وأمّا "عنه" فيتعلّق بمحذوف تقديره: أقل رواية، أو تحديثًا عنه، فلما حذف فسر بـ "حديثا"، ويجوز أن يكون "عنه" نعتًا للحديث (1)، أي: حديثًا كائنًا عنه، فقدم (2) فصار حالًا (3).
(362 - 2) وفي حديثه: "وَكَانَ عُثْمَانُ إِذَا قَدمَ مَكَّةَ صَلَّى بهمُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْعِشَاءَ الآخِرَةَ أَرْبَعًا ارْبَعًا" (4):
"أربعًا": منصوب على المصدر؛ (كما تقول: قد صلّى صلاة هي أربع) (5)؛ كما تقول: ركع أربع ركعات، فـ " أربع " عدد مضاف إلى المصدر، فينتصب انتصابه؛ كقولهم: ضربته ثلاث ضربات، أي: ضربات ثلاثًا، فقدم وأضاف.
وإذا أضيفت صفة المصدر [إليه] (6) انتصبت نصب المصادر.
وفي مسند معيقيب
(363 - 1) " إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً" 9234567
يجوش النصب على تقدير: فافعل واحدة، والرفع على تقدير: فواحدة جائزة (1)، ويعنىِ بذلك (2) تسوية التراب لموضع السجود (3)
وفي حديث المغيرة بن شعبة
(364 - 1) " فَمَكَثَ طَوِيلًا" 6: نعت لمصدر محذوف تقديره 7: مكثًا طويلًا، ويجوز أن يكون نعتًا لظرف محذوف تقديره (6): زمنًا طويلًا 8234
وفي حديث المقدام بن معدي كرب أبي كريم
(365 - 1) " مَا أَكَلَ أَحَدٌ قَطُّ طَعَامًا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ" 3:
"خيرًا" منصوب على الصِّفَة لـ "طعام"، و"قط" مبينة على الضم، ويراد بها الزّمان الماضي.
= محذوف، أو لظرف محذوف، أي: مكثّا غير بعيد، أو: وقتًا غير بعيد.
ينظر: "حل ألغاز إعرابية"، ابن هشام الأنصاري (ص 27)، تحقيق محمّد إبراهيم سليم، مكتبة ابن سينا.
وانظر إن شئت: "البيان"، لابن الأنباري (2/ 220).
حرف النون
وفي حديث أبي برزة نضلة بن عبيد 1: (366 - 1) "أنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ جُلَيْبِيبٍ 2 فَقَالَت: "أُجُلَيْبِيبُ انِيهْ" 3: جماعة من الحدثين يخلطون 4 في هذا اللّفظ، والصواب فيه وجهان: أحدهما: "أجليبيبُ نِيه"، وحقيقته أنّه تنوين كسر، وأشبعت كسرته، فنشأت منها الياء، ثمّ زيدت الهاء 5 ليقع الوقف عليها.
والثّاني: أجليبيب إنيه، فـ "إنيه" كلمة منفصلة ممّا قبلها؛ قال الشاعر 1: [الخفيف] (36) بَيْنَما نَحْنُ وَاقِفُونَ بِفَلْجٍ... قَالت الدُّلَّحُ الرِّوَاء إنيهِ والغرض من ذلك كله الاستفهام على طريقة الإنكار، وقد ذكر [ذلك] 2 سيبويه في كتابه 3، وسمعت هذا كله في الحديث من شيخنا أبي محمّد [بن] الخشاب 4، وقت سماعنا عليه "مسند أحمد" رحمه اللَّه!.
وفي حديث النعمان بن بشير
(367 - 1) قال: " كلُّهُمْ أَعْطَيْتَهُمْ كَمَا أَعْطَيْتَهُ؟ ! " 3:
في "كلهم" وجهان: الرفع على الابتداء، و"أعطيتهم" وما عمل فيه الخبر.
والثّاني: النصب، تقديره: أعطيت كلهم، فحذف الفعل، وفسره بقوله: "أعطيتهم".
ولا يجوز أن ينصب "كلهم" بـ"أعطيتهم"؛ لأنّ "أعطيتهم" قد تعدى إلى مفعولين، هما الضمير ومثل 4. فأمّا قوله في الرِّواية الأخرى: "أَكُلَّ بَنِيكَ نَحَلْتَ مثْلَ هَذَا؟ ! " 5 فالصواب نصب "كلّ" بـ "نحلت"؛ لأنّه لم يشغل عنه بضميره، والرفع بعيد، وإنّما موضعه الشعر، وعلى ذلك كله نصّ سيبويه 6.
وفي حديث أبي بَكْرة نُفَيع بن الحارث بن كَلَدة
(1): (368 - 1) " وَيُخْرِجُونَ مَنْ كانَ فِي قَلبِهِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً" (2) "ذرة" منصوب بـ "يزن" على أنّه مفعول به؛ [لأنّ] (3) تقديره: لا يساوي في القدر بعوضة.
وفي حديث نقادة الأسدي
(369 - 1) " اللَّهُمَّ اجْعَلْ قُوتَ فُلَانٍ يَوْمَ يَوْمَ" 6: التقدير: قوت يوم، فحذف المضاف وأبقى المضاف إليه على جره 7.234
و"يوم " الثّاني تكرير له، ويجوز أن يكون "يوم يوم" فركبهما وبناهما على الفتح؛ كما تقول (1): لقيته صباح مساء، وسقطوا بين بين.
وإن ورد "يومًا" بالنصب والتّنوين جاز وكان جيدًا.
وفي حديث النواس بن سمعان الكلابي
(370) حديث الدجال: قُلنَا: يَا رَسُولَ الله! ! مَا لُبْثُهُ في الأَرْضِ؟ ! قَالَ: "أرْبَعِينَ يَوْمًا" 4:
[هكذا] 5 في هذه الرِّواية، والوجه [فيه] 6 أن يقدر: "يلبث" أربعين، أو يقيم أربعين.
ودل على ذلك قوله: "ما لبثه".
2
حرف الهاء
في حديث هاني بن نيار أبي بردة
(371 - 1) " لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى تَكُونَ لِلُكَعِ بْنِ لُكَعٍ" 3: هو مصروف هنا؛ لأنّه وإن كان معدولًا عن لاكع - نكرةٌ 4، ولذلك دخلت عليه الألف واللام في قوله - صلّى الله عليه وسلم -: ابن اللكع 5.
حرف الياء
في حديث يزيد بن الأخنس
(1):
(372 - 1) " فَيَقُولُ رَجُلٌ: لَوْ أَنَّ اللَّه أَعْطَانِي مثْلَ مَا أَعْطَى فُلَانًا فَأَقُومَ به كمَا يَقُومُ بِهِ؟ ! " (2):
"فأقوم" بالنصب؛ لأنّه جواب "لو"، وهي هنا للتمني؛ فهي كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 167] ويدلُّك [على] (3) أنّها جواب أنك لو جعلت مكان "فأقوم" "لقمت" صح، ولمَّا عدل عن الفعل الماضي إلى المستقبل نصبه؛ لأنّ الأوّل سبب للثاني، فقد أختلفا.
وكذلك قوله فيه: "فَأَتَصَدَّقَ... " تمام الحديث.
في حديث يعلى بن مرّة أبي المرازم الثقفي، وهو يعلى بن سيّابة
(373 - 1) " مَا أَحْسَسْنَا منْهُ شَيْئًا حَتَّى السَّاعَةِ" 6:234
يجوز الجر بمعنى: "إلى"؛ كما قال تعالى: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: 35]،، والنصب على معنى: ولا السّاعة، فتكون بمنزلة الواو، أي: ما أحسسنا منه قبل ذلك ولا السّاعة 1.
وفيه 2: "فاسْتَوْص به مَعْرُوفًا" 3 وهو مفعول، تقديره: افعل به معروفًا كما وصيت.
ويجوز أن يَكَوَن نعتًا لمصدر محذوف، أي: استيصاءً معروفًا.
ونظيره قوله - صلّى الله عليه وسلم -: "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا" 4.
= قال الحسيني: ليس بالمشهور... " ثمّ ذهب إلى أنّه هو عبد الرّحمن بن عبد العزيز الأُمامي، فقال: "ويغلب على ظني أنّهما واحد".
قلت: وقد ذكر في "تهذيب التهذيب" (6/ 220) في ترجمة الأُمامي عن أبي حاتم قوله: شيخ مضطرب الحديث، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، وقال ابن معين: شيخ مجهول.
وقال الأزدي: ليس بالقوي.
وذكره ابن حبّان في الثقات، ثمّ قال في "التقريب": "صدوق يخطئ".
ذكر أقوام من الصّحابة رضي اللَّه عنهم يشكّ في أسمائهم: عن (1) أبي هريرة أو أبي سعيد:
(374 - 1) يقول الله تعالى للملائكة: "أَيَّ شَيْءٍ تَرَكْتُمْ عِبَادِي يَصْنَعُونَ؟ ! " 2:
"أي" منصوب بـ"يصنعون"، وكذلك "أَيَّ شَيْء يَطلُبُونَ"، [منصوب بـ "يطلبون"] 3 وهنا يلزم تقديم المفعول على الفعل من أجل الاستفهام.
1
ذكر المعروفين بكُنَاهم: في حديث أبي بُهَيْسَةَ الفزاري
(1): (375 - 1) " يَا نَبيَّ الله! مَا الشَّيْءُ الَّذي لَا يَحل مَنْعُهُ؟ ! قال النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -: "أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَخَيْرٌ لَكَ"" (2): "أن" مفتوحة الهمزة هي مصدرية، وموضعها وموضع الفعل رفع بالابتداء، و"خير" خبره، ومثله قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (3) [البقرة: 184].
في حديث أبي الجعد [الضمري]
(376 - 1) " مَنْ تَرَكَ 6 ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا" 7:234
هو منصوب على أنّه مفعول له، ويجوز أن يكون مصدرًا في موضع الحال، أي: متهاونًا.
وفي حديث أبي سعيد الزرقي -[وقيل: أبي سعد]
1 -: (377 - 1) في العزل: فقال النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -: "إنَّ مَا يُقَدَّرُ فِي الرَّحِمِ فَسَيَكُنْ" 2: هكذا وقع في هذه الرِّواية بغير واو، وهو خطأ؛ لافي الفاء جواب الشرط والسين تمنع من عمل الفاء فيما بعدها، ففيه إذن شيئان مانعان من الجزم البتة 3.
ذكر مسانيد أقوام لم يعرفوا بآبائهم ولا بأبنائهم، لكن نسبوا (1) إلى أقاربهم: في حديث عم أبي حرة الرقاشي
(378 - 1) " فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلَّغٍ أسْعَدُ مِنْ سَامِعٍ" 4: "أسعد" هنا نعت لـ "مبلغ" مجرور، ولكنه فتح لأنّه لا ينصرف، والذي تتعلّق به "رب" محذوف، تقديره: يوجد، أو يصاب 5. وأجاز الكوفيون "أسعد" بالرفع، وبنوه على رأيهم في أن "رب" اسم مرفوع بالابتداء 6، فيكون "أسعد" خبرًا له.2
وفي حديث خال/ أبي السوار العدوي
(379 - 1) قال: "اللَّهُمَّ إِنَّ أُنَاسًا يَتْبَعُونِي" 3:
الصواب في هذا "يتبعونني" بنونين؛ لأنّه فعل مرفوع.
وإن روي بتشديد النون جاز، فأمّا نون واحدة مخففة فلا 4.
ذكر أقوام عرفوا بالقرب من غيرهم: في حديث خادم النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -:
(380 - 1) قَالَ: حَاجَتِي أَنْ تَشْفَعَ لي يوم القيامة.
قَالَ: وَمَنْ دَلَّكَ عَلَى هَذَا؟ قال: ربِّي.
قَالَ: إِمَّا لَا فَأَغِنِّي بِكَثْرَةِ السُّجُودِ" 1:
سمعتْ هذه الكلمة من العرب ممالة، وهي مستعملة في معنى الشرط 2، وجوابها محذوف، والتقدير ههنا: إِلَّا تترك سؤالك تنل شفاعتي فأعني.
وكل موضع تستعمل فيه فعلى هذا المعنى 3.
ذكر أقوام عرفوا بالنسب إلى قبائلهم: في حديث رجل من وفد عبد القيس
(381 - 1) قال: "كَيْفَ رأْيْتُمْ كرامة إخوانكم (وضيافتهم إِيَّاكُمْ؟ ) 3 قَالُوا: خَيْرَ إِخْوَانٍ [؛ ألانوا فرشنا] 4، وَأَصْبَحُوا يُعَلِّمُونَا كِتَابَ رَبِّنَا" 5: قوله: "خير إخوان" تقديره: وجدناهم إذ رأيناهم [خير] إخوان، والصواب "يعلموننا" بنونين، ولا يجوز غير ذلك؛ وإنّما جاء بنون واحدة مثل هذا في الشعر، وهو موضع ضرورة 6.
ذكر المجهولين: في حديث رجل
:
(382 - 1) " إِذَا كَانَ أحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ فَلَا يَرْفَعْ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ؛ أن يَلْتَمِعَ بَصَرُهُ" 1:
تقديره: مخافة أن يلتمع بصره، فهو مفعول له؛ كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النِّساء: 176]، أي: مخافة 2 أن تضلوا، أو كراهية.
والكوفيون يقدرونه: لئلا يلتمع بصره، والمعنى واحد.
(383 - 2) وفي حديث رجل؛ "أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صلّى الله عليه وسلم - صَلَّى العَصْرَ فَقَامَ رَجُلٌ يُصَلِّي فَرَآهُ عُمَرُ- رضي الله عنه - فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ؛ فَإِنَّمَا هلَكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لصَلَاتهم فَصْلٌ" 3:
الوجه فتح "أنّه"؛ لأنّ التقدير: "لأنّه"، فهو مفعول له، ولو كسرت لكان مستأنفًا غير متعلّق بما قبله، والمعنى على اتصاله به.
مسانيد النِّساء مرتب على الحروف أيضًا:
في حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي اللَّه عنهما:
(384 - 1) " قَدْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّكُمْ تُفْتَنُونَ في قُبُوركُمْ قريبًا أو مثْلَ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَالِ" 1:
"قريبًا" منصوب نعتًا لمصدر محذوف تقديره: أي افتتانًا قريبًا من فتنة، ولذلك قال: أو مثل، فأضافه إلى الفتنة.
وفيه: "لا أدري أَيَّ ذلك قالت أسماء 2 ": "أي" منصوب بـ "قالت" [لا] بقوله: "لا أدري"؛ لأنّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله إِلَّا حرف الجر 3.
وفيه: "قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إنْ كُنْتَ لَتُؤْمِنُ بِهِ" 4 التقدير: "إنك" فخففت "إن"، واللام في "لتؤمن" فارقة بين "إن" النافَيَة و "إن" المؤكدة.
ويجوز أن تكون اللام داخلة على خبر "إن" المكسورة وتكون "إن" مخففة من "إن" الثقيلة، وتكون "نعلم" معلقة عن العمل؛ لدخول اللام في الخبر.
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا﴾ [الصافات: 167، 168].
وفي حديث حَمْنَة بنت جحش المستحاضة
(385 - 1) " فَقَالَ لَهَا: سًامُرُكِ بِأمْرَيْنِ أَيَّهُمَا فَعَلْتِ" 3:
"أيهما" منصوب لا غير، والناصب له "فعلت"؛ كقوله تعالى: {أَوِ = العرب إِلَّا ويقول: تنبأ مسيلمة - بالهمز - غير أنّهم تركوا في الهمز النبيَّ كما تركوه في الذرية والبرية والخابية، إِلَّا أهل مكّة، فإنهم يهمزون هذه الأحرف ولا يهمزون في غيرها، ويخالفون العرب في ذلك... ".
ومعنى كلام سيبويه - رحمه الله - أن هذه الأحرف سماعية، وأنّهم لم يتجاوزوا بها ما ذكر عنهم، وأمّا حرف "استنقأت" فليس من المنصوص عليه عنهم.
فإن قيل: ألم يكن رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - مكيًّا؟ وكيف ترد ما صح عنه؟
فالجواب: بلى، كان رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - عربيًّا مكيًّا، إِلَّا أنّه قد ورد عنه فيما أخرجه الحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح على شرط الشيخين - من أن أعرابيًّا قال له: يا نبيء اللَّه، فأنكره عليه وقال: "لست بنبيء الله، فإنّما أنا نبي اللَّه" وقال: "إنا معشر قريش لا ننبر".
وهذا إن صح عنه فهو قاضٍ بأن هذه اللفظة هي ممّن دون النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -.
وأمّا أنَّا نرد ما صح عنه، فإنا إنّما رددنا أن تكون هذه اللفظة بهذا الضبط من كلامه، سيما ومدار الحديث على عبد الله بن محمّد بن عقيل بن أبي طالب، وهو مختلف فيه، وحديثه لا ينزل عن مرتبة الحسن، وليس مثل هذا تقوم به الحجة على ما نحن بصدده، سيما وقد اختلف عليه فيه، فالرواية عند الدارقطني بـ "استنقيت"، فلا أقل من أن نعضد بها ما ذهبنا إليه من أن هذا الحرف ممّا لا ينطق به أهل مكّة، بل غاية المقال أن عبد الله هذا أخطأ فيه أو وقع الخطأ ممّن دونه.
وقد يقول قائل: عبد اللَّه هذا ثقة، ثمّ هو بعد هذا قرشي الأصل وإن كان مدني المنشأ والوفاة.
فالجواب: أن قولنا في الراوي: "ثقة" لا يحمل في مضمونه الضبط والتحري، يعرف هذا من خبر صنعة الجرح والتعديل وكلام الأئمة، وما نزل رجال الحسن عن مرتبة الصّحيح إِلَّا لخفة الضبط.
وأمّا قول ابن عبد البرّ في عبد الله هذا: "هو أوثق من كلّ من تكلم فيه".
فنحن لم نطعن على الرَّجل في عدالة ولا دين، وإنّما كلّ ما في الأمر توقفنا في صحة رواية عنه خالفت رواية أخرى صحيحة في اللُّغة، مع عدم ترك الحكم الفقهي وتعطيله، سيما وقد خلت بعض روايات الحديث من اللفظة أصلًا.
نعم لو كان رجال الرِّواية عدولًا متقنين في غاية الضبط لقطعنا حينئذٍ - قاضين بغلبة الظن - بصحة هذا اللّفظ وإن خالف كلام أهل العربيّة؛ ثقة بنقلهم وحفاظًا للسنن، ونزولًا على قول الشّافعيّ - رضي الله عنه-: "ولا يحيط باللُّغة إِلَّا نبي".
وأمّا قول القاري: "فيكون جرأة عظيمة من صاحب "المغرب" بالنسبة إلى العدول الضابطين الحافظين" فأين الضابطون الحافظون؟ ! وهل كلّ ما صح إسنادًا صح متنًا؟ وما حديث السبع الأراضين عنا ببعيد (! ! ).
وأمّا ما نقل عن الفراء من قوله: "ربما خرجت به فصاحتهم.. إلخ"، ففيه نظر من وجوه:
الأوّل: أن قوله: "ربما" يفيد التقليل، وأنّها ليست عادتهم.
الثّاني: أن قوله: "أن يهمزوا ما ليس بمهموز" يفيد الإطلاق، وإنّما هو مقيد بما سمع.
الثّالث: أنّه معارض يقول سيبويه المتقدم، بل ما ورد عنه هو في قول المرأة الّتي من العرب: "رثأت زوجي بأبيات" قال: "وهذا من المرأة على التوهم؛ لأنّها رأتهم يقولون: رثأت اللبن، فظنت أن المرثية منها".
يعني أخطأت! !.
ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْخسْنَى} [الإسراءِ: 110] فـ "أيًّا" منصوب بـ "تدعوا".
وفيه: "إِذَا رَأيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنَقأتِ":
وقع في هذه الرِّواية بالألف والصواب "استنقيت"؛ لأنّه من "نقي الشيء وأنقيته: إذا نظفته"، ولا وجه فيه للألف ولا الهمزة.
وفيه: "فَصَلِّي أرْبَعًا وَعشْرِينَ [أو ثلاثًا وعشرين] (1) وَأيَّامَهَا": "أيامها" منصوب بـ "صلّي"، وهو معطَوف على "أربع" أو (2) على "ثلاث".
والضمير في "أيامها" يرجع إلى (3) الليالي.
في حديث الرُّبيِّع بنت مُعوِّذ بن عفراء
(386 - 1) " أتَيْتُ النَّبِيَّ - صلّى الله عليه وسلم - بقناع فِيهِ رُطَبٌ وَأجْرٍ زُغْبٌ" 6:234
الصواب الّذي لا يعدل (1) عنه أن يروى "أجر" بكسر الراء؛ لأنّه جمع "جرو"، وهو الصغير من القثاء والرمان ونحوهما، وجمعه "أجر" مثل دلو وأدل، وحقو وأحق.
وكان الأصل أجرو مثل فلس وأفلس، فأبدلت (2) الضمة كسرة فانقلبت الواو ياءً فرارًا من ثقل الواو بعد الضمة.
وفي حديث عائشة أم المؤمنين رضي اللَّه عنها:
(387 - 1) " أَيُّ الصَّلَاة 3 كَانَتْ أحَبَّ إِلَى رَسُول الله - صلّى الله عليه وسلم - أَنْ يُوَاظبَ عَلَيْهَا؟ قَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الَظُّهْر أرْبعًا يُطيلُ فِيهِنَّ القَيَامَ، وَيُحْسِنُ فِيَهِن الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَأَمَّا مَالم يكُنْ يَدَعُ 4 صَحيَحًا ولَا مَريضًا، ولا غَائبًا وَلا شَاهِدًا، فَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ" 5:
"أي" مبتدأ، و"كانت" فيها ضمير اسمها، يرجع إلى الصّلاة، و"أحب" خبر "كان"، وكان واسمها وخبرها خبر "أي"، و"أن يواظب" في موضع نصب بـ "أحب"، أي: يحب المواظبة.
ويجوز أن يكون في موضع رفع بـ "أحب"، كقولهم 6: كان زيد أحب إليه الخير، وباب أفعل 7 لا يعمل في اسم ظاهر إِلَّا إذا وقع موقع المضمر؛ كقولهم: ما رأيت رجلًا أحسن في عينيه الكحل منه في عين زيد 8، و"أن يواظب" بهذه الصِّفَة.12
وأمّا قولها: "لم يكن يدع صحيحًا ولا مريضًا فركعتين قبل الفجر"، وقولها: "ما لم يكن يدع" فمعناه: الّذي لم يكن، فـ "الّذي" مبتدأ، و"لم يكن" صلة 1، واسم "كان" مضمر فيها، أي: لم يكن هو، و"يدع" خبر "كان" والتقدير: يدعه.
و"صحيحًا" و"مريضًا" حالان من ضمير الفاعل في "يدع"، أي: كان يفعله على كلّ حال.
وقولها: "فركعتين" الياء خطأ، بل الواجب أن يقال 2: فركعتان؛ لأنّه خبر "ما"، ولا معنى للنصب هنا، وهذا مثل قولك: أمّا زيد فمنطلق، وأمّا الّذي عندنا فكريم 3.
(388 - 2) وفي حديثها 4 في "المسند": "دَخَلَتِ الْعَشْرُ" 5:
إنّما أنثت 6 لأنّها أرادت الليالي 7 العشر؛ لأنّ الليالي يؤرخ بها.
(389 - 3) وفي حديثها: "لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ شَوْكَةٌ فمَا فَوْقَهَا" 8: = كقول النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -: "ما من أيّام أحب إلى الله فيها الصوم منه في عشر ذي الحجة".
ومسألة الكحل هذه يجوز فيها أن يقال: ما رأيت رجلًا يحسن في عينه الكحل كحسنه في عين زيد.
ينظر تحرير المسألة في: "الكتاب" (2/ 31 - 32)، و"أوضح المسالك" (3/ 298)، و"شرح شذور الذهب" (ص 415)، و"شرح ابن عقيل" (3/ 188)، و"حاشية الصبان" (3/ 53 - 55).
"ما" بمعنى "الّذي" أو نكرة موصوفة، و"فوقها" منصوبة على الظرف، وهو إمّا صلة لـ "ما" أو صفة؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ 1 [البقرة: 26].
(390 - 4) وفي حديثها: "فَإِلى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: أقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا" 2:
"أقربهما" بالجر على تقدير: إلى أقربهما؛ ليكون الجواب كالسؤال.
ويجوز الرفع على تقدير: [هو] أقربهما، والنصب على تقدير: صِلي أقربهما.
و"بابًا" تمييز.
(391 - 4) وفي حديثها: "فَنَادَاني 3 مَلَكُ الجِبَالَ، فَسَلَّمَ عَلَى ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ" 4.
ينبغي أن يكون "ذلك" في موضع نصب على تقدير: "أفعل ذلك"؛ لأنّ الملك كان مامورًا أن يفعل ما يشاؤه 5 رسول الله - صلّى الله عليه وسلم -،، ويجوز أن يكون في موضع رفع على تقدير: لك ذلك 6.
(392 - 5) وفي حديثها: "إِنَّ الله - عَزَّ وَجَلَ - لَيُؤَيِّدُ حَسَّانًا" 7:
"حسان" يجوز صرفه على أنّه مشتق من الحسن؛ لأنّ النون فيه أصلّية، وكذلك جاء في هذه الرِّواية، ويجوز ألَّا يصرف 8 على أنّه يشتق من الحس،
فتكون النون زائدة، فيجتمع فيه التعريف وزيادة الألف والنون.
(393 - 6) وفي حديثها: "اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا فَأَعْطَاهُ دِرْعًا لَهُ رَهْنًا" 1:
"رهنًا" منصوب في موضع الحال، أي: أعطاه إياه راهنًا، ويجوز أن يكون نعتًا لـ "درع" وأن يكون نصبًا 2 على المصدر، أي: رهنها رهنًا، وأن يكون مفعولًا [له] 3، وأن يكون تمييزًا.
(394 - 7) وفي حديثها: "فَضْلُ الصَّلَاةِ بِسِوَاكٍ عَلَى الصَّلَاةِ بِغَيْرِ سِوَاكٍ سَبْعِينَ صَلَاةً" 4:
كذا وقع في هذه الرِّواية، والصواب: "سبعون"، والتقدير: فضل سبعين؛ لأنّه خبر "فضل" الأوّل.
(395 - 8) وفي حديثها: "فكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ" 5:
"مثل" منصوب على الحال 6، أي: جاءت الرؤيا مشبهة فلق الصُّبح.
وفيه 7: "يَا لَيْتَنِي فِيَها جَذَعًا":
كذا وقع في هذه الرِّواية، والوجه "جذع"؛ لأنّه خبر "ليت"، ويضعف أن يكون "فيها" الخبر لقلة فائدته، وهكذا هو في الشعر 8: [الرجز]
(37) يَا لَيْتَنِي فِيَها جَذَعْ... أخُبُّ فِيهَا وَأضَعْ
والنصب فيها وجه 1؛ وذلك أن يجعل "فيها" الخبر "وجذعًا" حالًا 2، وتكون الفائدةُ من الحال 3.
(396 - 9) وفي حديثها 4: "نَهَى عَنْ قَتْلِ جِنَّانِ البُيُوتِ إِلَّا الأَبْتَرُ وَذُو الطُّفْيَتَيْنِ؛ فَإِنَّهُمَا يَخْطِفَانِ - أوْ يَطمِسَانِ - البَصَرَ" 5:
وقع في هذه الرِّواية: "ذو الطفيتين" بالواو، وهو مرفوع، والقياس أن يكون هو والأبتر منصوبين؛ لأنّه استثناء [من] 6 موجب أو من منفي في المعنى، ولكن المقدر في المعنى منصوب؛ لأنّ التقدير: لا تقتلوا جنان البيوت إِلَّا الأبتر.
[وفي لفظ آخر: "أمر بقتل الأبتر وذو الطفيتين"الوجه: و"ذي" معطوفًا على = والشعر لدريد بن الصمة في "ديوانه" (ص 128)، وأساس البلاغة (زمع)، و"تاج العروس" (جذع)، (صدع)، (وضع)، (نهك)، و"اللسان" (وضع)،، ولورقة بن نوفل، كما في "اللسان" (جذع)، و"تاج العروس" (جذع)،، وهو بلا نسبة في "جمهرة اللُّغة" (ص 654)، و"اللسان" (رجز)، (نهك).
لفظ "الأبتر"، ويروى "ذو" بالواو عطفًا على مرضع "الأبتر"] 1، والتقدير: لكن يقتل ذو الطفيتين، و"الأبتر" على هذا يجيز نصبه في أصل الباب، ورفعه على ما قدرنا.
ومثل هذا قول الفرزدق 2: [الطويل]
(38) وَعَضُّ زَمَانٍ يَابْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ... مِنَ المَالِ إِلَّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ
فـ "مجلف" مرفوع على تقدير: بقي مجلف، و"مسحتًا" منصوب 3 على أصل الباب.
ويروى "مسحت" بالرفع على ما قدرنا 4.
(397 - 10) وفي حديثها: "نِعْمَ المَرْءُ كَانَ عَامِرٌ" 5:
"المرء" فاعل "نعم"، و"عامر" المخصوص بالمدح، و"كان" يجوز أن تكون زائدة، ويجوز أن تكون الجملة من "نعم" والمرفوعين بعدها خبر "كان"، ويكون في "كان" ضمير الشأن [والقصة] 6؛ كما تقول: كان نعم الرَّجل زيد، و"زيد نعم الرَّجل كان" ليس من ضمير الشأن؛ لأنّ ضمير الشأن مُصَدَّر على الجملة، وإنّما ينبغي أن يكون على هذا اسم " كان" مضمرًا 7 فيها، وهو "عامر"
، وتكون الجملة المتقدمة خبرًا لها مقدمًا.
ونظير زيادة "كان" هنا [زيادتها] 1 في التعجب كقولك: ما كان أحسن زيدًا.
(398 - 11) وفي حديثها: "لُدَّ رَسُولُ الله - صلّى الله عليه وسلم - في مَرَضِهِ فَأَشَارَ أَنْ: لَا تَلُدُّونِي، قُلنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ الدَّوَاءَ" 2:
"كراهية" بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا الامتناع كراهية.
ويحتمل النصب على أن يكون مفعولًا له، أي: نهانا لكراهية الدواء.
ويجوز أن يكون مصدرًا، أي: كره كراهية الدواء 3.
(399 - 12) وفي حديثها حديث أم زرع: "زَوْجِي كلَيْل تِهَامَةَ لا حَرٌّ وَلَا قُرٌّ، وَلَا مَخَافَةَ وَلَا سَآمَةَ" 4:
يجوز في هذه الأسماء كلها الفتح على أنّها مبنية مع "لا"، والخبر محذوف.
تقديره: لا حر فيها، وكذلك الأسماء الأخر، ويجوز الرفع، وكأنّه أشبه بالمعنى، أي: ليس فيها حر، فهو إمّا اسم ليس، وخبرها محذوف لدلالة الكلام عليه، مثل 5: [مجزوء الكامل]
(39) فأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لَا بَرَاحْ
ويقوي الرفع ما فيه من التكرير 1.
وإما أن تبطل عمل "لا" فيكون مبتدأ محذوف الخبر.
"ولا تنقِّث ميرتنا تنقيثا" القياس أن يكون "تنقث" بالتشديد؛ لأنّ المصدر قد جاء على التفعيل، فهو مثل يكسر تكسيرًا، ويقتل تقتيلًا.
[فإن صحت الرِّواية بالتخفيف فوجهه أن يكون المصدر واقعًا موقعٍ غير المصدر؛ كقوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ 2 [المزمل: 8]، ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا﴾ [آل عمران: 37] أي إنباتًا] 3.
(400 - 13) وفي حديثها حديث صيام يوم عاشوراء: "فَلَمَّا قَدِمَ المَدينَةَ صَامَهُ وأمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الفَرِيضَةَ" 4:
لك في "الفريضة" الرفع على أن يكون "هو" مبتدأ و"الفريضة" خبره، والجملة في موضع نصب على أنّه خبر "كان، ولك النصب على أن يكون "هو" فصلًا لا موضع له، و"الفريضة" خبر "كان"، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: 32] قرئ بالرفع والنصب على ما ذكرنا 5.
(401 - 14) وفي حديثها: "إِنَّ فِي عَجْوَةِ 1 العَالِيَةِ شِفَاءً، وَإِنَّها ترْيَاقٌ أَوَّلَ البُكْرَةِ" 2:
الصواب "ترياق" بالرفع والتّنوين على أنّه خبر "إن"، و"أول" بالنصب على أنّه ظرف، أي: في أول البكرة.
ويعضد ذلك حديث الزبير:
"مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً مِمَّا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، لَمْ يَضُرَّةُ ذَلِكَ اليَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ" 3. وفي حديث لها أيضًا من جنس حديث الزبير، وهو:
(402 - 15) "عَجْوَةُ العَالِيَةِ أوَّلَ البُكْرَةِ عَلَى ريقِ النَّفْسِ" 4:
(403 - 16) وفي حديثها: "أصْبَحَ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ تُطعِمُونْيهِ؟ " 5:
وقع في هذه الرِّواية بنون واحدة، ويحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون مجزومًا على جواب الاستفهام؛ كقولك: أين بيتك أزرك؟
والثّاني: أن يكون مرفوعًا نعتًا لـ "شيء" ولكنه حذف إحدى النونين؛ لأنّ أصله: "تطعمونني" على ما جاء في الشعر 6: [الوافر] = وأمّا قول الزجاج في "معاني القرآن" (2/ 411): "ويجوز هو الحقُّ عن عندك، ولا أعلم أحدًا قرأ بها" فقد علمت ورود هذه القراءة عمن تقدّم، فلعلّها لم تصله، وعدم العلم لا يعني العلم بالعدم؛ كما هو معلوم.
(22)............ يَسْوءُ 1 الفَالِيَاتِ إِذَا فَلَيْنِي
أي: فلينني
وقد قرئ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: 54] بتخفيف النون 2.
والثّالث: أن تكون مشددة؛ كقوله تعالى ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ [الأنعام: 80].
(404 - 17) وفي حديثها؛ أن رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - قال: "ادْعُوا لي بَعْضَ أصْحَابِي"، قلتُ: أبو بكرٍ؟ ! قال: "لا".
قلت عُمَرُ؟ ! قال: "لا".
قُلْتُ: فَابْنَ عَمِّكَ عليًّا؟ ! قال: "بلى" 3:
كذا في هذه الرِّواية رفع "أبو بكر" ونصب "علي"، ووجه الرفع في الأوّل أن يقدر: المدعو أبو بكر، أو المطلوب هو، وأمّا نصب "علي" فعلى تقدير: أدعو ابن عمك عليًّا؟ ! فعليٌّ بدل من "ابن"، ولو رفع الجميع أو نصب جاز.
(405 - 18) وفي حديث الإفك: "وَظَنَنْتُ أَنَّ القَومَ سَيَفْقِدُونِي" 4:
بنون واحدة، فيحتمل أن يكون حذف إحدى النونين، وأن تكون النون مشددة.
وفيه: "وَالَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ إِنْ رَأيْتُ عَلَيْهَا": "إن" هنا بمعنى "ما"؛ كقوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: 68] وقد تأتي بعدها "إِلَّا"؛ كقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40] وقد لا تأتي كما تقدّم.
(406 - 19) وفي حديثها: "كَانَ رَجُلٌ يَدْخُلُ عَلَى أزْوَاجِ النَّبِيِّ - صلّى الله عليه وسلم - مُخَنَّثٌ" 5:
"مخنث" نعت لـ "رجل"، و"يدخل" خبر "كان"، ويجوز تقديم الخبر على صفة المبتدأ، ويجوز أن تكون "كان" التامة ويكون "يدخل"
و"مخنث" صفتين لـ "رجل".
(407 - 20) وفي حديثها: "إِنَّ أبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُومُ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ الناسَ" 1:
وقع في هذه الرِّواية "يقوم" بالواو، والوجه حذفها وإسكان الميم؛ لأنّ "متى" هنا شرط وجوابه "لا يسمع النَّاس"، ولا معنى للاستفهام ههنا، إِلَّا أنّه قد جاء في الشعر مثل ذلك شاذًّا 2، ووجهه أن الواو تحذف لالتقاء الساكنين، فإذا أدغمت الميم في الميم الّتي بعدها جاز وقوع 3 الواو قبلها؛ كما قالوا: تُمَوَّد الثّوب، وقالوا في الياء 4: هو أُصَيّم، وفي الألف: الحاقة، والدابة.
(408 - 21) وفي [حديثها] 5 حديث موت النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -: "فقال عمر: أوَإِنَّها فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى؟ ! " 6.
الصواب فتح الواو، والهمزة للاستفهام؛ كقوله تعالى: ﴿أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ [البقرة: 100] والواو ههنا عاطفة 7، وتسكينها ضعيف، وليست "أو"
الّتي للشك؛ لأنّ تلك لا تقع إِلَّا عاطفة.
وقد قرىء في الشاذ: "أَوْ كُلَّمَا" بسكون الواو، وذلك من تسكين المفتوح لثقل الحركة على الواو.
وليست على هذا الوجه "أو" للعطف، بل هي في معنى المفتوحة 1. ذكره ابن جني في "المحتسب" 2.
(409 - 22) وفي حديثها في ذكر خديجة: "فَقُلْتُ: مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا! حَمْرَاءُ الشِّدْقَيْنِ" 3:
يجوز أن يكون بالرفع على معنى: هي حمراء وليس المعنى تذكرها في حال احمرار شدقيها؛ إذ لو كان كذلك لكان النصب على الحال أولى 4.
(410 - 23) وفي حديثها: فَقَالَ: "يَا عَمَّارُ! ! أتُؤْمنُ بمَا نُؤْمنُ به؟ ! قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ.
قَالَ: "فَأُسْوَةٌ مَالَكَ بِنَا؟ " 1:
"ما" ههنا زائدة، والتقدير: فأسوة لك بنا، وهو قوله 2 تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
ويجوز أن تكون استفهامًا وتكون "ما" نافية، والتقدير: أفما لك بنا أسوة؟ ! وجاز الابتداء بالنكرة؛ لأنّها مصدر في معنى الفعل، أي: تأسَّ بنا.
(411 - 24) وفي حديثها: "ذَاكِ جِبْرِيلُ" 3:
الجيد كسر الكاف؛ لأنّ عائشة هي المخاطبة، والكاف تكون أبدًا 4 في مثل هذا على قدر المخاطب؛ إن كان مذكرًا فُتِحَتْ، وإن كان مؤنثًا كسرت، وكذلك تثني وتجمع على قدر المخاطب.
وأمّا "ذا" الّذي قبل الكاف فهو للمشار إليه البعيد؛ إن كان مذكرًا فـ "ذا"، وإن كان مؤنثًا فـ"تا" 5، وكذلك تثنيته وجمعه 6 على قدره.
ولو فتح الكاف في هذا الحديث جاز؛ لأنّ المؤنث إنسان، فيكون التذكير راجعًا إلى معناه.
(412 - 25) وفي حديثها: "إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا" 7:
الرفع جائز على أن يكون هو 1 واقعًا موقع الفاعل؛ كما تقول: أذهبت نفسه.
ويجوز النصب على التشبيه بالمفعول، كما تقول: سُلِبَ زيد ثَوْبَهُ.
(413 - 26) وفي حديثها: "أَنَّ أُمَّ حَبِيبَة وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرتَا كَنيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ" 2:
وقع في هذه الرِّواية "رأينها"، وهذا في التحقيق ضمير جماعة المؤنث، فيجوز أن يكون أجري الاثنين مُجْرى الجمع 3؛ كقوله تعالى: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التّحريم: 4].
(414 - 27) وفي حديثها: "قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ رَسُولِ اللهِ - صلّى الله عليه وسلم - كَانَ القُرآنَ" 4:
اسم "كان" مضمر فيها يرجع إلى "الخلق"، و"القرآن" خبر "كان" منصوب.
وفيه: "فَلَمَّا أسَنَّ رَسُولُ اللهِ - صلّى الله عليه وسلم -[وَ] 5 أخَذَ اللَّحْمُ":
يجوز نصب "اللّحم" على أنّه مفعول "أخذ"، وأن ترفع على معنى "أخذ اللّحم منه مأخذه".
(415 - 28) وفي حديثها: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرُ مِنْ أن يُعْتقَ اللهِ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَومِ عَرَفَةَ" 6:
"أكثر" مرفوع وصفًا لـ "يوم" على الموضع؛ لأنّ تقديره: ما يوم، و "من" زائدة، و"عبدًا" ينتصب بـ "يعتق"، والتقدير: ما يوم أكثر عتقًا من هذا
اليوم، ويكون "عبدًا" على هذا جنسًا في موضع الجمع، أي: من أن يعتق عبيدًا.
ويجوز أن يكون التقدير: عبدًا يعتقه الله (1)، فـ "عبدًا" منصوب على التمييز بـ "أكثر"، و"من" (2)، تكون زائدة، وموضعه نعت لـ "عبدًا".
(416 - 29) وفي حديثها: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلّى الله عليه وسلم - يَقْطَعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" (3):
هو منصوب على الحال، والتقدير: فيزيد صاعدًا (4):
(417 - 30) وفي حديثها: "لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ" (5):
الخاء مضمومة لا غير، وهو مصدر "خلف فوه يخلف: إذا تغيرت ريحه".
وهو مثل قعد قعودًا، وخرج خروجًا.
والفتح خطأ (6).
وفي حديث ميمونة بنت الحارث زوج النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -:
(418 - 1) فقالت لابن عبّاس: "مَالَكَ شَعِثًا رَأسُكَ؟ ! " 7:123456
"ما" اسم الاستفهام مبتدأ، و"لك" خبره، "شعثًا" حال من الضمير في "لك"، أي: مالك استقررت (1) شعثًا، و"رأسك" مرفوع بـ "شَعِثًا" (2).
وفي حديث أم سلمة هند بنت أبي أمية زوج النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -:
(419 - 1) " وإذا هي تنعت قراءته، وَإِذَا هِيَ مُفَسَّرَةٌ حَرْفًا حَرْفًا" 3:
نصبهما على الحال؛ كقولك: أدخلتهم رجلًا رجلًا، أي مترتبين 4، وكذلك في الحديث تفسيرها "مرتلة"، ومثله: ورثهم كابرًا عن كابر.
(420 - 2) وفي حديثها: "فَازْدَادَتْ عَلَيْهِمْ كَرَامَةً" 5:
"كرامة" تمييز، أي: ازدادت عليهم كرامتها، مثل: طبت به نفسًا.
(421 - 3) وفي حديثها: "ذُيُولُ النِّسَاء شبْرٌ.
قُلْتُ: إِذَا تَبْدُو أقْدَامُهُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: "فَذِرَاعًا" 6:
رفع شبرًا على أنّه خبر المبتدأ، ونصب "ذراعًا " بفعل محذوف، أي:12
فليجعلنه 1 ذراعًا.
(422 - 4) وفي حديثها: "يارُبَّ كَاسِيَاتٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَاتٍ فِي الآخِرَةِ" 2
الجيد جر "عاريت" على أنّه نعت للمجرور بـ "رب"، وأمّا الرفع فضعيف؛ لأنّ "رب" ليست اسمًا يخبر عنه، بل هي حرف جر.
وأجاز قوم 3 الرفع، وهو عندنا على تقدير حذف مبتدأ، أي: هن عاريات.