وفي حديث السائب بن خلاد
(1):
(171 - 1) " مَا مِنْ شَيْءٍ يُصِيبُ المُؤْمِنَ، حَتَّى الشَّوْكَةُ إِلاّ كُتِبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةٌ" (2).
قال- رحمه الله تعالى! -: تجوز "الشوكة" بالجر بمعنى "إلى"، أي: ولو انتهى ذلك إلى الشوكة،، وبالنصب على تقدير: يجد الشوكة، أو مع الشوكة،، وبالرفع على جواز فيه، وفيه وجهان:
أحدهما: هو معطوف على الضمير في "يصيب".
والثّاني: هو مبتدأ، أي: حتّى الشوكة تَشُوكُهُ.
وفي حديث سبرة بن معبد أبي ربيع الجهني
(172 - 1) " عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلَاةَ ابْنَ سَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيهَا ابْنَ عَشْرٍ" 5:
قال- رحمه الله! -: "ابن" بالنصب.
فيهما، وفيه وجهان:23
أحدهما: هو حال من "الصبي"، والمعنى: إذا كان [الصبي] (1) ابن سبع سنين، وإذا كان ابن عشر، أو: علموه صغيرًا واضربوه مراهقًا.
والثّاني: أن يكون بدلا من "الصبي" ومن "الهاء" في "اضربوه".
وفي حديث سعد بن أبي وقّاص:
(173 - 1) " إِنَّكَ يَا سَعْدُ أَنْ تَدَعَ" 2:
قال/- رحمه الله! -: الهمزة مفتوحة 3 وهي "أن" الناصبة للفعل، وموضع المصدر على وجهين:
أحدهما: هو بدل الاشتمال، أي: إن تركك.
والثّاني: أن يكون في موضع رفع بالابتداء و"خير" خبره.
وفيه: "حَتَّى اللُّقْمَةَ": الوجه النصب عطفًا على "نفقة"، ولو رفع جاز على أنّه مبتدأ، و"تجعلها" الخبر.1
(174 - 2) وفي حديثه: "أَيَّامُ أَكْلٍ وَشَرْبٍ" (1): الأفصح والأقيس فتح الشين، وهو مصدر مثل الأكل، وأمّا ضم الشين وكسرها ففيه لغتان في المصدر أيضًا، والمحققون على أن الضم والكسر اسمان للمصدر لا مصدر، وقد قرئ في قوله تعالى: ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: 55] بالأوجه الثّلاثة (2)، وتوجيهها ما ذكرنا.
وفي حديث أبي سعيد الخدري سعد بن مالك
: (175 - 1) عن النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -: "مَا مِنْ رَجُلٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِه مُتَطَهِّرًا فَيُصَلِّي مَعَ المُسْلمينَ الصَّلَاةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فِي الْمَسْجدَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ الأُخْرَى أَلَا إن الْمَلائِكَةَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ" 3: قال- رحمه الله! -: وقع في هذه الرِّواية "ألَّا إن الملائكة"، وعلى هذا لا يكون الكلام قبله تامًّا؛ لأنّ "ما" لابد لها من خبر، وليس في الكلام لها خبر، ولكن يجوز أن يكون الخبر محذوفًا لدلالة ما بعده عليه، وتقديره: إِلَّا غفر الله له12
ثمّ فسر ذلك بقوله: "ألَّا إن الملائكة"، وإن جاء في رواية أخرى: "إِلَّا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ" على الاستثناء - كان الخبر تامًّا.
(176 - 2) وفي حديثه قال: "أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ" 1:
قال- رحمه اللَّه! -: الصواب نصب "أي" على أنّه خبر "كنت"، وجب تقديمه لكونه استفهامًا.
وأمّا قوله: "خير أب" فالجيد نصب "خير" على تقدير: كنت خير أب [؛ ليكون موافقًا لما هو جواب عنه، والرفع جائز على معنى: أنت خير أب]، 2.
(177 - 3) وفي حديثه: "فَأَوَّلْتُهُمَا هَذَانِ الْكَذَّابَانِ" 3:
إنّما رفع "هذان الكذابان" لأنّه أراد: فَفَسَّرْتُ [فَأَوَّلْتُهُمَا] 4 مَا رأَيْتُ.
ثمّ استأنف فقال: هما هذان، فحذف المبتدأ لدلالة الكلام عليه، أو يكون التقدير: تأويلهما هذان.
(178 - 4) وفي حديثه: "يُرَى مُخُّ سَاقِهَا منْ وَرَاء لُحُومِهِمْ أو دمائهمِ أوْ حُلَلِهِمْ" 5:
هكذا وقع في هذا الطريق، وهو مشكل من ثلاثة أوجه:
أحدها: تذكير ضمير الجمع وهو للمؤنث.
والثّاني: قوله: "أَوْ دِمَائِهِمْ أوْ حُلَلِهِمْ"، وهذا الموضع يليق به الواو؛ لأنّ كلّ واحدة منهن يسترها هذه الأشياء الثّلاثة.
والثّالث: أنّه أفرد الضمير في "ساقها" وجمع فيما بعد ذلك.
والوجه فيه أنّه نَزَّلَ المؤنث منزلة المذكر على ما جرت به العادة في صيانة المؤنث.
وأمّا "أو" فيجوز أن تكون بمعنى الواو 1، ويجوز أن يراد بها أن بعضهن كذا وبعضهن كذا، ويشير إلى التفصيل.
وأمّا إفراد الضمير فيرجع إلى الواحدة أو إلى الجمع، وأوقع المفرد موقع الجمع.
(179 - 5) وفي حديثه: "إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ؛ كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي، كِتَابَ اللهِ حَبْلًا مَمْدُوًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، وَعتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي" 2:
أمّا كتاب الله وعترتي الأولان 3، فبدلان من "الثقلين"، أمّا "كتاب" 4 الثّاني فهو بدل من "كتاب" الأوّل، وجوز ذلك وحسنه ما اتصل 5 به من زيادة المعنى، وهو قوله: "حَبْلًا مَمْدُودًا" [وكذلك "عترتي أهل بيتي"، ونصب "حبلًا ممدودًا]، 6 على أنّه حال أو مفعول ثانٍ لـ"تارك".
ولو روي "كِتَابُ اللهِ
حَبْلٌ مَمْدُودٌ" 1 جاز على أنّه مستأنف.
(180 - 6) وفي حديثه: "قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ! أَرَأَيْتَ هَذِهِ الأَمْراضَ الَّتِي تُصِيبُنَا مَالَنَا بِهَا؟ ! قَالَ: كَفَّارَاتٌ؟ ! " 2:
قال - رحمه اللَّه! -: فيه وجهان:
أحدهما: هو مبتدأ، والخبر محذوف، أي: لكم بها كفارات.
والثّاني: خبر مبتدأ، أي: هي كفارات.
وفي قوله: "وَإِنْ شَوكَةً" تقديره: وإن كان شوكة كقولهم: إن خيرًا فخير.
(181 - 7) وفي حديثه قال: "لَا يَخْرُجِ الرَّجُلانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ: كَاشِفَانِ عَوْرَتَهُمَا" 3:
قال - رحمه الله! -: كذا وقع في هذه الرِّواية بالرفع، ووجهه أن يكون التقدير: وهما كاشفان، وإن روي "كاشفين" 4 كان حالًا.
(182 - 8) وفي حديثه: "مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ لَا يَرْحَمُهُ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ! " 5:
الجيد أن تكون [من] بمعنى الّذي فيرفع الفعلان (1)، وإن جعلت شرطًا فجزم الفِعْلَانِ جاز.
(183 - 9) وفي حديثه: "فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَوْحِ جَهَنَّمَ" (2):
يقال: فوح، وفيح (3)، وكلاهما قد ورد، وهو من: فاحت الريح تفوح وتفيح.
حديث سلمة بن سلامة بن وقش أبي عوف الأنصاري
(4):
(184 - 1) " لَا يَرَوْنَ أَنَّ بَعْثًا كَائِنًا بَعْدَ الْمَوْتِ" (5):
وقع في هذه الرِّواية "كائنًا" بالنصب، ووجهه أن يجعل صفة لـ"بَعْثًا"، و"بَعْدَ الْمَوْتِ" الخبر، ويجوز أن يكون التقدير: أن بعثًا [بعد] (6) الموت كائنًا، فيكون "كائنًا" حال من الضمير في الظرف وَقَدْ قَدَّمَهُ.
ولو روي بالرفع جاز.
وفي حديث سلمة بن الأكوع
(185 - 1) " فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ" 9 فيه ثلاثة أوجه:234567
أحدها: أنّه حال، أي: بايعته متقدمًا.
والثّاني: أن يكون صفة لمصدر محذوف تقديره: مبايعة أول مبايعة النَّاس.
والثّالث: أن يكون ظرفًا، أي: قبل النَّاس.
وفيه أيضًا: "إِلَى شِعْبٍ فيه مَاءٌ يُقَالُ له ذا قرد": [وقع في هذه الرِّواية "ذا" بالألف، والوجه الرفع، كمًا قَالَ تعالى: ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: 60] 1
ويبعد أن يجعل "له" موضع رفع قائمًا مقام الفاعل أويكون "ذا" مفعولًا؛ لأنّ "ذا" مفعول صحيح، فلا يقام مقام الفاعل] 2 غيره، فإن كانت الروايات كلها كذا، جاز أن يكون سماه "ذا قرد" بالألف في كلّ حال.
(186 - 2) وفي حديثه: "أخْرَجَ لَنَا كَفَّهُ، كَفٌّ ضخْمَةٌ" 3:
كذا هو في هذه الرِّواية بالرفع، ووجهه أنّه حذف المبتدأ، أي: [هي] 4 كف ضخمة، والنصب أوجه على البدل.
(187 - 3) وفي حديثه: "ألَا أخْبرُكُمْ بأَشَدَّ حَرًّا منْهُ يَوْمَ الْقيَامَة؟؛ هَذَيْنَك الرَّجُلَيْنِ المُقَفَّيَيْنِ" 5:
أمّا "أشد" فهو ههنا مفتوح لأنّه لا ينصرف وليس بمضاف؛ لأنّه نصب "حرًّا" بعده، وهو كقوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200] {وَأَشَدَّ
قُوَّةً} [غافر: 82].
وهو/ منصوب على التمييز.
وقوله: "هذينك" فيه وجهان:
أحدهما: أنّه بدل من قوله: "أشد".
والثّاني: أن يكون منصوبًا بإضمار "أعني".
وأمّا الكاف في "ذينك" فحرف الخطّاب كالتي في قوله تعالى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾ [القصص: 32]
وفي حديث سلمةْ بن نُفَيل (1) السكوني:
(188 - 1) " وَلَسْتُمْ لَابِثُونَ بَعْدِي إِلَّا قَلِيلًا" (2): كذا وقع في هذه الرِّواية، وهو مشهور؛ لأنّه خبر "ليس"، ولا يمكن أن يجعل مبتدأ؛ إذ لا خبر له (3). وقوله: "إِلَّا قَليلًا" يجوز أن يكون التقدير: إِلَّا زمنًا قليلًا، أو لبثًا قليلًا.
وفي حديث سلمان الفارسي رضي اللَّه عنه! !:
(189 - 1) " رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أقضَلُ مِن صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ صَائِمًا لَا يُفْطِرُ، وَقَائِمًا لا يَفْتُرُ" 4. و"صائمًا" و"قائمًا" حالان، وصاحب الحال محذوف دل عليه قوله: "مِنْ123
صِيَامِ شَّهرٍ وَقِيَامِهِ"، والتقدير: أن يصوم الرَّجل شهرًا أو يقومه صائمًا وقائمًا.
وفي حديث سمرة بن جندب
(190 - 1) " لَا يَتَعَاطَى أحَدُكُمْ أسيرَ أخِيهِ فَيَقْتُلَهُ" 3:
الصواب: "لا يتعاط" بغير ألف؛ لأنّه نهي، "فيقتله صبرا" منصوب على جواب النّهي، ويجوز رفعه على معنى: فهو يقتله.
وقد ورد في هذه الرِّواية "يتعاطى" بألف، والاشبه أنّه سهو، فمن وجد في كلّ الطرق هكذا فيأول على وجهين:
أحدهما: أن يكون نفيًا في اللّفظ وهو نهي في المعنى؛ كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة: 84].
والثّاني: / أن يكون أشبع فتحة الطاء فنشأت منها الألف كما قال الشاعر 4: [الرجز]
(17) إِذَا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلَّقِ... وَلَا تَرضَّاهَا وَلَا تُمَلِّقِ
(191 - 2) وفي حديثه: "مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ فَهُوَ عَتِيقٌ" 5، وفي رواية "ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَهُوَ حُرٌّ":
قال - رحمه اللَّه! -: عادة الفقهاء المولعين بالتدقيق يوردون على هذا الحديث وأمثاله إشكالًا وهو أن "من" مبتدأ يحتاج إلى خبر، وخبره "فَهُوَ حُرٌّ"، و"هو" لا يعود على "من" بل على المملوك، فتبقى "من" لا عائد عليها.
وهذا عند المحققين من النحويين ليس بشيء؛ وذلك أن خبر "من" هو قوله: "ملك"، وفي "ملك" ضمير يعود على "من".
وقوله: "فهو حر" جواب الشرط، وجواب الشرط يجوز أن يخلو 1 من عائد على أداة الشرط أو على الاسم الّذي في حيز الشرط، مثاله قولك: "من يأتني أكرم زيدًا"، وكذلك قولك: " زيد إن لم يقم أكرم" و"زيد " ههنا بمنزلة "من" في مثال الأوّل.
وأمّا حاجة الكلام إلى جواب الشرط فليس كحاجة المبتدأ إلى الخبر، بل هي حاجة ما له من جواب إلى جوابه؛ ألَّا ترى أن قولك: "لولا زيد لأتيتك" 2. فـ "لولا" مفتقرة إلى الجواب، وجوابها ليس بخبر لاسمها.
وقد قيل: إن تقدير الحديث: من ملك ذا رحم فهو عتيق بملكه، فحذف للعلّم به.
(192 - 3) وفي حديثه: كَيْفَ/ تَقُولُ في الضَّبِّ؟ ! فَقَالَ: "أُمَّةٌ مُسخَتْ من بَني إِسْرَائِيلَ، فَلَا أَدْرِي أَيَّ الدَّوَابِّ مُسِخَتْ " 3:
قال - رحمه اللَّه! -: قوله: "أمَّةٌ مُسخَتْ" هو مبتدأ وما بعده الخبر، [فإن قيل: ] 4 فـ "أمة" نكرة، فكيَف يبتدأ بها؟ ! 5 قيل: فيه جوابان:
أحدهما: أن "مسخت" نعت لـ "أمة"، و"من بني" خبره، والنكرة إذا وصفت جاز الابتداء بها 1.
والثّاني: أن "مسخت" الخبر، و"الأمة" وإن كان نكرة فقد أفاد الإخبار عنها، فهو في المعنى كقوله: مسخت أمة.
وأمّا قوله: "أَىَّ الدَّوَابِّ مُسخَتْ" فهو منصوب لا "بأدري"؛ لأنّ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وفي انتصابه وجهان:
أحدهما: هو حال، تقديره: مسخت الأمة على وصف كذا؛ كما تقول: كيف جئت؟ ! أماشيًا أم راكبًا.
والثّاني: أن يكون مفعولًا، ويكون "مسخت" بمعنى "صيرت"، أي: لا أدري أصيرت ضَبًّا أَمْ غَيْرَهُ.