5 - وقوع بعض الوهم من المصنِّف أو النساخ وسكوته عليه:
ومثاله: ما وقع في حديث جبير بن مطعم مرفوعًا: "من يكلؤنا اللَّيلة لا نرقد عن صلاة الفجر... " ذكر أبو البقاء الأوجه الجائزة في "نرقد"، ثمّ قال: "ويجوز أن يروى بالجزم على جواب الاستفهام، أي: إن يكلؤنا أحد لا نرقد".
هكذا، وهذا خطا بين، صوابه: "على جواب الشرط"؛ وذلك ليوافق التقدير الّذي ذكره؛ ثمّ لأنّه ذكر وجه النصب على جواب الاستفهام في صدر كلامه.
هذا، وإني - عَلِمَ اللَّهُ - لم أتعمد تعقب الرَّجل، وعلى أية حال فجزاه اللَّه خيرًا أن أخرج هذا السِّفْرَ من بطون خزانات الكتب، وقدمه لطلاب العلم بهذه الصورة الحسنة، والكمالُ للَّه وحده.
وبعد، فأعوذ باللَّه أن أكون - بهذا الكتاب - كالباحث عن حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ، أو كالجادعِ مَارِنَ أنْفِهِ بِكَفِّهِ، فألحق بالأخسرين أعمالًا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعًا.
وللَّه در البحتري حين قال:
فإنْ عِشْتُ محمودًا فمثلي بَغَى الغِنَى... لِيكْسِبَ مالًا أو يُنَثَّ لَهُ حَمْدُ
وإنْ مِتُّ لَمْ أظفَرْ فليس على امْرِئٍ... غدا طالبًا إِلَّا تَقَصِّيهِ والجهدُ
وكتبه
محمّد زكي عبد الديم
وحيد عبد السّلام بالي
راموز لعنوان المخطوط
راموز للورقة الأخيرة من مخطوط دار الكتب المصرية
بِسْمِ اللهِ الرَّحمَن الرّحِيَمِ
قال الشّيخ الإمام العالم العلّامة، شيخ الإسلام، محب الدين، أبو البقاء، عبد اللَّه بن الحسين بن عبد اللَّه، العكبراويّ، رحمه اللَّه وأرضاه!:
الحمد للَّه على إفضاله، وصلّى اللَّه على محمّد، أشرف المرسلين وآله، والمذعنين بتصديق إرساله.
أمّا بعد، فإن جماعة من طلحة 1 الحديث التمسوا مني أن أملي مختصرًا في إعراب ما يشكل من الألفاظ الواقعة في الأحاديث، وأن بعض الرواة قد يخطئ فيها، والنبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - وأصحابه بريئون من اللحن،، فأجبتهم إلى ذلك، واعتمدت على أتم المسانيد وأقربها إلى الاستيعاب، وهو "جامع المسانيد" 2 للإمام الحافظ أبي الفرج عبد الرّحمن الجوزي 3، رحمه اللَّه تعالى! فذكرت ذلك منه.
وهذا الكتاب موضوع على أسماء الصّحابة - رضي اللَّه عنهم - مرتبة على حروف المعجم/.
مسند أبي بن كعب الأنصاري رضي اللَّه عنه:
ذكر ما في "الصحيحين" منه:
(1 - 1) الأوّل: روى أبي بن كعب [قال: قال] 1 - صلّى الله عليه وسلم -: "يَغْسِلُ مَا مَسَّ المَرْأَةَ منْهُ" 2:
قال الشّيخ - رحمه اللَّه! -: "ما" بمعنى "الّذي" [وفاعل "مسِّ" مضمر فيه، يعود على "الّذي"، و"الّذي"] 3 وصلتها مفعول "يغسل"، و"المرأة" مفعول "مسِّ".
ولا يجوز أن ترفع "المرأة" بـ "مسِّ" على معنى: ما مست المرأة؛ لوجهين:
أحدهما: أن تأنيث المرأة حقيقي، ولم يفصل بينها وبين الفعل، فلا وجه لحذف التاء.
والثّاني: أن إضافة اللمس إلى الرَّجل وإلى أبعاضه حقيقة.
قال: ولذلك قال تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النِّساء: 43]، وإضافة
اللمس إليها في الجماع تجوز.
(2 - 2) الحديث الثّاني: حديث موسى مع الخضر عليهما السّلام، فمنه قوله: "أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ ! " 1:
قال الشّيخ - رحمه اللَّه! -: "أَنَّى" ههنا فيها وجهان:
أحدهما: من أين؛ كقوله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: 37]، فهي ظرف مكان، و"السّلام" مبتدأ، والظرف خبر عنه.
والثّاني: هي 2 بمعنى "كيف" 3، أي: كيف بأرضك السّلام؟ !
ووجه هذا الاستفهام: أنّه لما رأى ذلك الرَّجل في قفر 4 من الأرض، استبعد علمه بكيفية السّلام.
فأمّا قوله: "بِأرْضِكَ السَّلَامُ"، فموضعه نصب على الحال من "السّلام"، والتقدير: من أين استقر السّلام كائنًا بأرضك؟ !
وقوله: "موسى 5 بَنِي إسْرَائِيلَ؟ "، أي 6: أنت موسى بني إسرائيل؟ /
فـ "أنت" مبتدأ، و"موسى" خبره 1.
وقوله: "فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْا 2، فَعُرِفَ الخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا"، فالمعنى: أن موسى والخضر ويوشع قالوا لأصحاب السفينة: هل تحملوننا؟ !، فعرفوا الخضر، فحملوهم.
فجمعوا 3 الضميرين 4 في "كلموهم" على الأصل، وثنوا "حملوهما" 5؛ لأنّهما المتبوعان، ويوشع تبع لهما، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: 117] فثنى ثمّ وحد لما ذكرنا 6.
وقوله: "قَوْمٌ حَمَلُونَا"، أي: هؤلاء قوم، أو هم قوم، فالمبتدأ محذوف، و"قوم" خبره.
وقوله: "فَأخَذَ بِرَأسِهِ"، في الباء وجهان:
أحدهما: هي زائدة 1، أي: أخذ رأسه.
والثّاني: ليست زائدة؛ لأنّه ليس المعنى أنّه تناول رأسه ابتداءً، وإنّما المعنى أنّه جره إليه برأسه ثمّ اقتلعه.
ولو كانت زائدة لم يكن لقوله: "اقتلعه" معنى زائد 2 على أخذه.
وقوله: "لَوَددْنَا لَوْ صَبَرَ"، "لو" ههنا بمعنى "أن" الناصبة للفعل؛ كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ [القلم: 9]، ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: 2]، وقد جاء بـ "أن" في قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ﴾ [البقرة: 266].
و"صبر" بمعنى "يصبر"، أي: وددنا أن يصبر.
ومما 1 انفرد به مسلم:
(3 - 3) قوله - صلّى الله عليه وسلم - لأبي: "يَا أبَا المُنْذِرِ! ! أتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّه - تَعَالَى - أَعْظَمُ؟ ! " 2.
قال الشّيخ - رحمه اللَّه! -: لا يجوز في "أي" ههنا، (إِلَّا الرفع على) 3 / الابتداء، و"أعظم" خبره، و "تدري" معلق عن العمل؛ لأنّ الاستفهام لا يعمل فيه الفعل الّذي قبله 4، وهو كقوله تعالى: ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: 12].
ومثله في الحديث الآخر، وهو قوله في ليلة القدر: "أَنَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، أعلم أي ليلة هي" 5، فـ "هي" الخبر.
(4 - 4) وقول أبي: "كَبُر علىَّ وَلا إِذْ كُنْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ" 6 تقديره: ولا أشكل عليّ حال القرآن إذ أنا في الجاهلية كإشكال [هذه] 7 القصَة علىَّ.
(5 - 5) ومن رواية عبد اللَّه في حديث أبيٍّ:
أنّه سأل رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - عن سورة وعده أن يعلمه إياها، فقال أبيٌّ: فقلت: "السُّورَةَ الَّتِي قُلْتَ لِي" 1:
قال الشّيخ - رحمه الله! -: الوجه النصب على تقدير: اذكر لي السورة، أو: علمني.
والرفع غير جائز؛ إذ لا معنى للابتداء ههنا 2.
(6 - 6) ومن رواية عبد اللَّه في حديث (أبيٍّ:
"فَرَجَ 3 صَدْرَهُ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْلُوءًا حِكْمَةً وَإِيمَانًا" 4.
قال الشّيخ - رحمه الله! -: "مملوءً" بالنصب على الحال، وصاحب الحال "طست"؛ لأنّه وإن كان نكرة فقد وصف بقوله: "من ذهب"، فقرب من المعرفة.
ويجوز أن يكون حالًا من الضمير في الجار؛ لأنّ تقديره: "بطست كائن من ذهب، أو: مصوغ من ذهب"، فنقل الضمير من اسم الفاعل إلى الجار، ولو/ روي بالجر لجاز على الصِّفَة 5.
وأمّا "حِكْمَةً وَإِيمَانًا" فمنصوبان على التمييز.
(7 - 7) وفي رواية عبد اللَّه في حديث أبيٍّ:
"كان رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - يعلمنا إذا أصبحنا: أصْبَحْنَا عَلَى فِطرَةِ
الإِسْلَامِ" 1، وذكر الحديث: قال الشّيخ - رحمه الله! -: تقديره: يعلمنا إذا أصبحنا أن نقول: أصبحنا على كذا، فحذف القول للعلّم به؛ كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: 23, 24]، أي يقولون: سلام عليكم 2. (8 - 8) وفي حديث عبد اللَّه قول أبيٍّ [لزرٍّ] 3: "كائن تَقْرَأُ سُورَةَ الأحْزَاب؟ "، أو: "كائن تَعُدُّ سورَةَ الأحْزَابِ؟ " فقال: "ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ، فقال: قَطُّ" 4: قال الشّيخ- رحمه الله! -: أمّا "كائن" 5 فاسم فاعل بمعنى "كم"،
وموضعها 1 نصب بـ "تقرأ" أو "تعد".
وقوله: "ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ"، فهو مفعول 2 ثانٍ.
وأمّا "قَطُّ" فاسم مبني على الضم، وهو للزمان الماضي خاصّة، ومنهم من يضم القاف، ومنهم من يفتح القاف ويخفف 3 الطاء ويضمها.
ولا وجه لتسكينها ههنا، وتقديره: ما كانت كذا قط 4. = الّتي ذكرها المصنِّف - قال ابن جني "سر الصناعة" (1/ 307): إن سأل سائل فقال: ما تقول في "كاءٍ" هذه، وكيف حالها؟ وهل هي مركبة أو بسيطة؟ ! فالجواب: أنّها مركبة.
والذي علقته عن أبي علي عن أصحابنا أن أصلها "كأيٍّ"؛ كقوله عز اسمه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الحجِّ: 48].
ثمّ إن العرب تصرفت في هذه اللفظة لكثرة استعمالها إياها، فقدمت الياء المشددة وأخرت الهمزة؛ كما فعلت ذلك في عدة مواضع، نحو: قسي، وأشياء، في قول الخليل، وشاكٍ ولاثٍ ونحوهما في قول الجماعة.. فصار التقدير فيما بعد كَيِّىء، ثمّ إنهم حذفوا الياء الثّانية تخفيفًا، كما حذفوها في نحو: ميت، وهين، ولين، فقالوا: مَيْت، وهَيْن، وليْن، فصار التقدير: كيءٍ، ثمّ إنهم قلبوا الياء ألفًا لانفتاح ما قبلها كما قلبوها في طائيّ، وحاريّ، وآية - في قول الخليل، فصارت: كاءٍ... قال: وفيها لغات أخرى غير هذه، يقال: كأيٍّ، وكاءٍ، وكأْيٍ - بوزن كَعْيِنْ، وكَإٍ بوزن كَعِنْ.
حكى ذلك أحمد بن يحيى".
ينظر: "سر صناعة الإعراب"، أبو الفتح عثمان بن جني، تحقيق د. حسن هنداوي، دار القلم.
دمشق، ط. أولى سنة (1405 هـ - 1985 م)، و"الكامل"، لأبي العباس محمّد بن يزيد المبرد ت (285 هـ)، (2/ 233)، مكتبة المعارف - بيروت د. ت، و"مغني اللبيب"، ابن هشام، (1/ 186)، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد، طبعة صبيح د. ت، و"البحر المحيط"، (3/ 71)، دار الفكر، ط. ثانية (1403 هـ 1983 م).
(9 - 9) ومن رواية أحمد رضي اللَّه عنه في جمع القرآن:
"أَنَّهُ كَانَ يُمِلُّ 1 عَلَيْهِمُ القُرآنَ":
قال الشّيخ - رحمه الله! -: "يمل" بضم الياء لا غير، وأمّا ماضيه "أَمَلَّ"، وفي القرآن: ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ [البقرة: 282]، وفيه لغة أخرى
: "أملى يملي"، ومنه [قوله تعالى] 2: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: 5].
(10 - 10) وفي رواية أحمد من رواية أبيٍّ قوله للنبيِّ - صلّى الله عليه وسلم -:
"أَيْ رَسُولَ اللهِ! " 3:
قال الشّيخ - رحمه الله! -: هو بفتح الهمزة وتخفيف الياء، مقلوب "يا" 4، = بمعنى يكفي؛ تقول: قطني.
وتكرن بمعنى "حسب"، ومنه قول الراجز: امتلأ الحوض وقال قطني... مهلًا رويدًا قد ملأت بطني ينظر: "الجمهرة"، لابن دريد، (1/ 150)، تحقيق د. رمزي البعلبكي، دار العلم للملايين، ط - (1987 م)، و"شرح المفصل" لابنيعيش، (4/ 108)، عالم الكتب، و"مغني الليب" (1/ 175)، و"مصابيح المغاني" (ص 325)، و"عقود الزبرجد" (1/ 116).
وهو حرف نداء.
(11 - 11) ومن حديث عبد الله بن أحمد في رواية أبيٍّ عن النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -:
حديث شرح صدر رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - قوله: "فرجعت بها أغدو رقة على الصغير ورحمة للكبير" 1:
قال الشّيخ - رحمه اللَّه! -: تقديره: ذا رقة، وذا رحمة، وهو منصوب على أنّه خبر "أغدو"؛ إذ هي من أخوات "كان" 2، فحذف المضاف، ونصب المضاف إليه 3.
(12 - 12) وفي رواية أحمد من حديث أبيٍّ قوله:
"شَاهِدٌ فُلَانٌ؟ " 4، يريد الهمزة فحذفها للعلّم بها، وهو مرفوع بأنّه خبر مقدم، و"فلان" مبتدأ، ويجوز أن يكون "شاهد" مبتدأ؛ لأنّ همزة الاستفهام فيه مرادة، ولو ظهرت لكان مبتدأ البتة 5.
و"فلان" فاعل سد مسد الخبر (1).
مسند أسامة
:
(13 - 1) من "مسند أحمد رضي الله عنه" في صوم النبيِّ - صلّى الله عليه وسلم -:
فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله! إنَّكَ تَصُومُ لَا تَكَادُ تُفْطرُ [وَتُفْطرُ حَتَى لَا تَكَادُ أَنْ تَصُومَ] إلَاّ يَوْمَيْنِ! ! فقال: "أَىُّ يَوْمَيْن؟ ! " 2:
قال- رحمه الله تعالى! -: تقديره: أي يومين هما؟ ! فحذف الخبر للعلّم به.
ويجوز النصب على تقدير: أيَّ يومين أصوم.
كذا، أو: أي يومين (أديم صومهما) 3. والرفع أقوى.
(14 - 2) وفي "الصحيحين":
أن/ رسول الله - صلّى الله عليه وسلم - قرأ على مجلس فيه أخلاط من النَّاس القرآن، فقال عبد الله بن أبي: "لَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا إنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا، فَلَا ئُؤْذِنَا فِي مَجَالِسِنَا، وَارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ، فَمَن جَاءَكَ مِنَّا فَاقصُصْ 4 عَلَيْهِ" 5:1
قال - رحمه اللَّه تعالى! -: في قوله: "لا أحسن من هذا" وجهان:
اْحدهما: الرفع، على 1 أنّه خبر "لا"، والاسم محذوف تقديره: لا شيء أحسن من هذا.
وهذا اعتراف منة بفصاحة القرآن وحسنه.
والثّاني: النصب، وفيه وجهان:
أحدهما: أنّه صفة لاسم "لا" المحذوف، و"من هذا" خبر "لا".
ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا، وتكون "من" متعلّقة بـ "أحسن"، أي: لا شيء أحسن من كلام هذا، في الكلام أو في الدنيا.
والثّاني: أن يكون منصوبًا بفعل محذوف تقديره: ألَّا فعلت أحسن من هذا؟ وحذف همزة الاستفهام لظهور معناها 2.
وفيه: "وَلَقَدْ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ البُحَيْرَةِ 3 أن يُتَوِّجُوهُ فُيَعَصِّبُونَهُ بِالْعِصَابَةِ":
قال - رحمه الله تعالى! -: الوجه في رفع "فيعصبونه 4 بالعصابة": أن يكون في الكلام مبتدأ محذوف، [تقديره: ] "فهم يعصبونه بالعصابة"، [أو فإذا هم يعصبونه] 5. ولو روي "فيعصبوه" بحذف النون لكان معطوفًا على
"يتوجوه"، وهو صحيح المعنى 1.
(15 - 3) وفي "مسند أحمد رحمه اللَّه"!:
فلما سمع النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - حطمة 2 النَّاس خلفه قال: "رُوَيْدًا أَيُّهَا النَّاسُ، عليكُم 3 السَّكِينَةَ" 4:
قال- رحمه الله! -: الوجه أن تنصب "السكينة" على الإغراء، [أي: ] الزموا السكينة؛ كقوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: 105].
ولا يجوز الرفع؛ لأنّه يصير خبرًا، وعند ذلك لا يحسن أن يقول: رويدًا أيها النَّاس؛ لأنّه لا فائدة فيه أيضًا.
(16 - 4) وفي "الصحيحين" من حديث أسامة:
أنَّ رَسُولَ الله - صلّى الله عليه وسلم - تَوَضَّأَ فِي الشِّعْبِ 5، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله! الصَّلَاةَ؟ قال: "الصَّلَاةُ أمَامَكَ" 6:
قال- رحمه اللَّه! -: الوجه النصب على تقدير: أتريد 7 الصّلاة؟، أو: تصلّي الصّلاة؟ 8، فقال له ما معناه: الآن لا، بل نؤخرها إلى أن نأتي بها مع
العشاء الأخيرة بالمزدلفة.
(17 - 5) [وفي أفراد] 1 مسلم:
أن رجلًا سأله عن العزل 2، فقال: "لماذا؟ "، فقال: إشفاقًا على ولدها.
[قال: ] "إن كان ذَلِكَ فلا؛ [ما] ضَرَّ ذَلِكَ فَارِسَ والرُّومَ" 3.
قال - رحمه الله! -: التقدير: لا تعزل لهذا الغرض؛ فإن فارس والروم يطئون نساءهم وهن يرضعن فلا يضرهم ذلك، فـ "لا" هي تمام الجواب، ثمّ قال: "ما ضر ذلك فارس... ".
(18 - 6) وفي "المسند" من رواية أحمد في حديث جبريل:
"لَمْ يَأْتِنِي مُنْذُ ثَلَاثٌ" 4.
قال - رحمه الله! -: هو بضم الذال لا غير، وأمّا "ثلاث"، فبالرفع لا غير؛ لأنّه ذكر ذلك لقدر مدة الانقطاع، أي: أمد ذلك ثلاث ليال 5. و"منذ
ذلك" لها موضعان:
أحدهما: أن تكون للحاضر/ بمعنى "في"، فتكون حرف جر وتجر ما بعدها؛ كقولك: أنت عندنا منذ اليوم، أي: في اليوم.
والثّاني: أن تكون لبيان المدة [، ثمّ ينظر فيه، فإن ذكر بعدها المدة من اْولها إلى آخرها رفعت المدة] 1 لا غير؛ كقوله: ما رأيته مذ يومان، ومنذ شهر.
وإن ذكرتها لابتداء مدة الانقطاع؛ كقولك: ما رأيته مذ يوم الجمعة [رفعت أيضًا على تقدير: أول ذلك يوم الجمعة] 2، ويجوز الجر على ضعف بمعنى "مِنْ" 3.
(19 - 7) وفي "الصحيحين":
قوله - صلّى الله عليه وسلم -: "قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينُ، وَإِذَا أصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ" 4.
قال - رحمه الله! -: "إذا" ههنا للمفاجأة، وهي ظرف مكان.
والجيد ههنا: أن ترفع "المساكين" على أنّه خبر "عامة من يدخلها"، وكذلك رفع "محبوسون" على أنّه الخبر.
و"إذا" ظرف للخبر.
ويجوز أن تنصب "محبوسين" على الحال، وتجعل "إذا" خبرًا، والتقدير: فبالحضرة أصحاب الجد، فيكون "محبوسين" حالا.
والرفع أجود، والعامل في الحال "إذا" أو ما يتعلّق به من الاستقرار، و"أصحاب" صاحب الحال.
= و"شرح المفصل" (4/ 93), و"شرح الكتاب" للسيرافي، الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة (1986 م), (1/ 167).
(20 - 8) وفي "الصحيحين" من حديث وفاة إبراهيم: "إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءُ" 1: قال - رحمه الله! -: يجوز في "الرّحماء" النصب على أن تكون "ما" كافة؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة: 173]، والرفع على تقدير: "إن الّذي يرحمه الله.. "، وأفرد على معنى الجنس؛ كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: 17]، ثمّ قال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ 2
[البقرة: 17]، وقد أفردت هذه المسألة بالكلام، وذكرت (في "ما") (1) وجوهًا كثيرة في جزء مفرد (2).
مسند أسامة بن شريك العامري
في "مسند أحمد":
(21 - 1) في حديثه: "كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطّيْرُ" 5:
قال - رحمه اللَّه! -: يجوز أن تجعل "ما" كافة، فترفع "الطير" بالابتداء، و"على رءوسهم" الخبر، وبطل عمل "كأن" بالكف.
ويجوز أن23 = ينظر على التّرتيب: "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"، لبرهان الدين البقاعي (ت 885 هـ)، ط. حيدر آباد الدكن سنة (1389 هـ-1969 م)، (1/ 118)، و"روح المعاني"، للآلوسي، ط. دار الفكر سنة (1403 هـ -1983 م)، (1/ 163 - 164)، و"الخصائص" لأبي الفتح عثمان بن جني، تحقيق محمّد علي النجار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط. ثالثة سنة (1407 هـ -1987 م)، (1/ 421)، و"الكشاف" (1/ 196)، دار الفكر، ط. أولى سنة (1397 هـ -1977 م)، و"التحرير والتنوير"، للطاهر بن عاشور، "الدر التونسية" للنشر، د. ت، (1/ 308).
تجعل "ما" زائدة، وتنصب "الطير" بـ "كأن"، [و] "على رءوسهم" خبرها.
وفيه: قوله -عليه السّلام-: "فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَلَهُ دَوَاءٌ، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ؛ الهَرَمُ":
قال - رحمه الله! -: لا يجوز في "غير" ههنا إِلَّا النصب على الاستثناء من "داء".
وأمّا "الهرم" فيجوز فيه الرفع على تقدير: هو الهرم،، والجر على البدل من "داء" المجرورب "غير"،، والنصب على إضمار "أعني".
فكان أسامة يقول حين كبر: تُرَوْنَ لِي مِنْ دَوَاءٍ؟ ؟.
قال - رحمه اللَّه! -: يجوز في "ترون" فتح التاء وضمها، والتقدير: "أترون"، ولكنه حذف همزة الاستفهام لظهور معناه، ولابد من تقديرها 1 لأمرين:
أحدهما: أنّه لم يتحقق 2 أنّهم لم يعرفوا له 3 دواء.
والثّاني: أنّه زاد فيه "منْ"، و"من" لا تزاد في الواجب 4، وإنّما تزاد في النَّفْي والاستفهام والنهي.
مسند أسامة بن عمير الهذلي
(22 - 1) في "المسند": قَامَ مُنَادِي النَّبِيِّ - صلّى الله عليه وسلم -؛ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الرِّحَالِ" 3:
قال - رحمه الله! -: يجوز في "أن" الفتح على تقدير: ينادي بأن الصّلاة في الرحال، أي: نادى بذلك،، والكسر على تقدير: فقال: إن الصّلاة..؛ لأنّ النِّداء قول، ومنه قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران: 39], ثمّ قال: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ [آل عمران: 39].
قرئ بالفتح والكسر 4،، وكذلك قوله تعالى: ﴿نُودِيَ يَامُوسَى (11) إِنِّي﴾ 5 [طه: 11, 12] بالوجهين، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ 6 [القمر: 10].
مسند أبي رافع مولى رسول اللَّه - صلّى الله عليه وسلم -، واسمه أسلم
(23 - 1) في "المسند": قوله - صلّى الله عليه وسلم -: "إِنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ" 3:
قال - رحمه الله! -: "آل" منصوب بإضمار "أعني" أو "أخص"، وليس بمرفوع على أنّه خبر "إن"؛ لأنّ ذلك معلوم لا يحتاج إلى ذكره، وخبر "إن": "لا يحل لنا الصَّدقة"، ومنه قول الشاعر: [الرجز]
(1) نَحْنُ بَنِي ضَبَّةَ أصْحَابُ الجَمَلْ 4........................
وهو كثير في الشعر 5. = ورويت عن عاصم على إضمار القول على مذهب البصريين، أو على إجراء الدُّعاء مجرى القول على مذهب الكوفيين.
وقرأ الجمهور بفتحها، أي: بأني مغلوب، أي غلبني قومي فلم يسمعوا مني ويئست من إجابتهم لي.
ينظر: "البحر المحيط" (8/ 176)، و"المحرر الوجيز"، لابن عطية الأندلسي، (15/ 298)، تحقيق المجلس العلّمي بتارودانت، توزيع مكتبة ابن تيمية،، و"مختصر الشواذ" لابن خالويه، (ص 148)، نشر مكتبة المتنبي بالقاهرة.
مسند أسيد بن ظهير
(1): (24 - 1) في التّرمذيّ عن النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - أنّه قال: "الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قبَاءٍ كَعُمْرَةٍ" (2): قال - رحمه اللَّه! -: الجيد في "قُبَاءٍ" الصّرف (3)، وزنه "فُعَال"، ومنهم من لا يصرفه ويجعله اسمًا للبقعة مؤنثًا.
مسند الأشعث بن قيس الكندي
(25 - 1) في "المسند": أن النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - قال: "لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ234 = الاسم مع الفعل كالناصبة تنصب على الحال، بأنّه لما كان في التقدير: أنا أخص أو أعني، فكأنّه قال: إنا نفعل كذا مخصوصين من بين النَّاس، أو معنيين.
فالحال من فاعل "نفعل" لا من اسم "إن"؛ لئلا يبقى الحال بلا عامل، وأكثر الأسماء دخولًا في هذا الباب "بنو فلان" نحو: نحن بني ضبة أصحاب الجمل................... " "عقود الزبرجد" (1/ 144).
النَّاسَ" (1):
قال - رحمه اللَّه! -: الرفع في يشكر (2) في الموضعين لا يجوز غيره؛ لأنّه خبر وليس بنهي ولا شرط، و"من" بمعنى "الّذي".
(26 - 2) وفي المسند من حديثه؛ أنّه خاصم رجلًا في بئر فقال له رسول اللَّه - صلّى الله عليه وسلم -: "بَيِّنَتَكَ أنَّهَا بِئْرُكَ وَإِلَّا فَيَمِينُهُ" (3):
قال - رحمه اللَّه! -: "بينتك" بالنصب على تقدير: "هات"، أو "أحضر"، و"أنّها" بالفتح لا غير، والكسر خطأ فاحش.
وقوله: "وَإِلَّا فَيَمينُهُ، يجوز فيه النصب على تقدير: وإلا فاستوف يمينه،، والرفع على تقدير: [و] إِلَّا فلك يمينه، على الابتداء والخبر (4).
مسند أمية بن مخشيٍّ الخزاعيّ
(27 - 1) في "المسند" قوله في أكل الطّعام: "بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وآخِرَهُ" 7:2345
قال - رحمه الله تعالى! -: الجيد فيهما النصب، والتقدير عند أوله وعند آخره، فحذف "عند"، وأقام المضاف إليه مقامه.
ويجوز أن يكون التقدير: ألاقي بالتسمية أوله وآخره.
ويجوز الجر على تقديرٍ، أي: في أوله وآخره.
(28 - 2) وفي حديث أنس بن مالك قال: "يُجْمَعُ النَّاسُ يَوْمَ الْقيَامَة، فَيُلهَمُونَ ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا 1 عَلَى رَبَنَّا" 2:
قال - رحمه اللَّه! -: "ذلك" إشارة إلى المذكور بعده، وهو حديث الشفاعة.
ويجوز أن يكون قد جرى ذكره قبلُ، فأشار بـ "ذلك" إليه ثمّ ذكر بعد منه طائفة 3.
وأمّا قوله: "على رَبَّنَا"، فإنّه عدى "استشفعنا" بـ "على"، وهي في الأكثر تتعدى بـ "إلى"؛ لأنّ معنى "استشفعت": توسلت، فيتعدى بـ "إلى"، ومعناها - أيضًا -: استعنت، وهذا الفعل يتعدى بـ "على"، ومعناها - أيضًا -: تحملت، يقال: استشفعت إليه، وأستعنت، وتحملت عليه بمعنى واحد، ومن = قال الحافظ: مستور، ولذلك ضعفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود" (ص/ 371)، ولكن صح الحديث عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا كما في "صحيح سنن أبي داود" (718/ 2)، و"إرواء الغليل" (7/ 24)، وعند ابن حبّان (12/ 14 - إحسان) من حديث ابن مسعود بإسناد صحيح.
هذا 1 قول الشاعر: [الوافر]
2 إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ... لَعَمْرُ أَبِيكَ أَعْجَبَني رِضَاهَا
[فعداه بـ "على" قال أبو عبيدة: إنّما ساغ ذلك لأنّ معناه: أقبلت علي (2)].
وفيه: "لَسْتُ هُنَاكُمْ":
قال - رحمه الله! -: "هنا" في الأصل ظرف مكان، وقد استعملت للزمان، ومعناها ههنا "عند"، أي: لست عند حاجتكم أنفعكم.
والكاف والميم لخطاب الجماعة.
وقوله: "فَيَسْتَحِي رَبَّهُ مِنْ ذَلِكَ":
قال - رحمه الله تعالى! -: الأصل: من ربه، فحذف "من" للعلّم بها 3؛ كقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: 155] أي: من قومه.
ويجوز ألَّا يكون فيه حذف ويكون المعنى: يخشى ربه، أو يخاف ربه؛ لأنّ
الاستحياء والخشية بمعنى.
وقوله: "وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى عَبْدُ اللَّهِ"، تقديره: هو عبد اللَّه، ولو نصب جاز على البدل أو على الحال، والرفع أفخم.
وقوله: "ائْتُوا عِيسَئ عَبْدُ اللَّهِ"، الرفع فيه أجود؛ كما رفع فيما قبله على التعظيم، ويجوز النصب على البدل أو الصِّفَة.
وفيه: "ائْتُوا مُحَمَّدًا - صلّى الله عليه وسلم -، عَبْدًا غَفَرَ اللهُ لَهُ"، فنصب ههنا على البدل أو الحال أو 1 إضمار "أعني"، ولو رفع كما رفع "عبد كلمه الله" لجاز.
وقوله: "أَنْتَظِرُ أُمَّتِي تَعْبُرُ الصِّرَاطَ":
[التقدير: أنتظر أمتي أن تعبر على الصراط] 2، فـ "أن" والفعل في تقدير مصدر موضعه نصب بدلًا من الأمة بدل الاشتمال، ولما حذف "أن" رفع "أنتظر"، ونصبه جائز 3.
(29 - 3) وفيه: "وَالْخَلقُ مُلجَمُونَ فى الْعَرَقِ" 4:
يجوز أن يكون المعنى أنّهم في العرق ملجمون بغيره، فيكون "في العرق" = وأمّا ما أشار إليه المصنِّف بعد من أنّه يجوز أن يكون بمعنى "يخشى ربه"، فهذا ما يعرت بـ "التضمين"، أي: يُضَمَّن فعلٌ ما معنى فعل آخر وعَمَلَهُ؛ كما ضمن الكوفيون معنى القول في "دعا" في قراءة من قرأ: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: 10].
خبرًا عن "الخلق"، و"ملجمون" 1 خبرًا آخر، ويجوز أن تكون "في" بمعنى الباء 2، ويكون العرق ألجمهم.
(30 - 4) وفي حديث أنس من حديث الغار:
قوله: "إِنَّهُ كَانَ لِي وَالدَان، فَكُنْتُ أحْلبُ لَهُمَا فِي إِنَائِهِمَا، فَآتِيهُمَا 3، فَإذَا وَجَدْتُهُمَا رَاقدَيْنِ قُمْتُ عَلَى رءُوسِهِمَا كرَاهيَةَ أن أَرُدَّ سنَتَهُمَا في رُءُوسِهِمَا حَتَّى يَسْتَيْقِظَانِ مَتَى اسْتَيْقَظا" 4:
هكذا وقع في الرِّواية "حَتَّى يَسْتَيْقِظَانِ" بالنون 5، وفيه عدة أوجه:678
أحدها: أن يكون ذلك سهوًا من الرواة، وقد وقع ذلك 1 منهم كثيرًا، والوجه حذفها بـ "حتّى"؛ لأنّ معناها "إلى أن"، وتتعلّق بـ "قمت".
والوجه الثّاني: أن يكون ذلك على ما في شذوذ الشعر؛ قال الشاعر 2: [البسيط]
(3) يَا صَاحِبَيَّ فَدَتْ نَفْسِي نُفُوسَكُمَا... وَحَيْثُمَا كنْتُمَا لُقِّيتُمَا رَشَدا
تَحَمَّلَا حاجَةً لِي خَفَّ مَحْملُهَا... تَسْتَوْجِبَا نِعْمَةً منِّي بِهَا وَيَدا
أَنْ تَقْرَآنِ عَلَى أَسْمَاءَ وَيْحَكُمَا... مِنِّي السَّلَامَ وَألاَّ تُخْبِرا أحَدا
فأثبت النون في موضع النصب، وكذلك هو في الحديث؛ لأنّ المعنى: "إِلَى أَنْ يَسْتَيْقِظَا".
= نصب أنّه لم يجعل القول من سبب قوله: "وزلزلوا"، ومنه قول العرب: قعدت حتّى تغيب الشّمس.
فليس قعودك سببًا لغيبوبة الشّمس.
وتلخيص ذلك: أن من رفع الفعل بعد "حتّى" كان بمعنى المضي، ومن نصبه كان بمعنى الاستقبال.
ينظر: "الحجة في القراءات السبع"، لابن خالويه، (ص 95 - 96)، تحقيق د. عبد العال سالم مكرم، مؤسسة الرسالة.
ط. خامسة سنة (1410 هـ -1990 م)، و"مغني اللبيب" (1/ 129)، و"شرح المفصل" لابن يعيش (7/ 29 - 30)، و"أوضح المسالك" (4/ 174)، و"شرح الكافية في النحو"، للأستراباذي (2/ 242)، و"شرح ابن عقيل" (ت 769 هـ)، تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد، دار التراث - القاهرة - ط. ثانية سنة (1400 هـ -1980 م)، (4/ 10).
والوجه الثّالث: أن يكون على حذف مبتدأ، أي: حتّى هما يستيقظان.
وقوله: "مَتَى اسْتَيْقَظَا"، تقديره: سَقَيْتُهُمَا، ويجوز أن يكون المعنى: أؤخر أو أنتظر أَيَّ وقت استيقظا.
(31 - 5) وفي حديث أنس: "وَلَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبِيٌّ" 1:
إنّما رفع 2 عربي لأنّه حكاية؛ كقوله: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، فهو على الحكاية ألَّا تنقشوا ما صورته عربي.
(32 - 6) وفي حديث أنس: "يَتْبَعُ الميِّتَ ثَلَاثٌ: أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ؛ يَرْجِعُ مَالُهُ وَأَهْلُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ" 3:
الوجه أن يقال: ثلاثة؛ لأنّ الأشياء المذكورة مذكَّرات 4 كلها، ولذلك قال: يرجع منها 5 اثنان ويبقى عمله، فلذلك قال: ويبقى واحد، فذكَّر.
والأشبه أنّه من تغيير الرواة من هذه الطريق، ويحتمل أن يكون الوجه فيه ثلاث علّق،
والواحدة عُلْقة؛ لأنّ كلًّا من هذه المذكورات علقة، ثمّ إنّه ذكَّر بعد ذلك حملًا علىِ اللّفظ بعد أن حملِ الأوّل على المعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [الأحزاب: 31] بتذكير الأوّل وتأنيث الثّاني 1.
(33 - 7) وفي حديثه أنّه سئل عن الشرب في الأوعية، ثمّ قيل له: فالرصاص والقارورة؟ فقال: "مَا بَأسٌ بِهِمَا" 2:
"بهما" جعل اسم "ما" 3 نكرة والخبر جار ومجرور 4، والأكثر في كلامهم أن يقدم ههنا الخبر فيقال: ما بهما بأس، وتقديم المبتدأ جائز 5؛ لأنّ البأس مصدر، وتعريف المصدر وتنكيره متقاربان، وقد قالوا: لا رجل في الدَّار، فرفعوا بـ "لا" النكرة وما قربت منها، ويجوز أن تحمل "ما" على "لا".
(34 - 8) وفي حديثه: " فَلأُصلِّي لَكُمْ" 6، ولم يقل: بكم؛ لأنّه أراد: من
أجلكم لتقتدوا بي.
(35 - 9) وفي حديث الوليمة: "فَقُلتُ: فَمَهْ! ! قال: الْحَيْسُ" 1:
أراد "فما" 2، ولكنه حذف الألف وجعل الهاء بدلًا منها 3؛ كما قالوا: "هنه" في "هنا" 4، ولا يقال إنّه حذف الألف لكونه استفهامًا كما حذفت في قوله تعالى: ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: 5]؛ لأنّ ذلك إنّما يجيء في المجرور، فأمّا المنصوب والمرفوع [فلا].
(36 - 10) وفي حديثه: "أَيَّمُا إِنْسانٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ" 5: يجوز النصب 6 على = باللام أبدًا, وإن كان للمخاطب كان بلام وغير لام" اهـ. "عقود الزبرجد" (1/ 101)، وينظر: "شواهد التوضيح، (ص 160، 186)، و"فتح الباري" (1/ 584).
معنى "سببته"، وما بعده تفسير له، والرفع على الابتداء وما بعده الخبر.
(37 - 11) وفي حديثه: "لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا" 1، النصب بفعل محذوف، تقديره: أريد عمرة، أو نويت عمرة.
(38 - 12) وفي حديثه: "مَهْيَمْ! " 2، هو اسم للفعل، والمعنى: ما يممتَ 3، أي: ما قصدت، وقيل: تقديره: ما وراءك؟ !.
(39 - 13) وفي حديثه: "نَزَلَ على رسول اللَّه - صلّى الله عليه وسلم - مَرْجعَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ" 4 بالنصب، المرجع مصدر مثل الرجوع، والتقدير: نزلَ عليه وقت رجوعه ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: 2]، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه.
(40 - 14) وفي حديثه: "عَجبْتُ لِلمُؤْمِنِ؛ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْض لَهُ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ" 5:
الجيد "إن" بالكسر على الاستئناف، ويجوز الفتح على معنى "في أن" أو "من أن" اللَّه.
(41 - 15) وفي حديثه: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غَنِيٌّ وَلَا فَقِيرٌ" 6:
"من" زائدة، و"غني" بالرفع صفة لـ "أحد" على الموضع؛ لأنّ الجار والمجرور في موضع رفع، ونظيره قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 59] بالرفع على الموضع، وبالجر على اللّفظ،، ويجوز في الحديث "غنيٍّ ولا فقيرٍ" بالجر علي اللّفظ أيضًا.
(42 - 16) وفي حديثه: "فَكُنَّ أُمِّهَاتِي يَحْثُثْنَنِي" 1:
النون في "كن" حرف يدلُّ على جمع المؤنت، وليست اسمًا مضمرًا؛ لأنّ "أمهاتي" هو اسم "كان"، فلا يكون لها اسمان، ونظير النون ههنا الواو، في "أكلوني البراغيث" 2، وكقول الشاعر 5: [الطويل]
(4) وَلَكِنْ دِيَافِيٌّ أبُوهُ وَأُمُّهُ... بِحَوْرَانَ يَغصِرْنَ السَّلِيطَ أَقارِبُهْ346
ويجوز أن يجعل النون اسمًا مضمرًا ويكون "أمهاتي" بدلًا منه.
وقوله في الحديث: "الأَيْمَنَ فَالأيْمَنَ" 1:
منصوب بفعل محذوف، تقديره: قدموا الأيمن.
(43 - 17) وفي حديثه: "لِيُصَلِّ أَحَدُكمْ نَشَاطَهُ" 2، أي: مدة نشاطه، فحذف الظرف وأقام المصدر مقامه.
[(44 - 18) وفي حديثه: "ثمّ أسفر الغد" 3: هو منصوب على الظرف، أي: أسفر بالصلاة في الغد] 4.
(45 - 19) وفي حديثه: "بُعِثْتُ أَنَا والسَّاعَةَ" 5: لا يجوز فيه إِلَّا النصب، والواو فيه بمعنى "مع"، والمرَاد به المقاربة، ولو رفع لفسد المعنى، لأنّه كان يكون تقديره: بعثت وبعثت السّاعة، وهذا فاسد في المعنى 6؛ إذ لا يقال: بعثت السّاعة، ولا في الوقوع، لأنّها لم توجد بعد.
(46 - 20) وفي حديثه: "وَلْيَقْضِ مَا سُبِقَهُ" 1، هكذا ضبطوه على ما لم يسم فاعله، والوجه أنّه أراد ما سبق به، فحذف حرف الجر، وعدي الفعل بنفسه، وهو كثير في اللُّغة.
(47 - 21) وفي حديثه: "مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ 2 عَمَلٍ صَلاةٍ، ولا صِيَامٍ" 3، ويرويه بالجر على البدل من "عمل" أو من "كثير".
(48 - 22) وفي حديثه: قوله لأنجشة 4: "أمْهِلْ 5، رُوَيْدَكَ سَوْقَكَ الْقَوَارِيرِ" 6:
الوجه النصب بـ "رويد" و "أمهل" (5)، والتقدير: أمهل سوقك، والكاف = الطيالسة، وتقدر هنا: فانتظروا السّاعة.
وقوله: " كهاتين " حال، أي: مقترنين.
قال القرطبي: فعلى النصب يقع التشبيه بالضم، وعلى الرفع يحتمل هذا ويحتمل أن يقع بالتقارب الّذي بينهما في الطول اهـ. "عقود الزبرجد" (1/ 43)، و"إكمال إكمال المعلم" (7/ 283). قلت: والظاهر أن هناك سقطًا وقع قبل قول القاضي: كقولهم: جاء البرد والطيالسة، ثمّ وجدت هذا السقط في "المشارق"، وهو: "والنصب على المفعول معه، أي: مع السّاعة".
"مشارق الأنوار" (2/ 355).
حرف الخطّاب، وليست اسمًا 1، و"رويد" يتعدى لمفعول واحد 2. (49 - 23) وفي حديثه: "مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِم يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثةٌ منْ وَلَده لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَّا أدْخَلَ اللَّهُ أبَوَيْهِمُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ" 3: فـ "من" زائدة، و" مبتدأ، إلى قوله: "لم يبلغوا الحنث" صفة للمبتدأ، والخبر: "إِلَّا أدخل الله أبويهم الجنَّة"، فإن قيل: الخبر هنا جملة، وليس فيها ضمير يعود منها إلى المبتدأ! !، فالجواب: أن الرَّجل المسلم الّذي هو المبتدأ هو أحد أبوي المولود وهو المذكور في خبر المبتدأ، فقد وضع الظّاهر موضع المضمر لغرض، وهو إضافة الأم 4 إليه، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90] 5.
وكقول الشاعر 1: [الخفيف]
(5) لَا أَرى الْمَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ... نَغَّصَ الْمَوْتُ ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيرَا
(50 - 24) وفي حديثه: "كيْفَ وَجَدْتَ مَنْزِلَكَ؟ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ خَيْرَ مَنْزِلٍ" 2:
النصب هو الوجه، أي: وجدته خير منزل.
(51 - 25) [وفي] 3 حديثه: أَنَّ حِرَاءً رَجَفَ وَعَلَيْه النَّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعثمَانُ، فَقَالَ: "اسكُنْ؛ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وشَهِيدَانِ" 4: = رحمة الله لمن مات لهم.
قال: وإنّما جمع باعتبار أنّه نكرة في سياق النَّفْي يفيد العموم، ففي حديث "عمرو بن عبسة" عند الطبراني: "إِلَّا أدخله الله برحمته هو وإياهم الجنَّة".
وفي حديث أبي ثعلبة الأشجعي عنده: "أدخله الله الجنَّة بفضل رحمته إياهما" قال بعد قوله: "من مات له ولدان"، فوضح بذلك أن الضمير في قوله: "إياهم" للأولاد لا للآباء" اهـ. "عقود الزبرجد" (1/ 48).