إتحاف الحثيث بإعراب ما يشكل من ألفاظ الحديثصفحات 1-41

إتحاف الحثيث بإعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث

إملاء أبي البقاء العكبري الحنبلي ت 616 هـ

وثقه وعلق عليه وحيد عبد السّلام بالى - محمّد زكي عبد الديم

الناشر دار ابن رجب

"مَثَلُ الّذي يتعلم الحديث ولا يتعلم النحو مَثَلُ السرير لا رأس له".
شعبة بن الحجاج

"إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -: "من كذب علي فليتبوأ مقعده من النّار"؛ لأنّه لم يكن يلحن، فمهما رَوَيْتَ عنه ولَحَنْتَ فيه كَذبتَ عليه".
الأصمعي

"فحق على طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللُّغة ما يتخلص به من شَيْنِ اللحن والتحريف ومعرتهما".
ابن الصلاح

إتحاف الحثيث بإعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث

حقوق النشر محفوظه للناشر الطبعة الأولى: 1418 هـ - 1998 م

الناشر دار ابن رجب ت: 441550/ 057

توزيع دار أصداء المجتمع بريدة ت: 3236333

قالوا عن العكبري: "كان إمامًا في علوم القرآن، إمامًا في الفقه، إمامًا في اللُّغة، إمامًا في النحو، إمامًا في العروض، إمامًا في الفرائض، إمامًا في الحساب، إمامًا في معرفة المذهب، إمامًا في المسائل والنظريات".
أبو الفرج بن الحنبلي

"كان يفتي في تسعة علوم، وكان واحد زمانه في النحو واللُّغة والحساب والفرائض والجبر والمقابلة، والفقه وإعراب القرآن والقراءات الشاذة".
عبد الصمد بن أبي الجيش

" كان متفننًا في العلوم، له مصنفات حسنة في إعراب القرآن وقراءاته المشهورة، وإعراب الحديث والنحو واللُّغة، وسمعت عليه، وَنِعْمَ الشَّيْخُ كان".
ابن النجار

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ!

اللَّهَ أَحْمَدُ على نعمة الإسلام، وكفئ بها نعمةً 1. وأشهد أن لا إله إِلَّا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن.
حمدًا عبده ورسوله، صلّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم، خير من نطق الضاد، آتاه ربه جوامع الكلم وفواتحه وخواتمه.
وبعد، فلولا أن منَّ اللَّه على هذه الأمة بعلماء مخلصين حَرَصُوا على تبليغ كتاب اللَّه وسنة نبيه - صلّى الله عليه وسلم -، لماتت قرونٌ، ولعاش - من عاش منهم - يتفقه على مذهب أبي مُرَّةَ لعنه الله! !. وإن أحدًا لا يجرؤ أن يزعم أنّه سيأتي بأفْضَلَ ممّا أتى به أئمة العلم من قبل، بَلْهَ 2 الزيادة عليه؛ فالخلف عيالٌ على السلف: لَا تَعْرِضَنَّ بِذِكْرِنَا مَعْ ذِكْرِهِمْ... لَيْسَ الصَّحِيحُ إِذَا مَشَى كَالْمُقْعَدِ ولكن: كم ترك الأوّل للآخر! !

  • قال ابن قتيبة - رحمه الله! -: "وَلَمْ يَقْصُرِ اللَّهُ الْعِلْمَ وَالشِّعْرَ وَالْبَلَاغَةَ عَلَى عَصْرٍ دُونَ عَصْرٍ، وَلَا خَصَّ بِهَا قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، بَلْ جَعَلَ ذَلِكَ مُنْتَشِرًا فِي جَمِيع الأعْصَارِ.. ". ولقد بلونا أخبار علمائنا الأعلام ممّا تركوه لنا من تراث مجيد، قل أن يوجد لأمة مثله، وأعني به مصنفاتهم، فمن مقل ومن مكثر.
    وأمّا في زماننا هذا فقد كثر

الأمر، وبلغ السَّيْلُ الزُّبَى؛ فكم رأينا من كتب ورسائل صنفت، حتّى إن المطابع لتلفظ بالعشرات منها يوميًّا، بحقٍّ وبِلَغْوِ، وإلى اللَّه المشتكى!.
إن هناك أسبابًا داعية لتصنيف الكتب، ذكرها غير واحد من أهل العلم، منهم ابن الوزير اليمني - رحمه اللَّه! - حيث يقول: " وأرجو - إن شاء اللَّه تعالى - ألَّا يخلو هذا المختصر من أحد المعاني الثمانية الّتي تصنف لها العلماء، بل من كلّ واحد منها، وهي: اختراع معدوم، أو جمع مفترق، أو تكميل ناقص، أو تفصيل مجمل، أو تهذيب مطول، أو ترتيب مخلط، أو تعيين مبهم، أو تببين خطأ.
كذا عدها أبو حيان، وتمكن الزيادة فيها" 1 اهـ. وعليه فلا خير في تصنيف يخرج عن الأسباب السابقة أو ما ينبثق منها، وقد كان في أئمتنا من لا يحب التصنيف البتة، بل دفن بعضهم كتبه؛ كما حكى ذلك عنهم الخطيب البغدادي في "تقييد العلم".
وهذه ليست مصادرة للتصنيف مطلقًا، وإنّما هي أشبه بشكوى من خروج الأمر عن حده، فأقول ناصحًا نفسي وغيري: إن أولى بمن له جهد وسعي أن يُخْرِجَ كنوز الأمة من المخطوطات المدفونة في خزائن الكتب؛ ليقدمها إلى طلاب العلم الذين أحيا اللَّه بهم السنة؛ فَللَّهِ دَرُّهُّمْ وعليه شكرهم.
ولكن هذا المجال - أيضًا - دخله الدَّخَنُ، فواللَّه كم رأيت هاجمًا على كتب التراث يحققها - بزعمه! - فزعم أنّه يحقق وما هو إِلَّا يتفَسَّق، فكان كمن أراد أن يُطِبَّ زُكامًا فَجَعَلَهُ جُذَامًا، فاللهم سلم.
يقول الشّيخ الدكتور محمود الطناحي: "..، ثمّ أخبرته أن مثل هذه الكتب الّتي ضني بها الأوائل، لا ينبغي أن نتواثب حولها ونركض، وأنّه يجب علينا أن نعطيها حظها من النظر والتأمل، وننظر إناها ونضجها، وأن نبذل من الجهد في

إخراجها ما يقارب ما بذل في تصنيفها".
ثمّ هو يقول عن جناية الجامعيين على نصوص التراث: ".. إذ كان فريق منهم اتخذوه (يعني التحقيق) مركبًا سهلًا للحصول على الشهادات الجامعية، والترقيات العلمية، وأصبح تراث الآباء نهبًا لكل مجترئ، لا يرجو للَّه وقارًا، ولا يرعى للعلّم حرمة، وقل الصرحاء، وكثر الأدعياء، وغاب الناقد البصير، فلا رقيب ولا حسيب، والكل يحطب في هوى المال والشهادات والترقيات.
واندفع بعضهم في التحقيق والنشر يقفز ويركض، ينشر ثلاثة أصول من كتب النحو والصرف في أقل من ثلاث سنوات، والناس يهللون ويكبرون؛ لأنّهم يخلطون بين النشاط، والعجلة والاستخفاف، ولا يكادون يَفْرِقُونَ بينهما، والمحقق يمشي بين النَّاس مختالًا مزهوًّا، ثاني عطفه، كهذا الّذي: أقْبَلَ يَخْتَالُ عَلَى ظِلِّهِ... يَذْهَبُ فِي الأَدْنَى وَفِي الأَبْعَدِ وماذا عليه وقد حصَّل الترقية العلمية وحاز المال، وظهر اسمه يتلألأ وسيما بالطيلسان الجامعي (الدكتوراة) يكاد سنا برقه يذهب باسم صاحب الكتاب القديم.
ولا تعجب، ولا تنكر من كثرة ما ينشرون؛ فإن تحقيق كتب التراث قد صار في هذه الأيَّام من أيسر الأمور وأقربها، وهذه هي خطواته ومراحله: 1 - نسخ الكتاب.
واللَّه - وحده - هو الّذي يعلم من يقوم بنسخ الكتاب.
2 - التعريف بالأعلام من كتاب خير الدين الزركلي - رحمه اللَّه - وسلخ مراجعه وإحالاته.
3 - تخريج الآيات القرآنية من معجم محمّد فؤاد عبد الباقي، رحمه اللَّه!.
4 - تخريج الأحاديث من المعجم الّذي صنعه المستشرقون.
5 - تخريج شواهد الشعر من كتاب شيخنا عبد السّلام هارون، وليته ما صنعه!.

6 - صنع فهارس تقليدية ميتة باردة.
ثمّ يأتي السطو والإغارة على تعليقات الميمني 1 في (السِّمْط) وعضيمة في (المقتضب) ومن إليهما من شيوخنا الأجلاء الرواد.
ولا بأس من التهويش ببعض الشروح اللغوية الّتي تعب من المعاجم عبًّا، وكثيرًا ما يقع في نقل هذه الشروح أخطاء فادحة؛ لعدم التنبه للمشترك اللفظي.
فهل في هذا ما يُعْنِتُ أوْ يُعْجِز 2؟ ! وأقول: للَّه درك يا رجل، وكيف لو علمت بما هو أعظم من هذا وأشنع؛ إن ناسًا أعرفهم بأعينهم يسلخون رسائل ماجستير ودكتوراة كاملة، فيقصونها بعد تصويرها، ثمّ ينزلونها - بعد تعديلها - في حواشيهم على كتبهم المحققة، زعموا! - دون طقوس أو مراسم أو إشارة من قريب أو بعيد إلى مصدرهم، فيبدو عملهم للقارئ الغر كمن رأى أئمة التحقيق على الحقيقة، فيضربون 3 بأيمانهم على شمائلهم تعجبًا من علمهم وطربًا، وأمّا العالمون فيضربون بأيمانهم على شمائلهم حزنًا وأسفًا؛ لانفتاح قفل الفتنة!.
وهذه نفثة مصدور آخر، وهو الشّيخ الدكتور بكر بن عبد اللَّه أبو زيد، يقول - حفظه اللَّه!: "... ومن التعالم: نفخ الكتاب بالترف العلّمي والتطويل الّذي ليس فيه من طائل، بل هو كالضرب في حديد بارد، وذلك في أعقاب ثورة الإنتاج الطباعي - تحت شعار التحقيق؛ بحيث يكون الأصل لو وضع في ظرف لوسعه؛ ثمّ يأتي "محضر نصوص" أو وراق نظيف (! ! ) 4 باسم التحقيق، ويزيد في الطنبور

نغمة، وكده الإثقال بالحواشي والتعليقات، متوحلًا في خضخاض من الأغلاط.
ومن العجيب أنّهم يترجمون لكل من يمر ذكره من الصّحابة والتابعين والأعلام البارزين، ويعرفون بالمواضع المشهورة كـ "مكّة" و "المدينة"... " 1. وأرجو - بما قدمت في هذا التحقيق، وما أوردته، وبالمورد الّذي توردته، ألَّا أكون كالباحث عن حتفه بظلفه، والجادع مارن أنفه بكفه، فألحق بالأخسرين أعمالًا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعًا.
.. وبعد، فإن تحقيق تراث أمتنا يحتاج إلى همة عالية، ونية صالحة، وشدة طلب وتحرٍّ؛ فكم من مريد للحق لم يصبه.
وليعلم طالب العلم أن عليه - حتّى يكون علمًا بارزًا - أن يكون: "تقِيًا، ذكيًّا، نَحْوِيًّا، لغويًّا، زكيًّا، حييًّا، سلفيًّا، يكفيه أن يكتب بيديه مائتي مجلد، ويحصل من الدواوين المعتبرة خَمْسَمِائَةِ مجلد، وألا يَفْتُرَ من طلب العلم إلى الممات بنية صالحة وتواضع، وإلا فلا يَتَعَنَّ" 2. ومن أهم ما ينقص طالب العلم في هذه الأيَّام إقامة لسانه على لسان العرب وكلامهم؛ فأنت إذا كلمك أحد طلبة العلم الآن: رَفَعَ المُضَافَ إِلَيْهِ وَالمَفْعُولَا أو تكلم بما لم تتكلم به العرب ولم تعرفه، فكان في لسانه عجمة وإن انتسب إلى اللسان العربي.
هذا عجب!.
قال أبو الحسين أحمد بن فارس - رحمه اللَّه! -: "وقد كان النَّاس قديمًا يجتنبون اللحن اجتنابهم بعض الذنوب، وأمّا الآن فقد تجوزوا، حتّى إن المحدث يحدث فيلحن، والفقيه يؤلف فيلحن، فإذا نُبِّها قالا: ما ندري ما الإعراب،

وإنّما نحن محدثون وفقهاء.
فهما يسران بما يساء به اللبيب" 1. بقي أن يُعْلَمَ أن ابن فارس يتكلم عن أهل زمانه،.
وقد مات الرَّجل سنة (395 هـ)!.
وأمّا فضل النحو وتعلمه، فإليك بعض ما قيل فيه: قال أبو بكر بن مجاهد: قال ثعلب: يا أبا بكر! اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا، واشتغل أصحاب الحديث بالحديث ففازوا، واشتغل أصحاب الفقه بالفقه ففازوا، واشتغلت أنا بزيد وعمرو، فليت شعري ماذا يكون حالي في الآخرة؟ !. فانصرفت من عنده، فرأيت النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - تلك اللَّيلة في المنام، فقال لي: أقرئ أبا العباس مني السّلام وقل له: أنت صاحب العلم المستطيل.
قال أبو عبد اللَّه الرُّوذَبَارِيُّ العبد الصالح: أراد أن الكلام به يكمل، والخطاب به يجمل، وأن جميع العلوم مفتقرة إليه" 2 اهـ. وثعلب إمام من أئمة النحو، فيا لها من بشرى! وقيل: [الكامل] النَّحْوُ يَبْسُطُ مِنْ لِسَان الألْكَنِ... وَالمَرْءُ تُكْرِمُهُ إِذَا لَمْ يَلْحَنِ فَإِذَا أَرَدْتَ مِنَ الَعُلُومِ أجَلَّهَا... فَأَجَلُّهَا مِنْهَا مُقِيمُ الأَلْسُنِ ومصداقًا لقول القائل: والمرء تكرمه إذا لم يلحن، أقول: إن عكس ذلك صحيح، يعني: إن المرء ليسقط من العين بلحنة يلحنها ليس له فيها عذر ولا تأويل.

وقد أسند الخطيب البغدادي في "جامعه" عن عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه عنه - قال: تعلموا العربيّة؛ فإنها تزيد في المروءة.
كما روى عن جماعة من السلف أنّهم كانوا يضربون أولادهم على اللحن.
قال الرحبي: سمعت بعض أصحابنا يقول: إذا كتب لحان، فكتب عن اللحان لحان آخر، فكتب عن اللحان لحان آخر، صار الحديث بالفارسية.
ولكن: لا يطلب من كلّ أحد أن يتقن الخلاف بين البصريين والكوفيين؛ فهذا عَسِرٌ في هذه الأيَّام، والتخصصُ مطلوب، وقد قيل: إذا أردت أن تكون عالمًا فادخل في فن من الفنون،، وذلك لقصر العمر وذهاب أشياخ العلم الذين يُتَنَقَّلُ بينهم؛ فلو فتح إنسان باب كلّ علم - في مثل هذا العصر - لأتاه أجله قبل أن يحصل ما يريد.
نعم، يستحب لطالب العلم أن يُلِمَّ بمختصر مفيد في كلّ علم، لكن ليس على سبيل التبحر، سيما وقد ذهب أمثال الإمام أحمد وابن تيمية والسيوطي وأضرابهم؛ فإن الأوّل قال فيه الشّافعيّ - رضي اللَّه عنه -: أحمد بن حنبل إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في القرآن، إمام في اللُّغة، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة.
وأمّا الثّاني، فكما هو ثابت في ترجمته - رحمه اللَّه! - أنّه كان إذا تكلم في علم ظُنَّ به أنّه لا يحسن غيره، فإذا تكلم في غيره وجد بحرًا.
وأمّا الثّالث، فإنّه زعم أنّه أتقن كلّ العلوم الشرعية وعلوم اللُّغة، حتّى قال عن نفسه وشانئيه: "..، فإن ثَمَّ مَنْ ينفخ أشداقه ويدعي مناظرتي، وينكر عليَّ دعوى الاجتهاد والتفرد بالعلّم على رأس هذه المائة، ويزعم أنّه يعارضني، ويستجيش عليَّ بمن لو اجتمع هو وهم في صعيد واحد ونفخت عليهم نفخة صاروا

هباء منثورًا" 1 اهـ. وقال أيضًا: وما أعلم أحد على ظهر الأرض أعلم بالعربيّة مني.
ومع أن أولئك الضخام كانوا أوعية علم، إِلَّا أن بعضهم لم يفتح عليه في بعض العلوم؛ فقد تعاصت بعض العلوم على بعض الأعلام المشاهير، ومنهم من صرح بذلك، "منهم الأصمعي في علم العروض، والرُّهَاوي المحدث في الخط، وابن الصلاح في المنطق، وأبو مسلم النحوي في علم التصريف، والسيوطي في الحساب... " 2. وعليه، فيطلب من طالب العلم أن يتقي بوجهه ولسانه سوء اللحن في عربيته، ويبتعد عن أمثلة التعقيد والتقعر، فيكفيه أن يرفع المرفوع، وينصب المنصوب، ويخفض المخفوض، ويجزم المجزوم، وإياه وأمثال: ظننت وظنَّاني شاخصًا الزيدين شاخصين، أو مثل: أعلمت وأعلمانيهما إياهما الزيدين العَمْرَيْنِ منطلقين، أو مثل: أزيدًا لم يضربه إِلَّا هو، أو: أأنت عبد اللَّه ضربته، أو مثل قول الفرزدق: [الطويل] وَمَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إِلَّا مُمَلَّكًا... أبُو أُمِّهِ حَيٌّ أبُوهُ يُقَارِبُهْ أو مثل ما ذكره أبو حيان في "تذكرة النحاة" (1/ 116) من قولهم: أَيُّ أَيٍّ إن يَضْرِبْكَ أَيُّهُمْ إنْ يأتْنِا نكرِمْه تضرِبْه نَضْرِبْه.! ! !. قال العلّامة ابن رجب الحنبلي ت (795 هـ) - رحمه اللَّه! -: "...، وكذلك التوسع في علم العربيّة لغة ونحوًا هو ممّا يشغل عن العلم الأهم، والوقوف

معه يحرم علمًا نافعًا.
وقد كره القاسم بن مخيمرة علم النحو وقال: أوله شغل وآخره بغي.
وأراد به التوسع فيه.
وكذلك كره أحمد التوسع في معرفة اللُّغة وغريبها، وأنكر على أبي عبيدة توسعه في ذلك، وقال: هو يشغل عما هو أهم منه.
قال ابن رجب: ولهذا يقال: إن العربيّة في الكلام كالملح في الطّعام.
يعني أنّه يؤخذ منها ما يصلح الكلام كما يؤخذ من الملح ما يصلح الطّعام، وما زاد على ذلك فإنّه يفسده" 1 اهـ. ثمّ ليعلم - بعد هذا - أن الأصل في ضبط كلام النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - إنّما هو السماع والتلقي، يُسْنِدُهُ الراوي عن غيره إلى منتهاه ضابًطا له، مقيمًا لنحوه ولغته.
ولهذا قيل: الإسناد من الدين.
فربَّ حديث يروى على غير وجهه، والسر فيه أن راويًا لحن فيه، فنقله غَيْرُهُ عنه كما رواه له، وهكذا حتّى يصير الحديث بالفارسية كما قال الرحبي.
ولأن السماع مضى وانتهى، تعذَّر ضبط الحديث إِلَّا بالقواعد النحوية المعروفة، فَحَلَّ ضبط المطابع محل قول أمثال الأصمعي والخليل وأبي عمرو بن العلّاء: سمعت العرب تقول كذا، أو مثل قول المحدثين: حدّثنا، وسمعت، وعن، وأن.
إن سيبويه - على مكانته - شكا حماد بن سلمة إلى شيخه الخليل بن أحمد؛ قال: سألته عن رجل رَعُفَ - هكذا - فقال لي: أخطات، بل هو رَعَفَ.
فقال الخليل: صدق، أتلقى أبا سَلَمَةَ بمثل هذا 2؟ ! فأين نحن من أولئك، وأين نحن من هؤلاء؟ !

أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهمْ... إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ المَجَامِعُ لقد حكى الأستاذ محمّد عوامة في كتابه "أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة" قصة تبين أن الأصل في ضبط الحديث النبوي إنّما هو السماع لا ضبط المطابع المعاصرة، يقول: "..، لكن دعاني إليه ما أحكيه للقراء (من المضحك المبكي) نقلًا عن شيخنا علامة حِمْص ونادرتها - رحمه اللَّه تعالى - حكى لي ذلك من قرابة تسع سنوات في منزلي بـ "حلب"، قال: دخل على المسجد قبل أذان الظهر رجل لا أعرفه، ثمّ سُمِّي لي..، فجلس ينتظر الأذان، فلما قال المؤذن: اللَّه أكَبْرَ اللَّهُ أكَبْرَ - بفتح الراء - قال هذا الرَّجل بانتفاضة وغضب: هذا خطأ، هذا بدعة.
فقال شيخنا: ما هو الخطا والبدعة؟ فقال: هذا مخالف لما في "صحيح مسلم".
فكرر عليه شيخنا السؤال: ماذا في "صحيح مسلم"؟ فقال الرَّجل: الّذي في "صحيح مسلم": اللَّه أكبر اللَّه أكبر - بضم الراء - فقال له شيخنا بأدبه المعروف وسكونه: تلقيتم "صحيح مسلم" عن شيوخكم عن شيوخهم إلى الإمام مسلم أنّه روى الحديث بضم الراء؟ أو هو ضبط المطبعة؟ ! قال شيخنا: فسكتَ وسكتُّ، وصلّى وانصرف" 1. نعم، لقد رحل السماع وانتهى، إِلَّا بقية من ضبط بعض أهل العلم الذين حفظوا لنا وعلينا حديث رسول اللَّه - صلّى الله عليه وسلم -، أمثال أبي سليمان الخطابي في "إصلاح غلط المحدثين"، والقاضي عياض في "مشارق الأنوار"، وابن حجر والبدر العيني في شرحيهما للبخاري، والقرطبي والنووي في شرحيهما لمسلم، وغيرهم ممّن عُنُوا بضبط الأحاديث كتابة في مصنفاتهم، إِلَّا أن الأمر لم يكن مستوعبًا،

فكانت الكلمة بعد الكلمة، وإلا فلماذا وُجِدَ أمثال العكبري والسيوطي؟ إن ضبط الحديث وإعرابه - وخاصة مُشْكِلَهُ - لم يجدا - فيما أعلم - حَظَّهُمَا من تراث هذه الأمة على ضخامته، فلم يصل إلى أيدينا إِلَّا عملان يتيمان مختصَّانِ، كان أحدهما صنعة أبي البقاء العكبري، على ما سيأتي توضيحه بعد، والآخر كان للحافظ السيوطيّ - رحمه اللَّه! - بالإضافة إلى تلك اللمحات المنتقاة الّتي تعرض لها جمال الدين بن مالك صاحب الألفية المشهورة في النحو، وذلك في كتابه العظيم: "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصّحيح" 1. وأمّا مُصَنَّفُ السيوطيّ، فيعرف بـ "عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد"، ويصرح الإمام السيوطيّ في مقدمته أن العلماء: "لم يتعرضوا في إعراب الحديث النبوي سوى إمامين: أحدهما: أبو البقاء العكبري؛ فإنّه لما ألف إعراب القرآن المشهور أردفه بتأليف لطيف في إعراب الحديث الشريف،، والثّاني: جمال الدين ابن مالك؛ فإنّه ألف في ذلك تأليفًا خاصًّا بصحيح البخاريّ يسمى "التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصّحيح.. ". "ولما رأى السيوطيّ أن كتاب العكبري لا يروي الغليل ولا يشفي العلّيل، نهض لتأليف كتاب في إعراب الحديث الشريف على مسند أحمد؛ قال في مقدمته: "...، وقد استخرتُ اللَّهَ - تعالى - في تأليف كتاب في إعراب الحديث، مستوعب جامع، وغيث على رياض المسانيد والجوامع، جامع شامل للفوائد البدائع، شاف كافل بالنقول والنصوص كاف، أنْظِمُ فيه كلّ فريدة، وأسْفِرُ فيه النقاب عن وجه كلّ خريدة، وأجعله على مسند أحمد، مع ما أضمه إليه من الأحاديث المزيدة، وأرتبه على حروف المعجم في مسانيد الصّحابة، وأنشئ له من بحار كتب العربيّة كلّ سحابة" 2.

إِلَّا أن السيوطيّ فاته - فيما أزعم - بعض كتابات لأئمة فحول، اوْدَعُوهَا بطون مصنفاتهم، منها: ما صنعه الإمام الفاضل القاضي عياض المالكي المتوفي سنة (544 هـ)، وذلك في كتابه الفذ "مشارق الأنوار على صحاح الآثار"، حيث عقد في أواخر كتابه بابًا في "ألفاظ وجمل في هذه الأصول 1 يحتاج إلى تعريف صوابها وتقويم إعرابها وتفهيم المؤخر من المقدم من ألفاظها وبيان إضماراتٍ مشكلة وعلى ما يعود المراد بها" 2. ومنها: ما أشار إليه القرطبي 3 أبو العباس أحمد بن عمر في شرحه على "صحيح مسلم"، المسمى "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم"، وذلك في نبذ نحوية متناثرة.
ومنها: ما أبدعه أحد علماء الحنابلة، وهو الإمام ابن قيم الجوزية، المتوفى سنة (751 هـ) - رحمه اللَّه! - وذلك في كلامه على بعض المسائل النحوية والبلاغية في كتابه البديع: "بدائع الفوائد".
إِلَّا أن السيوطيّ - رحمه اللَّه! قد يكون معذورًا بسبب أنّه عنى انفراد الكتاب المصنِّف بإعراب الحديث دون التعرض لشيء سواه 4. ولعلّه من نافلة القول أن أقول: إن النحويين - كغيرهم إِلَّا من رحم اللَّه - لا يبالون بقوة الحديث من ضعفه، فيروون في كتبهم ما يَعْضُدُ مذهبهم من أحاديث 5

غير مستوثقين منها، ومثال ذلك: احتجاجهم بما زعم أنّه حديث، من قولهم: "نِعْمَ الْعَبْدُ صُهَيْبٌ؛ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ": قال السخاوي في "الفتاوي الحديثية" (2/ 12): "قد اشتهر في كلام الأولين وأصحاب المعاني والعربيّة من حديث عمر بن الخطّاب.
وذكر الشّيخ بهاء الدين السبكي أنّه لم يظفر به في شيء من الكتب.
وكذا قال جمع من أهل اللُّغة، ثمّ رأيت بخط شيخنا - رحمه اللَّه - أنّه ظفر به في "مشكل الحديث" لأبي محمّد ابن قتيبة، لكن لم يذكر له ابن قتيبة إسنادًا، وقال: أراد أن صهيبًا إنّما لم يعص اللَّه حياء لا لمخافة عذابه" 1 اهـ. وأمّا ما قاله الفاضل أبو الحسنات اللَّكْنَوِىُّ ت (1304 هـ) - رحمه اللَّه - في كتابه "الأجوبة الفاضلة" (ص 35)؛ حيث قال: "فإن قلت: فما بالهم أوردوا في تصانيفهم الأحاديث الموضوعة - مع جلالتهم ونباهتهم - ولم لم ينقدوا الأسانيد مع سَعَةِ علمهم؟ ! قلت: لم يوردوا ما أوردوا مع العلم بكونه موضوعًا، بل ظنوه مرويًّا، وأحالوا نقد الأسانيد على نقاد الحديث؛ لكونهم أغنوهم عن الكشف الحثيث؛ إذ ليس من وظيفتهم البحث عن كيفية رواية الأخبار، إنّما هو من وظيفة حملة الآثار؛ فلكل مقام مقال، ولكل فن رجال".
أقول: فهذا الّذي ذكره ليس بعذر لهم؛ لأنّ القوم قبل ذلك مسلمون، والمسلم منهي عن رواية حديث لا يدري صحته؛ ألم يقل النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم -: "مَنْ حَدَّثَ عَنَّي بِحَدِيثِ يُرَى أَنهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أحَدُ الكَاذَبِيْنِ" 2؟ ! = محمود الفجال، و"النحاة والحديث النبوي للدكتور حسن الشاعر.

المصنِّف

والكتاب أمّا شيخنا صاحب الكتاب، فهو الإمام، المفسر، الفقيه، المُقرئ، الفرضي، اللغوي، النحوي: أبو البقاء، محب الدين، عبد اللَّه بن الحسين بن عبد اللَّه بن الحسين، العكبري، الحنبلي، البغدادي، الضرير.

مولده ونشأته

: ولد العكبري في سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، قاله غير واحد.
وأمّا نشاته فلا نعرف عنها شيئًا، إِلَّا أنّه أَضَرَّ في صباه بالجدري فَعَمِيَ.
والظن بمثله من أهل1234 ينظر في ترجمته: "إنباه الرواه على أنباه النحاه"، للقفطي، (2/ 116)، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب (1401 هـ)، و "وفيات الأعيان"، لابن خلكان، (3/ 100)، تحقيق إحسان عبّاس، دار الكب العلمية، د. ت، و"شذرات الذهب"، لابن العماد الحنبلي، (5/ 67)، دار الفكر (1399 هـ)، و"البداية والنهاية"، لأبي الفداء ابن كثير، (13/ 92)، دار الكتب العلمية، و"نَكْتُ الهِمْيَان في نكَتِ العُمْيَان"، للصفدي، (ص 178)، ط (1329 هـ - 1911 م)، و"بغية الوعاه في طبقات اللغويين والنحاه"، للسيوطي، (2/ 38)، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر، ط ثانية (1399 هـ)، و"المختصر من أخبار البشر"، لأبي الفداء (13/ 17)، ط. الحسينية.
وهناك دراسات تناولت العكبري وأخباره، منها:

عصره أنه طلب العلم صغيرًا ورحل فيه، وسمع الحديث وفروع العلم الأخرى، حتى علا كعبه كما حكى لنا أصحاب السير.
وتحكي لنا كتب التراجم أن أبا البقاء كانت تقرأ له زوجه الكتب ليلاً بعد أن ينتهي من إملاء العلم على طلبته، ثم إذا أراد أن يصنف حَصَّل تلك القراءة في خاطره، ثم أملى ما أراد إملاءه.
وظني أن امرأته كانت ممن يكتب له، فيبعد أن يأتيه خاطر ولا يرقمه، ولا يكون له كاتب حينئذ إلا امرأته التي تقرأ عليه، ونعم الزوجة كانت! لقد تلمذ أبو البقاء لشيوخ كثيرين، أذكرهم - هنا - دون ترجمة لهم؛ لئلا يطول ذيل الترجمة: 1 - أبو الفرج ابن الجوزي، (ت 598 هـ): وكان العكبري معيدًا لدروسه.
وقد كان ابن الجوزي يفزع إلى تلميذه أبي البقاء في المسائل المشكلة في الأدب 1. 2 - أبو حكيم إبراهيم بن دينار النهرواني، ت (556 هـ): أخذ عنه القرآن والمذهب والفرائض.
3 - القاضي أبو يعلى الفراء، ت (560 هـ): أخذ عنه أبو البقاء المذهب الحنبلي والخلاف.
4 - ابن هبيرة (وزير المقتفي)، ت (560 هـ): أخذ عنه الحديث.
5 - أبو الفتح بن عبد الباقي (ابن البطي)، ت (564 هـ): سمع منه الحديث.

6 - أبو زرعة المقدسي، ت (566 هـ): سمع منه الحديث.
7 - ابن الخشاب، ت (567 هـ): وهو من أشهر شيوخ النحو في عصره.
8 - يحيى بن نجاح، ت (569 هـ): أخذ عنه العربيّة.
9 - مهذب الدين ابن العصار، ت (576 هـ): أخذ عنه اللُّغة.
وكما عاش العكبري حياة طالب العلم، حيا - أيضًا - حياة شيوخ العلم؛ فقد تلمذ له كثير، منهم من بلغ رتبة الأئمة الأعلام، ومن أشهرهم: 1 - ابن الدبيثي، ت (637 هـ). 2 - أبو علي النحوي، ت (637 هـ). 3 - الصريفيني، ت (641 هـ). 4 - ابن النجار، ت (643 هـ). 5 - تقي الدين البغدادي، ت (644 هـ). 6 - عبد السّلام بن تيمية، ت (652 هـ)، وهو جد ابن تيمية الإمام المفرد، وقد أخذ عن العكبري علوم: الحساب، والمقابلة، والعربيّة.
7 - علم الدين اللورقي الأندلسي، ت (661 هـ). 8 - ياقوت الحموي، ت (626 هـ)، وهو صاحب "معجم البلدان"، وقد ذكر شَيْخَهُ فيه على ما سيأتي بعد.

العكبريُّ (العُكْبَراوِيُّ)؟ ؟ وأمّا نسبة الإمام أبي البقاء، فيقال فيها: العكبري، و: العكبراوي، وهي نسبة صحيحة، إلى بُلَيْدَةِ "عكبرا"، وهي تقع على نهر دجلة؛ قال ياقوت: ".. بضم أوله وسكون ثانيه، وفتح الباء الموحدة، وقد يمد ويقصر، والظاهر أنّه ليس بعربي..، وهو اسم بليدة من نواحي (دجيل" قرب نهر "صريفين" و "أوانا"، بينها وبين "بغداد" عشرة فراسخ 1. والنسبة إليها: عكبريّ وعكبراويّ، منها شيخنا إمام عصره، محب الدين، أبو البقاء، عبد اللَّه بن الحسين، النحوي العكبري،.... وقرئ على سارية بجامع "عكبرا": لِلَّهِ دَرُّكِ يا مَدِينَةَ عُكْبَرا... أيَا خِيَارَ مَدِينَة فَوْقَ الثَّرَى إنْ كُنْتِ لا أُمَّ القُرَى فَلَقَدْ أرَى... أَهْلِيكِ أرْبَابَ السَّمَاحَةِ وَالقِرَى هذا مقصور، ومده البحتري فقال: ولمَّا نَزَلنَا عُكْبَرَاءَ وَلَمْ يَكُنْ... نَبِيذٌ وَلَا كَانَتْ حَلَالًا لَنَا الخَمْرُ دَعَوْنَا لَهَا بِشْرًا وَرُبَّ عَظِيمَةِ... دَعَوْنَا لَهَا بِشْرًا فأصْرَخَنَا بشْرُ... " 2 وقد انتسب إلى هذه البلدة علماء كثيرون منذ منتصف القرن الثّاني الهجري،

ومن شاء فليراجع "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي أبي بكر أحمد بن ثابت المتوفى سنة (463 هـ).

آثاره الإملائيَّة:

ما أحسن ما قال القائل: إنّما المرء حديث بعده... فكن حديثًا حسنًا لمن روى وقد كان لصاحبنا أبي البقاء حظ ونصيب وافران من هذا القول؛ يسفر عنه ما تركه من إملاءات مفيدة تناقلها خلفه طلاب العلم، وأسرد بعضها هنا غير قاصد الإحاطة: 1 - إعراب القرآن، وهو كتاب "التبيان في إعراب القرآن".
2 - "إعراب القراءات الشواذ".
3 - "أجوبة المسائل الحلبيات".
4 - "الاستيعاب في أنواع الحساب".
5 - "الإشارة".
6 - "الترصيف في التصريف".
7 - "تعليق في الخلاف" (في الفقه).
8 - "تلخيص التنبيه" (لابن جني).
9 - "التلقين".
10 - "شرح أبيات الكتاب".
11 - "شرح الحماسة" لأبي تمام.
12 - "شرح فصيح ثعلب".
13 - "شرح لامية الشنفرى الأزدي".
14 - "شرح ما غمض من الألفاظ اللغوية من الألفاظ الحريرية" (شرح مقامات الحريري).

15 - "العروض والقوافي".
16 - "اللباب في علل البناء والإعراب".
17 - "مذاهب الفقهاء".
18 - "المرام في نهاية الأحكام" (فقه المذهب).
19 - "المفضل في شرح المفصل".
وله غير ذلك من الإملاءات المفيدة.

ثناء العلماء عليه

: قدمت في واجهة الكتاب كلمات أهل العلم وثناءهم على العكبري؛ من مثل قول ابن الحنبلي: "كان إمامًا في علوم القرآن، إمامًا في الفقه، إمامًا في اللُّغة،... ". ومن قول ابن أبي الجيش: "كان يفتي في تسعة علوم،... ". ومن قول ابن النجار: "كان متفننًا في العلوم،....، وسمعت عليه، ونعم الشّيخ كان".
وترجم له ابن خَلِّكان فقال: "لم يكن في آخر عمره في عصره مثله في فنونه".
وفيه يقول الصَّفَدِيُّ: "كان رقيق القلب، سريع الدمعة".
لقد كان أبو البقاء علمًا مفردًا، زاهدًا في المناصب الدنيوية وزخرفها؛ فتذكر كتب التراجم أن الشّافعيّة في زمن أبي البقاء عرضوا عليه تدريس اللُّغة بالمدرسة النظامية مقابل أن ينخلع من المذهب الحنبلي إلى المذهب الشّافعيّ، ولكنه أبى ذلك، ورد عليهم أن: لو أقمتموني وصببتم عليَّ ذهبًا حتّى يواريني ما رجعت عن مذهبي!.

وفاته

: توفي أبو البقاء - رحمه اللَّه! - ليلة الأحد، ثامن عشر ربيع الآخر من سنة (616 هـ)، وذلك ب "بغداد"، ودفن بمقبرة باب حرب، الّتي دفن فيها الإمام أحمد - رحمه اللَّه! -.

مذهبه النحوي

: الرَّجل حنبلي في الفروع، غير أن مذهبه النحوي اتسع الكلام فيه وتشعب؛ فمن قائل: إنّه بصري حتّى النخاع، ومن قائل: لا، فالرجل كوفيٌّ جَلْدٌ، ومن جانح إلى أنّه بغداديٌّ من مَفْرِق رأسه وحتى أخْمَصِ قدميه.
ومهما يكن من أمر، فإنّه ينبغي ألَّا يسارع أحد بالحكم على العكبري ونسبته إلى مدرسة بعينها؛ وما ذلك إِلَّا لأنّ الرَّجل كان في عصر امتازت فيه ملامح كلّ من المدرستين البصرية والكوفية، كما أنّه قد اصطنع بعض القوم مذهبًا لنفسه منتقيًا من نحو المدرستين البارزتين، وذلك ما أطلق عليه بعد: "المدرسة البغدادية"، وكان رائدها أبو علي الفارسي، وتبعه تلميذه أبو الفتح عثمان بن جني.
وإن كان لإخراج العكبري من المدرسة البصرية وإدخاله في مدرسة بغداد بعض ما يسوغه، فليس لسلكه في سلك الكوفيين مسوغ واحد 1، على حد تعبير الدكتور غازي مختار طليمات.
والعكبري - بعد طول النظر - في غالب أحواله بصريٌّ، تأثر بإمام النحاة في كثير من كلامه؛ فهو يشير في كتاب "التبيان" إلى سيبويه حوالي أربعين مرّة، إِلَّا أنّه - مع ذلك - يختار في بعض الأحيان مذهب الكوفيين؛ فمثلًا في "إتحاف الحثيث" الّذي معنا، يختار مذهب الكوفيين في أن "مِنْ" تستعمل لابتداء غاية الزّمان كما

تستعمل في المكان؛ يقول: "ودخول "من" لابتداء غاية الزّمان جائز عند الكوفيين، ومنعه أكثر البصريين، والأقوى عندي مذهب الكوفيين.. ". كما أنّه استعمل - في بعض الأحيان - مصطلحات الفراء، فسمى البدل "تكريرًا" كما كان يسميه الفراء، وعبر العكبري عن المبني للمجهول بقوله: المبني لما لم يسم فاعله.
"إِلَّا أن العكبري لم يرتض - كما فعل مع البصريين - كلّ ما قاله الفراء؛ فقد رد عليه في مواطن بتضعيف آرائه.
ومن ذلك رده ما ذهب إليه الفراء من جواز وقوع المعرفة تمييزًا في مثل قوله -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130]، فيقول: إن "نفسه" مفعول سفه"؛ لأنّ معناه "جهل"، تقديره: إِلَّا من جهل خلق نفسه أو مصيرها.
وقال الفراء: هو تمييز.
ثمّ يعقب العكبري قائلًا: وهو ضعيف؛ لكونه معرفة.
كما أبطل ما ذهب إليه من إعراب الكاف في "أرأيتك" اسمًا مضمرًا منصوبًا في معنى المرفوع، وأثبت أنّها حرف للخطاب وليس اسمًا" 1. وأمّا ما نسب إليه من البغدادية، فالحق أنّه لم يكن كذلك، "وإنّما كان يتكئ على آراء البغداديين في ترجيح آراء البصريين" 2، غير أنّه كان يأخذ بقول ابن جني في بعض المسائل، ويضرب بقول جمهور النحاة عرض الحائط؛ انظر إليه حين يقول: "إن الضمة والفتحة والكسرة علامة الإعراب، وليست الإعراب، وهو

الصّحيح".
وهو رأي ابن جني في "اللمع"، بل يقول - أيضًا - في كتابه "مسائل خلافية": "هو رأي أكثرهم، وليس مختارًا عندي".
وقد جوز فى قول الكميت: .................................................. إِلَّا أوارىَّ أن يروى جرًّا؛ قال البغدادي (خزانة الأدب 2/ 168): "وهذا ممنوع عند البصريين جائز عند الكسائي وأبي البقاء في شرح الإيضاح.
وهذا رأيه أيضًا في "المتبع في شرح اللمع" 1. وقال الشّيخ خالد الأزهري في "التصريح" 2: "ووقع في شرح لمع ابن جِنِّي لأبي البقاء: ومن المسموح: عندي قفيزان شعيرًا؛ لأنّ القفيز عبارة عن ضرب قصبة في عشر قصبات في عرف الحساب، وهو عشر الجريب.
ولم أره لغيره.". وبعد فإني أتساءل: ألم يكن الرَّجل يفتي في تسعة فنون من العلم؟ ألم يكن فقيهًا حنبليًّا؟ ! فإن كان ذلك - ولا شك - فلم لا يجوز لمثله أن تكون له درجة الاجتهاد الّتي تخول له أن ينتقي مع احتفاظه بانتسابه - في الجملة - إلى مذهب المدرسة البصرية؟ سيما وقد علم عند الأصوليين أن هناك من يسمى بـ "مجتهد المذهب" و"المجتهد المطلق"، فالعكبري لم يكن مقلدًا على طول الخط، وإنّما كان له من الاجتهاد نصيب، وَحُقَّ له ذلك.
وأمّا كونه يأخذ بقول لأبي عليًّ الفارسي في مسألة، ولابن جني في أخرى، وللكوفيين في ثالثة، فهذا لا يعني أن الرَّجل كان بغداديًّا، وإنّما غاية

الأمر أنّه كان ينتقي ما يراه صوابًا دون تعسفٍ أو تعصب لأحد على أحد 1

إتحاف الحثيث ومنهج أبي البقاء فيه

أول معرفتي بهذا الكتاب كان في دار الكتب المصرية بهذا العنوان الّذي نشرته به، فعزمت على إخراجه بعد سؤالي عنه أخرج محققًا أوْ لا؟ ولما كانت الإجابة بالسلب، قطعت فيه شوطًا كبيرًا، ثمّ تبين لي بعد أن الكتاب طبع من قبل بالعنوان الّذي ذكره أصحاب التراجم، وهو "إعراب الحديث" 1، فنظرت فيه محققًا ونظرت فيما بين يديّ من أوراق، ثمّ استخرت اللَّه تعالى في إكماله، واستشرت بعض المهتمين بالعلّم، فإذا الأمر قد قدره اللَّه تعالى، وسبق السيف العدل.
وعلى أية حال فأقول عمن حققه من قبل: شكر اللَّه سعيه.
وأمّا عنوان الكتاب، فإن العكبري ما سمى كتابه "إعراب الحديث" ولا غيره، ولكن أطلق عليه مترجموه هذا الاسم؛ كما قالوا عن "التبيان في إعراب القرآن": "إعراب القرآن"، وكتابنا هذا قال أبو البقاء في مقدمته: "أمّا بعد، فإن جماعة من طلبة الحديث التمسوا مني أن أملي مختصرًا في إعراب ما يشكل من الألفاظ الواقعة في الحديث.. ". فتبين أن هذا الاسم من صنيع أصحاب التراجم، ولم يضعه أبو البقاء لكتابه.
وأمّا اختياري لهذا العنوان فلأسباب أربعة: أوَّلًا: أن المخطوطة الّتي اعتمدت عليها عنوانها هكذا: "إتحاف الحثيث بإعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث".
ثانيًا: أن "إعراب الحديث" هكذا يوهم بسعة المادة المعروضة، وأن "الحديث" على إطلاقه، وذلك ما لم يكن؛ فالرجل قيد صنيعه بإعراب "ما

يشكل" وما قد يخطئ الرواة فيلحنون فيه.
ثالثًا: أن المصنِّف لم يردّ عنه - فيما استقرأته - نصّ في تسميته كتابه هذا "إعراب الحديث"، بل إن كلامه في مقدمته يعضد العنوان الّذي اخترته له.
رابعًا: أن ما ذكره المترجمون من اسم له إنّما هو لبيان أنّه صنف في إعراب الحديث؛ كما قالوا: له إعراب القرآن، وليس هذا باسم لمصنَّفٍ للعكبري.
فإن قيل: إن "إعراب القرآن" ذكروا عنوان كتابه وهو "التبيان.. " وهذا لم يذكروا عنوانه! قلت: يبقى الأمر - إِذَا - على إثبات ما يوافق المادة العلمية المخطوطة من عناوين ذكرها أهل العلم له أو وجدت مرقومة على وجه المخطوط، وهذا عين ما حدث هنا.
وأمّا العكبري في كتابه هذا، فقد صح له ولغيره مقالته فيه، فمن قوله: "أن أملي مختصرًا"، ومن قول غيره: "كتاب لطيف"؛ فالكتاب - بحق - مختصر، وهذه سمة في بعض مصنفات العكبري الأخرى، كـ "التبيان"، و"اللباب".
ولعلّ السِّرَّ في ذلك هو أن الرَّجل كان ضريرًا، فكان إذا أراد أن يصنف قرأت زوجته عليه ما أحب، ثمّ يملي بَعْدُ ما شاء من مسائل، فهو لم يتمتع بعينيه في النظر في كتب الأوائل والنقل المستفيض عنها، فلو فعل لكان يأتي بالمطولات.
وكان على العكبري - تَلْبِيةً لرغبة طلبة الحديث - أن يصطفي كتابًا جامعًا للحديث النبوي الشريف، فلم يكن خَيْرٌ من كتاب شيخه ابن الجوزي "جامع المسانيد"، فاعتمده منتقيًا منه الأحاديث المشكلة، مخرّجًا لها في بعض الأحيان، فيقول مثلًا: مسند أبي بن كعب، ومما في الصحيحين،.. ومما انفرد به مسلم،.. وفي رواية عبد اللَّه (يعني ابن الإمام أحمد)، وهكذا..

وتارات يسكت عن تخريج الحديث، وإن كان الحديث قلما يخرج عن مسند أحمد.
ثمّ إن العكبري ما يذكر الحديث كاملًا، بل يكتفي بما يراه قد يُشْكِلُ أو يلحن فيه الرواة، فيذكره ثمّ يعقب عليه بأن يقول: الجيد فيه كذا، أو: الوجه كذا، أو يذكر علة نصبه أو رفعه أو جره مثلًا 1، موجهًا - في ذلك كله - أوجه الإعراب الجائزة، محتجًّا لما يراه راجحًا أو جائزًا.
وأمّا احتجاجه، فيكون - في غالب الأمر - بكتاب اللَّه تعالى، ثمّ الحديث النبوي الشريف، ثمّ بالشعر وأقوال العرب الواردة عنهم.
وقد يتعرض أبو البقاء لذكر خلاف بين البصريين والكوفيين في إحدى المسائل النحوية، مرجحًا أو ساكتًا سكوتًا يعرف منه ما يميل إليه من القولين، وفي بعض الأحيان يذكر الخلاف دون ترجيح، فيفهم منه إجازته القولين جميعًا: ومثال الأوّل: ما رجحه في حديث: "هذا أول طعام أكله أبوك من ثلاثة أيّام" من دخول "من" لابتداء غاية الزّمان، وهو مذهب الكوفيين.
ومثال الثّاني: ما قدم به من إعراب لكلمة "أسعد" من حديث: "فإنّه رب مبلغ أسعد من سامع" حيث قضى على الحديث بمذهب البصريين، ثمّ عقب بمذهب الكوفيين قائلًا: "وبنوه على رأيهم في أن "رب" اسم مرفوع بالابتداء.. ". وهو هنا بتقديمه لكلام البصريين كان كالأصل له في هذه المسألة.
ومثال الثّالث: ما ذكره من تقدير في حديث: "إذا كان أحدكم في صلاة فلا يرفع بصره.. " الحديث، حيث قال بعد كلام: "..، والكوفيون يقدرونه: لئلا يلتمع بصره، والمعنى واحد".

ولكن.. قد تخرج الرِّواية عن وجه من الأوجه الجائزة في لغة العرب، وحينئذ يحكم العكبري بأنّها لحن من قبل الرواة؛ فإن النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - وأصحابه بريئون من اللحن.
ومثاله: ما صنعه في تاويل رواية "إنّما بنو هاشم وبنو المطلب شيئًا واحدًا".
إِلَّا أن أبا البقاء - رحمه اللَّه! - لم يقتصر على الألفاظ المشكلة في كلام النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - وكلام أصحابه، بل تعدى ذلك إلى ألفاظ هي ممّن دونهم: ومثاله: أوَّلًا: ففي حديث أنس "قلت: فمه"، علّق عليها العكبري، وليست من كلام النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - ولا كلام أصحابه، بل هي من كلام الراوي عن أنس، وهو علي بن زيد بن عبد اللَّه بن جدعان.
ثانيًا: في حديث - عقبة بن عامر "... إِلَّا يتصدق فيه ولو كعكة"، فهذه الجملة هي من كلام يزيد بن أبي حبيب سُوَيْد، وهو أحد رجال السند.
ثالثًا: وفي حديث عقبة أيضًا: "صحبتك رسول اللَّه - صلّى الله عليه وسلم -، أحببنا أن نسير معك" وهذه من كلام رجال من أهل الشّام قالوها لعقبة، والقصة في "المسند" عن عبد الرّحمن بن عائذ قال: انطلق عقبة بن عامر الجهني إلى المسجد الأقصى ليصلّي فيه، فاتبعه ناس، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: صحبتك.. فذكره".
رابعًا: في حديث عمران بن الحصين "مكتوب في الحكمة: إن منه وقارًا.. "، وهي من كلام رجل من أحياء العرب سمع عمران يحدث عن النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - قال: "الحياء خير كله" فقال بُشَيْرُ بنُ كَعْبٍ 1: "مكتوب في الحكمة: إن منه وقارًا ومنه سكينة" فقال له عمران: أحدثك عن رسول اللَّه وتحدثني عن الصحف؟ !. وقد يتعلّق بالرواية المشكلة بعض المسائل العقدية الّتي تترتب عليها، فتدخل ضمن "مشكل الحديث"، وذلك كحديث: "قد رأيته نورًا، أنى أراه؟ "،

وحديث: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".
ولم يتوقف العكبري عند لحن الرواة بمعناه النحوي، بل تعدى إلى ما يمكن أن يقعوا فيه من ضبط صرفي غير جائز للكلمة؛ كتعرضه لضبط "خلوف"، و"مهل"، و"أبيات"، و "كذبات".. وغير ذلك.
ويلاحظ على أبي البقاء في ترتيبه المسانيد أنّه ما جعل للكنى بابًا خاصًّا آخر الكتاب، ولكن ذكر الكنى مرتبة ضمن الأسماء، فأبو ذر - مثلًا - جعله في حرف الجيم، حيث إن اسمه جندب، وهكذا، إِلَّا أنّه عقد في نهاية كتابه جزءًا لذكر المعروفين بكناهم، وغالب الظن أن هذا كُفَه من صنيع شيخه في "جامع المسانيد".

وصف المخطوطة ومنهج إخراجها

يقع أصل المخطوطة في (65) ورقة، وهو محفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم (2160) (حديث) ميكروفيلم رقم (41129). وكتبت بخط نسخ جيد، إِلَّا أنّه وقع فيه تصحيفات كثيرة.
وقد وضع على الورقة.
الأولى عنوان الكتاب كما يلي: "إتحاف الحثيث بإعراب ما يشكل من ألفاظ الحديث" للشيخ الإمام العالم العلّامة، أبي البقاء، عبد اللَّه بن الحسين العكبري، رحمه اللَّه والمسلمين بجاه 1 النّبيّ الأمين، آمين!.
ولم يثبت ناسخها اسمه ولا تاريخ نسخها، إِلَّا أن هذه المخطوطة تشابهت في كثير من المواضع - حتّى أخطاؤها - مع النسخة الّتي اعتمد عليها السيوطيّ في "عقود الزبرجد"؛ فإنّه قال: "قد أوردت جميع كلام أبي البقاء معزوًّا إليه؛ لتعرف قدر ما رددته عليه."، إِلَّا أن الباحث في العقود يجد مسانيد كاملة قد سقطت من كتاب العكبري لم تُثْبَتْ في نسخة السيوطيّ، فلعلّ السقط ورد ممّن بعد السيوطيّ، ولعلّ النسخة الّتي كانت بين يدي السيوطيّ كانت ناقصة.
وأمّا مخطوطتنا هذه فمسطرتها (21) واحد وعشرون سطرًا، عدد كلمات السَّطر الواحد تسع كلمات في الغالب.
وقد وقع بها سقط في مواطن، إِلَّا أن هذا وارد؛ سيما في المخطوطة الواحدة، بل وجدت فيها بعض جمل لم تكن في النسخة المطبوعة والتي اعتمدت على أربع نسخ مخطوطة (! ! ). ومثال ذلك:

1 - ما تراه في حديث: "قم فأعطهم، فقال عمر: يا رسول اللَّه سمع وطاعة".
2 - ما تراه في حديث: "فأتى رسول اللَّه... فضحك رسول اللَّه وقال: خذها".
3 - ما تراه في حديث: "نعم المنيحة اللقحة منيحة".
إلى غير ذلك من وجود كلمات مفردة ساقطة من المطبوعة، أُثْبتَتْ في مخطوطتنا، وتجد الإشارة إليها في مظانها من الحاشية.
وأمّا عملي في هذا الكتاب، فيتضح ممّا يلي: 1 - إعادة نسخ المخطوطة على القواعد الإملائية والترقيمية الحديثة مع إشكال الآيات والأحاديث الواردة.
2 - تخريج الأحاديث ثمّ الآيات المستشهد بها، مراعيًا بيان درجة الحديث الّذي يتعرض له العكبري بالإعراب والضبط.
3 - وقد اشترطت عدم التوسع في التخريج، بل اعتمدت على الكتب التسعة حَسْبُ، كما لم أتعرض لذكر طرق الحديث والكلام عليها، وإنّما ذكرت درجة الحديث بعد إنعام النظر فيه قدر الوسع بالبحث على طريقة أهل الحديث والأثر، متبعًا قواعدهم في ذلك؛ فإن وجدت حكمًا على الحديث لأهل النقد المشهود لهم - تبعته ناسبًا الحكم على الحديث إليه 1. ولأن الكتاب ليس كتاب حديث خالصًا، وحتى لا أصرف وجوه القوم عما أراده المصنِّف، رأيت ألَّا أذكر متن الحديث في الحاشية إِلَّا ما اضطررت إليه، ثمّ إنِّي أحلت بتخريجي الحديث - على مظانه من كتب السنة لمن كان عنده فضل طلب، فإن كان الحديث صحيحًا، صح له طلبه، وإلا فقد أغناه ضعفه عن السعي إليه 2.

4 - ولأن الكتاب موجه - في أول الأمر - إلى طلبة الحديث، وهم أصحابه وطالبوه، فقد علقت بعض تعليقات نحوية، راعيت فيها الإبانة عن بعض المسائل والمصطلحات النحوية؛ لتعريفهم بها، مجتنبًا في ذلك - ما استطعت - التقعر والغوص في الخلافيات.
5 - ولأن من أخطاء المحققين الّتي تعاب عليهم أنّهم يترجمون لكل من مر ذكره ولو كان علمًا مشهورًا، فقد تركت التّرجمة لمن غلب على ظني شهرتهم عند القاري؛ أمثال أبي بن كعب، وأسامة بن زيد، وأنس بن مالك، رضي اللَّه عنهم.
6 - بينت أصحاب القراءات الّتي أشار إليها العكبري، مع تخريجها، وعزوها إلى مصادرها.
7 - تكلمت على بعض المسائل البلاغية الّتي قد يشير إليها العكبري تلميحًا، مثل الالتفات.
8 - خرجت الشواهد النحوية مع بيان الاختلاف في نسبة قائليها.
9 - إيضاح ما غمض من غريب الحديث والأثر.123 = ومهما قلت في تصدير التخريج: إسناده كذا، فإنّما أعني إسناد هذه الرِّواية عند من خرجها، والا فإن كتاب أبي البقاه ليس مُسْنَدًا كما هو معلوم.
وهذا بيان ترقيمات الطبعات الّتي اعتمدتها:

10 - تتبعت ما زاده السيوطيّ - رحمه اللَّه! - على أبي البقاء، وعزوته إليه.
11 - ذكرت الفروق الّتي بين المخطوطة والمطبوعة من سقط وتصحيف وزيادة.
12 - وقد اعتمدت طبعة الدكتور عبد الإله نبهان الّتي تيسرت لي، وهي من نشر دار الفكر عام (1989 م)، إِلَّا أنّها وقع فيها بعض الهنات، من مثل: 1 - نسبة الحديث إلى غير راويه من الصّحابة: كما حدث في مسند أسيد بن ظهير، فالمصنف ترجم له بـ "أسيد بن حضير"، ثمّ قال: في التّرمذيّ عن النّبيّ أنّه قال: "الصّلاة في مسجد قباء كعمرة".
وبالرجوع إلى جامع التّرمذيّ تبين أن الحديث من رواية "أسيد بن ظهير" لا أسيد بن حضير.
ثمّ لما ترجم المحقق في ملحق الكتاب ترجم لأسيد بن حضير أيضًا! !. 2 - وقوع الوَهَم 1 في اختيار الراوي إذا تعدد الملَقَّبون بلقبه: كما حدث في ترجمة "الصنُّابِحِىِّ" راوي حديث: "لا ترجعوا بعدي كفارًا

يضرب بعضكم رقاب بعض".
ففي الملحق ترجم له قائلًا: "الصنابحي أبو عبد اللَّه، عبد الرّحمن بن عُسيلة المرادي ثمّ الصنابحي، نزيل دمشق.
قدم المدينة بعد وفاة النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - بليال.. ". وهذا وَهَمٌ؛ فإن الصنابحي المقصود هو: صنابح بن الأعسر الأحْمَسِيُّ البجلي، وهو صحابي، على ما بينته في ترجمته، وأمّا الأوّل فتابعي كبير (! ! ).

3 - القصور في تخريج الحديث: ومثال ذلك: الحديث الأوّل؛ فالمصنف يقول: "ذِكْرُ ما في الصحيحين"، فيأتي المحقق فيخرجه من "مسند أحمد" و"صحيح البخاريّ" حَسْبُ، ويهمل ذكر مسلم.
ولعلّ عذره أن لفظ مسلم فيه اختلاف عن لفظ المصنِّف.
وأمّا الروايات المذكورة عَرَضًا، فإما أن يسكت عنها، وإما أن يخرجها تخريجًا لا يمت إلى الصنعة الحديثية بصلة، فمثال الأوّل: ما في حديث أبي ذر الّذي فيه: "آنية الجنَّة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه".. قال العكبري: "وقد جاء في حديث آخر بهذا اللّفظ (يعني: لم يظما أبدًا) وسكت المحقق عن تخريجه!.
= ويختلف وزن الفعل لأحد المعنيين عن الآخر؛ فالذي يقال فيه: وَهْمٌ - بالسكون، الفعل منه: وَهَم يَهِم وَهْمًا، بوزن وَعَد يَعِدُ وعدًا.
والذي يقال فيه: وَهَمٌ - بالفتح، الفعل منه: وَهمِ يَوْهَمُ وَهَمًا، بوزن وَجِلَ يَوْجَلُ وجَلًا.
ولكن الملاحظ في استعمال المحدثين أنّهم إذا أخبروا عن غلط الراوي بلفظ الفعل، قالوا في الماضي: وَهِم، وفي المضارع: يَهِم، فيجمعون في هذا الاستعمال بين البابين، وهو ما يقول فيه الصرفيون: من باب تداخل اللغتين، فيقولون في تضعيف الراوي مثلًا: صدوق يهم.
فيستعملون فعل يَهِمُ في موضع يوهم.
قال أبو غدة: وما رأيت في كلمهم إلى الآن يَوْهَم.
ويستعمل المحدثون في مقام التغليط أيضًا لفظ: "الوَهَل" باللام بمعنى "الوَهَم"، وهما في اللُّغة بمعنى واحد، ومن باب واحد" انتهى.

ومثال الثّاني: ما في حديث عائشة مرفوعًا: "إن في عجوة العالية شفاءً... " قال العكبري: ".. وَيَعْضُدُ ذلك حديث الزبير: "من تصبح بسبع تمرات عجوة ممّا بين لابتيها.. الحديث".
قال المحقق معلقًا: "الجامع الصغير" (2/ 289). هكذا (! ! )، والحديث أخرجه الشيخان البخاريّ ومسلم، كما بينته هناك، ثمّ هو من حديث سعد بن أبي وقّاص، لا الزبير كما قال المصنِّف! ! وتارة ينشط المحقق فيخرِّج الرِّواية المذكورة عرضًا؛ كما صنع في حديث: "إن لكل نبي حواري.. ". 4 - الاقتصار في نسبة الشّاهد النحوي على شاعر بعينه، مع وجود نزاعٍ في قائله: كما في بيت: من يفعل الحسنات اللَّه يشكرها... والشر بالشر عند اللَّه مثلان فقد نسب البيت لحسان بن ثابت فقط، والبيت منسوب له، ولعبد الرّحمن ابن حسان، ولكعب بن مالك، وهو في ديوانه، وليس في ديوان حسان! !. وفي بيت: يلومونني في اشتراء النخيـ... ـل قومي ولومهم ألوم نسبه لأُحَيْحَةَ بنِ الجُلاح، وهو منسوب أيضًا لأمية بن أبي الصلت، وهو في ديوانه! !. إِلَّا أنّه قد ينشط فيذكر الخلاف في نسبة الشّاهد النحوي؛ كما فعل في بيت: لا أرى الموت يسبق الموت شيء... نَغَّصَ الموتُ ذا الغِنيَ والفقيرا

جارٍ التحميل