كتاب الطهارة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن أبي تغلب
- الكتاب
- نَيْلُ المَآرِب بشَرح دَلِيلُ الطَّالِب
- المؤلف
- عبد القادر بن عمر بن عبد القادر ابن عمر بن أبي تغلب بن سالم التغلبي الشَّيْبَاني (المتوفى: 1135هـ)
- المحقق
- الدكتور محمد سُليمان عبد الله الأشقر - رحمه الله -
- الناشر
- مكتبة الفلاح، الكويت
- الطبعة
- الأولى، 1403 هـ - 1983 م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أي مكتوب جامع لأحكام المسائل التي تتعلق بالطهارة.
وبدأ الفقهاء بالطهارة لأن آكد أركان الدين بعد الشهادتين الصلاة المشترط لها الطهارة.
والشرط مقدّم على المشروط.
ثم الطهارة، معناها لغة: النزاهة والنظافة عن الأقذار.
(وهي) شرعاً (رفع الحدث)، وهو زوال الوصف الحاصل بالبدن، المانع من الصلاة والطواف ومس المصحف.
وينقسم الحدث إلى أصغر وأكبر، فما أوجب الغسل يسمى أكبر، وما أوجب الوضوء يسمى أصغر.
(وزوال الخَبَث) أي النجاسة الطارئة على محل طاهر.
(وأقسام الماء) باعتبار ما يتنوع إليه في الشرع (ثلاثة) لأنه إما أن يجوز به الوضوء، أوْ لا، الأوّل الطهور.
والثاني: إمّا أن يجوز شربه، أوْ لا، الأوّل الطاهر، والثاني النجس.
(أحدها: طهور) أي مطهر لغيره، وغيرُه من الماء والمائعات لا يطهّر، (وهو) أي الماء الطهور في الحكم (الباقي على خلقته) التي خلق عليها، مطلقاً، فلا يُقَيد بوصف دون وصف.
وهو ما نزل من السماء، أو نبع من الأرض، سواء كان عذباً أو ملحاً، بارداً أو حاراً (يرفع) وحده
(الحدث) نص عليه 1، (ويزيل الخَبَث) الطارئ على محل طاهر قبل طروّه، لأنَّ نَجِسَ العينِ لا يَطهُر.
(وهو) أي الماء الطهور (أربعة أنواع):
أشار للأوّل بقوله: (ما) أي نوع (يحرم استعماله) مطلقاً، (ولا يرفع الحدث، ويزيل الخبث) مع حرمة استعماله (وهو ما ليس مباحاً) كمسروق ومنهوب، بخلاف ما إذا غصب إناء ووضع فيه ماء مباحاً، فإن الطهارة به صحيحة، مع حرمة استعمال الإِناء.
وأشار إلى الثاني بقوله: (وما) أي نوع من الطهور (يرفع حدث الأنثى، لا الرجل البالغ 2 والخنثى، وهو ما خَلَتْ به المرأة المكلفة) ولو كافرة (لطهارةٍ كاملةٍ) لا بعضِها (عن حدث) لا خَبَثٍ وطهرٍ مستحبّ.
والمراد بالخلوة بأن لا يشاهدها مميّز.
ولا فرق بين الحرّ والعبد، والمرأة والرجل، والكافر والمسلم، في المشاهدة.
وظاهره أنها إذا خَلَتْ بالتراب للتيمم لا تؤثر خلوتها، وأنه يجوز للرجل إزالة الخبث بما خلت به، وأنه لا تأثير لخلوة الخنثى بالماء القليل.
ويشترط كون الماء أقل من قلتين.
وأشار للثالث بقوله: (وما) أي نوع (يكره استعماله) في حق
الرجل والمرأة والخنثى، وظاهره الكراهة في أكل وشرب وطهارة وغير ذلك (مع عدم الاحتياج إليه) لأن كراهته من طريق الورع.
ومع الحاجة إليه يتعين وجوباً 1 استعماله.
(وهو ماء بئرٍ بمقبرة) بتثليث الباء، وكره أحمد شوكها.
(و) كره منه أيضاً (ما اشتدّ حره أو بَرْدُه) ووجهه ظاهر 2.
(أو سُخِّن بنجاسة) فإنه يكره ولو بَرَد، لأنه لا يسلم غالباً من صعود أجزاءٍ لطيفةٍ من النجاسة إليه.
(أو سخِّن بمغصوب) فإنه يكره.
(أو استعمِل في طهارة لم تجب) فإنه يكره، كتجديد وضوء، وغسلة ثانية وثالثة، أو في غسلٍ من الستةَ عشَرَ غسلاً.
وتأتي إن شاء الله تعالى 3 (أو) استعمل (في غسلِ كافرٍ) لأنه لم يرفع حدثاً، ولم يُزِلْ نَجَساً.
وشمل الذمية التي تغتسل من الحيض والنفاس لحلِّ وطئها لزوجها المسلم، لأنه لا يسلبه الطهورية.
(أو تغير) ريحه أو طعمه أو لونه (بملحٍ مائيّ) فطهورٌ مكروه، لأن المتغيّر به منعقد من الماء، فأشبه الثلج.
واقتضى ذلك أنّ الملح المائيّ لو انعقد من ماء طاهر فحكمه كباقي الطاهرات 4.
وعلم منه أن الماء إن تغير بالملح المعدني سَلَبَهُ الطهورية.
(أو) تغير (بما لا يمازجه) من الطاهرات 1 (كتغيره بالعود القَمَارِيّ) 2 بفتح/ القاف (وقطع الكافور والدهن) فطهورٌ مكروه.
(ولا يكره ماء زمزم إلا في إزالة الخَبَثِ) فقط، تشريفاً له.
ولا يكره استعماله في الطهارة من الحدث.
وأشار للرابع بقوله: (وما) أيْ نوع (لا يكره استعماله) مطلقاً (كماء البحر والآبار 3 والعيون والأنهار والحمام) وظاهره ولو كان وقوده نجساً، لأن الصحابة رضي الله عنهم دخلوه ورخّصوا فيه.
(ولا يكره المسخَّن بالشمس) سواء سُخِّنَ بإناءٍ منطبعٍ 4 أو غيره، في بلاد حارة أو باردة.
وما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعائشة -رضي الله تعالى عنها وعن أبيها- وقد سخنت ماء في الشمس: "لا تفعلي فإنه يورِثُ البَرَصَ" قال النووي: هو حديث ضعيف باتفاق المحدّثين.
ومنهم من يقول: هو موضوع.
وكذا حديث أنس "لا تغتسلوا بالماء الذي سُخِّنَ بالشمس فإنه يعدي من البَرَص" قال ابن المنجا.
غير صحيح 5.
(و) لا يكره (المتغير بطول المكث، أو بالريح، من نحو ميتة) كمجاورة محل القاذورات (أو بما يشق صونُ الماء عنه) مما يغيره (كطحلب) وهو خضرة تعلو على وجه الماء المزمن.
ولا يكره ما تغير
بسَمَكٍ وجراد، وبما لا نفس له سائلة كالخنفساء والعقرب والصراصير إن لم تكن من كنُفٍ ونحوها، لمشقة الاحتراز عن ذلك.
(وورق شجر، ما لم يوضعا) أي الطحلب وورق الشجر.
وشرط الوضع أن يكون قَصْداً من آدميٍّ عاقلٍ، فلو كان الوضع من بهيمة أو صغير أو مجنون لا يسلب الماء الطهورية.
(الثاني) من المياه: (طاهرٌ) غير مطهِّر، (يجوز استعماله في غير رفع الحدث وزوال الخبث 1) كالأكل والشرب والطبخ وغير ذلك من العادات (وهو) أي الطاهر (ما تغير كثيرٌ من لونه أو طعمه أو ريحه) بمخالطة (شيء طاهر) من غير جنس الماء، لا يشق صون الماء عنه 2، سواء طُبِخَ فيه، كمرق الباقلا 3، أوْ لا، كما لو سقط فيه زعفران بقصد أو غيره.
ولا يسلبه التغيرُ اليسيرُ من صفَةٍ من صفاته.
وعلم من كلامه أنه لو كان التغير اليسيرُ من صفاته الثلاثة أثَّر، وكذلك من صفتين.
(فإن زال تغيره) أي الماء المتغير بالطاهر (بنفسه، عاد إلى طهوريته).
(ومن الطاهر ما كان قليلاً) أي أقل من قلتين (واستُعمِل في رفع حدث) لأنه أزالَ مانعاً من الصلاة، فأشبه ما لو أزال به نجاسة.
(أو انغمست فيه) أي في الماء القليل (كل يد المسلم المكلف
النائم ليلاً نوماً ينقض الوضوء) أو كان (قبل غسلها ثلاثاً) وكل واحدة منهن واجبة (بنية وتسمية) عند أوّل الغسل.
(وذلك) أي الغسل ثلاثاً بعد النية والتسمية (واجب) ولو باتت مكتوفة، أو في جراب ونحوه.
فتلخص من ذلك: أنّ غسل يد القائم من نوم الليل لا يسلبه الطهورية إلا إذا استوفى جميع هذه الشروط السبعة: أشار للأوّل بقوله: "كل"، وللثاني بقوله: "يد"، وللثالث بقوله: "المسلم"، وللرابع بقوله: "المكلف"، وللخامس بقوله: "النائم ليلاً"، وللسادس بقوله: "ينقض الوضوء"، وللسابع بقوله: "قبل غسلها ثلاثاً بالصفة المذكورة".
تنبيه: إذا غَمَسَ بعضَها بنيةٍ سَلَبَ الماء الطهورية.
(الثالث) من أنواع المياه: (نجس يحرم استعماله، إلا لضرورةٍ) كدفع لقمةٍ غصَّ بها، وليس عنده طهور ولا طاهر.
(ولا يرفع الحدث) وهو ما أوجب وضوءاً أو غسلاً (ولا يزيل الخَبَثَ) الطارئ.
(وهو) أي الماء النجس (ما وقعت فيه نجاسة، وهو قليل) تغيَّر أوْ لا، مضى زمن تسري فيه النجاسة أوْ لا، ولو لم يدركها الطرْف.
(أو كان كثيراً) أكثر من قلتين، (وتغيّر بها) أي بالنجاسة الواقعة فيه (أحد أوصافه) طعمِه أو لونِه أو ريِحه، قَلَّ التغير أو كثر.
(فإن زال تغيره) أي الكثير (بنفسه، طهر، أو بإضافة طهورٍ) كثير 1 (إليه، أو بنزحٍ منه) أي الكثير (ويبقى بعده) أي بعد النزح (كثير)، أي
قلَّتان فأكثر، (طهر) أي صار طهوراً.
(والكثير قلَّتان/ تقريباً) لا تحديداً، فيعفى عن نقصٍ يسيرٍ، كرطلٍ أو رطلين عراقية.
(واليسير ما دونهما) أي القُلَّتين.
(وهما) أي: القلتان 1 (خمسمائة رطل بالعراقي، وثمانون رطلاً وسُبُعانِ ونصف سُبُعٍ رطلٍ بالقدسيّ) وما وافقه، ومائة رطل وسبعة أرطال وسبع رطل دمشقي.
(ومساحتهما) أي: مساحة ما يسع القلتين من الماء حال كونه مربعاً (ذراعٌ وربعٌ طولاً، و) ذراع وربع (عرضاً، و) ذراع وربع (عمقاً).
وحال كونه مدوّراً ذراع طولاً، وذراعان ونصف عمقاً.
والمراد بالذراع هنا ذراع اليد 2 من الآدمي المعتدل.
وهو أربع وعشرون أصبعاً معترضةً معتدلة.
والأصبع ست شعيرات.
والشعيرة ست شعرات من شعر البرذون، بطون بعضها إلى بعض 3.
(فإذا كان الماء الطهور كثيراً، ولم يتغير بالنجاسة، فهو طهور).
وله استعماله (ولو مع بقائها) أي النجاسة (فيه) أي: في الماء
الكثير الذي لم يتغير بسقوطها فيه، ولو كان بينه وبينها قليل.
(وإن شك في كثرته) أي الماء الذي وقعت فيه نجاسة، ولم تغيره (فهو نجس ...
وإن اشتبه ما تجوز به الطهارهَ، بما لا تجوز به الطهارة، لم يتحرّ) 1، ولو زاد عدد ما تجوز به الطهارة.
أما للشرب والأكل فيلزمه التحرّي، كما لو اشتبه محرم بمباح، أو طهور بنجس (ويتيمَّم بلا إراقة) للماء، وَوَجَبَ عليه الكف عنهما كما لو اشتبهت عليه أخته بأجنبية.
لكن إن أمْكَنَ تطهيرُ أحدهما بالآخر، بأن يكون الطهور قلتين فأكثر، وكان عنده إناء يسعهما، لزمه الخلط.
وإن اشتبه طهور بطاهر توضأ منهما وضوءاً واحداً، من هذا غَرْفة، ومن هذا غرفة، ولو مع طهور بيقين.
(ويلزم من) أي: إنساناً (علم بنجاسة شيء) من الماء أو غيره (إعلام من أراد أن يستعمله) في طهارة أو شرب أو غيرهما.
وظاهره أنه يلزمه الإِعلام سواء كانت إزالتها شرطاً للصلاة أم لا.
باب الآنيَة
الآنية لغة وعرفاً: الأوعية , جمع إناء.
ويذكر فيه المؤلف أحكام الآنية، وثيابِ الكفار، وأجزاءِ الميتة.
(يباح اتخاذ كلِّ إناءٍ طاهر، واستعماله، ولو) كان الإِناء (ثميناً) كجوهر، وبلّوْر، وياقوت، وزمرذ (1) (إلا آنيةَ الذهب والفضة، و) إلا (المموّه بهما).
وكيفية التمويه أن يُذَاب الذهب أو الفضة، ويلقى فيه الإِناء من الحديد ونحوه.
تنبيه
: عظم الآدميّ، وجلده، والمغصوب يحرم اتخاذها واستعمالها.
(وتصحّ الطهارة بها) أي بآنية الذهب والفضة، وفيها، ومنها، وإليها.
(و) تصح الطهارة أيضاً (بالإِناء المغصوب) وبالإِناء الذي ثمنه المعيَّن حرام.1
ويحرم استعمال إناء الذهب والفضة، ولو ميلاً، أو مَبْخَرة، أو قُمْقُماً 1 (ويباح إناء ضُبِّبَ) بأربعة شروط:
الأول: ما أشار إليه بقوله: (بضبة) احترز به عما لو وضع الفضة عليه لغيرها، فإنها تكون كالمُطَعَّم.
الثاني: ما أشار إليه بقوله: (يسيرة) عُرْفاً، لا كبيرة، فإنها محرمة.
الثالث: ما أشار إليه بقوله: (من فضة) لا من ذهب، فإنها محرمة مطلقاً.
الرابع: ما أشار إليه بقوله: (لغير زينة) لما روى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه "أن قَدَحَ النبي - صلى الله عليه وسلم - انْكَسَرَ، فاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً من فِضَّة" رواه البخاري.
وتجوز الضبَّة لحاجة.
والحاجة أن يتعلق بها غرضٌ غيرُ زينةٍ، وليس المراد أن لا تندفع بغيره.
(وآنية الكفار) كلهم (وثيابهم) ولو لم تَحِلَّ ذبائحهُم، ولو وَليَتْ عوراتِهِم (طاهرة).
ثم ذكر قاعدة (و) هي أنه (لا ينجس شيء) من ماءٍ أو غيرِه (بالشك ما لم تُعْلَمْ نجاسته) يعني: إذا فارقنا شيئاً طاهراً، ثم شككنا في نجاسته، فالأصل الطهارة.
كما أننا لا نوجب بالشك، ولا نحرِّم بالشّكّ.
(وعَظْمُ الميتة، وقَرْنُها، وظُفُرها، وحافِرُها، وعَصَبُها، وجِلْدُها، نجس) / لأنها من أجزاءِ الميتة.
(ولا يطهر) الجلد مطلقاً (بالدباغ) لكن يباح دبغ جلد نجُس
بموت، واستعماله بعده في يابس لا في مائع.
(والشعر والصوف والوبر والريش طاهر إذا كان من ميتةٍ طاهرةٍ في الحياة) فإنه لا ينجس بالموت، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ والآية في سياق الامتنان.
فالظاهر شمولها الحالتين: الحياة والموت.
والريش مقيسٌ على الثلاثة.
(ولو كانت غير مأكولةٍ، كالهرِّ والفَأر).
(وَسُنَّ تغطيةُ الآنية) ولو بِعَرْضِ عودٍ.
ويتوجَّه أنَّ العودَ عند عدم ما يخمِّر به، لرواية مسلم "فَإنْ لَمْ يَجِدْ إلاَّ أنْ يَعْرِضَ على إنائه عُوداً ... " 1 (وإيكاءُ) أي: رَبْطُ (الأسقية) والسقاء جِلْدُ السخلة إذا أجذع يكون للماء [واللبَن]، 2 وظاهره، كالمنتهى، أن التغطية والإِيكاء سُنَّةٌ سواء كان الوقت ليلاً أو نهاراً.
وقال في الإِقناع: إذا أمسى.
بابُ الاسْتِنجَاءِ وَآدَابُ التَّخَلِي
(الاستنجاءُ هو إزالة ما خرج من السبيلين بماءٍ) متعلق بإزالة (طهورٍ) ولو لم يُبَحْ (أو) رفع حكمه بما يقوم مقام الماءِ من (حَجَر) أو خِرَقٍ أو خَزَفٍ، أو نحوها، بشروط للمستجمرِ به.
منها: أن يكون بـ (طاهِر) فلا يكفي المتنجس.
ومنها: أن يكون بـ (مباح) فلو كان بمغصوبٍ ونحوه لا يكفي، لأن الاستجمار بالحجر رخصة، والرخصة لا تباح بالمعصية.
ومنها: أن يكون بـ (مُنَقٍّ) احترز به عن الأملس، كالزجاج والرخام.
ومنها: أن يكون جامداً، فلا يكفي الطين.
(فالإِنقاء بالحجر ونحوه أن يبقى) بعد استكمال الشروط (أثرٌ لا يزيله إلا الماء) فإن بقي ما يزال بغيره لا يكفي.
ثم أخذ في شروط الفعل فقال: (ولا يجزئ أقلُّ من ثلاث مَسَحَاتٍ) ولو أنقى.
وهو الشرط الأول (تَعُمُّ كل مسحةٍ المحلّ) أي: المَسْرُبة والصفحتين.
وهو الشرط الثاني.
ذكر في المتن ثمانية شروط، ويستفاد من الإِقناع بقيةُ اثني عشر.
قال: "ولا يجزئ الاستجمار في
قُبُلَيْ خنثى مشكلٍ، ولا في مخرجٍ غيرِ فرج، كتنجس مخرج 1 بغير خارج، ولا إن خرجتْ أجزاء الحقنة.
فهذه أربعة شروط.
وتقدَّم ستة.
وتأتي البقية.
(والإِنقاء بالماء عَوْدُ خشونةِ المحلّ) بأن يدلُكه حتى يرجع خَشِناً.
(كما كان) قبل خروج الخارج.
ويواصِل صَبَّ الماء، ويسترخي قليلاً.
قال في المُبْدِع: "الأولى أنْ يُقال: عود المحلّ إلى ما كان، لئلا ينتقض بالأمْرَدِ ونحوه".
(وظنه) أي: الإِنقاء (كافٍ) فلا يشترط التحقّق.
قال في الإِنصاف: "لو أتى بالعدد المعتبر اكتفي في زوالها بغلبة الظن".
فتلخَّص أن شروط الاستنجاء أربعة: الأول: كونه بماء.
الثاني: كون الماء طهوراً.
الثالث: أن يغسل سبع غسلات.
الرابع: الإِنقاء.
(وسنّ الاستنجاء بالحجر) أو نحوه كالخرق (ثم) بعده (بالماء).
(فإن عكس) بأن بدأ بالماء، ثم ثَنّى بالحجر، (كُرِهَ) له ذلك.
(ويجزئ أحدهما) أي الاستنجاء بالماء فقط، أو بالحجر فقط، وإن كان على نهر جارٍ.
(والماء) وحده (أفضل) من الحجر وحده.
(ويكره استقبال القبلة، واستدبارها)، في حال الاستنجاء أو الاستجمار بفضاء.
(ويحرم) الاستجمار (بِرَوْثٍ)، ولو كان لمأكولٍ، (وعظم) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تستنجوا بالروث ولا بالعظم فإنه زاد إخوانكم من الجن" رواه مسلم.
(و) يحرم الاستجمار بـ (طعامٍ، ولو) كان (لبهيمة.
فإن فعل) أي استجمر بما نهى الشارع عنه لحرمته (لم يجزئه بعد ذلك إلا الماء) هذا سابع الشروط في المتن كما لو استجمر بمتنجِّس.
أما لو استجمر بما لا ينقي 1 لملاسته فيكفي الحجر ونحوه بعده.
و (كما لو تعدى الخارج موضع العادة) فلا يجزئ في المتعدّي وحده غيرُ الماء.
وهذا الثامن في المتن.
(ويجب الاستنجاء لكل خارج) من سبيلٍ ولو نادراً كالدود (إلا الطاهر) كالمنيّ وإلا/ الريح لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من استنجى من الريح فليس منا" 2 (و) إلا (النجس الذي لم يلوِّث المحل) كالبَعَرِ الناشف والحصا.
فصل
[في آداب الخلاء]
(يُسَنُّ لداخلِ الخلاء) بالمدّ، وهو المكان المُعَدُّ لقضاء الحاجة، ومريدٍ لقضاءِ حاجةٍ بالصحراء (تقديمُ اليسرى) دخولاً، لأن اليسرى تُقَدَّمُ للأذى، واليمنى لما سواه (وقول 3: "بِسْمِ الله.
أعُوذُ مِنَ الُخبْثِ والَخبَائِثِ" لأن التسمية يبدأ بها للتبرك، ثم يستعيذ، وإنما قدَّم التعوُّذ في القراءة على البسملة لأنها من القرآن، والاستعاذة من أجل القراءة.
والخُبْثُ الشَّرُّ، والخَبَائِثُ
الشياطين.
وقيل: الخبْثُ الكفر والخبائث الشياطين" 1.
(وإذا خرج) المتخلي (قدم) رجله (اليمنى)، لأنها أحق بالتقديم إلى الأماكن الطيبة (وقال: غفرانك) نصب على المفعولية.
أي: أسألك غفرانك، مأخوذٌ من الغَفْر، وهو الستر (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني") لما روى أنس قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من الخلاء قال: الحَمْدُ لله الّذِي أذْهبَ عَنِّي الأذَى وَعَافَانِي" رواه ابن ماجه 2.
(ويكره في حال التخلّي) لقضاء الحاجة (استقبال الشمس والقمر)
بلا حائل، لما فيهما من نور الله عز وجل (ومَهَبّ الريح) بلا حائل، خشيةَ أن تَرُدَّ عليه البول فينجّسه.
(و) يكره (الكلام) في الخلاء، ولو سلاماً أو ردَّ سلامٍ.
ويكره الكلام في مواضع المهن المستقذرة كالخلاءِ والحمّام 3 وما أشبه ذلك.
نقله في الغنية.
(و) يكره (البول في إناء) بلا حاجة.
(و) يكره البول في (شَقّ) بفتح الشين.
(و) يكره البول في (نارٍ) لأنه يورث السقم.
(و) يكره البول في (رماد) ذكره في الرعاية.4
(ولا يكره البول قائماً) ولو لغير حاجة، بشرطين: أن يأمن تلويثاً.
والثاني: أن يأمن ناظراً.
(ويحرم استقبال القبلة واستدبارها) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذَا أَتَيْتُم الغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرَبُوا" رواه الشيخان.
وإنما يحرم بشرطين: الأول: أن يكون (في الصحراء).
والثاني: أن يكون (بلا حائل).
(ويكفي إرخاء ذيله) والاستتار بدابة، وجدارٍ، وجَبَل ولو كَمُؤْخِرَةِ رَحلٍ.
(و) يحرم (أن يبول أو يتغوَّط بطريقٍ مسلوكٍ) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اتَّقُوا الملاعِنَ الثَّلَاثَ: البَرَازَ في المَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، والظَلِّ النافع" 1.
(و) يحرم أن يبول أو يتغوَّطَ (بظلٍّ نافع) ومثله مُتَشَمَّس 2 الناس زمن الشتاء، ومتحدَّثُ الناس، إلا أن يكون حديثهم غِيبَةً أو نميمة (وتحت شجرة عليها ثَمَرٌ يُقصَد) مأكولٌ أوْ لا، لأنه يفسدها وتعافها النفس.
(و) يحرم أن يبول أو يتغوّط (بين قبور المسلمين،) وعليها.
(و) يحرم (أن يلبث في الخلاء (فوق) قدر (حاجته.) ولا فرق بين أن يكون في ظلمة، أو حمام، بحضرة مَلَكٍ أو جنّيّ أو حيوان، أوْ لا، ذكره في الرعاية.
باب السِّوَاك
السِّواكُ والمِسْوَاكُ اسم للعودِ 1 الذي يُتَسَوَّكُ به.
(يُسَنُّ) السواك (بعودٍ) لينٍ (رطب) يُنَقَّي الفَمَ ولا يَجْرَح، و (لا يتَفَّتَتُ) في الفم.
ويكره بما يجرحه أو يضره كعود رمان، أو يتفتت، لأنه مضاد لغرض السواك.
(وهو) أي السواك (مسنونٌ مطلقاً) أي في جميع الأوقات (إلا بعد الزوال للصائم) 2 برطب أو يابس (فيكره).
(ويسن) السواك (له) أي للصائم (قبله) أي قبل الزوال (بعود يابس).
(ويباح) السواك للصائم (قبله) أي الزوال (بـ) عود (رطب).
(ولم يصب السنة من استاك بغير عود) كمن استاك بأصبعه، أو خرقة.
وسواء كانت أصبعه متصلةً أو منفصلة، وسواء كانت خشنة أو لا.
(ويتأكد) السواك في عشرة مواضع:
أشار إلى الأول بقوله: (عند وضوء) لحديث أبي هريرة/ رضي الله عنه مرفوعاً "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل
وضوء" 1 أي أمر إيجاب.
وأشار للثاني بقوله: (وصلاة) قال في المبدع: "وهو عام في الفرض والنفل، حتى صلاة المتيمم وفاقد الطهورين، وصلاة جنازة.
والظاهر أنه لا يدخل فيه الطواف، وسجدة الشكر، والتلاوة." اهـ
وأشار للثالث بقوله: (وقراءة القرآن) تَطْيِيباً للفم، لئلا يتأذى الملك حين يضع فاه على فيه، لتلقُّف القرآن.
وأشار للرابع بقوله: (وانتباهٍ من نوم) ليلاً أو نهاراً.
وظاهره: ولو لم يَنْقُضِ الوضوء، لتسميتهم له نوماً.
وأشار للخامس بقوله: (وتغيُّر رائحة فم) بأكْلٍ أو غيرِه، لأن السواك مشروع لتطيب الفم وإزالة رائحته.
فتأكد عند تغيره.
وأشار للسادس بقوله: (وكذا عند دخول مسجد) 2 جزم به الزركشي.
وأشار للسابع بقوله: (ومنزل) اختاره المجد، لِقول عائشة رضي الله عنها وعن أبيها: "كانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ يَبْتَدِئُ بالسِّواكِ" 3.
وَأشَارَ للثامن بقوله: (وإطالة سكوتٍ) لأنه مَظِنَّةُ تغير رائحةِ الفم.
وأشار للتاسع بقوله: (وَصُفْرَة أسنانٍ) لِإزالتها.
والعاشر: خلوّ المعدة من الطعام.
والسنة أن يكون المِسْواك في اليسرى، ويبتدئُ بالشق الأيمن.
ويكون عَرْضاً بالنسبة إلى الأسنان.
ومن أعظم فوائده أنه يذكر الشهادة عند الموت، ويرضي الربّ، ويهضم الطعام، ويغذّي الجائع.
(ولا بأس أنْ يتسوّك بالعود الواحد اثنان فصاعداً) 1 لحديث عائشة رضي الله عنها وعن أبيها.
فصل
[في سنن الفطرة ونحوها]
(يُسَنُّ حلق العانة) وهو الاستحداد.
وله قَصُّه، وإزالته بما شاء من تَنْويرٍ وغيره.
وتكره كثرة التنوير.
قال الغزالي: "قيل إن النورة في كل شهر مرةً تُطْفِئُ الحرارة وتنقّي البدن، وفي نسخة: اللون، وتزيد في الجماع".
ولم يذكروا الأنف.
فظاهره إبقاؤه.
ويتوجّه أخذُه إذا فحش.
قاله في الفروع.
(و) يسن (نتف الإِبط) فإن شقَّ حَلَقَهُ أو تنوَّر.
(و) يسن (تقليم الأظفار) لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الفِطْرَةُ خَمْسٌ: الخِتَانُ، والاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَار، وَنَتْفُ الإِبِط" متفق عليه.
ويسن مُخَالَفاً، فيبدأُ بخنصر اليمنى، ثم الوسطى، ثم الإِبهام، ثم البنصر، ثم السبابة؛ ثم إبهام اليسرى، ثم الوسطى، ثم الخنصر، ثم السبابة، ثم البنصر.
صححه في الإِنصاف.
وروي: "مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ مُخَالِفاً لَمْ يَرَ في عينيه رَمَداً" وَفَسَّر الحديثَ ابنُ بَطَّةَ بما ذُكر.
ويستحب غسلها بعده.
ويكون ذلك يوم الجمعة، زاد في الإِقناع: قبل الصلاة.
(و) يسن (النظر في المرآة) وقول: "اللهم كما حسنت خَلْقي فحسن خُلُقي، وحرِّمْ وجهي على النار" 1.
(و) يسن (التطيّب بالطيب) فللرجل: بما يظهر ريحه ويخفى لونُه، كالعود والمسك والعنبر، وللمرأة في بيتها بما شاءت، وفي غيره بما يظهر لونه 2 كالياسمين والورد والحناء.
(و) يسن (الاكتحال كل ليلة) قبل النوم (في كل عين ثلاثاً) بإِثْمِدٍ مُطَيَّب.
(و) يسن (حف الشارب) قال في النهاية: إحفاء الشوارب أن تبالِغَ في قصّها.
(و) يسن (إعفاء اللحية) بأن لا يأخذ منها شيئاً.
قال في المذهب: ما لم يُسْتَهْجَن طولها (وحَرُمَ حلقها) ذكره الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى.
(ولا بأس بأخذ ما زاد على القبضة منها) هكذا نَصُّ الإِمامِ أحمد.
(والختانُ واجبٌ على الذَّكر) بأخذ جِلْدَة الحَشَفَة (و) واجب على (الأنثى) 3 بأخذ جلدةٍ فوق محل الإِيلاج، تشبه عُرْفَ الديك، ويستحب
أن لا تؤخذ كلّها منها.
وخنثى في فرجيها (عند البلوغ) لأنه ليس أهلاً للتكليف قبله، مالم يَخَفْ على نَفْسِه فيباح 1.
(و) الختان (قبله) أي البلوغ (أفضل) فيعايا بها 2.
والأفضل أن يختتن يوم حادي وعشرين، فإن فات تُرِكَ حتى يشتد ويقوى.
قاله في "المستوعب" في العقيقة.
باب الوضُوء
أي هذا بابٌ يذكر فيه فروض الوضوء، وشروطه، وواجباته 1.
(تجب فيه) أي الوضوء (التسمية) وتجب أيضاً في الغسل، والتيمم، وغسل يديْ قائمٍ من نوم ليلٍ ناقض لوضوءٍ.
أي قول "بسم الله".
(و) على الوجوب (تسقط سهواً وجهلاً) قال شيخنا البلباني: كغسل وغيره مما تجب له التسمية.
(وإن ذكرها) أي التسمية (في أثنائه) أي في أثناء الوضوء والغسل (ابتدأ) لأنه أمكنه أن يأتي بها على جميعه، فوجب، كما لو ذكرها في أوله.
وعُلِمَ منه أنه إذا لم يذكرها حتى فرغ لم تلزمْه الإِعادة.
وقال في الإِقناع: سمّى وبَنَى.
(وفروضه) أي الوضوء ولو مستحبًّا (ستة):
الأول: (غسل الوجه، ومنه المضمضة والاستنشاق).
(و) الثاني: (غسل اليدين مع المرفقين).
(و) الثالث: (مسح الرأس كله، ومنه الأذنان).
(و) الرابع: (غسل الرجلين مع الكعبين).
(و) الخامس: (الترتيب) بين الأعضاء المذكورة، كما ذكر الله تعالى.
وأما الترتيب بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين فلا يجب، حكى ابن المنذر الإِجماع على ذلك.
فإن نكَّس وضوءه، بأن بدأ بشيء قبل غسل الوجه، فلا يحتسب.
(و) السادس: (الموالاة) وهي أن لا يؤخّر غسل عضو حتى يجفَّ ما قبله بزمن معتدل.
فلو لم تجب لأجزأ غسل اللمعة 1 فقط.
وإنما لم يشترط في الغسل لأن المغسول فيه بمنزلة العضو الواحد.
(وشروطه) أي الوضوء (ثمانية) ولو مستحبًّا:
الأول: (انقطاع ما يوجبه) من حيض ونفاس ونحوهما.
(و) الثاني: (النية) لخبر "إنما الأعمال بالنيات" أي لا عمل جائزٌ إلا بالنّيّة.
فإن قيل: الإِسلام عبادة، ولا يفتقر إلى نية، [والنية عبادة ولا تفتقر إلى نية] 2 فقال أبو البقاء: "ليس بعبادة، لصدوره من الكافر.
سلَّمْنا، لكن للضرورة.
وأما النية فلقطع التسلسل".
(و) الثالث: (الإِسلام).
(و) الرابع: (العقل).
(و) الخامس: (التمييز لأن سنّ التمييز) أدنى سنٍّ يعتبر قصد الصغير فيه شرعاً.
(و) السادس: (الماء الطهور المباح).
(و) السابع: (إزالة ما يمنع وصوله) أي الماء الطهور المباح من شمع أو عَجينٍ ونحوهما.
(و) الثامن: (الاستنجاء أو الاستجمار).
فصل
[في النية]
(فالنّية هنا) في الوضوء (قصد 1 رفع الحدث) بذلك الوضوء، (أو قصد) استباحة (ما) أي: فعلٍ (تجب له الطهارة، كـ) استباحة (صلاةٍ و) استباحةِ (طوافٍ و) استباحةِ (مَسِّ مصحف.)
وتتعيّن نية الاستباحة لمن حدثه دائم، كمستحاضة، ومن به سلس بول، ونحو ذلك.
ويرتفع حدثه.
ولا يحتاج إلى تعيين نية الفرض، (أو قصد ما) أي قولٍ أو فعلٍ (تُسَنّ لَهُ) الطهارة، كأن ينوي الوضوء (لِقِراءةٍ، وذكرٍ، وأذانٍ، ونومٍ، ورفعِ شكٍّ، وغضبٍ) لأنه من الشيطان، والشيطان من النار، والماء يطفئ النار، (وكلامٍ محرّم) كغيبة ونحوها، (وجلوسٍ بمسجد، وتدريسِ عِلْم) قدَّمَهُ في الرعاية.
(وأكلٍ) وزيارةِ قبرِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -. (فمتى نوى شيئاً من ذلك ارتفع حدثُهُ).
أما إذا نوى التجديد المسنون، بأن صلى بالأوَّل، ناسياً حدثه 2، فإنه يرتفع حدثه، فلو لم يصلّ بالأول، أو كان ذاكراً لحدثه، لم يرتفع.
(ولا يضرّ سَبْقُ لسانِه بغير ما نوى) كما لو أراد أن يقول: نويت أصلي الظهر، فقال نويت صيامَ غدٍ.
(ولا) يضر (شكّه في النية، أو في فرضٍ، بعد فراغ كل عبادةٍ) من العبادات، سواءٌ كانت صلاة، أو صياماً، أو غيرهما.
(وإن شك فيها) أي في النية (في الأثناءِ استأنَفَ) لأن الأصل أنه لم يأت بها، كما لو شك في غسلِ عضوٍ، أو مسح رأسِهِ في الأثناء.
فصل
(في صفة الوضوء) الكامل
(وهي أنْ ينويَ) الوضوءَ للصَّلاةِ ونحوها، أو ينوي رفع الحدث.
(ثم يسمّي) أي يقولُ: بسم الله، لا يكفيه غيرها.
وكذا كلُّ موضعٍ وجبت فيه.
ظاهر ترتيبه بِثُمَّ أنه لو قدم التسميةَ على النيةِ لم يصحّ وضوؤه.
أفاده شيخنا البلباني.
(ويغسل كفهِ ثلاثاً).
(ثم يتمضمض) ثلاثاً (ويستنشق) ثلاثاً، إن شاء من غَرْفَةٍ، وهو أفضل 1، وإن شاء من ثلاثٍ، وإن شاء من ستٍّ.
(ثم يغسل وجهه) ثلاثاً (من منابِتِ شعر الرأس المعتاد) غالباً، فلا عبرة بالأفْرَعِ -بالفاء- وهو الذي ينبت شعره في بعضِ جبهته، ولا بالأجلح الذي انحسر شعرُه عن مقدّم رأسه.
مع ما انحدر من اللحيين والذَّقَنَ طولَاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً.
(ولا يجزئ) غسل ظاهر شعر اللحية، إلا أن لا يصف البشرة) فإنه يجزئ غسل ظاهره.
وحكم عنفقةٍ، وشاربٍ، وحاجبٍ، ولحيةٍ امرأة، وخنثى إذا كانت كثيفة أو خفيفة، حكم اللحية.
(ثم يغسل يديه مع مرفقيه) وأصبعٍ زائدةٍ، ويدٍ أصلها بمحل فرضٍ أو بغيره، ولم تتميز (ولا يضرُّ وسخٌ يسيرٌ تحت ظفر ونحوه) كالوسخ داخل أنفه، يشق التحرز منه أوْ لا، قال في حاشية المنتهى: قلت: ومثله ما يَعْلَقُ بأصول الشعر من قملٍ ونحوه، وما يكون بشقوقِ الرجل من الوسخ.
وألحق به الشَّيخُ كلَّ يسيرٍ مَنَع، حيث كان من البدن، كدمٍ وعجينٍ ونحوهما، واختاره.
(ثم) إذا غسل يديه (يمسح جميعَ ظاهرِ رأسه) بالماء، فلو مسح من له شعرٌ البشرةَ لم يجزِه، كما لو غسل باطن اللحية.
ولو حلق البعضَ فنزل عليه شَعَرُ ما لم يحلقْ أجزأه المسح عليه (من حد الوجه إلى ما يسمى قفاً 1. والبياض فوق الأذنين منه) يُمِرُّ يديهِ من مقدَّمه إلى قفاه، ثم يردّهما إلى الموضع الذي بدأ منه (ويدخل سَبَّابَتَيْهِ في صماخِ أذنيه، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما) وهذه هي الصفة المسنونة.
وكيف مَسَحَ كَفَى.
(ثم) بعد مسح رأسِهِ وأذنيه (يغسل رجليه مع كعبيه، وهم العظمان الناتئان) اللذان في أسفل الساق من جانبي القدم، ويغسل الأقْطَعُ من مفصل مرفِقٍ وكعبٍ طرف 2 عضد وساق.
فصل
[في سنن الوضوء]
(وسننه) أي الوضوء (ثمانَ عَشْرَة) سُنَّةً:
الأول 1: (استقبال القبلة).
(و) الثاني: (السواك) عند المضمضمة.
(و) الثالث: (غسل الكفين ثلاثاً) لغير قائم من نوم ليل ناقض لوضوء، وتقدم.
(و) الرابع: (البداءة قبل غسل الوجه بالمضمضة و) بعده (الاستنشاق).
(و) الخامس: (المبالغة فيهما) أي في المضمضة والاستنشاق (لغير الصائم).
(و) السادس: (المبالغة في سائر الأعضاء مطلقاً) لصائم وغيره، وهي دَلْكُ ما ينبو عنه الماء وَعَرْكُهُ به.
(و) السابع: (الزيادة في ماء الوجه) لأساريره ودواخله وخوارجه وشعوره.
قاله أحمد.
(و) الثامن: (تخليل اللحية الكثيفة) عند غسلها، وإن شاء إذا مسح رأسه، نصًّا.
(و) التاسع: (تخليل الأصابع) من اليدين والرجلين، فيخلِّل أصابع رجليه بخنصره اليسرى، من باطن رجله.
فيبدأ بخنصر يمنى إلى إبهامها، ويسرى يبدأ من إبهامها إلى خنصرها، ليحصل التيامن في التخليل، وتخليل أصابع يديه إحداهما بالأخرى.
(و) العاشر: (أخذ ماء جديدٍ للأذنين) بعد مسح رأس.
(و) الحادي عشر: (تقديم اليمنى على اليسرى) حتى للقائم من نوم الليل، وبين الأذنين.
(و) الثاني عشر: (مجاوزة محل الفرض) في الأعضاء الأربعة.
(و) الثالث عشر: (الغَسْلة الثانية والثالثة) قال القاضي وغيره: الأولى فريضة، والثانية فضيلة، والثالثة سنة.
قال في "المستوعب": وإذا قيل لك: أي موضعٍ تقدَّم فيه الفضيلة على السنة؟ فقل: هنا.
(و) الرابع عشر: (استصحاب ذكر النية إلى آخر الوضوء) بقلبه، بأن يكون مستحضراً لها في جميع الطهارة، لتكون أفعاله كلها مقترنة بالنّية.
(و) الخامس عشر: (الإِتيانُ بها) أي: النيّة (عند غسلِ الكفين)، فإن غَسَلَهما بغير نية فكمن لم يغسلهما.
(و) السادس عشر: (النطق بها) أي النية 1./ (سراً) أي ليوافق اللسان القلب.
(و) السابع عشر: (قول: "أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" مع رفع بصرِهِ إلى السماء بعد فراغه) لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "مَا مِنْكًمْ مِنْ أحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ الوُضوءَ، أو: يسْبغُ الوُضوءَ، ثُمّ يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لا إله إلاَّ الله، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه، وَأشْهَدُ أن مُحَمداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إلاَّ فُتِحَت لَهُ أبْوَابُ الجَنَةِ الثَّمانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أيِّها شَاءَ" رواه مسلم.
وفي رواية "فَأحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إلى السَّماءِ".
وَسَاقَ الحديث.
(و) الثامن عشر: (أن يتولّى وضوءَه بنفسِه من غيرِ معاونةٍ).
وتباح المعَاوَنَةُ وتنشيف أعضائه.
وتركهما أفضل.
باب مَسحِ الخُفَّين
وما في معناهما كالجرمُوقين والجورَبين
وهو رخصة (يجوز بشروط سبعة):
أشار للأول بقوله: (لبسُهما) أي لبس زوجَي الخُفِّ (بعد كمال الطهارة) فلو أدخل اليمنى في الخف بعد غسلها وقبل غسل اليسرى، ثم غَسَل اليسرى وأدخلها فيه، وأراد المسح، لزمه نزع اليمنى ولبسها قبل الحدث، (بالماء) فلو لبسهما على طهارةِ تَيَمُّمٍ لم يصحّ المسح.
وأشار للثاني بقوله: (وسَتْرُهما لمحل الفرضِ ولو) كان الستر لمحل الفرض (بربطهما) كالزربول الذي له ساق وَعُرى.
وأشار للثالث بقوله: (وإمكان المشي بهما عُرْفاً) لا كونه يمنع نفوذ الماء، ولا كونه معتاداً، فيصح على الخفِّ من الجلود واللبود، والخشب والحديد، والزجاج الذي لا يصف البشرة.
ونحو ذلك، حيث أمكن المشيُ فيه.
وأشار للرابع بقوله: (وثبوتهما بنفسهما) أو بنعلين إلى خلعهما، لا بربطهما أو شَدِّهما.
وأشار للخامِسِ بقوله: (وإباحتُهما) سواءٌ كانَتْ هناك ضرورة تدعو إلى لبسه كَخَوفِ سقُوط أصابعه من شدة البرد، أو لم تكنْ.
فلا يصحُّ على مغصوبٍ، ولا لرجل على حريرٍ، بخلاف المرأة.
وأشار للسادس بقوله: (وطهارةُ عينِهما) ولو لضرورةٍ.
ويتيمَّمُ مِع الضرورة لمستورٍ بالنجسٍ، ويعيد ما صلى به.
فإن كان النجس خُفَّا تيمَّمَ مع خوفِ نزعهِ لغسل الرجلين.
وإن كان عمامةً تيمَّمَ مع خوفِ نزعِهَا لِمَسْحِ الرأس.
وإن كان جبيرة تيمم مع خوف نزعها لغسل ذلك العضو المشدود.
وأشار للسابع بقوله: (وعدُم وصفِهما البشرة) لصفائه كالزجاج الرقيق، أو خِفَّتِه كالجورب الذي يصف القدم.
(فيمسحُ المقيم، والعاصي بسفره، من الحدث بعد اللبس يوماً وليلة) أي من ابتداء حدثِهِ.
فلو مضى من الحدث يومٌ وليلةٌ لمقيمٍ أو ثلاث إن كان لمسافرٍ، ولم يمسحْ، انقضتِ المدة.
(و) يمسح (المسافر) سفرَ قَصْرٍ لم يعصِ بِهِ (ثلاثَةَ أيامٍ بلياليهن.
فلو مَسَحَ في السفر ثم أقام) قبل مضيّ يومٍ وليلةٍ (أو في الحضر ثم سافر) قبل مضيِّ يومٍ وليلةٍ (أو شكَّ في ابتداءِ المَسْحِ) بأن شك هل ابتدأ بعد أن شرع في السفر، أو قبل أن يشرع فيه، فالحكم في هذه المسألة أنه (لم يَزِدْ على مسح مقيمٍ) لأنّ المسحَ عبادةٌ يختلف حكمُهَا بالسفر والحضر، فلا بد من تحقق وجود جميعها بالسفر حتى يحكم عليها بحكم السَّفر.
(ويجب مسح أكثر أعلى الخف) ونحوه.
وسُنَّ أن يكون بأصابع يده، مبتدئاً من أصابع رجليه إلى ساقيه.
(ولا يجزئ مسح أسفله) أي الخلف (وعَقبِهِ.
ولا يُسَنُّ) مسحهما مع الخف.
(ومتى حصل) شيء (مما يوجب الغُسْلَ) من جماعٍ أو غَيرِهِ (أوْ ظَهَرَ بعضُ محلّ الفرض) أو خرج قدم أو بعضه إلى ساق خفه، (أو انقضت المدة) وهي اليوم والليلة للمقيم، والثلاثة للمسافر (بطل الوضوء) وبطلت الصلاة.
فصل
[في المسح على الجبيرة]
(وصاحب الجبيرة) وهي أخشاب أو نحوها تربط على الكِسر أو نحوه، سميت بذلك تفاؤلاً، (إن وضَعَها على طهارةٍ، ولم تتجاوز محل الحاجة، غسل الصحيحَ، ومسح عليها بالماء، وأجزأ) من غير تيمُّمٍ، كمسحِ الخفِّ، بل أولى، للضرورة.
(وإلا) بأن وضعها على غير طهارة، وخاف الضَّرَرَ بنزعها (وجب مع الغَسْل) أي غسل الصحيح (أن يتيمَّمَ لها) لأنه موضعٌ يخاف الضرر باستعمال الماء فيه، فجاز التيمم له، كجرحٍ غير مشدودٍ.
(ولا مَسْحَ) مع تيمُّمٍ (ما لم توضع) أَي الجبيرة (على طهارة، وتتجاوز المحلّ، فيغسل ويمسح ويتيمم لها).
فائدة: إعلم أن الجبيرةَ تخالف الخف في مسائل عديدة، منها: عدم التوقيت بمدة، ومنها: وجوب المسح على جميعها، ومنها: دخولها في الطهارة الكبرى، ومنها: أنّ شدها مخصوص بحال الضرورة، ومنها: أن المسح عليها عزيمة، ومنها: أنه لا يشترط سترها لمحل الفرض، ومنها: أنه يتعّين مسحها.
نبّه على ذلك في "الإِنصاف".
باب نَواقِض الوُضُوء
جمع ناقضةٍ (وهي) مفسداته.
أنواعها (ثمانية):
(أحدها: الخارج من السبيلين، قليلاً كان أو كثيراً، طاهراً) كولدٍ بلا دم (أو نجساً) كالبول وغيره، ولو ريحاً من قُبُلٍ، نادراً كان الخارج كالدود، أو معتاداً كالبول.
(الثاني) من الثمانِيَةِ: (خروج النجاسة من بقية البدن) وفيها تفصيل (فإن كان الخارج بولَاً أو غائطاً نقض مطلقاً) أي سواءٌ كان قليلاً أو كثيراً، من تحت المعدة أو من فوقها، وسواء كان السبيلان مفتوحين أو مسدودين.
لكن لو انسد المخرج، وانفتح غيره، فاحكام المخرج باقية.
(وإن كان) الخارج (غيرَهما) أي غير البول والغائط (كالدم والقيء نقض إن فَحُشَ في نفس كل أحدٍ بحسَبِه) لأنّ اعتبارَ حالِ الإِنسان بما يستفحشه غيرُه حرج، فيكون منفياً.
(الثالث) من الثمانية: (زوال العقل) كحدوث جنون، أو برسام، كثيراً كان أو قليلاً، (أو تغطيتُهُ) بِسُكْرٍ، أو (بإغماءٍ، أو نومِ) وهو غَشْيَةٌ ثقيلةٌ تقع على القلب تمنع المعرفة بالأشياء، إلا نومَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - (ما لم يكن النوم يسيراً عرفاً من جالس وقائم).
فإن شك في كثرةِ نومِهِ لم يلتفتْ للشك.
وينقض اليسيرُ من راكعٍ وساجد ومضطجعٍ ومستندٍ ومتكئٍ ومحتبٍ.
قال شَيخنا البلبانيّ رحمه الله تعالى: وماشٍ.
(الرابع) من الثمانية: (مسُّه) أي الماسّ (بيده) ولو زائدةً (لا ظُفرِه) فلا ينقض المسُّ به، لأنه في حكم المنفصل، فينقضُ اللَّمسُ بحرفِ الكف، وظهرِهِ وبطنِهِ (فرجَ الآدميّ) سواء كان ذكرَ رجلٍ أو قُبُلَ امرأةٍ، وهو فرجُها الذي بين إسْكَتَيْها.
وسواء كان صغيراً أو كبيراً (المتّصلَ) فلا ينقض المنفصل لذهاب الحرمة بالقطع.
ويشترط أن يكون الفَرْجُ أصليًّا، فلا نَقْضَ بمسِّ أحد فرجَيْ خُنثى مشكلٍ، إلاَّ أنْ يَمَسَّ الرجل ذَكَرَه بشهوةٍ أو تَمَسَّ المرأة فرجَها بها.
(بلا حائل) فإنْ مَسَّهُ مِنْ وراء حائلٍ لم ينقضْ، لأنه مسّ الحائل (أو مَسَّ حلقةَ دُبُره) أي الآدميّ، فـ (لا) ينقض (مسُّ الخصيتين، ولا) ينقضُ (مَسُّ محل الفرج البائن) لذهاب الاسم.
وينقض مس الذكر بفرجٍ غير ذكرٍ، فينقضُ مسُّ الذَكَرِ بِقُبُلِ أنثى، أو دبرٍ مطلقاً بلا حائل، لأنه أفحشَ من مسَّه باليد.
ولا ينقض مسُّ ذكرٍ بذكرٍ، ولا قبلٍ بقبلٍ أو دُبُرٍ، وعكسه.
(الخامس) من الثمانية: (لَمْسُ بشرةِ الذكَرِ الأنثى، أو الأنثى الذكَر لشهوةٍ) لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وأما كون اللمس لا ينقضُ إلاَّ إذا كان لشهوةٍ فللجمعِ بين الآيةِ والأخبار (من غير حائلٍ، ولو كان الملموسُ ميتاً) كما يجب الغُسْلُ بوطءِ الميّت، (أو) كان الملموسُ (عَجُوزاً) جزَمَ به في "المستوعِبِ والمغني والكافي وغيرهم" (أو) كان الملموسُ (مَحْرَماً، لا) نقض بـ (لمس من دون سبعٍ) ولا المرأةِ للطفل/ ومن ولد فهو طفل أو طفلة إلى سن التمييز، وهو تمام السبع سنين 1.
ولا نقض بلمس امرأة امرأة قاله في "شرح المنتهى".
(ولا) نقض بـ (لمس سن وظفر وشعر، ولا ينقض المس بذلك) أي بالسن والشعر والظفر، لأنه في حكم المنفصل.
وإذا لم ينقض مس أنثى استُحِبَّ الوضوء.
نص عليه الإِمام أحمد ذكره في الفروع 1.
(ولا ينتقض وضوء الممسوس فرجُه، أو الملموس بدنُه، ولو وَجَدَ شهوة) أما الممسوس فرجه فقال في الإِنصاف: لا ينتقض وضوؤه ذكراً كان أو أنثى، رواية واحدة.
وأما الملموس لشهوة فصحَّحَ المجد والأزجي 2 في النهاية وابن هبيرة وغيرهم عدم النقض.
ونقله والذي قبله في المنتهى.
ولا نقض بانتشار ذكر عن فكر وتكرار نظر.
(السادس) من الثمانية: (غسل الميت) مسلماً كان أو كافراً، صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى.
وهو من المفردات 3 (أو) غسل (بعضه) أي بعض الميت، ولو في قميص.
ومفهومه أنه لو غسل يد السارق بعد قطعها لا ينتقض وضوؤه، لأنه بعضُ حيٍّ، ولا إن يَمَّمَهُ.
صرح بالثانية في الإِقناع والمنتهى.
(والغاسل هو من يقلب الميت ويباشره لا من يصب الماء) ونحوه.
(السابع) من الثمانية: (أكل لحم الإِبل) سواء علمه، أو جهله، وسواء كان عالماً بالحديث 4 الوارد في ذلك أو لا (ولو) أكله (نيئاً أو
مطبوخاً) تعبُّداً 1 (فلا نقض ببقية أجزائها، ككبد وقلب وطحال وكرش وشحم وكلية) بضم الكاف (ولسان ورأس وسنامٍ وكوارع ومُصرانٍ ومرق ولحم.
ولا يحنث بـ) أكل (ذلك من حلف: لا يأكل لحمًا) لأنه لا يسمى لحمًا، وينفرد عنه باسمه وصفته.
ولو أمر وكيله بشراء لحمٍ، فاشترى شيئاً من ذلك لم يكن ممتثلاً، ولا ينفذ الشراء.
فإن كان الحالف أراد اجتناب الدسم، أو اقتضاة السبب، حنث لما فيه من الدسم.
(الثامن) من النواقض: (الردة) عن الإسلام أعاذنا الله منها.
قال القاضي: لا معنى لجعلها من النواقض، مع وجوب الطهارة الكبرى، يعني إذا عاد إلى الإسلام.
وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى: له فائدة، تظهر بما إذا عاد إلى الإسلام فإنا نوجب عليه الوضوء والغسل.
فإن نواهما بالغسل أجزأه، وإن قلنا لم ينتقض وضوؤه لم يجب عليه إلا الغسل.
وحكى ابن حمدان وجهاً بأن الوضوء لا يجب بالإسلام.
(وكلُّ ما أوجب الغسلَ، أوجب الوضوء، غيرَ الموت) فإنه يوجب الغسل ولا يوجب الوضوء.
ولا نقض بإزالة شعرٍ، وكشط جلدة، ونحوهما.
هذه النواقض المشتركة بين الماسح وغيره، وأما المخصوصة به، كبطلان طهارة المسح على الخفين ونحوهما بفراغ مدته، وخلع حائله، ونقض طهارة المستحاضة ونحوها بخروج الوقت، فمذكور في أبوابه.
فصل
[فيما يحرم على المحدث]
(من تيقَّن الطهارة وشك في الحدث، وتيقَّن الحدث وشك في الطهارة، عمل بما تيقن) وهو الطهارة في الأولى، والحدث في الثانية، لحديث عبد الله بن زيد قال شُكِيَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الرجلُ يخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة.
فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينصرف حتى يسمَعَ صوتاً أو يجدَ ريحاً" متفق عليه.
ولو عارضه ظن.
(ويحرم على المحدث) حدثاً أصغر أو أكبر (الصلاة) لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقبل الله تعالى صلاةً بغير طهور، ولا صدقةً من غلول" رواه الجماعة إلا البخاري، والصلاة شاملة للفرض والنفل، والسجود المجرد كسجود التلاوة والشكر، والقيام المجرد كصلاة الجنازة.
ولا يكفر من صلى محدثا.
(و) يحرم عليه أيضاً (الطواف) ولو نفلاً، لأن الطهارة شرط فيه.
(و) يحرم عليه أيضاً (مس المصحف) لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ وهو خبر معناه النهي، وبعضِهِ وحواشيهِ (ببشرته بلا حائل) ولو بغير يد حتى الورق الأبيض المتصل به ولو كان الماسُّ صغيراً إلا بطهارة كاملة، ولو تيمماً، سواء مسَ صغير لوحاً فيه قرآن، فلا يحرم مسُّه للوح من المحل الخالي من الكتابة.
ولا يجوز تمكين الصغير من المحل المكتوب فيه.
أما مسُّه بحائلٍ فلا يضرّ، كتصفحه بكمِّه، أو عودٍ، وحمله بعِلاقَة، وفي كيس.
ولا يحرم مسُّ التفسير، ومنسوخ التلاوة، وإن بقي حكمه، ومسّ المأثورِ عن الله تعالى، كالأحاديث القدسية، والتوراة، والإنجيل.
(ويزيد من عليه غسلُ) على من هو محدث حدثاً أصغر (بـ) شيئين
(قراءة القرآن) أي قراءة آية فصاعداً.
رويت 1 كراهة ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما، لا بعضِ آية ولو كرره، ما لم يتحيّل على قراءةٍ تحرم عليه.
وله تهجّيهِ، والذكر، وقراءةٌ لا تجزئ في الصلاة لإِسرارها 2.
وله قول ما وافق قرآناً ولم يقصده، كالبسملة، والتحميد، وآية الاسترجاع، وآية الركوب (واللُّبث في المسجد بلا وضوء) ولو مصلَّى عيدٍ.
قال الشيخ: وحينئذ فيجوز أن ينام فيه حيث ينام غيره، وإن كان النوم الكثير ينقض الوضوء، فلو تعذر الوضوء، واحتيج إليه جاز من غير تيمم نصًّا.
واللبث بالتيمم أولى.
ويتيمَّمُ للبثه فيه لغسل إذا تعذر الوضوء عليه 3.
باب مَا يُوجبُ الغسْل
بالضم: الاغتسال، والماء يغتسل به، وبالفتح: مصدر غَسَل (وهو) أي موجبه (سبعة) أشياء:
(أحدها): (انتقال المني) يعني أن
الغسل
يجب بمجرد إحساس الرجل بانتقال المنيّ من صلبه، والمرأة بانتقاله عن ترائبها، وهي عظام الصدر.
(فلو أحسّ بانتقاله، فحبسه فلم يخرج، وجب) عليه (الغسل) كخروجه.
ويثبت به حكم بلوغٍ وفطر وغيرهما.
(فلو اغتسل له) أي للانتقال (ثم خرج بعده) أي بعد الغسل (بلا لذة.
لم يُعِدِ الغسل) كما لو خرج دفعة واحدة، لأنه خارج بلا شهوةٍ، أشبه الخارج لِبَرْدٍ.
وبه علل أحمد رضي الله تعالى عنه.
(الثاني) من موجبات الغسل: (خروجه) أي المنيّ (من مخرجه) المعتاد 1، فلو خرج من غير مخرجه، لم يجب غسل (ولو دما) أي أحمر، لقصور الشهوة عن قصره 2 (ويشترط) لوجوب الغسل بخروجه (أن يكون
بلذة، ما لم يكن) الخارج منه المني (نائماً، ونحوه) كمغمىً عليه.
ويلزم من وجود اللذة أن يكون دفقاً فلهذا استغني عن ذكره.
(الثالث): من موجبات الغسل (تغييب الحشفة كلها) أي حشفة الذكر، وهي ما تحت الجلدة المقطوعة من الذكر في الختان، بشرط كونها أصلية (أو) تغييب (قدرها من مقطوعها).
ويترتب على تغييب الحشفة أحكام 1: منها تحريم الصلاة، والطواف، وسجود الشكر، والتلاوة، ومس المصحف، وقراءة القرآن، واللبث في المسجد إلا بوضوء، ويفسد الصلاة، وعلى مُغَيبِها في الحيض أو في النفاس الكفارة، وُيبطِل الاعتكاف، وُيفسِد الحج والعمرة، وتحليل المبتوتة، وتقرير المسمى، أو مهر المثل، ويوجب العدة، والاستبراء، والجلد، والتغريب، والرجم، ولحوق الولد، وإزالة الإِجبار عن الكبيرة، وتحصين الزوجين، والفيئة في الإِيلاء، وتحريم بنت الزوجة، وإحضار الماء للغسل، ويفسد الصوم الواجب، والتطوع، ويقطع التتابع في النذر المتتابع، نهاراً، وفي الظهار مطلقاً 2 للمظاهر منها، ويوجب الكفارة في الصوم، والكفارة على الحالف على عدم الوطء، والعقوبة في نكاح المتعة، ودفع العنت، وتحصل به الرجعة للحر والعبد والمبعض، وسقوط خيار المعتقة تحت عبده.
وتغييبها الذي يوجب الغسل يشترط أن يكون (بلا حائل) لانتفاء التقاء الختانين مع الحائل، لأن الحائل هو الملاقي لختان كل من المغيِّب والمغيَّب فيه، (في فرجٍ) أصلي، فلا غسل بتغيب حشفةٍ أصليةٍ في قُبُل
خنثى مشكلٍ (ولو) كان الفرج الأصليُّ (دُبراً) لوجود الفرج الأصلي, ولو (لميّت) لأنه إيلاج في فرج (أو) كان (لبهيمة أو طيرٍ) لأنه إيلاج في فرج، أشبه الآدمية (لكن لا يجب الغسل إلاَّ عَلَى ابن عشر وبنت تسع.)
فيلزم الغسل من ذُكِر إذا أراد ما يتوقف على غسلٍ أو وضوءٍ، كصلاة، وطواف، ومس مصحف.
ولا يلزمه الوضوء إذا أراد اللبث في المسجد.
وإن مات شهيداً قبل غَسْلِهِ غُسِلَ.
(الرابع): من موجبات الغسل: (إسلام الكافر ولو مرتداً) أو مميزاً، سواءٌ وُجِد في كفره ما يوجبه أو لا، وسواء اغتسل قبل إسلامه أو لا.
(الخامس): من موجبات الغسل: (خروج دم الحيض.)
وانقطاعه شرط لصحة الغسل له.
(السادس): من موجبات الغسل: (خروج دم النِّفاس) فلا يجب بولادة عرت عنه 1، كما لو ألقت علقة.
(السابع): من موجبات الغسل: (الموت، تعبداً) لأنه لو كان عن حدث لم يرتفع، لبقاء سببه، كالحائض.
ولو كان عن نَجَسٍ لم يطهر مع بقاء سبب التنجيس وهو الموت.
ويستثنى من ذلك الشهيد، والمقتول ظلماً.
فصل
[شروط صحة الغسل وواجباته وسننه]
(وشروط) صحة (الغسل سبعة) الأول: (انقطاع ما يوجبه) كفراغ جماع، وانقطاعِ حيضٍ.
(و) الثاني: (النية) للخبر السابق.
(و) الثالث: (الإِسلام.
و) الرابع: (العقل.
و) الخامس: (التمييز، و)