تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِ الْمَوْلُودِ عَقِيقَةٌ، وَبَدَأَ بِحُكْمِهَا فَقَالَ: (سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يَجْتَمِعُ فِيهِ حُكْمَانِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ أَعْلَى مِنْ الْمُسْتَحَبِّ، أُجِيبَ بِأَنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ سُنَّةً غَيْرَ مُؤَكَّدَةٍ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ غُلَامٍ مَرْهُونٌ بِعَقِيقَتِهِ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ صَحِيحٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ كَبْشًا وَكَذَا عَنْ الْحُسَيْنِ» .
ثُمَّ بَيَّنَ جِنْسَ الْعَقِيقَةِ وَزَمَنَ ذَبْحِهَا بِقَوْلِهِ: (وَيَعُقُّ عَنْ الْمَوْلُودِ) ظَاهِرُهُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (يَوْمَ سَابِعِهِ) أَيْ سَابِعِ وِلَادَتِهِ بِشَرْطِ حَيَاتِهِ إلَيْهِ (بِشَاةٍ) مِنْ الضَّأْنِ أَوْ الْمَعْزِ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ (مِثْلَ مَا ذَكَرْنَا) فِيمَا تَقَدَّمَ (مِنْ سِنِّ الْأُضْحِيَّةِ) وَهُوَ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ ابْنُ سَنَةٍ، وَالثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ وَهُوَ ابْنُ سَنَةٍ، وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ (وَ) مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ (صِفَتِهَا) بِأَنْ لَا تَكُونَ عَوْرَاءَ وَلَا مَرِيضَةً وَلَا عَرْجَاءَ بَيِّنٌ ضَلَعُهَا وَلَا عَجْفَاءَ وَلَا مَشْقُوقَةَ الْأُذُنِ وَلَا مَقْطُوعَتَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، وَلَا مَكْسُورَةَ قَرْنٍ يُدْمِي.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَعُقُّ بِالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَعَنْهُ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ: يَعُقُّ بِهِمَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ لِأَنَّ هَذِهِ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ سِنِّ الْأُضْحِيَّةِ فَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنْ الْبَقَرِ الثَّنِيُّ وَهُوَ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ،
[حاشية العدوي]
كُلٍّ مِنْ الشَّعْرِ وَالذَّبِيحَةِ لِقَطْعِ أَوْدَاجِهَا وَحَلْقِهَا [قَوْلُهُ: ثُمَّ تُوُسِّعَ] أَيْ [تُجُوِّزَ] أَيْ تُجُوِّزَ [قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ عَنَى] الْمُنَاسِبَ أَنْ يَقُولَ عَنَى بِقَوْلِهِ مُسْتَحَبَّةٌ أَنَّهَا غَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ فَحَاصِلُهُ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ إلَّا أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ] أَيْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا قَالَ سُنَّةٌ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ وَاجِبَةٌ، وَقَالَ مُسْتَحَبَّةٌ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ مُبَاحَةٌ أَيْ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى حَذْفِ الْعَاطِفِ أَيْ سُنَّةٌ وَمُسْتَحَبَّةٌ فَيَكُونُ حَاكِيًا لِقَوْلَيْنِ أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةَ فَلَا يُنَافِي الْوَصْفَ بِمُسْتَحَبَّةٍ.
[قَوْلُهُ: جَيِّدٌ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْجَوْدَةَ شَامِلَةُ الصِّحَّةَ وَالْحُسْنَ، وَكَأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَتَعَيَّنْ عِنْدَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا [قَوْلُهُ: كُلُّ غُلَامٍ إلَخْ] قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَلَدَ مَحْبُوسٌ عَنْ أَنْ يَشْفَعَ لِوَالِدَيْهِ مَا لَمْ يُؤَدِّيَا عَنْهُ الْعَقِيقَةَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَمْنُوعٌ وَمَحْبُوسٌ عَنْ الْخَيْرَاتِ وَالزِّيَادَاتِ مَا لَمْ يُؤَدُّوا عَنْهُ الْعَقِيقَةَ قَالَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ: مَعْنَى قَوْلِهِ: " كُلُّ غُلَامٍ مَرْهُونٌ بِعَقِيقَتِهِ " أَيْ مَحْبُوسَةٌ سَلَامَتُهُ عَنْ الْآفَاتِ بِعَقِيقَتِهِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ.
[قَوْلُهُ: عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ] أَيْ إمَّا لِكَوْنِهِ بِإِذْنٍ مِنْ عَلِيٍّ.
وَلَوْ حُكْمًا لِكَوْنِهِ هُوَ الْأَبُ الْمَطْلُوبُ بِالْعَقِيقَةِ، أَوْ لِكَوْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبًا لِلْمُؤْمِنِينَ فَلَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالْحَسَنِ وَلَا بِالْحُسَيْنِ فَتَدَبَّرْ.
وَرُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ مَا بُعِثَ» ، وَانْظُرْ هَلْ عَقَّ عَنْ وَلَدِهِ سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ.
[قَوْلُهُ: ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى] حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا لَكِنَّ ابْنَ الْعَبْدِ يَعُقُّ عَنْهُ أَبُوهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَيُنْدَبُ لِلسَّيِّدِ إذْنُهُ لِعَبْدِهِ أَنْ يَعُقَّ عَنْ وَلَدِهِ، وَلَا يَعُقُّ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْعَقِيقَةَ لَا تَتَعَدَّدُ بَلْ الْوَاحِدَةُ كَافِيَةٌ فِي الْمَوْلُودِ الذَّكَرِ كَالْأُنْثَى وَهُوَ كَذَلِكَ، وَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمَوْلُودِ وَيُخَاطَبُ بِهَا الْأَبُ وَلَوْ لِلْوَلَدِ مَالٌ، وَأَمَّا الْيَتِيمُ فَعَقِيقَتُهُ مِنْ مَالِهِ وَلَا يُطْلَبُ بِهَا أَخٌ وَلَا عَمٌّ، وَبِعِبَارَةٍ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ تَعَلُّقُ النَّدْبِ بِالْأَبِ وَلَوْ كَانَ لَا مَالَ لَهُ وَلِلْوَلَدِ مَالٌ وَلَعَلَّهُ حَيْثُ وَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ وَيَرْجُو الْوَفَاءَ وَإِلَّا لَمْ يُخَاطَبْ بِهَا وَلَوْ أَيْسَرَ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنِهَا، وَكَذَا الظَّاهِرُ سُقُوطُهَا بِمُضِيِّ زَمَنِهَا وَلَوْ مُوسِرًا وَيَنْبَغِي الرَّفْعُ لِمَالِكِيٍّ إنْ كَانَ حَنَفِيٌّ لَا يَرَاهَا عَنْ يَتِيمٍ، وَاسْتَظْهَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ لَا يَتَسَلَّفُ لَهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَوْكَدَ مِنْ الضَّحِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: بِشَرْطِ حَيَاتِهِ إلَيْهِ] ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَتَى مَا بَقِيَ حَيًّا لِلسَّابِعِ يَعُقُّ عَنْهُ وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْعَقِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَعُقُّ عَنْهُ.
ابْنُ نَاجِي: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ [قَوْلُهُ: بِأَنْ لَا تَكُونَ عَوْرَاءَ إلَخْ] اقْتَصَرَ عَلَى سَلَامَتِهَا مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي تَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ مَعَ أَنَّهُ يَجْرِي فِيهَا مَا جَرَى فِي الضَّحِيَّةِ مِنْ اسْتِحْبَابِ سَلَامَتِهَا مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا تَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا] رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الشَّقِّ وَالْقَطْعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ] أَيْ وَفِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَحْمُولٌ عَلَى التَّخْفِيفِ لِأُمَّتِهِ كَمَا قَالَ تت.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ هَذِهِ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ] أَيْ لِأَنَّهَا يُتَقَرَّبُ بِهَا فِي الضَّحَايَا
وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنْ الْإِبِلِ الثَّنِيُّ وَهُوَ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ.
(وَلَا يُحْسَبُ فِي السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ) مِنْ بَعْدِ الْفَجْرِ وَإِنَّمَا يُحْسَبُ لَهُ مِنْ الْيَوْمِ الَّذِي يَلِيهِ، فَإِنْ فَاتَ السَّابِعُ وَلَمْ يَعُقَّ عَنْ الْمَوْلُودِ فَلَا يَعُقُّ عَنْهُ فِي السَّابِعِ الثَّانِي عَلَى الْمَشْهُورِ.
ثُمَّ بَيَّنَ الْوَقْتَ الَّذِي تُذْبَحُ فِيهِ مِنْ الْيَوْمِ السَّابِعِ بِقَوْلِهِ: (وَتُذْبَحُ ضَحْوَةً) يَعْنِي عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ وَإِلَّا فَالنَّهَارُ مِنْ ضَحْوَةٍ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَقْتٌ لِلذَّبْحِ فَلَا يُجْزِئُ ذَبْحُهَا لَيْلًا وَلَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُجْزِئُ ذَبْحُهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَهَذَا أَظْهَرُ لِأَنَّ الْعَقِيقَةَ لَيْسَتْ مُنْضَمَّةً إلَى صَلَاةٍ فَكَانَ قِيَاسُهَا عَلَى الْهَدَايَا أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الضَّحَايَا.
(وَلَا يَمَسُّ الصَّبِيَّ بِشَيْءٍ مِنْ دَمِهَا) هَذَا النَّهْيُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى» ، فَسَّرَ بَعْضُهُمْ إمَاطَةَ الْأَذَى عَنْهُ بِتَرْكِ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَهُ مِنْ تَلْطِيخِ رَأْسِهِ بِدَمِهَا تَفَاؤُلًا لِيَكُونَ شُجَاعًا سَفَّاكًا لِلدِّمَاءِ.
(وَيُؤْكَلُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْعَقِيقَةِ (وَيُتَصَدَّقُ) كَالْأُضْحِيَّةِ، وَلَوْ قَدَّمَ الصَّدَقَةَ لَكَانَ أَوْلَى لِمَا قِيلَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ عَقِيقَةً حَتَّى يَتَصَدَّقَ بِهَا كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا، فَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَلَيْسَتْ بِعَقِيقَةٍ، فَالْمَقْصُودُ مِنْ الْعَقِيقَةِ الصَّدَقَةُ وَالصَّدَقَةُ تَكُونُ مِنْهَا طَرِيًّا وَمَطْبُوخًا وَلَا يَصْنَعُ بِهَا طَعَامًا وَيَدْعُو إلَيْهِ الْجِيرَانَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَتُكْسَرُ عِظَامُهَا) اسْتِحْبَابًا
[حاشية العدوي]
وَالْهَدَايَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُحْسَبُ إلَخْ] فَإِنْ وُلِدَ مَعَ الْفَجْرِ حُسِبَ لِأَنَّهُ لَمْ يُولَدْ بَعْدَ الْفَجْرِ بَلْ تَقَارَنَا.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَعُقُّ عَنْهُ فِي السَّابِعِ الثَّانِي] عِبَارَةُ بَعْضٍ وَكَذَا لَا يُنْدَبُ بَعْدَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي سَابِعٍ ثَانٍ أَوْ ثَالِثٍ أَوْ رَابِعٍ كَمَا قِيلَ بِكُلٍّ كَمَا فِي تت، وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ إذَا فَاتَ السَّابِعُ الرَّابِعُ اُتُّفِقَ عَلَى عَدَمِ الطَّلَبِ بِهَا فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَا أَوْهَمَهُ شَارِحُنَا مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ الطَّلَبِ بَعْدَ السَّابِعِ الثَّانِي غَيْرُ مُرَادٍ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ] حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ تُذْبَحَ ضَحْوَةً إلَى زَوَالِ الشَّمْسِ، وَيُكْرَهُ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي [قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَالنَّهَارُ إلَخْ] أَيْ وَإِنْ لَمْ نَقُلْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ بَلْ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ النَّهَارَ إلَخْ، وَقَوْلُهُ مِنْ ضَحْوَةٍ أَيْ طُلُوعِ الشَّمْسِ [قَوْلُهُ: وَهَذَا أَظْهَرُ] أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَعَلَيْهِ يَأْتِي قَوْلُ الْمُقَدِّمَاتِ يُسْتَحَبُّ أَنْ تُذْبَحَ ضَحْوَةً إلَى زَوَالِ الشَّمْسِ وَيُكْرَهُ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ وَمِنْ بَعْدِ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيُمْنَعُ مِنْ قَبْلِ الْفَجْرِ انْتَهَى.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَدْخُلُ وَقْتُهَا مِنْ الْفَجْرِ وَيَسْتَمِرُّ لِلْغُرُوبِ، وَيُنْدَبُ كَوْنُهَا ضَحْوَةً لِلزَّوَالِ وَالظَّاهِرُ كَمَا فِي الزَّرْقَانِيِّ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الطُّلُوعِ وَإِنْ لَمْ تَحِلَّ النَّافِلَةُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَمَسُّ الصَّبِيَّ بِشَيْءٍ مِنْ دَمِهَا] الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ [قَوْلُهُ: هَذَا النَّهْيُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ] لِأَنَّهُ يُكْرَهُ التَّلَطُّخُ بِالنَّجَاسَةِ [قَوْلُهُ: لِمَا فِي الصَّحِيحِ] هَذَا لَا يُنْتِجُ خُصُوصَ الْكَرَاهَةِ [قَوْلُهُ: مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ] قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ: مُصَاحِبَةً لَهُ [قَوْلُهُ: فَأَهْرِيقُوا] بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ فَصُبُّوا عَنْهُ دَمًا بِشَاةٍ بِصِفَةِ الْأُضْحِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: فَسَّرَ بَعْضُهُمْ أَيْ وَفَسَّرَهُ بَعْضٌ آخَرُ بِأَزِيلُوا عَنْهُ أَذًى بِحَلْقِ رَأْسِهِ.
[قَوْلُهُ: وَيُؤْكَلُ مِنْهَا] أَيْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤْكَلَ أَيْ يَطْعَمَ مِنْهَا أَهْلُ الْبَيْتِ وَالْجِيرَانُ.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَالْإِطْعَامُ فِيهَا كَهُوَ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَيْ وَلَا حَدَّ لِلْإِطْعَامِ فِيهَا بَلْ يَأْكُلُ مِنْهَا وَمِنْ الضَّحِيَّةِ مَا شَاءَ وَيَتَصَدَّقُ بِمَا شَاءَ وَيُطْعِمُ مَا شَاءَ، فَالْجَمْعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ مُسْتَحَبٌّ وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ خَالَفَ الْمُسْتَحَبَّ.
أَقُولُ: فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا دَاعِيَ لِقَوْلِهِ وَلَوْ قَدَّمَ الصَّدَقَةَ إلَخْ [قَوْلُهُ: لِمَا قِيلَ] وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا [قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ إلَخْ] هَذَا عَلَى الضَّعِيفِ [قَوْلُهُ: فَالْمَقْصُودُ مِنْ الْحَقِيقَةِ الصَّدَقَةُ] أَيْ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ قَدْ عَلِمْت مِنْ كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ مُسَاوَاتِهَا لِلضَّحِيَّةِ، وَحَيْثُ كَانَتْ مُسَاوِيَةً فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الصَّدَقَةَ بَلْ كُلٌّ مِنْ الثَّلَاثَةِ مَقْصُودٌ أَعْنِي الْأَكْلَ مِنْهَا وَالْإِهْدَاءَ وَالصَّدَقَةَ [قَوْلُهُ: وَالصَّدَقَةُ تَكُونُ مِنْهَا طَرِيًّا إلَخْ] وَكَذَا الْإِهْدَاءُ يَكُونُ طَرِيًّا وَمَطْبُوخًا [قَوْلُهُ: وَلَا
مُخَالَفَةً لِلْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَكْسِرُونَ عِظَامَهَا مَخَافَةَ مَا يُصِيبُ الْوَلَدَ، وَقِيلَ: لَيْسَ الْكَسْرُ مَسْنُونًا وَلَا مُسْتَحَبًّا، وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ.
(وَإِنْ حَلَقَ شَعْرَ الْمَوْلُودِ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (وَتَصَدَّقَ بِوَزْنِهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ) عَلَى الْمَشْهُورِ لِمَا فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ بِكَبْشٍ، وَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ احْلِقِي رَأْسَهُ وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً قَالَ: فَوَزَنَّاهُ فَكَانَ دِرْهَمًا أَوْ بَعْضَ دِرْهَمٍ» .
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَلْقُ قَبْلَ ذَبْحِ الْعَقِيقَةِ.
وَقَوْلُهُ: (حَسَنٌ) تَأْكِيدٌ فَإِنَّ الْمُسْتَحَبَّ هُوَ الْحَسَنُ وَالْحَسَنُ هُوَ الْمُسْتَحَبُّ، وَكَذَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَمَّى يَوْمَ سَابِعِهِ إنْ عُقَّ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ سُمِّيَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْعَقِيقَةِ فَفِي تَسْمِيَتِهِ
[حاشية العدوي]
يَصْنَعُ بِهَا طَعَامًا] أَيْ يُكْرَهُ عَمَلُهَا كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا وَلِيمَةً وَعَلَّلَهُ تت بِقَوْلِهِ لِمُخَالَفَةِ السَّلَفِ وَخَوْفِ الْمُبَاهَاةِ وَالتَّفَاخُرِ، بَلْ يَطْبُخُ وَيَأْكُلُ مِنْهَا أَهْلُ الْبَيْتِ وَالْجِيرَانُ وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَلَا بَأْسَ بِالْإِطْعَامِ مِنْ لَحْمِهَا نِيئًا وَلَا بِالِادِّخَارِ مِنْهَا كَالْأُضْحِيَّةِ اهـ.
وَأَمَّا جَعْلُ غَيْرِهَا وَلِيمَةً وَذَبْحُهَا أَوْ نَحْرُهَا وَيَصْنَعُ بِهَا صُنْعَ الْعَقِيقَةِ فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: عَقَقْت عَنْ وَلَدِي فَذَبَحْت بِاللَّيْلِ مَا أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ إلَيْهِ إخْوَانِي وَغَيْرَهُمْ، ثُمَّ ذَبَحْت شَاةَ الْعَقِيقَةِ فَأَهْدَيْت مِنْهَا لِلْجِيرَانِ فَأَكَلُوا وَأَكَلْنَا فَمَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلْيَفْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ الْجَوَازُ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
تَتِمَّةٌ:
يَحْرُمُ الْمُعَاوَضَةُ بِهَا كَسَائِرِ الْقُرَبِ فَلَا يُبَاعُ جِلْدُهَا وَلَا شَيْءٌ مِنْ لَحْمِهَا، وَلَا يُعْطَى الْجَزَّارُ مِنْهَا فِي نَظِيرِ جِزَارَتِهِ، وَلَا الْقَابِلَةُ فِي مُقَابَلَةِ وِلَادَةِ الْمَرْأَةِ بَلْ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَكْسِرُونَ عِظَامَهَا] وَإِنَّمَا كَانُوا يَقْطَعُونَهَا مِنْ الْمَفَاصِلِ [قَوْلُهُ: وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ] أَيْ فَيُبَاحُ عِنْدَهُ كَسْرُ عِظَامِهَا وَهُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ حَلَقَ إلَخْ] وَانْظُرْ إذَا أَرَادُوا أَنْ يَتَحَرَّوْا وَزْنَ شَعْرِهِ مِنْ غَيْرِ حَلْقٍ هَلْ يُنْدَبُ لَهُمْ التَّصَدُّقَ بِهِ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ] وَالظَّاهِرُ أَنَّ الذَّهَبَ أَوْلَى لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ قَوْلَانِ قِيلَ: يُكْرَهُ التَّصَدُّقُ بِزِنَةِ شَعْرِهِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، وَقِيلَ: يُبَاحُ.
[قَوْلُهُ: عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ بِكَبْشٍ] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ كَبْشًا وَعَنْ الْحُسَيْنِ كَبْشًا» .
قَالَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ: وَهُوَ صَحِيحٌ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَفِي الْمُوَطَّأِ، وَزَنَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَعْرَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ وَزَيْنَبَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ فَتَصَدَّقَتْ بِزِنَةِ ذَلِكَ فِضَّةً انْتَهَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ وُلِدُوا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ شَارِحُ الْحَدِيثِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَتَصَدَّقَتْ إلَخْ يُحْتَمَلُ بِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا أَمَرَهَا فِي الْحَسَنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا قَاسَتْ ذَلِكَ عَلَى أَمْرِهِ لَهَا فِي الْحَسَنِ بِكْرِهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَهْلُ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ مَا فَعَلْته فَاطِمَةُ مَعَ الْعَقِيقَةِ أَوْ دُونَهَا.
[قَوْلُهُ: قَالَ] أَيْ عَلِيٌّ [قَوْلُهُ: وَبَعْضُ دِرْهَمٍ] شَكٌّ مِنْ عَلِيٍّ.
[قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَلْقُ قَبْلَ ذَبْحِ الْعَقِيقَةِ] وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ التَّصَدُّقُ قَبْلَ ذَبْحِ الْعَقِيقَةِ وَعِبَارَةُ بَعْضٍ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ أَيْ التَّصَدُّقُ فِي سَابِعِ الْوِلَادَةِ قَبْلَ الْعَقِّ عَنْهُ كَانَ الْمَوْلُودُ ذَكَرًا أَوْ أُثْنَى انْتَهَى.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الذَّهَبَ أَوْلَى وَيَكُونُ اقْتِصَارُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْفِضَّةِ لِكَوْنِهَا الْمُتَيَسِّرَةَ، وَانْظُرْ لَوْ كَانُوا يَتَعَاطَوْنَ غَيْرَهُمَا فِي الْمُعَامَلَةِ هَلْ يُنْدَبُ لَهُمْ التَّصَدُّقُ بِزِنَةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ أَوْ التَّصَدُّقُ مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ بِمَا يُوَازِنُ قِيمَتَهُ أَنْ لَوْ بِيعَ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ شَعْرُ الْمَوْلُودِ.
[قَوْلُهُ: إنْ عَقَّ عَنْهُ] أَيْ إنْ أُرِيدَ الْعَقُّ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ أَيْ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْعَقَّ عَنْهُ.
[قَوْلُهُ: سُمِّيَ قَبْلَ ذَلِكَ] قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ وُجُوبُ التَّسْمِيَةِ وَحِينَئِذٍ، فَظَاهِرُ قَوْلِ الشَّارِحِ سُمِّيَ قَبْلَ طَلَبِ التَّسْمِيَةِ قِيلَ: وَعَلَى تَسْلِيمِهِ فَيَكُونُ نَدْبًا، فِيمَا يَظْهَرُ وَهُوَ يُصَدَّقُ بِيَوْمِ الْوِلَادَةِ.
وَرَمَا بَعْدَهُ، وَلَعَلَّ الْمُبَادَرَةَ بِهَا حِينَئِذٍ يَوْمَ الْوِلَادَةِ أَوْلَى وَمَصَبُّ النَّدْبِ الْقَيْدُ فَلَا يُنَافِي قَوْلَ ابْنِ عَرَفَةَ بِوُجُوبِ التَّسْمِيَةِ، وَلَمْ يُفْصِحْ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ بِهَذَا الْقَدْرِ فَقَدْ قَالَ: وَيَنْبَغِي إذَا كَانَ الْمَوْلُودُ مِمَّنْ يُعَقُّ عَنْهُ فَلَا يُوقِعُ عَلَيْهِ الِاسْمَ
قَوْلَانِ.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ السِّقْطَ لَا يُسَمَّى وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْبِقَ إلَى جَوْفِ الْمَوْلُودِ الْحَلَاوَةُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حَنَّكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ بِتَمْرَةٍ» . (وَإِنْ خُلَّقَ رَأْسُهُ) أَيْ الصَّبِيَّ (بِخَلُوقٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ كَالطِّيبِ وَالزَّعْفَرَانِ، ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَلَا يُسَمَّى خَلُوقًا حَتَّى يُعْجَنَ بِمَاءِ الْوَرْدِ (بَدَلًا مِنْ الدَّمِ الَّذِي كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ) لِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْخِتَانِ وَهُوَ قَطْعُ الْجِلْدَةِ السَّاتِرَةِ لِلْحَشَفَةِ حَتَّى يَنْكَشِفَ جَمِيعُهَا فَقَالَ: (وَالْخِتَانُ سُنَّةٌ فِي الذُّكُورِ) وَكَذَا عَبَّرَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ وَزَادَ هُنَا (وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ الْفِطْرَةُ خَمْسٌ الْخِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ» . وَيُكْرَهُ أَنْ يُخْتَنَ يَوْمَ يُولَدُ أَوْ يَوْمَ سَابِعِهِ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُفْعَلَ لِعِلَّةٍ يُخَافُ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْهَا.
وَاخْتُلِفَ إذَا وُلِدَ مَخْتُونًا هَلْ يُجْرَى عَلَيْهِ مُوسَى أَمْ
[حاشية العدوي]
إلَّا حِينَ يَذْبَحُ الْعَقِيقَةَ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْلُودُ لَا يُعَقُّ عَنْهُ لِفَقْرِ وَلِيِّهِ فَيُسَمُّونَهُ مَتَى شَاءُوا اهـ.
قَالَ الْحَطَّابُ: وَنَقَلَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ أَيْضًا عَنْ التَّادَلِيِّ وَأَصْلُهُ لِلنَّوَادِرِ فِي بَابِ الْعَقِيقَةِ اهـ[قَوْلُهُ: فَفِي تَسْمِيَتِهِ قَوْلَانِ] الرَّاجِحُ الْقَوْلُ بِالتَّسْمِيَةِ كَمَا يُفِيدُهُ عج مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ وَلَدٌ تُرْجَى شَفَاعَتُهُ وَقَوْلُهُ: قَبْلَ إلَخْ مَفْهُومُهُ لَوْ مَاتَ بَعْدَ الْعَقِيقَةِ وَقَبْلَ التَّسْمِيَةِ يُسَمَّى قَوْلًا وَاحِدًا.
[قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ السِّقْطَ لَا يُسَمَّى] وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ يُسَمَّى وَلَعَلَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الرُّوحُ وَإِلَّا فَلَا يُسَمَّى اتِّفَاقًا.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَخْ] «أَتَى بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ صَبِيحَةَ وُلِدَ فَحَنَّكَهُ وَدَعَا لَهُ وَسَمَّاهُ» [قَوْلُهُ: وَإِنْ خُلِّقَ] بِضَمِّ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ [قَوْلُهُ: وَالزَّعْفَرَانُ] عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ إشَارَةً لِلْخِلَافِ، فَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِالزَّعْفَرَانِ فَقَطْ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: الطِّيبُ عُمُومًا فَقَدْ عُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَلَا يُسَمَّى خَلُوقًا أَيْ الزَّعْفَرَانُ لَا مُطْلَقُ الطِّيبِ أَفْصَحَ بِذَلِكَ نَصُّ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَهُوَ يَعْنِي أَيْ الْمُصَنِّفُ بِالْخَلُوقِ الزَّعْفَرَانَ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَلَا يُسَمَّى خَلُوقًا حَتَّى يُعْجَنَ بِمَاءِ الْوَرْدِ اهـ. أَيْ كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ.
قَالَ تت: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ مُبَاحٌ أَيْ الْخَلُوقُ مُبَاحٌ لَا يُرْغَبُ فِيهِ.
قَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ: وَلَوْ قِيلَ بِنَدْبِهِ لَمَا بَعُدَ لِعُمُومِ طَلَبِ مُخَالَفَةِ الْجَاهِلِيَّةِ قُلْت: وَيُقَوِّي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ بُرَيْدَةَ الصَّحَابِيِّ قَالَ: كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غُلَامٌ ذَبَحَ شَاةً وَلَطَّخَ رَأْسَهُ بِدَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ كُنَّا نَذْبَحُ شَاةً وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ وَنُلَطِّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ اهـ.
[أَحْكَام الْخِتَان]
[قَوْلُهُ: حَتَّى يَنْكَشِفَ جَمِيعُهَا] أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يَنْكَشِفَ جَمِيعُهَا [قَوْلُهُ: لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ] لَا يَخْفَى أَنَّ حَدِيثَ الصَّحِيحَيْنِ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى الطَّلَبِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْمُدَّعَى وَهُوَ كَوْنُهُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً.
[قَوْلُهُ: الْفِطْرَةُ خَمْسٌ] أَيْ الْخِصَالُ الَّتِي يَكْمُلُ بِهَا الْمَرْءُ حَتَّى يَكُونَ عَلَى أَفْضَلِ الصِّفَاتِ قَالَهُ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْكِتَابِ، فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ لِأَنَّ الْفِطْرَةَ جِنْسٌ، وَالْجِنْسُ يَجْرِي مَجْرَى الْجَمْعِ فَصَحَّ الْإِخْبَارُ عَنْ فِطْرَةٍ بِخَمْسٍ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَالِاسْتِحْدَادُ] هُوَ حَلْقُ الْعَانَةِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ] ظَاهِرُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْخَتْنِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ وَمِنْ الْخَتْنِ يَوْمَ السَّابِعِ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ بَهْرَامَ فِي وَسَطِهِ، وَعَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتُهُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ وَيَوْمَ السَّابِعِ قَالَ: وَهُوَ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ اهـ. إلَّا أَنَّ عِبَارَةَ الْمُقَدِّمَاتِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَخْتَتِنَ فِي سَابِعِ وِلَادَتِهِ كَمَا يَفْعَلُ الْيَهُودُ اهـ.
تَنْبِيهٌ:
حَدُّ الْخِتَانِ حِينَ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ مِنْ سَبْعِ سِنِينَ إلَى عَشَرَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَفْعَلَ لِعِلَّةٍ] أَيْ أَنَّهُ إذَا خِيفَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ الْخِتَانِ عِنْدَ تَأَخُّرِهِ لِزَمَنِ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ وَمِثْلُ ذَلِكَ ظَنُّ مَوْتِهِ قَبْلَ الْخِتَانِ فَيُخْتَتَنُ وَلَا يُنْظَرُ زَمَنَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ الْمُسْتَحَبَّ فِيهِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: هَلْ يَجْرِي عَلَيْهِ] ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ:
لَا؟ .
وَاخْتُلِفَ فِي الْكَبِيرِ إذَا أَسْلَمَ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ هَلْ يُخْتَنُ أَمْ لَا؟ وَمَنْ تَرَكَ الْخِتَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا عِلَّةٍ لَمْ تَجُزْ إمَامَتُهُ وَلَا شَهَادَتُهُ.
(وَالْخِفَاضُ فِي النِّسَاءِ) وَهُوَ إزَالَةُ مَا بِفَرْجِ الْمَرْأَةِ مِنْ الزِّيَادَةِ (مَكْرُمَةٌ) وَكَذَا عَبَّرَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ ع ع: يَعْنِي سُنَّةٌ كَسُنَّةِ خِتَانِ الذُّكُورِ وَإِنَّمَا قَالَ مَكْرُمَةٌ تَبَعًا لِلْحَدِيثِ د، وَإِنَّمَا كَانَ مَكْرَمَةً لِأَنَّهُ يَرُدُّ مَاءَ الْوَجْهِ وَيُطَيِّبُ الْجِمَاعَ لِلزَّوْجِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهُنَا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ الرِّسَالَةِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
أَنْهَاهُ مُؤَلِّفُهُ سَابِعَ عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ الْحَرَامِ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [29 - بَابٌ فِي الْجِهَادِ] ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النِّصْفِ الثَّانِي فَقَالَ:
[حاشية العدوي]
مَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا فَقِيلَ: يُجْرَى عَلَيْهِ الْمُوسَى فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يُقْطَعُ قُطِعَ وَقِيلَ: لَا انْتَهَى.
قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَمُرُّ عَلَيْهِ الْمُوسَى اهـ.
[قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ فِي الْكَبِيرِ إذَا أَسْلَمَ] الْمُرَادُ بِهِ الْبَالِغُ [قَوْلُهُ: وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ] أَيْ مِنْ الِاخْتِتَانِ [قَوْلُهُ: هَلْ يُخْتَتَنُ] قَالَ سَحْنُونٌ: يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ قَائِلًا أَرَأَيْت إنْ وَجَبَ قَطْعُ سَرِقَةٍ أَيُتْرَكُ لِلْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ اهـ.
أَقُولُ: وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ الْوَاجِبَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لِخَوْفِ الْهَلَاكِ، فَأَوْلَى مَا هُوَ سُنَّةٌ.
وَقَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ: وَالنَّظَرُ لِعَوْرَةِ الْكَبِيرِ الْمُرَاهِقِ أَوْ الْبَالِغِ حَرَامٌ لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ الْمُنَاهِزُ كَكَبِيرٍ وَلَا يَرْتَكِبُ مُحَرَّمًا لِفِعْلِ سُنَّةٍ، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِخَتْنِ نَفْسِهِ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ مَأْمُورٌ بِفِعْلِ مَا تَمَّ لَهُ إسْلَامُهُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ بِهِ كَمَالُ الْإِسْلَامِ وَمِثْلُ ذَلِكَ رَقِيقٌ اُشْتُرِيَ بَعْدَ بُلُوغِهِ أَوْ مُرَاهَقَتِهِ.
[قَوْلُهُ: أَمْ لَا] أَيْ أَمْ لَا يُخْتَنُ وَهُوَ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ [قَوْلُهُ: لَمْ تَجُزْ إمَامَتُهُ] ضَعِيفٌ إذْ الْمَذْهَبُ أَنَّ إمَامَةَ الْأَغْلَفِ مَكْرُوهَةٌ، وَقَوْلُهُ: وَلَا شَهَادَتُهُ قَالَ الْبَاجِيُّ: لِأَنَّهَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْمُرُوءَةِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ إزَالَةُ مَا بِفَرْجِ الْمَرْأَةِ إلَخْ] وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْخِفَاضُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ النَّاتِئِ بَيْنَ الشَّفْرَتَيْنِ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَهُوَ فِي نِسَاءِ الْمَشْرِقِ لَا نِسَاءِ الْمَغْرِبِ [قَوْلُهُ: مَكْرُمَةٌ] بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الرَّاءِ أَيْ كَرَامَةٌ بِمَعْنَى مُسْتَحَبٌّ.
قَالَهُ تت: قَالَ فِي التَّحْقِيقِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: وَيُسْتَحَبُّ السَّتْرُ عِنْدَ الْخِفَاضِ وَلَا يُصْنَعُ عِنْدَ ذَلِكَ طَعَامٌ اهـ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي سُنَّةً إلَخْ] ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قَالَ مَكْرُمَةً] جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لِمَ عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ التَّصْرِيحِ بِالْمَقْصُودِ وَهُوَ السُّنِّيَّةُ كَمَا ادَّعَى [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَرُدُّ مَاءَ الْوَجْهِ إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ فِي الْوَجْهِ ثُمَّ ذَهَبَ فَيُرَدُّ بِالْخِفَاضِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُرَادُ بِرَدِّ مَاءِ الْوَجْهِ أَنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ رَوْنَقُ الْوَجْهِ وَبَرِيقُهُ وَلَمَعَانُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ قَدْ ذَكَرَهَا غَيْرُهُ لِعَدَمِ الْمُبَالَغَةِ فِيهِ لِخَبَرِ أُمِّ عَطِيَّةَ «اخْفِضِي وَلَا تُنْهِكِي فَإِنَّهُ أَسْرَى لِلْوَجْهِ وَأَحْظَى عِنْدَ الزَّوْجِ» أَيْ لَا تُبَالِغِي، وَأَسْرَى أَيْ أَشْرَقَ لِلَوْنِهِ وَأَحْظَى أَيْ أَلَذُّ عِنْدَ الْجِمَاعِ، فَإِنَّ الْجِلْدَةَ تَشْتَدُّ مَعَ الذَّكَرِ مَعَ كَمَالِهَا فَتَقْوَى الشَّهْوَةُ لِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَالْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فَتَدَبَّرْ.
تَتِمَّةٌ:
الْخُنْثَى هَلْ يُخْتَنُ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ نَصًّا ابْنُ نَاجِي: لَا يُخْتَنُ لِمَا عَلِمْت مِنْ قَاعِدَةِ تَغْلِيبِ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَيْ لَا يُخْتَنُ فِي أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ وَلَا فِي كِلَيْهِمَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي.
(بَابٌ فِي) حُكْمِ (الْجِهَادِ) وَبَعْضِ فُرُوعِهِ، وَهُوَ لُغَةً: مَأْخُوذٌ مِنْ الْجَهْدِ بِفَتْحِ الْجِيمِ، أَيْ التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ وَاصْطِلَاحًا: قِتَالُ مُسْلِمٍ كَافِرًا غَيْرَ ذِي عَهْدٍ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ أَوْ حُضُورُهُ لَهُ أَوْ دُخُولُهُ أَرْضِهِ لَهُ.
وَلَهُ فَرَائِضُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا وَهِيَ طَاعَةُ الْإِمَامِ، وَتَرْكُ الْغُلُولِ وَالْوَفَاءُ بِالْأَمَانِ وَالثَّبَاتُ عِنْدَ الزَّحْفِ، وَأَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ اثْنَيْنِ.
وَهُوَ
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي الْجِهَادِ]
ِ. عَقَّبَهُ بِالْأُضْحِيَّةِ، وَمَا مَعَهَا جَرْيًا عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ حَيْثُ أَلْحَقُوهُ بِالْعِبَادَاتِ، اعْتِبَارًا بِقَصْدِ الْمُجَاهِدِ، وَالشَّافِعِيَّةُ أَلْحَقُوهُ بِالْجِنَايَاتِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْكُفَّارِ لِكُفْرِهِمْ.
[قَوْلُهُ: وَبَعْضُ فُرُوعِهِ] فِيهِ مَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ كُلَّ الْفُرُوعِ، وَقَوْلُهُ: وَهُوَ لُغَةً مَأْخُوذٌ أَيْ مَعْنًى مَأْخُوذٌ مِنْ الْجَهْدِ، أَيْ زِيَادَةِ تَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ مَأْخُوذٌ ذَلِكَ مِنْ مُطْلَقِ التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ، أَيْ أَمْرٍ مَلْحُوظِ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ أَيْ مِنْ أَفْرَادِهِ.
وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ لَفْظَ الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرٌ مَزِيدٌ مَعْنَاهُ لُغَةً، لَفْظٌ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَصْدَرِ الْمُجَرَّدِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْأَخْذِ [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْجِيمِ] أَيْ، وَأَمَّا بِالضَّمِّ فَهُوَ الطَّاقَةُ.
أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ.
وَقَوْلُهُ: وَالْمَشَقَّةِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَلَيْسَ فِيهِ جِهْدٌ، بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَبَعْدَ كَتْبِي هَذَا رَأَيْت الْفَاكِهَانِيَّ قَالَ: مَا نَصُّهُ وَالْجِهَادُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجَهْدِ، وَهُوَ التَّعَبُ فَمَعْنَى الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْمُبَالَغَةُ فِي إتْعَابِ النَّفْسِ، فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ.
اهـ. فَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
[قَوْلُهُ: كَافِرًا غَيْرَ ذِي عَهْدٍ] خَرَجَ قِتَالُ الذِّمِّيِّ الْمُحَارِبِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ نَقْضٍ، وَقَوْلُهُ: لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ يَقْتَضِي إنْ قَاتَلَ لِلْغَنِيمَةِ أَوْ لِإِظْهَارِ الشُّجَاعَةِ وَغَيْرِهَا لَا يَكُونُ مُجَاهِدًا فَلَا يَسْتَحِقُّ الْغَنِيمَةَ، حَيْثُ أَظْهَرَ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَنَاوُلُهَا حَيْثُ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ وَبَحَثَ فِيهِ عج: بِأَنَّ مَنْ قَاتَلَ الْعَدُوَّ لِأَجْلِ الْغَنِيمَةِ يُحْكَمُ لَهُ، بِحُكْمِ الْمُجَاهِدِ بِإِعْطَاءِ حَظِّهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْقِتَالُ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ إنَّمَا هُوَ لِيَكُونَ شَهِيدًا.
اهـ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ حُضُورُهُ أَوْ دُخُولُهُ أَرْضِهِ لَهُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى قِتَالٍ، وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْجِهَادَ أَعَمُّ مِنْ الْمُقَاتَلَةِ أَوْ الْحُضُورِ لِلْقِتَالِ، وَالضَّمِيرُ فِي الْحُضُورِ يَعُودُ عَلَى الْقِتَالِ، وَضَمِيرُ لَهُ يَعُودُ عَلَى إعْلَاءِ أَوْ عَلَى الْقِتَالِ، وَضَمِيرُ أَرْضِهِ يَحْتَمِلُ عَوْدُهُ عَلَى الْكَافِرِ، وَلَهُ عَلَى الْقِتَالِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الضَّمِيرَ الْأَوَّلَ عَائِدٌ عَلَى الْقِتَالِ وَالثَّانِيَ لِلْقِتَالِ أَوْ لِإِعْلَاءِ الْكَلِمَةِ وَلَمْ يَقُلْ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ مُحَافَظَةً عَلَى ذِكْرِ الْجَلَالَةِ فِي الرَّسْمِ لِلْبَرَكَةِ، وَإِضَافَةُ الْكَلِمَةِ إلَى اللَّهِ عَلَى مَعْنَى الْكَلِمَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ﴾ [الذاريات: 56] الْآيَةَ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ طَاعَةٌ الْإِمَامِ] أَيْ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى جِهَةٍ لِلْقِتَالِ فِيهَا، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُوَافِقُهُ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ.
وَقَوْلُهُ وَتَرْكُ الْغُلُولِ هُوَ الْأَخْذُ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ قَسْمِهَا، وَقَوْلُهُ وَالْوَفَاءُ بِالْأَمَانِ أَيْ أَنَّهُ إذَا أَمَّنَ كَافِرًا فَيَجِبُ لَهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَبِيحَ دَمَهُ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ
قِسْمَانِ: فَرْضُ عَيْنٍ وَفَرْضُ كِفَايَةٍ، فَيَتَعَيَّنُ لِفَكِّ الْأُسَارَى، وَبِالنَّذْرِ وَبِاسْتِنْفَارِ الْإِمَامِ، وَبِفِجَاءِ الْعَدُوِّ مَحَلَّةَ قَوْمٍ عَلَى مَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ.
فِي بَابِ جُمَلٍ وَمَا عَدَا هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَالْجِهَادُ فَرِيضَةٌ يَحْمِلُهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ بَعْضٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 95] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: 95] فَلَوْ كَانَ عَلَى الْأَعْيَانِ لَمَا وَعَدَ اللَّهُ الْقَاعِدِينَ بِالْحُسْنَى، وَتَوَاتَرَ فِي السُّنَّةِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ قَوْمًا دُونَ آخَرِينَ.
(وَأَحَبُّ إلَيْنَا) أَيْ الْمَالِكِيَّةِ (أَنْ لَا يُقَاتَلَ الْعَدُوُّ حَتَّى يُدْعَوْا إلَى دِينِ اللَّهِ) وَهُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثُ مَرَّاتٍ فِي يَوْمٍ (إلَّا أَنْ يُعَاجِلُونَا) أَيْ يُبَادِرُونَا بِالْقِتَالِ فَإِنَّ الدَّعْوَةَ حِينَئِذٍ لَا تُسْتَحَبُّ، بَلْ يَجِبُ قِتَالُهُمْ وَتَسْقُطُ الدَّعْوَةُ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تُؤَدِّي إلَى اسْتِئْصَالِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا مَا يُعْطِيهِ ظَاهِرُ لَفْظِهِ
[حاشية العدوي]
لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ اثْنَيْنِ] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ الثَّبَاتُ عِنْدَ الزَّحْفِ.
[قَوْلُهُ: فَيَتَعَيَّنُ لِفَكِّ الْأُسَارَى] أَيْ فَيَتَعَيَّنُ لِأَجْلِ فَكِّ الْأُسَارَى، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا اُحْتِيجَ فِي فَكِّهِ لِقِتَالِ الْكُفَّارِ صَارَ فَرْضَ كِفَايَةٍ عَلَيْهِمْ لَا فَرْضَ عَيْنٍ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ عَجُّ [قَوْلُهُ: وَبِالنَّذْرِ] أَيْ نَذْرِ أَنْ يُقَاتِلَ الْكُفَّارَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
[قَوْلُهُ: وَبِاسْتِنْفَارِ الْإِمَامِ] يَعْنِي أَنَّ الْإِمَامَ إذَا عَيَّنَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ لِقِتَالِ الْعَدُوِّ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَا يَسَعَهُ الْمُخَالَفَةُ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ يَلِي الْعَدُوَّ أَمْ لَا، كَانَ مِمَّنْ يُخَاطَبُ بِفَرْضِ الْجِهَادِ أَمْ لَا، كَالْعَبْدِ وَنَحْوِهِ مِنْ صَبِيٍّ مُطِيقٍ لِلْقِتَالِ أَوْ امْرَأَةٍ كَانَ هُنَاكَ مَانِعٌ، مِنْ مَنْعِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ أَوْ رَبِّ الدَّيْنِ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: وَبِفِجَاءِ الْعَدُوِّ مَحَلَّةَ قَوْمٍ] يَعْنِي أَنَّ الْعَدُوَّ إذَا فَجَأَ مَدِينَةَ قَوْمٍ مَثَلًا، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ كَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ، فَإِنْ عَجَزُوا عَنْ الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ الْعَدُوَّ، مَا لَمْ يَخَفْ مَنْ بِقُرْبِهِمْ مَعَرَّةَ الْعَدُوِّ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِأَمَارَةٍ ظَاهِرَةٍ فَلْيَلْزَمُوا مَكَانَهُمْ.
[قَوْلُهُ: وَمَا عَدَا هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ] يَعْنِي أَنَّ الْجِهَادَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَاحِدَةً فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَوْ مَعَ خَوْفِ الْمُحَارِبِ كَانَ فِي طَرِيقِ الْمُجَاهِدِينَ أَوْ عَلَى حِدَةٍ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ عَلَى عُمُومِ النَّاسِ إنْ لَمْ يَكُنْ إمَامٌ أَنْ يُعَيَّنَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِجِهَادِ الْكُفَّارِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَيَكُونُ فِي أَهَمِّ جِهَةٍ لِلْعَدُوِّ مَعَ قِلَّةِ خَوْفِ غَيْرِهَا، وَإِنْ تَسَاوَى الطَّرِيقَانِ خَوْفًا، فَالنَّظَرُ لِلْإِمَامِ فِي الْجِهَةِ الَّتِي يَذْهَبُ إلَيْهَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُسْلِمِينَ كِفَايَةٌ لِجَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَإِلَّا وَجَبَ سَدُّ الْجَمِيعِ.
وَقَوْلُنَا: فَرْضُ كِفَايَةٍ، لَيْسَ الْمُرَادُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ بَلْ هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْحُرِّ، الذَّكَرِ الْمُحَقِّقِ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ الْقَادِرِ لَا عَلَى أَضْدَادِهِمْ، وَكَمَا يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِالْمُسْلِمِينَ يَتَعَلَّقُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ تَحْتَ ذِمَّتِنَا، فَيُطْلَبُونَ بِمُجَاهَدَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ الْكُفَّارِ، وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ عُرِّفَ بِأَنَّهُ مُهِمٌّ يُقْصَدُ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى فَاعِلِهِ بِالذَّاتِ مَعَ الْإِثْمِ بِتَرْكِهِ فَخَرَجَ سُنَّةُ الْكِفَايَةِ، وَمَا نُدِبَ كِفَايَةً، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ أُسْقِطَ عَنْهُ الْفَرْضُ بِقِيَامِ غَيْرِهِ هَلْ لَهُ أَجْرٌ أَمْ لَا.
قَوْلَانِ: قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
[قَوْلُهُ ﴿وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: 95] إلَخْ] أَيْ الْمَثُوبَةَ الْحُسْنَى وَهِيَ الْجَنَّةُ [قَوْلُهُ: الْعَدُوُّ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ وَالْعَدُوُّ خِلَافُ الصَّدِيقِ الْمُوَالِي وَالْجَمْعُ أَعْدَاءٌ، وَعِدًى بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ.
ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ، يَقَعُ الْعَدُوُّ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ عَلَى الْوَاحِدِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَالْمَجْمُوعِ اهـ.
فَقَوْلُ الْمُصَنَّفِ حَتَّى يُدْعَوْا بِالْجَمْعِ نَظَرًا لِكَوْنِ الْعَدُوِّ هُنَا وَاقِعًا عَلَى جَمَاعَةٍ [قَوْلُهُ: وَهُوَ شَهَادَةُ] فِيهِ شَيْءٌ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ حَتَّى تُدْعَى كُلُّ فِرْقَةٍ إلَى الْخُرُوجِ عَمَّا كَفَرَتْ بِهِ فَيُدْعَى إلَى الشَّهَادَتَيْنِ، مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِمَضْمُونِهِمَا وَيُدْعَى إلَى عُمُومِ رِسَالَةِ الْمُصْطَفَى مَنْ يُنْكِرُ الْعُمُومَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ يُدْعَوْنَ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ دِينٌ الْإِسْلَامِ الْمُعْتَبَرِ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلِ الشَّرَائِعِ إلَّا أَنْ يَسْأَلُوا عَنْهَا فَتُبَيَّنَ لَهُمْ.
[قَوْلُهُ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ] أَيْ كُلُّ مَرَّةٍ فِي يَوْمٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضٍ أَنَّ كُلَّ مَرَّةٍ فَرْضٌ، أَيْ خِلَافُ طَرِيقَةِ الْمُصَنِّفِ فَإِذَا دُعُوا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَوَّلِهِ قُوتِلُوا أَوَّلَ الرَّابِعِ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ لَا فِي بَقِيَّةِ الثَّالِثِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُمْ كَالْمُرْتَدِّ فِي ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ فِي يَوْمٍ] هَذَا ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: إلَى اسْتِئْصَالِ الْمُسْلِمِينَ] أَيْ هَلَاكِهِمْ.
قَالَ فِي
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ الدَّعْوَةِ أَوَّلًا، لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْمَذْهَبِ فَإِنَّهُمْ نَقَلُوا فِي الدَّعْوَةِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ: الْوُجُوبَ مُطْلَقًا لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَعَدَمَهُ لَهُ فِي غَيْرِهَا، وَلَهُ فِيهَا أَيْضًا تَجِبُ فِيمَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ دُونَ مَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ، وَالرَّابِعَ: تَجِبُ فِي الْجَيْشِ الْكَثِيرِ.
ج وَجَعَلَ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ، قَوْلَ الشَّيْخِ وَأَحَبُّ إلَيْنَا قَوْلًا خَامِسًا وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْقَوْلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ قَائِلَهُ إنَّمَا نَفَى الْوُجُوبَ فَقَطْ، يُرِيدُ وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِلْخِلَافِ.
انْتَهَى.
وَهَذَا الْخِلَافُ فِي حَقِّ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ دَعْوَتِهِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ (فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا أَوْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ) أَنَّهُمْ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ أَجَابُوا إلَى أَحَدِهِمَا كُفَّ عَنْهُمْ (وَإِلَّا قُوتِلُوا) وَاَلَّذِي فِي الْجَوَاهِرِ وَصِفَةِ الدَّعْوَةِ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامُ، فَإِنْ أَجَابُوا كُفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا عَرَضَ عَلَيْهِمْ أَدَاءَ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَبَوْا قُوتِلُوا، وَإِنْ أَجَابُوا طُولِبُوا بِالِانْتِقَالِ إلَى حَيْثُ يَنَالُهُمْ سُلْطَانُنَا فَإِنْ أَجَابُوا كَفَفْنَا عَنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا قُوتِلُوا هَذَا كُلُّهُ مَعَ الْإِمْهَالِ فَلَوْ عَجَّلُوا عَنْ الدَّعْوَةِ قُوتِلُوا دُونَهَا.
انْتَهَى.
وَلِقَبُولِ الْجِزْيَةِ شَرْطٌ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ إذَا كَانُوا حَيْثُ تَنَالُهُمْ أَحْكَامُنَا فَأَمَّا إنْ بَعُدُوا مِنَّا فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ إلَّا أَنْ يَرْتَحِلُوا إلَى بِلَادِنَا، وَإِلَّا قُوتِلُوا) ع: ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي أَهْلِ الْعَنْوَةِ وَأَهْلِ الصُّلْحِ، وَإِنَّمَا هَذَا الشَّرْطُ فِي أَهْلِ الْعَنْوَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الصُّلْحِ فَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِيهِمْ
[حاشية العدوي]
الْمِصْبَاحِ وَاسْتَأْصَلْته قَلَعْته بِأُصُولِهِ، وَمِنْهُ قِيلَ: اسْتَأْصَلَ اللَّهُ الْكُفَّارَ أَيْ أَهْلَكَهُمْ جَمِيعًا.
[قَوْلُهُ: هَذَا مَا يُعْطِيهِ] الْمُشَارُ لَهُ قَوْلُهُ فَإِنَّ الدَّعْوَةَ لَا تُسْتَحَبُّ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَى قَوْلِهِ بَلْ يَجِبُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
[قَوْلُهُ: لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْمَذْهَبِ] أَيْ بِحَيْثُ يَكُونُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُمْ نَقَلُوا فِي الدَّعْوَةِ إلَخْ] أَقُولُ فَحِينَئِذٍ كَانَ الْمُنَاسَبُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي إلَيْنَا عَائِدٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ.
[قَوْلُهُ: الْوُجُوبُ مُطْلَقًا] هَذَا أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ [قَوْلُهُ: بَعُدَتْ دَارُهُ] أَيْ عَنْ الْإِسْلَامِ.
وَقَوْلُهُ دُونَ مَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ أَيْ فَلَا يُدْعَوْنَ لِعِلْمِهِمْ بِالدَّعْوَةِ، كَذَا رَأَيْتُ [قَوْلُهُ: تَجِبُ فِي الْجَيْشِ الْكَثِيرِ] أَيْ الْآمِنِ أَيْ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَقَوْلٌ رَابِعٌ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْجَيْشِ الْكَثِيرِ الْآمِنِ.
اهـ. وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ آمِنًا، تَكُونُ الدَّعْوَةُ سَبَبًا لِاسْتِعْدَادِ الْكُفَّارِ فَيَكُونُ ضَرَرًا لِلْمُسْلِمِينَ، خِلَافٌ مَا إذَا كَانَ آمِنًا فَلَا يُبَالِي أَيْ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ آمِنًا، فَلَا تَجِبُ بَلْ تَحْرُمُ.
هَذَا مَا يَظْهَرُ فِي تَقْرِيرِ الْقَوْلَيْنِ [قَوْلُهُ: قَوْلًا خَامِسًا] أَيْ فَيَكُونُ الثَّانِي قَائِلًا بِالْإِبَاحَةِ فِيمَا يَظْهَرُ [قَوْلُهُ: لِلْخِلَافِ] أَيْ لِمُرَاعَاةِ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنَّهُمْ إلَخْ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ الْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ إنَّمَا يُدْعَوْنَ عَلَى التَّرْتِيبِ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ فِي قَوْلِهِ وَظَاهِرٌ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُؤَلِّفِ فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا إلَخْ.
لَيْسَ بَيَانًا لِلدَّعْوَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ لِلْإِسْلَامِ أَوْ لِلْجِزْيَةِ حَتَّى يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ، وَإِنَّمَا هُوَ إشَارَةٌ لِمَا يَقَعُ مِنْهُمْ فِي جَوَابِ الدَّعْوَةِ فَإِذَا دُعُوا لِلْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوا لَهُ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ أَجَابُوا لِلْجِزْيَةِ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ إجَابَةٌ لِلْجِزْيَةِ بَعْدَ إبَايَةِ الْإِسْلَامِ.
اهـ.
الْمُرَادُ مِنْ حَاشِيَةِ عج: بِالْمَعْنَى [قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الْجَوَاهِرِ إلَخْ] وَهُوَ الرَّاجِحُ [قَوْلُهُ: أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ] أَيْ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلِ الشَّرَائِعِ إلَّا أَنْ يَسْأَلُوا عَنْهَا فَتُبَيَّنَ لَهُمْ [قَوْلُهُ: عَرَضَ عَلَيْهِمْ أَدَاءَ الْجِزْيَةِ] أَيْ إجْمَالًا أَيْ إلَّا أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ تَفْصِيلِهَا [قَوْلُهُ: هَذَا كُلُّهُ مَعَ الْإِمْهَالِ] أَيْ تَرْكُ الْكُفَّارِ إيَّانَا إلَخْ، مِنْهُ نَسْتَفِيدُ أَنَّ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ، وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ لَا يُقَاتَلَ الْعَدُوُّ حَتَّى يُدْعَوْا إلَى دِينِ اللَّهِ فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمُوا أَوْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ، وَإِلَّا قُوتِلُوا، إلَّا أَنْ يُعَاجِلُوا فَلَا يُدْعَوْا إلَى دِينِ اللَّهِ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: عَجِلُوا] مِنْ بَابِ تَعِبَ أَيْ فَلَوْ أَسْرَعُوا لِمُقَاتَلَتِنَا كَافِّينَ عَنْ دَعْوَتِنَا أَيْ تَارِكِينَ لَهَا.
[قَوْلُهُ: قُوتِلُوا دُونَهَا] أَيْ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ حِينَئِذٍ حَرَامٌ، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: وَلِقَبُولِ الْجِزْيَةِ شَرْطٌ] أَيْ، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلَيْسَ لَهُ شَرْطٌ، أَيْ إذَا أَجَابُوا لِلْإِسْلَامِ فَيُقْبَلُ مِنْهُمْ فِي أَيِّ مَحِلٍّ كَانَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ [قَوْلُهُ: فَأَمَّا إنْ بَعُدُوا إلَخْ] لَا يُفِيدُ الْمُرَادُ وَهُوَ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا بِحَيْثُ لَا تَنَالُهُمْ أَحْكَامُنَا، فَإِنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ، وَهَذَا يُوجَدُ مَعَ
وَتُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ فِي مَوْضِعِهِمْ، لِأَنَّهُمْ مَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ حَتَّى صَالَحُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَبِلَادِهِمْ، وَتَكَلَّمَ عَلَى الْجِزْيَةِ أَيْنَ تُقْبَلُ مِنْهُمْ، وَسَكَتَ عَنْ إسْلَامِهِمْ إذَا أَسْلَمُوا، فَنَقُولُ سَكَتَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ إقَامَتَهُمْ بِدَارِ الْحَرْبِ لَا تَقْدَحُ قُوَّةٌ فِي إسْلَامِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الْهِجْرَةُ وَاجِبَةً قَبْلَ الصُّلْحِ.
(وَالْفِرَارُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ أَنْ يُوَلِّيَ (مِنْ الْعَدُوِّ) وَنِيَّتُهُ أَنْ لَا يَرْجِعَ إلَيْهِ عَدَّهُ الْعُلَمَاءُ (مِنْ الْكَبَائِرِ إذَا كَانُوا) أَيْ الْعَدُوُّ مِنْ الْكُفَّارِ (مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ فَأَقَلَّ) سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلِمُونَ مِثْلَهُمْ فِي الْقُوَّةِ أَوْ أَشَدَّ أَوْ جُهِلَ الْأَمْرُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِلْكُفَّارِ مَادَّةٌ أَمْ لَا، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا وَنِيَّتُهُ إلَى آخِرِهِ احْتِرَازًا مِمَّنْ إذَا فَرَّ وَنِيَّتُهُ الرُّجُوعُ، بِأَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مَكِيدَةً لَهُ فَإِنَّهُ جَائِزٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: 16] الْمُتَحَرِّفُ
[حاشية العدوي]
الْبُعْدِ وَقَدْ يُوجَدُ ضِدُّهُ مَعَهُ كَمَا فِي عج [قَوْلُهُ: وَسَكَتَ عَنْ إسْلَامِهِمْ إذَا أَسْلَمُوا] أَيْ بِالْفِعْلِ [قَوْلُهُ: لَا تَقْدَحُ فِي إسْلَامِهِمْ] أَيْ بِالْفِعْلِ لَكِنْ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ شُرَّاحَ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ قَدْ سَوَّوْا بَيْنَهُمَا وَنَصَّ الْبَعْضُ، وَإِنْ لَمْ يُجِيبُوا لِلْجِزْيَةِ أَوْ أَجَابُوا لَهَا، وَلَكِنَّهُمْ بِمَحَلٍّ لَا تَنَالُهُمْ أَحْكَامُنَا فِيهِ وَلَمْ يَرْتَحِلُوا إلَى مَحَلٍّ يُؤْمَنُ مِنْهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَجَابُوا لِلْإِسْلَامِ، وَهُمْ بِمَحَلٍّ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُمْ قُوتِلُوا أَيْ أُخِذَ فِي قِتَالِهِمْ، وَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِمْ قُتِلُوا اهـ.
إلَّا أَنْ يُقَالَ كَلَامُ شُرَّاحِهِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُسْلِمُوا بِالْفِعْلِ لَا وَعَدُوا بِالْإِسْلَامِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَاجِبَةٌ قَبْلَ الصُّلْحِ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَعِبَارَةُ التَّحْقِيقِ تُوَضِّحُ الْمَقَامَ، وَنَصُّهُ: وَلَوْ أَسْلَمَ قَوْمٌ كُفَّارٌ فَإِنْ كَانُوا حَيْثُ تَنَالُهُمْ أَحْكَامُ الْكُفَّارِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْتَحِلُوا، وَإِنْ لَمْ يَرْتَحِلُوا فَهُمْ عَاصُونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِسْلَامُهُمْ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ إنَّمَا كَانَتْ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» وَكَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لَا يَتِمُّ إسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ حَتَّى يَرْتَحِلَ إلَى الْمَدِينَةِ فَلَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ قَالَ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» .
[قَوْلُهُ: أَوْ جُهِلَ الْأَمْرَ] أَيْ فَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُمْ مِثْلُهُمْ فِي الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُمْ أَضْعَفُ قُوَّةً مِنْ الْكُفَّارِ لَجَازَ لَهُمْ الْفِرَارُ، حِينَئِذٍ يُفِيدُهُ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ مَحِلَّ حُرْمَةِ الْفِرَارِ إذَا كَانَ فِي ثَبَاتِهِمْ نِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ، وَإِلَّا جَازَ، وَإِذَا كَانُوا ضِعَافًا لَيْسَ فِي ثَبَاتِهِمْ نِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ أَيْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الضَّعْفُ بِحَسَبِ الْعَدَدِ لَا الْقُوَّةِ، خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونَ فَإِنَّهُ يَقُولُ يَلْزَمُ أَنْ يَثْبُتُوا لِأَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، إذَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْ الْكُفَّارِ سِلَاحًا، وَأَكْثَرَ قُوَّةً وَجَلَدًا وَلَا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَثْبُتُوا لَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ إذَا كَانَ الْكُفَّارُ أَشَدَّ مِنْهُمْ سِلَاحًا، وَأَكْثَرَ قُوَّةَ وَجَلَدًا وَخَافُوا أَنْ يَغْلِبُوهُمْ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ.
تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ مَحِلَّ حُرْمَةِ الْفِرَارِ إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ ضَعْفَهُمْ أَوْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا عَلَى مَا سَيَأْتِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ سِلَاحٌ، وَأَنْ لَا تَخْتَلِفَ كَلِمَتُهُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ سِلَاحٌ لَمْ يَحْرُمْ الْفِرَارُ، وَكَذَا إذَا اخْتَلَفَتْ كَلِمَتُهُمْ.
[قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ كَانَ إلَخْ] الْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ مِنْ أَنَّ مَحِلَّ ذَلِكَ، إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْكُفَّارِ مَادَّةٌ وَلَا مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْعَدُوُّ بِمَحِلِّ مَدَدٍ وَلَا مَدَدَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْفِرَارُ، وَهَذَا جَارٍ فِيمَا إذَا بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ أَوْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَيَكْفِي بُلُوغُهُمْ هَذَا الْعَدَدَ وَلَوْ مَعَ الشَّكِّ أَوْ الْوَهْمِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ كَوْنُ الْجَمِيعِ مِمَّنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْجِهَادِ، بَلْ لَوْ كَانَ فِيهِمْ عَبِيدٌ وَصِبْيَانُ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِيهِمْ قُدْرَةٌ عَلَى الْجِهَادِ.
[قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِمَّا إذَا فَرَّ وَنِيَّتُهُ الرُّجُوعُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَحَيِّزَ كَالْمُتَحَرِّفِ فِي عَدَمِ الْحُرْمَةِ، فَالْأَوْلَى
هُوَ الَّذِي يُرِي الْعَدُوَّ الِانْهِزَامَ حَتَّى يَتْبَعَهُ فَيَكِرُّ عَلَيْهِ وَالْمُتَحَيِّزُ هُوَ الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْأَمِيرِ أَوْ إلَى جَمَاعَةٍ بِقُرْبِهِ يَسْتَعِينُ بِهِمْ، (فَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْعَدُوُّ الْكُفَّارُ (أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ (فَلَا بَأْسَ) بِجَوَازِ (ذَلِكَ) الْفِرَارِ مِنْ الْعَدُوِّ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَهُوَ كَذَلِكَ.
فِي النَّوَادِرِ عَنْ سَحْنُونَ وَنَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَارْتَضَاهُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا لَا يَجُوزُ لَهُمْ الْفِرَارُ، وَإِنْ كَانَ الْكُفَّارُ أَكْثَرَ مِنْ مِثْلَيْهِمْ وَقَيَّدَ بِهِ بَعْضُهُمْ كَلَامَ الشَّيْخِ وَاعْتَمَدَهُ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ.
(وَيُقَاتَلُ الْعَدُوُّ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ وَيَجِبُ عَلَى مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ أَنْ يُقَاتِلَ الْعَدُوَّ مِنْ الْكُفَّارِ (مَعَ كُلِّ بَرٍّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ الْمُوَفِّي بِالْعُهُودِ.
(وَ) مَعَ كُلِّ (فَاجِرٍ) وَهُوَ الْجَائِرُ فِي أَحْكَامِهِ (مِنْ الْوُلَاةِ) أَمَّا مَعَ الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَعَ الثَّانِي فَلِمَا صَحَّ، مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ تُرِكَ الْقِتَالُ مَعَهُ لَكَانَ ضَرَرًا عَلَى الْإِسْلَامِ.
(وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ مَنْ أُسِرَ مِنْ الْأَعْلَاجِ) جَمْعُ عِلْجٍ: وَهُوَ الرَّجُلُ مِنْ كُفَّارِ الْعَجَمِ.
(وَلَا يُقْتَلُ أَحَدٌ) مِنْ الْعَدُوِّ (بَعْدَ أَمَانٍ) كَانَ الْأَمَانُ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ، عَلَى
[حاشية العدوي]
أَنْ يُشِيرَ إلَى إخْرَاجِهِمَا أَوَّلًا، وَلَا يَقْتَصِرَ عَلَى الْمُحْتَرِفِ.
[قَوْلُهُ: هُوَ الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْأَمِيرِ] أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُتَحَيِّزُ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ خَوْفًا بَيِّنًا، وَقَرُبَ الْمُنْحَازُ إلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ الْمُنْحَازُ أَمِيرَ الْجَيْشِ.
تَنْبِيهٌ: قَيَّدَ بَعْضُهُمْ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَعْنِي بُلُوغَ الْمُسْلِمِينَ النِّصْفَ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ الْآتِيَةِ، بِمَا إذَا كَانَ فِي ثَبَاتِهِمْ نِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ، وَإِلَّا جَازَ الْفِرَارُ فَصَارَ حَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ، أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مُقَيَّدَةٌ بِأَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ سِلَاحٌ، وَأَنْ لَا تَخْتَلِفَ كَلِمَتُهُمْ، وَأَنْ لَا يَكُونَ لِلْكُفَّارِ مَادَّةٌ، وَلَا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَكُونَ فِي ثَبَاتِهِمْ نِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ.
[قَوْلُهُ: فَلَا بَأْسَ بِجَوَازِ ذَلِكَ] لَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ جَوَازٍ فَذِكْرُهَا مُضِرٌّ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ الْأَفْضَلُ حِينَئِذٍ الْفِرَارُ أَوْ الثَّبَاتُ، أَوْ إنْ كَانَ الْإِمَامُ فَالْفِرَارُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ فَالثَّبَاتُ أَفْضَلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
قَالَهُ عج فِي حَاشِيَتِهِ.
[قَوْلُهُ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَر أَلْفًا إلَخْ] قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِشُرُوطٍ.
[قَوْلُهُ: أَيْ وَيَجِبُ عَلَى مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ هَذَا جَارٍ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ كِفَايَةً، وَأَمَّا مَنْ يُنْدَبُ فِي حَقِّهِ الْجِهَادُ، فَهَلْ يُقَاتِلُ مَعَ كُلِّ بَارٍّ وَفَاجِرٍ أَوْ لَا.
قَالَهُ عج [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُوَفِّي بِالْعُهُودِ] أَيْ: الْعَادِلُ، [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْجَائِرُ فِي أَحْكَامِهِ] شَامِلٌ لِمَنْ كَانَ جَوْرُهْ بِالْغَدْرِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، لَكِنْ اعْتَمَدَ بَعْضُهُمْ عَدَمَ وُجُوبِ الْقِتَالِ مَعَهُ، وَلِمَنْ كَانَ فَاسِقًا وَلِمَنْ لَا يَعْدِلُ فِي الْخَمْسِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْجِهَادِ الْوَاجِبِ، وَلَوْ كِفَايَةً، وَأَمَّا مَا يَنْدُبُ فَقَدْ تَقَدَّمَ التَّرَدُّدُ فِيهِ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا وَجْهَ لِلْقِتَالِ مَعَ الْجَائِزِ فِي الْمَنْدُوبِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ مِنْ أُسِرَ مِنْ الْأَعْلَاجِ] أَيْ إذَا كَانَ فِي قَتْلِهِ مَصْلَحَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الرَّجُلُ مِنْ كُفَّارِ الْعَجَمِ إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ أَشَارَ بِهِ لِمَنْ يَقُولُ لَا تُقْتَلُ الْأُسَارَى؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْقَتْلِ أَحْسَنُ.
اهـ.
أَقُولُ فَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْأَعْلَاجِ فَرْضُ مِثَالٍ، فَلِذَلِكَ قَالَ: ابْنُ الْحَاجِبِ، وَإِنْ أَسَرُوا عَرَبًا أَوْ عَجَمًا، فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي خَمْسَةٍ: الْقَتْلِ أَوْ الِاسْتِرْقَاقِ أَوْ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ أَوْ الْمُفَادَاةِ أَوْ الْمَنِّ بِالنَّظَرِ.
اهـ.
قَالَ خَلِيلٌ: فِي تَوْضِيحِهِ حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْإِبْقَاءِ، فَإِنْ قَتَلَ فَلَا تَفْصِيلَ، وَإِنْ أَبْقَى خُيِّرَ فِي أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الِاسْتِرْقَاقِ، وَضَرْبِ الْجِزْيَةِ وَالْمُفَادَاةِ وَالْمَنِّ، وَقَوْلُهُ بِالنَّظَرِ رَاجِعٌ لِلْخَمْسَةِ، يَعْنِي أَنَّ التَّخْيِيرَ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، وَمَتَى وَجَدَ فِيهَا أَحْسَنَ تَعَيَّنَ، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَالِ الْمُقَاتِلَةِ، وَأَمَّا الذَّرَارِيُّ وَالنِّسَاءُ فَلَيْسَ إلَّا الِاسْتِرْقَاقُ أَوْ الْمُفَادَاةُ أَوْ الْعِتْقُ، فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ الْمُعْتَبَرُ النَّظَرُ فِيمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ، فَأَيْنَ التَّخْيِيرُ، وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّخْيِيرَ حَيْثُ رَأَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الْأُمُورِ مَصْلَحَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ، مِنْ
الْمَشْهُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: 58] ؛ وَلِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يُنْصَبُ لِلْغَادِرِ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَيُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ (وَلَا يُخْفَرُ لَهُمْ) أَيْ لِلْعَدُوِّ (بِعَهْدٍ) وَالْإِخْفَارُ نَقْضُ الْعَهْدِ، وَلَيْسَ هَذَا تَكْرَارًا مَعَ مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ خَاصٌّ بِالْقَتْلِ وَهَذَا عَامٌّ فِي الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ.
(وَلَا) يُقْتَلُ (النِّسَاءُ وَ) لَا (الصِّبْيَانُ) ؛ لِمَا صَحَّ مِنْ نَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ قَتْلِهِمْ، وَكَذَلِكَ لَا يَضْرِبُ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ، وَيَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِمْ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الِاسْتِرْقَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْفِدَاءِ، (وَيُجْتَنَبُ قَتْلُ الرُّهْبَانِ) جَمْعُ رَاهِبٍ وَهُوَ الْعَابِدُ.
(وَ) قَتْلُ (الْأَحْبَارُ) جَمْعُ حَبْرٍ، بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا، وَهُوَ الْأَفْصَحُ الْعَالِمُ وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلُ الْأَحْبَارِ الْأُجَرَاءُ وَيُشْتَرَطُ فِي عَدَمِ قَتْلِ الْأَوَّلَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَنْ يَنْقَطِعَا عَنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمَا حِسًّا فِي دَيْرٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ، وَمَعْنًى، فَلَا يُخَالِطَاهُمْ فِي رَأْيٍ وَلَا يُعِينَاهُمْ فِي تَدْبِيرٍ وَمَشُورَةٍ، وَيَكُونَانِ حُرَّيْنِ لَا يُسْتَرَقَّانِ، وَيَتْرُكُ لَهُمَا مَا يَقُومُ بِهِمَا.
وَاخْتَلَفَ فِي الزَّائِدِ عَلَى ذَلِكَ، إذَا كَانَ مَالًا كَثِيرًا عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ: أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْأَشْهَرُ، أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ لَهُ وَالثَّانِي أَنَّهُ يُتْرَكُ لَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فِيمَا رَأَيْتُ أَنَّهُ يُتْرَكُ لَهُ مَالُهُ، وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ هُوَ مَذْهَبُ سَحْنُونَ.
انْتَهَى.
وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ، أَنَّ جَمِيعَ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ يُتْرَكُ لَهُ كِفَايَتُهُ فَقَطْ، وَحُكْمُ الْمَرْأَةِ إذَا تَرَهَّبَتْ، حُكْمُ الرَّجُلِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَاخْتُلِفَ فِي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ مِنْ
[حاشية العدوي]
التَّخْيِيرِ لَازِمُهُ، وَهُوَ عَدَمُ تَعَيُّنِ وَاحِدٍ مِنْهَا ابْتِدَاءً.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونَ أَمَانَةً مَوْقُوفٌ عَلَى نَظَرِ الْإِمَامِ وَهَذَا الْقَوْلُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ بَعْدُ.
اهـ. ابْنُ نَاجِي.
[قَوْلُهُ: لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] أَيْ رَايَةٌ، كَمَا قَالَهُ شَارِحُو الْحَدِيثِ.
[قَوْلُهُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ] بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ.
قَالَ بَعْضٌ: وَالْمُرَادُ شُهْرَتُهُ فِي الْقِيَامَةِ بِصِفَةِ الْغَدْرِ؛ لِيَذُمَّهُ أَهْلُ الْمَوْقِفِ، وَفِيهِ غُلِّظَ تَحْرِيمُ الْغَدْرِ لَا سِيَّمَا مِنْ صَاحِبِ الْوَلَايَةِ الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّ غَدْرَهُ يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُخْفَرُ] بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، مِنْ أَخْفَرَ لَا مِنْ خَفَرَ، قَالَ فِي الصَّحَاحِ، وَأَخْفَرْتُهُ إذَا نَقَضْتُ عَهْدَهُ.
[قَوْلُهُ: وَيُجْتَنَبُ قَتْلُ الرُّهْبَانِ] لَيْسَ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الرُّهْبَانِ وَنَحْوِهِمْ، لِفَضْلِ تَرَهُّبِهِمْ بَلْ هُمْ مِنْ اللَّهِ أَبْعَدُ مِنْ غَيْرِهِمْ لِشِدَّةِ كُفْرِهِمْ، وَإِنَّمَا تُرِكُوا لِتَرْكِهِمْ أَهْلِ دِينِهِمْ فَصَارُوا كَالنِّسَاءِ اهـ مِنْ تت.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَفْصَحُ] أَيْ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي رَجَّحَهُ صَاحِبُ الصَّحَاحِ، وَصَدَّرَ بِهِ صَاحِبُ الْقَامُوسِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْفَتْحَ بَعْدُ، وَاقْتَصَرَ شُرَّاحُ الْحَدِيثِ عَلَى الْفَتْحِ وَكَذَا ثَعْلَبٌ.
[قَوْلُهُ: الْأُجَرَاءُ] أَيْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ فَفِي الشَّيْخِ زَرُّوقٍ الْمَشْهُورُ عَدَمُ جَوَازِ قَتْلِ الْفَلَّاحِ وَالْأَجِيرِ وَالصَّانِعِ، إذَا لَمْ يُقَاتِلُوا وَقَدَرَ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ وَعِنْدَ سَحْنُونَ يُقْتَلُونَ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ إذْ لَمْ يَسْتَثْنِهِمْ مِمَّنْ يَجُوزُ قَتْلُهُ اهـ.
وَرَأَى بَعْضُ مُحَقِّقِي شُيُوخِ الْمَذْهَبِ أَنَّ هَذَا خِلَافٌ فِي حَالٍ، وَأَنَّ مَنْ لَهُ رَأْيٌ وَتَدْبِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يُقْتَلُ، وَمَنْ لَا رَأْيَ لَهُ لَا يُقْتَلُ.
[قَوْلُهُ: الْأَوَّلَيْنِ] لَعَلَّهُ الْأَخِيرَيْنِ أَوْ أَوَّلَيْنِ، بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ أَوْ الْأُجَرَاءُ فَتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُعِينُوهُمْ] عَيْنُ الَّذِي قَبْلَهُ.
[قَوْلُهُ: فِي تَدْبِيرٍ] التَّدْبِيرُ النَّظَرُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ، وَقَوْلُهُ: مَشُورَةُ الْإِعَانَةِ فِي مَشُورَةٍ، هِيَ أَنْ يَدُلَّ الْمُسْتَشَارُ الْمُسْتَشِيرَ عَلَى مَا فِيهِ صَلَاحُهُ.
[قَوْلُهُ: وَيَكُونَانِ حُرَّيْنِ] وَعَلَى قَاتِلِهِمَا دِيَةُ حُرٍّ، تُدْفَعُ لِأَهْلِ دِينِهِمَا.
[قَوْلُهُ: وَيَتْرُكُ لَهُمَا مَا يَقُومُ بِهِمَا] أَيْ يَتْرُكُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا يَعِيشُونَ فِيهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَا تُؤْخَذُ كُلُّهَا فَيَمُوتُوا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ فَمِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْكُفَّارِ مَالٌ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُوَاسَاتُهُمْ.
[قَوْلُهُ: وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ إلَخْ] أَيْ الَّذِي هُوَ الثَّانِي [قَوْلُهُ: وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ الْيَسِيرِ] أَيْ فِي كَوْنِهِ يُتْرَكُ لَهُ وَالْكَثِيرُ لَا يُتْرَكُ لَهُ، هُوَ مَذْهَبُ سَحْنُونَ أَيْ الَّذِي هُوَ الْأَوَّلُ، وَقَوْلُهُ وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ أَيْ مُقَابِلًا لَهُ، أَنَّهُ يُتْرَكُ لَهُ كِفَايَتُهُ فَقَطْ سَوَاءٌ كَانَ الزَّائِدُ مَالًا كَثِيرًا أَمْ لَا، فَهُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ.
[قَوْلُهُ: أَنَّ جَمِيعَ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ] أَيْ مِنْ شَيْخٍ فَانٍ وَزَمِنٍ، وَأَعْمَى حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ رَأْيٌ وَلَا تَدْبِيرٌ، أَمَّا إنْ كَانَ لِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ رَأْيٌ قُتِلَ.
[قَوْلُهُ: حُكْمُ الرَّجُلِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقِيلَ لَيْسَ حُكْمُهُنَّ حُكْمَ الرِّجَالِ فَلَا يَتْرُكُهُنَّ، وَيَجُوزُ أَسْرُهُنَّ إذْ
قَوْلِهِ (إلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا) فَقِيلَ عَائِدٌ عَلَى جَمِيعِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالرُّهْبَانِ وَالْأَحْبَارِ، وَقِيلَ عَائِدٌ عَلَى الرُّهْبَانِ، وَمَا بَعْدَهُ وَاسْتُقْرِبَ لِسَلَامَتِهِ مِنْ التَّكْرَارِ، مَعَ قَوْلِهِ (وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُقْتَلُ إذَا قَاتَلَتْ) ظَاهِرُهُ كَانَ ذَلِكَ فِي حَالِ الْقِتَالِ أَوْ بَعْدَهُ، وَقَيَّدَهُ ع بِقَوْلِهِ: يَعْنِي حَالَ الْقِتَالِ.
وَأَمَّا إذَا بَرَدَ الْقِتَالُ فَلَا تُقْتَلُ، وَهَذَا أَيْضًا إذَا قَاتَلَتْ بِالسِّلَاحِ، وَأَمَّا إذَا قَاتَلَتْ بِالْحِجَارَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا تُقْتَلُ.
(وَيَجُوزُ أَمَانُ أَدْنَى الْمُسْلِمِينَ) وَهُوَ الْخَسِيسُ الَّذِي إذَا غَابَ لَا يُنْتَظَرُ، وَإِذَا حَضَرَ لَا يُسْتَشَارُ (عَلَى بَقِيَّتِهِمْ) فَأَمَانُ الشَّرِيفِ أَحْرَى بِالْجَوَازِ، وَهَذَا فِي قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، وَأَمَّا أَهْلُ نَاحِيَةٍ أَوْ بَلَدٍ فَلَا يَعْقِدُ لَهُمْ الْأَمَانَ إلَّا السُّلْطَانُ، فَإِنْ عَقَدَهُ غَيْرُهُ نَقَضَهُ إنْ شَاءَ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَشَرْطُ الْأَمَانِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ضَرَرٌ، فَلَوْ أَمَّنَ جَاسُوسًا أَوْ طَلِيعَةً أَوْ مَنْ فِيهِ مَضَرَّةٌ لَمْ يَنْعَقِدْ اهـ. .
وَيَنْعَقِدُ الْأَمَانُ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ وَبِالْكِنَايَةِ وَالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ (وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ) يَجُوزُ أَمَانُهَا (وَالصَّبِيُّ) مِثْلُهَا يَجُوزُ أَمَانُهُ (إذَا عَقَلَ الْأَمَانَ) أَيْ عَلِمَ أَنَّ نَقْضَ الْأَمَانِ حَرَامٌ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ، وَالْوَفَاءَ بِهِ وَاجِبٌ يُثَابُ عَلَيْهِ (وَقِيلَ: إنْ أَجَازَ ذَلِكَ) أَيْ أَمَانَ الصَّبِيِّ (الْإِمَامُ جَازَ) ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ لَمْ يَجُزْ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْأَمْوَالِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْعَدُوِّ
[حاشية العدوي]
الرَّهْبَانِيَّةُ إنَّمَا يَفْعَلُهَا الرِّجَالُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ] أَمَّا النِّسَاءُ فَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِنَّ، وَأَمَّا الصِّبْيَانُ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُهَا وَسَيَأْتِي.
[قَوْلُهُ: لِسَلَامَتِهِ مِنْ التَّكْرَارِ] ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: وَقَيَّدَهُ ابْنُ عُمَرَ إلَخْ] مِنْ كَلَامِ هَذَا الشَّارِحِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عُلِمَ أَنَّ الصُّوَرَ ثَمَانٍ وَهِيَ: إمَّا أَنْ تُقْتَلَ أَوْ لَا، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ تَكُونَ بِالسِّلَاحِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهَا حَالَ الْمُنَاشَبَةِ أَوْ بَعْدَهَا، فَمَتَى قُتِلَتْ قُتِلَتْ حَالَ الْمُقَاتَلَةِ أَوْ بَعْدَهَا قُتِلَتْ بِسِلَاحٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَمَتَى لَمْ تُقْتَلْ قُتِلَتْ حَالَ الْمُقَاتَلَةِ بِسِلَاحٍ لَا حَالَهَا بِدُونِهِ وَلَا بَعْدَهَا مُطْلَقًا، فَلَا تُقْتَلُ فِي ثَلَاثٍ وَتُقْتَلُ فِي خَمْسٍ وَلَكِنَّ الرَّاجِحَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، أَنَّهَا إذَا قَاتَلَتْ بِسِلَاحٍ تُقْتَلُ مُطْلَقًا حَالَ الْقِتَالِ وَبَعْدَهُ، وَلَوْ لَمْ تَقْتُلْ أَحَدًا، وَالصَّبِيُّ فِي التَّفْصِيلِ كَالْمَرْأَةِ وَلَوْ رَاهَقَ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْخَسِيسُ] الْمُرَادُ بِهِ الَّذِي لَيْسَ عَدْلَ شَهَادَةٍ، لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا عَارِفًا بِمَصْلَحَةِ الْأَمَانِ وَلَوْ خَارِجًا عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا فِي قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ] أَيْ فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ مَخْصُوصِينَ.
[قَوْلُهُ: نَقَضَهُ إنْ شَاءَ] أَيْ كَانَ لَهُ النَّظَرُ كَمَا يَنْظُرُ فِي التَّأْمِينِ الْوَاقِعِ مِنْ غَيْرِ الْعَدْلِ أَوْ الْجَاهِلِ، فَإِنْ رَآهُ صَوَابًا أَمْضَاهُ، وَإِلَّا رَدَّهُ، وَفُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَمَانِ الذِّمِّيِّ لِبَعْضِ الْحَرْبِيِّينَ لَا يَجُوزُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ثَمَرَةَ الْأَمَانِ الْعَائِدَةَ عَلَى الْمُؤَمَّنِ، حُرْمَةُ قَتْلِهِ وَاسْتِرْقَاقِهِ، وَعَدَمُ ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ، إنْ وَقَعَ الْأَمَانُ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْفَتْحِ فَإِنَّمَا يَسْقُطُ بِهِ الْقَتْلُ فَقَطْ، وَيَرَى الْإِمَامُ رَأْيَهُ فِي غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: فَلَوْ أَمَّنَ جَاسُوسًا إلَخْ] يُقْتَلُ الْجَاسُوسُ حِينَئِذٍ، إلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ اسْتِرْقَاقَهُ أَوْ يُسْلِمُ.
[قَوْلُهُ: الطَّلِيعَةُ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ، الطَّلِيعَةُ الْقَوْمُ يُبْعَثُونَ أَمَامَ الْجَيْشِ يَتَعَرَّفُونَ طِلْعَ الْعَدُوِّ بِالْكَسْرِ، أَيْ خَبَرَهُ وَالْجَمْعُ طَلَائِعُ اهـ. فَهُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مُغَايِرٌ لِلْجَاسُوسِ.
[قَوْلُهُ: وَيَنْعَقِدُ الْأَمَانُ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ إلَخْ] كَأَمَّنْتُكَ [قَوْلُهُ: وَالْإِشَارَةُ الْمُفْهِمَةُ] أَيْ يَفْهَمُ مِنْهَا الْكَافِرُ الْأَمَانَ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الْمُشِيرُ الْأَمَانَ بَلْ ضِدَّهُ، وَكَذَا إذَا قَصَدَ بِهَا الْمُشِيرُ الْأَمَانَ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا الْأَمَانُ، وَإِنْ فَهِمَ مِنْهَا الْكَافِرُ ضِدَّ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا الْمَرْأَةُ إلَخْ] أَوْ الْعَبْدُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيَجُوزُ أَمَانُ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ إنْ عَقَلَ الْأَمَانَ، وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ إنْ أَجَازَ ذَلِكَ] مَعْنَاهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً، وَلَكِنْ إنْ وَقَعَ يَمْضِي إنْ أَمْضَاهُ الْإِمَامُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ لِابْنِ الْمَاجِشُونَ.
إلَّا أَنَّ عِبَارَةَ الشَّارِحِ فِيهَا قُصُورٌ، مِنْ حَيْثُ إرْجَاعُ اسْمِ الْإِشَارَةِ لِلصَّبِيِّ فَقَطْ، مَعَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَجْعَلُ مِثْلَ الصَّبِيِّ الْمَرْأَةَ بَلْ وَالْعَبْدَ، وَلِذَلِكَ أَرْجَعَ اسْمَ الْإِشَارَةِ بَعْضُهُمْ إلَى الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ، وَأَمَّا أَمَانُ الْخَارِجِ عَنْ الْإِمَامِ الْمُسْلِمِ الْكَبِيرِ الْحُرِّ فَيَمْضِي، وَيَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ، وَأَمَّا الذِّمِّيِّ وَالْخَائِفِ مِنْهُمْ
وَهِيَ قِسْمَانِ: فَيْءٌ وَسَيَأْتِي وَغَنِيمَةٌ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ، بِقَوْلِهِ (وَمَا غَنَمَ الْمُسْلِمُونَ) مِنْ الْعَدُوِّ (بِإِيجَافٍ) أَيْ تَعَبٍ وَحَمَلَاتٍ فِي الْحَرْبِ (فَلْيَأْخُذْ الْإِمَامُ خُمُسَهُ) يَضَعُهُ إنْ شَاءَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ يَصْرِفُهُ فِي مَصَالِحَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ شِرَاءِ سِلَاحٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَرَاهُ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ شَاءَ قَسَمَهُ فَيَدْفَعُهُ لِآلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لِغَيْرِهِمْ أَوْ يَجْعَلُ بَعْضَهُ فِيهِمْ وَبَقِيَّتَهُ فِي غَيْرِهِمْ، وَهَذَا إذَا كَانَ الَّذِي غَنِمُوهُ غَيْرَ أَرْضٍ مِنْ كُرَاعٍ وَقُمَاشٍ وَعَبِيدٍ، وَمَالٍ وَحِنْطَةٍ.
وَأَمَّا الْأَرْضُ فَلَا تُخَمَّسُ وَلَا تُقْسَمُ عَلَى الْمَشْهُورِ بَلْ تُوقَفُ وَيُصْرَفُ خَرَاجُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ (وَ) بَعْدَ أَنْ يَأْخُذَ الْإِمَامُ خُمُسَ الْمَغْنَمِ (يَقْسِمُ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ) الْبَاقِيَةَ (بَيْنَ أَهْلِ الْجَيْشِ) الْمُجَاهِدِينَ بِشُرُوطٍ تَأْتِي (وَقَسْمُ ذَلِكَ) أَيْ مَا غَنِمَهُ
[حاشية العدوي]
فَلَا يَجُوزُ تَأْمِينُهُمَا.
[الْأَمْوَالِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْعَدُوِّ]
[قَوْلُهُ: بِإِيجَافٍ] حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا حَقِيقَةً وَاضِحٌ، وَحُكْمًا كَمَا إذَا نَزَلَ الْجَيْشُ بَلَدَ الْعَدُوِّ فَهَرَبُوا مِنْهُ فَأَخَذَ مَالَهُمْ، فَإِنَّهُ غَنِيمَةٌ، هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ وَمَا انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْجَيْشِ فَيْءٌ، وَكَذَا مَا كَانَ بَعْدَ خُرُوجِ الْجَيْشِ وَقَبْلَ نُزُولِهِ بَلَدَ الْعَدُوِّ، كَمَا ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ وَهُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ بِإِيجَافٍ.
[قَوْلُهُ: وَحَمَلَاتٍ] جَمْعُ حَمْلَةٍ: وَهِيَ الْكَرَّةُ فِي الْحَرْبِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَأْخُذْ الْإِمَامُ خُمُسَهُ] هَذَا مِنْ الْجِهَاتِ السَّبْعَةِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا بَيْتُ الْمَالِ، وَمِنْهَا الْجِزْيَةُ وَالْفَيْءُ وَالْمَالُ الْمَوْرُوثُ وَالْمَالُ الضَّالُّ صَاحِبُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَجْهُولُ، وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ:
جِهَاتُ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ سَبْعَتُهَا ... فِي بَيْتِ شِعْرٍ حَوَاهَا فِيهِ كَاتِبُهُ
خُمْسٌ وَفَيْءٌ خَرَاجٌ جِزْيَةٌ عُشُرٌ ... وَإِرْثُ فَرْضٍ وَمَالٌ ضَلَّ صَاحِبُهُ
أَيْ لَمْ يُعْرَفْ صَاحِبُهُ.
اهـ.
فَيُبْدَأُ مِنْ ذَلِكَ بِآلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَدْبًا ثُمَّ يُصْرَفُ لِلْمَصَالِحِ، أَيْ الْعَائِدِ نَفْعُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْغَزْوِ وَعِمَارَةِ الثُّغُورِ، وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ.
[قَوْلُهُ: يَصْرِفُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ] هَذَا التَّفْصِيلُ بِذَاتِهِ فِي ابْنِ نَاجِي.
[قَوْلُهُ: مِمَّا يَرَاهُ مَصْلَحَةً إلَخْ] أَيْ كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ وَعِمَارَةِ الثُّغُورِ، وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ شَاءَ قَسَمَهُ فَيَدْفَعُهُ لِآلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -] قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ، فَصَحَّ كَوْنُ الدَّفْعِ لِآلِهِ مِنْ أَفْرَادِ الْقِسْمَةِ، وَمَحَلُّ كَوْنِهِ يَدْفَعُهُ كُلَّهُ لِآلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -، إذَا كَانُوا يَسْتَحِقُّونَهُ بِتَمَامِهِ، وَقَوْلُهُ أَوْ لِغَيْرِهِمْ أَيْ فَيَقْسِمُهُ بَيْنَ الْغَيْرِ كَالْعُلَمَاءِ وَالْقُضَاةِ وَمُحَصِّلُهُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ.
[قَوْلُهُ: مِنْ كُرَاعٍ] بِوَزْنِ غُرَابٍ الْخَيْلُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ [قَوْلُهُ: فَلَا تُخَمَّسُ وَلَا تُقْسَمُ إلَخْ] وَقِيلَ يَتَحَتَّمُ قَسْمُهَا، وَقِيلَ يَقْسِمُهَا إنْ رَأَى ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: بَلْ تُوقَفُ] أَيْ أَنَّهَا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا تَصِيرُ وَقْفًا وَلَا تَحْتَاجُ لِحُكْمِ حَاكِمٍ، وَقَصْدُهُ الْأَرْضُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَوَاتٍ أَيْ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ، وَكَذَا الدُّورُ الَّتِي صَادَفَهَا الْفَتْحُ فَتَصِيرُ وَقْفًا كَأَرْضِهَا، وَلَكِنْ لَا يُؤْخَذُ لِلدُّورِ كِرَاءٌ فَلَيْسَتْ كَأَرْضِ الزِّرَاعَةِ فَإِذَا انْهَدَمَتْ تِلْكَ الْأَبْنِيَةُ، وَبَنَى أَهْلُ الْإِسْلَامِ دُورًا غَيْرَهَا، فَهَذِهِ الْأَبْنِيَةُ لَا تَكُونُ وَقْفًا، وَلَوْ قُسِمَتْ الْأَرْضُ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّهَا تُوقَفُ فَيَمْضِي حَيْثُ قَسَمَهَا مَنْ يَرَى قَسْمَهَا، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً كَمِصْرِ.
[قَوْلُهُ: يَقْسِمُ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ الْبَاقِيَةِ] وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ لِيَقْسِمَ أَثْمَانَهَا؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلْمُسَاوَاةِ لِمَا يَدْخُلُ التَّقْوِيمَ مِنْ الْخَطَأِ.
إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَشْتَرِي فَيَقْسِمُ الْأَعْيَانَ أَوْ لَا يَجِبُ الْبَيْعُ بَلْ يُخَيَّرُ، فَإِنْ شَاءَ بَاعَ وَقَسَمَ الثَّمَنَ، وَإِنْ شَاءَ قَسَمَ الْأَعْيَانَ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ.
قَوْلَانِ وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ الْأَوَّلَ، بِأَنَّ بَيْعَهَا بِبَلَدِ الْحَرْبِ ضَيَاعٌ لِرُخْصِهَا هُنَاكَ وَأُجِيبَ بِأَنَّ رُخْصَهَا يَرْجِعُ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ هُمْ الْمُشْتَرُونَ، وَهُمْ أَحَقُّ بِرُخْصِهَا، وَهُمَا جَارِيَانِ فِي الْخُمُسِ أَيْضًا، وَعَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَقْسِمُ سِلَعَ الْغَنِيمَةِ لَا أَثْمَانَهَا، فَيَقْسِمُ كُلَّ صِنْفٍ مِنْ سِلَعِ الْغَنِيمَةِ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ، حِسًّا بِاتِّسَاعِ الْغَنِيمَةِ وَشَرْعًا بِأَنْ لَا يُؤَدِّيَ لِتَفْرِيقِ أُمٍّ مِنْ وَلَدِهَا وَيَبْقَى النَّظَرُ إذَا كَانَ فِي الْغَنِيمَةِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ يُمْكِنُ قَسْمُهُ وَصِنْفَانِ كُلُّ وَاحِدٍ لَا يُمْكِنُ قَسْمُهُ، هَلْ يَجِبُ ضَمُّهُمَا وَلَا يُضَمَّانِ لِمَا يُمْكِنُ قَسْمُهُ أَوَّلًا وَاسْتَظْهَرَ الْأَوَّلَ.
[قَوْلُهُ: بَيْنَ
الْمُسْلِمُونَ (بِبَلَدِ الْحَرْبِ أَوْلَى) أَيْ مُسْتَحَبٌّ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ذَلِكَ وَالصَّحَابَةِ بَعْدَهُ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ نِكَايَةً لِلْعَدُوِّ، وَهَذَا إذَا أَمِنُوا كَرَّ الْعَدُوِّ، وَكَانَ الْغَانِمُونَ جَيْشًا، أَمَّا إنْ كَانُوا سَرِيَّةً مِنْ الْجَيْشِ فَلَا يَقْسِمُوا حَتَّى يَعُودُوا إلَى الْجَيْشِ (وَإِنَّمَا يُخَمَّسُ وَيُقْسَمُ مَا أُوجِفَ) أَيْ حُمِلَ (عَلَيْهِ بِالْخَيْلِ وَ) بِ (الرِّكَابِ) أَيْ الْإِبِلِ (وَمَا غُنِمَ بِقِتَالٍ) .
فَأَمَّا مَا أُخِذَ بِغَيْرِ إيجَافٍ وَلَا قِتَالٍ فَهُوَ الْفَيْءُ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ لَا يُخَمَّسُ وَلَا يُقْسَمُ بَلْ النَّظَرُ فِيهِ لِلْإِمَامِ مِثْلُ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ إنْ شَاءَ صَرَفَ جَمِيعَهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ شَاءَ قَسَمَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْغَنِيمَةِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُخَمَّسُ وَيُقْسَمُ كُلُّ مَا أُوجِفَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَرْضًا أَوْ أُسَارَى، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، أَمَّا الْأَرْضُ فَالْمَشْهُورُ فِيهَا مَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا الْأُسَارَى فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي الرِّجَالِ بَيْنَ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ الْقَتْلِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْجِزْيَةِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَالِاسْتِرْقَاقِ.
(وَلَا بَأْسَ) بِمَعْنَى وَيُبَاحُ (أَنْ يُؤْكَلَ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ الطَّعَامُ وَالْعَلَفُ لِمَنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ) سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ أَمْ لَا،
[حاشية العدوي]
أَهْلِ الْجَيْشِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ أَهْلٍ هُمْ الْجَيْشُ.
[قَوْلُهُ: لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -] لَا يَخْفَى أَنَّ فِعْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُنْتِجُ خُصُوصَ الِاسْتِحْبَابِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، أَيْ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ تَطْيِيبَ قُلُوبِ الْمُجَاهِدِينَ فِيهِ مِنْ إدْخَالِ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ وَزِيَادَةِ الْحِفْظِ.
لِأَنَّ كُلَّ مَنْ مُيِّزَ نَصِيبُهُ يَشْتَدُّ حِرْصُهُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ فِيهِ نِكَايَةً] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِفِعْلِهِ إلَخْ.
حَاصِلُهُ أَنَّ فِعْلَهُ فِي ذَاتِهِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الِالْتِفَاتِ لِحُكْمِهِ مُفِيدٌ لِلِاسْتِحْبَابِ كَمَا ادَّعَى، وَكَوْنُهُ فِيهِ نِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ عِلَّةٌ أُخْرَى مُقْتَضِيَةٌ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُعَلَّلَ فِعْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَوْنِهِ فِيهِ نِكَايَةٌ، وَقَوْلُهُ لِلْعَدُوِّ الْمُنَاسِبُ نِكَايَةٌ فِي الْعَدُوِّ لِقَوْلِ الْمِصْبَاحِ نَكَأْت فِي الْعَدُوِّ، وَقَوْلُهُ كَرَّ الْعَدُوِّ أَيْ رُجُوعِ الْعَدُوِّ، وَقَوْلُهُ سَرِيَّةٌ السَّرِيَّةُ الْقِطْعَةُ مِنْ الْجَيْشِ، فَفَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَسْرِي فِي خِفْيَةٍ، قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ وَسَكَتَ عَنْ مَفْهُومِ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
تَنْبِيهٌ: نَصَّ ابْنُ فَرْحُونِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْحَاكِمِ عِنْدَ الْقَاسِمِ إذْ لَوْ فَوَّضَ ذَلِكَ لَهُمْ، لَدَخَلَهُمْ الطَّمَعُ، وَأَحَبَّ كُلٌّ لِنَفْسِهِ مِنْ كَرَائِمِ الْأَمْوَالِ مَا يَطْلُبُهُ غَيْرُهُ وَهُوَ مُؤَدٍّ لِلْفِتَنِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يُخَمَّسُ] أَيْ يُجْعَلُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ وَقَوْلُهُ وَيَقْسِمُ أَيْ كُلٌّ مِنْهَا وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْ هَذَا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَمَا غَنَمَ إلَخْ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ لَيْسَ فِيهِ حَصْرٌ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: أَيْ الْإِبِلِ] ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَاحِدُ الرِّكَابِ رَاحِلَةٌ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهَا [قَوْلُهُ: وَمَا غُنِمَ بِقِتَالٍ] عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ [قَوْلُهُ: فَأَمَّا مَا غُنِمَ بِغَيْرِ إيجَافٍ وَلَا قِتَالٍ] أَيْ بِأَنْ انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ.
قَالَ تت: كَالْمَأْخُوذِ مِمَّنْ انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ حِينَ سَمَاعِهِمْ بِخُرُوجِ الْجَيْشِ إلَيْهِمْ [قَوْلُهُ: فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ] كَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ شَاءَ قَسَمَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْغَنِيمَةِ] أَيْ فَيَدْفَعُهُ إمَّا لِآلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لِغَيْرِهِمْ، أَوْ يَجْعَلُ الْبَعْضَ فِيهِمْ وَالْبَعْضَ فِي غَيْرِهِمْ، بَقِيَ مَا يَهْرُبُ بِهِ الْأَسِيرُ أَوْ التَّاجِرُ أَوْ يَأْخُذُهُ الْمُتَلَصِّصُ فَيَخْتَصُّ بِهِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُخْتَصِّ فَيَخْتَصُّ بِهِ حَائِزُهُ وَلَا يُقْسَمُ وَلَا يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، لَكِنَّ الْمُسْلِمَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا يُخْرَجُ خُمُسُهُ، وَأَمَّا الذِّمِّيَّ فَلَا.
[قَوْلُهُ: وَالْمَنِّ] أَيْ يَعْتِقُهُمْ وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُمْ شَيْئًا.
[قَوْلُهُ: وَالْفِدَاءُ] أَيْ بِأَنْ يَتْرُكَهُمْ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ يَأْخُذُهُ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى وَيُبَاحُ] أَيْ فَاسْتَعْمَلَ لَا بَأْسَ فِيمَا فَعَلَهُ، وَتَرَكَهُ سَوَاءٌ بِدَلِيلِ قَوْلِ صَاحِبِ الْمُخْتَصَرِ، وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يُؤْكَلَ مِنْ الْغَنِيمَةِ] هَذَا إذَا كَانُوا مِمَّنْ يُقْسَمُ لَهُمْ، وَأَمَّا مَنْ لَا يُقْسَمُ لَهُمْ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعَبِيدِ فَقَوْلَانِ.
[قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ إلَخْ] رُوِيَ قَوْلُهُ أَنْ تُقْسَمَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَلَا إشْكَالَ فِيهَا، وَبِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ الْمُثَنَّاةِ رِعَايَةً لِلْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ تَشْتَمِلُ عَلَى الْمَالِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ الْمَالُ.
[قَوْلُهُ: الطَّعَامُ وَالْعَلَفُ] نَائِبُ فَاعِلِ يُؤْكَلَ وَالْعَلَفُ جَمْعُهُ عِلَافٌ، كَجَبَلٍ وَجِبَالٍ.
قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ وَقَوْلُهُ لِمَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ أَيْ تِلْكَ الْإِبَاحَةُ كَائِنَةٌ لِمَنْ احْتَاجَ إلَى
وَالْمُرَادُ بِالطَّعَامِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمًا أَوْ غَيْرَهُ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْأَنْعَامُ الْحَيَّةُ لِلذَّبْحِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَلَيْهِ يُرَدُّ الْجِلْدُ لِلْغَنِيمَةِ إنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِيمَا قَالَ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ.
وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْمَغْنَمِ يَقْسِمُهَا الْإِمَامُ بَيْنَ أَهْلِ الْجَيْشِ، وَكَانَ لَا يَسْتَحِقُّهَا مِنْهُمْ إلَّا مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُ شَرَعَ فِي بَيَانِهَا.
فَقَالَ: (وَإِنَّمَا يُسْهَمُ لِمَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ) الْمُرَادُ بِالْحُضُورِ حُضُورُ الْمُنَاشَبَةِ لَا حُضُورُ الْمُوَاجِهَةِ، فَإِذَا قَامَتْ الصُّفُوفُ وَلَمْ يَتَنَاشَبْ الْقِتَالُ فَلَا يُسْهَمُ لِمَنْ مَاتَ حِينَئِذٍ، وَيُسْهَمُ لِمَنْ مَاتَ بَعْدَ انْتِشَابِ الْقِتَالِ.
(أَوْ تَخَلَّفَ عَنْ الْقِتَالِ فِي شُغْلِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْرِ جِهَادِهِمْ) كَكَشْفِ طَرِيقٍ أَوْ جَلْبِ عَدَدٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يُسْهَمُ لِمَنْ ضَلَّ عَنْ الْجَيْشِ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ بِخِلَافِ مَنْ ضَلَّ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ.
(وَ) كَذَلِكَ (يُسْهَمُ لِلْمَرِيضِ) إذَا حَصَلَ لَهُ الْمَرَضُ بَعْدَ الْقِتَالِ أَوْ فِي حَالِ الْقِتَالِ أَمَّا لَوْ حَصَلَ لَهُ قَبْلَ حُضُورِ الْقِتَالِ سَوَاءٌ كَانَ ابْتِدَاءُ مَرَضِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَلَا يُسْهَمُ لَهُ (وَ) كَذَلِكَ يُسْهَمُ (لِلْفَرَسِ الرَّهِيصِ) إذَا حَصَلَ لَهُ الرَّهْصُ بَعْدَ الْقِتَالِ أَوْ فِي حَالِ الْقِتَالِ، وَهُوَ دَاءٌ يُصِيبُ الْفَرَسَ فِي حَافِرِهِ ع لَيْسَ الرَّهْصُ بِشَرْطٍ، وَكَذَا إذَا مَرِضَ
[حاشية العدوي]
ذَلِكَ وَمُطْلَقُ الِاحْتِيَاجِ كَافٍ، وَكَذَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ نَعْلٍ وَحِزَامٍ مُعْتَادٍ لَا مِثْلَ حِزَامِ الْمُلُوكِ، وَإِبْرَةٍ وَمُصْلِحِ الطَّعَامِ مِنْ نَحْوِ فُلْفُلٍ، وَكَذَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ثَوْبًا لِلُبْسِهِ وَغِرَارَةً لِطَعَامِهِ أَوْ حَمْلِ مَتَاعِهِ وَسِلَاحًا وَدَابَّةً لِلْقَتْلِ أَوْ لِيَرْكَبَهَا لِبَلْدَةٍ، بِشَرْطِ أَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ أَخْذِ ذَلِكَ أَنْ يَرُدَّهُ لِلْغَنِيمَةِ إذَا فَرَغَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَبِلَا نِيَّةٍ أَصْلًا كَنِيَّةِ الرَّدِّ، وَإِذَا فَضَلَ شَيْءٌ كَثِيرٌ مِمَّا أُبِيحَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهُ لَا يُشْتَرَطُ الرَّدُّ، وَهُوَ مَا عَدَا الثَّوْبَ وَالسِّلَاحَ وَالدَّابَّةَ وَهُوَ كَمَا فِي عج: مَا زَادَ عَلَى كَالدِّرْهَمِ.
قَالَ: وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا يَوْمَ وُجُوبِ رَدِّهِ لَا يَوْمَ أَخْذِهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى الْغَنِيمَةِ إنْ أَمْكَنَهُ رَدُّهُ إلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ؛ لِتَفَرُّقِ الْجَيْشِ تَصَدَّقَ بِهِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ كَمَالٍ جُهِلَتْ أَرْبَابُهُ بَعْدَ إخْرَاجِ الْخُمُسِ، وَأَوْلَى رَدُّ مَا فَضَلَ مِمَّا يَأْخُذُهُ، بِنِيَّةِ الرَّدِّ كَالثَّوْبِ، وَقَوْلُنَا كَثِيرًا احْتِرَازًا مِنْ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا بَالَ لَهُ مِمَّا قِيمَتُهُ الدِّرْهَمُ وَنَحْوُهُ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ أَكْلُهُ وَلَا يَرُدُّهُ لِلْغَنِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ مَا هُوَ مُحْتَاجٌ لَهُ.
[قَوْلُهُ: سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ أَمْ لَا] بَلْ وَلَوْ نَهَاهُمْ الْإِمَامُ وَقَيَّدَهُ ابْنُ رُشْدٍ، بِأَنْ لَا يَأْخُذَهُ بِنِيَّةِ الْغُلُولِ.
[قَوْلُهُ: وَيُلْحَقُ بِهِ الْأَنْعَامُ الْحَيَّةُ لِلذَّبْحِ عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ الْمَأْخُوذَةُ لِلذَّبْحِ، قَضِيَّتُهُ أَنَّ لَهُ مُقَابِلًا يَقُولُ بِعَدَمِ الْأَخْذِ، وَاعْتَرَضَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ الْقَوْلَ الْآخَرَ أَيْ بِالْمَنْعِ لَمْ أَرَهُ مَعْزُوًّا.
[قَوْلُهُ: كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا] أَيْ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِهِ مَا فِي الصَّحِيحِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَقَوْلُهُ الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ وَالْفَوَاكِهَ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَالسَّمْنَ.
[قَوْلُهُ: حُضُورُ الْمُنَاشَبَةِ] الْمُرَادُ الْمُضَارَبَةُ سَوَاءٌ قَاتَلَ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: فَلَا يُسْهَمُ لِمَنْ مَاتَ حِينَئِذٍ] وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَيِّتِ قَبْلَ اللِّقَاءِ وَالضَّالِّ، مِنْ أَنَّهُ يُسْهَمُ لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ أَنَّ الضَّالَّ بِنِيَّةِ الْغَزْوِ وَاسْتَمَرَّتْ إلَى الْآنَ، بِخِلَافِ الْمَيِّتِ فَإِنَّ نِيَّتَهُ انْقَطَعَتْ بِالْمَوْتِ.
[قَوْلُهُ: كَكَشْفِ طَرِيقٍ] أَيْ يَنْظُرُ هَلْ الطَّرِيقُ الَّتِي فِي نَاحِيَةِ كَذَا فِيهَا عَدُوٌّ أَوْ لَا.
[قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَنْ ضَلَّ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ] هَذَا بِخِلَافِ الْمَذْهَبِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُسْهَمُ لِمَنْ ضَلَّ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَكَذَا مَنْ رُدَّ لَهَا بِرِيحٍ، فَإِنْ رُدَّ اخْتِيَارًا فَلَا يُسْهَمُ لَهُ [قَوْلُهُ: إذَا حَصَلَ لَهُ الْمَرَضُ بَعْدَ الْقِتَالِ أَوْ فِي حَالِ الْقِتَالِ] فَشَهِدَ أَوَّلَهُ صَحِيحًا ثُمَّ مَرِضَ وَاسْتَمَرَّ يُقَاتِلُ مَرِيضًا إلَى تَمَامِ الْقِتَالِ، هَكَذَا حَمَلَ الْحَطَّابُ كَلَامَ خَلِيلٍ أَيْ أَوْ مَرِضَ بَعْدَ أَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْغَنِيمَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ، مَا إذَا مَرِضَ بَعْدَ الْقِتَالِ أَوْ فِي حَالِ الْقِتَالِ أَيْ شَهِدَ أَوَّلَهُ صَحِيحًا ثُمَّ مَرِضَ وَاسْتَمَرَّ يُقَاتِلُ مَرِيضًا أَوْ مَرِضَ بَعْدَ أَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْغَنِيمَةِ.
وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ مَرِيضًا أَوْ مَرِضَ قَبْلَ دُخُولِ أَرْضِ الْعَدُوِّ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْقِتَالِ وَلَوْ يَسِيرًا، وَاسْتَمَرَّ مَرِيضًا فِي الثَّلَاثَ لَكِنَّهُ قَاتَلَ فِيهَا حَتَّى انْقَضَى الْقِتَالُ، فَقَوْلَانِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ فِي الْإِسْهَامِ نَظَرًا إلَى كَوْنِهِ قَاتَلَ فِي الْجُمْلَةِ وَعَدَمِهِ نَظَرًا إلَى مَرَضِهِ فَكَانَ حُضُورُهُ كَعَدَمِهِ، هَذَا مَا يُفِيدُهُ الْحَطَّابُ وَهُنَاكَ كَلَامٌ آخَرُ اُنْظُرْهُ فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: إذَا حَصَلَ لَهُ الرَّهْصُ إلَخْ] قَالَ عج: وَيَجْرِي فِي مَرَضِ
بِغَيْرِهِ، وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ إنَّمَا يُسْهَمُ لِمَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ وَكَانَ الَّذِي يَحْضُرُهُ آدَمِيٌّ وَغَيْرُهُ.
شَرَعَ يُبَيِّنُ الْقَدْرَ الَّذِي يُسْهَمُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا.
فَقَالَ (وَيُسْهَمُ لِلْفَرَسِ) الْوَاحِدِ (سَهْمَانِ) وَاحْتَرَزَ بِالْفَرَسِ عَنْ الْبَعِيرِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، فَإِنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهَا وَقَيَّدْنَا بِالْوَاحِدِ احْتِرَازًا مِمَّا زَادَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُسْهَمُ لِلزَّائِدِ (وَ) يُسْهَمُ (سَهْمٌ) وَاحِدٌ (لِرَاكِبِهِ) فِي كَلَامِهِ، تَسَامُحٌ فَإِنَّ الرَّاكِبَ إنَّمَا يُقَالُ لِرَاكِبِ الْإِبِلِ، وَأَمَّا رَاكِبُ الْفَرَسِ فَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ فَارِسٌ، وَلِرَاكِبِ الْحِمَارِ حَمَّارٌ، وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ مَا صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلْفَارِسِ سَهْمًا» .
(وَ) مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِهَا الْقَسْمُ الْحُرِّيَّةُ فَ (لَا يُسْهَمُ لِعَبْدٍ) قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ (وَ) مِنْهَا الذُّكُورِيَّةُ فَ (لَا) يُسْهَمُ (لِامْرَأَةٍ) قَاتَلَتْ أَوْ لَمْ تُقَاتِلْ (وَ) مِنْهَا الْبُلُوغُ فَ (لَا) يُسْهَمُ (لِصَبِيٍّ إلَّا) بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ (أَنْ يُطِيقَ الصَّبِيُّ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ الْقِتَالَ وَيُجِيزَهُ الْإِمَامُ وَيُقَاتِلَ فَيُسْهَمَ لَهُ) وَاَلَّذِي نَقَلَهُ بَهْرَامُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَصَرَّحَ بِمَشْهُورِيَّتِهِ أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَمُقْتَضَى صَنِيعِ صَاحِبِ الْمُخْتَصَرِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مَشْهُورٌ أَيْضًا، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ لِلْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُسْهِمْ لِلْعَبِيدِ وَلَا لِلنِّسَاءِ وَلَا لِلصِّبْيَانِ» (وَ) مِنْهَا أَنْ يَخْرُجَ بِنِيَّةِ الْجِهَادِ فَ (لَا) يُسْهَمُ (لِلْأَجِيرِ الْخَاصِّ) الَّذِي مُلِكَتْ مَنَافِعُهُ كَأَجِيرِ الْخِدْمَةِ (إلَّا أَنْ
[حاشية العدوي]
الْفَرَسِ، مَا يَجْرِي فِي مَرَضِ الْآدَمِيِّ مِنْ التَّفْصِيلِ.
[قَوْلُهُ: وَيُسْهَمُ لِلْفَرَسِ] أَيْ الَّذِي يَقْدِرُ بِهِ عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ، فَالْعَجُوزُ الَّذِي لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ لَا يُسْهَمُ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ سَهْمَانِ أَيْ يُسْهَمُ لَهُ سَهْمَانِ وَلَوْ كَانَتْ فِي السَّفِينَةِ وَلِصَاحِبِهَا سَهْمٌ وَاحِدٌ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ كَانَتْ الْفَرَسُ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَوْ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَجَعْلُ السَّهْمَيْنِ لِلْفَرَسِ يُفِيدُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُمَا، وَلَوْ كَانَ الْفَارِسُ عَبْدًا، فَيَكُونَانِ لِسَيِّدِهِ وَهُوَ أَحَدُ التَّرَدُّدَيْنِ، وَالْآخَرُ هُمَا لِلْفَارِسِ فَلَا يُسْهَمُ لَهُ، وَلَا فَرْقَ فِي الْفَرَسِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا وَلَوْ بِرْذَوْنًا وَهَجِينًا وَالْبِرْذَوْنُ هُوَ: الدَّابَّةُ مِنْ الْخَيْلِ الْغَلِيظَةِ الْأَعْضَاءِ الْجَافِيَةِ الْخِلْقَةِ، وَأَكْثَرُ مَا تُجْلَبُ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، وَلَهَا جَلَدٌ عَلَى السَّيْرِ فِي الشِّعَابِ وَالْجِبَالِ وَالْوَعْرِ بِخِلَافِ الْخَيْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَهِيَ أَضْمَرُ، وَأَرَقُّ أَعْضَاءً وَالْهَجِينُ مِنْ الْخَيْلِ مَنْ أَبُوهُ عَرَبِيٌّ وَأُمُّهُ رَدِيئَةٌ وَعَكْسُهُ مُقْرِفٌ، وَانْظُرْ هَلْ يُقَيَّدُ الْإِسْهَامُ لِلْفَرَسِ الَّتِي فِي السَّفِينَةِ بِمَا إذَا احْتَمَلَ قِتَالُهُمْ بِبَرٍّ، وَلَوْ بِبَعْضِ مَكَان أَوْ عَامٍّ كَمُسَافِرٍ لِمَالِطَةَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِعَدَمِ مُقَاتَلَتِهِمْ بِبَرٍّ، أَصْلًا كَمَا فِي الزَّرْقَانِيِّ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ رَاكِبُهُ غَيْرُ قَيْدٍ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِرَاكِبِهَا مَنْ أَعَدَّهَا لِلرُّكُوبِ أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ الْخُرُوجِ لِلْبَرِّ.
تَنْبِيهٌ: إنَّمَا كَانَ لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ لِخِدْمَتِهَا وَعَلْفِهَا، وَبِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا مِنْ الْغَنَاءِ فِي الْحَرْبِ مَا لَا يَخْفَى.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّ الرَّاكِبَ إنَّمَا يُقَالُ إلَخْ] فَإِنْ قُلْت قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ [النحل: 8] الْآيَةَ.
يُعَارِضُ هَذَا قُلْنَا لَعَلَّ الْآيَةَ وَارِدَةٌ عَلَى عُرْفِ اللُّغَةِ، وَمَا هُنَا عَلَى مُصْطَلَحِ الْفُقَهَاءِ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا، أَنْ يُقَالَ لَيْسَ فِي الْآيَةِ إطْلَاقُ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى مَنْ يَرْكَبُ مَا ذُكِرَ فِيهَا، وَإِنَّمَا فِيهَا ذِكْرُ الْفِعْلِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يُطِيقَ الْقِتَالَ] أَيْ بِأَنْ رَاهَقَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُرَاهِقْ فَلَا يُسْهَمُ لَهُ بِاتِّفَاقٍ، كَمَا يُفِيدُهُ الْفَاكِهَانِيُّ أَيْ فَقِتَالُهُ لَيْسَ مُعْتَبَرًا فَكَالْعَدِمِ.
[قَوْلُهُ: وَمُقْتَضَى صَنِيعِ صَاحِبِ الْمُخْتَصَرِ] أَيْ؛ لِأَنَّهُ قَالَ إلَّا الصَّبِيَّ فَفِيهِ إنْ أُجِيزَ وَقَاتَلَ خِلَافٌ.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ] فَإِنْ قُلْت لِمَ عَبَّرَ بِظَاهِرٍ دُونَ صَرِيحٍ، قُلْت لَعَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّبْيَانِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوا.
[قَوْلُهُ: يَدُلُّ لِلْأَوَّلِ] أَيْ وَهُوَ عَدَمُ الْإِسْهَامِ فَهُوَ أَوَّلٌ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ وَمُقْتَضَى إلَخْ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يُسْهَمُ لِلْأَجِيرِ الْخَاصِّ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ] وَمِثْلُ الْأَجِيرِ التَّاجِرُ، إذَا قَاتَلَ كَانَتْ تِجَارَتُهُ تَتَعَلَّقُ بِالْجَيْشِ مِنْ مَطْعَمٍ وَمَلْبَسٍ أَمْ لَا، وَمِثْلُ قِتَالِهِمَا مَا إذَا خَرَجَا بِنِيَّةِ الْغَزْوِ وَحَضَرَا الْقِتَالَ، وَلَوْ لَمْ يُقَاتِلَا؛ لِأَنَّهُمَا كَثَّرَا سَوَادَ الْمُسْلِمِينَ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ نِيَّةُ الْغَزْوِ تَابِعَةً أَوْ مَتْبُوعَةً أَوْ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَالسَّهْمُ لِلْأَجِيرِ وَيُحَطُّ مِنْ
يُقَاتِلَ) وَاحْتَرَزَ بِالْخَاصِّ مِنْ الْأَجِيرِ الْعَامِّ كَالْخَيَّاطِ وَالْخَرَّازِ، وَبَقِيَ مِنْ الشُّرُوطِ ثَلَاثَةٌ الْعَقْلُ وَالْإِسْلَامُ وَالصِّحَّةُ، فَالْمَجْنُونُ الْمُطْبِقُ لَا يُسْهَمُ لَهُ اتِّفَاقًا، وَفِيمَنْ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْعَقْلِ قَوْلَانِ، وَالذِّمِّيُّ لَا يُسْهَمُ لَهُ اتِّفَاقًا إنْ لَمْ يُقَاتِلْ وَلَا إنْ قَاتَلَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالزَّمِنُ الَّذِي لَا رَأْيَ لَهُ لَا يُسْهَمُ لَهُ إلَّا إنْ كَانَ ذَا رَأْيٍ وَتَدْبِيرٍ.
(وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْعَدُوِّ عَلَى شَيْءٍ فِي يَدِهِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لَهُ حَلَالٌ) ج ظَاهِرُ كَلَامِهِ لَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ يُنْتَزَعُونَ مِنْهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَعَلَيْهِ يَكُونُ مَجَّانًا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَإِذَا أَسْلَمَ عَلَى ذِمِّيٍّ حُرٍّ فِي يَدِهِ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يَكُونُ رِقًّا.
(وَمَنْ اشْتَرَى) مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِدَارِ الْحَرْبِ (شَيْئًا مِنْهَا) أَيْ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَا مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ (مِنْ الْعَدُوِّ لَمْ يَأْخُذْهُ رَبُّهُ) مِمَّنْ اشْتَرَاهُ (إلَّا بِالثَّمَنِ) الَّذِي أَخَذَهُ بِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ إنْ كَانَ يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ لَهُ أَمَّا إذَا كَانَ لَا يَحِلُّ لَهُ تَمَلُّكُهُ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فَإِنَّ رَبَّهُ يَأْخُذُهُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، وَقَيَّدْنَا كَلَامَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ قَدِمَ بِهِ الْكَافِرُ بِلَادَ الْإِسْلَامِ فَلَيْسَ لِرَبِّهِ أَخْذُهُ لَا بِالثَّمَنِ وَلَا بِغَيْرِهِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَمِثْلُ الشِّرَاءِ هِبَةُ الثَّوْبِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى
[حاشية العدوي]
أُجْرَتِهِ بِقَدْرِ مَا عَطَّلَ [قَوْلُهُ: كَالْخَيَّاطِ وَالْخَرَّازِ] أَيْ مَنْ يَخِيطُ وَيَخْرُزُ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ، وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ تت: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ فِي عَدَمِ السَّهْمِ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ تَبِعَ فِيهِ ابْنَ عُمَرَ.
[قَوْلُهُ: وَفِيمَنْ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْعَقْلِ قَوْلَانِ] قَالَ الْبَاسِطِيُّ ظَاهِرُ عِبَارَاتِ الْمُتَقَدِّمِينَ، أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُ.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ يُسْهَمُ لَهُ، ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَرُبَّمَا كَانَتْ مُقَاتَلَتُهُ أَشَدَّ مِنْ مُقَاتَلَةِ كَثِيرٍ مِنْ عُقَلَاءِ الْكُفَّارِ.
[قَوْلُهُ: وَالزَّمِنُ الَّذِي لَا رَأْيَ لَهُ إلَخْ] أَيْ الْمُقْعَدُ مَثَلًا يُسْهَمُ لَهُ، إذَا كَانَ ذَا رَأْيٍ لَا إنْ لَمْ يَكُنْ ذَا رَأْيٍ هَذَا مَعْنَاهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُ وَلَوْ كَانَ ذَا مَنْفَعَةٍ مِنْ تَدْبِيرٍ وَغَيْرِهِ، وَالْأَعْرَجُ لَا يُسْهَمُ لَهُ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا، وَفِي الزَّرْقَانِيِّ وَيَنْبَغِي جَرْيُهُ فِي الْأَعْمَى أَيْضًا اهـ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْعَدُوِّ إلَخْ] إذَا كَانَ الْمَالُ الْمَذْكُورُ يَمْلِكُهُ بِالْأَمَانِ بِأَنْ كَانَ أَخَذَهُ قَبْلَ دُخُولِهِ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، لَا مَا أَخَذَهُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ دُخُولِهِ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ سَرِقَةً يُنْزَعُ مِنْهُ قَهْرًا، وَمَفْهُومُ أَسْلَمَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ إذْ لَوْ دَخَلَ إلَيْنَا مَعَ بَقَائِهِ عَلَى كُفْرِهِ وَفِي يَدِهِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ لَمْ يُنْزَعْ مِنْهُ، إلَّا مَا سَرَقَهُ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فِي زَمَنِ مُعَاهَدَتِهِ، وَخَرَجَ بِهِ ثُمَّ عَادَ بِهِ، فَإِنَّهُ يُنْزَعُ مِنْهُ، وَمِثْلُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فِي يَدِهِ مَنْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ أَوْ هُودِنَ.
[قَوْلُهُ: مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ] وَأَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَحْرَى كَمَا قَالَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ] أَيْ؛ لِأَنَّهُ قَالَ وَفِي يَدِهِ مِنْ أَمْوَالٍ، وَالْحُرُّ لَيْسَ بِمَالٍ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ] وَعَنْ ابْنِ شَعْبَانَ أَنَّهُ يَطِيبُ لَهُمْ بِمِلْكِهِمْ وَمِثْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، اللُّقَطَةُ وَالْحَبْسُ حَيْثُ ثَبَتَ أَنَّهُ حَبْسٌ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ تَحْبِيسُهُ لِمُسْلِمٍ لَا يَبْطُلُ تَحْبِيسُهُ بِغُنْمِ الْكُفَّارِ لَهُ، وَأَمَّا مَا احْتَمَلَ أَنَّهُ حَبْسٌ فَهَلْ يَمْلِكُهُ أَمْ لَا قَوْلَانِ.
[قَوْلُهُ: فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يَكُونُ رِقًّا] وَعِنْدَ أَشْهَبَ يُرَدُّ إلَى ذِمَّتِهِ، وَالرَّاجِحُ كَلَامُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْعَدُوِّ] ، وَأَمَّا مَا يُفْدَى مِنْ اللُّصُوصِ وَالْغُصَّابِ فَإِنَّ رَبَّهُ يَأْخُذُهُ مَجَّانًا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ، وَالْآخَرُ بِمَا فَدَى بِهِ وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَكَانَ الشَّبِيبِيُّ يُفْتِي بِهِ قَائِلًا إلَّا أَنْ يَكُونَ لِرَبِّهَا قُدْرَةٌ عَلَى الْخَلَاصِ مَجَّانًا، فَلَا شَيْءَ لِلْفَادِي، وَالْقَوْلَانِ إذَا قَصَدَ بِهِ الْفَادِي رَبَّهُ، وَأَمَّا لَوْ افْتَدَاهُ لِنَفْسِهِ وَقَصَدَ بِذَلِكَ تَمَلُّكَهُ، فَلَا يَخْتَلِفُ أَنَّ لِرَبِّهِ أَخْذُهُ مَجَّانًا، فَإِذَا تَنَازَعَ الْفَادِي وَرَبُّ الشَّيْءِ فِي الْأَخْذِ لِلتَّمَلُّكِ، فَالْقَوْلُ لِلْفَادِي كَمَا أَفَادَهُ الْخَرَشِيُّ فِي الْكَبِيرِ [قَوْلُهُ: إلَّا بِالثَّمَنِ] وَهُوَ إمَّا عَيْنٌ أَوْ غَيْرُهُ فَإِنْ كَانَ عَيْنًا أَعْطَاهُ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ عَرَضًا فَقَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ يُعْطِيهِ الْمُسْتَحِقُّ هُنَا قِيمَةَ عَرَضِهِ هُنَاكَ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَإِنْ أَمْكَنَهُ الرُّجُوعُ إلَى بَلَدِ الْحَرْبِ أَعْطَاهُ الْمِثْلَ هُنَاكَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرُّجُوعُ أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ لِتَعَذُّرِ الْمِثْلِ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا كَانَ لَا يَحِلُّ لَهُ تَمَلُّكُهُ] أَيْ أَمَّا إذَا كَانَ الثَّمَنُ لَا يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْمُشْتَرِي الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي ذِمِّيًّا فَلَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ إلَّا بِقِيمَتِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لَوْ قَدِمَ بِهِ الْكَافِرُ بِلَادَ الْإِسْلَامِ] أَيْ بَاعُوهُ بِدَارِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، فَإِنَّهُ يُفَوَّتُ
فَإِنَّ لِرَبِّهِ أَخْذَهُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ مِنْهُمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ (وَمَا وَقَعَ فِي الْمَقَاسِمِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ (فَرَبُّهُ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ) هَذَا إذَا وَجَدَهُ مَعَ مَنْ اشْتَرَاهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، أَمَّا إذَا وَجَدَهُ فِي يَدِ مَنْ أَخَذَهُ فِي سَهْمِهِ أَوْ جَهِلَ الثَّمَنَ، فَلَا يَأْخُذُهُ إلَّا بِالْقِيمَةِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ (وَمَا لَمْ يَقَعْ فِي الْمَقَاسِمِ مِنْهَا فَرَبُّهُ أَحَقُّ بِهِ بِلَا ثَمَنٍ) وَهَذِهِ التَّفْرِقَةُ لِمَالِكٍ وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، لَا يَكُونُ رَبُّهُ أَحَقَّ بِهِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقَسْمِ أَوْ بَعْدَهُ.
(وَلَا نَفَلَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِهَا، وَهُوَ لُغَةً: الزِّيَادَةُ وَشَرْعًا: الزِّيَادَةُ عَلَى السَّهْمِ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ لَا يُعْطَى (إلَّا) لِمَنْ لَهُ سَهْمٌ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلَا يَكُونُ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ (مِنْ الْخُمُسِ عَلَى الِاجْتِهَادِ مِنْ الْإِمَامِ) لِمَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا نَفَلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ
[حاشية العدوي]
عَلَى رَبِّهِ [قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْهِبَةِ لِلَّهِ إلَخْ] يَعْنِي أَنَّ مَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، فَوَهَبَهُ حَرْبِيٌّ سِلْعَةً أَوْ عَبْدًا هَرَبَ لِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ غَارَ عَلَيْهِ الْحَرْبِيُّ فَإِذَا قَدِمَ بِذَلِكَ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَإِنَّ رَبَّهُ الْمُسْلِمَ أَوْ الذِّمِّيَّ يَأْخُذُهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَمَا وُهِبُوهُ بِدَارِنَا قَبْلَ تَأْمِينِهِمْ حُكْمُهُ حُكْمُ مَا وُهِبُوهُ بِدَارِهِمْ، وَأَمَّا مَا وُهِبُوهُ بِدَارِنَا بَعْدَ دُخُولِهِمْ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يُفَوَّتُ عَلَى رَبِّهِ.
[قَوْلُهُ: وَمَا وَقَعَ فِي الْمَقَاسِمِ] أَيْ جَهْلًا بِحَالِهَا احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ قُسِمَ مَعَ مَعْرِفَةِ مَالِكِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْضِي قَسْمُهُ وَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ مَجَّانًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قَسَمَهُ مُتَأَوِّلًا أَوْ مُقَلِّدًا، قَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ إنَّ الْكَافِرَ يَمْلِكُ مَالَ الْمُسْلِمِ فَلَا يَأْخُذُهُ رَبُّهُ إلَّا بِالثَّمَنِ، فَلَوْ وُجِدَ فِي الْغَنِيمَةِ مَالُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، وَلَمْ يُعْرَفْ عَيْنُ صَاحِبِهِ وَلَا نَاحِيَتُهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَسْمُهُ.
[قَوْلُهُ: هَذَا إذَا وَجَدَهُ مَعَ مَنْ اشْتَرَاهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ] أَيْ، وَأَثْبَتَهُ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِالْبَيْعِ لِيَقْسِمَ، فَلَوْ بِيعَ مِرَارًا وَاخْتَلَفَتْ أَثْمَانُهُ لَا يَأْخُذُهُ إلَّا بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ خَاصَّةً الَّذِي بِيعَ بِهِ، وَيُرَادُ بِالْمَقَاسِمِ عَلَى هَذَا الْحَلِّ الْمَغَانِمَ تَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا وَجَدَهُ فِي يَدِ إلَخْ] عَلَى الْقَوْلِ بِقِسْمَةِ الْأَعْيَانِ تَصْدُقُ بِصُوَرٍ بِمَا إذَا قُوِّمَ عَلَيْهِ أَوْ أَخَذَهُ بِلَا تَقْوِيمٍ أَوْ جَهِلَ مَا قُوِّمَ بِهِ، فَفِي الْأُولَى يَأْخُذُهُ بِمَا قُوِّمَ بِهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ، وَفِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ يَأْخُذُهُ رَبُّهُ [قَوْلُهُ: وَمَا لَمْ يَقَعْ فِي الْمَقَاسِمِ] قَصْدُهُ أَنَّ الْمُسْلِمَ أَوْ الذِّمِّيَّ إذَا وَجَدَ أَحَدُهُمَا مَتَاعَهُ فِي الْغَنِيمَةِ قَبْلَ قِسْمَتِهَا، وَشَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ أَوْ عَرَفَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْعَسْكَرِ كَمَا قَالَ الْبَرْقِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، لَا يَقْسِمُ مَا عَرَفَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْعَسْكَرِ فَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا هُوَ سَبَبٌ لِلِاسْتِحْقَاقِ كَالْبَيِّنَةِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَكِنْ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ الْيَمِينَ الشَّرْعِيَّةَ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِنَاقِلٍ شَرْعِيٍّ، وَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ إلَى الْآنَ، فَيَسْتَحِقُّ قَبْضَهُ، وَأَخْذَهُ، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْيَمِينُ يَمِينَ الِاسْتِظْهَارِ، وَهِيَ مُكَمِّلَةٌ لِلْحُكْمِ هَذَا إذَا كَانَ صَاحِبُهُ حَاضِرًا، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا حُمِلَ لَهُ إنْ كَانَ الْحَمْلُ خَيْرًا لَهُ وَيَحْلِفُ أَيْضًا، وَحُمِلَ لَهُ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ لَا يَحْلِفَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَنْ لَهُ حَقٌّ أَنْ يَحْلِفَ، مَعَ أَنَّ الْيَمِينَ اسْتِظْهَارٌ وَهِيَ مُكَمِّلَةٌ لِلْحُكْمِ وَقَدْ قِيلَ فِيهَا: إنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَذَكَرَ عج عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ يَدْفَعُ لَهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ وَعَلَيْهِ كِرَاؤُهُ.
اهـ.
فَإِنْ زَادَ الْكِرَاءُ عَلَى قِيمَتِهِ فَإِنَّهُ يُبَاعُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي بَيْعِهِ أَوْ اسْتَوَتْ مَصْلَحَةُ الْبَيْعِ وَالْإِرْسَالِ فَإِنَّهُ يُبَاعُ لِأَجْلِهِ [قَوْلُهُ: وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ] ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَا نَفَلَ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ] الْحَصْرُ إضَافِيٌّ أَيْ لَا مِنْ الْأَرْبَعَةِ أَخْمَاسَ الْبَاقِيَةِ لِلْمُجَاهِدِينَ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ لَهُ أَنْ يَنْفُلَ مِنْ نَحْوِ الْجِزْيَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
[قَوْلُهُ: وَشَرْعًا الزِّيَادَةُ] النَّفَلُ إمَّا كُلِّيٌّ، وَإِمَّا جُزْئِيٌّ.
فَالْكُلِّيُّ: هُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ.
وَالْجُزْئِيُّ: هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَخُصُّ بِهِ الْإِمَامُ بَعْضَ الْجَيْشِ، كَأَنْ يَقُولَ خُذْ يَا فُلَانُ هَذَا الْبَعِيرَ أَوْ هَذَا الدِّينَارَ مَثَلًا.
[قَوْلُهُ: وَحُكْمُهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ لَا يُعْطَى إلَّا لِمَنْ لَهُ إلَخْ] يَعْنِي أَنَّ النَّفَلَ فِي الشَّرْعِ هُوَ الزِّيَادَةُ مِنْ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ، فَلَا يُعْطِيهِ لِعَبْدٍ وَلَا لِصَبِيٍّ وَلَا لِامْرَأَةٍ وَقَوْلُهُ عَلَى الِاجْتِهَادِ مِنْ الْإِمَامِ أَيْ فَلِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَزِيدَ الْخُمُسَ لِمَنْ شَاءَ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ مَا يَرَى زِيَادَتَهُ، إنْ كَانَ لِمَصْلَحَةٍ كَقُوَّةِ بَطْشِ الْآخِذِ وَشَجَاعَتِهِ، أَوْ يَرَى ضَعْفًا مِنْ الْجَيْشِ فَيُرَغِّبُهُمْ بِذَلِكَ فِي الْقِتَالِ لَا لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ، فَإِنْ اسْتَوَوْا نَفَلَ جَمِيعَهُمْ أَوْ تَرَكَ،
مِنْ الْخُمُسِ» (وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ) النَّفَلُ (قَبْلَ الْقَسْمِ) وَيُرْوَى قَبْلَ الْغَنِيمَةِ وَعَلَى هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِالْوَعْدِ، بِأَنْ يَقُولَ مَثَلًا مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَكَلَامُهُ مُحْتَمِلٌ لِلْمَنْعِ وَالْكَرَاهَةِ وَهُمَا قَوْلَانِ لِمَالِكٍ، وَعَلَى الْمَنْعِ اخْتَلَفَ فَقَالَ سَحْنُونٌ وَابْنُهُ يَنْفُذُ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَنْفُذُ لِضَعْفِ الْخِلَافِ (وَالسَّلَبُ مِنْ) جُمْلَةِ (النَّفَلِ) فَلَا يُعْطِيهِ الْإِمَامُ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِهِ، وَهُوَ مَا يُوجَدُ مَعَ الْقَتِيلِ مِنْ ثِيَابِهِ وَسِلَاحِهِ، وَمَا شَابَهَهَا مِنْ السَّلَبِ الْمُعْتَادِ، دُونَ مَا يَنْفَرِدُ بِلِبَاسِهِ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ سِوَارٍ وَتَاجٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَذَلِكَ الْعَيْنُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَالرِّبَاطُ) لُغَةً الْإِقَامَةُ وَشَرْعًا الْإِقَامَةُ فِي الثُّغُورِ لِحِرَاسَتِهَا.
فَمَنْ سَكَنَ الثُّغُورَ بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ
[حاشية العدوي]
وَلَا يَنْفُلُ بَعْضَهُمْ وَلَا بَأْسَ بِالتَّفْضِيلِ إنْ اخْتَلَفَ فِعْلُهُمْ [قَوْلُهُ: وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ النَّفَلُ قَبْلَ الْقَسْمِ] أَيْ بَلْ بَعْدَ الْقَسْمِ، وَهَذَا هُوَ النَّفَلُ الْجُزْئِيُّ.
[قَوْلُهُ: وَيُرْوَى قَبْلَ الْغَنِيمَةِ] أَيْ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ الْغَنِيمَةِ، فَيُفْهَمُ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَصَوَّرَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْغَنِيمَةِ لَكِنْ لَا يَنْبَغِي، وَقَوْلُهُ بِأَنْ يَقُولَ هَذَا السَّلَبُ الْكُلِّيُّ وَيَكُونَ قَوْلُهُ: قَتَلَ قَتِيلًا أَيْ مَنْ يَقْتُلُ قَتِيلًا [قَوْلُهُ: وَهُمَا قَوْلَانِ لِمَالِكٍ] أَيْ يُنْهَى الْإِمَامُ أَوْ أَمِيرُ الْجَيْشِ نَهْيَ كَرَاهَةٍ أَوْ تَحْرِيمٍ، وَاقْتَصَرَ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ عَلَى الْكَرَاهَةِ، فَيُؤْذِنُ بِقُوَّتِهِ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَدُوِّ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِ نِيَّاتِهِمْ، وَإِلَى فَسَادِهَا؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ رُبَّمَا أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَهَالِكِ؛ لِأَجْلِ الْعَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ فَيَصِيرُ قِتَالُهُ لَا ثَوَابَ فِيهِ، أَمَّا الْجُعْلُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ مِنْ غَيْرِ السَّلَبِ مِنْ السُّلْطَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَكَذَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ مِنْ السَّلَبِ إذْ لَا مَحْذُورَ فِيهِ وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا إلَخْ مَنْ كَانَ قَتَلَ قَتِيلًا.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى الْمَنْعِ إلَخْ] أَيْ، وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ جَوَازِ قَوْلِ الْإِمَامِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، فَإِنْ وَقَعَ مَضَى؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ.
إلَّا أَنْ يَنُصَّ عَلَى إبْطَالِهِ قَبْلَ حَوْزِ الْمَغْنَمِ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ حِينَئِذٍ، وَلَا شَيْءَ لِمَنْ قَتَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ سَلَبِ الْمَقْتُولِ، وَلَهُ سَلَبُ مَنْ قَتَلَهُ قَبْلَ الْإِبْطَالِ، وَلَا يُعْتَبَرُ إبْطَالُهُ بَعْدَ الْمَغْنَمِ بَلْ يَسْتَحِقُّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْأَسْبَابِ مَا رَتَّبَهُ الْإِمَامُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ] ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: الْخِلَافِ] أَيْ لِضَعْفِ قَوْلِ الْمُخَالِفِ الْقَائِلِ بِالْكَرَاهَةِ، هَذَا ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ عَلَيْهِ لَكِنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ الْمُرَادُ لِضَعْفِ الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ الْمَوْجُودِ الَّذِي ذَكَرَهُ بَهْرَامُ فِي وَسَطِهِ بِقَوْلِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا، فَقَوْلُ شَارِحِنَا بِمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَيْ بِالْمَنْعِ وَالْجَوَازِ.
[قَوْلُهُ: وَالسَّلَبُ مِنْ جُمْلَةِ النَّفَلِ] أَيْ فَيَسْتَحِقُّهُ كُلُّ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ، مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ أَوْ تَعَدَّدَ، أَيْ فَالنَّفَلُ شَامِلٌ لِلْكُلِّيِّ وَالْجُزْئِيِّ، وَأَرَادَ بِالسَّلَبِ الْكُلِّيَّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ مُطْلَقِ النَّفَلِ [قَوْلُهُ: فَلَا يُعْطِيهِ إلَخْ] أَيْ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ، أَيْ لَا مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ فَكَذَا السَّلَبُ [قَوْلُهُ: مِنْ السَّلَبِ الْمُعْتَادِ] أَيْ الْمُعْتَادِ وُجُودِهِ مَعَ الْمَقْتُولِ حَالَ الْحَرْبِ، كَفَرَسِهِ وَدِرْعِهِ وَسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ وَمِنْطَقَتِهِ بِمَا فِيهَا مِنْ حِلْيَةٍ وَفَرَسِهِ الْمَرْكُوبِ لَهُ أَوْ الْمَمْسُوكِ بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ غُلَامِهِ لِلْقِتَالِ، لَا إنْ كَانَتْ مُهَيَّأَةً لِلزِّينَةِ كَالْجَنِيبِ فَتَكُونُ غَنِيمَةً، وَذَلِكَ لِلذَّكَرِ الْمُسْلِمِ لَا ذِمِّيٍّ قَتَلَ قَتِيلًا إلَّا إذَا أَجَازَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ سَلَبَهُ، وَيَمْضِي ذَلِكَ وَلَا يُتَعَقَّبُ، وَلَا امْرَأَةٍ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ لَهَا فَيَمْضِي.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] أَيْ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ فِي دُخُولِ مَا ذَكَرَ مِنْ السِّوَارِ وَالتَّاجِ وَالْعَيْنِ.
[قَوْلُهُ: لِحِرَاسَتِهَا] أَيْ حِرَاسَةِ مَنْ بِهَا، وَهُوَ يَشْمَلُ الْمَالَ وَغَيْرَهُ وَالذِّمِّيَّ وَالْمُسْلِمَ، وَحِرَاسَةُ غَيْرِهَا تَتْبَعُ حِرَاسَتَهَا.
[قَوْلُهُ: فَمَنْ سَكَنَ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يَتَفَرَّعُ، لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لِلْحِرَاسَةِ تُجَامِعُ السُّكْنَى بِالْأَهْلِ، وَالْمُرَادُ جِنْسُ الثُّغُورِ.
[قَوْلُهُ: بِأَهْلِهِ إلَخْ] الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى السُّكْنَى بِالْأَهْلِ، وَإِنْ أَبْقَى الْوَلَدَ فِي بَلَدِهِ، وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ، فَهَذَا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ سَكَنَ بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَكَانَ الْبَاعِثُ لَهُ الرِّبَاطُ لَا غَيْرُ، لَا يُسَمَّى مُرَابِطًا وَرَدَّهُ الْبَاجِيُّ قَائِلًا عِنْدِي أَنَّ مَنْ اخْتَارَ اسْتِيطَانَ ثَغْرٍ لِلرِّبَاطِ فَقَطْ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَمْكَنَهُ الْمُقَامُ بِغَيْرِهِ مُرَابِطٌ.
اهـ.
وَارْتَضَاهُ بَعْضُهُمْ
لَيْسَ بِمُرَابِطٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَابِطُ مَنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ مُعْتَقِدًا الرِّبَاطَ وَالثُّغُورُ مَوْضِعُ الْمَخَافَةِ مِنْ فُرُوجِ الْبُلْدَانِ.
وَذَكَرَ فِي بَابِ جُمَلٍ أَنَّهُ وَاجِبٌ يَحْمِلُهُ مَنْ قَامَ بِهِ، وَذَكَرَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا مَنْ نَذَرَهُ، وَتَكَلَّمَ هُنَا عَلَى فَضْلِهِ فَقَالَ (فِيهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ) رُوِيَ بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ، وَالرِّبَاطُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ، رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» . وَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ أَفْضَلُ أَوْ الْجِهَادُ (وَذَلِكَ) الْفَضْلُ الْمَذْكُورُ مُتَفَاوِتٌ (بِقَدْرِ كَثْرَةِ خَوْفِ أَهْلِ ذَلِكَ الثَّغْرِ وَكَثْرَةِ تَحَرُّزِهِمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ) وَقَتْلِهِ، وَالْخَوْفُ وَالتَّحَرُّزُ مُتَلَازِمَانِ فَمَتَى اشْتَدَّ الْخَوْفُ اشْتَدَّ التَّحَرُّزُ.
(وَلَا يُغْزَى بِغَيْرِ إذْنِ الْأَبَوَيْنِ) إذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعِنْدَ سَحْنُونَ مُطْلَقًا، مُسْلِمَيْنِ كَانَا أَوْ كَافِرَيْنِ (إلَّا أَنْ يَفْجَأَ الْعَدُوُّ) أَيْ يَنْزِلُونَ (مَدِينَةَ قَوْمٍ) أَوْ غَيْرَهَا (وَيُغِيرُونَ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ
[حاشية العدوي]
قَائِلًا؟ وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ سُكْنَى الثُّغُورِ [قَوْلُهُ: مُعْتَقِدًا الرِّبَاطَ] أَيْ قَاصِدًا الرِّبَاطَ [قَوْلُهُ: مِنْ فُرُوجِ الْبُلْدَانِ إلَخْ] جَمْعُ فَرْجٍ يُطْلَقُ عَلَى الْعَوْرَةِ وَعَلَى الثَّغْرِ مَوْضِعِ الْخَوْفِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَلَمَّا كَانَ الْفَرْجُ بِمَعْنَى الْعَوْرَةِ يَأْتِي الْخَوْفُ مِنْ جِهَتِهِ لِكَشْفِهِ، فَكَذَلِكَ الْفَرْجُ بِمَعْنَى الثَّغْرُ، يَأْتِي الْخَوْفُ مِنْ جِهَتِهِ، لِكَشْفِهِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ حِرَاسَتِهِ فَأَرَادَ بِالْبُلْدَانِ بِلَادَ الْإِسْلَامِ، وَالثَّغْرُ فَرْجٌ لَهَا بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
[قَوْلُهُ: رُوِيَ بِالْمُثَلَّثَةِ] أَيْ فَالْعِظَمُ كَمِّيَّةً وَقَوْلُهُ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ فَالْعِظَمُ كَيْفِيَّةً وَكُلٌّ مِنْهُمَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ عَظِيمٌ كَمِيَّةً وَكَيْفِيَّةً [قَوْلُهُ: رِبَاطُ] مَصْدَرُ رَابَطَ وَجْهُ الْمُفَاعَلَةِ فِي هَذَا، أَنَّ كُلًّا مِنْ الْكُفَّارِ وَالْمُسْلِمِينَ رَابَطُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى حِمَايَةِ طَرَفِ بِلَادِهِمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ، أَيْ ثَوَابُ رِبَاطِ يَوْمٍ خَيْرٌ مِنْ النَّعِيمِ الْكَائِنِ فِي الدُّنْيَا.
[قَوْلُهُ: وَمَا فِيهَا] الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ وَمَا عَلَيْهَا قَالَ شَارِحُهُ: وَمَا عَلَيْهَا كُلُّهُ لَوْ مَلَكَهُ إنْسَانٌ وَتَنَعَّمَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ نَعِيمٌ زَائِلٌ بِخِلَافِ نَعِيمِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ بَاقٍ وَعَبَّرَ بِعَلَيْهَا دُونَ فِيهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِعْلَاءِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الظَّرْفِيَّةِ وَأَقْوَى، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرِّبَاطَ يَصْدُقُ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ وَكَثِيرًا مَا يُضَافُ السَّبِيلُ إلَى اللَّهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ عَمَلٍ خَالِصٍ يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ كَأَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ، لَكِنَّهُ غَلَبَ إطْلَاقُهُ عَلَى الْجِهَادِ حَتَّى صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِيهِ قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ: وَهُنَاكَ وَجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى خَيْرٌ مِنْ ثَوَابِهَا لَوْ مَلَكَهَا وَتَصَدَّقَ بِهَا وَهَلْ أَرَادَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوْ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
[قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ هَلْ هُوَ إلَخْ] فَقِيلَ هُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقْنَ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَحَقْنُ دِمَائِهِمْ أَفْضَلُ مِنْ سَفْكِ دِمَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَقِيلَ الْجِهَادُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ فِيهِ الرِّبَاطَ، وَزِيَادَةً؛ وَلِأَنَّ فِيهِ سَفْكَ دِمَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَتَأَوَّلَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْوَاقِعِ وَشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى الرِّبَاطِ وَعَدَمِهَا، فَلَا يُقَالُ: إنَّ أَحَدَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْآخِرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَأَفْضَلُ مُدَّتِهِ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ وَيَظْهَرُ لِي فَضْلُ الْجِهَادِ عَلَى الرِّبَاطِ، لَمَزِيَّةِ مَنْ ذَهَبَ لِلْقِتَالِ عَلَى مَنْ مَكَثَ فِي مَحَلِّ الْخَوْفِ، وَأَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ أَحْمَزُهَا أَيْ أَشَقُّهَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُغْزَى إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْإِذْنُ بِاللِّسَانِ وَالْبَاطِنِ فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ بِمُجَرَّدِ إذْنِهِمَا بِاللِّسَانِ، بَلْ حَتَّى يَكُونَ الْقَلْبُ كَذَلِكَ، فَإِذَا أَذِنَا وَهُمَا يَبْكِيَانِ لَا يَكُونُ إذْنًا، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ وَعَدَمِهِ فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ حَتَّى يَتَّفِقَا عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: الْأَبَوَيْنِ] أَيْ لَا الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ.
[قَوْلُهُ: إذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ] أَيْ لَا الْكَافِرَيْنِ لَكِنْ قَيَّدَهُ الْمَوَّاقُ بِمَا إذَا عَلِمَ أَنَّ مَنْعَهُمَا مِنْهُ إنَّمَا هُوَ لِكَرَاهَتِهِمَا إعَانَةَ الْإِسْلَامِ وَنُصْرَتَهُ، وَإِلَّا كَانَا كَالْمُسْلِمِينَ [قَوْلُهُ: وَعِنْدَ سَحْنُونَ] ضَعِيفٌ.
تَنْبِيهٌ: الْعَبْدُ لَا يَغْزُو أَيْضًا إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى وَفَائِهِ الْآنَ، وَإِنْ كَانَ يَحِلُّ فِي غَيْبَتِهِ، وَكُلُّ مَنْ يَقْضِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَفَائِهِ خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ اُنْظُرْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: أَيْ يَنْزِلُونَ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَيْ يَنْزِلُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْعَدُوَّ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَعَلَى الْجَمْعِ.
[قَوْلُهُ: مَدِينَةَ قَوْمٍ] الْمَدِينَةُ الْمِصْرُ الْجَامِعُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَقَوْلُهُ أَوْ غَيْرَهَا أَيْ كَالْقَرْيَةِ.
[قَوْلُهُ: وَيُغِيرُونَ عَلَيْهِمْ] عَطْفٌ مُغَايِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ النُّزُولِ الْإِغَارَةُ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ، وَأَغَارَ عَلَى الْعَدُوِّ هَجَمَ عَلَيْهِمْ دِيَارَهُمْ، وَأَوْقَعَ بِهِمْ اهـ.
فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ يُغِيرُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ
(فَفَرْضٌ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ (دَفْعُهُمْ وَلَا يُسْتَأْذَنُ الْأَبَوَانِ فِي مِثْلِ هَذَا) لَفْظَةُ مِثْلِ زَائِدَةٌ أَيْ لَا يُسْتَأْذَنُ الْأَبَوَانِ فِي هَذَا، وَقِيلَ لَيْسَتْ زَائِدَةً، وَالْمَعْنَى لَا يَسْتَأْذِنُهُمَا فِي هَذَا الْجِهَادِ إذَا تَعَيَّنَ، وَلَا فِي مِثْلِهِ مِنْ فَرَائِضِ الْأَعْيَانِ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَطَلَبِ الْعِلْمِ، فِيمَا يَخُصُّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ فِي مَوْضِعِهِ مَنْ يُعَلِّمُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ طَاعَتُهُمَا فِي تَرْكِ الْمُبَاحَاتِ وَالنَّوَافِلِ، وَأَمَّا الْفَرَائِضُ فَلَا.
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَلَا يُسْتَأْذَنُ الْأَبَوَانِ فِي مِثْلِ هَذَا] أَيْ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ لَهُ أَبٌ، وَمَنْ لَا أَب لَهُ عَبْدًا كَانَ أَوْ حُرًّا مِدْيَانًا أَوْ غَيْرَ مِدْيَانٍ، وَعَلَى هَذَا فَيُسْهَمُ لِلْعَبِيدِ هُنَا؛ لِأَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْجِهَادِ؛ لِأَنَّنَا إنَّمَا مَنَعْنَاهُمْ مِنْ السَّهْمِ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ، وَالْآنَ قَدْ خُوطِبُوا ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ أَنْ يُعِينُوهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَنْ يَلِيهِمْ مَنْ يَقُومُ بِهِمْ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ أَيْضًا حَتَّى يَقُومَ بِذَلِكَ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَمَحِلُّ كَوْنِهِ فَرْضًا عَلَيْهِمْ إذَا كَانُوا مِثْلَيْ عُدَّتِهِمْ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ جَازَ لَهُمْ الْفِرَارُ، إلَّا أَنْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَالْقُيُودُ الْمُتَقَدِّمَةُ تَأْتِي هُنَا، وَلَا يُقَالُ: إنَّ مَا تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ الْكِفَائِيِّ وَهَذَا عَيْنِيٌّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إذَا حَصَلَ الشُّرُوعُ فِي الْقِتَالِ صَارَ عَيْنًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِدَلِيلِ حُرْمَةِ الْفِرَارِ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَعْنَى إلَخْ] أَيْ فَقَوْلُهُ فِي مِثْلِ هَذَا أَيْ فِي هَذَا وَمِثْلِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا فِي مِثْلِهِ مِنْ فَرَائِضِ الْأَعْيَانِ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ سَائِرَ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَمْنَعَاهُ مِنْهَا، وَلَوْ عِلْمًا كِفَائِيًّا فَلَا يَخْرُجُ لَهُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا حَيْثُ كَانَ فِي بَلَدِهِ مَنْ يُفِيدُهُ إيَّاهُ، وَإِلَّا خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا لَهُ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ.
[قَوْلُهُ: فِيمَا يَخُصُّهُ] أَيْ فِي الَّذِي يَخُصُّهُ، أَيْ يَتَعَلَّقُ بِهِ بِالْخُصُوصِ، وَهُوَ الْعَيْنِيُّ [قَوْلُهُ: فِي تَرْكِ الْمُبَاحَاتِ وَالنَّوَافِلِ] أَيْ لَا الْفَرَائِضِ الْمُعَيَّنَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْكِفَائِيَّ مِثْلُ النَّوَافِلِ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْفَرَائِضُ] أَيْ الْعَيْنِيَّةُ.
بَابٌ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُور] (بَابٌ) فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ مِنْ (الْأَيْمَانِ) جَمْعُ يَمِينٍ، وَمَا لَا يَجُوزُ، وَمَا يَلْزَمُ مِنْهَا، وَمَا لَا يَلْزَمُ (وَ) فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ مِنْ (النُّذُورِ) ، وَمَا لَا يَجُوزُ، وَمَا يَلْزَمُ مِنْهَا، وَمَا لَا يَلْزَمُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَالْيَمِينُ بِمَعْنَى الْقَسَمِ وَالْحَلِفِ مُؤَنَّثَةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَهِيَ لُغَةً: مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْيَمِينِ الَّتِي هِيَ الْجَارِحَةُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا حَلَفُوا وَضَعَ أَحَدُهُمْ يَمِينَهُ فِي يَمِينِ صَاحِبِهِ فَسُمِّيَ الْحَلِفُ يَمِينًا، لِذَلِكَ وَاصْطِلَاحًا مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ.
(وَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ) أَيِّ بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ الذَّاتِيَّةِ، كَالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْقِدَمِ وَالْوُجُودِ أَوْ الْمَعْنَوِيَّةِ كَالْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ.
(أَوْ لِيَصْمُتْ) أَيْ
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُور]
[الْأَيْمَانِ وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا]
ِ. [قَوْلُهُ: مِنْ الْأَيْمَانِ] أَيْ مِنْ مُتَعَلِّقِ الْأَيْمَانِ؛ لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ بِهِ مُتَعَلَّقُ الْيَمِينِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَوْ الشَّرْعِيِّ [قَوْلُهُ: وَمَا يَلْزَمُ إلَخْ] عَطْفٌ لَازِمٌ عَلَى مَلْزُومٍ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْجَوَازِ اللُّزُومُ، وَمِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمُ اللُّزُومِ.
[قَوْلُهُ: وَمَا لَا يَلْزَمُ إلَخْ] لَيْسَ نَظِيرُ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النُّذُورِ لَا يَجُوزُ جَوَازًا مُسْتَوَى الطَّرَفَيْنِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَلْزَمُ كَمَا سَيَأْتِي.
[قَوْلُهُ: وَغَيْرُ ذَلِكَ] أَيْ الْجَائِزِ وَغَيْرُ الْجَائِزِ وَاللَّازِمُ، وَغَيْرُهُ فِي الْبَابَيْنِ كَالْكَفَّارَةِ [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْقَسَمِ وَالْحَلِفِ] أَيْ حَالَ كَوْنِهَا بِمَعْنَى الْقَسَمِ وَالْحَلِفِ مُؤَنَّثَةً، وَلَا مَفْهُومَ لَهُ، فَالْيَمِينُ فِي الْحَلِفِ وَالْعُضْوِ مُؤَنَّثَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ تت وَقَالَ تت: وَالْيَمِينُ وَالْحَلِفُ وَالْإِيلَاءُ وَالْقَسَمُ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ، وَالْحَلِفُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِهَا كَمَا أَفَادَهُ بَعْضٌ.
[قَوْلُهُ: مَأْخُوذَةٌ] أَيْ مَدْلُولُ لَفْظِهِ مَنْقُولٌ مِنْ اسْمِ الْيَمِينِ الَّتِي هِيَ الْجَارِحَةُ، أَيْ فَالْيَمِينُ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِلْجَارِحَةِ ثُمَّ نُقِلَ إلَى الْحَلِفِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ لِلْيَمِينِ الْحَلِفُ، وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْجَارِحَةَ لَيْسَتْ مَعْنًى لُغَوِيًّا، وَمُفَادُ الْمِصْبَاحِ أَنَّ الْيَمِينَ حَقِيقَةٌ فِي الْجَارِحَةِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهَا، فَقَالَ الْيَمِينُ الْجَارِحَةُ وَسُمِّيَ الْحَلِفُ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَحَالَفُوا ضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِينَهُ عَلَى يَمِينِ صَاحِبِهِ فَسُمِّيَ الْحَلِفُ يَمِينًا مَجَازًا.
انْتَهَى.
وَرَأَيْتُ التَّعْبِيرَ بِالضَّرْبِ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: فَسُمِّيَ الْحَلِفُ يَمِينًا] أَيْ فَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْمَنْقُولِ عَنْهُ وَالْمَنْقُولِ إلَيْهِ الْمُجَاوَرَةُ فِي الْجُمْلَةِ أَوْ اللُّزُومِ كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَسُمِّيَ الْعُضْوُ يَمِينًا لِوُفُورِ قُوَّتِهِ عَلَى الْيَسَارِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: 45] أَيْ الْقُوَّةِ.
انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: وَاصْطِلَاحًا إلَخْ] ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ لِتَعْرِيفِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَعَرَّفَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ الْيَمِينُ تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ، أَيْ مَا لَمْ يَجِبْ وُقُوعُهُ بِأَنْ أَمْكَنَ عَادَةً كَلَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ أَوْ عَقْلًا كَلَأَشْرَبَنَّ الْبَحْرَ غَدًا أَوْ الْآنَ، وَلَا يُقَالُ هَذِهِ غَمُوسٌ وَهِيَ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْغَمُوسُ لَا تَكُونُ فِي مُسْتَقْبَلٍ، وَكَذَا اللَّغْوُ بَلْ يُكَفِّرُ كُلٌّ إنْ تَعَلَّقَ بِالْمُسْتَقْبَلِ كَذَا فِي الزَّرْقَانِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ كَانَ حَالِفًا] أَيْ مُرِيدًا الْحَلِفَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ بِاسْمِ اللَّهِ] أَيْ لَا بِالنَّبِيِّ وَلَا بِغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مُعَظَّمٌ شَرْعًا أَوْ لَا.
[قَوْلُهُ: أَوْ صِفَتِهِ الذَّاتِيَّةِ كَالْوَحْدَانِيَّةِ] فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْوَحْدَانِيَّةَ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا لَيْسَتْ مِنْ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَكَذَا قَوْلُهُ أَوْ الْمَعْنَوِيَّةِ إلَخْ.
لِأَنَّ الْحَيَاةَ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِي لَا الْمَعْنَوِيَّةِ، وَمِنْ أَفْرَادِ الصِّفَةِ الذَّاتِيَّةِ الْقُرْآنُ وَالْمُصْحَفُ أَوْ كَلِمَةٌ أَوْ آيَةٌ مِنْهُ، وَنَوَى الْمَعْنَى الْقَدِيمَ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ أَوْ نَوَى شَيْئًا وَنَسِيَهُ لَا إنْ أَرَادَ
يَسْكُتْ فَالْحَلِفُ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ الذَّاتِيَّةِ أَوْ الْمَعْنَوِيَّةِ لَا يَكُونُ يَمِينًا شَرْعًا، لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَلَا إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» فَأَمَرَ بِالصَّمْتِ عَمَّا عَدَا الْيَمِينِ بِاَللَّهِ، فَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِتَحْرِيمِ الْيَمِينِ بِغَيْرِ اللَّهِ.
قَالَهُ ابْنُ عَبْدُ السَّلَامِ وَشَهَرَ ك كَرَاهَةَ الْحَلِفِ بِحَقٍّ بِغَيْرِ اللَّهِ مِمَّا لَا يُعَظِّمُ أَهْلُ الْكُفْرِ كَالْمَسْجِدِ وَالرَّسُولِ وَمَكَّةَ.
(وَيُؤَدَّبُ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ) إذَا كَانَ بَالِغًا عَالِمًا مُعْتَادًا
[حاشية العدوي]
اللَّفْظَ الْحَادِثَ فَلَا، وَكَذَا مِنْهَا عِزَّةُ اللَّهِ حَيْثُ أَرَادَ بِهَا قُوَّتَهُ، وَكَذَا إنْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا فِيمَا يَظْهَرُ لَا إنْ أَرَادَ بِالْمَعْنَى الْمَخْلُوقَ فَلَا.
تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ بِاسْمِ اللَّهِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ فِيهِ لِلْبَيَانِ أَيْ هُوَ اسْمُ اللَّهِ، كَأَنْ تَقُولَ بِاَللَّهِ أَوْ اللَّهِ بِحَذْفِ حَرْفِ الْقَسَمِ، وَهَا لِلَّهِ بِحَذْفِ حَرْفِ الْقَسَمِ، وَإِقَامَةِ هَا التَّنْبِيهِ مَقَامَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلِاسْتِغْرَاقِ أَيْ بِكُلِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْخَالِقُ وَالرَّازِقُ وَالْعَزِيزُ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيُجْعَلُ الْخَالِقُ وَالرَّزَّاقُ دَاخِلًا فِي صِفَتِهِ بِضَرْبٍ مِنْ التَّسَمُّحِ، وَالْأَوْلَى تَرْكُ التَّقْيِيدِ بِالذَّاتِيَّةِ؛ لِأَجْلِ أَنْ يَشْمَلَ الصِّفَةَ النَّفْسِيَّةَ، كَالْوُجُودِ بِخِلَافِ الِاسْمِ الدَّالِّ عَلَيْهَا كَالْمَوْجُودِ، أَيْ فَلَا يَدْخُلُ فِي الصِّفَةِ، وَإِنْ كَانَ يَدْخُلُ فِي الْأَسْمَاءِ فِيمَا يَظْهَرُ حَيْثُ أَرَادَ بِهِ الْمَوْجُودَ حَقِيقَةً، وَيَشْمَلُ الصِّفَاتِ الْجَامِعَةِ كَالْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ وَيَشْمَلُ الْوَحْدَانِيَّةَ، وَالْقِدَمَ مِنْ صِفَاتِ السَّلْبِ، وَانْظُرْ هَلْ يَشْمَلُ بَقِيَّةَ صِفَاتِ السَّلْبِ أَمْ لَا.
كَمَا قَالَ عج قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ بَقِيَّةَ صِفَاتِ السَّلْبِ كَذَلِكَ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ الْمَعْنَوِيَّةِ تَصْرِيحٌ بِانْعِقَادِ الْيَمِينِ بِهَا، وَإِنْ كَانَ فِي التَّمْثِيلِ شَيْءٌ كَمَا قَرَّرْنَا، وَبَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ نَظَرَ فِيهَا قُلْت وَالظَّاهِرُ الِانْعِقَادُ بِهَا وَلَا تَدْخُلُ صِفَاتُ الْأَفْعَالِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ لِيَصْمُتْ] أَيْ لَا يَحْلِفْ لَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الصَّمْتُ إذَا لَمْ يَحْلِفْ بِاَللَّهِ، وَالتَّخْيِيرُ فِي حَقِّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَيَحْلِفُ لِيَبْرَأَ أَوْ يَتْرُكُ وَيَغْرَمُ.
[قَوْلُهُ: فَالْحَلِفُ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ الذَّاتِيَّةِ] دَخَلَ فِي الْغَيْرِ صِفَاتُ الْأَفْعَالِ وَعِبَارَتُهُ، وَإِنْ شَمِلَتْ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةَ إلَّا أَنَّهَا تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: أَلَا إلَخْ] أَدَاةُ اسْتِفْتَاحٍ يُفْتَتَحُ بِهَا الْكَلَامُ.
[قَوْلُهُ: يَنْهَاكُمْ] أَيْ نَهْيَ تَحْرِيمٍ [قَوْلُهُ: فَأَمَرَ بِالصَّمْتِ إلَخْ] أَيْ فَاللَّامُ لَامُ الْأَمْرِ [قَوْلُهُ: فَظَاهِرُهُ إلَخْ] الْأَحْسَنُ وَظَاهِرُهُ بِالْوَاوِ وَقَوْلُهُ: وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ إلَخْ.
فَإِنْ قُلْت هَلَّا أَخَذَ التَّحْرِيمَ مِنْ قَوْلِهِ يَنْهَاكُمْ قُلْت إنَّمَا عَدَلَ عَنْهُ لِقُصُورِهِ عَلَى الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ فَلَا يَشْمَلُ الْحَلِفَ بِغَيْرِهِمْ مِمَّا لَمْ يَكُنْ اسْمًا لِلَّهِ، وَلَا صِفَةً لَهُ، وَالْتَفَتَ الْقُرْطُبِيُّ إلَى النَّهْيِ فَقَالَ: إنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْظِيمَ غَيْرِ اللَّهِ بِمِثْلِ مَا يُعَظَّمُ بِهِ اللَّهُ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ، وَهَذَا جَارٍ فِي كُلِّ مَحْلُوفٍ بِهِ غَيْرِهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْآبَاءَ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الَّذِي أَثَارَ الْحَدِيثَ حِينَ سَمِعَ عُمَرَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ.
اهـ.
الْمُرَادُ مِنْهُ [قَوْلُهُ: وَشَهَرَ ك] ضَعِيفٌ إذْ الرَّاجِحُ الْحُرْمَةُ وَمَحِلُّ الْخِلَافِ، إذَا كَانَ الْحَالِفُ صَادِقًا، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَيَحْرُمُ قَطْعًا، بَلْ رُبَّمَا كَانَ بِالنَّبِيِّ كُفْرًا لِأَنَّهُ اسْتِهْزَاءٌ بِهِ كَذَا فِي كَبِيرِ الْخَرَشِيِّ.
[قَوْلُهُ: بِحَقٍّ] الْأَوْلَى حَذْفُ بِحَقٍّ وَيَقُولُ كَرَاهَةُ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا إذَا قَالَ وَالْمَسْجِدِ أَوْ وَحَقِّ الْمَسْجِدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: مِمَّا لَا يُعَظَّمُ إلَخْ] أَيْ، وَأَمَّا الْحَلِفُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَحَرَامٌ، وَإِنْ اعْتَقَدَ تَعْظِيمَ هَذِهِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ حَلِفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَنَحْوِهِمَا مِمَّا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَتَّى الْأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ، كَالْمَسِيحِ وَالْعُزَيْرِ وَقَصَدَ بِالْقَسَمِ بِهَا تَعْظِيمَهَا مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا مَعْبُودَاتٍ فَهُوَ كَافِرٌ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ تَعْظِيمَهَا فَحَرَامٌ اتِّفَاقًا فِي الْأَصْنَامِ، وَعَلَى خِلَافٍ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَكُلِّ مُعَظَّمٍ شَرْعًا.
لِلْحَلِفِ بِذَلِكَ وَيَكُونُ ذَلِكَ جُرْحَةً فِي شَهَادَتِهِ وَالْأَدَبُ بِذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْيَمِينَ بِذَلِكَ حَرَامٌ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ فَلَا يُؤَدَّبُ؛ لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ جَائِزٌ شَرْعًا، وَالْجَائِزُ لَا يُؤَدَّبُ عَلَيْهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ حَنِثَ أَوْ لَمْ يَحْنَثْ، وَالْأَدَبُ عِنْدَ مَالِكٍ غَيْرُ مَحْدُودٍ بَلْ عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ، وَقَيَّدْنَا بِالْبَالِغِ احْتِرَازًا مِنْ الصَّبِيِّ، وَبِالْعَالِمِ احْتِرَازًا مِنْ الْجَاهِلِ، وَبِالْمُعْتَادِ احْتِرَازًا مِمَّنْ وَقَعَتْ مِنْهُ فَلْتَةٌ، فَإِنَّهُ لَا أَدَبَ عَلَيْهِمْ فِي الْحَلِفِ بِذَلِكَ (وَ) مَعَ تَأْدِيبِ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ (يَلْزَمُهُ) مَا حَلَفَ بِهِ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ إذَا أَيْقَنَ بِالْحِنْثِ (وَلَا) تَنْفَعُ (ثُنْيَا) أَيْ اسْتِثْنَاءٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْحَالِفُ بَعْدَ تَلَفُّظِهِ بِالْمَحْلُوفِ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ.
(وَ) كَذَلِكَ (لَا) تَنْفَعُ (كَفَّارَةٌ) كَمَا لَا تَنْفَعُ ثُنْيَا، وَمَعْنَى عَدَمِ نَفْعِهِمَا أَنَّهُمَا لَا يُفِيدَانِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَيْمَانِ (إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) أَيْ بِهَذَا الِاسْمِ الْعَظِيمِ (أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ) غَيْرِ هَذَا الِاسْمِ كَالْعَزِيزِ وَالْبَارِي (وَصِفَاتِهِ) أَيْ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ الثَّمَانِيَةِ: الْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْكَلَامِ وَالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ وَالْحَيَاةِ وَالْبَقَاءِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالذَّاتِيَّةِ احْتِرَازًا مِنْ الْفِعْلِيَّةِ كَالرِّزْقِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْلَفُ بِهَا أَصْلًا.
[حاشية العدوي]
تَنْبِيهٌ: قَالَ التَّادَلِيُّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ مُبَاحَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ أَقَلُّ مَرَاتِبِ الْإِبَاحَةِ ك. قُلْت بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَرْجُوحٌ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ قُلْت وَالْأَوَّلُ، هُوَ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِ الصَّحِيحُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُبَاحٌ مَا لَمْ يَعْرِضْ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ، كَالْيَمِينِ عَلَى إنْقَاذِ مُسْلِمٍ مِنْ يَدِ ظَالِمٍ فَإِنَّهَا تَجِبُ، أَوْ عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ أَوْ تُكْرَهُ.
[قَوْلُهُ: مُعْتَادًا] وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا يَجْرِي فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ أَوْ صِفَاتِهِ، كَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ فَيُؤَدَّبُ مَنْ اعْتَادَ الْحَلِفَ بِهِ، عَلَى الْقَوْلِ بِحُرْمَتِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ كَانَ مُتَزَوِّجًا وَعِنْدَهُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ أَمْ لَا، وَهُوَ وَاضِحٌ.
قَالَ الشَّاذِلِيُّ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يَعْتَادُوا، وَهَذَا الْحُكْمُ عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِتْقِ، وَأَمَّا الطَّلَاقُ فَخَصَّهُ ابْنُ عُمَرَ بِالرِّجَالِ فَقَطْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ النِّسَاءُ فِي الطَّلَاقِ كَذَلِكَ، لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ؛ وَلِأَنَّهَا شُبِّهَتْ بِالرِّجَالِ عج.
[قَوْلُهُ: وَالْأَدَبُ بِذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْيَمِينَ بِذَلِكَ حَرَامٌ إلَخْ] حَاصِلُ ذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ، أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ لِكَوْنِ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ أَوْ التَّعْلِيقِ بِهِمَا مِنْ أَفْرَادِ غَيْرِ الْحَلْفِ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ بِالْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ الَّذِي هُوَ اعْتِمَادُ ك. [قَوْلُهُ: بَلْ عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ] قَالَ تت: وَالْأَدَبُ عِنْدَ مَالِكٍ غَيْرُ مَحْدُودٍ.
مَرْجِعُهُ لِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ مِنْ ضَرْبٍ أَوْ شَتْمٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ.
انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ بَلْ عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ فَقَدْ يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ وَلَا يَبْلُغُ انْتَهَى.
وَتَعْبِيرُهُ بِقَوْلِهِ عِنْدَ مَالِكٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ عِنْدَ غَيْرِهِ مَحْدُودٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالْأَدَبُ الضَّرْبُ ثَلَاثَةَ أَسْوَاطٍ فَمَا دُونَ، وَلَا يُضْرَبُ أَحَدٌ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ.
[قَوْلُهُ: فَلْتَةً] أَيْ مَرَّةً وَاحِدَةً كَمَا فِي تت قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: إذَا أَيْقَنَ بِالْحِنْثِ] مَفْهُومُهُ لَوْ شَكَّ فِي الْحِنْثِ أَوْ تَوَهَّمَهُ أَوْ ظَنَّهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَفِيهِ شَيْءٌ.
فَإِنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا ثُمَّ شَكَّ هَلْ كَلَّمَهُ أَمْ لَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ بِالْعِتْقِ أَنْ لَا يَفْعَلَ وَشَكَّ فِي الْفِعْلِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَمَفْهُومُ مَا حَلَفَ بِهِ أَنَّهُ إذَا شَكَّ هَلْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ لَمْ يَقُلْ أَوْ شَكَّ هَلْ حَلَفَ وَحَنِثَ أَوْ لَمْ يَحْلِفْ وَلَمْ يَحْنَثْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ شَكَّ هَلْ أَعْتَقَ أَمْ لَا فَإِنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْحُرِّيَّةِ.
وَأَمَّا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ طَلَّقَ فَهُوَ كَمَنْ تَيَقَّنَ ذَلِكَ وَظَنُّ الْعِتْقِ أَوْلَى.
[قَوْلُهُ: إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ] أَيْ وَالنَّذْرُ الْمُبْهَمُ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَذَا سَائِرُ مَا فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ كَحَلِفِهِ بِالْكَفَّارَةِ، وَيُمْكِنُ دُخُولُ هَذَا فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا مِنْ صِفَاتِهِ.
[قَوْلُهُ: وَالْبَقَاءُ] فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ صِفَةُ سَلْبٍ عَلَى الصَّحِيحِ لَا صِفَةُ مَعْنًى.
[قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِنْ الْفِعْلِيَّةِ] أَيْ فَقَطْ فَلَا يُنَافِي أَنَّ السَّلْبِيَّةَ وَالْمَعْنَوِيَّةَ كَالْمَعَانِي [قَوْلُهُ: كَالرَّزْقِ] بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ بِالرِّزْقِ، وَالْإِحْيَاءُ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ بِالْحَيَاةِ، وَالْإِمَاتَةُ تَعَلُّقُ
تَنْبِيهَانِ.
الْأَوَّلُ: إطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ، مَجَازٌ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الثُّنْيَا لَا تَنْفَعُ فِي الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَفِيهِ تَفْصِيلٌ ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَصْلِ وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْمَشِيئَةِ لَا يَنْفَعُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَيْمَانِ، إلَّا فِي الْيَمِينِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ.
(وَمَنْ اسْتَثْنَى فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ أَحَدُهَا (إذَا قَصَدَ الِاسْتِثْنَاءَ) أَيْ قَصَدَ حَلَّ الْيَمِينِ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، مِثْلُ أَنْ يُعَوِّدَ لِسَانَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ تَكَلَّمَ بِهِ تَبَرُّكًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: 23] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 24] فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ فِي حَلِّ الْيَمِينِ (وَ) ثَانِيهَا إذَا (قَالَ) أَيْ تَلَفَّظَ بِ (إنْ شَاءَ اللَّهُ) فَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ وَحْدَهَا وَلَا يُشْتَرَطُ فِي النُّطْقِ الْجَهْرُ، بَلْ لَوْ كَانَ سِرًّا بِحَرَكَةِ لِسَانِهِ كَفَى (وَ) ثَالِثُهَا إنْ (وَصَلَهَا) أَيْ إنْ شَاءَ اللَّهُ (بِيَمِينِهِ قَبْلَ أَنْ يَصْمُتَ) أَيْ يَسْكُتَ مَا لَمْ يَضْطَرَّ لِتَنَفُّسٍ أَوْ سُعَالٍ فَإِنْ اضْطَرَّ لَمْ يَضُرَّ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الِاسْتِثْنَاءَ أَوْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ أَوْ لَمْ يَصِلْهُ بِيَمِينِهِ (لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ) الِاسْتِثْنَاءُ.
(وَالْأَيْمَانُ بِ) اسْمِ (اللَّهِ أَرْبَعَةٌ) وَفِي نُسْخَةٍ أَرْبَعٌ (فَيَمِينَانِ تُكَفَّرَانِ وَهُوَ) أَيْ مَا يُكَفَّرُ يَمِينَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً عَلَى بِرٍّ وَحَقِيقَتُهَا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ بِأَثَرِ حَلِفِهِ مُوَافِقًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ مِثْلَ (أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ إنْ فَعَلْت كَذَا) أَوْ لَا أَفْعَلُ كَذَا ثُمَّ يَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ
[حاشية العدوي]
الْقُدْرَةِ بِالْمَوْتِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يُحْلَفُ بِهَا أَصْلًا] أَيْ لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهَا وَلَا يَنْعَقِدُ بِهَا يَمِينٌ [قَوْلُهُ: إطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ مَجَازٌ] قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ الِاسْتِثْنَاءُ مَأْخُوذٌ مِنْ الثَّنْيِ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ رَجَعَ إلَى كَلَامِهِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ فَأَخْرَجَ بَعْضَهُ كَمَا يَرْجِعُ نِصْفُ الثَّوْبِ عَلَى نِصْفِهِ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْإِخْرَاجِ بِإِلَّا، وَأَخَوَاتِهَا، ثُمَّ أَطْلَقَ عَلَى قَوْلِنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ وَمَشْرُوطٌ، وَالشَّرْطُ لَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ، وَالْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشَّرْطَ مُخْرِجٌ مِنْ الْمَشْرُوطِ أَحْوَالَ عَدَمِ الْمَشْرُوطِ، فَالشَّرْطُ مُخْرِجٌ لِبَعْضِ الْأَحْوَالِ وَالِاسْتِثْنَاءُ لِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ كَذَا فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: تَفْصِيلٌ إلَخْ] التَّفْصِيلُ إنْ أَعَادَ الْمَشِيئَةَ عَلَى الْمُعَلِّقِ وَالْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى الْمُعَلِّقِ فَقَطْ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ، فَفِي الثَّلَاثِ صُوَرٍ لَا يَنْفَعُ، وَأَمَّا إنْ أَعَادَ الْمَشِيئَةَ عَلَى الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فَقَطْ، وَهُوَ دُخُولُ الدَّارِ مَثَلًا فَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ إنْ رَدَّهُ لِلْفِعْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ وَلَوْ رَدَّهُ لِلْفِعْلِ، وَأَنَّهُ مَتَى دَخَلَ الدَّارَ وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
[قَوْلُهُ: إذَا قَصَدَ الِاسْتِثْنَاءَ] لَا فَرْقَ فِي الْقَصْدِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْحَلِفِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ أَوْ بَعْدَ تَمَامِهِ، فَإِنَّهُ يَنْفَعُهُ كَمَا شَهَرَهُ تت [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِثْلَ أَنْ يُعَوَّدَ إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا نَطَقَ بِهِ سَهْوًا.
[قَوْلُهُ: بَلْ لَوْ كَانَ سِرًّا بِحَرَكَةِ لِسَانِهِ] هَذَا فِي غَيْرِ الْمُسْتَحْلِفِ، فَمَا كَانَ مِنْ الْأَيْمَانِ وَثِيقَةً فِي حَقٍّ أَوْ شَرْطًا فِي نِكَاحٍ أَوْ عَقْدَ بَيْعٍ أَوْ مَا يَسْتَحْلِفُهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ، لَا يُجْزِئُهُ حَرَكَةُ اللِّسَانِ حَتَّى يُظْهِرَهُ وَيُسْمَعَ مِنْهُ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ.
[قَوْلُهُ: إنْ وَصَلَهَا بِيَمِينِهِ] ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُوصِلْهَا بِيَمِينِهِ بَلْ أَوْصَلَهَا بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ إنْ دَخَلْت إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُفِيدُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ اتِّصَالُهُ بِالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ حَيْثُ تَعَلَّقَ الِاسْتِثْنَاءُ بِهِ كَمَا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا لَوْ تَعَلَّقَ بِالْمُقْسِمِ مِنْهُ أَيْ بِعَدَدِهِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ، فَهَلْ لَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِهِ بِالْمُقْسَمِ بِهِ أَوْ يَكْتَفِي بِاتِّصَالِهِ بِالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ خِلَافٌ، وَلَا يَكُونُ هَذَا إلَّا بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِيَمِينِهِ خُصُوصَ الْمُقْسَمِ بِهِ بَلْ أَرَادَ بِهِ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُتَعَلِّقُ يَمِينِهِ تَجَوَّزَ فِي إطْلَاقِ اسْمِهِ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: لِتَنَفُّسٍ أَوْ سُعَالٍ] أَيْ أَوْ عُطَاسٍ أَوْ تَثَاؤُبٍ.
قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ وَتَكَرَّرَتْ قَالَ تت: وَمِثْلُهَا الْجُشَاءُ وَالْإِغْمَاءُ وَالْجُنُونُ وَالْإِكْرَاهُ، كَذَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ.
انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ عج.
قَوْلُهُ: مُوَافِقًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ] أَيْ الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ الْيَمِينِ.
[قَوْلُهُ: إنْ لَمْ
عَلَيْهِ، وَالْأُخْرَى أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً عَلَى حِنْثٍ.
وَحَقِيقَتُهَا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ بِأَثَرِ حَلِفِهِ مُخَالِفًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا (أَوْ يَحْلِفَ لِيَفْعَلُنَّ كَذَا) ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْحِنْثِ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا لَمْ يُؤَجِّلْ، أَمَّا إنْ أَجَلَّ فَإِنَّهُ عَلَى بِرٍّ إلَى الْأَجَلِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا قَبْلَ شَهْرٍ فَإِنَّهُ عَلَى بِرٍّ إلَى الْأَجَلِ، وَإِنْ وَلِيَ صِيغَةَ الْحِنْثِ حَرْفُ شَرْطٍ كَقَوْلِك: وَاَللَّهِ إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ لَا أُقِيمُ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ، وَفِي صِيغَةِ الْبِرِّ حَرْفُ نَفْيٍ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ جَزَاءٌ نَحْوُ: وَاَللَّهِ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا مَعْنَاهُ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا؛ لِأَنَّ كَلَّمَ هُنَا، وَإِنْ كَانَ مَاضِيًا فَمَعْنَاهُ الِاسْتِقْبَالُ إذْ الْكَفَّارَةُ لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمُسْتَقْبَلِ، وَإِنْ كَانَ ثَمَّ جَزَاءٍ فَهِيَ مَعَ الْجَزَاءِ شَرْطٌ، كَقَوْلِك وَاَللَّهِ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا لَأُعْطِيَنَّك مِائَةً.
(وَيَمِينَانِ لَا تُكَفَّرَانِ إحْدَاهُمَا لَغْوُ الْيَمِينِ وَهُوَ) أَيْ لَغْوُ الْيَمِينِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي تَفْسِيرِهِ (أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ) بِمَعْنَى يَتَيَقَّنُهُ (كَذَلِكَ فِي يَقِينِهِ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ خِلَافُهُ) وَقَوْلُهُ (فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) تَكْرَارٌ ذَكَرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (وَلَا إثْمَ) ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إثْمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا لَغْوَ إلَّا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ أَوْ نَذْرٍ وَلَا مَخْرَجَ لَهُ، (وَالْأُخْرَى) الْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَفَسَّرَهَا بِأَنَّهَا (الْحَلِفُ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ) مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَقِيَ فُلَانًا بِالْأَمْسِ وَهُوَ لَمْ يَلْقَهُ (أَوْ شَاكًّا) قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَقِيَهُ وَهُوَ شَاكٌّ هَلْ لَقِيَهُ أَمْ لَا، وَمِثْلُ الشَّكِّ الظَّنُّ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ (فَهُوَ) أَيْ الْحَالِفُ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ أَوْ شَاكًّا فَهُوَ (آثِمٌ) ، وَإِنْ وَافَقَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
(وَلَا يُكَفِّرُ ذَلِكَ) الْحَلِفُ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ أَوْ شَاكًّا (الْكَفَّارَةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى
[حاشية العدوي]
أَفْعَلْ كَذَا قَبْلَ شَهْرٍ] بِأَنْ جَعَلَ الشَّهْرَ ظَرْفًا لِلْفِعْلِ أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْهُ بَعْدَ شَهْرٍ بِأَنْ جَعَلَ وُقُوعَ الْفِعْلِ بَعْدَهُ، وَتَتَّفِقُ الصُّورَتَانِ عَلَى جَوَازِ وَطْءِ الْمَحْلُوفِ بِهَا فِي حَلِفِهِ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ فِي الْأَجَلِ الَّذِي جَعَلَهُ ظَرْفًا، أَوْ جَعَلَ حُصُولَ الْفِعْلِ بَعْدَهُ، وَيَخْتَلِفَانِ فِي أَنَّهُ إنْ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فِي الْأُولَى يَبَرُّ بِهِ، وَإِذَا مَضَى وَلَمْ يَفْعَلْهُ حَنِثَ وَلَا يَبَرُّ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي قَبْلَ وُجُودِ زَمَنِهِ الْمُعَلَّقِ فِعْلُهُ عَلَى وُجُودِهِ، وَإِذَا مَضَى مُنِعَ مِنْ وَطْءِ الْمَحْلُوفِ بِطَلَاقِهَا أَوْ عِتْقِهَا.
[قَوْلُهُ: وَفِي صِيغَةِ الْبِرِّ حَرْفُ نَفْيٍ إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ حَرْفَ نَفْيٍ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ وَتَكُونُ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ حَرْفَ نَفْيٍ أَيْضًا، وَاَللَّهِ إنْ لَمْ أَدْخُلْ الدَّارَ وَجَوَابُ الشَّرْطِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فِي قَوْلِهِ وَاَللَّهِ إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ، وَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا مَحْذُوفٌ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ ابْنِ مَالِكٍ:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ ... وَقَسَمٍ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ
إلَخْ فَلَا يُقَالُ: إنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ جَوَابَ الشَّرْطِ [قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ ثَمَّ جَزَاءٌ إلَخْ] وَالْحَاصِلُ أَنَّ إنْ نَافِيَةٌ فِي صِيغَتَيْ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ إنْ لَمْ يُذْكَرْ لَهَا جَوَابٌ وَمَعْنَاهَا فِي الْحِنْثِ حِينَئِذٍ لَأَفْعَلَنَّ؛ لِأَنَّهَا نَافِيَةٌ، وَنَفْيُ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فَإِنْ ذُكِرَ لَهَا جَوَابٌ فَشَرْطِيَّةٌ فِيهِمَا.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ فِي تَفْسِيرِهِ] وَمُقَابَلَةُ مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ تَفْسِيرِ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي إسْمَاعِيلِ وَالْأَبْهَرِيِّ، بِأَنَّهُ مَا سَبَقَ إلَيْهِ اللِّسَانُ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ كَقَوْلِ الرَّجُلِ كَلًّا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ مِنْ كَلًّا [قَوْلُهُ: بِمَعْنًى يَتَيَقَّنُهُ] هَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: أَنَّ قَوْلَهُ يَظُنُّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الظَّنِّ لَغْوٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مِنْ أَقْسَامِ الْغَمُوسِ أَفَادَهُ الْحَطَّابُ وَالْمُرَادُ بِالتَّيَقُّنِ الِاعْتِقَادُ لَا الْجَزْمُ الْمُطَابِقُ لِدَلِيلِ لِقَوْلِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ.
[قَوْلُهُ: فِي يَقِينِهِ] أَيْ مَوْضِعِ يَقِينِهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ الْمَوْضِعَ نَفْسَهُ مَجَازًا، وَالْمَعْنَى يَعْتَقِدُهُ فِي عَقْلِهِ مُمَاثِلًا لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَالْمُشَارُ لَهُ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَمِثْلُ الِاعْتِقَادِ الظَّنُّ الْقَوِيُّ لَا إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ قَوِيٍّ فَغَمُوسٌ وَأَوْلَى بِالشَّكِّ.
[قَوْلُهُ: أَوْ نَذْرٍ لَا مَخْرَجَ لَهُ] أَيْ النَّذْرِ الْمُبْهَمِ كَقَوْلِهِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ نَذْرٌ، وَلَا يُفِيدُ اللَّغْوُ فِي نَحْوِ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ نَذْرٍ غَيْرِ مُبْهَمٍ [قَوْلُهُ: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ] ؛ لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي النَّارِ، وَقِيلَ فِي الْإِثْمِ وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا حَاصِلٌ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
[قَوْلُهُ: الظَّنُّ] أَيْ غَيْرُ الْقَوِيِّ أَيْ ظَنَّ أَنَّهُ لَقِيَهُ [قَوْلُهُ: وَإِنْ وَافَقَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ] خَبَرُ قَوْلِهِ ظَاهِرٌ أَيْ فَهُوَ أَعَمُّ مُطْلَقًا وَافَقَ أَمْ لَا عَلَى الرَّاجِحِ، وَمَحِلُّ الْإِثْمِ مَا لَمْ يَقُلْ فِي ظَنِّيِّ
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: 77] الْآيَةَ.
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ» (وَ) إذَا كَانَتْ الْكَفَّارَةُ لَا تُكَفِّرُ الْيَمِينَ فَ (لِيَتُبْ مِنْ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْكَبَائِرِ وَيَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ عِتْقٍ وَصَدَقَةٍ وَصِيَامٍ، وَلَمَّا تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرُ الْكَفَّارَةِ كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ، وَمَا هِيَ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ.
(وَالْكَفَّارَةُ) فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى تَتَنَوَّعُ إلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ: ثَلَاثَةٌ عَلَى التَّخْيِيرِ وَهِيَ الْإِطْعَامُ وَالْكِسْوَةُ وَالْعِتْقُ، وَوَاحِدٌ مُرَتَّبٌ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ الصَّوْمُ، وَأَفْضَلُهَا الْإِطْعَامُ وَلِذَا بَدَأَ بِهِ فَقَالَ.
(إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْأَحْرَارِ مُدًّا لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْإِطْعَامَ لَهُ شُرُوطٌ خَمْسَةٌ الْعَدَدُ مُعْتَبَرٌ مِنْ قَوْلِهِ عَشَرَةِ، فَلَا يُجْزِئُ إعْطَاؤُهُ لِأَكْثَرَ وَلَا لِأَقَلَّ وَلَا لِوَاحِدٍ مِرَارًا فَإِذَا أَعْطَى خَمْسَةً مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ بَنَى عَلَى خَمْسَةٍ، وَإِنْ أَطْعَمَ عِشْرِينَ نِصْفَ مُدٍّ نِصْفَ مُدٍّ لَمْ يُجْزِهِ.
ثَانِيهَا أَنْ يَكُونُوا مَسَاكِينَ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ دَفَعَهَا إلَى أَغْنِيَاءٍ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ دَفَعَهَا لِفُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: الْكَفَّارَةُ] أَيْ فَلَا كَفَّارَةَ فِي الْغَمُوسِ إنْ تَعَلَّقَتْ بِمَاضٍ، وَأَمَّا إنْ تَعَلَّقَتْ بِالْحَالِ أَوْ الِاسْتِقْبَالِ كُفِّرَتْ، وَاللَّغْوُ كَذَلِكَ إنْ تَعَلَّقَتْ بِمُسْتَقْبَلٍ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِمَاضٍ أَوْ حَالٍ لَمْ تُكَفَّرْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْغَمُوسَ وَاللَّغْوَ لَا كَفَّارَةَ فِيهِمَا إنْ تَعَلَّقَتَا بِمَاضٍ اتِّفَاقًا، وَفِيهِمَا الْكَفَّارَةُ إنْ تَعَلَّقَتَا بِمُسْتَقْبَلٍ اتِّفَاقًا فَإِنْ تَعَلَّقَتَا بِحَالٍ كُفِّرَتْ الْغَمُوسُ دُونَ اللَّغْوِ قَالَ عج:
كَفِّرْ غَمُوسًا بِلَا مَاضٍ تَكُونُ كَذَا ... لَغْوٌ بِمُسْتَقْبَلٍ لَا غَيْرُ فَامْتَثِلَا
[قَوْلُهُ: يَشْتَرُونَ] أَيْ يَسْتَبْدِلُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ أَيْ بِمَا عَاهَدُوهُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِيمَانِ بِالرَّسُولِ الْمُصَدِّقِ لِمَا مَعَهُمْ، وَأَيْمَانُهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ وَاَللَّهِ لَنُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَنَنْصُرَنَّهُ ثَمَنًا قَلِيلًا مَتَاعَ الدُّنْيَا لَا خَلَاقَ وَلَا نَصِيبَ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ نَظْرَةَ رَحْمَةٍ وَلَا يُزَكِّيهِمْ، أَيْ يُثْنِي عَلَيْهِمْ فَالشَّاهِدُ فِي قَوْلِهِ، وَأَيْمَانِهِمْ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَيْمَانُ فِي الْآيَةِ مُتَعَلِّقُهَا خَاصٌّ.
[قَوْلُهُ: مَنْ اقْتَطَعَ] أَيْ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ مُتَمَلِّكًا.
[قَوْلُهُ: حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ] مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ، لِذَلِكَ إذَا مَاتَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ أَنَّهُ يُحْرَمُ الدُّخُولَ مَعَ الْفَائِزِينَ أَوَّلًا قَالَهُ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ.
[قَوْلُهُ: وَيَتَقَرَّبُ] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: وَصَدَقَةٍ] أَيْ وَصَدَقَةٍ أَوْ صِيَامٍ وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ بَأْسٌ.
[الْكَفَّارَة فِي الْيَمِين]
[قَوْلُهُ: مُدًّا] لِكُلِّ مِسْكِينٍ أَيْ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ رَطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ وَمِقْدَارُهُ بِالْكَيْلِ حَفْنَتَانِ بِكَفَّيْ الرَّجُلِ الْمُتَوَسِّطِ، وَيُعْطِي مِنْهَا صَاحِبَ دَارٍ وَخَادِمٍ لَا فَضْلَ لَهُ عَنْ ثَمَنِهِمَا كَالزَّكَاةِ وَاسْتَظْهَرَ كَوْنُ الْكَفَّارَةِ وَاجِبَةً عَلَى الْفَوْرِ.
[قَوْلُهُ: بَنَى عَلَى خَمْسَةٍ] وَكَمَّلَ لِخَمْسَةٍ أُخْرَى وَلَهُ نَزْعُ الزَّائِدِ، بِشَرْطِ إنْ يَبْقَى بِيَدِ الْمِسْكَيْنِ لَمْ يُتْلِفْهُ، وَكَانَ وَقْتُ الدَّفْعِ لَهُ بَيَّنَ أَنَّهَا كَفَّارَةٌ [قَوْلُهُ: لَمْ يُجْزِهِ] أَيْ إلَّا أَنْ يُكَمِّلَ الْقَدْرَ، وَمَحِلُّ إجْزَاءِ التَّكْمِيلِ إنْ بَقِيَ بِيَدِ كُلِّ مِسْكِينٍ مَا أَخَذَ لِيُكَمِّلَ لَهُ بَقِيَّةَ الْمُدِّ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
وَعَلَيْهِ فَلَا يُجْزِئُ تَفْرِقَةُ الْمُدِّ فِي أَوْقَاتٍ أَوْ يُجْزِئُ التَّكْمِيلُ، وَلَوْ بَعْدَ ذَهَابِ مَا أَخَذَ أَوَّلًا مِنْ يَدِهِ، قَوْلَانِ وَلَهُ نَزْعُ الزَّائِدِ عَلَى الْعَشَرَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى بِيَدِ الْمِسْكِينِ لَمْ يُتْلِفْهُ وَكَانَ وَقْتُ الدَّفْعِ لَهُ بَيَّنَ أَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَلَكِنْ يَنْزِعُ فِي هَذِهِ بِالْقُرْعَةِ لَا بِالتَّخْيِيرِ، إذْ لَيْسَ بَعْضُهُمْ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَمَحِلُّ دُخُولِ الْقُرْعَةِ مَا لَمْ يَعْلَمْ الْآخِذَ بَعْدَ الْعَشَرَةِ، وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْأَخْذُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ.
[قَوْلُهُ: مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ] أَيْ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ وَكَانَتْ بَاقِيَةً بِأَيْدِيهِمْ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا مِنْهُمْ وَيُعْطِيهَا لِمُسْتَحِقِّهَا، فَإِنْ تَلِفَتْ بِأَيْدِيهِمْ لَمْ يَضْمَنُوهَا إلَّا أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَغَرُّوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا، وَأَكَلُوهَا وَصَانُوا بِهَا أَنْفُسَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ فَيَضْمَنُوهَا أَيْضًا.
كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ إذَا فَاتَتْ وَلَمْ يَعْلَمُوا وَهُوَ الْأَحْسَنُ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِإِجْزَائِهَا إذَا فَاتَتْ فَيَغْرَمُونَهَا لِلْمَسَاكِينِ.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَعَدَمُ الْإِجْزَاءِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ أَحْسَنُ قَالَهُ عج: ثُمَّ قَالَ تَنْبِيهٌ: يُؤْخَذُ مِنْ
فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ قِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ.
رَابِعُهَا أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ دَفَعَهَا إلَى الْعَبِيدِ الْقِنِّ أَوْ مَنْ فِيهِمْ عَقْدُ حُرِّيَّةٍ كَأُمِّ الْوَلَدِ.
خَامِسُهَا أَنْ يَكُونَ الْمُعْطَى مُدًّا لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَا يُجْزِئُ دُونَهُ وَيَقُومُ مَقَامَهُ شَيْئَانِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ إمَّا رَطْلَانِ مِنْ الْخُبْزِ بِالرَّطْلِ الْبَغْدَادِيِّ مَعَ أُدْمِ زَيْتٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ لَحْمٍ، وَإِمَّا شَبَّعَهُمْ غَدَاءً وَعَشَاءً كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ أَوْ مُجْتَمِعِينَ، كَانَ فِيمَا أَطْعَمَهُمْ عَشَرَةُ أَمْدَادٍ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ وَلَا يُجْزِئُ غَدَاءٌ دُونَ عَشَاءٍ وَلَا عَشَاءٌ دُونَ غَدَاءٍ (، وَأَحَبُّ إلَيْنَا) يَعْنِي نَفْسَهُ عَلَى الصَّحِيحِ (أَنْ لَوْ زَادَ عَلَى الْمُدِّ مِثْلَ ثُلُثِ مُدٍّ أَوْ نِصْفٍ وَذَلِكَ) أَيْ اسْتِحْبَابُ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمُدِّ (بِقَدْرِ مَا يَكُونُ مِنْ وَسَطِ عَيْشِهِمْ) وَوَسَطُ الْعَيْشِ الْحَبُّ الْمُقْتَاتُ غَالِبًا.
وَقَوْلُهُ: (فِي غَلَاءٍ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ ثُلُثِ مُدٍّ وَقَوْلُهُ (أَوْ رُخْصٍ) رَاجِعٌ إلَى نِصْفِ مُدٍّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الزِّيَادَةَ مُسْتَحَبَّةٌ حَتَّى بِالْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ، وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ وَشَرْحِهِ أَنَّ الزِّيَادَةَ مُسْتَحَبَّةٌ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ، وَأَنَّهَا مَحْدُودَةٌ بِالثُّلُثِ عِنْدَ أَشْهَبَ وَبِالنِّصْفِ عِنْدَ ابْنِ وَهْبٍ، وَلَا يُسْتَحَبُّ بِالْمَدِينَةِ لِقِلَّةِ الْأَقْوَاتِ بِهَا وَلِقَنَاعَةِ أَهْلِهَا بِالْيَسِيرِ، وَقَوْلُهُ (وَمَنْ أَخْرَجَ مُدًّا عَلَى كُلِّ حَالٍ)
[حاشية العدوي]
هُنَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُمْ فَيَدْفَعُهَا جَمِيعَهَا لِغَيْرِ الْبَالِغِينَ، وَإِذَا كَانَ بَعْضُهُمْ غَيْرَ بَالِغٍ حُكْمُهُ حُكْمُ الْبَالِغِ.
[قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ دَفَعَهَا لِفُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ] أَيْ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ وَالْكُفَّارُ لَيْسُوا أَهْلَهَا، فَلَوْ اجْتَهَدَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ أَعَادَهَا وُجُوبًا، وَانْظُرْ لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً هَلْ تُنْزَعُ مِنْ أَيْدِيهِمْ أَوْ لَا، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَغُرُّوهُ فَإِنْ غَرُّوهُ رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِهَا.
[قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ دَفَعَهَا إلَى الْعَبِيدِ] ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالُوا: لِأَنَّ الْعَبْدَ غَنِيٌّ بِمَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْقِنِّ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ مَجْبُورٌ عَلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ أَوْ يَبِيعَهُ لِمَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَنْ فِيهِ عَقْدُ حُرِّيَّةٍ فَرُبَّمَا كَانَ سَيِّدُهُمْ فَقِيرًا وَلَا يُمْكِنُ الْبَيْعُ فِيهِمْ، لَكِنْ يُقَالُ السَّيِّدُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ أَوْ يَبُتَّ عِتْقَهُمْ فَهُمْ كَالْأَغْنِيَاءِ تَحْقِيقٌ [قَوْلُهُ: إمَّا رَطْلَانِ] الرَّطْلُ الْبَغْدَادِيُّ أَصْغَرُ مِنْ الرَّطْلِ الْمِصْرِيِّ بِيَسِيرٍ [قَوْلُهُ: مَعَ أُدْمٍ] وَهَلْ وُجُوبًا أَوْ اسْتِحْبَابًا قَوْلَانِ، وَالرَّاجِحُ الِاسْتِحْبَابُ كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ نَاجِي [قَوْلُهُ: أَوْ لَبَنٍ] وَالْمُرَادُ بِهِ الْحَلِيبُ لَا الْمَضْرُوبُ.
اهـ. تت
وَأَعْلَى مَا ذُكِرَ اللَّحْمُ، وَأَوْسَطُهُ اللَّبَنُ، وَأَدْنَاهُ الزَّيْتُ، تَحْقِيقٌ أَيْ الزَّيْتُ الطَّيِّبُ، وَقِيلَ أَوْ بَقْلٌ أَوْ قُطْنِيَّةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ طَبْخُ اللَّحْمِ أَوْ الْقُطْنِيَّةِ وَلَا مَا يُطْبَخَانِ بِهِ، وَإِنَّ الْمِلْحَ لَيْسَ بِأُدْمٍ وَكَذَا الْمَاءُ كَمَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ [قَوْلُهُ: وَإِمَّا شَبَّعَهُمْ غَدَاءً إلَخْ] أَيْ أَوْ غَدَاءَيْنِ أَوْ عَشَاءَيْنِ وَلَا يَكْفِي غَدَاءٌ أَوْ عَشَاءٌ وَلَوْ بَلَغَ مُدًّا، وَيُعْتَبَرُ الشِّبْعُ الْمُتَوَسِّطُ وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ جُوعٌ فَإِذَا أَطْعَمَهُمْ مَرَّتَيْنِ عَنْ شِبَعٍ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَكَذَا الْمَرَضُ كَمَا فِي الشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي [قَوْلُهُ: عَلَى الصَّحِيحِ] أَيْ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى الْمُؤَلِّفِ وَمُقَابِلُهُ تَرْجِيعُهُ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَ الصَّحِيحُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَحْبِيَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَقُولُ بِهَا أَشْهَبُ وَلَا ابْنُ وَهْبٍ، فَيَكُونُ الْمُصَنِّفُ مُرَجِّحًا لِقَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُدِّ الْمَنْدُوبَةِ بِالِاجْتِهَادِ.
[قَوْلُهُ: الزِّيَادَةَ] أَيْ الزِّيَادَةَ الْمَعْهُودَةَ الَّتِي هِيَ الثُّلُثُ أَوْ النِّصْفُ [قَوْلُهُ: بِقَدْرِ مَا يَكُونُ] مَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ بِقَدْرِ وُجُودِ أَيْ حَالَ عَيْشِهِمْ الْوَسَطِ [قَوْلُهُ: وَوَسَطِ الْعَيْشِ الْحَبُّ] أَيْ فَمَعْنًى وَسَطٌ مُخْتَارٌ أَيْ بِقَدْرِ عَيْشِهِمْ الْوَسَطِ، أَيْ الْمُخْتَارِ لَهُمْ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ الْحَبُّ الْمُقْتَاتُ غَالِبًا أَيْ لِأَهْلِ بَلَدِ الْمُكَفِّرِ عَلَى الرَّاجِحِ لَا الْمُكَفَّرِ [قَوْلُهُ: رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ ثُلُثِ مُدٍّ] أَيْ مُرْتَبِطٌ بِهِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى مِنْ بَيَانًا لِحَالِ الْعَيْشِ الْوَسَطِ أَيْ حَالِهِ مِنْ رَخَاءٍ وَرُخْصٍ، فَالثُّلُثُ فِي الْغَلَاءِ وَالنِّصْفُ فِي الرُّخْصِ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ ثُلُثِ مُدٍّ أَوْ نِصْفِهِ أَيْ مَثَلًا فَالْمَدَارُ عَلَى الزِّيَادَةِ بِحَسَبِ الْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ، فَقَوْلُ مَالِكٍ: إنَّ الزِّيَادَةَ بِالِاجْتِهَادِ أَيْ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
[قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ إلَخْ] هُوَ الرَّاجِحُ [قَوْلُهُ: إنَّ الزِّيَادَةَ مُسْتَحَبَّةٌ] نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ وَقَوْلُهُ وَإِنَّهَا مَحْدُودَةٌ نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ وَشَرْحِهِ، أَيْ شَرْحِ بَهْرَامَ وَكَلَامُ غَيْرِ وَاحِدٍ يُفِيدُ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَهُمَا حَقِيقِيٌّ [قَوْلُهُ: لِقِلَّةِ الْأَقْوَاتِ بِهَا إلَخْ] أَيْ، وَأَهْلُ مَكَّةَ لَيْسُوا كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ بَلْ كَغَيْرِهِمْ، فِي اسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّتَيْنِ
أَيْ فِي كُلِّ بَلَدٍ وَفِي كُلِّ زَمَانٍ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ (أَجْزَأَهُ) ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ تَكْرَارٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ النَّوْعَ الثَّانِيَ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ، آتِيًا بِالْوَاوِ الْمُؤْذِنَة بِعَدَمِ التَّرْتِيبِ فَقَالَ (وَإِنْ كَسَاهُمْ) أَيْ، وَإِنْ اخْتَارَ كِسْوَةَ الْعَشَرَةِ مَسَاكِينَ (كَسَاهُمْ لِلرَّجُلِ قَمِيصٌ وَلِلْمَرْأَةِ قَمِيصٌ وَخِمَارٌ) وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْكِسْوَةِ أَنْ تَكُونَ مِنْ وَسَطِ كِسْوَةِ أَهْلِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ ذَلِكَ فِي الْإِطْعَامِ دُونَ الْكِسْوَةِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يُبَيِّنُ النَّوْعَ الثَّالِثَ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ، آتِيًا بِأَوْ الْمُؤْذِنَةِ بِالتَّخْيِيرِ فَقَالَ (أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ) شَرَطُوا فِيهَا شُرُوطًا أَحَدُهَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (مُؤْمِنَةٍ) فَلَا تُجْزِئُ الْكَافِرَةُ.
ثَانِيهَا أَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي تَشِينُ، كَالْعَمَى وَالْهَرَمِ وَالْعَرَجِ الشَّدِيدَيْنِ، أَمَّا مَا لَا يَشِينُ كَقَطْعِ الظُّفُرِ فَيُجْزِئُ.
ثَالِثُهَا أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ عَلَيْهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ احْتِرَازًا مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ أَوْ يَشْتَرِيهِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ.
رَابِعُهَا أَنْ تَكُونَ كَامِلَةً احْتِرَازًا مِنْ الْمُشْتَرَكَةِ.
خَامِسُهَا أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا عَقْدُ حُرِّيَّةٍ احْتِرَازًا مِنْ نَحْوِ الْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ.
تَنْبِيهَاتٌ.
الْأَوَّلُ: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يُسْتَحَبُّ عِتْقُ مَنْ صَلَّى وَصَامَ لِيَتَخَلَّصَ لِلْوَظَائِفِ الْوَاجِبَاتِ.
الثَّانِي
[حاشية العدوي]
مَفْقُودَانِ فِي أَهْلِ مَكَّةَ، أَيْ لَيْسُوا كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِيهِمَا.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ] أَيْ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَيَقُولُ بِالزِّيَادَةِ، إلَّا أَنَّهَا بِالِاجْتِهَادِ وَأَشْهَبُ يَحُدُّهَا بِالثُّلُثِ وَابْنُ وَهْبٍ بِالنِّصْفِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُفَادَ هَذَا أَنَّ الثَّلَاثَةَ يَقُولُونَ بِوُجُوبِ الزِّيَادَةِ وَابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَقُولُ بِوُجُوبِ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ مُفَادُ خَلِيلٍ فِي تَوْضِيحِهِ وَمَا شَرَحْنَا بِهِ كَلَامَهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ بِاسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ، وَأَنَّهَا بِالِاجْتِهَادِ تَبِعَنَا فِيهِ بَعْضُ شُرَّاحِ مُخْتَصَرِهِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مُفَادَ بَعْضِ شُرَّاحِ مُخْتَصَرِهِ أَنَّ مَالِكًا وَابْنَ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ قَائِلُونَ بِاسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ.
وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي قَدْرِهَا وَسَكَتُوا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُفَادُ خَلِيلٍ فِي تَوْضِيحِهِ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِكِفَايَةِ الْمُدِّ، وَأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْأَشْيَاخِ الثَّلَاثَةِ يَقُولُ بِوُجُوبِ الزِّيَادَةِ، وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ، وَأَمَّا الْمَدِينَةُ فَيَكْفِي فِيهَا الْمُدُّ اتِّفَاقًا.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ تَكْرَارٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ] أَيْ مَعَ قَوْلِهِ وَأَحَبُّ إلَيْنَا إلَخْ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْمُسْتَحَبِّ لَا يُبْطِلُ.
[قَوْلُهُ: لِلرَّجُلِ] الْمُرَادُ بِالرَّجُلِ الذَّكَرُ، وَبِالْمَرْأَةِ الْأُنْثَى؛ وَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ فِي إعْطَاءِ الْكِسْوَةِ وَالْأَمْدَادِ وَالْأَرْطَالِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي إعْطَاءِ الْأَمْدَادِ وَالْأَرْطَالِ أَنْ يَكُونَ الصَّغِيرُ يَأْكُلُ الطَّعَامَ، وَلَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّهُ يُعْطَى مِثْلُ الْكَبِيرِ، وَأَمَّا فِي الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِغْنَائِهِ عَنْ الرَّضَاعِ، وَلَوْ لَمْ يُسَاوِ الْكَبِيرَ فِي الْأَكْلِ، وَفِي الْكِسْوَةِ يُعْطَى كِسْوَةَ كَبِيرٍ مِنْ أَوْسَاطِ الرِّجَالِ، وَلَوْ كَانَ رَضِيعًا، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَخِيطًا وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْكِسْوَةُ جَدِيدَةً أَوْ لَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بَلْ حَيْثُ كَانَتْ قَوِيَّةً لَمْ تَذْهَبْ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْجَدِيدَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْقَمِيصُ بَلْ الثَّوْبُ السَّاتِرُ كَافٍ سَوَاءٌ كَانَ قَمِيصًا أَمْ لَا، وَلَا تُجْزِئُ عِمَامَةٌ وَحْدَهَا، وَلَا إزَارٌ لَا يَبْلُغُ أَنْ يَلْتَحِفَ بِهِ مُشْتَمِلًا فَإِنْ بَلَغَ ذَلِكَ أَجْزَأَ.
[قَوْلُهُ: كَالْعَمَى إلَخْ] وَالْجُنُونِ وَالْبُكْمِ وَقَطْعِ الْأُذُنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يُذْكَرُ فِي الظِّهَارِ وَيُجْزِئُ الْأَعْوَرُ وَهُوَ فَاقِدُ النَّظَرِ بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ، وَأَمَّا مَنْ فَقَدَ مِنْ كُلِّ عَيْنٍ بَعْضَ نَظَرِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْزِئُ أَيْضًا [قَوْلُهُ: كَقَطْعِ الظُّفُرِ] لَا قَطْعَ الْأُصْبُعِ، فَذَهَابُ أُنْمُلَتَيْنِ لَا يَضُرُّ فِيمَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ.
[قَوْلُهُ: يُسْتَحَبُّ عِتْقُ مَنْ صَلَّى وَصَامَ] أَيْ يَعْقِلُ أَنَّ مَنْ فَعَلَهُمَا يُثَابُ، وَمَنْ تَرَكَهُمَا يُعَاقَبُ وَظَاهِرُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ سِنَّ مَنْ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيلُ ظَاهِرًا فِيمَنْ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ وَقَوْلُهُ الْوَاجِبَاتِ أَيْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي حَقِّهِ مَنْدُوبَةً، وَلَا يَخْفَى شُمُولُهُ لِلصَّوْمِ مَعَ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يُنْدَبُ فِي حَقِّهِ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ التَّعْلِيلَ فِي مُخْتَصَرِ الْبَرَادِعِيِّ، وَعِبَارَةُ الْبَرَادِعِيِّ وَعِتْقُ مَنْ صَلَّى وَصَامَ فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ أَحَبُّ إلَيَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُرِيدُ مَنْ عَقَلَ الْإِسْلَامَ وَالصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ.
قَالَ الشَّيْخُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ صَلَّى وَصَامَ يَكُونُ إسْلَامُهُ حَقِيقَةً بِالْفِعْلِ، وَفِي الصَّغِيرِ إنَّمَا يَكُونُ حُكْمًا.
اهـ.
فَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ تَعْلِيلِ الشَّارِحِ وَفُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ عِتْقَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذَا السِّنَّ مُجْزٍ، وَإِنْ رَضِيعًا كَمَا فِي جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ فَإِنْ أَعْتَقَهُ كَذَلِكَ فَكَبُرَ أَخَرْسَ
لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ فِي ذَلِكَ قِيمَةً.
الثَّالِثُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ التَّكْفِيرُ بِالْعِتْقِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فَإِنْ كَفَّرَ بِهِ لَمْ يُجْزِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ النَّوْعَ الرَّابِعَ الَّذِي لَا يُجْزِئُ إلَّا بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْخِصَالِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلِذَا أَتَى بِالْفَاءِ الْمُؤْذِنَةِ بِالتَّعْقِيبِ فَقَالَ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمُكَفِّرُ (ذَلِكَ) أَيْ الْعِتْقَ (وَلَا إطْعَامًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يُتَابِعْهُنَّ) اسْتِحْبَابًا؛ لِأَنَّ الْمُبَادَرَةَ إلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ أَوْلَى يَدُلُّ عَلَى مَا قَيَّدْنَا بِهِ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ قَوْلُهُ: (فَإِنْ فَرَّقَهُنَّ) أَيْ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ (أَجْزَأَهُ) ، وَإِذَا فَرَّقَ صَوْمَهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ.
(وَ) يُبَاحُ (لَهُ) أَيْ لِلْحَالِفِ (أَنْ يُكَفِّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ) ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى بِرٍّ أَوْ عَلَى حِنْثٍ كَانَتْ كَفَّارَتُهُ بِالصَّوْمِ أَوْ غَيْرِهِ (وَ) لَكِنَّ تَكْفِيرَهُ (بَعْدَ الْحِنْثِ أَحَبُّ إلَيْنَا) أَيْ إلَى الْمَالِكِيَّةِ.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الْأَيْمَانِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النُّذُورِ جَمْعُ نَذْرٍ، وَهُوَ لُغَةً الْوُجُوبُ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] أَيْ أَوْجَبْتُ وَشَرْعًا الْتِزَامُ مَا يَلْزَمُ مِنْ الْقُرَبِ فَقَالَ «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ
[حاشية العدوي]
أَوْ أَصَمَّ أَوْ مُقْعَدًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ [قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ فِي ذَلِكَ قِيمَةً] أَيْ مِنْ الْإِطْعَامِ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ] أَيْ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِلسَّيِّدِ قَالَهُ عج.
وَكَذَا لَيْسَ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ أَيْضًا إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ، وَالصَّوْمُ أَوْلَى، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِذَلِكَ بَلْ جَمِيعُ الْكَفَّارَاتِ لَيْسَ لِلْعَبْدِ التَّفْكِيرُ بِالْعِتْقِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ الْعِتْقَ] أَيْ وَالْكِسْوَةَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَلَا إطْعَامًا، وَالْعَجْرُ عَمَّا تَقَدَّمَ بِأَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِينَ، وَيُعْتَبَرُ حِينَ الْإِخْرَاجِ لَا حِينَ الْحِنْثِ، وَلَا حِينَ الْيَمِينِ، فَإِنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ لِعَجْزِهِ عَنْ أَقَلِّ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ أَيْسَرَ، فَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِلتَّكْفِيرِ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ كَمَالِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَقَبْلَ كَمَالِ الثَّالِثِ نُدِبَ لَهُ الرُّجُوعُ لِلتَّكْفِيرِ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَلَا يُجْزِئُ مُلَفَّقَةٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الطَّعَامِ، كَمَا إذَا أَعْتَقَ وَكَسَا، وَأَطْعَمَ وَكَسَا، وَأَمَّا لَوْ دَفَعَ لِبَعْضِهِمْ أَمْدَادًا وَبَعْضِهِمْ أَرْطَالًا أَوْ دَفَعَ لِكُلٍّ نِصْفَ مُدٍّ وَرَطْلًا أَوْ نِصْفَهُ وَغَدَاءً أَوْ عَشَاءً فَيُجْزِئُ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فَيَخْرُجُ مَا لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ ثَلَاثَةٌ فَأَطْعَمَ عَشَرَةَ وَكَسَا عَشَرَةَ، وَأَعْتَقَ رَقَبَةً وَقَصْدَ كُلَّ نَوْعٍ مِنْهَا عَنْ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ، سَوَاءٌ عَيَّنَ كُلَّ كَفَّارَةٍ لِيَمِينٍ أَمْ لَا وَكَذَا يُجْزِئُ إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا الْمُضِرُّ أَنْ يَشْتَرِكَ بِأَنْ يَجْعَلَ الْعِتْقَ عَنْ الثَّلَاثَةِ وَكَذَا الْإِطْعَامُ وَالْكِسْوَةُ [قَوْلُهُ: وَإِذَا فَرَّقَ صَوْمَهَا] مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُفَرِّقْ لَاكْتَفَى بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ الرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّبْيِيتِ كُلَّ لَيْلَةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّتَابُعَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ إطْعَامًا أَوْ كِسْوَةً وَشَرَعَ فِيهَا الْمُتَابَعَةُ فَوْرًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا] وَالصَّوَابُ أَنَّ مَحِلَّ الْإِجْزَاءِ إذَا كَانَتْ بِاَللَّهِ أَوْ بِعِتْقٍ مُعَيَّنٍ أَوْ طَلَاقٍ بَالِغِ الْغَايَةِ أَوْ بِصَدَقَةٍ بِمُعَيَّنٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْيَمِينُ فِي هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى حِنْثٍ أَوْ بَرٍّ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ بِمَشْيٍ أَوْ بِصِيَامٍ أَوْ بِصَدَقَةٍ بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ بِعِتْقٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ بِطَلَاقٍ قَاصِرٍ عَنْ الْغَايَةِ، فَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الصِّيغَةُ صِيغَةَ حِنْثٍ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِأَجَلٍ لَا إنْ كَانَتْ صِيغَةَ بِرٍّ أَوْ حِنْثٍ مُقَيَّدَةً بِأَجَلٍ فَلَا يُجْزِئُ التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ.
فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُخْرِجُهَا فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ قَبْلَ حِنْثِهِ إذْ إخْرَاجُهُ لَهَا فِيهِ عَزْمٌ عَلَى الضِّدِّ؟ . قُلْتُ: يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ مَعَ التَّرَدُّدِ فِي عَزْمِهِ عَلَى الضِّدِّ، ثُمَّ يَجْزِمُ بِهِ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ وَفِي الشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِي إجْزَائِهِ عَنْهَا مَعَ التَّرَدُّدِ، وَصُورَةُ الطَّلَاقِ الْبَالِغِ الْغَايَةَ أَنْ يَقُولَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَوْ مُتَمِّمُهَا، ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ شَرْعِيٍّ قَبْلَ دُخُولِ الدَّارِ ثُمَّ دَخَلَهَا وَهِيَ فِي عِصْمَتِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِطْلَاقُ التَّكْفِيرِ عَلَيْهَا مَجَازٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا تَعُودُ إلَيْهِ الْيَمِينُ فِي الْعِصْمَةِ الْجَدِيدَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا طَلَّقَهَا دُونَ الْغَايَةِ ثُمَّ عَادَتْ لَهُ، وَلَوْ بَعْدَ زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تَعُودُ عَلَيْهَا الْيَمِينُ فَلَا يَدْخُلُ الدَّارَ فَإِنْ دَخَلَهَا حَنِثَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ إلَى الْمَالِكِيَّةِ] أَيْ لَا غَيْرِهِمْ وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا فَالْأَحْسَنُ أَحَبُّ إلَيْنَا أَيْ الْمُصَنِّفِ رَدًّا عَلَى أَشْهَبَ، الْقَائِلِ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ، أَوْ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ جَوَازِ تَقْدِيمِ الصَّوْمِ دُونَ غَيْرِهِ.
[النُّذُور وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا]
[قَوْلُهُ: وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا] أَيْ مِنْ بَيَانِ الْكَفَّارَةِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ لُغَةً الْوُجُوبُ] الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ أَيْ أَوْجَبْتُ أَنْ يَقُولَ: الْإِيجَابُ [قَوْلُهُ: وَشَرْعًا الْتِزَامُ] الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ
فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» هَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ فِي الصَّحِيحِ فَبَيَّنَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَنَّ النَّذْرَ عَلَى قِسْمَيْنِ.
نَذْرُ طَاعَةٍ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَنَذْرُ مَعْصِيَةٍ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ " وَلَكِنْ هَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ نَذَرَ صَدَقَةَ مَالِ غَيْرِهِ أَوْ عِتْقَ) رَقَبَةِ (عَبْدِ غَيْرِهِ) كُرِهَ (لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) لَا صَدَقَةٌ وَلَا عِتْقٌ مَا وَلَمْ يُعَلِّقْ فَإِنْ عَلَّقَ بِشَرْطٍ لَزِمَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ عَلَى الْمَشْهُورِ نَحْوَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ عَبْدَ فُلَانٍ إنْ مَلَكْته.
وَقَسَّمَ النَّذْرَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ قِسْمٌ مُعَلَّقٌ وَهُوَ مَا عُلِّقَ بِمُتَوَقَّعٍ، وَمُطْلَقٌ وَهُوَ مَا لَمْ يُقَيَّدْ بِشَيْءٍ، وَمُبْهَمٌ وَهُوَ مَا لَيْسَ لَهُ مَخْرَجٌ، وَأَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ (وَمَنْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا) سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ حَرَامًا أَوْ كَيْفَمَا كَانَ (فَعَلَيَّ نَذْرِ كَذَا) فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا نَذَرَ إنْ فَعَلَ مَا شَرَطَهُ (وَكَذَا) إنْ قَالَ (لِشَيْءٍ يَذْكُرُهُ مِنْ فِعْلِ الْبِرِّ مِنْ صَلَاةٍ) أَيْ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ
[حاشية العدوي]
أَيْ أَوْجَبْتُ أَنْ يَقُولَ إيجَابٌ، أَيْ إلْزَامُ نَفْسِهِ قُرْبَةً، وَقَوْلُهُ مَا يَلْزَمُ أَيُّ شَيْءٍ يَلْزَمُ وَالْأَحْسَنُ حَذْفُ قَوْلِهِ يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ هَذَا اللُّزُومَ مِنْ الِالْتِزَامِ، وَقَوْلُهُ مِنْ الْقُرَبِ أَيْ جِنْسِ الْقُرَبِ بَيَانٌ لِمَا أَيْ الْتِزَامِ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ أَيْ لَا كَافِرٍ، وَنُدِبَ لَهُ الْوَفَاءُ بِهِ إنْ أَسْلَمَ وَلَا صَبِيٍّ وَنُدِبَ لَهُ وَفَاؤُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَشَمِلَ الْمُكَلَّفُ الْعَبْدَ يَنْذُرُ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ وَلِرَبِّهِ مَنْعُهُ فِي غَيْرِ الْمَالِ إنْ أَضَرَّ بِهِ فِي عَمَلِهِ حَيْثُ نَذَرَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ بِإِذْنِهِ وَكَانَ مَضْمُونًا، وَعَلَيْهِ إنْ عَتَقَ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ وَشَمِلَ أَيْضًا السَّفِيهَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فَيَلْزَمُهُ نَذْرُ غَيْرِ الْمَالِ لَا الْمَالِ فَلَا يَلْزَمُهُ، فَعَلَى وَلِيِّهِ رَدُّهُ كُلُّهُ، وَرَدُّهُ إبْطَالٌ فَإِنْ رَدَّهُ سَقَطَ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ وَاسْتَمَرَّ بِيَدِهِ حَتَّى رَشَدَ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَشَمِلَ أَيْضًا مَرِيضًا وَزَوْجَةً رَشِيدَةً، وَلَوْ بِزَائِدِ الثُّلُثِ فِيهِمَا لَكِنْ إنْ أَجَازَهُ الزَّوْجُ وَالْوَارِثُ، وَإِلَّا نَفَذَ ثُلُثُ الْمَرِيضِ وَلِلزَّوْجِ رَدُّ الْجَمِيعِ.
وَشَمِلَ أَيْضًا نَذْرَ مَنْ سَكَرَ بِحَرَامٍ حَالَ سُكْرِهِ وَأَوْلَى قَبْلَهُ وَيَلْزَمُهُمَا الْوَفَاءُ بِهِ إذَا أَفَاقَا لَا بِحَلَالٍ، فَكَالْمَجْنُونِ وَانْظُرْ هَلْ يُنْدَبُ لَهُمَا الْوَفَاءُ إذَا أَفَاقَا وَفِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْمَجْنُونَ يُنْدَبُ لَهُ الْوَفَاءُ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ كَالصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ، وَقَوْلُهُ مِنْ الْقُرَبِ أَيْ الْمَنْدُوبَةِ، وَلَزِمَ نَذْرُ صَوْمِ رَابِعِ النَّحْرِ، وَإِحْرَامٍ بِحَجٍّ قَبْلَ زَمَانِهِ أَوْ مَكَانِهِ مَعَ كَرَاهَةِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ وَالْإِحْرَامَ مَطْلُوبَانِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الزَّمَنِ، وَغَيْرُ مَطْلُوبِينَ عِنْدَ مُلَاحَظَتِهِ، فَالنَّذْرُ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا نَظَرًا لِلْحَالَةِ الْأُولَى.
وَانْظُرْ نَذْرَ صَلَاةٍ بَعْدَ فَجْرٍ وَفَرْضِ عَصْرٍ وَبَقِيَّةِ الْمَكْرُوهَاتِ هَلْ تَلْزَمُ أَيْضًا نَظَرًا لِمُطْلَقِ النَّفْلِ أَوْ لَا نَظَرًا لِلْوَقْتِ، وَقُلْنَا الْمَنْدُوبَةِ احْتِرَازًا عَنْ نَذْرِ الْوَاجِبِ فَلَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ وَانْظُرْ حُكْمَ الْإِقْدَامِ وَاسْتَظْهِرْ التَّحْرِيمَ وَعَنْ نَذْرِ الْمُحَرَّمِ كَزِنًا وَالْمَكْرُوهِ كَنَذْرِ نَفْلٍ بَعْدَ فَرْضِ عَصْرٍ، وَالْمُبَاحِ كَنَذْرِ مَشْيٍ بِسُوقٍ إذْ لَا قُرْبَةَ فِيهِ، وَنَذْرُ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمٌ، وَفِي كَوْنِهِ الْمَكْرُوهَ وَالْمُبَاحَ كَذَلِكَ أَوْ مِثْلَهُمَا، قَوْلًا.
الْأَكْثَرُ مَعَ ظَاهِرِ الْمُوَطَّإِ وَالْمُقَدَّمَاتِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ قِيلَ: وَلَعَلَّ وَجْهَ الْحُرْمَةِ فِيهِمَا أَنَّ فِيهِ قَلْبَ الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ مَوْضُوعِهَا حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ يَلْزَمُ بِهِ الْمَنْدُوبُ.
[قَوْلُهُ: فَلْيُطِعْهُ] أَيْ وُجُوبًا بِفِعْلِ مَا نَذَرَهُ وَلَوْ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِنَذْرِ اللُّجَاجِ أَوْ قَصَدَ بِهِ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِنَذْرِ التَّبَرُّرِ، كَمِنْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدِهِ لِكَرَاهَةِ إقَامَتِهِ عِنْدَهُ فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ [قَوْلُهُ: كُرِهَ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ] بَحَثَ فِيهِ عج بِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا، وَنَذْرُ الْمُبَاحِ حَرَامٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَأَمَّا إنْ أَرَادَ مِلْكَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ نَذْرِ الْمَنْدُوبِ فَلَا يُكْرَهُ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَمَنْ نَذَرَ إلَخْ يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ تَمْلِيكَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ إذَا مَلَكَهُ.
[قَوْلُهُ: بِشَرْطٍ] أَيْ عَلَى شَرْطٍ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ لَا يَلْزَمُهُ.
[قَوْلُهُ: بِمُتَوَقَّعٍ] أَيْ بِمَرْجُوِّ الْحُصُولِ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ؛ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ، وَإِلَّا فَغَيْرُهُ كَذَلِكَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ [قَوْلُهُ: أَوْ كَيْفَمَا كَانَ] أَيْ أَوْ مَا كَانَ عَلَى أَيِّ كَيْفِيَّةٍ أَيْ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: نَذْرُ كَذَا] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ مَنْذُورٍ وَهُوَ كَذَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ [قَوْلُهُ: وَكَذَا] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ كَذَا الثَّانِي مُسْتَأْنَفٌ مُرْتَبِطٌ بِمَا بَعْدَهُ [قَوْلُهُ: لِشَيْءٍ] اللَّامُ زَائِدَةٌ أَيْ وَكَذَا إنْ ذَكَرَ شَيْئًا أَيْ بِلِسَانِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ كَمَا قَالَهُ تت فَقَوْلُهُ يَذْكُرُهُ تَأْكِيدٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تِلْكَ الْجُزَيْئَاتِ مِنْ مَا صَدَقَاتُ كَذَا الْأَوَّلِ، فَهِيَ مُسْتَغْنًى عَنْهَا، وَلَا أَوْجَبَ هَذَا إلَّا جَعَلَهُ كَذَا الثَّانِيَ مُسْتَأْنَفَةً.
وَالْأَحْسَنُ أَنَّ وَكَذَا الثَّانِي مَعْطُوفٌ عَلَى كَذَا الْأَوَّلِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ لِشَيْءٍ يَذْكُرُهُ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّهُ قِيلَ أَيُّ شَيْءٍ كَذَا وَكَذَا،
(أَوْ صَوْمٍ) كَذَلِكَ (أَوْ حَجٍّ) كَذَلِكَ (أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ صَدَقَةِ شَيْءٍ سَمَّاهُ فَذَلِكَ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرَ مِنْ الصَّلَوَاتِ، وَمَا بَعْدَهَا يُرِيدُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْقُرَبِ كَالْعِتْقِ وَالذِّكْرِ (يَلْزَمُهُ) مَا نَوَاهُ أَوْ سَمَّاهُ إنْ حَنِثَ أَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِ الصَّلَاةَ وَلَا سَمَّاهَا فَيَلْزَمُهُ أَقَلُّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلَاةِ وَهُوَ رَكْعَتَانِ.
وَأَمَّا الصَّوْمُ إذَا لَمْ يُسَمِّهِ فَيَلْزَمُهُ أَقَلُّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّوْمِ، وَهُوَ يَوْمٌ، وَأَمَّا الْحَجُّ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ فَكَلَّمَهُ لَزِمَهُ الْمَشْيُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
وَأَمَّا الصَّدَقَةُ إذَا لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا فَيَلْزَمُهُ ثُلُثُ مَالِهِ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ أَمَّا إذَا سَمَّى فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا سَمَّاهُ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ مَالِهِ ع فَإِنْ ذَكَرَ الدَّارَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا هِيَ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ بَعْدُ: وَمَنْ جَعَلَ مَالَهُ صَدَقَةً أَوْ هَدْيًا أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ.
فَقَالَ الشُّيُوخُ قَوْلُهُ: وَمَنْ جَعَلَ إلَى آخِرِهِ يُرِيدُ إذَا جَعَلَهُ كُلَّهُ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا سَمَّاهُ.
أَمَّا إذَا سَمَّاهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا سَمَّى، وَهُوَ الَّذِي قَالَ هُنَا هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
انْتَهَى.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْقِسْمِ الثَّانِي آتِيًا بِكَافِ التَّشْبِيهِ فَقَالَ (كَمَا يَلْزَمُهُ لَوْ نَذَرَهُ مُجَرَّدًا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ) أَيْ يَلْزَمُهُ الْمُقَيَّدُ بِوُقُوعِهِ كَمَا يَلْزَمُهُ الَّذِي لَا تَعْلِيقَ فِيهِ نَحْوَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ صَلَاةٌ أَوْ غَيْرُهَا.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْقِسْمِ الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لِنَذْرِهِ مَخْرَجًا مِنْ الْأَعْمَالِ) كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، وَلَمْ
[حاشية العدوي]
فَقَالَ شَيْءٌ يَذْكُرُهُ مِنْ فِعْلِ الْبِرِّ، وَاللَّامُ فِي لِشَيْءٍ زَائِدَةٌ وَقَوْلُهُ مِنْ فِعْلِ الْبِرِّ بَيَانٌ لِشَيْءٍ، وَإِضَافَةُ فِعْلٍ لِمَا بَعْدَهُ مِنْ إضَافَةِ الْعَامِّ لِلْخَاصِّ فَهِيَ لِلْبَيَانِ، وَقَوْلُهُ مِنْ صَلَاةٍ بَيَانٌ لِفِعْلِ الْبِرِّ، وَاحْتُرِزَ بِهِ مِنْ الْحَرَامِ وَالْمُبَاحِ فَلَا يَلْزَمُهُ تت [قَوْلُهُ: سَمَّاهُ] أَيْ بَيَّنَ قَدْرَهُ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً فَالتَّعْمِيمُ الْأَوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِأَصْلِ الْعِبَادَةِ، وَهَذَا مُتَعَلِّقٌ بِبَيَانِ الْقَدْرِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الصَّلَوَاتِ] الْمُنَاسِبُ لِمَا تَقَدَّمَ الصَّلَاةُ [قَوْلُهُ: مَا نَوَاهُ أَوْ سَمَّاهُ] لَوْ قَالَ مَا سَمَّاهُ الشَّامِلُ لِلِّسَانِ وَالْقَلْبِ لَكَفَاهُ وَيُطَابِقُ مَا تَقَدَّمَ.
تَنْبِيهٌ: يَلْزَمُهُ مَا فِي نِيَّتِهِ إنْ تَخَالَفَ مَعَ لَفْظِهِ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: إنْ حَنِثَ] اُسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْحِنْثَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى أُجِيبَ بِأَنَّ إطْلَاقَ الْحِنْثِ عَلَى النَّذْرِ الْمُقَيَّدِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَجَازٌ [قَوْلُهُ: اسْمُ الصَّلَاةِ] يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ، وَأَنْ تَكُونَ حَقِيقِيَّةً وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ [قَوْلُهُ: فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ] هَذَا التَّمْثِيلُ لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ قَبْلُ فَيَلْزَمُهُ ثُلُثُ مَالِهِ أَيْ أَنَّهُ إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ صَدَقَةُ مَالِي، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ثُلُثُ مَالِهِ، وَأَمَّا إذَا قَالَ: فَعَلَيَّ صَدَقَةٌ، وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئًا فَيَتَصَدَّقُ بِالدِّرْهَمِ وَنِصْفِهِ وَرُبُعِهِ وَالْفَلْسِ وَالْفَلْسَيْنِ، وَمَا زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ.
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: إنْ الْتَزَمَ مُطْلَقَ الصَّوْمِ فَيَوْمٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَكْثَرَ أَوْ مُطْلَقَ الصَّلَاةِ فَرَكْعَتَانِ أَوْ مُطْلَقَ الصَّدَقَةِ فَأَقَلُّ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ.
قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَأَتَى بِعِبَادَةٍ كَامِلَةٍ إنْ نَذَرَ صَوْمَ بَعْضِ يَوْمٍ أَوْ صَلَاةَ رَكْعَةٍ أَوْ طَوَافَ شَوْطٍ [قَوْلُهُ: يَلْزَمُهُ مَا سَمَّاهُ وَلَوْ كَانَ كُلُّ مَالِهِ] أَيْ فَإِذَا سَمَّى شَيْئًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا سَمَّاهُ بِنَحْوِ نِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ بَلْ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ مَالِهِ، كَمَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَلْفُ دِينَارٍ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ سِوَى ذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ تِلْكَ الْأَلْفُ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ ذَكَرَ الدَّارَ إلَخْ] كَمَا إذَا قَالَ دَارِي الْفُلَانِيَّةُ صَدَقَةٌ فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ، وَإِنْ اسْتَغْرَقَ ذَلِكَ جَمِيعَ مَالِهِ [قَوْلُهُ: وَهَذَا بِخِلَافٍ] أَيْ فَبَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ تَنَافٍ [قَوْلُهُ: فَقَالَ الشُّيُوخُ] جَوَابُ عَدَمِ الْمُنَافَاةِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الَّذِي قَالَ هُنَا] أَيْ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَوْ صَدَقَةَ شَيْءٍ سَمَّاهُ [قَوْلُهُ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ] أَيْ مِنْ كَوْنِهِ إذَا لَمْ يُسَمِّ يَلْزَمُهُ الثُّلُثُ، وَإِذَا سَمَّى يَلْزَمُهُ كُلُّهُ وَمُقَابِلُهُ فِي الْأَوْلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا لَا يَضُرُّ بِهِ، وَهُوَ لِسَحْنُونٍ وَجَمِيعُهُ وَهُوَ لِابْنِ وَهْبٍ وَمُقَابِلُهُ فِي الثَّانِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الثُّلُثُ وَهُوَ لِأَصْبُغَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ يَلْزَمُهُ الْمُقَيَّدُ بِوُقُوعِهِ إلَخْ] ظَاهِرُهُ بِوُقُوعِ الْمُقَيَّدِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ أَيْ يَلْزَمُهُ الْمُقَيَّدُ بِوُقُوعِ شَيْءٍ عِنْدَ وُقُوعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ [قَوْلُهُ: أَيْ يَلْزَمُهُ الْمُقَيَّدُ إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَافَ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَاعِدَةِ الْفُقَهَاءِ، أَنَّ الْكَافَ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمُشَبَّهِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَجْعَلَهَا دَاخِلَةً عَلَى الْمُشَبَّهِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لِنَذْرِهِ مَخْرَجًا إلَخْ] أَيْ وَلَمْ يَنْوِ أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّسْمِيَةِ مَا يَشْمَلُ التَّسْمِيَةَ فِي اللَّفْظِ أَوْ فِي النِّيَّةِ كَمَا أَفَادَهُ تت [قَوْلُهُ: مَخْرَجًا] مَحِلُّ الْخُرُوجِ أَيْ لَمْ يُسَمِّ لِنَذْرِهِ شَيْئًا يُخْرِجُ مِنْهُ
يُسَمِّ هَلْ هُوَ صَلَاةٌ أَوْ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) عَلَى الْمَذْهَبِ.
(وَمَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ أَوْ شُرْبِ خَمْرَةٍ أَوْ شِبْهِهِ) كَالنَّبِيذِ (أَوْ) نَذَرَ (مَا لَيْسَ بِطَاعَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ) كَالْمُبَاحَةِ وَالْمَكْرُوهِ (فَلَا شَيْءَ) أَيْ لَا كَفَّارَةَ (عَلَيْهِ لِيَمِينِهِ) فِي الْفَرْعَيْنِ، وَفِي كَلَامِهِ تَكْرَارٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَرْعِ الْأَوَّلِ مَعَ قَوْلِهِ قَبْلُ: وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ قَوْلُهُ (وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ) رَاجِعٌ لِنَذْرِ الْمَعْصِيَةِ فَقَطْ أَوْ لَهُ وَلِمَا بَعْدَهُ قَوْلَانِ.
(وَإِنْ حَلَفَ) إنْسَانٌ (بِ) اسْمِ (اللَّهِ) أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ النَّفْسِيَّةِ أَوْ الْمَعْنَوِيَّةِ (لَيَفْعَلَنَّ مَعْصِيَةً) مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى كَشُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ أَوْ سَبِّ مَنْ لَا يَجُوزُ سَبُّهُ (فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ) الَّذِي حَلَفَهُ (وَلَا يَفْعَلْ ذَلِكَ) الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ (وَإِنْ تَجَرَّأَ) أَيْ اقْتَحَمَ (فَفَعَلَهُ) أَيْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وَلَمْ يُبَالِ بِعُقُوبَةِ عَاقِبَتِهِ (فَهُوَ آثِمٌ) لِفِعْلِهِ الْمَعْصِيَةَ (وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِيَمِينِهِ) ؛ لِأَنَّهُ بَرَّ فِي يَمِينِهِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى تَكَرُّرِ الْكَفَّارَةِ وَعَدَمِ تَكَرُّرِهَا بِتَكَرُّرِ الْيَمِينِ بِالصِّفَاتِ فَقَطْ أَوْ بِهَا وَبِالْأَسْمَاءِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ قَالَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ) ؛ لِأَنَّ الْعَهْدَ يَمِينٌ وَالْمِيثَاقَ يَمِينٌ فَإِذَا جَمَعَهُمَا فَقَدْ حَلَفَ يَمِينَيْنِ، وَمَا ذَكَرَهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ فَقَدْ صَرَّحَ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَتَعَدَّدُ عَلَى الْمَشْهُورِ، قَالَ وَصَحَّحُوا تَأْوِيلَهُ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ، وَأَشَارَ إلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ (وَلَيْسَ عَلَى مَنْ وَكَّدَ الْيَمِينَ فَكَرَّرَهَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ غَيْرُ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ) مِثْلُهُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ.
وَإِذَا كَرَّرَ الْيَمِينَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لَمْ تَتَعَدَّدْ
[حاشية العدوي]
النَّذْرَ أَيْ يَتَحَقَّقُ بِهِ مِنْ تَحَقُّقِ الْكُلِّيِّ فِي بَعْضِ جُزْئِيَّاتِهِ، وَمِثْلُ النَّذْرِ الَّذِي لَا مَخْرَجَ لَهُ الْيَمِينُ وَالْكَفَّارَةُ كَمَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ يَمِينٌ أَوْ كَفَّارَةٌ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ [قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ] أَيْ؛ لِأَنَّ الْمُبْهَمَ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَاللَّغْوِ وَالْغَمُوسِ وَالْكَفَّارَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَحِلَّ كَوْنِهِ نَذْرًا مُبْهَمًا إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، أَوْ إنْ فَعَلْت كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ وَكَعَلَيَّ نَذْرٌ حَيْثُ لَمْ يُعَلِّقْهُ فَإِنْ عَلَّقَهُ فَيَمِينٌ فَلِلَّهِ عَلَيَّ صِيغَةُ نَذْرٍ مُطْلَقًا، وَعَلَيَّ كَذَا صِيغَتُهُ إنْ لَمْ يُعَلِّقْ، وَإِلَّا فَيَمِينٌ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَذْهَبِ إلَخْ] هَذَا يُفِيدُ وُجُودَ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَوَجَدْت فِي كَلَامِ بَعْضِ أَئِمَّتِنَا مَا يُفِيدُ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْمُخَالِفَ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فَلَهُ قَوْلَانِ: قَوْلٌ بِعَدَمِ الِانْعِقَادِ، وَقَوْلٌ بِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ وَيَلْزَمُهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ.
[قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ لِلْفَرْعِ الْأَوَّلِ] أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ وَمَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً [قَوْلُهُ: خَمْرٍ] هُوَ الْمُسْكِرُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ، وَالنَّبِيذُ هُوَ الْمُسْكِرُ مِنْ غَيْرِهِ [قَوْلُهُ: وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ] الْمُرَادُ بِالِاسْتِغْفَارِ التَّوْبَةُ [قَوْلُهُ: أَوْ لَهُ وَلِمَا بَعْدَهُ] هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ الْمَعْنَوِيَّةِ] أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُ الْمَعَانِيَ [قَوْلُهُ: فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ] وَمِثْلُ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ الْحَلِفُ بِالنَّذْرِ الْمُبْهَمِ فَيُؤْمَرُ بِإِخْرَاجِ النَّذْرِ وَلَا يَفْعَلُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْيَمِينُ مِمَّا لَا تُكَفَّرُ كَالْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ طَلَاقُ الزَّوْجَةِ وَعِتْقُ الْعَبْدِ، لَكِنْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ لَبَرَّ هَذَا إذَا لَمْ يُقَيِّدْ بِالْأَجَلِ، وَإِنْ قَيَّدَهُ بِالْأَجَلِ فَلَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ حَتَّى يَحِلُّ [قَوْلُهُ: أَيْ اقْتَحَمَ] أَيْ ارْتَكَبَ وَقَوْلُهُ وَفَعَلَهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَقَوْلُهُ وَلَمْ يُبَالِ لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ وَقَوْلُهُ بِالصِّفَاتِ فَقَطْ مُتَعَلِّقٌ بِتَكَرُّرِ الْيَمِينِ أَيْ يُكَرِّرُ الْيَمِينَ بِالصِّفَاتِ أَوْ تَصْوِيرٌ لِلْيَمِينِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ الْيَمِينَ الْمَحْلُوفَ بِهِ، وَأَرَادَ الصِّفَاتِ وَلَوْ بِحَسَبِ اللَّفْظِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ يَرْجِعَانِ إلَى صِفَةِ الْكَلَامِ.
[تَكَرُّرِ الْكَفَّارَةِ وَعَدَمِ تَكَرُّرِهَا بِتَكَرُّرِ الْيَمِينِ]
[قَوْلُهُ: أَوْ بِهَا وَبِالْأَسْمَاءِ] أَيْ أَوْ بِالْأَسْمَاءِ فَقَطْ [قَوْلُهُ: فِي يَمِينٍ] اُحْتُرِزَ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ يَمِينٍ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ عَهْدٌ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَإِنَّهُ غَيْرُ يَمِينٍ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعَهْدَ يَمِينٌ إلَخْ] إشَارَةٌ لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ الْيَمِينَ الِاسْمُ أَوْ الصِّفَةُ الْمَحْلُوفُ بِهَا [قَوْلُهُ: فَقَدْ صَرَّحَ فِي التَّوْضِيحِ] أَيْ سَوَاءٌ قَصَدَ الْحَالِفُ بِتَعَدُّدِهَا التَّأْكِيدَ أَوْ الْإِنْشَاءَ أَوْ لَا قَصْدَ لَهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ كَفَّارَاتٍ، وَكَذَا لَوْ اخْتَلَفَ الْمَعْنَى كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةِ الْمَعَانِي أَوْ بِجَمِيعِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ [قَوْلُهُ: تَأْوِيلُهُ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَصَحَّحُوا تَأْوِيلَ الْمُدَوَّنَةِ بِهِ [قَوْلُهُ: أَشَارَ إلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي إلَخْ] لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا شَامِلٌ لِلْأَسْمَاءِ مَعَ الصِّفَاتِ وَلِلْأَسْمَاءِ فَقَطْ بَلْ وَلِلصِّفَاتِ فَقَطْ وَلَا يَتَكَرَّرُ مَعَ السَّابِقِ
وَإِنْ قَصَدَ التَّكْرَارَ عَلَى الْمَشْهُورِ مَا لَمْ يَنْوِ كَفَّارَاتٍ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، يَعْنِي أَنَّ الْحَالِفَ بِشَيْءٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَاتِهِ إذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ كَرَّرَ الْيَمِينَ بِذَلِكَ الِاسْمِ بِعَيْنِهِ أَوْ الصِّفَةِ بِعَيْنِهَا عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ نَوَى بِالْيَمِينِ الثَّانِيَةِ تَأْكِيدَ الْأُولَى أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ تَتَعَدَّدْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ بِالْحِنْثِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ قَصَدَ تَعَدُّدَ الْكَفَّارَةِ تَعَدَّدَتْ اتِّفَاقًا، وَإِنْ قَصَدَ الْإِنْشَاءَ بِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إلَى تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تَتَعَدَّدُ اهـ.
وَمَفْهُومٌ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَوْ كَرَّرَهَا فِي شَيْئَيْنِ مَثَلًا لَزِمَ لِكُلِّ كَفَّارَةٍ يَمِينٌ نَحْوِ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا وَاَللَّهِ لَا آكُلُ هَذَا الطَّعَامَ وَاَللَّهِ لَا أَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ.
(وَمَنْ قَالَ) وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ: (أَشْرَكْت بِاَللَّهِ أَوْ هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ) أَوْ عَابِدُ وَثَنٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ (إنْ فَعَلَ كَذَا) ثُمَّ فَعَلَهُ (فَلَا شَيْءَ) أَيْ لَا كَفَّارَةَ (عَلَيْهِ) فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ أَوْ صِفَاتِهِ لَا تَنْعَقِدُ بِهِ يَمِينٌ (وَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ الِاسْتِغْفَارِ) ظَاهِرُهُ وَلَا تُطْلَبُ مِنْهُ الشَّهَادَةُ وَقِيلَ تُطْلَبُ مِنْهُ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ.
(وَمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ) مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (فَلَا شَيْءَ) أَيْ لَا كَفَّارَةَ (عَلَيْهِ) وَيَلْزَمُهُ الِاسْتِغْفَارُ؛ لِأَنَّهُ آثِمٌ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَرِّمَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 59] وَيُسْتَثْنَى مِمَّا قَالَ مَسْأَلَتَانِ، أَشَارَ إلَى إحْدَاهُمَا بِقَوْلِهِ (إلَّا فِي زَوْجَتِهِ) إذَا قَالَ هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ (فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا طَلَاقُهَا ثَلَاثًا لَا تَحِلُّ لَهُ (إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ) هَذَا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَأَمَّا غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا فَيَنْوِي فِيهَا كَمَا سَيَقُولُ فِي النِّكَاحِ.
وَالثَّانِيَةُ: إذَا حَرَّمَ أَمَتَهُ وَنَوَى بِهِ الْعِتْقَ فَإِنَّهَا تَصِيرُ حُرَّةً بِذَلِكَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ لَا يَطَؤُهَا إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ.
(وَمَنْ جَعَلَ مَالَهُ كُلَّهُ صَدَقَةً) لِلَّهِ تَعَالَى (أَوْ
[حاشية العدوي]
لِأَنَّهُ فِي هَذَا أَتَى بِحَرْفِ الْقَسَمِ كَوَاللَّهِ [قَوْلُهُ: وَكَّدَ] أَرَادَ التَّوْكِيدَ [قَوْلُهُ: وَإِنْ قَصَدَ التَّكْرَارَ] أَيْ قَصَدَ الْإِنْشَاءَ [قَوْلُهُ: أَوْ صِفَاتِهِ] أَوْ مَانِعَةُ خُلُوٍّ تُجَوِّزُ الْجَمْعَ أَيْ أَوْ بِهِمَا [قَوْلُهُ: فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تَتَعَدَّدُ] وَقِيلَ تَتَعَدَّدُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْأَيْمَانُ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ، وَالظِّهَارُ مِثْلُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ بِخِلَافِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ، فَإِنَّهُ بِتَعَدُّدِهَا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ التَّأْكِيدَ إذَا كَرَّرَهَا بِغَيْرِ عَطْفٍ، أَيْ وَكَانَ نَسَقًا؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ يُشَدَّدُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا.
[قَوْلُهُ: وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ إلَخْ] أَيْ وَالِاعْتِصَامُ كَائِنٌ بِاَللَّهِ [قَوْلُهُ: أَوْ عَابِدِ وَثَنٍ] وَمِثْلُ ذَلِكَ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ كَمَا قَالَهُ فِي الْإِرْشَادِ [قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ الِاسْتِغْفَارِ] الْمُرَادُ مِنْهُ التَّوْبَةُ أَيْ وَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ الشَّهَادَةُ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ زِيَادَةٌ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ مِنْ التَّقَرُّبِ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ، كَعِتْقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ صَوْمٍ وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلَ كَذَا يَكُونُ مُرْتَدًّا أَوْ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ يَكُونُ وَاقِعًا فِي حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ فَكَذَلِكَ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ تُطْلَبُ مِنْهُ] أَيْ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ ضَعِيفٌ وَالْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: إذَا قَالَ هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ] أَيْ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ الْحَلَالُ عَلَيَّ حَرَامٌ وَعَزَلَ الزَّوْجَةَ أَوَّلًا قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِالْيَمِينِ، فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الزَّوْجَةِ، وَتِلْكَ النِّيَّةِ تَكْفِيهِ وَلَوْ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَحْلِفُ أَوَّلًا وَقَوْلُنَا أَوَّلًا احْتِرَازٌ عَمَّا لَوْ طَرَأَتْ نِيَّةُ الْعَزْلِ بَعْدَ النُّطْقِ بِالْيَمِينِ فَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ وَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ نُطْقًا مُتَّصِلًا وَقَصْدِ حِلِّ الْيَمِينِ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا] مُلَخَّصُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا يَلْزَمُهُ فِيهَا الثَّلَاثُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَقَلَّ [قَوْلُهُ: وَنَوَى بِهِ الْعِتْقَ] ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْعِتْقَ فَهِيَ كَتَحْرِيمِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَلَا يَلْزَمُ بِتَحْرِيمِهِ إلَّا الِاسْتِغْفَارُ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا حَلَلْتِ حَرُمْتِ فَهَلْ تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ زَوْجٍ (فِي جَوَابِهِ) تَفْصِيلٌ إنْ قَصَدَ كُلَّمَا حَلَّ لِي الْعَقْدُ عَلَيْك فَهُوَ حَرَامٌ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَحْرِيمِ الطَّعَامِ، وَإِنْ قَصَدَ كُلَّمَا حَلَلْت وَتَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ حَرَامٌ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وَاحِدًا مِنْ هَذَيْنِ فَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى الثَّانِي لِكَثْرَةِ قَصْدِ التَّأَمُّلِ لَهُ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ جَعَلَ مَالَهُ إلَخْ] يَعْنِي أَنَّ الْحَالِفَ بِمَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ الْمَسَاكِينِ أَوْ هِبَتِهِ لَهُمْ أَوْ هَدْيٍ مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ قُرْبَةٌ مُعَيَّنَةٌ
هَدْيًا) يَبْعَثُهُ (إلَى بَيْتِ اللَّهِ) الْحَرَامِ (أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ) ع يُرِيدُ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي يَمِينٍ أَوْ نَذْرٍ وَيُرِيدُ أَيْضًا مَا لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا أَمَّا إذَا سَمَّى لَزِمَهُ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ مَالِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلُ: أَوْ صَدَقَةُ شَيْءٍ سَمَّاهُ.
وَيُرِيدُ مَا لَمْ يَسْتَثْنِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا أَمَّا إذَا اسْتَثْنَى مِنْ مَالِهِ فَإِنَّهُ يَنْفَعُهُ وَلَوْ دِرْهَمًا، وَالْأَصْلُ فِيمَا ذَكَرَ مَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهْجُرُ دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْت فِيهَا الذَّنْبَ وَأُجَاوِرُك وَأَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَجْزِيك مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ» .
(وَمَنْ حَلَفَ بِنَحْرِ وَلَدِهِ) الْوَاحِدِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ نَحْرُ وَلَدِي (فَإِنْ ذَكَرَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ) الْخَلِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (أَهْدَى هَدْيًا) وَاحِدًا، وَأَعْلَاهُ بَدَنَةٌ ثُمَّ بَقَرَةٌ ثُمَّ شَاةٌ (يُذَبَّحُ بِمَكَّةَ) بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ بِهِ مِنْ الْحِلِّ أَوْ بِمِنًى إنْ أَوْقَفَهُ بِعَرَفَةَ وَاخْتُلِفَ هَلْ الْهَدْيُ الْمَذْكُورُ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ قَوْلُ
[حاشية العدوي]
فَإِنَّهُ إذَا حَنِثَ يَلْزَمُهُ ثُلُثُ مَالِهِ مِنْ عَيْنٍ وَدَيْنٍ أَيْ عَدَدِهِ أَوْ قِيمَتِهِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الزَّكَاةِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَمِنْ عَرَضٍ، وَقِيمَةِ كِتَابَةِ مُكَاتَبٍ ثُمَّ إنْ عَجَزَ، وَكَانَ فِي قِيمَةِ رَقَبَتِهِ فَضْلٌ عَنْ قِيمَةِ كِتَابَتِهِ أَخْرَجَ ثُلُثَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي أُمِّ وَلَدِهِ.
وَكَذَا تُعْتَبَرُ أُجْرَةُ الْمُدَبَّرِ وَالْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ لَا خِدْمَتُهُمَا وَلَا ذَاتُهُمَا وَالْمُعْتَبَرُ ثُلُثُ الْمَوْجُودِ حِينَ يَمِينِهِ لَا مَا زَادَ بَعْدَهُ بِهِبَةٍ أَوْ نَمَاءٍ أَوْ وِلَادَةٍ فَلَوْ حَلَفَ وَمَالُهُ أَلْفٌ فَحَنِثَ، وَهُوَ أَلْفَانِ لَزِمَهُ ثُلُثُ الْأَلْفِ وَعَكْسُهُ ثُلُثُ الْأَلْفِ رِفْقًا بِهِ، فَإِنْ نَقَصَ يَوْمَ الْحِنْثِ عَنْ يَوْمِ الْيَمِينِ بِنَفَقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَهَلَاكٍ، وَلَوْ بِتَفْرِيطٍ فِي صِيغَةِ بِرٍّ فَمَا بَقِيَ يُجْزِئُ ثُلُثُهُ فَقَطْ بَعْدَ حِسَابِ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ وَلَوْ مُؤَجَّلًا كَمَهْرِ زَوْجَتِهِ، وَقُلْنَا فِي صِيغَةِ بِرٍّ، وَأَمَّا مَا تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ فَيَلْزَمُهُ ثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ نَعَمْ يَتَّفِقُ مَعَ صِيغَةِ الْبِرِّ فِي أَنَّ مَا هَلَكَ بَعْدَ الْحِنْثِ بِتَفْرِيطٍ أَوْ بِغَيْرِهِ يَلْزَمُهُ ثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ، لَكِنْ فِي أَبِي الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَحِلَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُ بِقُرْبٍ بِلَا تَفْرِيطٍ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ ثُلُثُ مَا بَقِيَ هَذَا كُلُّهُ فِي الْيَمِينِ كَمَا قَرَّرْنَا.
وَأَمَّا لَوْ نَذَرَ مَالَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ثُلُثُ مَا نَقَصَ بِنَفَقَتِهِ لَا بِتَلَفٍ وَلَا بِتَفْرِيطٍ فَثُلُثُ مَا بَقِيَ يَوْمَ الْإِخْرَاجِ [قَوْلُهُ: أَوْ هَدْيًا] كَمَا لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ جَمِيعَ مَالِيٍّ [قَوْلُهُ: فِي يَمِينٍ أَوْ نَذْرٍ] مِثَالُ الْأَوَّلِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَمَالِي صَدَقَةٌ وَمِثَالُ النَّذْرِ كَمَا قَالَ فِي التَّحْقِيقِ أَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِي أَوْ أُهْدِيَ جَمِيعَ مَالِي [قَوْلُهُ: وَيُرِيدُ أَيْضًا مَا لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا] وَيُرِيدُ أَيْضًا مَا لَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ عَلَى مُعَيَّنٍ بِالشَّخْصِ كَزَيْدٍ أَوْ بِالْوَصْفِ كَبَنِي زَيْدٍ فَيَلْزَمُهُ الْجَمِيعُ حِينَ حَلَفَهُ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ فَمَا بَقِيَ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا إذَا سَمَّى وَيَتْرُكُ لَهُ مَا يَتْرُكُ لِلْمُفْلِسِ [قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا سَمَّى إلَخْ] الْفَرْقُ بَيْنَ مَالِي لِلْفُقَرَاءِ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ يَلْزَمُهُ الثُّلُثُ وَبَيْنَ مَنْ سَمَّى يَلْزَمُهُ جَمِيعُ مَا سَمَّاهُ أَنَّ مَنْ سَمَّى لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى نَفْسِهِ، بَلْ أَبْقَى لِنَفْسِهِ شَيْئًا، وَلَوْ ثِيَابَ ظَهْرِهِ وَمَنْ قَالَ مَالِي وَلَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ مَالِي يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُهُ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَخَفَّفَ عَنْهُ وَاكْتَفَى فِيهِ بِثُلُثِهِ.
تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ إخْرَاجُ ثُلُثِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ وَلَوْ لِمُعَيَّنٍ لَا يُقْضَى بِهِ وَمِثْلُهُ الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ وَالْحَبْسُ إذَا كَانَتْ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِهَا عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَلَوْ لِمُعَيَّنٍ لَقَضَى بِهَا؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ مَعْرُوفٍ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَنْفَعُهُ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ كُلُّهُ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ] بَشِيرٌ وَقِيلَ رِفَاعَةُ [قَوْلُهُ حِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ] مِنْ تَخَلُّفِهِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكِ فَارْتَبَطَ بِسَارِيَةِ الْمَسْجِدِ حَتَّى نَزَلَ ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 102] الْآيَةَ.
[قَوْلُهُ: أَهْجُرُ] بِتَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ [قَوْلُهُ: وَأُجَاوِرُك] فِي مَسْجِدِك أَوْ أَسْكُنُ بِبَيْتٍ بِجِوَارِك [قَوْلُهُ: صَدَقَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ] يَصْرِفُهَا فِي وُجُوهِ الْبِرِّ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ حَلَفَ بِنَحْرِ وَلَدِهِ] الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ وَلَدِهِ وَقَرِيبِهِ وَالْأَجْنَبِيِّ وَنَفْسِهِ فِي أَنَّهُ إنْ ذَكَرَ أَوْ نَوَى مَقَامَ إبْرَاهِيمَ أَيْ قِصَّتَهُ مَعَ وَلَدِهِ فَيَلْزَمُهُ الْهَدْيُ لَا مَقَامَ مُصَلَّاهُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، كَمَا إذَا نَوَى قَتْلَهُ، وَلَوْ مَعَ ذِكْرِ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ ذَكَرَ أَوْ نَوَى أَمْكِنَةً مِنْ أَمْكِنَةِ النَّحْرِ كَمَكَّةَ أَوْ مِنًى أَوْ مَوْضِعًا مِنْ مَوَاضِعِهَا، وَلَيْسَتْ مُزْدَلِفَةُ مِنْهَا أَوْ تَلَفَّظَ بِالْهَدْيِ أَوْ نَوَاهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ، كَأَنْ يَقُولَ عَلَيَّ هَدْيُ فُلَانٍ أَوْ نَحْرُهُ هَدْيًا، وَإِنْ
عَبْدِ الْوَهَّابِ أَوْ وَاجِبٌ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّيْخِ (وَتُجْزِئُهُ شَاةٌ) أَيْ مَعَ الْكَرَاهَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَعْلَى مِنْهَا، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَاحْتَرَزَ بِوَلَدِهِ مِمَّا إذَا حَلَفَ بِنَحْرِ أَجْنَبِيٍّ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَيَّدْنَاهُ بِالْوَاحِدِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا حَلَفَ بِنَحْرِ وَلَدَيْنِ فَأَكْثَرَ فَإِنَّ الْهَدْيَ يَتَعَدَّدُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ (وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْمَقَامَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لَا هَدْيَ وَلَا كَفَّارَةَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الِاسْتِغْفَارُ مِنْ ذَلِكَ.
(وَمَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ) مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ (فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ الْمَشْيُ) لُزُومًا (مِنْ مَوْضِعِ حَلِفِهِ) يُرِيدُ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي حَلَفَ فِيهِ لَا مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْهِ حَالَ حَلِفِهِ إلَّا أَنْ يُعَيِّنَ مَوْضِعًا بِعَيْنِهِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّخْيِيرِ فِي قَوْلِهِ (فَلْيَمْشِ إنْ شَاءَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ)
[حاشية العدوي]
قَصَدَ حَقِيقَةَ النَّحْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ: إنْ قَصَدَ الْهَدْيَ وَالْقُرْبَةَ لَزِمَهُ ذَلِكَ اتِّفَاقًا، وَإِنْ قَصَدَ الْمَعْصِيَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ اتِّفَاقًا وَاخْتُلِفَ حَيْثُ لَا نِيَّةَ لَهُ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيُ فُلَانٍ أَوْ حَلَفَ بِهِ وَحَنِثَ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِي الْتِزَامِ الْهَدْيِ، وَسَيَأْتِي يَقُولُ إنْ لَمْ يَذْكُرْ أَيْ وَلَمْ يَنْوِ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ لَا لَفْظَ بِالْهَدْيِ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا أَوْ أَجْنَبِيًّا أَوْ نَفْسَهُ، بِأَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَحْرُ نَفْسِي أَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ نَحْرُهُ أَوْ هُوَ بَدَنَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ وَهَذَا إذَا كَانَ فُلَانٌ حُرًّا، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِنْ كَانَ عَبْدَ نَفْسِهِ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ، وَإِنْ كَانَ عَبْدَ غَيْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: أَوْ وَاجِبٌ] وَهُوَ الرَّاجِحُ [قَوْلُهُ: أَيْ مَعَ الْكَرَاهَةِ إلَخْ] يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ مَا إذَا فَعَلَ الْبَقَرَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَدَنَةِ [قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا إلَخْ] لَا وَجْهَ لِلتَّقْيِيدِ بِهُنَا؛ لِأَنَّ الشَّاةَ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَيُقَالُ هَذَا شَاةٌ لِلذَّكَرِ وَهَذِهِ شَاةٌ لِلْأُنْثَى وَشَاةٌ ذَكَرٌ وَشَاةٌ أُنْثَى [قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزَ بِوَلَدِهِ إلَخْ] الرَّاجِحُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ بِنَحْرِهِ الْأَجْنَبِيَّ، وَذَكَرَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ كَمَا تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْهَدْيَ يَتَعَدَّدُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] وَقِيلَ هَدْيٌ كَافٍ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَذَكَرَ أَنَّ الْحَقَّ التَّعَدُّدُ.
[قَوْلُهُ: حَلَفَ بِالْمَشْيِ] مَفْهُومُهُ لَوْ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ الْمَسِيرَ أَوْ الذَّهَابَ لَا يَكُونُ حُكْمُهُ كَذَلِكَ أَيْ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً فَيَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ، وَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَاشِيًا، فَإِنْ قِيلَ الْمَسِيرُ وَالذَّهَابُ كَالْمَشْيِ فَلِمَ لَزِمَ الْحَجُّ أَوْ الْعُمْرَةُ فِي الْمَشْيِ دُونَ غَيْرِهِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ الْعُرْفَ اُشْتُهِرَ فِيهِ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْمَشْيِ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ بِخِلَافِ لَفْظِ نَحْوِ الْمَسِيرِ أَوْ الرُّكُوبِ، وَأَيْضًا السُّنَّةُ جَاءَتْ بِذَلِكَ [قَوْلُهُ: إلَى مَكَّةَ] أَيْ وَالْبَيْتِ أَوْ إلَى جُزْءٍ مُتَّصِلٍ بِهِ كَالْحِجْرِ وَالْمُلْتَزَمِ وَالرُّكْنِ وَالْبَابِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الصَّفَّا أَوْ الْمَرْوَةِ أَوْ عَرَفَةَ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَحَدَ النُّسُكَيْنِ أَوْ يَنْوِيَ الْحَجَّ عِنْدَ قَوْلِهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى عَرَفَةَ فَيَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ.
تَنْبِيهٌ: وَمِثْلُ الْحَلِفِ النَّذْرُ.
[قَوْلُهُ: مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إلَخْ] لَا يُقَالُ هَذِهِ صِيغَةُ نَذْرٍ فَكَيْفَ يُفَسَّرُ بِهَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ حَلَفَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ قَرَّرُوا أَنَّ عَلَيَّ بِدُونِ اللَّهِ صِيغَةُ يَمِينٍ لَا نَذْرٍ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مُعَلَّقَةً عَلَى شَيْءٍ مُمْتَنَعٍ مِنْ فِعْلِهِ كَمَا هُنَا [قَوْلُهُ: مِنْ مَوْضِعِ حَلِفِهِ] أَيْ أَوْ مِنْ مِثْلِهِ سَوَاءٌ حَنِثَ بِهِ أَمْ لَا خِلَافًا لِخَلِيلٍ أَيْ وَالنَّاذِرُ مِنْ مَوْضِعِ نَذْرِهِ [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُعَيِّنَ مَوْضِعًا] أَيْ فِي لَفْظِهِ أَوْ نِيَّتِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ مِنْهُ وَقَوْلُهُ بِعَيْنِهِ لَمَّا كَانَ تَعْيِينُ الْمَوْضِعِ يَصْدُقُ بِشَخْصِهِ وَنَوْعِهِ.
وَالْمُرَادُ شَخْصُهُ احْتَاجَ لِقَوْلِهِ بِعَيْنِهِ أَيْ شَخْصِهِ وَلَوْ حَذَفَهُ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى تَعْيِينِ مَوْضِعٍ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَاَلَّذِي يُفِيدُهُ النَّقْلُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ النَّاذِرُ أَوْ الْحَالِفُ الْمَحِلَّ الَّذِي يَبْتَدِئُ الْمَشْيُ مِنْهُ وَجَرَى الْعُرْفُ بِالْمَشْيِ مِنْ مَحِلٍّ خَاصٍّ فَإِنَّهُ يَمْشِي مِمَّا جَرَى الْعُرْفُ بِالْمَشْيِ مِنْهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ نِيَّةٌ فِي شَيْءٍ عَمِلَ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ ذَهَبَ مِنْ الْمَوْضِعِ الْمُعْتَادِ لِلْحَالِفِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا لِلْحَالِفِينَ فَمِنْ مَوْضِعِ نَذْرِهِ أَوْ حَلِفِهِ أَوْ مِثْلِ حَلِفِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمِثْلِيَّةِ فِي الْمَسَافَةِ لَا فِي
مَحِلُّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فِي أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَذَكَرَ مَبْدَأَ الْمَشْيِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُنْتَهَاهُ، وَمُنْتَهَاهُ فِي الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ السَّعْيِ وَفِي الْحَجِّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ لُزُومِ الْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ لِلْحَالِفِ بِهِ مَحِلُّهُ إنْ اسْتَطَاعَهُ (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ) إلَيْهَا بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِي الْمَشْيِ (رَكِبَ ثُمَّ يَرْجِعُ) مَرَّةً (ثَانِيَةً) مَاشِيًا (إنْ قَدَرَ) عَلَيْهِ
[حاشية العدوي]
الصُّعُوبَةِ وَالسُّهُولَةِ بَقِيَ لَوْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ، وَلَهُ طَرِيقَانِ إلَيْهَا مُتَسَاوِيَانِ إحْدَاهُمَا مُعْتَادَةٌ وَالْأُخْرَى غَيْرُ مُعْتَادَةٍ فَمَشَى فِي غَيْرِ الْمُعْتَادَةِ هَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا؟ . وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ مِنْ الْخَرَشِيِّ الْكَبِيرِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ طَرِيقُ الْحَالِفِينَ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ فَيَجُوزُ الْمَشْيُ وَلَوْ مِنْ الْقَرِيبَةِ حَيْثُ اُعْتِيدَ الْمَشْيُ فِيهِمَا.
تَنْبِيهٌ: قَالَ عج: فَإِذَا كَانَ بِوَسَطِ الْبَلَدِ وَحَلَفَ، مَشَى مِنْ طَرَفِ الْبَلَدِ لَا مِنْ مَوْضِعِ حَلِفِهِ وَيَبْقَى النَّظَرُ فِيمَا إذَا اتَّصَلَ بِالْبَلَدِ مِنْ الْبَسَاتِينِ الْمَسْكُونَةِ، وَمَا كَانَ فِي حُكْمِهَا، هَلْ هُوَ حُكْمُ الْبَلَدِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْقَصْرِ أَوْ لَا.
[قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ] هَذَا مُتَعَلِّقُ قَوْلِهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لَا بِالْمَشْيِ، وَلَوْ قَالَ فَلْيَمْشِ فِي حَجٍّ، وَإِنْ شَاءَ فِي عُمْرَةٍ لَكَانَ أَوْضَحَ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ إلَى مَكَّةَ اُعْتِيدَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَبَقِيَ مَا لَوْ كَانَ الْحَالِفُ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ أَوْ النَّاذِرُ قَاطِنًا بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِلْحِلِّ وَيُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ إلَخْ] أَيْ أَنَّ التَّخْيِيرَ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَمُقَابِلُهُ أَنَّ هَذَا التَّخْيِيرَ إنَّمَا يَحْسُنُ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ سَاكِنٌ فِي الْمَدِينَةِ وَمَا قَرُبَ مِنْ مَكَّةَ، وَهُمْ الَّذِينَ جَرَتْ عَادَتُهُمْ أَنْ يَأْتُوا إلَى مَكَّةَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النُّسُكَيْنِ، وَأَمَّا مَا بَعُدَ عَنْ مَكَّةَ كَأَهْلِ الْغَرْبِ فَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الْعُمْرَةَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَنْوِيَهَا حِينَ النَّذْرِ، وَهُوَ لِلَّخْمِيِّ [قَوْلُهُ: بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ السَّعْيِ] الْأَحْسَنُ الْفَرَاغُ مِنْ السَّعْيِ وَكَذَا فِيمَا بَعْدُ؛ لِأَنَّ الْبَعْدِيَّةَ ظَرْفٌ مُتَّسَعٌ، وَأَمَّا الْحِلَاقُ فَإِنَّهُ مِنْ وَاجِبَاتِهَا لَا مِنْ أَرْكَانِهَا، فَإِنْ رَكِبَ بَعْدَ سَعْيِهِ وَقَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَانْظُرْ لَوْ رَكِبَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَقَبْلَ السَّعْيِ كَذَا نَظَرَ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي الْحَجِّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ] فَيَرْكَبُ فِي رُجُوعِهِ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى وَيَرْكَبُ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ، وَأَمَّا إنْ أَخَّرَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ فَإِنَّهُ يَمْشِي فِي رَمْيِ الْجِمَارِ وَلَهُ بَعْدَ تَمَامِ الْإِفَاضَةِ الرُّكُوبُ، وَلَوْ لَمْ يَحْلِقْ، وَهَذَا إذَا كَانَ قَدَّمَ السَّعْيَ، وَإِلَّا فَيَمْشِي لِتَمَامِ السَّعْيِ لَا لِتَمَامِ الْإِفَاضَةِ فَقَطْ [قَوْلُهُ: بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِي الْمَشْيِ إلَخْ] أَيْ أَنَّهُ إذَا كَانَ حِينَ خُرُوجِهِ ظَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى مَشْيِ الْجَمِيعِ وَلَوْ فِي عَامَيْنِ فَخَالَفَ ظَنُّهُ، وَعَجَزَ فَرَكِبَ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ يَرْجِعُ مَرَّةً إلَخْ] هَذَا إذَا رَكِبَ كَثِيرًا بِحَسَبِ مَسَافَتِهِ حَيْثُ اسْتَوَتْ الْمَسَافَةُ جَمِيعُهَا فِي الصُّعُوبَةِ أَوْ فِي السُّهُولَةِ وَالْأَمْنِ وَالْخَوْفِ، أَوْ بِحَسَبِ صُعُوبَةِ الْمَسَافَةِ وَسُهُولَتِهَا، وَأَمْنِهَا وَخَوْفِهَا مَعَ الْمِسَاحَةِ حَيْثُ اخْتَلَفَتْ الْمَسَافَةُ فِي ذَلِكَ، وَيُعَوَّلُ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ وَالْحَاصِلُ كَمَا فِي عج أَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِ كَثِيرًا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا فِي نَفْسِهِ بِحَسَبِ الصُّعُوبَةِ وَالسُّهُولَةِ وَالْمِسَاحَةِ أَوْ بِحَسَبِ الْمِسَاحَةِ فَقَطْ، وَمِثْلُ رُكُوبِهِ الْكَثِيرِ إذَا رَكِبَ الْمَنَاسِكَ وَالْإِفَاضَةَ مَعًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فِي نَفْسِهِ أَشْبَهَ الْكَثِيرَ، وَالْمَنَاسِكُ هِيَ أَفْعَالُ الْحَجِّ مِنْ حِينِ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ إلَى رُجُوعِهِ بِمِنًى وَالْإِفَاضَةُ هِيَ رُجُوعُهُ مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ.
وَمِثْلُهُمَا لَوْ رَكِبَ الْمَنَاسِكَ فَقَطْ لَا الْإِفَاضَةَ فَقَطْ يَعْنِي إذَا رَكِبَ الْإِفَاضَةَ فَقَطْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْهَدْيُ فَقَطْ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ وَلَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ، وَكَذَا لَوْ رَكِبَ قَلِيلًا بِحَسَبِ مَسَافَتِهِ وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ ثَانِيًا، وَلَكِنْ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ، وَمَحِلُّ كَوْنِهِ يَرْجِعُ مَرَّةً ثَانِيَةً إذَا لَمْ يَكُنْ الْعَامُ مُعَيَّنًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْعَامُّ مُعَيَّنًا كَلِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ مَاشِيًا فِي عَامٍ كَذَا فَخَرَجَ وَرَكِبَ كُلَّ الطَّرِيقِ أَوْ بَعْضَهُ فَإِنَّهُ يُهْدِي وَلَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ فَلَوْ لَمْ يَحُجَّ فِي هَذَا الْعَامِ الْمُعَيَّنِ بَلْ تَرَكَ فِيهِ الْحَجَّ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَوْ مَشَى وَتَرَاخَى حَتَّى فَاتَهُ يَأْثَمُ وَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ مَاشِيًا.
[قَوْلُهُ: إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ إلَخْ] فَإِذَا لَمْ يَقْدِرُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ فَقَطْ كَمَا سَيَنُصُّ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ وَمَحِلُّ الرُّجُوعِ أَيْضًا إذَا كَانَ نَحْوَ الْمِصْرِيِّ، وَأَمَّا مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ عَنْ مَكَّةَ بُعْدًا كَثِيرًا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ فَقَطْ كَالْإِفْرِيقِيِّ لِبُعْدِ دَارِهِ وَمَشَقَّةِ رُجُوعِهِ، وَيُلْحَقُ بِكُلِّ مَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَأَمَّا الَّذِي بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ فَيُلْحَقُ
لِتَلَافِي مَا رَكِبَ (فَيَمْشِي أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ) وَيَرْكَبُ الَّتِي مَشَى إذَا عَلِمَ مَا رَكِبَ فِيهِ، وَمَا مَشَى وَيَهْدِي لِتَفْرِقَةِ الْمَشْيِ بَدَنَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَبَقَرَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَشَاةً، وَإِنْ أَتَى بِالْأَدْنَى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَعْلَى أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا مَشَى، وَمَا رَكِبَ فَإِنَّهُ يَمْشِي الطَّرِيقَ كُلَّهُ، ابْنُ الْمَوَّازِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْهَدْيُ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَشْيَ الثَّانِيَ غَيْرُ وَاجِبٍ فَلَا يَسْقُطُ مَا تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الْهَدْيِ.
(وَإِنْ عَلِمَ) بِمَعْنَى ظَنَّ (أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ) عَلَى الْمَشْيِ (قَعَدَ، وَأَهْدَى، وَقَالَ عَطَاءٌ) بْنُ أَبِي رَبَاحٍ (لَا يَرْجِعُ) مَرَّةً (ثَانِيَةً، وَإِنْ قَدَرَ) عَلَى الْمَشْيِ ثَانِيًا (وَيُجْزِئُهُ الْهَدْيُ) هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ صَرُورَةٍ، وَأَمَّا (إذَا كَانَ صَرُورَةً) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مَنْ لَمْ يَحُجَّ قَطُّ إذَا حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ وَحَنِثَ أَوْ نَذَرَ (جَعَلَ ذَلِكَ) الْمَشْيَ (فِي عُمْرَةٍ) وُجُوبًا عَلَى مَا فِي الْمُخْتَصَرِ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ نِيَّةٌ مَشَى فِيمَا نَوَى (فَإِذَا طَافَ وَسَعَى وَقَصَّرَ أَحْرَمَ) مِنْ الْحِلِّ اسْتِحْبَابًا فَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ أَحْرَمَ (مِنْ مَكَّةَ) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ بَابِهِ (بِفَرِيضَةٍ) وَهِيَ
[حاشية العدوي]
بِالْمِصْرِيِّ فَيَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُهُ لِلِاحْتِيَاطِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْهَدْيَ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ فِيهِ الْهَدْيَ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ الرُّجُوعِ إلَى مَكَّةَ أَوْ لَا فَهُوَ وَاجِبٌ إلَّا فِيمَنْ شَهِدَ الْمَنَاسِكَ رَاكِبًا أَوْ بَعْضَهَا أَوْ الْإِفَاضَةَ أَوْ هُمَا فَإِنَّهُ يَنْدُبُ فِي حَقِّهِ الْهَدْيُ [قَوْلُهُ: وَيَهْدِي] وَيُؤَخِّرُ الْهَدْيَ لِعَامِ رُجُوعِهِ وَلَوْ قَدَّمَهُ فِي عَامِ الْمَشْيِ لَأَجْزَأَهُ [قَوْلُهُ: وَإِنْ أَتَى بِالْأَدْنَى إلَخْ] أَيْ وَخَالَفَ الْمُسْتَحَبَّ [قَوْلُهُ: ابْنُ الْمَوَّازِ إلَخْ] كَلَامُ ابْنِ الْمَوَّازِ وَالتَّعَقُّبُ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا عَلِمَ أَمَاكِنَ الرُّكُوبِ وَمَشَى الْجَمِيعَ لَا فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ يَكُونُ مَشْيُ الْجَمِيعِ عَلَيْهِ وَاجِبًا يُفِيدُ ذَلِكَ صَرِيحًا نَصُّ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ عَلِمَ بِمَعْنَى ظَنَّ] مُقَابِلُ قَوْلِهِ قَدْ دَارَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الرُّجُوعِ وَفَسَّرَ الشَّارِحُ الْعِلْمَ بِالظَّنِّ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطَ الْعِلْمَ، وَأَنَّ الظَّنَّ يَكْفِي.
تَنْبِيهَانِ.
الْأَوَّلُ: إذَا قُلْنَا بِلُزُومِ الرُّجُوعِ فَإِذَا رَجَعَ فِي زَمَنٍ قَابِلٍ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي حَجٍّ إنْ كَانَ حِينَ نَذْرِهِ نَذَرَ حَجًّا أَوْ نَوَاهُ أَوْ فِي عُمْرَةٍ إنْ نَذَرَهَا أَوْ نَوَاهَا فَإِنْ خَالَفَ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَيَّنَ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ حِينَ نَذْرِهِ أَوْ حَلِفِهِ بَلْ أَبْهَمَ وَمَشَى فِي أَحَدِهِمَا فَرَكِبَ فِيهِ كَثِيرًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ، ثَانِيًا فِي الزَّمَنِ الْقَابِلِ فَيَمْشِي أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِغَيْرِ مَا أَحْرَمَ بِهِ أَوَّلًا.
الثَّانِي: مَحِلُّ وُجُوبِ الرُّجُوعِ أَيْضًا عَلَى مَنْ رَكِبَ كَثِيرًا أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ حَيْثُ ظَنَّ حِينَ خُرُوجِهِ الْقُدْرَةَ عَلَى مَشْيِ الْجَمِيعِ، وَلَوْ فِي عَامَيْنِ فَخَالَفَ ظَنُّهُ كَمَا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَهُ أَوَّلًا، أَمَّا إنْ لَمْ يَظُنَّ الْقُدْرَةَ حِينَ خُرُوجِهِ مَعَ عِلْمِهِ أَوْ ظَنِّهِ الْقُدْرَةَ حِينَ يَمِينِهِ عَلَى مَشْيِ الْجَمِيعِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ بِأَنْ تَوَهَّمَ أَوْ شَكَّ أَوْ عَلِمَ الْعَجْزَ لِضَعْفٍ أَوْ كِبَرٍ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ أَوَّلَ عَامٍ يَمْشِي مَقْدُورَهُ وَلَوْ نِصْفَ مِيلٍ وَرَكِبَ مَعْجُوزَهُ، وَأَهْدَى مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ، وَقُلْنَا ظَنَّ الْقُدْرَةَ حِينَ يَمِينِهِ احْتِرَازًا مِمَّنْ ظَنَّ الْعَجْزَ حِينَ يَمِينِهِ أَوْ نَوَى أَنْ لَا يَمْشِيَ إلَّا مَا يُطِيقُهُ وَلَوْ شَابًّا فَإِنَّهُ يَخْرُجُ أَوَّلَ عَامٍ وَيَمْشِي مَقْدُورَهُ وَيَرْكَبُ مَعْجُوزَهُ وَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ وَلَا هَدْيَ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ عَطَاءٌ إلَخْ] هَذَا خِلَافٌ الْمَذْهَبِ وَهُوَ مُجْتَهِدٌ [قَوْلُهُ: هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ صَرُورَةٍ] لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ كُلِّهِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ وَمَا ذُكِرَ مِنْ التَّخْيِيرِ الْمُتَقَدِّمِ إذَا كَانَ غَيْرَ صَرُورَةٍ [قَوْلُهُ: عَلَى مَا فِي الْمُخْتَصَرِ] أَيْ أَنَّ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ يَجْعَلُهُ فِي عُمْرَةٍ وُجُوبًا وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: يَجْعَلُهُ فِيهَا اسْتِحْبَابًا لَا وُجُوبًا كَذَا فِي التَّحْقِيقِ، وَلَوْ أَحْرَمَ حِينَ أَتَى الْمِيقَاتَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَجْزَأَهُ ثُمَّ يَأْتِي عَنْ نَذْرِهِ بِعُمْرَةٍ أَوْ حَجَّةٍ وَيَمْشِي مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ أَوَّلًا وَلَوْ أَحْرَمَ وَلَمْ يَنْوِ فَرْضًا وَلَا نَذْرًا انْصَرَفَ لِلْفَرْضِ، وَإِنْ حَجَّ نَاوِيًا فَرْضَهُ وَنَذْرَهُ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا أَجْزَأَ عَنْ النَّذْرِ وَلَا يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ، وَهَلْ إجْزَاؤُهُ عَنْ نَذْرِهِ فَقَطْ مُقَيَّدٌ بِأَنْ لَمْ يَنْذُرْ أَوْ يُعَيِّنْ فِي يَمِينِهِ حَجًّا بِأَنْ نَذَرَ عُمْرَةً أَوْ مَشْيًا مُطْلَقًا أَوْ حَلَفَ بِهِ، كَذَلِكَ وَجَعَلَهُ فِي حَجٍّ، وَأَمَّا إنْ نَذَرَ الْحَجَّ مَاشِيًا أَوْ عَيَّنَهُ فِي يَمِينِهِ وَنَوَى بِحَجِّهِ نَذْرَهُ وَفَرْضَهُ فَلَا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ أَوْ إجْزَاؤُهُ عَنْ نَذْرِهِ فَقَطْ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ تَأْوِيلَانِ.
[قَوْلُهُ: أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ اسْتِحْبَابًا] أَيْ مِنْ
حَجَّةُ الْإِسْلَامِ (وَكَانَ مُتَمَتِّعًا) إذَا صَادَفَتْ عُمْرَتُهُ أَوْ بَعْضُهَا أَشْهُرَ الْحَجِّ (وَالْحَلَاقُ فِي غَيْرِ هَذَا) التَّمَتُّعِ (أَفْضَلُ) مِنْ التَّقْصِيرِ (وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّقْصِيرُ فِي هَذَا) التَّمَتُّعِ (اسْتِبْقَاءً لِلشَّعْثِ فِي الْحَجِّ.
وَمَنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى الْمَدِينَةِ)
الْمُشَرَّفَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ (أَوْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ) مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَمْشِيَ إلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَمْشِيَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَكَذَا إذَا حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَيْهِمَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ أَمْشِي أَوْ أَسِيرُ (أَتَاهُمَا رَاكِبًا) إنْ شَاءَ أَوْ مَاشِيًا عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِمَا مَاشِيًا وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُمَا؛ لِأَنَّهَا طَاعَةٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهِمَا إلَّا (إنْ نَوَى الصَّلَاةَ) الْمَفْرُوضَةَ، وَقِيلَ النَّافِلَةَ (بِمَسْجِدَيْهِمَا) يُرِيدُ أَوْ سَمَّاهُمَا خَاصَّةً كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَمْشِيَ إلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ إلَى مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَمَّاهُمَا كَأَنَّهُ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِمَا (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الصَّلَاةَ فِيهِمَا وَلَا سَمَّاهُمَا (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْمَشْيِ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ.
هَذَا إذَا كَانَ النَّاذِرُ أَوْ الْحَالِفُ سَاكِنًا بِغَيْرِ أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ أَفْضَلُهَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَلِيهِ مَسْجِدُ مَكَّةَ وَيَلِيهِ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ سَاكِنًا بِأَحَدِهِمَا وَنَوَى الصَّلَاةَ بِأَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ فَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا وَعَكْسُهُ وَقِيلَ يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي مَفْضُولًا وَصَرَّحُوا بِمَشْهُورِيَّتِهِ.
وَقَالَ أَبُو الطَّاهِرِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلُ (وَأَمَّا غَيْرُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَسَاجِدَ)
[حاشية العدوي]
مِيقَاتِهِ؛ لِقَوْلِ خَلِيلٍ كَخُرُوجِ ذِي النَّفْسِ لِمِيقَاتِهِ [قَوْلُهُ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمَسْجِدِ] أَيْ مِنْ جَوْفِهِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلُهُ أَوْ بَابِهِ أَيْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ [قَوْلُهُ: بِفَرِيضَةٍ وَهِيَ إلَخْ] أَيْ أَحْرَمَ بِفَرِيضَةٍ فِي عَامِهِ عَلَى الْفَوْرِ، وَلَا يُؤَخِّرُهُ لِلْعَامِ الْقَابِلِ، بَهْرَامُ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الرَّاجِحِ أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، وَأَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي فَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ بِحَجٍّ ثُمَّ يَحُجُّ بَعْدَ ذَلِكَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ.
اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: وَالْحِلَاقُ فِي غَيْرِ هَذَا التَّمَتُّعِ] أَيْ وَغَيْرِ التَّمَتُّعِ وَهُوَ الْإِفْرَادُ وَالْقِرَانُ فَالشَّخْصُ غَيْرُ مُرَادٍ وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّقْصِيرَ أَفْضَلُ فِي مُطْلَقِ التَّمَتُّعِ [قَوْلُهُ: لِلشَّعَثِ] أَيْ الْوَسَخِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَالشَّارِبِ وَشَعْرِ الْإِبْطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ الْحَطَّابُ فِي بَابِ الْحَجِّ.
[قَوْلُهُ: أَوْ أَسِيرُ] أَيْ أَوْ آتِي مَثَلًا [قَوْلُهُ: إنْ نَوَى الصَّلَاةَ بِمَسْجِدَيْهِمَا] وَمِثْلُ الصَّلَاةِ الصَّوْمُ وَالِاعْتِكَافُ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ وَالنَّافِلَةُ] فِي كَلَامِ بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ مَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَهُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ إلَى مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ] بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ وَالْمُقَدَّسُ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ وَتَشْدِيدٍ أَيْ الْمُطَهَّرُ، وَتَطْهِيرُهُ خُلُوُّهُ مِنْ الْأَصْنَامِ، وَإِبْعَادُهُ عَنْهَا وَسُمِّيَ الْأَقْصَى لِبُعْدِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ أَفْضَلُهَا عَلَى الْمَشْهُورِ] قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: لِأَنَّهُ الَّذِي اخْتَارَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ حَبِيبٍ بِالْعَكْسِ أَيْ إنَّ مَسْجِدَ مَكَّةَ أَفْضَلُ، وَهَذَا مُقَابِلُ الْمَشْهُورِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ قَبْرِهِ أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّارِحَ جَعَلَ الْخِلَافَ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ، وَاَلَّذِي فِي خَلِيلٍ وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ ثُمَّ مَكَّةُ بِمَعْنَى أَنَّ ثَوَابَ الْعَمَلِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ الْعَمَلِ فِي مَكَّةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي أَشْهَرْ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: إنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا عَدَا الْمَوْضِعَ الَّذِي ضَمَّ أَعْضَاءَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ بِقَاعِ الْأَرْضِ حَتَّى الْكَعْبَةِ وَمِنْ السَّمَوَاتِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَاللَّوْحِ وَالْقَلَمِ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَيَلِيهِ الْكَعْبَةُ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَدِينَةِ اتِّفَاقًا.
وَكَلَامُ الشَّارِحِ كَمَا عَلِمْت فِي الْمَسْجِدَيْنِ فَإِذَا نَظَرْت إلَيْهِمَا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْكَعْبَةِ وَعَنْ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ فَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ أَفْضَلُ، وَلِمَا زِيدَ مِنْ مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ حُكْمُ مَسْجِدِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَفْضِيلِ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ وَقِيلَ بِتَفْضِيلِ الْأَرْضِ لِخَلْقِ الْأَنْبِيَاءِ فِيهَا وَدَفْنِهِمْ فِيهَا، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُرَادَ بِمَوْضِعِ قَبْرِهِ مَا يَمَسُّ أَعْضَاءَهُ لَا أَعَمُّ وَالرَّوْضَةُ تَنْضَمُّ أَيْضًا لِمَوْضِعِ الْقَبْرِ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى التَّفْضِيلِ، بِالدَّلِيلِ الْوَاضِحِ إذْ لَمْ يَثْبُتْ لِبُقْعَةٍ أَنَّهَا مِنْ الْجَنَّةِ
الْمَفْهُومَةِ مِنْ السِّيَاقِ (فَلَا يَأْتِيهَا) مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَيْهَا (مَاشِيًا وَلَا رَاكِبًا) قَرُبَتْ دَارُهُ أَوْ بَعُدَتْ (لِ) أَجْلِ (الصَّلَاةِ نَذَرَهَا) أَنْ يُصَلِّيَهَا فِيهَا (وَلْيُصَلِّ) هَا (بِمَوْضِعِهِ) لِمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَصِّصٌ لِحَدِيثِ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» .
(وَمَنْ نَذَرَ رِبَاطًا بِمَوْضِعٍ مِنْ الثُّغُورِ) وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ (فَذَلِكَ) الْمَنْذُورُ وَاجِبٌ (عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ) ؛ لِأَنَّ الرِّبَاطَ قُرْبَةٌ، وَمَنْ الْتَزَمَ قُرْبَةً لَزِمَتْهُ بِلَا خِلَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حاشية العدوي]
بِخُصُوصِهَا إلَّا هِيَ، فَفِي الْحَدِيثِ «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِيّ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» إذْ لَا شَكَّ فِي تَفْضِيلِ الْجَنَّةِ عَلَى الدُّنْيَا.
فَائِدَةٌ.
عَدَمُ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ أَفْضَلُ قَالَ مَالِكٌ الْقَفْلُ أَيْ الرُّجُوعُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِوَارِ.
[قَوْلُهُ: قَرُبَتْ دَارُهُ أَوْ بَعُدَتْ] هَذَا مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ يُونُسَ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَقِيلَ يَلْزَمُ الْإِتْيَانُ فِي الْقَرِيبِ، وَالْقَرِيبُ مَا عَلَى بُعْدِ أَمْيَالٍ يَسِيرَةٍ كَمَسْجِدِ قُبَاءَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَالْقَوْلَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي نَذْرِ الصَّلَاةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ غَيْرَهَا كَذَلِكَ قَالَهُ عج.
وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ اللُّزُومِ يَلْزَمُهُ فِعْلُ مَا لَزِمَهُ بِمَوْضِعِهِ كَمَنْ نَذَرَهُمَا بِمَسْجِدٍ بَعِيدٍ اهـ.
[قَوْلُهُ: لِأَجْلِ صَلَاةٍ نَذَرَهَا] أَيْ وَلَا لِاعْتِكَافٍ وَلَا لِصَوْمٍ [قَوْلُهُ: وَلْيُصَلِّهَا] أَيْ وَيَعْتَكِفُ أَوْ يَصُومُ بِمَوْضِعِهِ [قَوْلُهُ: الرِّحَالُ] جَمْعُ رَحْلٍ مَرْكَبُ الْبَعِيرِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ أَيْ مَحَلُّ الرُّكُوبِ الْمَنْسُوبِ لِلْبَعِيرِ
[قَوْلُهُ: رِبَاطًا] أَيْ أَوْ صَوْمًا أَوْ صَلَاةً لَا لِنَذْرِ اعْتِكَافٍ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الرِّبَاطِ لَيْسَ مَحِلًّا لِلِاعْتِكَافِ، وَأَيْضًا الْمُرَابِطَةُ تُنَافِي الِاعْتِكَافَ لِقَصَرِهِ عَلَى مَا لَازِمُهُ الصَّلَاةُ وَالتِّلَاوَةُ.
وَالذِّكْرُ، لَكِنْ فِي مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا نَذَرَ الصَّلَاةَ وَيُقِيمُ بَعْدَهَا مُدَّةً لِلرِّبَاطِ فَلَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ الْمَوَّاقُ، مِنْ أَنَّ الْمَكِّيَّ وَالْمَدَنِيَّ إذَا نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ عَسْقَلَانَ أَوْ إسْكَنْدَرِيَّةَ لِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَيَعُودُ مِنْ فَوْرِهِ وَلَيْسَ لِلرِّبَاطِ صَلَّى بِمَوْضِعِهِ وَلَمْ يَأْتِهِمَا.
اهـ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الرِّبَاطَ قُرْبَةٌ] وَظَاهِرُهُ وَلَوْ نَذَرَ الرِّبَاطَ بِمَحَلٍّ وَهُوَ بِثَغْرٍ آخَرَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ إنْ كَانَ مَا نُذِرَ الرِّبَاطُ فِيهِ مُسَاوِيًا لِمَا هُوَ بِهِ فِي الْخَوْفِ أَوْ أَقَلَّ رَابَطَ بِمَحَلِّ نَذْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مَا نُذِرَ الرِّبَاطُ فِيهِ أَشَدَّ خَوْفًا انْتَقَلَ إلَيْهِ لِفَضْلِ الزِّيَادَةِ فِيمَا كَثُرَ فِيهِ الْخَوْفُ عَلَى مَا هُوَ دُونَهُ فِي الْخَوْفِ كَذَا يُفْهَمُ مِنْ ابْنِ عَرَفَةَ.
`