نيل المارب بشرح دليل الطالبصفحات 89-108
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتَاب الوَقف

صفحات 89-108
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي تغلب
الكتاب
نَيْلُ المَآرِب بشَرح دَلِيلُ الطَّالِب
المؤلف
عبد القادر بن عمر بن عبد القادر ابن عمر بن أبي تغلب بن سالم التغلبي الشَّيْبَاني (المتوفى: 1135هـ)
المحقق
الدكتور محمد سُليمان عبد الله الأشقر - رحمه الله -
الناشر
مكتبة الفلاح، الكويت
الطبعة
الأولى، 1403 هـ - 1983 م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

باب حكم (ميْراث المفقود)

اسم مفعول من فقدتُ الشيءَ أفقِدُه فَقْداً وفِقْداناً بكسر الفاءِ وضمها.
والفِقْدَانُ تَطَلُّبُ الشيء فلا تَجِدهُ.
وهو قسمان: الأول: (من انقطع خَبَرُهُ لغيبةٍ ظاهرُها السلامةُ، كالأَسْر) فإنّ الأسير معلومٌ من حالِهِ أنه غير متمكنٍّ من المجيء إلى أهله (والخروجِ للتجارة) فإن التاجر قد يشتغل بتجارته عن العَوْدِ إلى أهله (والسياحةِ وطلبِ العلم) 1 فإن السائِحَ قد يختار المقام ببعض البلدان النائية عن بلده.
فالذي يغلِبُ على الظنّ في هذه الأحوالِ ونحوِها سلامَتُهُ (انتُظِر تتمة تسعين سنة منذ وُلِدَ) قال في الإِنصافَ: هذا المذهب.
وصححه في المذهب 2 لأن الغالب أنه لا يعيش أكثرَ من هذا.
فأشبه اليقين 3. (فإن فُقِدَ ابنَ تسعين سنةً اجتهدَ الحاكم) في تقدير مدة انتظاره.
القسم الثاني: مَنِ انقطع خبرُه لغيبةٍ ظاهِرُها الهلاكُ، وهو المراد

بقول المتن: (وإن كان ظاهرها الهلاك، كمن فُقِدَ من بينِ أهله) كمن يخرج إلى الصلاة فلا يعود، أو إلى حاجة قريبةٍ فلا يعودُ (أو في مَهْلَكَةٍ) وهي بفتح الميمِ واللام، ويجوز كسرهما، حكاهما أبو السعادات.
وبجوز ضمُّ الميم مع كسر اللام، اسم فاعل من أَهْلَكَتْ فهي مُهْلِكَةٌ.
وهي أرضٌ يكثر فيها الهلاك، قاله في المبدع (كدرب الحجازِ 1، أو فُقِدَ من بين الصفَّيْنِ حال الحرب، أو غرقتْ سفينةٌ ونجا قوم وغَرِقَ آخرون،) فمتى فُقِدَ إنسان في هذه الأحوال الممثَّلِ بها أو نحوها (انتُظِر تتمةَ أربعِ سنينَ منذ فُقِدَ.
ثم يُقْسَمُ ماله في الحالتين) 2 لأنها مدة يتكرر فيها تردد المسافرين والتجار، فانقطاعُ خَبَرِهِ عن أهلِهِ مع غيبته على هذا الوجْهِ يُغَلِّبُ ظنَّ الهلاك، إذْ لو كان باقياً لم ينقطعْ خبرُهُ إلى هذه الغاية، فلذلك حُكِمَ بموتهِ في الظاهِرِ، فَيُجْعَلُ مالُه لوَرَثتِهِ، لذلك، ولأن الصحابة رضي الله عنهم اتفقوا على اعتدادِ امرأتِهِ بعد تربُّصها هذه المدة، وحِلَّها للأزواج بعد ذلك.
وإذا ثبت ذلك في النكاحِ مَعَ الاحتياطِ للأبْضَاعِ ففي المال أولى.
ويزكَّى مالُ المفقود لما مضى قبل القسمة 3. (فإن قدم) المفقود (بعد القسمة) لمالِهِ (أَخَذَ ما وجده) منه (بعينه) لأنه قد تبيَّن عدم انتقال ملكِهِ عنه (ورَجَعَ بالباقي) على من أَخَذهُ، بمثل مثليٍّ وقيمةِ متقوِّم، لتعذُّرِ ردَّهِ بعينه.

(فإن مات مورِّث هذا المفقود) أي من يرث المفقود منه (في زمن انتظارِهِ) أي في المدة التي قلنا يُنْتَظَرُ به فيها (أَخَذَ) من تركة الميت (كلُّ وارثٍ) غيرُ الْمفقود (اليقينَ) وهو ما لا يمكن أن ينقُصَ عنه مع حياة المفقودِ أو موتهِ (وَوُقِفَ له) أي للمفقود (الباقي) حتى يتبيَّن أمرُهُ أو تنقضي مدة الانتظار، لأنَّهُ مالٌ لا يُعْلَمُ الآن مستحِقَّهُ، أَشْبَهَ الذي ينقصُ نصيبُهُ بالحمل.
وطريقُ العمل في ذلك أن تَعْمَلَ المسألةُ على أنه حيّ، ثم على أنه ميت، ثم تَضْرِبَ إحداهما في الأخرى إن تباينتا، أو في وَفْقِهَا إن اتفقتا، وتجتزىء بإحداهما إن تماثلتا، وبأكثرهما إن تداخلتا، وتدفعَ لكل وارثٍ اليقينَ، وهو أقل النصيبين.
ومن سقط في إحداهما لم يأخذ شيئاً.
(ومن أشكل نَسَبُه) من عددٍ محصورٍ، والمراد: ورُجِيَ انكشافُهُ، (فكالمفقود) في أنه إذا مات أحدٌ من الواطئين لأمِّه وُقِفَ له منه نصيبه، على تقدير إلحاقه به.
وإن لم يُرْجَ زوالُ إشكالِهِ بأن عُرِضَ على القافة فأشكَلَ عليهم، ونحو ذلك، لم يوقف له شيء.

باب ميرَاث الخنثى

(وهو من له شكل الذكر، و) شكل (فرج المرأة) زاد في المغني والشرح: أو ثقبٌ في مكان الفرج، يخرج منه البول.
(ويعتبر) أمرُهُ من كونهِ ذكراً أو أنثى في توريثِهِ وغيرِهِ مع إشكاله (ببوله) من أحدهما.
فإن كان يبولُ منهما (فَبسبْقِهِ) أي سبق البول (من أحدِهِما) قال في المغني: قال ابن المنذر: أجَمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الخنثى يورَّث من حيثُ يبول.
فإن بال من حيثُ يبولُ الرجلُ فهو رجلٌ، وإن بال من حيث تبولُ المرأة فهو امرأة.
(فإن خرج) البول (منهما) أي من شكل الذكر وشكل الفرج (معاً)، بأن لم يسبق من واحد منهما (اعتبر أكثَرُهما) خروجاً منه.
قال ابن حمدان: قدراً وعدداً لأن له تأثيراً.
قال في المغني: فإن خرجا معاً ولم يسبِقْ أحدُهما، فقال أحمد في رواية إسحقَ بن إبراهيم: يرث من المكان الذي يبول منه أكثر.
(فإن استويا) أي استوى المحلَّان في قدرِ ما يخرج من كلِّ واحدٍ منهما من البول (فَمُشْكِلٌ) أي فالخنثى المتَّصِفُ بذلك يسمى مشكلاً، لأنه قد أشْكَلَ أمرُهُ لعدم تمييزه بشيء مما تقدَّمَ.

(فإن رُجِيَ كشْفُهُ) أي كشف إشكالِهِ (بَعْدَ كِبَرِهِ) أي بلوغِهِ (أُعْطِي) الخنثى (ومن معه) من الورثة (اليقينَ) من التركةِ، وهو ما يرثونه بكل تقدير، (ووُقِفَ الباقي) من التركة حتى يبلغ (لتظهر ذكورته، بنبات لحيتِهِ، أو إمناءٍ من ذكره).
زاد في المغني: وكونهِ منيَّ رجلٍ، (أو) لتظهر (أنوثَتُهُ بحيضٍ أو تفلُّكِ ثديٍ) بأن يستدير، قال في القاموس: وَفَلَّكَ ثديها وأفْلَكَ وتَفَلَّكَ: استدار، انتهى.
(أو إمناءٍ من فرجٍ).
(فإن ماتَ) الخنثى قبل بلوغِهِ، (أو بَلَغَ بلا أمارَةٍ)، تظهر بها ذكوريته، أو أنوثيته، (واختلف إرثه، أخَذَ نصف ميراثِ ذكرٍ ونصفَ ميراث أنثى) فإن كان ابنٌ، وبنتٌ، وولدٌ خنثى مشكلٌ، فمسألة ذكوريته من خمسة، عددِ الرؤوس، ومسألة أنوثيته من أربعة.
فاضرب إحداهما في الأخرى، لتباينهما، تكن عشرين.
ثم اضرب العشرين في اثنين، عدد حالة الذكورة والأنوثة، تكن أربعين، ومنها تصحّ: للبنت سهم من أربعة، في خمسة، بخمسة؛ ولها سهم من خمسة، في أربعة، بأربعة؛ فأعطها تسعة.
وللذكر سهمان من أربعة، في خمسة، بعشرة؛ وسهمان من خمسةٍ، في أربعة، بثمانية: يجتمع له ثمانيةَ عَشَرَ.
وللخنثى من مسألة الأنوثية سهم، في مسألة الذكورية: خمسة؛ وله سهمان من خمسةٍ، في أربعة، بثمانية.
يجتمع له ثلاثة عشر.

باب ميرَاث الغرقى وَنحوهم

كمن عَمِيَ 1 موتُهُم إذا ماتُوا بِهَدْمٍ أو غَرَقٍ أو حرق.
(إذا عُلِمَ موتُ المتوارِثَيْنِ معاً) أي في آنٍ واحدٍ (فلا إرث) أي فلا يَرِثُ هذا من هذا، ولا هذا من هذا، لأنه لم يكن أحدهما حيًّا حين موت الآخر.
وشرطُ الإِرثِ تحقُّقُ حياةِ الوارِثِ بعد موتِ المورِّث.
(وكذا) الحكم (إن جُهِلَ الأسبق) من المتوارثين موتاً، (أو عُلِمَ) أسبقهُما (ثم نُسِيَ،) أو عُلِمَ أن أحدَهما ماتَ أولاً وجُهِلَ عينُه.
فتارةً يدّعي ورثة كلِّ واحدٍ من الميتينِ سبق موت الآخر، وتارةً لا يدّعونه.
أشار للدعوى بقوله: (وادّعى ورثةُ كلٍّ) أي ورثة كلِّ ميتٍ من الهدمى والغرقى (سبْقَ) موتِ (الآخر، ولا بيّنة) لواحدٍ من الفريقين بما ادّعاه، (أو) كان لكلِّ واحدٍ بيّنَةٌ، (تعارضَتَا) أي البيّنتان، وتحالَفَا أي حَلَفَ كلٌّ منهما على ما أنكره من دعوى صاحبه، ولم يتوارثا، لعدم وجود شرطه، وهو تحقُّق حياةِ الوارِثِ بعد موتِ المورّث.
وأشار لعدم الدعوى بقوله (وإن لم يدّعِ ورثة كلٍّ سَبْقَ) موتِ

(الآخر، ورث كل ميتٍ صاحِبَهُ) وهو قولُ عُمَرَ وعليٍّ وشريحٍ وإبراهيمَ والشعبيِّ.
قال الشعبيّ: وَقَعَ الطاعونُ بالشَّامِ عامَ عُمْواسٍ، فجعل أهل البيت يموتون عن آخرهم.
فكتب في ذلك إلى عمر رضي الله عنه، فأمر عمر أن ورّثوا بعضَهُم من بعض.
قال أحمد: أذْهَبُ إلى قول عمر.
قال في الإِنصاف: إنه من مفردات المذهب.
وإنما يرث كل ميتٍ من صاحبه من تِلادِ ماله، أي مالِهِ القديم الَّذي ماتَ وهو يملكُهُ، دون المجدَّدِ له مما ورثه من الميت معه، لئلا يدخله الدَّوْرُ.
فيقدَّر أحدُهما مات أوَّلاً، ويرث الآخر منه.
(ثم يُقْسَمُ ما ورثه على الأحياء من ورثتِّه.) ثم يصنع في الثاني كذلك.
ففي أخوين أَحَدُهما مولى زيدٍ، والآخر مولى عمروٍ، يصير مالُ كل واحدٍ منهما لمولى الآخر.

باب ميرَاث أهل المِلَل

جمع مِلَّةٍ، بكسر الميم، وهي الدّينُ والشريعة.
من موانع الإِرث اختلافُ الدّين.
فمتى كانَ دينُ الميتِ مبايناً لدينِ نسيبِهِ، أو زوجتِهِ، أو زوجِها، فلا إرث.
(لا توارثَ بين مختلفين في الدين، إلا بالولاء، فيرث به) أي الولاء (المسلمُ) المعتِقُ (الكافر) العتيق، (والكافِرُ) المعتِقُ (المسلمَ) العتيقَ.
(وكذا يرثُ الكافِرُ ولو مرتداً) قريبَه المُسْلِمَ (إذا أَسْلَمَ قبلَ قَسْمِ ميراثِ مورّثِهِ المسلم) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أسْلَمَ على شيءٍ فهو له" رواه سعيد في سننه 1. (والكفّار مِلَلٌ شتَّى، لا يتوارثون مع اختلافها) روي عن علي، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَتَوارَثُ أهلُ مِلَّتَيْن شتَّى" رواه أبو داود 2. فاليهوديّةِ ملة،

والنصرانيّة ملة، والمجوسيّة ملة، وعَبَدَةُ الأوثان ملّة، وعبدة الشمس ملّة، وهكذا.
فلا يَرِثُ بعضُهُمْ بعضاً.
(فإن اتفقت أديانُهُمْ، ووجدت الأسباب) الرّحِمُ، والنِّكاح، والولاء، (وَرِثَ بعضهم بعضاً، ولو أنّ أحَدَهما ذِمّي والآخر حربي، أو) أحدُهما (مستأْمِنٌ والآخر ذمّي أو حربيّ.) فاختلافُ الدَّارَيْنِ ليس بمانع، لأن العموماتِ من النصوصِ تقتضي توريثَهُمْ، ولم يرد بتخصيصِهم نصٌّ ولا إجماع، ولا يصح فيهم قياسٌ.
فيجب العمل بعمومها.
(ومن حُكِمَ بكفرِهِ من أهل البدع) المضلّة، (والمرتدّ، والزنديق، وهو المنافق) ولا تقبلُ توبتُهُ ظاهراً، وهو سَتْرُ الكفرِ وإظهار الإِيمان (فماله فيءٌ) يصرف مصرف الفيءِ (لا يورِّثون) أحداً (ولا يَرِثون) أحداً.
(وَيرِثُ المجوسي ونحوُه) ممن يرى حِلَّ نكاحِ المحارِمِ (بجميعِ قراباتِهِ) إذا أسْلَمَ، أو حاكَمَ إلينا، وهو قول عمر وعليٍّ وابنِ مسعود وابن عباس، وزيدٍ في الصحيح عنه.
(فلو خلَّفَ) المجوسيُّ (أُمَّه، وهي أخته من أبيه) لكون أبيهِ تزوَّج بنته، فولدتْ له هذا الميت، وخلَّفَ عمًّا (ورثت الثلث بكونها أمًّا، و) ورثت (النصفَ بكونهَا أُختاً) والباقي بعد النصف والثلث للعمّ.
= حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وهو حديث حسن (الإِرواء ح 1675)

باب ميرَاث المطلقَة

طلاقاً رجعياً أو بائناً يتهم فيه بقصد الحرمان.
(يثبتُ الإِرث لكلٍّ من الزوجين في الطلاقِ الرجعيّ) سواء كان في المرض أو في الصحة.
قال في المغني: بغير خلافٍ نعلمه.
روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم.
وذلك لأنّ الرجعيةَ زوجةٌ يلحقها طلاقُه وظهارُه وإيلاؤهُ، ويملكُ إمساكَهَا بالرَّجْعَةِ بغير رضاها، ولا وليّ ولا شهودٍ ولا صداقٍ جديد.
(ولا يثبت) الإِرث (في) الطلاق (البائن إلاَّ لها) أي للمطلقة من مطلقها (إن اتُّهِمَ) أي الزوجُ (بقصْدِ حِرمانِها) الميرات (بأنْ طلَّقها في مرضِ موتهِ المخوفِ ابتداءً) يعني من غير سؤالِهَا، (أو سألَتْهُ) أنْ يطلِّقها طلاقاً (رجعيًّا فطلّقها) طلاقاً (بائناً، أو علّق في مَرَضِهِ طلاقَهَا) ثلاثاً، أو طلاقاً تبين به، (على ما) أي: فعلٍ (لا غنى لها عنه) شرعاً، كالصلاة المفروضَةِ، والزكاةِ، والصومِ المفروض، قال في الإِقناع: وليسَ منهُ كلامُ ابَوَيْها.
انتهى، أو عقلاً كالأكلِ والنوم، (أو أقرَّ) في مَرَضِهِ (أنه طلَّقَها سابقاً في حالِ صِحَّتِهِ، أو وَكَّل في صَحته من يُبيِنُها) أي يطلَّقُها طلاقاً بائناً (متى شاء، فأبانَهَا في مرضِ موتهِ،) أو قَذَفَها في صحته،

ولاعَنَها في مرضه، أو وطئ زوجٌ عاقلٌ حَمَاتَهُ بمرضِ موته المخوفِ، ولو لم يمتْ.
(فترث في الجميع) أي جميع الصور المذكورة، (حتى لو انقضت عدتها) قبل موتهِ فإنها تَرِثُهُ (ما لم تتزوجْ،) فإن تزوجت زوجاً غيره لم ترث من الأول، أبانَها الثاني أو لا (أو ترتدَّ) عن الإِسلام، ولو أسلمتْ بعد إن ارتدت.
(فلو طلَّقَ المتَّهمُ) بقصدِ حرمانِ الميراثِ (أربعاً) كن معه، (وانقضتْ عدتهنَّ) منه (وتزوَّجَ أربعاً سواهُنَّ) ثم ماتَ، (وَرِثَ) منه (الثَّمَانُ) وهنّ الأربعُ المطلقات، والأربع المنكوحات (على السواءِ) لأنّ المطلَّقَةَ وارثةٌ بالزوجيّة، فكانتْ أسوةَ من سواها (بشرطه) المتقدم.
(ويثبت له) أي للزوج الميراثُ من زوجته دونها (إن فعلتْ بمرضِ موتها المخوفِ ما يفسخُ نكاحَهَا ما دامتْ معتدّةً إنِ اتُّهِمَتْ) بقصدِ حرمانِه 1 الميراث.
كما لو أدخلَتْ ذَكَرَ ابنِ زوجِها في فَرْجِها، أو أبيه، وهو نائم، أو نحو ذلك، لأنها أَحَدُ الزوجين.
ولم يُسْقِطْ فعلُها ميراثَ الآخرِ، كالزوج.
(وإلاَّ) أي وإن لم تُتَّهم الزوجةُ بقصدِ حرمانِهِ الميراثَ بأن دبَّ زوجُها فارتَضَعها وهي نائمةٌ، أو نحو ذلك (سَقَطَ ميراثُهُ) أيضاً، كفسخِ معتَقَةٍ تحت عبدٍ، فَعَتَقَ، ثم مات 2.

باب حكم تصحيح المسألة

مع (الإِقرار) من بعضهم (بمشاركٍ في الميراث،) وأمّا مع إقرار الجميع فلا يحتاج إلى عمل سوى ما تقدم.
(إذا أقرّ الوارث) المكلف (بمن يشاركه) أي المقِرَّ (في الإِرث) كابنٍ للميّتِ يُقِرُّ بابنٍ له آخر، (أو) يقر (بمن يحجبه، كأخٍ) للميت (أقرّ بابنٍ للميّت) ولو كان الابنُ المقَرُّ به من أمةِ الميت، نصّ عليه في رواية الجماعة، (صحّ) الإِقرار، (وثبت الإِرث) من الميّت، (و) ثبت (الحجب).
(فإذا أقرّ الورثة المكلفون) كلهم (بشخصٍ مجهولِ النسبِ، وصدَّق) المقَرُّ به المقِرَّ إنْ كان مكلفاً، (أو) لم يصدِّقْهُ و (كان صغيراً، أو مجنوناً، ثبت نَسَبُهُ وإرْثُهُ).
فيشترط لثبوت النسب أربعة شروط، وهي: إقرار الجميع؛ وتصديق المُقَرِّ به إن كان مكلّفاً؛ وإمكان كونهِ من الميّت؛ وعَدَمُ المُنازِع.
وحيث ثبت نسبه فإنه يثبُتُ إرثُه، ما لم يقم به مانعٌ من موانع الإِرث.
فإن كان به مانع ثبت نسبه، ولم يرث للمانع.
(لكن يعتبر لثبوت نسَبه من الميت) أحد شيئين: إما (إقرار جميع الورثة، حتى الزوج، وولد الأم؛ أو شهادَةُ) رجلينِ (عَدْلينِ) فلا تقبل هنا شهادة النِّساء، ولا شهادة الفاسق مطلقاً.
ويأتي.
ولا فرق بين أن يكون الشاهدان (من الورثة، أو من غيرهم).
(فإن لم يُقِرَّ بِهِ جميعُهم) بل أقرّ به بعضُهم (ثبت نسبه وإرثُهُ ممن أقرّ به) فقط، دون الميّت، وبقية الورثة.
وقيل لا يثبت نسبه أيضاً ممن أقرّ به.
جزم به الأزْجِيّ وغيره.
وقدَّم الأول في الفروع والرعايتين والحاوي الصغير وغيرهم.
(فـ) على هذا (يشاركه) أي المقَرُّ بِهِ المقِرَّ (فيما بيده) من التركة.
فإذا أقرّ أحدُ ابنيهِ بأخٍ لهما، فللمقَرِّ به ثلث ما بيد المقِرّ.
نقله بكر بن محمد.
لأنّ إقراره تضمّن أنه لا يستحقُّ أكثَرَ من ثُلُثِ التركة.
وفي يده نصفُها فيكون السدسُ الزائد للمقَرِّ به وهو ثلث ما بيده.
فيلزمه دفعُه إليه، (أو يأخذُ) المقَرُّ به (الكُلَّ) أي كلّ ما بيده (إن أسقطه) كما لو أقر أخٌ شقيقٌ للميت بابن للميت، فإنه يرثُ الابنُ، ولا شيء للأخ.

باب ميرَاث القَاتل

وإنما يرثُ القاتلُ المقتولَ إذا لم يضمنْه على ما يأتي.
(لا إرث لمن قَتَل مورِّثه بغير حق) مثل أن يكون القتلُ مضموناً بقصاصٍ أو ديةٍ أو كفّارةٍ، (أو شارَكَ في قتلِهِ) لأنّ شريك القاتل قاتلٌ، بدليل أنه يُقْتَلُ به لو وجَبَ القصاصُ، (ولو) كان القتلُ (خطأً، فلا يرثُ من سقى ولدَهُ) ونحوَه ممن في حِجْرِهِ (دواءً) 1 ولو يسيراً (فمات، أو أَدَّبَهُ) أي أدّبَ وَلَدَه، أو زوجتَهُ، فماتَ أو ماتَتْ (أو فَصَدَه) أو حجَمه (أو بَطَّ سِلْعَتَهُ) لحاجةٍ، فمات من ذلك، لم يرثه، لأنه قاتل.
(وتلزَم الغُرَّةُ) وهي عبدٌ أو أَمَةٌ قيمتُها خمسٌ من الإِبل (مَنْ شَرِبَتْ دواءً فأسقطت) جنينَها.
(ولا ترثُ مِنْها) أي الغرة (شيئاً).
(وإن قتله) أي قتل الإِنسان مورِّثه (بحقٍّ ورثه، كالقتلِ قصاصاً، أو) القتلِ (حدًّا) كحدّ الزنا، وقطعِ الطريق، (أو) قتلَه (دفعاً عن نفسه) إن لم يندفع إلاَّ به.

(وكذا) لا يُمْنَعُ من الإِرث (لو قَتَلَ الباغي العادلَ) في الحرب (كعكسِهِ) 1 بأن قتلَ العادلُ الباغيَ، لأنه فعلٌ مأذون فيه شرعاً، فلم يمنع الميراث.

باب ميرَاث المعتَقِ بعضُه

(الرقيقُ من حيثُ هو) أي بجميعِ أنواعِهِ، كالمدبَّر، والمكاتَب، وأمّ الولد، والمعلَّقِ عتقُه على صفة (لا يرِثُ) غيرَهُ (ولا يورث) أحداً 1، لأن فيه نقصاً منع كونه موروثاً، فمنع كونه وارثاً.
أجمعوا على أن المملوك لا يورَث، لأنه لا مال له فيورَث، فإنه لا يملك.
ومن قال يملك بالتمليك، فملكٌ ناقصٌ غيرُ مستقرٍّ يزول إلى سيده بزوالِ ملكِهِ عن رقبته.
(لكَن المبعَّضَ يرث ويورَثُ، ويَحْجُب، بقدر ما فيه من الحرية).
(وإن حصل بينه) أي المبعَّض (وبين سيّدِهِ مُهَايَأةٌ) فكان يخدم سيده بنسبة ملكه، ويكتسب بنسبة حريته، (فكلُّ تَرِكَتِه) التي جَمَعها بجزئه الحر (لوارثه) 2. (أوْ لا) بأن لم يكن بين السيد والمبعّض مهايأةٌ (فتركته بينه) أي وارث المبعّض (وبين سيده) أي سيد المبعّض 3 (بالحصص).

باب الوَلَاء

الولاء ثبوتُ 1 حكْمٍ شرعيٍّ بعتقٍ، أو تعاطي سببه.
فـ (من أعتق رقيقاً؛ أو) أعتق (بعضه فسرى إلى الباقي؛ أو عَتَق) الرقيق (عليه بِرَحِمٍ) كما لو ملك أباهُ أو أخاهُ أو عمَّهُ، ونحوهم فعتق عليه بسبب ما بينهما من الرحم؛ (أو) بـ (فعل) كتمثيلٍ به؛ (أو) بسبب (عوضٍ) كما لو قال لعبده: أنت حرٌّ على أن تخدمني سنةً، وكما لو اشترى العبدُ نفسَهُ من سيّده بعوضٍ حالٍّ، فإنه يُعْتَقُ، ويكون الولاءُ لسيّده.
نص عليه؛ (أو) بسبب (كِتابةٍ)، كما لو كاتبه على مالٍ فأدّاه؛ (أو) بسببِ (تدبيرٍ) كما لو قالَ له: إذا أنا مُتُّ فأنتَ حرٌّ، (أو) بسبب (إيلادٍ،) كما لو أتت أمته منه بولدٍ، ثم مات أبو الولد؛ (أو) بسبب (وصيّةٍ)، كما لو أوصى بعتقِ عبده فلانٍ، وأعتقه الورثة؛ (أو أعتقه في زكاته، أو) في (نذره، أو) في (كفارته، فـ) إنه في جميع هذه الصور (له عليه الولاءُ) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الولاء لمن أعتق" لما متفق عليه.
(و) يكون له أيضاً الولاءُ (على أولادهِ) أي أولاد العتيق، (بشرطِ كونهمْ) أي أولادِ العتيق (من زوجةٍ عتيقةٍ) للعتيق أو لغيره (أو أمةٍ).

(و) يكون له الولاءُ أيضاً (على من له) أي العتيقُ ولاؤُه (أو لهم) أي لأولادِ العتيقِ (عليهِ الولاءُ.) ومن لم يمسَّه رِقٌّ، وكان أحدُ أبوْيهِ عتيقاً، والآخرُ حرَّ الأصل، أو الآخرُ مجهولَ النَّسب، فلا ولاء عليه لأحد.
(وإن قال) شخصٌ مكلَّفٌ رشيدٌ لمالِكِ عبدٍ: (اعتقْ عبدَك عنّي مجاناً،) أي بلا عوضٍ، (أو) اعتق عبدك (عنيّ،) فقط، (أو اعتق عبدك (عنك وعليّ ثمنه) فلا يجب عليه أن يجيبه، فـ (إن أعتقه)، ولو بعد أن افترقا، (صحّ) العتق (و) كان (ولاؤه للمعتَقِ عنه) كما لو قال له: أطعِمْ أو اكْسُ عني.
(ويلزم القائلَ) للمقولِ له (ثمنُه) أي ثمنُ العبد (فيما إذا التزم به) أي بالثمن، بقوله: وعليّ ثمنه.
(وإن قال الكافر) للمسلم: (اعتقْ عبدَكَ المسلم عني) وعليّ ثمنه، (فأعتقه، صحّ) في الأصحّ، لأنه إنما يملكه زمناً يسيراً، ولا يتسلَّمُهُ فاعتُبر هذا الضرر 1 اليسير لأجل تحصيل الحرية للأبد، التي يحصل بها نفع عظيم، لأن الإِنسان يصيرُ متهيّئاً بها للطاعاتِ، وإكمال القربات.
(و) يكونُ (ولاؤُه للكافر) ويرث به المسلم 2. وكذا كل من باين [دينه] دين معتقِه 3.

فصل

[في الإِرث بالولاء]

(ولا يرث صاحبُ الولاءِ) أي من له الولاءُ (إلاَّ عِنْدَ عَدَم عصباتِ النَّسب) كالأب، والابن، وابن الابن، والأخ مطلقاً، ونحوهم، (وبعد أن يأخذ أصحابُ الفروضِ فروضَهم.
فبعد ذلك يرثُ المعتِق ولو أنثى).
فمن ماتَ عن بنتٍ حُرَّة وعن معتِقٍ: كان النصفُ للبنت، والباقي للمعتِق.
ومن ماتَ عن أمٍّ حرّةٍ، وشقيقتينِ حرتين، وزوجةٍ حرة، ومعتِق: فاصل المسألةِ من اثني عشر، وتعول إلى ثلاثة عشر: للأم السدس سهمان، وللشقيقتين ثمانية أسهم، وللزوجة ثلاثة أسهم، ولا شيء للمعتق.
(ثم) يرث بعد فقد المعتق (عصبتُه) المتعصّبون بأنفسهم، يقدَّم (الأقرب فالأقرب) فابنٌ وابنُ ابنٍ: الكلُّ للابن.
وأخٌ شقيقٌ، وأخ لأب: الكلّ للشقيق.
وهكذا.
(وحكم الجد مع الإِخْوة) الأشقاءِ أو لأب (في الولاء كحكمِهِ معهم في النَّسب) وتقدم الكلام على ذلك.
(والولاءُ لَا يباعُ، ولا يوهَب، ولا يوقَفُ، ولا يوصى به) لأنه كالنَّسب، وهو لا يَرِدُ عليه عقد بيعٍ، ولا هبةٌ، ولا وقفٌ، ولا وصيةٌ.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الولاءُ لُحمةٌ كلُحْمَةِ النسب لا يباع ولا يوهب" 1. (ولا يورَث، وإنما يَرِثُ به أقربُ عصباتِ المعتِقِ يَوْمَ موتِ العتيق) لا يوم موت المعتِق.

(لكن يتأتَّى انتقاله) أي الولاء (من جهةٍ إلى) جهة (أخرى: فلو تزوّج عبدٌ بـ) امرأة (معتَقَةٍ) لزيدٍ (فولاءُ من تَلِدُهُ) من زوجِها العبدِ (لمن أعتَقَها) وهو زيدٌ (فإن عَتَقَ الأب انجرَّ الولاء لمواليه) أي موالي الأب.

فصول الكتاب · 33 فصل · 512 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول نيل المارب بشرح دليل الطالب · 512 صفحة
مقدمة التحقيق
كتاب الطهارة
كتَاب الجَنَائز
كتَاب الصِّيَامكتَاب الاعتكَافكتَاب الحَجِّكتَاب الجهَاد
كتَاب البَيع
كتَاب الحَجْركتَاب الشَّركَةكتَاب العَاريَةكتَاب الغصب
كتَاب الوَقف
كتَاب العتق
كتَاب الصَّدَاقكتَاب الخلعكتَاب الطّلاقكتَاب الإِيلاَءكتَاب الظهَاركتَاب اللعَانكتَاب العدّةكتَاب الرّضَاعكتَاب النفَقَاتكتَاب الجنَايَاتكتَاب الدّيَات
كتَاب الحُدود
كتَاب الأطعَمةكتَاب الصَّيدكتَاب الأَيمَانكتَاب (القضَاء) والفتياكتاب القاضي إلى القاضيكتَاب الشهَادَاتكتَاب الإقَرار
جارٍ التحميل