفت فلا رجوع في قيمتها.
وإن استَوْلَدَ الأمة، أو كانَ وَهَبَها له للاستِعْفَافِ لم يملك الرجوع.

(و) الرابع: (أن لا يرهنها) الابنُ فإن رهنها فلا رجوع لأبيه، لتعلُّق حقٍّ المرتهن.
وكذلك إذا أفلسَ الابنُ فلا رجوعَ للأب، لتعلُّق حق الغرماء بالعين.
(وللأب الحرّ أن يتملَّك من مال ولده ما شاء)، مع حاجة الأب وعدمها، في صِغَرِ الوَلَدِ وكِبَرِهِ، وسُخْطِهِ ورضاه، وبِعِلْمِهِ وبغيرِه، دون أُمٍّ وَجَدٍّ، وغيرِهما، (بشروطٍ خمسة).
الأول: (أن لا يضرَّه) بأن يكونَ فاضلاً عن حاجةِ الوَلَدِ، فليسَ له أن يتملَّك سُريَّتَهُ وإن لم تكن أمَّ ولدٍ، ولا آلةَ حِرْفةٍ يكتَسِبُ بها، ورأسَ مالِ تجارةٍ.
(و) الثاني: (أن لا يكون) التملك (في مرضِ موت أحدِهما) أي الأب أو الولد، لأنه بالمرض قد إنعقد السبب القاطِعُ للتملُّك.
(و) الثالث: (أن لا يعطيه) أي الأب (لولدٍ آخر) فلا يتملك من مال ولده زيدٍ ليعطيه لولده عمرٍو.
(و) الرابع: (أن يكون التملك بالقبضِ) لما يتملَّكُه (مع القولِ) أي قوله تملكْتُهُ أو نحوه (أو النيَّة) لأن القبض أعمُّ من أن يكون للتَملُّكِ وغيرِهِ، فاعتُبِر القولُ أو النيّة ليتعيّن وجه القبض.
(و) الخامس: (أن يكون ما يتملّكُهُ) الأب (عيناً موجودةً، فلا يصحّ أن يتملّك) دينَ ابنِهِ لأنه لا يملك التصرف فيه قبل قبضه، ولا أن يتملَّكَ (ما في ذمَّتِهِ من دينِ وَلَدِهِ)، ولا إبراءُ غريمِ وَلَدِهِ، (ولا) يملكُ الأبُ (أن يبرئَ نفسَهُ) من دينِ وَلَدِهِ.
زاد في الإِقناع شرطاً سادساً: وهو أن لا يكون الأبُ كافراً والابنُ مسلماً، لا سيَّما إذا كان الابن كافراً ثم أسلم.
قاله الشيخ.

وقال: الأشبه أن الأب المسلم ليس له أن يأخُذَ من مال ولدِهِ الكافرِ شيئاً.
(وليس لولَدِهِ أن يطالِبَهُ) أي الأبَ (بما في ذمَّته من الدَّين) من قرضٍ، أو ثمنِ مبيعٍ، أو قيمةِ مُتْلَفٍ، أو أرش جناية، (بل إذا مات) الأب، ووجد الولد عين ماله الذي أقرضه لأبيه.
أو باعه، أو غصَبَهُ منه، بعد موتِهِ (أَخَذَه) أي ما وجده (من تركتِهِ) إن لم يكن انتَقَدَ 1 ثمنَهُ.
ولا يكون ميراثاً بل هو له دون سائر الورثة (من رأسِ المال.)

فصل

[في قسمة المال بين الورثة في الحياة]

(ويباح للِإنسان) من ذكرٍ أو أنثى (أن يقسم مالَهُ بين ورثَتِهِ) على قدرِ فريضة الله تعالى، ولو أمكنَ أن يولَدَ له (في حال حياتِهِ).
(ويعطي من حَدَثَ) له بعد قسمةِ مالٍ (حصّته وجوباً) ليحصُلَ التعديل.

[التسوية بين الأولاد في العطية]

(ويجب عليه التسويةُ بينهم على قدْرِ إرثهم) منه، إلاَّ في نفقةٍ وكُسْوَةٍ فتجب الكفاية.
(فإن زوّج أحدَهُم، أو خصَّه بلا إذن البقية، حَرُم عليهِ،) وله التخصيص بإذن الباقي منهم.
نصّ أحمد في رواية صالحٍ وعبدِ الله وحَنْبَل، فيمن له أولادٌ، زوَّج بعضَ بناتِهِ فجهّزها وأعطاها.
قال: يُعطي

جميعَ وَلدِهِ مثل ما أعطاها، (ولزمه أن يعطيَهم) أي الباقي من عندِهِ، أو يرجعَ فيما خصّ به بعضَهم، ويعطي الباقي، (حتى يستووا) بمن خصّصَهُ أو فضلَه.
قال في "الاختيارات": وينبغي أن يكون على الفور.
(فإن مات) المزوِّج أو المخصِّص (قبل التسوية بينهم،) أي بين ورثتِهِ (وليس التخصيصُ بمرضِ موتهِ المخوفِ ثبتَ) أي استقرَّ الملك (للآخذ).
(وإن كان بمرضِ موتهِ لم يثبتْ له شيء زائدٌ عنهم) أي عن باقي الورثة (إلا بإجازتهم) لأنّ حكمه كالوصيّة.
والتسوية هنا القسمة، لِلذكرِ مثلُ حظِّ الأنثيين.
والرجوعُ المذكور يختص بالأب دون الأُمِّ وغيرها.
تنبيه: تحرُمُ الشهادةُ على التَّخصيصِ والتفضيلِ، تحمُّلاً وأداءً، إن عَلِمَ الشاهدُ بذلك.
وكذا كلُّ عقدٍ مختلفٍ فيه فاسدٍ عند الشاهِدِ، كبيعِ غيرِ مرئيٍّ ولا موصوفٍ.
(ما لم يكنْ وقفاً، فـ) إنه (يصحُّ بالثلث، كالأجنبيِّ) قال في الإِقناع وشرحه: ولا يصحّ وقفُ مريضٍ على أجنبيٍّ أو على وارثٍ بزيادةٍ على الثلث، أي ثُلُث مالِهِ، كالعطيّة في المرض، والوصيّة.
انتهى.

فصل

[في تبرعات المريض]

(والمرضُ غيرُ المخوفِ كالصُّداعِ) وهو وجع الرأسِ، (ووجعِ الضِّرسِ) والرَّمَدِ والجَرَب والحُمَّى اليسيرةِ كساعةٍ ونحوِها (تبرُّعُ صاحِبِهِ نافذٌ في جميع مالِهِ كتبرّع الصحيح) لأنّ مثل هذه الأمور لا يُخافَ منها

في العادةِ، وكما لو كان مريضاً فَبَرَأ (حتى ولو صار) هذا (مخوفاً، وماتَ منه بعدَ ذلك).
(والمرضُ المخوف كالبِرسَام) بكسر الموحدة.
وهو بخارٌ يرتقي إلى الرأسِ، فيختلّ العقلُ به.
وقالَ عياضٌ: هو وَرَمٌ في الدِّماغِ يتغيّر منه عقلُ الإنسان ويهذي، (وذاتِ الجنب) قروحٌ بباطنِ الجنبِ، (والرعافِ الدائمِ) لأنه يصفّي الدم فتذهبُ القوة، (والقيامِ المتدارِكِ) وهو الإِسهالُ الذي لا يستمْسِك.
ومن المخوفِ أيضاً الإِسهال الذي مَعَهُ دَمٌ، لأن ذلك يضعف القوّة، والفالج.
(وكذلك) أي وأُلحِقَ بالمريض مرضَ الموتِ المخوفَ ثمانية: أشار إلى الأول منها بقوله: (من) كان (بين الصفّين وقت الحرب) وكلٌّ من الطائفتين مكافِئ، أو كانَ من المقهورة.
وأشار للثاني بقوله: (أو كان باللُّجَّةِ) بضم.
اللام، أي لجة البحر، (وقتَ الهَيَجَانِ) أي ثَوَرَانِ البحر بسبب هبوب الريح العاصف، لأن الله تعالى وَصَفَ من في هذه الحالة بشدّة الخوف.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
وَأشَارَ إلى الثالث بقوله: (أو وقع الطاعونُ) قال أبو السعادات: هو المرض العامّ والوباءُ الذي يفسُدُ له الهواء، فتفسُد به الأمزِجة والأبدانُ.
وقال عياض: هو قروحٌ تخرج من المغابِنِ وغيرِها، لا يلبث صاحِبُها، وتعُمُّ إذا ظهرت.
وفي شرح مسلم: وأما الطاعونُ فوبَاءٌ معروف، وهو بُثَرٌ ووَرَمٌ مؤلمٌ جداً يخرجُ مع لَهَبٍ، ويسودُّ ما حولَهُ،

ويخضرّ ويحمرّ حمرةً بنفسجيةً.
ويحصُل معه خَفَقَانُ القلبِ (ببلدِهِ) أي بلدِ المعطي.
وأشار للرابع بقوله: (أو قُدِّم للقتلِ) سواءٌ أريد قتلُهُ لقصاصٍ أو غيرِهِ، لأن التهديدَ بالقَتْلِ جُعِلَ إكراهاً يمنع وقوعَ الطلاق، وصحةَ البيعِ.
ولولا الخوفُ لم تثبت هذه الأحكام.
وأشار للخامس بقوله: (أو حُبِسَ له) أي للقتلِ.
قال في الإِنصاف: حكم من حُبِسَ للقتل حكم من قُدمَ لِيقتَصَّ منه.
انتهى.
وأشار للسّادسِ بقوله: (أو جُرِحَ جُرْحاً مُوحِياً) أي مُهْلِكاً، مع ثَباتِ عقلِهِ، لأنه مع عدم ثباتِ عقله لا حُكْمَ لعطيتِهِ، بل ولا لكلامه.
وحيث كان عقلُهُ ثابتاً كانَ حُكمْهُ حكمُ المريِضِ.
والسابع: من أُسِرَ عند مَنْ عادَتُهُ القتل.
والثامن: الحامل عند الطَّلْقِ مَعَ ألَمٍ حتى تنجو من نفاسها.
(فكلّ من أصابه شيءٌ من ذلك، ثمّ تبرَّعَ وماتَ نَفَذَ تبرّعه بالثلث) أي ثلث ماله عند الموتِ، لا عند العطية (فقط، للأجنبيِّ، فقط، وإن لم يمت) من مرضِهِ المخوف (فـ) تصرّفه (كـ) تصرُّف (الصحيح.)

كتَاب يذكر فيه مَسَائل مِن أحكَام (الوَصَايَا) والوصيّة لغة عبارة عن الأمر، لقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾، وشرعاً الأمْر بالتصرُّف بعد الموت، وبمالٍ التبرع به بعد الموت.
(تصح الوصية من كل) إنسان (عاقل لم يعاين الموتَ).
فائدة: قال في الكافي 1: قال في الفروع: وفاقاً للشافعي.
قال: لأنه لا قول له.
والوصيةُ قول.
ولنا خلافٌ: هل تُقْبَلُ التوبةُ ما لم يعايِنِ المَلَكَ، أو ما دام مكلفاً، أو ما لم يُغَرْغِر؟ فيه أقوال، (ولو) كان الموصي (مميِّزاً) والمراد يعقِل الوصيةَ، لأنها تصرُّفٌ تمحَّضَ نفعاً للصغير، فصحَّ منه، كالإِسلام، والصلاة، (أو سفيهاً) بمالٍ، فإنها تصحُّ لأنها تمحَّضتْ نفعاً له من غيرِ ضرَرٍ، فصحّتْ منه كعباداته.
(فتسنُّ) الوصية (بِخُمْسِ) مالِ (مَنْ تَرَكَ خيراً، وهو) أي الخيرُ (المالُ الكثيرُ عُرفاً) قال في الإِنصاف: يعني في عرف الناسِ، على الصحيح من المذهب.
انتهى.
فعلى هذا لا يتقدَّر بِشَيءٍ.
(وتُكْرَهُ) الوصية (لفقير) أي منه إذا كان (له ورثةٌ).
قال في الفروع:

وتُكره لفقيرٍ.
قال جماعة: له وارثٌ محتاج.
وتصح ممن لا وارِثَ له بجميع مالِهِ.
(وتُباح له) أي للفقير (إن كانُوا) أي ورثته (أغنياءَ).
(وتجب) الوصية (على من عليه حقٌّ بلا بينّة).
(وتحرم) الوصية (على من له وارث) غيرُ زوجٍ أو زوجةٍ 1 (بزائدٍ على الثلث) لأجنبيٍّ، (ولوارثٍ بشيءٍ) مطلقاً.
ولا فرق في ذلك بين وجودِ الوصيةِ في حال صحة الموصِي أو مرضه.
(وتصحُّ) هذه الوصيةُ المحرمة (وتَقِفُ على إجازةِ الورثة،) لأن المنع من ذلك إنما هو لحق الورثة، فإذا رَضُوا بإسقاطِهِ جاز.
(والاعتبار بِكَوْنِ من وُصِّيَ) له وصيةٌ، (أو وُهِبَ له) من قبل مريضٍ هبةٌ (وارثاً أوْ لا عند الموت) أي موت الموصي.
فمن أوصى لأحَدِ إخوته، ثم حَدَثَ له ولد، صحت الوصيَّةُ للموصى له لِإنه عند الموت ليس بوارثٍ.
ومن أوصى لأخِيهِ بشيءٍ، وللموصي ولد، فماتَ قبله، وُقِفَتْ على إجازة بقيّة الورثة.
(و) الاعتبار (بالإِجازة) للوصيةِ من قبل الورثة (أو الردّ) منهم (بعده) أي بعد الموت.
وما قَبْلَ ذلك من ردٍّ أو إجازةٍ لا عبرة به.
قال في الإِنصاف: فهذا المذهب.
(فإن امتنعَ الموصى له بعد موتِ الموصي من القبول ومن الردّ، حُكِمَ عَليهِ بالردّ وسَقَطَ حقُّه) من الوصية.

(وإن قَبِل) الموصى له الوصيّةَ (ثم ردّ) الوصيةَ، (لَزِمَتْ، ولم يصحَّ الرد،) سواء قبضها أو لم يقبضها، وسواء كانت مكيلاً أو موزوناً أو غيرَهما.
ووجهُ ذلك أنّ الموصى به دخل في ملك الموصى له بمجرّدِ قَبوله للوصية، فلم يَمْلِكْ ردَّه، كردِّهِ لسائر أملاكه.
(وتدخل في ملكه) قهراً عليه (من حينِ قبوله، فما حَدَثَ من نماءٍ منفصلٍ قبل ذلك) أي قبل القبول (فـ) هو (للورثة).
(وتبطل الوصية بـ) وجودِ واحدٍ من (خمسةِ أشياء): الأول: ما أشار إليه بقوله: (برجوعِ الموصي بقولٍ) كقوله: رجعتُ في وصيَّتي، أو قال: أبطلتُها، أو قال: رَددْتُها، أو: غيَّرتُها، أو: فسخْتُها؛ (أو فعلٍ يدلّ عليه) أي على الرجوع، كما إذا باع ما وصَّى به، أو وَهَبَهُ، أو رهنَهُ، أو عرَضَهُ لهما، أو وصّى ببيعِهِ أو عتقِه أو هبتِه, أو كاتَبَهُ، أو دَبَّرَه، أو خَلَطَهُ بما لا يتميّز، أو طَحَن الحنطة، أو خَبَزَ الدقيقَ، أو نَسَجَ الغَزْلَ، أو ضَرَبَ النُّقْرَة 1 دراهمَ، أو ذَبَحَ الشاةَ.
الثاني: ما أشار إليه بقوله: (وبموتٍ) أي وتبطلُ الوصية بموتِ (الموصى له قبل) موتِ (الموصي.) الثالث: ما أشار إليه بقوله: (وبقتلِهِ) أي الموصى له (للموصي.) الرابع: ما أشار إليه بقوله: (وبرده) أي ردّ الموصى له (للوصيةِ) بعد موت الموصي.
الخامس: ما أشار إليه بقوله: (وبتلف العينِ المعيَّنَةِ الموصى بها.)

باب حُكمُ (المُوصَى لَه)

(تصح الوصية) من كل من تصحّ وصيّتُهُ (لكل من يصحّ تمليكُهُ) من مسلمٍ، وكافرٍ، قال في التنقيح: مطلقاً إن كان معيَّناً، وإلاَّ فلا، قطع به الحارثيّ وغيره.
انتهى.
(ولو مرتداً، أو حربياً، أو) كان الموصى له (لا يملِكُ كحَمْلِ) فرسِ زيدٍ (وبهيمةِ) عمرٍو، ولو لم يقبلْ زيدٌ وعمروٌ ما وُصِّيَ به لفرسِهِ.
(وُيصرَفُ) أي الموصى به (في عَلَفِهَا،) أي الفرس، أو البهيمة، لأن الوصية له، فأُمِرَ بصرْفِ المالِ في مصلَحَتِهِ.
فإن ماتت الفرسُ فالباقي للورثة، كما لو ردّ الموصى له.
(وتصحُّ) الوصية (للمساجِدِ) وتصرف في مصالِحِها عملاً بالعُرْف.
ويصرِفُه الناظرُ إلى الأهمّ فالأهمّ والأصلح باجتهاده؛ (والقناطِرِ ونحوها) كالثغور.
(و) تصحُّ الوصية (للهِ ورسولهِ) - صلى الله عليه وسلم -، (وتصرَفُ) هذه الوصية (في المصالح العامة) يعني مصرفَ الفيء.
(وإن أوصى بإحراقِ ثلثِ مالِهِ، صحَّ وصُرِفَ في تجميرٍ) أي تبخيرِ (الكَعْبَةِ، وتنوير المساجد).
(و) إن أوصى (بدفنِهِ) أي ثلثِ مالِهِ (في التراب، صُرِفَ في تكفينِ الموتى).

(و) إن أوصى (برمْيِهِ) أي ثلث ماله (في الماءِ صرِفَ في عملِ سفنٍ للجهاد).
(ولا تصحّ) الوصيةُ (لكنيسةٍ أو بيتِ نارٍ) ولمكانٍ من أماكِنِ الكفرِ، سواءٌ كانت الوصِيَّةُ ببنائِهِما، أو بشيء يُنْفَقُ عليهما، لأن ذلك معصية، فلم تصحّ الوصيةُ بها، كما لو أوصى بعبده أو أَمَتِهِ للفُجُورِ، أو بشراءِ خمرٍ يُتَصَدَّقُ بها على أهل الذمّة، (أو كُتُبِ التوراةِ والإِنجيل) يعني أنه لا تصحُّ الوصية بذلك، لأنهما منسوخانِ، وفيهما تبديلٌ، والاشتغالُ بهما غيرُ جائزٍ، (أو مَلَكٍ) بفتح اللام، أحدِ الملائكة، (أو ميِّتٍ) يعني أن الوصيَّةَ لا تصلُحُ للمَلَكِ، ولا للميِّتِ، لأنهما لا يملكان، أشبهَ ما لو أوصى لحَجَرٍ أو نحوه من الجمادات، (أو جِنِّيٍّ).
(ولا) تصح الوصية (لمبهمٍ، كأحدِ هذين، فلو وصى بثلث مالِهِ لمن تصحُّ له الوصية ولمن لا تصحّ، كان الكلُّ لمن تصحُّ له) كمن وصَّى لزيدٍ ولجبريلَ عليه السلام بثُلُثِ مالِهِ، أو لزيدٍ ولحائطٍ، فلزيدٍ الثلث، لأن من شَرَّكَهُ معه لا يملك، فلم يصحّ التشريك.
ولو وصى لزيدٍ ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثلثِ مالِهِ، قُسِمَ بينَهما نصفَيْنِ.
ويصرف ما لِرسول الله - صلى الله عليه وسلم - المصالح العامة، كما لو وصّى لله تعالى ولزيدٍ.
(لكن لو وصّى لحيٍّ وميِّتٍ) يُعْلَم موتَه أوْ لا، (كان للحيِّ النصفُ فقط) من الوصيّة لأنه أضاف الوصيّةَ إليهما، فإذا لم يكن أحدهما محلاً للتمليك بطلت الوصية في نصيبه دون نصيب الحيّ، لخلوِّه من المُعَارِض.

فصل

[في ألفاظ الوصية في حق الموصى لهم]

(وإذا أوصى) إنسانٌ (لأهل سِكَّتِهِ) بكسر السين (فـ) الموصى به (لأهل زُقَاقِهِ) بضمِ الزاي، أي زقاق الموصي، وهو درْبُهُ، والدَّرْبُ في الأصل بابُ السِّكةِ الواسِعُ.
قاله في القاموس.
(حال الوصيّة) 1. (و) إن أوصى إنسانٌ بشيءٍ (لجيرانِهِ تناوَلَ أربعينَ داراً من كلِّ جانبٍ) قال في الإِنصاف: هذا المذهب.
نص عليه.
وعليه أكثر الأصحاب.
انتهى.
وُيقْسَمُ المالُ على عَدَدِ الدُّور.
وكلُّ حِصَّةِ دارٍ تقْسَم على سُكَّانِها.
وجيرانُ المسجِدِ من يسمعون النداء.
(والصبيّ، والصغيرُ، والغلامُ، واليافعُ، واليتيمُ، من لم يبلغْ) قال في شرح المنتهى: يعني أن هذه الألفاظ تطلق على الولَدِ من حينِ ولادتِهِ إلى حين بلوغِهِ، بخلاف "الطفل"، فإنه يطلق إلى حينِ تمييزه فقط.
فهذه الأسماء أعمُّ من لفظ "الطفل" قال في فتح البِاري: في حديث "علّموا الصبيَّ الصلاةَ بن سبعٍ" يُؤْخَذُ من إطلاق الصبيّ على ابن سبعٍ الردُّ على من زعم أنه لا يسمى "صبيًّا" إلا إن كان رضيعاً، ثم يقال له: "غلامٌ" إلى أن يصير ابنَ سبعِ سنين، ثم يصير يافِعاً إلى عشرٍ.
ويوافق الحديثَ قولُ الجوهريّ: الصبيُّ الغلام.
انتهى.
(والمميّزُ مَنْ بلغ سبعاً) أي تمّ له سبع سنين.

(والطِّفْلُ من دونَ سبعٍ) يعني أنه لو وصّى بشيءٍ للأطفال من بني فلان، أو نحو ذلك، كان لمن لم يميِّز منهم.
قال في البدر المنير: الطِّفْلُ الوَلَدُ الصغيرُ من الإِنسانِ والدوابّ.
(والمراهِقُ من قارَبَ البلوغَ) قال في القاموس: راهَقَ الغلامُ: قارَبَ الحُلُم.
انتهى.
(والشابُّ والفتى من البلوغِ إلى ثلاثينَ) سنةً.
(والكَهْلُ من الثلاثين إلى الخمسين) قال في القاموس: والكَهْلُ من وَخَطَهُ الشَّيْبُ ورأيْتَ له بَجَالةً، أو مَنْ جاوز الثلاثينَ، أو أربعاً وثلاثينَ، إلى إحدفى وخمسين.
انتهى.
(والشَّيْخُ من الخمسين إلى السبعين) سنة.
(ثم بعدَ ذلك هَرِمٌ) إلى آخِرِ عُمْرِهِ.
ومن أوصى بشئٍ "لَهِرِمٍ" 1 من بني فلان لم يتناولْ مَنْ سِنُّهُ دون السبعين.
وهكذا الحكم فيما إذا أوصى لشبابِهِمْ، أو كُهُولهِمْ، أو شُيُوخِهِم.
فإن الوصية لا تتناول من هو دون ذلك، ولا من هو أعلى.
(والأيِّمُ والعَزَبُ من لا زوجَ لَهُ من رَجُلٍ أو امرأةٍ) قال في الإِنصاف: قال الشارح: ذكره أصحابنا.
انتهى.
ووجهه أن "الأيِّم" يقعُ في اللغة على الذَّكر كما يقع على الأنثى.
قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ وكذا "العزب" يقال: رجلٌ عَزَبٌ وامرأةٌ عَزَبٌ.
قال ثعلب: وإنما سُمِّيَ العَزَبُ عزباً لانفراده.
وكل شيء انفردَ فهو عَزَبٌ.
وذكر أنه لا يقال: أعزب.
ورُدَّ عليه بأنها لُغَةٌ.
حكاها الأزهريّ عن أبي حاتم.

(والبِكْرُ من لم يتزوَّج) من رجلٍ وامرأةٍ.
(و) يقال: (رجلٌ ثيِّبٌ وامرأة ثيِّبَةٌ إذا كانا قد تزوَّجا.
والثيُّوبَةُ زوالُ البَكَارَةِ) بالوطءِ (ولو من غير زوجٍ) كسيدٍ، ووطءِ شبهة، وَزِناً.
(والأرامل) النساءُ (التي فارقَهُنَّ أزواجهن بموتٍ أو حياةٍ) لأنه المعروف بين الناس.
قال جرير: هذي الأرامِلُ قَدْ قَضَّيتَ حاجَتَها ... فَمَنْ لحاجةِ هذا الأرْمَلِ الذَكَرِ فأطلق الأول حيث أراد به الإِناث، لأنه موضوعٌ له، ووصَفَهُ في الثاني بالذَّكَرِ، لأَنه لو أطلقه لم يفهم.
(والرَّهْطُ 1 ما دون العَشَرةِ من الرجالِ خاصةً) لغةً، لا واحِدَ له من لفظه.
والجمع رهوط وأرهاط وأرهط وأراهيط 2. قال في "كشف المُشْكِل" الرهط: ما بين الثلاثة إلى العشرة.
وكذا قال: "النَّفَرُ"، من ثلاثةٍ إلى عشرة 3. قال في الفروع: و"العلماء" حَمَلَةُ الشرع.

باب أحكام (الموصى به)

وهو آخر أركان الوصية الأربعة، وهي: موصٍ، وصِيغَةٌ، وموصى له، وموصىً به.
(تصح الوصية حتى بما لا يصحّ بيعه) بعجز الموصي عن تسليمِهِ (كالآبِقِ) من الرقيق، (والشارد) من الدوابّ، (والطيرِ بالهواء، والحَمْلِ بالبطن، واللَّبَنِ بالضَّرْعِ) لأن الوصية أُجريتْ مجرى الميراث، وهذا يورث، فيوصى به.
وللموصى له السعي في تحصيله، فإِن قدر عليه أخذه إذا خرج من الثلث.
ولا فرق في الحمل بين أن يكون حمْلَ أَمةٍ أو حمْلَ بهيمةٍ مملوكةٍ، لأن الغرر لا يمنع الصحة، فجرى مجرى إعتاقِهِ.
ويعتبر وجوده في الأمة بما يعتبر به وجود الحمل الموصى له.
وإن كان حمل بهيمةٍ اعتُبِر وجودُه بما يثبت به وجوده في سائر الأحكام.
(و) تصحُّ الوصية (بـ) الشيء (المعدومِ، كـ) وصيتِهِ (بما تحمل أمتُهُ) أبداً، أو مدّةً معلومة (أو) بما تحمل (شَجَرَتُهُ أبداً أو مدَّة معلومة) كسنة وسنتين.
ونحو ذلك.
ولا يلزَمُ الوارِثَ السقي لأنه لا يَضْمَنُ تسليمَهَا، بخلاف مشْترٍ.

(فإن حَصَل شيء) من نماءٍ في ملكِهِ مما أُوصِيَ به (فـ) هو (للموصى له، إلا حملَ الأمة) الموصى له به، (فـ) تكون له (قيمتُهُ) يعطيها مالكُ الأمة للموصى له (يوم وضعِهِ) لحُرمَةِ التفريق بين ذوي الأرحام في الملك.
(وتصح) الوصية أيضاً (بغير مالٍ، ككلبٍ مباحِ النفعِ) وهو كلبُ صيدٍ وماشيةٍ وزرعٍ، وجَرْوِهِ، لما يباح اقتناؤهَ له، غيرَ أسودَ بهيمٍ، (و) كـ (زيتٍ متنجّسٍ) لغير مسجدٍ لأن فيه نفعاً مباحاً، وهو جواز الاستصباح به.
وللموصى له بالكلبِ والزيتِ ثلُثُهُما، ولو كثر المال، إن لم تُجِز الورثة الوصية في جميعه 1. (وتصحّ) الوصيةُ (بالمنفعةِ المفهكةِ) عن الرقبة (كخدمةِ عبدٍ، وأجرَةِ دارٍ ونحوهما) كأجرة دابة.
(وتصحُّ) الوصية (بالمبهم، كثوبِ،) فإنه يشمل المنسوج من الصوف والقطن والكَتَّانِ والحرير، والمصبوغَ، والكبيرَ والصغيرَ، ونسجَ كلَّ بلدٍ، لأن غاية ذلك أنه مجهول (ويعطى) أي يعطي الورثةُ الموصى له بثوبٍ (ما يَقَعُ عليه الاسم) أي اسم الثوب، لأنه اليقين.
(فإن اختلف الاسمُ) أي اسم الموصى به (بالعُرفِ والحقيقةِ) اللغويّة (غُلِّبَتْ) بالتضعيف والبناء للمفعول، يعني أنه يعمل بمقتضى (الحقيقة) 2 مع مخالفة العرف لها، لأنها الأصل.
ولهذا يحمل عليها كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -. (فـ) على هذا (الشاةُ والبعيرُ والثورُ اسم للذَّكَرِ والأنثى 3 من صغيرٍ

وكبيرٍ،) ويتناول لفظ الشاة الضأن.
(والحِصَانُ) بكسِرِ الحاءِ المهملة، (والجَمَلُ) بفتح الميم وسكونها (والحمار والبَغْلُ والعبد اسمٌ للذكر خاصة) فلو وكَّلَه في شراءِ عبدٍ لم يكن له شراءُ أَمَةٍ، فلا تنصرف الوصية بذلك إلا إلى الذكر.
(والحِجْرُ) بكسر الحاء وسكون الجيم وآخره راء (والأتَان) الحِمَارَةُ قال في القاموس: والأتانَةُ قليلة 1. انتهى.
(والناقة والبقرة اسم للأنثى) 2 قاله في الإِنصاف.
(والفرس والرقيق اسم لهما) أي للذكر والأنثى، ويكونان للخُنثى أيضاً.
(والنَّعْجَةُ اسم للأنثى من الضَّأن.
والكبشُ اسمِ للذكر الكبيرِ منه) أي الضأن.
(والتيس اسمٌ للذكر الكبير من المعْز).
(والدابّة عرفاً اسم للذَّكَرِ والأنثى من الخيلِ والبغالِ والحميرِ) لأن ذلك هو المتعارف.
قال الحارثي: والقائلون بالحقيقة لم يقولوا هاهنا بالأعمّ لأنهم لَحَظوا غلبةَ استعماله أي العرف 3 في الأجناس الثلاثة بحيث صارت الحقيقةُ مهجورةً.
= اسم للذكر من البقر خاصة، لا يكون للأنثى، كذا في اللسان والقاموس والزاهر للأزهري.
ولو مثلوا بـ (البقرة) لكان صوابا، فإن البقرة للذكر والأنثى، بمنزلة (الشاة) في الغنم.
أما التمثيل بـ (البعير) لما يكون للذكر والأنثى فصحيح، وإن كان الغالب استعماله للذكر خاصة ولذا نقل في الزاهر عن الشافعي رضي الله عنه أن الموصي "لو قال: أعطوه ثوراً أو بعيراً" لم يكن لهم أن يعطوه ناقة ولا بقرة.
ووهم أيضاً في أن البعير يكون للصغير، ففي لسان العرب: البعير الجمل البازل، وقيل الجذع.

فصول الكتاب · 33 فصل · 512 صفحة
جارٍ التحميل