حاشية العدوي على كفاية الطالب الربانيصفحات 118-157
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابٌ فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ

صفحات 118-157

[بَابٌ فِي الْعِدَّةِ، وَالنَّفَقَةِ، وَالِاسْتِبْرَاءِ] (بَابٌ فِي) بَيَانِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ (الْعِدَّةِ، وَالنَّفَقَةِ، وَالِاسْتِبْرَاءِ) ، وَقَدْ تَبَرَّعَ فِي هَذَا الْبَابِ بِأَشْيَاءَ يَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ عَلَى الْكَلَامِ عَلَى النَّفَقَةِ.
عَكْسُ مَا فِي التَّرْجَمَةِ، وَهُوَ جَائِزٌ أَمَّا الْعِدَّةُ فَهِيَ تَرَبُّصُ الْمَرْأَةِ زَمَانًا مَعْلُومًا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ عَلَامَةً عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، مَعَ ضَرْبٍ مِنْ التَّعَبُّدِ.
سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْعَدَدِ وَحُكْمُهَا الْوُجُوبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لِلْفُرَيْعَةِ اُمْكُثِي فِي

[حاشية العدوي]

[بَابٌ فِي الْعِدَّةِ وَنَفَقَةِ الْمُطَلَّقَة]

بَابٌ فِي الْعِدَّةِ وَالنَّفَقَةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ الِاسْتِبْرَاءُ مُدَّةُ دَلِيلِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لَا لِرَفْعِ عِصْمَةٍ أَوْ طَلَاقٍ [قَوْلُهُ: وَهُوَ جَائِزٌ] أَيْ رَاجِحٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَصْلًا وَاحِدًا أَيْ فَهُوَ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ بِخِلَافِ اللَّفِّ، وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ فَفِيهِ فَصْلَانِ [قَوْلُهُ: فَهِيَ تَرَبُّصُ] أَيْ انْتِظَارٌ ثُمَّ هَذَا مُشْكِلٌ مَعَ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ الْعِدَّةَ نَفْسُ الْأَقْرَاءِ وَنَفْسُ الْأَشْهُرِ لَا التَّرَبُّصُ الْمَذْكُورُ، وَقَوْلُهُ: الْمَرْأَةِ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ امْتِنَاعِ الرَّجُلِ مِنْ نِكَاحِ الْخَامِسَةِ حِينَ طَلَّقَ الرَّابِعَةَ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً، أَوْ مِنْ نِكَاحِ الْأُخْتِ الْأُخْرَى عِنْدَ طَلَاقِ الْأُخْتِ مَثَلًا طَلْقَةً رَجْعِيَّةً، لَا يُقَالُ لَهُ عِدَّةٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِعِدَّةٍ لَا لُغَةً وَلَا شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ نِكَاحٍ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ كَزَمَنِ الْإِحْرَامِ أَوْ الْمَرَضِ.
وَلَا يُقَالُ فِيهِ أَنَّهُ مُعْتَدٌّ وَبَعْضُهُمْ جَعَلَهُ مُعْتَدًّا فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الصُّورَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ فَعَلَيْهِ يَكُونُ التَّعْرِيفُ غَيْرَ جَامِعٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ تَعْرِيفٌ لِأَحَدِ قِسْمَيْ الْعِدَّةِ [قَوْلُهُ: زَمَانًا] أَيْ نِهَايَةَ زَمَنٍ مَعْلُومٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْعِدَّةِ إذَا كَانَتْ أَشْهُرًا، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ أَطْهَارًا فَلَا يَظْهَرُ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَتْ مُتَضَمِّنَةً لِزَمَنِهَا فَكَأَنَّهُ الْمُنْتَظِرُ [قَوْلُهُ: قَدَّرَهُ الشَّرْعُ] أَيْ قَدَّرَ نِهَايَتَهُ [قَوْلُهُ: عَلَامَةً عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ] فَإِنْ قِيلَ يَخْرُجُ مِنْ الْحَدِّ عِدَّةُ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا مِنْ الْوَفَاةِ لِتَيَقُّنِ بَرَاءَةِ رَحِمِهَا، وَكَذَا مَنْ عُلِمَ أَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَالْجَوَابُ أَنَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ إنَّمَا شُرِعَتْ فِيمَنْ عُلِمَ أَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا احْتِيَاطًا لِبَرَاءَةِ الرَّحِم؛ لِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ وَادَّعَاهُ الزَّوْجُ لَحِقَ بِهِ، فَالْعِدَّةُ وَاجِبَةٌ لِتَيَقُّنِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ ظَاهِرَةٌ فِيمَنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا.
وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي قَدْرِ سِنِّ مَنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا حَدٌّ يُرْجَعُ إلَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ، حَمَلَ الْبَابَ مَحْمَلًا وَاحِدًا فَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ حَتَّى عَلَى مَنْ كَانَتْ فِي الْمَهْدِ حَسْمًا لِلْبَابِ، فَعُلِمَ أَنَّ أَصْلَ وُجُوبِ الْعِدَّةِ إنَّمَا هُوَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَتَأَمَّلْهُ قَالَهُ الْحَطَّابُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -[قَوْلُهُ: مَعَ ضَرْبٍ مِنْ التَّعَبُّدِ] أَيْ مَعَ نَوْعٍ مِنْ التَّعَبُّدِ فِيهِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْعِدَّةِ إذَا كَانَتْ أَقْرَاءً أَنَّ الْجَمِيعَ لِلِاسْتِبْرَاءِ لَا الْأَوَّلَ فَقَطْ، وَالْبَاقِي تَعَبُّدٌ، كَمَا هُوَ الْقَوْلُ الضَّعِيفُ فَأَيْنَ التَّعَبُّدُ وَيُمْكِنُ أَنَّ التَّعَبُّدَ مِنْ حَيْثُ الِاقْتِصَارُ عَلَى هَذَا الْعَدَدِ الْمُعَيَّنِ، وَكَذَا التَّعَبُّدُ ظَاهِرٌ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ بِالنَّظَرِ لِخُصُوصِ الْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا جُعِلَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّ بِهَا يَتَحَرَّكُ الْحَمْلُ، وَزِيدَتْ الْعَشَرَةُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَنْقُصُ الْأَشْهُرُ أَوْ تُبْطِئُ حَرَكَةُ الْجَنِينِ اهـ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْحُرَّةِ الَّتِي عِدَّتُهَا مَا ذَكَرَ، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَهُوَ مُشْكِلٌ فِيهَا لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ عِدَّتَهَا شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ [قَوْلُهُ: سُمِّيَتْ] أَيْ سُمِّيَتْ الْعِدَّةُ بِمَعْنَى التَّرَبُّصِ بِلَفْظِ عِدَّةٍ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْعَدَدِ أَيْ عَدَدِ الْأَقْرَاءِ أَوْ الشُّهُورِ، أَيْ لِاشْتِمَالِ التَّرَبُّصِ عَلَى الْعَدَدِ مِنْ اشْتِمَالِ الشَّيْءِ عَلَى قَيْدِهِ [قَوْلُهُ: وَحُكْمُهَا الْوُجُوبُ] أَيْ هَذَا الِانْتِظَارُ وَاجِبٌ عَلَى الْمَرْأَةِ [قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235]

بَيْتِك حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ وَأَنْوَاعُهَا ثَلَاثَةٌ: أَقْرَاءٌ وَشُهُورٌ وَحَمْلٌ، أَمَّا الْأَقْرَاءُ فَهِيَ لِلْمُطَلَّقَةِ ذَاتِ الْحَيْضِ حُرَّةً، أَوْ أَمَةً وَإِلَى الْأُولَى أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ الْمُطَلَّقَةِ) ذَاتِ الْحَيْضِ (ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ) سَوَاءٌ كَانَتْ مُسْلِمَةً، أَوْ كِتَابِيَّةً لِشُمُولِ عُمُومِ الْآيَةِ الْجَمِيعَ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ أَشَارَ إلَى الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: (وَالْأَمَةُ) أَيْ وَعِدَّةُ الْأَمَةِ الْقِنِّ (وَمَنْ فِيهَا بَقِيَّةُ رِقٍّ) كَالْمُكَاتَبَةِ، وَالْمُدَبَّرَةِ ذَاتِ الْحَيْضِ (قُرْآنِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّهَا سَوَاءٌ (كَانَ الزَّوْجُ فِي جَمِيعِهِنَّ) أَيْ جَمِيعِ مَنْ ذَكَرَ، وَهِيَ الْحُرَّةُ الْمُسْلِمَةُ، وَالْكِتَابِيَّةُ، وَالْأَمَةُ وَمَنْ فِيهَا بَقِيَّةُ رِقٍّ (حُرًّا، أَوْ عَبْدًا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعِدَّةَ مُعْتَبَرَةٌ بِالنِّسَاءِ، وَالطَّلَاقَ مُعْتَبَرٌ بِالرِّجَالِ (وَالْأَقْرَاءُ) عِنْدَنَا (هِيَ الْأَطْهَارُ الَّتِي بَيْنَ الدَّمَيْنِ) وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هِيَ الْحَيْضُ.

وَأَمَّا الشُّهُورُ فَتَعْتَدُّ بِهَا سِتَّةً أَشَارَ إلَى اثْنَيْنِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ كَانَتْ) أَيْ الْمُطَلَّقَةُ (مِمَّنْ لَمْ تَحِضْ) لِصِغَرٍ وَيُوطَأُ مِثْلُهَا أُمِنَ حَمْلُهَا أَمْ لَا (أَوْ) كَانَتْ (مِمَّنْ قَدْ يَئِسَتْ مِنْ الْمَحِيضِ) كَبِنْتِ سَبْعِينَ سَنَةً فَعِدَّتُهَا (ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ)

[حاشية العدوي]

] فِيهِ أَنَّ الدَّلَالَةَ إنَّمَا هِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 235] إذْ الْمَعْنَى لَا تَقْرَبُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ بِأَنْ تَعْزِمُوا عَلَيْهِ، كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ حَوَاشِي التَّفْسِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ التَّرَبُّصُ الْمَذْكُورُ غَايَتَهُ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اُمْكُثِي» لَا يَخْفَى أَنَّ الدَّلَالَةَ إنَّمَا هِيَ مِنْ الْأَمْرِ لَا مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِهِ [قَوْلُهُ: وَأَنْوَاعُهَا ثَلَاثَةٌ] أَيْ أَنْوَاعُ الْعِدَّةِ لَا يَخْفَى أَنَّ أَنْوَاعَ التَّرَبُّصِ تَرَبُّصَاتٌ، وَالْأَقْرَاءُ، وَالشُّهُورُ، وَالْحَمْلُ لَيْسَتْ تَرَبُّصَاتٍ [قَوْلُهُ: وَحَمْلٌ] أَيْ زَمَنُ الْحَمْلِ لَا أَنَّهُ نَفْسُ الْحَمْلِ لَا وَضْعُ الْحَمْلِ بَلْ الزَّمَنُ الَّذِي يَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ.
قَالَ خَلِيلٌ وَعِدَّةُ الْحَامِلِ فِي طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ وَضْعُ حَمْلِهَا، قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ يَعْنِي أَنَّ الْحَامِلَ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ حَمْلِهَا كُلِّهِ [قَوْلُهُ: وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ] أَيْ الْبَالِغِ غَيْرِ الْحَامِلِ الْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ خَلْوَةِ زَوْجِهَا الْبَالِغِ غَيْرِ الْمَجْبُوبِ خَلْوَةً، يُمْكِنُ وَطْؤُهَا فِيهَا خَلْوَةَ اهْتِدَاءٍ أَوْ زِيَارَةٍ، وَإِنْ تَصَادَقَا عَلَى نَفْيِ الْوَطْءِ فِي تِلْكَ الْخَلْوَةِ لِحَقِّ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ دُخُولٌ وَلَا خَلْوَةٌ أُخِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِإِقْرَارِهِ فَإِنْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِالدُّخُولِ وَجَبَتْ الْعِدَّةُ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَقَرَّ هُوَ بِالدُّخُولِ لَزِمَهُ تَكْمِيلُ الصَّدَاقِ، وَالنَّفَقَةُ، وَالْكِسْوَةُ، وَقَيَّدْنَا الْحُرَّةَ بِالْبَالِغَةِ لِقَوْلِهِ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَبِغَيْرِ الْحَامِلِ؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا وَضْعُ حَمْلِهَا، وَبِالزَّوْجِ الْبَالِغِ؛ لِأَنَّ زَوْجَةَ الصَّبِيِّ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا فِي الطَّلَاقِ، بِخِلَافِ الْمَوْتِ وَبِغَيْرِ الْمَجْبُوبِ؛ لِأَنَّ زَوْجَتَهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا مِنْ طَلَاقِهِ.
وَأَمَّا الْخَصِيُّ الْقَائِمُ الذَّكَرِ الْمَقْطُوعُ الْأُنْثَيَيْنِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ وَطْأَهُ يُوجِبُ الْعِدَّةَ عَلَى زَوْجَتِهِ إذَا طَلَّقَهَا، وَإِنْ كَانَ مَجْبُوبَ الذَّكَرِ قَائِمَ الْخَصْيِ فَهَذَا إنْ كَانَ يُولَدُ لِمِثْلِهِ فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَيَلْزَمُهُ الْوَلَدُ وَإِلَّا فَلَا يُسْأَلُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ عَنْهُ [قَوْلُهُ: ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ] ، وَلَوْ كَانَ يَأْتِيهَا فِي كُلِّ عَشْرِ سِنِينَ مَرَّةً، وَلَوْ فِي مُجْمَعٍ عَلَى فَسَادِهِ إنْ دَرَأَ الْحَدَّ وَإِلَّا فَزِنًا، وَتَمْكُثُ فِيهِ قَدْرَ عِدَّتِهَا وَتَحِلُّ لِغَيْرِ الْمُطَلِّقِ بِأَوَّلِ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ إنْ طَلُقَتْ فِي طُهْرٍ، وَالرَّابِعَةِ إنْ طَلُقَتْ فِي حَيْضٍ وَيُنْدَبُ لَهَا أَنْ لَا تَتَعَجَّلَ بِالْعَقْدِ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ حَتَّى يَمْضِيَ يَوْمٌ أَوْ بَعْضُهُ، قُلْنَا يُنْدَبُ، وَإِنْ كَانَ قَضِيَّةُ مَا ذُكِرَ الْوُجُوبَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِمْرَارُ الدَّمِ، وَلَوْ مُسِخَ الرَّجُلُ لَزِمَ زَوْجَتَهُ الْعِدَّةُ، عِدَّةُ طَلَاقٍ إنْ مُسِخَ حَيَوَانًا وَعِدَّةُ وَفَاةٍ إنْ مُسِخَ جَمَادًا فَلَوْ مُسِخَتْ هِيَ وَهِيَ رَابِعَةٌ تَزَوَّجَ مَكَانَهَا مُطْلَقًا جَمَادًا أَوْ حَيَوَانًا [قَوْلُهُ: أَوْ كِتَابِيَّةً] أَيْ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ وَأَرَادَ مُسْلِمٌ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا فَتُدَبَّرُ [قَوْلُهُ: لِشُمُولِ عُمُومِ الْآيَةِ] أَيْ لِشُمُولِ الْآيَةِ الْجَمِيعَ مِنْ حَيْثُ عُمُومُهَا [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْقَافِ] وَهُوَ الْأَفْصَحُ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ اللُّغَةِ [قَوْلُهُ: عِنْدَنَا] أَيْ لَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَهُوَ الْمُحْتَرِزُ فَقَطْ [قَوْلُهُ: بَيْنَ الدَّمَيْنِ] الْأَنْسَبُ بِلَفْظِ الْأَقْرَاءِ الدِّمَاءُ؛ لِأَنَّ الَّذِي بَيْنَ الدَّمَيْنِ قُرْءٌ وَاحِدٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْأَقْرَاءِ، وَلَوْ تَأَخَّرَ لِرَضَاعٍ أَوْ اسْتِحَاضَةٍ وَمَيَّزَتْ وَإِلَّا كَانَتْ مُرْتَابَةً.

[قَوْلُهُ: وَيُوطَأُ مِثْلُهَا] وَأَمَّا مَنْ لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَمَحِلُّ كَوْنِهَا تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ مَا لَمْ تَرَ الْحَيْضَ فِي آخِرِهَا وَإِلَّا انْتَقَلَتْ لِلْأَقْرَاءِ [قَوْلُهُ: كَبِنْتِ سَبْعِينَ] أَيْ مَنْ أَوْفَتْ سَبْعِينَ لَا مَنْ دَخَلَتْ فِي السَّنَةِ الْمُتَمِّمَةِ لِلسَّبْعِينَ كَمَا أَفَادَهُ عج وَحَاصِلُ مَا فِي ذَلِكَ أَنَّ مَنْ بَلَغَتْ سَبْعِينَ عَامًا تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ قَطْعًا فَإِذَا نَزَلَ دَمٌ عَلَيْهَا لَا عِبْرَةَ بِهِ وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْ خَمْسِينَ دَمُهَا حَيْضٌ قَطْعًا، وَلَا تَسْأَلُ فِيهِ النِّسَاءَ وَمَنْ بَلَغَتْ خَمْسِينَ وَلَمْ تَبْلُغْ سَبْعِينَ وَنَزَلَ عَلَيْهَا دَمٌ يُسْأَلُ فِيهِ النِّسَاءُ هَلْ

اتِّفَاقًا (فِي الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ) ، أَوْ الْكِتَابِيَّةِ (وَ) عَلَى الْمَشْهُورِ (فِي الْأَمَةِ) وَتُعْتَبَرُ الشُّهُورُ بِالْأَهِلَّةِ فَإِذَا طَلُقَتْ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ عَمِلَتْ عَلَى الْأَهِلَّةِ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي، وَالثَّالِثِ وَكَمَّلَتْ الَّذِي طَلُقَتْ فِيهِ مِنْ الشَّهْرِ الرَّابِعِ، وَلَا تَحْسِبُ يَوْمَ الطَّلَاقِ.

وَالثَّالِثَةُ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ الْمُسْتَحَاضَةِ أَوْ الْأَمَةِ) الْمُسْتَحَاضَةِ (فِي الطَّلَاقِ سَنَةٌ) تِسْعَةُ أَشْهُرٍ اسْتِبْرَاءً وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ عِدَّةً، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُمَيِّزَةً، أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ اتِّفَاقًا، وَعَلَى قَوْلٍ فِي الْأُولَى، وَالْمَشْهُورُ فِيهَا أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ الثَّلَاثَةِ لَا بِالسَّنَةِ، وَتَمْيِيزُ الدَّمِ يَكُونُ بِرَائِحَتِهِ، أَوْ بِلَوْنِهِ وَكَثْرَتِهِ،

وَفَصَلَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ بِالنَّوْعِ الثَّالِثِ وَمَسْأَلَةٍ فَقَالَ: (وَعِدَّةُ الْحَامِلِ فِي وَفَاةٍ) عَلَى الْمَشْهُورِ (أَوْ طَلَاقٍ) اتِّفَاقًا (وَضْعُ حَمْلِهَا) كُلِّهِ إذَا كَانَ ثَابِتَ النَّسَبِ، وَلَوْ بِلَحْظَةٍ (سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً، أَوْ أَمَةً) مُسْلِمَتَيْنِ (أَوْ) حُرَّةً (كِتَابِيَّةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

[حاشية العدوي]

هُوَ حَيْضٌ أَوْ لَا [قَوْلُهُ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْأَمَةِ إلَخْ] اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِ الْفَاكِهَانِيِّ وَلَا خِلَافَ فِي الْحَرَائِرِ، وَالْأَمَةُ عِنْدَنَا كَالْحُرَّةِ، وَاخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ مَرَّةً كَقَوْلِنَا وَتَارَةً قَالَ شَهْرَانِ وَتَارَةً قَالَ شَهْرٌ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الثَّلَاثَةُ الْأَشْهُرِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَظْهَرُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا [قَوْلُهُ: الشُّهُورُ] أَيْ الثَّلَاثَةُ بِالْأَهِلَّةِ جَمْعُ هِلَالٍ أَيْ لَا بِالْعَدَدِ [قَوْلُهُ: عَمِلَتْ عَلَى الْأَهِلَّةِ] أَيْ جِنْسِ الْأَهِلَّةِ الْمُتَحَقِّقِ فِي شَيْئَيْنِ أَوْ أَرَادَ بِالْجَمْعِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ [قَوْلُهُ: وَكَمَّلَتْ الَّذِي طَلُقَتْ فِيهِ] ، وَلَوْ كَانَ الْمُنْكَسِرُ نَاقِصًا [قَوْلُهُ: وَلَا تَحْسِبُ يَوْمَ الطَّلَاقِ] أَيْ إنْ طَلُقَتْ بَعْدَ فَجْرِهِ أَيْ لَا تَعْتَبِرُهُ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ لَا مِنْ حَيْثُ حُكْمِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ مُعْتَبَرٌ فَلَا تُخْطَبُ وَلَا يُعْقَدُ عَلَيْهَا.

[قَوْلُهُ: وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ الْمُسْتَحَاضَةِ] وَمِثْلُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي ذَلِكَ مَنْ تَأَخَّرَ حَيْضُهَا لِمَرَضٍ وَمِنْهُ الطَّرِبَةُ أَوْ تَأَخَّرَ بِلَا سَبَبٍ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَبَّصَانِ تِسْعَةً لِلِاسْتِبْرَاءِ لِزَوَالِ الرِّيبَةِ وَتَعْتَدُّ بِثَلَاثَةٍ، وَأَمَّا إنْ تَأَخَّرَ الرَّضَاعُ فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ ثُمَّ إنَّ الْمُرْتَابَةَ بِتَأْخِيرِ الْحَيْضِ لِمَرَضٍ أَوْ بِلَا سَبَبٍ إذَا حَاضَتْ فِي السَّنَةِ تَنْتَظِرُ الْحَيْضَةَ الثَّانِيَةَ، أَوْ تَمَامَ السَّنَةِ مِنْ يَوْمِ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ الَّذِي أَتَاهَا، وَالسَّنَةُ الْمَذْكُورَةُ كَالْأُولَى مِنْهَا تِسْعَةٌ اسْتِبْرَاءً وَثَلَاثَةٌ عِدَّةً فَإِنْ انْتَهَتْ الْحَيْضَةُ الثَّانِيَةُ قَبْلَ مُضِيِّ سَنَةٍ مِنْ طُهْرِهَا انْتَظَرَتْ الْحَيْضَةَ الثَّالِثَةَ أَوْ تَمَامَ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ طُهْرِهَا مِنْ الثَّانِيَةِ، وَإِذَا مَيَّزَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ دَمَ الْحَيْضِ قَبْلَ تَمَامِ سَنَةٍ انْتَظَرَتْ الْحَيْضَةَ الثَّانِيَةَ أَوْ تَمَامَ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ طَهُرَتْ مِنْ الْأُولَى، فَإِنْ مَضَتْ سَنَةٌ مِنْ يَوْمِ طَهُرَتْ وَلَمْ تُمَيِّزْ حَلَّتْ، وَإِنْ مَيَّزَتْ انْتَظَرَتْ الثَّالِثَةَ أَوْ تَمَامَ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ طُهْرِهَا مِنْ الثَّانِيَةِ، هَذَا مَا يُفِيدُهُ نَقْلُ أَبِي الْحَسَنِ فِي الْكَبِيرِ اُنْظُرْ عج.
[قَوْلُهُ: تِسْعَةُ أَشْهُرٍ إلَخْ] وَهَلْ تُعْتَبَرُ التِّسْعَةُ مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ أَوْ مِنْ يَوْمِ ارْتَفَعَتْ حَيْضَتُهَا، قَوْلَانِ أَيْ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْعِدَّةُ سَنَةٌ تَسْمَحُ، وَالشَّابَّةُ الَّتِي لَمْ تَحِضْ فِي عُمُرِهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، أَمَّا مَنْ حَاضَتْ فِي عُمُرِهَا ثُمَّ انْقَطَعَ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ الْأَقْرَاءِ أَوْ تَمَامِ سَنَةٍ بَيْضَاءَ [قَوْلُهُ: وَتَمْيِيزُ الدَّمِ يَكُونُ بِرَائِحَتِهِ] أَيْ رَائِحَةِ دَمِ الْحَيْضِ إلَخْ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا نَقَلَهُ زَرُّوقٌ عَلَى الْإِرْشَادِ، النِّسَاءُ يَزْعُمْنَ أَنَّهُنَّ يَعْرِفْنَهُ بِرَائِحَتِهِ، وَلَوْنِهِ اهـ. وَقَوْلُهُ وَكَثْرَتُهُ.
أَيْ دَمُ الْحَيْضِ كَثِيرٌ وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ قَلِيلٌ ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ

[قَوْلُهُ: بِالنَّوْعِ الثَّالِثِ] أَيْ وَهُوَ الْحَمْلُ وَقَوْلُهُ: وَمَسْأَلَةٍ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: النَّوْعِ الثَّالِثِ، وَتِلْكَ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: وَالْمُطَلَّقَةُ إلَخْ [قَوْلُهُ: وَعِدَّةُ الْحَامِلِ إلَخْ] ، وَلَوْ تَسَبَّبَتْ فِي إخْرَاجِهِ، وَإِنْ دَمًا اجْتَمَعَ [قَوْلُهُ: فِي وَفَاةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ] اُنْظُرْهُ مَعَ قَوْلِ الْفَاكِهَانِيِّ وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ مِنْ الْحَمْلِ، وَالْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ [قَوْلُهُ: وَضْعُ حَمْلِهَا كُلِّهِ] وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ أَبَدًا حَيْثُ تَحَقَّقَ أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ وُجُودُهُ بِبَطْنِهَا، وَلَوْ مَيِّتًا، وَكَذَا إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودُهُ عِنْدَ جَمْعٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ.
وَعَنْ ابْنِ نَاجِي الْمَشْهُورُ، الِاكْتِفَاءُ بِمُضِيِّ أَقْصَى الْحَمْلِ فِي هَذَا الْفَرْضِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ عَنْ ابْنِ دَحُونٍ، أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وَضْعِهِ كُلِّهِ، وَلَوْ مَاتَ وَتَسْقُطُ النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهَا لِلْحَمْلِ وَقَدْ مَاتَ وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِمَوْتِهِ [قَوْلُهُ: إذَا كَانَ ثَابِتَ النَّسَبِ] حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لِيَدْخُلَ وَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ [قَوْلُهُ: وَلَوْ بِلَحْظَةٍ] أَيْ، وَلَوْ وَضَعَتْهُ عَقِبَ الْوَفَاةِ أَوْ الطَّلَاقِ بِلَحْظَةٍ [قَوْلُهُ: أَوْ حُرَّةً كِتَابِيَّةً] أَيْ، وَالزَّوْجُ مُسْلِمٌ احْتِرَازًا مِنْ الْكَافِرِ فَإِنَّ زَوْجَتَهُ تَعْتَدُّ مِنْ وَفَاتِهِ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ إنْ دَخَلَ بِهَا.
وَمُلَخَّصُهُ أَنَّهُ

﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] وَهَذِهِ الْآيَةُ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] وَتَقْيِيدُنَا بِكُلِّهِ لِبَيَانِ أَنَّهَا لَوْ وَضَعَتْ أَحَدَ التَّوْأَمَيْنِ لَمْ تَحِلَّ إلَّا بِوَضْعِ الثَّانِي، وَبِثَابِتِ النَّسَبِ احْتِرَازًا مِنْ زَوْجَةِ الصَّبِيِّ وَمَقْطُوعِ الذَّكَرِ فَإِنَّ زَوْجَتَهُمَا لَا تَخْرُجُ مِنْ الْعِدَّةِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَلْحَقُ بِالزَّوْجِ وَتُحَدُّ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُ زِنًا.

وَحُكْمُهَا فِي الْعِدَّةِ حُكْمُ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَالْمُطَلَّقَةُ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا) حُرَّةً كَانَتْ، أَوْ أَمَةً مُسْلِمَةً، أَوْ كِتَابِيَّةً صَحِيحًا كَانَ الزَّوْجُ أَوْ مَرِيضًا (لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49] وَلَا مَفْهُومَ لِصِفَةِ الْإِيمَانِ هُنَا بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ، إنَّمَا شُرِعَتْ فِي الطَّلَاقِ لِاخْتِيَارِ حَالِ الرَّحِمِ

ثُمَّ أَشَارَ إلَى الرَّابِعَةِ مِمَّنْ تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ بِقَوْلِهِ: (وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ) غَيْرِ الْحَامِلِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً، أَوْ غَيْرَ مُسْتَحَاضَةٍ (مِنْ الْوَفَاةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ كَانَتْ) الزَّوْجَةُ (صَغِيرَةً، أَوْ كَبِيرَةً دَخَلَ بِهَا) الزَّوْجُ (أَوْ لَمْ يَدْخُلْ مُسْلِمَةً كَانَتْ، أَوْ كِتَابِيَّةً) كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا، أَوْ كَبِيرًا بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ.

،

[حاشية العدوي]

كَالنِّكَاحِ الْمُجْمَعِ عَلَى فَسَادِهِ فِيهِ عِدَّةُ الطَّلَاقِ إنْ دَخَلَ وَإِلَّا فَلَا [قَوْلُهُ: وَهَذِهِ الْآيَةُ مُخَصِّصَةٌ] قَالَ الْبِسَاطِيُّ فَإِنْ قُلْت قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: 4] أَعَمُّ مِنْ الْمُطَلَّقَةِ، وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 234] إلَخْ أَعَمُّ مِنْ الْحَامِلِ وَغَيْرِهَا فَلِمَ قَضَى عَلَى هَذِهِ بِتِلْكَ وَلَمْ يَعْكِسْ قُلْت وَضْعُ الْحَمْلِ أَدَلُّ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنْ الزَّمَانِ اهـ، وَيُرَدُّ عَلَى هَذَا الْحَمْلُ الْمُسْتَنِدُ لِشُبْهَةٍ فَإِنَّهُ إذَا حَصَلَ فِي أَثْنَاءِ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعِ، وَالْعَشْرِ لَا تَنْقَضِي بِهِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَكَذَا إنْ كَانَ ابْنَ زِنًا إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْحَمْلُ مُلْحَقًا بِالزَّوْجِ، وَلَكِنَّ التَّعْلِيلَ يَقْضِي أَنَّهُ يَجْرِي فِي ذَلِكَ وَفِيمَا أُلْحِقَ بِغَيْرِهِ أَيْضًا [قَوْلُهُ: لَمْ تَحِلَّ إلَّا بِوَضْعِ الثَّانِي] ، وَكَذَا لَوْ نَزَلَ بَعْضُ الْوَاحِدِ وَبَقِيَ بَعْضُهُ فَلَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْحَمْلُ بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِهِ وَبَقِيَ فِي بَطْنِهَا نَحْوُ عُضْوٍ مُنْفَصِلٍ كَمَا لَوْ تَقَطَّعَ الْحَمْلُ وَتَأَخَّرَ ذَلِكَ، أَنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي.
وَاسْتَظْهَرَ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ، وَلَوْ بِوَضْعِ حَيَوَانٍ بَهِيمِيٍّ فَإِنْ طَلُقَتْ أَوْ مَاتَ عَنْهَا بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِهِ حَلَّتْ بِخُرُوجِ بَاقِيهِ، وَلَوْ قَلَّ لِدَلَالَتِهِ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، فَإِنْ شَكَّ هَلْ وَقَعَ الطَّلَاقُ أَوْ الْمَوْتُ قَبْلَ خُرُوجِ بَقِيَّتِهِ أَوْ بَعْدَهُ، فَالظَّاهِرُ الِاسْتِئْنَافُ لِلِاحْتِيَاطِ وَلَهُ رَجْعَتُهَا قَبْلَ خُرُوجِ بَاقِيهِ أَوْ الْآخَرُ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ [قَوْلُهُ: فَإِنَّ زَوْجَتَهُمَا إلَخْ] أَيْ لَا مِنْ مَوْتٍ وَلَا مِنْ طَلَاقٍ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ فِي الطَّلَاقِ وَتَعُدُّ نِفَاسَهَا حَيْضَةً، أَيْ وَلَوْ حَاضَتْ زَمَنَ الْحَمْلِ وَعَلَيْهَا فِي الْوَفَاةِ أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ وَهُوَ الْمُتَأَخِّرُ مِنْ الْوَضْعِ أَوْ تَمَامُ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَعَشْرٍ فِي الْحُرَّةِ أَوْ الشَّهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ فِي الْأَمَةِ

[قَوْلُهُ: وَحُكْمُهَا فِي الْعِدَّةِ] ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْعِدَّةِ أَنَّ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ أَنْ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا فَالصَّوَابُ حَذْفُ هَذَا [قَوْلُهُ: الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا] أَيْ الْمُطَلِّقُ أَوْ دَخَلَ وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ تُقِرَّ الزَّوْجَةُ بِهِ، أَوْ يَظْهَرَ بِهَا حَمْلٌ وَلَمْ يَنْفِهِ فَتَجِبُ الْعِدَّةُ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ فِي الْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ بُلُوغِ زَوْجٍ وَإِطَاقَةِ زَوْجَةٍ؛ لِأَنَّ فِيهَا ضَرْبًا مِنْ التَّعَبُّدِ [قَوْلُهُ: وَلَا مَفْهُومَ لِصِفَةِ الْإِيمَانِ هُنَا] أَيْ فِي قَوْلِهِ الْمُؤْمِنَاتِ، وَالتَّقْيِيدُ بِالظَّرْفِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ صِفَةِ الْإِيمَانِ فِي بَابِ الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ الْأُولَى أَنْ يَأْتِيَ بِالْوَاوِ فَيَقُولُ وَلِأَنَّ إلَخْ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ

[قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً] أَيْ وَتُمَيِّزُ لِمَا سَيَأْتِي [قَوْلُهُ: مِنْ الْوَفَاةِ] حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَزَوْجَةِ الْمَفْقُودِ كَانَتْ فِي الْعِصْمَةِ أَوْ مُطَلَّقَةً طَلْقَةً رَجْعِيَّةً [قَوْلُهُ: صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً] ، وَلَوْ كَانَتْ الصَّغِيرَةُ غَيْرَ مُطِيقَةٍ أَوْ الْكَبِيرَةُ لَا يُولَدُ لِمِثْلِهَا [قَوْلُهُ: أَوْ كِتَابِيَّةً] أَيْ حَيْثُ كَانَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ مُسْلِمًا دَخَلَ بِهَا أَمْ لَا أَرَادَ مُسْلِمٌ أَخْذَهَا أَمْ لَا، وَأَمَّا الذِّمِّيَّةُ تَحْتَ ذِمِّيٍّ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ وَأَرَادَ مُسْلِمٌ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا أَوْ تَحَاكَمُوا إلَيْنَا فَتَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ [قَوْلُهُ: بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ] أَيْ أَوْ فَاسِدٍ مُخْتَلَفٍ فِي فَسَادِهِ وَأَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَى فَسَادِهِ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا إلَّا بِدُخُولِ زَوْجٍ بَالِغٍ وَهِيَ مُطِيقَةٌ فَتَعْتَدُّ

وَالْخَامِسَةُ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَفِي الْأَمَةِ) أَيْ، وَالْعِدَّةُ مِنْ الْوَفَاةِ فِي حَقِّ الْأَمَةِ الْقِنِّ (وَمَنْ فِيهَا بَقِيَّةُ رِقٍّ) دَخَلَ بِهَا، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ وَلَمْ تَكُنْ حَامِلًا (شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ) وَقَوْلُهُ: (مَا لَمْ تَرْتَبْ الْكَبِيرَةُ ذَاتُ الْحَيْضِ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ فَتَقْعُدَ حَتَّى تَذْهَبَ الرِّيبَةُ) لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ قَيْدًا فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَالْأَمَةِ فِي الْوَفَاةِ، وَذَهَابُ الرِّيبَةِ يَكُونُ بِحَيْضَةٍ، أَوْ بِتَمَامِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ.

ثُمَّ أَشَارَ إلَى السَّادِسَةِ بِقَوْلِهِ: (وَأَمَّا) الْأَمَةُ (الَّتِي لَا تَحِيضُ لِصِغَرٍ، أَوْ كِبَرٍ، وَقَدْ بُنِيَ بِهَا فَلَا تُنْكَحُ فِي الْوَفَاةِ إلَّا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ) ظَاهِرُهُ أُمِنَ حَمْلُهَا أَمْ لَا، وَهُوَ وَرِوَايَةُ أَشْهَبَ وَرِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا اخْتِلَافٌ فِي التَّوْجِيهِ، لَا خِلَافَ فِي الْفِقْهِ شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ لِلصَّغِيرَةِ الَّتِي يُؤْمَنُ عَلَيْهَا الْحَمْلُ وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ لِمَنْ يُخَافُ عَلَيْهَا الْحَمْلُ قَالَ ك.

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسْأَلَةٍ مِمَّا تَبَرَّعَ بِهَا فِي الْبَابِ فَقَالَ: (، وَالْإِحْدَادُ) ، وَهُوَ لُغَةً الِامْتِنَاعُ وَشَرْعًا (أَلَّا تَقْرَبَ الْمُعْتَدَّةُ مِنْ الْوَفَاةِ) عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ (شَيْئًا مِنْ الزِّينَةِ) ظَاهِرُهُ كَبِيرَةً كَانَتْ، أَوْ صَغِيرَةً

[حاشية العدوي]

كَالْمُطَلَّقَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْمَتْنِ أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَحِلُّ بِانْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَمَأْمُونَةَ الْحَمْلِ إمَّا لِصِغَرِهَا أَوْ يَأْسِهَا أَوْ كَوْنِ الزَّوْجِ لَا يُولَدُ لَهُ أَوْ لَمْ تَحِضْ أَصْلًا تَحِلُّ بِالْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَكَذَا غَيْرُ مَأْمُونَةِ الْحَمْلِ وَلَكِنْ تُتِمُّ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ قَبْلَ مَجِيءِ زَمَنِ حَيْضِهَا.
وَقَالَ النِّسَاءُ لَا رِيبَةَ بِهَا أَوْ لَا تُتِمُّ وَلَكِنْ أَتَاهَا الْحَيْضُ فِيهَا أَوْ تَأَخَّرَ لِرَضَاعٍ كَمَرَضٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ بَشِيرٍ، وَأَمَّا إنْ تَأَخَّرَ لِغَيْرِ عِلَّةٍ أَوْ اُسْتُحِيضَتْ وَلَمْ تُمَيِّزْ أَوْ قَالَ النِّسَاءُ بِهَا رِيبَةٌ كَمَرَضٍ عَلَى الرَّاجِحِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحَيْضَةِ أَوْ تَمَامِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ زَالَتْ الرِّيبَةُ عِنْدَ التِّسْعَةِ حَلَّتْ وَإِلَّا انْتَظَرَتْ أَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ إلَّا أَنْ تَزُولَ الرِّيبَةُ قَبْلُ، وَالْأَقْصَى قِيلَ أَرْبَعٌ وَقِيلَ خَمْسٌ

[قَوْلُهُ: وَفِي الْأَمَةِ] أَيْ عَلَى التَّفْصِيلِ السَّابِقِ مِنْ صِحَّةِ النِّكَاحِ وَفَسَادِهِ [قَوْلُهُ: أَيْ وَالْعِدَّةُ مِنْ الْوَفَاةِ إلَخْ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفَ الْمُبْتَدَأِ لِدَلَالَةِ مَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ] مَعَ أَيَّامِهَا حَيْثُ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا أَوْ صَغِيرَةً أَوْ يَائِسَةً أَوْ ذَاتَ زَوْجٍ مَجْبُوبٍ أَوْ صَغِيرٍ أَوْ رَأَتْ الْحَيْضَ فِي دَاخِلِهَا أَوْ لَمْ يَأْتِهَا أَصْلًا، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَحِضْ فِيهَا وَعَادَتُهَا الْحَيْضُ بَعْدَهُمَا فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ كَتَأَخُّرِهَا لِرَضَاعٍ أَوْ مَرَضٍ عَلَى مَا ذَكَرَ هُنَا، فَإِنْ تَأَخَّرَتْ لَا لِشَيْءٍ مَكَثَتْ تِسْعَةً إلَّا أَنْ تَحِيضَ قَبْلَهَا، وَكَذَا إنْ ارْتَابَتْ بِجَسٍّ تَمْكُثُ تِسْعَةً إنْ لَمْ تَحِضْ قَبْلَهَا فَإِنْ حَاضَتْ أَثْنَاءَهَا حَلَّتْ، فَإِنْ لَمْ تَحِضْ وَتَمَّتْ التِّسْعَةَ حَلَّتْ إنْ زَالَتْ الرِّيبَةُ فَإِنْ بَقِيَتْ انْتَظَرَتْ زَوَالَهَا أَوْ أَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ، فَإِنْ مَضَى أَقْصَاهُ حَلَّتْ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ وُجُودُهُ بِبَطْنِهَا [قَوْلُهُ: مَا لَمْ تَرْتَبْ الْكَبِيرَةُ ذَاتُ الْحَيْضِ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ] الْمُعْتَادُ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي مَسْأَلَتَيْ الْحُرَّةِ، وَالْأَمَةِ مَعْنَى تِلْكَ الْعِبَارَةِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ تَنْتَظِرُ التِّسْعَةَ أَوْ الْحَيْضَةَ وَقَدْ أَفَادَهُ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -[قَوْلُهُ: وَذَهَابُ الرِّيبَةِ] أَيْ الْحَاصِلَةُ بِالتَّأْخِيرِ لَا بِالْجَسِّ وَقَوْلُهُ أَوْ بِتَمَامِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ هَكَذَا قَالَ الشَّارِحُ، وَأَصْلُهُ لِلْمُصَنِّفِ زَادَ ابْنُ عُمَرَ عَلَيْهِ مَا تَتِمُّ بِهِ الْفَائِدَةُ فَقَالَ فَإِنْ مَضَتْ التِّسْعَةُ حَلَّتْ، إلَّا أَنْ تُحِسَّ بِبَطْنِهَا شَيْئًا فَإِنَّهَا تَبْقَى أَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ اهـ. قَالَ الْحَطَّابُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ طَرَأَتْ لَهَا رِيبَةُ الْبَطْنِ فِي آخِرِ التِّسْعَةِ أَوْ بَعْدَ كَمَالِهَا؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ إنْ تَأَخَّرَ حَيْضُهَا لَا لِرِيبَةٍ وَلَا لِعُذْرٍ اهـ، وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ تَبْقَى أَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ وُجُودُهُ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ وُجُودُهُ فَلَا تَخْرُجُ مِنْ الْعِدَّةِ إلَّا بِوَضْعِهِ أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ

[قَوْلُهُ: وَهُوَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ] أَيْ كَوْنُ الْإِنْكَاحِ فِي الْوَفَاةِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ رِوَايَةُ أَشْهَبَ [قَوْلُهُ: ابْنُ رُشْدٍ إلَخْ] غَرَضُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ وَقَوْلُهُ هَذَا اخْتِلَافٌ فِي التَّوْجِيهِ، التَّوْجِيهُ فِعْلُ الْمُوَجِّهِ وَلَيْسَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ لَوْ قَالَ: وَهَذَا اخْتِلَافٌ بِاعْتِبَارِ حَالَيْنِ، وَقَوْلُهُ شَهْرَانِ إلَخْ أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ [قَوْلُهُ: يُؤْمَنُ عَلَيْهَا إلَخْ] أَيْ بِأَنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ وَقَوْلُهُ وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ [قَوْلُهُ: يُخَافُ عَلَيْهَا الْحَمْلُ] ، وَلَوْ شَكًّا هَذَا مَا ظَهَرَ قَالَ عج، وَهَذَا الْخِلَافُ جَارٍ فِي الْآيِسَةِ أَيْضًا

[حُكْم الْإِحْدَادُ]

[قَوْلُهُ: وَالْإِحْدَادُ إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ الْأَلْفَ، وَاللَّامَ لِلْعَهْدِ وَهُوَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، فَنَقُولُ أَرَادَ الْإِحْدَادَ الْمَعْهُودَ شَرْعًا [قَوْلُهُ: أَنْ لَا تَقْرَبَ] بِالْفَتْحِ، وَالضَّمِّ وَعَرَّفَهُ

حُرَّةً، أَوْ أَمَةً مُسْلِمَةً، أَوْ كِتَابِيَّةً، وَالزِّينَةُ تَكُونُ بِأَشْيَاءَ أَحَدُهَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (بِحُلِيٍّ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ جَمْعُ حَلْيٍ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ كَالسِّوَارِ، وَالْخَلْخَالِ ذَهَبًا كَانَ، أَوْ فِضَّةً.
وَثَانِيهَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ كُحْلٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ لِضَرُورَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ، وَلَا تَكْتَحِلُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ، وَثَالِثُهَا: إزَالَةُ الشَّعَثِ عَنْ نَفْسِهَا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (أَوْ غَيْرِهِ) فَلَا تَدْخُلُ الْحَمَّامَ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ وَلَا تَطْلِي جَسَدَهَا بِالنُّورَةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ تَسْتَحِدَّ وَتَنْتِفَ إبْطَهَا وَتُقَلِّمَ أَظْفَارَهَا وَتَحْتَجِمَ (وَتَجْتَنِبَ الصِّبَاغَ كُلَّهُ إلَّا الْأَسْوَدَ) فَإِنَّهُ لِبَاسُ الْحُزْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ زِينَةَ قَوْمٍ فَتَجْتَنِبَهُ.
(وَ) كَذَلِكَ (تَجْتَنِبُ الطِّيبَ كُلَّهُ) مُذَكَّرَهُ، وَهُوَ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَتْ رَائِحَتُهُ كَالْوَرْدِ وَمُؤَنَّثَهُ، وَهُوَ مَا خَفِيَ لَوْنُهُ وَظَهَرَتْ رَائِحَتُهُ كَالْمِسْكِ، وَإِنَّمَا مُنِعَتْ مِنْ الزِّينَةِ، وَالطِّيبِ؛ لِأَنَّهُمَا يَدْعُوَانِ إلَى النِّكَاحِ (وَلَا تَخْتَضِبُ بِحِنَّاءٍ) بِالْمَدِّ لَيْسَ إلَّا أَنَّهَا مِنْ الزِّينَةِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ الطِّيبِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ (وَلَا تَقْرَبُ دُهْنًا مُطَيَّبًا) وَفِي نُسْخَةٍ وَلَا دُهْنَ مُطَيِّبٍ (وَلَا تَمْتَشِطُ بِمَا يَخْتَمِرُ فِي رَأْسِهَا) ، وَهُوَ مَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ صَرَّحَ بِمَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ زِيَادَةُ إيضَاحٍ فَقَالَ: (وَعَلَى الْأَمَةِ) الصَّغِيرَةِ، وَالْكَبِيرَةِ (وَالْحُرَّةِ) الصَّغِيرَةِ، وَالْكَبِيرَةِ (الْإِحْدَادُ) لِمَا فِي أَبِي دَاوُد مِنْ «قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا: لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنْ الثِّيَابِ وَلَا الْمُمَشَّقَ وَلَا الْحُلِيَّ وَلَا تَخْتَضِبُ»

(وَاخْتُلِفَ فِي) وُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَى (الْكِتَابِيَّةِ)

[حاشية العدوي]

ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: تَرْكُ مَا هُوَ زِينَةٌ، وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ فَيَدْخُلُ تَرْكُ الْخَاتَمِ فَقَطْ لِلْمُبْتَذِلَةِ [قَوْلُهُ: مِنْ الْوَفَاةِ] حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَمَا فِي زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ وَيَشْمَلُ مَنْ تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ وَتِلْكَ الْمَنْكُوحَةُ فَاسِدًا مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ [قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ] لَكِنْ إنْ كَانَتْ كَبِيرَةً فَعَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً فَعَلَى وَلِيِّهَا [قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ كَبِيرَةً] ، وَكَذَا إنْ ارْتَابَتْ فَعَلَيْهَا الْإِحْدَادُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الرِّيبَةُ، وَإِنْ بَلَغَتْ إلَى خَمْسِ سِنِينَ [قَوْلُهُ: أَوْ صَغِيرَةً] ، وَلَوْ فِي الْمَهْدِ [قَوْلُهُ: أَوْ كِتَابِيَّةً] يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الْمُسْلِمُ [قَوْلُهُ: جَمْعُ حَلْيٍ إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ الْجَمْعُ مَعَ أَنَّ الْمُفْرَدَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَيْضًا فَالْمُرَادُ الْجِنْسُ [قَوْلُهُ: كَالسِّوَارِ، وَالْخَلْخَالِ] أَيْ وَكَالْخَاتَمِ، وَالْقُرْطِ [قَوْلُهُ: ذَهَبًا كَانَ أَوْ فِضَّةً] قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ نُحَاسًا أَوْ حَدِيدًا لَا يَجِبُ عَلَيْهَا تَرْكُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ حَتَّى مِنْ الْحَدِيدِ وَأَوْلَى الْجَوَاهِرِ، وَالْيَاقُوتُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْبَاجِيُّ [قَوْلُهُ: وَلَا تَكْتَحِلُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ] فَتَسْتَعْمِلُهُ لَيْلًا وَتَمْسَحُهُ نَهَارًا [قَوْلُهُ: فَلَا بَأْسَ بِهِ] تَأْكِيدٌ لِمَا فُهِمَ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ وَأَرَادَ بِهِ الْإِذْنَ فَلَا يُنَافِي وُجُوبَ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ ضَرُورَةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَمُفَادُ قَوْلِهِ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مُطْلَقُ الْحَاجَةِ، وَقَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ أَيْ وَقَدْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ لِلطِّيبِ كَمَا أَفَادَهُ شَارِحُ الْمُوَطَّأِ [قَوْلُهُ: بِالنُّورَةِ] بِضَمِّ النُّونِ [قَوْلُهُ: تَسْتَحِدُّ] تُزِيلُ شَعْرَ عَانَتِهَا [قَوْلُهُ: وَتَحْتَجِمُ إلَخْ] مُوَافِقٌ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِي كُلٍّ إزَالَةَ مَا يُكْرَهُ بَقَاؤُهُ [قَوْلُهُ: الصِّبَاغُ] ظَاهِرُهُ جَوَازُ لُبْسِ الْأَبْيَضِ وَلَوْ كَانَ فِيهِ زِينَةٌ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ تت [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ زِينَةَ قَوْمٍ] أَيْ أَوْ تَكُونَ نَاصِعَةَ الْبَيَاضِ [قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ تَجْتَنِبُ الطِّيبَ] فَلَا تَشُمُّهُ وَلَا تَعْمَلُهُ وَلَا تَتَّجِرُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا صَنْعَةٌ غَيْرُهُ إذَا كَانَتْ تُبَاشِرُ مَسَّهُ بِنَفْسِهَا، فَإِنْ كَانَتْ يُبَاشِرُهُ لَهَا بِأَمْرِهَا كَخَادِمٍ لَمْ يُمْنَعْ [قَوْلُهُ: مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ] أَيْ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْهُ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ وَخَفِيَتْ رَائِحَتُهُ أَيْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا أَعْظَمَ، وَقَوْلُهُ مَا خَفِيَ لَوْنُهُ أَيْ أَنَّ الْغَالِبَ إخْفَاءُ لَوْنِهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ قَدْ يُظْهِرُهُ إنْسَانٌ، وَقَوْلُهُ وَظَهَرَتْ رَائِحَتُهُ أَيْ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْهُ لَا لَوْنُهُ كَالْوَرْدِ فَإِنَّهُ يُتَمَتَّعُ بِرُؤْيَةِ لَوْنِهِ [قَوْلُهُ: وَقَدْ تَكُونُ مِنْ الطِّيبِ] لَعَلَّهُ لِكَوْنِهَا ذَاتَ رَائِحَةٍ طَيِّبَةٍ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ [قَوْلُهُ: وَفِي نُسْخَةٍ وَلَا دُهْنَ مُطَيِّبٍ] مِنْ بَابِ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ لِلصِّفَةِ كَصَلَاةِ الْأُولَى تت [قَوْلُهُ: بِمَا يَخْتَمِرُ فِي رَأْسِهَا] يَعْنِي مَا تُشَمُّ رَائِحَتُهُ، وَالْخَمِيرُ الطِّيبُ قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ [قَوْلُهُ: الْمُمَشَّقُ] بِتَشْدِيدِ الشِّينِ أَيْ الْمَصْبُوغُ بِالْمِشْقِ عَلَى وَزْنِ حِمْلٍ وَهُوَ الْمَغْرَةُ أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ [قَوْلُهُ: وَلَا الْحُلِيِّ] فِي رِوَايَةِ

عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورُهُمَا وُجُوبُ الْإِحْدَادِ.

ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ مِنْ الْوَفَاةِ زِيَادَةُ إيضَاحٍ فَقَالَ: (وَلَيْسَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ) طَلَاقًا بَائِنًا، أَوْ رَجْعِيًّا (إحْدَادٌ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ احْتِيَاطًا لِلْأَنْسَابِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَاتَ وَلَا مُحَامِيَ لَهُ عَنْ نَسَبِهِ فَجُعِلَ الْإِحْدَادُ زَاجِرًا وَقَائِمًا مَقَامَ الْمُحَامِي عَنْ الْمَيِّتِ، بِخِلَافِ الْمُطَلِّقِ الْحَيِّ فَإِنَّهُ هُوَ الْمُحَامِي عَنْ نَسَبِهِ، وَالْمُحْتَاطُ لَهُ

(وَتُجْبَرُ الْحُرَّةُ الْكِتَابِيَّةُ عَلَى الْعِدَّةِ مِنْ الْمُسْلِمِ فِي الْوَفَاةِ) دَخَلَ بِهَا، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ (وَ) فِي (الطَّلَاقِ) إذَا دَخَلَ بِهَا لِحَقِّ الزَّوْجِ وَلَا تُجْبَرُ إذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا إذْ لَا عِدَّةَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ.

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ الْمُتَرْجَمِ لَهُ فَقَالَ: (وَعِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ وَفَاةِ سَيِّدِهَا) ، وَهِيَ الَّتِي وَلَدَتْ مِنْهُ (حَيْضَةٌ) فِي كَلَامِهِ إشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى الْحَيْضَةِ عِدَّةً، وَالْعِدَّةُ عِنْدَنَا إنَّمَا هِيَ الْأَقْرَاءُ، فَنَقُولُ: إنَّمَا أَرَادَ الِاسْتِبْرَاءَ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ عَلَيْهَا اسْمَ الْعِدَّةِ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ الَّذِي فِيهَا.
، وَالِاسْتِبْرَاءُ شَرْعًا الْكَشْفُ عَنْ حَالِ الرَّحِمِ لِيُعْلَمَ هَلْ هِيَ بَرِيَّةٌ مِنْ الْحَمْلِ، أَوْ مَشْغُولَةٌ بِهِ مُرَاعَاةً لِحِفْظِ الْأَنْسَابِ، وَهُوَ وَاجِبٌ كَوُجُوبِ الْعِدَّةِ فِي الزَّوْجَاتِ، لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» . (وَكَذَلِكَ) عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ حَيْضَةٌ (إذَا أَعْتَقَهَا) سَيِّدُهَا هَذَا حُكْمُ اسْتِبْرَاءِ أُمِّ الْوَلَدِ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ (وَ) أَمَّا (إنْ) كَانَتْ قَدْ (قَعَدَتْ عَنْ الْحَيْضِ) أَيْ يَئِسَتْ

[حاشية العدوي]

مُحَمَّدٍ وَلَا تَلْبَسُ حُلِيًّا، وَإِنْ كَانَ حَدِيدًا

[قَوْلُهُ: وَلَا مُحَامِيَ] أَيْ مُدَافِعَ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ

[قَوْلُهُ: عَلَى الْعِدَّةِ مِنْ الْمُسْلِمِ فِي الْوَفَاةِ] مَفْهُومُ الْمُسْلِمِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ زَوْجُهَا كَافِرًا لَا يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ مُسْلِمٌ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ، وَلَوْ فِي الْوَفَاةِ، إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ أَوْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً هَذَا إذَا كَانَ دَخَلَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا [قَوْلُهُ: فِي الْوَفَاةِ، وَالطَّلَاقِ] فَفِي الْوَفَاةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً غَيْرَ مُطِيقَةٍ، وَالزَّوْجُ كَذَلِكَ، وَفِي الطَّلَاقِ ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ

[أَحْكَام الِاسْتِبْرَاءِ]

[قَوْلُهُ: وَهِيَ الَّتِي وَلَدَتْ مِنْهُ] غَيْرُ مَانِعٍ لِصِدْقِهِ بِمَا لَيْسَ حُرٌّ حَمْلُهَا مِنْ وَطْءِ مَالِكِهَا، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ هِيَ الْحُرُّ حَمْلُهَا مِنْ وَطْءِ مَالِكِهَا عَلَيْهِ جَبْرًا [قَوْلُهُ: حَيْضَةٌ] ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَ الْوَفَاةِ أَيْ وَالْعِتْقِ أَوْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الْأَمَةُ الَّتِي لَيْسَتْ أُمَّ وَلَدٍ فَعِدَّتُهَا مِنْ وَفَاةِ سَيِّدِهَا كَذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ عَتَقَهُ فَإِنْ اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَهُ أَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا شَيْءٌ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهَا حَيْضَةٌ [قَوْلُهُ: لِقُوَّةِ الْخِلَافِ الَّذِي فِيهَا] ظَاهِرُهُ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ الَّذِي فِي تِلْكَ الْحَيْضَةِ بِمَعْنَى أَنَّ بَعْضَهُمْ يُطْلِقُ عَلَيْهَا عِدَّةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ بِقُوَّةِ الْخِلَافِ الَّذِي فِي أُمِّ الْوَلَدِ فَقَدْ قِيلَ عَلَيْهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ وَقِيلَ ثَلَاثُ حِيَضٍ، وَالرَّاجِحُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ [قَوْلُهُ:، وَالِاسْتِبْرَاءُ شَرْعًا] أَيْ وَأَمَّا لُغَةً فَهُوَ الِاسْتِقْصَاءُ، وَالْبَحْثُ، وَالْكَشْفُ عَنْ الْأَمْرِ الْغَامِضِ [قَوْلُهُ: لِيُعْلَمَ هَلْ هِيَ إلَخْ] أَيْ لِيُعْلَمَ جَوَابُ هَلْ هِيَ بَرِيَّةٌ، وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ فَلَا تُرَدُّ الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا.
تَنْبِيهٌ: لَوْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً بِالْغَيْرِ عِنْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا تِلْكَ الْحَيْضَةُ.
[قَوْلُهُ: لَا تُوطَأُ إلَخْ] قَالَ تت وَأَصْلُهُ سَبَايَا أَوْطَاسَ حَيْثُ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَلَا لَا تُوطَأْ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ.» وَأَوْطَاسُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا طَاءٌ وَسِينٌ مُهْمَلَتَانِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ، وَادٍ فِي دِيَارِ هَوَازِنَ وَسَكَتَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَوَاتِ الْأَشْهُرِ [قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَهَا إلَخْ] حَالَ حَيَاتِهِ وَأَرَادَ الْغَيْرُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا وَلَا مَفْهُومَ لِأُمِّ الْوَلَدِ بَلْ كُلُّ أَمَةٍ أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا لَا تَتَزَوَّجُ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَمَةَ تَأْتَنِفُ حَيْضَةً بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا، وَلَوْ اُسْتُبْرِئَتْ أَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أُمَّ وَلَدٍ أَوْ غَيْرَهَا، وَأَمَّا لَوْ أُعْتِقَتْ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ أَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَسْتَأْنِفُ إنْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَا إنْ كَانَتْ غَيْرَهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ أُمِّ الْوَلَدِ وَغَيْرِهَا شَبَّهَ أُمَّ الْوَلَدِ بِالْحُرَّةِ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا إنْ كَانَتْ قَدْ قَعَدَتْ] أَيْ أُمُّ الْوَلَدِ أَعْتَقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا

مِنْهُ لِكِبَرِ سِنِّهَا (فَ) اسْتِبْرَاؤُهَا (ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ)

(وَاسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ فِي انْتِقَالِ الْمِلْكِ حَيْضَةٌ) وَاحِدَةٌ مُرَاعَاةً لِحِفْظِ الْأَنْسَابِ سَوَاءٌ (انْتَقَلَ الْمِلْكُ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ سَبْيٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) كَالْإِرْثِ، وَالصَّدَقَةِ، وَهُوَ وَاجِبٌ كَوُجُوبِ الْعِدَّةِ فِي الزَّوْجَاتِ، بِشُرُوطٍ أَحَدُهَا أَلَّا يَعْلَمَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا بِنَفْسِهَا، أَوْ بِإِخْبَارِ امْرَأَتَيْنِ، أَوْ امْرَأَةٍ احْتِرَازًا مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي حَوْزَتِهِ، وَإِلَى هَذَا الْمُحْتَرَزِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ هِيَ فِي حِيَازَتِهِ) بِرَهْنٍ، أَوْ وَدِيعَةٍ مَثَلًا إذَا عَلِمَ أَنَّهَا (قَدْ حَاضَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ إنَّهُ اشْتَرَاهَا) الْأَحْسَنُ أَنْ لَوْ قَالَ: ثُمَّ مَلَكَهَا لِيَشْمَلَ الشِّرَاءَ وَغَيْرَهُ (فَ) إنَّهُ (لَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا إنْ لَمْ تَكُنْ تَخْرُجُ) خُرُوجًا مُتَبَاعِدًا بِحَيْثُ يُغَابُ عَلَيْهَا.
ثَانِيهَا: أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا احْتِرَازًا مِمَّنْ لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَاسْتِبْرَاءُ الصَّغِيرَةِ فِي الْبَيْعِ) الْأَحْسَنُ أَنْ لَوْ قَالَ: فِي انْتِقَالِ الْمِلْكِ لِيَشْمَلَ الْهِبَةَ، وَالصَّدَقَةَ وَنَحْوَهُمَا (إنْ كَانَتْ) مِمَّنْ (تُوطَأُ) ظَاهِرُهُ أُمِنَ حَمْلُهَا أَمْ لَا (ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَتَبَيَّنُ فِي أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ.
ثَالِثُهَا: أَلَّا تَكُونَ حَلَالًا لَهُ قَبْلَ الْمِلْكِ احْتِرَازًا مِنْ أَنْ تَكُونَ حَلَالًا لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ زَوْجَتَهُ فَإِنَّهُ لَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا، رَابِعُهَا: أَنْ تَكُونَ حَلَالًا بَعْدَ الْمِلْكِ احْتِرَازًا مِنْ أَنْ تَكُونَ حَرَامًا بَعْدَهُ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ عَمَّتَهُ فَإِنَّهُ لَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا.

(وَ) كَذَا الْأَمَةُ (الْيَائِسَةُ مِنْ الْمَحِيضِ) اسْتِبْرَاؤُهَا فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ (ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَ) أَمَّا الْأَمَةُ (الَّتِي لَا تُوطَأُ) لِصِغَرِ سِنِّهَا كَبِنْتِ سِتِّ سِنِينَ (فَ) إنَّهُ (لَا اسْتِبْرَاءَ فِيهَا)

(وَمَنْ ابْتَاعَ) أَمَةً (حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ مَلَكَهَا بِغَيْرِ الْبَيْعِ) كَالْمِيرَاثِ، وَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ (فَلَا يَقْرَبُهَا) بِوَطْءٍ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ: فَاسْتِبْرَاؤُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ] وَأَمَّا الْحَامِلُ فَاسْتِبْرَاؤُهَا وَضْعُ حَمْلِهَا كُلِّهِ

[قَوْلُهُ: وَاحِدَةٌ] تَأْكِيدُ [قَوْلِهِ: مُرَاعَاةً لِحِفْظِ الْأَنْسَابِ] أَيْ غَالِبًا لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ الْجَارِيَةَ الَّتِي يُؤْمَنُ حَمْلُهَا تَسْتَبْرِئُ [قَوْلُهُ: أَوْ سَبْيٌ] أَيْ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ [قَوْلُهُ: أَحَدُهَا أَنْ لَا يَعْلَمَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا] أَيْ فَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى إخْبَارِهَا أَنَّهَا قَدْ حَاضَتْ بَلْ لَا بُدَّ أَيْ فِي حَالِ كَوْنِهَا فِي حَوْزَتِهِ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِإِخْبَارِ امْرَأَتَيْنِ أَوْ امْرَأَةٍ، أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ لَا الشَّهَادَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ: إنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ إلَّا مِنْ قَوْلِهَا فَلَا يَقْبَلُ قَوْلَهَا، وَذَهَبَ الْأَقْفَهْسِيُّ إلَى أَنَّهُ يَقْبَلُ قَوْلَهَا.
تَنْبِيهٌ: إذَا غَصَبَ الْأَمَةَ شَخْصٌ وَغَابَ عَلَيْهَا غَيْبَةً يُمْكِنُ شَغْلُهَا مِنْهُ فَإِنَّهَا إذَا رَجَعَتْ لِسَيِّدِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاؤُهَا كَانَتْ مِنْ عَلَى الرَّقِيقِ أَوْ وَخْشِهِ وَلَا تُصَدَّقُ هِيَ وَلَا هُوَ إذَا أَنْكَرَ أَوْ أَنْكَرَتْ الْوَطْءَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ السَّابِي إذَا غَابَ وَيُمْكِنُ إدْخَالُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، بِأَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ انْتِقَالُ الْمِلْكِ إنْشَاءً أَوْ تَمَامًا.
[قَوْلُهُ: إنْ لَمْ تَكُنْ تَخْرُجُ خُرُوجًا] أَيْ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ قَدْ حَمَلَتْ مِنْ زِنًا أَوْ اغْتِصَابٍ، وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَى هَذَا بِأَمَتِهِ الَّتِي عِنْدَهُ تَدْخُلُ وَتَخْرُجُ فِي قَضَاءِ الْحَوَائِجِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ فِي أَمَتِهِ وَيُزَادُ قَيْدٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، أَيْ وَلَمْ يَلِجْ عَلَيْهَا سَيِّدُهَا وَإِلَّا وَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا لِسُوءِ الظَّنِّ.
وَكَذَا مَنْ اشْتَرَى أَمَةً مَمْلُوكَةً لِشَخْصٍ غَائِبٍ لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَيْهَا أَوْ لِشَخْصٍ مَجْبُوبٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ مُحْرِمٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا، إلَّا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا بِحَيْضَةٍ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَسْطُورٌ [قَوْلُهُ: بِحَيْثُ يُغَابُ] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ مُتَبَاعِدًا أَيْ وَأَمَّا إذَا كَانَ لِمَوْضِعٍ قَرِيبٍ بِحَيْثُ لَا يُغَابُ عَلَيْهَا فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ إلَيْهِ أَيْ إلَى كَوْنِهِ يُوطَأُ مِثْلُهَا [قَوْلُهُ: الْأَحْسَنُ إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْبَيْعِ الشِّرَاءَ [قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ أُمِنَ حَمْلُهَا أَمْ لَا] أَيْ وَهُوَ كَذَلِكَ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَتَبَيَّنُ إلَخْ] أَيْ وَيَتَبَيَّنُ فِي ثَلَاثَةٍ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَكْتَفِي فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَتَدَبَّرْ

[قَوْلُهُ: وَكَذَا الْأَمَةُ الْيَائِسَةُ] أَيْ وَاَلَّتِي تَأَخَّرَتْ حَيْضَتُهَا عَنْ عَادَتِهَا بِلَا سَبَبٍ أَوْ بِسَبَبِ رَضَاعٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ اُسْتُحِيضَتْ وَلَمْ تُمَيِّزْ، فَإِنَّهَا تَمْكُثُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الشِّرَاءِ وَيَنْظُرُ لَهَا النِّسَاءُ، وَلَوْ وَاحِدَةً، فَإِنْ لَمْ تَرْتَبْ حَلَّتْ، وَإِنْ ارْتَابَتْ بِحِسِّ بَطْنٍ فَتَمْكُثُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ زَالَتْ الرِّيبَةُ حَلَّتْ وَإِلَّا مَكَثَتْ أَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ [قَوْلُهُ: الَّتِي لَا تُوطَأُ] أَيْ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، وَلَوْ وُطِئَتْ بِالْفِعْلِ [قَوْلُهُ: كَبِنْتِ سِتِّ سِنِينَ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ أَوْ سَبْعٍ

[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ

(وَلَا يَتَلَذَّذُ مِنْهَا) بِشَيْءٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ كَالْقُبْلَةِ (حَتَّى تَضَعَ) الْحَمْلَ كُلَّهُ سَوَاءٌ كَانَ الْحَمْلُ مِنْ زَوْجٍ، أَوْ مِنْ زِنًا عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ، فَإِذَا وَضَعَتْهُ حَلَّ لَهُ مِنْهَا مَا عَدَا الْوَطْءَ وَأَمَّا الْوَطْءُ فَلَا يَحِلُّ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنْ دَمِ النِّفَاسِ.

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى بَقِيَّةِ مَا تَبَرَّعَ بِهِ فِي الْبَابِ فَقَالَ: (وَالسُّكْنَى) وَاجِبَةٌ عَلَى الزَّوْجِ إذَا كَانَ يَتَأَتَّى مِنْهُ الْوَطْءُ (لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَدْخُولًا بِهَا) يُوطَأُ مِثْلُهَا حُرَّةً كَانَتْ، أَوْ أَمَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ، أَوْ كِتَابِيَّةً كَانَ الطَّلَاقُ وَاحِدَةً، أَوْ أَكْثَرَ رَجْعِيًّا، أَوْ بَائِنًا، وَلَوْ خُلْعًا، وَتَقْيِيدُنَا الزَّوْجَ بِمَا إذَا كَانَ يَتَأَتَّى مِنْهُ الْوَطْءُ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا لَمْ يَتَأَتَّ مِنْهُ الْوَطْءُ، فَإِنَّهُ لَا سُكْنَى لِزَوْجَتِهِ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا سَوَاءٌ كَانَتْ الْعِدَّةُ بِالْحَيْضِ، أَوْ بِالْأَشْهُرِ وَبِمَنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا احْتِرَازًا مِمَّنْ لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا، فَإِنَّهُ لَا سُكْنَى لَهَا إذْ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا فِي الطَّلَاقِ وَتَقْيِيدُهُ بِالْمَدْخُولِ بِهَا احْتِرَازًا مِنْ غَيْرِهَا

(وَلَا نَفَقَةَ) لِلْمُطَلَّقَةِ (إلَّا لِلَّتِي طَلُقَتْ) طَلَاقًا (دُونَ الثَّلَاثِ) وَاحِدَةً، أَوْ اثْنَتَيْنِ (وَلِلْحَامِلِ) الَّتِي طَلُقَتْ سَوَاءٌ (كَانَتْ مُطَلَّقَةً) طَلْقَةً (وَاحِدَةً) ، أَوْ اثْنَتَيْنِ (أَوْ ثَلَاثًا) وَتَقْيِيدُهُ وُجُوبَ النَّفَقَةِ لِلْأُولَى بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ طَلُقَتْ ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَقَيَّدَهُ أَيْضًا بِمَا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا احْتِرَازًا مِنْ الْخُلْعِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا نَفَقَةَ لِلْمُخْتَلِعَةِ إلَّا فِي الْحَمْلِ وَلَا نَفَقَةَ لِلْمُلَاعِنَةِ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا) أَمَّا الْأُولَى فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وَأَمَّا

[حاشية العدوي]

الْمَذْهَبِ] وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَحْرُمُ مِنْ الْحَامِلِ مِنْ زِنًا، وَالْمَسْبِيَّةِ إلَّا الْوَطْءُ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْوَطْءُ] ، وَكَذَا الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ، وَالرُّكْبَةِ.
تَنْبِيهٌ: الْمَزْنِيُّ بِهَا، وَالْمُغْتَصَبَةُ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ سَيِّدِهَا فَلَا يَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا وَلَا عَلَى سَيِّدِهَا الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا، وَلَوْ وَطْءً.
نَعَمْ يُكْرَهُ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى.

[قَوْلُهُ: وَالسُّكْنَى لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ] كَانَ الْمَسْكَنُ لَهُ وَنَقَدَ كِرَاءَهُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ بِسَبَبِهِ، وَكَذَلِكَ لِلْمَحْبُوسَةِ بِسَبَبِهِ فِي حَيَاتِهِ السُّكْنَى فَتَدْخُلُ الْمَحْبُوسَةُ بِزِنًا غَيْرَ عَالِمَةٍ، وَكَمُغْتَصَبَةٍ أَوْ فَسْخِ نِكَاحِهِ الْفَاسِدِ بِقَرَابَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ أَوْ لِعَانٍ.
وَلَوْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْفَاسِدِ، وَنَحْوَهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتٍ مِنْ الْحَبْسِ بِسَبَبِهِ [قَوْلُهُ: أَوْ كِتَابِيَّةً] فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ كَانَتْ مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً [قَوْلُهُ: رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا] لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِلْبَائِنِ يَسْتَمِرُّ الْمَسْكَنُ، وَكَذَا فِي الرَّجْعِيِّ عَلَى التَّفْصِيلِ الْآتِي فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا مُتَوَفَّى عَنْهَا بِدَلِيلِ انْتِقَالِهَا أَيْ الرَّجْعِيَّةِ لِعِدَّةِ الْوَفَاةِ [قَوْلُهُ: وَلَوْ خُلْعًا] بَالَغَ عَلَيْهِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنْ لَا سُكْنَى لَهَا لِمَا بَذَلَتْهُ مِنْ الْمَالِ [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِمَّا إذَا لَمْ يَتَأَتَّ إلَخْ] أَيْ كَالْمَجْبُوبِ [قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَتْ الْعِدَّةُ] أَيْ إنْ لَوْ طُلِبَتْ مِنْهَا [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِمَّنْ لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا] ، وَلَوْ وُطِئَتْ بِالْفِعْلِ [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِنْ غَيْرِهَا] أَيْ لِأَنَّهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَحِينَئِذٍ فَحَاصِلُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ إذَا كَانَتْ تَعْتَدُّ فَلَهَا السُّكْنَى.

[نَفَقَة الْمُطَلَّقَة]

[قَوْلُهُ: وَلَا نَفَقَةَ إلَّا الَّتِي إلَخْ] يُرِيدُ بِهِ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ دُونَ الْبَائِنِ؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ فِي حُكْمِ الزَّوْجَةِ وَحَيْثُ وَجَبَتْ النَّفَقَةُ وَجَبَتْ الْكِسْوَةُ.
[قَوْلُهُ: وَلِلْحَامِلِ إلَخْ] لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ نَفَقَةِ الْحَامِلِ كَوْنُ الزَّوْجِ حُرًّا، وَالزَّوْجَةِ حُرَّةً لَا إنْ كَانَا رَقِيقَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهُمَا إذَا كَانَا رَقِيقَيْنِ النَّفَقَةُ عَلَى السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ رِقٌّ لَهُ، وَكَذَا إنْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا وَهِيَ حُرَّةٌ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لِلسَّيِّدِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ نَفَقَةُ وَلَدِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً، وَالزَّوْجُ حُرًّا لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلسَّيِّدِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ إلَّا أَنْ يُعْتِقَهُ فَيَلْزَمُ أَبَاهُ إرْضَاعُهُ وَنَفَقَتُهُ إلَّا أَنْ يَعْدَمَ الْأَبُ أَوْ يَمُوتَ، فَعَلَى السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَعْتَقَ صَغِيرًا لَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ يَلْزَمُ سَيِّدَهُ نَفَقَتُهُ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الْكَسْبِ [قَوْلُهُ: لِلْمُخْتَلِعَةِ] لَا مَفْهُومَ لَهَا بَلْ كُلُّ مُطَلَّقَةٍ طَلَاقًا بَائِنًا لَا نَفَقَةَ لَهَا مَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا [قَوْلُهُ: إلَّا فِي الْحَمْلِ] أَيْ اللَّاحِقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَالَعَهَا عَلَى إسْقَاطِهَا فَتَسْقُطُ [قَوْلُهُ: وَلَا نَفَقَةَ لِلْمُلَاعِنَةِ] كَانَ اللِّعَانُ بِنَفْيِ الْحَمْلِ أَوْ بِرُؤْيَةِ الزِّنَا غَيْرَ ظَاهِرَةِ الْحِلِّ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بَائِنٌ مُؤَبِّدُ التَّحْرِيمِ، وَالْحَمْلَ مَنْفِيٌّ عَنْ أَبِيهِ فَإِنْ

الثَّانِيَةُ فَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بَائِنٌ مُؤَبَّدُ التَّحْرِيمِ، وَالْحَمْلُ مَنْفِيٌّ عَنْ أَبِيهِ بِاللِّعَانِ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ لَهَا السُّكْنَى، وَهُوَ الْمَشْهُورُ

(وَ) كَذَلِكَ (لَا نَفَقَةَ) وَلَا كِسْوَةَ (لِكُلِّ مُعْتَدَّةٍ مِنْ وَفَاةٍ) سَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا أَمْ لَا صَغِيرَةً كَانَتْ، أَوْ كَبِيرَةً دَخَلَ بِهَا، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ مُسْلِمَةً كَانَتْ، أَوْ كِتَابِيَّةً؛ لِأَنَّهُ بِمَوْتِ الزَّوْجِ صَارَ الْمَالُ لِلْوَرَثَةِ

(وَلَهَا) أَيْ وَلِلْمُعْتَدَّةِ مِنْ الْوَفَاةِ (السُّكْنَى إنْ كَانَتْ) مَدْخُولًا بِهَا وَكَانَتْ (الدَّارُ لِلْمَيِّتِ، أَوْ) كَانَ الْمَيِّتُ (قَدْ) اكْتَرَاهَا وَ (نَقَدَ كِرَاءَهَا) وَقَيَّدْنَا بِمَدْخُولٍ بِهَا احْتِرَازًا مِنْ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ لَا سُكْنَى لَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَسْكَنَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ، وَاحْتَرَزَ بِنَقْدِ كِرَاءَهَا مِمَّا إذَا اكْتَرَاهَا وَلَمْ يَنْقُدْ كِرَاءَهَا فَإِنَّهُ لَا سُكْنَى لَهَا

(وَلَا تَخْرُجُ) الْمُعْتَدَّةُ (مِنْ بَيْتِهَا) خُرُوجَ نُقْلَةٍ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مُعْتَدَّةً (فِي طَلَاقٍ، أَوْ وَفَاةٍ حَتَّى تُتِمَّ الْعِدَّةَ) وَقَيَّدْنَا بِخُرُوجِ نُقْلَةٍ احْتِرَازًا مِنْ خُرُوجِهَا فِي تَصَرُّفِ حَوَائِجَهَا فَإِنَّهُ جَائِزٌ لَكِنْ لَا تَبِيتُ إلَّا فِي بَيْتِهَا، وَبِغَيْرِ ضَرُورَةٍ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَ، ثَمَّ ضَرُورَةٍ كَخَوْفِ سُقُوطِ الدَّارِ، أَوْ اللُّصُوصِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ، وَلَوْ لِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَظَاهِرُهُ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّارُ مِلْكًا لَهُ، أَوْ لَهَا، أَوْ لِغَيْرِهِمَا (إلَّا

[حاشية العدوي]

اسْتَلْحَقَهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَتَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ قَبْلَ الِاسْتِلْحَاقِ.
إنْ كَانَ مُوسِرًا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ [قَوْلُهُ: فَلِأَنَّ الطَّلَاقَ بَائِنٌ] أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ فِيهِ طَلَاقٌ لَا فَسْخٌ [قَوْلُهُ: مُؤَبِّدُ التَّحْرِيمِ] ذَكَرَهُ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْبَيْنُونَةِ يُسْقِطُ النَّفَقَةَ وَقَوْلُهُ: مُؤَبِّدُ بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَقَوْلُهُ: وَالْحَمْلُ مَنْفِيٌّ عَنْ أَبِيهِ أَيْ فَكَمَا لَا نَفَقَةَ لَهَا مِنْ حَيْثُ الْبَيْنُونَةُ، كَذَلِكَ لَا نَفَقَةَ لِحَمْلِهَا لِنَفْيِهِ عَنْ أَبِيهِ بِاللِّعَانِ [قَوْلُهُ: وَاقْتَضَى كَلَامُهُ] أَيْ مِنْ حَيْثُ اقْتِصَارُهُ عَلَى نَفْيِ النَّفَقَةِ [قَوْلُهُ: وَالْحَمْلُ مَنْفِيٌّ عَنْ أَبِيهِ] أَشْعَرَ هَذَا أَنَّهُ إذَا لَاعَنَهَا لِرُؤْيَةِ الزِّنَا وَهِيَ حَامِلٌ فَإِنَّ لَهَا النَّفَقَةَ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ] وَقَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ لَا سُكْنَى لَهَا وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ رُشْدٍ لِانْقِطَاعِ الزَّوْجِيَّةِ وَأَسْبَابِهَا

[قَوْلُهُ: وَلَا كِسْوَةَ] وَتَرَكَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَا نَفَقَةَ لَهَا فَلَا كِسْوَةَ لَهَا لِدُخُولِهَا فِي مَفْهُومِ النَّفَقَةِ وُجُودًا وَعَدَمًا

[قَوْلُهُ: وَكَانَتْ الدَّارُ لِلْمَيِّتِ إلَخْ] وَهِيَ أَحَقُّ مِنْ الْوَرَثَةِ، وَالْغُرَمَاءِ [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَسْكَنَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ] أَيْ لِقَصْدِ الدُّخُولِ بِهَا، وَإِنْ صَغِيرَةً لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا، وَأَمَّا إذَا أَسْكَنَهَا لِيَحْفَظَهَا عَمَّا يُكْرَهُ فِيهَا السُّكْنَى حَيْثُ كَانَتْ مُطِيقَةً وَإِلَّا فَلَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا لَهَا السُّكْنَى بِشَرْطِهِ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلَا سُكْنَى لَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَسْكَنَهَا مَعَهُ فِي حَيَاتِهِ لِقَصْدِ الدُّخُولِ مُطْلَقًا أَوْ لِيَحْفَظَهَا عَمَّا يُكْرَهُ حَيْثُ كَانَتْ مُطِيقَةً وَإِلَّا فَلَا [قَوْلُهُ: مِمَّا إذَا اكْتَرَاهَا وَلَمْ يَنْقُدْ كِرَاءَهَا] فَلَا سُكْنَى لَهَا سَوَاءٌ كَانَ الْكِرَاءُ وَجِيبَةً أَوْ مُشَاهَرَةً عَلَى الرَّاجِحِ، وَقِيلَ لَهَا سُكْنَى إذَا كَانَتْ وَجِيبَةً وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مُشَاهَرَةً فَلَا سُكْنَى لَهَا، وَهَذَا حَيْثُ كَانَتْ فِي الْعِصْمَةِ أَوْ مُطَلَّقَةً طَلَاقًا رَجْعِيًّا، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً طَلَاقًا بَائِنًا فَلَهَا السُّكْنَى مُطْلَقًا وَجِيبَةً أَوْ مُشَاهَرَةً نَقَدَ كِرَاءَهُ أَمْ لَا

[قَوْلُهُ: وَلَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا] بَلْ، وَلَوْ نَقَلَهَا مِنْهُ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ وَاتُّهِمَ عَلَى النَّقْلِ لَوَجَبَ عَلَيْهَا الرُّجُوعُ، أَوْ كَانَتْ بِغَيْرِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ، وَإِنْ بِشَرْطٍ فِي إجَارَةِ رَضَاعٍ أَوْ خِدْمَةٍ، وَتَفْسَخُ الْإِجَارَةَ إلَّا أَنْ يَرْضَى أَهْلُ الطِّفْلِ بِإِرْضَاعِهَا فِي مَحِلِّهَا [قَوْلُهُ: خُرُوجَ نُقْلَةٍ] بِضَمِّ النُّونِ الِانْتِقَالُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ [قَوْلُهُ: فِي تَصَرُّفِ حَوَائِجِهَا] الْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ أَيْ مِنْ خُرُوجِهَا لِأَجْلِ تَصَرُّفِهَا فِي حَوَائِجِهَا [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ جَائِزٌ] أَيْ لَكِنْ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَأْمُونَةِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ، وَالْمَكَانِ، فَفِي الْأَمْصَارِ وَسَطَ النَّهَارِ وَفِي غَيْرِهَا طَرَفَيْ النَّهَارِ، فَلَوْ خَرَجَتْ لِلِانْتِقَالِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَرُدَّهَا قَهْرًا عَلَيْهَا، وَلَوْ بِالْأَدَبِ.
[قَوْلُهُ: لَا تَخْرُجُ، وَلَوْ لِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ] فَلَوْ خَرَجَتْ لَهَا وَبَلَغَهَا مَوْتُ الزَّوْجِ أَوْ طَلَاقُهَا رَجَعَتْ إنْ كَانَتْ قَرِيبَةً عَلَى مَسَافَةِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ، وَوَجَدَتْ ثِقَةً تَرْجِعُ مَعَهُ حَيْثُ كَانَتْ تُدْرِكُ شَيْئًا مِنْ الْعِدَّةِ بَعْدَ رُجُوعِهَا مَا لَمْ تُحْرِمْ، فَإِنْ أَحْرَمَتْ فَلَا تَرْجِعُ لَا إنْ كَانَتْ قَرِيبَةَ الْوَضْعِ بِحَيْثُ لَا تُدْرِكُ شَيْئًا إنْ رَجَعَتْ، وَأَمَّا فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْقُرْبِ كَالْخُرُوجِ لِرِبَاطٍ أَوْ زِيَارَةِ صَالِحٍ فَتَرْجِعُ، وَلَوْ وَصَلَتْ بَلْ، وَلَوْ بَعْدَ إقَامَتِهَا نِصْفَ سَنَةٍ.
وَأَمَّا لَوْ خَرَجَتْ لِلِانْتِقَالِ فَبَلَغَهَا الْمَوْتُ أَوْ الطَّلَاقُ فِي أَثْنَاءِ

أَنْ يُخْرِجَهَا رَبُّ الدَّارِ) الَّتِي انْقَضَتْ مُدَّةُ كِرَائِهَا (وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ الْكِرَاءِ مَا يُشْبِهُ كِرَاءَ الْمِثْلِ) مِثْلُ أَنْ تَكُونَ بِأَرْبَعَةٍ وَيَزِيدَ دِرْهَمَيْنِ فَلَوْ زَادَ دِرْهَمًا كَانَ مِمَّا يُشْبِهُ؛ ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ رَبَّ الدَّارِ هُوَ الَّذِي يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إنَّمَا يَكُونُ لَهُ إخْرَاجُهَا إذَا زَادَ غَيْرُهُ فِي الْمَسْكَنِ وَطَالَبَهَا بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ فَأَبَتْ، وَأَمَّا إذَا رَضِيَتْ بِهَا فَلَا مَقَالَ لَهُ فَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِهَا (فَلْتَخْرُجْ) (وَ) إذَا خَرَجَتْ فَإِنَّهَا (تُقِيمُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي تَنْتَقِلُ إلَيْهِ) وَيَصِيرُ لَهَا بِمَنْزِلَةِ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ فَيَلْزَمُهَا فِيهِ مَا كَانَ يَلْزَمُهَا فِي الْأَوَّلِ (حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ)

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى رَضَاعِ الْمَرْأَةِ وَلَدَهَا فَقَالَ: (وَالْمَرْأَةُ تُرْضِعُ) أَيْ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُرْضِعَ (وَلَدَهَا) إذَا كَانَتْ (فِي الْعِصْمَةِ) أَيْ عِصْمَةِ أَبِيهِ، أَوْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً طَلَاقًا رَجْعِيًّا، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَلَيْسَ لَهَا أَجْرٌ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عُرْفَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَوَالِي الْأَعْصَارِ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ جَارٍ عَلَى أَنَّ الْأُمَّهَاتِ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ أُجْرَةٍ عَلَى ذَلِكَ وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَكْثَرُهُ حَوْلَانِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلُهَا لَا تُرْضِعُ) لِعُلُوِّ قَدْرِهَا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا إرْضَاعُ وَلَدِهَا إلَّا أَنْ لَا يَقْبَلَ الصَّبِيُّ غَيْرَهَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهَا إرْضَاعُهُ كَانَ الْأَبُ مَلِيًّا، أَوْ مُعْدَمًا، أَوْ يَقْبَلُ غَيْرَهَا.
إلَّا أَنَّ الْأَبَ فَقِيرٌ، أَوْ مَيِّتٌ، وَالْوَلَدَ فَقِيرٌ وَأَنَّثَ الْفِعْلَ نَظَرًا لِلْمَعْنَى

[حاشية العدوي]

الطَّرِيقِ فَلَهَا الْخِيَارُ فِي الِاعْتِدَادِ بِأَيِّ مَحِلٍّ شَاءَتْ أَقْرَبُهُمَا أَوْ أَبْعَدُهُمَا [قَوْلُهُ: الَّتِي انْقَضَتْ مُدَّةُ كِرَائِهَا] أَيْ أَوْ انْقَضَتْ الْعَارِيَّةُ الْمَحْدُودَةُ بِالشَّرْطِ أَوْ الْعَادَةِ [قَوْلُهُ: مِثْلُ أَنْ تَكُونَ إلَخْ] فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْ الْكِرَاءِ مَا يُشْبِهُ كِرَاءَ الْمِثْلِ، أَيْ بَلْ طَلَبَ أَزْيَدَ مِنْهُ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ مُكْتَرَاةً بِأَرْبَعَةٍ وَهِيَ كِرَاءُ الْمِثْلِ، وَيُرِيدُ زِيَادَةَ دِرْهَمَيْنِ فَهَذَا لَا يُشْبِهُ كِرَاءَ الْمِثْلِ.
وَأَمَّا إذَا أَرَادَ زِيَادَةَ دِرْهَمٍ وَاحِدٍ بِحَيْثُ يَكُونُ خَمْسَةً، فَإِنَّهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كِرَاءَ الْمِثْلِ إلَّا إنَّهَا تُشْبِهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، فَقَوْلُهُ: وَيَزِيدَ دِرْهَمَيْنِ أَيْ فَيَكُونُ الزَّائِدُ مَا كَانَ قَدْرَ الثُّلُثِ أَنْ لَوْ ضَمَّ ذَلِكَ إلَى الْأَصْلِ، وَقَوْلُهُ فَلَوْ زَادَ دِرْهَمًا كَانَ مِمَّا يُشْبِهُ أَيْ فَيَكُونُ مَا حَصَلَ بِهِ الشَّبَهُ مَا كَانَ قَدْرَ الْخَمْسِ [قَوْلُهُ: ظَاهِرُ هَذَا إلَخْ] هَذَا كَلَامُ الْأَقْفَهْسِيِّ نَسَبَهُ لَهُ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: إنَّمَا يَكُونُ لَهُ إخْرَاجُهَا] ظَاهِرُ هَذَا سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ مُسَاوِيَةً لِأُجْرَةِ الْمِثْلِ أَوْ تُشْبِهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، أَوْ لَا تُشْبِهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ هَذَا فِيمَا إذَا كَانَتْ مُكْتَرَاةً بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، كَانَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ تُشْبِهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ أَوْ تَزِيدُ عَلَى مَا يُشْبِهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ فِيمَا لَوْ كَانَتْ مُكْتَرَاةً بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ أَوْ كَانَ الْحَالُ كَذَلِكَ، فِيمَا إذَا كَانَتْ مُكْتَرَاةً بِمَا يُشْبِهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَذَلِكَ لَا مَكَانَ أَنْ تَكُونَ مُكْتَرَاةً بِمَا يُشْبِهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَيَزِيدُ زِيَادَةً يَكُونُ الْكِرَاءُ مِمَّا يُشْبِهُ أَيْضًا أَوْ يَزِيدُ.
وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: فِي الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ أَنَّهُ يَلْزَمُهَا ذَلِكَ الْمَزِيدُ، إذَا كَانَ يَحْصُلُ مِنْهُ كِرَاءُ الْمِثْلِ أَوْ مَا يُشْبِهُ وَأَمَّا إنْ حَصَلَ بِهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا ذَكَرَ فَإِنْ رَضِيَ مِنْهَا بِكِرَاءِ الْمِثْلِ أَوْ مَا يُشْبِهُ، لَزِمَهَا، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ مِنْهَا إلَّا بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ فَإِنْ رَضِيَتْ بِهَا فَلَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهَا، وَإِلَّا فَلَهُ إخْرَاجُهَا وَيُقَالُ فِي الثَّانِي: إنَّهُ إذَا زَادَ مَا يُشْبِهُ لَزِمَهَا، وَإِنْ زَادَ مَا لَا يُشْبِهُ وَرَضِيَ مِنْهَا بِمَا يُشْبِهُ لَزِمَهَا، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فَإِنْ رَضِيَتْ فَلَا يَخْرُجُ، وَإِنْ لَمْ تَرْضَ لَهُ إخْرَاجُهَا، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْقِسَمِ الثَّالِثِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَرِّرَ الْمُصَنِّفُ بِمَا إذَا كَانَ زَادَ عَلَى مَا يُشْبِهُ وَيَكُونُ الْمَعْنَى إلَّا أَنْ يُرِيدَ إخْرَاجَهَا، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْ الْكِرَاءِ مَا يُشْبِهُ وَلَمْ تَرْضَ بِذَلِكَ الزَّائِدِ، وَأَمَّا لَوْ قَبِلَ مِنْهَا مَا يُشْبِهُ لَزِمَهَا أَوْ رَضِيَتْ بِالْمَزِيدِ لَمْ يَجُزْ لَهُ إخْرَاجُهَا

[أَحْكَام الرَّضَاعَة]

قَوْلُهُ وَالْمَرْأَةُ تُرْضِعُ أَيْ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُرْضِعَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا لَبَانٌ فَإِنَّهَا تَسْتَأْجِرُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهَا وَلَا يَكْفِي الطِّفْلَ أَوْ مَرِضَتْ أَوْ انْقَطَعَ لَبَنُهَا أَوْ حَمَلَتْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَلَيْهَا الْإِرْضَاعُ مَجَّانًا، فَعَلَيْهَا خُلْفُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَمِنْ مَالِ الْأَبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ مَالِ الِابْنِ، هَكَذَا ظَهَرَ لِي فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْمَحِلِّ [قَوْلُهُ: أَوْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً طَلَاقًا رَجْعِيًّا] سَيَأْتِي مَفْهُومُهُ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَلْزَمُهَا إرْضَاعُهُ] أَيْ وَلَهَا الْأَجْرُ مِنْ مَالِ الْأَبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ مَالِ الِابْنِ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهَا، فَقَوْلُ الشَّارِحِ كَانَ الْأَبُ مَلِيًّا وَحِينَئِذٍ تَأْخُذُ الْأُجْرَةَ مِنْ مَالِ الْأَبِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ مُعْدَمًا وَحِينَئِذٍ تَأْخُذُ مِنْ مَالِ الِابْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَلَا شَيْءَ لَهَا [قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ الْأَبَ فَقِيرٌ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ مَيِّتٌ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فَقِيرٌ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ، وَقَوْلُهُ، وَالْوَلَدُ فَقِيرٌ رَاجِعٌ

(وَالْمُطَلَّقَةُ) طَلَاقًا بَائِنًا، أَوْ رَجْعِيًّا وَخَرَجَتْ مِنْ الْعِدَّةِ (رَضَاعُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا (وَلَدِهَا عَلَى أَبِيهِ وَلَهَا أَنْ تَأْخُذَ أَجْرَ رَضَاعِهَا إنْ شَاءَتْ) ، وَإِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ تَأْخُذْ، وَهَذَا التَّخْيِيرُ ثَابِتٌ لَهَا إذَا طَلَبَتْ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَيُقْضَى لَهَا حِينَئِذٍ بِهِ إذَا قَالَ الزَّوْجُ عِنْدِي مَنْ تُرْضِعُهُ بِلَا شَيْءٍ، أَوْ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، أَمَّا إذَا طَلَبَتْ أَكْثَرَ مِنْهَا فَالْخِيَارُ لِلزَّوْجِ بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهَا ذَلِكَ، أَوْ يُؤَاجِرَ غَيْرَهَا، وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ الرَّضَاعَ حَقٌّ لَهَا لَا عَلَيْهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ «قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لِلْمَرْأَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ وَلَدَهَا مِنْهَا أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُ مَا لَمْ تَنْكِحِي» .

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى آخِرِ مَا تَبَرَّعَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهِيَ الْحَضَانَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْحِضْنِ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَهُوَ الْجَذْبُ، كَأَنَّهَا تَضُمُّهُ إلَى جَنْبِهَا، وَهِيَ فِي الشَّرْعِ الْكَفَالَةُ، وَالتَّرْبِيَةُ، وَالْقِيَامُ بِجَمِيعِ أُمُورِ الْمَحْضُونِ وَمَصَالِحِهِ، وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ لَا يَحِلُّ أَنْ يُتْرَكَ الطِّفْلُ بِغَيْرِ كَفَالَةٍ فَإِذَا قَامَ بِهِ قَائِمٌ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ وَلَا يَتَعَيَّنُ إلَّا عَلَى الْأَبِ، أَوْ عَلَى الْأُمِّ فِي حَوْلَيْ

[حاشية العدوي]

لِلطَّرَفَيْنِ إلَخْ وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُهَا أَنْ تُرْضِعَ وَإِلَّا اسْتَأْجَرَتْ، وَقَوْلُنَا: الْأَبُ فَقِيرٌ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ إذْ لَوْ كَانَ غَنِيًّا حَيًّا وَأَرَادَتْ أَنْ تُرْضِعَ فَلَهَا أَخْذُ الْأُجْرَةِ مِنْهُ، وَلَوْ قَالَ: عِنْدِي مَنْ يُرْضِعُهُ مَجَّانًا، وَكَذَا لَوْ كَانَ غَنِيًّا مَيِّتًا فَقَدْ قَالَ الزَّرْقَانِيُّ فَإِنْ مَاتَ مَلِيًّا أُخِذَتْ الْأُجْرَةُ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّمُ مَالُهُ عَلَى مَالِ الصَّبِيِّ فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ مُعْدِمًا وَلِلصَّبِيِّ مَالٌ فَمِنْهُ اهـ. [قَوْلُهُ: وَأَنَّثَ الْفِعْلَ إلَخْ] أَيْ حَيْثُ قَالَ لَا تُرْضِعُ بِالتَّاءِ كَمَا هُوَ رِوَايَةُ الْفَاكِهَانِيِّ، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى اللَّفْظِ لَكَانَتْ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ

[قَوْلُهُ: وَلِلْمُطَلَّقَةِ رَضَاعُ وَلَدِهَا] أَيْ بِالْأُجْرَةِ وَقَوْلُهُ عَلَى أَبِيهِ وَتَرْجِعُ بِهَا عَلَى أَبِيهِ [قَوْلُهُ: وَلَهَا أَنْ تَأْخُذَ] ظَاهِرُ تَقْرِيرِ شَارِحِنَا أَنَّ هَذِهِ فِي الْمُطَلَّقَةِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا يَكُونَ ضَرُورِيَّ الذِّكْرِ مَعَ قَوْلِهِ عَلَى أَبِيهِ إلَّا لِكَوْنِهِ تَصْرِيحًا بِالتَّخْيِيرِ، وَحَمَلَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى شَرِيفَةِ الْقَدْرِ حَتَّى لَا يَكُونَ تَكْرَارًا، فَقَالَ وَلَهَا أَيْ الَّتِي لَا يَلْزَمُهَا الْإِرْضَاعُ لِعُلُوِّ قَدْرِهَا أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهَا وَتَأْخُذَ أُجْرَةَ رَضَاعِهَا مِنْ أَبِيهِ إنْ شَاءَتْ، وَلَوْ كَانَتْ فِي عِصْمَةِ أَبِيهِ، وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ غَيْرَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَعَلَى حَمْلِ هَذَا عَلَى مَا فِي الْعِصْمَةِ انْدَفَعَ تَكْرَارُ هَذِهِ مَعَ مَا قَبْلَهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلْأُمِّ الَّتِي لَا يَلْزَمُهَا الْإِرْضَاعُ مِنْ شَرِيفَةِ قَدْرٍ أَوْ بَائِنٍ أَنْ تَرْجِعَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ مِنْ مَالِ الْأَبِ أَوْ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ مَالٌ [قَوْلُهُ: إنَّ الرَّضَاعَ حَقٌّ لَهَا لَا عَلَيْهَا] اعْلَمْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي الرَّضَاعِ هَلْ هُوَ حَقٌّ لِلْأُمِّ أَوْ عَلَى الْأُمِّ وَذَكَرَ الْفَاكِهَانِيُّ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْأُمِّ، وَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لَهَا أَخْذُ الْأُجْرَةِ وَعَلَى أَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهَا أَنَّهُ لَا أُجْرَةَ لَهَا، وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا تَقَرَّرَ فِي الْفِقْهِ أَنَّ لَهَا الْأُجْرَةَ فِي مَسَائِلَ وَلَا أُجْرَةَ لَهَا فِي أُخْرَى فَإِذَا كَانَ الْحَالُ كَذَلِكَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ الْخِلَافُ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ يُقَالُ حَقٌّ عَلَيْهَا فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ إذَا لَمْ تَكُنْ ذَاتَ قَدْرٍ، وَحَقٌّ عَلَيْهَا إنْ لَمْ يَقْبَلْ غَيْرَهَا وَحَقٌّ عَلَيْهَا إذَا أَعْدَمَ الْأَبُ

[أَحْكَام الْحَضَانَةُ]

[قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا] ، وَالْأَشْهَرُ الْفَتْحُ وَلِذَا قَدَّمَهُ [قَوْلُهُ: مَأْخُوذَةٌ إلَخْ] لَمْ يُرِدْ بِهِ الِاشْتِقَاقَ؛ لِأَنَّ الْحِضْنَ بِالْكَسْرِ لَيْسَ مَصْدَرًا قَوْلُهُ: وَهُوَ الْجَذْبُ بِالْجِيمِ، وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ النُّسَخِ، وَالصَّوَابُ الْجَنْبُ، وَيُرَجِّحُ ذَلِكَ قَوْلُ التَّنْبِيهِ: الْحَضَانَةُ مَصْدَرُ حَضَنْت الصَّبِيَّ حَضَانَةً تَحَمَّلْت مُؤْنَتَهُ وَتَرْبِيَتَهُ، وَعَنْ ابْنِ الْقَطَّاعِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْحِضْنِ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَجَمْعُهَا أَحْضَانٌ وَهُوَ الْجَنْبُ كَأَنَّهَا تَضُمُّهُ إلَى جَانِبِهَا، وَهُوَ مَا تَحْتَ الْإِبْطِ إلَى الْكَشْحِ وَهُوَ الْخَصْرُ اهـ. [قَوْلُهُ: كَأَنَّهَا تَضُمُّهُ إلَى جَنْبِهَا] لَا يَخْفَى أَنَّ الضَّمَّ مُحَقَّقٌ عُرْفًا فَالتَّعْبِيرُ بِكَأَنَّ غَيْرُ مُنَاسِبٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ التَّعْبِيرُ بِهِ نَظَرًا إلَى الْعَقْلِ أَوْ أَنَّهَا لِلتَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: وَهِيَ فِي الشَّرْعِ الْكَفَالَةُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ مَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ مَعْنًى لُغَوِيٌّ لِلْحَضَّانَةِ، وَإِذَا نَظَرْت وَجَدْت الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ عَيْنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَتَعْبِيرُهُ يُؤْذِنُ بِالْمُغَايَرَةِ [قَوْلُهُ: وَالتَّرْبِيَةُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ، وَالْقِيَامُ بِجَمِيعِ أُمُورِ الْمَحْضُونِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ إلَخْ] هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ لِابْنِ رُشْدٍ [قَوْلُهُ: فَإِذَا قَامَ بِهِ] أَيْ بِالْكَفَالَةِ بِمَعْنَى الْقِيَامِ [قَوْلُهُ: سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ] كَمَا هُوَ شَأْنُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ زَادَ غَيْرُهُ فَإِذَا لَمْ يَقُومُوا بِهِ فَهُمْ عَاصُونَ لِلَّهِ وَرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

رَضَاعَةٍ، إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ وَلَا مَالَ لَهُ، أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَلَكِنْ لَا يَقْبَلُ غَيْرَهَا.
، وَالْحَضَانَةُ تَكُونُ فِي النِّسَاءِ وَفِي الرِّجَالِ، وَلَهَا شُرُوطٌ مُشْتَرَكَةٌ وَمُخْتَصَّةٌ فَالْمُشْتَرَكَةُ الْعَقْلُ وَأَلَّا يَكُونَ زَمِنًا وَلَا عَاجِزًا وَأَنْ يَكُونَ مَنْزِلُهُ حِرْزًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُنْثَى، وَأَنْ يَكُونَ مَأْمُونًا فِي دِينِهِ وَأَلَّا يَكُونَ بِهِ جُذَامٌ وَلَا بَرَصٌ مُضِرَّانِ وَأَنْ يَكُونَ رَشِيدًا وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِسْلَامُ، وَالْمُخْتَصَّةُ بِالذَّكَرِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَنْ يَحْضُنُ الطِّفْلَ مِنْ زَوْجَةٍ، أَوْ سُرِّيَّةٍ وَأَنْ يَكُونَ عَاصِبًا لَا غَيْرُهُ، إلَّا الْأَخُ لِلْأُمِّ، وَالْمُخْتَصُّ بِالْأُنْثَى أَنْ تَكُونَ خَالِيَةً مِنْ زَوْجٍ أَجْنَبِيٍّ مِنْ الْمَحْضُونِ دَخَلَ بِهَا وَأَنْ تَكُونَ ذَاتَ رَحِمٍ مَحْرَمَةٍ عَلَيْهِ فَبِنْتُ الْخَالَةِ

[حاشية العدوي]

وَيُعَاقَبُونَ عَلَى فِعْلِهِمْ اهـ. [قَوْلُهُ: إلَّا عَلَى الْأَبِ] أَيْ وَحْدَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: فِي حَوْلَيْ رَضَاعِهِ] ظَاهِرٌ فِي رُجُوعِهِ لِلْأُمِّ وَسَكَتَ عَنْهُ فِي جَانِبِ الْأَبِ، وَالظَّاهِرُ لَا فَرْقَ [قَوْلُهُ: وَلَا مَالَ لَهُ] يَحْتَمِلُ عَوْدَهُ عَلَى الْأَبِ وَيَحْتَمِلُ عَوْدَهُ عَلَى الطِّفْلِ هَذَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، وَمُقْتَضَى مَا بَعْدَهُ تَرْجِيحُ الثَّانِي أَفَادَهُ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ [قَوْلُهُ: وَلَكِنْ لَا يَقْبَلُ غَيْرَهَا] أَيْ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ لَا يَقْبَلُ غَيْرَهَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهَا.
وَلَوْ كَانَ لَهُ أَبٌ قَالَ عج، ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّ الْحَضَانَةَ تَتَعَيَّنُ عَلَى الْأَبِ وَعَلَى الْأُمِّ بِشَرْطِهَا لَا يَتَأَتَّى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا حَقٌّ لِلْمَحْضُونِ وَلَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا حَقٌّ لِلْحَاضِنِ، إذْ عَلَى الْأَوَّلِ يَسْتَوِي الْجَمِيعُ فِي عَدَمِ التَّعْيِينِ وَعَلَى الثَّانِي يَسْتَوِي الْجَمِيعُ أَيْضًا، فِي الْحُكْمِ قُلْت لَعَلَّ الْخِلَافَ فِيمَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَبِ، وَالْأُمِّ بِشَرْطِهَا ثُمَّ إنَّ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ فِي وُجُوبِ الْحَضَانَةِ عَلَى الْأُمِّ غَيْرُ التَّفْصِيلِ فِي وُجُوبِ الرَّضَاعِ عَلَيْهَا، وَهُوَ يُفِيدُ اخْتِلَافَ الرَّضَاعِ، وَالْحَضَانَةِ اهـ. أَقُولُ بَعْدَ هَذَا فَهُوَ مُشْكِلٌ مَعَ قَوْلِهِ: وَالْحَضَانَةُ تَكُونُ فِي النِّسَاءِ، وَالرِّجَالِ الْمُبَيِّنُ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ تَقْدِيمِ الْأُمِّ وَتَأْخِيرِ الْأَبِ بَعْدُ، وَأَنَّهَا تَسْتَمِرُّ فِي حَقِّ الذَّكَرِ لِلْبُلُوغِ وَفِي حَقِّ الْأُنْثَى حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا الزَّوْجُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَوْلَهُ وَلَا يَتَعَيَّنُ عَائِدٌ عَلَيْهَا لَا بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ بَلْ بِمَعْنَى الْإِرْضَاعِ، وَقَوْلُهُ عَلَى الْأَبِ أَيْ فِي صُوَرِ الْإِرْضَاعِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ أَيْ أَوْ كَانَ لَهُ أَبٌ وَهِيَ غَيْرُ شَرِيفَةٍ فَتَدَبَّرْ حَقَّ التَّدَبُّرِ.
[قَوْلُهُ: فَالْمُشْتَرَكَةُ الْعَقْلُ] فَالْمَجْنُونُ، وَلَوْ غَيْرَ مُطْبَقٍ لَا حَضَانَةَ لَهُ، وَكَذَا مَنْ بِهِ طَيْشٌ [قَوْلُهُ: وَلَا عَاجِزًا] عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بَدَلَ هَذَا: وَالْكَفَاءَةُ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ بِأَمْرِ الْمَحْضُونِ، فَالزَّمِنُ، وَالْمُسِنُّ، وَالْأَعْمَى، وَالْأَخْرَسُ، وَالْأَصَمُّ لَا حَضَانَةَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ مَنْ يَحْضُنُ [قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ مَنْزِلُهُ حِرْزًا إلَخْ] أَيْ إمَّا مِنْ ابْتِدَاءِ الْحَضَانَةِ فِي مُطِيقَةِ أَوْ مِنْ إطَاقَتِهَا بَعْدَ مُدَّةٍ فَيُشْتَرَطُ حِرْزٌ مَكَانَهَا حِينَئِذٍ لَا قَبْلَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْأَمْنِ عَلَى النَّفْسِ، وَالْمَالِ فَلَا يُخْشَى سَرِقَةُ مَالِهَا.
وَمِثْلُ الْأُنْثَى الذَّكَرُ إذَا كَانَ يُخْشَى مِنْهُ الْفَسَادُ [قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ مَأْمُونًا فِي دِينِهِ] لَا إنْ كَانَ شِرِّيبًا يَذْهَبُ يَشْرَبُ وَيَتْرُكُ ابْنَتَهُ مَثَلًا يَدْخُلُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ [قَوْلُهُ: وَأَلَّا يَكُونَ بِهِ جُذَامٌ وَلَا بَرَصٌ مُضِرَّانِ] وَأَمَّا الْخَفِيفُ فَلَا يَمْنَعُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَلَّا تَقُومَ بِهِ الْعَاهَاتُ الْمُضِرَّةُ الَّتِي يُخْشَى حُدُوثُ مِثْلِهَا بِالْوَلَدِ، وَلَوْ جَرَبًا دَامِيًا وَحَكَّةً، فَفِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ قُصُورٌ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْجَرَبَ يُدْمِي، وَالْحَكَّةَ لَا تُدْمِي، وَلَوْ كَانَ بِالْمَحْضُونِ أَيْضًا إذْ قَدْ يَحْصُلُ بِانْضِمَامِهِمَا زِيَادَةٌ فِي جُذَامِ الْمَحْضُونِ مَثَلًا.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ رَشِيدًا] أَيْ قَامَ بِهِ نَوْعٌ مِنْ الرُّشْدِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِلْمَالِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَالِغِ فِي أَنَّ لَهُ الْحَضَانَةَ عَلَى الرَّاجِحِ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ قَدْ يَكُونُ لَهُ حِفْظٌ، وَيَكُونُ مَنْ يَحْضُنُهُ يَحْضُنُ مَعَهُ الْمَحْضُونَ الصَّغِيرَ وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ الْقَسْوَةِ فَمَنْ عُلِمَ مِنْهُ قِلَّةُ الْحَنَانِ، وَالشَّفَقَةِ إمَّا لِطَبْعِهِ أَوْ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبَوَيْ الْمَحْضُونِ قُدِّمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ [قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِسْلَامُ] . وَلَوْ انْتَقَلَتْ الْحَضَانَةُ مِنْ مُسْلِمَةٍ إلَّا أَنَّهَا تُمْنَعُ أَنْ تُغَذِّيَ الطِّفْلَ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ [قَوْلُهُ: مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ سُرِّيَّةٍ] أَيْ مِنْ زَوْجَةٍ مُسْتَوْفَاةٍ لِشُرُوطِ الْحَاضِنِ أَوْ سُرِّيَّةٍ أَوْ أَمَةِ خِدْمَةٍ أَوْ مُسْتَأْجَرَةٍ كَذَلِكَ أَوْ مُتَبَرِّعَةٍ [قَوْلُهُ: أَنْ تَكُونَ خَالِيَةً مِنْ زَوْجٍ أَجْنَبِيٍّ إلَخْ] إنَّمَا سَقَطَ حَقُّهَا حَيْثُ تَزَوَّجَتْ لِاشْتِغَالِهَا بِالزَّوْجِ عَنْ الطِّفْلِ وَلِهَذَا اُشْتُرِطَ فِي السُّقُوطِ الدُّخُولُ إذْ قَبْلَهُ لَمْ يَحْصُلْ اشْتِغَالٌ عَنْ الْوَلَدِ، فَلَيْسَ الدَّعْوَى لِلدُّخُولِ كَالدُّخُولِ وَمَحِلُّ السُّقُوطِ بِالدُّخُولِ، وَالِانْتِقَالِ لِمَنْ بَعْدَهَا مَا لَمْ يَعْلَمْ بِالدُّخُولِ وَبِالْحُكْمِ، وَيَسْكُتُ الْعَامَ وَإِلَّا اسْتَمَرَّتْ حَضَانَتُهَا

وَنَحْوُهَا لَا حَضَانَةَ لَهَا.

(وَالْحَضَانَةُ) حَقٌّ (لِلْأُمِّ) حُرَّةً كَانَتْ، أَوْ أَمَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ، أَوْ كِتَابِيَّةً رَشِيدَةً، أَوْ سَفِيهَةً (بَعْدَ الطَّلَاقِ) وَبَعْدَ الْوَفَاةِ مَا لَمْ تُسْقِطْهَا (إلَى احْتِلَامِ الذَّكَرِ) أَيْ إنْزَالِهِ فِي النَّوْمِ لِرُؤْيَةِ جِمَاعٍ، أَوْ غَيْرِهِ (وَ) إلَى (نِكَاحِ الْأُنْثَى) بِمَعْنَى الْعَقْدِ عَلَيْهَا (وَدُخُولٍ بِهَا) ق ظَاهِرُ قَوْلِهِ إلَى احْتِلَامِ الذَّكَرِ سَوَاءٌ كَانَ زَمِنًا أَمْ لَا وَقَالَ فِيمَا يَأْتِي وَلَا زَمَانَةَ بِهِمْ فَهَلْ يُحْمَلُ هَذَا عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا

(وَذَلِكَ) أَيْ الْحَضَانَةُ تَنْتَقِلُ (بَعْدَ الْأُمِّ إنْ مَاتَتْ، أَوْ نَكَحَتْ) أَجْنَبِيًّا مِنْ غَيْرِ مَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ وَدَخَلَ بِهَا (لِلْجَدَّةِ) أُمِّ الْأُمِّ ثُمَّ جَدَّةِ الْأُمِّ، وَإِنْ بَعُدَتْ.
قَالَهُ ابْنُ رَشِيقٍ وَيُشْتَرَطُ فِي اسْتِحْقَاقِهَا الْحَضَانَةَ أَنْ تَنْفَرِدَ بِالطِّفْلِ فِي مَسْكَنٍ غَيْرِ مَسْكَنِ الْأُمِّ الَّتِي سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا (ثُمَّ) بَعْدَ جَدَّةِ الْأُمِّ يَنْتَقِلُ الْحَقُّ (لِلْخَالَةِ) أَيْ خَالَةِ الطِّفْلِ أُخْتِ أُمِّهِ الشَّقِيقَةِ ثُمَّ الَّتِي لِلْأُمِّ ثُمَّ الَّتِي لِلْأَبِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ الْخَالَةِ يَنْتَقِلُ الْحَقُّ لِخَالَةِ خَالَةِ الطِّفْلِ، وَهِيَ أُخْتُ جَدَّةِ الطِّفْلِ لِأُمِّهِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهَا لِلْجَدَّةِ الَّتِي لِلْأَبِ أَيْ أُمِّ الْأَبِ ثُمَّ جَدَّةِ الْأَبِ لِأَبِيهِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ

[حاشية العدوي]

كَمَا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ مَحْرَمًا لِلْمَحْضُونِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَضَانَةٌ كَخَالِهِ وَتَزَوَّجَ بِالْحَضَانَةِ غَيْرَ الْأُمِّ، أَوْ كَانَ وَلِيًّا لِلْمَحْضُونِ كَابْنِ عَمِّهِ أَوْ كَانَ لَا يَقْبَلُ غَيْرَ الْحَاضِنَةِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُرْضِعُهُ عِنْدَ مَنْ تَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ، وَإِلَّا اسْتَمَرَّتْ الْحَضَانَةُ لِذَاتِ الزَّوْجِ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَالْمُبَاشَرَةِ فَمَنْ اتَّصَفَ بِضِدِّهَا سَقَطَ حَقُّهُ جُمْلَةً، إلَّا الْقُدْرَةَ فَإِنَّهَا شَرْطٌ فِي الْمُبَاشَرَةِ فَالْحَاضِنُ الْمُسِنُّ لَوْ طَلَبَ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَحْضُنُ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ [قَوْلُهُ: وَأَنْ تَكُونَ ذَاتَ رَحِمٍ مَحْرَمَةً عَلَيْهِ] فَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ رَحِمٍ وَلَمْ تَكُنْ مَحْرَمَةً عَلَيْهِ كَبِنْتِ الْخَالَةِ وَبِنْتِ الْعَمَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقٌّ فِي الْحَضَانَةِ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ وَلَمْ تَكُنْ ذَاتَ رَحِمٍ لَهُ كَالْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِ بِالصُّهَارَةِ أَوْ الرَّضَاعِ

[قَوْلُهُ: أَوْ سَفِيهَةً] هَذَا مُرُورٌ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ رِوَايَةِ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَوْلُهُ أَوَّلًا.
وَأَنْ يَكُونَ رَشِيدًا مُرُورٌ عَلَى مَا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ اشْتِرَاطِ الرُّشْدِ وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ وَرُشْدٌ وَضَعَّفَ اللَّقَانِيُّ كَلَامَ الْمُخْتَصَرِ وَاعْتَمَدَ مَا لِابْنِ عَرَفَةَ [قَوْلُهُ: مَا لَمْ تُسْقِطْهَا] مَحِلُّ الْإِسْقَاطِ مَا عَدَا الصُّورَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ وَهُمَا إذَا مَاتَ أَبُوهُ وَلَا مَالَ لِلْوَلَدِ أَوْ لَا يَقْبَلُ غَيْرَهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّهَا إذَا أَسْقَطَتْهَا ثُمَّ طَلَبَتْهَا فَلَا تَرْجِعُ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ [قَوْلُهُ: الذَّكَرِ] أَيْ الْمُحَقَّقِ فَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ تَسْتَمِرُّ حَضَانَتُهُ مَا دَامَ مُشْكِلًا، وَالْمَدَارُ عَلَى عَلَامَةِ الْبُلُوغِ بِغَيْرِ الْإِنْبَاتِ، فَلَا يُعْتَبَرُ هُنَا الْبُلُوغُ بِالْإِنْبَاتِ لِلْخِلَافِ فِيهِ [قَوْلُهُ: وَإِلَى نِكَاحِ الْأُنْثَى إلَخْ] وَلَا يَكْفِي الدَّعْوَةُ لِلدُّخُولِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الدُّخُولِ، وَإِنْ صَغِيرَيْنِ وَاسْتَمَرَّتْ نَفَقَتُهَا عَلَى أَبِيهَا.
تَنْبِيهٌ: لَوْ سَقَطَتْ بِالتَّزْوِيجِ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ فَفُسِخَ فَتَعُودُ الْحَضَانَةُ.
[قَوْلُهُ: فَهَلْ يُحْمَلُ إلَخْ] لَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَلَوْ بَلَغَ، وَلَوْ زَمِنًا أَوْ عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ أَوْ مَجْنُونًا سَقَطَتْ حَضَانَةُ الْأُمِّ

[قَوْلُهُ: أَوْ نَكَحَتْ أَجْنَبِيًّا مِنْ غَيْرِ مَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ] أَيْ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ تَزَوَّجَتْ بِأَحَدٍ مِنْ الْأَقَارِبِ مِمَّنْ لَهُ الْحَضَانَةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَحْرَمًا عَلَيْهِ كَالْعَمِّ، وَالْجَدِّ لِلْأَبِ أَوْ غَيْرَ مَحْرَمٍ عَلَيْهِ كَابْنِ الْعَمِّ أَوْ مِمَّنْ لَا حَضَانَةَ لَهُ وَهُوَ مَحْرَمٌ عَلَيْهِ، كَالْخَالِ، وَالْجَدِّ لِلْأُمِّ فَقَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ مَنْ لَهُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ أَجْنَبِيًّا [قَوْلُهُ: لِلْجَدَّةِ أُمِّ الْأُمِّ] فِي كَلَامِهِ قُصُورٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ ثُمَّ الْجَدَّةِ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ فَيَشْمَلُ جِهَةَ الذُّكُورِ وَجِهَةَ الْإِنَاثِ، لَكِنَّ جِهَةَ الْإِنَاثِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى جِهَةِ الذُّكُورِ [قَوْلُهُ: أَنْ تَنْفَرِدَ بِالطِّفْلِ] لَا خُصُوصِيَّةَ لَهَا بِذَلِكَ بَلْ كُلُّ مَنْ اسْتَحَقَّ الْحَضَانَةَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالسُّكْنَى عَنْ الَّتِي سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا [قَوْلُهُ: ثُمَّ الَّتِي لِلْأَبِ] أَيْ فَهِيَ بَعْدَ الَّتِي لِلْأُمِّ وَرَجَّحَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُخْتَصَرِ، أَنْ لَا حَضَانَةَ لِلْخَالَةِ أُخْتِ الْأُمِّ مِنْ الْأَبِ [قَوْلُهُ: وَهِيَ أُخْتُ جَدَّةِ الطِّفْلِ لِأُمِّهِ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ تِلْكَ الْخَالَةَ الَّتِي خَالَتُهَا حَاضِنَةٌ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ أُخْتَ الْأُمِّ شَقِيقَةً أَوْ لِأُمٍّ لَا لِأَبٍ؛ لِأَنَّ خَالَتَهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْ الْمَحْضُونِ فَلَا تَسْتَحِقُّ حَضَانَةً [قَوْلُهُ: ثُمَّ مِنْ بَعْدِهَا إلَخْ] أَسْقَطَ الشَّارِحُ مَرْتَبَةً قَبْلَ الْجَدَّةِ وَهِيَ عَمَّةُ الْأُمِّ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ عَمَّةِ الْأُمِّ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهَا الْجَدَّةُ [قَوْلُهُ: ثُمَّ جَدَّةِ الْأَبِ لِأَبِيهِ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ ثُمَّ

ذَوِي رَحِمِ الْأُمِّ أَحَدٌ) مِمَّنْ ذَكَرْنَا وَمِمَّنْ لَمْ نَذْكُرْ مِثْلُ خَالَةِ الْأُمِّ وَلَا مِنْ غَيْرِ ذَوِي رَحِمِ الْأُمِّ، وَهِيَ الْجَدَّةُ لِلْأَبِ وَجَدَّةُ أَبِي الْأَبِ، (فَ) الْمُسْتَحِقُّ حِينَئِذٍ لِلْحَضَّانَةِ (الْأَخَوَاتُ) فَتُقَدَّمُ الشَّقِيقَةُ ثُمَّ الَّتِي لِلْأُمِّ ثُمَّ الَّتِي لِلْأَبِ.
(وَ) يَلِي الْأَخَوَاتِ (الْعَمَّاتُ) عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ (فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا) صَوَابُهُ يَكُنَّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ لِلْأَخَوَاتِ، وَالْعَمَّاتِ لَكِنْ ذَكَرَ بِاعْتِبَارِ الْأَشْخَاصِ؛ التَّقْدِيرُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِمَّنْ ذَكَرْنَا مَوْجُودًا، أَوْ كَانَ إلَّا أَنَّهُ سَقَطَ لِمَانِعٍ (فَ) الْمُسْتَحِقُّ لِلْحَضَانَةِ حِينَئِذٍ (الْعَصَبَةُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَبَ مُؤَخَّرٌ عَنْ الْعَمَّاتِ، وَالْأَخَوَاتِ وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّ الْأَبَ يَلِي جَدَّةَ الْأَبِ وَتَلِيهِ أُخْتُ الطِّفْلِ وَتَلِيهَا عَمَّتُهُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمُتَقَدِّمِ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ الْأَخَ لِلْأُمِّ لَا حَضَانَةَ لَهُ وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّ الْوَصِيَّ مُقَدَّمٌ عَلَى سَائِرِ الْعَصَبَةِ وَيَلِيهِ الْأَخُ ثُمَّ ابْنُهُ ثُمَّ الْعَمُّ ثُمَّ ابْنُهُ، وَيُقَدَّمُ الشَّقِيقُ فِي الْجَمِيعِ ثُمَّ الَّذِي لِلْأُمِّ ثُمَّ الَّذِي لِلْأَبِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَوَجْهُ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْحَاضِنِينَ عَلَى بَعْضٍ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمُتَقَدِّمِ قُوَّةُ الشَّفَقَةِ فِي الْمُقَدَّمِ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ: لَوْ عُلِمَ مِمَّنْ قَدَّمْنَا قِلَّةُ الْحَنَانِ، وَالْعَطْفِ بِجَفَاءٍ، أَوْ قَسَاوَةٍ فِي الطَّبْعِ، أَوْ لِأَمْرٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّ الْوَلَدِ وَأَبِيهِ، وَعُلِمَ مِمَّنْ أَخَّرْنَاهُ الْحَنَانُ، وَالْعَطْفُ لَقُدِّمَ عَلَى مَنْ عُلِمَ مِنْهُ الْقَسَاوَةُ

[حاشية العدوي]

الْجَدَّةِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ فَيَشْمَلُ جِهَةَ الذُّكُورِ وَجِهَةَ الْإِنَاثِ، لَكِنَّ جِهَةَ الْإِنَاثِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى جِهَةِ الذُّكُورِ فَعَلَى هَذَا تَقَدَّمَ أُمُّ أُمِّ الْأُمِّ عَلَى أُمِّ الْجَدِّ خِلَافًا لِظَاهِرِ الشَّارِحِ [قَوْلُهُ: مِثْلُ خَالَةِ الْأُمِّ] أَيْ الَّتِي هِيَ أُمُّ الْخَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الشَّارِحُ [قَوْلُهُ: وَهِيَ الْجَدَّةُ لِلْأَبِ] أَيْ الْجَدَّةُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَهِيَ أُمُّ الْأَبِ.
وَقَوْلُهُ وَجَدَّةُ أَبِي الْأَبِ الْمُنَاسِبُ لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ أَنْ يَقُولَ وَجَدَّةُ الْأَبِ [قَوْلُهُ: فَالْمُسْتَحِقُّ حِينَئِذٍ لِلْحَضَانَةِ الْأَخَوَاتُ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْأَبُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَخَوَاتِ [قَوْلُهُ: الْعَمَّاتُ] الْمُرَادُ عَمَّتُهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَمَّةُ أُخْتَ الْأَبِ أَوْ أُخْتَ أَبِي الْأَبِ، وَبَعْدَ الْعَمَّةِ الَّتِي مِنْ جِهَةِ الْأَبِ الْخَالَةُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَهِيَ بَعْدَ عَمَّةِ الْأَبِ وَسَوَاءٌ أُخْتُ أُمِّ الْأَبِ أَوْ أُخْتُ أُمِّ أَبِيهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِنْتُ الْأَخِ شَقِيقًا أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ ثُمَّ بِنْتُ الْأُخْتِ شَقِيقَةً أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ لِلْأَخَوَاتِ، وَالْعَمَّاتِ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ رَاجِعٌ لِلْعَمَّاتِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ [قَوْلُهُ: عَلَى التَّرْتِيبِ الْمُتَقَدِّمِ] أَيْ مِنْ كَوْنِ الشَّقِيقَةِ تُقَدَّمُ ثُمَّ الَّتِي لِلْأُمِّ ثُمَّ الَّتِي لِلْأَبِ وَقَوْلُهُ لَا حَضَانَةَ لَهُ أَيْ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ [قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّ الْوَصِيَّ مُقَدَّمٌ عَلَى سَائِرِ الْعَصَبَةِ] أَيْ فَبَعْدَ بِنْتِ الْأُخْتِ الْوَصِيُّ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى إنْ كَانَ الْمَحْضُونُ ذَكَرًا، وَكَذَا أُنْثَى، وَالْوَصِيُّ ذَكَرًا، وَالْمَحْضُونَةُ لَا تُطِيقُ كَمُطِيقَةٍ إنْ تَزَوَّجَ الْوَصِيُّ بِأُمِّهَا أَوْ جَدَّتِهَا وَتَلَذَّذَ حَتَّى صَارَتْ مَحْرَمًا، وَإِلَّا فَلَا حَضَانَةَ لَهُ عَلَى الرَّاجِحِ وَمِثْلُ الْوَصِيِّ وَصِيُّ الْوَصِيِّ وَمُقَدَّمُ الْقَاضِي [قَوْلُهُ: وَيَلِيهِ الْأَخُ] الشَّقِيقُ ثُمَّ الَّذِي لِلْأُمِّ ثُمَّ الَّذِي لِلْأَبِ [قَوْلُهُ: ثُمَّ ابْنُهُ] أَسْقَطَ مَرْتَبَةً وَهُوَ الْجَدُّ فَالْجَدُّ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْأَخِ وَابْنِهِ، وَهَلْ الْمُرَادُ هُنَا الْجَدُّ دِنْيّة أَيْ، وَإِنْ عَلَا احْتِمَالَانِ لِابْنِ رُشْدٍ رَاجِعْ تَحْقِيقَ الْمَبَانِي.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ الْعَمُّ] أَيْ عَمُّ الْمَحْضُونِ وَأَمَّا الْجَدُّ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ، ثُمَّ يَلِي مَرْتَبَةَ الْعَمِّ وَابْنِهِ الْمَوْلَى الْأَعْلَى وَهُوَ الْمُعْتَقُ ثُمَّ عَصَبَتُهُ ثُمَّ الْمَوْلَى الْأَسْفَلُ وَصُورَتُهُ: إنْسَانٌ انْتَقَلَ إلَيْهِ حَضَانَةٌ وَهُوَ مَوْلَى أَعْلَى فَوُجِدَ قَدْ مَاتَ وَلَهُ عَتِيقٌ فَإِنَّ الْحَضَانَةَ تَنْتَقِلُ لِلْعَتِيقِ، وَانْظُرْ هَلْ لِعَصَبَةِ الْأَسْفَلِ نَسَبًا حَضَانَةٌ أَمْ لَا.
تَنْبِيهٌ: إذَا حَصَلَ اتِّحَادٌ كَمُعْتَقَيْنِ وَعَمَّيْنِ مَثَلًا فَيُقَدَّمُ مَنْ هُوَ أَقْوَى شَفَقَةً وَحَنَانًا عَلَى الْمَحْضُونِ، وَيُقَدَّمُ الْأَسَنُّ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنْ تَسَاوَيَا فَالظَّاهِرُ الْقُرْعَةُ فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا صِيَانَةٌ وَفِي الْآخَرِ شَفَقَةٌ فَالظَّاهِرُ تَقْدِيمُ ذِي الشَّفَقَةِ.
تَتِمَّةٌ: الَّذِي يَقْبِضُ نَفَقَةَ الْمَحْضُونِ الْحَاضِنُ قَهْرًا عَلَى الْأَبِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ بِالْجُمُعَةِ أَوْ الشَّهْرِ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ بِالسَّعَةِ وَعَدَمِهَا، وَإِذَا ادَّعَى الْحَاضِنُ ضَيَاعَهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا إلَّا لِبَيِّنَةٍ عَلَى الضَّيَاعِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، وَالسُّكْنَى تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ فَأُجْرَةُ مَحِلِّ الْحَاضِنِ عَلَى أَبِي الْمَحْضُونِ وَلَا يَلْزَمُ الْحَاضِنَةَ شَيْءٌ وَلَا تَسْتَحِقُّ الْحَاضِنَةُ شَيْئًا لِأَجْلِ

أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ.

وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى مَا تَبَرَّعَ بِهِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى بَقِيَّةِ مَا تَرْجَمَ لَهُ، وَهُوَ النَّفَقَةُ فَقَالَ: (وَلَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ الْمُوسِرَ النَّفَقَةُ) مِنْ قُوتٍ وَإِدَامٍ وَكِسْوَةٍ وَنَفَقَةٍ وَمَسْكَنٍ (إلَّا عَلَى زَوْجَتِهِ) بِالْعَادَةِ سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا، أَوْ عَبْدًا (سَوَاءٌ كَانَتْ غَنِيَّةً، أَوْ فَقِيرَةً) مُسْلِمَةً كَانَتْ، أَوْ كِتَابِيَّةً حُرَّةً، أَوْ أَمَةً بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ بَالِغًا وَأَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مُطِيقَةً لِلْوَطْءِ مُمَكِّنَةً مِنْ الدُّخُولِ بِهَا، وَأَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُشْرِفًا عَلَى الْمَوْتِ وَقَيَّدْنَا بِالْعَادَةِ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ طَلَبَتْ أَمَرَا زَائِدًا عَلَى عَادَةِ أَمْثَالِهَا، أَوْ طَلَبَ هُوَ أَنْقَصَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهِ فَلَا يُسْمَعُ مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ وَتَطْلُقُ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ بِالْعَجْزِ عَنْهَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ تَزَوَّجَتْهُ عَالِمَةً بِفَقْرِهِ وَعَجْزِهِ عَنْ النَّفَقَةِ

(وَ) لَا يَلْزَمُهُ أَيْضًا النَّفَقَةُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَقَارِبِهِ إلَّا

[حاشية العدوي]

حَضَانَتِهَا، لَا نَفَقَةً وَلَا أُجْرَةَ حَضَانَةٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْحَاضِنَةُ أُمَّ الْمَحْضُونِ وَهِيَ فَقِيرَةٌ، وَالْمَحْضُونُ مُوسِرٌ وَإِلَّا اسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ فِي مَالِهِ مِنْ حَيْثُ فَقْرُهَا، وَلَوْ لَمْ تَحْضُنْهُ

[بَاب النَّفَقَة]

[قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ الْمُوسِرَ النَّفَقَةُ] أَيْ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْأَحْرَارِ غَيْرِ الْأَقَارِبِ لِغَيْرِ اضْطِرَارٍ أَوْ الْتِزَامٍ [قَوْلُهُ: إلَّا عَلَى زَوْجَتِهِ] الَّتِي دَخَلَ بِهَا، وَلَوْ صَغِيرَةً أَوْ مَرِيضَةً، وَلَوْ مُشْرِفَةً أَوْ الَّتِي دَعَتْهُ لِلدُّخُولِ بِهَا، وَهِيَ مُطِيقَةٌ لِوَطْئِهِ مَعَ بُلُوغِهِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا مُشْرِفًا.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ بَالِغًا] وَأَمَّا لَوْ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ فَلَا تَجِبُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ بَالِغَةً رَشِيدَةً فَقَدْ مَكَّنَتْ مِنْ نَفْسِهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ بَالِغَةٍ فَقَدْ سَلَّطَهُ وَلِيُّهَا عَلَيْهَا [قَوْلُهُ: وَأَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مُطِيقَةً] هَذَا شَرْطٌ فِي الَّتِي دَعَتْهُ لِلدُّخُولِ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَأَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُشْرِفًا.
[قَوْلُهُ: مُمَكِّنَةً] أَيْ فَإِذَا أَطَاقَتْهُ لَكِنْ لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ الدُّخُولِ بِهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَا بُدَّ مِنْ الدُّعَاءِ لِلدُّخُولِ فَإِذَا لَمْ تَدْعُهُ فَلَا نَفَقَةَ [قَوْلُهُ: وَقَيَّدْنَا بِالْعَادَةِ إلَخْ] الْحَاصِلُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِوُسْعِهِ وَحَالِهَا إنْ سَاوَاهَا حَالُهُ فَإِذَا زَادَ حَالُهَا اُعْتُبِرَ وُسْعُهُ فَقَطْ، فَإِنْ نَقَصَتْ حَالَتُهَا عَنْ حَالَتِهِ، وَعَنْ وُسْعِهِ اُعْتُبِرَ وُسْعُهُ مُتَوَسِّطًا لَا حَالُهَا فَقَطْ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ عَلَى عَادَةِ أَمْثَالِهَا الْمُرَادُ بِهِ الْقَدْرُ الْوَاجِبُ لَهَا وَعَادَةُ أَمْثَالِهِ الْقَدْرُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فَيَجِيءُ عَلَى ذِكْرِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرْضِعَةَ تُزَادُ مَا تَقْوَى بِهِ إلَّا الْمَرِيضَةَ وَقَلِيلَةَ الْأَكْلِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا تَأْكُلُ إلَّا الْمُقَدَّرَ لَهَا شَيْءٌ، عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَاهُ فَيَلْزَمُ الْمُقَدِّرَ وَلَا يَلْزَمُ الْحَرِيرَ وَلَا ثِيَابَ الْمُخْرِجِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: وَتَطْلُقُ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ بِالْعَجْزِ عَنْهَا] أَيْ عَنْ النَّفَقَةِ مِنْ كَامِلِ الْقُوتِ مِنْ قَمْحٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ دَخَنٍ أَوْ ذُرَةٍ مَأْدُومٍ أَوْ غَيْرِ مَأْدُومٍ، وَالْكِسْوَةُ، وَلَوْ مِنْ غَلِيظِ الْكَتَّانِ فَمَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا، وَلَوْ مِمَّا ذُكِرَ فَلَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ.
وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا عَجَزَ مِنْ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ الْحَاضِرَةِ أَوْ الْمُسْتَقْبَلَةِ، لِمَنْ يُرِيدُ سَفَرًا دُونَ الْمَاضِيَةِ وَرَفَعَتْ أَمْرَهَا إلَى الْحَاكِمِ وَشَكَتْ ضَرَرَ ذَلِكَ وَأَثْبَت الزَّوْجِيَّةَ، وَلَوْ بِالشُّهْرَةِ أَوْ كَانَا طَارِئَيْنِ فَيُفْصَلُ بَيْنَ كَوْنِ الزَّوْجِ ثَابِتَ الْعُسْرِ، فَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ بِالطَّلَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتَ الْعُسْرِ مَعَ ادِّعَاءِ الْعُسْرِ فَيَأْمُرُهُ بِالْإِنْفَاقِ أَوْ الطَّلَاقِ، فَإِنْ طَلَّقَ فِي الْأُولَى أَوْ أَنْفَقَ أَوْ طَلَّقَ فِي الثَّانِيَةِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ طَلَّقَ عَلَيْهِ بِلَا تَلَوُّمٍ فِي الثَّانِيَةِ، وَبَعْدَ التَّلَوُّمِ فِي الْأُولَى بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَسَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ يُرْتَجَى لَهُ أَمْ لَا وَلَا نَفَقَةَ لَهَا زَمَنَ التَّلَوُّمِ، وَلَوْ رَضِيَتْ بِالْمَقَامِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ ثُمَّ قَامَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّلَوُّمِ ثَانِيًا، وَإِذَا مَرِضَ أَوْ سُجِنَ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ التَّلَوُّمِ فَإِنَّهُ يُزَادُ لَهُ بِقَدْرِ مَا يُرْتَجَى لَهُ بِشَيْءٍ، وَهَذَا إنْ رُجِيَ بُرْؤُهُ مِنْ الْمَرَضِ وَخَلَاصُهُ مِنْ السَّجْنِ عَنْ قُرْبٍ، وَإِلَّا طَلَّقَ عَلَيْهِ.
وَمُلَخَّصُهُ أَنَّهُ بَعْدَ التَّلَوُّمِ وَعَدَمِ الْوِجْدَانِ يُطَلِّقُ عَلَيْهِ وَيَجْرِي فِيهِ قَوْلُنَا، وَهَلْ يُطَلِّقُ الْحَاكِمُ أَوْ يَأْمُرُهَا بِهِ وَلَا فَرْقَ فِي الَّذِي ثَبَتَ عُسْرُهُ وَتُلُوِّمَ لَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، وَمَعْنَى ثُبُوتِ الْعُسْرِ فِي الْغَائِبِ عَدَمُ وُجُودِ مَا يُقَابِلُ النَّفَقَةَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَالتَّلَوُّمُ لِلْغَائِبِ مَحِلُّهُ حَيْثُ لَمْ تُعْلَمْ غَيْبَتُهُ أَوْ كَانَتْ بَعِيدَةً كَعَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَأَمَّا إنْ قَرُبَتْ كَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ يُعْذَرُ إلَيْهِ وَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ الْعُدُولُ يَقُومُونَ مَقَامَ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ، وَفِي كُلِّ أَمْرٍ يَتَعَذَّرُ الْوُصُولُ إلَى الْحَاكِمِ أَوْ لِكَوْنِهِ غَيْرَ عَدْلٍ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَثْبُتْ عُسْرُهُ وَهُوَ مُقِرٌّ بِالْمَلَاءِ وَامْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ، وَالطَّلَاقِ، فَإِنَّهُ يُعَجِّلُ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ عَلَى قَوْلٍ وَيُسْجَنُ حَتَّى يُنْفِقَ عَلَيْهَا عَلَى آخَرَ فَإِنْ سُجِنَ وَلَمْ يَفْعَلْ فَإِنَّهُ يُعَجِّلُ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ كَمَا أَنَّهُ يُعَجِّلُ عَلَيْهِ بِلَا تَلَوُّمٍ إنْ لَمْ يَجِبْ الْحَاكِمُ بِشَيْءٍ حِينَ رَفَعَتْهُ [قَوْلُهُ: وَعَجْزِهِ] عَطْفُ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ أَيْ فَلَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ

فِي صُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا (عَلَى أَبَوَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ) الْحُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ كَانَا، أَوْ كَافِرَيْنِ إذَا كَانَ حُرًّا، وَاعْتَرَفَ بِفَقْرِهِمَا أَمَّا إذَا أَنْكَرَ فَقْرَهُمَا فَعَلَى الْأَبَوَيْنِ إثْبَاتُ عَدَمِهِمَا وَلَا يَحْلِفَانِ مَعَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَحْلِيفَهُمَا عُقُوقٌ (وَ) الْأُخْرَى (عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ) أَمَّا لُزُومُ النَّفَقَةِ (عَلَى) الْأَوْلَادِ الصِّغَارِ (الذُّكُورِ) (حَتَّى يَحْتَلِمُوا وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَا زَمَانَةَ) أَيْ لَا آفَةَ (بِهِمْ) تَمْنَعُهُمْ مِنْ الْكَسْبِ ظَاهِرُهُ أَنَّ الزَّمَانَةَ إذَا طَرَأَتْ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَهُوَ صَحِيحٌ لَا أَثَرَ لَهَا، فَلَا تَعُودُ النَّفَقَةُ عَلَى الْأَبِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَ) أَمَّا لُزُومُهَا (عَلَى الْإِنَاثِ) الْأَحْرَارِ فَهِيَ مُسْتَمِرَّةٌ عَلَيْهِنَّ (حَتَّى يَنْكِحْنَ وَيَدْخُلَ بِهِنَّ) أَيْ يَطَأَهُنَّ (أَزْوَاجُهُنَّ) ، أَوْ يُدْعَى إلَى الدُّخُولِ، وَهُوَ بَالِغٌ، وَالزَّوْجَةُ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا، فَإِذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا لَا

[حاشية العدوي]

وَلَزِمَهَا الْمَقَامُ مَعَهُ بِلَا نَفَقَةٍ، وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعِلْمِ إنْ كَانَ مِنْ السُّؤَالِ لِشُهْرَةِ حَالِهِ وَعَلَى عَدَمِهِ إنْ كَانَ فَقِيرًا لَا يَسْأَلُ نَعَمْ إذَا عَلِمَتْ أَنَّهُ مِنْ السُّؤَالِ أَوْ اشْتَهَرَ بِالْعَطَاءِ، ثُمَّ تَرَكَ السُّؤَالَ أَوْ انْقَطَعَ الْعَطَاءُ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يُمْسِكُ الْحَيَاةَ فَقَطْ فَهُوَ كَالْعَاجِزِ، لَا إنْ قَدَرَ عَلَى قُوتِ زَوْجَتِهِ الْكَامِلِ مِنْ الْخُبْزِ مَأْدُومًا أَوْ غَيْرَ مَأْدُومٍ مِنْ قَمْحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا قِيَامَ لَهَا، وَلَوْ دُونَ مَا يَكْتَسِبُهُ فُقَرَاءُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلَوْ كَانَتْ ذَاتَ قَدْرٍ وَغِنًى أَوْ قَدَرَ عَلَى سَتْرِ جَمِيعِ بَدَنِهَا، وَلَوْ عَلَى غَلِيظِ الْكَتَّانِ أَوْ الْجِلْدِ، وَلَوْ غَنِيَّةً فَلَا قِيَامَ لَهَا وَالْقَادِرُ بِالتَّكَسُّبِ كَالْقَادِرِ بِالْمَالِ إنْ تَكَسَّبَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى التَّكَسُّبِ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا الطَّلَاقُ الصَّادِرُ مِنْ الْحَاكِمِ رَجْعِيٌّ وَلَا يُمْكِنُ مِنْ الرَّجْعَةِ إلَّا إذَا وَجَدَ فِي الْعِدَّةِ يَسَارًا يَقُومُ بِوَاجِبِ مِثْلِهَا، بِحَيْثُ يَجِدُ شَيْئًا يَظُنُّ مَعَهُ إدَامَةَ النَّفَقَةِ وَأَمَّا لَوْ تَجَمَّدَتْ لَهَا نَفَقَةٌ فِيمَا مَضَى فَلَهَا الطَّلَبُ حَيْثُ تَجَمَّدَتْ زَمَنَ يُسْرِهِ وَلَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ بِالْعَجْزِ عَنْهَا.

[قَوْلُهُ: عَلَى أَبَوَيْهِ] أَيْ النَّفَقَةُ عَلَى أَبَوَيْهِ كَانَ الشَّخْصُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ [قَوْلُهُ: الْفَقِيرَيْنِ] أَيْ الْمُعْسِرَيْنِ بِنَفَقَتِهِمَا، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا دَارٌ وَخَادِمٌ لَا فَضْلَ فِيهَا، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْأَبَوَانِ قَادِرَيْنِ عَلَى الْكَسْبِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَا قَادِرَيْنِ عَلَى الْكَسْبِ.
وَلَوْ بِصَنْعَةٍ فِيهَا عَلَيْهِمَا مَعَرَّةٌ لِاتِّصَافِهِمَا بِهَا قَبْلَ وُجُودِ الْوَلَدِ غَالِبًا، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ، وَلَوْ تَزَوَّجَتْ الْأُمُّ الْفَقِيرَةُ بِفَقِيرٍ لَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا، وَكَذَا الْبِنْتُ لَوْ تَزَوَّجَتْ بِفَقِيرٍ، وَلَوْ قَدَرَ زَوْجُ الْأُمِّ أَوْ الْبِنْتِ عَلَى بَعْضِ النَّفَقَةِ لَزِمَ الْأَبَ أَوْ الْوَلَدَ كَمَا لَهَا [قَوْلُهُ: الْحُرَّيْنِ] أَيْ لِأَنَّ الرَّقِيقَيْنِ غَنِيَّانِ بِسَيِّدِهِمَا [قَوْلُهُ: إذَا كَانَ حُرًّا] ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَى أَبَوَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ نَفْسِهِ [قَوْلُهُ: إثْبَاتُ عَدَمِهِمَا] أَيْ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَحْلِفَانِ مَعَ ذَلِكَ] أَيْ وَإِنْ كَانَ الْعُسْرُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ وَيَمِينٍ وَيَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ أَيْضًا أَنْ يُنْفِقَ عَلَى خَادِمِ أَبَوَيْنِ وَخَادِمِ زَوْجَةِ أَبِيهِ الْمُتَأَهِّلَةِ، لِذَلِكَ وَظَاهِرُهُ.
وَلَوْ تَعَدَّدَ الْخَادِمُ وَظَاهِرُهُ، وَإِنْ كَانَا غَيْرَ مُحْتَاجَيْنِ لِلْخَادِمِ [قَوْلُهُ: عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ] أَيْ مُبَاشَرَةً فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ [قَوْلُهُ: الْأَحْرَارِ] ، وَلَوْ كَانُوا كُفَّارًا وَأَمَّا الْأَرِقَّاءُ فَنَفَقَتُهُمْ عَلَى سَيِّدِهِمْ لَا عَلَى آبَائِهِمْ، وَلَوْ أَحْرَارًا وَلَا عَلَى الْأَبِ الرَّقِيقِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ، وَلَوْ حُرًّا، وَنَفَقَةُ وَلَدِهِ الْحُرِّ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ حَيْثُ كَانَ مُتَخَلِّفًا عَلَى الْحُرِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ بِالْعِتْقِ فَنَفَقَتُهُ عَلَى مُعْتِقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ [قَوْلُهُ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا زَمَانَةَ بِهِمْ] بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ مَرَضًا دَائِمًا تَحْقِيقُ أَيْ أَنَّهُ يَجِبُ نَفَقَةُ الْوَالِدِ الذَّكَرِ الْحُرِّ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ وَلَا صَنْعَةَ تَقُومُ بِهِ عَلَى الْأَبِ الْحُرِّ حَتَّى يَبْلُغَ عَاقِلًا قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ، وَيَجِدُ مَا يَكْتَسِبُ فِيهِ.
أَمَّا لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ صَنْعَةٌ لَا مَعَرَّةَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى أَبِيهِ أَوْ عَلَيْهِمَا فَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْأَبِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَفَرَغَ قَبْلَ بُلُوغِهِ لَوَجَبَ عَلَى الْأَبِ بَعْدَ فَرَاغِ الْمَالِ أَوْ كَانَ فِيهَا مَعَرَّةٌ عَلَى الْأَبِ أَوْ الِابْنِ أَوْ عَلَيْهِمَا، فَكَذَلِكَ أَيْ تَجِبُ عَلَى الْأَبِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ صَنْعَةٌ كَاسِدَةٌ أَوْ دَفَعَ الْأَبُ مَالَ الصَّغِيرِ قِرَاضًا وَسَافَرَ الْعَامِلُ وَلَمْ يَجِدْ مُسَلِّفًا فَتَعُودُ عَلَى الْأَبِ، وَمَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا أَوْ زَمِنًا أَوْ أَعْمَى فَتَسْتَمِرُّ نَفَقَتُهُ عَلَى الْأَبِ.
وَلَوْ كَانَ يُجَنُّ حِينًا بَعْدَ حِينٍ فَإِذَا بَلَغَ قَادِرًا عَلَى الْبَعْضِ فَيَجِبُ عَلَى الْوَالِدِ تَتْمِيمُهَا [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ خِلَافًا لِعَبْدِ الْمَلِكِ [قَوْلُهُ: أَيْ يَطَأَهُنَّ إلَخْ] لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ الْمُرَادُ بِالدُّخُولِ الْخَلْوَةُ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ وَطْءٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَفَقَةَ

تَعُودُ نَفَقَتُهَا عَلَى الْأَبِ إنْ كَانَتْ بَالِغَةً وَتَعُودُ إنْ كَانَتْ غَيْرَ بَالِغَةٍ (وَلَا نَفَقَةَ) عَلَى الرَّجُلِ (لِمَنْ سِوَى هَؤُلَاءِ) الْمَذْكُورِينَ (مِنْ الْأَقَارِبِ) كَالْجَدِّ وَأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرَابَةِ إنَّمَا تَجِبُ ابْتِدَاءً لَا انْتِقَالًا وَنَفَقَةُ الْجَدِّ لَازِمَةٌ لِلِابْنِ، فَلَا تَنْتَقِلُ إلَى بَنِيهِ وَنَفَقَةُ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ لَازِمَةٌ لِأَبِيهِمْ فَلَا تَنْتَقِلُ إلَى جَدِّهِمْ

(وَإِنْ اتَّسَعَ) أَيْ أَيْسَرَ الزَّوْجُ (فَعَلَيْهِ) وُجُوبًا (إخْدَامُ زَوْجَتِهِ) الشَّرِيفَةِ الَّتِي لَا تَخْدُمُ نَفْسَهَا لِخِدْمَةِ الْبَاطِنَةِ إمَّا بِنَفْسِهِ، أَوْ يَسْتَأْجِرُ لَهَا مَنْ يَخْدُمُهَا، أَوْ يَشْتَرِي لَهَا خَادِمًا، وَلَا تَطْلُقُ بِالْعَجْزِ عَنْهُ وَاحْتُرِزَ بِ اتَّسَعَ مِمَّا إذَا كَانَ مُعْسِرًا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ خِدْمَتُهَا؛ لِأَنَّهَا عَلَى ذَلِكَ دَخَلَتْ، وَتَكُونُ عَلَيْهَا الْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ كَالطَّبْخِ، وَالْعَجْنِ بِخِلَافِ الْخِدْمَةِ الظَّاهِرَةِ كَالطَّحْنِ، إلَّا أَنْ تَتَطَوَّعَ، أَوْ تَكُونَ هُنَاكَ عَادَةٌ فَتُحْمَلَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ كَالشَّرْطِ

(وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمَالِكِ الْمَفْهُومُ مِنْ السِّيَاقِ وُجُوبًا (أَنْ يُنْفِقَ عَلَى عَبِيدِهِ)

[حاشية العدوي]

الْأُنْثَى تَسْتَمِرُّ عَلَى أَبِيهَا حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا الْبَالِغُ الْمُوسِرُ، أَيْ يَخْتَلِي بِهَا، وَلَوْ غَيْرَ مُطِيقَةٍ أَوْ يُدْعَى لِلدُّخُولِ أَيْ بِشَرْطِ الْإِطَاقَةِ [قَوْلُهُ: وَتَعُودُ إنْ كَانَتْ غَيْرَ بَالِغَةٍ] ، وَلَوْ أَزَالَ بَكَارَتَهَا.
تَنْبِيهٌ: تُوَزَّعُ نَفَقَةُ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْأَوْلَادِ عَلَى قَدْرِ يَسَارِهِمْ؛ الْغَنِيُّ بِحَسَبِ حَالِهِ، وَالْفَقِيرُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ، بِحَسَبِ حَالِهِ كَانَ ذَلِكَ الْغَنِيُّ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَاخْتُلِفَ فِي حَمْلِ الْوَلَدِ عَلَى الْمَلَاءِ أَوْ لِعَدَمٍ إذَا طَلَبَهُ الْأَبَوَانِ وَادَّعَى الْعَجْزَ عَلَى قَوْلَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَخٌ مَلِيءٌ وَإِلَّا اُتُّفِقَ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى الْمَلَاءِ حَتَّى يُثْبِتَ الْعَدَمَ وَنَفَقَةُ الزَّوْجَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى نَفَقَةِ الِابْنِ وَمَنْ لَهُ أَبٌ وَوَلَدٌ فَقِيرَانِ، وَقَدَرَ عَلَى نَفَقَةِ أَحَدِهِمَا فَقِيلَ يَتَحَاصَّانِ وَقِيلَ يُقَدَّمُ الِابْنُ.
وَاقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ وَتُقَدَّمُ نَفَقَةُ الْأَوْلَادِ عَلَى نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ عِنْدَ الْعَجْزِ، وَتُقَدَّمُ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ، وَالصَّغِيرِ مِنْ الْوَلَدِ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ عِنْدَ الضِّيقِ فَلَوْ تَسَاوَى الْوَلَدَانِ صِغَرًا وَكِبَرًا وَأُنُوثَةً تَحَاصًّا، كَذَا يَنْبَغِي أَيْ كَمَا يَقَعُ التَّحَاصُصُ فِي الزَّوْجَاتِ عِنْدَ الضِّيقِ وَنَفَقَةُ نَفْسِهِ مُقَدَّمَةٌ حَتَّى عَلَى نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ لِسُقُوطِ الْوُجُوبِ عَنْهُ لِغَيْرِهِ، وَالْأُنْثَى كَالذَّكَرِ فِي وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْوَالِدَيْنِ وَلَا نَفَقَةَ عَلَى الْأُمِّ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ الْيَتِيمِ الْفَقِيرِ خِلَافًا لِابْنِ الْمَوَّازِ إلَّا أُجْرَةَ الرَّضَاعِ لِمَنْ يَلْزَمُهَا وَلَا لَبَانَ لَهَا.

[قَوْلُهُ: الَّتِي لَا تَخْدُمُ نَفْسَهَا إلَخْ] ، وَلَوْ احْتَاجَتْ إلَى أَكْثَرَ مِنْ خَادِمٍ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ أَيْ لِكَوْنِهِ هُوَ ذَا قَدْرٍ تَزِرِي خِدْمَةَ زَوْجَتِهِ بِهِ، فَإِنَّهَا أَهْلٌ لِلْإِخْدَامِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَمِثْلُ الْأَهْلِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَهْلًا إلَّا أَنَّ فِي صَدَاقِهَا ثَمَنَ خَادِمٍ فَإِنَّهَا إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ تُجَابُ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ الْخَادِمُ أُنْثَى أَوْ ذَكَرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ، وَلَوْ تَنَازَعَا عَلَى الْقُدْرَةِ عُلِمَ الْإِخْدَامُ، فَفِي تَعْيِينِ الْمَقْبُولِ مِنْهُمَا قَوْلَانِ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَحْمِلُ عَلَى عَدَمِهِ حَتَّى يَثْبُتَ خِلَافُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا عَلَى ذَلِكَ دَخَلَتْ] قَضِيَّتُهُ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَدْخُلْ عَلَى ذَلِكَ بَلْ طَرَأَ عَجْزُهُ فَإِنَّ لَهَا الْكَلَامَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ الْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ بِالْعَجْزِ عَنْهُ [قَوْلُهُ: وَتَكُونُ عَلَيْهَا الْخِدْمَةُ] أَيْ زَوْجَةِ الْفَقِيرِ، وَلَوْ كَانَتْ أَهْلًا لِلْإِخْدَامِ [قَوْلُهُ: وَتَكُونُ عَلَيْهَا الْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ] إمَّا بِنَفْسِهَا أَوْ بِغَيْرِهَا [قَوْلُهُ: كَالطَّبْخِ إلَخْ] أَيْ لَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَا لِضُيُوفِهِ [قَوْلُهُ: كَالطَّحْنِ] وَكَاسْتِقَاءِ الْمَاءِ مِنْ الدَّارِ أَوْ خَارِجِهَا وَلَا تُمْلَكُ الْخَادِمُ ذَاتُ الْأَهْلِ بِالْإِخْدَامِ إذَا لَمْ يُمَلِّكْهَا لَهَا بِصِيغَةِ هِبَةٍ أَوْ تَمْلِيكٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّهَا مُخْدَمَةٌ بِالْفَتْحِ، وَإِذَا اشْتَرَطَ الْإِخْدَامَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ لَمْ يَضُرَّ إنْ وَجَبَ بِأَنْ كَانَتْ أَهْلًا أَوْ كَانَ أَهْلَهُ، وَإِلَّا فُسِخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَصَحَّ بَعْدَهُ وَأُلْغِيَ الشَّرْطُ وَلَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ نَسْجٌ وَلَا غَزْلٌ وَلَا خِيَاطَةٌ وَلَا تَطْرِيزٌ لِتُطْعِمَ نَفْسَهَا أَوْ تَكْتَسِيَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَنْوَاعِ التَّكَسُّبِ وَلَا تُلْزَمُ بِهِ، وَلَوْ كَانَتْ عَادَةَ نِسَاءِ بَلَدِهَا

[قَوْلُهُ: أَنْ يُنْفِقَ عَلَى عَبِيدِهِ] ، وَلَوْ بِشَائِبَةِ حُرِّيَّةٍ كَمُدَبَّرٍ أَوْ مُعْتَقٍ لِأَجَلٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ، وَلَوْ أَشْرَفَ الرَّقِيقُ عَلَى الْمَوْتِ.
وَالْإِنْفَاقُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ فَلَا يُسْرِفْ وَلَا يُقْتِرْ وَيَنْظُرُ لِوُسْعِهِ، وَحَالِ الْعَبِيدِ فَلَيْسَ النَّجِيبُ كَالْوَغْدِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ الْمُخْدَمِ بَلْ نَفَقَتُهُ عَلَى مُخْدِمِهِ، وَالْمُكَاتَبُ نَفَقَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْمُشْتَرَكُ، وَالْمُبَعَّضُ بِقَدْرِ الْمِلْكِ فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى رَقِيقِهِ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ بِيعَ إنْ وُجِدَ مَنْ يَشْتَرِيهِ.
وَكَانَ مِمَّا يُبَاعُ، وَإِلَّا أُخْرِجَ عَنْ مِلْكِهِ فَأُمُّ الْوَلَدِ لَا تُبَاعُ فَقِيلَ تُزَوَّجُ وَقِيلَ: تُعْتَقُ وَاخْتِيرَ، وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ أَوْ الْمُعْتَقُ لِأَجَلٍ

فِي حَيَاتِهِمْ (وَيُكَفِّنَهُمْ إذَا مَاتُوا) ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى» . وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ الْمَرْأَةُ تَقُولُ إمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي وَيَقُولُ الْعَبْدُ: أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي وَيَقُولُ الْوَلَدُ: أَطْعِمْنِي إلَى مَنْ تَدَعُنِي، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ تَكْفِينِ الْعَبِيدِ هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَاتُّفِقَ عَلَيْهِ.
(وَاخْتُلِفَ فِي كَفَنِ الزَّوْجَةِ) الْحُرَّةِ وَقِيلَ، وَالْأَمَةُ الْمَدْخُولُ بِهَا، أَوْ الَّتِي دُعِيَ إلَى الدُّخُولِ بِهَا (فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) وَسَحْنُونٌ وَشَهْرٌ هُوَ (فِي مَالِهَا) وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ غَنِيَّةً كَانَتْ، أَوْ فَقِيرَةً؛ لِأَنَّ الْكَفَنَ مِنْ تَوَابِعِ النَّفَقَةِ، وَهِيَ إنَّمَا كَانَتْ لِمَعْنًى، وَهُوَ الِاسْتِمْتَاعُ، وَقَدْ ذَهَبَ بِالْمَوْتِ، وَإِذَا ذَهَبَ الْمَتْبُوعُ ذَهَبَ التَّابِعُ.
(وَقَالَ) مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ وَ (عَبْدُ الْمَلِكِ) قِيلَ: هُوَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقِيلَ: هُوَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ هُوَ (فِي مَالِ الزَّوْجِ) ، وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً؛ لِأَنَّ عَلَاقَةَ الزَّوْجِيَّةِ بَاقِيَةٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُغَسِّلُهَا وَيَطَّلِعُ عَلَى عَوْرَتِهَا، وَالْمُوَارَثَةُ قَائِمَةٌ بَيْنَهُمَا (وَقَالَ) مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَ (سَحْنُونٌ) أَيْضًا (إنْ كَانَتْ مَلِيئَةً فَهُوَ فِي مَالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً فَ) هُوَ (فِي مَالِ الزَّوْجِ) وَوَجْهُهُ يَرْجِعُ لِلتَّوْجِيهَيْنِ، وَإِنَّمَا سَكَتَ عَنْ كَفَنِ الْأَبَوَيْنِ، وَالْبَنِينَ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ تَابِعٌ لِلنَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ كَالرَّقِيقِ.

[حاشية العدوي]

فَيُقَالُ لَهُمَا: اخْدِمَا بِمَا يُنْفَقُ عَلَيْكُمَا إنْ كَانَ لَهُمَا خِدْمَةٌ وَإِلَّا عَتَقَا [قَوْلُهُ: وَيُكَفِّنُهُمْ إذَا مَاتُوا] ، وَكَذَا سَائِرُ مُؤَنِ التَّجْهِيزِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَهَذَا إذَا كَانَ مَلِيًّا فَلَوْ كَانَ مُعْدَمًا فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَلَوْ مَاتَ السَّيِّدُ، وَالْعَبْدُ وَلَمْ يُوجَدْ إلَّا كَفَنٌ وَاحِدٌ كُفِّنَ بِهِ الْعَبْدُ وَيُكَفَّنُ السَّيِّدُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ [قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ] أَيْ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَالْأَصْلُ الدَّانِي، وَالْفَرْعُ الْقَرِيبُ، وَالرَّقِيقُ [قَوْلُهُ: مَا فِي الصَّحِيحِ] أَيْ مَا فِي الْكِتَابِ الصَّحِيحِ أَيْ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَالْبُخَارِيِّ أَوْ مَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، أَيْ جِنْسِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِمُلَاحَظَةِ جُمْلَةِ أَفْرَادِهِ فَيَكُونُ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْجُزْءِ فِي الْكُلِّ [قَوْلُهُ: مَا تَرَكَ عَنْ غِنًى] أَيْ بِحَيْثُ لَمْ يُجْحِفْ بِالْمُتَصَدِّقِ وَقَوْلُهُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا وَهِيَ الْمُعْطِيَةُ وَقَوْلُهُ السُّفْلَى أَيْ السَّائِلَةُ، وَقَوْلُهُ وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أَيْ بِمَنْ تَجِبُ عَلَيْك نَفَقَتُهُ وَقَوْلُهُ أَطْعِمْنِي بِهَمْزَةِ قَطْعٍ [قَوْلُهُ: تَدَعُنِي] بِفَتْحِ الدَّالِ وَضَمِّ الْعَيْنِ أَيْ إلَى مَنْ تَكِلُنِي.
تَنْبِيهٌ: قَالَ الشَّيْخُ وَيُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ مَسْأَلَةٌ حَسَنَةٌ وَهِيَ أَنَّ مَنْ قَالَ الْأَمْرُ الْفُلَانِيُّ وَقْفٌ عَلَى عِيَالِي أَوْ هَذِهِ الْعَلُوفَةُ عَلَى الْعِيَالِ تَدْخُلُ زَوْجَتُهُ فِي الْعِيَالِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ وَالْأَمَةُ] ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ عَلَى السَّيِّدِ [قَوْلُهُ: فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَخْ] وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالزَّوْجِ كَرَجُلٍ مِنْهُمْ [قَوْلُهُ: هُوَ فِي مَالِهَا] ، وَكَذَا سَائِرُ مُؤَنِ التَّجْهِيزِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ كَفَّنَهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي مَالِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَبَرِّعًا [قَوْلُهُ: غَنِيَّةً كَانَتْ أَوْ فَقِيرَةً] ، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا [قَوْلُهُ: هُوَ مَالُ الزَّوْجِ] أَيْ الْكَفَنُ وَمُؤَنُ التَّجْهِيزِ أَيْ إنْ كَانَ بِحَيْثُ يَلْزَمُهُ لَهَا النَّفَقَةُ لِبُلُوغِهِ وَيُسْرِهِ [قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً] . وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ فَقِيرًا [قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ مَلِيئَةً] أَيْ بِحَيْثُ يُوجَدُ عِنْدَهَا مَا تُكَفَّنُ بِهِ [قَوْلُهُ: سَحْنُونٌ] فِي السِّينِ وَجْهَانِ الْفَتْحُ، وَالضَّمُّ قَالَ عج الْكَثِيرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الْفَتْحُ وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَالضَّمُّ، وَهُوَ لَقَبٌ لَهُ وَاسْمُهُ عَبْدُ السَّلَامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: فَهُوَ فِي مَالِهَا] ظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ غَنِيًّا وَقَوْلُهُ فِي مَالِ الزَّوْجِ ظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ فَقِيرًا [قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْمَذْهَبَ إلَخْ] فَلَوْ مَاتَ أَبُو شَخْصٍ أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَلَدُهُ وَنَفَقَةُ كُلٍّ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ وَعَجَزَ عَنْ تَكْفِينِ الْجَمِيعِ فَيُقَدَّمُ الْوَلَدُ وَقَضِيَّةُ الْإِجْرَاءِ عَلَى النَّفَقَةِ تَقْدِيمُ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ، وَالْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ، وَالصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ، إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى تَكْفِينِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ أَوْ بَعْضِ الْأَوْلَادِ وَهُوَ ظَاهِرٌ،، وَالظَّاهِرُ الِاقْتِرَاعُ عِنْدَ تَسَاوِي الْوَلَدَيْنِ وَلَمْ يُوجَدْ إلَّا مَا يَكْفِي أَحَدَهُمَا لَا بِعَيْنِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا: بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ قَالَ الشَّيْخُ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ يَكْفِي فِي السَّتْرِ الْوَاجِبِ وَهُوَ مُقَسَّمٌ بَيْنَهُمَا [قَوْلُهُ: وَوَجْهُهُ يَرْجِعُ لِلتَّوْجِيهَيْنِ] فِيهِ أَنَّ التَّعْلِيلَ الْأَوَّلَ لَوْ عَلَّلْنَا بِهِ الْغَنِيَّةَ تَجِدُهُ يَأْتِي فِي الْفَقِيرَةِ

[36 - بَابٌ فِي الْبُيُوعِ، وَمَا شَاكَلَ الْبُيُوعَ] (بَابٌ فِي الْبُيُوعِ، وَمَا شَاكَلَ الْبُيُوعَ) أَيْ شَابَهَهَا كَالْإِجَارَةِ، وَالشَّرِكَةِ وَجَمَعَ الْبَيْعَ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ تَقْدِيرُ كَلَامِهِ، هَذَا بَابُ بَيَانِ أَنْوَاعِ مَا يَجُوزُ مِنْ الْبُيُوعِ، وَمَا لَا يَجُوزُ وَحَدُّ الْبَيْعِ، نَقْلُ الْمِلْكِ بِعِوَضٍ بِوَجْهٍ جَائِزٍ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: أَوَّلُهَا الْعَاقِدُ وَهُوَ الْبَائِعُ، وَالْمُبْتَاعُ

وَيُشْتَرَطُ فِيهِ التَّمْيِيزُ فَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ لِصِبًا أَوْ جُنُونٍ، وَفِي بَيْعِ السَّكْرَانِ تَرَدُّدٌ

[حاشية العدوي]

[بَابٌ فِي الْبُيُوعِ]

ِ، وَمَا شَاكَلَ الْبُيُوعَ [قَوْلُهُ: كَالْإِجَارَةِ] الشَّبَهُ ظَاهِرٌ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا عَقْدٌ عَلَى شَيْءٍ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضِ الذَّاتِ فِي الْبَيْعِ الْمَنْفَعَةُ فِي الْإِجَارَةِ، وَقَوْلُهُ: وَالشِّرْكَةِ الشَّبَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنْ الشَّرِيكَيْنِ بَاعَ بَعْضَ مَالِهِ بِبَعْضِ مَالِ الْآخَرِ.
[قَوْلُهُ: وَجَمَعَ الْبَيْعَ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ] كَبَيْعِ النَّقْدِ وَبَيْعِ الدَّيْنِ، وَالصَّحِيحِ، وَالْفَاسِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَشَارَ لَهُ شَارِحُ الْمُوَطَّأِ، وَيَتَنَوَّعُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ الْأَعَمِّ إلَى صَرْفٍ وَمُرَاطَلَةٍ وَسَلَمٍ وَهِبَةِ ثَوَابٍ، وَيَتَنَوَّعُ بِاعْتِبَارَيْنِ آخَرَيْنِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ وَمِنْ حَيْثُ حُكْمُهُ، فَالْأَوَّلُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ وَالثَّانِي خَمْسَةٌ.
فَالْأَوَّلُ بَيْعُ مُسَاوَمَةٍ وَبَيْعُ مُزَايَدَةٍ وَهُمَا جَائِزَانِ اتِّفَاقًا وَبَيْعُ مُرَابَحَةٍ وَهُوَ جَائِزٌ، وَالْأَحَبُّ خِلَافُهُ وَبَيْعُ اسْتِئْمَانٍ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِهِ.
وَالثَّانِي خَمْسَةُ أَقْسَامٍ: الْإِبَاحَةُ وَهِيَ الْأَصْلُ وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ كَمَنْ اُضْطُرَّ لِشِرَاءِ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، وَالنَّدْبُ كَمَنْ أَقْسَمَ عَلَى إنْسَانٍ أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً لَا ضَرُورَةَ عَلَيْهِ فِي بَيْعِهَا؛ لِأَنَّ إبْرَارَ الْقَسَمِ مَنْدُوبٌ فِي مِثْلِ هَذَا، وَالْكَرَاهَةُ كَبَيْعِ الْهِرِّ أَوْ السَّبُعِ لَا لِأَخْذِ جِلْدِهِ، وَالتَّحْرِيمُ كَالْبَيْعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ [قَوْلُهُ: نَقْلُ الْمِلْكِ بِعِوَضٍ إلَخْ] هَذَا التَّعْرِيفُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، وَالْمُرَادُ بِالْمِلْكِ مِلْكُ الذَّاتِ وَقَدْ عَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، بِقَوْلِهِ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى غَيْرِ مَنَافِعَ وَلَا مُتْعَةِ لَذَّةٍ فَيَخْرُجُ الْعَقْدُ عَلَى الْمَنَافِعِ، وَالنِّكَاحُ يُدْخِلُ هِبَةَ الثَّوَابِ، وَالصَّرْفِ، وَالْمُرَاطَلَةِ، وَالسَّلَمِ.
وَلِذَلِكَ قَالَ: وَالْغَالِبُ عُرْفًا أَخُصُّ مِنْهُ بِزِيَادَةِ ذُو مُكَايَسَةٍ أَحَدَ عِوَضَيْهِ غَيْرَ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ مُعَيِّنٌ غَيْرَ الْعَيْنِ فِيهِ فَتَخْرُجُ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ الدَّاخِلَةُ فِي الْأَعَمِّ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لِلثَّوَابِ لَا مُكَايَسَةَ فِيهَا أَيْ لَا مُغَالَبَةَ، وَالصَّرْفُ، وَالْمُرَاطَلَةُ، وَالْمُبَادَلَةُ الْعِوَضَانِ فِيهَا مِنْ الْعَيْنِ، وَالسَّلَمُ الْمُعَيَّنُ فِي الْعَيْنِ وَهِيَ رَأْسُ الْمَالِ وَأَمَّا غَيْرُ رَأْسِ الْمَالِ وَهُوَ الْمُسْلَمُ فِيهِ، فَإِنَّهُ فِي الذِّمَّةِ وَمَعْنَى كَوْنِ رَأْسِ الْمَالِ مُعَيَّنًا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الذِّمَّةِ.
وَتَعْبِيرُ ابْنِ عَرَفَةَ بِالْعَيْنِ فِي رَأْسِ الْمَالِ أَغْلَبِيٌّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ حَيَوَانًا أَوْ عَرْضًا [قَوْلُهُ: بِوَجْهٍ جَائِزٍ] قَالَ بَعْضُ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْفَاسِدَ لَا يُقَالُ فِيهِ بَيْعٌ إلَّا عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ، وَإِلَّا فَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْبَيْعَ يُطْلَقُ عَلَى الْفَاسِدِ أَيْضًا وَذَكَرَ بَعْضٌ آخَرُ فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ أَنَّ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْصَدَ فِي تَعْرِيفِهَا إلَّا مَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ وَمَعْرِفَتُهُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِمَعْرِفَةِ الْفَاسِدِ أَوْ أَكْثَرِ الْفَاسِدِ

[قَوْلُهُ: التَّمْيِيزُ] هُوَ أَنَّهُ إذَا كُلِّمَ بِشَيْءٍ مِنْ مَقَاصِدِ الْعُقَلَاءِ فَهِمَهُ وَأَحْسَنَ الْجَوَابَ عَنْهُ [قَوْلُهُ: فَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ لَصِبًا، أَوْ جُنُونٍ] أَيْ أَوْ إغْمَاءٍ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا [قَوْلُهُ: وَفِي بَيْعِ السَّكْرَانِ تَرَدُّدٌ] أَيْ طَرِيقَتَانِ طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ وَالْبَاجِيِّ أَنَّ بَيْعَهُ وَشِرَاءَهُ لَا يَنْعَقِدُ أَصْلًا أَيْ لَا يَصِحُّ اتِّفَاقًا، وَطَرِيقَةُ ابْنِ شَعْبَانَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهَذَا فِي السَّكْرَانِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَمْيِيزٌ أَصْلًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ عِنْدَهُ نَوْعٌ مِنْ التَّمْيِيزِ فَلَا خِلَافَ فِي انْعِقَادِ بَيْعِهِ، وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي لُزُومِهِ، وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ اللُّزُومِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ بَيْعُ السَّكْرَانِ أَوْ لَمْ يَلْزَمْ كَإِقْرَارِهِ وَسَائِرِ عُقُودِهِ، بِخِلَافِ جِنَايَاتِهِ وَعِتْقِهِ وَطَلَاقِهِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّا لَوْ فَتَحْنَا

وَالتَّكْلِيفُ وَهُوَ شَرْطٌ فِي لُزُومِ الْبَيْعِ دُونَ الِانْعِقَادِ، وَالْإِسْلَامُ وَهُوَ شَرْطٌ فِي شِرَاءِ الْمُصْحَفِ، وَالْعَبْدُ الْمُسْلِمُ الثَّانِي الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا، مُنْتَفَعًا بِهِ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ مَعْلُومًا لِلْمُتَبَايِعَيْنِ غَيْرَ مَنْهِيٍّ

[حاشية العدوي]

هَذَا الْبَابَ مَعَ شِدَّةِ حِرْصِ النَّاسِ عَلَى أَخْذِ مَا بِيَدِهِ.
وَكَثْرَةِ وُقُوعِ الْبَيْعِ مِنْهُ، لَأَدَّى إلَى أَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُ شَيْءٌ بِخِلَافِ طَلَاقِهِ وَقَتْلِهِ وَإِتْلَافِهِ وَعِتْقِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ، فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا لَوْ لَمْ نُلْزِمْهُ ذَلِكَ لَتَسَاكَرَ النَّاسُ لِيُتْلِفُوا أَمْوَالَ غَيْرِهِمْ وَيَسْتَبِيحُوا دِمَاءَهُمْ.
وَالْمُرَادُ السُّكْرُ الْحَرَامُ وَإِلَّا فَكَالْمَجْنُونِ [قَوْلُهُ: وَالتَّكْلِيفُ] أَيْ الرُّشْدُ، وَالطَّوْعُ فَلَا يَلْزَمُ بَيْعُ الصَّبِيِّ وَلَا السَّفِيهِ وَلَا الْمُكْرَهِ إكْرَاهًا حَرَامًا، وَإِنْ لَزِمَ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي حَيْثُ كَانَ رَشِيدًا فَمَنْ أُجْبِرَ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ عَلَى سَبَبِهِ وَهُوَ طَلَبُ مَالٍ ظُلْمًا فَبَاعَ شَيْئًا لِوَفَائِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ، وَإِذَا قَدَرَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي عَلَى خَلَاصِ شَيْئِهِ الَّذِي بَاعَهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ مِمَّنْ هُوَ بِيَدِهِ بِلَا غُرْمِ ثَمَنٍ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الظَّالِمِ أَوْ وَكِيلِهِ هَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّ الظَّالِمَ أَوْ وَكِيلَهُ قَبَضَهُ مِنْ الْمَظْلُومِ أَوْ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ جَهِلَ، هَلْ دَفَعَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ لِلظَّالِمِ أَوْ لِوَكِيلِهِ أَوْ لِرَبِّ الْمَتَاعِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ دَفَعَهُ لِلظَّالِمِ أَوْ بَقِيَ عِنْدَهُ أَوْ صَرَفَهُ فِي مَصَالِحِهِ أَمْ لَا، وَكَذَا إنْ عُلِمَ بَقَاؤُهُ عِنْدَهُ أَيْ الْمَظْلُومِ وَتَلِفَ بِغَيْرِ سَبَبِهِ فِيمَا يَظْهَرُ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ صَرَفَهُ فِي مَصْلَحَتِهِ أَوْ لَمْ يَتْلَفْ أَوْ أَتْلَفَهُ عَمْدًا لَرَجَعَ عَلَيْهِ بِهِ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِأَنَّ بَائِعَهُ مُكْرَهٌ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ هَذَا إذَا كَانَ شَيْءُ الْمُكْرَهِ وَهُوَ الَّذِي بَاعَهُ قَائِمًا عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا إنْ فَاتَ بِيَدِهِ أَيْ الْمُشْتَرِي فَيَرُدُّ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا وَمِثْلُهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَلَوْ أُجْبِرَ عَلَى الْبَيْعِ دُونَ الْمَالِ فَيُرَدُّ إلَيْهِ بِالثَّمَنِ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِتَلَفِهِ وَهَلْ يُصَدَّقُ إنْ ادَّعَى التَّلَفَ كَالْمُودِعِ أَوْ لَا خِلَافَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.
وَاحْتَرَزْنَا بِالْإِكْرَاهِ الْحَرَامِ مِنْ الْجَبْرِ الشَّرْعِيِّ، كَجَبْرِ الْقَاضِي الْمِدْيَانَ عَلَى الْبَيْعِ لِوَفَاءِ الْغُرَمَاءِ أَوْ الْمُنْفِقَ لِلنَّفَقَةِ، وَالْخَرَاجُ الْحَقُّ فَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ بَلْ هُوَ جَائِزٌ لَازِمٌ جَائِزٌ شِرَاؤُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْسِرًا فَيُلْجَأُ إلَى بَيْعِ مَا يَتْرُكُ لِلْمُفْلِسِ فَكَالْإِكْرَاهِ الظُّلْمُ.
تَنْبِيهٌ: لَا فَرْقَ فِي بَيْعِ الْمَظْلُومِ مَتَاعَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بَاعَهُ قَرِيبُهُ أَوْ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ أَمَّا لَوْ بَاعَ قَرِيبُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ مَالَ أَنْفُسِهِمَا لِيُخَلِّصَهُ، وَلَوْ مِنْ الْعَذَابِ، فَلَيْسَ بِبَيْعِ مَضْغُوطٍ إلَّا الْوَالِدَيْنِ إذَا عُذِّبَ وَلَدُهُمَا فَبَاعَا أَوْ أَحَدُهُمَا شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِمَا فَإِنَّهُ إكْرَاهٌ [قَوْلُهُ: وَالْإِسْلَامُ وَهُوَ شَرْطٌ فِي شِرَاءِ الْمُصْحَفِ إلَخْ] أَيْ فِي الْجَوَازِ وَدَوَامِ الْمِلْكِ مَعَ الصِّحَّةِ يَعْنِي أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَالِكِ أَنْ يَبِيعَ لِلْكَافِرِ مُسْلِمًا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا أَوْ مُصْحَفًا أَوْ جُزْأَهُ مَعَ الصِّحَّةِ، وَلَكِنْ يُجْبَرُ مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ عَلَى إخْرَاجِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ مِلْكِهِ، إمَّا بِبَيْعٍ أَوْ بِعِتْقٍ نَاجِزٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ وَيَلْزَمُهُ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَ الْكَافِرُ عَبْدَهُ الْكَافِرَ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إلَّا إذَا بَانَ عَنْهُ فَيُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ إنْ رَضِيَ بِحُكْمِنَا [قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا] أَيْ طَهَارَةً أَصْلِيَّةً لَا كَزِبْلٍ وَزَيْتٍ تَنَجَّسَ وَأَمَّا مَا كَانَ طَاهِرًا طَهَارَةً أَصْلِيَّةً وَعَرَضَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ يُمْكِنُ إزَالَتُهَا فَيَجُوزُ بَيْعُهُ، لَكِنْ يَجِبُ تَبَنِّيهِ عِنْدَ الْبَيْعِ كَانَ الْغُسْلُ يُفْسِدُهُ أَوْ يُنْقِصُهُ أَوْ لَا كَانَ الْمُشْتَرِي يُصَلِّي أَمْ لَا [قَوْلُهُ: مُنْتَفَعًا بِهِ] ، وَلَوْ يَسِيرًا كَالتُّرَابِ أَوْ مُتَرَقِّبًا كَالْمِهَارِ الصِّغَارِ.
وَالْمُرَادُ الِانْتِفَاعُ الشَّرْعِيُّ فَيُخْرِجُ آلَاتِ اللَّهْوِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، كَمَا لَا يُبَاعُ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ إذَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ وَأَمَّا مُبَاحُ الْأَكْلِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلَوْ أَشْرَفَ لِإِمْكَانِ ذَكَاتِهِ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يُشْرِفْ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلَوْ مُحَرَّمًا، وَمَا أُخِذَ فِي السِّيَاقِ فَيَحْرُمُ بَيْعُهُ، وَلَوْ مَأْكُولًا [قَوْلُهُ: مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ] فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَآبِقٍ فَبَيْعُهُ فِي إبَاقِهِ فَاسِدٌ وَضَمَانُهُ مِنْ بَائِعِهِ وَيُفْسَخُ، وَإِنْ قُبِضَ، وَكَذَلِكَ الْإِبِلُ الْمُهْمَلَةُ، وَكَذَا الْمَغْصُوبُ إذَا بِيعَ لِغَيْرِ غَاصِبِهِ هَذَا إذَا كَانَ الْغَاصِبُ مُمْتَنِعًا مِنْ دَفْعِهِ، وَلَا تَأْخُذُهُ الْأَحْكَامُ مُقِرًّا أَوْ غَيْرَ مُقِرٍّ أَوْ كَانَ غَاصِبُهُ مُنْكِرًا أَوْ تَأْخُذُهُ الْأَحْكَامُ وَعَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِالْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ شِرَاءُ مَا فِيهِ خُصُومَةٌ، وَالْمَشْهُورُ مَنْعُهُ أَمَّا لَوْ كَانَ مُقِرًّا بِالْغَصْبِ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ لِغَاصِبِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْغَاصِبَ عَزَمَ عَلَى رَدِّهِ لِرَبِّهِ [قَوْلُهُ: مَعْلُومًا لِلْمُتَبَايِعَيْنِ] أَيْ وَإِلَّا فَسَدَ الْبَيْعُ وَجَهْلُ أَحَدِهِمَا كَجَهْلِهِمَا هَذَا إذَا كَانَ الْبَيْعُ عَلَى الْبَتِّ، وَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَى الْخِيَارِ فَيَجُوزُ، وَلَوْ مَعَ جَهْلِ الْمُشْتَرِي، وَالْجَهْلُ إنْ

عَنْ اتِّخَاذِهِ غَيْرَ مُحَرَّمٍ.

الثَّالِثُ: مَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ وَهُوَ الْإِيجَابُ، وَالْقَبُولُ، وَمَا شَارَكَهُمَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الرِّضَا كَالْمُعَاطَاةِ.

وَافْتَتَحَ الْبَابَ تَبَرُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] ، وَالرِّبَا الزِّيَادَةُ وَحَرَّمَتْهُ السُّنَّةُ أَيْضًا، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ فَمَنْ اسْتَحَلَّهُ كَفَرَ بِلَا خِلَافٍ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ.

وَمَنْ

[حاشية العدوي]

تَعَلَّقَ بِالْجُمْلَةِ، وَالتَّفْصِيلِ أَوْ التَّفْصِيلِ فَقَطْ أَفْسَدَ الْعَقْدَ، أَمَّا إنْ جُهِلَتْ جُمْلَتُهُ وَعُلِمَ تَفْصِيلُهُ فَلَا يَضُرُّ كَبَيْعِ الصُّبْرَةِ كُلِّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ وَيُرِيدُ أَخْذَ الْجَمِيعِ.
مِثَالُ الْجُمْلَةِ، وَالتَّفْصِيلِ وَاضِحٌ وَمِثَالُ التَّفْصِيلِ كَعَبْدَيْ رَجُلَيْنِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَبْدٌ أَوْ أَحَدُهُمَا لِأَحَدِهِمَا، وَالْآخَرُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا أَوْ مُشْتَرَكَانِ بَيْنَهُمَا عَلَى التَّفَاوُتِ كَثُلُثٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَالثُّلُثَيْنِ مِنْ الْآخَرِ أَوْ عَكْسِهِ وَيَبِيعَانِهِمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً بِكَذَا فَالثَّلَاثُ فَاسِدَةٌ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثُ كُلٍّ أَوْ سُدُسُهُ أَوْ نِصْفُهُ وَلِلْآخَرِ الْبَاقِي فَلَا جَهْلَ.
فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا جَهْلَ فِي الثَّمَنِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ فَيَجُوزُ، وَالْمَنْعُ فِيمَا تَقَدَّمَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَنْتَفِ الْجَهْلُ، فَإِنْ انْتَفَى جَازَ، كَمَا إذَا سَمَّيَا أَيْ عَيَّنَا لِكُلِّ وَاحِدٍ قَدْرًا مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي يَقَعُ الشِّرَاءُ بِهِ قَبْلَ ذِكْرِ الْمُشْتَرِي لَهُ أَوْ بَعْدَ ذِكْرِهِ لَهُ وَقَبْلَ عَقْدِ الْبَيْعِ، مِثْلُ أَنْ يَجْعَلَ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ ثُلُثَ مَا يَدْفَعُهُ الْمُشْتَرِي أَوْ مَا دَفَعَهُ وَلِلْآخَرِ ثُلُثَيْهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ قَوَّمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ عَلَى أَنْ يَقْبِضَ الثَّمَنَ عَلَى حَسَبِ الْقِيمَتَيْنِ أَوْ يَتَسَاوَيَا [قَوْلُهُ: غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْ اتِّخَاذِهِ] قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ جَازَ اتِّخَاذُهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ فَيَقْتَضِي أَنَّ كَلْبَ الصَّيْدِ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْ بَيْعِهِ، وَقَوْلُهُ: غَيْرَ مُحَرَّمٍ لَا حَاجَةَ لَهُ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ

[قَوْلُهُ: الْإِيجَابُ، وَالْقَبُولُ] الْإِيجَابُ مِنْ الْبَائِعِ، وَالْقَبُولُ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَالْإِيجَابُ مَصْدَرُ أَوْجَبَ أَيْ أَثْبَتَ، وَلَمَّا كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمُبْتَدِئَ فِي الْأَصْلِ عُدَّ مُثْبِتًا لِلْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ الْإِثْبَاتُ، إنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا دَلَّ صَرِيحًا كَبِعْتُ وَاشْتَرَيْت أَوْ الْتِزَامًا كَخُذْ وَهَاتِ وَعَاوَضْتُكَ هَذَا بِهَذَا، وَقَوْلُهُ: كَالْمُعَاطَاةِ دَخَلَ تَحْتَ الْكَافِ إشَارَةٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ مِنْ جَانِبٍ، وَقَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ مِنْ الْآخَرِ أَوْ قَوْلٌ مِنْ أَحَدِهِمَا وَفِعْلٌ مِنْ الْآخَرِ.
أَمَّا الْمُعَاطَاةُ فَهِيَ أَنْ يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ فَيُعْطِيَهُ الْمَثْمُونَ أَوْ الْعَكْسُ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ مِنْ الْبَائِعِ وَلَا اسْتِيجَابٍ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَهِيَ فِعْلٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَأَمْثِلَةُ مَا دَخَلَ تَحْتَ الْكَافِ ظَاهِرَةٌ، وَالْمُعَاطَاةُ الْمَحْضَةُ الْعَارِيَّةُ عَنْ قَوْلٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ اللُّزُومِ فِيهَا مِنْ قَبْضِ الثَّمَنِ، وَالْمُثَمَّنِ فَمَنْ أَخَذَ مَا عَلِمَ ثَمَنَهُ لَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ إلَّا بِدَفْعِ الثَّمَنِ، وَكَذَا مَنْ دَفَعَ ثَمَنَ رَغِيفٍ لِشَخْصٍ لَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ حَتَّى يَقْبِضَ الرَّغِيفَ، وَأَمَّا أَصْلُ وُجُودِ الْعَقْدِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبْضِهِمَا فَمَنْ أَخَذَ مَا عَلِمَ ثَمَنَهُ مِنْ مَالِكِهِ وَلَمْ يَدْفَعْ لَهُ الثَّمَنَ وُجِدَ بِذَلِكَ أَصْلُ الْعَقْدِ لَا لُزُومُهُ، وَكَذَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِتَقَدُّمِ الْقَبُولِ مِنْ الْمُشْتَرِي بِأَنْ يَقُولَ بِعْنِي عَلَى الْإِيجَابِ مِنْ الْبَائِعِ بِأَنْ يَقُولَ: بِعْتُك وَلَا يَشْتَرِطُ كَمَا قَالَ فِي تَحْقِيقِ الْمَبَانِي فَوْرِيَّةَ الْإِيجَابِ بَلْ الْمُخْتَارُ جَوَازُ تَأْخِيرِهِ مَا تَأَخَّرَ.

[الربا وَأَنْوَاعه وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ]

[قَوْلُهُ: تَبَرُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ قَصَدَ التِّلَاوَةَ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] لِلتَّنْصِيصِ عَلَى التِّلَاوَةِ وَلِلتَّصْرِيحِ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ، وَأَنْ يَكُونَ دَلِيلًا لَا مَدْلُولًا؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ قَصْدِ التِّلَاوَةِ يَكُونُ مَدْلُولًا أَيْ دَعْوَةً مُفْتَقِرَةً لِلدَّلِيلِ [قَوْلُهُ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]] أَفَادَ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْجَوَازُ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ وَغَيْرُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: أَيْضًا] أَيْ كَمَا حَرَّمَهُ الْكِتَابُ [قَوْلُهُ: وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ] أَيْ تَحْرِيمِ الرِّبَا بِمَعْنَى الزِّيَادَةِ، وَانْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ فِي التَّحْقِيقِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ رِبَا النَّسِيئَةِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَحْرِيمِ رِبَا الْفَضْلِ.
[قَوْلُهُ: فَمَنْ اسْتَحَلَّهُ إلَخْ] فِي التَّفْرِيعِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ كُفْرَهُ إنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ أَنْكَرَ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً، فَلَيْسَ الْإِجْمَاعُ عَلَى التَّحْرِيمِ بِمُجَرَّدِهِ مُقْتَضِيًا لِلْكُفْرِ [قَوْلُهُ: بِلَا خِلَافٍ] أَيْ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ [قَوْلُهُ: يُسْتَتَابُ] أَيْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَيْ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يَسْتَتِيبَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا جُوعٍ وَبِلَا عَطَشٍ وَبِلَا مُعَاقَبَةٍ.
وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا قُتِلَ أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَلَا يُحْسَبُ الْيَوْمُ الْأَوَّلُ إنْ سَبَقَهُ الْفَجْرُ وَلَا تُلَفَّقُ الثَّلَاثَةُ، وَلَا فَرْقَ

بَاعَ بَيْعَ رِبًا غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ لَهُ فَهُوَ فَاسِقٌ يُؤَدَّبُ خَاصَّةً إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ وَيُفْسَخُ، فَإِنْ فَاتَ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا رَأْسُ مَالِهِ.
وَالْأَلِفُ، وَاللَّامُ الَّتِي فِي الرِّبَا لِلْعَهْدِ وَهُوَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ وَلِهَذَا قَالَ: (وَكَانَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ) وَهِيَ مَا كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ (فِي الدُّيُونِ إمَّا أَنْ يَقْضِيَهُ) دَيْنَهُ (وَإِمَّا أَنْ يُرْبِيَ) أَيْ يَزِيدَ (لَهُ فِيهِ) مَا ذَكَرَهُ أَحَدَ أَنْوَاعِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ رِبَا نَسَاءٍ وَهُوَ هَذَا، وَرِبَا مُزَابَنَةٍ وَهُوَ بَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ أَوْ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَرِبَا فَضْلٍ وَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ

[حاشية العدوي]

بَيْنَ الْحُرِّ، وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، وَيُطْعَمُ مِنْ مَالِهِ دُونَ عِيَالِهِ

[قَوْلُهُ: وَمَنْ بَاعَ بَيْعَ رِبًا] أَرَادَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الرِّبَا، وَهُوَ بَيْعُ رِبَوِيٍّ بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَوْ حَلَالًا لِأَجَلٍ [قَوْلِهِ: إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ] بِأَنْ جَهِلَ كَوْنَهُ حَرَامًا كَحَدِيثِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ فَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ [قَوْلُهُ: فَإِنْ فَاتَ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا رَأْسُ مَالِهِ] ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِي أَشَارَ لَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي فِيهِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ فَاتَ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا رَأْسُ مَالِهِ] كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ التَّأَمُّلِ.
تَنْبِيهٌ: فَإِنْ قَبَضَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ رَدَّهُ لِرَبِّهِ إنْ عَرَفَهُ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ فَهُوَ لَهُ إنْ قَبَضَهُ قَبْلَ إسْلَامِهِ وَإِلَّا فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ مَا زَادَ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ بَلْ يَسْقُطُ عَمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: لِلْعَهْدِ] أَيْ الْمَعْهُودِ خَارِجًا عِلْمًا لَا ذِكْرًا صَرِيحًا أَوْ كِنَايَةً عَلَى طَرِيقَةِ فَنِّ الْمَعَانِي أَوْ الْمَعْهُودِ ذِهْنًا عَلَى طَرِيقَةِ النَّحْوِيِّينَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ.
الْمُرَادُ بِهِ كُلُّ بَيْعٍ التَّفَاضُلُ فِيهِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ الرِّبَا فِي اللِّسَانِ الزِّيَادَةُ فَعَلَى هَذَا الْأَلِفُ، وَاللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: وَهِيَ مَا كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ] أَيْ الْأَزْمِنَةُ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَفَادَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ.
فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ رِبَا أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ نِسْبَةً إلَى الْجَهْلِ بِقِسْمَيْهِ مُرَكَّبًا وَبَسِيطًا.
[قَوْلُهُ: إمَّا أَنْ يَقْضِيَهُ دَيْنَهُ] لَا يَخْفَى أَنَّ بِتَقْدِيرِ دَيْنِهِ مَفْعُولًا لِيَقْضِيَهُ يُعْلَمُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي يَقْضِيَهُ لِرَبِّ الدَّيْنِ، وَيَحْتَمِلُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَلَامِهِ أَنْ يَعُودَ عَلَى الدَّيْنِ، وَضَمِيرُ لَهُ يَعُودُ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ، وَضَمِيرُ يُرْبِي عَائِدٌ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَضَمِيرُ فِيهِ يَعُودُ عَلَى الدَّيْنِ وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَنَقُولُ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ دَيْنِهِ لَيْسَ مِنْ الرِّبَا فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَكَانَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ فِي الدُّيُونِ أَنَّهُ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَقْضِهِ دَيْنَهُ يَزِيدُ لَهُ فِيهِ أَيْ أَنَّ رِبَاهُمْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ.
وَهَلْ قَوْلُهُ فِي الدُّيُونِ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ أَوْ كَانُوا يَتَعَاطَوْنَ بَقِيَّةَ أَنْوَاعِ الرِّبَا فَيَكُونُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْهَا؟ [قَوْلُهُ: وَإِمَّا أَنْ يُرْبِيَ أَيْ يَزِيدَ لَهُ فِيهِ] أَيْ وَيُؤَخِّرَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْقَدْرِ أَوْ الصِّفَةِ، وَإِنْ وَقَعَ وَأَخَّرَ لَمْ يَسْتَحِقَّ صَاحِبُ الدَّيْنِ إلَّا رَأْسَ مَالِهِ، وَفِي مَعْنَى الزِّيَادَةِ فِي الْحُرْمَةِ أَنْ يَتَّفِقَ مَعَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ أَجَلًا ثَانِيًا عَلَى أَنْ يَدْفَعَ لَهُ رَهْنًا أَوْ حَمِيلًا لِئَلَّا يَلْزَمَ عَلَيْهِ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا، وَأَمَّا إذَا أَخَذَ الرَّهْنَ أَوْ الْحَمِيلَ عِنْدَ الْأَجَلِ عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ بَعْدَ الْأَجَلِ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ كَابْتِدَاءِ سَلَفٍ عَلَى رَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ وَمِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ مُخَالِفٍ لِجِنْسِ مَا فِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ سَاوَتْ قِيمَتُهُ حِينَ التَّأْخِيرِ قَدْرَ الدَّيْنِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ] كَذَا فِي التَّحْقِيقِ وتت، وَلَعَلَّهُ اصْطِلَاحٌ لِبَعْضٍ تَبِعَهُ الشَّيْخَانِ وَظَاهِرُ مَا وَقَفْت عَلَيْهِ حِينَ كَتْبِي هَذَا مِنْ شُرَّاحِ خَلِيلٍ أَنَّهُ نَوْعَانِ فَقَطْ وَانْظُرْهُ.
[قَوْلُهُ: رِبَا نَسَاءٍ إلَخْ] فِيهِ شَيْءٌ بَلْ فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: مُزَابَنَةً] مَأْخُوذٌ مِنْ الزَّبْنِ وَهُوَ الدَّفْعُ [قَوْلُهُ: وَهُوَ بَيْعُ مَعْلُومٍ] اعْتَرَضَ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ بِأَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِعَدَمِ تَنَاوُلِهِ بَيْعَ إرْدَبِّ سِمْسِمٍ بِقِنْطَارٍ مِنْ زَيْتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْمُزَابَنَةِ.
تَنْبِيهٌ: يَجُوزُ إنْ كَثُرَ أَحَدُهُمَا فِي غَيْرِ مَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ شَمِلَ مَا يَدْخُلُهُ رِبَا النَّسَاءِ، وَمَا لَا يَدْخُلُهُ رِبًا أَصْلًا، فَيَجُوزُ بَيْعُ الْفَاكِهَةِ مِنْ جِنْسِهَا إذَا تَبَيَّنَ الْفَضْلُ لَكِنْ بِشَرْطِ النَّقْدِ، وَأَمَّا مَا يَدْخُلهُ رِبَا الْفَضْلِ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَإِلَّا فَلَا نِزَاعَ فِي الْجَوَازِ.

بِقَوْلِهِ: (وَمِنْ الرِّبَا فِي غَيْرِ النَّسِيئَةِ) بِالْمَدِّ، وَالْهَمْزِ كَخَطِيئَةٍ (بَيْعُ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ يَدًا بِيَدٍ مُتَفَاضِلًا وَكَذَلِكَ) مِنْهُ (الذَّهَبُ) أَيْ بَيْعُ الذَّهَبِ (بِالذَّهَبِ) يَدًا بِيَدٍ مُتَفَاضِلًا، وَالْأَصْلُ فِي مَنْعِهِ مَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تَشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ» الْحَدِيثَ.
وَاسْتَثْنَوْا مِنْ اعْتِبَارِ الْمُمَاثَلَةِ مَسَائِلَ مِنْهَا: الْمُبَادَلَةُ وَهِيَ أَنْ يُعْطِيَ سِتَّةَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ أَقَلَّ مَسْكُوكَةً عَدًّا بِأَوْزَانٍ مِنْهَا سُدُسًا سُدُسًا فَأَقَلَّ فِي كُلِّ دِرْهَمٍ، ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ مُتَفَاضِلًا زِيَادَةَ إيضَاحٍ فَقَالَ: (وَلَا يَجُوزُ) بَيْعُ (فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ وَلَا ذَهَبٍ بِذَهَبٍ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، وَالْفِضَّةُ بِالذَّهَبِ رِبًا إلَّا يَدًا بِيَدٍ) .

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ: مِنْ جِنْسِهِ] احْتَرَزَ بِذَلِكَ مِمَّا إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ.
وَلَوْ بِنَاقِلٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَبَيْعِ إنَاءِ نُحَاسٍ بِنُحَاسٍ كَانَا جُزَافَيْنِ أَوْ كَانَ الْجُزَافُ أَحَدَهُمَا.
[قَوْلُهُ: بَيْعُ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ] سَوَاءٌ كَانَا مَسْكُوكَيْنِ أَوْ مَصُوغَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ [قَوْلُهُ: يَدًا بِيَدٍ] أَيْ ذَا يَدٍ كَائِنَةٍ مَعَ يَدٍ كِنَايَةً عَنْ كَوْنِهِمَا مَقْبُوضَيْنِ، وَكِلَاهُمَا أَعْنِي يَدًا بِيَدٍ وَمُتَفَاضِلًا حَالٌ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ حَالٌ مِنْهُمَا، وَالثَّانِي حَالٌ مِنْ الْأَحَدِ الْمُقَدَّرِ، وَالتَّقْدِيرُ إلَّا فِي حَالَةِ كَوْنِهِمَا مَقْبُوضَيْنِ، وَحَالَةُ كَوْنِ أَحَدِهِمَا ذَا فَضْلٍ عَلَى صَاحِبِهِ فَالْمُفَاعَلَةُ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ مُتَفَاضِلَيْنِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ] أَيْ إلَّا حَالَ كَوْنِهِمَا مُتَمَاثِلَيْنِ أَيْ مُتَسَاوِيَيْنِ، أَيْ مَعَ الْحُلُولِ، وَالتَّقَابُضِ بِالْمَجْلِسِ [قَوْلُهُ: وَلَا تَشِفُّوا] بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ لَا تُفَضِّلُوا، وَالشِّفُّ بِكَسْرِ الشِّينِ الزِّيَادَةُ وَيُطْلَقُ عَلَى النُّقْصَانِ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ قَالَهُ الْحَطَّابُ.
[قَوْلُهُ: الْحَدِيثَ] تَمَامُهُ وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ، أَيْ لِمَا فِي التَّأْخِيرِ مِنْ رِبَا النَّسَاءِ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ جَمَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْنَ رِبَا الْفَضْلِ وَرِبَا النَّسَاءِ، أَمَّا رِبَا الْفَضْلِ فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا تَشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ» . وَأَمَّا رِبَا النَّسِيئَةِ فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ» . [قَوْلُهُ: مِنْهَا إلَخْ] أَيْ وَمِنْهَا الْمُسَافِرُ يَكُونُ مَعَهُ الْعَيْنُ غَيْرُ مَسْكُوكَةٍ.
وَلَا تَرُوجُ مَعَهُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي سَافَرَ إلَيْهِ فَيَجُوزُ دَفْعُهَا لِلسَّكَّاكِ لِيَدْفَعَ لَهُ بَدَلَهَا مَسْكُوكًا وَيَجُوزُ لَهُ دَفْعُ أُجْرَةِ السِّكَّةِ، وَإِنْ لَزِمَ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ زَائِدَةٌ، وَعَلَى كَوْنِهَا عَرْضًا تُفْرَضُ مَعَ الْعَيْنِ عَيْنًا، وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِ الْمُسَافِرِ مِنْ السَّفَرِ عِنْدَ تَأْخِيرِهِ لِضَرْبِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَسْأَلَةِ إعْطَاءِ دِرْهَمٍ وَأَخْذِ نِصْفِهِ وَيَأْخُذُ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ طَعَامًا اُنْظُرْهُ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: سُدُسًا إلَخْ] أَيْ لِأَنَّهُ الَّذِي تَسْمَحُ بِهِ النُّفُوسُ.
[قَوْلُهُ: فِي كُلِّ دِرْهَمٍ] الْأَوْلَى فِي كُلِّ دِينَارٍ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ فَرَضَهُ فِي الدَّنَانِيرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ تِلْكَ الْمُبَادَلَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ شُرُوطٍ، أَنْ تَقَعَ بِلَفْظِ الْمُبَادَلَةِ، وَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: مُبَادَلَةً أَيْ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَأَنْ تَكُونَ مَسْكُوكَةً لَا مَسْكُورًا وَتِبْرًا، وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ السِّكَّةِ عَلَى الرَّاجِحِ.
وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مَسْكُوكَةً وَأَنْ يَكُونَ التَّعَامُلُ بِهِ عَدًّا لَا وَزْنًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: عَدًّا، وَأَنْ يَكُونَ دُونَ سَبْعَةٍ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: أَنْ يُعْطِيَ سِتَّةَ دَنَانِيرَ، فَلَوْ زَادَتْ عَلَى السِّتَّةِ وَلَمْ تَصِلْ لِلسَّبْعَةِ فَيَمْتَنِعُ وَلِلَّهِ دَرُّ الشَّارِحِ حَيْثُ قَالَ: سِتَّةٌ وَأَنْ يَكُونَ وَاحِدًا بِوَاحِدٍ لَا وَاحِدًا بِاثْنَيْنِ، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُبَايَعَةِ، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ لَا تُعْتَبَرُ إلَّا إذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ أَوْ وَزْنٍ فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَهَا فِي الْوَزْنِ جَازَتْ الْمُبَادَلَةُ فِي الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ، وَلَا يُشْتَرَطُ شَرْطٌ مِنْ الشُّرُوطِ.
[قَوْلُهُ: وَالْفِضَّةُ] قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سُمِّيَتْ الْفِضَّةُ فِضَّةً لِانْفِضَاضِهَا؛ لِأَنَّهَا تَنْفَضُّ وَتَنْكَسِرُ، وَسُمِّيَ الذَّهَبُ ذَهَبًا؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ بِالْقُرْبِ أَوْ لِأَنَّهُ يُذْهِبُ عَنْ صَاحِبِهِ الْفَقْرَ، وَالْبُؤْسَ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَكَأَنَّ هَذَا أَقْرَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ عِلَّةَ التَّسْمِيَةِ لَا تَقْتَضِي التَّسْمِيَةَ.
[قَوْلُهُ: إلَّا يَدًا بِيَدٍ] أَيْ فَيَجُوزُ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْعَدَدِ.

وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الرِّبَا فِي الطَّعَامِ (وَ) قَسَّمَ ذَلِكَ سِتَّةَ أَقْسَامٍ (الطَّعَامُ مِنْ الْحُبُوبِ) الْقَمْحُ، وَالشَّعِيرُ، وَالسُّلْتُ (وَ) مِنْ (الْقَطْنِيَّةِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِهَا الْفُولُ، وَالْحِمَّصُ، وَالْبَسِيلَةُ وَأَوْلَاهَا الْجُلْبَانُ، وَالْكِرْسِنَّةُ (وَ) مِنْ (شَبَهِهَا) أَيْ الْقَطْنِيَّةِ (مِمَّا يُدَّخَرُ مِنْ قُوتٍ) وَهُوَ مَا تَقُومُ بِهِ بِنْيَةُ الْآدَمِيَّةِ كَاللَّحْمِ، وَالسَّمْنِ (أَوْ إدَامٌ) وَهُوَ مَا يَتَّبِعُ الْقُوتَ مِنْ مُصْلِحَاتِهِ كَالْمِلْحِ، وَالْبَصَلِ (لَا يَجُوزُ) خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ: وَالطَّعَامُ أَيْ الطَّعَامُ كُلُّهُ لَا يَجُوزُ (الْجِنْسُ) أَيْ بَيْعُ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ (مِنْهُ بِجِنْسِهِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ) وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ فِيهِ تَأْخِيرٌ) تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ يَدًا بِيَدٍ، وَتُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ بِالْمِكْيَالِ الشَّرْعِيِّ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَالْعَادِيِّ،

وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ: مِمَّا يُدَّخَرُ إلَى آخِرِهِ أَنَّ عِلَّةَ رِبَا

[حاشية العدوي]

تَنْبِيهٌ: بَيْعُ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُرَاطَلَةٌ وَمُبَادَلَةٌ وَصَرْفٌ، فَالْمُرَاطَلَةُ بَيْعُ النَّقْدِ بِمِثْلِهِ وَزْنًا، وَالْمُبَادَلَةُ بَيْعُ النَّقْدِ بِمِثْلِهِ عَدَدًا، وَالصَّرْفُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِفُلُوسٍ، وَتَجِبُ الْمُنَاجَزَةُ فِي الْجَمِيعِ وَيَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ بِعَدَمِهَا، وَلَوْ قَرِيبًا أَوْ غَلَبَةً، وَأَمَّا الْمُسَاوَاةُ فَتَجِبُ فِي الْمُرَاطَلَةِ وَفِي الْمُبَادَلَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ الرِّبَا فِي النُّقُودِ، فَقِيلَ: غَلَبَةُ الثَّمَنِيَّةِ، وَقِيلَ: مُطْلَقُ الثَّمَنِيَّةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ تَخْرُجُ الْفُلُوسُ الْجُدُدُ فَلَا يَدْخُلُهَا الرِّبَا وَيَدْخُلُهَا عَلَى الثَّانِي، وَإِنَّمَا كَانَتْ عِلَّةُ الرِّبَا فِي النُّقُودِ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّا لَوْ لَمْ نَمْنَعْ الرِّبَا فِيهَا لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى قِلَّتِهَا فَيَتَضَرَّرُ بِهَا النَّاسُ كَمَا قَالَهُ اللَّقَانِيُّ، وَحُمِلَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْفُلُوسِ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِلتَّوَسُّطِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ كَمَا قَالَهُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ.

[قَوْلُهُ: الْقَمْحُ، وَالشَّعِيرُ، وَالسُّلْتُ] فِيهِ قُصُورٌ فَالْأَحْسَنُ عِبَارَتُهُ فِي التَّحْقِيقِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: مِنْ الْحُبُوبِ ذَوَاتِ السَّنَابِلِ وَهِيَ الْقَمْحُ، وَالشَّعِيرُ، وَالسُّلْتُ وَذَوَاتِ الْأَغْلَافِ وَهِيَ الذُّرَةُ، وَالدَّخَنُ، وَالْأُرْزُ اهـ. وَمُفَادُهُ أَنَّ الْقَطْنِيَّةَ لَيْسَتْ مِنْ الْحُبُوبِ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ جَعَلَهَا فِي التَّحْقِيقِ ذَاتَ الْمَزَاوِدِ فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ.
[قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْقَافِ] أَيْ أَوْ ضَمِّهَا وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ، وَالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَحُكِيَ تَخْفِيفُهَا وَتُجْمَعُ عَلَى قَطَانِيٍّ.
[قَوْلُهُ: وَالْبَسِيلَةُ] هِيَ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ أَهْلِ مِصْرَ بِالْبَسِيلَةِ.
[قَوْلُهُ:، وَالْكِرْسِنَّةُ] بِكَسْرِ الْكَافِّ وَتَشْدِيدِ النُّونِ.
قَالَ تت: قَرِيبَةٌ مِنْ الْبَسِيلَةِ وَفِي لَوْنِهَا حُمْرَةٌ.
الْبَاجِيُّ: هِيَ الْبِسِلَّةُ.
وَتَرَكَ الشَّارِحُ مِنْ الْقَطَانِيِّ ثَلَاثَةً التُّرْمُسَ، وَاللُّوبِيَا، وَالْعَدَسَ فَالْقَطَانِيُّ ثَمَانِيَةٌ بِزِيَادَةِ الْكِرْسِنَّةِ عَلَى أَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ الْبَسِيلَةِ، وَسُمِّيَتْ الْقُطْنِيَّةُ قُطْنِيَّةً؛ لِأَنَّهَا تَقْطُنُ بِالْمَحَلِّ وَلَا تَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ شَبَهِهَا أَيْ الْقُطْنِيَّةِ] جَعَلَ مَا ذَكَرَ مُشَبَّهًا لِلْقُطْنِيَّةِ دُونَ الْحُبُوبِ مَعَ أَنَّهُ يُشْبِهُ كُلًّا مِنْهُمَا أَيْ فِي الِاقْتِيَاتِ، وَالِادِّخَارِ لَا فِي الصِّفَةِ أَشَارَ لَهُ تت.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا تَقُومُ بِهِ إلَخْ] تَفْسِيرٌ لِلْقُوتِ الْمُشَبَّهِ فَقَوْلُهُ: كَاللَّحْمِ، وَالسَّمْنِ مِنْ تَتِمَّةِ التَّعْرِيفِ، وَإِلَّا فَهُوَ شَامِلٌ لِلْحَبِّ، وَالْقَطَانِيِّ، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي التَّحْقِيقِ التَّمْرَ، وَالزَّبِيبَ، وَالزَّيْتَ.
[قَوْلُهُ: كَالْمِلْحِ، وَالْبَصَلِ] لَا يَخْفَى أَنَّ جَعْلَهُ مُصْلِحًا يُنَافِي كَوْنَهُ أُدْمًا.
[قَوْلُهُ: وَتُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ] أَيْ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ.
[قَوْلُهُ: بِالْمِكْيَالِ الشَّرْعِيِّ إنْ وُجِدَ] أَيْ وَاعْتُبِرَتْ الْمُمَاثَلَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الرِّبَوِيِّ بِمِعْيَارِ الشَّرْعِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي الرِّبَا، فَلَا يُبَاعُ قَمْحٌ مِثْلًا بِمِثْلِهِ وَزْنًا وَلَا نَقْدٌ بِمِثْلِهِ كَيْلًا، وَالْمُرَادُ بِالْكَيْلِ، وَالْوَزْنِ الشَّرْعِيَّيْنِ مَا وَضَعَهُمَا السُّلْطَانُ كَذَا ذَكَرُوا أَيْ فَمَا اعْتَبَرَهُ السُّلْطَانُ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ عُمِلَ عَلَيْهِ كَمَا أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ، فَقَضِيَّةُ مَا ذَكَرُوا.
وَلَوْ خَالَفَ وَضْعُ السُّلْطَانِ وَضْعَ مَنْ قَبْلَهُ كَأَنْ يَكُونَ وَضَعَ مَنْ قَبْلَهُ الْكَيْلَ فِي الْقَمْحِ وَوَضَعَ هُوَ الْوَزْنَ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يُحْفَظْ عَنْ الشَّارِعِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ مِعْيَارٌ مُعَيَّنٌ فَبِالْعَادَةِ الْعَامَّةِ كَاللَّحْمِ، وَالْجُبْنِ فِي كُلِّ بَلَدٍ أَوْ الْخَاصَّةِ كَالْأُرْزِ الْمُخْتَلِفِ الْعَادَةِ فِيهِ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ، فَلَا يَخْرُجُ فِي بَلَدٍ عَمَّا اعْتَادَتْهُ، وَلَوْ اُعْتِيدَ بِوَجْهَيْنِ اُعْتُبِرَ بِأَيِّهِمَا إنْ تَسَاوَيَا وَإِلَّا فَأَكْثَرُهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا مَوْزُونَيْنِ وَلَا مَكِيلَيْنِ كَالْبَيْضِ فَبِالتَّحَرِّي، وَإِنْ اقْتَضَى مُسَاوَاةَ بَيْضَةِ بِبَيْضَتَيْنِ فَإِنْ عَسِرَ الْوَزْنُ فِيمَا اُعْتُبِرَتْ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ عَنْ الشَّارِعِ وَزْنًا لِكَوْنِهِ فِي سَفَرٍ أَوْ بَادِيَةٍ جَازَ التَّحَرِّي إنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ تَحَرِّيهِ لِكَثْرَتِهِ جِدًّا، وَأَمَّا الْكَيْلُ، وَالْعَدَدُ فَلَا يَعْسُرَانِ إذْ يَجُوزُ الْكَيْلُ بِغَيْرِ الْمَعْهُودِ كَذَا فِي شَرْحِ الْخَرَشِيِّ.

[قَوْلُهُ: وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ إلَخْ] فِيهِ بَحْثٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَشَارَ بِهِ لِنَوْعٍ مِنْ الرِّبَوِيِّ فَلَا يَكُونُ إشَارَةً لِعِلَّةٍ عَامَّةٍ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ

الْفَضْلِ فِي الطَّعَامِ الِاقْتِيَاتُ، وَالِادِّخَارُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَلَا حَدَّ لِلِادِّخَارِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنَّمَا يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ.
ثَانِيهِمَا: أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ طَعَامٌ) أَيْ بَيْعُهُ (بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ خِلَافِهِ كَانَ مِمَّا يُدَّخَرُ أَوْ لَا يُدَّخَرُ) ثَالِثُهَا: أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِ) جَوَازِ (بَيْعِ الْفَوَاكِهِ وَ) بَيْعِ (الْبُقُولِ، وَمَا لَا يُدَّخَرُ مُتَفَاضِلًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ) ع: اُنْظُرْ قَوْلَهُ، وَمَا لَا يُدَّخَرُ هَلْ هُنَاكَ شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ أَمْ لَا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَمَا لَا يُدَّخَرُ تَفْسِيرًا يَعْنِي وَهُوَ مَا لَا يُدَّخَرُ.

وَذَكَرَ احْتِمَالًا آخَرَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الْفَوَاكِهُ الَّتِي لَا تُدَّخَرُ أَصْلًا كَالتُّفَّاحِ، وَالْمِشْمِشِ يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَتْ تُدَّخَرُ نَادِرًا فِي قُطْرٍ دُونَ قُطْرٍ كَالْكُمَّثْرَى يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ كَانَتْ تُدَّخَرُ غَالِبًا كَالْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فِيمَا يُدَّخَرُ مِنْ الْفَوَاكِهِ الْيَابِسَةِ) مَا قَالَهُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْمَشْهُورُ جَوَازُ التَّفَاضُلِ فِيهَا مُنَاجَزَةً، وَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ.
وَأَمَّا الْبُقُولُ إنْ كَانَتْ لَا تُدَّخَرُ أَصْلًا كَالْخَسِّ فَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُدَّخَرُ غَالِبًا وَتُدَّخَرُ نَادِرًا فِي بَعْضِ الْبِلَادِ كَاللِّفْتِ بِالْخَلِّ فَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ كَانَتْ تُدَّخَرُ غَالِبًا كَالثُّومِ

[حاشية العدوي]

الرِّبَوِيِّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْعِلَّةَ لَمَّا اتَّحَدَتْ فِي الْوَاقِعِ صَحَّ الْأَخْذُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
[قَوْلُهُ: إنَّ عِلَّةَ إلَخْ] أَيْ عَلَامَةَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْمُؤَثِّرَةَ إذْ الْمُؤَثِّرُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
[قَوْلُهُ: رِبَا الْفَضْلِ] وَأَمَّا عِلَّةُ حُرْمَةِ رِبَا النَّسَاءِ فَهِيَ مُطْلَقُ الطَّعْمِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ لَا لِلتَّدَاوِي، وَأَمَّا عِلَّةُ حُرْمَةِ رِبَا الْمُزَابَنَةِ فَهِيَ الْغَرَرُ فِيمَا يَظْهَرُ لِي وَانْظُرْهُ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ حَرُمَ.
وَلَوْ فِي غَيْرِ الْمَطْعُومِ.
[قَوْلُهُ: الِاقْتِيَاتُ] مَعْنَاهُ قِيَامُ بِنْيَةِ الْآدَمِيِّ بِهِ، وَمَعْنَى الِادِّخَارِ عَدَمُ فَسَادِهِ بِالتَّأْخِيرِ إلَى الْأَمْرِ الْمُبْتَغَى مِنْهُ عَادَةً، فَلَوْ اُدُّخِرَ لَا عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ كَالْبِطِّيخِ، وَالتُّفَّاحِ فِي بَعْضِ الْأَقْطَارِ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ، وَالِادِّخَارُ إمَّا بِالشَّخْصِ وَهُوَ وَاضِحٌ أَوْ بِالنَّوْعِ كَاللَّبَنِ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا بِشَخْصِهِ إلَّا أَنَّهُ مَوْجُودٌ بِالنَّوْعِ، فَبَقَاءُ النَّوْعِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ فَهُوَ، وَإِنْ لَمْ يُدَّخَرْ فَهُوَ مَوْجُودٌ نَوْعًا، وَيُجْلَبُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ، وَالِاقْتِيَاتُ، وَالِادِّخَارُ، وَالْإِصْلَاحُ فِي الْمُصْلِحِ مِنْ فِلْفِلٍ وَمِلْحٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: إنَّمَا كَانَ الِاقْتِيَاتُ، وَالِادِّخَارُ عِلَّةً لِحُرْمَةِ الرِّبَا فِي الطَّعَامِ لِخَزْنِ النَّاسِ لَهُ حِرْصًا عَلَى طَلَبِ وُفُورِ الرِّبْحِ فِيهِ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَمُقَابِلُهُ أَقْوَالُ الِاقْتِيَاتِ، وَالِادِّخَارِ، وَغَلَبَةِ الْعَيْشِ، وَالِاقْتِيَاتِ فَقَطْ، وَالِادِّخَارُ لِلْأَكْلِ غَالِبًا فَقَطْ، فَالتِّينُ، وَالزَّيْتُ، وَالْبَيْضُ، وَالْجَرَادُ رِبَوِيَّةٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَا حَدَّ لِلِادِّخَارِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا حَكَاهُ التَّادَلِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ فِي بَعْضِ الْمَجَالِسِ أَنَّ حَدَّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ.
[قَوْلُهُ: كَانَ مِنْ جِنْسِهِ] كَقَمْحٍ مَثَلًا.
[قَوْلُهُ: كَانَ مِمَّا يُدَّخَرُ] كَالْقَمْحِ، وَالشَّعِيرِ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ لَا يُدَّخَرُ كَالرُّمَّانِ، وَالْبِطِّيخِ لِدُخُولِ رِبَا النَّسَاءِ فِي كُلِّ الْمَطْعُومَاتِ فَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْبَوَادِي مِنْ شِرَاءِ الْبَصَلِ وَنَحْوِهِ مِنْ عَلَى الْبَابِ ثُمَّ يَدْخُلُونَ وَيَأْتُونَ بِالطَّعَامِ لَيْسَ بِجَائِزٍ ذَكَرَهُ الْجُزُولِيُّ.
[قَوْلُهُ: بِجَوَازِ بَيْعِ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَيْ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ لَا بَأْسَ بِمَعْنَى يَجُوزُ.

[قَوْلُهُ: وَذَكَرَ احْتِمَالًا آخَرَ] وَهُوَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْعِنَبَ الَّذِي لَا يَتَزَبَّبُ عَلَى قَوْلٍ بِعَدَمِ جَرَيَانِ الرِّبَا فِيهِ، وَكَذَلِكَ التَّمْرُ الَّذِي لَا يَتَتَمَّرُ؛ لِأَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ أَمْ لَا، وَهَلْ يُعْتَبَرُ بِأَصْلِهِ أَوْ بِحَالِهِ، فَمَنْ اعْتَبَرَهُ بِأَصْلِهِ أَجْرَى فِيهِ الرِّبَا، وَمَنْ اعْتَبَرَهُ بِحَالِهِ لَمْ يُجْرِ فِيهِ الرِّبَا اهـ. وَبَعْضُهُمْ قَالَ: بَيْعُ الْفَوَاكِهِ كَالْخَوْخِ، وَالْمِشْمِشِ.
وَقَوْلُهُ: وَالْبُقُولُ كَالْخَسِّ، وَالْهُنْدُبَا مِنْ كُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَمَا لَا يُدَّخَرُ أَيْ وَكُلُّ مَا لَا يُدَّخَرُ مِنْ الْخُضَرِ وَهِيَ كُلُّ مَا يَخْرُجُ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ كَالْمُلُوخِيَّةِ، وَالْأَمْرُ وَاضِحٌ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ الْمَنْعُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ الِادِّخَارُ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: ضَعِيفٌ فِي الْمَذْهَبِ] مَبْنِيٌّ عَلَى

وَالْبَصَلِ امْتَنَعَ التَّفَاضُلُ فِيهَا.
وَقَوْلُهُ: (وَسَائِرِ الْإِدَامِ، وَالطَّعَامِ) تَكْرَارٌ مَعَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ كَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَالشَّرَابِ) مِثْلُ الْعَسَلِ، وَالْخَلِّ أَيْ: يَمْتَنِعُ التَّفَاضُلُ فِيهِ (إلَّا الْمَاءِ وَحْدَهُ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ وَبَيْعُهُ بِالطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا.

خَامِسُهَا: أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَا اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الشَّرَابِ (وَمِنْ سَائِرِ الْحُبُوبِ، وَالثِّمَارِ بِالطَّعَامِ فَلَا بَأْسَ بِالتَّفَاضُلِ فِيهِ يَدًا بِيَدٍ) لِحَدِيثِ «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» .

سَادِسُهَا: أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الطَّعَامِ (إلَّا فِي الْخُضَرِ، وَالْفَوَاكِهِ) وَفِي كَلَامِهِ تَكْرَارٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ.
وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ إلَّا مُنَاجَزَةً أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ مَا هُوَ فَقَالَ: (وَالْقَمْحُ، وَالشَّعِيرُ، وَالسُّلْتُ) وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الشَّعِيرِ لَيْسَ لَهُ قِشْرٌ كَأَنَّهُ حِنْطَةٌ (كَجِنْسٍ وَاحِدٍ فِيمَا يَحِلُّ مِنْهُ وَيَحْرُمُ) الْكَافُ زَائِدَةٌ، مَا ذَكَرَهُ فِي الْأَوَّلَيْنِ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: هُمَا جِنْسَانِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَدَلِيلُ كُلٍّ نَقَلْنَاهُ فِي الْأَصْلِ.
ابْنُ بَشِيرٍ: اتَّفَقَ

[حاشية العدوي]

أَنَّ الْعِلَّةَ الِادِّخَارُ فَقَطْ كَمَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ.
[قَوْلُهُ: مِثْلُ الْعَسَلِ] الْعَسَلُ الْمُخْتَلِفُ الْأَصْلِ أَجْنَاسٌ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فِي اسْتِعْمَالِهَا، وَأَمَّا الْخُلُولُ فَكُلُّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا الْحُمُوضَةُ كَمَا أَنَّ الْأَنْبِذَةَ جِنْسٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَغَى مِنْهَا الشُّرْبُ، وَالْمُرَادُ بِالنَّبِيذِ مَا بَقِيَ عَلَى حَلَاوَتِهِ وَلَمْ يَنْتَهِ إلَى الْحُمُوضَةِ كَمَا فِي بَهْرَامَ.
[قَوْلُهُ: إلَّا الْمَاءَ وَحْدَهُ] اعْلَمْ أَنَّ الْمَاءَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْعَذْبُ هُوَ مَا يُمْكِنُ شُرْبُهُ، وَلَوْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَالْقَيْسُونِيِّ وَهُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَثَانِيهِمَا الْأُجَاجُ وَهُوَ مَا لَا يُشْرَبُ لِمَرَارَتِهِ كَالْبَحْرِ الْمَالِحِ وَهُوَ جِنْسٌ آخَرُ، فَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ بِالْآخَرِ، وَلَوْ مُتَفَاضِلًا إلَى أَجَلٍ.
وَأَمَّا بَيْعُ الْمَاءِ مِنْ جِنْسِهِ فَإِنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ جَازَ، وَلَوْ إلَى أَجَلٍ، وَأَمَّا عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا بِالْقِلَّةِ، وَالْكَثْرَةِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا يَدًا بِيَدٍ، وَيَمْتَنِعُ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ إنْ كَانَ هُوَ الْمُعَجَّلَ فَفِيهِ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا، وَإِنْ كَانَ الْمُعَجَّلُ هُوَ الْكَثِيرَ فَفِيهِ تُهْمَةُ ضَمَانٍ بِجُعْلٍ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا] أَيْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ: مَسْأَلَةِ التَّفَاضُلِ وَبَيْعِ الطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ، وَالْخِلَافُ فِي الْعَذْبِ كَمَا أَفَادَهُ صَرِيحُ بَعْضِهِمْ، فَالْمُقَابَلُ فِي الْأَوَّلِ جَعَلَهُ رِبَوِيًّا خَرَّجَهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ مَنَعَ بَيْعَهُ بِالطَّعَامِ لِأَجَلٍ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ، وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ التَّخْرِيجَ بِأَنَّ رِبَا النَّسَاءِ أَعَمُّ مِنْ رِبَا الْفَضْلِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ رِبَا الْفَضْلِ.

[قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ إلَخْ] أَيْ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» .

[قَوْلُهُ: إلَّا فِي الْخُضَرِ، وَالْفَوَاكِهِ] شَمَلَ كَلَامُهُ مَا يُدَّخَرُ مِنْهَا وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ سَابِقًا فِيمَا يُدَّخَرُ مِنْ الْفَوَاكِهِ الْيَابِسَةِ لَكِنْ قَدَّمَ الشَّارِحُ أَنَّ الْمَشْهُورَ جَوَازُ التَّفَاضُلِ فِيهَا، وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ اعْتِرَاضَ الشَّارِحِ عَلَيْهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ جَوَازِ ذَلِكَ فِي الْخُضَرِ، وَالْفَوَاكِهِ وَبَيْنَ مَنْعِهِ فِي الطَّعَامِ أَنَّ الطَّعَامَ فِيهِ الِاقْتِيَاتُ، وَالِادِّخَارُ بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّهُ، وَإِنْ اُدُّخِرَ بَعْضُهُ لَا يُقْتَاتُ غَالِبًا.
[قَوْلُهُ: وَفِي كَلَامِهِ تَكْرَارٌ] عَلَّلَهُ فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عُلِمَ حُكْمُهُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَحُكْمُ الْمُسْتَثْنَى عُلِمَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ هُنَا مَعَ الْفَوَاكِهِ الْخُضَرَ وَذَكَرَ مَعَهَا هُنَاكَ الْبُقُولَ اهـ. [قَوْلُهُ: ضَرْبٌ] أَيْ نَوْعٌ [قَوْلُهُ: كَجِنْسٍ وَاحِدٍ] أَيْ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَنْفَعَةِ.
وَقَوْلُهُ: فِيمَا يَحِلُّ أَيْ مِنْ التَّمَاثُلِ، وَالتَّنَاجُزِ.
وَقَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ أَيْ مِنْ عَدَمِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: الْكَافُ زَائِدَةٌ] أُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ كَجِنْسٍ وَاحِدٍ أَيْ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وَأَمَّا اتِّحَادُ جِنْسِيَّةِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَفِيهَا خِلَافٌ فَلَمْ يَلْزَمْ اتِّحَادٌ.
[قَوْلُهُ: وَدَلِيلُ كُلٍّ نَقَلْنَاهُ فِي الْأَصْلِ] عِبَارَةُ التَّحْقِيقِ.
قَالَ السُّيُورِيُّ وَعَبْدُ الْحَمِيدِ: إنَّهُمَا جِنْسَانِ أَيْ الْقَمْحَ، وَالشَّعِيرَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «التَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ

الْمَذْهَبُ عَلَى أَنَّ طَحْنَ هَذِهِ الْحُبُوبِ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ أُصُولِهَا.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْقَمْحِ بِالدَّقِيقِ مُتَفَاضِلًا، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالْعَجِينِ؛ لِأَنَّهُ رَطْبٌ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ (وَالزَّبِيبُ كُلُّهُ) أَعْلَاهُ وَرَدِيئُهُ أَسْوَدُهُ وَأَحْمَرُهُ (صِنْفٌ) وَاحِدٌ يَجُوزُ فِيهِ التَّمَاثُلُ وَيَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ (وَ) كَذَلِكَ (التَّمْرُ) يَابِسُهُ (كُلُّهُ) عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ قَدِيمًا وَجَدِيدًا (صِنْفٌ) وَاحِدٌ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَمَاثِلًا، وَيَحْرُمُ مُتَفَاضِلًا كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (وَالْقَطْنِيَّةُ) الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا (أَصْنَافٌ فِي) بَابِ (الْبُيُوعِ وَ) هَذَا لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَلْ (اخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ) الْإِمَامِ (مَالِكٍ) - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَرِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا أَصْنَافٌ وَرِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهَا صِنْفٌ (وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي) الْمُدَوَّنَةِ فِي بَابِ (الزَّكَاةِ أَنَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ)

وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى مَا اتَّحَدَ مِنْ الْأَجْنَاسِ وَاخْتَلَفَ مِنْ الْحُبُوبِ، وَالْقَطَانِيِّ انْتَقَلَ يُبَيِّنُ مَا اتَّحَدَ مِنْ

[حاشية العدوي]

فَقَدْ أَرْبَى» . وَقَالَ ك: وَتَمَسَّكَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ بِمَا فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فَنِيَ عَلَفُ حِمَارِهِ فَقَالَ لِغُلَامِهِ: خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِك فَابْتَعْ بِهَا شَعِيرًا وَلَا تَأْخُذْ إلَّا مِثْلَهُ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ كَانَ فَاشِيًّا بِأَنَّهَا جِنْسٌ.
وَتَكَلَّمَ مَالِكٌ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ عَلَيْهِمْ نَزَلَتْ أَوَّلًا، وَالنَّاسُ تَبَعٌ لَهُمْ فِيهَا فَيُلْتَفَتُ إلَى عَوَائِدِهِمْ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقَمْحَ، وَالشَّعِيرَ صِنْفٌ وَاحِدٌ فَإِنَّ السُّلْتَ يَلْحَقُ بِهِمَا بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ اهـ كَلَامُ التَّحْقِيقِ، وَالشَّيْخُ زَرُّوقٌ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْقَمْحِ، وَالشَّعِيرِ قَالَ: وَفِي إجْرَاءِ الْخِلَافِ فِي السُّلْتِ مِثْلُهُمَا نَظَرٌ، وَالْأَظْهَرُ عَدَمُهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ] الْمُنَاسِبُ التَّفْرِيعُ.
[قَوْلُهُ: بَيْعُ الْقَمْحِ بِالدَّقِيقِ مُتَفَاضِلًا] أَيْ وَأَمَّا مُتَمَاثِلًا فَيَجُوزُ، وَهَلْ الْجَوَازُ إنْ وَزْنًا هُوَ حَمْلُ ابْنِ الْقَصَّارِ أَوْ الْجَوَازُ مُطْلَقًا أَيْ وَزْنًا أَوْ كَيْلًا وَهُوَ حَمْلُ غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالْعَجِينِ] فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الْعَجِينِ بِالدَّقِيقِ لَكِنْ يُتَحَرَّى مَا فِي الْعَجِينِ مِنْ الدَّقِيقِ هَذَا إذَا كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ رِبَوِيٍّ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ.
[قَوْلُهُ: وَالزَّبِيبُ] ، وَكَذَا الْعِنَبُ كُلُّهُ جِنْسٌ فَيَجُوزُ فِي كُلِّ جِنْسٍ مِمَّا ذَكَرَ التَّمَاثُلُ وَيَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ.
[قَوْلُهُ: أَعْلَاهُ] أَيْ جَيِّدُهُ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ التَّمْرُ يَابِسُهُ] لَا يَخْفَى أَنَّ التَّمْرَ لَا يَكُونُ إلَّا يَابِسًا فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ يَابِسُهُ بِالضَّمِيرِ، وَعِبَارَةُ التَّحْقِيقِ الْيَابِسُ فَهُوَ وَصْفٌ كَاشِفٌ، وَيُجَابُ بِجَعْلِ الْإِضَافَةِ لِلْبَيَانِ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّمْرَ صِنْفٌ، وَالرُّطَبَ صِنْفٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ ثَمَرَ النَّخْلِ إمَّا بَلَحٌ صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ أَوْ بُسْرٌ أَوْ رُطَبٌ أَوْ تَمْرٌ، فَالْأَقْسَامُ خَمْسَةٌ لَا سِتَّةٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَمْسَةِ إمَّا أَنْ يُبَاعَ بِمِثْلِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَهِيَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ صُورَةً الْمُكَرَّرُ مِنْهَا عَشْرَةٌ وَبَاقِي ذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَهِيَ بَيْعُ الْبَلَحِ الصَّغِيرِ بِمِثْلِهِ وَبِالْأَرْبَعِ بَعْدَهُ، وَبَيْعُ الْبَلَحِ الْكَبِيرِ بِمِثْلِهِ وَبِالثَّلَاثِ بَعْدَهُ، وَبَيْعُ الْبُسْرِ بِمِثْلِهِ وَبِالِاثْنَيْنِ بَعْدَهُ، وَبَيْعُ الرُّطَبِ بِمِثْلِهِ وَبِالتَّمْرِ، وَبَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْجَائِزُ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ بَيْعُ كُلٍّ بِمِثْلِهِ وَبَيْعُ الْبَلَحِ الصَّغِيرِ بِالْأَرْبَعِ بَعْدَهُ.
وَالْمُرَادُ بِالصَّغِيرِ مَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الرَّامِخِ، وَأَمَّا مَا بَلَغَ حَدَّ الرَّامِخِ فَهُوَ رِبَوِيٌّ بِخِلَافِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الرَّامِخِ فَلَيْسَ بِطَعَامٍ أَصْلًا، وَأَمَّا الطَّلْعُ، وَالْإِغْرِيضُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا حُكْمٌ وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِنَوْعِهِ بِشَرْطِ التَّمَاثُلِ، وَالتَّنَاجُزِ إلَّا الرُّطَبِ بِالْيَابِسِ فَلَا يُبَاعُ الْقَمْحُ الْيَابِسُ بِالْبَلِيلَةِ وَلَا الْفُولُ الْيَابِسُ بِالنَّابِتِ وَلَا النَّبِيذُ بِالتَّمْرِ أَوْ الزَّبِيبُ مُتَمَاثِلًا وَأَوْلَى مُتَفَاضِلًا بِخِلَافِ الْخَلِّ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِهَا، وَلَوْ مُتَفَاضِلًا لِبُعْدِ الْخَلِّ عَنْ التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ.
وَأَمَّا الْخَلُّ، وَالنَّبِيذُ فَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مَعَ التَّمَاثُلِ، وَالتَّنَاجُزِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ لِقُرْبِ الْخَلِّ مِنْ النَّبِيذِ.
[قَوْلُهُ: قَدِيمًا وَجَدِيدًا إلَخْ] فَيَجُوزُ فِيهِ التَّمَاثُلُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يُبَاعُ جَدِيدٌ بِقَدِيمٍ؛ لِأَنَّهُ جَافٌّ بِرَطْبٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا صِنْفٌ إلَخْ] رِفْقًا بِالْفُقَرَاءِ.
وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَيْ فَلَا يُنَافِي مَا قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهَا أَصْنَافٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُدَوَّنَةَ يُقَدَّمُ مَا فِيهَا عَلَى الْمَوَّازِيَّةِ.
وَالْحَاصِلُ عَلَى مَا فِي تت أَنَّهُ قِيلَ إنَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ فِي الْبَابَيْنِ، وَقُلْ: أَصْنَافٌ فِيهِمَا، وَقِيلَ: صِنْفٌ وَاحِدٌ فِي الزَّكَاةِ وَأَصْنَافٌ فِي الْبُيُوعِ أَيْ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَالْأُرْزُ، وَالدَّخَنُ، وَالذُّرَةُ أَجْنَاسٌ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ فِي الْبُيُوعِ، وَالزَّكَاةِ، وَمَحَلُّ مَنْعِ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ الْمُقْتَاتُ مُقَيَّدٌ

أَجْنَاسِ الْقُوتِ فَقَالَ: (وَلُحُومُ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ مِنْ الْأَنْعَامِ) الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ، وَالْمَعْزِ (وَ) مِنْ (الْوَحْشِ) كَالْغَزَالِ وَبَقَرِ الْوَحْشِ كُلِّهِ (صِنْفٌ) وَاحِدٌ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَمَاثِلًا وَيَحْرُمُ مُتَفَاضِلًا، (وَ) كَذَلِكَ (لُحُومُ الطَّيْرِ كُلِّهِ) إنْسِيُّهُ وَوَحْشِيُّهُ، وَإِنْ كَانَ طَيْرَ مَاءٍ (صِنْفٌ) وَاحِدٌ (وَ) كَذَلِكَ (لُحُومُ دَوَابِّ الْمَاءِ كُلِّهِ صِنْفٌ) وَاحِدٌ (وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ لُحُومِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْ شَحْمٍ فَهُوَ كَلَحْمِهِ) فَلَا يُبَاعُ شَحْمُ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ بِلَحْمِهَا إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا شَحْمُ الْحُوتِ بِالْحُوتِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ (وَأَلْبَانُ ذَلِكَ الصِّنْفِ) مِنْ الْأَنْعَامِ (وَجُبْنُهُ وَسَمْنُهُ صِنْفٌ) ظَاهِرُهُ جَوَازُ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَمَاثِلًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ.
ك: وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ مَالِكٌ وَلَا أَصْحَابُهُ فَانْظُرْهُ فَإِنَّهُ عِنْدِي مِنْ مُشْكِلَاتِ الرِّسَالَةِ.
وَقَالَ ق: قَالَ الْجُزُولِيُّ تَقْدِيرُ كَلَامِهِ وَأَلْبَانُ ذَلِكَ الصِّنْفِ صِنْفٌ، وَجُبْنُهُ صِنْفٌ، وَسَمْنُهُ صِنْفٌ فَهَؤُلَاءِ الْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ صِنْفٍ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مُتَمَاثِلًا وَلَا يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا اُنْظُرْ بَقِيَّتَهُ فِي الْأَصْلِ.

[حاشية العدوي]

بِمَا إذَا لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ أَصْلِهِ وَإِلَّا جَازَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بِأَمْرٍ قَوِيٍّ بِحَيْثُ يَبْعُدُ عَنْ أَصْلِهِ، وَذَلِكَ كَقَلْيِ الْقَمْحِ أَوْ طَبْخِهِ أَوْ جَعْلِهِ خُبْزًا لَا بِطَحْنِهِ، وَلَوْ عُجِنَ وَلَا بِصَلْقِهِ إلَّا التُّرْمُسُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ جِنْسًا آخَرَ بِصَلْقِهِ وَوَضْعِهِ فِي الْمَاءِ حَتَّى صَارَ حُلْوًا.
وَأَمَّا صَلْقُ الْقَمْحِ أَوْ الْفُولِ أَوْ الْحِمَّصِ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَلُ فَلِذَا لَا يُبَاعُ الْيَابِسُ بِالْمَصْلُوقِ مِنْهَا.

[قَوْلُهُ: مِنْ الْحُبُوبِ إلَخْ] لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ فَقَوْلُهُ: مِنْ الْحُبُوبِ نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ مَا اتَّحَدَ.
وَقَوْلُهُ: وَالْقَطَانِيُّ نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ وَاخْتُلِفَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ مِمَّا اتَّحَدَ جِنْسُهُ غَيْرُهُمَا مِنْ الزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ أَجْنَاسِ الْقُوتِ] أَيْ الْمُقْتَاتِ وَأَرَادَ الْجِنْسَ اللُّغَوِيَّ الشَّامِلَ لِلنَّوْعِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ لَيْسَ مِنْ أَجْنَاسِ الْقُوتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَلُحُومُ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ] ، وَلَوْ اخْتَلَفَتْ صِفَةُ طَبْخِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ طَبْخِهَا بِأَبْزَارٍ أَمْ لَا.
وَمَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ الطَّبْخَ بِالْأَبْزَارِ نَاقِلٌ فَالْمُرَادُ نَاقِلٌ لَهُ مِنْ اللَّحْمِ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ، وَمُرَادُهُ: ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ أَيْ الْمُبَاحَةِ، وَأَمَّا الْمُبَاحُ مَعَ الْمَكْرُوهِ مِثْلُ السَّبُعِ، وَالضَّبُعِ، وَالْمُهْرِ فَلَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا بَلْ يُكْرَهُ فَقَطْ كَمَا هُوَ مُفَادُ الْمُدَوَّنَةِ وَأَبْقَاهَا بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَبَعْضُهُمْ حَمَلَ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ بِلَحْمِ الْأَنْعَامِ بِالْخَيْلِ وَسَائِرِ الدَّوَابِّ نَقْدًا وَمُؤَجَّلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا.
[قَوْلُهُ: وَلُحُومُ الطَّيْرِ إلَخْ] أَيْ الْمُبَاحِ، وَأَمَّا الْمُبَاحُ مَعَ الْمَكْرُوهِ مِثْلُ الْوَطْوَاطِ فَيُكْرَهُ التَّفَاضُلُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الطَّيْرَ عِنْدَنَا كُلَّهُ مُبَاحٌ مَا عَدَا الْوَطْوَاطَ فَفِي.
عَجٍّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجْرِي فِي مَكْرُوهِ الْأَكْلِ مِنْ الطَّيْرِ مَا جَرَى فِي مَكْرُوهِ الْأَكْلِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ طَيْرَ مَاءٍ] أَيْ طَيْرًا بَرِّيًّا يُلَازِمُ الْمَاءَ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ لُحُومُ دَوَابِّ الْمَاءِ] أَيْ مِنْ سَمَكٍ وَتِمْسَاحٍ وَآدَمِيِّ الْمَاءِ وَكَلْبِهِ وَخِنْزِيرِهِ الْحَيِّ، وَالْمَيِّتِ، وَلَوْ اخْتَلَفَتْ مَرَقَتُهُ وَلَا يَنْتَقِلُ الصِّيرُ بِتَمْلِيحِهِ عَنْ أَصْلِهِ وَفِي عج أَنَّ الْبَطَارِخَ فِي حُكْمِ الْمُودَعِ فِي السَّمَكِ وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ فَيُبَاعُ بِالسَّمَكِ، وَلَوْ مُتَفَاضِلًا كَمَا يُبَاعُ الطَّيْرُ وَلَحْمُهُ بِبِيضِهِ، وَلَوْ مُتَفَاضِلًا.
[قَوْلُهُ: مِنْ شَحْمٍ] أَيْ أَوْ كَبِدٍ أَوْ قَلْبٍ أَوْ طِحَالٍ أَوْ رَأْسٍ بَلْ الْعَظْمُ، وَالْجِلْدُ، وَالْمَرَقُ كَذَلِكَ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْعَظْمُ مُتَّصِلًا فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ فِي حُرْمَةِ التَّفَاضُلِ.
وَأَمَّا لَوْ انْفَصَلَ عَنْ اللَّحْمِ فَلَا يَكُونُ كَهُوَ إذَا كَانَ يُمْكِنُ أَكْلُهُ كَالْقَرْقُوشَةِ لَا إنْ لَمْ يُمْكِنْ فَيَصِيرُ أَجْنَبِيًّا كَنَوَى الْبَلَحِ، وَمَحَلِّ كَوْنِ اللَّحْمِ جِنْسًا مَا لَمْ يُنْقَلْ اللَّحْمُ عَنْ أَصْلِهِ وَإِلَّا جَازَ التَّفَاضُلُ.
وَالنَّقْلُ يَكُونُ بِالطَّبْخِ مَعَ شَيْءٍ مِنْ الْأَبْزَارِ، وَلَوْ كَأُرْزٍ أَوْ بَصَلٍ زِيَادَةً عَلَى الْمِلْحِ، وَمِثْلُ طَبْخِهِ بِالْأَبْزَارِ شَيُّهُ أَوْ تَجْفِيفُهُ بِالشَّمْسِ أَوْ الْهَوَاءِ بِأَبْزَارٍ، وَأَمَّا بِغَيْرِ أَبْزَارٍ فَلَا يُنْقَلُ اللَّحْمُ النِّيءُ، وَإِنْ نَقَلَهُ عَنْ الْحَيَوَانِ الْحَيِّ، وَلَوْ طُبِخَ لَحْمٌ مِنْ جِنْسَيْنِ فِي قِدْرٍ أَوْ قُدُورٍ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَبْزَارٍ أَوْ أَحَدُهُمَا فَقَطْ فَهُمَا بَاقِيَانِ عَلَى أَصْلِهِمَا وَأَمَّا بِأَبْزَارٍ فَقِيلَ بَاقِيَانِ عَلَى أَصْلِهِمَا وَقِيلَ: صَارَا جِنْسًا وَاحِدًا فَيَحْرُمُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْأَنْعَامِ] لَا مَفْهُومَ لِذَلِكَ بَلْ جَمِيعُ الْأَلْبَانِ حَتَّى مِنْ الْآدَمِيِّ صِنْفٌ.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ جَوَازُ إلَخْ] أَيْ أَنَّ ظَاهِرَهُ جَوَازُ بَيْعِ اللَّبَنِ بِالسَّمْنِ مُتَمَاثِلًا، وَكَذَا بِالْجُبْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: قَالَ الْجُزُولِيُّ] أَيْ جَوَابًا عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ لَكِنْ يَرِدُ إشْكَالٌ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ وَهُوَ إيهَامُ جَوَازِ بَيْعِ اللَّبَنِ الْحَلِيبِ بِالسَّمْنِ أَوْ الْجُبْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ جِنْسٌ مُسْتَقِلٌّ

ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ نَوْعًا مِنْ أُصُولِ الرِّبَا فَقَالَ: (وَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا) رِبَوِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ) لِمَا صَحَّ مِنْ نَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ، وَاحْتَرَزَ بِالطَّعَامِ عَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ مُقَيَّدٌ بِمَا (إذَا كَانَ شِرَاؤُهُ) أَيْ شِرَاءُ الْمُبْتَاعِ (ذَلِكَ) الطَّعَامِ (عَلَى وَزْنٍ أَوْ كَيْلٍ أَوْ عَدَدٍ) ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ هَذَا الْقَيْدِ زِيَادَةَ إيضَاحٍ فَقَالَ: (بِخِلَافِ الْجُزَافِ) مُثَلَّثُ الْجِيمِ وَهُوَ بَيْعُ الشَّيْءِ بِلَا كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ وَلَا

[حاشية العدوي]

وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُزَابَنَةِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَلْبَانِ صِنْفٌ، وَجَمِيعَ الْأَسْمَانِ صِنْفٌ لَا يَقْتَضِي أَنَّهَا مَعَ غَيْرِهَا أَصْنَافٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِ جَمِيعِ الْأَلْبَانِ صِنْفًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَ الْأَلْبَانِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْأَلْبَانَ مَعَ الزُّبْدِ صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَكَذَا مَعَ الْجُبْنِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّبَنَ مَعَ فُرُوعِهِ سَبْعَةٌ: حَلِيبٌ وَمَخِيضٌ وَمَضْرُوبٌ وَجُبْنٌ وَزُبْدٌ وَسَمْنٌ وَأَقِطٌ، وَالصُّوَرُ الْحَاصِلَةُ مِنْ بَيْعِ الْأَنْوَاعِ بِبَعْضِهَا أَوْ غَيْرِهَا بَعْدَ إسْقَاطِ الْمُكَرَّرِ ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ فَبَيْعُ كُلِّ وَاحِدٍ بِنَوْعِهِ مُتَمَاثِلًا جَائِزٌ يَدًا بِيَدٍ فَهَذِهِ سَبْعٌ وَيَجُوزُ بَيْعُ الْحَلِيبِ، وَالزُّبْدِ، وَالسَّمْنِ، وَالْجُبْنِ بِوَاحِدٍ مِنْ الْمَخِيضِ، وَالْمَضْرُوبِ مُتَمَاثِلًا وَهَذِهِ ثَمَانِ صُوَرٍ، وَكَذَا بَيْعُ الْمَخِيضِ بِالْمَضْرُوبِ مُتَمَاثِلًا فَهَذِهِ سِتَّةَ عَشَرَ جَائِزَةً، وَبَقِيَ ثَلَاثُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَهِيَ بَيْعُ الْأَقِطِ بِالْمَخِيضِ، وَالْمَضْرُوبِ وَبَيْعُ الْجُبْنِ بِالْأَقِطِ، وَالْبَاقِيَةُ مَمْنُوعَةٌ وَهِيَ بَيْعُ الْحَلِيبِ بِالزُّبْدِ، وَالسَّمْنِ، وَالْجُبْنِ وَبِالْأَقِطِ وَبَيْعُ الزُّبْدِ بِمَا بَعْدَهُ وَبَيْعُ السَّمْنِ بِمَا بَعْدَهُ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَالْمَخِيضُ، وَالْمَضْرُوبُ كِلَاهُمَا لَبَنٌ اُسْتُخْرِجَ زُبْدُهُ، فَالْمَخِيضُ الَّذِي يُمْخَضُ فِي الْقِرْبَةِ، وَالْمَضْرُوبُ هُوَ الَّذِي يُعْمَلُ آنِيَةً بِصِنَاعَةٍ حَتَّى يَخْرُجَ مَا فِيهِ مِنْ الزُّبْدِ اهـ. وَذَكَرَ أَيْضًا فِي التَّحْقِيقِ عَنْ الْجُزُولِيِّ فِي تَتْمِيمِ كَلَامِ الْجُزُولِيِّ أَنَّ مَحَلَّ جَوَازِ بَيْعِ الزُّبْدِ بِالزُّبْدِ مُتَمَاثِلًا مَا لَمْ يَكُنْ بَعْضُهُ أَيْبَسَ مِنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ رَطْبٌ بِيَابِسٍ، وَكَذَا فِي الْجُبْنِ، وَالْأَقِطِ اهـ. بِالْمَعْنَى وَفِي عَجَّ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْمَخِيضِ، وَالْمَضْرُوبِ بِالْجُبْنِ، وَلَوْ كَانَ الْجُبْنُ مِنْهُمَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَيْعِ الرَّطْبِ بِالْيَابِسِ؛ لِأَنَّ التَّجْبِينَ نَاقِلٌ.
وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ الْجَوَازِ إذَا كَانَ الْجُبْنُ مِنْ حَلِيبٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مِنْ مَخِيضٍ أَوْ مَضْرُوبٍ فَيَمْتَنِعُ؛ لِأَنَّهُ رَطْبٌ بِيَابِسٍ.
وَقَالَ عج: إنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ جَوَازُ بَيْعِ الْجُبْنِ بِالْجُبْنِ مُتَمَاثِلًا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْحَلِيبِ، وَالْآخَرُ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَذَا فِي الْأَقِطِ بِالْأَقِطِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ مُرَاعَاةٌ لِاتِّحَادِ مَنْفَعَةِ الْجُبْنِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْحَلِيبِ، وَالْمَأْخُوذَةِ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَذَا فِي أَقِطٍ مِنْ حَلِيبٍ بِأَقِطٍ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ إنَّ وَجْهَ الْقَوْلِ بِجَوَازِ بَيْعِ الْمَخِيضِ، وَالْمَضْرُوبِ بِالْأَقِطِ أَنَّ تَجْفِيفَ الْأَقِطِ نَاقِلٌ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ أَنَّهُ مِنْ بَابِ بَيْعِ الرَّطْبِ بِالْيَابِسِ، وَاسْتَظْهَرَهُ الْحَطَّابُ لِذَلِكَ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ مَنْعُ الْحَلِيبِ بِالْجُبْنِ، وَالْأَقِطِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ مَخِيضٍ أَوْ مَضْرُوبٍ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْجُبْنُ مِنْ الْحَلِيبِ وَمِنْ غَيْرِهِ صِنْفًا وَاحِدًا نَزَلَ الْجُبْنُ مِنْ غَيْرِهِ مَنْزِلَةَ الْجُبْنِ مِنْهُ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْأَقِطِ وَفِي مَنْعِ بَيْعِ الزُّبْدِ أَوْ السَّمْنِ بِالْجُبْنِ، وَالْأَقِطِ نَظَرٌ لِتَبَاعُدِ مَنْفَعَةِ الزُّبْدِ، وَالسَّمْنِ مِنْ مَنْفَعَةِ الْجُبْنِ، وَالْأَقِطِ اهـ. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ إنَّ وَجْهَ إلَخْ يُخَالِفُهُ مَا فِي شَرْحِ عَبْدِ الْبَاقِي أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ بَيْعِ الْمَخِيضِ أَوْ الْمَضْرُوبِ بِالْأَقِطِ لَا بُدَّ مِنْ التَّمَاثُلِ، وَفِيهِ أَيْضًا شَيْءٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الصُّوَرَ الْجَائِزَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْمُمَاثَلَةِ فِي بَيْعِ كُلٍّ مِنْ الْأَنْوَاعِ السَّبْعَةِ بِمِثْلِهَا، وَكَذَا إذَا بِيعَ الْمَخِيضُ أَوْ الْمَضْرُوبُ بِحَلِيبٍ فَإِنْ بِيعَا بِزُبْدٍ أَوْ سَمْنٍ أَوْ جُبْنٍ أَيْ مِنْ حَلِيبٍ لَمْ تُعْتَبَرْ الْمُمَاثَلَةُ اهـ.

[قَوْلُهُ: مِنْ أُصُولِ الرِّبَا] أَيْ مِنْ أَنْوَاعِ الرِّبَا فَأَنْوَاعُهُ بِانْضِمَامِ هَذَا إلَى الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَرْبَعَةٌ، وَلَعَلَّهُ اصْطِلَاحٌ لِبَعْضِهِمْ تَبِعَهُ وَإِلَّا فَالْمَفْهُومُ مِنْ خَلِيلٍ اثْنَانِ فَقَطْ رِبَا الْفَضْلِ، وَالنَّسَاءِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا] أَيْ طَعَامَ مُعَاوَضَةٍ وَسَوَاءٌ كَانَتْ مَالِيَّةً كَالشِّرَاءِ مَثَلًا، أَوْ غَيْرَ مَالِيَّةٍ كَأَخْذِ الرَّجُلِ طَعَامًا مِنْ زَوْجَتِهِ فِي مُقَابَلَةِ خُلْعٍ أَوْ إفْتَاءٍ أَوْ تَدْرِيسٍ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَسَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَلَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَلَا أُحِبُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
وَكَانَ الْقِيَاسُ عَلَى خِطَابِهِمْ وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمَنْعَ وَأَمَّا مَا أُخِذَ مِنْ الشُّوَنِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ إذْ أَصْلُهُ صَدَقَةٌ لِنَحْوِ الْفُقَرَاءِ أَيْ لَمْ يَكُنْ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ، وَالْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَخْ] قِيلَ:

عَدَدٍ، فَإِنَّ بَيْعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ جَائِزٌ عَلَى الْمَشْهُورِ.
ك؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ بِالْعَقْدِ.
وَقَالَ ق: النَّظَرُ إلَى الْجُزَافِ قَبْضٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِذَا جَعَلْنَا قَبْضًا فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجُزَافِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى.
(وَكَذَلِكَ كُلُّ طَعَامٍ) رِبَوِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ رِبَوِيٍّ (أَوْ) كُلُّ (إدَامٍ) كَالشَّحْمِ، وَاللَّحْمِ (أَوْ) كُلُّ الْأَبْزَارِ كَالْمِلْحِ أَوْ (كُلُّ شَرَابٍ) لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ شَيْءٌ (إلَّا الْمَاءُ وَحْدَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرِبَوِيٍّ، وَكَرَّرَ الطَّعَامَ لِيُنَبِّهَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ لَا يُمْنَعُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ إلَّا إذَا كَانَ رِبَوِيًّا (وَمَا يَكُونُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ) كَالْعَسَلِ يُرَكَّبُ (وَ) مَا يَكُونُ مِنْ (الزَّرَارِيعُ الَّتِي لَا يُعْتَصَرُ مِنْهَا زَيْتٌ) وَتُؤْكَلُ عَلَى حَالِهَا كَالسَّلْقِ، وَالْجَزَرِ وَمَا يَكُونُ مِنْ الزَّرَارِيعِ الَّتِي يُعْتَصَرُ مِنْهَا زَيْتٌ لِغَيْرِ الْأَكْلِ كَالْكَتَّانِ (فَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِيمَا) أَيْ الَّذِي (يَحْرُمُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ) فِيمَا يَحْرُمُ مِنْ (التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ) فَيَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَالتَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهَا

(وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الطَّعَامِ الْقَرْضِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ) فَيَجُوزُ لِلْمُقْتَرِضِ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ الْمُقْرِضِ وَغَيْرِهِ بِشَرْطِ النَّقْدِ، وَلَا يَجُوزُ

[حاشية العدوي]

تَعَبُّدٌ وَقِيلَ مُعَلَّلٌ بِأَنَّ غَرَضَ الشَّارِعِ سُهُولَةُ الْوُصُولِ إلَى الطَّعَامِ لِيَتَوَصَّلَ إلَيْهِ الْقَوِيُّ، وَالضَّعِيفُ، وَلَوْ جَازَ قَبْلَ قَبْضِهِ لَرُبَّمَا أَخْفَى بِإِمْكَانِ شِرَائِهِ مِنْ مَالِكِهِ وَبَيْعِهِ خُفْيَةً فَلَمْ يَتَوَصَّلْ إلَيْهِ الْفَقِيرُ وَلِأَجْلِ نَفْعِ الْكَيَّالِ، وَالْجَمَّالِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّ بَيْعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ جَائِزٌ عَلَى الْمَشْهُورِ] ، وَعَنْ مَالِكٍ مَنْعُهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ بِالْعَقْدِ] أَيْ وَأَمَّا مَا أُخِذَ عَلَى الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ أَوْ الْعَدَدِ فَلَا يَمْلِكُهُ بِالْعَقْدِ وَالشَّارِحُ لَمْ يُتِمَّ كَلَامَ الْفَاكِهَانِيِّ وَتَتْمِيمُهُ بِخِلَافِ الْجُزَافِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ بِالْعَقْدِ فَجَازَ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ كَانَ ضَمَانُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَسَاوَى تَعْلِيلَ غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ.
[قَوْلُهُ: النَّظَرُ إلَى الْجُزَافِ قَبْضٌ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ: لَا يَكُونُ النَّظَرُ إلَيْهِ قَبْضًا، وَالطَّعَامُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَالْجُزَافُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
[قَوْلُهُ: دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ] الْمُنَاسِبُ دَاخِلٌ تَحْتَ اسْتِيفَائِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ.
وَقَوْلُهُ: فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجُزَافِ وَغَيْرِهِ أَيْ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي كُلٍّ [قَوْلُهُ: إدَامٌ] الْإِدَامُ مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ مَائِعًا كَانَ أَوْ جَامِدًا وَجَمْعُهُ أُدْمٌ مِثْلُ كِتَابٍ وَكُتُبٍ وَيُسَكَّنُ لِلتَّخْفِيفِ فَيُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْمُفْرَدِ، وَيُجْمَعُ عَلَى آدَامٍ مِثْلُ قُفْلٍ وَأَقْفَالٍ قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: كَالْمِلْحِ] فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ الْمِلْحَ لَيْسَ مِنْ الْأَبْزَارِ، وَالْأَبْزَارُ جَمْعُهَا أَبَازِيرُ وَاحِدُهَا بِزْرٌ بِكَسْرٍ فِي الْأَصَحِّ وَيُفْتَحُ.
[قَوْلُهُ: إلَّا الْمَاءَ؛ لِأَنَّهُ وَحْدَهُ لَيْسَ بِرِبَوِيٍّ] الْأَوْلَى لَيْسَ بِطَعَامٍ بِدَلِيلِ جَوَازِ بَيْعِهِ بِالطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ، وَلَوْ مَاءَ زَمْزَمَ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ مِنْ أَنَّهُ طَعَامٌ فَمُؤَوَّلٌ بِأَنَّهُ مِثْلُهُ فِي الشَّرَفِ، وَالِاحْتِرَامِ وَفِي أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْغِذَاءُ كَالطَّعَامِ الْحَقِيقِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَكَرَّرَ الطَّعَامَ إلَخْ] جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لِمَ كَرَّرَ الطَّعَامَ إلَّا أَنَّ الْأَنْسَبَ عَدَمُ الْإِتْيَانِ بِأَدَاةِ التَّشْبِيهِ الْمُقْتَضِي لِتَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: لِيُنَبِّهَ] أَيْ مِنْ حَيْثُ التَّعْبِيرُ بِأَدَاةِ الْعُمُومِ،، وَالْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ لِلرَّدِّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ.
[قَوْلُهُ: كَالْعَسَلِ يُرَكَّبُ] أَيْ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الْعَقَاقِيرِ فَيُجْعَلُ دَوَاءً، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَعْنِي أَدْوِيَةَ الْحُكَمَاءِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الزَّرَارِيعِ] صَوَابُهُ " الزَّرَائِعِ "؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ زَرِيعَةٌ خَفِيفَةُ الرَّاءِ، وَالتَّشْدِيدُ مِنْ لَحْنِ الْعَوَامّ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
[قَوْلُهُ: كَالسِّلْقِ] أَيْ وَكَزَرِيعَةِ السِّلْقِ، وَالسِّلْقُ بِكَسْرِ السِّينِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ أَيْ وَكَحَبِّ الْفُجْلِ الْأَبْيَضِ وَحَبِّ الْبَصَلِ، وَيُتَوَقَّفُ فِي كَوْنِ تِلْكَ الزَّرَائِعِ تُؤْكَلُ أَيْ شَأْنُهَا الْأَكْلُ الظَّاهِرُ أَنَّهَا إنَّمَا تُرَادُ لِلزَّارِعَةِ فَتَدَبَّرْ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ الَّتِي لَا يُعْتَصَرُ مِنْهَا زَيْتٌ أَيْ شَأْنُهَا أَنَّهَا لَا تُعْتَصَرُ احْتِرَازًا عَنْ حَبِّ السِّمْسِمِ، وَالْقُرْطُمِ وَحَبِّ الْفُجْلِ الْأَحْمَرِ، وَالزَّيْتُونِ فَهَذِهِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا، وَكَذَا مُصْلِحُ الطَّعَامِ كَمِلْحٍ وَبَصَلٍ وَثُومٍ وَتَابِلٍ كَفِلْفِلٍ وَكُزْبَرَةٍ وَأَنِيسُونَ وَشَمَارِ وَكَمُّونَيْنِ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ.
[قَوْلُهُ: لِغَيْرِ الْأَكْلِ كَالْكَتَّانِ] أَيْ وَلَا عِبْرَةَ بِمَا اُعْتِيدَ أَكْلُهُ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ] أَيْ وَصْفُ ذَلِكَ هَذَا التَّقْدِيرُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ فِيمَا يَحْرُمُ مِنْ الْبَيْعِ لَا بِاعْتِبَارِ الْمَعْطُوفِ فَتَدَبَّرْ.

[قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ] أَيْ يَجُوزُ لِمَنْ اقْتَرَضَ طَعَامًا مِنْ شَخْصٍ لَمْ يَشْتَرِهِ أَوْ اشْتَرَاهُ وَقَبَضَهُ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ مُقْرِضِهِ، وَلَوْ

لِأَجَلٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَاعَهُ لِلْمُقْرِضِ يَكُونُ مِنْ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ، وَإِنْ بَاعَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ يَكُونُ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ (وَ) كَذَا (لَا بَأْسَ بِالشَّرِكَةِ) فِي الطَّعَامِ الْمَكِيلِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَهُوَ أَنْ يُشْرِكَ غَيْرَهُ فِي الْبَعْضِ (وَ) كَذَا لَا بَأْسَ بِ (التَّوْلِيَةِ فِيهِ) وَهُوَ أَنْ يُوَلِّيَ مَا اشْتَرَاهُ لِآخَرَ (وَ) كَذَا لَا بَأْسَ بِ (الْإِقَالَةِ فِي الطَّعَامِ الْمَكِيلِ قَبْلَ قَبْضِهِ) وَهُوَ أَنْ يُقِيلَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ أَوْ الْعَكْسُ.

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ فَقَالَ: (وَكُلُّ عَقْدٍ بِبَيْعٍ) وَهُوَ مَا كَانَ لِتَمْلِيكِ الرَّقَبَةِ (أَوْ) بِ (إجَارَةٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مَعَ الْهَمْزَةِ مَعَ الْمَدِّ وَعَدَمِهِ وَهِيَ الْعَقْدُ عَلَى مَنَافِعِ الْحَيَوَانِ الْعَاقِلِ (أَوْ) بِ (كِرَاءٍ) بِالْمَدِّ وَهُوَ الْعَقْدُ عَلَى مَنْفَعَةِ مَا

[حاشية العدوي]

اقْتَرَضَهُ عَلَى الْكَيْلِ وَكَمَا يَجُوزُ لِلْمُقْتَرِضِ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ يَجُوزُ لَهُ دَفْعُهُ وَفَاءً عَنْ قَرْضٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِ الْقَرْضِ مِنْ غَيْرِ مُشْتَرٍ لَمْ يَقْبِضْهُ احْتِرَازًا عَمَّنْ اشْتَرَى طَعَامًا وَلَمْ يَقْبِضْهُ ثُمَّ أَقْرَضَهُ لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِذَلِكَ الْمُقْتَرِضِ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَيَجْرِي هَذَا الْقَيْدُ فِي الطَّعَامِ الْمُتَصَدَّقِ بِهِ، وَالْمَوْهُوبِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْمُقْرِضِ] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: بَيْعُهُ، وَقَوْلُهُ: بِشَرْطِ النَّقْدِ أَيْ يَبِيعُهُ لِلْمُقْرِضِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى النَّقْدِ أَيْ الْحُلُولِ، وَظَاهِرُهُ النَّقْدُ بِالْفِعْلِ وَانْظُرْهُ وَيُقَيَّدُ بِمَا يُفِيدُهُ عج عَلَى خَلِيلٍ بِمَا إذَا كَانَ بَاعَهُ بِغَيْرِ طَعَامٍ وَإِلَّا امْتَنَعَ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيْعِ طَعَامٍ بِطَعَامٍ غَيْرِ يَدٍ بِيَدٍ، وَيُقَيَّدُ أَيْضًا عِنْدَ بَيْعِهِ لِلْمُقْرِضِ عَلَى النَّقْدِ أَنْ يَكُونَ أَجَلُ الْقَرْضِ قَدْرَ أَجَلِ السَّلَمِ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ الْيَدِ وَعَادَ إلَيْهَا يُعَدُّ لَغْوًا فَكَأَنَّ الْمُقْرِضَ أَسْلَمَ الْمُقْتَرَضَ.
[قَوْلُهُ: مِنْ فَسْخِ الدَّيْنِ] أَيْ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُقْرِضِ.
وَقَوْلُهُ: فِي دَيْنٍ وَهُوَ الثَّمَنُ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ وَهُوَ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُقْرِضِ.
[قَوْلُهُ: فِي الطَّعَامِ الْمَكِيلِ] أَيْ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ أَيْ وَكَذَلِكَ الْمَوْزُونُ، وَالْمَعْدُودُ، وَالْجُزَافُ أَحْرَى فِي الْجَوَازِ.
وَقَوْلُهُ: قَبْلَ قَبْضِهِ وَأَحْرَى بَعْدَهُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ أَنْ يُشْرِكَ غَيْرَهُ] هُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: حَقِيقَةُ الشِّرْكَةِ هُنَا جَعْلُ مُشْتَرٍ قَدْرًا لِغَيْرِ بَائِعِهِ بِاخْتِيَارِهِ بِمَا اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ بِمَنَابِهِ مِنْ ثَمَنِهِ.
[قَوْلُهُ: فِي الْبَعْضِ] الْمُنَاسِبِ فِي الْكُلِّ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ أَنْ يُوَلِّيَ إلَخْ] فَحَقِيقَتُهَا أَنْ يَجْعَلَ الطَّعَامَ الَّذِي اشْتَرَاهُ لِغَيْرِ بَائِعِهِ بِثَمَنِهِ وَهُوَ فِي الطَّعَامِ غَيْرُ جُزَافٍ قَبْلَ كَيْلِهِ رُخْصَةً، فَمَنْ اشْتَرَى حِصَّةً مِنْ الطَّعَامِ عَلَى الْكَيْلِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا لِغَيْرِهِ بِثَمَنِهَا.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا بَأْسَ إلَخْ] إنَّمَا جَازَتْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتُ فِي طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِشَبَهِهَا بِالْقَرْضِ فِي الْمَعْرُوفِ.
تَنْبِيهٌ: شَرَطُوا لِجَوَازِ التَّوْلِيَةِ، وَالشِّرْكَةِ أَنْ يَسْتَوِيَ عَقْدَاهُمَا فِيهِمَا حُلُولًا وَتَأْجِيلًا وَرَهْنًا وَحَمِيلًا، وَفِي رَأْسِ الْمَالِ، وَأَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ عَيْنًا لَا عَرْضًا غَيْرَ مِثْلِيٍّ بِاتِّفَاقِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلَى الْقِيمَةِ فَيَكُونُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَإِنْ كَانَ عَرْضًا مِثْلِيًّا فَكَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا أَشْهَبَ، وَلَعَلَّ كَلَامَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمِثْلِيَّ قَدْ تَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ وَأَنْ لَا يَشْتَرِطَ الْمُشْرِكُ بِالْكَسْرِ عَلَى الْمُشْرَكِ بِفَتْحِهَا أَنْ يَنْقُدَ عَنْهُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ أَنْ يُقِيلَ إلَخْ] لَكِنَّ شَرْطَ ذَلِكَ أَنْ تَقَعَ الْإِقَالَةُ فِي الْجَمِيعِ وَكَوْنُ الطَّعَامِ بِبَلَدِ الْإِقَالَةِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَكَوْنُهَا بِمِثْلِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ لَا بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ فَيُمْنَعُ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ بَيْعٌ مُؤْتَنَفٌ لِأَجَلِهِ، وَإِذَا كَانَتْ فِي سَلَمٍ وَجَبَ فِيهِ تَعْجِيلُ رَأْسِ الْمَالِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ عَيْنًا فِي الْإِقَالَةِ، وَأَمَّا لَوْ وَقَعَتْ الْإِقَالَةُ مِنْ الْبَعْضِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَرْضًا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ مُطْلَقًا أَوْ عَيْنًا أَوْ طَعَامًا مَا لَمْ يُقْبَضْ أَوْ قُبِضَ، وَلَمْ يَغِبْ عَلَيْهِ أَوْ غَابَ غَيْبَةً لَمْ يُمْكِنْهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيهَا، وَأَمَّا لَوْ غَابَ غَيْبَةً يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيهَا لَمْ تَجُزْ فِي الْبَعْضِ، وَالطَّعَامُ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
وَمَفْهُومُ الْمَكِيلِ قَبْلَ قَبْضِهِ جَوَازُ الْإِقَالَةِ مِنْ الْجَمِيعِ الْمُشْتَرَى جُزَافًا أَوْ مَكِيلًا بَعْدَ قَبْضِهِ بِالْأَوْلَى.

[الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ]

[قَوْلُهُ: أَوْ بِإِجَارَةٍ إلَخْ] قَدَّرَ الْبَاءَ لِكَوْنِهِ مُلَاحَظًا تَقْدِيرُهَا فِي قَوْلِهِ بَيْعٌ، وَالتَّقْدِيرُ وَكُلُّ عَقْدٍ يَكُونُ بِبَيْعٍ أَوْ بِإِجَارَةٍ أَيْ يَكُونُ مُتَلَبِّسًا بِبَيْعٍ إلَخْ.
مِنْ الْتِبَاسِ الْعَامِّ بِالْخَاصِّ، وَلَا دَاعِيَ لِذَلِكَ لِصِحَّةِ الْمَعْنَى بِجَعْلِ الْإِضَافَةِ لِلْبَيَانِ.
[قَوْلُهُ:

لَا يَعْقِلُ مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ (بِخَطَرٍ أَوْ غَرَرٍ) أَيْ وَكَانَ فِيهِ خَطَرٌ أَوْ غَرُورُهُمَا لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا جُهِلَتْ عَيْنُهُ وَقِيلَ: مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ السَّلَامَةِ، وَالْعَطَبِ (فِي ثَمَنٍ أَوْ مَثْمُونٍ أَوْ أَجَلٍ فَلَا يَجُوزُ) مِثَالُهُ فِي الثَّمَنِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ سِلْعَةً بِبَعِيرِهِ الشَّارِدِ، وَمِثَالُهُ فِي الْمَثْمُونِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ عَبْدَهُ الْآبِقَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَمِثَالُهُ فِي الْأَجَلِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ سِلْعَةً إلَى قُدُومِ زَيْدٍ وَلَا يَدْرِي مَتَى يَقْدَمُ وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْغَرَرِ وَلَا بَيْعُ شَيْءٍ مَجْهُولٍ وَلَا إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ) مُكَرَّرٌ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ مَا قَبْلَهُ.

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسَائِلَ مَمْنُوعَةٍ فَقَالَ: (وَلَا يَجُوزُ فِي الْبُيُوعِ التَّدْلِيسُ) وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ بِسِلْعَتِهِ عَيْبًا فَيَكْتُمَهُ عَنْ الْمُشْتَرِي (وَلَا) يَجُوزُ (الْغِشُّ) وَهُوَ أَنْ يَخْلِطَ الشَّيْءَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ كَخَلْطِ الْعَسَلِ بِالْمَاءِ (وَلَا) تَجُوزُ

[حاشية العدوي]

وَعَدَمِهِ] ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ مَعَ عَدَمِ الْمَدِّ تَكُونُ الْهَمْزَةُ مَكْسُورَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ مَعَ عَدَمِ الْمَدِّ تَكُونُ الْهَمْزَةُ مَفْتُوحَةً وَهُوَ أَجْرٌ عَلَى وَزْنِ فَلْسٍ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَيُسْتَعْمَلُ الْأَجْرُ بِمَعْنَى الْإِجَارَةِ وَبِمَعْنَى الْأُجْرَةِ وَجَمْعُهُ أُجُورٌ مِثْلُ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ اهـ. [قَوْلُهُ: أَوْ بِكِرَاءٍ] فِيهِ مَا تَقَدَّمَ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِهِ أَيْ كَسَفِينَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَهُمَا لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ] أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِأَوْ يُنَافِي ذَلِكَ.
فَالْمُنَاسِبُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُمَا مُتَبَايِنَانِ، فَالْخَطَرُ مَا لَمْ يُتَيَقَّنُ وُجُودُهُ كَقَوْلِهِ: بِعْنِي فَرَسَك بِمَا أَرْبَحُ غَدًا، وَالْغَرَرُ مَا يُتَيَقَّنُ وُجُودُهُ وَشَكَّ فِي تَمَامِهِ كَبَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ مَا تَرَدَّدَ بَيْنَ السَّلَامَةِ] ، وَالْعَطَبِ هَذَا لَا يَشْمَلُ الْأَجَلَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَرَدُّدٌ بَيْنَ السَّلَامَةِ، وَالْعَطَبِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ فَاسِدِ بَيْعِ الْجُزَافِ وَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَعَرَّفَ ابْنُ عَرَفَةَ الْغَرَرَ بِقَوْلِهِ: مَا شَكَّ فِي حُصُولِ أَحَدِ عِوَضَيْهِ أَوْ الْمَقْصُودِ مِنْهُ غَالِبًا، مِثَالُ الْأَوَّلِ بَيْعُ الْعَبْدِ الْآبِقِ، وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ، وَمِثَالُ الثَّانِي بَيْعُ الْحَيَوَانِ الَّذِي فِي السِّبَاقِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ] خَبَرُ كُلٍّ الْوَاقِعِ مُبْتَدَأً وَقَرَتَهُ بِالْفَاءِ لِمَا فِي كُلٍّ مِنْ الْعُمُومِ فَاكْتَسَبَ شَبَهًا بِالشَّرْطِ.
[قَوْلُهُ: وَمِثَالُهُ إلَخْ] مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَمْثِلَةِ هُوَ فِي الْبَيْعِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مِثَالَيْ الثَّمَنِ، وَالْمَثْمُونِ يَأْتِيَانِ عَلَى التَّعْرِيفِ الثَّانِي لِلْغَرَرِ، وَمِثَالُ الْأَجَلِ يَأْتِي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا جُهِلَتْ عَيْنُهُ مَعْنَاهُ شَيْءٌ جُهِلَتْ عَيْنُهُ فَيُصَدَّقُ بِقُدُومِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ قُدُومَ زَيْدٍ مِنْ حَيْثُ زَمَنُهُ مَجْهُولٌ.
قَالَ فِي تَحْقِيقِ الْمَبَانِي: وَمِثَالُ الْغَرَرِ فِي الْإِجَارَةِ فِي الثَّمَنِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبٍ بِعَبْدٍ آبِقٍ، وَمِثَالُهُ فِي الْمَثْمُونِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ لِشَيْءٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ مَثَلًا وَلَا يُسَمِّي لَهُ فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهِ، وَمِثَالُهُ فِيهَا فِي الْأَجَلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ وَمِثَالُهُ فِي الْكِرَاءِ فِي الثَّمَنِ أَنْ يَكْتَرِيَ دَابَّةً أَوْ أَرْضًا بِجَنِينٍ أَوْ بَعِيرٍ شَارِدٍ، وَمِثَالُهُ فِي الْمَثْمُونِ أَنْ يَكْتَرِيَ حَانُوتًا وَلَا يُسَمِّيَ مَا يَضَعُ فِي الْحَانُوتِ وَلَا مَا يَزْرَعُ فِي الْأَرْضِ وَلَا عَادَةً، وَمِثَالُهُ فِي الْأَجَلِ أَنْ يَكْتَرِيَ مِنْهُ دَارًا أَوْ أَرْضًا إلَى أَنْ يَقْدَمَ غُلَامُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْغَرَرِ] كَبَيْعِهَا بِقِيمَتِهَا.
وَقَوْلُهُ: وَلَا بَيْعُ شَيْءٍ مَجْهُولٍ كَبَيْعِ مَا فِي صُنْدُوقِهِ أَوْ مَا فِي يَدِهِ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ الْمُشْتَرِي أَوْ الْبَائِعُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَلَا بَيْعُ شَيْءٍ إلَخْ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ ارْتَكَبَهُ إيضَاحًا لِلْمُبْتَدِي.
تَنْبِيهٌ: حُكْمُ مَا فِي الْغَرَرِ الْفَسْخُ قَبْلَ الْفَوَاتِ، فَإِنْ حَصَلَ الْفَوَاتُ بِتَغَيُّرِ الذَّاتِ فِي الْبَيْعِ أَوْ اُسْتُوْفِيَتْ الْمَنَافِعُ فِي الْإِجَارَةِ، وَالْكِرَاءِ فَالْوَاجِبُ فِي الْبَيْعِ غُرْمُ قِيمَةِ السِّلْعَةِ حَيْثُ اُتُّفِقَ عَلَى الْفَسَادِ، أَوْ الثَّمَنُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ، وَالْوَاجِبُ فِي الْمَنَافِعِ أُجْرَةُ أَوْ كِرَاءُ الْمِثْلِ إلَّا الْغَرَرُ الْيَسِيرُ لِلْحَاجَةِ لَمْ يُقْصَدْ فَلَا يَضُرُّ كَأَسَاسِ الدَّارِ الْمَبِيعَةِ وَكَالْجُبَّةِ الْمَحْشُوَّةِ، وَأَمَّا السَّمَكُ فِي الْمَاءِ، وَالطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ فَمُمْتَنِعٌ إجْمَاعًا.
وَقُلْنَا لَمْ يُقْصَدْ احْتِرَازًا عَنْ يَسِيرٍ يُقْصَدُ كَشِرَاءِ حَيَوَانٍ بِشَرْطِ الْحَمْلِ حَيْثُ كَانَ حَمْلُهُ يَزِيدُ فِي ثَمَنِهِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ بَعْضُ مَا قَبْلَهُ] أَيْ لِأَنَّ هَذَا فِي الْبَيْعِ فَقَطْ، وَمَا تَقَدَّمَ أَعَمُّ.

[مَسَائِلَ مَمْنُوعَةٍ فِي الْبَيْع]

[قَوْلُهُ: كَخَلْطِ الْعَسَلِ بِالْمَاءِ] أَوْ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ، وَكَسَقْيِ الْحَيَوَانِ عِنْدَ بَيْعِهِ لِيَظْهَرَ أَنَّهُ سَمِينٌ، وَكَتَطْرِيزِ الْكِتَابِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ مُقَابَلٌ،

(الْخِلَابَةُ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَهِيَ الْخَدِيعَةُ بِالْكَذِبِ فِي الثَّمَنِ أَوْ يَرْقُمُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهَا بِهِ، وَلَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ (وَلَا) يَجُوزُ (الْخَدِيعَةُ) وَهِيَ أَنْ يَخْدَعَهُ بِالْكَلَامِ حَتَّى يُوقِعَهُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: تَعَالَ اشْتَرِ مِنِّي وَأَنَا أُرَخِّصُ لَك.
وَقَوْلُهُ: (وَلَا) تَجُوزُ (كِتْمَان الْعُيُوبِ) هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْبُيُوعِ التَّدْلِيسُ (وَلَا) يَجُوزُ (خَلْطُ دَنِيءٍ) بِالْهَمْزِ (بِجَيِّدٍ) كَخَلْطِ حِنْطَةٍ دَنِيئَةٍ بِجَيِّدَةٍ (وَلَا) يَجُوزُ (أَنْ يَكْتُمَ مِنْ أَمْرِ سِلْعَتِهِ مَا) أَيْ شَيْئًا (إذَا ذَكَرَهُ كَرِهَهُ الْمُبْتَاعُ) كَثَوْبِ الْمَيِّتِ أَوْ الْمُجَذَّمِ (أَوْ كَانَ ذِكْرُهُ) أَيْ الشَّيْءِ (أَبْخَسَ) أَيْ أَنْقَصَ (لَهُ) أَيْ لِلْبَائِعِ (فِي الثَّمَنِ) كَالثَّوْبِ الْجَدِيدِ إذَا كَانَ نَجِسًا أَوْ مَغْسُولًا، وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِ الْغِشِّ مَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» . ك: لَا

[حاشية العدوي]

وَلَا يَخْفَى أَنَّ مِنْ إفْرَاطِ الْغِشِّ خَلْطَ جَيِّدٍ بِرَدِيءٍ مِنْ جِنْسِهِ فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ [قَوْلُهُ: وَهِيَ الْخَدِيعَةُ بِالْكَذِبِ فِي الثَّمَنِ] أَيْ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ: أَنَا أَخَذْتُهَا بِعِشْرِينَ دِينَارًا وَأَنَا أُنْقِصُ لَك مِنْ ذَلِكَ، أَوْ لَا يَقُولَ أَنَا أُنْقِصُهَا وَوَجْهُ كَوْنِهَا خَدِيعَةً إبْهَامُ أَنَّهَا جَيِّدَةٌ لِكَوْنِهَا بِثَمَنٍ كَثِيرٍ [قَوْلُهُ: أَوْ يَرْقُمَ عَلَيْهَا] بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: بِالْكَذِبِ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا﴾ [الشورى: 51] عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ وَحْيًا وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا غِشٌّ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَهُوَ كَذِبٌ، وَحُكْمُهُمَا مُخْتَلِفٌ فِي الْمُرَابَحَةِ فَفِي الْكَذِبِ عِنْدَ قِيَامِ السِّلْعَةِ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ الْكَذِبَ وَرِبْحَهُ بِخِلَافِ الْغِشِّ فَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ، وَإِنْ حَطَّ عَنْهُ بَائِعُهُ مَا غَشَّهُ بِهِ، فَالْمُشْتَرِي فِي حَالَةِ الْغِشِّ مَعَ قِيَامِ السِّلْعَةِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَرُدَّهَا وَيَرْجِعَ بِثَمَنِهِ، وَأَمَّا فِي حَالَةِ الْفَوَاتِ فَفِي الْغِشِّ أَقَلُّ الثَّمَنِ، وَالْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ، وَفِي الْكَذِبِ يُخَيَّرُ الْبَائِعُ بَيْنَ أَخْذِ الثَّمَنِ الصَّحِيحِ وَرِبْحِهِ أَوْ قِيمَتِهَا يَوْمَ الْقَبْضِ مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الْكَذِبِ وَرِبْحِهِ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِهِ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ أَنْ يَخْدَعَهُ إلَخْ] بِتَفْسِيرِ الشَّارِحِ الْمَذْكُورِ يُفْهَمُ أَنَّ عَطْفَ الْخَدِيعَةِ عَلَى الْخِلَابَةِ عَطْفٌ مُغَايِرٌ.
[قَوْلُهُ: وَأَنَا أُرَخِّصُ لَك] أَيْ أَوْ يُجْلِسُهُ عِنْدَهُ وَيُحْضِرُ لَهُ شَيْئًا مِنْ الْمَأْكُولِ، وَالْمَشْرُوبِ [قَوْلُهُ: دَنِيءٌ] بِالْهَمْزِ بِمَعْنَى دُونٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِمَعْنَى الْقَرِيبِ فَهُوَ غَيْرُ مَهْمُوزٍ ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ كَمَا قَالَهُ ك، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِنْ الْغِشِّ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ لِلِاخْتِيَارِ حَذْفَ قَوْلِهِ: وَلَا كِتْمَانُ الْعُيُوبِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ التَّدْلِيسِ الَّذِي قَدَّمَهُ، وَمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ تَكْرَارٌ مَعَ مَا قَبْلَهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: وَلَا كِتْمَانُ الْعُيُوبِ تَفْسِيرَ التَّدْلِيسِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا خَلْطُ دَنِيءٍ بِجَيِّدٍ تَفْسِيرٌ لِلْغِشِّ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُتَعَيِّنُ، وَأَمَّا إنْ خَلَطَهُ لِعَيْشِهِ وَبَاعَ فَضْلَةً اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِهِ كَمَا فِي تت.
تَنْبِيهٌ: يُعَاقَبُ مَنْ غَشَّ بِسَجْنٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ إخْرَاجٍ مِنْ السُّوقِ، وَلَوْ لَمْ يَعْتَدْ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَلَيْهِ يَصِحُّ رَدُّهُ بَعْدَ مُدَّةٍ يُرْجَى فِيهَا أَنَّهُ قَدْ تَابَ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ تَوْبَتُهُ [قَوْلُهُ: مَا إذَا ذَكَرَهُ كَرِهَهُ الْمُبْتَاعُ] مَفْهُومُهُ أَنَّ مَا لَا يَكْرَهُهُ الْمُبْتَاعُ لَا يَجِبُ بَيَانُهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ غَيْرُهُ [قَوْلُهُ: كَثَوْبِ الْمَيِّتِ] فَسَّرَ الشَّارِحُ بِذَلِكَ لِيُفِيدَ مُغَايَرَتَهُ لِلتَّدْلِيسِ [قَوْلُهُ: أَيْ أَنْقَصَ] الْمَعْنَى أَشَدُّ بَخْسًا أَيْ أَشَدُّ نَقْصًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُفَاضَلَةَ لَيْسَتْ مُرَادَةً فَالْمُرَادُ أَوْ كَانَ ذِكْرُهُ ذَا نَقْصٍ.
وَقَوْلُهُ: كَالثَّوْبِ الْجَدِيدِ إلَخْ مَثَّلَ الشَّارِحُ بِمَا يُفِيدُ مُغَايَرَةَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ كَانَ ذِكْرُهُ لِمَا قَبْلَهُ أَيْ يَبِيعُهُ ثَوْبًا جَدِيدًا فِيمَا يَقَعُ فِي ذِهْنِ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ طَاهِرٌ أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ مَغْسُولًا، وَالْوَاقِعُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِ الْغِشِّ إلَخْ] ذِكْرُ الدَّلِيلِ عَلَى تَحْرِيمِ الْغِشِّ دُونَ الْبَقِيَّةِ فَفِيهِ قُصُورٌ، فَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنْ الْخِدَاعِ فِي الْبَيْعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يَخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ: إذَا بَايَعْت فَقُلْ لَا خِلَابَةَ» وَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ بَابِ مَا يَمْحَقُ الْكَذِبَ، وَالْكِتْمَانَ فِي الْبَيْعِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» أَوْ قَالَ: «حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ» أَيْ صَاحِبُهَا.
وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ دَلِيلَ مَنْعِ بَيْعِ الْغَرَرِ فَرَاجِعْهُ [قَوْلُهُ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» ] قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: أَيْ لَيْسَ مَهْدِيًّا بِهَدْيِنَا وَلَا مُتَّبِعًا لِسُنَّتِنَا؛ لِأَنَّ

أَعْلَمُ خِلَافًا فِي تَحَرُّجِ الْغِشِّ، وَالْخَدِيعَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ مَعَهُمَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ مَمْنُوعَةٌ فِي الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهَا ضَرْبٌ مِنْ الْمَكْرِ، وَالْحِيَلِ عَلَى النَّاسِ، وَالتَّوَصُّلِ إلَى أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ

(وَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا) أَوْ غَيْرَهُ (فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا) يُمْكِنُ التَّدْلِيسُ بِهِ يُنْقِصُ مِنْ الثَّمَنِ كَثِيرًا (فَلَهُ) أَيْ لِلْمُبْتَاعِ الْخِيَارُ بَيْنَ (أَنْ يَحْبِسَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ) فِي مُقَابَلَةِ الْعَيْبِ الَّذِي وَجَدَهُ بِهِ (أَوْ يَرُدَّهُ وَيَأْخُذَ ثَمَنَهُ) إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِالرِّضَا أَوْ يَسْكُتَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا خِيَارَ لَهُ.
وَقَيَّدْنَا بِ يُمْكِنُ التَّدْلِيسُ بِهِ احْتِرَازًا مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّدْلِيسُ بِهِ إمَّا لِظُهُورِهِ كَالْعَوَرِ وَإِمَّا لِخَفَائِهِ كَالْخَشَبَةِ يَنْشُرُهَا فَيَجِدُهَا مَعْفُونَةً أَوْ جَوْزًا يَكْسِرُهُ فَيَجِدُهُ فَارِغًا فَإِنَّهُ لَا كَلَامَ لِلْمُشْتَرِي وَبِقَوْلِنَا: يُنْقِصُ إلَخْ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَ يَسِيرًا لَا يُنْقِصُ مِنْ الثَّمَنِ شَيْئًا فَإِنَّهُ لَا قِيَامَ لَهُ بِهِ، أَوْ كَانَ

[حاشية العدوي]

الْعَاصِيَ عِنْدَنَا لَا يَخْرُجُ عَنْ الْإِيمَانِ، نَعَمْ لَوْ اعْتَقَدَ حِلَّ ذَلِكَ كَفَرَ اهـ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى فَسَادِ بَيْعِ الْغَرَرِ كَجَنِينٍ، وَالطَّيْرِ، وَالْهَوَاءِ، وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ.
[قَوْلُهُ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا] أَيْ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فَهُوَ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ فِي تَحْرِيمِ إلَخْ لَا وَجْهَ لِذِكْرِ هَذَيْنِ وَإِحَالَةُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِمَا [قَوْلُهُ: لِأَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ مَمْنُوعَةٌ فِي الشَّرْعِ] أَيْ ثَبَتَ تَحْرِيمُهَا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَسَعُ أَحَدًا يُخَالِفُ بَلْ أُجْمِعَ عَلَيْهَا وَهَلْ ثُبُوتُهَا كُلُّهَا تَصْرِيحًا أَوْ الْبَعْضُ تَصْرِيحًا، وَالْبَعْضُ الْتِزَامًا تُرَاجَعُ الْأَحَادِيثُ.
[قَوْلُهُ: وَالْحِيَلِ] الْمُنَاسِبُ لِمَا قَبْلَهُ أَنْ يَقُولَ: وَالْحِيلَةُ وَعَطْفُ الْحِيَلِ عَلَى الْمَكْرِ عَطْفُ مُرَادِفٍ أَوْ كَالْمُرَادِفِ وَقَوْلُهُ: وَالتَّوَصُّلِ عَطْفُ مُسَبَّبٍ عَلَى سَبَبٍ.

[خِيَار النَّقِيصَة]

[قَوْلُهُ: فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا] لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي حِينَ الْعَقْدِ سَوَاءٌ عَلِمَ الْبَائِعُ بِذَلِكَ وَكَتَمَهُ وَقْتَ الْعَقْدِ أَوْ لَا إلَّا أَنَّهُ مَعَ الْعِلْمِ وَعَدَمِ الْبَيَانِ يَكُونُ مُدَلِّسًا وَيَأْثَمُ.
وَمِثْلُ الْقَدِيمِ الْحَادِثُ زَمَن

َ خِيَارِ التَّرَوِّي.

[قَوْلُهُ: أَنْ يَحْبِسَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ] فَإِنْ أَرَادَ الْمُبْتَاعُ حَبْسَهُ مَعَ الْأَرْشِ وَأَبَى الْبَائِعُ أَنْ يُعْطِيَ الْأَرْشَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْأَرْشِ مَعَ إمْكَانِ الرَّدِّ، وَأَمَّا إنْ فَاتَ الْمَبِيعُ عِنْدَهُ بِبَعْضِ وُجُوهِ الْفَوَاتِ فَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ، وَإِنَّمَا لَهُ الْأَرْشُ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِالرِّضَا] أَيْ أَوْ يَأْتِيَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِهِ كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ وَاسْتِخْدَامِ الْعَبْدِ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ [قَوْلُهُ: أَوْ يَسْكُتَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ] اعْلَمْ أَنَّ السُّكُوتَ لِعُذْرٍ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ مُطْلَقًا وَلِغَيْرِهِ فِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الْيَوْمِ رُدَّ بِلَا يَمِينٍ، وَإِنْ كَانَ كَالْيَوْمِ حَلَفَ وَرُدَّ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَلَا رَدَّ لَهُ.
وَانْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِنَحْوِ الْيَوْمِ كَذَا نَظَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْبَاقِي عَلَى خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: إمَّا لِظُهُورِهِ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَلَّ لَيْسَ بِصَوَابٍ، وَالصَّوَابُ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ الظَّاهِرِ كَالْعَوَرِ كَمَا لَهُ ذَلِكَ فِي الْخَفِيِّ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِيمَا إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ رَأَى الْعَيْبَ، فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ ظَاهِرًا فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَحْلِفُ مُطْلَقًا وَيَرُدُّ إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ تَمَسَّكَ وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْبَائِعُ وَلَا رَدَّ لِلْمُشْتَرِي فَإِنْ نَكَلَ فَلِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْعَيْبُ خَفِيًّا فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَحْلِفُ إلَّا إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ الْإِرَادَةَ.
قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلُ: وَلَمْ يَحْلِفْ مُشْتَرٍ اُدُّعِيَتْ رُؤْيَتُهُ إلَّا بِدَعْوَى الْإِرَادَةِ [قَوْلُهُ: كَالْخَشَبَةِ إلَخْ] لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مَعْفُونَةً أَنَّهَا كَذَاتِ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ، بَلْ الْمُرَادُ يَجِدُهَا مُتَغَيِّرَةً أَوْ مُثَقَّبَةً.
وَقَوْلُهُ أَوْ جَوْزًا بِالنَّصْبِ فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ نُسَخِ هَذَا الشَّارِحِ، وَالْمُنَاسِبُ جَوْزٍ بِالْجَرِّ مَعْطُوفٍ عَلَى الْخَشَبَةِ أَيْ وَكَمَرَارَةِ نَحْوُ الْقِثَّاءِ وَعَدَمِ حَلَاوَةٍ نَحْوُ الْبِطِّيخِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا كَلَامَ لِلْمُشْتَرِي] أَيْ لَا قِيمَةَ لَهُ فِيمَا وَجَدَهُ مِنْ الْجَوْزِ الْفَارِغِ، وَالْخَشَبِ الْمُسَوَّسِ، وَانْظُرْ هَلْ مِثْلُ ذَلِكَ وُجُودُ تَغَيُّرٍ بِبَطْنِ الشَّاةِ أَوْ بِلَحْمِهَا وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ عج فِي شَرْحِهِ لِخَلِيلٍ، ثُمَّ قَالَ: إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الرَّدَّ بِهِ فَيُعْمَلُ بِشَرْطِهِ، وَكَذَا إنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَبِقَوْلِنَا يُنْقِصُ إلَخْ] مِثَالُ الَّذِي يُنْقِصُ الْعَوَرَ، وَالْقَطْعَ، وَلَوْ أُنْمُلَةً أَوْ خِصَاءٌ وَعُسْرٌ وَزْنًا وَشُرْبٌ وَبَخَرٌ وَوُجُودُ وَالِدَيْنِ أَوْ وَلَدٍ لَا أَخٍ وَلَا جَدٍّ وَجُذَامُ أَبٍ أَوْ جُنُونُهُ بِطَبْعٍ لَا بِمَسِّ جِنٍّ وَكَرَهَصٍ وَعَثْرٍ وَحَرَنٍ وَعَدَمِ حَمْلٍ مُعْتَادٍ وَكَالدُّبُرِ وَتَقْوِيسِ الذِّرَاعَيْنِ وَقِلَّةِ الْأَكْلِ فِي الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ أَوْ الْعَاقِلِ الَّذِي يَنْقُصُ عَمَلُهُ بِسَبَبِ قِلَّةِ أَكْلِهِ، وَأَمَّا كَثْرَةُ الْأَكْلِ فَلَيْسَتْ عَيْبًا فِي الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ، وَأَمَّا فِي الْعَبْدِ، وَالْأَمَةِ فَيَظْهَرُ أَنَّهَا عَيْبٌ حَيْثُ خَرَجَتْ عَنْ الْمُعْتَادِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ

يَسِيرًا يُنْقِصُ مِنْ الثَّمَنِ يَسِيرًا فَلَا خِيَارَ لَهُ، إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الرِّبَاعِ، وَالْعَقَارِ وَلَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ خَاصَّةً، وَاخْتُلِفَ فِي الْعُرُوضِ فَقِيلَ: لَا خِيَارَ لَهُ وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ خَاصَّةً، وَقِيلَ: لَهُ الْخِيَارُ وَيَأْخُذُ ثَمَنَهُ ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْمُبْتَاعِ إذَا وَجَدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا فِي حَبْسِهِ أَوْ رَدِّهِ فَقَالَ: (إلَّا أَنْ يَدْخُلَهُ) أَيْ الْمَبِيعُ (عِنْدَهُ) أَيْ الْمُبْتَاعِ (عَيْبٌ مُفْسِدٌ) أَيْ مُنْقِصٌ مِنْ الثَّمَنِ كَثِيرًا (فَلَهُ) أَيْ لِلْمُبْتَاعِ (أَنْ يَرْجِعَ) عَلَى الْبَائِعِ (بِقِيمَةِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ مِنْ الثَّمَنِ) الَّذِي أَخَذَهُ (أَوْ يَرُدَّهُ) أَيْ الْمَبِيعَ (وَيَرُدَّ مَعَهُ مَا نَقَصَهُ الْعَيْبُ) الْحَادِثُ (عِنْدَهُ) ظَاهِرُهُ، وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: أَنَا أَقْبَلُهُ

[حاشية العدوي]

تَخْيِيرِ مَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا بِأَكْلِهِ فَوَجَدَهُ أَكُولًا قَالَهُ الشَّيْخُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ يَسِيرًا يُنْقِصُ] اعْلَمْ أَنَّ الشَّخْصَ إذَا اشْتَرَى دَارًا ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا جِدًّا لَا يُنْقِصُ مِنْ الثَّمَنِ كَسُقُوطِ شُرَّافَةٍ وَنَحْوِهَا أَوْ قَلِيلًا لَا جِدًّا كَصَدْعٍ يَسِيرٍ بِحَائِطٍ لَمْ يُخَفْ عَلَى الدَّارِ السُّقُوطُ مِنْهُ خِيفَ عَلَى الْجِدَارِ أَمْ لَا، أَوْ كَثِيرًا كَصَدْعِ حَائِطٍ خِيفَ عَلَى الدَّارِ السُّقُوطُ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا جِدًّا فَلَا رَدَّ بِهِ لِلْمُشْتَرِي وَلَا قِيمَةَ عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لَا جِدًّا وَهُوَ الْمُتَوَسِّطُ فَلَا رَدَّ لَهُ أَيْضًا لَكِنْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَى بَائِعِهِ بِأَرْشِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الْقَلِيلِ لَا جِدًّا فَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ لِلْعَادَةِ وَهُوَ الْأَصْلُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَا دُونَ الثُّلُثِ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ وَيَرْجِعَ بِثَمَنِهِ أَوْ يَتَمَسَّكَ وَلَا شَيْءَ لَهُ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَيُحْمَلُ قَوْلُ الشَّارِحِ أَوْ كَانَ يَسِيرًا يُنْقِصُ مِنْ الثَّمَنِ يَسِيرًا عَلَى الْمُتَوَسِّطِ.
[قَوْلُهُ: فِي الرَّبَاعِ جَمْعُ رَبْعٍ مَنْزِلُ الْقَوْمِ] أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ فَعَطَفَ الْعَقَارَ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَرْضِ، وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ بِنَاءٍ أَوْ شَجَرٍ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَهُ الْخِيَارُ إلَخْ] هُوَ الرَّاجِحُ، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ ثَابِتٌ فِي الْقَلِيلِ كَالْكَثِيرِ إلَّا فِي الدُّورِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: ثُمَّ اسْتَثْنَى] أَيْ مَحَلَّ مَا تَقَدَّمَ أَنْ لَا يَتَغَيَّرَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا لَوْ تَغَيَّرَ عِنْدَهُ قَبْلَ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْعَيْبِ فَتَغَيُّرُهُ عَلَى أَقْسَامٍ مُتَوَسِّطٍ وَمُخْرِجٍ عَنْ الْمَقْصُودِ كَهَرَمِ الدَّابَّةِ وَقَطْعِ الشَّفَةِ قَطْعًا غَيْرَ مُعْتَادٍ وَقَلِيلٍ جِدًّا، وَأَشَارَ لِلتَّوَسُّطِ بِقَوْلِهِ: إلَّا أَنْ يَدْخُلَهُ [قَوْلَهُ: أَيْ مُنْقِصٌ مِنْ الثَّمَنِ كَثِيرًا] مُرَادُهُ بِهِ الْمُتَوَسِّطُ كَعَجَفِ الدَّابَّةِ أَوْ عَمَى أَوْ شَلَلِ أَوْ تَزْوِيجِ الْأَمَةِ، وَأَمَّا الْمُخْرِجُ عَنْ الْمَقْصُودِ كَكِبَرِ الصَّغِيرِ وَهَرَمِ الْكَبِيرِ وَافْتِضَاضِ الْبِكْرِ فَهُوَ مُفَوِّتٌ لِلرَّدِّ وَمُوجِبٌ لِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعَ بِأَرْشِ الْقَدِيمِ فَيُقَوَّمُ سَالِمًا مِنْ كُلِّ عَيْبٍ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ سَالِمٌ، فَإِذَا قِيلَ قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ يُقَالُ: وَمَا قِيمَتُهُ مَعِيبًا بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ، فَإِذَا قِيلَ ثَمَانِيَةٌ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِخُمُسِ الثَّمَنِ فِي هَذَا الْمِثَالِ.
وَأَمَّا إذَا حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ قَلِيلٌ جِدًّا كَرَمَدٍ وَصُدَاعٍ وَخَفِيفِ حُمَّى وَوَطْءِ ثَيِّبٍ فَحُكْمُهُ كَالْمُتَوَسِّطِ إذَا قَالَ الْبَائِعُ: أَقْبَلُهُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ وَذَهَابُ الْأُنْمُلَةِ مِنْ الْمُتَوَسِّطِ فِي الرَّائِعَةِ وَذَهَابُ الْأُصْبُعِ مِنْ الْمُتَوَسِّطِ مُطْلَقًا.
وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ الرَّدُّ بِالْقَدِيمِ، وَلَوْ قَلَّ بِخِلَافِ الْحَادِثِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ يُتَوَقَّعُ تَدْلِيسُهُ بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ التَّسْوِيَةُ قَالَهُ فِي شَرْحِ الشَّامِلِ.
[قَوْلُهُ: فَلَهُ أَيْ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَرْجِعَ] . حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُقَوَّمُ صَحِيحًا وَبِالْقَدِيمِ وَبِالْحَادِثِ حَيْثُ اخْتَارَ الرَّدَّ وَوَجْهُ تَقْوِيمِهِ سَلِيمًا وَمَعِيبًا بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ مَا أَشَارَ لَهُ ابْنُ يُونُسَ بِقَوْلِهِ: يُقَوَّمُ صَحِيحًا وَمَعِيبًا بِالْقَدِيمِ لِيُعْلَمَ النَّقْصُ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَسْقُطَ نِسْبَتُهُ مِنْ الثَّمَنِ وَيَصِيرَ مَا عَدَا الْمُسْقِطَ هُوَ الْأَصْلُ فِي الثَّمَنِ، أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَادِثِ فَإِذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ صَحِيحًا مِائَةً وَمَعِيبًا بِالْقَدِيمِ ثَمَانِينَ، فَالنَّقْصُ عِشْرُونَ فَيُنْقَصُ مِنْ الثَّمَنِ خَمْسَةٌ، فَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ خَمْسِينَ يُنْقَصُ خَمْسَةٌ وَهُوَ عَشَرَةٌ، وَإِذَا قَوَّمْنَاهُ ثَالِثًا بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ، وَالْقَدِيمِ بِسِتِّينَ فَقَدْ نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهِ بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ رُبُعُهُ؛ لِأَنَّهُ نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ بِالْعَيْبَيْنِ عَنْ قِيمَتِهِ بِعَيْبِهِ الْقَدِيمِ رُبْعُهُ اهـ. أَيْ فَيُرَدُّ فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ عَشَرَةٌ الَّتِي هِيَ رُبْعُ الْأَرْبَعِينَ، فَإِنْ اخْتَارَ التَّمَاسُكَ قَوَّمَ تَقْوِيمَيْنِ صَحِيحًا وَبِالْقَدِيمِ فَقَطْ لِيُعْلَمَ النَّقْصُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَرْجِعَ بِهِ أَوْ يُسْقِطَ بِنِسْبَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَيَصِيرَ الثَّمَنُ مَا عَدَاهُ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي التَّقْوِيمِ يَوْمُ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَضَمَانُ الْمُشْتَرِي يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ كَوْنِ الْمَبِيعِ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا، ثُمَّ الصَّحِيحُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَشْيَاءِ الْمَبِيعَةِ فَقَدْ يَكُونُ الْمَبِيعُ أَمَةً مُوَاضَعَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَأُجْرَةُ الْمُقَوِّمِ عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي بَابِ الْفَسَادِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هُنَا كَذَلِكَ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ

بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ لَا مَقَالَ لِلْمُشْتَرِي مُطْلَقًا.

، وَإِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ بَعْدَ أَنْ اطَّلَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبِهِ وَقَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْبَائِعُ فَهُوَ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ إنْ رَضِيَ بِالْقَبْضِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ أَوْ ثَبَتَ عِنْدَ حَاكِمٍ، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِالرَّدِّ.

(وَإِنْ رَدَّ) الْمُبْتَاعُ (عَبْدًا) كَانَ (أَوْ غَيْرَهُ بِ) سَبَبِ (عَيْبٍ وَ) لِلْحَالِ أَنَّهُ (قَدْ اسْتَغَلَّهُ) غَلَّةً غَيْرَ مُتَوَلِّدَةٍ كَالْخِدْمَةِ (فَلَهُ غَلَّتُهُ) إلَى حِينِ الْفَسْخِ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِذَلِكَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ فَإِذَا فُسِخَ فَالْغَلَّةُ حِينَئِذٍ لِلْبَائِعِ كَالْغَلَّةِ الْمُتَوَلِّدَةِ كَالْوَلَدِ» .

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى خِيَارِ النَّقِيصَةِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى خِيَارِ التَّرَوِّي فَقَالَ: (وَالْبَيْعُ عَلَى الْخِيَارِ) مِنْ الْبَائِعِ

[حاشية العدوي]

بَعْضُهُمْ.
[قَوْلُهُ: وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ لَا مَقَالَ لِلْمُشْتَرِي مُطْلَقًا] أَيْ لَا نَقُولُ إنَّ لَهُ مَقَالًا مُطْلَقًا بَلْ يُفَصِّلُ فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَقْبَلُهُ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ فَإِمَّا أَنْ يَرُدَّهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَوْ يَتَمَاسَكَ وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ فَهُوَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ قَرَّرَهُ لِي بَعْضُ شُيُوخِنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ هُوَ الرَّاجِحُ.
تَنْبِيهٌ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْعَيْبِ الَّذِي يَثْبُتُ أَنَّهُ قَدِيمٌ.
وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ التَّنَازُعُ فِي قِدَمِ الْعَيْبِ أَوْ حُدُوثِهِ أَوْ تَنَازَعَا فِي وُجُودِ عَيْبٍ مِثْلِهِ يَخْفَى وَعَدَمِ وُجُودِهِ فَالْحُكْمُ فِي الثَّانِي قَبُولُ قَوْلِ الْبَائِعِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ إلَّا بِشَهَادَةٍ عَادَةٍ لِلْمُشْتَرِي وَمَعْنَى شَهَادَةِ الْعَادَةِ أَنْ يَقُولَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ إنَّهُ حَادِثٌ، وَكُلُّ مَنْ قَطَعَتْ لَهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ فَالْقَوْلُ لَهُ بِلَا يَمِينٍ وَمَنْ رُجِّحَتْ لَهُ فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينٍ وَعِنْدَ الْإِشْكَالِ الْقَوْلُ لِلْبَائِعِ بِيَمِينٍ.

[قَوْلُهُ: أَوْ ثَبَتَ عِنْدَ حَاكِمٍ] أَيْ ثَبَتَ مُوجِبُ الرَّدِّ عِنْدَ حَاكِمٍ، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِالرَّدِّ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ حَاضِرًا وَأَمَّا لَوْ كَانَ غَائِبًا فَلَا يَنْتَقِلُ إلَى ضَمَانِهِ إلَّا بِالْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ

[قَوْلُهُ: كَالْخِدْمَةِ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ، وَالْكِرَاءِ، وَذَكَرَ أَيْضًا عَنْ الْفَاكِهَانِيِّ أَنَّ اللَّبَنَ، وَالسَّمْنَ لَهُ، وَأَمَّا الصُّوفُ فَمَا كَانَ بَيْنَ الرَّدِّ، وَالشِّرَاءِ فَلِلْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَ الصُّوفُ تَامًّا يَوْمَ الشِّرَاءِ رُدَّ مِثْلُهُ إنْ فَاتَ وَلَا بُدَّ مِنْ لُزُومِ الْبَيْعِ فَلَا غَلَّةَ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الْفُضُولِيِّ مَعَ عِلْمِهِ إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ، فَإِنَّ الْغَلَّةَ حِينَئِذٍ تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي.
[قَوْلُهُ: فَلَهُ غَلَّتُهُ إلَخْ] الْمُرَادُ غَلَّةٌ لَا يَكُونُ اسْتِيفَاؤُهَا دَالًّا عَلَى الرِّضَا وَهِيَ مَا نَشَأَ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ كَلَبَنٍ، وَلَوْ فِي غَيْرِ زَمَنِ الْخِصَامِ إلَّا لِطُولِ سُكُوتِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ أَوْ عَنْ تَحْرِيكٍ، وَاسْتَوْفَاهَا قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَيْبِ كَرُكُوبِهِ دَابَّةً وَاسْتِخْدَامِ رَقِيقٍ أَوْ بَعْدَهُ حَيْثُ كَانَ اسْتِيفَاؤُهَا غَيْرَ مُنْقِصٍ كَسُكْنَى الدَّارِ فِي زَمَنِ الْخِصَامِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَالْغَلَّةُ لَهُ مِنْ غَيْرِ غَايَةٍ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الرِّضَا فَلَا فَسْخَ لَهُ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ وَاسْتِخْدَامِ الرَّقِيقِ، وَلَوْ فِي زَمَنِ الْخِصَامِ وَسُكْنَى الدَّارِ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَيْبِ فِي غَيْرِ زَمَنِ الْخِصَامِ [قَوْلُهُ: «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -] فِيمَنْ ابْتَاعَ غُلَامًا وَأَقَامَ عِنْدَهُ مُدَّةً ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ وَجَاءَ بِهِ إلَى الرَّسُولِ لِيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَقَالَ صَاحِبُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ اسْتَغَلَّ غُلَامِي فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» . [قَوْلُهُ: الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ] قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَ إذَا كَانَ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي فَغَلَّتُهُ لَهُ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ مَضْمُونًا عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا تَابَ حُكِمَ بِتَلَفِهِ مِنْ مَالِهِ، وَهَذَا الْعَبْدُ كَذَلِكَ فَوَجَبَ إذَا رَدَّهُ أَنْ يَكُونَ الْخَرَاجُ لَهُ [قَوْلُهُ: كَالْوَلَدِ] سَوَاءٌ اشْتَرَاهَا حَامِلًا لَهُ أَوْ حَمَلَتْ عِنْدَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الْوِلَادَةِ إلَّا أَنْ يُنْقِصَهَا ذَلِكَ فَيَرُدَّ مَعَهَا مَا نَقَصَهَا.
ابْنُ يُونُسَ: إنْ كَانَ فِي الْوَلَدِ مَا يُجْبِرُ النَّقْصَ جَبَرَهُ اهـ. تَنْبِيهٌ: لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ لَا يَرُدُّ الْمُشْتَرِي الْغَلَّةَ بِالشُّفْعَةِ لَا غَلَّةَ لِلشَّفِيعِ عَلَى مَنْ أَخَذَ مِنْهُ بِالشُّفْعَةِ فِيمَا اسْتَغَلَّهُ، وَالتَّفْلِيسِ، وَالِاسْتِحْقَاقِ، وَالْفَسَادِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ مَنْ صَارَ إلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ إمَّا بِشِرَاءٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ؛ لِأَنَّهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ

[خِيَار التَّرَوِّي]

[قَوْلُهُ: خِيَارُ النَّقِيصَةِ] عَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: لَقَبٌ بِتَمْكِينِ الْمُبْتَاعِ مِنْ رَدِّ مَبِيعِهِ عَلَى بَائِعِهِ لِنَقْصِهِ

أَوْ الْمُبْتَاعِ أَوْ كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَهُوَ بَيْعُ وَقْفٍ بَتَّهُ أَوْ لَا عَلَى إمْضَاءٍ يُتَوَقَّعُ (جَائِزٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» . رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَهُ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْقَوْلِ لَا بِالْمَجْلِسِ، وَالْمِلْكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْخِيَارِ شَرْطٌ وَهُوَ (إذَا ضَرَبَا لِذَلِكَ أَجَلًا) فَإِنْ اشْتَرَطَا الْخِيَارَ وَلَمْ يَضْرِبَا لِذَلِكَ أَجَلًا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَيُضْرَبُ لِلسِّلْعَةِ أَجَلُ الْخِيَارِ فِي مِثْلِهَا، وَيُشْتَرَطُ فِي الْأَجَلِ أَنْ يَكُونَ (قَرِيبًا) وَنِهَايَتُهُ (إلَى مَا تُخْتَبَرُ فِيهِ تِلْكَ السِّلْعَةُ) الْمَبِيعَةُ (أَوْ) إلَى (مَا تَكُونُ فِيهِ الْمَشُورَةُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الشِّينِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَبِضَمِّ الشِّينِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ الْمَشُورَةَ؛ لِأَنَّهَا أَصْلٌ، وَالِاخْتِبَارُ فَرْعٌ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَا فَقَالَ الْمُشْتَرِي: ادْفَعْ إلَيَّ السِّلْعَةَ لِأَخْتَبِرَهَا، وَقَالَ الْبَائِعُ: لَا

[حاشية العدوي]

عَنْ حَالَةِ بِيَعٍ عَلَيْهَا غَيْرِ قِلَّةِ كَمِّيَّةٍ قَبْلَ ضَمَانِهِ مُبْتَاعَهُ، فَقَوْلُهُ لِنَقْصِهِ أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا أَقَالَهُ الْبَائِعُ مِنْ الْمَبِيعِ فَإِنَّ لَهُ رَدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ.
وَقَوْلُهُ: غَيْرِ قِلَّةِ كَمِّيَّةٍ صِفَةٌ لِحَالَةٍ أَخْرَجَ بِهِ صُورَةَ اسْتِحْقَاقِ الْجُلِّ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي.
وَقَوْلُهُ: قَبْلَ ضَمَانِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّقْصِ وَمُبْتَاعُهُ فَاعِلٌ بِالْمَصْدَرِ وَلَمْ يَقُلْ قَبْلَ بَيْعِهِ لِيَدْخُلَ فِي ذَلِكَ الْعَيْبُ الَّذِي يَحْدُثُ فِي السِّلْعَةِ بَعْدَ الْبَيْعِ فِي مُدَّةِ ضَمَانِ الْبَائِعِ كَالْحَادِثِ فِي الْمَبِيعِ الْغَائِبِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَفِي الْأَمَةِ زَمَنَ مُوَاضَعَتِهَا.
[قَوْلُهُ: التَّرَوِّي] أَيْ فِي أَخْذِ السِّلْعَةِ وَرَدِّهَا [قَوْلُهُ: بَيْعٌ وَقَفَ بَتُّهُ أَوَّلًا عَلَى إمْضَاءٍ يُتَوَقَّعُ] خَرَجَ الْبَيْعُ اللَّازِمُ ابْتِدَاءً وَلَكِنْ يَئُولُ إلَى خِيَارٍ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَيْبِ فَهَذَا لَمْ يَتَوَقَّفْ بَتُّهُ أَوَّلًا وَيُسَمَّى كَمَا تَقَدَّمَ خِيَارَ النَّقِيصَةِ، وَهَذَا الْخِيَارُ إنَّمَا يَكُونُ بِالشَّرْطِ أَوْ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَنَا كَالشَّرْطِ.
[قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] إلَخْ] أَيْ وَالْبَيْعُ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَ عَلَى الْخِيَارِ أَوْ الْبَتِّ [قَوْلُهُ: لَا بِالْمَجْلِسِ] أَيْ كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ.
قَالَ عج: إنَّ اشْتِرَاطَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِي الْعَقْدِ يُفْسِدُهُ.
قَالَ الشَّيْخُ: وَلِي فِيهِ بَحْثٌ مَعَ قَوْلِهِمْ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ الْمَدْخُولِ فِيهِ عَلَى مَشُورَةِ شَخْصٍ قَرِيبٍ وَلَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِمُجَرَّدِ جَهْلِ زَمَنِ الْخِيَارِ، ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي عَدَمُ الْفَسَادِ بِاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ لِأَحَدِهِمَا مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ لِقِصَرِ زَمَنِ الْمَجْلِسِ عُرْفًا عَنْ مُدَّةِ الْمَشُورَةِ.
[قَوْلُهُ: إذَا ضَرَبَا لِذَلِكَ أَجَلًا] أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا الْأَوَّلُ ظَاهِرٌ، وَالثَّانِي كَمَا إذَا كَانَ لَهُمْ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ فِي أَجَلِ الْخِيَارِ وَقَدْ دَخَلُوا عَلَى الْخِيَارِ وَلَمْ يُصَرِّحَا بِالْأَجَلِ إلَّا أَنَّهُمَا دَاخِلَانِ مَعْنًى عَلَيْهِ، فَيَكُونُ عَدَمُ الْجَوَازِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُرْفٌ أَصْلًا لَمْ يُصَرِّحَا بِشَيْءٍ أَوْ عُرْفٌ زَائِدٌ عَلَى الْأَجَلِ الشَّرْعِيِّ بِكَثِيرٍ وَقَدْ دَخَلُوا مَعْنًى عَلَيْهِ أَوْ دَخَلُوا صَرِيحًا عَلَى مُدَّةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الشَّرْعِيِّ بِكَثِيرٍ، أَوْ دَخَلُوا عَلَى مُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ كَإِلَى قُدُومِ زَيْدٍ وَلَا يُعْلَمُ لِقُدُومِهِ أَمَدٌ كَانَ لَهُمْ عُرْفٌ أَمْ لَا فِي هَذَيْنِ وَلَا شَكَّ فِي الْفَسَادِ فِيمَا عَدَا الْأَوَّلَ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَفَسَدَ لِمُدَّةٍ زَائِدَةٍ أَوْ مَجْهُولَةٍ.
وَأَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُرْفٌ بِشَيْءٍ وَلَا يُصَرِّحَا بِشَيْءٍ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَهُوَ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَإِنْ اشْتَرَطَا الْخِيَارَ وَلَمْ يَضْرِبَا لِذَلِكَ أَجَلًا وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ غَيْرِهِ فَلَوْ وَقَعَ عَلَى الْخِيَارِ وَلَمْ يَذْكُرَا مُدَّةً مَعْلُومَةً وَلَا مَجْهُولَةً صَحَّ، وَحُمِلَ عَلَى الْخِيَارِ مِثْلُ تِلْكَ السِّلْعَةِ فَيَكُونُ مِنْ غَيْرِ الْجَائِزِ مَا هُوَ صَحِيحٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ فَاسِدٌ.
فَقَوْلُهُ: صَحَّ الْبَيْعُ أَيْ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ إلَّا أَنَّهُ يُعَارِضُ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهَا قَالَتْ: وَمَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا بِالْخِيَارِ وَلَمْ يَضْرِبَا لَهُ أَمَدًا جَازَ الْبَيْعُ وَجُعِلَ لَهُ مِنْ الْأَمَدِ مَا يَنْبَغِي.
[قَوْلُهُ: أَجَلُ الْخِيَارِ فِي مِثْلِهَا] سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ، فَالْخِيَارُ فِي الثَّوْبِ إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَى مَا تُخْتَبَرُ فِيهِ تِلْكَ السِّلْعَةُ هَذَا هُوَ الَّذِي يَأْتِي تَفْصِيلُهُ، وَكَذَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُ قَوْلِهِ أَوْ إلَى مَا تَكُونُ فِيهِ الْمَشُورَةُ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا أَصْلٌ، وَالِاخْتِبَارُ فَرْعٌ] اُنْظُرْ هَذَا مَعَ أَنَّهُ عَلَى الْمَشُورَةِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ عَلَى الْمَشُورَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ أَيْ وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْعُهُ كَمَذْهَبِ أَحْمَدَ، أَيْ وَأَمَّا لِلِاخْتِبَارِ فَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ خُصُوصًا وَقَدْ وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْأَصَالَةِ كَثْرَةَ الْوُقُوعِ، وَالْفَرْعِيَّةُ عَدَمُهَا.
[قَوْلُهُ: وَفَائِدَةُ ذَلِكَ] مُحَصِّلُ مَا تَتَّضِحُ بِهِ الْمَسْأَلَةُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِاخْتِبَارِ الثَّمَنِ أَوْ لِلتَّرَوِّي فِي

أَدْفَعُهَا لَك، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْبَيْعُ لِأَجْلِ الْمَشُورَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى الْأَصْلَ.
وَالْمَشُورَةُ تَكُونُ فِي قِلَّةِ الثَّمَنِ أَوْ كَثْرَتِهِ، وَفِي الْإِقْدَامِ عَلَى الشِّرَاءِ أَوْ عَلَى الْبَيْعِ، وَالِاخْتِبَارُ يَكُونُ فِي حَالَةِ السِّلْعَةِ وَهُوَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ السِّلْعَةِ، فَالْخِيَارُ فِي الثَّوْبِ الْيَوْمُ، وَالْيَوْمَانِ وَشَبَهُ ذَلِكَ، وَفِي الدَّابَّةِ تُرْكَبُ الْيَوْمُ، وَالْيَوْمَانِ، وَالثَّلَاثَةُ، وَفِي الرَّقِيقِ الْخَمْسَةُ أَيَّامٍ، وَالْجُمُعَةُ لِاخْتِبَارِ حَالِهِ وَعَمَلِهِ، وَفِي الدَّارِ الشَّهْرُ وَنَحْوُهُ، وَرُوِيَ، وَالشَّهْرَانِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ عَلَى الْمَشُورَةِ

[حاشية العدوي]

إمْضَاءِ الْعَقْدِ وَعَدَمِهِ فَمَحَلُّ السِّلْعَةِ عِنْدَ الْبَائِعِ إذَا تَنَازَعَا فِيمَنْ تَكُونُ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ لِاخْتِبَارِ أَكْلِ السِّلْعَةِ أَوْ عَمَلِهَا أَوْ لَبَنِهَا فَمَحَلُّهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ تَسْلِيمُهَا لِلْمُشْتَرِي إنْ بَيَّنَ ذَلِكَ وَقْتَ الْعَقْدِ، فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ وَاتَّفَقَا عَلَى الْإِطْلَاقِ لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا وَادَّعَى كُلٌّ نَقِيضَ قَصْدِ صَاحِبِهِ فُسِخَ الْبَيْعُ حَتَّى يَحْصُلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى شَيْءٍ.
[قَوْلُهُ: لَاخْتَبَرَهَا] أَيْ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ لِأَجْلِ الِاخْتِبَارِ [قَوْلُهُ: فِي قِلَّةِ الثَّمَنِ] يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ جَانِبِ الْمُشْتَرِي أَوْ الْبَائِعِ، أَيْ فَالْبَائِعُ يَقُولُ: أُشَاوِرُ إنْ كَانَ الثَّمَنُ كَثِيرًا بِعْت، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا رَدَدْت، وَالْمُشْتَرِي بِعَكْسِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَفِي الْإِقْدَامِ عَلَى الشِّرَاءِ نَاظِرٌ لِلْمُشْتَرِي.
وَقَوْلُهُ: أَوْ عَلَى الْبَيْعِ نَاظِرٌ لِلْبَائِعِ.
[قَوْلُهُ: فَالْخِيَارُ فِي الثَّوْبِ إلَخْ] وَمِثْلُهُ بَقِيَّةُ الْمَعْرُوضِ وَمِنْهَا الْكُتُبُ، وَالْمِثْلِيَّاتُ [قَوْلُهُ: وَشَبَهُ ذَلِكَ] قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَكَثَلَاثَةٍ فِي ثَوْبٍ، وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إلْحَاقُ السُّفُنِ بِالثَّوْبِ فَيَكُونُ الْخِيَارُ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَنَظَّرَ فِيهَا بَعْضُهُمْ.
[قَوْلُهُ: وَفِي الدَّابَّةِ تُرْكَبُ] اعْلَمْ أَنَّ الدَّابَّةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ لَيْسَ شَأْنُهَا أَنْ تُرْكَبَ كَالْبَقَرِ، وَالْغَنَمِ أَوْ شَأْنُهَا أَنْ تُرْكَبَ وَلَمْ يُشْتَرَطْ اخْتِبَارُهَا بِالرُّكُوبِ بَلْ كَانَ الْمَقْصُودُ اخْتِبَارُ حَالِهَا بِكَثْرَةِ أَكْلٍ وَقِلَّتِهِ، فَالْخِيَارُ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامِ وَنَحْوِهَا.
وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ اخْتِبَارُهَا بِرُكُوبِهَا فِي الْبَلَدِ فَالْخِيَارُ فِيهَا يَوْمٌ وَشَبَهُهُ لَكِنْ تُرْكَبُ عَلَى الْعَادَةِ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ اخْتِبَارُ رُكُوبِهَا خَارِجَ الْبَلَدِ فَالْخِيَارُ فِيهَا بَرِيدٌ وَنَحْوُهُ، فَلَوْ شَرَطَ اخْتِبَارَهَا لِلرُّكُوبِ وَغَيْرِهِ كَمَعْرِفَةِ أَكْلِهَا فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَنَحْوِهَا إذَا تُقُرِّرَ ذَلِكَ.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَفِي الدَّابَّةِ تُرْكَبُ الْيَوْمَ، وَالْيَوْمَيْنِ، وَالثَّلَاثَةَ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِي دَابَّةٍ لَيْسَ شَأْنُهَا أَنْ تُرْكَبَ إلَى آخِرِ مَا قُلْنَا [قَوْلُهُ: وَالْخَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَالْجُمُعَةَ] بَلْ وَالْعَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَاسْتِخْدَامُهُ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ اخْتِبَارُ حَالِهِ فَقَطْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الْخِدْمَةُ يَسِيرَةً لَا ثَمَنَ لَهَا، وَأَنْ يَكُونَ الرَّقِيقُ مِنْ عَبِيدِ الْخِدْمَةِ فَإِنْ كَانَ ذَا صَنْعَةٍ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ إنْ أَمْكَنَ مَعْرِفَتُهَا بِدُونِهِ وَهُوَ عِنْدَ الْبَائِعِ وَإِلَّا اسْتَعْمَلَهُ وَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ، وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ شَيْءٍ مِنْ كَسْبِهِ أَوْ تَجْرِهِ لِلْمُشْتَرِي وَلِلْمُشْتَرِي اسْتِخْدَامُ الْأُنْثَى دُونَ غَيْبَتِهِ عَلَيْهَا بِأَنْ تُجْعَلَ الْأَمَةُ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ وَتَأْتِي وَقْتَ الْخِدْمَةِ.
وَقَوْلُهُ: وَعَمَلِهِ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ [قَوْلُهُ: وَفِي الدَّارِ الشَّهْرُ وَنَحْوُهُ] وَهُوَ سِتَّةُ أَيَّامٍ أَيْ لِاخْتِبَارِ جُدُرِهَا وَأُسُسِهَا وَمَرَافِقَهَا وَمَكَانِهَا وَجِيرَانِهَا، وَمِثْلُ الدَّارِ الْأَرْضُ وَبَقِيَّةُ أَنْوَاعِ الْعَقَارِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَا بَعْدَهُ ضَعِيفٌ كَمَا أَفَادَهُ عج [قَوْلُهُ: وَرُوِيَ، وَالشَّهْرَانِ] جَعَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ خِلَافًا وَابْنُ يُونُسَ وَابْنُ رُشْدٍ تَفْسِيرًا لِلْمَذْهَبِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَسْكُنَهَا إذَا كَانَ كَثِيرًا بِشَرْطٍ أَوْ غَيْرِهِ لِاخْتِبَارِ حَالِ الْمَبِيعِ أَمْ لَا، وَيَفْسُدُ الْبَيْعُ بِاشْتِرَاطِهِ هَذَا إذَا كَانَ بِلَا أَجْرٍ فَإِنْ كَانَ بِهِ جَازَ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ يَسِيرًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِاخْتِبَارِ حَالِهَا فَيَجْرِي فِيهِ مَا جَرَى فِي الْكَثِيرِ، وَإِنْ كَانَ لِاخْتِبَارِ حَالِهَا فَتَجُوزُ بِشَرْطٍ وَبِدُونِهِ، وَلَوْ بِلَا عِوَضٍ، وَمُدَّةُ الْخِيَارِ فِي الْفَوَاكِهِ، وَالْخُضَرِ قَدْرُ مَا يُشَاوِرُ النَّاسَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ مِمَّا لَا يَقَعُ فِيهِ تَغْيِيرٌ وَلَا فَسَادٌ، وَاسْتُظْهِرَ أَنَّ يَابِسَهَا كَلَوْزٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَالَ بَعْضٌ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَ رُكُوبِ الدَّابَّةِ الْحَرْثُ عَلَيْهَا، وَالطَّحْنُ، وَالْحَمْلُ، وَالدَّرْسُ، وَالسَّقْيُ اهـ. فَيَكُونُ الْخِيَارُ كَيَوْمٍ.
وَقَرَّرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الدَّابَّةِ الطَّيْرُ كَالدَّجَاجِ، وَالْإِوَزِّ فَالْخِيَارُ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ وَنَحْوُ الدَّجَاجِ، وَالطُّيُورِ وَبَقِيَّةِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَا عَمَلَ لَهَا مُدَّةَ الْخِيَارِ مَا لَا تَتَغَيَّرُ فِيهِ.
تَتِمَّةٌ: بَقِيَ مَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلتَّرَوِّي فِي الثَّمَنِ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ الشَّارِحُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الْمَشُورَةَ وَاخْتِبَارَ حَالِ الْمَبِيعِ

أَيْ مَشُورَةِ شَخْصٍ هُوَ الْمَشْهُورُ لَكِنْ يُشْتَرَطُ حُضُورُهُ أَوْ قُرْبُ غَيْبَتِهِ أَمَّا إذَا اشْتَرَطَ مَشُورَةَ شَخْصٍ بَعِيدٍ عَنْ مَوْضِعِهِ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ كَمَا يَفْسُدُ إذَا كَانَ أَمَدُ الْخِيَارِ زَائِدًا عَلَى التَّحْدِيدِ السَّابِقِ أَوْ مَجْهُولًا كَقَوْلِهِ: إلَى قُدُومِ زَيْدٍ وَلَا أَمَدَ لَهُ عِنْدَهُمْ وَلَا أَمَارَةَ.

(وَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِي) بَيْعِ (الْخِيَارِ وَلَا فِي) الْبَيْعِ عَلَى (عُهْدَةِ الثَّلَاثِ) وَهِيَ بَيْعُ الرَّقِيقِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَى الْبَائِعِ فِيمَا يَظْهَرُ فِيهِ مِنْ الْعُيُوبِ مُدَّةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَابْتِدَاؤُهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ مِنْ الْمُسْتَقْبَلِ.
(وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا النَّقْدُ (فِي) بَيْعِ الْأَمَةِ (الْمُوَاضَعَةُ) وَهِيَ أَنْ تُوقَفَ الْجَارِيَةُ الْعَلِيَّةُ أَوْ الَّتِي أَقَرَّ الْبَائِعُ بِوَطْئِهَا عَلَى يَدِ أَمِينٍ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ هَلْ رَحِمُهَا مَشْغُولٌ أَمْ لَا، وَلَا تُجْعَلُ عَلَى يَدِ أَمِينٍ لَا أَهْلَ لَهُ، وَيُكْرَهُ أَنْ تُجْعَلَ عَلَى يَدِ الْمُبْتَاعِ لِلتُّهْمَةِ عَلَى الْوَطْءِ، وَيُجْزِئُ وَكَذَلِكَ الْبَائِعُ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ النَّقْدُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ إذَا كَانَ (بِشَرْطِ النَّقْدِ) ؛ لِأَنَّهُ تَارَةً يَصِيرُ بَيْعًا وَتَارَةً سَلَفًا، فَإِنْ وَقَعَ فُسِخَ الْبَيْعُ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ بِغَيْرِ شَرْطٍ جَازَ وَهُوَ كَذَلِكَ لِبُعْدِ التُّهْمَةِ

[حاشية العدوي]

وَالْحُكْمَ فِيهِ كَمَا إذَا كَانَ لِاخْتِبَارِ حَالِ الْمَبِيعِ، أَيْ فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَبِيعِ.
وَقِيلَ: إنْ كَانَ لِلتَّرَوِّي فِي الثَّمَنِ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مُطْلَقًا.
[قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا اشْتَرَطَ مَشُورَةَ شَخْصٍ بَعِيدٍ عَنْ مَوْضِعِهِ] الْمُرَادُ بِالْبُعْدِ أَنْ لَا يُعْلَمَ مَا عِنْدَهُ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَمَا أُلْحِقَ بِهَا أَيْ كَالسِّتَّةِ أَيَّامٍ زِيَادَةً عَنْ الشَّهْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلدَّارِ بِأَمَدٍ بَعِيدٍ أَيْ لَهُمَا أَوْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ أَرَ تَحْدِيدَ الْبُعْدِ.
[قَوْلُهُ: كَمَا يَفْسُدُ إذَا كَانَ أَمَدُ الْخِيَارِ زَائِدًا عَلَى التَّحْدِيدِ السَّابِقِ] أَيْ أَنَّ الْبَيْعَ يَكُونُ فَاسِدًا إذَا وَقَعَ عَلَى خِيَارٍ أَكْثَرَ مِنْ خِيَارِ تِلْكَ السِّلْعَةِ، وَمَا أُلْحِقَ بِهِ بِكَثِيرٍ.
تَنْبِيهٌ: مَا يَقْطَعُ الْخِيَارَ إمَّا قَوْلٌ كَ رَضِيتُ أَوْ فِعْلٌ كَكِتَابَةِ الْعَبْدِ أَوْ تَزْوِيجِهِ أَوْ قَصْدُ تَلَذُّذٍ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَلَا أَمَارَةَ] أَيْ وَلَا عَلَامَةَ وَهُوَ عَطْفٌ مُغَايِرٌ

[قَوْلُهُ: فِيمَا يَظْهَرُ فِيهِ مِنْ الْعُيُوبِ إلَخْ] لَا مَفْهُومَ لِلْعُيُوبِ بَلْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ بِكُلِّ مَا حَدَثَ فِيهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فِي زَمَنِهَا حَتَّى الْمَوْتِ مَا عَدَا ذَهَابَ الْمَالِ، فَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا وَاشْتَرَطَ مَالَهُ ثُمَّ ذَهَبَ فِي زَمَنِ الْعُهْدَةِ فَلَا يُرَدُّ بِهِ [قَوْلُهُ: وَابْتِدَاؤُهُ] الْأَنْسَبُ وَابْتِدَاؤُهَا أَيْ الْمُدَّةِ أَيْ إنْ وَقَعَ الْعَقْدُ بَعْدَ الْفَجْرِ فَلَا يُحْسَبُ ذَلِكَ الْيَوْمُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ [قَوْلُهُ: أَوْ الَّتِي إلَخْ] أَيْ الْوَخْشُ الَّتِي أَقَرَّ الْبَائِعُ بِوَطْئِهَا.
وَأَمَّا الْأَمَةُ الَّتِي لَا تَتَوَاضَعُ وَهِيَ الْوَخْشُ الَّتِي لَمْ يُقِرَّ الْبَائِعُ بِوَطْئِهَا فَإِنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ عِنْدَ مُشْتَرِيهَا، وَلَا يَمْتَنِعُ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ لِثَمَنِهَا، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ غَلَبَةُ تَوَقُّعِ حَمْلٍ مَنْ تَتَوَاضَعُ وَنُدْرَةُ حَمْلِ غَيْرِهَا [قَوْلُهُ: حَتَّى يَتَبَيَّنَ هَلْ رَحِمُهَا إلَخْ] أَيْ بِحَيْضَةٍ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ وَبِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إنْ كَانَتْ يَائِسَةً مِنْ الْحَيْضِ لِصِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا أَمِنَتْ الْحَمْلَ أَمْ لَا.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَيْ رَجُلٌ لَهُ أَهْلٌ أَوْ امْرَأَةٌ وَلَكِنْ يُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى يَدِ النِّسَاءِ وَيُكْتَفَى بِامْرَأَةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ زَمَنَ الْمُوَاضَعَةِ كَانَ عَيْبًا فِي الْعَلِيَّةِ يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي فِي رَدِّهَا، وَالتَّمَاسُكِ بِهَا إذَا كَانَ الْحَمْلُ مِنْ غَيْرِ السَّيِّدِ، وَأَمَّا مَنْعُهُ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ يُفْسَخُ بَيْعُهَا [قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ أَنْ تُجْعَلَ عَلَى يَدِ الْمُبْتَاعِ] ، وَكَذَا الْبَائِعُ أَيْ إنْ كَانَ كُلٌّ مَأْمُونًا وَإِلَّا فَيَحْرُمُ [قَوْلُهُ: إذَا كَانَ بِشَرْطِ النَّقْدِ إلَخْ] ظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَلَوْ أُسْقِطَ بَلْ، وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ نَقْدٌ بِالْفِعْلِ وَلَا يُقَالُ الْعِلَّةُ إنَّمَا تَظْهَرُ مَعَ النَّقْدِ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا كَانَ النَّقْدُ بِالْفِعْلِ يَصْحَبُ الشَّرْطَ غَالِبًا نَزَلَ غَيْرُ الْحَاصِلِ مَنْزِلَةَ الْحَاصِلِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَسَائِلُ تَفْسُدُ مَعَ شَرْطِ النَّقْدِ لَا مَعَ عَدَمِهِ: بَيْعُ الْغَائِبِ وَأَرْضٌ لَمْ يُؤْمَنْ رَيُّهَا وَجُعْلٌ وَإِجَارَةٌ بِجَذِّ زَرْعٍ وَأُجْبِرَ تَأَخَّرَ شَهْرًا.
وَبَقِيَ مَسَائِلُ أَرْبَعٌ يَمْتَنِعُ النَّقْدُ فِيهَا، وَلَوْ تَطَوُّعًا أَشَارَ لَهَا الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَمُنِعَ، وَإِنْ بِلَا شَرْطٍ فِي مُوَاضَعَةٍ وَغَائِبٌ وَكِرَاءٌ ضَمِنَ وَسَلَّمَ بِخِيَارٍ فَقَوْلُهُ بِخِيَارٍ رَاجِعٌ لِلْأَرْبَعِ مَسَائِلَ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ النَّقْدُ، وَلَوْ تَطَوُّعًا لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ فَسْخِ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ.
وَقَوْلُ خَلِيلٍ: وَكِرَاءٌ ضَمِنَ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ الْمَضْمُونُ، وَالْمُعَيَّنُ سَوَاءٌ.

فصول الكتاب · 3 فصل · 596 صفحة
جارٍ التحميل