نيل المارب بشرح دليل الطالبصفحات 109-148
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتَاب العتق

صفحات 109-148
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي تغلب
الكتاب
نَيْلُ المَآرِب بشَرح دَلِيلُ الطَّالِب
المؤلف
عبد القادر بن عمر بن عبد القادر ابن عمر بن أبي تغلب بن سالم التغلبي الشَّيْبَاني (المتوفى: 1135هـ)
المحقق
الدكتور محمد سُليمان عبد الله الأشقر - رحمه الله -
الناشر
مكتبة الفلاح، الكويت
الطبعة
الأولى، 1403 هـ - 1983 م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وهو لغةً: الخلوص، ومنه عِتاقُ الخيل.
وسمِّيَ البيتُ الحرام عتيقاً لخُلوصِهِ من أيدي الجبابرة.
وشرعاً: تحرير الرَّقبة، وتخليصها من الرق.
وخُصَّت به الرقبة، وإن تناول العتقُ جميعَ البدن، لأن ملك السيّد له كالغُلِّ في رقبته المانعِ له من التصرّف، فإذا عَتَقَ صار كأنّ رقبته أُطلِقت من ذلك.
(وهو من أعظم القُرَب) لأنَ الله -جَلَّ وعلاَ- جعله كفارةً للقتلِ، والوطءِ في نهار رمضان، وكفارةً للأيمان، وجعله النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِكاكاً لمعتِقِهِ من النار، ولأن فيه تخلُّصَ الآدميِّ المعصومِ من ضرر الرق.
وأفضلُها أَنفسُها عند أهلِها، وأغلاها ثمناً، نَقَله الجماعَةُ عن أحمد.
وذكرٌ وتعددٌ أفضل 1. (فيسن عتقُ) وكتابةُ (رقيقٍ له كسبٌ) لانتفاعِهِ بملْكِ كسبِهِ بالعتق.
(ويكره) العتقُ والكتابةُ (إن كان) العتيقُ (لا قوةَ لَه ولا كسب) لسقوطِ نفقته بإعتاقه، فيصير كلًّا على الناس ويحتاج إلى المسألة؛ (أو)

كان (يخافُ منه) إذا عتَق (الزنا أو الفساد) يعني فإنه يكره إعتاقه.
وكذا لو خيف رجوعه إلى دار الحرب وتركُ إسلامه.
(ويحرم إن عَلِم ذلك) أو ظَنَّه (منه) لأن التوسُّل إلى المحرّم حرام.
وإن أعتقَه مع علمِه ذلك أو ظنَّه صح العتق.
(وهكذا الكتابة) في الحكم المذكور.
(ويحصل العتق) بأحد شيئين: (بالقول) أو الملك 1. وزاد في الكافي: والاستيلاد 2. ولا يحصل بمجرّد النية، لأنه إزالة ملك.

[العتق بالقول]

وينقسم من أجل كونه إزالةَ ملكٍ إلى صريح وكناية، كالطلاق.
(وصريحه) أي صريح القول: (لفظ العتق، و) لفظ (الحريّة) لأنهما لفظانِ وردَ الشرعُ بهما، فوجب اعتبارُهما، (كيفَ صُرِّفَا) فمن قال لرقيقه: أنت حرٌّ، أو مُحرَّرٌ، أو قد حرَّرْتُك؛ أو عتيقٌ، أو معتَقٌ أو قد أعتقْتُكَ، عتَقَ، ولو لم يَنْوِ عتقَه بذلك.
قال أحمد في رجلٍ لقي امرأةً في الطريق، فقال: تَنَحَّيْ يا حُرَّةُ.
فإذا هي جاريتُهُ، قال: عتقت عليه.
(غيرَ أمرٍ، ومضارِعٍ، واسمِ فاعلٍ) فمن قال لرقيقه: حرِّرْهُ، أو: أعتِقْهُ، أو: أُحَرِّرُهُ، أو: هذا محرِّرٌ بكسر الراء، وهذا معتِقْ بكسر التاء، لم يعتَقَ بذلك، لأن ذلك طلَبٌ ووعْدٌ وخبرٌ عن غيره، فلا يكون واحدٌ منها

صالحاً للِإنشاء والإخبار عن نفسِه فيؤاخَذَ به.
ويقع من هازلٍ، كالطلاق، لا من نائمٍ ومجنونٍ ومُبَرْسَمٍ لأنهم لا يعقلون ما يقولون.
ولا يقعُ إن نوى بالحرِّيَّة عفَّتَهُ وكَرَمَ خُلُقِه، ونحوَه.
(وكنايتُهُ) أي كناية العتق التي يقع بها (مع النية) أي نية العتق (ست عشرة) لفظة: (خَلَّيتُكَ، وأطلقتُكَ، والحقْ بأهلك، واذهبْ حيثُ شئتَ، ولا سبيلَ لي) عليك، (أو: لا سلطانَ) لي عليك، (أو: لا مِلكَ) لي عليك، (أو: لا رقَّ) لي عليك، (أو: لا خِدْمَةَ لي عليك، أو: وَهبتك لله، وأنت لله، ورفعت يدي عنك إلى الله، وأنت مولاي، أو أنت سائِبَةٌ 1 وملَّكتُك نفسَكَ.
وتزيد الأمةُ) على الذكر (بأنتِ طالقٌ، أو:) إنت (حرامٌ).
(ويعتق حملٌ لم يستثنَ) أي لم يستثنه المعتِقُ عندَ عتقِ أمةٍ (بِعِتقِ أمِّهِ) لأنه يتبعها في البيع والهبة، ففي العتق أولى، (لا عكسُهُ) أي لا تعتق الأمة بعتقِ حملِها، لأن الأَصْلَ لا يتبع الفرع.
(وإن قال) السيد (لمن) أي لرقيقٍ (يمكن كونُه أباهُ) من رقيقِهِ، كما لو كان إلى السيّدُ ابن خمسةَ عشرَ عاماً، والرقيقُ ابن ثلاثينَ عاماً: (أنت أبي، أو قال) السيد (لمن) أي لرقيقٍ (يمكنُ كونُه ابنه: أنت ابني، عَتَق) بذلك، ولو كان له نسب معروف 2. و (لا) عِتْقَ (إن لم يمكنْ) كونه أباه أو ابنَهُ لكبرٍ أو صغرٍ (إلا بالنية) أي بنيته بهذه الألفاظ العتقَ.

فصل

[في العتق بالفعل]

(ويحصل) العتقُ (بالفعلِ) كما يحصُل بالقول.
(فمن مَثَّل) بتشديد المثلَّثة، قال أبو السعادات: مثَّلتُ بالحيوانِ، أُمثِّلُ تمثيلاً، إذا قطعتَ أطرافَه، وبالعَبد، إذا جَدَعْتَ أنفَه، أو أُذنَهُ، ونحوه.
(برقيقِهِ) ولو بلا قصدٍ (فجدَعَ أنفه، أو أذنه، أو نحوَهما) كما لو خَصَاه (أو خَرَق) عضواً منه، كما لو خَرَقَ كفَّه (أو حَرَقَ عضواً منه) كإصبعه، بالنّار عتق بلا حكمِ حاكمٍ 1 (أو استكرهه) أي استكرَهَ السيّدُ عبدَهُ (على الفاحشة) أي فَعَلَها به مكرَهاً.
قال الشيخ: لو استكره المالك عبدَهُ على الفاحشةِ عَتَقَ عليهِ، (أو وطئ) السيدُ (من) أي أمةً مباحةً (لا يوطأ مثلها لصغرٍ فأفضاها) أي خَرَقَ ما بين سبيلَيها، يعني فإنّها تعتق عليه.
قال ابن حمدان: ولو مثّل بعبدٍ مشتركٍ بينه وبين غيره عَتَق نصيبُهُ، وسرى العتقُ إلى باقِيهِ، وضمن قيمةَ حِصّةِ الشريكِ بشرطِهِ، وهو أن يكون موسراً.
ذكره ابن عقيلٍ، وجزم به في الإِقناع، (عتق في الجميع) أي جميع ما ذكر.
(ولا عتق) حاصل (بخدشٍ) أي جرحٍ (وضربٍ ولعنٍ) لرقيقِهِ، لأن ذلك مخالفٌ للقياسِ، ولا نصَّ فيه، ولا [هو] في معنى المنصوص عليه، فلم يعتق بذلك، كما لو هدده.

[العتق بالملك]

(ويحصل) العتق أيضاً (بالملْكِ، فَمَنْ مَلَكَ لذي رحمٍ 1 محرمٍ) كأبيه وابنه وأخيهِ وعمهِ.
والرَّحِمُ المَحْرَمُ هو الذي لو قُدِّر أحدُهما ذكراً، والآخر أنثى، حرم نكاحه عليه 2، لكن لما كان ذلك شاملاً للمَحْرَم بالرّضاعِ أخْرَجَه بقوله (من النسب) 3 وافقه في دينِهِ أوْ لا، (عَتَق عليَه،) وأبٌ وابنٌ من زناً كأجنبيين، (ولو) كان المملوكُ (حملاً) كما لو اشترى زوجة ابنِهِ الأمةَ التي هي حاملٌ من ابنِه.
(وإن ملك بعضَهُ) أي بعضَ من يعتق عليه بشراءٍ أو هبةٍ أو نحوِهما (عَتَقَ البعض) الذي ملكه، (و) عَتَقَ (الباقي) أي باقي الرقبة (بالسّراية، إن كان موسراً، ويغرم) أي يدفع ثمن (حِصَّةِ شريكِهِ.) وإن لم يكن موسِراً بقيمةِ باقيهِ كلِّه عَتَق منه بقدْرِ ما هو موسِرٌ به.
والموسِرُ هنا القادرُ حالةَ العتقِ على قيمتِهِ، وأن يكون ذلك كفطرة.
تنبيه: إن كان الذي مَلَكَ جزءاً من رحمه المَحْرَم مُعسِراً، أو مَلَكه بالميراثِ ولو كان موسراً بقيمتِهِ، لم يعتق عليه إلا ما مَلَكَ.
(وكذا حكم كل من أَعْتَقَ حصته من) عبدٍ (مشتركٍ)، سواءٌ كان قَدْرَ نصيبه، أو أقل، في أنه يعتق عليه جميعُهُ عتقاً وسرايةً.
(لو ادّعى كل) واحدٍ (من) شريكين (موسرين أن شريكَهُ أعْتَقَ نصيبَهُ عتق) المشترك عليهما، (لاعترافِ كل) منهما (بحرّيّته،) وصار كلٌّ

مدَّعِياً على شريكه بنصيبه من قيمته، (ويحلف كلٌّ) منهما (لصاحِبِهِ) لأجل سرايةِ عتقِهِ إلى نصيب شريكه.
فإن نَكَلَ أحدهما قُضي للآخر.
وإن نكلا جميعاً تساقطَ حقُّهما لتماثلهما، (و) لا ولاءَ عليه لواحدٍ منْهُمَا، لأنه لا يدّعيه، بل يكونَ (ولاؤُه لبيتِ المالِ) أشبهِ المال الضائع، (ما لم يعترفْ أحدُهما بعتِقِه) كلِّه أو جزئِهِ (فيثبت له) ولاؤه، (ويضمنُ حقَّ شريكِهِ) أي قيمةَ حِصّةِ شريكِهِ، لاعترافِهِ.
ولا فرق في هذه الحالةِ بين العَدْلَيْنِ والفاسقينِ، والمسلمينِ والكافرينِ، للتساوي في الاعتراف والدعوى.

فصل

[في تعليق العتق وإضافته]

(ويصح تعليق العتق بالصفةِ، كـ) قوله: (إن فعلتَ كذا، كإذا صمتَ غداً، أو: يومَ الخميس، أو: أعطيتني ألفاً، فأنت حرٌّ.) وكذا يصحُّ تعليقه على دخولِ الدارِ، ومجيءِ الأمطار، وغير ذلك، لأنه عتقٌ بصفةٍ، فيصحُّ، كالتدبير.
وللسيد وطءُ الأمةِ التي عَلَّقَ عتقَها على صفةٍ قبل وجودِها.
(وله) أي السيد (وقْفُه) أي الرقيقِ الذي عَلَّقَ عتقَه على صفةٍ، (وكذا بيعُهُ ونحوُهُ) كهبتِهِ، والوصيةُ به (قبل وجودِ الصفة) ثم إن وُجِدَتْ وهو في ملك غير المعلِّق لم يعتق.
(فإن عادَ) المعلَّق عتقه على صفةٍ 1 (لملكِهِ) أي ملك المعلِّق، ولو

بعد وجودها حال زوالِهِ، (عادت) الصفةُ (فمتى وجدت) وهو في ملكه (عَتَق) لأن التعليق والشرط وُجِدا في ملكه، فأشبه ما لو لم يتخللهما زوال ملك، ولا وجودُ صفةٍ حال زواله.
ولا يعتق قبل وجود الصفة بكمالها، كالجُعْل في الجعالة.
فلو قال لعبده: إذا أديتَ ألفاً فأنت حرٌّ لم يعتق حتى يؤدّي جميعه.
(ولا يبطل) التعليق (إلا بموته) أي موت المعلِّق لزوالِ ملكه زوالاً غيرَ قابل لِلْعَوْد، (فقوله) أي السيدِ لعبده: (إن دخلتَ الدارَ بعد موتي فأنتَ حرٌّ لغوٌ) كقوله لعبد غيره: إنْ دخلتَ الدارَ فأنت حرٌّ، ولأنَّه علَّق عتقه على صفةٍ توجد بعد موتهِ وزوالِ ملكِهِ فلم يصحَّ، كقوله: إن دخلتَ الدارَ بعد بيعي لك فأنت حرّ، ولأنه إعتاقٌ له بعد استقرارِ ملكِ غيرِهِ عليه.
(ويصحُّ) من مالكٍ قولُه لعبده: (أنت حرٌّ بعد موتي بشهرٍ) ذكره القاضي، وابن أبي موسى، كما لو وصّى بإعتاقِهِ، وكما لو وصّى أن تباع سلعةٌ ويتصدَّق بثمنها (فلا يملِكُ الوارِثُ بيعَه) أي بيعَ العبدِ الذي قيل له ذلك قبل مضيِّ الشَّهْرِ.
وكسبُه بعد موتِ سيِّدهِ وقبلَ انقِضاءِ الشهرِ للورثة.
(ويصح) لا من قنٍّ، (قوله: كلُّ مملوكٍ أملِكُهُ فهو حرٌّ، فكلُّ من ملكه عتق.) ويصحُّ: إن ملكْت فلاناً فهو حر.
روى أبو طالبٍ عن أحمد أنه قال: إن [قال: إن] اشتريتُ هذا الغلامَ فهو حرٌّ، فاشتراه، عتق.
بخلافِ ما لو قال: إن تزوجت فلانةَ فهي طالق، لأن العتق مقصودٌ من المالك، والنكاحَ لا يُقْصَد به الطلاق.
وفَرَّق أحمدُ بأنَّ الطلاقَ ليس لله تعالى، ولا فيه قربةٌ.
(و) إن قال مكلَّفٌ حرٌّ: (أولُ) قِنٍّ أمْلِكُهُ، (أو) قال: (آخِرُ قنٍّ أَمْلِكُهُ، أو) قال: (أوَّلُ، أو: آخِرُ من يطْلُعُ من رقيقي حرٌّ، فلم يملك) إلا واحداً، (أو) لم (يطلع إلا واحدٌ عتق) لأنه ليس من شرط الأوَّل أن يأتي بعده ثانٍ، ولا من شرطِ الآخِرِ أن يأتي قبله أوَّل.
(ولو ملك اثنين معاً، أو طلعَا معاً، عتق واحد) منهما، وأُخْرِجَ (بقرعةٍ.
ومثله الطلاق).

فصل

(وإن قال) سيد (لرقيقِهِ.
أنتَ حرٌّ وعليك ألفٌ، عتق في الحالِ بلا شيءٍ) لأنه أعتقه بغير شرطٍ، وجَعَل عليه عوضاً لم يقبله، فعتَقَ، ولم يلزمْه شيءٌ.
(و) إن قال: أنتَ حرٌّ (على ألفٍ، أو:) أنتَ حُرٌّ (بألفٍ،) أو: أنت حرٌّ على أن تعطيني ألفاً، أو: بعتُكَ نفسَكَ بألفٍ، فإنه (لا يعتق حتى يَقْبَلَ) لأنه أعتقه على عوضٍ، فلم يعتق بدون قبوله.
ولأن "على" تستعمل للشرط والعوض، قال الله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (ويلزمه الألف).
(و) من قال لقِنِّهِ: أنتَ حرٌّ (على أن تخدمني سَنَةً) أو شهراً فإنّه (يعتق في الحال) بلا قبولٍ (من القنِّ،) وتلزَمُهُ الخِدْمةُ على الَأصَحِّ.
(ويصحُّ أن يعتقه ويستثني خدمتَه مدةَ حياتِهِ أو مدَّةً معلومةً) كشهرٍ أو سنةٍ.
وللسيِّد فيما إذا استثنى خِدْمَتَه، أو منفعتَه مدةً معلومةً بيعُ هِذه المدةِ المعْلومةِ من العبدِ ومن غيرِهِ.
نَقَلَ حَرْبٌ 1 أنه لا بأس ببيعِها من العبدِ، أو ممن شاءَ.
وإن مات السيد في أثنائها رجعَ ورثةُ السيد على

العبدِ بقيمةِ ما بقي من مدّة الخدمة.
ولو باع السيدُ العبدَ نَفْسَهُ بمالٍ في يده صحَّ، وعتق.
وللسيد ولاؤُه.
(ومن قالَ: رقيقي حرٌّ، وزوجتي طالقٌ، وله متعدد) من رقيقٍ أو زوجةٍ (ولم ينوِ معيّناً) من عبيدِهِ أو زوجاتِهِ (عَتَقَ) الكلُّ من عبيدِه (وطلَقَ الكلُّ) من زوجاتِهِ (لأنه) أي لفظ "عبدي" أو "زوجتي" (مفردٌ مضافٌ فيعمُّ) كلَّ رقيقٍ وكلَّ زوجةٍ.

باب (التدبير)

وهو أي التدبير (تعليقُ العتقِ بالموتِ) أي موتِ المعلِّق، فلا تصحُّ وصيةٌ بِهِ (كقوله لرقيقِهِ: إن متُّ فأنت حر بعد موتي).
(و) لكن (يُعْتَبَرُ) لصحة التدبيرِ (كونُه ممن تصحُّ وصيّتُهُ) فيصح من محجورٍ عليه لفلسٍ، وسَفَهٍ، ومن مميزٍ يعقله؛ (وكونه) أي التدبير في الصحةِ والمرضِ (من الثلث) أي ثلثِ مالِ السيّد يومَ موتِهِ.
نصّ عليه.
لأنه تبرُّعٌ بعد الموتِ، فاعتُبِر من ثلثِ ماله كالوصية.
ويفارِقُ العتقَ في الصِّحَّةِ؛ فإنه لم يتعلق به حقٌّ، فنفذ من جميع المال، كالهبة المنجَّزَةِ.
وأما الاستيلاد فإنه أقوى من التدبير، لأنه ينفذ من المجنون، بخلاف التدبيرِ.
فإن اجتمع العتق في المرض والتدبير، قُدِّم العتقُ، لأنه أسبق.
وإن اجتمع التدبيرُ والوصيةُ بالعتقِ تساويا، لأنهما جميعاً عتقٌ بعد الموت.
(وصريحه) أي التدبير (وكناياتُهُ كالعتق) قال في المنتهى: وصريحه لفظ "عتقٍ" و"حرّيّةٍ" معلَّقَيْنِ بموتهِ، ولفظ "تدبيرٍ" لما وما تصرَّف منها غيرَ أمرٍ ومضارعٍ واسمَ فاعلٍ.

وتكونُ كناياتُ عتقٍ لتدبيرٍ إنْ عُلِّقَتْ بالموتِ، كقوله: إن متُّ فأَنْتَ لله، أو: فأنت مولايَ، أو: فأنتَ سائبةٌ.

[التدبير المعلق]

(ويصح) التدبير (مطلقاً أي غيرَ مقيَّدٍ ولا معلَّقٍ (كـ) قوله: (أنت مدبَّرٌ).
(و) يصح (مقيّداً، كإنْ متُّ في عامي) هذا (أو): في (مرضي هذا، فأنت مدبَّرٌ.) فيكون ذلك جائزاً على ما قال: إن مات على الصفة التي قالَهَا عَتَقَ، وإلا فلا.
(و) يصح التدبير أيضاً (معلقاً كـ) قوله: (إذا قدم زيدٌ فأنت مدبَّر) وإن شفى الله عليلي فأنت حرٌّ بعد موتي، فهذا لا يصيرُ مدبَّراً حتى يوجد الشرط في حياة سيّده.
(و) يصح (مؤقَّتاً كأنْتَ مدبَّر اليوم، أو) أنت مدبَّرٌ (سنَةً) قال مهنا: سألت أحمد عمن قال لعبده: أنت مدبَّرٌ اليومَ.
قال: يكون مدبَّراً ذلك اليوم، فإن مات سيده في ذلك اليوم صارَ حراً.
(ويصح بَيْعُ المدبَّرِ وهبته) ولو أمةً، أو كان بيعُهُ في غير دين، (فإن عادَ) المدبَّرُ (لملكِهِ) أي ملكِ من دبَّرَهُ (عادَ التدبير) لأنه علَّق عتقَه بصفةٍ فإذا باعه، ثم عاد إليه عادت الصفة، كما لو قال لرقيقه: أنت حرٌّ إن دخلتَ الدارَ، فباعَهُ ثم اشتراه، ودخلها.
ويصح أيضاً وقف المدبَّرِ.
وإن بيعَ أو وُقِفَ أو وُهِبَ فباقيه مدبّر.

[ما يبطل التدبير]

(ويبطل) التدبير (بثلاثة أشياء):

أشار للأول بقوله: (بوقفه) أي وقف المدبّر.
وأشار للثاني بقوله: (وبقتله) أي المدبر (لسيدهِ) لأنه استعجَلَ بقتلِهِ له، فعوقب بنقيض قصدِهِ، كما حُرِمَ القاتِلُ الميراثَ.
ولأن ذلك مما يتخذه وسيلةً إلى القتل المحرم لأجلِ العتقِ.
وأشار للثالث بقوله: (وبإيلاد الأمةِ) يعني أن الأمةَ المدبَّرة متى وَلَدتْ من سيّدها بَطَل تدبيرُها، وصارتْ أمَّ ولدٍ، لأن مقتضى التدبير العتقُ من الثلث، ومقتضى الاستيلاد العتقُ من رأسِ المال، وإن لم يملك غيرها، ولا يمنع الدَّيْنُ عتقَها.
وحيث كان الاستيلاد أقوى وجب أن يبطل به الأضعف.
(وولد المدبَّرة) من غير سيدها (الذي يولد بعد التدبير كهي) سواءٌ كانت حاملاً به حين التدبير، أو حملت به بعد التدبير، فلو باع الأمَّ لم يبطل التدبير في ولدها.
(وله) أي ولسيد المدبرة (وطؤها وإن لم يشرطه) أي يشترط وطأها.
وسواء كان يطؤها قبل تدبيرها أوْ لا.
(و) للسيد أيضاً (وطءُ بنتِها إن جازَ) له وطؤُها بأن لم يكن وطئَ أمها.
(ولو أسلمَ مدبَّرٌ) لكافرٍ (أو قنٌّ) لكافرٍ (أو مكاتَبٌ لكافرٍ أُلزمَ بإزالة ملكه) عنه ببيعٍ أو هبة (فإن أبى) البيعَ أو الهبةَ (بيعَ عليهِ) أي باعَهُ عليه حاكمٌ.

باب الكتابَة

(وهي) اسمُ مصدرٍ، بمعنى المكاتبة.
وأَصْلُها من الكَتْب، وهو الجَمْعُ، لأنَها تجمع نجوماً.
ومنه سمي الخرّازُ كاتباً.
وشرعاً (بيع السيدِ رقيقَهُ) أو بعضَهُ، يشمل الذكرَ والأنثى، (نَفْسَهُ) أي نفس الرقيق (بمالٍ)، فلا تصحُّ على خمْرٍ ونحوه، (في ذمَّتِهِ) أي ذمة الرقيق، (مباحٍ) فلا تصح على آنية ذهب أو فضة، ونحو ذلك (معلومٍ) فلا تصحُّ على مجهول لأنها بيعٌ.
ولا يصح مع جهالة الثمن؛ (يصح السلم فيه) فلا تصحُّ بجوهرٍ ونحوِهِ لِإفضائه إلى التنازع (منجمٍ بنجمين فصاعداً) 1 أي فأكثر من نجمين (يعلم قدرُ كلٍّ نجمٍ ومدَّتَه) أما اشتراط النجمين فأكثر فلأنها مشتقة من الكُتْبِ، وهو الضمّ، فوجَبَ افتقارها إلى

نجمين، ليُضَمَّ أحدهما إلى الآخر.
وأما كونه يشترط العلم بما لِكُلِّ 1 نجمٍ من القسطِ والمدة فلئلا يؤدي جهل ذلك إلى التنازع.
ولا يشترط التساوي فلو جُعِل أحد النجمين شهراً والأخر سنَةً، أو جُعِل قسط أحد النجمين عشرةً والآخر خمسةً، جاز، لأن القصد العلم بقدر الأجل وقسطه، وهو حاصل بذلك.
والمراد بالنجم هنا الوقت، لأن العرب كانت لا تعرف الحساب، وإنما تعرف الأوقات بطلوع النجوم.
(ولا يشترط) لصحة الكتابة (أجلٌ له وقعٌ في القدرة على الكسب) فيه، فيصحّ توقيت نجمين بساعتين.
قاله في المنتهى وشرحه.
وقال في الإقناع: فلا تصح حالَّةً , ولا على عبدٍ مطلق، ولا توقيت النجمينِ بساعتينِ ونحوه، بل يعتبر ماله وقع في القدرة على الكسب.
صوّبه في الإنصاف.
وإن كان ظاهر كلام الأصحاب خلافه.
انتهى.
(فإن فُقِدَ شيءٌ من هذا) الذي ذكر من الشروط (فـ) الكتابة (فاسدة) ويأتي حكمها.
(والكتابة في الصحّة والمرضِ من رأسِ المال) لأنّها معاوضة، فهي كالبيع والإجارة.
واختار الموفق وجمعٌ أنها في المرض المخوف من الثلث 2. وقدّم في الإِقناع ما في المتن.
(ولا تصح) الكتابة (إلا بالقول) بأن يقول السيد لمن يريد أن يكاتبه: كاتبتك على كذا، لأنها إما بيع أو تعليق، للعتق على الأداء، وكلاهما يشترط له القول، إذ لا مدخل للمعاطاة هنا، (من جائز التصرف) مع قبولِ المكاتب، لأنها عقد معاوضةٍ، كالبيع.

(لكن لو كوتبَ المميِّز صحّ) العقد، لأنه يصحُّ تصرّفه وبيعُه بإذن وليِّه.
فصحت إذاً كتابته، كالمكلّف، لأن تعاطيَ السيد العقد معه إذن له في قبوله.
تتمة: لو كاتب المميِّزُ رقيقَه بإذن وليِّه صح العقد.
(ومتى أدّى المكاتَبُ ما عليه لسيِّده) من مال الكتابةِ فقبضَه منهُ سيدٌ أو وليُّ محجور عليه (أو أبرأَهُ) أي السيد (منه) أي من مال الكتابة، أو أبرأه وارثٌ موسرٌ من حقَّه من مال الكتابةِ (عَتَقَ) لأنه لم يبق لسيده عليه شيءٌ، إلا أنه لا يعتَق حتى يؤدّي جميع الكتابة.
(وما فضل بيدِهِ) أي بيد المكاتب بعد أدائِهِ ما عليه من مال الكتابة، (فله) لأنه كان له قبل أن يعتق فبقي على ما كان.
(وإن أعتقه) أي أعتق المكاتبَ (سيّدُه و) بقي (عليه شيء من مال الكتابةِ، أو ماتَ) المكاتبُ (قبل وفائِها) أي قبل وفاء نجوم الكتابة كلها (كان جميع ما مَعَه لسيّده).
(ولو أخذ السيد حقَّه) من المكاتب (ظاهراً) يعني عملاً بالظاهر في كون ما بيد الإنسان ملكه (ثم قال) سيده: (هو حرٌّ) يعني بمقتضى أدائه مال الكتابة (ثم بان العوض) الذي دفعه له (مستَحَقّاً) لغيره، بأن كان قد سرَقَهُ، أو غَصَبه، أو نحوه، (لم يعتق) لفساد القبض (1) ويكون قوله هو حر إنما قاله اعتماداً على صحة القبض.

فصل

(ويملِكُ المكاتَب كسبَه ونفعَه و) يملك أيضاً (كلَّ تصرفٍ يُصْلِحَ مالَه كالبيع والشراء والإِجارة والاستدانة) وتتعلق الاستدانة بذمة1

المكاتب، يُتبع بها بعد عتقه.
أما كونه يملِكُ منافعَه وأكْسابَهُ فلأنّ عقد الكتابة موضوعٌ لتحصيل العتق، ولا يحصُل إلا بأداءِ عوضه، ولا يمكنه الأداء إلا بالتكسب، والبيعُ والشراءُ من أقوى جهات الاكتساب، فإنه قد جاء في بعض الآثار أن "تسعة أعشار الرزق في التجارة" 1 وأما كونه يملك الاستدانة فلأنه لما ملك الشراء بالنقدِ مَلَكَهُ بالنسيئة، أي بالدَّين (و) ملك (النفقةَ على نفسِهِ و) على (مملوكِهِ) من كسبه.
فإن عجز المكاتب عن أداء مال الكتابة، وعن نفقة من ذُكِر، ولم يفسخ سيدُه كتابَتَهُ لعجزه.
لزمت السيدَ النفقةُ على من ذُكِرَ، لأنهم كلهم في الحكم أرقاءُ للسيّد.
وليس للمكاتب النفقةُ على ولدِهِ من أمةٍ لغير سيده.
(لكن مِلْكُه) أي المكاتَب (غيرُ تامٍّ.
فـ) يتفرع على ذلك أنه (لا يملك أن يكفِّرَ بمالٍ) إلاَّ بإذن سيده، لأنه في حكم المُعْسِرِ، بدليلِ أنه لا يلزمه زكاةٌ ولا نفقةٌ، ويباح له أخذُ الزكاةِ لحاجة، (أو يسافِرَ لجهادٍ) لتفويتِ حق سيده، (أو يتزوجَ) يعني أنه ليس للمكاتب أن يتزوَّجَ إلا بإذنَ سيِّده لأنه عبدٌ، (أو يتسرَّى) يعني أنه ليس للمكاتب، أن يتسرّى إلا بإذن سيده (أو يتبرع) إلا بإذن سيّده، لأن ذلك إتلافٌ للمال باختياره، فمُنِعَ منه، لتعلُّق حق السيد به، (أو يُقرِضَ) إلا بإذن سيده، لأنه ربّما أفلسَ المقترِضُ، أو مات ولم يترك شيئاً، أو هَرَبَ ولم يرجع، (أو يحابيَ) إلا بإذن سيده، لأن المحاباة في معنى التبرّع، (أو يَرْهَنَ، أو يُضَارِبَ، أو يبيع مؤجَّلاً) ولو برهنٍ، أو يهبَ ولو بعوضٍ، (أو يزوِّجَ

رقيقَه، أو يحدَّه، أو يُعْتِقَهُ) ولو بمالٍ (أو يكاتِبَهُ إلا بإذن سيده) لأن حق السيّد لم ينقطع عنه، لأنه ربما يعجز، فيعود إليه جميع ما في ملكه.
ولأنه إنما مُنِعَ من جميع ما ذكر لحقِّ السيّد، فإذا أَذِنَ له زال المانع.
(و) متى كاتب أو أعتق بإذن سيده كان (الولاءُ للسيِّد) لأنه كوكيله في ذلك.
(وولد المكاتبة إذا وضعته بعدَها) أي بعد كتابتها (يتبعُها) أي يتبَعُ أمه المكاتبة (في العتقِ بالأداءِ) أي بإعطائها للسيد مال الكتابةِ (أو) عتقها بـ (الإبراء) من مال الكتابة، لأن الكتابة سببٌ قويّ للعتق لا يجوز إبطاله من قبل السيّد بالاختيار، فسرى إلى الولد، كالاستيلاد.
ومفهومه أن ما ولدته قبل الكتابةِ لا يتبعها.
وهو صحيح.
و (لا) يتبعها (بإعتاقها) بدونِ أداءٍ أو إبراءٍ، كما لو لم تكن مكاتبة.
(ولا) يعتق ولد المكاتبة (إن ماتَتْ) قبل أداء مال الكتابة، أو إبرائها منه، كغير المكاتبة.
(ويصح) في عقد المكاتبة (شرطُ وطءِ مكاتبتِهِ) نصَّ عليه.
لبقاءِ أصلِ المِلْكِ، كراهنٍ يطأ بشرطٍ.
ذكَرَة في عيون المسائل.
ولأنّ بُضْعَها من جملةِ منافعها، فإذا استثنى نفعَهُ صحَّ، كما لو استثنى منفعةً أخرى.
وجاز وطؤه لها لأنها أمَتُه.
وهي في جواز وطئِهِ لها كغيرِ المكاتبة، لاستثنائه.
(فإن وَطِئَها) أي وطئ مكاتبتَهُ (بلا شرطٍ) عليها عند عقدِ الكتابةِ (عُزِّر) إن علم التحريم (ولزمَهُ) أي سيِّدَ المكاتبةِ بوطئِهِ إياها (المهرُ) أي مهرُ مثلها، (ولو) كانَتْ (مُطاوعةً،) لأنه وطءُ شبهةٍ، كما لو وطئ أمتها.
وتحصُل المقاصَّةُ إن حلّ النجمُ وهو بذمّته، بشرطِهِ.
ولا حدّ عليه.

فإن تكرر وطؤه قبل أن يؤدّي مهراً فمهرٌ واحدٌ.
ومتى أدّى مهرَ وطءٍ لزمه مهرُ ما بعده.
(وتصيرُ له إن ولدت) من وطئِهِ بشرطٍ أو غيرِه (أُمَّ ولدٍ) لأنها أمةٌ له ما بقي عليها درهم.
(ثم إن أدت) مال الكتابة (عَتَقَتْ) وكسبها لها، لأن كتابتها لم تنفسخ باستيلادها.
(وإلا) بأن لم تؤد مال كتابتها (فـ) إنها تعتق (بموته) لكونها أُمَّ ولد.
وكان ما بيدها لورثته، ولو لم تُعَجَّز، لأنها عتقت من غير عوضٍ.
(ويصحُّ نقل الملكِ في المكاتَب) ذكراً كان أو أنثى، لأن المكاتب عبد، فجاز بيعه، كالقن.
وقوله: نَقل الملك، يشمَل البيعَ والهِبةَ والوصيَّة بهِ.
(ولمشترٍ) مكاتباً (جَهِلَ الكتابةَ الردُّ أو الأرْشُ) بحسب ما يَخْتارُ المشتري، لأن الكتابة عيبٌ في الرقيق، لأنها نقصٌ فيه، َ لمنعِهِ من منافِعِهِ بِفَرْضِ أن يعتق.
(وهو) أي المشتري إذا أمسك (كالبائع في أنّه إذا أدَّى ما عليهِ يعتق) وعودهِ قِنًّا بِعَجْزٍ.
(وله) أي المشتري، عليه، أي على المكاتب (الولاءُ).
(ويصحّ وَقْفُهُ) أي وقفُ المكاتب (فإذا أدّى) ما عليه عتق، و (بطل الوقْفُ) لأن الكتابةَ عقد لازمٌ، فلا تبطل بوقفه.

فصل

(والكتابةُ عقدٌ لازمٌ من الطرفين) في حقّ السيّد، والمكاتَب، لأنها بيعٌ، والبيع من العقود اللازمة، (لا يدخلها خيارٌ مطلقاً) لأنَّ المراد منها

تحصيل العِتْقِ، فكانت سبباً له، فكأنَّ المكاتِبَ علَّقَ عتقَ المكاتَب على أداءِ مالِ الكتابةِ، ولأن الخيارَ إنما شُرِعَ استدراكاً لما يحصل لكَلٍّ من المتعاقدين من الغَبْنِ، والمكاتَبُ وسيِّدُهُ دَخَلَا في العقد متطوِّعَيْنِ راضِيَيْنِ بالغبن، فلم يثبت لواحدٍ منهما خيارٌ.
ولا يصحُّ تعليقُها على شرطٍ مستقبَلٍ.
(ولا تنفسخ) الكتابةُ (بموتِ السيّد، و) لا (جنونه، ولا بحجرٍ عليهِ) لسفهٍ أو فَلَسٍ كبقية العقود اللازِمَةِ، (ويعتَقُ) المكاتَبُ (بالأدَاءِ إلى مَنْ يقومُ مقامَهُ) أي مقامَ سيِّده، كوكيلِهِ، أو الحاكمِ عند غيبة سيده وعدم وكيله، أو بالأداء إلى ورثته.
(وإن حلّ) على المكاتَبِ من مالِ الكتابة (نجمٌ فلم يؤدِّهِ فلسيده الفسخُ) بلا حُكْمِ حاكِمٍ، لأن مال الكتابةِ حقٌّ للسيد، فكان له الفسخ بالعجز عنه، كما لو أعْسَرَ المشتري ببعضِ ثمنِ المبيعِ قبلَ قبضِهِ.
(ويلزَمُ) السَّيّدّ (إنظارُهُ) أي إنظارُ المكاتبِ قبلَ فسخِ الكتابةِ (ثلاثاً) أي ثلاثَ ليالٍ بأيامِها إن استنظَرَهُ المكاتب (لبيعِ عَرْضٍ، ولمالٍ غائب دون مسافةِ قَصْرٍ يرجو قدومَهُ) وَلِدَيْنٍ حالٍّ على مليء أو مودَعٍ لأن عقد الكتابة ملحوظ فيه حظُّ المكاتَبِ والرفقُ به.
(ويجبُ على السيّد) بعدَ قبضِ جميع مال الكتابةِ (إن يدفَعَ للمكاتَب رُبْعَ مال الكتابةِ) لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ وظاهر الأمرِ الوجوب.
قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: وأما كونُه ربع مال الكتابة فلما روى أبو بكر بإسناده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قال: "رُبْعُ الكتابة" وروي مرفوعاً عن علي 1، ولأنه مال يجب إيتأوه بالشرع مواساة، فكان

مقدراً كالزكاة، ولأن الحكمة في إيجاب الرفق بالمكاتب إعانتُه على تحصيل العتق، وهذا لا يحصل إلا بأقلِّ ما يقع عليه الاسم.
فإن قيل: إنه ورَد غيرَ مقدّر، فجوابه أن السنّة بينتْهُ وقدرتْه كالزكاة.
(وللسيد الفسخُ) أي فسخ الكتابة (بعجزِهِ) أي عجز المكاتب (عن رُبْعِها) أي ربعِ مال الكتابة.
وللمكاتَبِ أنْ يصالح سيّدَهُ عمّا في ذمته من مال الكتابة بغير جنسه.
(وللمكاتَب ولو كانَ قادراً على التكسّب تعجيزُ نفسِهِ) بتركِ التكسّب لأن معظَم المقصودِ من الكتابةِ تخليصُه من الرقّ، فإذا لم يُرِدْ ذلك لم يُجْبَر عليه، إن لم يملِكِ المكاتَبُ وفاءً لمالِ الكتابةِ.
فإن مَلَكَهُ لم يملِك تعجيزَ نفسِهِ، وأجبر على وفائِهِ ثم عَتَق.
(ويصح فسخ الكتابةِ باتفاقِهِما) أي المكاتب وسيِّده، فيصحُّ أن يَتقَايَلا، قياساً على البيع.
قال في الفروع: ويتوجَّهُ أن لا يجوز، لحق الله تعالى.

فصل

[في اختلاف المكاتب وسيده]

(وإن اختلفا) أي السيد وعبده (في الكتابة) كما لو ادّعى العبدُ على سيده أنه كاتبه على كذا، فأنكر، أو ادّعى ذلك السيد على عبده فأنكر (فقول المنكِر) منهما بيمينِه، لأن الأصلَ معه.
(و) إن اتّفقا على الكتابةِ، واختلفا (في قدر عِوَضِها) بأن قال = وصححه سعيد بن منصور (كنز العمال ط دمشق 10/ 329، 356) وقال في (الإِرواء ح 1765): هو غريب.
ورفعه منكر.

السيد: كاتبتُكَ على ألفين، وقال العبد: بل على ألفٍ، فالقول قولُ السيِّد فيه.
(أو) اختلَف السيّد والعبدُ في (جنسِه) أي جنسِ مال الكتابة، بأن قال السيد: كاتبتك على ألفِ درهمٍ، وقال العبد.
بل على عشرة دنانير، (أو) اختلفا في (أجَلِهَا) بأن قال السيد: كاتبتُك على ألفين على شهرين، كل شهر ألف، وقال العبد بل على سنتين كل سنة ألف، فقول سيده بيمينه.
(أو) اختلفا في (وفاءِ مالها) أي وفاءِ مال الكتابة للسيّد، بأن قال العبد: وفَّيتُك مالَ الكتابةِ، وعتقْتُ.
وأنكر السيد (فقول السيد،) أي بيمينه، لأن الكتابة عقدُ معاوضةٍ.
وكذا لو ادعى العبد أن السيد أبرأهُ من مالِ الكتابةِ، وأَنْكَرَ السّيّد، فإنّ القولَ قولُ السيّد بيمينِهِ.

الكتابة الفاسدة

(والكتابة الفاسدة كـ) ما لو كاتبه (على خمرٍ، أو) كاتبه على (خنزير، أو) كاتبه على شيء (مجهولٍ،) كما لو كاتبه على ثوبِ أو حمارٍ أو نحوهما (يُغَلَّبُ فيها حكم الصفة في أنه) أي أن العبد (إذَا أدّى) ما سُمِّي في الكتابة (عَتَق) سواءٌ صرّح بالصِّفَةِ، بأن يقول: إذا أَدَّيْتَ إليَّ فأنت حرّ، أو لم يقل ذلك، لأن معنى الكتابة يقتضي هذا، فيصيرُ كالمصرَّح به فيَعتِق بوجوده، كالكتابة الصحيحة.
وإذا عَتَقَ بالأداءِ لم يلزمه قيمةُ نفسِهِ، ولم يرجع على سيّده بما أعطاه، (لا إن أُبرئَ) العبد من العوض الفاسد، فإنه لا يعتِق، لعدم صحّة البراءَة، لأنه غيرُ ثابتٍ في الذمة.
(ولكلٍّ) من السيد والعبد (فسخُها) لأنها عقدٌ جائز.
وحاصِلُ الكلام: أن الكتابة الفاسدة، تساوي الصحيحةَ في أربعة أحكام:

أحدها: أنه يَعْتِقُ بأداءِ ما كوتِبَ عليه، مطلقاً.
الثاني: إذا عتق بالأداء لم يلزمه قيمة نفسه، ولم يرجع على سيّده بما أعطاه له.
الثالث: أنّ المكاتَبَ بملك التصرف في كَسْبِهِ، ويملِكُ أخْذَ الصدقاتِ والزكواتِ.
الرابع: إذا كاتَبَ جماعةً كتابةً فاسدةً فأدّى إلى أحدهم حصته عَتَق على قولِ من قال: إنه يَعْتِق في الكتابةِ الصحيحةِ بأداءِ حصته، ومن لا فلا.
وتفارق الصحيحة في ثلاثة أحكام: أحدها: إذا أُبرِئ من العوض لم يصحّ الإِبراء، ولم يَعْتِق.
الثاني: إن لكلِّ واحدٍ من السيّدِ والعبدِ فسخَها، سواءٌ كان ثمَّ صفَةٌ أو لم تكن، لأن الفاسدَ لا يلزم حكمه.
والصفةُ هاهنا مبنيّة على المعاوضةِ، وتابعةٌ لها، لأن المعاوَضَةَ هي المقصودةُ.
فلما بطلت المعاوضة التي هي الأصل، بطلت الصفةُ المبنيّةُ عليها، بخلاف الصفة المجردة.
الثالث: إنه لا يلزم السيد أن يؤدِّي إليه رُبْعَ الكتابةِ، ولا شيئاً منها.
(وتنفسخُ) الكتابةُ الفاسدةُ (بموت السيّدِ وجنونهِ والحجْرِ عليهِ لِسَفَهٍ).

باب أحكام أمّ الولد

وأصل الأمّ أَمَّهَةٌ، ولذلك جمعت على أمَّهَاتٍ، باعتبار الأصل 1. (وهي) أي أمّ الولد، شرعاً: (من وَلَدَتْ من المالك) لكلِّها أو بعضِها، ولو مكاتباً، ولو كانت محرّمةً عليه، كبنتِه وعمَّتِهِ من رضاعٍ (ما فيه صورةٌ، ولو) كانت الصورة (خفيّةً) فلا تصير أُمَّ ولدٍ بوضعِ جسمٍ لا تخطيطَ فيه كالمضغة والعلقة.
(وتَعْتِقُ بموتهِ وإن لم يملك غيرَها) أما كونُها تعتق وإن لم يملك غيرها فلظواهِرِ الأحاديث، ولأن الاستيلاد إتلافٌ حَصَلَ بسببِ حاجةٍ أصليّةٍ، وهي الوطء، فكان من رأس المال، كالأكلِ ونحوه.

(ومن مَلَكَ) أمةً (حاملاً) من غيرِه (فوطئها) قبل وضعِها (حَرُمَ) عليه (بيعُ ذلك الولد،) ولم يصحَّ، (ويلزم عتقُهُ) نصًّا.
قال أحمد رضي الله تعالى عنه، فيمن اشترى جاريةً حاملاً من غيرِه، فوطئها قبلَ وضعِها: فإنّ الولَد لا يلحق بالمشتري، ولا يبيعه، لكن يُعْتِقُه، لأنه قَدْ شَرِكَ فيه، لأنّ الماء يزيدُ في الولد.
نقله صالحٌ وغيره.
وإن أصابها في ملك غيرِهِ بِنكاحٍ أو شُبْهةٍ لا بزناً، ثم مَلَكَها حاملاً عَتَقَ الحملُ، ولم تَصرْ أُمَّ ولدٍ.
نص عليه.
(ومن قالَ لأَمَتِهِ: أنتِ أمُّ وَلَدي، أو: يَدُكِ أمُّ وَلَدي، صارتْ أُمَّ ولدٍ) لأنه إذا أقرّ أن جزءاً منها مُسْتَوْلَدٌ سَرَى إقراره بالاستيلادِ إلى جميعِها، كما لو قال لعبده: يَدُكَ حُرَّةٌ، فإن العتق يسري إلى جميعه.
(وكذا) الحكمُ (لو قال لابنها) أي ابن أمته: (أنتَ ابني، أو) قال له: (يدكَ ابني) ذكر ذلك في الانتصار.
(وَيثْبُتُ النَّسَبُ.
فإن ماتَ) القائل (ولم يبيِّن هل حَمَلَتْ به في ملكِهِ أو) حملتْ به في (غيره) أي غير ملكه (لم تَصِرْ أُمَّ ولدٍ له إلا بقرينةٍ).
(ولا يَبْطُل الإِيلاد بحالٍ، ولو بِقَتْلِهَا) أي أمِّ الولد (لسيِّدها).
(وَوَلدُها) أي وحكمُ ولدِها 1 (الحادثِ بعدِ إيلادِها) أي بعد أن صارت أم ولدٍ (كهي) سواء أتت به من نكاحٍ أو شبهةٍ أو زناً، وسواءٌ عتقت بموت سيِّدها، أو ماتتْ قبلَ سيّدها.
ويجوزُ فيه من التصرفاتِ كلُّ ما يجوزُ في أمِّ الولدِ.
ويمتنع فيه من التصرُّفاتِ كلُّ ما يمتَنِعُ في أمِّ

الولد، وذلك لأن الولدَ يَتْبَعُ أُمَّه في الحريّةِ والرق.
فكذلك في سبب الحريّة.
(لكن لا يعتِق) ولدُها (بإعتاقها) يعني أن السيد إذا أعتَقَ أمّ ولدِهِ، وكان لها ولد أتت به بعد استيلادها من غير سيّدها، لم يعتق بإعتاقِها، لأنها عَتَقت بغير السَّببِ الذي يتبعها فيه، ويبقى عتقُهُ موقوفاً على موت سيّدها.
كما لو أعتق وَلَدَها، فإنها لا تعتق بعتقِهِ، ويبقى عتقها موقوفاً على موت سيدها، (أو موتِها قبل السيّد،) يعني أنه لو ماتت أمُّ الولد قبل سيدها لم يعتِقُ ولدُها بموتها، كما لو عتقت قبله، ولا تبطل تبعيَّةُ ولدِها لها في الحكم (بل) يعتِقُ (بموتهِ) أي يبقى عتقُهُ موقوفاً على موتِ سيّدها.
(وإن مات سيّدها وهي حاملٌ) منه (فنفقتها مدة الحملِ من مالِهِ) أي مالِ حملِها على الأصحّ، لأن الحمْلَ له نصيبٌ من الميراثِ، فتجب نفقته في نصيبه.
ومحلُّ ذلك (إن كان) له مال.
(وإلا) أي وإن لم يخلّف السيد شيئاً يرثُ منه الحمل (فـ) نفقة الحمل (على وارِثِهِ.) ويتعلّق أرشُ جنايةِ أمِّ الولد برقبتها.
(وكلّما جنَتْ أمُّ الولد) على غيرِ سيِّدِهَا (لزمَ السيِّدَ فداؤُها بالأقلِّ من الأرش) أي أرشِ الجناية (أو) بالأقل 1 من (قيمتِها يوم الفداء) على الأصحِّ، لأنه الوقتُ الذي تعلَّقَ الأرشُ برقبتها فيه.
فلو كانت يوم الفداء مريضةً أو مزوَّجةً أو نحو ذلك أُخِذَتْ قيمتَها معيبةً بذلك العيب.
قال في

شرح المنتهى: قال في شرح المقنع: وينبغي أن تجب قيمتُها معيبةً بعيب الاستيلادِ، لأن ذلك ينقُصُها، فاعتبر، كالمرض وغيره من العيوَب.
انتهى.
أما كونُه يلزمُهُ فداؤُها فلأنها مملوكةٌ له يملك كَسْبَها، وقد تعلَّقَ أرشُ جنايتها برقبتها، فلزمهُ فداؤها كالقنِّ، وأما كونُهُ يلزمه فداؤها كلما جنت، قال أبو بكر: ولو ألفَ مرَّةٍ، فلأنها أمُّ ولدٍ جَنَتْ جنايةً فلزمهُ فداؤُها.
وأما كونه لا يلزمه أكثرُ من قيمتِها إذا كانَ أرشُ الجنايةِ أكثَرَ منها لأنه لم يمتنع من تسليمِها، وإنما الشرعُ منعَ من ذلك، لكونها لم تَبْقَ مَحلاًّ للبيع، ولا يُنْقَلُ الملك فيها، بخلاف القن 1. (وإن اجتمعت أروش) بجنايات صدرت منها (قبل إعطاء شيء منها) أي من الأروش (تعلق الجميع) أي جميع الأروش (برقبتها، ولم يكن على السيّد) فيها كلّها (إلا الأقلّ من أرش الجميع) أي جميع الجنايات (أو) الأقل من (قيمتِها) يشتركُ فيه جميع أربابِ الجنايات.
(و) إن لم يف الواجبُ بأربابِ الجناياتِ فإنهم (يتحاصُّونَ بِقَدْرِ حقوقِهِم) لأن السيّد لا يلزمُهُ أكثر من ذلك، كما لو كانت الجناياتُ على شخصٍ واحدٍ.
(وإن أسلمتْ أمُّ ولدٍ لكافرٍ مُنِع من غِشْيَانِها) أي من وطئها والتلذُّذِ بها لئلا يفعلَ الكافر ذلكَ بالمسلمة.
(وحيلَ بينَهُ وبينَها) لئلا يفضي عَدَمُ الحَيْلُولَةِ إلى الوطءِ المحّرم 2، ولم تَعْتِق بذلك، بل يبقى مِلْكُهُ على ما كان عليه قبل إسلامها.

(وأُجْبِر) سيّدُهَا (على نفقتها إن عُدِمَ كَسْبها) أما وجوب نفقتها عليه إن لم يكن لها كسب، لأنه 1 مالك لها، ونفقة المملوك على مالكه.
فإن كان لها كسبٌ فنفقتها فيه، لئلا يبقى له عليها ولايةٌ بأخذِ كَسْبها والإنفاق عليها.
ومتى فضل من كسبها شيءٌ عَنْ نفقتها كان لسيّدها.
ذكره القاضي، وتبعه جماعة.
(فإن أسلم حلَّتْ له) أي حلَّ له ما يحلُّ للمُسْلِم من أمِّ ولده، لأن المانعَ من ذلك بقاؤُهُ على الكفر، وقد زال.
(وإن ماتَ) حالَ كونهِ (كافراً عتَقَتْ) لأنها أمُّ ولده، وشأنُ أمِّ الولد العتقُ بموتِ سيّدها.

باب النّكاح وهو حقيقة في العقد، مجازٌ في الوطء.
والأشهر: مشترك.
واعلم أن الناس في النكاحِ على ثلاثة أقسامٍ: أحدها: ما أشار إليه بقوله: (يسنّ لذي شهوةٍ لا يخافُ الزّنا) من الرّجالِ والنساء، ولو فقيراً عاجزاً عن الإِنفاق.
نصّ عليه.
واشتغالُ ذي الشَّهْوَةِ بالنِّكاحِ أفضلُ له من التخلي لنوافل العبادات.
القسم الثاني: ما أشار إليه بقوله: (ويجبُ على من يخافُه) أي الزِّنا بتركِ النكاحِ ولو ظنًّا، من رجلٍ أو امرأةٍ.
ويقدَّمُ حينئذٍ على حجٍّ واجبٍ زاحَمَهُ، لخشيةِ الوقوعِ في المحذور بتأخُّرِهِ، بخلافِ الحجّ.
ولا يُكْتَفَى بمرةٍ، بل يكونُ في مجموع العمر.
القسم الثالث: ما أشار إليه بقوله: (ويباحُ) النكاحُ (لمن لا شهوةَ له) أصلاً كالعِنِّينِ، أو كانتْ له شهوةٌ وذهبتْ لعارضٍ كالمرضِ والكِبَرِ، لأن العِلَّةَ التي يجب لها النكاحُ، أو يستحبُّ، وهو خوفُ الزنا، أو وجودُ الشهوة، غير موجودةٍ فيه، ولأنّ المقصودَ من النكاح الولدُ وتكثيرُ النسلِ، وذلك فيمنْ لا شهوةَ له غير موجودٍ، فلا ينصرفُ إليه الخطاب به، إلا

أنه يكون مباحاً في حقِّهِ، كسائِرِ المباحاتِ، لعدمِ مَنْعِ الشرعِ منه.
(ويحرُمُ) النكاحُ (بدارِ الحَرْبِ لغيرِ ضرورةٍ) ويجوزُ بدارِ الحرب لضرورةٍ، لغير أسيرٍ، ويعزِلُ وجوباً، إن حَرُمَ نكاحُهُ، وإلا اسُتحِبَّ.
قال في المغني في آخر الجهاد: وأما الأسيرُ فظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمد: لا يحلُّ له التزويجُ ما دامَ أسيراً.
(ويسنُّ نكاحُ ذاتِ الدِّينِ الولودِ).
ويعرَفُ كونُ البكرِ ولوداً بكونها من نساءٍ يُعْرَفْنَ بكثرةِ الأولاد.
(البكر) إلا أن تكون مصلحتُهُ في نكاحَ الثيّبِ أرجحَ، فيقدّمها على البكر.
(الحسيبة) وهي النسيبة، أي طيِّبَةُ الأصْلِ ليكون ولدها نجيباً.
من بيت معروف بالدين والصلاح.
(الأجنبية) فإنّ ولدها يكون أنجبَ، ولأنه لا يؤمن طلاقُها فيفضي مع القرابةِ إلى قطيعةِ الرَّحِمِ المأمورِ بصلتِها، والعداوةِ.
ويسنُّ له أيضاً أن يختارَ الجميلةَ 1.

[أحكام النظر]

(ويجبُ غضُّ البَصَر عن كلِّ ما حرَّم اللهُ تعالى) أخرج الشيخانِ وغيرُهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "كُتِبَ على ابن آدمَ حظُّهُ من الزِّنا، مُدْرِكٌ ذلك لا مَحَالَةَ: العينانِ زناهُمَا النَّظر، والأُذنانِ زناهما الاستماع، واللسانُ زناهُ الكلام، واليد زناها البطش، والرِّجْلُ زناها الخُطا، والقلبُ يَهْوى.
الحديث" 2 (فلا ينظر)

الإنسان (ألا ما) أي الذي (وَرَدَ الشرعُ بجوازِه).
(والنظرُ) من حيثُ هو (ثمانيةُ أقسام): (الأول: نظرُ الرجلِ البالغِ ولو) كان الرجل (مجبوباً) قالَ الأثرمُ: استعظمَ الإِمامُ أحمد رضي الله تعالى عنه إدخالَ الخِصْيانِ على النساء.
قال ابن عقيل: لا يباح خلوةُ النساء بالصبيانِ ولا بالمجبوبين، لأن العضوَ وإن تعطَّلَ أو عُدِمَ فشهوةُ الرجالِ لا تزولُ من قلوبِهِمْ، ولا يُؤْمَنُ التمتُّع بالقُبْلَةِ وغيرها، فهو كفَحْلٍ.
ولذلك لا تباحُ خلوةُ الفحلِ بالرَّتْقاءِ من النساء، (للحرةِ البالغةِ) احترزَ به عن الرقيقةِ (الأجنبيةِ لغير حاجةٍ، فلا يجوز لهُ) أي للرَّجُلِ (نظرُ شيءٍ منها، حتى شعرِها المتصل،) أما الشعرُ المنفصلُ من الأجنبيةِ فيجوزُ لمسُهُ والنَّظَرُ إليه، وإن كان من محلِّ العورَةِ لزَوَالِ حُرْمَتِهِ بالانفصال.
(الثاني: نظره) أي الرجل (لمن) لامرأةٍ (لا تشتهى، كعجوزٍ، وقبيحةٍ،) وبرزَةٍ 1، ومريضةٍ لا يرجى برؤها، (فيجوزُ) نظره (لوجهِهَا خاصّةً).
(الثالثُ: نظرُهُ) أي الرجلِ المرأةَ (للشهادةِ عليها) تحمُّلاً وأداءً (أو لمعاملتها، فيجوزُ لوجهها) قال أحمد رضي الله تعالى عنه: لا يشهد على امرأةٍ إلا أن يكون يعرفُها بعينها، (وكذا) له أن ينظرَ إلى (كفَّيْها) أيْضاً (لحاجةٍ) روي كراهةُ ذلك عن أحمد في حقّ الشابة.
(الرابع: نظره) أي الرجل (لحرةٍ بالغةٍ يخطبُها) إذا غَلَبَ على ظنِّه إجابَتُهُ (فيجوز) أي يباحُ له، على الصحيح.
قاله في شرح المنتهى.
= ابن عباس عن أبي هريرة مرفوعاً.

وقال في الإِقناع: يسن (للوجهِ والرقبة واليدِ والقدم) ويكرِّرُ النظرَ، ويتأمَّلُ المحاسِنَ، ولو بلا إذنٍ، إن أَمِنَ ثَوَران الشهوةِ، َ من غير خلوة.
(الخامس: نظره) أي الرجل (إلى ذواتِ محارِمهِ) 1 وهنَّ من تحرم عليه أبداً، بنسب، كأخته وعمَّتِهِ وخالتِهِ، أو سببِ مباحٍ، كأختِهِ من رضاعٍ، وأمِّ زوجتِهِ، وربيبةٍ دخلَ بأمّها، وحليلةِ أبٍ أَو ابنٍ.
تنبيه: يحرم على زانٍ النظرُ إلى أمِّ المزنيِّ بها وابنتها، لأن تحريمَهُنَّ بسببٍ محرّمٍ، وكذا المحرَّمةُ باللّعان على الملاعِنِ وبنتُ الموطوءة بشبهةٍ، وأمُّها.
(أو لبنتِ تسعٍ) قال في المنتهى: وبنتُ تسعٍ مَعَ رجل كمحرم انتهى، لأن عورتَها مخالِفَةٌ لِعورةِ البالغةِ؛ (أو أَمةٍ لا يملكها) سواء كانت مُسْتَامَةً أوْ لا، (أو يملكُ بعضَها، أو كان لا شهوةَ له، كعنِّينٍ وكبيرٍ) ومخنَّثٍ أي شديد التأنيث في الخلقةِ، حتى يشبهُ المرأةَ في الليِّنِ والكلام والنَّغْمَةِ والنظرِ والعقلِ، فإذا كان كذلك لم يكن له في النساءِ أَرَبٌ، أَي حاجة؛ (أو كان مميِّزاً وله شهوةٌ) قال في الإِقناع وشرحه: والمميِّزُ ذو الشهوة كذي رحمِ مَحْرَمٍ؛ (أو) كان (رقيقاً غيرَ مُبَعَّضٍ، ومشتركٍ ونظر لسيدته؛) (فـ) إنه (يجوز) له 2 أن ينظر إلى ستة أعضاء: (للوجه، والرقبة، واليد، والقدم، والرأس، والساق).
(السادس: نظره) أي الرجلِ المرأةَ (للمداواة، فيجوزُ) له النظر (للمواضِعِ التي يحتاج إليها) ولمسُها حتى الفرج، وظاهِرُهُ ولو ذميّاً.
قاله في المبدع.
وليكن ذلك مع حضور محرمٍ أو زوجٍ، ويستُرُ منها ما عدا

الحاجة: ومِثْل الطبيب من يلي خدمةَ مريضٍ أو مريضةٍ في وضوءٍ واستنجاءٍ وغيرِهما، وكَتخليصِهَا من غَرَقٍ وحَرَقٍ ونحوِهِما.
وكذا لو حَلَقَ عانَةَ من لا يُحْسِنُ حَلْقَ عانتِهِ أيضاً.
(السابعُ: نظره) أي الرجل (لأمتِهِ المحرمةِ) كالمُزَوَّجَةِ، (و) نظره (لحرةٍ مميِّزةٍ دون تسع) سنين، (ونظر المرأة للمرأةِ) ولو كافرةٌ (1) مع مسلمةٍ (و) نظر المرأةِ (للرجلِ الأجنبيّ، ونظر المميّز الذي لا شهوةَ له للمرأة، ونظرُ الرجل للرجلِ ولو أمردَ، فيجوز إلى ما عدا ما بين السُّرَّةِ والركبة).
(الثامن: نظره) أي الرجل (لزوجتِهِ وأَمتِهِ المباحة له) دون المحرَّمة عليهِ لكونها وثنيَّةً أو مزوجةً (ولو) كان نظره لهما (لشهوةٍ ونظرُ مَنْ دونَ سبعٍ، فيجوز لكلٍّ نظرُ جميعِ بدنِ الآخر) ولمسه بلا كراهةٍ حتى الفرج، لأن الفرج محلُّ الاستمتاع، فجاز النظرُ إليه كبقيّةِ البدن.
والسنة أن لا ينظرُ كلٌّ منهما إلى فرج الآخر (2). قال القاضي: يجوز تقبيلُ فرجِ المرأةِ قبلَ الجماع، وُيكْرَهُ بعده.
وكذا سيدٌ مَعَ أمتِهِ.

فصل

(ويحرمُ النظرُ لشهوةٍ) ومعنى الشهوةِ التلذُّذُ بالنظر إلى الشيء (أو مع خوفِ ثورانها) أي الشهوةِ.
فإنه يحرم النظرُ في هاتين الحالتين (إلى أحدٍ ممن ذكَرْنا) من ذكرٍ أو أنثى غير زوجتِهِ أو سُرِّيَّتِهِ.12

[لمس الأجنبية والخلوة بها]

(ولمسٌ كنظرٍ وأوْلى).
(ويحرُمُ التلذُّذُ بصوتِ الأجنبيّةِ) مع أنه ليسَ بعورةٍ (ولو بقراءةٍ) قاله في الفروع.
وقال الإِمام أحمد في رواية مُهَنَّا: ينبغي للمرأةِ أن تخفِضَ صوتَها إذا كانت في قراءتها إذا قرأتْ بالليل.
(وتحرُمُ خلوةُ رجلٍ غيرِ محرمٍ بالنساءِ، وعكسه) أي يحرمُ خلوةُ امرأةٍ غيرِ محرمٍ بالرّجال.

[الخِطبة]

(ويحرُمُ التصريحُ) وهو ما لا يحتمل غيرَ النكاح (بخطبةِ المعتدَّةِ البائِنِ) 1 كقوله: إني أريدُ أن أتزوّجَك، أو: إذا انقضَتْ عدَّتُكِ تزوَّجتُكِ، وزوّجيني نفسك، (لا التعريضُ) أي لا يحرمُ التعريضُ 2 في عدّةِ وفاةٍ (إلا بخِطبةِ الرجعيّة) فإنه يحرُمُ، لأنها في حكم الزوجات، أشبَهَ 3 التي في صلب النكاح.
(وحرم خِطبةٌ) بكسر الخاء المعجمة (على خِطبةِ مسلمٍ أجيبَ) ولو كانت إجابتُهُ تعرِيضاً، إن علم الثاني بإجابةِ الأوّل.
وإن لم يعلم الثاني بإجابةِ الأول، أو تركَ الأول، أو أَذِنَ الأوّلُ، جاز للثاني أن يخطبَ.
والتعويلُ في ردٍّ وإجابةٍ على وليٍّ يُجْبِر، والَّا فعلَيْها.
(ويصح العقدُ) مع حرمةِ الخِطبة.
تنبيه: يسن أن يكونَ عقد النكاحِ مساءَ يوم الجمعة، وأن يخطُبَ قبلَه بِخُطبةِ عبدِ الله بن مسعود 4، وهي "إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه،

ونستعينُه، ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا، وسيّئِات أعمالنا، من يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه"، ويجزئ عن الخطبة أن يتشهد ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -. = التشهّد في الصلاة، والتشهّد في الحاجة: إن الحمد لله" الحديث، إلى أن قال "ويقرأ ثلاث آيات" (شرح المنتهى 3/ 10).

باب (ركنيّ النكاح و) باب (1) (شرُوطه)

أي شروطِ النكاح.
أركانُ النكاحِ أجزاءُ ماهيّتِهِ.
والماهيّةُ لا تتمُّ بدون جُزئِها.
فكذا الشيءُ لا يتمُّ بدون ركنِهِ.
(ركناهُ) أي النكاح، اثنان: أحدهما: (الإِيجاب) وهو اللفظُ الصادرُ من الوليِّ أو مَنْ يقومُ مقامَهُ، بلفظ النكاح، أو التزويجِ.
(و) الركن الثاني: (القبول) بلفظ: قبلتُ، أو رضيتُ هذا النكاحَ، أو قبلت أو رضيتُ، فقط، أو تزوجتُها (مرتَّبَيْنِ) فلا يصحُّ النكاحُ إنْ تقدَّم قبولُ على إيجابٍ.
وإن تراخى القبولُ عن الإِيجابِ حتى تفرّقا أو تشاغَلَا بما يقطعه عرفاً بَطَل الإِيجابُ.
(ويصح النكاحُ هزلاً) أي يصح الإِيجابُ والقبولُ من هازلٍ.
(و) يصحُّ النكاحُ (بكلّ لسانٍ) بلفظٍ يؤدّي معناهما الخاصَّ (من1

عاجزٍ عن) الإِتيان بهما بالـ (ـــعربي 1، لا) يصح إيجابٌ ولا قبولٌ (بالكتابة، ولا بالإِشارة) المفهومة (إلا من أخرس) فيصحّانِ مِنْهُ بالإِشارةِ، نصَّ عليه.
لأن النكاحَ معنًى لا يستفادُ إلاَّ من جهته، فصحَّ بإشارتِهِ، كبيعه، وطلاقه.

[شروط صحة النكاح]

(وشروطُهُ) أي شروط صحّة النكاحِ (خمسةٌ) وَاحِدُها "شَرْطٌ" بإسكان الراء.
وهو: ما يلزَمُ من انتفائِهِ انتفاءُ المشروطِ، بمعنى أنه يلزم من عَدمِهِ عدم صحة النكاح.
أحد الخمسة: (تعيينُ الزوجينِ) لأن النكاحَ عقدُ معاوضةٍ، أشبهَ تعيينَ المبيعِ في البيعِ.
ولأنَّ المقصودَ في النِّكاحِ التعيينُ، فلم يصحَّ بدونِهِ.
إذا تقرر هذا (فلا يصحُّ) النكاح إن قال الوليُّ: (زوَّجتُك بنتي، وله) بناتٌ (غيرها.
ولا) يصحُّ النكاحُ إن قال: (قبلتُ نكاحَها) أي نكاح مَوْليَّتِكَ فلانةَ (لابني، وله غيرُه، حَتى يُميّزَ كل منهما) أي من الزوج والزوجة (باسمهِ) كفاطمة وأحمد، (أو صِفَتِه) التي لم يشاركْه فيها غيرهُ من إخوته، كقوله: الكبرى، أو: الصغرى، أو: الوسطى، أو: البيضاء، أو: الحمراء، أو: السوداء، أو: الكبير، أو: الصغير، أو: الأبيض، أو: الأسود.

[الرضا والإِجبار]

(الثاني): من شروطِ صحةِ النكاحِ (رِضَا زوجٍ مكلَّفٍ) وهو البالغ

العاقل، (ولو) كانَ المكلَّفُ (رقيقاً) فلا يملك سَيِّدُهُ إجبارَه، لأنه يملك الطلاقَ فلا يجبرُ على النكاحِ.
(فيُجْبِرُ الأَبُ، لا الجدُّ، غيرَ المكلَّفِ) من أولادهِ.
(فإن لم يكن أبٌ فوصيُّهُ) أي وصيُّ الأبِ، لقيامِهِ مقامَهُ.
(فإنْ لم يكن) للأب وصيٌّ (فالحاكِمُ) يزوِّج (لحاجةٍ، ولا يصحُّ من غيرِهمْ أن يزوِّج غيرَ المكلفِ ولو رَضِي) لأنّ رضاهُ غيرُ معتبرٍ.
(ورِضا زوجةٍ حرَّةٍ عاقلةٍ ثيِّبٍ تَمَّ لها تسعُ سِنينَ) ولها إذنٌ صحيحٌ معتبرٌ.
فيشترط مع ثيوبتها.
وُيسَنُّ مَعَ بَكارَتِها.
قال في الإِنصاف: للصغيرةِ بعد تسع سنين إذنٌ صحيحٌ معتبرٌ (فيجبرُ الأب) لا الجدُّ (ثيّباً دون ذلك) أي دونَ من تمّ لها تسعُ سنينَ لأنّه لا إذن لها معتبر، (و) يجبر الأبُ (بكراً، ولو) كانت (بالغةً) 1 لما روى ابنُ عباسٍ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الأيِّمُ أحقُّ بِنَفْسِها من وليِّها، والبِكْرُ تسْتأَذن 2، وإذنُها صُماتها، أي سكوتُها" رواه أبو داود.
فلما قسَم النساءَ قسمينِ، وأثبَتَ الحقَّ لأحَدهما، دل على نفيه عن الآخر 3، وهي البكرُ، فيكون وليُّها

أحقَّ منها بها.
ودل الحديث على أن الاستئمار هاهنا والاستئذانَ في حديثهم 1 مستحبٌّ غير واجبٍ، لما روى ابن عمر، قال: "قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: آمِرُوا النساءَ في بناتِهنّ" 2 رواه أبو داود.
(ولكل وليًّ تزويجُ يتيمةٍ بلغت تسعاً بإذنها) لأنها تصلُحُ بتمامِ التسعِ سنينَ للنِّكاحِ، وتحتاجُ إليه، فأشبهت البالغة.
(لا مَنْ دونها) أي دون تسع سنين (بحالٍ) أي سواء أذِنَتْ أم لا (إلاَّ وَصيَّ أبيها) قال في شرح المنتهى: فيجبُر الوصيُّ من يجبُرُهُ الموصِي لَوْ كانَ حيًّا، من ذكرِ أو أنثى.
انتهى.
(وإذنُ الثيّب) أي من صارت ثيّباً بوطءٍ في قُبُلٍ، ولو كانَ وطؤُها بزناً، أو مَع عَوْدِ بَكَارَتِها بعد إزَالتها (الكلامُ) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الثيّبُ تُعْرِبُ عن نفسِها" 3 أي: تُبِينُ، ولأنَّ قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تنكح الأيّمُ حتى تُسْتَأْمَرَ، ولا تُنْكَحُ البكْرُ حتى تُستَأذَنَ، وإذنها سكوتها" يدلُّ على أنه لا بد من نطقِ الثيّبِ، َ لأنّه قسَمَ النساءَ قسمين، فجعل السكوتَ إذناً لأحدهما، = الحق واجبة، وإنما يكون باستئذانها عملاً بما صرّحت به السنة في روايات كثيرة قد تبلغ التواتر.
وانّما أكتفت السنة من البكر بالصمت دلالهَ على الإِذن، لشدة حيائها، لا لأن رضاها غير معتبر.
أما الثيب فإنها تستأمر أي تشاور ويؤخذ رأيها صراحة والله أعلم.

فوجب أن يكون الآخر بخلافِهِ، والموطوءة بزناً ثيّبٌ موطوءة في القُبُل، لأنّه لو وصّى للثّيّب دخلتْ في الوصية، ولو وصّى للأبكارِ لم تدخل.
(وإذنُ البِكْرِ) ولو وُطئت في دُبُر (الصُّماتُ) ولو ضحكَتْ أو بكتْ.
ونطقُها بالإِذن أبلغ من صماتها.
(وشُرِطَ في استئذانها) أي في استئذانِ من يشترط استئذانها (تسميةُ الزوجِ) بحيت تكونُ تلك التسميةُ (على وجهٍ تقعِ به المعرفة) أي معرفتها، بأن يذكر لها نسبُه ومنصِبُه ونحو ذلك، لتكون على بصيرةٍ في إذنها في تزويجه.
قالَ في الإِقناع وشرحه: ولا يشترط في استئذانٍ تسميةُ المهر.
(ويجبرُ السيّد، ولو كان فاسقاً، عبدَهُ غيرَ المكلّف) أي الصغير والمجنون، لأن الإِنسان إذا ملَك تزويجَ ابنِه الصغيرِ والمجنونِ، فعبدُه الذي كذلك، مع مِلكِه إياه، وتمامِ ولايتِهِ عليه، أوْلى.
(و) يجبر السيد أيضاً (أمتَه، ولو) كانت (مكلّفة) سواء كانت بكراً أو ثيّباً، وسواءٌ كانت قِنًّا، أو مدبّرة، أو أمّ ولدٍ، لأن منافعها مملوكة له، والنكاح عقد على منافعها، فأشبه عقد الإجارة، ولا فرقَ بين كونها مباحةً أو محرّمةً عليه، كما لو كانت أمَّهُ أو أخته من رضاعٍ أو مجوسيّةً، فإن له تزويجهما، وإن كانتا محرّمتين عليه، لأن منافعهما مملوكة له.
وإنما حَرُمتَا عليهِ لعارضٍ.

[الولي في النكاح]

(الثالث) من شروط صحة النكاح: (الوليُّ) إلاَّ على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - 1. (وشُرِط فيه) أي في ثبوتِ الولايةِ لهُ سبعة شروط على خلاف في بعضها:

الأول: (ذكورية) لأن المرأة لا تثبُتُ لها وِلايةٌ على نفسِها، فعلى غيرها أولى.
(و) الثاني: (عقل) لأن الولاية إنما ثبتت نظراً للمُوَلَّى عليه عند عجزِه عن النظر لنفسه.
ومن لا عقلَ له لا يمكنه النظر، ولا يلي نفسه، فغيرَهُ أوْلى.
وسواء في ذلك من لا عقل له لصغرِهِ، أو ذَهب عقلُه بجنونٍ أو كبرٍ.
فأما الإِغماءُ فلا تزولُ الولاية به، لأنه يزولُ عن قربِ، فهو كالنومِ.
ولذلك لا تثبت الوَلاية على المغمى عليه.
ويجوزُ علىَ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ومن كان يُخْنَقُ في الأحيان لم تزل ولايته.
(و) الثالث: (بلوغ) لأن الولايةَ يعتبر لها كمالُ الحالِ، لأنها تفيد التصرُّف في حق غيره، والصبيّ مولَّى عليه لقصوره، فلا تثبت له ولاية، كالمرأة.
(و) الرابع: (حريّة) يعني كمالها لأن العبد والمبعّض لا يستقلان بالولاية على أنفسِهما، فعلى غيرِهما أولى.
ويستثنى من ذلك صورةٌ، وهي أنّ المكاتَبَ يزوّج أمته.
وتقدَّم.
(و) الخامس: (اتفاقُ دينٍ) أي اتفاق دين الوليّ والمولَّى عليها.
فلا يثبتُ لكافرٍ ولايةٌ على مسلمةٍ، ولا لنصرانيٍّ على مجوسيّة، ونحو ذلك.
ويستثنى من ذلك ثلاثُ صور: الأولى: أم ولد الكافر إذا أسلمت.
الثانية: أمةٌ كافرةٌ لمسلم.
الثالثة: السلطان.
(و) السادس: (عدالةٌ) لأنها ولايةٌ نظرية، فلا يستبدّ بها الفاسقُ،

فصول الكتاب · 33 فصل · 512 صفحة
الانتقال إلى صفحة
جارٍ التحميل