حاشية العدوي على كفاية الطالب الربانيصفحات 438-477
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابٌ فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ

صفحات 438-477

وَاعْتِقَادِ الْعَوْدِ إلَيْهِ وَمِنْ التَّوْبَةِ رَدُّ الْمَظَالِمِ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ وَالنِّيَّةُ أَنْ لَا يَعُودَ) أَمَّا الْأَوَّلَانِ فَوَاجِبَانِ فِي التَّوْبَةِ وَلَيْسَا بِشَرْطَيْنِ فِي صِحَّتِهَا.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَحَدُ شُرُوطِ الصِّحَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَشُرُوطُ الْكَمَالِ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَلْيَسْتَغْفِرْ رَبَّهُ وَيَرْجُو رَحْمَتَهُ وَيَخَافُ عَذَابَهُ وَيَتَذَكَّرُ نِعْمَتَهُ لَدَيْهِ) أَيْ عَلَيْهِ (وَيَشْكُرُ فَضْلَهُ عَلَيْهِ بِالْأَعْمَالِ بِفَرَائِضِهِ وَتَرْكِ مَا يُكْرَهُ فِعْلُهُ أَوْ قَوْلُهُ) أَمَّا الِاسْتِغْفَارُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا فَنَدِمَ عَلَيْهِ غُفِرَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ» . الْحَلِيمِيُّ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ لَيْسَ مِنْ أَرْكَانِ التَّوْبَةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَعَ النَّدَمِ لِتَتِمَّ التَّوْبَةُ، وَأَمَّا الرَّجَاءُ فَهُوَ الطَّمَعُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا يَصِحُّ إلَّا مَعَ حُسْنِ الطَّاعَةِ.
وَأَمَّا الْخَوْفُ فَهُوَ تَأَلُّمُ الْقَلْبِ

[حاشية العدوي]

فَرِيضَةٌ فِي حَالِ كَوْنِهَا خَالِيَةً عَنْ إصْرَارٍ فَيُفِيدُ أَنَّ لَهَا وُجُودًا وَتَحَقُّقًا بِدُونِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: بِضَمِّ الْمِيمِ] وَأَمَّا بِفَتْحِ الْمِيمِ فَهُوَ مَحَلُّ الْإِقَامَةِ.
وَقَوْلُهُ: وَاعْتِقَادُ.
. . إلَخْ قَالَ تت: يَحْتَمِلُ أَنَّ الْوَاوَ عَلَى بَابِهَا فَهُمَا شَيْئَانِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا بِمَعْنَى، أَوْ فَيَكُونُ الْإِصْرَارُ حَاصِلًا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِ زَائِدٍ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَوْرًا وَالْمَعْنَى أَنَّ التَّوْبَةَ فَرِيضَةٌ فِي حَالِ كَوْنِهَا غَيْرَ مُجَامِعَةٍ لِإِصْرَارٍ احْتِرَازًا مِنْ تَوْبَةٍ مُجَامِعَةٍ لِإِصْرَارٍ أَيْ مِنْ حَيْثُ نِيَّتِهَا التَّوْبَةُ يُقْصَدُ حُصُولُهَا فِي الْغَدِ بِأَرْكَانِهَا الثَّلَاثَةِ مَعَ الْإِقَامَةِ عَلَى الذَّنْبِ قَبْلَ الْغَدِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى التَّرَاخِي.
[قَوْلُهُ: رَدُّ الْمَظَالِمِ] إلَى أَهْلِهَا بِأَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِمْ إنْ كَانَتْ أَمْوَالًا، وَلَوْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ مَا عِنْدَهُ، أَوْ يَرُدَّهَا لِوَارِثِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ وَلَا وَجَدَ وَارِثَهُ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمَظْلُومِ، وَإِذَا كَانَتْ أَعْرَاضًا كَقَذْفٍ، أَوْ غِيبَةٍ اسْتَحَلَّ الْمَقْذُوفَ، أَوْ الْمُغْتَابَ إنْ وَجَدَهُ، فَإِنْ وَجَدَهُ مَاتَ فَيُكْثِرَ مِنْ الْحَسَنَاتِ لِيُعْطِيَ مِنْهَا الْمَظْلُومَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ مَنْ لَهُ عَلَيَّ حَقٌّ فَاغْفِرْ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا الْأَوَّلَانِ] شُرُوعٌ فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ هَذِهِ شُرُوطُ الصِّحَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَا شَرَطَ صِحَّةً إلَّا الْأَخِيرُ هَذَا مُرَادُهُ.
[قَوْلُهُ: فَوَاجِبَانِ فِي التَّوْبَةِ] أَيْ وَاجِبَانِ فِي حَالِ التَّوْبَةِ أَيْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي حَالِ التَّوْبَةِ أَنْ يَرُدَّ الْمَظَالِمَ.
. . إلَخْ [قَوْلُهُ: وَلَيْسَا بِشَرْطَيْنِ فِي صِحَّتِهَا] مُسَلَّمٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوَّلِ وَلَا يُسَلَّمُ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شَرْطِهَا الْإِقْلَاعَ فِي الْحَالِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الشَّارِحَ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَحَارِمِ أَيْ مَا عَدَا الْمَتُوبَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَصِحُّ وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ، وَلَكِنْ لَا دَاعِيَ لِذَلِكَ الْمُوجِبِ لِلِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِ.
[قَوْلُهُ: وَلْيَسْتَغْفِرْ] أَيْ نَدْبًا أَيْ يَطْلُبُ مِنْ مَوْلَاهُ أَنْ يَسْتُرَ مَا سَلَفَ مِنْهُ، وَالْمَطْلُوبُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ مَا يَحِلُّ عَقْدُ الْإِصْرَارِ وَيَثْبُتُ مَعْنَاهُ فِي الْجِنَانِ بِأَنْ يُوَافِقَ مَا فِي قَلْبِهِ لِسَانَهُ لَا مُجَرَّدُ التَّشَدُّقِ بِاللِّسَانِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُحْوِجٌ لِلِاسْتِغْفَارِ وَصَغِيرَةٌ لَاحِقَةٌ بِالْكَبَائِرِ [قَوْلُهُ: وَيَرْجُو رَحْمَتَهُ] أَيْ نَدْبًا بِأَنْ يَطْمَعَ فِي حُصُولِهَا مَعَ أَخْذِهِ فِي أَسْبَابِ الْحُصُولِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
[قَوْلُهُ: وَيَخَافُ عَذَابَهُ] أَيْ وَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَخَافَ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ تَابَ تَوْبَةً نَصُوحًا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ لَا يُقْطَعُ بِالْإِتْيَانِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا.
[قَوْلُهُ: وَيَتَذَكَّرُ نِعْمَتَهُ] أَيْ وَهِيَ تَوْفِيقُهُ لِلتَّوْبَةِ وَإِقْدَارُهُ عَلَى الطَّاعَةِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ النِّعْمَةِ يَكُونُ سَبَبًا لِتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ، أَيْ وَلْيَتَذَكَّرْ إنْعَامَهُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: فَضْلَهُ عَلَيْهِ] أَيْ إحْسَانَهُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَتَرْكُ مَا يُكْرَهُ فِعْلُهُ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: بِالْأَعْمَالِ بِفَرَائِضِهِ أَيْ فَالشُّكْرُ بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: مَا يُكْرَهُ فِعْلُهُ، أَوْ قَوْلُهُ أَيْ عَلَى جِهَةِ التَّحْرِيمِ أَوْ التَّنْزِيهِ فَمَكْرُوهُ الْفِعْلِ الصَّلَوَاتُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَمَكْرُوهُ الْقَوْلِ كَالتَّكَلُّمِ بِمَا لَا يَعْنِي وَالْمُحَرَّمُ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ ظَاهِرَانِ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا الِاسْتِغْفَارُ] أَيْ أَمَّا كَوْنُ الِاسْتِغْفَارِ شَرْطَ كَمَالٍ.
. . إلَخْ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ غَايَةَ مَا يُفِيدُهُ الْحَدِيثُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطِ صِحَّةٍ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ يُطْلَبُ عَلَى جِهَةِ الْكَمَالِ فَلَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْحَدِيثِ نَعَمْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مَطْلُوبٌ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا الرَّجَاءُ.
. . إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى سُنَنِ مَا قَبْلَهُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ فَإِنَّ الِاسْتِغْفَارَ ذَكَرَهُ مِنْ حَيْثُ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَأَمَّا الرَّجَاءُ فَمِنْ حَيْثُ مَعْنَاهُ.
[قَوْلُهُ: فَهُوَ الطَّمَعُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ] لَا يَخْفَى أَنَّ الرَّجَاءَ إذَا كَانَ هَذَا تَعْرِيفَهُ يَكُونُ فِي قَوْلِهِ: وَيَرْجُو رَحْمَتَهُ تَجْرِيدٌ.
[قَوْلُهُ: فِي رَحْمَةِ اللَّهِ] أَيْ فِي إنْعَامِ

بِسَبَبِ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَأَمَّا التَّذَكُّرُ فَهُوَ التَّفْكِيرُ فِي نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ حَيْثُ وَفَّقَهُ لِلتَّوْبَةِ.
وَأَمَّا الشُّكْرُ فَهُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْمُحْسِنِ بِذِكْرِ إحْسَانِهِ وَيَكُونُ بِالْقَلْبِ خُضُوعًا وَبِاللِّسَانِ ثَنَاءً وَاعْتِرَافًا، وَبِالْجَوَارِحِ طَاعَةً وَانْقِيَادًا (وَيَتَقَرَّبُ) التَّائِبُ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى (بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ) فِعْلُهُ وَإِنْ قَلَّ (مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ) كَالصَّلَاةِ لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ اللَّهِ: «وَمَا زَالَ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» الْحَدِيثُ.
(وَكُلُّ مَا ضَيَّعَ) التَّائِبُ (مِنْ فَرَائِضِهِ) الَّتِي أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا (فَلْيَفْعَلْهُ الْآنَ) وُجُوبًا عَلَى الْفَوْرِ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ قَضَى مَا اسْتَطَاعَ مَعَ

[حاشية العدوي]

اللَّهِ [قَوْلُهُ: وَلَا يَصِحُّ] أَيْ هَذَا الطَّمَعُ أَيْ لَا يَحْسُنُ.
[قَوْلُهُ: إلَّا مَعَ حُسْنِ الطَّاعَةِ] أَيْ وَالطَّاعَةُ الْحَسَنَةُ وَالْوَصْفُ كَاشِفٌ أَيْ وَأَمَّا الطَّمَعُ إذَا كَانَ مَعَ غَيْرِ طَاعَةٍ فَلَيْسَ بِحَسَنٍ بَلْ مَذْمُومٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُفَادَ الْعِبَارَةِ أَنَّ الرَّجَاءَ هُوَ الطَّمَعُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ مُطْلَقًا كَانَ مَعَ طَاعَةٍ أَمْ لَا وَلَكِنَّ هَذَا الطَّمَعَ، أَوْ الرَّجَاءَ لَا يَحْسُنُ إلَّا مَعَ الطَّاعَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الرَّجَاءُ هُوَ الطَّمَعُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ بِقَيْدِ أَنْ يَكُونَ آخِذًا فِي الْأَسْبَابِ أَيْ بِقَيْدِ الطَّاعَةِ قَالَ تت: وَلَا يَكُونُ الرَّجَاءُ إلَّا مَعَ الْعَمَلِ وَإِلَّا فَهُوَ تَمَنٍّ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْخَوْفُ.
. . إلَخْ] فِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّجْرِيدِ [قَوْلُهُ: بِسَبَبِ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ] أَيْ وَمِنْ مَا صَدَقَاتِ ذَلِكَ الْمَكْرُوهِ عَذَابُ الرَّبِّ.
[قَوْلُهُ: فَهُوَ التَّفَكُّرُ.
. . إلَخْ] فِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّجْرِيدِ [قَوْلُهُ: حَيْثُ وَفَّقَهُ لِلتَّوْبَةِ] أَيْ؛ لِيَكُونَ بَاعِثًا لَهُ عَلَى الشُّكْرِ، وَالْوَاضِحُ أَنْ يَقُولَ: التَّفَكُّرُ فِي نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ وَهِيَ التَّوْفِيقُ لِلتَّوْبَةِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ نِعْمَتَهُ غَيْرُ التَّوْفِيقِ لِلتَّوْبَةِ، أَوْ عَيْنُ التَّوْبَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّعْمَةِ الْإِنْعَامُ، أَوْ الْمُنْعَمُ بِهِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا الشُّكْرُ] فِيهِ مَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: بِذِكْرِ إحْسَانِهِ] مُتَعَلِّقٌ بِالثَّنَاءِ أَيْ الثَّنَاءِ بِذِكْرِ إحْسَانِهِ، وَالْأَوْلَى حَذْفُ ذِكْرِ وَتُجْعَلُ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ بَيَانًا لِمُتَعَلِّقِ الشُّكْرِ لَا لِلتَّعْدِيَةِ حَتَّى يَكُونَ قَاصِرًا عَلَى الْفِعْلِ اللِّسَانِيِّ مَعَ أَنَّ مَوْرِدَ الشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ عَامٌّ فِي فِعْلِ اللِّسَانِ وَغَيْرِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ خَاصٌّ وَهُوَ الْإِنْعَامُ وَمَوْرِدُهُ عَامٌّ.
وَأَمَّا الشُّكْرُ الِاصْطِلَاحِيُّ فَهُوَ صَرْفُ الْعَبْدِ.
. . إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: وَيَكُونُ.
. . إلَخْ رَاجِعًا لِلثَّنَاءِ أَيْ أَنَّ الثَّنَاءَ فِي حَالِ كَوْنِهِ بِالْقَلْبِ يُسَمَّى خُضُوعًا كَاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ كَرِيمٌ مَثَلًا اعْتِقَادًا جَازِمًا، أَوْ رَاجِحًا، وَلَوْ غَيْرَ ثَابِتٍ، وَفِي حَالِ كَوْنِهِ قَائِمًا بِاللِّسَانِ يُقَالُ لَهُ: ثَنَاءٌ وَاعْتِرَافٌ، وَفِي حَالِ كَوْنِهِ قَائِمًا بِالْجَوَارِحِ طَاعَةٌ، ثُمَّ إنَّ فِي عِبَارَتِهِ تَنَافِيًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَوَّلَهَا يَقْضِي أَنَّ الثَّنَاءَ الْإِتْيَانُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى اتِّصَافِ الْمَحْمُودِ بِالصِّفَةِ الْجَمِيلَةِ اعْتِقَادًا بِالْجِنَانِ، أَوْ قَوْلًا بِاللِّسَانِ أَوْ فِعْلًا بِالْجَوَارِحِ، وَلَيْسَ قَاصِرًا عَلَى ذِكْرِ اللِّسَانِ خِلَافًا لِمَنْ قَصَرَهُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: بَعْدُ وَبِاللِّسَانِ ثَنَاءً يَقْتَضِي قَصْرَهُ عَلَى اللِّسَانِ وَالْأَوَّلُ هُوَ التَّحْقِيقُ، وَمُفَادُهُ أَنَّ مَا كَانَ بِالْقَلْبِ لَا يُسَمَّى طَاعَةً كَمَا أَنَّ مَا قَامَ بِالْجَوَارِحِ لَا يُسَمَّى خُضُوعًا وَمَا قَامَ بِاللِّسَانِ لَا يُسَمَّى خُضُوعًا وَلَا طَاعَةً وَلَا مَانِعَ مِنْ تَسْمِيَةِ مَا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ طَاعَةً بَلْ مِنْ أَفْرَادِ الطَّاعَةِ قَطْعًا، وَيُسْتَفَادُ مِنْ الصِّحَاحِ إطْلَاقُ الْخُضُوعِ عَلَى مَا بِالْجَوَارِحِ، وَعَطْفُ الِاعْتِرَافِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَعَطْفُ الِانْقِيَادِ عَلَى مَا قَبْلَهُ تَفْسِيرٌ.
[قَوْلُهُ: بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ] أَيْ بِشَيْءٍ تَيَسَّرَ لَهُ.
وَقَوْلُهُ: فِعْلُهُ الْإِضَافَةُ فِيهِ لِلْبَيَانِ أَيْ فِعْلٌ هُوَ مَا بِمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَوْجُودُ الْمُكَلَّفُ بِهِ وَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِالتَّيَسُّرِ وَالتَّقَرُّبِ بِهِ، فَإِذَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ تَجْعَلَ مَا عَلَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ وَالْفِعْلِ الْمُضَافُ لِضَمِيرِهَا عَلَى الْمَصْدَرِ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ الْمُتَقَرَّبَ بِهِ أَمْرٌ غَيْرُ الْمُتَيَسِّرِ مَعَ أَنَّ الْمُتَقَرَّبَ بِهِ هُوَ نَفْسُ الْمُتَيَسِّرِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ] إضَافَةُ النَّوَافِلِ إلَى الْخَيْرِ مِنْ إضَافَةِ الْجُزْئِيِّ إلَى كُلِّيِّهِ؛ لِأَنَّ الْخَيْرَ يَنْقَسِمُ إلَى نَوَافِلَ وَفَرَائِضَ.
[قَوْلُهُ: كَالصَّلَاةِ] أُدْخِلَ تَحْتَ الْكَافِ الصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ كَمَا يُفِيدُهُ التَّحْقِيقُ [قَوْلُهُ: عَنْ اللَّهِ] أَيْ نَاقِلًا عَنْ اللَّهِ [قَوْلُهُ: الْحَدِيثَ.
. . إلَخْ] تَمَامُ الْحَدِيثِ: «فَإِنْ أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَإِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» [قَوْلُهُ: وَكُلُّ مَا ضَيَّعَ التَّائِبُ] أَيْ قَبْلَ تَوْبَتِهِ [قَوْلُهُ: الَّتِي أَوْجَبَهَا] أَيْ فَضَمِيرُ فَرَائِضِهِ عَلَى التَّائِبِ.
وَالْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ فَإِضَافَتُهَا لَهُ مِنْ أَجْلِ كَوْنِ اللَّهِ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْفَوْرِ] مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ الْآنَ أَيْ فَيَفْعَلُهُ، وَلَوْ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ حَيْثُ تَحَقَّقَ تَرْكَهَا وَإِلَّا تَوَقَّى

شُغْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُرْ مَا عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَاةِ مَثَلًا تَحَرَّى وَاحْتَاطَ لِدِينِهِ بِلَا وَسْوَسَةٍ (وَ) إذَا فَعَلَ التَّائِبُ مَا ضَيَّعَهُ مِنْ الْفَرَائِضِ (فَلْيَرْغَبْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي تَقَبُّلِهِ) مِنْهُ وَيَخَافُ (وَيَتُوبُ إلَيْهِ) مِمَّا صَدَرَ مِنْهُ (مِنْ تَضْيِيعِهِ) لِلْفَرَائِضِ (وَلْيَلْجَأْ) أَيْ يَتَضَرَّعُ (إلَى اللَّهِ) تَعَالَى (فِيمَا عَسُرَ عَلَيْهِ مِنْ قِيَادِ نَفْسِهِ) إلَى الطَّاعَةِ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْمُيَسِّرُ وَالْمُسَهِّلُ بِيَدِهِ التَّوْفِيقُ وَالتَّسْهِيلُ، وَلْيَكُنْ مِنْ دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ مَلِّكْنَا أَنْفُسَنَا وَلَا تُسَلِّطُهَا عَلَيْنَا (وَ) يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ فِيهِ (مُحَاوَلَةِ أَمْرِهِ) أَيْ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ فِي حَالِهِ مِمَّا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ رُشْدُهُ وَلَا غَيُّهُ.
لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُظْهِرَ لَهُ ذَلِكَ حَالَ كَوْنِهِ (مُوقِنًا) أَيْ مُصَدِّقًا (أَنَّهُ الْمَالِكُ لِصَلَاحِ شَأْنِهِ) أَيْ حَالِهِ (وَ) الْمَالِكُ (لِتَوْفِيقِهِ وَتَسْدِيدِهِ) هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى الطَّاعَةِ (لَا يُفَارِقُ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ اللَّجَأِ وَالْيَقِينِ (عَلَى مَا فِيهِ) أَيْ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ هُوَ فِيهَا (مِنْ حَسَنٍ) وَهُوَ الطَّاعَةُ (أَوْ قَبِيحٍ) وَهُوَ الْمَعْصِيَةُ، وَلَا يَمْنَعُهُ الذَّنْبُ مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: 222] " وَالتَّوَّابُ هُوَ الَّذِي كُلَّمَا أَذْنَبَ تَابَ (وَلَا يَيْأَسُ) أَيْ لَا يَقْنَطُ الْعَبْدُ (مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) تَعَالَى عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ السُّوءِ

[حاشية العدوي]

أَوْقَاتَ النَّهْيِ.
[قَوْلُهُ: مَعَ شُغْلِهِ] أَيْ فَلَا يُوَسَّعُ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ إلَّا زَمَنَ اشْتِغَالِهِ فِي نَوْمِهِ، أَوْ ضَرُورِيَّاتِهِ، أَوْ حُضُورِ عِلْمٍ مُتَعَيِّنٍ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّوَافِلُ قَبْلَ قَضَاءِ الْفَرْضِ سِوَى الْمُؤَكَّدِ كَالْوِتْرِ وَالْعِيدِ وَالْفَجْرِ.
[قَوْلُهُ: مَثَلًا] أُدْخِلَ تَحْتَ مَثَلًا الزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ.
[قَوْلُهُ: وَيَتُوبُ إلَيْهِ.
. . إلَخْ] أَيْ لِمَا نَصُّوا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ تَأْخِيرَ الْفَرَائِضِ عَنْ أَوْقَاتِهَا مِنْ الْكَبَائِرِ [قَوْلُهُ: لِلْفَرَائِضِ] أَيْ فَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ، وَيُحْتَمَلُ إضَافَتُهُ لِلْمَفْعُولِ فَإِنْ قُلْت: إنَّ هَذَا لَا حَاجَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ فِي التَّائِبِ قُلْت: يُحْمَلُ أَوَّلُ الْكَلَامِ عَلَى إنْسَانٍ ارْتَكَبَ مَعَاصِيَ فَتَسَبَّبَ عَنْهَا تَرْكُ الْفَرَائِضِ فَتَابَ مِنْ تِلْكَ الْمَعَاصِي، فَنَبَّهَ الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا عَلَى أَنَّ هَذَا التَّائِبَ مِنْ الْمَعَاصِي الْمَذْكُورَةِ يَفْعَلُ مَا ضَيَّعَ مِنْ الْفَرَائِضِ وَيَتُوبُ مِنْ ذَلِكَ التَّضْيِيعِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ قِيَادِ نَفْسِهِ] الْمَصْدَرُ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: قَادَ الرَّجُلُ الْفَرَسَ قَوْدًا مِنْ بَابِ قَالَ وَقِيَادًا وَقِيَادَةً انْتَهَى.
أَيْ كُلُّ مَا يَصْعُبُ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ يَقُودُ نَفْسَهُ لِلطَّاعَةِ أَيْ يُمِيلُهَا إلَيْهَا فَيَلْجَأُ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُذَلِّلَهَا وَيَجْعَلَ الطَّاعَةَ سَهْلَةً عَلَيْهَا فَشَبَّهَ الْمُصَنِّفُ النَّفْسَ مِنْ حَيْثُ الْإِبَايَةِ بِفَرَسٍ أَبِيَّةٍ عَنْ مَقْصُودِ رَاكِبِهَا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ [قَوْلُهُ: وَالْمُسَهِّلُ] مُرَادِفٌ [قَوْلُهُ: بِيَدِهِ التَّوْفِيقُ وَالتَّسْهِيلُ] كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ التَّيْسِيرُ وَالتَّسْهِيلُ لِمُوَافَقَتِهِ لِلَّذِي قَبْلَهُ، وَكَانَ نُكْتَةُ الْعُدُولِ الْإِشَارَةَ إلَى أَنَّ التَّيْسِيرَ هُوَ التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَالتَّسْهِيلُ فَقَدْ جَاءَ عَلَى الْأَصْلِ فَلَا يُسْأَلُ عَنْ نُكْتَتِهِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ فِيمَا يُشْكِلُ] حَاصِلُ الْقَوْلِ فِي مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُحَاوَلَةَ مَصْدَرُ حَاوَلَهُ أَيْ رَامَهُ وَطَلَبَهُ إلَّا أَنَّهَا هُنَا بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ، وَالتَّقْدِيرُ فِي أَمْرِهِ الْمُحَاوَلِ أَيْ الْمَطْلُوبِ الْوُقُوفُ عَلَى صِفَتِهِ هَلْ هِيَ الرُّشْدُ، أَوْ الْغَيُّ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُشْكِلًا فَيَكُونَ تَفْسِيرُ الشَّارِحِ تَفْسِيرًا بِاللَّازِمِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ.
[قَوْلُهُ: مُوقِنًا.
. . إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَالتَّضَرُّعُ مِنْ غَيْرِ يَقِينٍ كَلَا شَيْءَ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَالِكُ.
. . إلَخْ] لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ.
وَقَوْلُهُ: لِتَوْفِيقِهِ.
. . إلَخْ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَصْدَرُ مُضَافًا لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أَوْ الْعَكْسُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى الطَّاعَةِ] أَيْ أَنَّ التَّوْفِيقَ وَالتَّسْدِيدَ عِبَارَةٌ عَنْ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى الطَّاعَةِ هَذَا مَعْنَاهُ وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ وَالتَّسْدِيدَ وَصْفُ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ فَكَيْفَ يُفَسَّرُ بِوَصْفِ الْعَبْدِ الَّذِي هُوَ الِاسْتِقَامَةُ، وَيُجَابُ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ سَبَبِ الِاسْتِقَامَةِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مَا ذُكِرَ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى دَفْعِ مَا يُقَالُ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ مُتَعَدِّدٌ فَكَيْفَ يُشَارُ لَهُ بِإِشَارَةِ الْمُفْرَدِ.
[قَوْلُهُ: هُوَ فِيهَا] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعَائِدَ عَلَى مَا ضَمِيرٌ فِيهِ وَمَا وَاقِعَةٌ عَلَى حَالَةٍ وَصَدْرُ الصِّلَةِ مَحْذُوفٌ الَّذِي هُوَ الْمُبْتَدَأُ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ الظَّرْفَ لَمَّا كَانَ يَسْتَقِلُّ بِالْوَصْلِ لَمْ يَبْقَ عَلَى إرَادَةِ الْمَحْذُوفِ دَلِيلٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَمْنَعُهُ الذَّنْبُ] أَيْ الْمُتَجَدِّدُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي التَّائِبِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ ذَلِكَ] أَيْ اللَّجَأِ وَالْيَقِينِ.
وَقَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ عِلَّةً لِمَحْذُوفٍ أَيْ وَلَا يَمْنَعُهُ الذَّنْبُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّوْبَةِ مِنْهُ فَيَتُوبَ مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّ اللَّهَ.
. . إلَخْ [قَوْلُهُ: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: 222]] صِيغَةُ الْمُبَالَغَةِ تَقْتَضِي مَحَبَّةَ الرَّجَاءِ الْعَائِدِ لِلتَّوْبَةِ [قَوْلُهُ: أَيْ لَا يَقْنَطُ] قَنِطَ يَقْنَطُ مِنْ بَابَيْ ضَرَبَ وَتَعِبَ فَهُوَ قَانِطٌ قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ، وَالْمُرَادُ بِالْقُنُوطِ

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87] (وَالْفِكْرَةُ) أَيْ التَّفَكُّرُ (فِي أَمْرِ اللَّهِ) تَعَالَى أَيْ مَخْلُوقَاتِهِ (مِفْتَاحُ الْعِبَادَةِ وَاسْتَعِنْ) عَلَى نَفْسِك (بِذِكْرِ الْمَوْتِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَادِمِ اللَّذَّاتِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا تَفَكَّرَ فِي الْمَوْتِ قَصُرَ أَمَلُهُ وَكَثُرَ عَمَلُهُ وَإِنْ غَفَلَ عَنْهُ كَثُرَ أَمَلُهُ وَقَلَّ عَمَلُهُ» . (وَ) اسْتَعِنْ عَلَيْهَا أَيْضًا (بِالْفِكْرَةِ فِيمَا بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ أَشَدُّ مِمَّا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ كَحَزْقَةِ الْقَبْرِ (وَ) اسْتَعِنْ عَلَيْهَا أَيْضًا بِالْفِكْرَةِ (فِي نِعْمَةِ رَبِّك عَلَيْك) ؛ لِأَنَّك إذَا تَفَكَّرْت فِي نِعَمِهِ عَلَيْك اسْتَحْيَيْت أَنْ تُبَارِزَهُ بِالْمَعَاصِي وَهُوَ يُنْعِمُ عَلَيْك (وَ) اسْتَعِنْ عَلَيْهَا أَيْضًا بِالْفِكْرَةِ (فِي إمْهَالِهِ لَك) وَأَنْتَ تَعْصِيهِ (وَ) فِي (أَخْذِهِ لِغَيْرِك) مِنْ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ (بِذَنْبِهِ) فِي الْحَالِ (وَ) اسْتَعِنْ عَلَيْهَا أَيْضًا بِالتَّفَكُّرِ (فِي) مَا تَقَدَّمَ مِنْ (سَالِفِ ذَنْبِك) وَخَفْ الْأَخْذَ بِهِ (وَ) اسْتَعِنْ عَلَيْهَا أَيْضًا بِالتَّفَكُّرِ فِي (عَاقِبَةِ أَمْرِك) إذْ لَا تَدْرِي بِمَاذَا يَخْتِمُ اللَّهُ لَك (وَ) اسْتَعِنْ عَلَيْهَا أَيْضًا بِالتَّفَكُّرِ فِي (مُبَادَرَةِ) أَيْ مُسَارَعَةِ (مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ مِنْ أَجَلِك) هَلْ هُوَ يَوْمٌ أَوْ أَقَلُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَهِّلُ الطَّاعَةَ وَيُقِلُّ الْأَمَلَ وَالْحِرْصَ عَلَى الدُّنْيَا، وَلِأَنَّهُ إذَا تَفَكَّرَ فِي الْمَوْتِ أَتَاهُ وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهُ وَإِلَّا أَتَاهُ بَغْتَةً فَيَنْدَمُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ، فَيَا لَطِيفُ اُلْطُفْ بِنَا فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ لَنَا إلَّا بِك وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

[حاشية العدوي]

اسْتِبْعَادُ الْعَفْوِ عَنْ الذُّنُوبِ لِاسْتِعْظَامِهَا لَا إنْكَارُ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ كُفْرٌ.
[قَوْلُهُ: عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ] أَيْ فِي حَالِ كَوْنِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: السُّوءِ] هُوَ الْمَعْصِيَةُ [قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى.
. . إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْإِيَاسَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَالْآيَةُ تَقْتَضِي أَنَّهُ كُفْرٌ لَا كَبِيرَةٌ، فَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ الْمُرَادُ بِكُفْرَانِهَا تَرْكُ شُكْرِهَا فَلَا يُوجَدُ شُكْرٌ عَلَيْهَا إلَّا بِالْقَلْبِ وَلَا بِاللِّسَانِ إذْ لَوْ وُجِدَ بِالْقَلْبِ دُونَ اللِّسَانِ لَمْ يَظْهَرْ كَوْنُ تَرْكِ الشُّكْرِ بِهَا كُفْرًا وَرَوْحُ اللَّهِ رَحْمَتُهُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ التَّفَكُّرُ.
. . إلَخْ] أَيْ النَّظَرُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفِكْرَةَ اسْمٌ لِلتَّفَكُّرِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مَخْلُوقَاتِهِ] أَيْ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ ضِدُّ النَّهْيِ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ فِعْلُهُ أَيْ مَفْعُولُهُ؛ لِأَنَّ الْمُتَفَكِّرَ إذَا تَفَكَّرَ وَنَظَرَ فِي مَصْنُوعَاتِ خَالِقِهِ عَلِمَ وُجُوبَ وُجُودِهِ وَكَمَالَ قُدْرَتِهِ وَحَقِيقَةَ رُبُوبِيَّتِهِ فَيَجِدُّ فِي عِبَادَتِهِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنْ لَا يَتَفَكَّرَ فِي ذَاتِهِ لِعَدَمِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ عَلَى إدْرَاكِهَا وَدَخَلَ فِي مَخْلُوقَاتِهِ نَفْسُ الشَّخْصِ فَيُسْتَدَلُّ بِالنَّظَرِ فِيهَا عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ صَانِعِهِ.
[قَوْلُهُ: هَاذِمِ اللَّذَّاتِ] بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ قَاطِعِ، وَبِالْمُهْمَلَةِ مِنْ هَدَمَ الْبِنَاءَ وَالْمُرَادُ الْمَوْتُ وَهُوَ هَاذِمُ اللَّذَّاتِ إمَّا؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ يُزَهِّدُ فِيهَا، أَوْ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَلَّ مَا يُبْقِي مِنْ لَذَائِذِ الدُّنْيَا شَيْئًا ذَكَرَهُ السِّنْدِيُّ شَارِحُ الْحَدِيثِ.
[قَوْلُهُ: أَمَلُهُ] يُقَالُ أَمَلْته أَمَلًا تَرَقَّبْته كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ فَالْمَعْنَى قَصُرَ تَرَقُّبُهُ لِلْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ غَفَلَ عَنْهُ] مِنْ بَابِ قَعَدَ [قَوْلُهُ: كَحَزْقَةِ الْقَبْرِ] أَيْ ضَمَّةِ الْقَبْرِ، وَلَعَلَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الَّتِي تَخْتَلِفُ فِيهَا الْأَضْلَاعُ لَا ضَمَّةُ الْقَبْرِ الَّتِي هِيَ كَضَمَّةِ الْوَالِدَةِ الشَّفُوقَةِ لِوَلَدِهَا، وَأُدْخِلَ تَحْتَ الْكَافِ فِي قَوْلِهِ: كَحَزْقَةِ سُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ وَالْحَشْرُ وَالنَّشْرُ وَالْحِسَابُ وَالْعِقَابُ وَالنَّارُ أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَفِي كَوْنِ كُلٍّ مِمَّا ذُكِرَ أَشَدَّ مِنْ الْمَوْتِ نَظَرٌ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: أَنْ تُبَارِزَهُ بِالْمَعَاصِي] أَيْ تُقَابِلَهُ بِالْمَعَاصِي [قَوْلُهُ: فِي إمْهَالِهِ لَك] أَيْ تَأْخِيرِهِ لَك تَارِكًا عُقُوبَتَك [قَوْلُهُ: مِنْ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ] مِثْلُ قَوْمِ نُوحٍ وَصَالِحٍ.
قَالَ أَبُو حَازِمٍ إذَا رَأَيْت رَبَّك يُوَالِي عَلَيْك نِعَمَهُ فَاحْذَرْهُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ لِزِيَادَةِ الْعُقُوبَةِ.
[قَوْلُهُ: إذْ لَا تَدْرِي] وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: يَنْبَغِي لَك يَا أَخِي أَنْ لَا تُخَيِّرَ نَفْسَك عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّك لَا تَدْرِي مَا الْخَاتِمَةُ فَيَحْمِلُك ذَلِكَ عَلَى هَضْمِ النَّفْسِ وَتَرْكِ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ وَمَحَبَّةِ الْغَيْرِ وَعَلَى عَدَمِ الْعَظَمَةِ عَلَى الْإِخْوَانِ [قَوْلُهُ: مِنْ أَجَلِك] بَيَانٌ لِمَا أَيْ مُسَارَعَةُ أَجَلِك الَّذِي عَسَى الْأَجَلُ أَيْ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَرُبَ فَافْتَعَلَ بِمَعْنَى فَعَلَ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ هَلْ هُوَ يَوْمٌ أَيْ هَلْ هُوَ نِهَايَةُ يَوْمٍ يَأْتِي، أَوْ نِهَايَةُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ مُسَارَعَةٍ بَدَلَ اشْتِمَالٍ أَيْ تَفَكَّرْ هَلْ هُوَ أَيْ الْأَجَلُ نِهَايَةُ يَوْمٍ، أَوْ أَقَلُّ، وَلَمْ يَقُلْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مَعْرِضِ مَا يُقْصَرُ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَلِكَ] أَيْ التَّفَكُّرَ فِي الْمُبَادَرَةِ يَسْهُلُ [قَوْلُهُ: بَغْتَةً] أَيْ إتْيَانُ بَغْتَةٍ.

[44 - بَابٌ فِي بَيَانِ الْفِطْرَةِ] (بَابٌ فِي) بَيَانِ (الْفِطْرَةِ) أَيْ الْخِصَالُ الَّتِي يَكْمُلُ الْمَرْءُ بِهَا حَتَّى يَكُونَ عَلَى أَفْضَلِ الصِّفَاتِ (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (الْخِتَانِ وَ) حُكْمِ (حَلْقِ الشَّعْرِ) صَرَّحَ بِهَذَيْنِ وَإِنْ كَانَا دَاخِلَيْنِ فِي الْفِطْرَةِ دَلَالَةً عَلَى تَأَكُّدِهِمَا (وَ) فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ مِنْ (اللِّبَاسِ) وَمَا لَا يَجُوزُ (وَ) فِي بَيَانِ (سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَ) فِي بَيَانِ (مَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ) أَيْ مِمَّا ذُكِرَ مِمَّا أَمَرَ بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ كَالصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ، وَبَدَأَ بِمَا صَدَّرَ بِهِ فِي التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: (وَمِنْ الْفِطْرَةِ خَمْسٌ) أَوَّلُهَا (قَصُّ الشَّارِبِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قُصُّوا الشَّارِبَ» فَسَّرَهُ مَالِكٌ بِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ (وَهُوَ الْإِطَارُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا (وَهُوَ) أَيْ

[حاشية العدوي]

[بَابٌ فِي بَيَانِ الْفِطْرَةِ]

بَابٌ فِي الْفِطْرَةِ [قَوْلُهُ: أَيْ الْخِصَالِ] أَيْ بَعْضِ الْخِصَالِ الَّتِي يَكْمُلُ بِهَا الْمَرْءُ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ لِابْنِ عُمَرَ.
وَفَسَّرَهَا الْفَاكِهَانِيُّ بِالسُّنَّةِ [قَوْلُهُ: الْمَرْءُ] بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمُّهَا لُغَةٌ وَأَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْمَرْأَةَ وَإِنْ كَانَ لُغَةً قَاصِرًا عَلَى الرَّجُلِ لِأَنَّ الْأُنْثَى يُقَالُ لَهَا امْرَأَةٌ بِالتَّاءِ، أَيْ الَّتِي يُحْكَمُ بِكَمَالِ الْمَرْءِ بِسَبَبِهَا لِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى أَفْضَلِ الصِّفَاتِ أَيْ أَفْضَلِ الْهَيْئَاتِ [قَوْلُهُ: وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الْخِتَانِ] أَيْ وَالْخِفَاضِ أَوْ أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْأَمْرَيْنِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ.
[قَوْلُهُ: صَرَّحَ بِهَذَيْنِ] أَيْ الْخِتَانِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ، وَقَيَّدَ بِالْحُكْمِ فِي هَذَيْنِ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِهِ فِي الْفِطْرَةِ الشَّامِلَةِ لِهَذَيْنِ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْحُكْمِ إلَّا فِي هَذَيْنِ إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ حَلْقَ غَيْرِ الْعَانَةِ لَيْسَ مِنْ الْفِطْرَةِ، وَهُوَ إنَّمَا صَرَّحَ بِالْحُكْمِ فِيهِ لِقَوْلِهِ: وَلَا بَأْسَ بِخِلَافِ غَيْرِهَا فَهُوَ مُشْكِلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَلْقِ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُرَادَ بِالْحَلْقِ حَلْقُ الشَّعْرِ غَيْرِ الْعَانَةِ وَلَا يَحْتَاجُ لِلِاعْتِذَارِ عَنْ كَوْنِهِ عَطْفَ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ.
[قَوْلُهُ: دَلَالَةً عَلَى تَأَكُّدِهِمَا] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِحَلْقِ الشَّعْرِ خُصُوصُ الْعَانَةِ لِأَنَّ حَلْقَ غَيْرِهَا إنَّمَا هُوَ جَائِزٌ فَلِذَلِكَ احْتَاجَ لِلِاعْتِذَارِ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْحُكْمِ إلَّا فِي غَيْرِ الْعَانَةِ، وَأَفَادَتْ تِلْكَ الْعِلَّةُ أَنَّ الْخِتَانَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَأَنَّ حَلْقَ الْعَانَةِ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ فِيمَا يَأْتِي لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّأْكِيدِ إلَّا فِي الْخِتَانِ فَانْظُرْهُ.
وَعَلَّلَ تت فِي الْخِتَانِ بِالرَّدِّ عَلَى قَوْلِ الْمُخَالِفِ بِالْوُجُوبِ [قَوْلُهُ: مِنْ اللِّبَاسِ] اللِّبَاسُ مَا يُلْبَسُ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمِصْبَاحِ فَحِينَئِذٍ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ فِيمَا يَجُوزُ لُبْسُهُ مِنْ اللِّبَاسِ.
. . إلَخْ [قَوْلُهُ: وَفِي بَيَانِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ] أَيْ مِنْ حَيْثُ الْأَمْرُ بِهِ لِقَوْلِهِ فِيمَا سَيَأْتِي وَيُؤْمَرُ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ [قَوْلُهُ: أَيْ مِمَّا ذُكِرَ] أَيْ فَأُفْرِدَ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ فَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ مُتَعَدِّدٌ.
[قَوْلُهُ: فِي هَذَا الْبَابِ.
. . إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالِاتِّصَالِ بِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ تَقَارُبُ الْمَعْنَى بَلْ مِنْ حَيْثُ الذِّكْرُ عَقِبَهُ وَأَنَّ الْبَابَ جَمَعَهُمَا.
[قَوْلُهُ: وَبَدَأَ بِمَا صَدَّرَ بِهِ فِي التَّرْجَمَةِ] لَا يَخْفَى أَنَّ مُفَادَ التَّرْجَمَةِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْخِصَالَ بِتَمَامِهَا، وَهَذَا يُفِيدُ خِلَافَهُ فَيُقَدَّرُ فِي التَّرْجَمَةِ مُضَافٌ كَمَا بَيَّنَّا لِيَلْتَئِمَ الْكَلَامُ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ الْفِطْرَةِ خَمْسٌ] التَّعْبِيرُ بِمِنْ يُفِيدُ أَنَّ الْخِصَالَ أَكْثَرُ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَدْ جَاءَ الْفِطْرَةُ عَشَرَةٌ خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ فَاَلَّتِي فِي الرَّأْسِ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالسِّوَاكُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ، وَقِيلَ الْخَامِسُ إعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالْخَمْسَةُ الَّتِي فِي الْجَسَدِ نَتْفُ الْجَنَاحَيْنِ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَالْخِتَانُ وَالِاسْتِنْجَاءُ [قَوْلُهُ: قَصُّ الشَّارِبِ] هِيَ قُصَّةٌ خَفِيفَةٌ فَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي الْحَدِيثِ لِلْوُجُوبِ [قَوْلُهُ: فَسَّرَهُ] أَيْ فَسَّرَ الشَّارِبَ الْمَطْلُوبَ قَصُّهُ لَا الشَّارِبَ مُطْلَقًا.

الْإِطَارُ (طَرَفُ الشَّعْرِ الْمُسْتَدِيرُ عَلَى الشَّفَةِ) هَذَا هُوَ السُّنَّةُ فِي قَصِّهِ (لَا إحْفَاؤُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) أَيْ اسْتِئْصَالُهُ (وَ) ثَانِيهَا (قَصُّ الْأَظْفَارِ) لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ الْجُمُعَةِ لِلْجُمُعَةِ وَلَا حَدَّ فِي الْبُدَاءَةِ فِي قَصِّ الْأَظْفَارِ (وَ) ثَالِثُهَا (نَتْفُ الْجَنَاحَيْنِ) أَيْ الْإِبْطَيْنِ عَبَّرَ بِذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ وَهُوَ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّتْفِ فَلَهُ حَلْقُهُ بِالْحَدِيدِ وَتَنْوِيرُهُ بِالنُّورَةِ (وَ) رَابِعُهَا (حَلْقُ الْعَانَةِ) سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَلَا تَنْتِفُهَا الْمَرْأَةُ؛ لِأَنَّ

[حاشية العدوي]

أَقُولُ: إنْ كَانَ مُسْتَنِدًا لِقَوْلِ يَحْيَى فِي الْمُوَطَّأِ سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِبِ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ وَهُوَ الْإِطَارُ وَلَا يَجُزُّهُ فَيَمْتَثِلُ بِنَفْسِهِ، زَادَ بَعْضُهُمْ فِي النَّقْلِ عَنْ مَالِكٍ وَيُؤَدَّبُ مَنْ جَزَّ شَارِبَهُ وَيُبَالَغُ فِي عُقُوبَتِهِ لِأَنَّ حَلْقَهُ مُثْلَةٌ وَهُوَ فِعْلُ النَّصَارَى اهـ. فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِمَا قَالَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَهُوَ الْإِطَارُ يَحْتَمِلُ رُجُوعَهُ لِطَرَفِ الشَّفَةِ كَمَا يُفِيدُهُ الْبَاجِيُّ فَقَدْ قَالَ: الْإِطَارُ مَا احْمَرَّ مِنْ طَرَفِ الشَّفَةِ وَهُوَ جَوَانِبُ الْفَمِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْإِطَارُ] أَيْ وَالشَّارِبُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ الْإِطَارُ بِوَزْنِ كِتَابٍ.
[قَوْلُهُ: الشَّعْرِ] أَيْ النَّابِتِ عَلَى الشَّفَةِ، وَقَوْلُهُ: الْمُسْتَدِيرُ صِفَةٌ لِطَرَفِ الشَّعْرِ وَالِاسْتِدَارَةُ بِالشَّيْءِ الْإِحَاطَةُ بِهِ، فَالْمَعْنَى الْمُحِيطُ بِالشَّفَةِ هَذَا مَعْنَاهُ بِحَسَبِ الْأَصْلِ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا النَّازِلُ عَلَى طَرَفِ الشَّفَةِ وَهُوَ مَا احْمَرَّ مِنْهَا.
[قَوْلُهُ: هَذَا هُوَ السُّنَّةُ] أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ قَصُّ الطَّرَفِ هُوَ السُّنَّةُ [قَوْلُهُ: لَا إحْفَاؤُهُ] أَيْ لَا إحْفَاؤُهُ هُوَ السُّنَّةُ فِي قَصِّهِ هَذَا مَدْلُولُهُ، فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقَصَّ يُطْلَقُ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْإِحْفَاءَ وَأَخْذَ الطَّرَفِ، وَلَكِنَّ الْمَطْلُوبَ إنَّمَا هُوَ الْقَصُّ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْإِطَارَ وَالشَّارِبَ بِمَعْنًى أَيْ طَرَفُ الشَّعْرِ الْمُسْتَدِيرُ كَمَا يُفِيدُهُ التَّحْقِيقُ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلِقَوْلِ بَعْضٍ إنَّ الشَّارِبَ اسْمٌ لِمَحَلِّ الشَّعْرِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
تَنْبِيهٌ: أَخَذَ مَالِكٌ بِخَبَرِ «قُصُّوا الشَّارِبَ» وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِمَا السُّنَّةُ جُزْءٌ بِخَبَرِ: «أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى» قَالَ تت: وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ بِأَنْ يَقُصَّ مِنْ أَعْلَاهُ وَيَحْلِقَ مِنْ طَرَفِهِ، وَأَوَّلُ مَنْ قَصَّ الشَّارِبَ إبْرَاهِيمُ وَهَلْ السَّبَّالَتَانِ كَذَلِكَ أَيْ يَقُصُّهُمَا أَوْ لَا بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَرَ فَتَلَهُمَا وَلَمْ يَقُصَّهُمَا، وَفَعَلَهُ مَالِكٌ قَوْلَانِ، وَفِي الْقَصِّ فَوَائِدُ؛ تَسْهِيلُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَزِيَادَةُ الْفَصَاحَةِ وَزَوَالُ الْأَدْرَانِ وَتَحْسِينُ الْهَيْئَةِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ اسْتِئْصَالُهُ] أَيْ زَوَالُهُ مِنْ أَصْلِهِ [قَوْلُهُ: وَثَانِيهَا قَصُّ الْأَظْفَارِ] هُوَ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مَا عَدَا الْمُحْرِمَ وَالْمَيِّتَ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي.
. . إلَخْ] أَيْ لَيْسَ لِلْقَصِّ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْفِطْرَةِ حَدٌّ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَرَى إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى مِثْلِهَا كَمَا يُفِيدُهُ التَّحْقِيقُ، وَظَاهِرُهُ كَظَاهِرِ تت حَيْثُ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إلَى مِثْلِهِ خُصُوصُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَمَا يَعْتَقِدُهُ الْعَوَامُّ عِنْدَنَا مِنْ التَّحَرُّجِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَيُكْرَهُ قَصُّهَا بِالْأَسْنَانِ وَهُوَ مِمَّا يُورِثُ الْفَقْرَ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: وَلَا حَدَّ فِي الْبُدَاءَةِ.
. . إلَخْ] أَيْ وَلَا فِي غَيْرِهَا، فَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ أَيْ لَا حَدَّ مَنْدُوبٌ وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ الْمَازِرِيُّ فَإِنَّ الْمَازِرِيَّ أَنْكَرَ عَلَى الْغَزَالِيِّ قَوْلَهُ: يَبْدَأُ بِسَبَّابَةِ الْيُمْنَى ثُمَّ مَا يَلِيهَا، ثُمَّ يَبْدَأُ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى عَلَى صِفَةٍ دَائِرَةٍ فَإِذَا أَتَمَّهَا خَتَمَ بِإِبْهَامِ الْيُمْنَى قَائِلًا إنَّ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ [قَوْلُهُ: أَيْ الْإِبْطَيْنِ] تَفْسِيرٌ لِلْجَنَاحَيْنِ، وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفُ مُضَافٍ أَيْ نَتْفُ شَعْرِ الْإِبْطَيْنِ وَيُنْدَبُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مِنْ ذَلِكَ وَالْبُدَاءَةُ بِالْأَيْمَنِ.
[قَوْلُهُ: عَبَّرَ بِذَلِكَ] أَيْ بِالْجَنَاحَيْنِ مُرِيدًا الْإِبْطَيْنِ [قَوْلُهُ: عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ] أَيْ الْمُصَرِّحَةِ لِأَنَّ الْجَنَاحَ إنَّمَا هُوَ لِلطَّائِرِ وَالْعَلَاقَةُ الْمُشَابَهَةُ [قَوْلُهُ: وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّتْفِ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى نَدْبِ النَّتْفِ فَغَيْرُهُ مِنْ الْحَلْقِ وَالنُّورَةِ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا يُفِيدُهُ التَّحْقِيقُ [قَوْلُهُ: فَلَهُ حَلْقُهُ بِالْحَدِيدِ] أَيْ فَيُؤْذَنُ لَهُ فِي حَلْقِهِ بِالْحَدِيدِ، أَيْ لِأَنَّهُ يَكُونُ خِلَافَ الْأَوْلَى فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ سُنَّةٌ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ السُّنَّةَ تَتَحَقَّقُ بِوَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ النَّتْفِ

ذَلِكَ يَضُرُّ بِالزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَرْخِي الْمَحَلُّ بِاتِّفَاقٍ مِنْ الْأَطِبَّاءِ، وَيَجُوزُ إزَالَتُهَا بِالنُّورَةِ (وَلَا بَأْسَ بِحَلَاقِ غَيْرِهَا) أَيْ الْعَانَةِ (مِنْ شَعْرِ الْجَسَدِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَهَذَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ.
وَأَمَّا النِّسَاءُ فَحَلْقُ ذَلِكَ مِنْهُنَّ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ بِهِنَّ مُثْلَةٌ، وَاحْتَرَزَ بِالْجَسَدِ عَنْ شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ لِأَنَّ حَلْقَهُمَا بِدْعَةٌ (وَ) خَامِسُهَا (الْخِتَانُ لِلرِّجَالِ) وَهُوَ زَوَالُ الْغُرْلَةِ مِنْ الذَّكَرِ (سُنَّةٌ) زَادَ فِي الضَّحَايَا وَاجِبَةٌ أَيْ مُؤَكَّدَةٌ، صَرَّحَ بِحُكْمِهِ دُونَ غَيْرِهِ لِيُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: (وَالْخِفَاضُ فِي النِّسَاءِ) وَهُوَ قَطْعُ النَّاتِئِ فِي أَعْلَى فَرْجِ الْأُنْثَى كَأَنَّهُ عُرْفُ الدِّيكِ (مَكْرُمَةٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الرَّاءِ أَيْ كَرَامَةٌ بِمَعْنَى مُسْتَحَبٍّ لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ.

(وَأَمَرَ النَّبِيُّ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُوَطَّأِ (أَنْ تُعْفَى) أَيْ تُوَفَّرُ (اللِّحْيَةُ) وَقَوْلُهُ: (وَتُوَفَّرُ

[حاشية العدوي]

عِنْدَ الْإِمْكَانِ فَغَيْرُهُ عِنْدَهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَظَاهِرُهُ كَغَيْرِهِ اسْتِوَاءُ الْحَلْقِ وَالنُّورَةِ وَهِيَ بِضَمِّ النُّونِ مَعْرُوفَةٌ [قَوْلُهُ: حَلْقُ الْعَانَةِ] هِيَ مَا فَوْقَ الْعَسِيبِ وَالْفَرْجِ وَمَا بَيْنَ الدُّبُرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ [قَوْلُهُ: وَلَا تَنْتِفُهَا الْمَرْأَةُ] أَيْ وَلَا الرَّجُلُ أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَالْعِلَّةُ رُبَّمَا أَنْتَجَتْ التَّحْرِيمَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَهْلُ مِصْرَ يَنْتِفُونَ شَعْرَ الْعَانَةِ وَهُوَ مِنْ التَّنْمِيصِ وَيُرْخِي الْمَحَلَّ وَيُؤْذِيهِ وَيُبْطِلُ كَثِيرًا مِنْ مَنَافِعِهِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَسْتَرْخِي الْمَحَلُّ] أَيْ بِهِ [قَوْلُهُ: وَتَجُوزُ إزَالَتُهَا] أَيْ الْعَانَةِ مُطْلَقًا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ بِمَعْنَى خِلَافِ الْأَوْلَى فَالْحَلْقُ أَحْسَنُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَوْلَى الْحَلْقُ وَبَعْدَهُ الْإِزَالَةُ بِالنُّورَةِ وَالنَّتْفُ يُكْرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْحَلْقُ لِأَنَّهُ أَشَدُّ لِلْفَرْجِ وَلِأَنَّ نَزْعَهُ بِالنُّورَةِ يُشْبِهُ الزَّعْرَاءَ الَّتِي لَمْ يَنْبُتْ لَهَا شَعْرٌ وَذَلِكَ عَيْبٌ كَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَلِأَنَّ الْحَلْقَ هُوَ الْغَالِبُ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ تَنَوَّرَ قَلِيلًا.
[قَوْلُهُ: مِنْ شَعْرِ الْجَسَدِ] كَشَعْرِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَنَحْوِهِمَا حَتَّى شَعْرِ حَلْقَةِ الدُّبُرِ [قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ] الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ، وَصَرَّحَ بِهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ أَيْ أَنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ صَرَّحَ بِالْإِبَاحَةِ وَقِيلَ سُنَّةٌ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا] أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ مُبَاحٌ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا النِّسَاءُ.
. . إلَخْ] أَيْ فَيَجِبُ عَلَيْهِنَّ إزَالَةُ مَا فِي إزَالَتِهِ جَمَالٌ وَلَوْ شَعْرَ اللِّحْيَةِ إنْ نَبَتَ لَهَا لِحْيَةٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِنَّ إبْقَاءُ مَا فِي إبْقَائِهِ جَمَالٌ فَيُحَرَّمُ عَلَيْهَا حَلْقُ شَعْرِهَا [قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزَ بِالْجَسَدِ] عِبَارَتُهُ تُفِيدُ أَنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ مِنْ الْجَسَدِ مَعَ أَنَّهَا مِنْهُ وَهُوَ تَابِعٌ فِي ذَلِكَ لِابْنِ نَاجِي فَالْأَحْسَنُ قَوْلُ ق: وَالْمُرَادُ بِالْجَسَدِ مَا عَدَا الرَّأْسَ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ حَلْقَهُمَا بِدْعَةٌ] أَيْ بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ فِي اللِّحْيَةِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا حَلْقُ لِحْيَتِهَا وَبِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ فِي الرَّأْسِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ أَيْضًا لَا الْمَرْأَةِ، فَإِنَّ حَلْقَ رَأْسِهَا بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ وَمَا ذَكَرْته مِنْ الْكَرَاهَةِ أَحَدُ قَوْلَيْنِ، وَحَاصِلُ مَا يُفِيدُهُ النَّقْلُ أَنَّ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ قَوْلَيْنِ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا رُجِّحَ.
وَقَالَ الزَّنَاتِيُّ: الْمَشْهُورُ كَرَاهَةُ الْحَلْقِ لِغَيْرِ الْمُتَعَمِّمِ وَالْإِبَاحَةُ لِلْمُتَعَمِّمِ وَمَحَلُّ ذَلِكَ كُلِّهِ حَيْثُ لَمْ يُبْقِهِ لِهَوَى نَفْسِهِ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ أَوْ يُحَرَّمُ وَقَالَ بَعْضٌ مَا مَعْنَاهُ إنَّ عَدَمَ حَلْقِ الرَّأْسِ الْيَوْمَ مِنْ فِعْلِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ إبْقَاءُ الشَّعْرِ شِعَارَ مَنْ يَدَّعِي الْوِلَايَةَ فَإِبْقَاؤُهُ إمَّا حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ.
[قَوْلُهُ: الْخِتَانُ لِلرِّجَالِ] أَرَادَ بِالرِّجَالِ الذُّكُورَ كَانُوا بَالِغِينَ أَوْ غَيْرَ بَالِغِينَ أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ، إلَّا أَنَّ الْبَالِغَ يُؤْمَرُ بِخَتْنِ نَفْسِهِ لِحُرْمَةِ نَظَرِ عَوْرَةِ الْكَبِيرِ، وَسُنَّةِ الْخِتَانِ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَيُرَخَّصُ لَهُ فِي تَرْكِهِ وَكَذَا الْخُنْثَى يُؤْمَرُ بِخَتْنِ نَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ زَوَالُ الْغُرْلَةِ] بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَهِيَ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ غِشَاءُ الْحَشَفَةِ.
تَنْبِيهٌ: يُنْدَبُ خِتَانُ الصَّبِيِّ إذَا أُمِرَ بِالصَّلَاةِ مِنْ سَبْعٍ إلَى عَشَرَةٍ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُخْتَنَ فِي السَّابِعِ مِنْ وِلَادَتِهِ لِأَنَّهُ عَادَةُ الْيَهُودِ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَتَأَمَّلْ حَاصِلَ مَا يُفِيدُهُ الْمَقَامُ.
[قَوْلُهُ: زَادَ فِي الضَّحَايَا وَاجِبَةٌ] أَيْ مُؤَكَّدَةٌ أَيْ فَيُزَادُ هُنَا رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ لَا تَجُوزُ إمَامَةُ تَارِكِهِ اخْتِيَارًا وَلَا شَهَادَتُهُ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا فَقِيلَ يَجْزِيهِ وَقِيلَ: يُجْرِي الْمُوسَى عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا يُقْطَعُ قُطِعَ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: وَالْخِفَاضُ.
. . إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ يُنْدَبُ فِيهِ السَّتْرُ بِحَيْثُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُ الْفَاعِلَةِ وَالْمَفْعُولِ لَهَا وَلِذَلِكَ لَا يُصْنَعُ

وَلَا تُقَصُّ) تَأْكِيدٌ وَقَوْلُهُ: (قَالَ مَالِكٌ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَلَا بَأْسَ بِالْأَخْذِ) بِمَعْنَى يُسْتَحَبُّ الْأَخْذُ (مِنْ طُولِهَا إذَا طَالَتْ كَثِيرًا) وَالْمَعْرُوفُ لَا حَدَّ لِلْأَخْذِ مِنْهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَتْرُكُهَا لِنَحْوِ الشُّهْرَةِ (وَ) مَا قَالَهُ مَالِكٌ (قَالَهُ) قَبْلَهُ (غَيْرُ وَاحِدٍ) أَيْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ (مِنْ الصَّحَابَةِ التَّابِعِينَ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَجْمَعِينَ.

(وَيُكْرَهُ صِبَاغُ الشَّعْرِ) الْأَبْيَضِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الشُّقْرَةِ (بِالسَّوَادِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ) فِي غَيْرِ الْبَيْعِ وَالْجِهَادِ، أَمَّا فِي الْبَيْعِ فَيَحْرُمُ.
وَأَمَّا فِي الْجِهَادِ لِإِيهَامِ الْعَدُوِّ الشَّبَابَ فَيُؤْجَرُ

[حاشية العدوي]

لِلْخِفَاضِ طَعَامٌ بِخِلَافِ الْخِتَانِ فَيَجُوزُ أَنْ يُشْهَرَ وَيُدْعَى إلَيْهِ النَّاسُ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى يُسْتَحَبُّ] أَيْ لَا سُنَّةً كَمَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَنُكْتَةُ الْعُدُولِ عَنْ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ إلَى اللَّفْظِ الْمُحْتَمَلِ اتِّبَاعُ لَفْظِ الْحَدِيثِ.
[قَوْله: لِأَمْرِهِ] أَيْ لِقَوْلِهِ مُسْتَحَبٌّ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَقَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلِاسْتِحْبَابِ فَتَدَبَّرْ.
.

[قَوْلُهُ: فِي الْمُوَطَّأِ] أَيْ فَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ وَإِعْفَاءِ اللِّحَى» وَهُوَ لِلْوُجُوبِ إذَا كَانَ يَحْصُلُ بِالْقَصِّ مُثْلَةٌ، وَلِلنَّدَبِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ مُثْلَةٌ وَلَمْ تَطُلْ كَثِيرًا فِيمَا يَظْهَرُ وَهُوَ مِنْ إقَامَةِ الْمُسَبَّبِ مَقَامَ السَّبَبِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِعْفَاءِ التَّرْكُ وَتَرْكُ الْقَصِّ لِلِّحْيَةِ يَسْتَلْزِمُ تَكْبِيرَهَا قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ.
[قَوْلُهُ: تُعْفَى] مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وَهُوَ بِسُكُونِ الْعَيْنِ.
[قَوْلُهُ: - رَحِمَهُ اللَّهُ -] سَيَأْتِي يَقُولُ فِي الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَقَدْ تُعُورِفَتْ لَفْظَةُ الرِّضَا فِي اسْتِعْمَالِهَا فِي الْأَكَابِرِ وَمَالِكٌ مِنْهُمْ فَالْمُنَاسِبُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَالرِّضَا بِمَعْنَى الْإِنْعَامِ أَوْ إرَادَتِهِ أَمَّا الرَّحْمَةُ فَالْأَمْرُ فِيهَا وَاضِحٌ.
وَأَمَّا الرِّضَا فَلِمَا ذَكَرَهُ الْغُنَيْمِيُّ مِمَّا ذَكَرْته.
[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ.
. . إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: أَمَّا قَوْلُهُ قَالَ مَالِكٌ.
. . إلَخْ.
فَالظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنَّمَا ذَكَرَهُ عَقِبَ الْحَدِيثِ كَأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهُ [قَوْلُهُ: مِنْ طُولِهَا] وَكَذَا يُنْدَبُ الْأَخْذُ مِنْ عَوَارِضِهَا كَمَا قَالَ ابْنُ نَاجِي.
[قَوْلُهُ: إذَا طَالَتْ كَثِيرًا] أَيْ لَا إنْ لَمْ تَطُلْ أَوْ طَالَتْ قَلِيلًا، وَفَسَّرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الْكَثْرَةَ بِأَنْ خَرَجَتْ عَنْ الْمُعْتَادِ لِغَالِبِ النَّاسِ، أَيْ فَيُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَقُصَّ الزَّائِدَ لِأَنَّ بَقَاءَهُ يَقْبُحُ بِهِ الْمَنْظَرُ فَإِنْ قُلْت: وَمَا حُكْمُ الْقَصِّ عِنْدَ عَدَمِ الطُّولِ أَوْ الطُّولِ الْقَلِيلِ؟ قُلْت: صَرَّحَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ الْقَصُّ إنْ لَمْ تَكُنْ طَالَتْ كَالْحَلْقِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ الْحُرْمَةِ كَمَا أَفَدْنَاك سَابِقًا إذَا كَانَ يَحْصُلُ بِالْقَصِّ مُثْلَةٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ عَدَمِ الطُّولِ أَوْ الطُّولِ الْقَلِيلِ وَتَجَاوَزَ فِي الْقَصِّ.
وَأَمَّا إذَا طَالَتْ قَلِيلًا وَكَانَ الْقَصُّ لَا يَحْصُلُ بِهِ مُثْلَةٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَحُرِّرَ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَعْرُوفُ لَا حَدَّ لِلْأَخْذِ مِنْهَا] أَيْ أَنَّهَا إذَا طَالَتْ كَثِيرًا وَقُلْنَا: لَا بَأْسَ بِالْأَخْذِ مِنْهَا فَاخْتُلِفَ عَلَى قَوْلَيْنِ الْمَعْرُوفُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا حَدَّ لِلْأَخْذِ أَيْ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَا تَحْسُنُ بِهِ الْهَيْئَةُ، وَمُقَابِلُ الْمَعْرُوفِ مَا قَالَهُ الْبَاجِيُّ: إنَّهُ يَقُصُّ مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ وَيَدُلُّ لَهُ مَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ كَانَا يَأْخُذَانِ مِنْ اللِّحْيَةِ مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا الْمُقَابِلَ لَا يَقْضِي بِأَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إذَا طَالَتْ كَثِيرًا كَمَا هُوَ مُفَادُ شَارِحِنَا فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّهُ لَا يَتْرُكُهَا] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِكَثْرَةِ الطُّولِ كَثْرَةٌ يَكُونُ بِهَا تَشْوِيهٌ وَشُهْرَةٌ فَذَلِكَ الْمُسْتَثْنَى هُوَ عَيْنُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إذَا طَالَتْ كَثِيرًا فَلَا مَعْنَى لِلْإِتْيَانِ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ تَفْسِيرَ الطُّولِ الْكَثِيرِ.
[قَوْلُهُ: لِنَحْوِ الشُّهْرَةِ] أَيْ جِهَةِ الشُّهْرَةِ أَيْ فِي جِهَةِ الشُّهْرَةِ، أَيْ الِاشْتِهَارِ، وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ الْمَتْرُوكَ فِي جِهَةِ الشُّهْرَةِ يَلْزَمُ أَنْ يَشْتَهِرَ فَالْمَقْصُودُ ذَلِكَ اللَّازِمُ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إلَّا أَنَّهُ لَا يَتْرُكُهَا بِحَيْثُ تَشْتَهِرُ.
[قَوْلُهُ: وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ.
. . إلَخْ] تَقْوِيَةٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ أَوْ دَلِيلٌ لَهُ كَمَا قَالَ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: أَيْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَصْدُقُ بِاثْنَيْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً لَا مَا يَشْمَلُ الِاثْنَيْنِ فَقَطْ لِأَنَّ التَّقْوِيَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِمُوَافَقَةِ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا هُمْ الْأَكْثَرُ لِكَوْنِ الْقَصْدِ الْقُوَّةَ فِي الْجُمْلَةِ، وَيَحْتَمِلُ وَهُمْ الْأَكْثَرُ لِكَوْنِ الْمُرَادِ بِالْقُوَّةِ الْكَامِلَةَ، وَالْمُقَابِلُ لِقَوْلِ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا شَيْئًا وَلَوْ طَالَتْ بِحَيْثُ صَارَتْ لَحَدِّ الشُّهْرَةِ أَيْ يُكْرَهُ الْأَخْذُ جُمْلَةً إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ بِحَمْلٍ لَا بَأْسَ لِمَا غَيْرُهُ خَيْرٌ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: أَيْ أَكْثَرَ مِنْ

عَلَيْهِ (وَ) أَمَّا صَبْغُهُ بِغَيْرِ السَّوَادِ فَ (لَا بَأْسَ بِهِ بِالْحِنَّاءِ) بِالْمَدِّ (وَبِالْكَتْمِ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالتَّاءِ وَرَقُ السَّلَمِ وَهُوَ يُصَفِّرُ الشَّعْرَ وَالْحِنَّاءُ تُحَمِّرُهُ، وَكَلَامُهُ مُحْتَمِلٌ لِلنَّدَبِ وَالْإِبَاحَةِ وَهِيَ أَقْرَبُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّوَادِ وَغَيْرِهِ أَنَّ السَّوَادَ صَرْفُ

[حاشية العدوي]

وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَلَمْ يَقُلْ وَأَتْبَاعِ التَّابِعِينَ لِأَنَّ مَالِكًا مِنْهُمْ وَالْمُؤَاخَذَةُ عَلَيْهِ إنَّمَا تَكُونُ بِمُخَالَفَةِ مَنْ قَبْلَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ نَقْضًا لِإِجْمَاعِهِمْ فَتَدَبَّرْ.
تَتِمَّةٌ: نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةُ حَلْقِ مَا تَحْتَ الْحَنَكِ حَتَّى قَالَ: إنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضٍ أَنَّ حَلْقَهُ مِنْ الزِّينَةِ فَتَكُونُ إزَالَتُهُ مِنْ الْفِطْرَةِ وَيُجْمَعُ بِحَمْلِ كَلَامِ الْإِمَامِ عَلَى مَنْ لَمْ يَلْزَمْ عَلَى بَقَائِهِ تَضَرُّرُ الشَّخْصِ وَلَا تَشْوِيهُ خِلْقَتِهِ وَكَلَامِ غَيْرِهِ عَلَى مَا يَلْزَمُ عَلَى بَقَائِهِ وَاحِدٌ مِنْ الْأَمْرَيْنِ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَرَفَةَ جَوَازَ إزَالَةِ شَعْرِ الْخَدِّ وَنُدِبَ قَصُّ شَعْرِ الْأَنْفِ لَا نَتْفُهُ لِأَنَّ بَقَاءَهُ أَمَانٌ مِنْ الْجُذَامِ وَنَتْفُهُ يُورِثُ الْأَكْلَةَ، وَيَحْرُمُ إزَالَةُ شَعْرِ الْعَنْفَقَةِ كَمَا يَحْرُمُ إزَالَةُ شَعْرِ اللِّحْيَةِ وَإِزَالَةُ الشَّيْبِ مَكْرُوهَةٌ كَمَا يُكْرَهُ تَخْفِيفُ اللِّحْيَةِ وَالشَّارِبِ بِالْمُوسَى تَحْسِينًا وَتَزْيِينًا.
.

[قَوْلُهُ: مِنْ الشُّقْرَةِ] أَيْ وَمَا فِي مَعْنَى الشُّقْرَةِ الْأَبْيَضِ مِنْ ذِي الشُّقْرَةِ أَوْ وَمَا فِي مَعْنَى الْبَيَاضِ الْمَأْخُوذِ مِنْ أَبْيَضَ مِنْ نَفْسِ الشُّقْرَةِ وَالشُّقْرَةُ مِنْ الْأَلْوَانِ كَمَا قَالَ ابْنُ فَارِسٍ حُمْرَةٌ تَعْلُو بَيَاضًا فِي الْإِنْسَانِ وَحُمْرَةٌ صَافِيَةٌ فِي الْخَيْلِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ] لَمَّا كَانَتْ الْكَرَاهَةُ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا التَّنْزِيهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ هُنَا، وَتُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا التَّحْرِيمُ دَفَعَ هَذَا الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ ذَكَرَهُ تت إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّهَا مَتَى أُطْلِقَتْ لَا تَنْصَرِفُ إلَّا لِلتَّنْزِيهِ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا فِي الْبَيْعِ فَيَحْرُمُ] أَيْ لِأَنَّهُ تَدْلِيسٌ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ أَيْ كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا وَسَوَّدَ لِحْيَتَهُ لِلَوْنِهَا الْأَبْيَضِ، وَكَذَا مُرِيدُ نِكَاحِ امْرَأَةٍ فَيَصْبُغُ شَعْرَ لِحْيَتِهِ الْأَبْيَضَ، وَالْحَاصِلُ كَمَا يُفِيدُهُ زَرُّوقٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلتَّغْرِيرِ حَرُمَ وَإِنْ كَانَ لِلْجِهَادِ نُدِبَ وَإِنْ كَانَ لِلتَّشَابُبِ كُرِهَ وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَقَوْلَانِ بِالْكَرَاهَةِ وَالْجَوَازِ.
[قَوْلُهُ: لِإِيهَامِ الْعَدُوِّ] أَيْ لِيُوقِعَ فِي وَهْمِهِ أَيْ ذِهْنِهِ أَيْ بِحَيْثُ يَعْتَقِدُ أَوْ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْمُجَاهِدَ الْمُقَابِلَ لَهُ شَابٌّ فَلَيْسَ الْمُرَادُ الطَّرَفَ الْمَرْجُوحَ.
[قَوْلُهُ: فَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ] أَيْ فَيَكُونُ مَنْدُوبًا لِكَوْنِهِ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ، وَمُفَادُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْجِهَادِ وَلَمْ يَكُنْ لِإِيهَامِ الْعَدُوِّ فَلَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ أَيْ وَيَكُونُ مَكْرُوهًا إلَّا لِمُقْتَضٍ لِلتَّحْرِيمِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ غَيْرَ الْجِهَادِ مِنْ كُلِّ قِتَالٍ جَائِزٍ حُكْمُهُ كَذَلِكَ أَوْ أَرَادَ بِالْجِهَادِ مَا يَشْمَلُهُ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا صَبْغُهُ بِغَيْرِ السَّوَادِ] أَيْ صَبْغُ الشَّعْرِ الْأَبْيَضِ بِغَيْرِ السَّوَادِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ غَيْرُ السَّوَادِ يَصْدُقُ بِالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَالْخُضْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْجَائِزُ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مَا كَانَ بِالْحِنَّاءِ وَبِالْكَتَمِ مِمَّا يُصَفِّرُ أَوْ يُحَمِّرُ أَشَارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَلَا بَأْسَ بِهِ.
. . إلَخْ هَذَا مَا اقْتَضَتْهُ عِبَارَتُهُ، وَكَلَامُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ يَقْضِي بِحَصْرِ الْكَرَاهَةِ فِي السَّوَادِ مَعَ تَفْصِيلٍ يَتَعَيَّنُ حِفْظُهُ وَنَصُّهُ.
وَأَمَّا الْخِضَابُ فَلِلتَّشَبُّهِ بِالصَّالِحِينَ مُسْتَحَبٌّ وَلِلتَّصَابِي مَكْرُوهٌ وَلِلْعَادَةِ مُبَاحٌ وَلِلتَّغْرِيرِ فِي نِكَاحٍ أَوْ شِرَاءِ أَمَةٍ أَوْ نَحْوِهِ مَمْنُوعٌ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ السَّوَادُ لِأَنَّهُ تَشَابُبٌ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالتَّشَبُّهِ بِالصَّالِحِينَ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ لَا لِإِيهَامِ النَّاسِ أَنَّهُ صَالِحٌ وَإِلَّا كُرِهَ.
وَلِذَا نَقَلَ الْمِعْيَارُ عَنْ النَّوَوِيِّ مُرْتَضِيًا لَهُ مَا يُفِيدُ أَنَّ تَبْيِيضَهَا بِكِبْرِيتٍ أَوْ غَيْرِهِ إنَّمَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ اسْتِعْجَالًا لِلشَّيْخُوخَةِ لِأَجْلِ الرِّيَاسَةِ وَالتَّعْظِيمِ.
وَأَمَّا لَا لِذَلِكَ بَلْ لِإِظْهَارِ الضَّعْفِ مَثَلًا فَلَا كَرَاهَةَ، وَالْحَاصِلُ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ زَرُّوقٍ وَالتَّحْقِيقُ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ قَاصِرَةٌ عَلَى السَّوَادِ إلَّا لِغَرَضِ الْجِهَادِ فَلَا يُكْرَهُ لِقَوْلِهِ: فَلَا بَأْسَ بِهِ بِالْحِنَّاءِ مَفْهُومًا فَتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: بِالْحِنَّاءِ.
. . إلَخْ] قَالَ تت: وَجَوَازُهُ لِلرِّجَالِ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ دُونَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِالنِّسَاءِ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ اهـ. بَلْ قَالَ الْحَطَّابُ: يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ تَرْكُ الْحِنَّاءِ قَالَ عج: وَحَدُّهُ لِلسِّوَارَيْنِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: بِالْمَدِّ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ لَيْسَ إلَّا اهـ. وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا حَنَّتْ عَلَى آدَمَ حِينَ سَقَطَتْ عَنْهُ ثِيَابُ الْجَنَّةِ.
وَلَمْ يَجِدْ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ فَكَانَ كُلَّمَا أَتَى إلَى شَجَرَةٍ لِيَسْتَتِرَ بِهَا هَرَبَتْ مِنْهُ إلَّا الْحِنَّاءَ وَالْكَتَمَ اهـ. [قَوْلُهُ: وَرَقُ السَّلَمِ] السَّلَمُ شَجَرٌ الْوَاحِدَةُ سَلَمَةٌ مِثْلُ قَصَبٍ وَقَصَبَةٍ قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ يُصَفِّرُ الشَّعْرَ وَالْحِنَّاءُ تُحَمِّرُهُ] اُنْظُرْ هَلْ يُعْطَى حُكْمَهُمَا كُلُّ شَيْءٍ

لَوْنٍ إلَى لَوْنٍ مَعَ ذَهَابِ الْأَوَّلِ وَالتَّحْمِيرُ وَنَحْوُهُ تَغْيِيرٌ لَا صَبْغٌ لِبَقَاءِ صِفَتِهِ مِنْ الْأَوَّلِ فَلَا يَلْتَبِسُ الشَّيْبُ عَلَى أَحَدٍ بِاحْمِرَارِهِ وَيَلْتَبِسُ بِاسْوِدَادِهِ.

(وَنَهَى الرَّسُولُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ) فِي الصَّحِيحَيْنِ نَهْيَ تَحْرِيمٍ الذَّكَرَ (عَنْ لِبَاسِ) أَيْ لُبْسِ (الْحَرِيرِ وَ) عَنْ (تَخَتُّمِ الذَّهَبِ) ظَاهِرُ قَوْلِهِ: الذَّكَرَ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا كَانَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ لِبَاسٌ أَنَّ الْجُلُوسَ عَلَيْهِ وَالِاتِّكَاءَ عَلَيْهِ جَائِزٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اللُّبْسِ لَمَّا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ يُجْلَسَ عَلَيْهِ» (وَ) نَهَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ) فِي الْقَبَسِ، «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ خَاتَمُ شَبَهٍ يَعْنِي مِنْ

[حاشية العدوي]

يُصَفِّرُ أَوْ يُحَمِّرُ وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْبَيَانِ: اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ تَغْيِيرِ الشَّيْبِ بِالصُّفْرَةِ وَالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ.
. . إلَخْ.
أَوْ ذَلِكَ خُصُوصِيَّةٌ لَهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَحَدِيثِ أَبِي دَاوُد أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَحْسَنُ مَا غُيِّرَ بِهِ الشَّيْبُ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ» . [قَوْلُهُ: وَهِيَ أَقْرَبُ] أَقُولُ: لَمْ يُفْهَمْ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْفَاكِهَانِيُّ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْجَوَاهِرِ.
وَقَوْلُهُ: وَهِيَ أَقْرَبُ تَبِعَ فِيهِ ابْنَ نَاجِي، وَظَاهِرُ التَّعْبِيرِ بِالْإِبَاحَةِ اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ، وَفِي الْبَيَانِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْجَوَازُ بِمَعْنَى خِلَافِ الْأَوْلَى.
أَقُولُ: وَيَشْهَدُ لِلْقَوْلِ بِالنَّدْبِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ» وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ الْخُلَفَاءَ كُلَّهُمْ صَبَغُوا إلَّا عَلِيًّا وَقِيلَ: حَتَّى عَلِيًّا لِأَنَّهُ رُئِيَ وَلِحْيَتُهُ حَمْرَاءُ مَرَّةً فَهُوَ مِمَّا يُغَيِّرُ فِي قَوْلِ ابْنِ نَاجِي الْأَقْرَبُ الْإِبَاحَةُ [قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّوَادِ وَغَيْرِهِ.
. . إلَخْ] عِبَارَتُهُ فِي التَّحْقِيقِ وَإِنَّمَا كُرِهَ الصَّبْغُ بِالسَّوَادِ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّ فِيهِ.
. . إلَخْ فَهَذَا يُفِيدُ حَصْرَ الْكَرَاهَةِ فِي السَّوَادِ دُونَ مَا عَدَاهُ مِنْ الْأَلْوَانِ وَلَوْ الْخُضْرَةَ فَيَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَا بَأْسَ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ غَيْرَ مُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
[قَوْلُهُ: وَغَيْرِهِ] لَا يَخْفَى أَنَّ غَيْرَ السَّوَادِ شَامِلٌ لِكُلِّ الْأَلْوَانِ وَلَوْ الْخُضْرَةَ وَإِنْ كَانَ يُطْلَقُ عَلَى الْخُضْرَةِ سَوَادٌ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ سَوَادُ الْعِرَاقِ [قَوْلُهُ: صَرْفُ لَوْنٍ] أَيْ ذُو صَرْفِ لَوْنٍ لِأَنَّ السَّوَادَ لَيْسَ نَفْسَ الصَّرْفِ [قَوْلُهُ: بِاحْمِرَارِهِ] أَيْ مَثَلًا [قَوْلُهُ: وَيَلْتَبِسُ بِاسْوِدَادِهِ] الْمُوهِمِ كَوْنَهُ شَابًّا خُلَاصَتُهُ أَنَّ كَرَاهَةَ تَغْيِيرِهِ الشَّعْرَ إنَّمَا كَانَتْ لِأَجْلِ إيهَامِ التَّشَابُبِ أَيْ مَنْ رَآهُ يَقَعُ فِي وَهْمِهِ أَنَّهُ شَابٌّ، فَإِنْ قُلْت: كَمَا يَقَعُ فِي وَهْمِ مَنْ رَآهُ أَنَّهُ شَابٌّ كَذَلِكَ يَقَعُ فِيمَنْ يُغَيِّرُ بِمَا يُبَيِّضُ أَنَّهُ شَيْخٌ، فَلِمَ كُرِهَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي بِالْقَيْدِ الْمُتَقَدِّمِ؟ قُلْت: تَرَتُّبُ الضَّرَرِ عَلَى إيهَامِ الشُّبُوبِيَّةِ يَكْثُرُ بِخِلَافِ غَيْرِهَا.

[قَوْلُهُ: أَيْ لُبْسِ] فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِاللِّبَاسِ مَا يُلْبَسُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمِصْبَاحُ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ.
[قَوْلُهُ: الذَّكَرَ] مَفْهُومُهُ الْجَوَازُ لِلْإِنَاثِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَوْ نَعْلًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لَا كَسَرِيرٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الظَّاهِرَ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ بَلْ الصَّغِيرُ لُبْسُهُ لِلْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ مَكْرُوهٌ فَقَطْ، وَالْكَرَاهَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَلِيِّهِ وَأَمَّا لُبْسُهُ الْفِضَّةَ فَجَائِزٌ.
[قَوْلُهُ: كَانَ لِعُذْرٍ] أَيْ كَحَكَّةٍ أَوْ جِهَادٍ.
. . إلَخْ.
بِالنِّسْبَةِ لِلْحَرِيرِ وَهَذَا الظَّاهِرُ هُوَ الْمَشْهُورُ [قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ] ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اللُّبْسِ.
. . إلَخْ] أَيْ وَلَوْ فَرَشَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ، أَيْ وَلَوْ تَبَعًا لِزَوْجَتِهِ أَيْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْجُلُوسُ عَلَيْهِ تَبَعًا لِزَوْجَتِهِ خِلَافًا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي إجَازَتِهِ تَبَعًا لَهَا وَكَانَتْ مُصَاحِبَةً لَهُ فِي الْجُلُوسِ عَلَيْهِ، وَتَجُوزُ الْخِيَاطَةُ بِهِ وَاِتِّخَاذُهُ رَايَةً فِي الْحَرْبِ، وَكَذَا يَحْرُمُ مَا بُطِّنَ بِحَرِيرٍ أَوْ حُشِيَ بِهِ مِثْلُ الصُّوفِ أَوْ رُقِّمَ بِهِ إذَا كَانَ الْحَرِيرُ فِيهِ كَثِيرًا، وَيَحْرُمُ السِّجَافُ حَيْثُ زَادَ عَلَى أَرْبَعِ أَصَابِعَ وَفِي قَدْرِ عَرْضِ الْأُصْبُعِ أَوْ الْأَرْبَعِ قَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ، وَأَمَّا تَعْلِيقُ الْحَرِيرِ وَجَعْلُهُ سِتَارَةً مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ عَلَيْهِ فَجَائِزٌ.
[قَوْلُهُ: وَالدِّيبَاجِ] قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ: مَا غَلُظَ مِنْ ثِيَابِ الْحَرِيرِ وَعَطَفَهُ عَلَى الْحَرِيرِ لِيُفِيدَ النَّهْيَ عَنْهُ لِخُصُوصِهِ لِأَنَّهُ صَارَ جِنْسًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: وَنَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ] أَيْ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ الْحُرْمَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: فِي اللُّبْسِ] كِتَابٌ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ شَرَحَ بِهِ الْمُوَطَّأَ يُقَالُ لَهُ كِتَابُ الْقَبَسِ عَلَى مُوَطَّأِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ، وَالْقَبَسُ بِفَتْحَتَيْنِ شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ يَقْتَبِسُهَا الشَّخْصُ، فَكَأَنَّهُ سَمَّى كِتَابَهُ بِذَلِكَ إشَارَةً إلَى شِدَّةِ تَعَلُّقِ هَذَا الشَّرْحِ بِهَذَا الْكِتَابِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْهُ كَتَمَكُّنِ شُعْلَةِ النَّارِ مِمَّنْ

النُّحَاسِ الْأَصْفَرِ فَقَالَ لَهُ: إنِّي أَجِدُ مِنْك رِيحَ الْأَصْنَامِ.
وَجَاءَ إلَيْهِ آخَرُ وَعَلَيْهِ خَاتَمُ حَدِيدٍ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَى عَلَيْك حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ.
وَجَاءَ إلَيْهِ آخَرُ وَعَلَيْهِ خَاتَمُ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهُ: اطْرَحْ عَنْك حِلْيَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» ج: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَيَدُلُّ لِظَاهِرِهَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» أَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ (وَلَا بَأْسَ بِالْفِضَّةِ فِي حِلْيَةِ الْخَاتَمِ وَالسَّيْفِ.

[حاشية العدوي]

تَتَعَلَّقُ بِهِ، وَإِلَى كَوْنِهِ صَارَ وَاضِحًا بِهِ كَمَا يَتَّضِحُ مَنْ يَكُونُ بِظَلَامٍ بِشُعْلَةِ النَّارِ الَّتِي أَتَتْ عَلَيْهِ، وَأَتَى بِذَلِكَ دَلِيلًا لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَنَهَى.
. . إلَخْ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ دَلِيلٌ ضِمْنِيٌّ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ تَصْرِيحٌ بِالنَّهْيِ وَلَمْ يَأْتِ بِحَدِيثٍ صَرِيحٍ فِي النَّهْيِ لِقَوْلِهِ فِي التَّحْقِيقِ: وَلَمْ أَقِفْ فِيهِ عَلَى حَدِيثٍ صَرِيحٍ فِي النَّهْيِ مَعْزُوٍّ إلَى أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَنِينَ بِتَخْرِيجِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَوْ الْحَسَنِ غَيْرَ مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ إلَى آخِرِ مَا قَالَ.
وَقَوْلُهُ: جَاءَ رَجُلٌ لَمْ يُعَيِّنْ اسْمَ ذَلِكَ الرَّجُلِ [قَوْلُهُ: يَعْنِي مِنْ النُّحَاسِ الْأَصْفَرِ] تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ شَبَهٍ بِفَتْحَتَيْنِ مَعْنَاهُ يُشْبِهُ الذَّهَبَ فِي لَوْنِهِ وَهُوَ نُحَاسٌ أَحْمَرُ يُضَافُ إلَيْهِ أَشْيَاءُ وَيُسْبَكُ مَعَهَا فَيُكْسَبُ لَوْنَ الذَّهَبِ.
[قَوْلُهُ: إنِّي أَجِدُ مِنْك رِيحَ الْأَصْنَامِ] الْأَصْنَامُ جَمْعُ صَنَمٍ.
قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الصَّنَمُ مَا يُتَّخَذُ مِنْ خَشَبٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ فِضَّةٍ وَالْجَمْعُ أَصْنَامٌ اهـ. فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: أَشُمُّ مِنْك رِيحَ الصَّنَمِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ ذَلِكَ الْخَاتَمَ مِنْ جِنْسِ مَا قَدْ يُتَّخَذُ مِنْهُ الصَّنَمُ فَاجْتَنِبْهُ لِأَنَّ الْمُتَحَلِّيَ بِهِ كَالشَّبِيهِ بِعَابِدِ الصَّنَمِ [قَوْلُهُ: حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ] أَيْ مَا يَتَحَلَّى بِهِ أَيْ يَتَزَيَّنُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ وَهُمْ الْكُفَّارُ فَإِنَّ سَلَاسِلَهُمْ وَأَغْلَالَهُمْ فِي النَّارِ مِنْ الْحَدِيدِ كَذَا ذَكَرَهُ السِّنْدِيُّ شَارِحُ الْحَدِيثِ.
أَقُولُ: وَلَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِهِمْ يَتَخَتَّمُونَ بِخَوَاتِمَ مِنْ حَدِيدٍ تَحْقِيرًا لَهُمْ كَمَا أَنَّ جَعْلَهُ زِينَةً كَذَلِكَ وَهَذَا مَحَلُّ الشَّاهِدِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ.
[قَوْلُهُ: اطْرَحْ عَنْك حِلْيَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ] أَيْ فَلَا يَتَحَلَّى بِهَا إلَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَنْ دَخَلَهَا بِالْفِعْلِ وَأَنْتَ لَمْ تَدْخُلْهَا بِالْفِعْلِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنَّمَا هُوَ زِينَةٌ لِمَنْ حَلَّ بِهَا وَقَطَعَ الْعَقَبَاتِ وَفَازَ بِالدَّرَجَاتِ وَكَانَ جَزَاءً لَهُ عَنْ اتِّبَاعِهِ شَرْحَ سَيِّدِ السَّادَاتِ إلَى أَنْ حَلَّ بِهِ كَأْسُ الْمَنِيَّاتِ، وَأَنْتَ لَمْ تَكُنْ الْآنَ مِنْ أُولَئِكَ.
ثُمَّ أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ التَّخَتُّمَ بِالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ مَكْرُوهٌ وَبِالذَّهَبِ حَرَامٌ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ يُلَوِّحُ لِذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَأْتِ بِالْأَمْرِ الْمُقْتَضِي لِلْوُجُوبِ إلَّا فِي خَاتَمِ الذَّهَبِ دُونَ الْأَوَّلَيْنِ كَمَا تَرَى فَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ] أَيْ كَوْنُ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ مَنْهِيًّا عَنْهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، أَيْ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ الْجَوَازُ لِقَوْلِهَا فِي بَابِ الْإِحْدَادِ لَا تَلْبَسُ حُلِيًّا وَلَا قُرْطًا وَلَا خَاتَمَ حَدِيدٍ، مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لِغَيْرِ إحْدَادٍ مِنْ النِّسَاءِ جَائِزٌ.
وَقَوْلُهُ: وَيَدُلُّ لِظَاهِرِهَا أَيْ لِظَاهِرِهَا الَّذِي هُوَ الْجَوَازُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ التَّحْرِيمُ وَإِنْ كُنَّا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْجَوَازُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ كَكَرَاهَةِ التَّخَتُّمِ بِالنُّحَاسِ إلَّا لِمَنْ بِهِ ضَرَرُ الصَّفْرَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِخَاتَمِ النُّحَاسِ وَإِلَّا لِخَوْفِ الْجِنِّ بِالنِّسْبَةِ لِخَاتَمِ الْحَدِيدِ فَإِنَّهُ نَافِعٌ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا] أَيْ الْتَمِسْ أَيُّهَا الطَّالِبُ لِلتَّزْوِيجِ شَيْئًا تَجْعَلُهُ صَدَاقًا وَلَوْ كَانَ الْمُلْتَمَسُ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَاسْمُ كَانَ مَحْذُوفٌ كَأَنَّهُ قَالَ: الْتَمِسْ شَيْئًا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ قَلَّ، وَفِيهِ إفَادَةُ أَنَّهُ لَا يُعْقَدُ نِكَاحٌ إلَّا بِصَدَاقٍ لِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ وَأَنْفَعُ لِلْمَرْأَةِ فَيَجُوزُ بِأَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ إذْ خَاتَمُ الْحَدِيدِ نِهَايَةٌ فِي الْقِلَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ: إنَّهُ يَجُوزُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَيُسْتَحَبُّ رُبُعُ دِينَارٍ، وَالرَّاجِحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ رُبُعَ دِينَارٍ أَوْ مَا يُسَاوِيهِ فَإِنْ وَقَعَ بِدُونِهِ أُمِرَ بِالتَّكْمِيلِ فَإِنْ أَبَى فُسِخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَكَانَ لَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى، وَإِنْ دَخَلَ لَزِمَهُ تَكْمِيلُهُ وَلَا يُفْسَخُ وَوَجَّهَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمَشْهُورَ بِالْقِيَاسِ عَلَى السَّرِقَةِ بِجَامِعِ اسْتِحْلَالِ الْعُضْوِ الْمُحْتَرَمِ [قَوْلُهُ: أَجَابَ الْجُمْهُورُ] الْقَائِلُونَ بِالنَّهْيِ لَا بِالْجَوَازِ.
[قَوْلُهُ: الْمُبَالَغَةَ] أَيْ الْمُبَالَغَةَ فِي الْتِمَاسِ شَيْءٍ لِلتَّزْوِيجِ وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْمُلْتَمَسَ خَاتَمُ حَدِيدٍ مِمَّا شَأْنُهُ النَّهْيُ عَنْ لُبْسِهِ أَيْ فَلَمْ يُرِدْ إفَادَةَ جَوَازِ لُبْسِهِ، بَلْ إنَّمَا أَرَادَ التَّأَكُّدَ فِي الِالْتِمَاسِ وَأَنَّهُ لَا يُعْقَدُ نِكَاحٌ إلَّا بِصَدَاقٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَوْ لَزِمَ عَلَيْهِ ارْتِكَابُ مَحْذُورٍ، وَأُجِيبَ بِجَوَابٍ

وَالْمُصْحَفِ) أَمَّا حِلْيَةُ الْخَاتَمِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِهِ أَنْ تَكُونَ فِي شَيْءٍ جَائِزٍ غَيْرِ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ كَالْجِلْدِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِهِ أَنْ يَكُونَ الْخَاتَمُ كُلُّهُ مِنْ فِضَّةٍ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ فَكَانَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُمَرَ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - حَتَّى وَقَعَ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ، وَنَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» . وَأَمَّا تَحْلِيَةُ السَّيْفِ بِالْفِضَّةِ فَحَكَى بَعْضُهُمْ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ

[حاشية العدوي]

آخَرَ حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الِالْتِمَاسِ وَالِاتِّخَاذِ جَوَازُ اللُّبْسِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ تَحْصِيلَهُ لِتَنْتَفِعَ بِقِيمَتِهِ الْمَرْأَةُ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا حِلْيَةُ الْخَاتَمِ] فِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: خَاتَمُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا، وَخَاتَامٌ كَسَابَاطٍ، وَخَيْتَامٌ كَبَيْطَارٍ وَجَمْعُهُ خَوَاتِيمُ [قَوْلُهُ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ] عِبَارَتُهُ تُؤْذِنُ بِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ إذْ هُوَ قَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْفَصَّ يَكُونُ فِي عُودٍ أَوْ جِلْدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَجُوزُ مَا عَدَا الْحَدِيدَ وَالنُّحَاسَ وَالرَّصَاصَ.
[قَوْلُهُ: أَرَادَ بِهِ أَنْ يَكُونَ الْخَاتَمُ.
. . إلَخْ] أَيْ فَتَكُونُ الْإِضَافَةُ فِي حِلْيَتِهِ لِلْبَيَانِ أَيْ لَا بَأْسَ بِالْفِضَّةِ فِي شَيْءٍ يَتَحَلَّى بِهِ أَيْ يَتَزَيَّنُ بِهِ الَّذِي هُوَ الْخَاتَمُ، فَفِي بِمَعْنَى الْبَاءِ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى مِنْ وَالتَّقْدِيرُ وَلَا بَأْسَ بِحِلْيَةٍ، وَتِلْكَ الْحِلْيَةُ هِيَ الْخَاتَمُ مِنْ الْفِضَّةِ أَيْ وَلَا بَأْسَ بِالْخَاتَمِ مِنْ الْفِضَّةِ [قَوْلُهُ: مِنْ فِضَّةٍ] أَيْ فَيَجُوزُ اتِّخَاذُهُ بَلْ يُنْدَبُ بِشَرْطِ قَصْدِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُهُ عَجَبًا وَأَنْ يَكُونَ وَاحِدًا لَا مُتَعَدِّدًا وَلَوْ كَانَ وَزْنُ الْجَمِيعِ دِرْهَمَيْنِ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ دِرْهَمَيْنِ فَأَقَلَّ لَا أَزْيَدَ.
[قَوْلُهُ: اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ] أَيْ فِضَّةٍ وَكَانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا أَيْ صَانِعُهُ حَبَشِيٌّ أَوْ مَصْنُوعٌ كَمَا يَصْنَعُهُ الْحَبَشَةُ، فَلَا يُنَافِي مَا فِي رِوَايَةِ أَنَّ فَصَّهُ مِنْهُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: فَكَانَ فِي يَدِهِ] أَيْ فِي خِنْصَرِ يَدِهِ الْيُمْنَى أَوْ الْيُسْرَى فَهُوَ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْجُزْءِ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ أَيْ فِي تَصَرُّفِهِ يَخْتِمُ بِهِ الْأَحْكَامَ وَالرَّسَائِلَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، يُقَالُ: هَذَا فِي يَدِ فُلَانٍ أَيْ فِي تَصَرُّفِهِ فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ مُعَيْقِيبٍ جَعَلَهُ أَمِينًا عَلَيْهِ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
وَقِيلَ: قَوْلُهُ فِي يَدِهِ أَيْ فِي إصْبَعِهِ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ النَّوَوِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: التَّبَرُّكُ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ وَلُبْسُ مَلَابِسِهِمْ وَأَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَلَبِسَ الْخَاتَمَ بَعْدَ النَّبِيِّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَجُمِعَ بِأَنَّهُمْ لَبِسُوهُ أَحْيَانًا لِلْمُتَبَرِّكِ وَكَانَ مَقَرُّهُ عِنْدَ مُعَيْقِيبٍ وَثُمَّ لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ بِدُونِ تَرَاخٍ فَهِيَ بِمَعْنَى الْفَاءِ، وَالْقَرِينَةُ ظَاهِرَةٌ.
وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ: فَكَانَ فِي يَدِهِ أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْحَقِيقَةُ مَعَ اتِّخَاذِ قِطْعَةِ فِضَّةٍ يُنْقَشُ عَلَيْهَا لِيُخْتَمَ بِهَا إلَّا أَنَّ بَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ اسْتَظْهَرَ الْجَوَازَ، وَفِيهِ أَنَّ الْمُصْطَفَى لَا يُورَثُ وَإِلَّا لَأَخَذَ وَرَثَتُهُ الْخَاتَمَ وَلِهَذَا أَخَذَ أَبُو بَكْرٍ الْخَاتَمَ وَالْقَدَحَ وَالسِّلَاحَ وَنَحْوَهَا مِنْ آثَارِهِ، فَجَعَلَ الْقَدَحَ عِنْدَ أَنَسٍ يُخْرِجُهُ لِمُرِيدِ تَبَرُّكٍ، وَجَعَلَ الْخَاتَمَ عِنْدَ مُعَيْقِيبٍ لِلْحَاجَةِ الَّتِي اتَّخَذَهُ النَّبِيُّ إلَيْهَا فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ عِنْدَ خَلِيفَتِهِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ.
[قَوْلُهُ: حَتَّى وَقَعَ] أَيْ سَقَطَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ مِنْ خِلَافَتِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مَكَثَ الْخَاتَمُ فِي يَدِهِ سِتَّ سِنِينَ ثُمَّ جَلَسَ عَلَى بِئْرِ أَرِيسٍ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ مِنْ خِلَافَتِهِ فَسَقَطَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غُلَامِهِ مُعَيْقِيبٍ، وَالْأُولَى مَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَالثَّانِيَةُ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ وَبَعْضِ طُرُقِ مُسْلِمٍ، وَيَحْتَمِلُ كَمَا قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ: أَنَّهُ لَمَّا طَلَبَهُ مِنْ مُعَيْقِيبٍ لِيَخْتِمَ بِهِ شَيْئًا اسْتَمَرَّ فِي يَدِهِ وَهُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي شَيْءٍ يَعْبَثُ بِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُ فِي حَالِ تَفَكُّرِهِ إلَى مُعَيْقِيبٍ فَاشْتَغَلَ بِأَخْذِهِ فَسَقَطَ فَنُسِبَ سُقُوطُهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا [قَوْلُهُ: أَرِيسٍ] كَجَلِيسٍ بِصَرْفٍ وَعَدَمِهِ قَرِيبَةٌ مِنْ مَسْجِدِ قُبَاءَ.
قَالَ بَعْضٌ: بُسْتَانٌ مَعْرُوفٌ بِبِئْرِ أَرِيسٍ فِيهِ بِئْرٌ وَقَعَ فِيهِ الْخَاتَمُ، فَفِي الْكَلَامِ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ أَيْ وَقَعَ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ.
وَقَالَ السَّمْهُودِيُّ: بِئْرُ أَرِيسٍ نِسْبَةٌ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ اسْمُهُ أَرِيسٌ وَهُوَ الْفَلَاحُ بِلُغَةِ أَهْلِ الشَّامِ اهـ. وَقَدْ بَالَغَ عُثْمَانُ فِي التَّفْتِيشِ عَلَيْهِ وَنَزَحَ الْبِئْرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَخْرَجَ جَمِيعَ مَا فِيهِ فَلَمْ يُوجَدْ إشَارَةً إلَى أَنَّ أَمْرَ الْخِلَافَةِ مَنُوطٌ بِذَلِكَ الْخَاتَمِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: فَكَانَ فِي خَاتَمِ الْمُصْطَفَى مِنْ الْأَسْرَارِ كَمَا كَانَ فِي خَاتَمِ سُلَيْمَانَ لِأَنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا فَقَدَ خَاتَمَهُ ذَهَبَ مُلْكُهُ وَعُثْمَانُ لَمَّا فَقَدَ الْخَاتَمَ انْتَقَضَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، وَكَانَ مَبْدَأُ الْفِتْنَةِ الَّتِي أَفَضَتْ إلَى قَتْلِهِ وَاتَّصَلَتْ إلَى آخِرِ الزَّمَانِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ هَمْزَةِ الْبِئْرِ.
[قَوْلُهُ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ] أَيْ مُتَعَلِّقُ نَقْشِهِ مُحَمَّدٌ أَوْ نَقْشُهُ

إرْهَابًا لِلْعَدُوِّ، وَكَذَلِكَ حُكِيَ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَحْلِيَةِ الْمُصْحَفِ بِالْفِضَّةِ تَعْظِيمًا لَهُ (وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ التَّحْلِيَةِ بِالْفِضَّةِ (فِي لِجَامٍ وَلَا سَرْجٍ وَلَا سِكِّينٍ وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ) مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ اقْتِصَارًا عَلَى مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ (وَيَتَخَتَّمُ النِّسَاءُ) دُونَ الرِّجَالِ (بِالذَّهَبِ) وَقَوْلُهُ: (وَنَهَى عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ) تَكْرَارٌ (وَالِاخْتِيَارُ) عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (مِمَّا) أَيْ مِنْ الَّذِي (رُوِيَ) عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فِي التَّخَتُّمِ التَّخَتُّمُ فِي الْيَسَارِ؛ لِأَنَّ تَنَاوُلَ الشَّيْءِ بِالْيَمِينِ فَهُوَ يَأْخُذُهُ بِيَمِينِهِ وَيَجْعَلُهُ فِي يَسَارِهِ) رَوَى الْبَيْهَقِيُّ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ فَجَعَلَهُ فِي يَسَارِهِ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ كَانُوا يَتَخَتَّمُونَ فِي يَسَارِهِمْ» ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ: «كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ، وَأَشَارَ إلَى خِنْصَرِهِ مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى» .

(وَاخْتُلِفَ فِي لُبْسِ الْخَزِّ) بِخَاءٍ وَزَايٍ مُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ مَا

[حاشية العدوي]

نَقْشُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَوْ مَنْقُوشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَكَانَتْ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ مُحَمَّدٌ سَطْرُهُ الْأَوَّلُ، وَرَسُولُ سَطْرُهُ الثَّانِي، وَاَللَّهِ سَطْرُهُ الثَّالِثُ.
وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: إنَّ كِتَابَتَهُ كَانَتْ مِنْ أَسْفَلَ إلَى فَوْقُ حَتَّى أَنَّ الْجَلَالَةَ فِي أَعْلَى السَّطْرِ الثَّلَاثَةِ وَمُحَمَّدٌ فِي أَسْفَلِهَا وَكَذَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَابْنُ رَجَبٍ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا تَحْلِيَةُ السَّيْفِ بِالْفِضَّةِ] وَكَذَا يَجُوزُ تَحْلِيَتُهُ بِالذَّهَبِ سَوَاءٌ اتَّصَلَتْ الْحِلْيَةُ بِهِ كَقَبْضَتِهِ أَوْ انْفَصَلَتْ عَنْهُ كَغِمْدِهِ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ فِي سَيْفِ الرَّجُلِ وَأَمَّا سَيْفُ الْمَرْأَةِ فَيَحْرُمُ تَحْلِيَتُهُ وَلَوْ جَاهَدَتْ، وَمَفْهُومُ السَّيْفِ أَنَّ بَقِيَّةَ آلَاتِ الْحَرْبِ يَحْرُمُ تَحْلِيَتُهَا لِأَنَّ السَّيْفَ أَعْظَمُ آلَاتِ الْحَرْبِ.
[قَوْلُهُ لِأَنَّ فِيهِ إرْهَابًا لِلْعَدُوِّ] أَيْ تَخْوِيفًا لَهُ أَيْ فَمَحَلُّ الْجَوَازِ إذَا كَانَ يُجَاهِدُ بِهِ لَا غَيْرُ وَإِلَّا حَرُمَ.
[قَوْلُهُ: تَحْلِيَةِ الْمُصْحَفِ بِالْفِضَّةِ] وَالْمُصْحَفُ مُثَلَّثُ الْمِيمِ مِنْ أُصْحِفَ بِالضَّمِّ أَيْ جُعِلَتْ فِيهِ الصُّحُفُ، وَكَذَا يَجُوزُ تَحْلِيَتُهُ بِالذَّهَبِ بِأَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ عَلَى الْجِلْدِ مِنْ خَارِجٍ فَلَا يُكْتَبُ بِذَلِكَ، وَكَذَا لَا يُجْعَلُ مِنْ ذَلِكَ الْأَعْشَارُ وَالْأَحْزَابُ وَالْأَخْمَاسُ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، كَمَا يُكْرَهُ بِالْحُمْرَةِ أَفَادَهُ بَعْضُ شُرُوحِ الْمُخْتَصَرِ [قَوْلُهُ: مِنْ التَّحْلِيَةِ] الْمُنَاسِبُ إسْقَاطُ قَوْلِهِ التَّحْلِيَةِ أَيْ فَيَقُولُ: وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الْفِضَّةِ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِالْفِضَّةِ [قَوْلُهُ: اقْتِصَارًا عَلَى مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ] أَيْ وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى أَصْلِ الْمَنْعِ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ حِلْيَةَ الْخَاتَمِ وَالسَّيْفِ وَالْمُصْحَفِ مَعْفُوٌّ عَنْهَا فِي الزَّكَاةِ وَلَا يُعْفَى عَنْهَا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
[قَوْلُهُ: وَيَتَخَتَّمُ النِّسَاءُ بِالذَّهَبِ] وَأَوْلَى بِالْفِضَّةِ، وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: يَتَخَتَّمُ بَلْ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ جَمِيعُ الْمَلْبُوسَاتِ مِنْ النُّقُودِ وَلَوْ نَعْلًا وَقَبْقَابًا، وَمَا أُلْحِقَ بِاللِّبَاسِ كَالْأَزْرَارِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَلْبُوسِ كَمُكْحُلَةٍ أَوْ مِرْوَدٍ أَوْ كُرْسِيٍّ فَلَا يَجُوزُ بِهَا.
[قَوْلُهُ: وَنُهِيَ عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ] لِلنِّسَاءِ وَالرِّجَالِ، وَمِثْلُ الْحَدِيدِ النُّحَاسُ وَالرَّصَاصُ، وَأَمَّا الْجِلْدُ وَالْعَقِيقُ وَالْقَزْدِيرُ وَالْخَشَبُ فَجَائِزٌ.
[قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ] أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا فِي خُصُوصِ النِّسَاءِ وَمَا تَقَدَّمَ فِي خُصُوصِ الرِّجَالِ.
[قَوْلُهُ: وَالِاخْتِيَارُ] أَيْ الْمُخْتَارُ عِنْدَ مَالِكٍ عِبَارَةُ التَّحْقِيقِ أَحْسَنُ وَنَصُّهُ وَالِاخْتِيَارُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْهُمْ مَالِكٌ [قَوْلُهُ فِي التَّخَتُّمِ] أَيْ فِي الَّذِي رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحِ مِنْ لُبْسِ الْخَاتَمِ فِي الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ أَيْ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَخَتَّمَ فِي الْيَمِينِ وَفِي الْيَسَارِ» [قَوْلُهُ: التَّخَتُّمُ فِي الْيَسَارِ] أَيْ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ جَعْلُهُ فِي الْخِنْصَرِ وَكَانَ مَالِكٌ يَلْبَسُهُ فِي يَسَارِهِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ تَنَاوُلَ الشَّيْءِ] أَيْ الصَّادِقِ بِالْخَاتَمِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَهَذَا التَّعْلِيلُ غَيْرُ بَيِّنٍ وَإِنَّمَا هَكَذَا جَاءَ فِي التَّخَتُّمِ فِي الْيَسَارِ قَالَ فِي الْقَبَسِ: صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ تَخَتَّمَ فِي يَمِينِهِ وَفِي يَسَارِهِ وَاسْتَقَرَّ الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ، فَالتَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ مَكْرُوهٌ وَيَتَخَتَّمُ فِي الْيَسَارِ فِي الْخِنْصَرِ وَيَجْعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي الْكَفَّ لِأَنَّ بِذَلِكَ أَتَتْ السُّنَّةُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ حَسَنٌ، فَإِذَا أَرَادَ الِاسْتِنْجَاءَ خَلَعَهُ كَمَا يَخْلَعُهُ عِنْدَ إرَادَةِ الْخَلَاءِ اهـ. وَلِأَنَّ كَوْنَهُ فِي الْيَسَارِ أَبْعَدُ عَنْ الْإِعْجَابِ.
[قَوْلُهُ: اتَّخَذَ خَاتَمًا.
. . إلَخْ] وَسَبَبُ اتِّخَاذِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَاتَمَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إلَى الْأَعَاجِمِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إلَّا مَخْتُومًا فَاتَّخَذَ خَاتَمًا وَاسْتَمَرَّ عَلَى لُبْسِ الْخَاتَمِ إلَى أَنْ مَاتَ.
[قَوْلُهُ: فَجَعَلَهُ فِي يَسَارِهِ] أَيْ فِي خِنْصَرِ يَسَارِهِ [قَوْلُهُ: كَانُوا يَتَخَتَّمُونَ فِي يَسَارِهِمْ] أَيْ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[قَوْلُهُ: وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ

سَدَاهُ حَرِيرٌ وَلَحْمَتُهُ صُوفٌ مَثَلًا عَلَى أَقْوَالٍ أَشَارَ إلَى اثْنَيْنِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: (فَأُجِيزَ وَكُرِهَ) صَحَّحَ فِي الْقَبَسِ الْأَوَّلَ وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ رُشْدٍ الثَّانِيَ، وَالثَّالِثُ يَحْرُمُ لُبْسُهُ الْقَرَافِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حُلَّةِ عُطَارِدَ وَكَانَ يُخَالِطُهَا الْحَرِيرُ: إنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» . (وَكَذَلِكَ الْعَلَمُ فِي الثَّوْبِ مِنْ الْحَرِيرِ) اُخْتُلِفَ فِيهِ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ (إلَّا الْخَطَّ الرَّقِيقَ) وَهُوَ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ أُصْبُعٍ فَإِنَّهُ جَائِزٌ ظَاهِرُهُ بِاتِّفَاقٍ (وَلَا يَلْبَسُ النِّسَاءُ) عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ (مِنْ الرَّقِيقِ مَا) أَيْ الَّذِي (يَصِفُهُنَّ إذَا خَرَجْنَ) مِنْ بُيُوتِهِنَّ، أَمَّا إذَا لَبِسْنَهُ فِي بُيُوتِهِنَّ مَعَ

[حاشية العدوي]

قَالَ.
. . إلَخْ] أَيْ أَنَسٌ.

[قَوْلُهُ: عَلَى أَقْوَالٍ] أَيْ أَرْبَعَةٍ ذَكَرَ الشَّارِحُ ثَلَاثَةً وَتَرَكَ الرَّابِعَ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَزِّ فَيَجُوزُ اتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الثِّيَابِ الْمَشُوبَةِ بِالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ فَيَمْتَنِعُ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا.
وَقَدْ قَرَّرَ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَحْوَهُ قَائِلًا إنَّ مَا كَانَ لُحْمَتُهُ مِنْ حَرِيرٍ وَسَدَاهُ قُطْنٌ أَوْ كَتَّانٌ يَحْرُمُ مُعْتَمِدًا مَا لِلْخَرَشِيِّ فِي كَبِيرَةٍ.
[قَوْلُهُ: مَثَلًا] أَيْ أَوْ قُطْنٌ أَوْ كَتَّانٌ وَمَا سَدَاه مِنْ صُوفٍ مَثَلًا وَلُحْمَتُهُ حَرِيرٌ كَذَلِكَ وَيَبْقَى النَّظَرُ فِيمَا أَحَدُ هَذَيْنِ فِيهِ مِنْ الْحَرِيرِ وَبَعْضُهُ الْآخَرُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ هَلْ يُتَّفَقُ عَلَى حُرْمَتِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوَّلًا، وَلَا يُخَالِفُ هَذَا قَوْلَ بَعْضِهِمْ: إنَّ الْخَزَّ قَدْ يَكُونُ أَكْثَرُهُ حَرِيرًا إذْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ أَحَدُ هَذَيْنِ فِيهِ حَرِيرًا وَهُوَ أَكْثَرُ قَالَهُ عج [قَوْلُهُ: وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ رُشْدٍ الثَّانِيَ] وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ فَهُوَ الرَّاجِحُ [قَوْلُهُ: فِي حُلَّةٍ] بِضَمِّ الْحَاءِ وَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا ثَوْبَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
قَالَ السُّيُوطِيّ: وَكَانُوا يَأْتَزِرُونَ بِبُرْدٍ وَيَرْتَدُونَ بِآخَرَ وَيُسَمَّيَانِ حُلَّةً وَالْجَمْعُ حُلَلٌ مِثْلُ غُرْفَةٍ وَغُرَفٍ.
[قَوْلُهُ: عُطَارِدٍ] بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ.
ابْنُ حَاجِبٍ التَّمِيمِيُّ: وَفَدَ فِي بَنِي تَمِيمٍ وَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ، وَأَصْلُ الْقِصَّةِ أَنَّ عُمَرَ رَأَى عُطَارِدًا يُقِيمُ حُلَّةً بِالسُّوقِ وَكَانَ رَجُلًا يَغْشَى الْمُلُوكَ وَيُصِيبُ مِنْهُمْ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْت هَذِهِ الْحُلَّةَ فَلَبِسْتهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إذَا قَدِمُوا عَلَيْك.
وَفِي رِوَايَةٍ فَلَبِسْتهَا لِلْعِيدِ وَالْوَفْدِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ أَيْ لَا حَظَّ وَلَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَيْرِ» وَهَذَا خَرَجَ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ وَإِلَّا فَالْمُؤْمِنُ الْعَاصِي لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِهِ الْجَنَّةَ فَلَهُ خَلَاقٌ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا أَنَّ عُمُومَهُ مَخْصُوصٌ بِالرِّجَالِ لِقِيَامِ الْأَدِلَّةِ عَلَى إبَاحَةِ الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ.
[قَوْلُهُ: وَكَانَ يُخَالِطُهَا الْحَرِيرُ] فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ حَرِيرًا خَالِصًا فَلَيْسَ فِيهِ شَاهِدٌ حِينَئِذٍ لِلْقَوْلِ بِالْحُرْمَةِ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ الْعَلَمُ فِي الثَّوْبِ] يُتَصَوَّرُ فِي نَحْوِ الْحُبْكَةِ الَّتِي تُفْعَلُ فِيمَا يُجْعَلُ عَلَى رُءُوسِ النِّسَاءِ مِنْ حَبْرَةٍ وَنَحْوِهَا كَذَا قَالَ عج [قَوْلُهُ: اُخْتُلِفَ فِيهِ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ] مَوْضُوعُ الْخِلَافِ مَا إذَا كَانَ قَدْرَ أُصْبُعٍ إلَى أَرْبَعٍ بِدُخُولِ الْغَايَةِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ أُصْبُعٍ] الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْأُصْبُعُ الْمُتَوَسِّطُ أَفَادَهُ عج [قَوْلُهُ ظَاهِرُهُ بِاتِّفَاقٍ] وَقِيلَ يُكْرَهُ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا [قَوْلُهُ: وَلَا يَلْبَسُ النِّسَاءُ.
. . إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ تَحْرِيمَ لُبْسِ مَا يَصِفُ خَاصٌّ بِالنِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ وَهُوَ كَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَحَكَى فِي الْقَبَسِ أَنَّ لُبْسَ الرَّقِيقِ مِنْ الثِّيَابِ جَائِزٌ لِلرِّجَالِ بِلَا خِلَافٍ وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ إلَّا مَعَ الزَّوْجِ اهـ. [قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ] أَحْسَنُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِي التَّحْقِيقِ وَهَذَا النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ.
[قَوْلُهُ: يَصِفُهُنَّ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: أَيْ الَّذِينَ يُوصَفْنَ فِيهِ فَإِسْنَادُ الْوَصْفِ لِلثِّيَابِ اسْتِعَارَةٌ أَيْ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُ أَعَالِي الْجَسَدِ كَالثَّدْيَيْنِ وَالرِّدْفِ، وَإِذَا الْتَصَقَ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ إلَّا اللَّحْمُ وَغَابَ عَنْ الْعَيْنَيْنِ لِوَقْتِهِ.
ثُمَّ قَالَ: وَحُكْمُ مَا يَشِفُّ حُكْمُ مَا يَصِفُ.
ق: وَمِثْلُهُ أَيْ وَمِثْلُ مَا يَصِفُ الثَّوْبُ الَّذِي يَشِفُّ لَا يَخْرُجْنَ فِيهِ أَيْضًا وَهُوَ الَّذِي إذَا قُوبِلَ الْجَسَدُ مِنْهُ يَتَحَقَّقُ النَّظَرُ اهـ. وَقَوْلُهُ: اسْتِعَارَةٌ أَيْ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّهُ أَرَادَ بِاَلَّذِي يَصِفُ مَا تَبْدُو مِنْهُ الْعَوْرَةُ أَيْ يَظْهَرُ جِرْمُهَا إذَا كَانَتْ بَارِزَةً كَالثَّدْيَيْنِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ بَارِزَةً فَلَا يَظْهَرُ جِرْمُهَا مَا لَمْ يَلْتَصِقْ فَيَظْهَرُ جِرْمُهَا، وَأَرَادَ بِاَلَّذِي يَشِفُّ مَا يَظْهَرُ مِنْهُ الْجِرْمُ وَلَوْ لَمْ يَبْرُزْ وَلَوْ لَمْ يَلْتَصِقْ فَلَمْ يُرِدْ بِاَلَّذِي يَصِفُ مَا يُحَدِّدُ الْعَوْرَةَ فَقَطْ مِنْ كِبَرٍ أَوْ صِغَرٍ كَمَا هُوَ مُتَعَارَفٌ فَلَا يُخَالِفُ حِينَئِذٍ مَا فِي عج.
وَنَصُّهُ بَعْدَ يَصِفُهُنَّ أَيْ مَا تَظْهَرُ مِنْهُ الْبَشَرَةُ لَا مَا يَظْهَرُ مِنْهُ جِرْمُ الْعَوْرَةِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ، أَقُولُ:

أَزْوَاجِهِنَّ فَيَجُوزُ.

(وَلَا يَجُرُّ الرَّجُلُ إزَارَهُ بَطَرًا) أَيْ كِبْرًا (وَلَا ثَوْبَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا مَمْدُودًا بِمَعْنَى الْبَطَرِ، وَالرَّجُلُ فِي كَلَامِهِ لَا مَفْهُومَ لَهُ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ كَذَلِكَ إذَا قَصَدَتْ الْخُيَلَاءَ، أَمَّا إذَا لَمْ تَقْصِدْهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُرْخِيَهُ ذِرَاعًا لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ذَلِكَ (وَ) إذَا لَمْ يَجُزْ لِلرَّجُلِ فِعْلُ ذَلِكَ فَ (لِيَكُنْ)

[حاشية العدوي]

وَحَيْثُ عَلِمْت ذَلِكَ فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ النِّسَاءُ إذْ يَظْهَرُ حُرْمَةُ لُبْسِ الْقَمِيصِ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَبْدُو مِنْهُ لَوْنُ الْعَوْرَةِ مُنْفَرِدًا عَنْ غَيْرِهِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ الْقَبَسِ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى الَّذِي لَا يَشِفُّ [قَوْلُهُ: إذَا خَرَجْنَ.
. . إلَخْ] ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: وَلَا يَلْبَسُ أَيْ وَلَا يَلْبَسُ إذَا خَرَجْنَ وَهُوَ لَيْسَ بِشَرْطٍ إذْ الْمُرَادُ لَا يُلْبَسُ مَا يَظْهَرُ مِنْهُ الْعَوْرَةُ بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِنَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عَوْرَةَ الْمَرْأَةِ بِالنَّظَرِ لِلْأَجْنَبِيِّ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ.
[قَوْلُهُ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ] أَيْ أَوْ مَعَ سَادَاتِهِنَّ.

[قَوْلُهُ: وَلَا يَجُرُّ.
. . إلَخْ] أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: بَطَرًا] أَيْ حَالَ كَوْنِ الْجَرِّ بَطَرًا أَيْ ذَا بَطَرٍ أَوْ جَرَّ بَطَرٍ أَوْ حَالَ كَوْنِ الرَّجُلِ ذَا بَطَرٍ.
وَقَوْلُهُ: أَيْ كِبْرًا فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ بَطَرًا بِفَتْحِ الطَّاءِ مَصْدَرٌ، وَيُفِيدُهُ قَوْلُ الشَّارِحِ أَيْ كِبْرًا أَوْ لَعَلَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَيَجُوزُ الْكَسْرُ عَلَى الْحَالِ مِنْ الرَّجُلِ، وَأَصْلُ الْبَطَرِ الطُّغْيَانُ عِنْدَ النِّعْمَةِ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ بِمَعْنَى الْكِبْرِ فَلَيْسَ الْكِبْرُ تَفْسِيرًا لَهُ بِحَسَبِ الْأَصْلِ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: أَصْلُ الْبَطَرِ دَهَشٌ يَعْتَرِي الْمَرْءَ عِنْدَ هُجُومِ النِّعْمَةِ عَنْ الْقِيَامِ بِحَقِّهَا [قَوْلُهُ: وَلَا ثَوْبَهُ] مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ فَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ بِقَوْلِهِ: إزَارٌ أَوْ رِدَاءٌ أَوْ قَمِيصٌ أَوْ سَرَاوِيلُ وَغَيْرُهَا مِمَّا يُسَمَّى ثَوْبًا، فَإِنْ قُلْت: فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْت فَهَلَّا اكْتَفَى الْمُصَنِّفُ بِذِكْرِ الْعَامِّ عَنْ الْخَاصِّ الْمُتَقَدِّمِ؟ قُلْت: اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَلَمَّا كَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ يَلْبَسُونَ الْإِزَارَ وَالْأَرْدِيَةَ خَصَّ الْإِزَارَ بِالذِّكْرِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِانْدِرَاجِهِ فِي الْعَامِّ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْخُيَلَاءِ] أَيْ حَالَ كَوْنِ الْجَرِّ نَاشِئًا مِنْ الْخُيَلَاءِ.
[قَوْلُهُ: بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا] قَدَّمَ الضَّمَّ لِأَكْثَرِيَّتِهِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ بَعْضِ شُرَّاحِ الْحَدِيثِ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْبَطَرِ] وَالْبَطَرُ هُوَ الْكِبْرُ أَيْ فَقَدْ تَفَنَّنَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّعْبِيرِ [قَوْلُهُ: وَالرَّجُلُ فِي كَلَامِهِ لَا مَفْهُومَ لَهُ] وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ أَيْ نَظَرَ رَحْمَةٍ إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ» . ثُمَّ أَقُولُ: وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تَقْتَضِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجُرَّ ثَوْبَهُ أَوْ إزَارَهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ كِبْرًا أَوْ عُجْبًا.
وَتَقْيِيدُهُمْ جَوَازَهُ لِلْمَرْأَةِ بِقَصْدِ السَّتْرِ يَقْتَضِي الْحُرْمَةَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْقَصْدِ الْمَذْكُورِ أَقُولُ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ كَمَا يُفِيدُهُ عج بِأَنَّ قَوْلَهُ بَطَرًا أَوْ مَظِنَّةَ بَطَرٍ وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ تَتِمَّةٌ [قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا لَمْ تَقْصِدْهُ.
. . إلَخْ] أَيْ بِأَنْ قَصَدَتْ السَّتْرَ [قَوْلُهُ: يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُرْخِيَهُ ذِرَاعًا] أَيْ إذَا اُحْتِيجَ لَهُ كَمَا يُفِيدُهُ الْحَدِيثُ.
[قَوْلُهُ: لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ.
. . إلَخْ] نَصَّهَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهَا قَالَتْ حِينَ ذَكَرَ الْإِزَارَ: فَالْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُرْخِيهِ شِبْرًا قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: إذًا يَنْكَشِفُ عَنْهَا قَالَ: فَذِرَاعًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ» اهـ. وَقَوْلُهُ: فَالْمَرْأَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ كَيْفَ قَالَ شَارِحُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ مَا نَصُّهُ إذْ بِهِ يَحْصُلُ أَمْنُ الِانْكِشَافِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ لَهَا حَالَةَ اسْتِحْبَابٍ وَهُوَ قَدْرُ شِبْرٍ، وَحَالَةَ جَوَازٍ بِقَدْرِ ذِرَاعٍ.
قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ: هَلْ ابْتِدَاءُ الذِّرَاعِ مِنْ الْحَدِّ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ الرِّجَالُ وَهُوَ مَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ أَوْ مِنْ الْحَدِّ الْمُسْتَحَبِّ لِلرِّجَالِ وَهُوَ أَنْصَافُ السَّاقَيْنِ أَوْ حَدُّهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَمَسُّ الْأَرْضَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الثَّالِثُ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيَّ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ تَجُرُّ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَيْلِهَا؟ قَالَ: شِبْرًا قَالَتْ: إذًا يَنْكَشِفُ عَنْهَا قَالَ: فَذِرَاعًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ» فَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهَا أَنْ تَجُرَّ عَلَى الْأَرْضِ مِنْهُ ذِرَاعًا أَيْ لِأَنَّ الْجَرَّ السَّحْبُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْأَرْضِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّرَاعِ ذِرَاعُ الْيَدِ وَهُوَ شِبْرَانِ لِمَا فِي ابْنِ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
قَالَ: «رَخَّصَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ شِبْرًا ثُمَّ اسْتَزَدْنَهُ فَزَادَهُنَّ شِبْرًا» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الذِّرَاعَ الْمَأْذُونَ شِبْرَانِ اهـ. أَيْ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ تُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَإِنَّمَا جَازَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا اهـ. لَفْظُ شَارِحِ الْمُوَطَّأِ وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا خُفَّ لَهَا وَلَا جَوْرَبَ وَإِلَّا فَلَا تَزِيدُ قَالَهُ

الْمَذْكُورُ مِنْ الْإِزَارِ وَالثَّوْبِ (إلَى الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ أَنْظَفُ لِثَوْبِهِ) وَإِزَارِهِ (وَأَتْقَى لِرَبِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَنْفِي الْعُجْبَ وَالْكِبْرَ.

(وَيُنْهَى) بِمَعْنَى وَنُهِيَ (عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ) بِالْمَدِّ نَهْيَ تَحْرِيمٍ (وَهِيَ) أَيْ صِفَةُ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ أَنْ تَكُونَ (عَلَى غَيْرِ ثَوْبٍ) أَيْ إزَارٌ (يَرْفَعُ ذَلِكَ) أَيْ طَرَفُ مَا يَشْتَمِلُ بِهِ (مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ) وَهِيَ الْيُسْرَى (وَيَسْدُلُ) الْجِهَةَ (الْأُخْرَى) وَهِيَ

[حاشية العدوي]

عج.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ لَمْ يَكُنَّ يَلْبَسْنَ خِفَافًا وَلَا جَوَارِبَ بَلْ النَّعْلَ أَوْ يَمْشِينَ حَافِيَاتٍ.
قَالَ: وَيَقْتَصِرْنَ فِي إرْخَاءِ الذَّيْلِ عَلَى السَّتْرِ.
[قَوْلُهُ: فِعْلُ ذَلِكَ] أَيْ الْجَرِّ خُيَلَاءَ [قَوْلُهُ: فَلَيْسَ الْمَذْكُورُ مِنْ الْإِزَارِ] قَالَ ابْنُ عُمَرَ: اُنْظُرْ كَيْفَ أَتَى فَاللَّامُ الْأَمْرِ وَذَلِكَ مُبَاحٌ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَتَى بِهَا لِأَنَّهُ ذَكَرَهَا بَعْدَ الْحَظْرِ وَمَعْنَاهُ الْإِبَاحَةُ كَذَا ذَكَرَهُ عج.
ثُمَّ أَقُولُ: وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ لَا مُبَاحٌ وَسَيَأْتِي جَوَابُهُ أَقُولُ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا نَزَلَ عَنْ الْكَعْبَيْنِ فِيهِ النَّظَافَةُ وَالتَّقْوَى فَلَا يَكُونُ مَكْرُوهًا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ حَرَامًا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَنْظِيفٌ فَلَا يَكُونُ فِيهِ تَقْوًى فَهُوَ مُشْكِلٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: اُنْظُرْ كَيْفَ اسْتَعْمَلَ أَفْعَلَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لَمْ يَشْتَرِكَا فِي الْوَصْفِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِأَنَّهُ إذَا جَرَّهُ فَهُوَ ضِدُّ التَّنْظِيفِ، وَإِذَا جَرَّهُ أَيْضًا فَقَدْ عَصَاهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ فَتَأَمَّلْ.
وَالْغَايَةُ خَارِجَةٌ لِخَبَرِ: «إزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ وَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى مَنْ يَجُرُّ ثَوْبَهُ بَطَرًا» . اهـ. وَإِزْرَةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ الْحَالَةُ وَهَيْئَةُ الِاتِّزَارِ يَعْنِي الْحَالَةَ الْمُرْضِيَةَ، ثُمَّ إنَّ الْحَطَّابَ ذَكَرَ تَفْصِيلًا فَقَالَ مَا نَصُّهُ: الْمُسْتَحَبُّ فِي الثِّيَابِ أَنْ تَكُونَ إلَى نِصْفِ السَّاقِ وَإِلَى طَرَفِ الْأَصَابِعِ فِي الْيَدَيْنِ، وَالْمُبَاحُ مِنْ نِصْفِ السَّاقِ لِلْكَعْبِ وَالزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ حَرَامٌ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِقَصْدِ الْكِبْرِ، وَيَجُوزُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ لِأَجْلِ السَّتْرِ اهـ. قَالَ عج: قُلْت وَفِي الذَّخِيرَةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي تُخْرِجُ صَاحِبَهَا لِلْخُيَلَاءِ وَالْكِبْرِ حَرَامٌ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ وَهُوَ خِلَافُ مَا يُفِيدُ كَلَامُ الْحَطَّابِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ النُّصُوصَ مُتَعَارِضَةٌ فِيمَا إذَا نَزَلَ عَنْ الْكَعْبَيْنِ بِدُونِ قَصْدِ الْكِبْرِ فَمُفَادُ الْحَطَّابِ أَنَّهُ لَا حُرْمَةَ بَلْ يُكْرَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ عج مُفَادُ الذَّخِيرَةِ الْحُرْمَةُ وَقَدْ تَرْجَمَ لِذَلِكَ الْبُخَارِيُّ وَالْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ مُتَعَارِضٌ مَعَ آخِرِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِي يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ الْكَرَاهَةُ الشَّدِيدَةُ.
وَقَوْلُهُ: فِي الْحَدِيثِ «وَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ» أَيْ فَفِي قُرْبِ النَّارِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: فَهُوَ أَنْظَفُ] أَيْ لِعَدَمِ وُصُولِهِ لِلْأَرْضِ.
[قَوْلُهُ: وَأَتْقَى لِرَبِّهِ] أَيْ أَبْعَدُ لِمَقْتِ رَبِّهِ لِانْتِفَاءِ مَا يُوجِبُ غَضَبَهُ لِقُرْبِ تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ التَّوَاضُعِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَنْفِي الْعُجْبَ وَالْكِبْرَ] الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ مُلَاحَظَةُ الشَّخْصِ لِنَفْسِهِ بِعَيْنِ الْكَمَالِ مَعَ نِسْيَانِ نِعْمَةِ اللَّهِ، وَأَمَّا الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْكِبْرُ فَهُوَ ذَلِكَ مَعَ احْتِقَارِ غَيْرِهِ كَذَا أَفَادَهُ الْقُرْطُبِيُّ فَإِذًا الْكِبْرُ أَخُصُّ مِنْ الْعُجْبِ وَهُوَ الْفَرْدُ الْأَشَدُّ حُرْمَةً.

[قَوْلُهُ: عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ] حَقِيقَةُ الصَّمَّاءِ الِاشْتِمَالُ أَيْ الِالْتِحَافُ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ دُونَ الْآخَرِ لَكِنْ بِحَيْثُ يَكُونُ سَاتِرًا لِلْعَوْرَةِ، وَحَاصِلُهَا أَنَّهُ الِاشْتِمَالُ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ إلَّا أَنَّهُ يَرْفَعُهُ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ فَيَضَعُهُ عَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَشَارِحُنَا فَسَّرَ الْآخَرَ بِالْيُسْرَى وتت فَسَّرَهَا بِالْيُمْنَى، وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ مُحْتَمَلَةٌ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِمَا هُوَ أَعَمُّ فَقَدْ فُسِّرَتْ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِجَعْلِ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ، وَفَسَّرَهَا اللُّغَوِيُّونَ بِأَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا يَلْتَفُّ فِيهِ وَلَا يَجْعَلَ لِيَدَيْهِ مَخْرَجًا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ يَدَيْهِ بَدَتْ عَوْرَتُهُ فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: أَنْ يَرُدَّ الْكِسَاءَ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى وَعَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَرُدَّهُ ثَانِيَةً مِنْ خَلْفِهِ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى وَعَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ فَيُغَطِّيَهُمَا جَمِيعًا، فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ: اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ اشْتِمَالٍ هُوَ الصَّمَّاءُ.
وَقَوْلُهُ: أَنْ تَكُونَ أَيْ صِفَةُ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ أَيْ الصِّفَةُ الَّتِي هِيَ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ، أَيْ ذُو أَنْ تَكُونَ أَيْ حَقِيقَةُ ذَاتِ كَوْنٍ.
. . إلَخْ وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِلصَّمَّاءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا لَا مُطْلَقًا [قَوْلُهُ: أَيْ إزَارٍ] لَا خُصُوصِيَّةَ فَالْمُرَادُ مَثَلًا.
وَقَوْلُهُ: يَرْفَعُ ذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلَى تَكُونَ بِحَذْفِ حَرْفِ الْعَطْفِ، أَيْ ذُو أَنْ تَكُونَ وَذُو رَفْعٍ مِنْك لِذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: أَيْ طَرَفَ الْمُشَارُ إلَيْهِ لَمْ يَتَقَدَّمْ صَرِيحًا بَلْ مَعْنًى مِنْ حَيْثُ إنَّ ذُو أَنْ تَكُونَ مَعْنَاهُ حَقِيقَةُ ذَاتٍ.
. . إلَخْ وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِشَيْءٍ يَشْتَمِلُ لَهُ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ لَهُ طَرَفًا

الْيَمِينُ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ وَقَوْلُهُ: (وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ اشْتِمَالِك) أَيْ تَحْتَ مَا تَشْتَمِلُ بِهِ (ثَوْبٌ) تَكْرَارٌ كَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَاخْتُلِفَ فِيهِ) أَيْ فِي حُكْمِ الِاشْتِمَالِ الْمَذْكُورِ (عَلَى غَيْرِ ثَوْبٍ) أَيْ إزَارٌ عَلَى قَوْلَيْنِ لَمَالِكٍ بِالْمَنْعِ اتِّبَاعًا لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَالْإِبَاحَةُ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ.

(وَيُؤْمَرُ) الْمُكَلَّفُ (بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ) عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ وُجُوبًا إجْمَاعًا، وَفِي الْخَلْوَةِ اسْتِحْبَابًا عَلَى الْمَشْهُورِ (وَإِزَارَةُ) الرَّجُلُ (الْمُؤْمِنُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْخَطَّابِيُّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْهَيْئَةُ (إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ)

[حاشية العدوي]

وَبَعْضُهُمْ رَجَّعَهُ لِلْمُشْتَمَلِ بِهِ الَّذِي هُوَ الثَّوْبُ.
[قَوْلُهُ: وَيَسْدُلُ] بِضَمِّ الدَّالِ وَكَسْرِهَا قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: الْجِهَةَ الْأُخْرَى] الْجِهَاتُ مِنْ الْأُمُورِ الِاعْتِبَارِيَّةِ، فَالْعِبَارَةُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ وَيَسْدُلُ ذَا الْجِهَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ الْيُمْنَى وَذُوهَا وَهُوَ الطَّرَفُ الْآخَرُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ مِنْ التَّكَلُّفِ.
فَالْأَوْلَى أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ: وَهِيَ عَلَى غَيْرِ ثَوْبٍ أَيْ سَاتِرٍ لِعَوْرَتِهِ جُمْلَةً حَالِيَّةً.
وَقَوْلُهُ: يَرْفَعُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ وَيُنْهَى عَنْ الِاشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَالصَّمَّاءُ رَفْعُك الطَّرَفَ.
. . إلَخْ أَيْ ذُو رَفْعِك أَيْ الَّذِي هُوَ الِاشْتِمَالُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ.
[قَوْلُهُ: إذَا أَرَادَ.
. . إلَخْ] يَقْتَضِي أَنَّهُ غَطَّاهَا ابْتِدَاءً.
وَقَوْلُهُ: قَبْلَ ذَلِكَ يَرْفَعُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الْيُسْرَى يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يُغَطِّهَا ابْتِدَاءً فَتَنَاقَضَا وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِأَنَّ الصَّمَّاءَ عَلَى كَلَامِهِ هَذَا يُغَطِّي يَدَهُ ابْتِدَاءً، ثُمَّ إذَا بَدَا لَهُ أَمْرٌ يَرْفَعُ طَرَفَهَا مِنْ نَاحِيَةِ شِمَالِهِ لَا يَمِينِهِ أَيْ يَرْفَعُ شِمَالَهُ مِنْ تَحْتِ الْإِزَارِ.
فَقَوْلُهُ: أَوْ لَا يَرْفَعُ ذَلِكَ أَيْ يُرِيدُ أَنْ يَرْفَعَهُ مِنْ نَاحِيَةِ يَسَارِهِ إذَا بَدَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَلَا يُنَافِي آخِرَهُ، أَيْ فَيَكُونُ ذَاهِبًا فِي تَفْسِيرِهَا إلَى طَرِيقِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْحُرْمَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُصَلِّي لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ.
وَأَمَّا خَارِجَ الصَّلَاةِ فَالْكَرَاهَةُ لِأَنَّ الرَّفْعَ مُتَوَهَّمٌ.
وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ عَدَمِ السَّاتِرِ كَمَا عَلِمْت أَفَادَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ، وَإِنَّمَا كُرِهَتْ مَعَ السَّاتِرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَلَّى عَلَى ثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى أَكْتَافِهِ مِنْهُ شَيْءٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ كَشْفَ الْبَعْضِ بِمَنْزِلَةِ كَشْفِ الْكُلِّ.
[قَوْلُهُ: أَيْ تَحْتَ مَا تَشْتَمِلُ بِهِ] أَيْ فَالْمَصْدَرُ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ [قَوْلُهُ: أَيْ إزَارٍ] مَثَلًا لِيَدْخُلَ نَحْوُ السِّرْوَالِ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ الْقَوْلَيْنِ بِالْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ، وَالْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: اتِّبَاعًا لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ] أَيْ فَفِي الْمُوَطَّأِ وَالصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لِبْسَتَيْنِ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ، وَعَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ، وَعَنْ أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَعَنْ أَنْ يَشْتَمِلَ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ» ، وَعِلَّةٌ أُخْرَى زَادَهَا فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ: وَلِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً لِلْجَاهِلِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ فَيَفْعَلَهُ وَلَا إزَارَ عَلَيْهِ إذَا رَأَى الْعَالِمَ يَفْعَلُهُ وَعَلَيْهِ إزَارٌ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ] أَيْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ.

[قَوْلُهُ: وَيُؤْمَرُ الْمُكَلَّفُ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ] قَالَ عج: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ سَتْرٌ اهـ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مُرَاهِقًا، وَفِي كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: إنَّهُ كَكَبِيرٍ وَفِي كَلَامِ بَعْضٍ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ نَظَرُ عَوْرَتِهِ فَهَلْ هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ السَّتْرُ كَالْكَبِيرِ أَوْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ نَدْبُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي حَقِّهِ وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ كَرَاهَةً شَدِيدَةً النَّظَرُ لِعَوْرَتِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَلْيُحَرَّرْ.
[قَوْلُهُ: عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ] احْتِرَازًا عَنْ حَالَةِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ سَتْرُهَا وَلَوْ بِخَلْوَةٍ.
قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: وَهَلْ الْحَيَوَانُ غَيْرُ الْعَاقِلِ كَالْآدَمِيِّ فِي ذَلِكَ أَوْ يُكْرَهُ أَوْ يَجُوزُ لَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اهـ وَفِيهِ قُصُورٌ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا نَصُّهُ: سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ جَوَازَ الْغُسْلِ فِي الْفَضَاءِ ابْنُ رُشْدٍ لِقَصْرِ وُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ عَلَى الْآدَمِيِّ [قَوْلُهُ: وَفِي الْخَلْوَةِ اسْتِحْبَابًا] أَيْ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِيُؤْمَرُ الشَّامِلُ لِلْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ فِي الْخَلْوَةِ أَيْضًا، وَفِي نَظَرِ الْإِنْسَانِ لِعَوْرَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ قَوْلَانِ بِالْكَرَاهَةِ وَالتَّحْرِيمِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَمَنْ دَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ اُبْتُلِيَ بِالزِّنَا.
[قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ] هَذَا خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ ضَمُّ الْهَمْزَةِ وَاسْتَصْوَبَ الْكَسْرَ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُرَادَ الْهَيْئَةُ] مِثْلُهُ لتت أَيْ لَا الْمَرَّةُ حَتَّى يَكُونَ بِالْفَتْحِ.

وَلَفْظُ الْمُوَطَّأِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ وَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ، لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا» .

(وَالْفَخِذُ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْبَةِ، وَالْوَرِكُ (عَوْرَةٌ) عِنْدَ مَنْ يَسْتَحِي مِنْهُ (وَلَيْسَ كَالْعَوْرَةِ نَفْسِهَا) «؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَشَفَ فَخِذَهُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَانْكَشَفَ فَخِذُهُ أَيْضًا حِينَ أَجْرَى فَرَسَهُ» .

(وَلَا يَدْخُلُ الرَّجُلُ الْحَمَّامَ) بِالتَّشْدِيدِ مَعْرُوفٌ وَهُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ

[حاشية العدوي]

فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَا يَنْتَصِبُ الرَّجُلُ عُرْيَانًا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَإِذَا اغْتَسَلَ فَلْيَنْضَمَّ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحَى مِنْهُ.
قَالَ فِي الْكَافِي: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ أَحَدٌ لُبْسَ السَّرَاوِيلِ إلَّا مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا فَيَكْفِيهِ مِئْزَرٌ.
[قَوْلُهُ: إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ] وَيُبَاحُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْكَعْبَيْنِ.
[قَوْلُهُ: إزْرَةُ الْمُؤْمِنِ] يَعْنِي الْحَالَةَ الْمُرْضِيَةَ مِنْ الْمُؤْمِنِ الْحَسَنَةَ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ.
[قَوْلُهُ: أَنْصَافِ] وَجَمَعَ أَنْصَافَ كَرَاهَةَ تَوَالِي تَثْنِيَتَيْنِ كَقَوْلِهِ: مِثْلُ رُءُوسِ الْكَبْشَيْنِ وَذَلِكَ عَلَامَةُ التَّوَاضُعِ وَالِاقْتِدَاءِ بِالْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ سَلَمَةَ كَانَ عُثْمَانُ يَأْتَزِرُ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ.
وَقَالَ: كَانَتْ إزْرَةُ صَاحِبِي يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [قَوْلُهُ: لَا جُنَاحَ] أَيْ لَا حَرَجَ.
[قَوْلُهُ: فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ] فَيَجُوزُ إسْبَالُهُ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَالْأَوَّلُ مُسْتَحَبٌّ فَلَهُ حَالَتَانِ.
[قَوْلُهُ: وَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ] مَا مَوْصُولٌ، وَبَعْضُ صِلَتِهِ مَحْذُوفٌ وَهُوَ كَانَ وَأَسْفَلَ خَبَرُهُ فَهُوَ مَنْصُوبٌ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ أَيْ مَا هُوَ أَسْفَلُ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا نَكِرَةً مَوْصُوفَةً بِأَسْفَلَ.
[قَوْلُهُ: مِنْ ذَلِكَ] أَيْ الْكَعْبَيْنِ.
[قَوْلُهُ: فَفِي النَّارِ] دَخَلَتْ الْفَاءُ فِي الْخَبَرِ لِتَضَمُّنِ مَا مَعْنَى الشَّرْطِ أَيْ مَا دُونَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ قَدَمِ صَاحِبِ الْإِزَارِ الْمُسْبَلِ فَهُوَ فِي النَّارِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرِيدُ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنَالُهُ الْإِزَارُ مِنْ أَسْفَلِ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ فَكَنَّى بِالثَّوْبِ عَنْ بَدَنِ لَابِسِهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي دُونَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ الْقَدَمِ يُعَذَّبُ فِي النَّارِ عُقُوبَةً لَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا جَاوَرَهُ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مَا يُفِيدُ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَكُونُ مِنْ وَادِي إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ، أَوْ يَكُونُ مِنْ الْوَعِيدِ لِمَا وَقَعَتْ بِهِ الْمَعْصِيَةُ إشَارَةً إلَى أَنَّ الَّذِي يَتَعَاطَى الْمَعْصِيَةَ أَحَقُّ بِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: لَا يَنْظُرُ اللَّهُ] أَيْ نَظَرَ رَحْمَةٍ.
[قَوْلُهُ: بَطَرًا] بِفَتْحِ الطَّاءِ مَصْدَرٌ أَوْ كَسْرِهَا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ جَرَّ رِوَايَتَانِ.

[قَوْلُهُ: وَالْفَخِذُ] مُؤَنَّثَةٌ فِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ فَتْحُ الْفَاءِ وَكَسْرُ الْخَاءِ، وَسُكُونُهَا مَعَ فَتْحِ الْفَاءِ، وَكَسْرِهَا، وَكَسْرُهُمَا.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ مَنْ يُسْتَحَى مِنْهُ] أَيْ فَلَا يَجُوزُ لِصَاحِبِهِ كَشْفُهُ مَعَ مَنْ ذُكِرَ، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ ذُكِرَ نَظَرُهُ وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ مُخَفَّفَةٌ يَجُوزُ كَشْفُهَا مَعَ الْخَوَاصِّ وَلَا يَجُوزُ مَعَ غَيْرِهِمْ، أَيْ يُكْرَهُ مَعَ غَيْرِهِمْ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ ابْنِ رُشْدٍ وَصَاحِبِ الْمَدْخَلِ كَرِهَ النَّظَرَ إلَيْهِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ لَمَّا انْتَفَى كَوْنُهُ كَالْعَوْرَةِ نَفْسِهَا خَفَّ أَمْرُهُ فَغَايَةُ مَا يُقَالُ: يُكْرَهُ مَعَ غَيْرِ الْخَاصَّةِ وَالْحُرْمَةُ بَعِيدَةٌ.
قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُخْتَصَرِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّظَرَ لِفَخِذِ الْأَمَةِ حَرَامٌ بِلَا نِزَاعٍ.
[قَوْلُهُ: كَشَفَ فَخِذَهُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ.
. . إلَخْ] فِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِهِ كَاشِفًا فَخِذَيْهِ وَسَاقَيْهِ فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَتَحَدَّثَ ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَتَحَدَّثَ ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَسَوَّى ثِيَابَهُ فَدَخَلَ، وَتَحَدَّثَ مَعَهُ فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تُبَالِهِ، وَدَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تُبَالِهِ أَيْ لَمْ تَهْتَمَّ لِدُخُولِهِمَا وَتَسْتُرْ فَخِذَيْك، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْت وَسَوَّيْت ثِيَابَك فَقَالَ: أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ» وَالِاسْتِحْيَاءُ مِنْهُ مَزِيَّةٌ وَهِيَ لَا تَقْتَضِي الْأَفْضَلِيَّةَ، وَمِنْ ذَلِكَ فُهِمَ الْجَوَابُ عَمَّا يُقَالُ قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ عُثْمَانَ لَيْسَ مِنْ الْخَوَاصِّ، وَوَجْهُ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ تَسْوِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ مِنْهُ لَمْ تَكُنْ لِأَجْلِ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ الْخَوَاصِّ بَلْ حَيَاءً مِنْهُ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تَسْتَحِي مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: وَانْكَشَفَ فَخِذُهُ أَيْضًا حِين أَجْرَى فَرَسَهُ] قَدْ يُقَالُ: هَذَا غَلَبَةٌ لَا اخْتِيَارٌ حَتَّى يَدُلَّ عَلَى الْجَوَازِ فِي الْجُمْلَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُغَطِّهِ حِينَ انْكَشَفَ مَعَ رُؤْيَةِ الْغَيْرِ لَهُ، لَكِنْ لَا يُحْكَمُ بِذَلِكَ

عَلَى مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُغْرِبِ عَنْ الْعَرَبِ.
وَقَالَ ك وَغَيْرُهُ: هُوَ مُذَكَّرٌ اتِّفَاقًا (إلَّا بِمِئْزَرٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالْهَمْزِ وَتَرْكُهُ مَا يُؤْتَزَرُ بِهِ (وَلَا تَدْخُلُهُ الْمَرْأَةُ إلَّا مِنْ عِلَّةٍ) لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّهَا سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا: الْحَمَّامَاتُ فَلَا يَدْخُلْهَا الرِّجَالُ إلَّا بِإِزَارٍ وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ» .

(وَلَا يَتَلَاصَقُ رَجُلَانِ وَلَا امْرَأَتَانِ فِي لِحَافٍ) أَوْ ثَوْبٍ (وَاحِدٍ) غَيْرَ مَسْتُورِي الْعَوْرَةِ وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ سَوَاءٌ كَانَتْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ أَمْ لَا، لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ إلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُفْضِ الْمَرْأَةُ إلَى الْمَرْأَةِ فِي ثَوْبٍ

[حاشية العدوي]

إلَّا بِدَلِيلٍ ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ مِنْ أَنَّ عَوْرَةَ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلرُّؤْيَةِ وَالصَّلَاةِ فَعَلَيْهِ يَحْرُمُ كَشْفُ الْفَخِذِ وَلَوْ مَعَ الْخَاصَّةِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ.

[قَوْلُهُ: وَلَا يَدْخُلُ.
. . إلَخْ] أَيْ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَدْخُلَ.
. . إلَخْ.
قَالَ تت: وَالنَّهْيُ يَشْمَلُ الْوُجُوبَ إنْ لَمْ يَكُنْ خَالِيًا وَالِاسْتِحْبَابَ إنْ كَانَ خَالِيًا انْتَهَى أَيْ عِنْدَ عَدَمِ الْمِئْزَرِ.
[قَوْلُهُ: الْحَمَّامَ] مُشْتَقٌّ مِنْ الْحَمِيمِ وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ.
[قَوْلُهُ: إلَّا بِمِئْزَرٍ] أَيْ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صَفِيقًا لَا يَظْهَرُ مِنْهُ لَوْنُ الْعَوْرَةِ كَمَا قَالَهُ عج، وَظَاهِرُهُ جَوَازُ دُخُولِهِ بِالْمِئْزَرِ وَلَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، وَجَوَازُ الدُّخُولِ بِالْمِئْزَرِ لَا يُنَافِي قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ تَرْكُ دُخُولِهِ أَحْسَنُ لِاحْتِمَالِ الِانْكِشَافِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ دُخُولَ الْحَمَّامِ إذَا كَانَ خَالِيًا فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَإِنْ دَخَلَ مَعَ مَنْ يَسْتَتِرُ جَازَ وَتَرْكُهُ حَسَنٌ أَيْ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى حِينَئِذٍ لِاحْتِمَالِ الِانْكِشَافِ، أَمَّا مَعَ مَنْ لَا يَسْتَتِرُ فَلَا يَحِلُّ وَلَا يَجُوزُ لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ وَالنَّظَرَ إلَيْهَا حَرَامٌ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ جُرْحَةً فِيهِ وَالنِّسَاءُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الرِّجَالِ.
[قَوْلُهُ: وَالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ] وَالْهَمْزُ هُوَ الْأَصْلُ فَلِذَلِكَ قَدَّمَهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تَدْخُلُهُ الْمَرْأَةُ] أَيْ بِمِئْزَرٍ أَيْ يُكْرَهُ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ.
[قَوْلُهُ: وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ.
. . إلَخْ] ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ الْمُقْتَضِي كَوْنَ دُخُولِهِنَّ حَرَامًا بِمِئْزَرٍ وَغَيْرِهِ، إلَّا أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ اخْتَارَ الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّهِنَّ دُونَ التَّحْرِيمِ إذَا كَانَ بِمِئْزَرٍ.
[قَوْلُهُ: إلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ] أَيْ فَلَا تَدْخُلُهَا لِحَيْضٍ أَوْ جَنَابَةٍ كَمَا قَالَ عج، أَيْ مَا لَمْ يَحْصُلْ مُوجِبٌ لَهُمَا لِدُخُولِ الْحَمَّامِ فَتَكُونَانِ كَالْمَرِيضَةِ وَالنُّفَسَاءِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى مَا ذُكِرَ لِأَنَّ شَأْنَهُمَا الِاحْتِيَاجُ لِدُخُولِ الْحَمَّامِ.

[قَوْلُهُ: وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ] أَيْ فَحُكْمُ هَذَا التَّلَاصُقِ الْحُرْمَةُ فِيمَا بَيْنَ الْبَالِغِينَ، أَيْ يَحْرُمُ التَّلَاصُقُ غَيْرَ مَسْتُورِي الْعَوْرَةِ أَيْ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْتِذَاذٍ، وَكُرِهَ إنْ كَانَ بِغَيْرِ الْعَوْرَةِ أَوْ بِالْعَوْرَةِ مَعَ حَائِلٍ كَثِيفٍ أَيْ بِغَيْرِ قَصْدِ الْتِذَاذٍ فِيهِمَا وَإِلَّا حَرُمَ.
وَأَمَّا تَلَاصُقُ غَيْرِ الْبَالِغِينَ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْعَشْرَ فَلَا حَرَجَ لِأَنَّ طَلَبَ الْوَلِيِّ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ فِي الْمَضَاجِعِ بَعْدَ بُلُوغِ الْعَشْرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَبَعْدَ بُلُوغِهَا كُرِهَ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، وَأَمَّا تَلَاصُقُ بَالِغٍ وَغَيْرِهِ بِغَيْرِ حَائِلٍ فَحَرَامٌ فِي حَقِّ الْبَالِغِ وَمَكْرُوهٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَالْكَرَاهَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَلِيِّهِ، وَأَمَّا بِحَائِلٍ فَمَكْرُوهٌ فِي حَقِّ الْبَالِغِ إلَّا لِقَصْدِ لَذَّةٍ فَحَرَامٌ هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ عج.
قَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ: وَعِنْدِي وَقْفَةٌ فِي قَوْلِهِ يُكْرَهُ لِلْوَلِيِّ تَلَاصُقُ عَوْرَةِ الصَّبِيِّ ابْنِ عَشْرٍ فَفَوْقُ بِعَوْرَةِ الْبَالِغِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، بَلْ الَّذِي يَنْبَغِي حُرْمَةُ ذَلِكَ عَلَى الْوَلِيِّ، وَيَجْرِي هَذَا التَّفْصِيلُ فِي تَلَاصُقِ الْمَرْأَتَيْنِ.
وَأَمَّا رَجُلٌ وَأُنْثَى فَلَا شَكَّ فِي حُرْمَةِ تَلَاصُقِهِمَا تَحْتَ لِحَافٍ وَلَوْ بِغَيْرِ عَوْرَةٍ، وَلَوْ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ حَيْثُ كَانَا بَالِغَيْنِ أَوْ الرَّجُلُ أَوْ الْأُنْثَى مَعَ مُنَاهَزَةِ الذَّكَرِ لِأَنَّ الْمُنَاهِزَ كَكَبِيرٍ هَكَذَا يَظْهَرُ اهـ. [قَوْلُهُ: لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ.
. . إلَخْ] خَبَرٌ مَقْصُودٌ بِهِ نَهْيُ التَّحْرِيمِ، وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَكَذَا عَوْرَةُ الْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُفْضِ.
. . إلَخْ] مِنْ أَفْضَى أَيْ لَا يَصِلُ إلَيْهِ بِأَنْ يَلْتَصِقَا، وَأَرَادَ بِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَبِالنَّهْيِ مَا يَشْمَلُ نَهْيَ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ قَرِيبًا.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ جَوَازُ اضْطِجَاعِ الرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَتَيْنِ فِي الْكِسَاءِ الْوَاحِدِ إذَا كَانَ وَسَطُ الْكِسَاءِ حَائِلًا بَيْنَهُمَا، وَهَلْ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا فِي ثَوْبٍ دُونَ الْآخَرِ يَنْتَفِي التَّلَاصُقُ تَقْرِيرَانِ.

[قَوْلُهُ:

وَاحِدٍ» .

(وَلَا تَخْرُجُ امْرَأَةٌ) غَيْرَ مُتَجَالَّةٍ (إلَّا مُسْتَتِرَةً فِيمَا لَا بُدَّ) أَيْ لَا غِنَى (لَهَا مِنْهُ مِنْ شُهُودِ مَوْتِ أَبَوَيْهَا أَوْ ذِي قَرَابَتِهَا) كَالْأَخِ (أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَاحُ لَهَا) الْخُرُوجُ لِأَجْلِهِ كَجِنَازَةِ مَنْ ذُكِرَ وَحُضُورِ عُرْسِهِ وَلِخُرُوجِهَا شُرُوطٌ أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ طَرَفَيْ النَّهَارِ مَا لَمْ تَضْطَرَّ لِلْخُرُوجِ فِي غَيْرِهِمَا، وَأَنْ تَلْبَسَ أَدْنَى ثِيَابِهَا وَأَنْ تَمْشِيَ فِي حَافَتَيْ الطَّرِيقِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهَا رِيحٌ طَيِّبٌ وَأَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهَا مَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ النَّظَرُ إلَيْهِ (وَلَا تَحْضُرُ) الْمَرْأَةُ (مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِمَّا أُبِيحَ لَهَا الْخُرُوجُ إلَيْهِ (مَا فِيهِ نَوْحٌ) أَيْ صَوْتُ (نَائِحَةٍ أَوْ لَهْوٌ مِنْ مِزْمَارٍ أَوْ عُودٍ وَشِبْهِهِ مِنْ الْمَلَاهِي الْمُلْهِيَةِ) وَهَذَا النَّهْيُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ لِلْحُرْمَةِ لَا يَجُوزُ حُضُورُ شَيْءٍ مِنْهُ وَلَا فِعْلُهُ (إلَّا الدُّفُّ) بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ (فِي النِّكَاحِ) خَاصَّةً لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إلَّا لِذِي هَيْئَةٍ (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْكَبَرِ) بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ طَبْلٌ صَغِيرٌ يُجَلَّدُ

[حاشية العدوي]

غَيْرُ مُتَجَالَّةٍ] أَيْ وَلَا يُخْشَى مِنْ خُرُوجِهَا الْفِتْنَةُ أَيْ مِنْ شَابَّةٍ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّنْ لَمْ يَنْقَطِعْ أَرَبُ الرِّجَالِ مِنْهَا، أَيْ وَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ وَهِيَ الَّتِي لَا أَرَبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا فَإِنَّهَا تَخْرُجُ فِي كُلِّ وَقْتٍ لِحَوَائِجِهَا كَمَا قَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَلِصَلَاةِ الْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَأَمَّا الَّتِي يُخْشَى الِافْتِتَانُ بِهَا لِنَجَابَتِهَا فَهَذِهِ لَا تَخْرُجُ أَصْلًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: مِنْ شُهُودِ.
. . إلَخْ] أَيْ مِنْ حُضُورِهَا مَوْتَ أَبَوَيْهَا أَوْ أَحَدِهِمَا.
[قَوْلُهُ: كَالْأَخِ] أَيْ وَالِابْنِ وَالزَّوْجِ، وَيُكْرَهُ لَهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ كَالْعَمِّ وَابْنِ الْعَمِّ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ الْكَافَ مُدْخِلَةً لِجَمِيعِ الْأَقَارِبِ وَيُفِيدُ اعْتِمَادَ الْأَوَّلِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ] عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: شُهُودِ وَالْإِشَارَةُ عَائِدَةٌ عَلَى مَا يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ مِنْ أَجْلِهِ، أَيْ وَمِثْلُ خُرُوجِهَا لِشُهُودِ مَوْتِ مَنْ ذُكِرَ خُرُوجُهَا لِنَحْوِهِ مِمَّا يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ لِأَجْلِهِ، لَكِنْ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ بِصَدَدِ إفَادَةِ مَا يُبَاحُ لَهَا الْخُرُوجُ لِأَجْلِهِ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: مِمَّا يُبَاحُ إلَّا بِالنَّظَرِ لِنَفْسِ الْأَمْرِ.
[قَوْلُهُ: كَجِنَازَةِ مَنْ ذُكِرَ وَحُضُورِ عُرْسِهِ] وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ حُضُورَ مَوَاسِمِهِ وَأَعْيَادِهِ وَزِيَارَتِهِ وَحَاجَتِهَا الَّتِي لَا تَجِدُ مَنْ يَكْفِيهَا، وَكَذَلِكَ تَخْرُجُ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يُقْضَى عَلَى زَوْجِهَا بِالْخُرُوجِ لَهَا وَلَوْ شَرَطَ لَهَا فِي صُلْبِ عَقْدِهَا.
[قَوْلُهُ: شُرُوطٌ] أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُ شُرُوطَ الْكَمَالِ كَمَا تَبَيَّنَ.
[قَوْلُهُ: طَرَفَيْ النَّهَارِ] مَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَمَا بَعْدَ الظُّهْرِ وَهَذَا مِنْ شُرُوطِ الْكَمَالِ.
[قَوْلُهُ: مَا لَمْ تُضْطَرَّ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ فَقَالَ: مَا لَمْ تُضْطَرَّ لِلْخُرُوجِ فِي غَيْرِهِمَا اضْطِرَارًا فَادِحًا، فَإِذَا اُضْطُرَّتْ فَلَا يُطْلَبُ مِنْهَا الْخُرُوجُ فِي الطَّرَفَيْنِ أَيْ عَلَى جِهَةِ الْكَمَالِ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ تَلْبَسَ أَدْنَى ثِيَابِهَا] أَيْ دَنِيءَ ثِيَابِهَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ بَعْضٍ: وَأَنْ تَخْرُجَ فِي خَشِنِ ثِيَابِهَا أَوْ أَنَّ قَصْدَهُ شَرْطُ الْكَمَالِ وَأَمَّا شَرْطُ الْجَوَازِ فَيَتَحَقَّقُ بِالدَّنِيءِ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ تَمْشِيَ فِي حَافَّتَيْ الطَّرِيقِ] أَيْ لَا فِي وَسَطِهَا هَذَا شَرْطُ الْكَمَالِ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَكُونَ.
. . إلَخْ] هَذَا شَرْطُ الْجَوَازِ، وَيُزَادُ أَنْ لَا يَكُونَ بِالطَّرِيقِ مَا يُخْشَى مَفْسَدَتُهُ، وَأَنْ تَخْرُجَ فِي غَيْرِ الْأَوْقَاتِ الْمَقْصُودَةِ بِالْخُرُوجِ فِيهَا وَيُمْكِنُ دُخُولُهُ فِيمَا قَبْلَهُ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهَا] بِأَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهَا شَيْءٌ أَصْلًا أَوْ يَظْهَرَ وَجْهُهَا وَكَفَّاهَا لِمَنْ لَا يَلْتَذُّ بِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ لَهْوٌ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: نَوْحٌ أَيْ وَلَا تَحْضُرُ امْرَأَةٌ أَيْ وَلَا رَجُلٌ.
[قَوْلُهُ: أَوْ عُودٍ] هُوَ الَّذِي يَجْعَلُهُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَيُحَرِّكُهُ لَهُ صَوْتٌ عَجِيبٌ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْمَلَاهِي] وَهِيَ كُلُّ مَا يَشْغَلُ النَّفْسَ عَمَّا يَعْنِيهَا مِمَّا تَسْتَلِذُّهُ النَّفْسُ مِنْ الْغِنَاءِ، وَشَبَهِهِ مِنْ الْأَوْتَارِ وَالرَّبَابِ وَالطُّنْبُورِ.
[قَوْلُهُ: الْمُلْهِيَةِ] وَصْفٌ كَاشِفٌ.
[قَوْلُهُ: لِلْحُرْمَةِ] إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ فِي قَوْلِهِ: مَا فِيهِ نَوْحُ نَائِحَةٍ مَا نَصُّهُ فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُسَاعَدَةِ وَالرِّضَا بِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهَا حِينَئِذٍ حُضُورُ مَوْتِ أَبَوَيْهَا، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَنْتَهِي الْحُضُورُ إلَى التَّحْرِيمِ.
[قَوْلُهُ: يَجُوزُ فِي النِّكَاحِ] بَلْ يُسْتَحَبُّ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِصَرَاصِرَ فَيَحْرُمُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ.
[قَوْلُهُ: خَاصَّةً] أَيْ فَالْمَشْهُورُ عَدَمُ جَوَازِ ضَرْبِهِ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ كَالْخِتَانِ وَالْوِلَادَةِ وَمُقَابِلُهُ جَوَازُهُ فِي كُلِّ فَرَحٍ لِلْمُسْلِمِينَ كَقُدُومِ غَائِبٍ وَالْأَعْيَادِ وَالْخِتَانِ وَخَتْمِ الْقُرْآنِ، وَهَلْ الْمُرَادُ الْجَوَازُ الَّذِي لَا أَجْرَ فِي فِعْلِهِ وَلَا فِي تَرْكِهِ أَوْ الَّذِي فِعْلُهُ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ، أَوْ الَّذِي تَرْكُهُ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهِ أَقْوَالٌ قَالَهُ تت

مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ غَيْرُهُ.

(وَلَا يَخْلُو رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ) شَابَّةٍ (لَيْسَتْ بِذِي مَحْرَمٍ مِنْهُ) لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ قَائِلًا: «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا» (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرَاهَا) بِمَعْنَى يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرَى مَا لَيْسَتْ مَحْرَمًا مِنْهُ (لِ) أَجْلِ (عُذْرٍ مِنْ شَهَادَةٍ عَلَيْهَا) أَوْ لَهَا (وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَنَظَرِ الطَّبِيبِ (أَوْ إذَا خَطَبَهَا) لِنَفْسِهِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُتَجَالَّةِ (وَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ) وَهِيَ الَّتِي لَا أَرَبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا لِكِبَرِ سِنِّهَا (فَ) يُبَاحُ (لَهُ) أَيْ لِلْأَجْنَبِيِّ (أَنْ يَرَى وَجْهَهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ) لِعُذْرٍ وَغَيْرِهِ وَمَا قَالَهُ تَكْرَارٌ مَعَ مَا قَدَّمَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا.

(وَيُنْهَى) بِمَعْنَى وَنُهِيَ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ: إلَّا لِذِي هَيْئَةٍ] ضَعِيفٌ «فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَضَرَ ضَرْبَ الدُّفِّ» فَحُضُورُهُ ضَرْبَ الدُّفِّ يُؤْذِنُ بِجَوَازِهِ، وَإِذَا جَازَ لِذِي الْهَيْئَةِ السَّمَاعُ فَظَاهِرُهُ جَوَازُ الضَّرْبِ مِنْهُ بِمَعْنًى لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ خِلَافَ الْأَوْلَى أَوْ مَكْرُوهًا وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ مَا جَازَ فِعْلُهُ جَازَ سَمَاعُهُ وَمَا حَرُمَ فِعْلُهُ حَرُمَ سَمَاعُهُ.
[قَوْلُهُ: بِفَتْحَتَيْنِ] وَأَمَّا بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ فَهُوَ الْمُقَابِلُ لِلصِّغَرِ، وَأَمَّا بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّ الْبَاءِ فَهُوَ الطَّعْنُ فِي السِّنِّ.
[قَوْلُهُ: يُجَلَّدُ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ.
. . إلَخْ] مِثْلُهُ لِصَاحِبِ الْمِصْبَاحِ حَيْثُ قَالَ: وَالْكَبَرُ بِفَتْحَتَيْنِ الطَّبْلُ لَهُ وَجْهٌ وَاحِدٌ وَجَمْعُهُ كِبَارٌ مِثْلُ جَبَلٍ وَجِبَالٍ وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ اهـ. إلَّا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا رَأَيْت فِي بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ مِنْ أَنَّ الْغِرْبَالَ هُوَ الْمُدَوَّرُ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَالْكَبَرُ هُوَ الطَّبْلُ الْكَبِيرُ الْمُدَوَّرُ الْمُجَلَّدُ مِنْ وَجْهَيْنِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: وَمَنَعَهُ غَيْرُهُ] كَذَا فِي التَّحْقِيقِ وتت، وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ الْقَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ، وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِحَمْلِ يُمْنَعُ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَبَادَرٍ.

[قَوْلُهُ: وَلَا يَخْلُو رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ] قَالَ تت: وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ وَيَسْتَوْجِبَانِ الْعُقُوبَةَ، وَلَوْ ادَّعَيَا الزَّوْجِيَّةَ إلَّا أَنْ يُثْبِتَاهَا أَوْ يَكُونَا طَارِئَيْنِ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَلَا يَخْلُو رَجُلٌ شَابٌّ وَامْرَأَةٌ شَابَّةٌ لَيْسَتْ مِنْهُ بِمَحْرَمٍ وَلَا مِلْكَ لَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ مِنْ الْمَرْأَتَيْنِ فَإِنَّ خَلْوَتَهُمَا جَائِزَةٌ وَمِنْ الرَّجُلَيْنِ فَإِنَّ خَلْوَتَهُمَا أَيْضًا جَائِزَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِمَا شَابٌّ فَيُمْنَعَ لِأَنَّ مَعَهُمَا شَيْطَانَيْنِ، وَمَعَ الْمَرْأَةِ شَيْطَانٌ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا قَوْلَهُ: رَجُلٌ بِقَوْلِنَا شَابٌّ فَإِنَّ خَلْوَةَ الشَّيْخِ الْهَرِمِ بِالْمَرْأَةِ شَابَّةً كَانَتْ أَوْ مُتَجَالَّةً جَائِزَةٌ.
وَقَيَّدْنَا قَوْلَهُ بِالْمَرْأَةِ بِقَوْلِنَا شَابَّةٌ احْتِرَازًا مِنْ خَلْوَةِ الرَّجُلِ وَلَوْ كَانَ شَابًّا بِالْمُتَجَالَّةِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ.
وَقَوْلُنَا: لَيْسَتْ مِنْهُ بِمَحْرَمٍ احْتِرَازًا مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ بِنَسَبٍ أَوْ صِهْرٍ أَوْ رَضَاعٍ فَإِنَّهُ جَائِزٌ.
وَقَوْلُنَا: لَا مِلْكَ لَهَا عَلَيْهِ احْتِرَازًا مِنْ أَنْ يَكُونَ عَبْدَهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَرَى مِنْ سَيِّدَتِهِ مَا يَرَاهُ ذُو مَحْرَمِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: 31] ك: إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَنْظَرٌ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ إلَّا وَجْهَهَا، وَلَهَا أَنْ تَرَاهُ كُلَّهُ إذَا كَانَ وَغْدًا يُؤْمَنُ مِنْهُ التَّلَذُّذُ بِخِلَافِ الشَّابِّ الَّذِي لَا يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ اهـ. قَالَ ابْنُ نَاجِي: قَالَ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ: لَا نَصَّ فِي خَلْوَةِ الرَّجُلِ بِخَادِمِ زَوْجَتِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا بِحَسَبِ الْأَشْخَاصِ، فَإِذَا وَثِقَ بِنَفْسِهِ جَازَ، هَذَا حِلُّ مَا قَصَدَهُ شَارِحُنَا لِأَنَّ كَلَامَهُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا إلَّا أَنَّنَا نَزِيدُ شَيْئًا يَتَّضِحُ بِهِ الْمَقَامُ فَنَقُولُ: يَجُوزُ لِعَبْدِ الْمَرْأَةِ الَّذِي لَيْسَ بِشِرْكٍ وَمُكَاتَبِهَا الْوَغْدَيْنِ النَّظَرُ لِشَعْرِهَا وَبَقِيَّةِ أَطْرَافِهَا الَّتِي يَنْظُرُهَا مَحْرَمُهَا وَالْخَلْوَةُ بِهَا، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِالْمَشْهُورَةِ بِالدِّينِ.
وَأَمَّا عَبْدُ زَوْجِهَا فَيَجُوزُ إنْ كَانَ خَصِيًّا وَقَبِيحَ مَنْظَرٍ ثُمَّ نَقُولُ: وَبَعْضُ الشُّرَّاحِ عَمَّمَ فَقَالَ: وَلَا يَخْلُو رَجُلٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالشَّيْخِ وَالشَّابِّ.
وَقَوْلُهُ: شَابَّةٌ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّابَّةِ وَالْمُتَجَالَّةِ خُصُوصًا عِنْدَ تَسَاوِيهِمَا فِي السِّنِّ لِأَنَّ الشَّيْخَ يَمِيلُ لِلشَّيْخَةِ وَهُوَ أَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا] ابْنُ رُشْدٍ: مَعْنَى كَوْنِهِ ثَالِثَهُمَا أَنَّهُ تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِهَا وَتَقْوَيْ شَهْوَتُهُ وَإِنْ كَانَ مَعَ غَيْرِهِ رَاقَبَهُ وَخَشِيَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ شَهَادَةٍ عَلَيْهَا.
. . إلَخْ] أَيْ حَيْثُ كَانَتْ غَيْرَ مَعْرُوفَةِ النَّسَبِ لِلشَّاهِدَيْنِ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ لِرُؤْيَةِ الشَّاهِدَيْنِ وَالطَّبِيبِ وَالْخَاطِبِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِخَلْوَةٍ بِالْمَرْأَةِ وَإِلَّا حَرَّمْت هَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَعْفُ هَذَا وَأَنَّهُ يَجُوزُ رُؤْيَةُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مُطْلَقًا حَيْثُ أُمِنَتْ الْفِتْنَةُ.
[قَوْلُهُ: لَا أَرَبَ] أَيْ لَا حَاجَةَ.

[قَوْلُهُ: وَنُهِيَ النِّسَاءُ.
. . إلَخْ] لَا مَفْهُومَ لِلنِّسَاءِ وَإِنَّمَا خَصَّ النِّسَاءَ لِأَنَّهُنَّ اللَّاتِي

(النِّسَاءُ) نَهْيَ تَحْرِيمٍ (عَنْ وَصْلِ الشَّعْرِ وَعَنْ الْوَشْمِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ» .

(وَمَنْ لَبِسَ) بِمَعْنَى أَرَادَ أَنْ يَلْبَسَ

[حاشية العدوي]

يَغْلِبُ مِنْهُنَّ ذَلِكَ عِنْدَ قِصَرِ أَوْ عَدَمِ شُعُورِهِنَّ مَثَلًا.
[قَوْلُهُ: عَنْ وَصْلِ الشَّعْرِ] قَالَ تت: فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَصْلِ أَنَّهَا لَوْ جَعَلَتْهُ عَلَى رَأْسِهَا فِي الْوِقَايَةِ وَلَمْ تَصِلْهُ جَازَ.
[قَوْلُهُ: وَعَنْ الْوَشْمِ] أَيْ فِي الْوَجْهِ أَوْ غَيْرِهِ وَهُوَ النَّقْشُ بِالْإِبْرَةِ مَثَلًا حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ وَيُخْشَى الْجُرْحُ بِالْكُحْلِ أَوْ الْهِبَابِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ أَسْوَدُ لِيُخَضِّرَ الْمَحَلَّ، وَالنَّهْيُ لِلْحُرْمَةِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالرَّجُلُ أَشَدُّ وَهُوَ كَبِيرَةٌ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ.
نَعَمْ قَدْ وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَيَّنَ بِهِ لِزَوْجِهَا وَقَدْ جَاءَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَسْمَاءَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا مُعَارَضَةَ لِإِمْكَانِ حَمْلِ النَّهْيِ عَلَى مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الزِّينَةُ كَالْمُعْتَدَّةِ كَمَا فِي النَّامِصَةِ وَلَا يُكَلَّفُ صَاحِبُهُ بِإِزَالَتِهِ وَلَوْ وَقَعَ مُحَرَّمًا، وَمَحَلُّ حُرْمَتِهِ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ طَرِيقًا لِلدَّوَاءِ وَإِلَّا جَازَ.
[قَوْلُهُ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ] أَيْ الَّتِي تَصِلُ الشَّعْرَ بِشَعْرٍ آخَرَ لِنَفْسِهَا أَوْ غَيْرِهَا كَانَ الْمَوْصُولُ شَعْرَهَا أَوْ شَعْرَ غَيْرِهَا، بَلْ قَالَ مَالِكٌ وَالطَّبَرِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ: الْوَصْلُ مَمْنُوعٌ بِكُلِّ شَيْءٍ شَعْرٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ خِرَقٍ أَوْ غَيْرِهَا.
وَقَالَ اللَّيْثُ: النَّهْيُ مُخْتَصٌّ بِالْوَصْلِ بِالشَّعْرِ وَلَا بَأْسَ بِوَصْلِهِ بِصُوفٍ أَوْ خِرَقٍ أَوْ غَيْرِهَا.
الْقَاضِي: فَأَمَّا الرَّبْطُ بِالْخُيُوطِ الْحَرِيرِ الْمُلَوَّنَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يُشْبِهُ الشَّعْرَ فَلَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصْلٍ وَلَا هُوَ فِي مَعْنًى مَقْصُودٍ لِلْوَصْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّجَمُّلِ وَالتَّحْسِينِ انْتَهَى.
أَيْ الَّتِي تَطْلُبُ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا ذَلِكَ وَيُفْعَلَ بِهَا، كَذَا ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ.
[قَوْلُهُ: وَالْوَاشِمَةَ] أَيْ الَّتِي تَغْرِزُ الْإِبْرَةَ فِي الْجَسَدِ ثُمَّ يُذَرُّ عَلَيْهِ كُحْلٌ أَوْ نَحْوُهُ فَيَخْضَرُّ.
وَقَوْلُهُ: وَالْمُسْتَوْشِمَة أَيْ الَّتِي تَطْلُبُ فِعْلَهُ وَيُفْعَلُ بِهَا.
[قَوْلُهُ: وَالْمُتَنَمِّصَاتِ] بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالنُّونِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ وَفَتْحِ الصَّادِ بَعْدَ الْأَلِفِ فَوْقِيَّةً جَمْعُ مُتَنَمِّصَةٍ وَهِيَ الَّتِي تَنْتِفُ شَعْرَ الْحَاجِبِ حَتَّى يَصِيرَ دَقِيقًا حَسَنًا، وَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمَنْهِيَّةِ عَنْ اسْتِعْمَالِ مَا هُوَ زِينَةٌ لَهَا كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَالْمَفْقُودِ زَوْجُهَا فَلَا يُنَافِي مَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ جَوَازِ إزَالَةِ الشَّعْرِ مِنْ الْحَاجِبِ وَالْوَجْهِ.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: وَالنَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ فَالنَّامِصَةُ هِيَ الَّتِي تَنْتِفُ الْحَاجِبَ حَتَّى تُرِقَّهُ كَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد، وَالْمُتَنَمِّصَةُ هِيَ الْمَعْمُولُ لَهَا ذَلِكَ وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَفْسِيرِ النَّامِصَةِ عَنْ أَبِي دَاوُد وَقَدْ قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُصَنِّفِ: وَفَسَّرَهَا عِيَاضٌ وَمَنْ وَافَقَهُ بِأَنَّهَا الَّتِي تَنْتِفُ الشَّعْرَ مِنْ الْوَجْهِ، وَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي جَوَازَ نَتْفِ شَعْرِ مَا عَدَا الْحَاجِبَيْنِ مِنْ الْوَجْهِ، وَتَفْسِيرُ عِيَاضٍ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: وَالْمُتَفَلِّجَات] . . . إلَخْ جَمْعُ مُتَفَلِّجَةٍ وَهِيَ الَّتِي تَبْرُدُ أَسْنَانَهَا لِيَتَبَاعَدَ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ أَوْ يَكُونُ فِي أَسْنَانِهَا طُولٌ فَتُزِيلُهُ بِالْمِبْرَدِ.
تَنْبِيهٌ: التَّعْبِيرُ فِي الْأَوَّلَيْنِ بِالْإِفْرَادِ وَالتَّنْصِيصِ عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ لَهَا دُونَ الْأَخِيرَيْنِ حَيْثُ عَبَّرَ بِالْجَمْعِ فِيهِمَا الْقَاصِرَيْنِ عَلَى الْفَاعِلَةِ عَلَى مَا فَسَّرْنَا تَبَعًا لِشَارِحِهِ تَفَنُّنٌ إذْ لَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ هَذَا مَا ظَهَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[قَوْلُهُ: لِلْحُسْنِ] اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ.
وَتَنَازَعَ فِيهِ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ وَالْأَظْهَرُ تَعْلِيقُهُ بِالْأَخِيرَةِ: قَالَ شَارِحُ الْحَدِيثِ: مَفْهُومُهُ أَنَّ الْمَفْعُولَ لِطَلَبِ الْحُسْنِ هُوَ الْحَرَامُ فَلَوْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِعِلَاجٍ أَوْ عَيْبٍ فِي السِّنِّ وَنَحْوِهِ فَلَا بَأْسَ اهـ. [قَوْلُهُ: الْمُغَيِّرَاتِ] بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِمَنْ فَعَلَ الْأَشْيَاءَ الْمَذْكُورَةَ وَهُوَ كَالتَّعْلِيلِ لِوُجُوبِ اللَّعْنِ الْمُسْتَدَلِّ بِهِ عَلَى الْحُرْمَةِ، إلَّا أَنَّ الشِّهَابَ الْقَرَافِيُّ قَالَ: لَمْ أَرَ لِلْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ فِي تَعْلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّهُ تَدْلِيسٌ عَلَى الزَّوْجِ لِتَكْثِيرِ الصَّدَاقِ، وَيُشْكِلُ ذَلِكَ إذَا كَانُوا عَالِمِينَ بِهِ وَبِالْوَشْمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَدْلِيسٌ، وَمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ لَمْ أَفْهَمْ مَعْنَاهُ فَإِنَّ التَّغْيِيرَ لِلْجَمَالِ غَيْرُ مُنْكَرٍ فِي الشَّرْعِ كَالْخِتَانِ وَقَصِّ الظُّفُرِ وَالشَّعْرِ وَصَبْغِ الْحِنَّاءِ وَصَبْغِ الشَّعْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى أَرَادَ.
. . إلَخْ] أَيْ لَا أَنَّ الْمُرَادَ بَعْدَ اللُّبْسِ بِالْفِعْلِ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ:

(خُفًّا أَوْ نَعْلًا بَدَأَ بِيَمِينِهِ) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (وَإِذَا) أَرَادَ (نَزْعَهُمَا بَدَأَ بِشِمَالِهِ) لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِذَلِكَ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ (وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِعَالِ قَائِمًا وَيُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ) لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ.

(وَتُكْرَهُ التَّمَاثِيلُ) أَيْ عَمَلُهَا وَهِيَ الصُّورُ الَّتِي تُصْنَعُ عَلَى هَيْئَةِ الْحَيَوَانِ أَوْ الْأَشْجَارِ (فِي الْأَسِرَّةِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ سَرِيرٍ وَهُوَ مَعْلُومٌ (وَ) فِي (الْقِبَابِ) جَمْعُ قُبَّةٍ وَهِيَ مَا يُجْعَلُ مِنْ الثِّيَابِ عَلَى الْهَوْدَجِ مَثَلًا.
(وَ) فِي (الْجُدَرَانِ) بِضَمِّ الْجِيمِ جَمْعُ جُدُرٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْحَائِطُ.
(وَ) فِي (الْخَاتَمِ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا (وَلُبْسِ الرَّقْمِ) أَيْ التَّصْوِيرُ (فِي الثَّوْبِ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ التَّمَاثِيلِ الْمَكْرُوهَةِ؛ لِأَنَّهُ يُمْتَهَنُ (وَتَرْكُهُ) أَيْ الرَّقْمُ فِي الثَّوْبِ وَفِي نُسْخَةٍ وَغَيْرِهِ (أَحْسَنُ) مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِتَحْرِيمِهِ.

[حاشية العدوي]

بَدَأَ بِيَمِينِهِ] لِأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ كَاللُّبْسِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَتَرْجِيلِ الشَّعْرِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ يُنْدَبُ فِيهِ التَّيَامُنُ، وَمَا كَانَ بِضِدِّ ذَلِكَ فَالتَّيَاسُرُ مِثْلُ دُخُولِ الْخَلَاءِ وَالِامْتِخَاطِ وَالِاسْتِنْجَاءِ وَخَلْعِ السَّرَاوِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِعَالِ نَائِمًا] أَيْ كَمَا يَجُوزُ جَالِسًا فَلَا بَأْسَ لِلْجَوَازِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ كَمَا أَفَادَهُ الْفَاكِهَانِيُّ.
[قَوْلُهُ: لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ] أَيْ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا خَلَعَ بَدَأَ بِشِمَالِهِ وَلَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَلْيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا» فَإِذَا انْقَطَعَ قِبَالُ نَعْلِهِ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي إبَاحَةِ وُقُوفِهِ فِي نَعْلٍ حَتَّى يُصْلِحَ الْأُخْرَى فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ أَصْبُغُ إلَّا أَنْ يَطُولَ ذَلِكَ، وَمَنَعَا مَعًا الْمَشْيَ فِيهَا حَتَّى يُصْلِحَ الْأُخْرَى فِي وَقْتِ الْإِصْلَاحِ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ أَقْطَعَ الرِّجْلِ وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ بِمَشْيِهِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَكُرِهَ الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ فِيمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ.

[قَوْلُهُ: التَّمَاثِيلُ] جَمْعُ تِمْثَالٍ بِكَسْرِ التَّاءِ لَيْسَ إلَّا أَيْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ.
[قَوْلُهُ: أَوْ الْأَشْجَارِ.
. . إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ الْأَشْجَارُ وَلَوْ لَهَا ظِلٌّ جَائِزَةٌ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ قَصْدَهُ التَّمْثِيلُ لِلصُّورِ مِنْ حَيْثُ هِيَ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَعْلُومٌ] مِنْ أَنَّهُ الَّذِي يُطَّلَعُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي الْقِبَابِ] بِكَسْرِ الْقَافِ وَقَوْلُهُ: جَمْعُ قُبَّةٍ بِضَمِّ الْقَافِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْهَوْدَجِ] مَرْكَبُ النِّسَاءِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَرَبِ.
[قَوْلُهُ: مَثَلًا] أَدْخَلَ تَحْتَهُ السَّرِيرَ وَالْخَيْمَةَ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ التِّمْثَالُ مَنْقُوشًا فِي تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ صُورَةً مُسْتَقِلَّةً لَهَا ظِلٌّ كَصُورَةِ سَبُعٍ فَهُوَ حَرَامٌ إذَا كَانَتْ كَامِلَةً صُنِعَتْ مِنْ الَّذِي تَطُولُ إقَامَتُهُ كَحَجَرٍ أَمْ لَا كَعَجِينٍ، وَأَمَّا النَّاقِصَةُ فَفِيهَا قَوْلَانِ بِالْكَرَاهَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ الْمُحَرَّمِ تَصْوِيرُ لُعْبَةٍ عَلَى هَيْئَةِ بِنْتٍ صَغِيرَةٍ لِتَلْعَبَ بِهَا الْبَنَاتُ الصِّغَارُ فَيَجُوزُ اسْتِصْنَاعُهَا وَصِنَاعَتُهَا وَبَيْعُهَا وَشِرَاؤُهَا لِأَنَّ بِهِنَّ التَّدَرُّبَ عَلَى حَمْلِ الْأَطْفَالِ وَحَرُمَ لِلْكِبَارِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُمْتَهَنُ] مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكَرَاهَةِ فِي الْأَسِرَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِمَوْضِعٍ يُمْتَهَنُ.
[قَوْلُهُ: وَفِي نُسْخَةٍ وَغَيْرِهِ] بَدَلُ وَتَرْكُهُ أَيْ بَعْدَ قَوْلِهِ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ النُّسْخَةَ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ وَغَيْرُ الرَّقْمِ أَحْسَنُ مِنْ الرَّقْمِ الثَّانِي وَغَيْرُ الثَّوْبِ الْمَرْقُومِ وَهُوَ مَا لَا رَقْمَ فِيهِ أَحْسَنُ مِمَّا فِيهِ الرَّقْمُ.
[قَوْلُهُ: أَحْسَنُ] أَيْ فَفِعْلُهُ خِلَافُ الْأَوْلَى.
[قَوْلُهُ: مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِتَحْرِيمِهِ] أَيْ وَلَوْ فِي الثَّوْبِ أَيْ فَفِي تَرْكِهِ سَلَامَةٌ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ التِّمْثَالَ إنْ كَانَ لِغَيْرِ حَيَوَانٍ كَالشَّجَرِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ لِحَيَوَانٍ فَمَا لَهُ ظِلٌّ وَيُقِيمُ فَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعٍ، وَكَذَا إنْ لَمْ يُقِمْ كَالْعَجِينِ خِلَافًا لِأَصْبُغَ، وَمَا لَا ظِلَّ لَهُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُمْتَهَنٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ كَانَ مُمْتَهَنًا فَخِلَافُ الْأَوْلَى وَهَذَا كُلُّهُ فِي الصُّورِ الْكَامِلَةِ، وَأَمَّا نَاقِصُ عُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ فَيُبَاحُ النَّظَرُ إلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا يَحْرُمُ فِعْلُهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ وَمَا يُكْرَهُ يُكْرَهُ وَمَا يُبَاحُ يُبَاحُ.
.

[45 - بَابٌ فِي بَيَانِ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ] (بَابٌ) (فِي) بَيَانِ آدَابِ (الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ) أَيْ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْآدَابُ الْمَذْكُورَةُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: سَوَابِقُ، وَمُقَارِنَةٌ، وَلَوَاحِقُ.
فَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ: (وَإِذَا أَكَلْت أَوْ شَرِبْت) أَيْ إذَا أَرَدْتهمَا (فَوَاجِبٌ عَلَيْك) أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ وُجُوبَ السُّنَنِ (أَنْ تَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ) جَهْرًا وَلَا تَزِيدَ: " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ "، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ زِيَادَةَ ذَلِكَ وَمِنْ الثَّانِي قَوْلُهُ: (وَتَتَنَاوَلُ) أَيْ تَأْخُذُ مَا تَأْكُلُهُ أَوْ تَشْرَبُهُ (بِيَمِينِك) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ، وَمِنْ الثَّالِثِ قَوْلُهُ: (فَإِذَا فَرَغْت) مِنْ الْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ (فَلْتَقُلْ) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) سِرًّا، وَقَدْ وَرَدَ كُلُّ هَذَا عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْلُهُ: (وَحَسَنٌ) أَيْ

[حاشية العدوي]

[بَابٌ فِي بَيَانِ آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ]

قَوْلُهُ: أَيْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ] أَيْ فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الطَّعَامَ عَلَى الْأَكْلِ، وَالشَّرَابِ عَلَى الشُّرْبِ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُتَعَلَّقِ بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ.
أَقُولُ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ فَيَكُونَ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ أَيْ آدَابِ أَكْلِ الطَّعَامِ وَآدَابِ شُرْبِ الشَّرَابِ، عَلَى أَنَّ الشَّرَابَ قَدْ جَاءَ مَصْدَرًا بِمَعْنَى الشُّرْبِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّرَابَ يَأْتِي بِمَعْنَى الْمَشْرُوبِ وَيَأْتِي بِمَعْنَى الشُّرْبِ مَصْدَرًا يُقَالُ: شَرِبَ شُرْبًا وَشَرَابًا بِمَعْنًى.
[قَوْلُهُ: فَمِنْ الْأَوَّلِ] وَسَنُنَبِّهُ عَلَى الْبَاقِي مِنْ الْأَوَّلِ فِي كَلَامِهِ كَمَا يَأْتِي.
[قَوْلُهُ: أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ] لَا مَفْهُومَ لَهُ.
[قَوْلُهُ: وُجُوبَ السُّنَنِ] أَيْ سُنَّةِ عَيْنٍ، وَإِذَا نَسِيَهَا فِي أَوَّلِهِ أَتَى بِهَا حَيْثُ ذَكَرَهَا فَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَتَقَايَأُ مَا أَكَلَهُ خَارِجَ الْإِنَاءِ.
[قَوْلُهُ: جَهْرًا] أَيْ يُنْدَبُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا جَهْرًا لِيُنَبِّهَ الْغَافِلَ عَنْهَا وَيَتَعَلَّمَ الْجَاهِلُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تَزِيدُ الرَّحْمَنِ.
. . إلَخْ] عَلَّلَهُ فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الْمَضْغَ عَذَابٌ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الرَّحْمَةِ كَالذَّبْحِ لَا يُقَالُ هَذَا لَا رُوحَ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44] وَظَاهِرُ كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ هُنَا تَرْجِيحُهُ وَتَقَدَّمَ لَهُ فِي الذَّبَائِحِ تَرْجِيحُ الزِّيَادَةِ فَقَدْ تَنَاقَضَ كَلَامُهُ وَظَاهِرُ عج تَرْجِيحُ كَلَامِهِ هُنَا.
[قَوْلُهُ: وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ زِيَادَةَ ذَلِكَ] هَذَا الْبَعْضُ أَبُو مَهْدِيٍّ شَيْخُ ابْنِ نَاجِي فَقَدْ اخْتَارَ أَرْجَحِيَّةَ الزِّيَادَةِ.
تَنْبِيهٌ: وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ عَلَى التَّسْمِيَةِ: «وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا» وَإِنْ كَانَ لَبَنًا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَزِدْنَا خَيْرًا مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ تَأْخُذُ.
. . إلَخْ] أَيْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي أَكْلِهِ فَقِيلَ: حَقِيقَةٌ وَقِيلَ مَجَازٌ عَنْ الشَّمِّ وَفِيهِ شَيْءٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ: أَنَّهُ يَتَقَايَأُ مَا أَكَلَهُ.
[قَوْلُهُ: جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا يَأْتِي.
[قَوْلُهُ: سِرًّا] أَيْ يُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ سِرًّا لِئَلَّا يَحْصُلَ الْحَيَاءُ وَالْخَجَلُ لِمَنْ لَمْ يَشْبَعْ إذَا سَمِعَ حَمْدَ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ

مُسْتَحَبٌّ (أَنْ تَلْعَقَ يَدَك) وَفِي رِوَايَةٍ أَصَابِعَك وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِلْأُولَى (قَبْلَ مَسْحِهَا) لِمَا فِي مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا» .

(وَمِنْ آدَابِ الْأَكْلِ أَنْ تَجْعَلَ بَطْنَك ثُلُثًا لِلطَّعَامِ وَثُلُثًا لِلشَّرَابِ وَثُلُثًا لِلنَّفَسِ) كَذَا صَحَّ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (وَ) مِنْ آدَابِ الْأَكْلِ (إذَا أَكَلْت مَعَ غَيْرِك) مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِك وَلَا بَنِيك طَعَامًا (أَكَلْت مِمَّا يَلِيك) لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِذَلِكَ (وَ) مِنْ آدَابِهِ أَيْضًا أَنَّك (لَا تَأْخُذُ لُقْمَةً حَتَّى تُفْرِغَ

[حاشية العدوي]

الْأَقْفَهْسِيُّ أَنَّ مِنْ الْآدَابِ أَنْ يُعَقِّبَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ عج: وَبِهَذَا تَبَيَّنَ لَك أَنَّ قَوْلَهُمْ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عِنْدَ الْأَكْلِ مُرَادُهُمْ بِهِ فِي أَثْنَائِهِ وَابْتِدَائِهِ.
[قَوْلُهُ: وَحَسَنٌ] خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
وَقَوْلُهُ: أَنْ تَلْعَقَ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ أَيْ اللَّعْقُ أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِلْأُولَى] الْيَدُ كَمَا تُطْلَقُ عَلَى الْكَفِّ تُطْلَقُ عَلَى الْأَصَابِعِ، وَالْمُرَادُ هُنَا ثَلَاثُ أَصَابِعَ كَمَا يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: «كَانَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ» ] بَيَّنَهَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، فَقَالَ: الْإِبْهَامُ وَاَلَّتِي تَلِيهَا وَالْوُسْطَى وَيَلْعَقُ يَدَهُ الْوُسْطَى ثُمَّ الَّتِي تَلِيهَا ثُمَّ الْإِبْهَامَ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَهُوَ مِنْ آدَابِ الْأَكْلِ وَسُنَنِهِ، وَالْأَكْلُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا إنَّمَا هُوَ شَرَهٌ وَسُوءُ أَدَبٍ إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ لِخِفَّةِ الطَّعَامِ وَعَدَمِ تَلْفِيفِهِ بِالثَّلَاثِ فَيَدْعَمَهُ بِالرَّابِعَةِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْعَمُهُ بِالرَّابِعَةِ» ، بَلْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بِخَمْسٍ، وَجُمِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ بِاخْتِلَافِ الْحَالِ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ تَلْعَقَ يَدَك أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ بِجَمِيعِ أَصَابِعِهِ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ التِّلْمِسَانِيِّ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْمَعْرُوفِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صِفَةِ اللَّعْقِ حَدٌّ ابْتِدَاءً وَلَا انْتِهَاءً كَمَا قَالَهُ ق يَبْدَأُ فِي لَعْقِ أَصَابِعِهِ مِنْ الْخِنْصَرِ ثُمَّ الْإِبْهَامِ ثُمَّ الْبِنْصِرِ ثُمَّ السَّبَّابَةِ ثُمَّ الْوُسْطَى.
[قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا] أَيْ بِمِنْدِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَغْسِلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إنْ كَانَ فِي طَعَامِهِ غَمَرٌ نَحْوُ اللَّبَنِ وَالزَّيْتِ وَاللَّحْمِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ اللَّعْقَ أَوَّلًا ثُمَّ الْمَسْحَ ثُمَّ الْغَسْلَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ.
قَالَ زَرُّوقٌ: وَحَكَى لِي بَعْضُ الْأَصْحَابِ أَنَّ الزَّنَاتِيَّ ذَكَرَ أَنَّهُ السُّنَّةُ.

[قَوْلُهُ: وَمِنْ آدَابِ الْأَكْلِ أَنْ تَجْعَلَ.
. . إلَخْ] وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَكْثَرَ مِنْ الطَّعَامِ لَمْ يَبْقَ مَوْضِعٌ لِلنَّفَسِ إلَّا عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ، وَكَذَلِكَ إذَا أَكْثَرَ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُمَا مَعًا لَمْ يَبْقَ مَوْضِعٌ لِلنَّفَسِ إلَّا عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِ.
ق: وَقَالُوا: الشِّبَعُ مِنْ الْحَلَالِ يُقَسِّي الْقَلْبَ، وَيُقِلُّ الْحِفْظَ، وَيُفْسِدُ الْعَقْلَ، وَيُكَسِّلُ الْأَعْضَاءَ عَنْ الْعِبَادَةِ، وَيَكْسِرُ الشَّهْوَةَ وَيُقَوِّي جُنُودَ الشَّيْطَانِ وَيُفْسِدُ الْجِسْمَ.
فَمَا بَالُك بِالْحَرَامِ وَصِفَةُ تَوَصُّلِهِ إلَى الثُّلُثِ أَنْ يَعْلَمَ مِقْدَارًا يُشْبِعُهُ فَيَقْتَصِرَ عَلَى ثُلُثِهِ، فَإِنْ كَانَ يُشْبِعُهُ ثَلَاثَةُ أَقْرَاصٍ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدٍ وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِاللُّقَمِ، فَإِذَا كَانَ يُشْبِعُهُ ثَلَاثُونَ اقْتَصَرَ عَلَى عَشَرَةٍ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَخْدِمُ وَلَا يَدْرُسُ فِي الْعِلْمِ، وَأَمَّا الْخَدِيمُ فِي طَلَبِ مَعَاشِهِ فَيُبَاحُ لَهُ الشِّبَعُ وَكَذَلِكَ دَارِسُ الْعِلْمِ أَيْ الشِّبَعُ عَلَى قَدْرِ مَا يَسْتَقِيمُ بِهِ حَالُهُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: الشِّبَعُ إلَى حَدِّ التُّخَمَةِ وَإِفْسَادِ الْمَعِدَةِ بِإِفْسَادِ الطَّعَامِ حَرَامٌ، وَبِمَا دُونَ ذَلِكَ مِمَّا يَذْهَبُ إلَى الثِّقَلِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بِالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ وَعَلَيْهِمَا اُخْتُلِفَ فِي الْجُشَأَةِ هَلْ يَقُولُ عِنْدَهَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَحْسَنُ فَيَحْمَدُ اللَّهَ اعْتِبَارًا بِالنِّعْمَةِ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِسُوءِ أَدَبِهِ فِي أَكْلِهِ وَمَا لَا يَحُسُّ مَعَهُ بِثِقَلٍ مِمَّا لَا يُخِلُّ بِقُوَاهُ هُوَ الْمَطْلُوبُ، فَإِنْ قُلْت: مَا عَيْنُ الْحُكْمِ فِي الثُّلُثِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ؟ قُلْت: يُسْتَفَادُ مِنْ التَّعْلِيلِ الْمُتَقَدِّمِ الْإِبَاحَةُ، فَعَدُّهُ مِنْ الْفِطْرَةِ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الزِّيَادَةِ فَالزِّيَادَةُ مَكْرُوهَةٌ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ تت أَنَّ فِي الشِّبَعِ قَوْلَيْنِ بِالْإِبَاحَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَالتَّعْلِيلُ الْمُتَقَدِّمُ يُقَوِّي الثَّانِيَ بَلْ يُفِيدُ قُوَّةَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الشِّبَعِ، وَاَلَّذِي تَحَرَّرَ لَنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَفِعْلُ الْعِبَادَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ مُسْتَحَبٌّ وَاَلَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْوَاجِبِ أَوْ اخْتِلَالٌ فِي الْبَدَنِ حَرَامٌ، وَاَلَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْمُسْتَحَبِّ مَكْرُوهٌ وَإِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مُبَاحٌ.
[قَوْلُهُ: إذَا أَكَلْت مَعَ غَيْرِك] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: شَرِيكًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ انْتَهَى لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ نُسِبَ إلَى الشَّرَهِ وَدَنَاءَةِ الْأَخْلَاقِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْلِ وَحْدَهُ وَإِطْلَاقُ الشَّافِعِيَّةِ يُفِيدُ نَدْبَ الْأَكْلِ مِمَّا يَلِي الْآكِلَ وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِك وَلَا بَنِيكَ.
. . إلَخْ] قَالَ ق: وَأَمَّا مَعَ أَهْلِهِ وَبَنِيهِ فَلْيَأْكُلْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ إذْ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَأَدَّبَ.

الْأُخْرَى) لِئَلَّا تُنْسَبَ إلَى الشَّرَهِ.

(وَ) مِنْ آدَابِ الشُّرْبِ أَنَّك (لَا تَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ عِنْدَ شُرْبِك) لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَلْتُبِنْ الْقَدَحَ عَنْ فِيك ثُمَّ تُعَاوِدُهُ إنْ شِئْت) لِجَوَازِ الشُّرْبِ مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِمَا فِي النَّسَائِيّ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَفَّسْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ

[حاشية العدوي]

مَعَهُمْ، وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَتَأَدَّبُوا مَعَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ انْتَهَى.
وَأَرَادَ بِالْأَهْلِ زَوْجَتَهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ رَقِيقَهُ وَخَدَمَهُ أَوْلَى بِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: طَعَامًا] أَيْ وَاحِدًا كَالثَّرِيدِ وَاللَّحْمِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ أَصْنَافًا مُخْتَلِفَةً كَأَنْوَاعِ الْفَاكِهَةِ فِي طَبَقٍ مِمَّا تَخْتَلِفُ أَغْرَاضُ الْآكِلِينَ فِيهِ أَوْ كَانَ الطَّعَامُ مُشْتَمِلًا عَلَى مَرَقٍ وَغَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ غَيْرِهِ.
وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَقَوْلُنَا طَعَامًا احْتِرَازًا مِنْ التَّمْرِ فَإِنَّهُ سَيَنُصُّ عَلَى حُكْمِهِ انْتَهَى.
أَيْ التَّمْرِ وَشَبَهِهِ أَيْ فَيَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ غَيْرِهِ، فَظَاهِرُهُ وَلَوْ نَوْعًا وَاحِدًا وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا بَأْسَ فِي التَّمْرِ.
. . إلَخْ.
إنَّ ذَلِكَ فِي الْأَصْنَافِ.
أَقُولُ: وَيُقَوِّي مَا قَالَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ «أَنَّ عِكْرَاشًا أَكَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَرِيدًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ ثُمَّ أُتِيَ بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانٌ مِنْ الرُّطَبِ فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الطَّبَقِ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ» . [قَوْلُهُ: أَكَلْت مِمَّا يَلِيك] أَيْ نَدْبًا فَقَوْلُهُ: لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَيْ بِقَوْلِهِ: «كُلْ مِمَّا يَلِيك» أَيْ أَمْرَ نَدْبٍ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ شَارِحُ الْحَدِيثِ، وَذَلِكَ «لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ ابْنُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَكَلْت يَوْمًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَعَامًا فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ نَوَاحِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كُلْ مِمَّا يَلِيك» قَالَ شَارِحُهُ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ نَصَّ أَئِمَّتُنَا عَلَى كَرَاهَةِ الْأَكْلِ مِمَّا يَلِي غَيْرَهُ انْتَهَى.
وَمَذْهَبُنَا لَا يُخَالِفُهُ.
[قَوْلُهُ: أَنَّك لَا تَأْخُذُ لُقْمَةً] أَيْ يُكْرَهُ ذَلِكَ فَأَخْذُ اللُّقْمَةِ بَعْدَ فَرَاغِ الْأُخْرَى بِالْبَلْعِ مَنْدُوبٌ.
[قَوْلُهُ: لِئَلَّا تُنْسَبَ إلَى الشَّرَهِ] أَيْ الْحِرْصِ عَلَى الْأَكْلِ، وَلِئَلَّا تَشْرَقَ فَيَحْصُلَ لَك الْخَجَلُ.
وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ هَذَا عِنْدَ أَكْلِهِ مَعَ غَيْرِهِ وَيَنْبَغِي الْإِطْلَاقُ لِئَلَّا يَتَّخِذَهُ عَادَةً فَيَفْعَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ، وَمِنْ الْآدَابِ أَنْ يَأْكُلَ كَمَا يَأْكُلُونَ مِنْ تَصْغِيرِ اللُّقْمَةِ وَالتَّرَسُّلِ فِي الْأَكْلِ وَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ عَادَتَهُ، وَأَنْ لَا يَفْعَلَ عِنْدَ الْأَكْلِ مَا يُسْتَقْذَرُ مِنْ نَحْوِ الْبُصَاقِ أَوْ رَدِّ بَعْضِ اللُّقْمَةِ فِي الْإِنَاءِ بَعْدَ وَضْعِهَا فِي الْفَمِ، أَوْ أَنَّهُ بَعْدَ وَضْعِ اللُّقْمَةِ فِي الْفَمِ يُلْقِي مَا بَقِيَ فِي آثَارِ أَصَابِعِهِ مِنْ الطَّعَامِ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ قَبِيحٌ، وَمِنْ آدَابِهِ الْإِكْثَارُ مِنْ حِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ مِمَّا يُرِيحُ الْآكِلَ وَيُقَوِّي نَهْمَتَهُ وَيُنْبِئُ عَنْ سَمَاحَتِك، وَأَنْ لَا تَنْظُرَ إلَى غَيْرِك حَالَ أَكْلِهِ، وَأَنْ لَا تَقُومَ قَبْلَ قِيَامِهِ.
وَالظَّاهِرُ إلَّا لِمُوجِبٍ يَقْتَضِي الْقِيَامَ يُعْرَفُ عِنْدَ وُقُوعِهِ، أَوْ يَكُونُ الْغَيْرُ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِي مِنْ قِيَامِك، وَأَنْ لَا تَقُولَ لِمَنْ يَأْكُلُ مَعَك فِي حَالِ أَكْلِهِ: كُلْ، فَإِنَّك تُخْجِلُهُ بِخِلَافِ لَوْ تَرَكَ الْأَكْلَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: يُكْرَهُ الْيَمِينُ عَلَى الطَّعَامِ وَإِنَّمَا جَاءَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «كُلْ كُلْ كُلْ» ثَلَاثًا، وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ فَإِذَا حَلَفَ فَقِيلَ يَبَرُّ بِثَلَاثِ لُقَمٍ، وَقِيلَ يَبَرُّ بِثَلَاثٍ إذَا كَانَ أَثْنَاءَ الْأَكْلِ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ فِي ابْتِدَائِهِ فَلَا يَبَرُّ بِهَا بَلْ لَا يَبَرُّ إلَّا بِالشِّبَعِ وَيُعْلَمُ بِإِقْرَارِهِ.

[قَوْلُهُ: وَمِنْ آدَابِ الشُّرْبِ أَنَّك لَا تَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ عِنْدَ شُرْبِك لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -] أَيْ نَهْيَ كَرَاهَةٍ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ عَلَى مَا قَالَ تت أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ» ، أَيْ وَأَمَرَ مُرِيدَ التَّنَفُّسِ بِإِبَانَةِ الْقَدَحِ عَنْ فِيهِ وَقْتَ تَنَفُّسِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ فَقِيلَ: مَخَافَةَ أَنْ تَبْقَى فَضْلَةٌ فَيَتَقَذَّرَهَا غَيْرُك.
وَقِيلَ: مَخَافَةَ الْأَذِيَّةِ لِأَنَّ رِيقَ الْإِنْسَانِ سُمٌّ عَلَى غَيْرِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ قُلْت: قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ لَا الْكَرَاهَةِ.
قُلْت: ذَلِكَ تَعْلِيلٌ بِالْمَظِنَّةِ إذْ لَوْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ لَمَا شُكَّ فِي الْحُرْمَةِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَلْتُبِنْ] بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ أَيْ نَدْبًا إنْ شِئْت أَيْ التَّنَفُّسَ أَثْنَاءَ الشُّرْبِ أَيْ إنْ شِئْت التَّنَفُّسَ أَثْنَاءَ الشُّرْبِ فَيُنْدَبُ أَنْ تُبِينَ الْقَدَحَ وَلَا تَتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ، فَأُخِذَ الْجَوَازُ مِنْ قَوْلِهِ: إنْ شِئْت أَيْ تُبْعِدُ الْقَدَحَ عِنْدَ إرَادَةِ التَّنَفُّسِ حَتَّى تَتَنَفَّسَ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُكْرَهُ لِمَا فِي النَّسَائِيّ.
. . إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذَا إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَكْرُوهِ

فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ» . (وَلَا تَعُبَّ الْمَاءَ عَبًّا) وَهُوَ بَلْعُهُ بِصَوْتٍ كَصَوْتِ الْبَهِيمَةِ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ (وَلْتَمُصَّهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ مُضَارِعُ مَصِصَ بِالْكَسْرِ (مَصًّا) وَهُوَ بَلْعُ الْمَاءِ بِرِفْقٍ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِذَلِكَ.

(وَ) مِنْ آدَابِ الْأَكْلِ أَيْضًا أَنْ (تَلُوكَ) أَيْ تَمْضُغَ (طَعَامَك وَتُنَعِّمَهُ مَضْغًا) أَيْ تُبَالِغَ فِي مَضْغِهِ أَيْ دَقِّهِ (قَبْلَ بَلْعِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي اللَّذَّةِ وَأَسْهَلُ عَلَى الْمَعِدَةِ، وَفِي تَرْكِ ذَلِكَ إذَايَةٌ فِي بَلْعِهِ، وَتَتَأَذَّى الْمَعِدَةُ مِنْهُ (وَ) مِنْ آدَابِهِ أَنَّك (تُنَظِّفُ فَاك بَعْدَ) الْفَرَاغِ مِنْ (طَعَامِك) بِالْمَضْمَضَةِ وَالسِّوَاكِ لِدَفْعِ مَا يُتَّقَى مِنْ تَغْيِيرِ طَعْمِ الْفَمِ (وَ) مِنْ الْآدَابِ

[حاشية العدوي]

وَخِلَافِ الْأَوْلَى وَإِلَّا فَلَا يَدُلُّ لِلْكَرَاهَةِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي نَظَائِرِهِ وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ سَحْنُونَ مُوَافَقَتُهُ فَقَدْ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ يَشْرَبُ ثُمَّ يُبِينُهُ، وَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ يَشْرَبُ ثُمَّ يُبِينُهُ، وَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ ثُمَّ يَشْرَبُ ثُمَّ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَتَنَفَّسْ] أَيْ خَارِجَ الْإِنَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ الْمُنَاوِيُّ: وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ النَّفَسُ الْأَوَّلُ فِي الشُّرْبِ خَفِيفًا وَالثَّانِي أَطْوَلَ وَالثَّالِثُ إلَى رِيِّهِ، وَلَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى أَصْلٍ.
وَقَوْلُهُ: فَإِنَّهُ أَيْ التَّنَفُّسَ ثَلَاثًا خَارِجَ الْإِنَاءِ.
وَقَوْلُهُ: أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ بِالْهَمْزَةِ فِيهِمَا أَفْعَلُ أَيْ أَقْوَى فِي عَدَمِ الثِّقَلِ عَلَى الْمَعِدَةِ، وَأَقْوَى فِي الِانْحِدَارِ عَنْهَا بِطِيبِ لَذَّةٍ وَنَفْعٍ فَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَمَا يَتَرَاءَى مِنْ قِرَاءَتِهِ بِالْأَلِفِ خَطَأٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تَعُبَّ الْمَاءَ عَبًّا] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: عَبَّ الرَّجُلُ الْمَاءَ عَبًّا مِنْ بَابِ قَتَلَ شَرِبَهُ مِنْ غَيْرِ تَنَفُّسٍ، وَعَبَّ الْحَمَامُ شَرِبَ مِنْ غَيْرِ مَصٍّ كَمَا تَشْرَبُ الدَّوَابُّ.
وَأَمَّا بَاقِي الطَّيْرِ فَإِنَّهُ تَحْسُوهُ جُرْعَةً بَعْدَ جُرْعَةٍ اهـ. فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَقَوْلُ شَارِحِنَا وَهُوَ بَلْعُهُ بِصَوْتٍ نَاظِرٌ لِجَعْلِهِ مِنْ عَبَّ الْحَمَامُ شَرِبَ مِنْ غَيْرِ مَصٍّ لَا مِنْ بَابِ عَبَّ الرَّجُلُ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْحَدِيثِ كَمَا سَنُبَيِّنُ، وَإِنْ كَانَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَلْيَمُصَّهُ مَصًّا تَأْكِيدًا لِعِلْمِهِ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا تَعُبَّ الْمَاءَ عَبًّا، وَلَوْ جُعِلَ مِنْ الْأَوَّلِ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا لِقَوْلِهِ: إنْ شِئْت فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لِأَمْرِهِ.
. . إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْمَصِّ وَنَهَى عَنْ الْعَبِّ، أَيْ أَمْرَ نَدْبٍ وَنَهْيَ كَرَاهَةٍ فَوَقَعَ مِنْهُ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ كَمَا اقْتَضَاهُ حَلُّ الشَّارِحِ، فَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمُصَّ الْمَاءَ مَصًّا وَلَا يَعُبَّ عَبًّا فَإِنَّ الْكُبَادَ مِنْ الْعَبِّ» اهـ. وَالْكُبَادُ كَغُرَابٍ وَجَعُ الْكَبِدِ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ الْعَبِّ لِأَنَّ فِيهِ إذَايَةً لِلْجَسَدِ إذْ لَعَلَّهُ يَشْرَبُ بَعْضُ الْعُرُوقِ دُونَ بَعْضٍ أَوْ يَأْخُذُ بَعْضُهَا أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ وَبَعْضُهَا أَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ، وَإِذَا مَصَّهُ أَخَذَ كُلُّ عِرْقٍ حَقَّهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَطَرَ الرَّقِيقَ الْمُدَمَّنَ أَنْفَعُ لِلْأَرْضِ مِنْ الْوَابِلِ لِأَنَّهُ إذَا نَزَلَ بِقُوَّةٍ ذَهَبَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهَا إلَّا يَسِيرٌ.
تَنْبِيهٌ: وَمِثْلُ الْمَاءِ اللَّبَنُ وَالْعَسَلُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ كُلِّ مَائِعٍ وَهَذَا مِنْ الْآدَابِ الْمُقَارِنَةِ.

[قَوْلُهُ: وَمِنْ آدَابِ الْأَكْلِ أَيْضًا] أَيْ الْمُقَارِنَةِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ تَلُوكَ] مِنْ لَاكَ اللُّقْمَةَ مِنْ بَابِ قَالَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ تَمْضُغَ] مِنْ بَابِ قَتَلَ وَنَفَعَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ [قَوْلُهُ: وَتُنَعِّمَهُ] بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْعَيْنِ الْمَكْسُورَةِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ تُبَالِغَ مِنْ مَضْغِهِ.
. . إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَضْغًا مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ وَأَنَّهُ ضَمَّنَ تُنَعِّمَ مَعْنَى تُبَالِغَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ تُنَعِّمَهُ تَنْعِيمَ مَضْغٍ أَيْ تَنْعِيمًا مَنْسُوبًا لِلْمَضْغِ لِأَنَّهُ نَاشِئٌ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: أَبْلَغُ] أَيْ أَعْظَمُ فِي اللَّذَّةِ أَيْ فِي حَالِ الِابْتِلَاعِ.
وَقَوْلُهُ: أَسْهَلُ أَيْ أَشَدُّ سُهُولَةً أَيْ بَعْدَ الِابْتِلَاعِ.
[قَوْلُهُ: فِي تَرْكِ ذَلِكَ إذَايَةٌ فِي بَلْعِهِ] أَيْ فِي تَرْكِ التَّنْعِيمِ إذَايَةٌ فِي بَلْعِهِ نَاظِرٌ لِلْأَوَّلِ.
وَقَوْلُهُ: وَتَتَأَذَّى الْمَعِدَةُ مِنْهُ نَاظِرٌ لِلثَّانِي إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا يُنَافِي قَضِيَّةَ التَّفْضِيلِ فِي أَبْلَغُ وَأَسْهَلُ، نَعَمْ لَوْ قَالَ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيهِ اللَّذَّةُ وَالسُّهُولَةُ عَلَى الْمَعِدَةِ لَوَافَقَ وَلَمْ يُخَالِفْ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ الْآدَابِ] أَيْ اللَّاحِقَةِ.
[قَوْلُهُ: بِالْمَضْمَضَةِ وَالسِّوَاكِ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَالْمَضْمَضَةِ وَنَحْوِهِمَا، فَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْأَدَبَ يَحْصُلُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لَكِنْ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ السِّوَاكَ يُحْتَاجُ مَعَهُ لِلْمَضْمَضَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْغَسْلَ مَطْلُوبٌ سَوَاءٌ أَرَادَ الصَّلَاةَ أَمْ لَا إلَّا أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ أَفَادَهُ التَّحْقِيقُ.
[قَوْلُهُ: لِدَفْعِ مَا يَتَّقِي.
. . إلَخْ] هَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي نَدْبَ

أَنَّك (إنْ غَسَلْت يَدَك) بَعْدَ الْمَسْحِ الْوَاقِعِ بَعْدَ اللَّعْقِ (مِنْ الْغَمَرِ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ الْوَدَكُ (وَ) مِنْ (اللَّبَنِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (فَحَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ لَمْ يَغْسِلْهُ وَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» . وَأَمَّا مَا لَا دَسَمَ فِيهِ فَلَا يَغْسِلُ مِنْهُ (وَ) مِنْهَا أَنَّك (تُخَلِّلُ) أَيْ تُزِيلُ (مَا تَعَلَّقَ بِأَسْنَانِك) أَيْ تَدَاخَلَ بَيْنَهَا (مِنْ الطَّعَامِ) لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِذَلِكَ.

(وَنَهَى الرَّسُولُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالشِّمَالِ) هَذَا النَّهْيُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ يَمِينٌ (وَ) مِنْ آدَابِ الشُّرْبِ إذَا كُنْت بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ أَنَّك (تُنَاوِلُ إذَا شَرِبْت مَنْ عَلَى يَمِينِك) أَوَّلًا، ثُمَّ مَنْ عَلَى يَسَارِك لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ

[حاشية العدوي]

التَّنَظُّفِ، وَلَوْ كَانَ الطَّعَامُ لَا دَسَمَ لَهُ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ فَاهُ وَقَالَ: إنَّ فِيهِ دَسَمًا» يَقْتَضِي أَنَّ مَا لَا دَسَمَ فِيهِ لَا يُنْدَبُ تَنْظِيفُهُ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ الْآدَابِ] أَيْ اللَّاحِقَةِ.
[قَوْلُهُ: بِفَتْحٍ.
. . إلَخْ] احْتِرَازٌ عَنْ مَضْمُومِ الْغَيْنِ سَاكِنِ الْمِيمِ فَهُوَ الرَّجُلُ الْجَاهِلُ، وَعَنْ مَكْسُورِ الْغَيْنِ فَهُوَ الْحِقْدُ، وَعَنْ مَفْتُوحِ الْغَيْنِ سَاكِنِ الْمِيمِ فَهُوَ السَّتْرُ، نَحْوُ غَمَرَ الْمَاءُ الْأَرْضَ غَمْرًا سَتَرَهَا.
[قَوْلُهُ: الْوَدَكُ.
. . إلَخْ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْوَدَكُ بِفَتْحَتَيْنِ دَسَمُ اللَّحْمِ وَالشَّحْمِ وَهُوَ مَا يَتَحَلَّبُ مِنْ ذَلِكَ اهـ. وَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَعَطْفُ اللَّبَنِ عَلَى مَا قَبْلَهُ مُغَايِرٌ.
[قَوْلُهُ: وَأَصَابَهُ شَيْءٌ] أَيْ خَبَلٌ أَوْ مَسٌّ مِنْ الْجِنِّ أَوْ بَرَصٌ كَمَا وَرَدَ بَلْ وَخَيْرُ مَا فَسَّرْته بِالْوَارِدِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ: فَأَصَابَهُ إيذَاءٌ مِنْ الْهَوَامِّ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْهَوَامَّ وَذَوَاتَ السَّمُومِ رُبَّمَا تَقْصِدُ رَائِحَةَ الطَّعَامِ فَتُؤْذِيهِ وَهَذَا لَا يُنَاسِبُ الْمَرْوِيَّ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَا لَا دَسَمَ فِيهِ] أَيْ كَالْعَدَسِ وَالتَّمْرِ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ غَسْلُ يَدِهِ مِنْهُ، فَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذَا أَكَلَ مَا لَا دَسَمَ فِيهِ يَمْسَحُ كَفَّهُ بِبَاطِنِ قَدَمِهِ.
[قَوْلُهُ: لِأَمْرِهِ عَلَيْهِ.
. . إلَخْ] لِمَا خَرَّجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مَرْفُوعًا: «نَقُّوا أَفْوَاهَكُمْ بِالْخِلَالِ فَإِنَّهَا مَجَالِسُ الْمَلَائِكَةِ» وَلَيْسَ شَيْءٌ أَضَرَّ عَلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ بَقَايَا الطَّعَامِ بَيْنَ الْأَسْنَانِ وَلَك أَنْ تَأْكُلَ مَا يَخْرُجُ مِنْ التَّخْلِيلِ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ لِأَنَّهُ يَصِيرُ نَجَسًا.
ق: هَكَذَا قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ: نَجَاسَةُ مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ لَيْسَتْ بِمُجَرَّدِ تَغَيُّرِهِ بَلْ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ مُخَالَطَتِهِ لِشَيْءٍ مِنْ دَمِ اللِّثَاتِ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ لَا يَجُوزُ بَلْعُهُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ تت وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ أَيْضًا: وَيَجُوزُ التَّخْلِيلُ بِمَا يَجُوزُ بِهِ السِّوَاكُ وَلَا يَكُونُ بِمَا لَا يَجُوزُ بِهِ السِّوَاكُ.

[قَوْلُهُ: وَنَهَى الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ الْأَكْلِ.
. . إلَخْ] فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ قَالَ قَبْلَ هَذَا وَتَتَنَاوَلُ بِيَمِينِك فَإِذَا أَمَرَهُ بِالْمُنَاوَلَةِ بِالْيَمِينِ فَقَدْ نَهَى عَنْ الْمُنَاوَلَةِ بِالشِّمَالِ، وَإِنَّمَا زَادَ هُنَا نَهَى الرَّسُولُ أَيْ لِيُفِيدَ أَنَّهُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ لَا خِلَافُ الْأَوْلَى.
[قَوْلُهُ: فِي حَقِّ مَنْ لَهُ يَمِينٌ] فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَمِينٌ فَبِشِمَالِهِ.
[قَوْلُهُ: إذَا شَرِبْت.
. . إلَخْ] مِثْلُهُ الطَّعَامُ وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا إذَا أَذِنَ مَنْ عَلَى الْيَمِينِ أَنْ يُعْطِيَ لِمَنْ عَلَى يَسَارِهِ جَازَ لِأَنَّهُ تَرَكَ حَقَّهُ، وَيُعْطِي السَّاقِي بَدْءًا لِلْفَاضِلِ ثُمَّ لِمَنْ عَلَى يَمِينِهِ ثُمَّ يَأْتِي عَلَى آخِرِهِمْ، وَإِنْ تَسَاوَوْا فِي الْفَضْلِ بَدَأَ بِيَمِينِ مَنْ عَلَى يَمِينِ السَّاقِي.
[قَوْلُهُ: مَنْ عَلَى يَمِينِك] وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا بَلْ وَلَوْ كَافِرًا، فَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَى يَمِينِهِ صَائِمًا كَانَ لِمَنْ كَانَ عَلَى يَمِينِهِ وَهَكَذَا وَلَيْسَ لِمَنْ عَلَى يَمِينِهِ أَنْ يُؤْثِرَ غَيْرَهُ.
[قَوْلُهُ: أُتِيَ] بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَهُوَ فِي دَارِ أَنَسٍ.
وَقَوْلُهُ: بِلَبَنٍ أَيْ حُلِبَ مِنْ شَاةٍ دَاجِنٍ.
وَقَوْلُهُ: شِيبَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ خُلِطَ.
وَقَوْلُهُ: بِمَاءٍ أَيْ مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي فِي دَارِ أَنَسٍ.
وَقَوْلُهُ: عَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ لَمْ يُسَمَّ، وَزَعْمُ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ خَطَأٌ وَاضِحٌ كَمَا بَيَّنُوهُ.
وَقَوْلُهُ: الْأَيْمَنَ ضُبِطَ بِالنَّصْبِ.
عَلَى تَقْدِيرِ: أَعْطِ الْأَيْمَنَ وَبِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ: الْأَيْمَنُ أَحَقُّ.
قَالَهُ الْكَرْمَانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَرُجِّحَ الرَّفْعُ لِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ: «الْأَيْمَنُونَ الْأَيْمَنُونَ» . قَالَ أَنَسٌ: فَهِيَ سُنَّةٌ أَيْ تَقْدِمَةُ الْأَيْمَنِ وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي يَعْلَى بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَسْقَى قَالَ: ابْدَءُوا بِالْكُبَرَاءِ.
أَوْ قَالَ: بِالْأَكَابِرِ» . فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى جِهَةِ يَمِينِهِ أَحَدٌ بَلْ كَانُوا كُلُّهُمْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ: وَفِيهِ أَنَّ خَلْطَ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ لِلشُّرْبِ جَائِزٌ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَغِشٌّ، وَأَنَّ الْمَجْلِسَ عَنْ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ سَوَاءٌ إذْ لَوْ

بِمَاءٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ وَعَنْ يَسَارِهِ الصِّدِّيقُ فَشَرِبَ، ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ، وَقَالَ: الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ» .

وَمِنْ الْآدَابِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُنْهَى) بِمَعْنَى وَنُهِيَ (عَنْ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْكِتَابِ) رَوَى حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ الثَّلَاثَةِ الْبِرَازُ وَغَيْرُهُ وَهُوَ فِي الْأَوَّلَيْنِ لِمَا يُتَّقَى مِنْ الْقَذَرِ، وَفِي الثَّالِثِ لِحُرْمَتِهِ (وَ) كَذَلِكَ نُهِيَ نَهْيَ تَحْرِيمٍ (عَنْ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحَيْنِ «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» . وَأَلْحَقَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ سَائِرَ الِاسْتِعْمَالَاتِ (وَلَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ قَائِمًا) لِمَا صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ قَائِمًا» ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا» وَفَعَلَهُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَكَرِهَهُ قَوْمٌ لِأَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِيهَا نَظَرٌ.

(وَلَا يَنْبَغِي لِمَنْ أَكَلَ الْكُرَّاثَ)

[حاشية العدوي]

كَانَ الْفَضْلُ لِلْيَمِينِ لَمَا آثَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - الْأَعْرَابِيَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ.
وَقِيلَ: كَانَ الْأَعْرَابِيُّ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ، فَلِذَا جَلَسَ عَلَى يَمِينِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَبَقَ أَبَا بَكْرٍ فَفِيهِ أَنَّ مَنْ سَبَقَ إلَى مَكَان مِنْ مَجْلِسِ الْعِلْمِ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَأَنَّهُ لَا يُقَامُ أَحَدٌ مِنْ مَحَلِّهِ لِغَيْرِهِ وَإِنْ أَفْضَلَ مِنْهُ، هَذَا مَا قَالَهُ شَارِحُ الْمُوَطَّأِ.
أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى يَمِينِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا الْأَعْرَابِيُّ فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " فَالْأَيْمَنَ " أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ تَعَدُّدِ مَنْ عَلَى الْيَمِينِ.

[قَوْلُهُ: وَنُهِيَ عَنْ النَّفْخِ] أَيْ نَهْيَ كَرَاهَةٍ.
[قَوْلُهُ: فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ] ق: ظَاهِرُهُ: سَوَاءٌ كَانَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ فِي الْأَوَانِي أَوْ فِي يَدِهِ.
وَقَالَ الزَّنَاتِيُّ: إنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَ فِي الْأَوَانِي.
[قَوْلُهُ: وَالْكِتَابِ] الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مُطْلَقُ الْكِتَابِ فِقْهًا أَوْ حَدِيثًا أَوْ كِتَابًا كَتَبَهُ لِغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: رَوَى حَدِيثَ النَّهْيِ.
. . إلَخْ] أَتَى بِهِ الشَّارِحُ تَبَعًا لِ (د) دَفْعًا لِاعْتِرَاضِ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ النَّفْخِ فِي الثَّلَاثَةِ انْفَرَدَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ وَلَمْ يُوجَدْ لِغَيْرِهِ، لَكِنَّ الَّذِي نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ وك عَنْ الْبَزَّارِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ» وَقَدْ نَقَلَهُ السُّيُوطِيّ عَنْ أَحْمَدَ كَمَا نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ وَالْفَاكِهَانِيُّ فَالِاعْتِرَاضُ بَاقٍ.
[قَوْلُهُ: لِمَا يُتَّقَى مِنْ الْقَذَرِ] وَهُوَ رِيقُهُ أَيْ وَهُوَ إهَانَةٌ لِلطَّعَامِ، وَعَلَيْهِ فَيُكْرَهُ النَّفْخُ وَإِنْ أَكَلَ وَحْدَهُ بَارِدًا أَوْ حَارًّا، سَوَاءٌ مَا قَلَّ وَمَا جَلَّ أَوْ هُوَ يُؤْذِي غَيْرَهُ لِكَوْنِهِ سُمًّا، وَعَلَيْهِ فَمَحَلُّ النَّهْيِ إذَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَهُمَا قَوْلَانِ تَحْتَمِلُهُمَا عِبَارَتُهُ.
[قَوْلُهُ: وَفِي الثَّالِثِ لِحُرْمَتِهِ] أَيْ شَرَفِهِ.
وَقِيلَ: خَوْفَ مَحْوِهِ أَوْ خَوْفَ التَّفَاؤُلِ بِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ إذَا كَانَ مُرْسَلًا لِلْغَيْرِ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ قَصَدَ تَجْفِيفَهُ، وَالْمَطْلُوبُ التَّتْرِيبُ بَدَلَ النَّفْخِ «فَقَدْ كَتَبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كِتَابَيْنِ وَتَرَّبَ أَحَدَهُمَا وَتَرَكَ الْآخَرَ» ، فَحَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْمُتَرَّبِ دُونَ غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: عَنْ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ] بَلْ الْأَكْلِ وَسَائِرِ الِاسْتِعْمَالَاتِ، وَرُبَّمَا أَشْعَرَ مَنْعُ الشُّرْبِ بِمَنْعِ الِاقْتِنَاءِ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ لِلشُّرْبِ فِيهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْجَوَازُ، وَيَجُوزُ الشُّرْبُ فِي أَوَانِي النُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَالْحَدِيدِ، وَفِي الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ كَالْيَوَاقِيتِ وَالْجَوَاهِرِ قَوْلَانِ بِالْمَنْعِ وَالْجَوَازِ وَمَنْ حَضَرَتْهُ صَلَاةٌ وَمَعَهُ آلَةُ اسْتِسْقَاءٍ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا لَهُمْ] أَيْ لِلْكُفَّارِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ.
وَقَوْلُهُ: فِي الدُّنْيَا أَيْ يَسْتَعْمِلُونَهَا مُخَالَفَةً لِلْمُسْلِمِينَ.
وَقَوْلُهُ: وَلَكُمْ أَيْ مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ تَسْتَعْمِلُونَهَا فِي الْآخِرَةِ مُكَافَأَةً لَكُمْ عَلَى تَرْكِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُمْنَعُهَا أُولَئِكَ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ بِاسْتِعْمَالِهَا كَذَا قَرَّرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَهَلْ حُرْمَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَعَيْنِهِمَا أَوْ لِلسَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ قَوْلَانِ، وَفُهِمَ مِنْ حُرْمَتِهِمَا حُرْمَةُ الِاسْتِئْجَارِ لِفِعْلِهِمَا وَأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى صِيغَتِهِمَا وَعَدَمُ الْغُرْمِ عَلَى كَاسِرِ ذَلِكَ كَآلَاتِ الْمَلَاهِي.
[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ] أَيْ وَكَذَا الْأَكْلُ إلَّا أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي جَوَازِهِ قَائِمًا.
[قَوْلُهُ: وَفَعَلَهُ] أَيْ الشُّرْبَ قَائِمًا.
[قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ] أَيْ جَمَاعَةٌ هُمْ الْفُقَهَاءُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ أَكْثَرَهُمْ لَا كُلَّهُمْ وَأَرَادَ لَا بِقَيْدِ الْمَذْهَبِ.
[قَوْلُهُ: لِأَحَادِيثَ] فَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدُكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ» . [قَوْلُهُ: فِيهَا نَظَرٌ] أَيْ بَحْثٌ أَيْ لَمْ تُسَلَّمْ صِحَّتُهَا.
وَلَا حُسْنُهَا، فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي إسْنَادِهِ عَمْرُو بْنُ حَمْزَةَ الْعُمْرِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ النَّهْيَ عَنْهُ عَلَى حَالِ

بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا (أَوْ الثُّومَ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَيُقَالُ بِالْفَاءِ عِوَضًا عَنْهَا (أَوْ الْبَصَلَ) بِفَتْحِ الصَّادِ (نِيئًا) بِكَسْرِ النُّونِ وَالْمَدِّ وَالْهَمْزِ وَيُرْوَى بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ غَيْرَ مَطْبُوخٍ (أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ) الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ يَعْنِي كُلَّ مَسْجِدٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ عَلَى مَا قَالَ ج: أَنَّ دُخُولَهُ مَكْرُوهٌ لَا مُحَرَّمٌ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.

(وَ) مِنْ الْآدَابِ أَنَّهُ (يُكْرَهُ أَنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا) لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا» وَصِفَةُ الْإِتْكَاءِ أَنْ يَمِيلَ عَلَى مِرْفَقِهِ الْأَيْسَرِ، وَجَاءَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَضَعُ إحْدَى فَخِذَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَإِحْدَى سَاقَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى كَمَا يَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ وَيَأْكُلُ وَيَقُولُ: أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ وَآكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ» . (وَ) مِنْ الْآدَابِ أَنَّهُ (يُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (الْأَكْلُ مِنْ رَأْسِ الثَّرِيدِ) لِمَا صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ فَقَالَ: كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا وَلَا

[حاشية العدوي]

الْمَشْيِ.

[قَوْلُهُ: أَوْ الثُّومَ أَوْ الْبَصَلَ] وَأُلْحِقَ بِهِمَا الْفُجْلُ وَمَنْ بِفَمِهِ بَخَرٌ أَوْ بِجَسَدِهِ جُرْحٌ مُنْتِنٌ.
[قَوْلُهُ: نِيئًا] وَأَمَّا مَنْ أَكَلَ الْمَطْبُوخَ بِالْخَلِّ وَالْمُخَلَّلَ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ حُضُورِ الْمَسَاجِدِ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا.
[قَوْلُهُ: بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ] وَحَكَى قُطْرُبٌ تَخْفِيفَهَا.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي كُلَّ مَسْجِدٍ] أَيْ فَأَلْ لِلْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ وُجُودُهُ فِي جَمِيعِ أَفْرَادِهِ فَلَا يُنَافِي التَّعْبِيرَ بِكُلٍّ الَّتِي هِيَ صِيغَةُ الِاسْتِغْرَاقِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَسْجِدَ خُطْبَةٍ أَمْ لَا، وَكَذَا مُصَلَّى عِيدٍ وَجَنَائِزَ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ أَنَّهَا مِنْ الْمَسْجِدِ وَكَذَا حَلَقُ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ وَالْوَلَائِمِ وَنَحْوِهَا كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ] أَيْ لِقَوْلِهِ وَلَا يَنْبَغِي.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ] أَيْ مِنْ مَالِكٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ ارْتِضَاؤُهُ إلَّا أَنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ رَجَّحَ الْحُرْمَةَ، وَحَمَلَ ابْنُ عُمَرَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ بِتَجَوُّزٍ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» . وَأَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ السُّوقِ وَقِيلَ بِالْكَرَاهَةِ لِأَنَّهُ نَقْصُ مُرُوءَةٍ.

[قَوْلُهُ: يُكْرَهُ أَنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا] أَيْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَهِيَ مَتَى أُطْلِقَتْ إنَّمَا تَنْصَرِفُ لِلتَّنْزِيهِ.
[قَوْلُهُ: لَا آكُلُ] إمَّا إخْبَارٌ بِعَدَمِ الْأَكْلِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَوْ الْمُرَادُ لَا يَجُوزُ لِي أَنْ آكُلَ مُتَّكِئًا.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَمِيلَ عَلَى مَرْفِقِهِ الْأَيْسَرِ] أَيْ بِأَنْ يَبْسُطَ الْفَخِذَ الْيُسْرَى وَيَرْكَنَ فِيهَا الْمَرْفِقَ الْيُسْرَى، وَيَعْتَمِدَ عَلَيْهَا، وَالْفَخِذُ الْيُمْنَى قَائِمَةٌ وَفِي الِاتِّكَاءِ قَوْلَانِ آخَرَانِ، أَحَدُهُمَا: التَّرَبُّعُ وَهُوَ لِلْخَطَّابِيِّ، ثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ لِشِقٍّ، وَالِاتِّكَاءُ بِالْأَوْجُهِ الثَّلَاثِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَا يُنْهَى عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ كَابًّا رَأْسَهُ عَلَى الطَّعَامِ.
[قَوْلُهُ: وَجَاءَ أَنَّهُ عَلَيْهِ.
. . إلَخْ] أَيْ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَفْعَلَ كَفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ جُلُوسَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا كَانَ كَجُلُوسِ الْمُسْتَوْفِزِ.
وَقَالَ: «إنَّمَا أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ» وَرُوِيَ أَنَّهُ «أُهْدِيَ لَهُ شَاةٌ فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَأْكُلُ، فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟ قَالَ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا» فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقَعُ مِنْهُ كُلٌّ مِنْهُمَا.
وَلِبَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ مَا نَصُّهُ: أَحْسَنُ الْجِلْسَاتِ لِلْأَكْلِ الْإِقْعَاءُ عَلَى الْوَرِكَيْنِ وَنَصْبُ الرُّكْبَتَيْنِ يَعْنِي الَّذِي هُوَ الْمُسْتَوْفِزُ، ثُمَّ الْجُثِيُّ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ وَظُهُورُ الْقَدَمَيْنِ ثُمَّ نَصْبُ رِجْلِهِ الْيُمْنَى، وَالْقُعُودُ عَلَى الْيُسْرَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
وَلِصَاحِبِ الْمَدْخَلِ وَالْجُلُوسُ عَلَى الطَّعَامِ عَلَى ثَلَاثِ هَيْئَاتٍ.
الْأُولَى: أَنْ يُقِيمَ رُكْبَتَهُ الْيُمْنَى وَيَضَعَ الْيُسْرَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَيْهَا.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يُقِيمَهُمَا مَعًا.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَجْلِسَ كَجُلُوسِهِ لِلصَّلَاةِ انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُوَ الثَّالِثَةُ فِي كَلَامِهِ وَالْمُخَالَفَةُ بَيْنَ كَلَامِ صَاحِبِ الْمَدْخَلِ وَقَوْلِ شَارِحِ خَلِيلٍ فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا هُوَ بَيِّنٌ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ كُلًّا حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ الْآخَرُ.
[قَوْلُهُ: كَمَا يَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ لَيْسَتْ كَالْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ] أَيْ لِأَنَّ صِفَةَ الْعَبْدِ الرِّقُّ وَالْخُضُوعُ وَالِانْكِسَارُ لِرُؤْيَتِهِ أَنَّ السِّيَادَةَ لِغَيْرِهِ لَا لَهُ.
[قَوْلُهُ: وَآكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ] أَيْ مِنْ الْأَكْلِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ لَا بِأُصْبُعَيْنِ الَّذِي هُوَ أَكْلُ الْمُتَكَبِّرِينَ، فَفِي الْإِحْيَاءِ الْأَكْلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ الْأَكْلُ بِأُصْبُعٍ مِنْ الْمَقْتِ وَبِأُصْبُعَيْنِ مِنْ الْكِبْرِ وَبِثَلَاثٍ مِنْ السُّنَّةِ وَبِأَرْبَعٍ وَخَمْسٍ مِنْ الشَّرَهِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «الْأَكْلُ بِأُصْبُعٍ أَكْلُ تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ عَلَى وَسَطِهَا» . وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّفْحَةِ وَلَكِنْ يَأْكُلُ مِنْ أَسْفَلِهَا فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا» . فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْخِ الْكَرَاهَةَ بِالثَّرِيدِ لَا مَفْهُومَ لَهُ (وَنَهَى عَنْ الْقِرَانِ) أَيْ الِازْدِوَاجُ (فِي التَّمْرِ) أَشَارَ بِهِ إلَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ» ، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ شُعْبَةَ لَا أَرَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ أَيْ الِاسْتِئْذَانَ إلَّا مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ (وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ) النَّهْيَ عَنْ الْقِرَانِ فِي التَّمْرِ إنَّمَا هُوَ (مَعَ الْأَصْحَابِ الشُّرَكَاءِ فِيهِ) ع: هَذَا تَفْسِيرٌ لِعُمُومِ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ ق: وَالنَّهْيُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ إنْ عَلَّلْنَا بِسُوءِ الْأَدَبِ، وَإِنْ عَلَّلْنَا بِالِاسْتِبْدَادِ وَكَانَ الْقَوْمُ شُرَكَاءَ بِشِرَاءٍ أَوْ مُطْعِمِينَ كَانَ النَّهْيُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ.
وَقَوْلُهُ: فِي التَّمْرِ يُرِيدُ وَكَذَلِكَ سَائِرُ

[حاشية العدوي]

الشَّيْطَانِ وَبِأُصْبُعَيْنِ أَكْلُ الْجَبَابِرَة وَبِالثَّلَاثِ أَكْلُ الْأَنْبِيَاءِ» . [قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ.
. . إلَخْ] الْبَرَكَةُ الزِّيَادَةُ وَالنَّمَاءُ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَنَقُولُ: تِلْكَ الْبَرَكَةُ أَجْزَاءٌ مِنْ نَوْعِ الطَّعَامِ تَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ لِكَوْنِهَا مَحَلَّ نُزُولِ الرَّحَمَاتِ.
فَتَقُومُ بِالْأَعْلَى كَمَا هُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَوْ تَجُوزُ بِاللَّفْظِ عَنْ حُصُولِهَا فِيهِ وَالسِّرُّ فِيهِ الْإِشَارَةُ إلَى تَحْقِيقِ هَذَا الزَّائِدِ وَكَأَنَّهُ أَمْرٌ مُتَعَيَّنٌ أَوْ أَنَّ مَنْ يُمْنِي عَنْ أَيْ أَنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ عَنْ أَعْلَاهَا وَتَحِلُّ فِي جَوَانِبِهَا، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ فَقَالَ: كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ عَنْ وَسَطِهَا وَتَحِلُّ فِي جَوَانِبِهَا» . وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْأَعْلَى مَا دَامَ بَاقِيًا تَنْزِلُ الْبَرَكَةُ فَإِذَا أُزِيلَ ذَلِكَ الْأَعْلَى يَنْقَطِعُ نُزُولُ الْبَرَكَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّهُ هُنَاكَ شَيْءٌ حِسِّيٌّ يَقُومُ بِالْأَعْلَى، وَمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهَا أَجْزَاءٌ حِسِّيَّةٌ هُوَ الظَّاهِرُ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنْ سُرْعَةِ إيجَادِ الشِّبَعِ فِي الْأَكْلِ مَا دَامَ الْأَعْلَى بَاقِيًا فَلَا يَحْتَاجُ الْآكِلُ فِي شِبَعِهِ إلَى كَثْرَةِ مَا يُدْخِلُهُ جَوْفَهُ مِنْ الطَّعَامِ.
[قَوْلُهُ: فَبَانَ بِهَذَا] أَيْ بِقَوْلِهِ: فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الثَّرِيدَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنْ ثَرَدْت الْخُبْزَ ثَرْدًا مِنْ بَابِ قَتَلَ عِبَارَةٌ عَمَّا يُفَتُّ مِنْ الْخُبْزِ ثُمَّ يُبَلُّ بِالْمَرَقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَحْمٌ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ وَشَرْحُ الشَّمَائِلِ بَلْ حَتَّى الرَّغِيفِ كَمَا قَالَهُ ق. لَا يَبْتَدِئُ أَكْلَهُ مِنْ وَسَطِهِ وَيَقْسِمُهُ بِالْيَدِ أَجْزَاءً يَجْعَلُ فِي كُلِّ جُزْءٍ حَاشِيَةً إنْ أَمْكَنَهُ وَيُكْثِرُ أَجْزَاءَهُ إنْ كَانَ أَكَلَهُ جَمَاعَةٌ وَلَا يَقْسِمُهُ بِالْخِنْجَرِ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ، وَالسُّنَّةُ فِي اللَّحْمِ أَنْ يُؤْكَلَ بَعْدَ الطَّعَامِ وَالسُّنَّةُ فِي أَكْلِهِ النَّهْشُ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْإِدَامِ.
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُ إدَامِكُمْ اللَّحْمُ» وَقَالَ: «سَيِّدُ إدَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ» . انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: أَيْ الِازْدِوَاجِ] أَيْ بِأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ فِي الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ بَلْ الْأَدَبُ أَكْلُ كُلِّ تَمْرَةٍ وَحْدَهَا.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَقْرُنَ] مِنْ بَابِ قَتَلَ وَمِنْ بَابِ ضَرَبَ، أَيْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - نَهَى الشَّخْصَ عَنْ الْقِرَانِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ.
. . إلَخْ.
[قَوْلُهُ: حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ] أَيْ الْجِنْسَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْآكِلُ مَعَهُ وَاحِدًا فَقَطْ، وَالْمُرَادُ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ وَيَأْذَنُوا أَيْ أَوْ يَأْذَنُوا ابْتِدَاءً.
[قَوْلُهُ: لَا أَرَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ] أَيْ الِاسْتِئْذَانَ لَعَلَّ الْبَاعِثَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ كَوْنُ غَيْرِ ابْنِ عُمَرَ مِمَّنْ أُخِذَ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَذْكُرْهَا، وَأَرَادَ بِالْكَلِمَةِ الْجُمْلَةَ وَقَوْلُهُ أَيْ الِاسْتِئْذَانَ أَيْ دَالَّةٌ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ] ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ هَذَا النَّهْيَ عَامٌّ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَمُقَابِلُهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ.
. . إلَخْ مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ شَهَّرَ غَيْرَ الْقَوِيِّ وَضَعَّفَ مَا كَانَ غَايَةً فِي الْقُوَّةِ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ احْتَاجَ الشَّارِحُ إلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ: هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْعُمُومِ الْأَوَّلِ بِمَعْنَى أَنَّ الْعُمُومَ الْأَوَّلَ لَا يُؤْخَذُ عَلَى عُمُومِهِ بَلْ يُخَصُّ إذَا كَانَ مَعَ الْأَصْحَابِ الشُّرَكَاءُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَوْنَهُ تَفْسِيرًا غَيْرُ ظَاهِرٍ مِنْ الْمُصَنِّفِ، وَالْحَاصِلُ لَهُ عَلَى ارْتِكَابِهِ إنَّمَا هُوَ لِجَرَيَانِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْمَشْهُورِ [قَوْلُهُ: وَالنَّهْيُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ] أَيْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ النَّهْيُ لِلْأَدَبِ أَوْ لِئَلَّا يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ النَّهْيُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ وَعَلَى الثَّانِي لِلْحُرْمَةِ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَإِنْ عَلَّلْنَا بِالِاسْتِبْدَادِ فِيهِ شَيْءٌ لِأَنَّ الِاسْتِبْدَادَ لَيْسَ هُوَ الْعِلَّةَ فِي النَّهْيِ بَلْ الْعِلَّةُ فِي النَّهْيِ مَا قُلْنَا.
[قَوْلُهُ: وَكَانَ الْقَوْمُ] أَيْ الْآكِلُونَ.
[قَوْلُهُ: بِشِرَاءٍ] لَا مَفْهُومَ لِلشِّرَاءِ بَلْ مِثْلُهُ غَيْرُهُ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ مُطْعَمِينَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مَعْطُوفٌ

الْأَطْعِمَةِ وَالْفَوَاكِهِ (وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ) أَيْ بِقِرَانِ التَّمْرِ وَنَحْوِهِ إذَا أَكَلْته (مَعَ أَهْلِك) ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَك أَنْ تَسْتَبِدَّ بِشَيْءٍ دُونَهُمْ (أَوْ) أَكَلْته (مَعَ قَوْمٍ تَكُونُ أَنْتَ أَطْعَمْتهمْ) وَهَذَا عَلَى التَّعْلِيلِ بِالِاسْتِبْدَادِ، وَأَمَّا عَلَى التَّعْلِيلِ بِسُوءِ الْأَدَبِ فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ هُنَا، وَهَذَا أَيْضًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ عَلَى مِلْكِ رَبِّهِ أَكَلُوهُ وَإِنَّمَا مَلَكُوا مِنْهُ مَا أَكَلُوا خَاصَّةً (وَلَا بَأْسَ فِي التَّمْرِ وَشِبْهِهِ) كَالزَّبِيبِ (أَنْ تَجُولَ) أَيْ تُرْسِلَ (بِيَدِك فِي الْإِنَاءِ) الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْمَأْكُولُ يَمِينًا وَشِمَالًا (لِتَأْكُلَ مَا) أَيْ الَّذِي (تُرِيدُ مِنْهُ) وَقَدْ وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِذَلِكَ.

(وَلَيْسَ غَسْلُ الْيَدِ قَبْلَ) أَكْلِ (الطَّعَامِ مِنْ السُّنَّةِ) بَلْ مَكْرُوهٌ عَلَى الْمَشْهُورِ مَالِكٌ: وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْغَسْلُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ وَبَعْدَهُ.
يَنْفِي اللَّمَمَ» (إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهَا) أَيْ الْيَدِ (أَذًى) أَيْ نَجَسٌ فَيَجِبُ غَسْلُهَا إكْرَامًا لِلطَّعَامِ.
وَفِي قَوْلِهِ: (وَلْيَغْسِلْ يَدَهُ وَفَاهُ بَعْدَ الطَّعَامِ مِنْ

[حاشية العدوي]

عَلَى قَوْلِهِ بِشِرَاءٍ، وَالتَّقْدِيرُ وَكَانَ الْقَوْمُ شُرَكَاءَ إمَّا بِالشِّرَاءِ أَيْ بِسَبَبِ الشِّرَاءِ أَوْ بِسَبَبِ كَوْنِ الْغَيْرِ أَطْعَمَهُمْ، وَهَذَا إذَا اسْتَوَوْا فِي الشَّرِكَةِ، وَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَتْ الْأَنْصِبَاءُ فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ قَدْرَ حِصَّتِهِ مَا لَمْ يُفْهَمْ مِنْ صَاحِبِ الزَّائِدِ إرَادَةُ الْمُسَاوَاةِ وَإِلَّا عَمِلَ عَلَيْهَا.
وَقَوْلُنَا: أَوْ بِسَبَبٍ.
. . إلَخْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّعَامَ الْمُقَدَّمَ لِلضُّيُوفِ يَمْلِكُونَهُ بِمُجَرَّدِ التَّقْدِيمِ أَوْ بِمُجَرَّدِ الدُّخُولِ وَمُقَابِلُهُمَا لَا يَمْلِكُونَهُ إلَّا بِالْأَكْلِ، وَعَلَى كُلِّ الْأَقْوَالِ لَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْ الضُّيُوفِ أَنْ يُعْطِيَ أَحَدًا شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِالْأَكْلِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ بِنَاءً عَلَى مِلْكِهِ بِالدُّخُولِ أَوْ التَّقْدِيمِ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ سَائِرٌ.
. . إلَخْ] أَيْ فَلَا مَفْهُومَ لِلتَّمْرِ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ، وَالْمُصَنِّفُ تَبِعَ الْحَدِيثَ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَصَّ التَّمْرَ لِأَنَّهُ غَالِبُ اسْتِعْمَالِهِمْ.
[قَوْلُهُ: مَعَ أَهْلِك] أَيْ زَوْجَتِكَ وَأَوْلَادِك اللَّازِمِ لَك نَفَقَتُهُمْ لِأَنَّ الطَّعَامَ لَك وَلَا يَلْزَمُك التَّأَدُّبُ مَعَهُمْ وَإِنْ لَزِمَهُمْ لَك.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا أَيْضًا.
. . إلَخْ] وَأَمَّا عَلَى تَمَلُّكِهِمْ بِالتَّقْدِيمِ أَوْ بِالدُّخُولِ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ إلَّا بِإِذْنٍ مِنْهُمْ.
[قَوْلُهُ: الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْمَأْكُولُ] أَيْ بَيْنَك وَبَيْنَ غَيْرِك لِتَأْكُلَ مِنْهُ مَا الَّذِي تُرِيدُ.
قَالَ تت: لِاخْتِلَافِ النَّوْعِ الْوَاحِدِ بِالِانْتِهَاءِ وَغَيْرِهِ، وَأُلْحِقَ بِهِ الْأَطْعِمَةُ الْمُخْتَلِفَةُ كَعَدْسٍ وَلَحْمٍ وَأُرْزٍ فَتَأْكُلُ مِمَّا تُرِيدُهُ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ ذِكْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ وَإِذَا أَكَلْت مَعَ غَيْرِك أَكَلْت مِمَّا يَلِيك.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِذَلِكَ] بَيَّنَهُ فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ: وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ «عِكْرَاشًا أَكَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ» إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ.

[قَوْلُهُ: قَبْلَ أَكْلٍ.
. . إلَخْ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقَبْلِيَّةَ لَيْسَتْ مُضَافَةً لِلطَّعَامِ لِوُجُودِ الطَّعَامِ بَلْ لِأَكْلِهِ.
[قَوْلُهُ: بَلْ مَكْرُوهٌ] أَيْ إذَا كَانَتَا نَظِيفَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] رَدَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ حَدِيثُ سُلَيْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ إنَّهُ صَحِيحٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ الْعَمَلُ] أَيْ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَيْ وَمَذْهَبُهُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا وَذَلِكَ لِأَنَّ عَمَلَهُمْ عَلَى خِلَافِ حَدِيثِ الْمُصْطَفَى الصَّحِيحِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمُوجِبٍ، وَذَلِكَ لِكَوْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ خِلَافَ مُقْتَضَاهُ الدَّالِ عَلَى نَسْخِهِ [قَوْلُهُ: قَبْلَ الطَّعَامِ] بِفَتْحِ الطَّاءِ هُوَ لُغَةً كَالْمَطْعَمِ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُسَاغُ، وَعُرْفًا اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُؤْكَلُ كَالشَّرَابِ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُشْرَبُ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَعِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ الطَّعَامُ الْبُرُّ خَاصَّةً، وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ مَا قُصِدَ لِلطُّعْمِ اقْتِيَاتًا أَوْ تَأَدُّمًا أَوْ تَفَكُّهًا، وَأَمَّا مَا قُصِدَ لِتَدَاوٍ فَسَمَّوْهُ تَارَةً طَعَامًا نَظَرًا إلَى أَنَّهُ يُطْعَمُ أَيْ يُؤْكَلُ، وَتَارَةً غَيْرَ طَعَامٍ نَظَرًا لِلْعُرْفِ.
قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ: وَأَرَادَ بِالْقَبْلِيَّةِ عِنْدَ إرَادَتِهِ بِحَيْثُ يُنْسَبُ لَهُ عُرْفًا [قَوْلُهُ: وَبَعْدَهُ] أَيْ عَقِبَ فَرَاغِهِ مِنْ الْأَكْلِ.
[قَوْلُهُ: يَنْفِي اللَّمَمَ] طَرَفٌ مِنْ جُنُونٍ يَلُمُّ الْإِنْسَانَ مِنْ بَابِ تَعِبَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ نَجِسٌ.
. . إلَخْ] الْأَوْلَى قَذِرٌ وَلَوْ طَاهِرًا فَإِنَّهُ يُطْلَبُ غَسْلُهُ وُجُوبًا إنْ كَانَ نَجِسًا وَنَدْبًا إنْ كَانَ طَاهِرًا، وَقَدْ يَجِبُ إذَا كَانَ عَدَمُ الْغَسْلِ يُؤْذِي غَيْرَهُ كَمَنْ يَمْتَخِطُ بِيَمِينِهِ، وَأَرَادَ الْأَكْلَ بِهَا رُطَبًا أَوْ يَابِسًا حَارًّا أَوْ بَارِدًا لِامْتِهَانِ الطَّعَامِ عِنْدَ تَنَاوُلِهِ بِالْيَدِ الْقَذِرَةِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ.

الْغَمَرِ) تَكْرَارٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْيَدِ مَعَ قَوْلِهِ: وَإِنْ غَسَلْت يَدَك مِنْ الْغَمَرِ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ فَحَسَنٌ وَقَوْلِهِ وَلْيَغْسِلْ فَإِنَّ الْأَمْرَ هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (وَلْيُمَضْمِضْ فَاهُ مِنْ اللَّبَنِ) عِيَاضٌ: هُوَ سُنَّةٌ لِلْقَائِمِ لِلصَّلَاةِ مُسْتَحَبٌّ لِغَيْرِهِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - شَرِبَ لَبَنًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ فَاهُ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ لَهُ دَسَمًا» . (وَكُرِهَ غَسْلُ الْيَدِ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ) كَدَقِيقِ الْحِنْطَةِ (أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ) دَقِيقِ (الْقَطَانِيِّ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَقِيلَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ (وَكَذَلِكَ) كُرِهَ غَسْلُ الْيَدِ (بِالنُّخَالَةِ) وَهِيَ مَا يُتَخَلَّصُ بِالْغِرْبَالِ مِنْ قُشُورِ الْحِنْطَةِ (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي غَسْلِ الْيَدِ بِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى مَا تَرْجَمَ لَهُ.

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّم عَلَى مَسَائِل تَبَرُّع بِهَا فَقَالَ: (وَلْتَجِبْ) قِيلَ وُجُوبًا وَقِيلَ اسْتِحْبَابًا (إذَا دُعِيت إلَى وَلِيمَةِ الْعُرْسِ) أَيْ النِّكَاحِ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهَا (إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ لَهْوٌ مَشْهُورٌ) أَيْ مَمْنُوعٌ مِثْلُ آلَاتِ الطَّرَبِ الْمَمْنُوعَةِ (وَلَا مُنْكَرٌ بَيِّنٌ) أَيْ مَمْنُوعٌ مِثْلُ اجْتِمَاعِ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ وَفَرْشِ

[حاشية العدوي]

بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ مِنْ السُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ وَاجِبًا.
[قَوْلُهُ: وَلْيُمَضْمِضْ فَاهُ] ظَاهِرُهُ مُطْلَقُ اللَّبَنِ.
وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: الْحَلِيبُ لِأَنَّ لَهُ دَسَمًا وَيُقَوِّيهِ الْحَدِيثُ الْآتِي عَلَى الْأَثَرِ.
[قَوْلُهُ: عِيَاضٌ هُوَ سُنَّةٌ لِلْقَائِمِ لِلصَّلَاةِ] ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ مُطْلَقًا أَرَادَ الصَّلَاةَ أَوْ لَا إلَّا أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ النَّدْبُ لِمُرِيدِ الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: دَسَمًا] الدَّسَمُ الْوَدَكُ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْوَدَكِ وَانْظُرْ لِمَ لَمْ يَجْعَلْ هَذَا تَكْرَارًا مَعَ قَوْلِهِ: وَتُنَظِّفُ فَاك بَعْدَ طَعَامِك فَإِنَّ الطَّعَامَ يَشْمَلُ اللَّبَنَ وَغَيْرَهُ، وَقَدْ فَسَّرَ تَنْظِيفَهُ فِيمَا مَرَّ بِالْمَضْمَضَةِ وَالسِّوَاكِ.
[قَوْلُهُ: وَكُرِهَ غَسْلُ الْيَدِ.
. . إلَخْ] غَسْلُ الْيَدِ بِالطَّعَامِ أَنْ يُجَفِّفَ يَدَهُ بِالطَّعَامِ أَوْ يَجْعَلَ الطَّعَامَ فِي الْمَاءِ وَيُدَلِّكَ يَدَهُ بِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ دَقِيقِ الْقَطَانِيِّ] مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِأَنَّهُ مِنْهُ، وَأَفْرَدَهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ دَقِيقَهَا لَا يُؤْكَلُ إلَّا فِي الْمَسْغَبَةِ فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ خِفَّتُهَا.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ مَا يُتَخَلَّصُ] أَيْ وَأَرَادَ نُخَالَةَ الْقَمْحِ لِأَنَّ فِيهَا شَبَهًا مِنْ الطَّعَامِ، وَقَدْ تُؤْكَلُ فِي سَنِيِّ الْمَجَاعَةِ، وَأَمَّا نُخَالَةُ الشَّعِيرِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْغَسْلِ بِهَا.
[قَوْلُهُ: بِالْجَوَازِ] وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْجُلْبَانِ وَالْفُولِ وَمَا أَشْبَهَهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ وَيَتَدَلَّكَ بِهِ فِي الْحَمَّامِ، وَبِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَثِيرًا مَا كَانُوا يَمْسَحُونَ أَيْدِيَهُمْ مِنْ الطَّعَامِ بِأَقْدَامِهِمْ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْأَقْذَارِ وَالْأَوْسَاخِ.
وَقَوْلُهُ: وَالْكَرَاهَةُ أَيْ لِإِهَانَةِ الطَّعَامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ وَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ لَا فَرْقَ بَيْنَ زَمَنِ الرَّخَاءِ وَزَمَنِ الْغَلَاءِ.

[قَوْلُهُ: وَلْتُجِبْ] بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ.
[قَوْلُهُ: قِيلَ وُجُوبًا] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: إذَا دُعِيتَ] يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ وُجُوبَ الْإِجَابَةِ مَشْرُوطٌ بِالدَّعْوَةِ وَبِتَعَيُّنِ الْمَدْعُوِّ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَتَعَيُّنُهُ يَحْصُلُ بِقَوْلِ صَاحِبِ الْعُرْسِ تَحْضُرُ عِنْدَنَا وَقْتَ كَذَا، وَبِقَوْلِهِ لِشَخْصٍ اُدْعُ لِي فُلَانًا بِعَيْنِهِ أَوْ أَرْسِلْ لَهُ وَرَقَةً فِيهَا اسْمُهُ، أَوْ قَالَ لِشَخْصٍ اُدْعُ لِي أَهْلَ الْمَحَلِّ الْفُلَانِيِّ وَهُمْ مَحْصُورُونَ لَا إنْ قَالَ: اُدْعُ لِي مَنْ لَقِيت.
وَحُكْمُ الْوَلِيمَةِ النَّدْبُ عَلَى الزَّوْجِ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ذَبْحٌ وَنُدِبَ كَوْنُهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ النِّكَاحُ] تَفْسِيرٌ لِلْعُرْسِ.
قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ: وَلِيمَةُ الْعُرْسِ شَرْطٌ فَلَا يَتَأَكَّدُ الْأَمْرُ فِي غَيْرِهَا بَلْ يُكْرَهُ إجَابَةُ وَلِيمَةِ غَيْرِ الْعُرْسِ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: كَرِهَ مَالِكٌ لِأَهْلِ الْفَضْلِ إتْيَانَ طَعَامِ غَيْرِ الْعُرْسِ، وَأَرَى إنْ كَانَ الدَّاعِي صَدِيقًا أَوْ جَارًا أَوْ قَرِيبًا كَانَ طَعَامُهُ كَالْعُرْسِ وَبَحَثَ عج بِأَنْ يَقْتَضِيَ الْوُجُوبَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نَفْيُ كَرَاهَةِ الْحُضُورِ هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى عَدَمِ إجَابَةِ نَحْوِ الْقَرِيبِ عَدَاوَةٌ وَمُقَاطَعَةٌ وَإِلَّا وَجَبَتْ.
وَقَالَ ق: لَا يُقَالُ لِغَيْرِ الْعُرْسِ وَلِيمَةٌ.
[قَوْلُهُ: لِمَا فِي.
. . إلَخْ] أَيْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى وَلِيمَةِ الْعُرْسِ فَلْيَأْتِهَا» . وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، وَقَدْ وَرَدَ: «مَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» [قَوْلُهُ: أَيْ مَمْنُوعٌ] تَفْسِيرٌ لِلَّهْوِ الْمَشْهُورِ لَا أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِمَشْهُورٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَسَّرَ مَشْهُورٌ بِظَاهِرٍ بِحَيْثُ يُخَالِطُهُ الْمَدْعُوُّ وَهُوَ مِمَّا يَحْرُمُ حُضُورُهُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مَمْنُوعٌ]

الْحَرِيرِ (وَ) إنْ حَضَرْت وَكُنْت غَيْرَ صَائِمٍ فَ (أَنْتَ فِي الْأَكْلِ بِالْخِيَارِ) وَإِذَا كُنْت صَائِمًا فَلَا تَأْكُلْ وَإِنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ (وَقَدْ أَرْخَصَ مَالِكٌ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - (فِي التَّخَلُّفِ) عَنْ الْإِجَابَةِ لِوَلِيمَةِ الْعُرْسِ (لِكَثْرَةِ زِحَامِ النَّاسِ فِيهَا) ؛ لِأَنَّ فِي حُضُورِهَا حِينَئِذٍ مَشَقَّةً لَا سِيَّمَا عَلَى أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ.

[حاشية العدوي]

تَفْسِيرٌ لِلْمُنْكَرِ الْبَيِّنِ لَا أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْبَيِّنِ أَوْ مَعْنَاهُ ظَاهِرٌ بِحَيْثُ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: وَفَرْشُ الْحَرِيرِ] كَانَ الْجُلُوسُ يَحْصُلُ مِنْك أَوْ مِنْ غَيْرِك بِحَضْرَتِك، وَمِثْلُ ذَلِكَ الِاتِّكَاءُ عَلَى وَسَائِدَ مِنْهُ وَلَوْ وُضِعَ حَائِلٌ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ صُورَةً مُحَرَّمَةً، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُنْكَرٌ بَلْ كَانَ لَعِبٌ مُبَاحٌ مِنْ ضَرْبِ غِرْبَالٍ وَغِنَاءٍ خَفِيفٍ فَلَا يُبَاحُ التَّخَلُّفُ لِأَجْلِهِ وَلَوْ كَانَ الْمَدْعُوُّ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْتَ فِي الْأَكْلِ بِالْخِيَارِ] أَيْ إنْ شِئْت أَكَلْت وَإِنْ شِئْت لَمْ تَأْكُلْ، نَعَمْ يُنْدَبُ الْأَكْلُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِأَكْلِ اللُّقْمَةِ قَدْرَ الْخِيَارَةِ كَمَا فَهِمَ ذَلِكَ بَعْضُ الْقَاصِرِينَ نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُخْتَصَرِ [قَوْلُهُ: فَلَا تَأْكُلْ] أَيْ يَحْرُمُ الْأَكْلُ [قَوْلُهُ: وَإِنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ] وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إنْ أَفْطَرَ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَمْدِ الْحَرَامِ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ حُضُورُ وَلِيمَةٍ إلَّا بِإِذْنٍ، [قَوْله: لِكَثْرَةِ زِحَامٍ] وَكَذَا يُبَاحُ التَّخَلُّفُ إذَا حَضَرَ مَنْ يَتَأَذَّى بِهِ الْمَدْعُوُّ أَوْ خَصَّ الْفَاعِلُ بِهَا الْأَغْنِيَاءَ أَوْ كَانَ بِحَيْثُ إذَا جَلَسَ جَمَاعَةٌ لِلْأَكْلِ تَقِفُ جَمَاعَةٌ عَلَى رُءُوسِهِمْ يَنْظُرُونَ لَهُمْ أَوْ كَانَ الْبَابُ مَغْلُوقًا بِحَيْثُ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِإِذْنٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَلْقُ لِخَوْفٍ مِنْ طُفَيْلِيٍّ أَوْ كَانَتْ الْوَلِيمَةُ لِكَافِرٍ.

[46 - بَابٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ السَّلَامِ] (بَابٌ فِي) بَيَانِ حُكْمِ (السَّلَامِ) وَصِفَتِهِ (وَ) بَيَانِ حُكْمِ (الِاسْتِئْذَانِ) وَصِفَتِهِ (وَ) صِفَةِ (التَّنَاجِي وَ) بَيَانِ ذِكْرِ (الْقِرَانِ وَ) فِي (الدُّعَاءِ وَذِكْرِ اللَّهِ) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (وَالْقَوْلِ فِي السَّفَرِ) أَيْ مَا يَقُولُهُ إذَا أَرَادَ سَفَرًا، وَعَكَسَ فِي الْبَابِ بَعْضَ مَا تَرْجَمَ لَهُ وَبَدَأَ بِحُكْمِ رَدِّ السَّلَامِ فَقَالَ: (وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ) وُجُوبَ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ (وَالِابْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةٌ) كِفَايَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ (مُرَغَّبٌ فِيهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: 61] الْآيَةُ (وَالسَّلَامُ) أَيْ وَصِفَةُ الِابْتِدَاءِ بِهِ (أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ) أَوْ غَيْرُهُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) بِصِيغَةِ الْجَمْعِ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ لِأَنَّ

[حاشية العدوي]

[بَابٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ السَّلَامِ]

قَوْلُهُ: وَصِفَتُهُ] الْأَوْلَى أَنْ يَجْعَلَ لَفْظَ الْمُصَنِّفِ شَامِلًا لِلْحُكْمِ وَالصِّفَةِ لَا أَنَّهُ يَجْعَلُ الْمُصَنِّفَ قَاصِرًا عَلَى الْحُكْمِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا يَأْتِي [قَوْلُهُ: وَصِفَتُهُ] أَرَادَ بِهَا الْحَقِيقَةَ [قَوْلُهُ: وَصِفَةُ التَّنَاجِي] الْأَوْلَى وَحُكْمُ التَّنَاجِي.
[قَوْلُهُ: وَبَيَانُ ذِكْرِ الْقُرْآنِ] لَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ ذِكْرٍ أَيْ فِي بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرْآنِ مِنْ طَلَبٍ أَوْ تَرْكٍ أَوْ قَدْرٍ.
[قَوْلُهُ: وَفِي الدُّعَاءِ] أَيْ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ كَوْنِهِ كَذَا وَكَذَا وَفِي مَوْضِعِ كَذَا [قَوْلُهُ: وَذِكْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى] أَيْ وَفِي حُكْمِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى [قَوْلُهُ: وَعَكَسَ فِي الْبَابِ] أَيْ فَقَدَّمَ الذِّكْرَ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَالدُّعَاءِ، وَقَدَّمَ الدُّعَاءَ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَهَذَا الصُّنْعُ جَائِزٌ جَاءَ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] الْآيَةُ.
[قَوْلُهُ: وُجُوبَ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ وَعَلَى كُلٍّ لَا بُدَّ مِنْ إسْمَاعِ الْمُسَلِّمِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَقَدَّمَ حُكْمَ الرَّدِّ وَإِنْ كَانَ الْأَنْسَبُ التَّصْدِيرَ بِحُكْمِ الِابْتِدَاءِ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ اهْتِمَامًا بِشَأْنِ الْوَاجِبِ.
[قَوْلُهُ: وَالِابْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةُ كِفَايَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ فَرْضٌ: [قَوْلُهُ: مُرَغَّبٌ فِيهَا] أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، فَقَدْ جَاءَ أَنَّ مَنْ قَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، فَإِذَا قَالَ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عِشْرِينَ حَسَنَةً، وَإِذَا قَالَ: وَبَرَكَاتُهُ كَتَبَ لَهُ ثَلَاثِينَ حَسَنَةً، وَقِيلَ: إنَّهُ لَفْظٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ إذْ مَعْلُومٌ أَنَّ السُّنَّةَ مُرَغَّبٌ فِيهَا.
[قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى.
. . إلَخْ] دَلِيلٌ لِلْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ، اعْلَمْ أَنَّ التَّحِيَّةَ فِي دِينِنَا بِالسَّلَامِ فِي الدَّارَيْنِ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ: حَيَّاك اللَّهُ فَأُبْدِلَ بِهِ، وَقَوْلُهُ: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا " قُولُوا: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ إذَا قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَإِذَا قَالَ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ قُولُوا: وَبَرَكَاتُهُ، وَقَوْلُهُ: " أَوْ رُدُّوهَا " أَجِيبُوهَا بِمِثْلِهَا كَأَنْ يَقُولَ الْمُبْتَدِئُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَيَرُدُّ مِثْلَهَا وَلَا يَزِيدُ شَيْئًا.
[قَوْلُهُ: قَوْله تَعَالَى] دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ سُنَّةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا مَا يُفِيدُ خُصُوصَ السُّنَّةِ فَضْلًا عَنْ التَّرْغِيبِ [قَوْلُهُ: فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ] فَابْدَءُوا بِالسَّلَامِ عَلَى أَهْلِهَا الَّذِينَ هُمْ مِنْكُمْ دِينًا وَقَرَابَةً أَوْ بُيُوتًا فَارِغَةً، فَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ بِهَذَا الِاسْتِدْلَال فَقَوْلُهُ الْآيَةُ لَا حَاجَةَ لَهُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرُهُ] أَيْ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الرَّجُلِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فِي التَّصَرُّفِ [قَوْلُهُ: بِصِيغَةِ الْجَمْعِ] فَلَوْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك لَمْ يَكُنْ مُسَلِّمًا،

الْوَاحِدَ كَالْجَمَاعَةِ لِوُجُودِ الْحَفَظَةِ مَعَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي السَّلَامِ (وَيَقُولُ الرَّادُّ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ) بِوَاوِ التَّشْرِيكِ وَتَقْدِيمِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ (أَوْ يَقُولُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) بِتَقْدِيمِ السَّلَامِ مُنَكَّرًا بِغَيْرِ وَاوٍ وَتَأْخِيرِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ (كَمَا قِيلَ لَهُ) فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِهَذَا لِأَنَّ السَّلَامَ فِي الِابْتِدَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا مُعَرَّفًا كَمَا قَدَّمْنَا، وَاَلَّذِي فِي الذَّخِيرَةِ وَيَقُولُ الرَّادُّ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ أَوْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ كَمَا قِيلَ لَهُ (وَأَكْثَرُ مَا يَنْتَهِي السَّلَامُ إلَى الْبَرَكَةِ) كَذَا فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قَالَ فِيهِ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ سَلَفًا وَخَلَفًا، فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ غُلُوٌّ وَبِدْعَةٌ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلْيَلْزَمُكَ إذَا سَلَّمَ عَلَيْك إنْسَانٌ وَانْتَهَى فِي سَلَامِهِ إلَى الْبَرَكَةِ (أَنْ تَقُولَ فِي رَدِّك) عَلَيْهِ (وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَلَا تَقُلْ) عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ (فِي رَدِّك) عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْك (سَلَامُ اللَّهِ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ: وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ] ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْوَاحِدَ كَالْجَمَاعَةِ] أَيْ لِأَنَّ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا إلَّا أَنَّهُ كَالْجَمَاعَةِ مِنْ حَيْثُ وُجُودِ الْحَفَظَةِ مَعَهُ، لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ يَكُونُوا مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ لَا قَصْدًا وَلَا تَبَعًا، وَإِنَّمَا الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْوَاحِدُ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ جَمَاعَةٌ لِوُجُودِ الْحَفَظَةِ [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ] أَيْ فَلَوْ قَالَ: سَلَامٌ عَلَيْك فَلَا يَكْفِي هَذَا ظَاهِرُهُ، أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَحِينَئِذٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِ سَلَامِ الِابْتِدَاءِ وَالْإِتْيَانِ بِمِيمِ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ الْوَارِدُ فِي الْحَدِيثِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ.
[قَوْلُهُ: وَيَقُولُ الرَّادُّ.
. . إلَخْ] كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ فِي الرَّدِّ عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، وَلَوْ كَانَ الْمُسَلِّمُ أَتَى بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ أَوْ مَعَ زِيَادَةِ وَبَرَكَاتُهُ، وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ التَّلْقِينُ حَيْثُ قَالَ: إنْ زَادَ لَفْظُ الرَّدِّ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَوْ نَقَصَ جَازَ وَنَحْوُهُ فِي الْمَعُونَةِ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ] مُسْمِعًا لِمَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَتَكْفِي الْإِشَارَةُ إلَى الْأَصَمِّ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ إلَّا إنْ كَانَ يَفْهَمُ مِنْهُ كَالْإِشَارَةِ.
[قَوْلُهُ: بِوَاوِ التَّشْرِيكِ] أَيْ كَأَنَّهُ قَالَ عَلَيَّ السَّلَامُ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، فَيَصِيرُ الرَّادُّ مُسَلَّمًا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ لَوْ أَجَابَ بِغَيْرِ وَاوٍ لَا يَكُون مُجِيبًا وَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَاَلَّذِي عِنْدَ الْأَكْثَرِ أَنَّهُ يَسْقُطُ لَكِنَّ الْإِتْيَانَ بِهَا أَوْلَى لِأَنَّ الْكَلَامَ مَعَهَا جُمْلَتَانِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ فِي الرَّدِّ: وَعَلَيْك السَّلَامُ بِحَذْفِ الْمِيمِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا سَلَامٌ عَلَيْك بِتَنْكِيرِ السَّلَامِ وَحَذْفِ مِيمِ عَلَيْكُمْ وَتَقْدِيمِ لَفْظِ السَّلَامِ فَلَا يَكْفِي وَلَا يَضُرُّ اللَّحْنُ فِيمَا يَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الذَّخِيرَةِ] أَتَى بِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّ لِلْمُصَنِّفِ مُخَالِفًا [قَوْلُهُ: كَمَا قِيلَ لَهُ] ظَاهِرُهُ تُسَاوِيهِمَا وَالْأَحْسَنُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ فَإِنَّهُ قَالَ: الِاخْتِيَارُ أَنْ يَقُولَ الْمُبْتَدِئُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَيَقُولَ الرَّادُّ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، وَيَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِلَفْظِ الرَّدِّ وَالرَّدُّ بِلَفْظِ الِابْتِدَاءِ وَلَا يُجْزِئُ السَّلَامُ فَقَطْ بَدْءًا وَرَدًّا كَالصَّلَاةِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَتُتْبَعُ كَالصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: وَأَكْثَرُ مَا يَنْتَهِي السَّلَامُ] أَيْ فِي الِابْتِدَاءِ وَالرَّدِّ عِنْدَ إرَادَةِ الزِّيَادَةِ، أَيْ وَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ إنَّمَا هُوَ فِي الِابْتِدَاءِ، أَيْ فَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْت جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ثُمَّ زَادَ مَعَ ذَلِكَ شَيْئًا أَيْ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ مَنْ هَذَا أَيْ الَّذِي زَادَ عَلَى التَّحِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ قَالُوا: هَذَا الْيَمَانِيُّ الَّذِي يَغْشَاك فَعَرَّفُوهُ إيَّاهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إلَى الْبَرَكَةِ أَيْ فَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ شَيْئًا.
[قَوْلُهُ: غُلُوٌّ] أَيْ زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ، وَقَوْلُهُ: وَبِدْعَةٌ أَيْ أَمْرٌ مُحْدَثٌ وَهُوَ لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَقَوْلُهُ: فَيَكُونُ مَكْرُوهًا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ غُلُوٌّ وَبِدْعَةٌ، وَلَمْ يُبَيِّنْ نِهَايَةَ كَلَامِ الْمُوَطَّأِ ثُمَّ أَقُولُ: رَاجَعْت شَرْحَ الْمُوَطَّأِ فَلَمْ أَجِدْ ذَلِكَ أَيْ قَوْلَهُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ.
. . إلَخْ غَيْرٍ فَلَعَلَّهَا رِوَايَةٌ أُخْرَى غَيْرَ مَا رَأَيْت إلَّا أَنَّ فِيهِ شَيْئًا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغُلُوَّ وَالْبِدْعَةَ لَا يُنْتِجَانِ خُصُوصَ الْكَرَاهَةِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تَقُلْ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ] التَّعْبِيرُ بِالْكَرَاهَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُجْزِئُ فِي

عَلَيْك) لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ خَبَرٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ

(وَإِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ) عَلَى وَاحِدٍ فَأَكْثَرَ (أَجْزَأَ عَنْهُمْ) أَيْ عَنْ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْكِفَايَةِ (وَكَذَلِكَ إنْ رَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْجَمَاعَةِ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ أَجْزَأَ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ (وَلْيُسَلِّمْ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الْجَالِسِ) لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِذَلِكَ (وَالْمُصَافَحَةُ حَسَنَةٌ) أَيْ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -:: «تَصَافَحُوا يَذْهَبُ الْغِلُّ عَنْكُمْ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبُ الشَّحْنَاءُ» وَهِيَ وَضْعُ أَحَدِ الْمُتَلَاقِيَيْنِ بَطْنَ كَفِّهِ عَلَى بَطْنِ كَفِّ الْآخَرِ إلَى الْفَرَاغِ مِنْ السَّلَامِ أَوْ الْكَلَامِ، وَفِي شَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَهُ عَلَى يَدِ الْآخَرِ قَوْلَانِ وَلَا يُقَبِّلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَ نَفْسِهِ وَلَا يَدَ صَاحِبِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَلَا يُصَافِحُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَلَوْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْمُبْتَدِعَ

(وَكَرِهَ) إمَامُنَا (مَالِكٌ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (الْمُعَانَقَةَ) وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ عُنُقَهُ عَلَى عُنُقِ

[حاشية العدوي]

الرَّدِّ، وَأَمَّا سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْك فَيَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ تت أَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَدَمِ إجْزَائِهِ أَفَادَهُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ.

[قَوْلُهُ: وَإِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ] أَيْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ صَبِيًّا وَيَجِبُ رَدُّ سَلَامِهِ كَالْكَبِيرِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْجَمَاعَةِ] وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُسَلِّمُ مِنْ غَيْرِ الْجَمَاعَةِ فَلَا يُجْزِئُ [قَوْلُهُ: أَجْزَأَ] يُفِيدُ أَنَّ الْكَمَالَ أَنْ يَبْدَءُوا كُلُّهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَلَا سِيَّمَا الْجَاهِلُ بِالسُّنَّةِ فَإِنَّهُ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ مَنْ بَقِيَ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الرَّدِّ أَفَادَ ذَلِكَ الشَّارِحُ [قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إنْ رَدَّ وَاحِدٌ] قَالَ عج: وَيَكْفِي رَدُّ الصَّبِيِّ عَنْ جَمَاعَةٍ بَالِغِينَ تَوَقَّفَ فِيهِ الشَّيْخُ وَاسْتَظْهَرَ عَدَمَ الِاكْتِفَاءِ بِرَدٍّ عَنْ الْبَالِغِينَ، وَإِنْ كَانَ يَجِبُ رَدُّ سَلَامِهِ عَلَى الْبَالِغِ لِأَنَّ الرَّدَّ فَرْضٌ عَلَى الْبَالِغِينَ وَغَيْرُ فَرْضٍ عَلَى الصَّبِيِّ، تَنْبِيهٌ: اُخْتُلِفَ هَلْ يُؤْجَرُ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ مِنْ الْجَمَاعَةِ وَمَنْ لَمْ يَرُدَّ فَقِيلَ: لَا يُؤْجَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] وَقِيلَ لَهُ قِسْطٌ مِنْ الْأَجْرِ دُونَ أَجْرِ مَنْ ابْتَدَأَ أَوْ رَدَّ.
[قَوْلُهُ: وَلْيُسَلِّمْ الرَّاكِبُ.
. . إلَخْ] لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْقَصْدُ مِنْ السَّلَامِ الْأَمَانَ وَالشَّأْنُ حُصُولُ خَوْفِ الْمَاشِي مِنْ الرَّاكِبِ طُلِبَ مِنْ الرَّاكِبِ السَّلَامُ، وَكَذَا يُسَلِّمُ رَاكِبُ الْفَرَسِ عَلَى رَاكِبِ الْبَغْلِ أَوْ الْحِمَارِ وَرَاكِبُ الْبَغْلِ عَلَى رَاكِبِ الْحِمَارِ، وَأَمَّا رَاكِبُ الْجَمَلِ وَالْفَرَسِ فَيَظْهَرُ أَنَّ الَّذِي يُؤْمَرُ رَاكِبُ الْفَرَسِ؛ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى الْبَطْشِ مِنْ رَاكِبِ الْجَمَلِ اُنْظُرْ شَرْحَ الشَّيْخِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا لَمَالِكٍ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ مِنْ كَرَاهَتِهَا.
[قَوْلُهُ: تَصَافَحُوا] مُفَاعَلَةٌ مِنْ الصَّفْحِ [قَوْلُهُ: يَذْهَبْ] بِكَسْرِ الْبَاءِ مَجْزُومٌ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ حُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَبِالرَّفْعِ أَيْ فَبِهِ يَذْهَبُ [قَوْلُهُ: الْغِلُّ] بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ الْحِقْدُ وَالضَّغَانَةُ.
[قَوْلُهُ: وَتَهَادَوْا] بِفَتْحِ الدَّالِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ، وَقَوْلُهُ: تَحَابُّوا قَالَ الْحَافِظُ تَبَعًا لِلْحَاكِمِ: إنْ كَانَ بِالتَّشْدِيدِ فَمِنْ الْمَحَبَّةِ، وَإِنْ كَانَ بِالتَّخْفِيفِ فَمِنْ الْمُحَابَاةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ خُلُقٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ دَلَّتْ عَلَيْهَا الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَحَثَّ عَلَيْهَا خُلَفَاؤُهُمْ الْأَوْلِيَاءُ تُؤَلِّفُ الْقُلُوبَ وَتُنَقِّي سَوَادَ الصُّدُورِ، وَوَرَدَ قَبُولُ الْهِبَةِ سُنَّةٌ لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُ مَا فِيهِ مِنْهُ [قَوْلُهُ: وَتُذْهِبُ الشَّحْنَاءَ] بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَنُونٍ وَالْمَدِّ الْعَدَاوَةُ؛ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ جَالِبَةٌ لِلرِّضَا وَالْمَوَدَّةِ فَتُذْهِبُ الْعَدَاوَةَ.
[قَوْلُهُ: إلَى الْفَرَاغِ] وَيُكْرَهُ اخْتِطَافُ الْيَدِ بِأَثَرِ التَّلَاقِي قَبْلَ فَرَاغِ السَّلَامِ أَوْ الْكَلَامِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي شَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَهُ عَلَى يَدِ الْآخَرِ قَوْلَانِ] أَيْ بِالْفِعْلِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّوَدُّدِ وَالتَّرْكِ كَمَا يُفِيدُهُ تت [قَوْلُهُ: وَلَا يُقَبِّلُ] أَيْ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ أَيْ لِمَا يَأْتِي عَنْ مَالِكٍ مِنْ كَرَاهَةِ تَقْبِيلِ الْيَدِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُصَافِحُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ] أَيْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَافِحَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَلَوْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً أَيْ لِأَنَّ الْمُبَاحَ إنَّمَا هُوَ رُؤْيَةُ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ] أَيْ لِأَنَّ الشَّارِعَ طَلَبَ هَجْرَهُمَا وَمُجَانَبَتَهُمَا، وَفِي الْمُصَافَحَةِ وَصْلٌ

صَاحِبِهِ (وَأَجَازَهَا) سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ.
ج: وَإِتْيَانُ الشَّيْخِ بِقَوْلِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دُونَ غَيْرِهَا كَأَنَّ فِيهِ الْإِشَارَةَ إلَى قُوَّتِهِ عِنْدَهُ كَإِتْيَانِ سَحْنُونَ بِقَوْلِ الْغَيْرِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَدَلِيلُ الْقَوْلَيْنِ مَذْكُورٌ فِي الْأَصْلِ.
الْقَرَافِيُّ: وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ الْمُعَانَقَةَ «لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ فَعَلَهَا إلَّا مَعَ جَعْفَرٍ» وَلَمْ يَصْحَبْهَا الْعَمَلُ مِنْ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلِأَنَّ النُّفُوسَ تَنْفِرُ عَنْهَا لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا لِوَدَاعٍ مِنْ فَرْطِ أَلَمِ الشَّوْقِ أَوْ مَعَ الْأَهْلِ، وَالْمُصَافَحَةُ فِيهَا الْعَمَلُ، انْتَهَى.
وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ الْمُصَافَحَةُ.
قَالَ غَالِبُ التَّمَّارُ: قَدْ ذَكَرْت ذَلِكَ لِلشَّعْبِيِّ فَقَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَلَاقَوْا تَصَافَحُوا، فَإِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ عَانَقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْ (وَكَرِهَ مَالِكٌ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - (تَقْبِيلَ الْيَدِ) أَيْ يَدِ الْغَيْرِ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْغَيْرُ عَالِمًا أَوْ غَيْرَهُ وَلَوْ أَبًا أَوْ سَيِّدًا أَوْ زَوْجًا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ وَيَدْعُو إلَى الْكِبْرِ وَرُؤْيَةِ النَّفْسِ (وَأَنْكَرَ) مَالِكٌ

[حاشية العدوي]

مُنَافٍ لِمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ.

[قَوْلُهُ: وَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ] أَرَادَ بِأَهْلِ الْعِلْمِ.
الْمُجْتَهِدِينَ وَالْفَضْلُ لُغَةً الزِّيَادَةُ، فَإِذَا قِيلَ: فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ أَيْ مِنْ أَهْلِ الزِّيَادَةِ أَيْ مِنْ أَهْلِ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى مَا فِي النَّاسِ فَظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ، وَأَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.
[قَوْلُهُ: بِقَوْلِ الْغَيْرِ] أَيْ غَيْرِ مَالِكٍ.
[قَوْلُهُ: وَدَلِيلُ الْقَوْلَيْنِ مَذْكُورٌ فِي الْأَصْلِ] لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ دَلِيلٌ لِلْكَرَاهَةِ وَيُسْتَفَادُ مِنْ التَّحْقِيقِ أَنَّ دَلِيلَ الْجَوَازِ الَّذِي أَخَذَ بِهِ سُفْيَانُ وَمُعَانَقَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَجَعْفَرٍ حِينَ قَدِمَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ جَعْفَرٍ وَغَيْرِهِ وَلَا يَقُولُ كَمَا يَقُولُ مَالِكٌ مِنْ أَنَّ النُّفُوسَ تَنْفِرُ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا حَاجَةَ لِتِلْكَ الْإِحَاطَةِ الْمُوهِمَةِ أَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إلَخْ لَيْسَ دَلِيلًا بِالْكَرَاهَةِ [قَوْلُهُ: وَلَمْ يَصْحَبْهَا الْعَمَلُ] أَيْ وَعَمَلُ الصَّحْبِ حُجَّةٌ تُقَدَّمُ عَلَى الْحَدِيثِ لِمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَمْ يَرُدَّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَطَّ الْعِلَّةِ قَوْلُهُ وَلَمْ يَصْحَبْهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ إلَخْ فَلَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ تَعْلِيلًا بِخُصُوصِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ النُّفُوسَ تَنْفِرُ] تَعْلِيلٌ ثَانٍ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ، وَأَقُولُ: كَيْفَ يَلِيقُ التَّعْلِيلُ بِهَذَا وَقَدْ فَعَلَهَا أَشْرَفُ الْخَلَائِقِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُعَانَقَةَ مِنْ مِثْلِ الْمُصْطَفَى لَا تَنْفِرُ النُّفُوسُ مِنْهَا بَلْ لَوْ بَذَلَ جَعْفَرٌ فِي تَحْصِيلِهَا خَزَائِنَ مِنْ الْأَمْوَالِ لَكَانَ الرَّابِحَ.
[قَوْلُهُ: مَنْ فَرَطٍ] أَيْ شِدَّةِ أَلَمٍ هُوَ الشَّوْقُ، فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ أَوْ قُدُومٍ مِنْ غَيْبَةٍ فَالْحَصْرُ غَيْرُ مُرَادٍ.
[قَوْلُهُ: أَوْ مَعَ الْأَهْلِ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: إلَّا لِوَدَاعٍ أَيْ أَوْ مَعَ الْأَهْلِ عِنْدَ قَصْدِ سَفَرٍ أَوْ قُدُومٍ مِنْهُ، وَقَضِيَّةُ عَطْفِهِ يُؤْذِنُ بِعَدَمِ التَّقْيِيدِ بِمَا قُلْنَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَادَةً ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ شِدَّةَ أَلَمِ الشَّوْقِ لَا تَكُونُ عَادَةً إلَّا مَعَ مَنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ عُلْقَةٌ مِنْ شِدَّةِ قَرَابَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْأَهْلِ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَطْفُ فَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ تَخُصَّ الْأَهْلَ بِالزَّوْجَةِ وَتَجْعَلَ الْأَوَّلَ قَاصِرًا عَلَى غَيْرِهَا مِمَّا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عُلْقَةٌ، أَوْ تَجْعَلَ الْأَهْلَ شَامِلًا لِلزَّوْجَةِ وَقَرِيبِ الْقَرَابَةِ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يَحْصُلَ شِدَّةُ الشَّوْقِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ، أَوْ تَجْعَلَهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَنُكْتَتُهُ ظَاهِرَةٌ مِنْ شِدَّةِ الِاتِّصَالِ الَّذِي بَيْنَ الرَّجُلِ وَالزَّوْجَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُفَادَ النَّقْلِ عَنْهُ كَرَاهَتُهَا مُطْلَقًا وَلَوْ مَعَ الْأَهْلِ وَنَحْوِهِمْ فَإِذَنْ يَكُونُ قَوْلُهُ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ أَيْ عَادَةً لَا أَنَّ الْمُرَادَ تُفْعَلُ شَرْعًا الْمُفِيدُ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ عُلْقَةٌ أَوْ غَيْرِهِمْ.
[قَوْلُهُ: فَتَأَمَّلْ] أَشَارَ بِالتَّأَمُّلِ إلَى مَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ التَّنَاقُضِ وَالتَّخَالُفِ وَمَا هُوَ الْأَصَحُّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ أَنَّ قَوْلَهُ: فَإِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ يُفِيدُ أَنَّ الْمُعَانَقَةَ قَدْ صَحِبَهَا عَمَلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَيُنَاقِضُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُعَانَقَةَ لَمْ يَصْحَبْهَا عَمَلٌ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: يَدُ الْغَيْرِ] أَيْ وَأَمَّا يَدُ النَّفْسِ فَالشَّأْنُ أَنَّ النَّفْسَ لَا تَلْتَفِتُ لَهُ فَلَوْ اتَّفَقَ أَنَّ النَّفْسَ نَظَرَتْ لِذَلِكَ فَالظَّاهِرُ الْكَرَاهَةُ أَيْضًا، [قَوْلُهُ: عَالِمًا] دَخَلَ الْوَلِيُّ فِي الْعَالِمِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ] أَيْ نُصُوصُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ] أَيْ الدَّاعِي إلَى الْكِبْرِ [قَوْلُهُ: وَيَدْعُو إلَى الْكِبْرِ] وَإِنْ كَانَ الْمَنْظُورُ فِيهِ لِلْعُمُومِ إلَّا أَنَّهُ مَنْظُورٌ لَهُ فِي التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ لَا أَنَّ فِعْلَ الْأَعَاجِمِ كُلَّهُ مَذْمُومٌ وَيَدُلُّك عَلَى مَا قُلْنَا قَوْلُ عَبْدِ الْوَهَّابِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ زِيِّ الْعَجَمِ وَأَخْلَاقِهِمْ يَسْتَعْمِلُونَهُ مَعَ كُبَرَائِهِمْ

  • رَحِمَهُ اللَّهُ - (مَا رُوِيَ فِيهِ) أَيْ فِي تَقْبِيلِ الْيَدِ.
    د: إنْ كَانَ إنْكَارُهُ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ فَهُوَ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ إمَامُ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ فَلِمَا تَقَدَّمَ.
    وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إنَّمَا يُكْرَهُ تَقْبِيلُ يَدِ الظَّلَمَةِ وَالْجَبَابِرَةِ، وَأَمَّا يَدُ الْأَبِ وَالرَّجُلِ الصَّالِحِ وَمَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ فَجَائِزٌ

(وَلَا تَبْتَدِئُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى) وَسَائِرَ الْكُفَّارِ (بِالسَّلَامِ) عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ لِمَا صَحَّ مِنْ نَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ (فَمَنْ سَلَّمَ عَلَى ذِمِّيٍّ) نِسْيَانًا أَوْ ظَنًّا أَنَّهُ مُسْلِمٌ (فَلَا يَسْتَقِيلُهُ) أَيْ لَا يَطْلُبُ مِنْهُ الْإِقَالَةَ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: إنَّمَا سَلَّمْت عَلَيْك ظَنًّا مِنِّي أَنَّك مُسْلِمٌ، وَلَوْ عَلِمْت أَنَّك كَافِرٌ مَا سَلَّمْت عَلَيْك فَرُدَّ عَلَيَّ سَلَامِي الَّذِي سَلَّمْته عَلَيْك، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ (وَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُسْلِمِ (الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ فَلْيَقُلْ) لَهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ (عَلَيْك) بِغَيْرِ وَاوٍ (وَمَنْ قَالَ) فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ (عَلَيْك السِّلَامُ بِكَسْرِ السِّينِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ) الْقَرَافِيُّ: يَنْبَغِي فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَقُولَ بِغَيْرِ وَاوٍ كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ، فَإِنْ تَحَقَّقَتْ أَنَّهُمْ قَالُوا

[حاشية العدوي]

مَعْرُوفٌ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ فَوَجَبَ كَرَاهَتُهُ.
[قَوْلُهُ: وَرُؤْيَةُ النَّفْسِ] يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا لِلْمَفْعُولِ أَيْ وَرُؤْيَةُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ أَمْرًا عَظِيمًا، وَأَنْ يَكُونَ مُضَافًا لِلْفَاعِلِ أَيْ وَرُؤْيَةُ النَّفْسِ أَنَّهَا شَيْءٌ عَظِيمٌ.
[قَوْلُهُ: أَيْ فِي تَقْبِيلٍ] مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي مِنْهَا «أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقِيسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْتَدَرُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ» وَهُوَ صَحِيحٌ، وَمِنْهَا «تَقْبِيلُ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ يَدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَ الْمُقَبِّلُ مُسْلِمًا وَأَمَّا لَوْ قَبَّلَ يَدَكَ نَصْرَانِيٌّ مَثَلًا فَلَا.
[قَوْلُهُ: الْيَدُ] يُرِيدُ وَكَذَا سَائِرُ الْأَعْضَاءِ قَالَهُ ج، [قَوْلُهُ: د: إنْ كَانَ إلَخْ] قَصْدُهُ تَقْوِيَةَ إنْكَارِ مَالِكٍ [قَوْلُهُ: إنْ كَانَ إنْكَارُهُ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ] أَيْ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مَرْوِيًّا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمُسَلَّمٌ لِأَنَّهُ إمَامُ الْحَدِيثِ، أَقُولُ: كَيْفَ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ أَيْ مِنْ جِهَةِ الْأَحْكَامِ الْمُسْتَنْبَطَةِ لِلْمُجْتَهِدِ فَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى الْكِبْرِ، ثُمَّ أَقُولُ: هَذَا التَّرَدُّدُ إنَّمَا يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ يَقْبَلُهُ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مَا رُوِيَ فِيهِ لَا يَقْبَلُهُ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَادَّةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ إلَخْ] مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ بَطَّالٍ أَبُو الْحَسَنِ الْبِكْرِيُّ يُعْرَفُ بِابْنِ اللَّحَّامِ، أَصْلُهُمْ مِنْ قُرْطُبَةَ وَأَخْرَجَتْهُمْ الْفِتْنَةُ إلَى بَلَنْسِيَةَ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْفَهْمِ عُنِيَ بِالْحَدِيثِ الْعِنَايَةَ التَّامَّةَ، وَأَلَّفَ شَرْحَ الْبُخَارِيِّ تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
[قَوْلُهُ: الظَّلَمَةُ] جَمْعُ ظَالِمٍ وَالْجَبَابِرَةُ جَمْعُ جَبَّارٍ كَمَا يُفِيدُهُ الْأَسَاسُ أَيْ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ الْجَهَلَةِ وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ أَيْ كَثِيرُ الْجَبْرِ أَيْ الْقَهْرِ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَقَوْلُهُ: فَجَائِزٌ أَرَادَ أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ فَلَا يُنَافِي نَدْبَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْبِرِّ لِلْوَالِدِ وَرَجَاءِ الْبَرَكَةِ مِنْ الصَّالِحِ، وَقَدْ قَالَ سَيِّدِي زَرُّوقٌ: وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَى الْجَوَازِ لِمَنْ يَجُوزُ التَّوَاضُعُ مِنْهُ وَيُطْلَبُ إبْرَارُهُ اهـ. .

[قَوْلُهُ: وَلَا تَبْتَدِئُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ] وَمِثْلُهُمْ سَائِرُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ [قَوْلُهُ: وَسَائِرُ الْكُفَّارِ] أَيْ بَاقِي الْكُفَّارِ.
[قَوْلُهُ: لِمَا صَحَّ مِنْ نَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ] أَيْ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَبْتَدِئُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ» ، [قَوْلُهُ: نِسْيَانًا] أَيْ لِلنَّهْيِ أَوْ جَاهِلًا لِلْحُكْمِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَسْتَقِيلُهُ] لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى عَيْنِ الْحُكْمِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ [قَوْلُهُ: فَرُدَّ عَلَيَّ سَلَامِي] أَيْ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يُعْقَلُ أَنْ يَرُدَّ السَّلَامَ بَعْدَ وُقُوعِهِ فَقَوْلُهُ وَلَا يَسْتَقِيلُهُ أَيْ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ لَا تُمْكِنُ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَقُلْ لَهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ] أَيْ نَدْبًا لَا وُجُوبًا كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَالتَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ: فَلْيَقُلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَطْلُوبٌ كَمَا أَفَادَهُ عج.
[قَوْلُهُ: عَلَيْك بِغَيْرِ وَاوٍ] لِمَا فِي مُسْلِمٍ: «أَنَّ الْيَهُودَ إذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: السَّامُّ عَلَيْكُمْ» فَالْمُنَاسِبُ لِذَلِكَ أَنْ يَقُولَ فِي الرَّدِّ عَلَيْك أَوْ عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ وَاوٍ لِيَكُونَ دُعَاءً عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ عَلَيْك أَوْ عَلَيْكُمْ اللِّئَامُ وَاللَّعْنَةُ، وَالسَّامُّ الْمَوْتُ وَأَمَّا لَوْ تَحَقَّقَ الْمُسْلِمُ أَنَّ الَّذِي نَطَقَ بِالسَّلَامِ بِفَتْحِ السِّينِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ قَالَهُ عج، قَوْلُهُ: فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ أَيْ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَمَنْ قَالَ كَذَا فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا بِجَوَازِ ذَلِكَ فَلَيْسَ قَصْدُهُ التَّضْعِيفَ [قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَلْيَقُلْ عَلَيْك بِغَيْرِ

السَّامُّ عَلَيْك وَهُوَ الْمَوْتُ أَوْ السِّلَامُ بِكَسْرِ السِّينِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ فَإِنْ شِئْت قُلْت: وَعَلَيْك بِالْوَاوِ لِأَنَّهُ يُسْتَجَابُ لَنَا فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِينَا، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثٍ فِي مُسْلِمٍ ثُمَّ قَالَ: «وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ ذَلِكَ قُلْت: وَعَلَيْك بِالْوَاوِ لِأَنَّك إنْ قُلْت بِغَيْرِ الْوَاوِ وَكَانَ هُوَ قَدْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك كُنْت نَفَيْت السَّلَامَ عَنْ نَفْسِك وَرَدَدْته عَلَيْهِ» اهـ. وَهُنَا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ السَّلَامِ

(وَ) أَمَّا (الِاسْتِئْذَانُ) وَهُوَ طَلَبُ الْإِذْنِ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ فَ (وَاجِبٌ) وُجُوبَ الْفَرَائِضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: 59] وَالْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ وُجُوبُهُ فَمَنْ تَرَكَهُ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَلَا تَدْخُلْ بَيْتًا) غَيْرَ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ مُغْلَقًا كَانَ أَوْ مَفْتُوحًا.
(فِيهِ أَحَدٌ حَتَّى تَسْتَأْذِنَ ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْأَحَدُ مَحْرَمًا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَى

[حاشية العدوي]

وَاوٍ، وَلِذَا قَالَ تت بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ فَلْيَقُلْ عَلَيْك مَا نَصُّهُ لِخَبَرِ الْمُوَطَّأِ «فَقُلْ عَلَيْك بِغَيْرِ وَاوٍ» . [قَوْلُهُ: فَإِنْ تَحَقَّقَتْ إلَخْ] حَاصِلُ هَذَا أَنَّهُ عِنْدَ تَحَقُّقِ قَوْلِهِمْ السَّامُ عَلَيْك يُخَيَّرُ بَيْنَ الْإِتْيَانِ بِالْوَاوِ وَتَرْكِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ يَنْبَغِي الْإِتْيَانُ بِالْوَاوِ وَهُوَ صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُنَافٍ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ إلَخْ؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ تَرْكُ الْوَاوِ، وَتَحَقَّقَ قَوْلُهُ السَّامُّ أَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِحَمْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا إذَا تَحَقَّقَ الْإِتْيَانُ بِالسَّامِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ هُنَا فَإِنْ شِئْت بِمُعَيَّنٍ لَا يَجِبُ تَرْكُ الْوَاوِ فَلَا يُنَافِي نَدْبَ التَّرْكِ أَيْ وَأَمَّا عِنْدَ الشَّكِّ فَالْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِالْوَاوِ، وَأَوْلَى عِنْدَ تَحَقُّقِ السَّلَامِ بِفَتْحِ السِّينِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُسْتَجَابُ] جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ عَلَى عَلَيْكُمْ فِي كَلَامِهِمْ فَيَقْتَضِي إثْبَاتَ الدُّعَاءِ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَصِحَّ الْعَطْفُ فَيَدْخُلُ مَعَهُمْ فِيمَا دَعَوْا بِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ كَمَا تَقَرَّرَ إنْ قُلْنَا إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى كَلَامِهِمْ، وَأَمَّا إنْ قُلْنَا إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ فَلَا يَتِمُّ لِأَنَّ الشَّخْصَ يَكُونُ حِينَئِذٍ دَاعِيًا عَلَى نَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ] فَفِي مُسْلِمٍ «أَنَّ الْيَهُودَ دَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: السَّامُّ عَلَيْكُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَعَلَيْكُمْ فَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: السَّامُّ عَلَيْكُمْ وَلَعْنَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ يَا إخْوَةَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ: عَلَيْكِ بِالْحِلْمِ وَإِيَّاكِ وَالْجَهْلَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا سَمِعْت مَا قَالُوا؟ فَقَالَ: أَمَا سَمِعْت مَا رَدَدْت عَلَيْهِمْ فَاسْتُجِيبَ لَنَا فِيهِمْ وَلَمْ يُسْتَجَبْ لَهُمْ فِينَا» [قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ إلَخْ] الْحَاصِلُ أَنَّ جَمِيعَ رِوَايَاتِ الْمُوَطَّأِ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ التِّنِّيسِيِّ بِالْوَاوِ وَجَاءَتْ الْأَحَادِيثُ فِي مُسْلِمٍ بِحَذْفِهَا وَإِثْبَاتِهَا وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَهِيَ لِلْعَطْفِ غَيْرَ أَنَّا نُجَابُ فِيهِمْ وَلَا يُجَابُونَ فِينَا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَرِوَايَةُ الْحَذْفِ أَحْسَنُ مَعْنًى وَالْإِثْبَاتُ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ يَعْنِي فِي مُسْلِمٍ.

[قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى] وَالسُّنَّةُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: إنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ قَالَ: اسْتَأْذِنْهَا قَالَ: إنِّي خَادِمُهَا قَالَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً» . [قَوْلُهُ: فَمَنْ تَرَكَهُ.
. . إلَخْ] وَمَنْ جَحَدَهُ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ [قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ] أَيْ كَالْحَمَّامِ وَالْفُنْدُقِ وَبَيْتِ الْعَالِمِ وَالْقَاضِي وَالطَّبِيبِ، أَيْ وَأَمَّا الْمَسْجِدُ وَالْحَمَّامُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَحَلٍّ مَطْرُوقٍ فَلَا يَحْتَاجُ لِلْإِذْنِ حَيْثُ أَتَى فِي وَقْتِ الدُّخُولِ.
[قَوْلُهُ: حَتَّى تَسْتَأْذِنَ] أَيْ الْحُرُّ الْبَالِغُ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَالْعَبِيدُ عَلَى السَّادَاتِ وَالصِّبْيَانُ عَلَى الْآبَاءِ، وَإِنَّمَا يَسْتَأْذِنُونَ أَيْ الْعَبِيدُ وَالصِّبْيَانُ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ " مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ مَظِنَّةُ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَمَا عَدَاهَا لَا حَرَجَ فِي الدُّخُولِ بِلَا إذْنٍ.
[قَوْلُهُ: ثَلَاثًا إلَخْ] قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ وَهُوَ كَذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ السَّمَاعِ ثُمَّ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ السَّمَاعُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَإِلَّا انْصَرَفَ وَيَقُومُ مَقَامَ الِاسْتِئْذَانِ نَقْرُ الْبَابِ ثَلَاثًا كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا أَوْ مَغْلُوقًا وَكَذَا التَّنَحْنُحُ وَالِاسْتِئْذَانُ بِنَحْوِ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ بِدْعَةٌ مَذْمُومَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ فِي اسْتِعْمَالِ اسْمِهِ فِي الِاسْتِئْذَانِ، وَإِذَا اسْتَأْذَنَ فَقِيلَ لَهُ:

فصول الكتاب · 3 فصل · 596 صفحة
جارٍ التحميل