نيل المارب بشرح دليل الطالبصفحات 78-117
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 78-117
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي تغلب
الكتاب
نَيْلُ المَآرِب بشَرح دَلِيلُ الطَّالِب
المؤلف
عبد القادر بن عمر بن عبد القادر ابن عمر بن أبي تغلب بن سالم التغلبي الشَّيْبَاني (المتوفى: 1135هـ)
المحقق
الدكتور محمد سُليمان عبد الله الأشقر - رحمه الله -
الناشر
مكتبة الفلاح، الكويت
الطبعة
الأولى، 1403 هـ - 1983 م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

السادس: (الماء الطهور المباح، و) السابع: (إزالة ما يمنع وصوله) ولا تشترط إزالة النجاسة التي لا تمنع وصول الماء.
(وواجبه) واحد، وهو (التسمية.
وتسقط سهواً) وجهلاً كالوضوء.
(وفرضه) واحد وهو (أن يعمّ بالماءِ جميع بدنه، وداخلَ فمِهِ وأنفِهِ) كوضوء، لأنهما في حكم الظاهر (حتى ما يظهرُ من فرج المرأة عند القعود) على رجليها (لـ) قضاء (حاجتها) لأنه في حكم الظاهر، لا ما أمكن من داخله، ولا غَسْل داخل عينٍ، ويجب غسل ما تحت خاتمٍ ونحوه (وحتى باطنَ شعرها) أي المرأة، وكذلك الرجل، مسترسلاً كان أو غيره.
(ويجب نقضه) أي الشعر (في الحيض والنفاس، لا الجنابة) أي لا يجب نقضه للجنابة، إن روَّتْ أصوله، وحتى حشفةَ أقلف 1 مفتوقة.
(ويكفي الظن) أي ظن المغتسل (في الإِسباغ) أي في وصول الماء إلى البشرة.

[سنن الغسل:]

(وسننه) أي الغسل: (الوضوءُ قبله) وصفته كالوضوءِ المنفرد عن الغسل.
(وإزالة ما لوّثه من أذًى) أي لطَّخه من منيٍّ أو غيره بفرجه أو غيره.
(وإفراغه) أي المغتسل (الماءَ على رأسه ثلاثاً) يحثي الماء عليه ثلاث حَثَيَات.
(و) إفراغُه الماء (على بقية جسده) بإفاضة الماء عليه (ثلاثاً) لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتَسَلَ من الجنابَة غَسَلَ يَدَيْهِ ثلاثاً، وتوضّأَ وضوءَه للصلاة، ثم يخلّل شعره بِيَدَيهِ، حتّى إذا ظنَّ أنَّه

قَدْ روّى بَشَرَتَهُ أفاضَ الماءَ عليهِ ثلاثَ مراتٍ، ثمّ غَسَلَ سائِرَ جَسَدَهِ" متفق عليه.
(والتيامن) بأن يغسل شِقَّه الأيمن قبل شِقّه الأيسر.
(والموالاة) وهي أن لا يؤخَّر غسل بعض جسده حتى يجفّ ما غسله.
(وإمرار اليد على الجسد) لأنه أنقى، وبه يتيقّن وصول الماء إلى مَغَابِنِه 1 وجميع بدنه، وبه يخرج من الخلاف 2. قال في الشرح: "يستحب إمرار يده على جسده في الغسل والوضوء، ولا يجب إذا تيقن أو غلب على ظنه وصول الماء إلى جميع جسده".
(وإعادة غسل رجليه بمكان آخر) ولو في حمّامٍ ونحوه مما لا طين فيه.
وإن أخر غسل قدميه في وضوئهِ، فغسلهما آخَر غُسْلِهَ فلا بأس 3. (ومن نوى غسلاً مسنوناً) كغسل الجمعة، والعيدين، أجزأ عن الغسل الواجب لجنابةٍ أو غيرِها إن كان ناسياً للحديث الذي أوجبه، ذكره في الوجيز، وهو مقتضى قولهم: أو نوى التجديد ناسياً حدثه، خصوصاً وقد جعلوا تلك أصلاً لهذه فقاسوها عليها 4، كذا في شرح الإِقناع.
(أو) نوى غسلاً (واجباً أجزأ عن الآخر) أي عن المسنون بطريق الأولى.
وإن نواهما حَصَلا.
والمستحبّ أن يغتسل للواجب غسلاً، ثم للمسنون آخر 5. (وإن نوى) أي المغتسل بغسله (رفع الحدثين) الأكبر والأصغر أجزأ

عنهما، ولم يلزمه ترتيب ولا موالاة، لأن الله تعالى أمرَ الجُنُبَ بالتطهير، ولم يأمره معه بوضوء.
ولأنهما عبادتان، فتداخَلَتَا في الفعل، كالعمرة في الحج.
قال في شرح الإِقناع: "وظاهره كالشرح والمبدع وغيرهما: يسقط مسح الرأس اكتفاءً عنه بغسله، وإن لم يمر يده" (أو) نوى رفع (الحدث وأطلق) فلم يقيده بالأكبر ولا بالأصغر، أجزأ عنهما، لشمول الحدث لهما، (أو) نوى بغسله (أمراً لا يباح إلا بوضوء وغسل،) كمسّ مصحفٍ، وطوافٍ (أجزأ) هذا الغسل (عنهما) أي عن الطهارتين منفردتين، ويسقط الترتيب والموالاة، فلو اغتسل إلا أعضاءَ الوضوءِ، لم يجب الترتيب في غسلها, لأن حكم الجنابة باقٍ.
وإن نوى قراءة القرآن ارتفع الأكبر فقط.
(ويسن) للمتوضِّئ (الوضوء بمدٍّ،) أي بزنة مدّ من الماء 1. (وهو رطل وثلث 2 بالعراقي).
وزِنَةُ المد بالدراهم مائة وأحَدٌ وسبعون درهماً إسلاميًّا وثلاثة أسباع درهم.
(وأوقيّتان وأربعة أسباع أوقية بالقدسيّ)، وثلاثُ أواقٍ وثلاثة أسباعِ أوقيّةٍ دمشقية.
(و) يسن الاغتسال بصاعٍ، وهو) أي الصاعُ (خمسة أرطالٍ وثلثُ رطل بالعراقي) نقله الجماعة 3 عن أحمد، وفاقاً لمالك والشافعيّ.

(وعشر أواقٍ وسبعان بالقدسيّ).
وزنة الصاع بالدراهم الإِسلامية ستُّمائة وخمسة وثمانون درهماً، وخمسة أسباع درهم.
ورطلٌ وأوقية وخمسة أسباع أوقية بالدمشقي.
وبيان المدّ والصاع ينفعك هنا، وفي الفُطرة، والفدية، والكفارة بأنواعها، وغير ذلك كما لو نذر الصدقة بمدٍّ أو صاع.
(ويكره الإِسراف) في الماء، ولو على نهر جارٍ، في الوضوء والغسل (لا الإِسباغ بدونِ ما ذُكِر) من الوضوء بالمدّ، والغسلِ بالصّاع.
والإِسباغ فيهما تعميم العضو بالماء بحيث يجري عليه، ولا يكون مسحاً.
(ويباح الغسل) والوضوء (في المسجد ما لم يؤذ به) أحداً، أو يؤذ المسجد 1. ولا يغسل فيه ميت.
قاله 2 الشيخ.
ويكره إراقة ماء الوضوء وماء الغسل في المسجد، أو في مكان يداس فيه، كالطريق، تنزيهاً للماء لأنه أثر عبادة.
(و) يباح الغسل في (الحمّام) فإنه روي أن ابن عباس دخل حمّاماً بالجحفة، (إن أمِنَ الوقوع في المحرّم) بأن يَسْلَمَ من النظر إلى عوراتِ الناس، ومسّها، ويسلَم من نظرهم إلى عورته ومسّها.
(فإن خيف) الوقوع في المحرّم بدخوله (كُره) له ذلك.
(وإن علم) الوقوع في محرّم بدخوله (حَرم) عليه دخوله.
كل ذلك في حق الرجل.
أما المرأة فلها دخوله بشروط، منها: أن تسلم من النظر إلى عورات الناس ومسّها، ومنها: أن يسلم الناس من النظر إلى عورتها ومسّها.
= والميموني (عبد الغني) وقال: هذا ما كان في حفظي قديماً.

ومنها: أن يوجد لها عذر من حيض أو نفاس أو جنابة أو مرض أو حاجة إلى الغسل.
ومن آدابه أن يقدِّم رجلَه اليسرى في الدخول، والمغتسلِ، ونحوهما.
والأوْلى أن يغسل قدميه وإبطيه بماء بارد عند الدخول.
ويلزمُ الحائط.
ويقصدُ موضعاً خالياً.
ولا يدخلُ البيتَ الحارّ حتى يعرق في الأول.
ويقلّل الالتفات.
ولا يطيلُ المقام إلا بقدر الحاجة.
ويغسل قدميه عند خروجه بماء بارد، فإنه يُذْهب الصداع.
ولا يكَره دخولُه قُرْبَ الغروبِ، ولا بينَ العشاءَيْن.
ويحرم أن يغتسل عُرْياناً بين الناس، فإن سَتَرَهُ إنسانٌ بِثوبٍ، أو اغتسل عرياناً خالياً عن الناس فَلا بأس.
والتستر أفضل.
وتكره القراءة فيه، ولو خَفَض صوته.
وكذا السلامُ، لا الذِّكْر.

فصل

في الأغْسال المستحبة

(وهي ستة عشر) غُسْلاً: (آكدها) الغسل (لصلاة جمعةٍ في يومها) أي الجمعة.
وأوّله من طلوع الفجر، فلا يجزئ قبله (لذَكَر) لا لمرأةٍ نصًّا، (حَضَرَها) أي الجمعة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جاء أحدُكم إلى الجُمُعةِ فِليغتسل" 1 رواه ابن عمر.
ولو لم تجب عليه كالمسافر والعبد.
والأفضل عند مضي 2 إليها، وعن جماع، فإن اغتسل ثم أحدث أجزأه الغسل وكفاه الوضوء.

ومفهوم قولِهِ: لصلاةِ جمعة، أنه إذا اغتسل بعد الصلاة لم يصب السنة.
(ثم) يلي غسل الجمعة في الآكدية الغسل (لغسلِ ميتٍ) مسلمٍ أو كافرٍ.
(ثم) الثالث من الأغسال المستحبة: الغسل (لـ) صلاة (عيدٍ في يوميه) أي العيد، لحاضرها إن صلى.
وأوله من الفجر.
وقال ابن عقيل: المنصوص عن الإِمام أحمد أنه قبل الفجر وبعده، لأنّ زمنَه أضيق من الجمعة.
(و) الرابع: (لـ) صلاة (كسوفٍ).
(و) الخامس: لصلاة (استسقاء) لأنهما صلاتان تجتمع لهما الناس، فاستُحِبّ الغسلُ لهما، كصلاة الجمعة والعيدين.
(و) السادس والسابع: الغسل لـ (جنونٍ وإغماءٍ) بلا إنزال.
والجنون مرضٌ يصير به العقل مسلوباً، لعدم تمييزِه بين الحدثِ وغيره.
والإِغماء هو ما يكون به العقل مغلوباً، لأنه فوق النوم 1. (و) الثامن: الغسل (لاستحاضة لكل صلاة).
(و) التاسع: الغسل (لِإحرامٍ) بحج أو عمرة أو بهما، حتى لحائض ونفساء.
قاله في المنتهى.
(و) العاشر: الغسل (لدخول مكة) ولو مع حيضٍ، قاله في المستوعب.
قال الفتوحي في شرحه على المنتهى: وظاهره ولو 2 كان بالحرم، كالذي بمنًى إذا أراد دخول مكة، فإنه يستحب له الغسل كذلك.
(و) الحادي عشر: الغسل لدخول (حرمها) أي مكة.
(و) الثاني عشر: الغسل لِـ (وقوفٍ بعرفة) رواه مالك عن نافع عن

ابن عمر.
وهذا السند يسمى بسلسلة الذهب عند المحدثين.
(و) الثالث عشر: الغسل لـ (طواف زيارةٍ).
(و) الرابع عشر: الغسل لـ (طواف وداعٍ).
(و) الخامس عشر: الغسل لـ (مبيت بمزدلفة).
(و) السادس عشر: الغسل لـ (رمي جمارٍ) ظاهره في كل يوم.
ولم أرَ من تعرَّضَ لذلك.
وإنما يؤخذ من التعليل.
فإنهم قالوا: لأن هذه أنساكٌ تجتمع لها الناس ويزدحمون، فيعرقون، فيؤذي بعضهم بعضاً، فاسْتُحِبّ كالجمعة.
وفي منسك ابن الزاغوني: وَلسَعْيٍ.
قال في المبدع: ونصَّ أحمد: ولزيارة قبرِ النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقيل: لكل اجتماع مستحب.
ولا يستحبُّ الغسل لدخول طيبة 1 ولا للحجامة.
(ويتيمَّم) استحباباً (للكل) أي لكلِّ الأغسال المستحبة (لحاجةٍ) أي عند حاجة الصحيح إلى الماء، إما لعدمه، أو لعدوٍّ يحول بينه وبين الماء، أو يكون الماء يسيراً، أو يكون الماء ببئرٍ ولا يجد آلة يستقي بها، أو نحو ذلك.
(و) يستحب التيمم (لما يُسَنُّ له الوضوء) كقراءة قرآنٍ وذكرٍ (إن تعذر) كالمريض والجريح العاجز عن أن يمسَّ الماءُ بَشَرَتَهُ.
قال في المبدع: وظاهر ما قدمه في الرعاية: لا لغير عذر.
تذنيب: وقت الغسل للاستسقاء عند إرادة الخروج للصلاة، وللكسوف عند وقوعه، وفي الحج عند إرادة النسك الذي يريد أن يفعله قريباً، قاله في الإِنصاف.

باب التَّيَمُّم

التيمم في اللغة: القصد، وفي عرف الفقهاء: استعمالُ ترابٍ مخصوصٍ، في أعضاءٍ مخصوصة، من شخص مخصوص، في وقت مخصوص.
(يصح) أي التيمم (بشروط ثمانية: الأول: (النية).
(و) الثاني: (الإِسلام) فلا يصح من كافر.
(و) الثالث: (العقل) فلا يصح من غير عاقل.
(و) الرابع: (التمييز) فلا يصح قبله.
(و) الخامس: (الاستنجاء أو الاستجمار) المستوفيان للشروط.
(والسادس: دخول وقت الصلاة) التي يريد أن يتيمم لها، من فرضٍ، أو راتبةٍ، أو صلاة ضحًى.
ويصح لفائتةٍ إذا ذكرهها وأراد فعلها، (فلا يصح التيمم لصلاةٍ قبل وقتها) وإنما جاز الوضوء قبل الوقت لكونه رافعاً للحدث، بخلاف التيمم فإنه طهارة ضرورة، فلا يجزئ 1 قبل الوقت، كطهارة المستحاضة.
(ولا) يصح التيمم (لنافلةٍ وقتَ نهي) لأنه ليس وقتاً له.
ويصح

لركعتي طوافٍ كلَّ وقتٍ لِإباحتهما إذن.
(السابع): من شروط صحة التيمم (تعذّر استعمال الماء، إما لعدمهِ) أي الماء، إما بحبس الماء عنه، أو حبسِهِ عن الماء، أو قطعِ عدوٍّ ماءَ بلده، أو عجزٍ عن تناول الماء من بئر أو غيره ولو بفم، لفقد آلةٍ يتناول بها، كمقطوع اليدين، والصحيح الذي لا يجد ما يستقي به من حبلٍ أو دلوٍ أو غيرِهما.
ولا فرق في ذلك بين كونه مقيماً أو مسافراً سفراً طويلاً أو قصيراً.
فمن اتصف بصفة من هذه الصفاتِ جاز له أن يتيمم.
(أو لخوفِهِ) أي المتيمم (باستعمالِهِ) أي الماء (الضررَ) من بردٍ شديدٍ، أو فوتِ رفقةٍ، أو مالٍ، أو خافَ عطَشَ نفسِهِ أو غيرِه من آدميٍّ أو بهيمةٍ محترمين، أو احتياجِهِ لطبخٍ أو عجن.
فمن خاف شيئاً من ذلك أبيح له التيمم.
أو لا يجده إلا بزيادةٍ كثيرةٍ عادةً على ثمنِ مثلٍ في ذلك المكان الذي هما به.
(ويجب) على من معه ماء يستغني عن شربه (بَذْلُهُ للعطشانِ) ولو كان الماءُ نجساً، لأنه إنقاذٌ من مهلكةٍ، كإنقاذ الغريق، وعُلِمَ منه أن الطاهرَ يجبُ بذْلُهُ بالأولى (من آدميٍّ، أو بهيمة) محترمين.
(ومن وَجَدَ ماء) وهو محدِثٌ أو جُنبٌ (لا يكفي لطهارته استعمله فيما يكفي وجوباً، ثم تيمّم) للباقي من أعضاءِ طهارته الذي لم يجدْ له ماءً.
ولا يصح تيمُّمُه قبل استعماله إذا لم يحتج إليه كما تقدم.
وإنما لزمه استعماله لأنه قدر على بعض الشرط، فلزمه فعله، كبعض السترة 1. وكما لو كان بعض بدنه جريحاً وبعضُه صحيحاً، فإنه يلزمه

غسل الصحيح.
قاله في شرح المنتهى لمؤلفه.
وإن وجد تراباً لا يكفيه للتيمم استعمله وصلى.
قاله في شرح الإِقناع.
قلت: ولا يزيد على ما يجزئ على ما يأتي.
وظاهره: ولا إعادة.
وفي الرعاية: ثم يعيد الصلاة إن وجد ما يكفيه من ماء أو تراب، انتهى.
(وإن وصل المسافر إلى الماء وقد ضاق الوقت) عن طهارته به، (أو) لم يضق الوقت عن الطهارة به، ولكن (علم أن النَّوْبَةَ) أي نوبة استقائه منه (لا تصل إليه إلا بعد خروجِهِ) أي بعد خروج الوقت، أو علمه المسافر العادم للماء قريباً عُرْفاً، أو دلَّه عليه ثقةٌ قريباً عُرْفاً، وخافَ بطلبِهِ فوتَ الوقتِ، أو دخولَ وقتِ الضرورةِ، أو فوتَ غرضِهِ المباح (عَدَل إلى التيمم) لأنه غير قادرٍ على استعماله في الوقت، أشبه العادم له.
(وغيره) أي غير المسافر فيما ذكر (لا) يَعدِلُ إلى التيمم (ولو فاتَهُ الوقت) كمن خاف فوت جنازة، وعيد إذا توضأ، فلا يجوز له التيمم.
(ومن في الوقت) أي وقت الصلاة الحاضرة (أراق الماء، أو مرَّ به وأمكنه الوضوء منه، ويعلم أنه لا يجد غيرَهُ) ولم يتوضأ منه، أو باعَهُ، أو وهَبَهُ، وقد دخل الوقت، ولم يترك منه ما يتطهر به (حَرُم) عليه ذلك، ولم يصح البيع ولا الهبة، لتعلُّقِ حق الله تعالى به، كالأضحية المعينة.
(ثم إن) لم يجد غيره، و (تيمَّم وصلَّى لم يُعِدْ) لأنها صلاة بتيمم صحيح، لعدم القدرة على الماء حينئذ، أشبه ما لو فعل ذلك قبل الوقت.
(وإن وجد محدِثٌ ببدنه أو ثوبه نجاسةٌ) لا يُعفى عنها (ماءً) مفعول وجد (لا يكفي) للحديث والنجاسة (وجب غَسْلُ ثوبِهِ) أوَّلاً، لأنه

لا يصح التيمم عنه.
ظاهره أنَّ شرطه أن يكون يكفي للسبعِ غَسَلاتٍ في نجاسة الثوب أو البدن.
وإلاَّ فحكمه حكم عادمه.
انتهى.
(ثم إنْ فَضَلَ) بعد إزالة النجاسة عن ثوبه (شيء غَسَل بدنه).
(ثم إن فضل) بعد ذلك (شيءٌ تطهَّر به.
وإلا) بأن لم يفضلْ شيء (تيمَّمَ) وجوباً.
وإن كان على بدنه نجاسة، وهو محدث، والماءُ يكفي أحَدَهما غَسَل النجاسة ثم تيممَ عن الحدث، إلا أن تكون النجاسة في محلٍّ يصحُّ تطهيره من الحدث، فيستعمله فيه عنهما.
(ويصحّ التيمم لكل حدثٍ) أما للحدث الأصغر فبالاتفاق، وأما للأكبر ففي قول أكثر العلماء.
وحكم الحائض والنفساء إذا انقطع دمهما حكم الجنب.
(و) يصح التيمم (للنجاسة) إذا كانت (على البدن).
قال أحمد: هو بمنزلة الجنب، يتيمم.
(بعد تخفيفها) عن بدنه (ما أمكن) بمسحِ رَطْبِهِ، وحكِّ يابِسِهِ لزوماً.
ولا إعادة عليه.
ولا فرق بين كون النجاسةِ على موضعٍ صحيحٍ أو جريحٍ.
قاله في شرح المنتهى.
(فإن تيمم لها قبل تخفيفها لم يصحّ).
قال في شرح المنتهى: وعلم مما تقدم أنه لا يتيمم للنجاسة على الثوب، ولا على المكان.
الشرط (الثامن: أن يكون) التيمم (بترابٍ) فلا يجوز بالرمل والنورة والجِصِّ ونَحِيتِ الحجارة وما في معنى ذلك.
(طهورٍ) فلا يجوز التيمم بترابٍ تيُمِّمَ به، لزوال طهوريته باستعماله، وذلك هو التراب المتناثر عن الوجه واليدين بعد مسحهما به، والباقي عليهما.

(مباحٍ) لا يجزئ التيمم بترابٍ مغصوبٍ.
(غيرِ محترقٍ) فلا يجوز بما دُقَّ من خزفٍ، أو آجُرٍّ، ونحوهما، لأن الطبخَ أخرجَه عن أن يقع عليه اسم التراب.
(له غبارٌ يَعْلَقُ باليد) أو غيرها.
وخرج بِذلك السَّبِخَةُ وغيرها مما ليس له غبار يَعْلَقُ باليد، فإنه لا يصح التيمم به.
وشمل كلامُة ما لو ضرب على لِبَدٍ، أو بساطٍ، أو صخرةٍ، أو حيوانٍ، أو بَرْذَعَةِ حمارٍ أو شجرٍ، أو خشب، أو عِدْلِ شعيرٍ، أو نحوِهِ مما عليه غبار يعلق باليد، فإنه يصح التيمم به.
وإن خالط الترابَ ذو غبار كالجصّ والنورة، فإن كانت الغلبة للتراب جاز التيمم، وإن كانت الغلبة للمُخالِطِ لم يجز التيمُّم به، قياساً على الماء.
قاله في شرح المنتهى.

[صلاة عادم الماء والتراب]

(فإن لم يجد ذلك) أي الماء والتراب، كمن حُبِسَ بمحلٍّ لا ماءَ به ولا تراب، أو ببدنه قروحٌ أو جراحاتٌ لا يستطيع معها مسَّ البشرةِ لا بماءٍ ولا تراب، (صلَّى الفَرْضَ فقط) دون النوافل (على حَسَب حالِهِ) لأن العجز عن الشرط لا يوجب ترك المشروط، كما لو عَجَز عن السترة والاستقبال.
(ولا يزيد في صلاته على ما يجزئ) في الصلاة، فلا يقرأ زائداً على الفاتحة، ولا يُسَبِّح زائداً على المرَّة، ولا يزيد على ما يجزئ في طمأنينة ركوعٍ أو سجودٍ أو جلوسٍ بين السجدتين.
وإذا فرغ من الفاتحة ركع في الحال.
وإذا فَرَغ مما يجزئ في التشهد الأول نهض في الحال.
وإذا فرغ مما يجزئ في التشهد الأخير سلَّم في الحال.

(ولا إعادة) عليه، لأنه أتى بما أُمِرَ به.
وتبطل بحدثٍ ونحوه فيها.
وإن وجد ثلجاً، وتعذَّر تذويبه، مَسَحَ به أعضاءه لزوماً، وصلَّى ولم يُعِدْ إن جَرَى بِمسٍّ.
فإن لم يَجْرِ أعادَ.
ومثله لو صلى بلا تيمم، مع وجود طين يابس عنده، لعدم وجود ما يدقه به.

فصل

[فروض التيمم وواجباته]

(واجب التيمم التسمية) ظاهره.
ولو عن نجاسةٍ ببدنٍ.
(وتسقط سهواً).
(وفروضه) أي التيمم (خمسة): الأول من فروض التيمم: (مسحُ الوجه) سوى ما تحت شعره، ولو خفيفاً، وداخِلِ فمٍ وأنفٍ، ويكره إدخالُ الترابِ في الفمِ والأنف.
(و) الثاني من فروض التيمم: (مسح اليدين إلى الكوعين) للآية الكريمة 1. وإذا عُلِّق حكمٌ بمطلق اليدين لم يدخل فيه الذراع، كقطع يد السارق، ومسّ الفرج.
ولو أَمَرَّ المحلَّ الذي يجب مسحه في التيمم على ترابٍ، ومَسَحَه به، أو نَصَبَ المحلَّ الذي يجب مسحه لريح فعمَّه التراب، ومَسَحَه به، صحّ التيمم.
لا إن سَفَتْهُ بغير قصد.
(الثالث) من فروض التيمم: (الترتيب في الطهارة الصغرى) لا

الكبرى، (فيلزم مَنْ جُرْحُه ببعض أعضاءِ وضوئِه إذا توضأ أن يتيمم له عند غَسْلِهِ لو كان صحيحاً) فلو كان الجرح في الوجه، بحيث لا يمكنه غسل شيء منه, تيمم أوّلاً، ثم أتمّ الوضوء.
وإن كان في بعض وجهِهِ خُير بين غسل الصحيح منه ثم يتيمَّمُ للجرح منه، وبين التيمم، ثم يغسل صحيحَ وجهِهِ وُيتِمُّ الوضوءَ.
وإن كان الجرح في عضو آخر لزمه غسل ما قبله، ثم كان الحكم فيه على ما ذكرنا في الوجه.
وإن كان في وجهه ويديه ورجليه احتاجَ في كلّ عضوٍ إلى تيمّم في محلِّ غَسْلِهِ، ليحصل الترتيب.
ولو غسل صحيح وجهه، ثم تيمم له وليديه تيمماً واحداً، لم يجزئه، لأنه يؤدي إلى سقوط الفرض عن جزءٍ من الوجه واليدينِ في حال واحدة.
فإن قيل: هذا يَبْطُل بالتيمم عن جملة الطهارة، حيث يسقط الفرض عن جميع الأعضاء بالتيمم جملةً واحدة؟ قلنا: إذا كان عن جملة الطهارة فالحكم له دونها، وإن كان عن بعضها ناب عن ذلك البعض، فاعتُبر فيه ما يُعْتَبَرُ فيما ينوب عنه من الترتيب.
قاله في الشرح.
(الرابع) من فروض التيمم: (الموالاة) في الطهارة الصغرى (فيلزمه) أن يعيد (غسل الصحيح عند كل تيمم) فلو كان الجرح في رِجْلٍ، فتيمَّمَ له، عند غسلها، ثم بعد زمنٍ لا تمكن فيه الموالاة خَرَجَ الوقت، بَطَلَ تيممه، وبطلت طهارته بالماء أيضاً، لفوات الموالاة، فيعيد غسل الصحيح ثم يتيمم له عقبه.
وعُلِمَ مما تقدم أن التيمم عن جرح لو 1 كان في غسل جنابة لم تبطل طهارته بالماء بخروج الوقت، لعدم وجوب الترتيب والموالاة فيه.

(الخامس) من فروض التيمم: (تعيين النية لما يتيمم له) كصلاةٍ، وطوافٍ، ومسِّ مصحفٍ (من حدثٍ) أكبر أو أصغر (أو نجاسةٍ) على بدنه، لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يبيح الصلاة، فلم يكن بدٌّ من التعيين، تقويةً لضَعْفِهِ.
وصفة التعيين أن ينوي استباحةَ صلاةِ الظهر مثلاً، من الجنابة إن كان جُنباً، أو من الحدث إن كان محدثاً، أو منهما إن كان جنباً محدثاً، وما أشبه ذلك (فلا تكفي نية أحدهما عن الآخر).
ولو اجتمع حدثٌ ونجاسة على بدنٍ، وعيَّنَ بتيمُّمِه أحدَهما دون الآخرِ، لم يكتَفِ بهذا التيمم، ولا أحد المحدثين عن الآخر.
(وإن نواهما) أي الحدثين بتيممه الواحد، أو أحَدَ أسباب أَحَدِهما، كما لو بالَ، ومسَّ ذكره، ولَمَسَ امرأة لشهوةٍ، ونوى بتيممه أحد هذه الأسباب (أجزأ) هذا التيمم عن الجميع.
وكذا إذا وجد منه موجباتٌ للغسل، ونوى بتيممه أحدها 1، فإنه يجزئ عن جميعها.

[مبطلات التيمم]

(ومبطلاته) أي التيمم، حتى تيمم جنبٍ لقراءة قرآن، ولُبْث بمسجد، وتيممِ حائضٍ لوطءٍ، ولنجاسة ببدن، وجنازة، ونافلة، ونحوها (خمسة): أشار للأوّل بقوله: (ما أبطل الوضوء) كخروج شيء من سبيلٍ، ومسِّ فرجٍ ونحو ذلك من نواقض الوضوء المتقدمة.
هذا إذا كان تيممه عن حدثٍ أصغر، لأنه بدل الوضوء، فيبطله ما أبطله.

ويبطل تيممٌ عن حدثٍ أكبرَ بما يوجبه كالجماع وخروج المنيِّ بلذةٍ، إلا غُسْلَ حيضٍ ونفاس، إذا تيممتْ له، فلا يبطل بمبطلاتِ غسلٍ ووضوءٍ، بل بوجود حيضٍ ونفاس.
فلو تيممتْ بعد طُهْرِها من حيضٍ، له، ثم أجنبت، فله الوطء، لبقاءِ حكمِ تيممِ الحيضِ.
والوطء إنما يوجبُ حدثَ الجنابةِ.
وأشار للثاني بقوله: (ووجود الماء) لعادمِهِ إذا قدر على استعماله بلا ضرر، قال في الفروع: وإن قدر عليه في تيممه 1 بَطَلَ.
وكذا بعده قبل الصلاة.
وأشار للثالث بقوله: (وخروج الوقت) ما لم يكن في صلاةِ جُمعةٍ، ويخرج الوقت فيها، فلا يبطل ما دام فيها، ويتمُّها لأنها لا تقضى.
جزم به في الإِقناع والمنتهى.
قال في شرحه: قلت: فَيُعايا بها.
فيلزم من تيممَ لقراءةٍ ووطءٍ ونحوهِ كلبثٍ، التركُ حتى يعيد التيمم.
لكن لو نوى الجمع في وقت الثانية، ثم تيمم للمجموعة أو الفائتة في وقت الأولى لم يبطل التيمم بخروج وقت الأولى، لأنّ نية الجمع صيرت الوقتين كالوقت الواحد.
وأشار للرابع بقوله: (وزوالُ المبيحِ له) أي للتيمم، كما لو تيمم لمرض فعوفي، أو لبردٍ فزال.
ثم إن زالَ بعد صلاته، أو طوافه، لم تجب إعادته.
قال في شرح الإِقناع: قلت: فتستحب الإِعادة.
انتهى.
وأشار للخامس بقوله: (وخلع ما مسح عليه) 2 كخفٍّ وعمامةٍ، إن تيمَّم وهو عليه.
قال في الإِقناع: وإن تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه، ثم خَلَعَهُ بطل تيممه، نصًّا.
قال في شرحه: وظاهره: ولا فرق بين أن

يكون مَسَحَ عليه قبل التيمم أوْ لا.
وكذا إذا انقضت مدة المسح.
جزم بالثانية في شرح المنتهى.
(وإن وجد الماء) من تيمم لعدمه (وهو في الصلاة، بطلت) صلاته، فيتوضأ إن كان محدثاً.
ويغتسل إن كان جنباً، ويبتدئ الصلاة.
(وإن انقضت) الصلاة (لم تجب الإِعادة) ولو لم يخرج الوقت، قاله في شرح المنتهى.
والطواف كالصلاة.

[صفة التيمم]

(وصفته) أي التيمم (أن ينوي) بالتيمم استباحةَ ما تيمم له، مع تعيين الحدث الذي تيمم عنه.
(ثم يسمّي) أي يقول: "بسم الله" لا يقوم غيرها مقامها.
(ويضرب الترابَ بيديه مفرَّجتي الأصابع) ليصل الترابُ إلى ما بينها (ضربةً واحدةً).
ولو كان التراب ناعماً فوضع يديه على التراب وضعاً من غيرِ ضربٍ، فعلِقَ التراب بيديه، أجزأه.
(والأحوط اثنتان) أي ضربتان: واحدة للوجه، وأخرى لليدين.
قال في المبدع: قال القاضي والشيرازي وابن الزغوني، وهو رواية: المسنونُ ضربتان، يمسح بإحداهما وجهَة، وبالأخرى يديه إلى المرفقين.
(بعد نزع خاتَمٍ ونحوه) ليصل التراب إلى ما تحته.
فإن علق بيديه ترابٌ كثير نفخه إن شاء.
وإن كان خفيفاً كُره نفخه لئلا يذهب فيحتاج إلى إعادة الضرب.
(فيمسح وجهَهُ بباطنِ أصابِعِه وكفيه براحتيه) قال في الإِنصاف: الصحيح من المذهب أن المسنونَ والواجب ضربةٌ واحدة.
نص عليه.

وعليه جمهور الأصحاب.
انتهى.

[تأخير التيمم لمن يرجو الماء]

(ويسن لمن يرجو وجود الماء) وعالمِ وجودهِ، ومستوٍ عنده الوجود والعدم (تأخيرُ التيمُّم إلى آخر الوقت المختار) بحيث يدرك الصلاة كلها قبل خروجه، لأنه يستحب تأخير الصلاة لِإدراك الجماعة، فتأخيرها لِإدراك الطهارة أولى.
قال في شرح المنتهى: وعُلم مما تقدم أنه لو تيمَّم وصلى أوّل الوقتِ أجزأه، ولو وجد الماء بعد ذلك في الوقت، كمن صلى عريَاناً ثم قدر على سترة في أول الوقت.
وكمن صلَّى جالساً ثم بَرَأ 1 في الوقت.
انتهى.
(وله أن يصلِّيَ بتيممٍ واحدٍ ما شاء من الفرضِ والنفل) إن تيمم للفرض، (لكن لو تيمم للنفل لم يستبح الفرض) لأنه تيمم للأدنى، فلا يجوز له الأعلى.

[ما يستباح بالتيمم]

تنبيه: مَنْ نوى بتيممه استباحةَ شيءٍ تشترط له الطهارة استباحَهُ، لأنه منويٌّ، واستباح مثله ودونه، فمن نوى بتيممه صلاة الظهر مثلاً فله فعلها وفعلُ مثلِها، كفائته، لأنهما في حكم صلاة واحدةٍ، واستباح دونَهُ كالنَّفْلِ في المثال.
ولا يستبيحُ أعلى مما نواه، فمن نوى النفل لا يستبيح الفرضَ، فإن نوى نفلاً، أو أطلق النية للصلاة، بأن نوى استباحةَ الصلاة، ولم ينو

فرضاً ولا نفلاً لم يصل إلاَّ نفلاً.
فأعلى 1 ما يباح بالتيمم فرضُ عينٍ، فنذرُ صلاةٍ، ففرضُ كفايةٍ، فنافلة، فطواف نفلٍ، فمسُّ مصحفٍ، فقراءةٌ، فلُبْثٌ.
قال في الشرح: وإن نوى نافلةً أبيح له قراءة القرآن، ومسُّ المصحف، والطواف، لأن النافلة آكد من ذلك كله، لكون الطهارةِ مشترطةً لها، بالإِجماع.
قال: وإن نوى فرضَ الطوافِ استباحَ نَفْلَه، ولا يستبيح الفرضَ منه بنية النفلِ، كالصلاة.
وقال في المبدع: ويباح الطواف بنية النافلة في الأشهر، كمسّ المصحف.
قال الشيخ تقي الدين: ولو كان الطواف فرضاً.
انتهى.

باب إزَالَة النَّجَاسَة الحكميَّة

أي الطارئة على الأعيان الطاهرة، وحكمْ زُوَالِها، وذِكْرُ النجاسات، وذكرُ ما يعفى عن يسيره.
(يشترط لـ) تطهير (كل متنجّسٍ) حتى ذيلِ امرأةٍ وأسفلِ خفٍّ وحذاء (سبعُ غَسَلاتٍ) إن أنقتْ، وإلاَّ فحتّى تُنْقى، مع حتٍّ وقَرْصٍ لحاجةٍ.
(و) يشترط (أن تكون إحداهما) أي الغَسَلات السبع (بترابٍ طاهر طهور 1) ومحل هذا أن كانت النجاسة على غير الأرض.
ويشترط كون التراب يستوعب المحل المتنجس، إلا فيما يضر، فِيكفي مسمّاه.
ويعتبر ماءٌ طهور يوصل التراب إلى المحلّ، فلا يكفي ذَرُّه.
والأُولى من الغَسَلات أولى بالتراب (أو صابونٍ ونحوه) كالنُّخالة، وكل ما له قوة في الإِزالة.
(ولا يشترط استعمال التراب إلا في متنجَّسٍ بكلبٍ أو) متنجس (بخنزيرٍ) وبمتولّد من أحدهما.
(ويضرُّ بقاء طعم النجاسة) فلا يحكم بطهارة المحل المغسول مع

بقاء طعم النجاسة فيه، لدلالته على بقاء العين، ولسهولة إزالته.
(لا) يضر بقاء (لونها) أي النجاسة (أو ريحها، أو هما) أي اللون والريح (عجزاً) عن إزالتهما فإن ذلك لا يضرّ.
وإن لم تزل النجاسة إلا بملحٍ وأُشْنَانٍ ونحوِهما مع الماء لم يجب.
قال في شرح المنتهى: ويتوجه احتمال الوجوب.
ويحتَمِلُه كلام أحمد.
فعلى هذا يلطخ أثر الحبر بخردل مسحوقٍ مجبولٍ بماء، ثم يغسل بماء وصابون.
(ويجزئ في بولِ) لا غائطِ (غلامٍ) احترز به عن بول الجارية والخنثى (لم يأكل الطعام بشهوةٍ) قال الإِمام أحمد رحمه الله تعالى: الصبيُّ إذا طَعِمَ الطعامَ وأراده واشتهاه غُسِل بوله، وليس إذا أُطْعِمَ، لأنه قد يلعَقُ العسَلَ ساعةَ يولدَ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حَنَّكَ بالتمر (نَضْحُه، وهو غَمْرُهُ بالماء) 1 وإن لم ينفصل الماء عن المحل.
ويطهر بالنضح.
وكذا قيئه، وهو أخفُّ من بوله، فيكفي نضحه بالأوْلى.
والحكمة فيه أن بول الغلام يخرج بقوَّةٍ فينتشر، أو أنه يكثر حمله على الأيدي، فتعظُمُ المشقةُ بغسله، أو أن مزاجَهُ حارٌّ فبوله رقيق، بخلاف الجارية.
وقال الشافعي: لم يظهر لي فرقٌ من السُّنَّة بينهما.
وأفاد ابن ماجة في سننه: أن الغلام أصله من الماء والتراب، والجارية من اللحم والدم 2. (ويجزئ في تطهير صخرٍ) وأَجْرِنَة حَمَّامٍ ونحوه، صغارٍ مبنية، أو كبارٍ مطلقاً، قاله في الرعاية، وحيطانٍ، (وأحواضٍ، وأرضٍ تنجست بمائع،) كبول (ولو من كلبٍ أو خنزيرٍ مكاثَرَتُها بالماءِ) ولو من مطرٍ أو سيلٍ (بحيثُ يَذْهَبُ لون النجاسة وريحُها) لأن بقاءهما، أو بقاء

أحدهما، يدل على بقاء النجاسة، ما لم يعجزْ عن إذهابهما أو إذهاب أحدهما.
قال في المبدع: وإن كان مما لا تزال إلا بمشقة سقط، كالثوب، ذكره في الشرح.
(ولا تطهر الأرض) المتنجّسة (بالشَّمس، و) لا بـ (الريح)، ولا بـ (الجفاف، و) لا تطهر (النجاسة بالنار) فرمادها نجس، ولا بالاستحالة، فالمتولد منها كدودِ جُرْحٍ: وصراصِرِ كُنُفٍ، أو كلابٍ تُلقى في الملاَّحة فتصيرُ ملحاً، نجس.
(وتطهر الخمرة بإنائِها) كمحتفر من الأرض فيه ماء كثير حُكِمَ بنجاسته بتغيّرها بها، ثم زال تغيره بنفسه، فإنه يُحْكَم بطهارةِ محله من الأرض تَبعاً له.
(إن انقلبت خلاً بنفسها.) فعلم منه أنها لو خُلِّلتْ، أو نُقِلَتْ 1 لقصد التخليل أنها لا تطهر.
وهو المذهب.
كذا في شرح المنتهى.
قال شيخنا الشيخ عبد الباقي مفتي الحنابلة بالديار الشامية: إن الإِناء يطهر إذا كان تنجُّسُه بالخمرة التي خُلِّلتْ، فإن كان متنجساً بغيرها من خمرٍ أو غيره لم يطهر بتخللها فيه.
(وإذا خفي موضع النجاسة) في بدنٍ أو ثوبٍ (غُسِلَ) كل محلٍّ احتمل أن النجاسة أصابته من البدن والثوب (حتى يتيقَّن غَسْلها) فإن لم يعلم جهتها من البدن أو الثوب، بأن لم يعلم هل كانت مما يقع عليه نظره من ذلك أوْ لا، غَسَلَهُ كلَّه.
وإن علمها في أحد الكمَّين ونسيه، غسلهما.
وإن رآها في بدنِهِ أو ثوبه الذي عليه غَسَل كل ما يدركُه بصرُه من بدنِهِ، أو ثوبِه، لا إن خفيت النجاسة في صحراء، أو حَوْشٍ واسع، ونحوهما، فإنه لا يجب غسل جميعه، ويصلَّى فيهما بلا تحرٍّ.

فصل

[في النجاسات]

(المسكر المائع) نجس سواء كان خمراً أو غيرَه مما فيه شِدَّةٌ مُطربَة.
(وكذا الحشيشة) المسكرة نجسة، قاله: في شرح المنتهى، وكذا في الإِقناع.
ظاهره، أميعت أوْ لا.
(وما لا يؤكل من الطير والبهائم مما فوقَ الهر خِلقةً) أي في الخلقة (نجس) فدخل فيما لا يؤكل من الطير سِباعُها: كالعُقَاب، والصَّقْر، والحِدَأةِ، والبُومة، وما يأكل الجِيفَ منها كنَسْرٍ، ورَخَمٍ، وعقْعَقٍ، وغُرابِ بَيْنٍ، وأبْقَعَ.
1 ودخل فيما لا يؤكل من البهائم: الفيلُ، والبغل، والحمار، وسباعُها مما فوق الهرّ: كالأسد، والنمر، والذئب، والفهد، والكلب، وابن آوى، والدّبّ، والقرد؛ وما تولد بين مأكول وغيره كالسِّمْعِ ولد الضَّبْعِ من الذّئب؛ (وما دونها) أي الهرة أو مثلها 2 (في الخلقة) طاهر وذلك (كا) لنِّمْسِ، والنَسْنَاسِ، وابن عِرْسِ، والقُنْفذِ، و (الحيّة) ولم أرها لغيره 3 (والفأر) صرح بذلك كلِّه، إلا الحيّة، في شرح المنتهى.
(والمسكر غير المائع) كجوزة الطيب (فطاهر).
(وكلُّ ميتةٍ نجسِةٌ) طاهرةً في الحياة أوْ لا (غيرَ ميتةِ الآدميّ) فإنها طاهرة، لأنه إذا نَجُسَ بالموت لم يطهر بالغَسْل كالحيوانات التي تَنْجُس بالموت.

وحكم أجزاء الآدمي وأبعاضِهِ حكمُ جُمْلَتِهِ.
(و) غيرَ ميتةِ (السمك) وسائر حيواناتِ البحر مما لا يعيش إلا في الماء، لأنها لو كانت نجسة لم يُبَحْ أكلها.
(و) كذا الجرادُ (وما لا نفْسَ) أي لا دَمَ (له سائلةٌ كالعقربِ، والخُنْفُساء، والبَقّ، والقَمْل، والبَرَاغيث،) والعنكبوت، والصراصر، إن لم تكن متولِّدة من النجاسة، طاهر.
(وما أُكِلَ لحمه، ولم يكن أكثر علفه النجاسة فبوله، ورَوْثُهُ، وقَيْئُه، ومَذْيُهُ، وَمنيُّه،، وَوَدْيُهُ، ولبنه، طاهر.) وأما ما كان أكثر عَلَفِه النجاسة، قَبْل حَبْسِهِ ثلاثاً، فبوله ولبنه وبيضه نجس.
(وما) ذكر من البول وغيره، إذا كان مما (لا يؤكل) كالهر والفأر (نَجسٌ).
ولا يُعْفَى عن يسير شيءٍ منها، لأن الأصل، عدم العفو عن النجاسة إلا ما خَصَّه الدليل.
(إلا منيَّ الآدميّ) فطاهر.
قال في الإِقناع: "ولو خرجَ بعد استجمارٍ" انتهى.
والمراد بالاستجمار ما استوفى الشروط، (ولَبَنَهُ) أي الآدميّ (فطاهرٌ).
(والقيح) نجس (والدم) نجس، إلاَّ دَمَ الشهيد عليه 1، فإنه طاهر.
(والصديد نجس).
(ولكن يعفى في الصلاة عن يسيرٍ) لا كثيرٍ (منه) أي من الدم والقيح والصديد، ولو من غير مصلٍّ، لأن الإِنسانَ غالباً لا يَسْلمُ منه.
وهو قول جماعةٍ من الصحابةِ والتابعينَ فمن بعدهم، ولأنَّهُ يشقّ التحرُّز

منه، فعفي عن يسيره، كأثر الاستجمار.
وفُهِمَ من قوله: في الصلاة، أنه لا يعفى في المائع والمطعوم عن شيء منه، ولو لم يدركْهُ الطَّرْف، كالذي يَعْلَقُ بأرجل الذباب.
صرح به في الإِقناع.
وقدْرُ المعفوّ عنه الذي (لم ينقض) الوضوء (إذا كان من حيوانٍ طاهرٍ في الحياةِ) آدميًّا كان، أو غيرَه يؤكَلُ، كالإِبل، والبقرَ أوْ لا كالهرّ، بخلافِ الحيوان النجسِ كالكلبِ، والبغل، والحمار، فلا يعفى عن شيء مما ذكر منه (ولو) كان (من دَمِ حائضٍ) أو نفساءَ أو مستحاضةٍ.
(وُيضَمُّ يسيرٌ) نجسٌ يعفى عن يسيره (متفرقٌ بثوب) واحد، كما لو كان بثوبٍ بقعٌ من دمٍ أو قيحٍ.
فإن كان يصير بضمّه كثيراً مُنِع من الصلاة فيه (لا) إن كان في (أكثر) من ثوبٍ، فإنه لا يضم، ويكون لكل ثوبٍ حكمٌ بنفسه.
قال في شرح الإِقناع: "ولو كانت النجاسة في شيء صفيقٍ قد نَفَذَتْ فيه من الجانبين، فهي نجاسة واحدة.
وإن لم تتصل، بل كان بينهما شيء لم يصبه الدم، فهما نجاستان إذا بَلَغا لو جمعا 1 قدراً لا يعفى عنه لم يعف عنها، كجانبي الثوب" انتهى ويعفى عن نجاسةٍ بعينٍ.
والبلغَمُ ولو أزرقَ طاهر.
(وطينُ شارع ظُنَّتْ نجاسَتُهُ) طاهرٌ.
قال في الرعاية: "وطينُ الشوارعِ طاهرٌ إن جُهِلَ حالُه.
أومأ إليه أحمد" انتهى.
قال في الإِقناع: "ويعفى عن يسيرِ طينِ شارعٍ تحققت نجاست".
ويعفى عن يسيرِ سَلَسِ بَوْلٍ، مع كمال التحفُّظ.

(وعَرَقٌ ورِيقٌ من) حيوان (طاهر) مأكولٍ أو غير مأكولٍ (طاهرٌ).
(ولو أكلِ هرٌّ ونحوه) من الحيوانات الطاهرة كالنَّمس والفأْرِ والقُنْفُذِ (أو) أكل (طفلٌ نجاسةً، ثم شَرِبَ من مائِعٍ لم يَضُرَّه) 1 ولو قَبْلَ أن يغيب.
قال في المبدع: "ودَلَّ أنه لا يُعفى عن نجاسةٍ بيدها أو رِجْلها.
نص عليه أحمد".
(ولا يكره) استعمال (سُؤْرِ) بضم السين والهمزة 2 (حيوان طاهر.
وهو فضلةُ طعامِهِ وشرابِهِ.) تتمّة: إذا وقع في المائع هرٌّ ونحوه مما ينضمّ دُبُرُه، وخرج حيًّا، لم يؤثٍّر ذلك.
وكذا لو وقع في جامدٍ، وهو أي الجامِد، ما يمنع انتقال النجاسة فيه لكثافته.
وإن مات حيوان ينجس بالموت، أو وَقَع ميتاً رطباً في دقيق، ألقي وما حولَه واستُعْمِل الباقي.
وإن اختلط ولم ينضبط حرم الكلّ.
نقله صالح وغيره.

باب الحَيْض

هو دمُ طبيعةٍ وجِبِلَّةٍ، يخرج مع الصحة، من غير سبب ولادةٍ، في أوقات معلومة.
(لا حيض قبل تمامِ تسعِ سنين) فمن رأت دماً قبل بلوغ هذا السن لا يكون حيضاً.
قال في الشرح: "لا نعلم في ذلك خلافاً".
(ولا) حيض (بعد خمسين سنة) لقول عائشة رضي الله عنها: "إذا بلغت المرأةُ خمسينَ سنةً خرجتْ من حد الحيض".
وروي عنها رضي الله عنها أنها قالت: لن ترى المرأة في بطنها ولداً بعد الخمسين.
(ولا) حيض (مع حملٍ) فلا تترك الصلاة لما تراه.
ولا يُمْنَعُ وطؤها، إن خاف العنت.
وتغتسل عند انقطاعه، استحباباً.

[أقل الحيض وأكثره وغالبه]

(وأقل الحيض يومٌ وليلةٌ)، قال في شرح الإِقناع: "والمراد: مقدار يوم وليلة، أي أربع وعشرون ساعةً، فلو انقطع الدم لأقل منه فهو دم فساد".
(وأكثره خمسةَ عشرَ يوماً) بلياليهن.

(وغالِبُهُ) أي الحيض (ستٌّ) من الأيام (أو سبع) من الأيام 1 (وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً) لما روى الإِمام أحمد رحمه الله تعالى، واحتجّ به، (عن عليٍّ رضي الله عنه، أن امرأة جاءته، وقد طلّقها زوجها، فزعمت أنها حاضت في شهرٍ ثلاثَ حِيَضٍ، فقال عليٌّ لِشُرَيْحٍ: قُلْ فيها.
فقال شريح: إن جاءت ببيِّنَةٍ من بِطَانَةِ أهلِها، ممن يُرْضَى دينه وأمانَتُه، فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة.
فقال عليّ: قالُونْ" 2 أي: جَيّدٌ، بالروميّة.
وهذا لا يقوله إلا توقيفاً.
وهو قول صحابيٍّ انتشر، ولم يُعلَمْ خلافُه.
قال الإِمام أحمد: لا يُخْتَلَفُ أن العدَّة يصحُّ أن تنقضي في شهر، إذا قامَتْ بِهِ البيّنة.
(وغالِبُهُ) أي الطُّهْرُ بين الحيضتين (بقيَّةُ الشهر) بعد القدر الذي تجلسه، فمن كانت تَحيض في كل شهرٍ ستًّا أو سبعاً فالغالب أن طُهْرَها ثلاثةٌ وعشرون يوماً، أو أربعة وعشرون يوماً، لأنَّ غالب النِّساءِ يَحِضْنَ في كل شهر حيضةً.
(ولا حدّ لأكثره) أي لأكثرِ الطهر بين الحيضتين، لأنه لم يَرِدْ لأكثره تحديدٌ من الشرع، ولأنَ من النساءِ من تطهرُ الشهرَ والثلاثةَ والسنةَ وأكثرَ من ذلك، ومنهن من لا تحيضُ أصلاً.

[ما يحرم بالحيض]

(ويحرم بالحيضِ) أي بوجوده (أشياءٌ): (منها) وهو الأول: (الوطء في الفَرْجِ) لقولِهِ تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ إلا لمن به شَبَقٌ،

بشرط أن لا تندفع شهوته بدون الوطء في الفرج، ويخافَ تَشَقُّقَ أُنْثَيَيْهِ إن لم يَطأْ، وأنْ لا يجد غيرَ زوجتِهِ الحائضِ، بأن لا يقدرَ على مَهْرِ حرَّةٍ، ولا ثمنِ أمةٍ.
(و) منها (الطلاق) وهو الثاني: وهو طلاقُ بِدْعَةٍ، لما فيه من تَطْويلِ العدّة.
ويقع.
(و) منها (الصلاة) وهو الثالث: أي فِعْلُها، فلا يجوز لها فعل شيءٍ منها فرضاً ولا نفلاً.
(ومنها) (الصوم) وهو الرابع: أي فعلُ الصوم.
لكن تقضي الصومَ، إجماعاً، كذا في شرح المنتهى.
(و) منها (الطواف) وهو الخامس: أي صحةُ فعله، لقيام المانع بها.
والفرضُ والنفلُ في ذلك سواء.
(و) منها (قراءة القرآن) وهو السادس: لقول النبيّ - صلى الله عليه وسلم -:"لا تقرأ الحائضُ، ولا الجُنُبُ، شيئاً من القرآن" رواه أبو داود 1. وقال الشيخ: إذا ظنَّتْ نسيانَه وجبتْ.
(و) منها (مسُّ المصحف) وهو السابع: وفاقاً، لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾.
(و) منها (اللبثُ في المسجد) وهو الثامن: لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا لجُنُبِ" 2 رواهُ أبو داود.
وكذا تُمْنَعُ من (المرور فيه) أي المسجد (إن خافت تلويثَه.) قال في رواية ابن إبراهيم: تَمُرُّ ولا تَقْعُد.
وهو التاسع.

[ما يوجبه الحيض]

(ويوجب الحيض) خمسة أشياء: الأول: (الغسل) عند انقطاع دم الحيض، كذا في شرح المنتهى.
(و) الثاني مما يوجبه الحيض: (البلوغُ) لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقْبَلُ الله صلاةَ حائضٍ إلا بِخمارٍ" 1 رواه أحمد.
(و) الثالث مما يوجبه الحيض: (الكفارةُ بالوطءِ فيه، ولو) كان الواطئُ (مكرهاً) على الوطء، (أو ناسياً) للحيض، (أو جاهلَ الحيضِ والتحريمَ).
وتجزئ الكفارةُ إن أعطاها إلى مسكينٍ واحد، كنذرٍ مطلقٍ، وتسقط بعجزه.
(وهي) أي كفارة الوطء في الحيض (دينارٌ، أو نصفهُ، على التخيير) فإن أخرج ديناراً فهو المقدار الواجب.
قال في شرح المنتهى: فإنْ قيل: كيف يخيَّر بين شيءٍ ونصفِه؟ قلنا: كما يخيَّر المسافر بين القصر والإِتمام.
انتهى.
ولا فرق بين كون الوطء في أوله أو آخره.
(وكذا هي) أي وكالرجل المرأةُ في وجوب الكفارة عليها (إن طاوعت) الواطئَ على الوطء.
والرابع: الاعتداد به.
والخامس: الحكم ببراءَةِ الرَّحِمِ في الاعتداد به، إذ العلة في مشروعية العدة في الأصل العلمُ ببراءة الرحم.
(ولا يباح بعد انقطاعه) أي دمِ الحيض (وقبل غُسلِها، أو تيمُّمِها

غير الصوم) لأن وجوبَ الغسل لا يَمْنَعُ فعله، كالجنب (و) غيرُ (الطلاقِ) لأن تحريمه لتطويلِ العدة بالحيض، وقد زال ذلك.
(و) غيرُ (اللبثِ بوضوءٍ في المسجد.) وفي الكافي: يزول بانقطاعه أربعة أشياء: سقوط فرض الصلاة، ومنع صحة الطهارة له، وتحريمُ الصلاة، والطلاق.
(وانقطاعُ مبتدأُ (الدَّمِ) مضافٌ إليه أي دَمُ الحيض والنفاس (بأنْ لا تتغيَّر قطنةٌ احتشت بها في زمنِ) متعلق بانقطاع (الحيضِ) مضاف إليه (طهرٌ) خبر المبتدأ.
والمعنى: وإن طهرتْ أثناءَ عادَتِها طهراً خالصاً لا تتغير معه القطنةُ إذا احتَشَتْها، ولو أقلَّ مدةٍ، فهي طاهرٌ، تغتسل وتصلي وتفعل ما تفعلُهُ الطاهرات، لأن الله تعالى وَصَفَ الحيض بكونه أذًى، فإذا ذَهَب الأذى وجب زوال الحيض.
(وتقضي الحائض و) كذلك (النفساءُ الصومَ، لا الصلاةَ) لأنَّه يَشُقُّ لتكرُّرِهِ وطول مُدَّته.
فإن أحبت القضاء فظاهرُ نقلِ الأثرمِ المنعُ.
قال في الفروع: "ويتوجه احتمالٌ: يكره، لكونه 1 بدعةً".
كما رواه الأثرم عن عكرمة.
ولعل المراد: إلاَّ ركعتي الطواف، لأنها نسكٌ لا آخِرَ لوقته.
فيعايا بها.
كذا قال في المبدع.

فصل

[في المبتدأة]

المبتدأة بصفرةٍ أو كدرةٍ تجلس بمجرّد ما تراه أقلَّ الحيض، ثم تغتسل، وتصلي.
فإذا انقطع ولم يجاوزْ أكثَرَه اغتسلت أيضاً.
تفعلُه

ثلاثاً.
فإن لم يختلف صار عادة.
وتعيد صوم فرض ونحوه كالطواف والاعتكاف الواجبين إذا وقعا فيه، لا إن أَيِستْ قبل تكراره، أو لم يعد.
ويحرم وطؤها قبل تكراره زَمَنَ الدم الزائد على اليوم والليلة.

[المستحاضة ومن حَدَثُه دائم]

(ومن جاوز دمها خمسة عشر يوماً فهي مستحاضة) لأن دمها لا يصلح أن يكون حيضاً، لمجاوزته أكثره، فتجلس أقلّ الحيض من كل شهرٍ حتى يتكرر في ثلاثة أشهرٍ فتجلسُ من مثل أولِ وقتِ ابتدائِها من كل شهر ستًّا أو سبعاً، بِتَحَرٍّ إن علمت وقت ابتداءِ الدَّمِ بها، أو (تجلس من) أول (كل شهرٍ) هلاليٍّ إن جهلت وقت ابتداءِ الدم بها (ستًّا أو سبعاً) بتحرٍّ.
هذا كله (حيث لا تمييز) فإن كان هناك تمييزٌ بأن كان بعضُه ثخيناً، أو أسودَ، أو مُنْتِناً، وصلح حيضاً، بأن لم ينقص عن يومٍ وليلةٍ، ولم يزد على خمسةَ عَشَرَ يوماً، تجلسُه، أي تَدَعُ زمنه الصومَ ونَحْوَهُ مما تشترط له الطهارة، (ثم تغتسلُ وتصومُ وتصلِّي بعد غَسْلِ المحلِّ) لِإزالةِ ما عليه من الدم (وتعصيبِهِ) تعصيباً يمنع الخارجَ حسب الإِمكانِ، من حشوٍ بقطنٍ، وتشدُّهُ بخرقةٍ طاهرةٍ.
وتَسْتَثْفِر المستحاضةُ إن كان دمها كثيراً، بخرقةٍ مشقوقةِ الطرفين، تشدهما على جنبها ووسطها على الفرج.
ولا يلزمها إعادة الغُسْلِ والعَصْبِ لكل صلاة إن لم تفرط.
(وتتوضأ في وقت كل صلاةٍ) إن خرج شيء.
قال في شرح المنتهى: "وعُلِمَ مما تقدم أنه إذا لم يخرج شيء لم يجب وضوء".
(وتنوي بوضوئها الاستباحةَ) دون رفع الحدث، لمنافاة وجودِهِ نية رفعِهِ 1. وسواء انتقضت طهارتها بخروج الوقت، أو طُرُوءِ حدَثٍ آخر.

ويرتفع الحدَثُ عمن حدثه دائم بنية الاستباحة.
(وكذا يَفْعَلً) مِنْ غَسْلِ المحلِّ، وعصْبِهِ، والوضوء في وقت كل صلاةٍ (كلُّ مَنْ حدثُه دائمٌ) كمن به سَلَسُ بولٍ، أو مذيٍ، أو ريحٍ، أو جرحٌ لا يرقأُ دمه، ومن به رعافٌ دائمٌ.
وإن اعتيدَ انقطاعُ الحدثِ زمناً يتَّسع للصلاةِ المفروضَةِ، والطهارةِ، تعيَّنَ للعبادة.
وإن عَرَضَ هذا الانقطاع، لمن عادتُهُ الاتصال، بَطَلَ وضوؤه.
ومن تمتنع قراءتُه أو يلحقه السلس قائماً، صلى قاعداً.
ومن لم يلحقْهُ إلا راكعاً، أو ساجداً، ركع وسجد، كالمكان النجس.
(ويحرم) على زوجٍ وسيّدٍ (وطء المستحاضة) من غير خوفِ العَنَتِ منه أو منها.
فإن كان أبيح، ولو وجد الطول لنكاح غيرها.
(ولا كفارة) فيه.

[النفاس]

(والنفاسُ لا حدّ لأقلِّه.) وبه قال الثوريّ والشافعيُّ.
وهو دمٌ ترخيه الرَّحِمُ، مَعَ ولادةٍ، أو قبلها بيومين أو ثلاثة.
بأمارة، وبعدها إلى تمام الأربعين من ابتداءِ خروجِ بعضِ الولدِ.
(وأكثرُهُ أربعون يوماً.) فإن جاوزها، وصادف عادةَ حيضها، ولم يزد عن العادة، فالمجاوزُ حيضٌ.
أو زادَ، وتكرر، ولم يجاوز أكثر الحيض فالزائد حيض، لأنه دمٌ متكرر في زمن يصلح أن يكون حيضاً، أشبه ما لو لم يكن قبلِهِ نفاسٌ.
(ويثبثُ حكمُه) أي النفاسُ (بوضعِ ما يتبين فيه خلقُ إنسانٍ) فلو وضعت عَلَقَةً، أو مضغةً لا تخطيط فيها، لم يثبتْ لها بذلك حكم النفاس.

(فإن تخلَّلَ الأربعين نَقَاءٌ فهو طُهْرٌ) ولو كان أقل من يومٍ كالنقاءِ زمن عادة الحيض، (لكن يُكْرَهُ وطؤها فيه) لأنه لا يؤمن من العود في زمن الوطء، فيكون وطؤُها في نفاسٍ.
(ومن ولدت ولدين فأكثر فأول مدة النفاس من الأول) لأنه دمٌ خرج عقب الولادة، فكان نفاساً.
(فـ) ــــعلى هذا (لو كان بينهما أربعون يوماً) فأكثر (فلا نفاسَ للثاني) نصّ عليه، لأن الولد الثاني تبعٌ للأول، فلم يعتبر في آخر النفاس، كما لم يعتبر في أوله.
(وفي وطء النفساءِ ما في وطء الحائض) من وجوب الكفارة بالوطء فيه.

[قطع الجماع والحيض بالدواء]

(ويجوز للرجلِ شُرْبُ دواءٍ مباح) لا محرّم (يمنع الجماعَ) ككافور ونحوِه.
(وللأنثى شربه) أي الدواءِ المباح لِإلقاء نطفةٍ و (لحصولِ الحيضِ، ولقطعِهِ) أي الحيض.
قال في الإِقناع: "مع أمن الضرر".
ولا يجوز ما يقطع الحمل.
وليس لأحد أن يسقيها دواءً مباحاً لقطع الحيض بلا علمها لِإسقاط حقها مطلقاً من النسل المقصود.

باب الأذَان والإقَامة

الأذان لغةً: الإِعلام، وشرعاً: إعلامٌ بدخول وقت الصلاة، أو قربِهِ لفَجْرٍ فقط.
والإِقامة في الأصل مصدرُ أقامَ.
وحقيقته إقامة القاعِدِ.
وفي الشرعِ إعلامٌ بالقيام إلى الصلاة، بذكرٍ مخصوص فيهما 1. والأذانُ أفضل من الإِقامة والإِمامة.
(وهما) أي الأذان والإِقامة (فرضُ كفايةٍ) لأنهما من شعائر الإسلام 2 الظاهرة، فكانا فرضَ كفايةٍ كالجهاد (في الحضَر) في القرى والأمصار (على الرجال) متعلق بقوله: "فرض كفاية" وعنه 3: والرجلِ الواحدِ (الأحرارِ) فلا يجبان على الأرِقَّاءِ.
(ويسنَّانِ للمنفرد) لما روى عُقْبَةُ بن عامر، قال: "سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يَعْجَبُ ربُّكَ من راعي غَنَمٍ في رأسِ الشَّظِيَّة لِلْجَبَل، يؤذِّنُ بالصلاة، ويصلّي.
فيقولُ الله عز وجل: انظُروا إلى عبدي هذا، يؤذِّن ويقيم الصلاة، يخافُ منّي، قد غفرت لعبدي، وأدخلته

الجنة.
" رواه النسائي 1. (و) يسنَّانِ (في السفر).
(ويكرهان) أي الأذانُ والإِقامة (للنساءِ) والخناثى.
(ولو) كان الأذان والإِقامة من النساء والخناثى (بلا رفعِ صوت).
قال في الفروع: ويتوجَّهُ في التحريم 2 جهراً الخلافُ في قراءةٍ وتلبيةٍ.
انتهى.
(ولا يصحّانِ) أي الأذان والإِقامة (إلا مرتَّبَيْنِ) لأنَّهما ذكرٌ مُعْتَدٌ به، فلا يجوز الإِخلال بِنَظْمِهِ كأركان الصلاة.
(متواليين عرفاً) لأن المقصود منهما الإِعلام، ولا يحصل إلا بالموالاة.
(وأن يكونا) أي الأذان والإِقامة (من واحدٍ) فلو أتى واحد ببعضِهِ، وكَمَّله آخر، لم يُعتدَّ به، ولو كان ذلك لعذرٍ، بأن مات أو جن أو نحوه، من شَرَعَ في الأذان أو الإِقامة فكمّله الثاني.
وإن نكَّسهما، أو فرَّق بينهما بسكوتٍ طويلٍ، ولو بنومٍ أو إغماء أو جنونٍ أو بكلامٍ محرَّمٍ وإن كان يسيراً، أو كثيراً مباحاً، لم يعتدّ به.
(بنيةٍ منه) لحديث: "إنما الأعمال بالنيات".

[شروط الأذان وسننه وآدابه]

(وشُرِطَ) بالبناء للمفعول، في المؤذّن الذي يعتدّ بأذانه، ستة شروط: الأول: (كونه مسلماً) لاشتراط النية فيه، وهي لا تصحُّ من كافرٍ.

الثاني: كونه (ذكراً) قال في الفروع: ولا يعتدّ بأذان امرأةٍ اتفاقاً، وخنثى.
الثالث: كونه (عاقلاً) فلا يصح من مجنون، كسائر العبادات.
الرابع: كونه (مميزاً) فلا يشترط أن يكون المؤذن بالغاً.
الخامس: كونه (ناطقاً).
السادس: كونه (عدلاً ولو ظاهراً) فلا يعتدّ بأذان ظاهرِ الفسقِ، لأنه - صلى الله عليه وسلم -: "وصف المؤذنين بالأمانة" 1 والفاسق غير أمينٍ.
قال في الشرح: "فأما مستور الحال فيصح أذانه بغير خلاف علمناه".
(ولا يصحّان) أي الأذانُ والإِقامةُ (قبلَ الوقت) لأن الأذان شُرِع للِإعلام بدخول الوقت، وهو حث على الصلاة، فلم يصحّ في وقتٍ لا تصحُّ فيه الصلاة.
والإِقامةُ شرعتُ للإِعلام بالقيامِ للصلاةِ، فلم تصحّ في وقت لا تصح فيه الصلاة (إلا أذانَ الفجر، فيصحُّ بعد نصف الليل) لأن وقتَ الفجر يدخلُ على الناس، وفيهم الجُنبُ والنائم، فاستُحِبَّ تقديمُ أذانِهِ حتّى يتهيأوا لها، فيدركوا فضيلة أول الوقت.
(ورفعُ الصوتِ) بالأذان (ركنٌ) ليحصل السماعُ (ما لم يؤذِّن لحاضِرٍ) فبقدْرِ ما يُسْمِعُه.
قال أبو المعالي: رفعُ الصوت بحيث يسمَعُ من تقومُ به الجماعَةُ ركن.
(وسُنَّ) بالبناء للمفعول (كونًهُ) أي المؤذن (صَيِّتاً) أي رفيعَ الصوت، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اختار أبا محذورة للأذان لكونِهِ صَيِّتاً، ولأنه أبلغ في الإِعلام المقصودِ بالأذان.
وَسُنَّ أيضاً كونه (أميناً) لأنه يؤذن على موضع عالٍ فلا يُؤْمَنُ منه النظر إلى العورات.

وسُنَّ أيضاً كونُهُ (عالماً بالوقت) ليتحرّاه، فيؤذَنَ في أوله.
ولأنه إذا لم يكن عالماً بالوقت لا يُؤْمَن منه الخطأ.
واشترطه أبو المعالي.
وسُنَّ أيضاً كونه (متطهراً) من الحدثين الأكبر والأصغر.
والإِقامة آكدُ من الأذان، لأنها أقرب إلى الصلاة.
وسن أيضاً كونه (قائماً فيهما) أي في الأذان والإِقامة، أما في الأذان فَلِمَا رَوَى أبو قتادةَ: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ لبلالٍ قُمْ فأذّن" 1 وكان مؤذنو رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يؤذنونَ قياماً.
وأمَّا في الإِقامة، فلأن المقيمَ يدعو الناس إلى القيامِ إلى الصلاة، والداعي إلى شيءٍ أوْلى بالمبادرة إلى ما يدعو إليه غيرَه، ولأنها أحَدُ الأذانَيْنِ، فشُرِع لها القيام كالآخر.
فيكرهان قاعداً لِغَيْرِ مسافرٍ ومعذور.
(ولكن لا يكره أذانُ المُحْدِث) حدثاً أصغرَ كقراءَةِ القرآن.
ويكره أذان جُنُبِ للخلافِ في صحته.
(بل) تُكْرَهَ (إقامته) أي المحدث حدثاً أصغر، لَلفصل بينها وبين الصلاة (وُيسَنُّ الأذانُ أوَّلَ الوقتِ) ليصلي المستعجل 2. (و) يسن (الترسّل فيه) أي في الأذان، أي يتمهل المؤذّن، ويتأنَّى فيهِ، مِنْ قولِهِم: جاء فلانٌ على رِسْلِه، أيْ على مَهْلِهِ.
ويسن أن يَحْدُرَ الإِقامة.
(و) يسن (أن يكون) الأذان (على عُلوٍ) أي على موضعٍ عالٍ، كالمنارة، ونحوِها، لأنه أبلغ في الإِعلام.
ويسنُّ أن يكون المؤذن (رافعاً وجْهَهُ) إلى السماءِ في حال أذانِهِ.

قال في الإِنصاف: يرفع وجهَهُ إلى السماء في الأذان كله على الصحيح من المذهب.
انتهى.
وقيل: عند الشهادتين.
وقيل: عند كلمة الإِخلاص.
ويسن أن يكون (جاعلاً سَبَّابَتَيْهِ في) صماخ (أُذُنَيْهِ) لأمره - صلى الله عليه وسلم - بلالاً أن يجعل إصبَعَيْهِ في أذنيه.
ويسن أن يكون (مستقبلَ القبلة)، قال في الشرح الكبير: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من السنّة أن يستقبل القبلة بالأذان كله.
وذلك لأنّ مؤذني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يؤذنون مستقبلي القبلة.
فإنْ أخلَّ باستقبال القبلة كره له ذلك وصح.
انتهى.
و (يلتفت) برأسِهِ وعُنقِهِ وصدره (يميناً لحيَّ على الصلاة، وشمالاً لحيَّ على الفلاح).
(ولا يزيل قدميه).
قال في حاشية المنتهى: قوله: ولا يزيل قدميه، أي سواء كان على منارةٍ أو غيرِها، أو على الأرض.
قال في الإِنصاف: وهو المذهب، وعليه الأصحاب، وجزم به أكثرهم.
وقال القاضي والمَجْدُ وَجَمْعٌ: (ما لم يكن بمنارةٍ) ونحوِها.
(و) يسن (أن يقول بعد حَيْعَلَةِ أذان الفجر) وفاقاً لمالكٍ والشافعيِّ، والحيعلة قولُ: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح: (الصلاةُ خيرٌ من النوم.
مرتين).
(ويسمَّى) قول: الصلاة خيرٌ من النوم (التثويبَ) لأنه من ثاب -بالمثلثة - إذا رجع، لأن المؤذن دعا إلى الصلاة بالحيعلتين، ثم دعا إليها بالتثويب.
وقيل: سمّي به لما فيه من الدعاء.
وظاهره أنه يقوله ولو أذّن قبل الفجر.
ويكره في غيرها، وبين الأذان والإِقامة.

(ويسن أن يتولى الأذانَ والإِقامةَ واحدٌ) أي أن يتولى الإِقامة من يتولى الأذان (ما لم يشقَّ) ذلك على المؤذن، مثلَ أن يؤذن في منارة، أو مكان بعيد عن المسجد، فإنه يقيم في المسجد، لئلا تفوته بعض الصلاة.
لكن لا يقيم إلا بإذن الإِمام.
قال في الإِنصاف: وهو المذهب، وهو من المفردات.
(ومَنْ جمَع) بين الصلاتين (أو قضَى فوائتَ، أذَّن للأولى) من المجموعتين أو الفوائت (وأقام للكل) أي لكل صلاة.
ولا فرق في ذلك بين كون الجمع تقديماً أو تأخيراً.

[إجابة المؤذن]

(وسنَّ) للمؤذن، و (لمن سمع المؤذنَ، أو) سمع (المقيمَ) وللمقيمِ (أن يقول مثلَهُ) ولو ثانياً، وثالثاً 1، ولو كان السامعُ في طوافٍ أو قراءةٍ، أو كان السامع امرأةً (إلا في الحيعلة، فيقولُ) مجيب المؤذن والمقيم: (لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله) هذا مستثنًى من قوله: مثلَه، يعني أنّ السامعَ يجيب المؤذنَ والمقيمَ، والمؤذَنُ والمقيمُ 2 يجيبُ نفسَه، بأن يقول مثل ما يقول، إلا إذا قال المؤذن أو المقيم: حيَّ على الصلاة.
حيَّ على الفلاح.
فإنه هُوَ والسامعُ يقولان: لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العليّ العظيم.
(و) إلا (في التثويب) وهو قول المؤذن في أذأن الفجر: الصلاة خير من النوم، فإن سامعه يقول: (صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ) بكسر الراء، (وفي لفظ الإِقامة) فإنّ سامع المقيم يقول عند ذلك: (أَقَامَهَا الله وَأَدَامَهَا.)

فصول الكتاب · 33 فصل · 512 صفحة
الانتقال إلى صفحة
جارٍ التحميل