نيل المارب بشرح دليل الطالبصفحات 198-215
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 198-215
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن أبي تغلب
الكتاب
نَيْلُ المَآرِب بشَرح دَلِيلُ الطَّالِب
المؤلف
عبد القادر بن عمر بن عبد القادر ابن عمر بن أبي تغلب بن سالم التغلبي الشَّيْبَاني (المتوفى: 1135هـ)
المحقق
الدكتور محمد سُليمان عبد الله الأشقر - رحمه الله -
الناشر
مكتبة الفلاح، الكويت
الطبعة
الأولى، 1403 هـ - 1983 م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

(و) الثاني: (النية) قاله في "الفنون"، قال في الفروع: وهو ظاهر كلام غيرِه.
انتهى.
(و) الثالث: (وقوعهما) أي الخطبتين (حضراً) فلو كان بسفينةٍ أربعونَ رجلاً من أهل وجوبها مسافِرِين من قريةٍ واحدةٍ، فلما قربوا من قريتهم في وقت الجمعة خطبَهم أَحَدُهُمْ ولم يَصِلُوا إلى القرية حتى فرغ من الخطبتين، استأنفهما، لِوقوعهما 1 في السفر.
(و) الرابع: (حضورُ الأربعين) فأكثرَ من أهلِ القريةِ بالإِمام.
(و) الخامس: (أن يكون) أي الخطيب (ممن تصحُّ إمامته فيهما) لما تقدم من أنهما بدل عن ركعتين.
(وأركانهما) أي أركان الخطبتين (ستة): الأول: (حمد الله تعالى) وهو قول الخاطب "الحمد لله".
(و) الثاني: (الصلاةُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) لأن كلّ عبادة افتقرتْ إلى ذكرِ الله سبحانه وتعالى افتقرتْ إلى ذكر نبيه - صلى الله عليه وسلم -، كالأذان.
ويتعين لفظ الصلاة.
قال في المبدع: أو يشهد أنه عبدُ الله ورسولُه.
(و) الثالث: (قراءة آيةٍ) كاملةٍ (من كتاب الله) تعالى.
قال أحمد: يقرأُ ما شاء.
قال أبو المعالي: لو قرأ آية لا تستقلُّ بمعنًى أو حكم، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ و ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾، لم يكفِ.
(و) الرابع: (الوصية بتقوى الله) عز وجل، لأنه المقصود.
ولا يتعين لفظ الوصيةِ.
وأقلها "اتقوا الله" و"أطيعوا الله" ونحوه.
قال الشيخ: لا بدّ أن يحرّك القلوب.
ويبعثَ بها إلى الخير.
فلو اقتصر على "أطيعوا الله واجتنبوا معاصيه" فالأظهر لا يكفي.
قاله في المبدع.

(و) الخامس: (موالاتُهما) أي جميعُ الخطبتين (مع الصلاةِ) فلا يَفْصِلُ بين أجزاء الخطبتين، ولا بين إحداهما وبين الأخرى، ولا بينَ الخطبتين وبين الصلاة.
(و) السادس: (الجهرُ) بالخطبتين (بحيث يسمعُ) الخطيبَ (العددُ المعتبرُ) للجمعة، وهو أربعون من أهل وجوبِها، (حيثُ لا مانع) يمنعهم سماعَه من نومِ، أو غفلةٍ، أو صممِ بعضِهم لا كلِّهم.
فإن لم يسمعوا لخفضِ صوتِه، َ أو بُعْدِهم عنه لم تصح.
وتستحب البُداءة بالحمد لله، ثم بالثناءِ، ثم بالصلاةِ على النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم بالموعظة.
فإن نَكَّسَ أجْزَأ.
ويبطلهما كلامٌ محرَّمٌ في أثنائِهما، ولو كان يسيراً.
وهي بغير العربية كقراءةٍ 1.

[سنن الخطبتين]

(وسننهما) أي سننُ الخطبتين (الطهارةُ) من الحدَثِ، فتجزئ خطبةُ الجُنُبِ، نصًّا، لأنّ تحريم لُبْثِه بالمسجد لا تعلُّق له بواجب العبادة؛ (وسترُ العورة، وإزالةُ النجاسةِ، والدعاءُ للمسلمين، وأن يتولاَّهما مع الصلاة واحدٌ،) فلو خطبَ الثانيةَ غيرُ الذي خطبَ الأُولى أجزأتا، كالأذان، والإِقامة.
(و) مما يسنُّ للخطيبِ (رفعُ الصوتِ بهما) أي الخطبتين (حسبَ الطاقةِ) أي طاقتِهِ، لأنه أبلغ في الإِعلام.
(و) يسن (أن يخطب قائماً،) وأن يكونَ (على مرتَفِعٍ) منبرٍ، أو

غيرِه.
وأن يكون عن يمينِ مستقبلِ القبلةِ بالمحرابِ.
ويسن أن يكونَ (معتمداً على سيفٍ) أو قوسٍ (أو عصاً) لأنه أمكنُ له، وإشارةٌ إلى أن الدينَ فُتِحَ به 1. قالَ في الفروع: ويتوجَّهُ باليسرى 2، والأخرى بحرف المنبر.
(و) يسنُّ (أن يجلسَ بينهما) أي بين الخطبتين شيئاً (قليلاً).
قال في التلخيص: بقدر سورة الإِخلاص، وجلوسُه حتى يؤذَّن، (فإن أبى) أن يجلسَ فَصَل بينهما بسكتةٍ قدرِ جلوسه (أو خطبَ جالساً فَصَل بينهما بسكتةٍ) لأنه ليس في الجلسةِ ذكرٌ مشروع.
(وسُنَّ) للخطيب (قِصَرُهما) أي الخطبتين (و) كونُ (الثانية أقصَر) لأن قِصَر الخطبة أقربُ إلى قبولِها وعدم السآمة لها.
(ولا بأس أن يخطب من صحيفة.) ودعاؤه عقب صعوده لا أصل له.

فصل

[إنصات المأمومين للخطبة]

يحرم الكلامُ والإِمام يخطب، (وهو) أي المتكلم قريب 3 (منه) أي من الإِمام (بحيث يسمعه) أي يسمع الإِمام، ولو في حالِ تنفُّسِهِ، بخلافِ البعيد الذي لا يسمعه، لأن وجوب الإِنصات للاستماع، وهذا

ليسَ بمستمِعٍ.
وتباح الصلاة على النبى - صلى الله عليه وسلم - سرًّا، كالدعاء 1. ولا يسلِّم من دَخَل.
ويجوزُ تأمينُه على الدعاء، وحمدُه خِفيةً إذا عَطَسَ، نصًّا، وتَشْمِيتُ عاطسٍ، وردُّ سلامٍ نطقاً.
ويجوز لمن بَعُدَ عن الخطيبِ، ولم يسمعه، الاشتغالُ بالقرآنِ والذِّكر والصلاةِ والسلامِ على النبي - صلى الله عليه وسلم - خِفْيَةً.
وفعلُه أفضَلُ نصًّا.
(ويباح) الكلام (إذا سكتَ) الخطيبُ (بينَهما) أي بين الخطبتين.
(أو) إذا (شرع في دعاءٍ) لأنه حينئذ يكون قد فرِغَ من أركانِ الخطبة 2. والإِنصاتُ للدعاءِ غير واجب.

[تعدد صلاة الجمعة في البلد]

(وتحرم إقامة) صلاة (الجمعةِ وإقامةُ) صلاةِ (العيدِ في أكثرَ من موضعٍ) واحد (من البلدِ إلا لحاجةٍ كضيقٍ) قال في شرح المنتهى: أي ضيقِ مسجدِ البلدِ عن أهله.
اهـ. قال في حاشيته: قلت: الإِطلاق في الأهل شاملٌ لكل من تصحّ منه وإن لم يصلِّ، وإنْ لم تجبْ عليه، وحينئذ فالتعدد في مصرٍ للحاجة (وبعدٍ) أي بعد المسجدِ عن بعضِ أهلِ البلدِ بأن يكون البلد واسعاً، وتتباعَدَ أقطارُه، فيشقُّ على من منزله بعيدٌ عن محل الجمعة مجيئه إلى محلها، (وخوفِ فتنةٍ) فأن يكون بين بعضٍ وبعضٍ من أهل البلد عداوة، ويخشى إثارةُ الفتنة بصلاة الجمعةِ في مسجدٍ واحدٍ.
وعُلم مما تقدم أنها لو كانت تُقام في موضعين، أو ثلاثةٍ أو أكثر

من ذلك، وعَت الحاجة إلى إقامتها فيما يزيد على ذلك، كان لهم ذلك.
(فإن تعددت لغير ذلك) فالصحيحةُ ما باشرها الإِمامُ، أو أَذِنَ فيها لهم، فإن لم يكن باشَرَ شيئاً منهن، أو استوتا في الإِذن أو عدمه (فالسابقة بالإِحرام هي الصحيحة) منهنّ، حتى ولو كانت إحداهنّ بالمسجد الأعظم، والأخرى في مكانٍ لا يقدرون عليه، لاختصاص السلطانِ وجندِه بهِ.

[المسبوق]

(ومن أحْرَمَ بـ) صلاةِ (الجمعة في وقتِها، وأدرك مع الإِمام) منها (ركعةً, أتمّ) صلاته على كونها (جمعة).
(وإن أدرك) المأمومُ مع إمامِهِ (أقلّ من ركعةٍ نَوَى ظهراً) عند إحرامه إن كان دخل وقتُ الظهرِ، وإلا بأن لم يكن دخل وقت الظهر عند إحرامه، أو نوى الجمعة وقد فاته ركوع الركعة الثانية مع الإِمام، فإنه يتم صلاته نفلاً.
وعنه يكون مدركاً للجمعة بإحرامِهِ بها في وقتها، ولو لم يدرك مع الإِمام ركعة.

[الرواتب يوم الجمعة]

(وأقل السنّة الراتبة) للجمعة (بعدها ركعتان) نص عليه.
(وأكثرها) أي وأكثر السنّةُ الرِاتبة بعد الجمعة (سِتٌّ) أي سِتُّ ركعاتٍ 1. وليس لها قبلها سنة راتبة، بل يستحبُّ أربع ركعات.

(وسن قراءةُ سورةِ الكهفِ في يومها) أي الجمعة.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "من قرأ سورة الكهفِ في يومِ الجمعةِ أو ليلتها وُقي فتنة الدجال" 1 وفي رواية "من قرأ سورةَ الكهفِ في يوم الجمعةِ أضاءَ له من النور ما بين الجمعتين" 2. (و) يسن (أن يقرأ في فجرِها) في الركعةِ الأولى بعد الفاتِحَةِ (آلم السّجْدة، وفي) الركعة (الثانية: هَلْ أَتَى) عَلَى الإِنْسَانِ حينٌ مِنَ الدّهْر، بعد الفاتحة.
قال الشيخ: لتضمنهما 3 ابتداءَ خلق السموات والأرض، وخَلْقِ الإِنسانِ، إلى أن يدخل الجنةَ أو النار.
(وتكره مداومتُه عليهما) أي على هاتين السورتين في فجر يوم الجمعة، قال جماعة: لئلا يُظَنُّ الوجوب.
قال الشيخ: ويكره تحرّيهِ قراءة سجدةٍ غيرِها.
والسنة إكمالها.
وتكره القراءةُ في عشاءِ ليلةِ الجمعةِ بسورة الجمعةِ.
زاد في الرعاية: والمنافقين.

باب صَلَاة العيدَيْن وَصفتهَا

وسُمِّي عِيداً لأنه يعودُ ويتكرّر.
(وهي) أي صلاة العيدين (فرضُ كفاية)، إذا اتّفق أهل بلدٍ على تركِها قاتَلَهُم الإِمام، لأنها من شعائِرِ الإِسلام الظاهرة.
(وشروطها) أي صلاة العيدين (كـ) شروط (الجمعة،) من استيطانٍ، وعَدَدٍ، (ما عدا الخطبتين) فإنهما في العيد سنّة.
(وتسن بالصحراء) 1 إذا كانت قريبةً عرفاً.
وكُرِهَ أن تصلَّى بالجامِعِ داخلَ البَلَدِ بغيرِ مكّةَ، إلا لعذرٍ، كمرضٍ ونحوه.
(ويكره النَّفْلُ قبلَها وبعدَها) في موضِعِها، وقضاء فائتةٍ (قبل مفارقَةِ المصلَّى) إماماً كان أو مأموماً، في صحراءَ فُعِلَتْ أو في مسجد.
ولا بأسَ بالتنفّل إذا خَرَجَ أو فارقَهُ ثم عاد إليه.
وقضاء الفائتة أَوْلى، لوجوبها.
(ووقتها) أي وقت صلاة العيد (كـ) وقت (صلاة الضّحى)، وهو من خروجِ وقتِ النهي إلى قُبَيْلِ الزوال.
(فإن لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوالِ صلَّوا) العيد (من الغد)،

وتكون (قضاءً)، وكذا لو مضى أيامٌ.
(وسُنَّ تبكير المأموم) إلى صلاة العيد، ليحصل له الدنوّ من الإِمام، وانتظارُ الصلاة، فيكثرُ ثوابه، بعد صلاة الصبح 1. (و) سنّ (تأخيرُ الإِمام إلى) دخول (وقتِ الصلاةِ) لأن الإِمام ينتظره الناسُ، ولا ينتظر هو أحداً.
(و) سن لمن صلى العيد (إذا ذهب في طريق يرجع من أخرى) غيرِ طريق غدوّه، ليشهد له الطريقان، أو لمساواتِهِ لهما في التبرك بمروره، أو سرورِهما برؤيته، أو لزيادةِ الأجرِ بالسلام على أهل الطريق الأخرى، أو لتحصل الصدقَة على الفقراء من أهل الطريقين.
(وكذا الجمعة) قال في شرح المنتهى: فينبغي طرده في غير العيدين.
(وصلاة العيدين ركعتان: يكبّر في) الركعة (الأولى بعد تكبير الإِحرام) وبعد الاستفتاح (وقبل التعوّذ، ستًّا) أي ستَّ تكبيرات زوائد، (وفي) الركعة (الثانية) بعد القيامِ من سجوده (قبلَ القراءةِ خمساً) أي خمسَ تكبيراتٍ زوائد، (يرفَعُ) المصلي (يديه مع كل تكبيرة، ويقول بينهما) أي بين كل تكبيرتين: ("الله أكبرُ كبيراً.
والحمدُ لله كثيراً، وسُبْحَانَ الله) وبحمدِهِ (بكرةً وأصيلا.
وصلَّى اللهُ على محمدٍ النبيِّ الأمّيّ وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً").
وإن أحب قال غير ذلك من الأذكار، لأنّ الغَرَضَ الذكرُ بعد التَّكَبير، لا ذكرٌ مخصوص.
(ثم يستعيذ) عقب السادِسَةِ بلا ذكرٍ بعد التكبيرة الأخيرة في الركعتين، لأن الذِّكْرَ إنما هو بين التكبيرتين.

(ثم يقرأ جهراً الفاتحةَ، ثم سبحِ) اسمَ ربكَ الأعلى (في) الركعة (الأُولى، و) سورة (الغاشيةِ) بعد الفاتحة (في) الركعة (الثانية).

[خطبتا العيد]

(فإذا سلم) الإِمام من الصلاة (خطبَ خطبتين).
(وأحكامهما) أي أحكام هاتين الخطبتين (كخطبتي الجمعة) في جميعِ ما تقدم في خطبتي الجمعة، حتى في تحريم الكلامِ حالَ الخطبة.
(لكن يسنُّ) للخطيب (أن يستفتح) الخطبةَ (الأُولى بتسعِ تكبيراتٍ) نَسَقاً، (و) الخطبةَ (الثانيةَ بِسَبْعٍ) نَسَقاً، قائماً كسائِرِ أذكار الخطبة.
(وإن صلى العيدَ كالنافلة صحّ، لأن التكبيراتِ الزوائدَ والذكر بينهما) والخطبتين سنّة، لأنّه ذكر مشروعٌ بين التحريمِ والقراءةِ، أشبهَ دعاءَ الاستفتاح.
فعلى هذا لو نَسِيَهُ.
فلا سجودَ للسهوِ في الأصحّ، (و) لأن (الخطبتين سُنَّةٌ) ولو وجَبَتَا لوجبَ حضورُهما.

[قضاء صلاة العيد]

(وسُنَّ لمن فاتَتْهُ) صلاةُ العيدِ مع الإِمام (قضاؤُها) في يومها على صفتِها (ولو بعدَ الزوال) كمُدْرِكِ الإِمام في التشهد.

فصل

[في التكبير في أيام العيدين]

(يسن التكبير المطلق) وهو الذي لم يُقَيَد بكونه عَقِبَ المكتوبات، (والجهرُ به) [لـ] غير أنثى (في ليلتي العيدين) في البيوتِ والأسواقِ والمساجدِ وغير ذلك.

وتكبيرٌ في عيد فطر آكَدُ.
للآية 1 (إلى فراغِ الخطبةِ).
(و) سن التكبير المطلقُ أيضاً (في كلِّ عشر 2 ذي الحجة).
(والتكبيرُ المقيَّد في الأضحى عقبَ كلِّ فريضةٍ صلاها في جماعةٍ) حتّى الفائِتَةِ في عامِ ذلكَ العيدِ، إذا صلاّها جماعةً (من صلاة فجرِ عرفَةَ إلى عصرِ آخِرِ أيامِ التشريق) ويستثنى من ذلك صورةٌ أشار إليها بقوله (إلا المُحْرِمَ فـ) إنه (يكبِّر) بعد المكتوباتِ (من صلاةِ ظُهرِ يَوْمِ النَّحْر) إلى آخر أيامِ التشريق، لأن التلبية تُقْطَعُ برمي جمرة العقبة.
وأيامُ التشريقِ هي حادي عشر ذي الحجةِ، وثاني عشره، وثالث عشره.
ومسافرٌ ومميّزٌ كمقيمٍ وبالغٍ، وخنثى كذكر 3. (ويكبر الإِمام مستقبلَ الناسِ) يعني أن الإِمامَ إذا سلّم من المكتوبة التفت إلى المأمومين، ثم كبَّر.
ومن نسيه بعد سلامِه قضاه إذا ذكره مكانه.
فإذا قام وذَهَبَ عادَ فَجَلَسَ، ما لم يُحْدِثْ، أو يخرجْ من المسجد، أو يَطُلِ الفصل بين سلامِهِ وتذكُّرِه.
(وصفته) أي صفة التكبير (شفعاً: الله أكْبر اللهُ أكْبرُ، لا إله.
إلا الله.
والله أكبرُ الله أكبر ولله الحمد) لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقوله كذلك 4.

[التهنئة في العيدين]

(ولا بأس بقوله) أي قول المصلي (لغيره) من المصلين (تقبَّل اللهُ منَّا ومنكَ.)

[الأيام العشر]

ويستحبُّ الاجتهاد في عملِ الخيرِ أيامَ عشر ذي الحجة، من الذكر والصيامِ والصدقةِ وسائرِ أعمالِ البرّ، لأنها أفضلُ الأيام، لحديث "ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى الله تعالى من عشرِ ذي الحجة." 1

باب صَلَاة الكُسُوف

وهو ذهاب ضوء 1 أحد النيِّريْنِ أو بعضِهِ.
(وهي) أي صلاةُ الكسوف، (سنَّة) مؤكدة حتى سفراً.
والكسوفُ والخسوفُ بمعنى واحدٍ.
وقيل: الكسوفُ للشمسِ والخسوفُ للقمر.
وقيل: الكسوف تغيّرهما والخسوف تغيُّبُهمَا.
(من غير خطبة.) قال في الفروع: ولا تُشْرَعُ خطبةٌ وفاقاً لأبي حنيفة ومالك.
(ووقتُها) أي وقت صلاة الكسوفِ (من ابتداءِ الكسوفِ إلى ذهابِهِ) أي الكسوف.
(ولا تقضى) صلاةُ الكسوف (إن فاتت) لأن القصد عَوْدُ نورِ المكسوف، وقد عاد كاملاً، ولأنها سنةٌ غير راتبة، ولا تابعةٌ لفرض فلم تقض كاستسقاءٍ، وتحيةِ مسجدِ، وسجود شكر، لفوات محله.
وفعلها جماعةً بمسجدٍ أفضلُ.
وللصبيان حضورُهَا.
(وهي) أي صلاة الكسوف (ركعتان: يقرأ في الركعة الأولى) منها

(جهراً الفاتحةَ وسورةً طويلةً،) من غيرِ تعيين، (ثم يركع) ركوعاً (طويلاً،) فيسبّح، قال جماعةٌ: نحوَ مائةِ آيةٍ، (ثم يرفع فيسمِّع)، أي يقول: "سمع الله لمن حمده" (ويحمِّد) أي يقول: "ربّنا ولك الحمد" (ولا يسجد، بل يقرأ الفاتحةَ) أيضاً، (وسورةً طويلة) دون الطول الأوّل في القيام، (ثم يركعُ) فيطيلُ، وهو دونَ الركوعِ الأول، (ثم يرفع) فيسمِّع ويحمِّد (ثم يسجد سجدتين طويلتين).
(ثم يصلّي) الركعةَ (الثانيةَ كـ) الركعةِ (الأولى) في كونها بركوعين طويلين، وسجدتينِ طويلتين، لكن دون الأولى في كلِّ ما يفعل.
(ثم يتشهَّد ويسلّم.) ولا تعادُ إن فرغَتْ قبل التجلّي، بل يذكر ويدعو.
وإن تجلَّى فيها أتمَّها خفيفة.
(وإن أتى) في صلاة الكسوف (في كل ركعةٍ بثلاثة ركوعات أو أربعة أو خمسة 1 فلا بأس) أي لا حرج في ذلك لا يزيد على خمسة ركوعاتٍ في كلِّ ركعةٍ، ولا على سجدتين فيها، لأنه لم يرد به نص والقياس لا يقتضيه 2. (وما بعد) الركوع (الأول) من كل ركعةٍ (سنّةٌ) كتكبيرات العيد (لا تُدرَكُ به الركعة) ولا تبطل الصلاة بتركِهِ.
(ويصح أن يصليها كالنافلة)، ويحمل النصُّ بالركوع الزائد على الفضيلة.

[صلاة الآيات]

ولا يصلَّى لآيةٍ غيرِ الكسوف.
كظلمةٍ نهاراً وضياءٍ ليلاً، وريحٍ شديدة، وصواعقَ، إلاَّ لزلزلةٍ دائمةٍ.

باب صَلَاة الاستسقاء

وهو الدعاءُ بطلبِ السُّقْيَا على صفةٍ مخصوصة.
(وهي) أي صلاة الاستسقاء (سنَّةٌ) مؤكدةٌ حتى سفراً إذا أضرَّ الناسَ إجدابُ أرضٍ، أو قحطُ مطرٍ، أو غورُ ماءِ عيونٍ أو أنهارٍ.
(ووقتُها) أي وقت صلاة الاستسقاءِ (وصفتُها) في موضِعها (وأحكامِها كصلاةِ العيدِ.) فعُلِمَ منه أنها تُفعل في وقتِ صلاةِ العيد.
(وإذا أراد الإِمامُ الخروجَ لها) أي لصلاةِ الاستسقاءِ (وَعَظَ الناسَ) أي ذكرهم بما يلين قلوبَهُمْ من الثَّوابِ والعِقابِ، وخوَّفهم بالعواقِب، (وأمرَهُمْ بالتوبةِ) من المعاصي، أي الرجوع عنها (والخروجِ من المظالمِ) بأن يردَّ من عندَه مظلمةٌ لمستحقِّها، وذلك واجبٌ في كل وقتٍ، ولأنّ المعاصي سَببٌ القحطِ، والتقوى سببُ البركاتِ.
وأَمرَهُمْ بتركِ التَّشاحُنِ، والصدقةِ، والصوم.
ولا يلزَمان بأمرِهِ.
ويَعِدُهم يوماً يخرجون فيه.
(ويتنَظَّفُ لها) أي لصلاةِ الاستسقاء بإزالةِ الرائحةِ الكريهةِ، وتقليمِ الأظفار، لئلا يؤذي الناسَ يوم يجتمعون.
(ولا يتطيبُ) لأنه يوم استكانةٍ وخضوع.
(ويخرج) الإِمام كغيرِهِ (متواضعاً متخشّعاً) أيْ خاضِعاً (متذلِّلاً)

والذلّ: الهوانُ (متضرّعاً) أي مستكيناً 1 (ومعه أهلُ الدينِ والصَّلاحِ، والشيوخُ،) لأنه أسرع لإِجابةِ دعائِهِمْ.
وسُنَّ خروجُ صبي مميّزٍ (ويباحُ خروج 2 الأطفالِ) الذين لم يميّزوا (والعجائِزِ والبهائِمِ) لأنَّ الرِّزْقَ مشتَرَكٌ بينَ الكُلِّ.
(و) يباحُ (التوسُّل بالصالحينَ) 3 وقد استسقى عمرُ بالعباسِ، ومعاويةُ بيزيدَ بنِ الأسود.
قال في المبدعِ: يستحبُّ الاستسقاءُ بمنْ ظَهَرَ صلاحُه لأنه أقرب إلى الإِجابة.
(فيصلي) ركعتين، يأتي فيهما بالتكبيرات الزوائِدِ كصلاة 4 العيد.
(ثم يخطبُ خطبةً واحدةً) على الأصحّ، (يفتَتِحُهَا بالتكبير، كخطبةِ العيدِ) وعنه يفتتحُها بالحَمْدِ.
(ويكثِر فيها الاستغفارَ) لأنَّه سبَبٌ لنزولِ الغيث (و) يكثر فيها أيضاً (قراءةَ آياتِ فيها الأمْرُ به) أي بالاستغفار، كقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾.
(ويرفعُ يديهِ) في الدعاءِ (وظهورُهما نحوَ السَّماءِ) لحديثٍ رواه مسلم (فيدعُو بدعاءِ النبي - صلى الله عليه وسلم -) وهو "اللهُم اسْقِنَا غيثاً مُغيثاً هنيئاً مريئاً غَدَقاً مجلِّلاً سحًّا عامًّا طبقاً دائماً.
اللَّهُم اسقِنا الغَيْثَ ولا تجعلْنا من القانِطِين.
اللهم سُقْيَا رحمةٍ لا سُقْيَا عذابِ ولا بلاءٍ ولا هدْمِ ولا غرقٍ.
اللهُمَّ إنَّ بِالعِبَادِ والبلادِ من اللأواءِ والجُهْدِ والضَّنْكِ ما لاَ نشكوه إلا إليك.
اللهُمَّ أَنبِتْ لنا الزرعَ، وأَدِرَّ لنا الضَّرْعَ، وأَسْقِنَا من بركاتِ السماءِ، وأَنْزِلْ علينا من بركاتِك.
اللهُمَّ ارفعْ عنا الجَهْدَ والجُوعَ والعُرْيَ، واكشِفْ عنا من البَلَاءِ ما لا يكشِفُة أحدٌ غَيْرُكَ.
اللَّهُمَّ إنّا

نستغفرك إنَّكَ كنتَ غفّاراً، فأرسْلِ السماءَ علينا مدراراً" ويكثر من الدعاء.
(ويؤمِّن المأمومُ) على دعاءِ الإِمام.
ولا يكره قوله: "اللهُمَّ أَمطِرْنَا" 1 ذكره أبو المعالي.

[قلب الرداء]

(ثم يستقبل الإِمامُ القِبْلَةَ) استحباباً (في أثناءِ الخطبة) قال النووي: فيه استحبابُ استقبالِها للدعاء.
وُيلْحَقُ به الوضوء، والغُسلُ، والتيمُّمُ، والقرآنُ، وسائرُ الطاعات إلا ما خرج بدليلٍ، كالخطبة 2 (فيقول سراً: "اللهُمَّ إنَّكَ أمرْتَنَا بدعائِك، ووعدتنا إجابَتَكَ.
وقد دعونَاكَ كما أَمرْتَنَا فاستجبْ لنا كما وعدتنا") لأن في ذلك استنجازاً لما وَعَدَ من فضلِه، حيث قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
وإن دعا بغيرِ ذلك فلا بأس.
(ثم يحوِّل) الإمام (رداءَهُ فيجعلُ الأيمنَ على الأيْسَرِ والأيْسَرَ على الأيْمن).
(وكذا الناس) يُسَنُّ لهم أن يحوْلُوا أرْدِيَتَهمْ كالإِمام.
(ويتركونَهُ حتى ينزعوهُ مع ثيابهمْ) لأنه لم ينقَلْ عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أحدٍ من أصحابهِ أنه غَيّر رداءَه.

[تكرار صلاة الاستسقاء]

(فإن سُقُوا) في أول مرة فذلك فضلٌ من الله ونعمة، (وإلا) أي

وإنْ لم يُسْقُوا في أوّلِ مرة (عادوا ثانياً و) كذا يعودون (ثالثاً) إن لم يُسْقُوا ثانياً، لأن ذلك أبلغُ في التضرُّع.
وإن سُقُوا قبل خروجِهم فإن كانوا تأهَّبُوا للخروجِ خَرجُوا وصلَّوْا صلاةَ الاستسقاءِ شكراً، وإنْ لم يكونوا تأهّبوا للخروج لم يخرجُوا، وشكروا الله تعالى، وسألوه المزيد من فضله.

[ما يسن لنزول المطر]

(ويسنُّ الوقوف في أوّل المَطَرِ، والوضوءُ) منه (والاغتسالُ منه، واخراجُ رحله) وهو ما يَسْتَصْحِبُ من الأثاث (وثيابِهِ، ليصيبها) الماء، لما رُوِيَ أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول إذا سال الوادي: "اخرُجوا بنا إلى هذا الذي جعلَهُ الله لنا طهوراً فنتطهَّرَ به" 1 (وإن كثُر المطر حتى خيفَ منه سُنَّ قول: "اللهُمَّ حوالَيْنَا ولا عَلَيْنَا اللهُم على الآكامِ) بفتح الهمزة 2 وهي ما علا من الأرض ولم يبلغ أن يكون جبلاً، وكان أكثرَ ارتفاعاً مما حوله.
وقال مالك: الآكامُ الجبال الصغار.
وقال الخليل: وهي حجرٌ واحد 3 (والظّرابِ) هي الرابية الصغيرة (وبطونِ الأودية) الأماكنُ المنخفضة (ومنابِتِ الشجر) أصولُها لأنه أنفعُ لها (ربنَا ولا تحمِّلْنا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) أي لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق.
وقيل: هو حديثُ النَّفْسِ والوسوسة.
وقيل: العِشْقُ.
وقيل: شماتة الأعداء.
وقيل: هي الفِرقةُ والقطيعة، نعوذ باللهِ من جميع ذلك

(الآية ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ أي تجاوز وامحُ عنا ذنوبنا ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي استُرْ علينا ذنوبَنَا ولا تفضحنا ﴿وَارْحَمْنَا﴾ فإننا لا ننال العمل إلا بطاعتك، ولا نتركُ معاصيَك إلا برحتمك إيانا ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ وسيدنا ومتولي أمورنا ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ بإقامةِ الحجةِ والغلبةِ في قتالِهِمْ فإن من شأن المولى أن ينصر مواليه على الأعداء.
(وسن) لمن أغيثَ بالمطر (قول: "مُطِرْنَا بفضل الله وَرَحْمَتِهِ" ويحرم) أن يقول: "مطرنا (بنوءِ) أي كوكب (كذا") لما روى مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً "ألم تَرَوْا إلى ما قال ربُّكم؟ قال: ما أنْعَمْتُ على عبدي من نعمةٍ إلا أصبحَ فريقٌ بها كافرين، يقولون: الكواكَبُ كَذَا وكذا" والنَّوْءُ النجم مال للغروب.
قاله في القاموس 1. (ويباح) أن يقول: مُطِرْنَا (في نوء كذا) خلافاً للآمدي.
ومن رأى سحاباً، وهبَّتْ ريحٌ، فليسأل الله تعالى خيرَهُ، ويتعوذْ به من شره.
ولا يسبُّ الريحَ إذا عصفتْ، بل يسألُ الله تعالى خيرَها وخير ما أُرْسِلَتْ به، ويتعوذ به من شرها وشر ما أرسلت به.
فائدة: روى أبو نعيم في الحلية بسنده عن أبي زكريا، قال: "من قال: سبحان الله وبحمده، عند البرق، لم تصبه صاعقة".

فصول الكتاب · 33 فصل · 512 صفحة
جارٍ التحميل