حاشية العدوي على كفاية الطالب الربانيصفحات 158-197
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابٌ فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ

صفحات 158-197

فِي ذَلِكَ

(وَالنَّفَقَةُ) ، وَالْكِسْوَةُ (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ وَعَلَى عُهْدَةِ الثَّلَاثِ وَعَلَى الْمُوَاضَعَةِ (وَالضَّمَانُ عَلَى الْبَائِعِ) مَا ذَكَرَهُ فِي النَّفَقَةِ فِي الثَّلَاثِ لَا كَلَامَ فِيهِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الضَّمَانِ هُوَ كَذَلِكَ فِي الْعُهْدَةِ، وَالْمُوَاضَعَةِ.
وَأَمَّا فِي الْخِيَارِ فَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ ذَكَرَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَهُوَ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي فَضَمَانُهُ مِنْهُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ فَيَبْرَأَ، وَلَمَّا تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرُ الْمُوَاضَعَةِ بَيَّنَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ فِي كُلِّ الْإِمَاءِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا يَتَوَاضَعُ) وُجُوبًا (لِلِاسْتِبْرَاءِ) جَارِيَتَانِ الْجَارِيَةُ (الَّتِي) تَكُونُ (لِلْفِرَاشِ فِي الْأَغْلَبِ) ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ الْبَائِعُ بِوَطْئِهَا إذْ الْغَالِبُ فِيمَنْ هِيَ كَذَلِكَ أَنْ تُوطَأَ، فَنَزَلَ الْأَغْلَبُ مَنْزِلَةَ الْمُحَقَّقِ احْتِيَاطًا لِلْفُرُوجِ (أَوْ) الْجَارِيَةُ (الَّتِي أَقَرَّ الْبَائِعُ بِوَطْئِهَا، وَإِنْ كَانَتْ وَخْشًا) خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ حَمَلَتْ فَتُرَدُّ (وَلَا تَجُوزُ الْبَرَاءَةُ فِي الْحَمْلِ) إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ عَلْيَاءَ وَلَمْ يَطَأْهَا الْبَائِعُ، فَلَوْ تَبَرَّأَ مِنْ حَمْلِهَا فُسِخَ الْبَيْعُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ عَلَى

[حاشية العدوي]

تَنْبِيهٌ: مَوْضُوعُ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ دَخَلَا عَلَى شَرْطِ الْمُوَاضَعَةِ، وَأَمَّا لَوْ شَرَطَا عَدَمَ الْمُوَاضَعَةِ أَوْ كَانَ الْعُرْفُ جَارِيًا بِعَدَمِهَا كَمَا فِي بِيَاعَاتِ مِصْرَ فَلَا يَضُرُّ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ وَلَكِنْ لَا يُقَرَّانِ عَلَى تَرْكِ الْمُوَاضَعَةِ بَلْ تُنْزَعُ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي وَيُجْبَرَانِ عَلَى وَضْعِهَا تَحْتَ يَدٍ أَمِينَةٍ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ تَارَةً يَصِيرُ بَيْعًا] أَيْ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ، وَالثَّمَنِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: لِبُعْدِ التُّهْمَةِ أَيْ لَا يُتَّهَمَانِ عَلَى الدُّخُولِ عَلَى التَّرَدُّدِ إذَا كَانَ النَّقْدُ تَطَوُّعًا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ، وَالثَّمَنِيَّةِ إنَّمَا يَضُرُّ إذَا كَانَا دَاخِلَيْنِ عَلَيْهِ بِاشْتِرَاطِ النَّقْدِ فَتَدَبَّرْ

[قَوْلُهُ: وَالنَّفَقَةُ] مُبْتَدَأٌ، وَالضَّمَانُ عَطْفٌ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: عَلَى الْبَائِعِ خَبَرٌ [قَوْلُهُ: وَالْكِسْوَةُ] حُلَّةٌ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَاصِرٌ حَيْثُ لَمْ يَنُصَّ عَلَى الْكِسْوَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ النَّفَقَةِ الْكِسْوَةَ فَتَدَبَّرْ [قَوْلُهُ: مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ] أَيْ الَّذِي لَا يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ كَالْحَيَوَانِ، وَلَوْ صَغِيرًا وَمِثْلُهُ الْعَقَارُ.
وَقَوْلُهُ: فَضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ أَيْ إذَا لَمْ يَظْهَرْ كَذِبُ الْمُشْتَرِي وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ حَلِفِهِ، وَلَوْ غَيْرَ مُتَّهَمٍ وَصِفَةُ يَمِينِهِ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا أَنْ يَقُولَ: لَقَدْ ضَاعَتْ فِي دَعْوَى الضَّيَاعِ أَوْ تَلِفَتْ فِي دَعْوَى التَّلَفِ، وَمَا فَرَّطْت.
وَغَيْرُ الْمُتَّهَمِ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ مَا فَرَّطْت.
[قَوْلُهُ: فَضَمَانُهُ مِنْهُ] أَيْ مِنْ الْمُشْتَرِي.
وَعِبَارَةُ تت: وَأَمَّا بَيْعُ الْخِيَارِ فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ بِيَدِ الْبَائِعِ فَضَمَانُهُ مِنْهُ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ أَوْ لِلْمُبْتَاعِ أَوْ لَهُمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا، وَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ الْمُبْتَاعُ وَهُوَ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ، فَإِنْ ظَهَرَ هَلَاكُهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ خَفِيَ وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِهِ وَادَّعَى هَلَاكَهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ اُسْتُظْهِرَ عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ، وَإِنْ ظَهَرَ كَذِبُهُ كَدَعْوَاهُ مَوْتَ دَابَّةٍ بِحَضَرٍ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ الْجِيرَانُ لَمْ يُصَدَّقْ وَيَضْمَنُ حِينَئِذٍ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ فَضَمَانُهُ مِنْهُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ بِغَيْرِ سَبَبِهِ اهـ. وَهِيَ أَتَمُّ مِنْ عِبَارَةِ شَارِحِنَا.
تَنْبِيهٌ: لَوْ ادَّعَى الْمُبْتَاعُ أَنَّ الْمَبِيعَ هَلَكَ أَيَّامَ الْخِيَارِ وَقَالَ الْبَائِعُ بَلْ بَعْدَ أَيَّامِ الْخِيَارِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ بِيَمِينِهِ هَذَا إذَا تَصَادَقَا عَلَى انْقِضَاءِ أَيَّامِ الْخِيَارِ، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى الْبَائِعُ انْقِضَاءَهَا، وَالْمُشْتَرِي الْبَقَاءَ فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي الَّذِي أَنْكَرَ التَّقَضِّي [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَتَوَاضَعُ] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْمُوَاضَعَةِ بِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ إيقَافِ الْجَارِيَةِ الْعَلِيَّةِ أَوْ الَّتِي أَقَرَّ الْبَائِعُ بِوَطْئِهَا تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ، وَقَوْلُهُ: فِي الْأَغْلَبِ مُتَعَلِّقٌ بِالْكَوْنِ الْمُقَدَّرِ الَّذِي أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ الَّتِي تَكُونُ إلَخْ.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ ذَاتُ زَوْجٍ وَذَاتُ حَمْلٍ وَمُعْتَدَّةٌ مِنْ وَفَاةٍ أَوْ مِنْ طَلَاقٍ وَمُسْتَبْرَأَةٌ مِنْ غَصْبٍ وَمُسْتَبْرَأَةٌ مِنْ زِنًا، وَكَذَا الَّتِي لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا اُنْظُرْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: احْتِيَاطًا لِلْفُرُوجِ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ احْتِيَاطًا لِلْأَنْسَابِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ وَخْشًا] الْوَاوُ لِلْحَالِ [قَوْلُهُ: عَلْيَاءَ] بِفَتْحِ الْعَيْنِ مَعَ الْمَدِّ وَضَمِّهَا مَعَ الْقَصْرِ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يَطَأْهَا الْبَائِعُ] أَيْ أَوْ وَطِئَ وَاسْتَبْرَأَ، وَأَمَّا لَوْ وَطِئَ وَلَمْ يَسْتَبْرِئْ فَلَا وَحَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ مَتَى قَصَدَ التَّبَرِّي امْتَنَعَ إنْ وَطِئَ، وَلَمْ يَسْتَبْرِئْ عَلَيْهِ أَوْ وَخْشًا ظَاهِرَةَ الْحَمْلِ أَوْ

الْمَشْهُورِ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ (حَمْلًا ظَاهِرًا) فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ اشْتِرَاطُ الْبَرَاءَةِ مِنْ حِمْلِهَا، وَقَيَّدْنَا بِالْعَلْيَاءِ احْتِرَازًا مِنْ الْوَخْشِ فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ اشْتِرَاطَ الْبَرَاءَةِ مِنْ حِمْلِهَا مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْحَمْلُ ظَاهِرًا أَمْ لَا، إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّيِّدِ وَكَانَ دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَمَّا إذَا كَانَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهِيَ مَرِيضَةٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَلْيَاءِ وَغَيْرِهَا كَثْرَةُ الْغَرَرِ فِيهَا وَقِلَّتُهُ فِي الْوَخْشِ إذْ الْعَلِيَّةُ يَحُطُّ الْحَمْلُ مِنْ ثَمَنِهَا كَثِيرًا إذَا ظَهَرَ بِهَا بِخِلَافِ الْوَخْشِ (وَالْبَرَاءَةُ فِي الرَّقِيقِ جَائِزَةٌ) ظَاهِرُهُ أَنَّ غَيْرَ الرَّقِيقِ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْبَرَاءَةُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَالْجَوَازُ مُقَيَّدٌ بِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْبَائِعُ) أَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّ بِهِ عَيْبًا وَتَبَرَّأَ مِنْهُ فَلَا يُفِيدُهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَهُ لِلْمُشْتَرِي وَلَا يُجْمِلُ فِي الْبَيَانِ.
وَالْآخَرُ ذَكَرَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَهُوَ أَنْ تَطُولَ إقَامَتُهُ عِنْدَهُ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا مَثَلًا فَبَاعَهُ بِقُرْبِ مَا اشْتَرَاهُ وَشَرَطَ الْبَرَاءَةَ فَإِنَّهُ لَا

[حاشية العدوي]

خَفِيَّتَهُ، فَإِنْ لَمْ يَطَأْ أَوْ اسْتَبْرَأَ جَازَ التَّبَرِّي فِي ظَاهِرَتِهِ عَلِيَّةً أَوْ وَخْشًا، وَفِي خَفِيَّتِهِ فِي الْوَخْشِ دُونَ الْعَلِيَّةِ وَأَمَّا إذَا قَصَدَ اسْتِزَادَةَ الثَّمَنِ امْتَنَعَ فِي ثَمَانِ صُوَرٍ عَلِيَّةً أَوْ وَخْشًا ظَاهِرَةَ الْحَمْلِ أَمْ لَا وَطِئَهَا ادَّعَى اسْتِبْرَاءً أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِمَا قَصَدَ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِزَادَةِ فِي الْوَخْشِ؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُ فِي ثَمَنِهَا، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي حَيَوَانٍ غَيْرِ آدَمِيٍّ؛ لِأَنَّ النَّسْلَ يُقْصَدُ مِنْ الْبَهِيمَةِ كَثِيرًا، وَعَلَى التَّبَرِّي فِي الرَّائِعَةِ لِنَقْصِ ثَمَنِهَا بِالْوَطْءِ غَالِبًا.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فُسِخَ وَيَلْزَمُ مِنْ الْفَسْخِ بُطْلَانُ الشَّرْطِ، وَالْمُقَابِلُ يَقُولُ بِعَدَمِ الْفَسْخِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ حَمْلًا ظَاهِرًا] جَعَلَ حَمْلًا فِي الْمَتْنِ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ الْمَحْذُوفَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا، عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي الْحَمْلِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إلَّا الْحَمْلِ بِالْجَرِّ بَدَلَ مِنْ الْحَمْلِ الْمَجْرُورِ بِمِنْ وَهُوَ الْأَوْلَى فِي الْمُسْتَثْنَى بَعْدَ النَّفْيِ أَوْ شَبَهِهِ.
[قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّيِّدِ] أَيْ وَمَحَلُّ جَوَازِ التَّبَرِّي مِنْ الْحَمْلِ الظَّاهِرِ مُطْلَقًا، وَالْخَفِيِّ فِي الْوَخْشِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ مِنْ سَيِّدِهَا بَلْ إذَا وَطِئَهَا وَلَمْ يَسْتَبْرِئْ لَا يَجُوزُ التَّبَرِّي مِنْ حِمْلِهَا.
[قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا كَانَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْحَامِلَ فِي السَّادِسِ أَوْ السَّابِعِ يَجُوزُ بَيْعُهَا مُطْلَقًا، كَانَتْ مِمَّا يَعْقِلُ أَمْ لَا، وَالتَّفْصِيلُ، أَيْ بَيْنَ الَّتِي كَمَّلَتْ سِتَّةً أَوْ لَا إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَتْ هِيَ الْمُتَوَلِّيَةَ لِلْعَقْدِ، أَيْ بَائِعَةً لَا مَعْقُودًا عَلَيْهَا فَإِنْ قُلْت مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الظَّاهِرِ، وَالْخَفِيِّ فِي الرَّائِعَةِ حَيْثُ جَازَ التَّبَرِّي فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي قُلْت هُوَ الْغَرَرُ فِي الْخَفِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَجُوزُ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ بِخِلَافِ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ يَتَحَقَّقُ وُجُودُهُ فَلَا غَرَرَ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَالْبَرَاءَةُ فِي الرَّقِيقِ] أَيْ بِأَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى مُشْتَرِيهِ عَدَمَ رَدِّهِ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ يَظْهَرُ كَإِبَاقٍ أَوْ سَرِقَةٍ قَالَ ابْنُ عُمَرَ يُرِيدُ فِي غَيْرِ الْحَمْلِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلُ: وَلَا تَجُوزُ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْحَمْلِ إلَّا حَمْلًا ظَاهِرًا فَإِنْ تَبَرَّأَ أَوْ حَصَلَ عَيْبٌ فِيهِ فَعَلَى الْبَائِعِ الْيَمِينُ لِلْمُبْتَاعِ أَنَّهُ مَا عَلِمَهُ، وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُبْتَاعِ وَيَحْلِفُ أَنَّهُ عَلِمَهُ وَكَتَمَهُ أَوَّلًا وَقِيلَ لَا تُرَدُّ عَلَيْهِ اهـ. [قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ أَنَّ غَيْرَ الرَّقِيقِ إلَخْ] أَيْ لِأَنَّ الرَّقِيقَ يُمْكِنُهُ التَّحَيُّلُ بِكَتْمِ عُيُوبِهِ أَوْ بَعْضِهَا بِخِلَافِ غَيْرِهِ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ تَحَيُّلٌ فَلَا يَجُوزُ لِبَائِعٍ نَحْوُ جَمَلِ التَّبَرِّي مِنْ عَيْبِهِ فَشَرْطُ الْبَرَاءَةِ فِيهِ بَاطِلٌ، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ فَمَتَى ظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ وَثَبَتَ قَدَمُهُ عِنْدَ الْبَائِعِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُبْتَاعُ عِنْدَ الْعَقْدِ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، وَلَوْ تَبَرَّأَ الْبَائِعُ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ] وَقِيلَ تُفِيدُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ عَرْضٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ لِمَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ.
[قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْبَائِعُ إلَخْ] يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ الرَّقِيقَ مُبَاعٌ، وَأَمَّا عَبْدُ الْقَرْضِ فَلَا يَجُوزُ التَّبَرِّي فِيهِ لَا أَخْذًا وَلَا رَدًّا، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِدُخُولِهِ عَلَى سَلَفٍ جَرَّ نَفْعًا وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَدَائِهِ إلَى تُهْمَةِ ضَمَانٍ بِجُعْلٍ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَجْمُلُ فِي الْبَيَانِ] فَإِذَا كَانَ الْعَيْبُ ظَاهِرًا كَالْعَوَرِ، وَالْقَطْعِ فَيُرِيهِ لَهُ وَنَحْوُ الْإِبَاقِ، وَالسَّرِقَةِ وَصَفَهُ وَصْفًا شَافِيًا بَعْدَ بَيَانِ أَنَّهُ بِهِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ يَأْبَقُ أَوْ يَسْرِقُ وَبَعْدَ ذَلِكَ يُفَصِّلُ لَهُ بِأَنْ يَقُولَ: أَبَقَ عِنْدِي مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ سَرَقَ مِرَارًا الْأَمْرَ الْفُلَانِيَّ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ رُبَّمَا يَغْتَفِرُ سَرِقَةَ نَحْوِ الرَّغِيفِ، وَلَا يَكْفِي الْإِجْمَالُ بِأَنْ يَقُولَ فِيهِ جَمِيعُ الْعُيُوبِ، وَإِذَا قَالَ سَارِقٌ فَقِيلَ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ فِي الْبَرَاءَةِ مِنْ يَسِيرِ السَّرِقَةِ دُونَ الْمُتَفَاحِشِ، وَعَلَيْهِ الْبِسَاطِيُّ، وَالنَّقْلُ يُوَافِقُهُ.
وَقِيلَ: لَا يَنْفَعُهُ مُطْلَقًا.
قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ:، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي الْيَسِيرِ، وَالْكَثِيرِ لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ.
[قَوْلُهُ: وَالْآخَرُ ذَكَرَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ]

يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ

(وَلَا يُفَرَّقُ) بِمَعْنَى لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ (بَيْنَ الْأُمِّ) مِنْ النَّسَبِ فَقَطْ (وَبَيْنَ وَلَدِهَا فِي الْبَيْعِ) وَنَحْوِهِ كَهِبَةِ الثَّوَابِ سَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا كَافِرًا، وَالْآخَرُ مُسْلِمًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعُ، وَالْمُشْتَرِي مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ، وَالْآخَرُ كَافِرٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ التَّفْرِقَةَ مُمْتَنِعَةٌ، وَلَوْ رَضِيَتْ الْأُمُّ بِذَلِكَ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ لِلْوَلَدِ فِي الْحَضَانَةِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْحَقَّ لِلْأُمِّ فَإِنْ رَضِيَتْ بِالتَّفْرِقَةِ صَحَّ الْبَيْعُ، وَتَقْيِيدُنَا الْأُمَّ بِالنَّسَبِ احْتِرَازًا مِنْ الْأُمِّ مِنْ الرَّضَاعِ فَإِنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوَلَدِ جَائِزَةٌ وَبِفَقَطْ احْتِرَازًا مِنْ غَيْرِهَا كَالْأَبِ فَإِنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَلَدِ جَائِزَةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ جَوَازُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَنْعُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَالْمَنْعُ مِنْ التَّفْرِقَةِ مُغَيَّا بِغَايَةٍ وَهِيَ (حَتَّى يَثْغِرَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ بِمَعْنَى حَتَّى تَسْقُطَ أَسْنَانُهُ قَالَهُ ك، وَفِي ضَبْطِ غَرِيبٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ يُثْغِرَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَسُكُونِ الثَّاءِ أَيْ تَسْقُطَ أَسْنَانُهُ الرَّوَاضِعُ، أَوْ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ أَوْ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ لَمْ تَنْبُتْ أَسْنَانُهُ بَعْدَ سُقُوطِ الرَّوَاضِعِ اهـ. فَإِذَا أَثْغَرَ جَازَتْ التَّفْرِقَةُ حِينَئِذٍ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ أُمِّهِ فِي أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَمَنَامِهِ وَقِيَامِهِ.

[حاشية العدوي]

أَيْ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ أَيْ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ ذَكَرَ الْأَوَّلَ أَيْضًا [قَوْلُهُ: أَنْ تَطُولَ إقَامَتُهُ إلَخْ] أَيْ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِهِ لَظَهَرَ لَهُ لَا إنْ بَاعَهُ بِفَوْرِ شِرَائِهِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِذَلِكَ وَهُوَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ

[قَوْلُهُ: وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْأُمِّ وَبَيْنَ وَلَدِهَا] يَسْتَثْنِي الْحَرْبِيَّةَ فَإِنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا جَائِزَةٌ، وَكَذَا لِلْمُعَاهَدِ التَّفْرِقَةُ، وَيُكْرَهُ لَنَا الِاشْتِرَاءُ مِنْهُ مُفَرَّقًا، وَيُجْبَرُ الْمُشْتَرِي، وَالْبَائِعُ عَلَى الْجَمْعِ فِي مِلْكِ مُسْلِمٍ غَيْرِهِمَا أَوْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَلَا يُفْسَخُ؛ لِأَنَّهُ إذَا فُسِخَ رَجَعَ إلَى مِلْكِ الْمُعَاهَدِ، وَالْكَرَاهَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّحْرِيمِ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ، وَانْظُرْ هَلْ يُجْبَرَانِ عَلَى الْجَمْعِ أَيْضًا إذَا حَصَلَتْ التَّفْرِقَةُ بِغَيْرِ عِوَضٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، أَوْ يُكْتَفَى بِجَمْعِهِمَا فِي حَوْزٍ اتِّفَاقًا.
وَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَيُمْتَنَعُ مِنْ التَّفْرِقَةِ، وَيُفَرَّقُ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَنَائِبُ الْفَاعِلِ الظَّرْفُ.
وَقَوْلُهُ: بَيْنَ الْأُمِّ أَيْ دِنْيّة فَلَا تَحْرُمُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْجَدَّةِ وَوَلَدِ وَلَدِهَا [قَوْلُهُ: كَهِبَةِ الثَّوَابِ] أَيْ وَهَبَ أَحَدُهُمَا لِلثَّوَابِ أَيْ أَوْ دَفَعَ أَحَدُهُمَا أُجْرَةً أَوْ صَدَاقًا مِنْ كُلِّ عَقْدٍ مُعَاوَضَةً، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْقِسْمَةُ فَمَنْ مَاتَ عَنْ جَارِيَةٍ وَأَوْلَادِهَا الصِّغَارِ لَا يَجُوزُ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَأْخُذَ وَاحِدٌ الْأُمَّ، وَالْآخَرُ الْوَلَدَ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ كَدَفْعِ أَحَدِهِمَا صَدَقَةً أَوْ هِبَةً لِغَيْرِ ثَوَابٍ فَلَا يَحْرُمُ، وَاخْتُلِفَ فَقِيلَ: يُجْبَرَانِ عَلَى جَمْعِهِمَا بَعْدُ فِي مِلْكٍ، وَقِيلَ: يُكْتَفَى بِجَمْعِهِمَا فِي حَوْزٍ وَتَجُوزُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْعِتْقِ، وَيُكْتَفَى بِجَمْعِهِمَا فِي حَوْزٍ اتِّفَاقًا.
[قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ] وَسَوَاءٌ كَانَ وَلَدُهَا مِنْ زَوْجِهَا أَوْ مِنْ زِنًا، وَلَوْ كَانَ مَجْنُونًا وَأُمُّهُ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يَخَافَ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَالْمَسْبِيَّةُ مَعَ صَغِيرٍ تَدَّعِيهِ أَنَّهُ وَلَدُهَا فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا حَيْثُ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى صِدْقِهَا كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَتَثْبُتُ الْبُنُوَّةُ الْمَانِعَةُ لِلتَّفْرِقَةِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِ مَالِكَيْهِمَا أَوْ دَعْوَى الْأُمِّ مَعَ قَرِينَةِ صِدْقِهَا، وَتَصْدِيقُ الْمَسْبِيَّةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ التَّفْرِقَةِ فَقَطْ لَا فِي غَيْرِهَا مِنْ أَحْكَامِ الْبُنُوَّةِ فَلَا يَخْتَلِي بِهَا إذَا كَبِرَ وَلَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا لَكِنْ هِيَ لَا تَرِثُ مَنْ أَقَرَّتْ بِهِ، وَأَمَّا هُوَ فَيَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَارِثٌ يَحُوزُ جَمِيعَ الْمَالِ.
[قَوْلُهُ:، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْحَقَّ لِلْأُمِّ] أَيْ وَهُوَ الرَّاجِحُ وَقَوْلُهُ: فَإِنْ رَضِيَتْ إلَخْ وَعَلَى أَنَّ الْحَقَّ لِلْوَلَدِ فَيُمْنَعُ، وَلَوْ رَضِيَتْ [قَوْلُهُ: فَإِنْ رَضِيَتْ بِالتَّفْرِقَةِ صَحَّ الْبَيْعُ] أَيْ وَجَازَ كَمَا يُفِيدُهُ اللَّقَانِيُّ [قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ] وَهُوَ الرَّاجِحُ [قَوْلُهُ: وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَنْعُ] أَيْ إلَى أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْ أُمِّهِ بِالْمَرْعَى [قَوْلُهُ: أَيْ لَمْ تَثْبُتْ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّ الْأَلْفَاظَ ثَلَاثَةٌ، وَالْأَوَّلُ مِنْهَا مُغَايِرٌ لِلْأَخِيرَيْنِ، وَفِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ جَعْلُهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَنَصُّهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ ثَانِيهِ وَهُوَ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ أَوْ ثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَيَجُوزُ أَيْضًا بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حُكْمِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ إذَا وَقَعَتْ فَقَالَ: (وَكُلُّ بَيْعٍ فَاسِدٍ) كَالْبَيْعِ وَقْتَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ (فَضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ) عَبْدُ الْوَهَّابِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مِلْكِهِ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي (فَإِنْ قَبَضَهُ) أَيْ الْمَبِيعَ بَيْعًا فَاسِدًا (الْمُبْتَاعُ فَضَمَانُهُ مِنْ الْمُبْتَاعِ) عَلَى الْمَشْهُورِ عَبْدُ الْوَهَّابِ: لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ عَلَى جِهَةِ أَمَانَتِهِ، وَإِنَّمَا قَبَضَهُ عَلَى جِهَةِ التَّمْلِيكِ ك: قُلْت جَعْلُهُ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ فِيمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ نَاقِلٍ، وَفِي هَذِهِ جَعَلَهُ نَاقِلًا، وَهَذَا اضْطِرَابٌ فِي التَّعْلِيلِ فَتَأَمَّلْ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ إذَا مَكَّنَهُ الْبَائِعُ مِنْ قَبْضِهِ وَلَمْ يَقْبِضْهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَحَيْثُ قُلْنَا يَضْمَنُهُ الْمُشْتَرِي

[حاشية العدوي]

ثَانِيهِ مَعَ الْمُثَلَّثَةِ فَقَطْ أَيْ يَنْبُتُ بَدَلَ رَوَاضِعِهِ بَعْدَ سُقُوطِهَا اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ الثَّانِيَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُوَ الرَّاجِحُ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَجُوزُ التَّفْرِقَةُ إلَّا بَعْدَ نَبَاتِ مَا سَقَطَ مِنْ الرَّوَاضِعِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَبَاتُهَا فِي زَمَنٍ مُعْتَادٍ فَإِنْ نَبَتَتْ فِي غَيْرِ زَمَنِ اعْتِيَادِ نَبَاتِهَا أَيْ سَقَطَتْ الرَّوَاضِعُ مِنْ قَبْلِ زَمَنِ سُقُوطِهَا عَادَةً وَنَبَتَ بِهَا حِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ التَّفْرِقَةُ فَقَوْلُ الشَّارِحِ: فَإِذَا أَثْغَرَ أَيْ: مُعْتَادًا.
وَقَوْلُهُ: لِاسْتِغْنَائِهِ إلَخْ هَكَذَا فِي نُسْخَةٍ، وَفِي الْأُخْرَى جَازَتْ التَّفْرِقَةُ حَيْثُ اسْتَغْنَى عَنْ أُمِّهِ فِي أَكْلِهِ إلَخْ.
وَهِيَ تُفِيدُ قَيْدًا غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ: وَهُوَ أَنَّ مُجَرَّدَ إنْبَاتِهَا غَيْرُ كَافٍ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بُلُوغِهَا مَبْلَغًا يَأْكُلُ بِهِ تَأَمَّلْ.
قَالَهُ عج: وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا أَثْغَرَ أَيْ سَقَطَتْ رَوَاضِعُهُ وَنَبَتَتْ كُلُّهَا لَا بَعْضُهَا، وَلَوْ الْمُعْظَمُ، وَلَوْ لَمْ يَتَكَامَلْ نَبَاتُهَا جَازَتْ التَّفْرِقَةُ، وَالْمُرَادُ الْإِثْغَارُ الْمُعْتَادُ وَيُكْتَفَى بِبُلُوغِهِ زَمَنَهُ الْمُعْتَادَ وَهُوَ بَعْدَ السَّبْعِ، وَلَوْ لَمْ يُثْغِرْ بِالْفِعْلِ إلَخْ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ حَصَلَتْ التَّفْرِقَةُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ فَيُفْسَخُ إنْ لَمْ يَجْمَعَاهُمَا فِي مِلْكٍ إلَّا أَنْ يَمْضِيَ زَمَنُ الْحُرْمَةِ بِأَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى حَصَلَ الْإِثْغَارُ الْمُعْتَادُ، وَإِلَّا مَضَى وَيُضْرَبُ بَائِعُ التَّفْرِقَةِ وَمُبْتَاعُهَا كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ لَمْ يَعْتَادَاهُ، وَمَحَلُّ الضَّرْبِ إنْ عَلِمَا حُرْمَتَهُ وَإِلَّا عُذِرَا بِالْجَهْلِ.

[حُكْمِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ إذَا وَقَعَتْ]

[قَوْلُهُ: وَكُلُّ بَيْعٍ فَاسِدٍ] أَيْ لِعَقْدِهِ أَوْ ثَمَنِهِ أَوْ مَثْمُونِهِ أَوْ أَجَلِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بِمَا يَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ مِنْ فَقْدِ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ كَالنَّسَاءِ، وَالتَّفَاضُلِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ أَوْ مُخْتَلَفًا فِي فَسَادِهِ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ كَالْبَيْعِ وَقْتَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِمَّا فَسَدَ لِعَقْدِهِ [قَوْلُهُ: فَإِنْ قَبَضَهُ] أَيْ الْمَبِيعُ أَيْ قَبْضًا مُسْتَمِرًّا بَعْدَ بَتِّ الْبَيْعِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا اشْتَرَى سِلْعَةً شِرَاءً فَاسِدًا فَقَبَضَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إلَى الْبَائِعِ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ أَوْ غَيْرِهَا فَهَلَكَتْ، فَإِنَّ ضَمَانَهَا مِنْ بَائِعِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَبْضَ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ بَعْدَ الْبَتِّ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ بَيْعِ الْخِيَارِ فَإِنَّ ضَمَانَهُ مِنْ الْبَائِعِ، وَلَوْ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ إذَا وَقَعَ عَلَى خِيَارِ الضَّمَانِ فِيهِ مِنْ الْبَائِعِ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا الضَّمَانُ ضَمَانُ أَصَالَةٍ لَا ضَمَانُ رِهَانٍ، فَلَا يَنْتَفِي بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَغَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ: أَيْ الْمَبِيعَ الْمَفْهُومَ مِنْ السِّيَاقِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ أَوْ الْمَفْهُومَ مِنْ بَيْعٍ.
[قَوْلُهُ: ك قُلْت جَعَلَهُ] أَيْ عَبْدُ الْوَهَّابِ [قَوْلُهُ: اضْطِرَابٌ فِي التَّعْلِيلِ] أَيْ فَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قَبَضَهُ عَلَى جِهَةِ التَّمْلِيكِ يَقْتَضِي أَنَّهُ انْتَقَلَ لِمِلْكِ الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ فَيُنَافِي قَوْلَهُ سَابِقًا؛ لِأَنَّهُ عَلَى مِلْكِهِ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ إنَّمَا قَبَضَهُ عَلَى جِهَةِ التَّمْلِيكِ أَيْ بِحَسَبِ زَعْمِهِ أَيْ فَلَمَّا قَبَضَهُ عَلَى جِهَةِ التَّمْلِيكِ بِحَسَبِ زَعْمِهِ وَتَعَدَّى وَأَخَذَهُ ضَمِنَهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَقِلْ لَهُ الْمِلْكُ بِحَسَبِ نَفْسِ الْأَمْرِ.
[قَوْلُهُ: وَحَيْثُ قُلْنَا يَضْمَنُهُ الْمُشْتَرِي] أَيْ يَضْمَنُ الْمَبِيعَ فَاسِدًا أَشْعَرَ بِأَنَّهُ مِمَّا يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ احْتِرَازًا مِنْ نَحْوِ الْمَيْتَةِ، وَالزِّبْلِ، وَالْكَلْبِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلَوْ قَبَضَهُ وَأَدَّى ثَمَنَهُ، وَالْمُرَادُ غَيْرُ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ.
تَنْبِيهٌ: إذَا رُدَّتْ السِّلْعَةُ بِسَبَبِ الْفَسَادِ يَفُوزُ الْمُشْتَرِي بِغَلَّتِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، وَلَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالْفَسَادِ وَبِوُجُوبِ

فَإِنَّهُ يَكُونُ (مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ) لَا مِنْ يَوْمِ عَقْدِهِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ يَوْمَ الْعَقْدِ مَا يَكُونُ صَحِيحًا (فَإِنْ فَاتَ الْمَبِيعُ بَيْعًا فَاسِدًا بِأَنْ حَالَ) عَلَيْهِ (سُوقُهُ) أَيْ تَغَيَّرَ بِزِيَادَةٍ فِي الثَّمَنِ أَوْ نَقْصٍ فِيهِ (أَوْ تَغَيَّرَ فِي بَدَنِهِ) أَيْ فِي نَفْسِهِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ فَإِنْ كَانَ مُقَوَّمًا (فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ مِثْلَهُ (يَوْمَ قَبْضِهِ) لَا يَوْمَ الْفَوَاتِ وَلَا يَوْمَ الْحُكْمِ (وَلَا يَرُدُّهُ) أَيْ لَا يَلْزَمُهُ رَدُّ الْمُقَوَّمِ إذَا كَانَ مَوْجُودًا جَبْرًا، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى الرَّدِّ جَازَ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ لِئَلَّا يَكُونَ بَيْعًا ثَانِيًا بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ (وَإِنْ كَانَ) مِثْلِيًّا (مِمَّا يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ) أَوْ يُعَدُّ (فَلْيَرُدَّ مِثْلَهُ وَلَا يُفِيتُ الرِّبَاع حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ) مَا ذَكَرَهُ أَنَّ تَغَيُّرَ السُّوقِ مُفِيتٌ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمُقَوَّمِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ غَيْرُ مُفِيتٍ فِيهِ كَالْعَقَارِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ

[حاشية العدوي]

الْفَسْخِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا مَوْقُوفًا شِرَاءً فَاسِدًا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ وَقْفٌ فَيَجِبُ رَدُّهَا حَيْثُ كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ عَلَى مُعَيَّنٍ غَيْرِ رَشِيدٍ، وَأَمَّا عَلَى مُعَيَّنٍ رَشِيدٍ وَبَاعَهُ ذَلِكَ الْمُعَيَّنَ فَإِنَّهُ يَفُوزُ الْمُشْتَرِي بِالْغَلَّةِ، وَلَوْ عَلِمَ بِأَنَّهُ وَقْفٌ وَكَمَا يَفُوزُ الْمُشْتَرِي بِالْغَلَّةِ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِكُلْفَةِ الْحَيَوَانِ إذَا كَانَتْ الْغَلَّةُ قَدْرَ الْكُلْفَةِ أَوْ أَكْثَرَ، وَأَمَّا لَوْ زَادَتْ الْكُلْفَةُ عَلَى الْغَلَّةِ أَوْ كَانَ لَا غَلَّةَ لَهُ فَيَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالزَّائِدِ فِي الْأُولَى أَوْ بِكُلِّهَا فِي الثَّانِيَةِ، وَقَدْ يَرْجِعُ بِالنَّفَقَةِ مَعَ كَوْنِ الْغَلَّةِ لَهُ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا حَدَثَ فِي الْمَبِيعِ فَاسِدًا مَا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ كَبِنَاءٍ وَصَبْغٍ فَيَرْجِعُ بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِ الْغَلَّةِ لَهُ كَسُكْنَاهُ وَلُبْسِهِ [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَضْمَنُ يَوْمَ الْعَقْدِ مَا يَكُونُ صَحِيحًا] أَيْ مِمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَوَقَعَ بَتًّا فَيَنْتَقِلُ ضَمَانُهُ لِلْمُشْتَرِي بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ بِأَنْ كَانَ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَوْ يُعَدُّ فَلَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُهُ إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ وَهُوَ بِكَيْلِ مَا يُكَالُ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَمًا يُوزَنُ أَوْ يُعَدُّ، وَكَذَا فِي مَسَائِلَ أُخَرَ فَلْتُرَاجَعْ فِي خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: بِأَنْ حَالَ عَلَيْهِ إلَخْ] إلَّا أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِي الْعُرُوضِ، وَالْحَيَوَانِ دُونَ الْعَقَارِ، وَالْمِثْلِيِّ، فَإِنْ تَغَيَّرَ السُّوقُ لَا يُفِيتُهُمَا وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ اخْتَلَفَتْ الرَّغْبَةُ فِيهِمَا بِاخْتِلَافِ الْأَسْوَاقِ، وَسَيُنَبِّهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ [قَوْلُهُ: أَيْ فِي نَفْسِهِ] أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَدَنِ الذَّاتُ فَيَصْدُقُ بِالْجَمَادِ لَا خُصُوصِ الْحَيَوَانِ كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ بَدَنٍ [قَوْلُهُ: بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ] كَأَنْ تَتَغَيَّرَ الدَّابَّةُ بِسِمَنٍ أَوْ هُزَالٍ بِخِلَافِ سِمَنِ الْأَمَةِ، وَأَمَّا هُزَالُ الْأَمَةِ فَمُفِيتٌ [قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ مُقَوَّمًا] قَدْرُهُ لِمُقَابَلَةِ قَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا [قَوْلُهُ: بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ إلَخْ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ.
وَقَوْلُهُمْ لَزِمَهُ ذَلِكَ بَالِغًا مَا بَلَغَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ، أَيْ مُتَرَقِّيًا إلَى أَعْلَى نِهَايَةٍ مِنْ قَوْلِهِمْ بَلَغْت الْمَنْزِلَ إذَا وَصَلْته اهـ. ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ مَجَازِ الْأَوَّلِ، وَالتَّقْدِيرُ وَاصِلَةً تِلْكَ الْقِيمَةُ إلَى قَدْرٍ يَئُولُ إلَى اتِّصَافِهِ بِأَنَّهَا وَصَلَتْهُ فَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، وَقَوْلُهُ.
وَلَا يَوْمَ الْحُكْمِ أَيْ الْحُكْمِ بِالْقِيمَةِ [قَوْلُهُ: جَازَ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ] هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ وَشَهَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ، وَمُقَابِلُهُ يَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ هُنَا إسْقَاطُ التَّنَازُعِ، وَبَعْدَ أَنْ عَلِمْت الْمَشْهُورَ فَيُقَيَّدُ عِنْدَ كَوْنِ الْمَبِيعِ جَارِيَةً أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُوَاضَعَةٍ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ دَيْنٌ عَلَى الْمُشْتَرِي أَخَذَ الْبَائِعُ فِيهَا جَارِيَةً فِيهَا مُوَاضَعَةٌ فَهُوَ فَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ.
فَائِدَةٌ: إذَا وَجَبَ رَدُّ الْقِيمَةِ فَإِنَّهُ يُقَاصِصُهُ بِهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَأُجْرَةُ الْمُقَوِّمِ عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ جَمِيعًا.
[قَوْلُهُ: مِمَّا يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ أَوْ يُعَدُّ] احْتِرَازًا عَنْ الْمِثْلِيِّ الْمُشْتَرَى جُزَافًا فَإِنَّهُ يُحَرَّزُ وَيُقَوَّمُ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ وَلَا يُرَدُّ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهَ الْمُقَوَّمَ فِي الْفَوَاتِ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ مَا لَمْ تُعْلَمْ مَكِيلَتُهُ بَعْدُ، فَيَجِبُ رَدُّ مِثْلِهِ أَشَارَ لَهُ الْحَطَّابُ [قَوْلُهُ: فَلْيُرَدَّ مِثْلُهُ] فَإِنْ تَعَذَّرَ الْمِثْلِيُّ فَالْقِيمَةُ كَثَمَرٍ فَاتَ إبَّانُهُ وَتُعْتَبَرُ يَوْمَ التَّعَذُّرِ.
تَنْبِيهٌ: مَا تَقَدَّمَ كُلُّهُ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ، وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِي فَسَادِهِ، وَلَوْ خَارِجَ الْمَذْهَبِ فَيَمْضِي بِالثَّمَنِ.
[قَوْلُهُ: فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ غَيْرُ مُفِيتٍ فِيهِ] وَمُقَابِلُهُ مَا لِأَشْهَبَ مِنْ أَنَّهُ مُفِيتٌ فِيهِ وَمِمَّا يُفِيتُهُ أَيْضًا طُولُ زَمَانِ الْحَيَوَانِ، وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ الطُّولِ فَفِي كِتَابِ التَّدْلِيسِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ شَهْرٌ، وَفِي كِتَابِ السَّلَمِ مِنْهَا لَيْسَ الشَّهْرَانِ وَلَا

الْمِثْلِيِّ، وَالْمُقَوَّمِ بِأَنَّ الْمِثْلِيَّ فِيهِ الْقَضَاءُ بِالْمِثْلِ، وَالْقِيمَةِ كَالْفَرْعِ لَا يَعْدِلُ إلَيْهَا مَعَ إمْكَانِ الْأَصْلِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْعَقَارِ، وَالْمُقَوَّمِ بِأَنَّ الْغَالِبَ فِي شِرَاءِ الْعَقَارِ أَنْ يَكُونَ لِلْقُنْيَةِ فَلَا يُطْلَبُ فِيهِ كَثْرَةُ الثَّمَنِ وَلَا قِلَّتُهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ

(وَلَا يَجُوزُ سَلَفٌ يَجُرُّ مَنْفَعَةً) لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ حِنْطَةٌ رَدِيئَةٌ يُسَلِّفُهَا لِمَنْ يَأْخُذُ مِنْهُ عِوَضَهَا جَيِّدًا (وَ) كَذَا (لَا يَجُوزُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ) لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ» . وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ تَبِيعَ سِلْعَتَيْنِ بِدِينَارَيْنِ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ تَشْتَرِيَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا بِدِينَارٍ نَقْدًا، فَكَأَنَّ الْبَائِعَ خَرَجَ مِنْ يَدِهِ سِلْعَةٌ وَدِينَارٌ نَقْدًا يَأْخُذُ عَنْهُمَا عِنْدَ الْأَجَلِ دِينَارَيْنِ أَحَدُهُمَا عِوَضٌ عَنْ السِّلْعَةِ وَهُوَ بَيْعٌ، وَالثَّانِي عِوَضٌ عَنْ الدِّينَارِ الْمَنْقُودِ وَهُوَ سَلَفٌ (وَكَذَلِكَ) لَا يَجُوزُ (مَا قَارَنَ السَّلَفَ مِنْ إجَارَةٍ أَوْ كِرَاءٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ وَلِمَا تَقَدَّمَ لَهُ مَنْعُ

[حاشية العدوي]

الثَّلَاثَةُ بِفَوْتٍ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ التَّغَيُّرُ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ أَيْ لَيْسَ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ خِلَافٌ حَقِيقِيٌّ، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافٌ لَفْظِيٌّ فِي شَهَادَةٍ أَيْ شَهَادَةٍ وَحُضُورٍ، أَيْ أَنَّ مَالِكًا تَكَلَّمَ عَلَى حَيَوَانٍ بِحَسَبِ مَا عَايَنَهُ فَمَرَّةً رَأَى أَنَّ بَعْضَ الْحَيَوَانَاتِ يُفِيتُهُ الشَّهْرُ لِسُرْعَةِ تَغَيُّرِهِ لِصِغَرٍ وَنَحْوِهِ، وَمَرَّةً رَأَى أَنَّ بَعْضَ الْحَيَوَانَاتِ لَا يُفِيتُهُ الثَّلَاثَةُ لِعَدَمِ ذَلِكَ، وَكَذَا يُفِيتُهُ نَقْلُ الْعُرُوضِ كَالْحَيَوَانِ، وَالثِّيَابِ، وَالْمِثْلِيِّ كَقَمْحٍ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ إذَا كَانَ بِكُلْفَةٍ مِنْ كِرَاءٍ أَوْ خَوْفِ طَرِيقٍ أَوْ مَكْسٍ فَيَرُدُّ قِيمَةَ الْعَرْضِ، وَمِثْلُ الْمِثْلِيِّ فِي مَحَلِّهِمَا وَاحْتَرَزْنَا بِكُلْفَةٍ مِنْ الْحَيَوَانِ الَّذِي يَنْتَقِلُ بِنَفْسِهِ فَإِنَّ نَقْلَهُ لَا يُفِيتُهُ إلَّا فِي خَوْفِ طَرِيقٍ، وَالْمُرَادُ شَأْنُهُ الْكُلْفَةُ، وَلَوْ نَقَلَهُ بِعَبِيدِهِ مَثَلًا، وَكَذَا يُفِيتُ وَطْءُ الْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا رَفِيعَةً أَوْ وَخْشًا لِتَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِالْأَمَةِ الْمَوْطُوءَةِ، وَكَذَا يُفِيتُهُ خُرُوجُهُ عَنْ يَدِ مُبْتَاعِهِ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ بَيْعٍ صَحِيحٍ أَوْ حَبْسٍ، وَكَذَا رَهْنُهُ وَإِجَارَتُهُ وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ يُعْلَمُ مِنْ شُرُوحِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: وَالْقِيمَةُ كَالْفَرْعِ] مُفَادُهُ أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ فَوَاتِهِ يَرُدُّ قِيمَتَهُ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِفَوَاتِهِ وَيَرُدُّ مِثْلَهُ حِينَئِذٍ كَمَا قِيلَ فِي ذَهَابِ دَابَّةٍ مِنْ أَنَّهُ فَوْتٌ وَيَرُدُّ مِثْلَهُ.

[قَوْلُهُ: يَجُرُّ مَنْفَعَةً] أَيْ لِغَيْرِ الْمُقْتَرِضِ بِأَنْ جَرَّ لِلْمُقْرِضِ أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ مِنْ نَاحِيَتِهِ فَلَا يَقَعُ جَائِزًا إلَّا إذَا تَمَحَّضَ النَّفْعُ لِلْمُقْتَرِضِ.
[قَوْلُهُ: مِثْلُ أَنْ يَكُونَ إلَخْ] أَوْ يُقْرِضَ مَقْصُوصًا لِيَأْخُذَ جَيِّدًا، وَأَحْرَى الدُّخُولُ عَلَى أَكْثَرِ كَمِّيَّةٍ وَكَدَفْعِ ذَاتٍ يَشُقُّ حَمْلُهَا لِيَأْخُذَ بَدَلهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ، وَقَصْدُهُ إرَاحَتُهُ مِنْ حِمْلِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَامِلُ عَلَيْهِ كَثْرَةُ الْخَوْفِ فِي الطَّرِيقِ فَلَا مَنْعَ، وَحُكْمُ الْقَرْضِ الْمَمْنُوعِ أَنَّهُ يُرَدُّ إلَّا أَنْ يُفَوَّتَ بِمَا يُفَوَّتُ بِهِ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ فَلَا يُرَدُّ، وَيَلْزَمُ الْمُقْتَرِضَ الْقِيمَةُ فِي الْمُقَوَّمِ، وَالْمِثْلُ فِي الْمِثْلِيِّ، وَيَجُوزُ إقْرَاضُ الْمَجْهُولِ كَمِلْءِ غِرَارَةٍ بِمِثْلِهَا مَعَ عَدَمِ مَعْرِفَةِ مَا فِيهَا وَجَهْلِ الْأَجَلِ، وَمَا لَا يُبَاعُ كَجِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ [قَوْلُهُ: وَصُورَةُ ذَلِكَ] هَذَا مِثَالٌ لِلِاتِّهَامِ عَلَى الْبَيْعِ، وَالسَّلَفِ،، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ وَلَا يُمْنَعُ إلَّا الْبَيْعُ، وَالسَّلَفُ إذَا كَانَ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالثَّمَنِ، وَالْإِخْلَالُ إمَّا مِنْ حَيْثُ كَثْرَتُهُ إنْ كَانَ الشَّرْطُ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ نَقْصِهِ إنْ كَانَ مِنْ الْبَائِعِ، وَمَحَلُّ الْفَسَادِ عِنْدَ الشَّرْطِ مَا لَمْ يُسْقِطَاهُ، وَالْأَصَحُّ إنْ كَانَ الْإِسْقَاطُ قَبْلَ فَوَاتِ السِّلْعَةِ لَا إنْ كَانَ بَعْدَ فَوَاتِهَا، وَيَجِبُ حِينَئِذٍ عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ، وَالْقِيمَةِ إنْ كَانَ هُوَ الْمُسَلِّفَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَلَّفَ الْبَائِعَ أَخَذَهَا بِالنَّقْصِ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمُسَلِّفَ كَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَقَلُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي قَدْ غَابَ عَلَى السَّلَفِ بِحَيْثُ انْتَفَعَ بِهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ كَثُرَتْ أَوْ قَلَّتْ، وَهَذَا فِي الْمُقَوَّمِ، وَأَمَّا الْمِثْلِيُّ فَالْوَاجِبُ مِثْلُهُ مُطْلَقًا.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمَا بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ] عِبَارَةُ تت أَحْسَنُ، وَنَصُّهُ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ مَا قَارَنَ السَّلَفَ مِنْ إجَارَةٍ أَوْ كِرَاءٍ بِشَرْطِ السَّلَفِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْعِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ مَعَ السَّلَفِ كَالْبَيْعِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ

السَّلَفِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ خَشِيَ تَوَهُّمَ طَرْدِ ذَلِكَ رَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَالسَّلَفُ) بِمَعْنَى الْقَرْضِ وَهُوَ دَفْعُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى لِيَنْتَفِعَ بِهِ آخُذُهُ ثُمَّ يَرُدُّ لَهُ مِثْلَهُ أَوْ عَيْنَهُ (جَائِزٌ) أَيْ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ (فِي كُلِّ شَيْءٍ) مِنْ سَائِرِ الْمُمْتَلَكَاتِ الَّتِي يَجُوزُ بَيْعُهَا (إلَّا فِي الْجَوَارِي) فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إعَارَةِ الْفُرُوجِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَرْضُ لِامْرَأَةٍ أَوْ لِذِي مَحْرَمٍ أَوْ كَانَتْ فِي سِنِّ مَنْ لَا تُوطَأُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَلَى مَا قَيَّدَ بِهِ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ الْمُدَوَّنَةَ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَقِبَ

[حاشية العدوي]

وَالْكِرَاءَ لَيْسَا مِنْ الْبَيْعِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ وَلَا بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ، وَاعْلَمْ أَنَّهُمَا لَا خُصُوصِيَّةَ لَهُمَا بِذَلِكَ بَلْ النِّكَاحُ، وَالشِّرْكَةُ، وَالْقِرَاضُ، وَالْمُسَاقَاةُ، وَالصَّرْفُ لَا يَجُوزُ شَرْطُ السَّلَفِ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ كُلَّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ يَمْتَنِعُ جَمْعُهُ مَعَ السَّلَفِ، وَأَمَّا اجْتِمَاعُ السَّلَفِ مَعَ الصَّدَقَةِ أَوْ الْهِبَةِ إنْ كَانَ السَّلَفُ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ أَوْ الْوَاهِبِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ فَلَا يَجُوزُ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ جَمْعُ الْبَيْعِ مَعَ وَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ فِي النَّظْمِ وَهُوَ قَوْلُهُ: عُقُودٌ مَنَعْنَاهَا مَعَ الْبَيْعِ سِتَّةٌ ... وَيَجْمَعُهَا فِي اللَّفْظِ جَصٌّ مُشَنَّقُ فَجُعْلٌ وَصَرْفٌ وَالْمُسَاقَاةُ شِرْكَةٌ ... نِكَاحٌ قِرَاضٌ مَنْعُ هَذَا مُحَقَّقُ ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ جَمْعُ وَاحِدٍ مِنْهَا مَعَ الْآخَرِ [قَوْلُهُ: خُشِيَ تَوَهُّمُ طَرْدِ ذَلِكَ] أَيْ اسْتِمْرَارُ الْمَنْعِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ.
[قَوْلُهُ: وَالسَّلَفُ جَائِزٌ] وَيَمْلِكُ الْمُقْتَرِضُ الشَّيْءَ الْمُقْرَضَ بِالْقَوْلِ، وَلَا يَلْزَمُ رَدُّهُ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الْمُشْتَرَطَةِ أَوْ الْمُعْتَادَةِ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ مُدَّةً ابْنُ عَرَفَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَجْرَى عَلَى الْعَارِيَّةِ الْمُنْتَفِي فِيهَا شَرْطُ الْأَجَلِ، وَالْعَادَةِ، وَفِيهَا خِلَافٌ فَقِيلَ لَهُ رَدُّهُ، وَلَوْ بِالْقُرْبِ.
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ أَنْ يُبْقِيَهُ لَهُ الْقَدْرَ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ أَعَارَهُ لِمِثْلِهِ وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَلَيْسَ مِنْ الْعَمَلِ بِالْعَادَةِ إذْ قَدْ تَزِيدُ عَلَيْهِ الْعَادَةُ بِفَرْضِ وُجُودِهَا اهـ. [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْقَرْضِ] يُوهِمُ أَنَّ فِي السَّلَفِ إجْمَالًا بَيَّنَ الْمُرَادَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: بِمَعْنًى وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ السَّلَمُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ، وَعَبَّرَ بِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ الْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ لِنِيَّةٍ، وَالطَّاعَةُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمَأْمُورُ، وَالْعِبَادَةُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ مَعَ مَعْرِفَةِ الْآمِرِ وَمَعَ النِّيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: لِلَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِالْقُرْبَةِ بِمَعْنَى التَّقَرُّبِ وَقَوْلُهُ: لِيَنْتَفِعَ بِهِ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ دَفْعُ الْمَالِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لِلَّهِ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ دَفْعُ الْمَالِ وَقَوْلُهُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ تَعْلِيلٌ لِلْمُعَلَّلِ مَعَ عِلَّتِهِ [قَوْلُهُ: لِيَنْتَفِعَ] أَيْ لِقَصْدِ أَنْ يَنْتَفِعَ انْتَفَعَ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا فَانْطَبَقَ عَلَى مَا بَعْدَهُ، وَأَرَادَ تَعْرِيفَ الْقَرْضِ الْجَائِزِ شَرْعًا فَلِذَلِكَ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَقَوْلُهُ أَوْ عَيْنُهُ فَيَجُوزُ لِلْمُقْتَرِضِ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَ الَّذِي اقْتَرَضَهُ وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ عَيْنَ الَّذِي اقْتَرَضَهُ، وَهَذَا مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، فَإِنْ تَغَيَّرَ بِنَقْصٍ فَوَاضِحٌ عَدَمُ الْقَضَاءِ بِقَبُولِهِ، وَلَوْ تَغَيَّرَ بِزِيَادَةٍ فَاسْتَظْهَرُوا وُجُوبَ الْقَضَاءِ بِقَبُولِهِ [قَوْلُهُ: أَيْ مَنْدُوبٌ] لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، أَجَابَ الشَّارِحُ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْجَائِزِ الْمَأْذُونُ فِيهِ شَرْعًا فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ مَنْدُوبٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إيصَالِ النَّفْعِ لِلْمُقْتَرِضِ وَتَفْرِيجِ كُرْبَتِهِ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ أَوْ حُرْمَتَهُ أَوْ كَرَاهَتَهُ وَتَعَسُّرَ إبَاحَتِهِ [قَوْلُهُ: الَّتِي يَجُوزُ بَيْعُهَا إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ، وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ فَيَدْخُلُ جِلْدُ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغُ وَلَحْمُ الْأُضْحِيَّةِ وَمِلْءُ الظَّرْفِ الْمَجْهُولِ [قَوْلُهُ: إلَّا فِي الْجَوَارِي] فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَتُرَدُّ إلَّا أَنْ تَفُوتَ بِمُفَوِّتِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَالْقِيمَةُ وَلَا تُرَدُّ كَاسْتِيلَادِهَا وَلَا يَغْرَمُ الْمُشْتَرِي قِيمَةَ وَلَدِهَا وَلَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَكَذَا الْقِيمَةُ لَازِمَةٌ لِلْمُقْتَرِضِ بِفَوَاتِهَا بِوَطْءٍ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا كَغَيْبَتِهِ عَلَيْهَا وَلَا يَجُوزُ التَّرَاضِي عَلَى رَدِّهَا إلَّا فِيمَا إذَا فَاتَتْ بِحَوَالَةِ سُوقٍ وَنَحْوِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى رَدِّهَا وَلَيْسَ فِيهِ تَتْمِيمٌ لِلْفَاسِدِ؛ لِأَنَّ ذَاتَهَا عِوَضٌ عَمَّا لَزِمَهُ مِنْ الْقِيمَةِ وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إعَارَةِ الْفُرُوجِ] أَيْ لِأَنَّ الْمُقْتَرِضَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرُدَّ نَفْسَ الذَّاتِ الْمُقْتَرَضَةِ وَرُبَّمَا يَكُونُ رَدُّهَا بَعْدَ التَّلَذُّذِ [قَوْلُهُ: أَوْ كَانَتْ فِي سِنِّ مَنْ لَا تُوطَأُ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ لَا يَجِبُ

قَوْلِهِ إلَّا فِي الْجَوَارِي (وَكَذَلِكَ تُرَابُ الْفِضَّةِ) ك: أَيْ لَا يَجُوزُ قَرْضُهُ وَهُوَ سَاقِطٌ فِي رِوَايَتِنَا

(وَلَا تَجُوزُ الْوَضِيعَةُ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى تَعْجِيلِهِ) عَلَى الْمَشْهُورِ وَتُسَمَّى هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ضَعْ وَتُعَجَّلْ، وَصُورَتُهَا أَنْ يَكُونَ لِشَخْصٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ إلَى أَجَلٍ فَيُسْقِطُ بَعْضَهُ وَيَأْخُذُ بَعْضَهُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَى شَهْرٍ فَيَقُولُ لَهُ رَبُّ الدَّيْنِ: عَجِّلْ لِي خَمْسِينَ وَأَنَا أَضَعُ عَنْك خَمْسِينَ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ هَذَا؛ لِأَنَّ مَنْ عَجَّلَ شَيْئًا قَبْلَ وُجُوبِهِ عُدَّ مُسَلِّفًا فَكَأَنَّ الدَّافِعَ أَسْلَفَ رَبَّ الدَّيْنِ خَمْسِينَ لِيَأْخُذَ مِنْ ذِمَّتِهِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ مِائَةً فَفِيهِ سَلَفٌ بِزِيَادَةٍ، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ رَدَّ إلَيْهِ مَا أَخَذَ مِنْهُ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَذَ مِنْهُ جَمِيعَ مَا كَانَ لَهُ أَوَّلًا وَهِيَ الْمِائَةُ

(وَ) كَذَلِكَ (لَا) يَجُوزُ (التَّأْخِيرُ بِهِ) أَيْ بِالدَّيْنِ (عَلَى الزِّيَادَةِ فِيهِ) كَمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُ؛ لِأَنَّ فِيهِ سَلَفًا بِزِيَادَةٍ، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَخِّرْنِي وَأَزِيدَكَ بِفَتْحِ الدَّالِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَك عَلَى شَخْصٍ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ قَالَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ: أَخِّرْنِي وَأَنَا أُعْطِيك أَكْثَرَ مِمَّا لَك عَلَيَّ

(وَ) كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ (تَعْجِيلُ عَرَضٍ عَلَى الزِّيَادَةِ فِيهِ إذَا كَانَ مِنْ بَيْعٍ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ حُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيدَك مِثَالُهُ أَنْ يَكُونَ لَك عَلَى رَجُلٍ مِائَةُ ثَوْبٍ مَوْصُوفَةٍ فَيَقُولُ لَك: خُذْ ثِيَابَك فَتَقُولُ لَهُ أَنْتَ: اُتْرُكْهَا عِنْدَك لَا حَاجَةَ لِي بِهَا الْآنَ، فَيَقُولُ الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ: خُذْهَا وَأَزِيدَك عَلَيْهَا خَمْسَةً مَثَلًا؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْخَمْسَةَ فِي مُقَابَلَةِ إسْقَاطِ الضَّمَانِ عَنْهُ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ (وَلَا بَأْسَ بِتَعْجِيلِ ذَلِكَ) الْعَرَضِ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا (إذَا كَانَ) الْعَرَضُ (مِنْ قَرْضٍ) ، وَالْآخَرُ (إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الصِّفَةِ) مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الثِّيَابُ دَنِيَّةً،

[حاشية العدوي]

أَنْ يَكُونَ إلَى أَمَدٍ مَعْلُومٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَطُولَ الْأَمَدُ وَهِيَ عِنْدَهُ فَيَطَؤُهَا وَيَرُدُّهَا بِعَيْنِهَا اهـ.

[تَعْجِيلِ الدَّيْنِ وَتَأْخِيرِهِ بِزِيَادَةٍ]

[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَحَكَى اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ جَوَازَهُ [قَوْلُهُ: عَلَى آخَرَ دَيْنٌ] عَرْضًا أَوْ عَيْنًا أَوْ طَعَامًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، فَإِنَّ ضَعْ وَتُعَجَّلْ يَدْخُلُهُمَا بِخِلَافِ حُطَّ الضَّمَانَ عَنِّي وَأَزِيدَك فَهُوَ خَاصٌّ بِالْبَيْعِ.
[قَوْلُهُ: فَفِيهِ سَلَفٌ بِزِيَادَةٍ] . وَيَدْخُلُهُ أَيْضًا التَّفَاضُلُ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ أَوْ الْفِضَّتَيْنِ وَيَدْخُلُهُ النَّسَاءُ فَهِيَ ثَلَاثُ عِلَلٍ، وَيَدْخُلُ فِي الطَّعَامِ مِنْ قَرْضٍ إذَا كَانَ مِمَّا لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ الْعِلَلُ الثَّلَاثُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ دَخَلَهُ عِلَّتَانِ مِنْ الثَّلَاثِ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا، وَالنَّسَاءُ، وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مِنْ بَيْعٍ دَخَلَهُ أَرْبَعُ عِلَلٍ الثَّلَاثَةُ السَّابِقَةُ، وَالرَّابِعُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَإِنْ كَانَ عَرْضًا دَخَلَهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً [قَوْلُهُ: فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ رُدَّ إلَيْهِ] ، وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ حَتَّى انْقَضَى الْأَجَلُ وَجَبَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ الْبَاقِيَ الَّذِي كَانَ أَسْقَطَ عَنْهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ

[قَوْلُهُ: عَلَى الزِّيَادَةِ فِيهِ] كَانَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، كَانَ مِنْ عَيْنٍ أَوْ غَيْرِهَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْمِدْيَانِ أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ؛ لِأَنَّ فَسْخَ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ حَرَامٌ مُطْلَقًا، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ عَلَى الزِّيَادَةِ أَنَّ تَأْخِيرَ الدَّيْنِ أَجَلًا ثَانِيًا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ أَوْ مَعَ تَرْكِ بَعْضِهِ لَا حُرْمَةَ فِيهِ بَلْ مَنْدُوبٌ.

[قَوْلُهُ: عَلَى الزِّيَادَةِ] كَانَتْ فِي الْكَمِّيَّةِ أَوْ فِي الْكَيْفِيَّةِ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَالشَّارِحُ مَثَّلَ لِلْأُولَى.
وَقَوْلُهُ: إذَا كَانَ مِنْ بَيْعٍ أَيْ أَوْ مِنْ سَلَمٍ، وَمِثَالُ الزِّيَادَةِ مِنْ الْجِنْسِ كَيْفًا أَنْ تُعَجِّلَ الْعَدَدَ عَلَى وَصْفٍ أَجْوَدَ مِنْ الْمُشْتَرَطِ، وَمِثَالُهَا مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ أَنْ يُعَجِّلَ الْأَثْوَابَ عَلَى وَصْفِهَا مَعَ زِيَادَةِ دِرْهَمٍ أَوْ طَعَامٍ فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى الزِّيَادَةِ أَنَّ التَّعْجِيلَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ جَائِزٌ حَيْثُ رَضِيَ الْمُسَلَّمُ بِتَعْجِيلِهَا قَبْلَ أَجَلِهَا؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ مِنْ حَقِّهِمَا فِي الْعُرُوضِ، وَأَمَّا التَّعْجِيلُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَقَلَّ عَدَدًا أَوْ أَدْنَى صِفَةً فَيَمْتَنِعُ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ] فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ إسْقَاطِ الضَّمَانِ؟ قُلْت: إسْقَاطُ الضَّمَانِ لَيْسَ مُتَمَوَّلًا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِعِوَضٍ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ أَخْذُ عِوَضِهِ مِنْ بَابِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ [قَوْلُهُ: إذَا كَانَ الْعَرْضُ مِنْ قَرْضٍ] ؛ لِأَنَّ تُهْمَةَ حُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيدَك لَا تَكُونُ فِي دَيْنِ الْقَرْضِ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي الْقَرْضِ مِنْ حَقِّ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَمَنْ حَقِّهِمَا، وَلِذَلِكَ لَوْ عَجَّلَ الْمُقْتَرِضُ الْقَرْضَ قَبْلَ أَجَلِهِ وَفِي مَحَلِّهِ يَلْزَمُ الْمُقْرِضَ قَبُولُهُ إنْ كَانَ جَمِيعَ الْحَقِّ أَوْ بَعْضَهُ لِعُسْرِهِ بِالْبَاقِي.
[قَوْلُهُ: إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الصِّفَةِ]

فَيَقُولُ لَهُ: أُعْطِيك أَجْوَدَ مِنْهَا إنْ تَعَجَّلْتهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْعَيْنِ لَا تَجُوزُ.

وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى تَعْجِيلِ الدَّيْنِ وَتَأْخِيرِهِ بِزِيَادَةٍ وَتَعْجِيلِ الْعَرَضِ فِي الْبَيْعِ بِزِيَادَةٍ وَتَعْجِيلِهِ فِي الْقَرْضِ بِزِيَادَةٍ فِي الصِّفَةِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الزِّيَادَةِ فِي الْقَرْضِ عِنْدَ الْأَجَلِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ فَقَالَ: (وَمَنْ رَدَّ فِي الْقَرْضِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا (أَكْثَرَ عَدَدًا فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ) بِالْمَدِّ الزَّنَاتِيِّ: مَجْلِسُ الْقَضَاءِ هُوَ حُلُولُ الْأَجَلِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي يَقْضِيهِ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ (فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي) جَوَازِ (ذَلِكَ) بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ أَحَدُهَا (إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرْطٌ) مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: لَا أُسَلِّفُك إلَّا عَلَى أَنْ تَزِيدَنِي عَلَى مَا أَسْلَفْتُك (وَ) ثَانِيهَا أَنْ (لَا) يَكُونَ فِيهِ (وَأْيٌ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ الْوَعْدُ الصَّرِيحُ (وَ) ثَالِثُهَا أَنْ (لَا) يَكُونَ (عَادَةٌ) وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ (فَأَجَازَهُ) أَشْهَبُ ع: ظَاهِرُهُ فِيمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَالْمَنْصُوصُ لِأَشْهَبَ فِيمَا قَلَّ مِثْلُ زِيَادَةِ الدِّينَارِ فِي الْمِائَةِ، وَالْإِرْدَبِّ فِي الْمِائَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِأَشْهَبَ قَوْلٌ عَامٌّ فِي الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ (وَكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فَقَوْلُهُ: (وَلَمْ يُجِزْهُ) تَأْكِيدٌ.

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى تَعْجِيلِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فَقَالَ: (وَمَنْ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ مِنْ بَيْعٍ) مُؤَجَّلٍ (أَوْ) مِنْ (قَرْضٍ مُؤَجَّلٍ فَلَهُ) أَيْ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّنَانِيرُ أَوْ الدَّرَاهِمُ (أَنْ يُعَجِّلَهُ) أَيْ يُعَجِّلَ مَا عَلَيْهِ (قَبْلَ أَجَلِهِ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْأَجَلِ لَهُ فَإِذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ لَزِمَ الْمُقْرِضَ قَبُولُهُ وَأُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ إذَا كَانَ التَّعْجِيلُ فِي بَلَدِ الْقَرْضِ، أَمَّا إذَا كَانَ فِي

[حاشية العدوي]

وَأَوْلَى إذَا كَانَ دَفْعُ الزِّيَادَةَ فِي الصِّفَةِ بَعْدَ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الصِّفَةِ مُتَّصِلَةٌ فَلَا تُهْمَةَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَضَاءُ الْقَرْضِ بِمُسَاوٍ وَأَفْضَلَ صِفَةً حَلَّ الْأَجَلُ أَوْ لَا كَانَ الْقَرْضُ عَيْنًا أَوْ لَا، وَأَمَّا بِأَقَلَّ صِفَةً أَوْ قَدْرًا أَوْ بِهِمَا فَجَائِزٌ إنْ حَلَّ لَا إنْ لَمْ يَحِلَّ فَلَا لِمَا فِيهِ مِنْ ضَعْ وَتُعَجَّلْ.
[قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْعَيْنِ] أَيْ الذَّاتِ

[الزِّيَادَة فِي القرض عِنْد الْأَجَل]

[قَوْلُهُ: عَلَى تَعْجِيلِ الدَّيْنِ] أَيْ بِوَضِيعَةٍ [قَوْلُهُ: بِزِيَادَةٍ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَتَأْخِيرُهُ [قَوْلُهُ: الزَّنَاتِيُّ مَجْلِسُ الْقَضَاءِ] ضَعِيفٌ، وَالرَّاجِحُ كَلَامُ غَيْرِهِ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَقْتُ الَّذِي يَقْضِيهِ فِيهِ كَمَا يُفِيدُهُ تت وَغَيْرُهُ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ غَيْرُهُ إلَخْ] إلَّا أَنَّ مِنْ الْغَيْرِ ابْنُ عُمَرَ فَزَادَ وَقَالَ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ مِنْ أَنْ يَزِيدَهُ بَعْدَ الِاقْتِضَاءِ فَذَلِكَ جَائِزٌ اهـ. [قَوْلُهُ: بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ جَوَازُ الَّذِي قَدَّرَهُ الشَّارِحُ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ شَرْطٌ وَاحِدٌ وَهُوَ نَفْيُ الثَّلَاثَةِ [قَوْلُهُ: الْوَعْدُ الصَّرِيحِ] مُفَادُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ وَعْدٌ غَيْرُ صَرِيحٍ يَكُونُ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ كَأَنْ يَقُولَهُ لَهُ يَحْصُلُ خَيْرٌ بِحَيْثُ يَفْهَمُ مِنْهُ الزِّيَادَةَ، وَعِبَارَةُ غَيْرِ وَاحِدٍ تُفِيدُ أَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ فَالْمُنَاسِبُ إسْقَاطُ قَوْلِهِ " الصَّرِيحُ " [قَوْلُهُ: وَلَا عَادَةٌ] خَاصَّةٌ بِالْمُسْتَقْرِضِ بِأَنْ يَزِيدَ عِنْدَ الْقَضَاءِ أَمْ لَا.
تَحْقِيقُ [قَوْلِهِ: وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ] وَجْهُ الْجَوَازِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَحْسَنُ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً وَخَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» [قَوْلُهُ: أَوْ أَكْثَرَ إلَخْ] قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ أَشْهَبَ يُجِيزُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ يَسِيرَةً أَوْ كَثِيرَةً كَمَنْ اسْتَلَفَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مَثَلًا فَقَضَى أَحَدَ عَشَرَ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَابْنُ الْقَاسِمِ يُحَرِّمُهُ مُطْلَقًا اهـ الْمُرَادُ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ] أَيْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وَلَمْ يُجِزْهُ، وَكَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَقَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ قَالَ وَمُقَابِلُهُ الْكَرَاهَةُ لِلتَّنْزِيهِ يُفِيدُهُ تت.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ التَّعَامُلُ بِالْعَدَدِ فَيَجُوزُ قَضَاءُ ذَلِكَ الْعَدَدِ كَانَ مِثْلَ وَزْنِهِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَهُ أَزْيَدَ فِي الْعَدَدِ كَانَ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْوَزْنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَإِنْ قَضَاهُ أَقَلَّ مِنْ الْعَدَدِ فَإِنْ سَاوَى الْأَقَلُّ وَزْنَ جَمِيعِ الْعَدَدِ أَوْ نَقَصَ عَنْهُ جَازَ وَإِلَّا فَلَا، وَإِذَا كَانَ بِالْوَزْنِ فَيَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَهُ ذَلِكَ الْوَزْنَ زَادَ عَلَى الْعَدَدِ أَوْ نَقَصَ أَوْ سَاوَى، وَلَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِأَكْثَرَ مُطْلَقًا، وَيَجُوزُ الْقَضَاءُ بِأَقَلَّ حَيْثُ حَلَّ الْأَجَلُ، وَإِذَا كَانَ بِهِمَا فَاخْتَارَ عج إلْغَاءَ الْعَدَدِ وَغَيْرُهُ إلْغَاءَ الْوَزْنِ.

[تَعْجِيل الدِّين مِنْ غَيْر زِيَادَة]

[قَوْلُهُ: فَلَهُ أَنْ يُعَجِّلَهُ قَبْلَ أَجَلِهِ] مُسَاوِيًا لِمَا فِي الذِّمَّةِ أَوْ أَعْلَى [قَوْلُهُ: لَزِمَ الْمُقْرِضَ]

غَيْرِهَا فَلَا إلَّا أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ أَوْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا (وَكَذَلِكَ لَهُ) أَيْ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ (أَنْ يُعَجِّلَ الْعُرُوضَ، وَالطَّعَامَ مِنْ قَرْضٍ لَا مِنْ بَيْعٍ) فَلَيْسَ لَهُ تَعْجِيلُ ذَلِكَ ظَاهِرُهُ، وَلَوْ قَرُبَ الْأَجَلُ كَالْيَوْمِ، وَالْيَوْمَيْنِ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْبَيْعِ، وَالْقَرْضِ فِي الْعُرُوضِ، وَالطَّعَامِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ تُرْصَدُ بِهِ الْأَسْوَاقُ وَيُتَحَيَّنُ فِيهِ الْأَحَايِينُ، فَلِلْمُشْتَرِي غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي تَأْخِيرِ ذَلِكَ إلَى وَقْتِهِ لِيَنْتَفِعَ بِالرِّبْحِ فِيهِ بِخِلَافِ الْمُقْرِضِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْصِدَ النَّفْعَ بِمَا أَقْرَضَ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ لَا مِنْ بَيْعٍ، وَلَوْ كَانَ فِي الْمَوْتِ، وَالْفَلَسِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ: فِيمَا يَأْتِي وَيَحِلُّ بِمَوْتِ الْمَطْلُوبِ أَوْ تَفْلِيسِهِ كُلُّ دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ

(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ ثَمَرِ) بِمُثَلَّثَةٍ وَمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ذَاتِ الْأَشْجَارِ مَا دَامَتْ خَضْرَاءَ (أَوْ

[حاشية العدوي]

أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَجَلَ دَيْنِ الْعَيْنِ مِنْ حَقِّ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ فِي الزَّمَانِ، وَالْمَكَانِ [قَوْلُهُ: وَأُجْبِرَ] لَمَّا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ الْوُجُوبِ الْجَبْرُ أَتَى بِهِ [قَوْلُهُ: فِي بَلَدِ الْقَرْضِ] الرَّاجِحُ خِلَافُهُ وَأَنَّ الْأَجَلَ فِي الْعَيْنِ مِنْ حَقِّ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ وَفِي الْقَرْضِ، وَلَوْ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْقَرْضِ، وَالْبَيْعِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ] أَيْ يَخْرُجَ الْمَدِينُ مَعَ رَبِّ الدَّيْنِ أَوْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا يَذْهَبُ مَعَهُ لِبَلَدِ الْقَرْضِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ لَا دَاعِيَ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ الْقَضَاءُ فِي بَلَدِ الْقَرْضِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَجَلَ دَيْنِ الْعَيْنِ مِنْ حَقِّ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ فِي الزَّمَانِ، وَالْمَكَانِ كَانَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، وَلَا فَرْقَ فِي جَبْرِ صَاحِبِ الْعَيْنِ عَلَى قَبُولِهَا بَيْنَ كَوْنِ الدَّفْعِ فِي بَلَدِ الْقَرْضِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا كُلْفَةَ فِي حَمْلِ الْعَيْنِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلُ الْعَيْنِ غَيْرَهَا مِمَّا يَخِفُّ حَمْلُهُ كَالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ فِي الْقَرْضِ، وَإِنْ أُلْحِقَتْ بِالْعُرُوضِ فِي غَيْرِ هَذَا.
قَالَ عج: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ لُزُومُ قَبُولِ دَيْنِ الْعَيْنِ، وَمَا أُلْحِقَ بِهَا فِي غَيْرِ بَلَدِ الْقَرْضِ بِأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ خَوْفٌ وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا عِنْدَ ابْنِ بَشِيرٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ: إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ بَيْنَ الزَّمَانَيْنِ أَوْ الْمَكَانَيْنِ خَوْفٌ وَهِيَ مِنْ بَيْعٍ فَلَا يُجْبِرُ مَنْ هِيَ لَهُ عَلَى قَبُولِهَا قَبْلَ الزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ الْمُشْتَرَطِ فِيهِمَا قَبْضُهَا، وَلَا يُنْظَرُ لِذَلِكَ فِي عَيْنِ الْقَرْضِ وَيُقَيَّدُ أَيْضًا لُزُومُ الْقَبُولِ بِأَنْ يُعَجَّلَ جَمِيعُهُ أَوْ بَعْضُهُ مَعَ عُسْرِ الْبَاقِي، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ مُسَاوِيًا أَوْ أَعْلَى؛ لِأَنَّ تَعْجِيلَ الْأَقَلِّ حَرَامٌ وَتَعْجِيلَ الْأَكْثَرِ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا فَوْقَ رُجْحَانِ الْمِيزَانِ فِيهِ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا وَهُوَ حَرَامٌ فِي الْقَرْضِ بِخِلَافِ ثَمَنِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ بِأَكْثَرَ إذَا كَانَ عَيْنًا، إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ لَوْ قَالَ بَدَلَ قَوْلِهِ: فَلَهُ أَنْ يُعَجِّلَهُ قَبْلَ أَجَلِهِ فَيَجِبُ عَلَى صَاحِبِهَا قَبُولُهَا قَبْلَ أَجَلِهَا؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ لِلدَّرَاهِمِ، وَالدَّنَانِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ التَّعْجِيلِ لُزُومُ الْقَبُولِ مَعَ أَنَّهُ الْمُرَادُ.
[قَوْلُهُ: الْعُرُوض إلَخْ] الْعُرُوض الْأَمْتِعَةُ الَّتِي لَا يَدْخُلُهَا كَيْلٌ وَلَا وَزْنٌ وَلَا يَكُونُ حَيَوَانًا وَلَا عَقَارًا.
قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَفِي الصِّحَاحِ: الْعَرْضُ الْمَتَاعُ وَكُلُّ شَيْءٍ فَهُوَ عَرْضٌ سِوَى الدَّرَاهِمِ، وَالدَّنَانِيرِ فَإِنَّهَا عَيْنٌ اهـ. قُلْت:، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ هُنَا بِالْعَرْضِ مَا عَدَا الطَّعَامَ بِدَلِيلِ الْعَطْفِ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَيَحْتَاجُ لِنُكْتَةٍ، وَمَا عَدَا الْعَقَارَ، وَالْعَيْنَ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لَا مِنْ بَيْعٍ إلَخْ] فَلَا يَلْزَمُ صَاحِبَ الدَّيْنِ، وَالْعَرْضِ، وَالطَّعَامِ قَبُولُهُ قَبْلَ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي عَرْضِ الْبَيْعِ وَمِنْهُ السَّلَمُ مِنْ حَقِّهِمَا، فَإِذَا عَجَّلَهُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُ صَاحِبَهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَلْزَمُ قَبُولُ دَيْنِ الْقَرْضِ، وَالْعَيْنِ مُطْلَقًا أَعْنِي فِي بَلَدِ الْقَرْضِ أَوْ غَيْرِهَا وَغَيْرِ الْعَيْنِ حَيْثُ كَانَ الدَّفْعُ فِي بَلَدِ الْقَرْضِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَلَا يَلْزَمُ قَبُولُ غَيْرِ الْعَيْنِ كَمَا لَا يَلْزَمُ قَبُولُ الْعَيْنِ إذَا كَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ خَوْفٌ.
قَالَ بَعْضُهُمْ:، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعَيْنَ إذَا احْتَاجَتْ إلَى كَبِيرِ حَمْلٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهَا كَغَيْرِهَا.
[قَوْلُهُ: الْأَحَايِينَ] جَمْعُ أَحْيَانٍ وَهُوَ جَمْعُ حِينٍ، فَظَهَرَ أَنَّ أَحَايِينَ جَمْعُ الْجَمْعِ وَيَتَحَيَّنُ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ الْعُرُوضِ، وَالْحَيَوَانِ تَتَغَيَّرُ فِيهِ الْأَزْمِنَةُ فَقَدْ يُسَاوِي فِي هَذَا الْحِينِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مَثَلًا وَفِي حِينٍ آخَرَ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ.
[قَوْلُهُ: تَنْبِيهٌ إلَخْ] قَدْ يُقَالُ: لَا حَاجَةَ لِهَذَا الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا تَعَجَّلَ قَبْلَ الْأَجَلِ وَبِالْمَوْتِ أَوْ الْفَلَسِ حَلَّ الْأَجَلُ كَمَا يَأْتِي

[بَيْع الثمر قَبْل بدو صلاحه]

[قَوْلُهُ: ذَاتِ الْأَشْجَارِ] كَعِنَبٍ وَبَلَحٍ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ حَبٍّ كَقَمْحٍ وَفُولٍ

حَبٍّ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ) بُدُوُّ صَلَاحِ الثَّمَرِ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيثِ بِأَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ، وَبُدُوُّ صَلَاحِ الْحَبِّ أَنْ يَيْبَسَ.
وَكَلَامُهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا بَاعَهُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ أَوْ وَقَعَ الْبَيْعُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَإِنْ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى التَّبْقِيَةِ أَوْ عَلَى الْإِطْلَاقِ فُسِخَ، أَمَّا إذَا وَقَعَ بِشَرْطِ الْجِدَادِ فِي الْحَالِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ فَجَائِزٌ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، وَأَنْ تَدْعُوَ إلَى ذَلِكَ حَاجَةٌ، وَأَنْ لَا يَتَمَالَأَ أَهْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ عَلَى ذَلِكَ (وَيَجُوزُ بَيْعُهُ) أَيْ الثَّمَرِ (إذَا بَدَا) أَيْ ظَهَرَ (صَلَاحُ بَعْضِهِ، وَإِنْ) كَانَ الْبَعْضُ الْمَزْهُوُّ (نَخْلَةً) وَاحِدَةً (مِنْ نَخِيلٍ كَثِيرَةٍ) مَا لَمْ تَكُنْ بَاكُورَةً، فَإِنْ كَانَتْ بَاكُورَةً لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْحَائِطِ بِطَيِّبِهَا وَيَجُوزُ بَيْعُهَا وَحْدَهَا.

[حاشية العدوي]

وَعَدَمُ الْجَوَازِ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ شَرْعًا فِي الْبَيْعِ.
[قَوْلُهُ: جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيثِ] ، وَالْحَدِيثُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَبْتَاعُ الثَّمَرَةُ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَتَذْهَبَ عَنْهَا الْآفَةُ» قَالَ: بُدُوُّ صَلَاحِهِ حُمْرَتُهُ وَصُفْرَتُهُ اهـ بِلَفْظِهِ.
[قَوْلُهُ: بِأَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ] وَيَقُومُ مَقَامَ ذَلِكَ ظُهُورُ الْحَلَاوَةِ فِي الْبَلَحِ الْخَضْرَاوِيِّ وَأَمَّا بُدُوُّهُ فِي نَحْوِ الْعِنَبِ، وَالتِّينِ، وَالْمِشْمِشِ فَظُهُورُ الْحَلَاوَةِ، وَفِي الْمَوْزِ بِالتَّهَيُّؤِ لِلنُّضْجِ، وَفِي ذِي النَّوْرِ بِانْفِتَاحِهِ كَالْوَرْدِ، وَالْيَاسَمِينِ، وَفِي الْبُقُولِ، وَاللِّفْتِ، وَالْجَزَرِ، وَالْفُجْلِ، وَالْبَصَلِ بِإِطْعَامِهَا وَاسْتِقْلَالِ وَرَقِهَا إلَى حَالَةٍ يَعْرِفُونَهَا تَصْلُحُ لِلْقَطْعِ، وَأَمَّا الْبِطِّيخُ الْمَعْرُوفُ بِالْعَبْدَلَاوِيّ، وَالْقَاوُونِ فَقِيلَ بِالِاصْفِرَارِ وَقِيلَ بِالتَّهَيُّؤِ لَهُ، وَأَمَّا الْأَخْضَرُ فَبِتَلَوُّنِ لُبِّهِ بِالسَّوَادِ، وَالْحُمْرَةِ، وَقَصَبُ السُّكَّرِ فَبِظُهُورِ حَلَاوَتِهِ، وَأَمَّا الْجَوْزُ، وَاللَّوْزُ فَبِأَخْذِهِ فِي الْيَبَسِ، وَأَمَّا الْقُرْطُمُ، وَالْبِرْسِيمُ فَإِذَا بَلَغَ أَنْ يُرْعَى دُونَ فَسَادٍ، وَأَمَّا الْفَقُّوسُ، وَالْخِيَارُ وَنَحْوُهُمَا فَبِانْعِقَادِهِ تت.
[قَوْلُهُ: وَصَلَاحُ الْحَبِّ أَنْ يَيْبَسَ] فَلَوْ عَقَدَ عَلَيْهِ فَرِيكًا فُسِخَ إلَّا أَنْ يَفُوتَ بِقَبْضِهِ بَعْدَ جَدِّهِ [قَوْلُهُ: فَإِنْ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى التَّبْقِيَةِ] وَحَيْثُ فُسِخَ فَضَمَانُ الثَّمَرَةِ مِنْ الْبَائِعِ مَا دَامَتْ فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ، فَإِذَا جَدَّهَا رُطَبًا رَدَّ قِيمَتَهَا وَتَمْرًا رَدَّهُ بِعَيْنِهِ إنْ كَانَ قَائِمًا وَإِلَّا رَدَّ مِثْلَهُ إنْ عَلِمَ، وَإِلَّا رَدَّ قِيمَتَهُ هَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُجْهُورِيُّ.
قَالَ عج: وَمَا ذَكَرَ فِي الرُّطَبِ مِنْ رَدِّ قِيمَتِهِ فَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ قَائِمًا أَوْ فَاتَ وَعُلِمَ وَزْنُهُ، وَالْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مَا يُقَالُ فِي التَّمْرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلٍّ لَا يُوزَنُ فَيَرُدُّ عَيْنُهُ إنْ كَانَ قَائِمًا وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ اهـ. [قَوْلُهُ: أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ إلَخْ] بِحَيْثُ لَا يَزِيدُ عَلَى طَوْرٍ إلَى طَوْرٍ آخَرَ [قَوْلُهُ: أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ] كَالْحِصْرِمِ فَإِنَّهُ بِطِّيخٌ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُنْتَفَعِ بِهِ كَالْكُمَّثْرَى فَإِنَّهَا غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَهَذَا الشَّرْطُ لَيْسَ خَاصًّا بِهَذَا بَلْ كُلُّ بَيْعٍ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مَعَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ الْأَصْلِ فِي أُمُورٍ فَاحْتَاجَ إلَى شُرُوطٍ مِنْهَا هَذَا فَلِذَا ضَمَّهُ لَهَا.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ تَدْعُوَ إلَى ذَلِكَ حَاجَةٌ] سَوَاءٌ كَانَ الِاحْتِيَاجُ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا [قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَتَمَالَأَ إلَخْ] لَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّمَالُؤِ هُنَا أَنْ يَتَوَافَقُوا عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَوَافُقُهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ [قَوْلُهُ: أَيْ الثَّمَرِ] الدَّالُّ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى الثَّمَرِ خَاصَّةً دُونَ الْحَبِّ.
قَوْلُهُ: إذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ وَأَوْلَى كُلُّهُ فَإِذَا كَانَ زَرْعًا وَبَدَا صَلَاحُ كُلِّهِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا إنْ لَمْ يَسْتَتِرْ، فَإِنْ اسْتَتَرَ فِي أَكْمَامِهِ كَقَمْحٍ فِي سُنْبُلِهِ وَبِزْرِ كَتَّانٍ فِي جَوْزِهِ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ جُزَافًا لِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ وَيَصِحُّ كَيْلًا، وَأَمَّا شِرَاءُ مَا ذَكَرَ مَعَ قِشْرِهِ فَيَجُوزُ، وَلَوْ بَاقِيًا فِي شَجَرِهِ لَمْ يُقْطَعْ إذَا بَدَا صَلَاحُهُ وَلَمْ يَسْتَتِرْ بِوَرَقِهِ فِيمَا لَهُ وَرَقٌ وَإِلَّا امْتَنَعَ بَيْعُهُ جُزَافًا أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ نَخْلَةً] وَيَلْحَقُ بِالثَّمَرِ الْمَقَاثِئ، وَافْهَمْ أَنَّ بُدُوَّ صَلَاحِ الْبَلَحِ لَا يَكْفِي فِي حِلِّ بَيْعِ نَحْوِ الْعِنَبِ، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِالْمَقَاثِئِ، وَالثَّمَرِ.
وَأَمَّا بُدُوُّ صَلَاحِ بَعْضِ الزَّرْعِ فَلَا يَكْفِي فِي حِلِّ بَيْعِ بَاقِيهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ يُبْسِ حَبِّ جَمِيعِ الزَّرْعِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الثَّمَرِ، وَالْمَقَاثِئِ يَكْتَفِي بِبُدُوِّ صَلَاحِ بَعْضِ الْجِنْسِ، وَالزَّرْعُ لَا يَحِلُّ إلَّا بِبُدُوِّ صَلَاحِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَنَّ الثَّمَرَ إذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ يَتْبَعُهُ الْبَاقِي سَرِيعًا وَمِثْلُهُ نَحْوُ الْقِثَّاءِ بِخِلَافِ الزَّرْعِ وَلِشِدَّةِ حَاجَةِ النَّاسِ لِأَكْلِ الثِّمَارِ رَطْبَةً: [قَوْلُهُ: نَخْلَةً وَاحِدَةً] مَنْصُوبٌ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ لِ كَانَ الْمُضْمِرَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِكَثْرَةِ حَذْفِهَا مَعَ اسْمِهَا بَعْدَ إنْ، وَلَوْ الشَّرْطِيَّتَيْنِ، وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسَائِلَ مَمْنُوعَةٍ فَقَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا فِي الْأَنْهَارِ) جَمْعُ نَهْرٍ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِهَا (وَ) لَا بَيْعُ مَا فِي (الْبِرَكِ) بِكَسْرِ الْبَاءِ جَمْعُ بِرْكَةٍ بِكَسْرِ الْبَاءِ أَيْضًا وَهِيَ الْغُدُرُ الْمَحْفُورَةُ الْمُقَطَّعَةُ (مِنْ الْحِيتَانِ) لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ شِرَاءِ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ» أَيْ لِلْغَرَرِ، وَالْغَرَرُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: عَدَمُ التَّسْلِيمِ وَكَوْنُهُ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ

(وَ) كَذَا (لَا) يَجُوزُ (بَيْعُ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ) آدَمِيَّةً أَوْ غَيْرَهَا لِلْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ هُوَ حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ نَاقِصٌ أَوْ تَامٌّ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى فَقَوْلُهُ: (وَلَا بَيْعُ مَا فِي) بُطُونِ (سَائِرِ الْحَيَوَانِ) أَيْ لَا يَجُوزُ تَكْرَارٌ (وَ) كَذَا (لَا) يَجُوزُ (بَيْعُ نِتَاجِ) بِكَسْرِ النُّونِ (مَا تُنْتَجُ النَّاقَةُ) بِضَمِّ التَّاءِ الْأُولَى مِنْ الْفِعْلِ وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ لِمَا صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ» فَسَّرَهُ ابْنُ وَهْبٍ بِنِتَاجِ مَا تُنْتَجُ النَّاقَةُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا مِنْ شِدَّةِ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ جَنِينُ مَا يَلِدُ جَنِينُ هَذِهِ النَّاقَةِ.

[حاشية العدوي]

رَفْعُهَا وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ عَلَى جَعْلِهِ فَاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ، وَإِنْ بَدَا نَخْلَةٌ أَيْ صَلَاحُ نَخْلَةٍ وَلَا مَفْهُومَ لِنَخْلَةٍ بَلْ أَوْ شَجَرَةٍ أَوْ دَالِيَةٍ فِي الْكَرْمِ أَوْ زَيْتُونَةٍ فِي الزَّيْتُونِ [قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَتْ بَاكُورَةً] أَيْ وَهِيَ الَّتِي تَسْبِقُ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ مَعَهُ تَتَابُعُ الطِّيبِ

[مَسَائِل مُتَنَوِّعَة فِي الْبَيْع]

[قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِهَا] لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ عَيْنُهُ حَرْفُ حَلْقٍ كَشَهْرٍ [قَوْلُهُ: وَهِيَ الْغُدُرُ] سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِغَدْرِهَا أَهْلَهَا بِانْقِطَاعِهَا عِنْدَ شِدَّةِ حَاجَتِهِمْ لَهَا كَمَا ذَكَرَهُ تت [قَوْلُهُ: الْمَحْفُورَةُ] كَذَا فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ النُّسَخِ وَنُسْخَةِ تت، وَالتَّحْقِيقُ مِمَّا وَقَفْت عَلَيْهِ الْحَصُورَةُ بِالصَّادِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَحْفُورَ مَحَلُّهَا وَتَكُونُ الْبِرْكَةُ عَلَى كَلَامِهِ نَفْسَ الْمَاءِ الْمُجْتَمَعِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي انْقَطَعَ عَنْ السَّيْلِ مَثَلًا.
وَفِي الْفَاكِهَانِيِّ سُمِّيَتْ الْبِرْكَةُ بِذَلِكَ لِإِقَامَةِ الْمَاءِ فِيهَا فَهِيَ اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ عَلَى كَلَامِهِ [قَوْلُهُ: مِنْ الْحِيتَانِ] قَيَّدَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلٍّ مَحْصُورٍ كَبِرْكَةٍ صَغِيرَةٍ بِحَيْثُ يُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا فِيهَا وَيَقْدِرُ عَلَى تَنَاوُلِهِ وَإِلَّا جَازَ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَجُوزُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ مَنْعُ الِاصْطِيَادِ مِنْهَا إلَّا فِي صُورَةٍ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ اصْطِيَادُ الْغَيْرِ يَضُرُّ بِصَاحِبِ الْأَرْضِ كَأَنْ تَكُونَ الْبِرْكَةُ فِي وَسَطِ زَرْعِ صَاحِبِ الْأَرْضِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ لِلْغَرَرِ] وَلِذَلِكَ كَانَ مِثْلُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَالنَّحْلِ خَارِجًا عَنْ الْجَبْحِ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهَا وَتَسَلُّمِهَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ النَّحْلُ فِي جَبْحِهِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلَوْ بِدُونِ جَبْحِهِ وَيَدْخُلُ الجبح تَبَعًا كَمَا أَنَّهُ لَوْ عَقَدَ عَلَى الْجَبْحِ وَسَكَتَ عَنْ النَّحْلِ أَنَّهُ يَدْخُلُ النَّحْلُ وَلَا يَدْخُلُ الْعَسَلُ فِي الصُّورَتَيْنِ

[قَوْلُهُ: هَلْ هُوَ حَيٌّ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ يَعْلَمُ كَوْنَهُ حَيًّا فَلَعَلَّ الْأَوْلَى لَمْ يَعْلَمْ هَلْ يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا.
وَقَوْلُهُ: نَاقِصٌ أَوْ تَامٌّ أَيْ نَاقِصُ الْخِلْقَةِ أَوْ تَامُّهَا لَا نَاقِصٌ عَنْ مُدَّةِ الْحَمْلِ أَوْ تَامُّهَا؛ لِأَنَّ هَذَا يُعْلَمُ [قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ] أَيْ إنْ كَانَ الْجَنِينُ عَامًّا، وَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِجَنِينِ الْأَمَةِ فَلَا تَكْرَارَ تت.
[قَوْلُهُ: وَلَا بَيْعُ نِتَاجِ مَا تُنْتَجُ النَّاقَةُ] هَذَا أَشَدُّ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ جَنِينُ الْجَنِينِ [قَوْلُهُ: عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ] أَيْ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ وَهُوَ مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَمْ تُسْمَعْ إلَّا مَبْنِيَّةً لِلْمَفْعُولِ مُرَادًا بِهَا الْفَاعِلَ نَحْوُ زَهَا عَلَيْنَا أَيْ تَكَبَّرَ.
[قَوْلُهُ: فَسَّرَهُ ابْنُ وَهْبٍ] وَفَسَّرَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ بَيْعُ الْجَزُورِ إلَى أَنْ تُنْتَجُ النَّاقَةُ ثُمَّ تُنْتَجُ الَّذِي فِي بَطْنِهَا فَهُوَ الْبَيْعُ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ.
أَقُولُ: فَعَلَى تَفْسِيرِ ابْنِ وَهْبٍ يَكُونُ حَبَلٌ بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَالْمُوَحَّدَةِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ،، وَالْحَبَلَةُ اسْمٌ جَمْعُ حَابِلٍ كَظَالِمِ وَظَلَمَةٍ.
وَقَالَ الْأَخْفَشُ: هُوَ جَمْعُ حَابِلَةٍ فَمَصْدُوقُ الْمُضَافِ جَنِينُ الْجَنِينِ الْوَاقِعُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ، وَمَصْدُوقُ الْمُضَافِ إلَيْهِ الْجَنِينُ الَّذِي فِي الْبَطْنِ حِينَ الْمَبِيعِ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ أَوْ يُجْعَلَ اسْمُ الْفَاعِلِ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَالْحَبَلُ مُخْتَصٌّ بِالْآدَمِيَّاتِ وَلَا يُقَالُ فِي غَيْرِهِنَّ مِنْ الْحَيَوَانِ إلَّا حَمْلٌ إلَّا مَا فِي حَدِيثِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ جَنِينُ مَا

(وَ) كَذَا (لَا) يَجُوزُ (بَيْعُ مَا فِي ظُهُورِ الْإِبِلِ) لِمَا صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ» . ج: إنْ كَانَ النَّزْوُ مَضْبُوطًا بِمَرَّاتٍ أَوْ زَمَانٍ جَازَ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ كَرَاهَتَهُ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَإِنَّ أَخْذَ الْأَجْرِ فِيهِ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُفْسَخْ وَلَمْ يُرَدَّ

(وَ) كَذَا (لَا) يَجُوزُ بَيْعُ (الْآبِقِ) فِي حَالِ إبَاقِهِ لِلْغَرَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ حَاضِرًا وَبُيِّنَ لَهُ غَايَةُ إبَاقِهِ جَازَ (وَ) كَذَا (لَا) يَجُوزُ بَيْعُ (الْبَعِيرِ الشَّارِدِ) لِلْغَرَرِ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ

(وَنُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْكِلَابِ) أَشَارَ بِذَلِكَ لِمَا فِي مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» (وَاخْتُلِفَ فِي) جَوَازِ (بَيْعِ مَا أُذِنَ فِي اتِّخَاذِهِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْكِلَابِ لِلْحِرَاسَةِ، وَالصَّيْدِ فِي جَوَازِهِ وَمَنْعِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ (وَأَمَّا مَنْ قَتَلَهُ) أَيْ الْمَأْذُونَ فِي

[حاشية العدوي]

يَلِدُ] أَيْ مَا يَلِدُهُ جَنِينٌ أَيْ جَنِينُ الَّذِي يَلِدُهُ جَنِينُ هَذِهِ النَّاقَةِ، وَانْظُرْ فَإِنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ تَقْتَضِي أَنَّ الْمُبَاعَ ابْنُ ابْنِ مَا فِي بَطْنِهَا فَيُخَالِفُ قَوْلُهُ نِتَاجُ مَا تُنْتَجُ النَّاقَةُ، فَاَلَّذِي عَلَى طِبْقِ مَا تَقَدَّمَ أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّهُ جَنِينُ الْجَنِينِ، وَإِذَا امْتَنَعَ بَيْعُ الْجَنِينِ فَكَيْفَ بِجَنِينِ الْجَنِينِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ جَنِينُ مَا تَلِدُ لِلْبَيَانِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْحَبَلَةَ اسْمٌ لِمَا فِي الْبَطْنِ وَحَبَلُهَا وَلَدُ ذَلِكَ الَّذِي فِي الْبَطْنِ

[قَوْلُهُ: وَلَا بَيْعُ مَا فِي ظُهُورِ الْإِبِلِ] الْمُرَادُ الْفُحُولُ مُطْلَقًا بِأَنْ يَقُولَ صَاحِبُ الْفَحْلِ لِصَاحِبِ النَّاقَةِ أَبِيعُك مَا يَتَكَوَّنُ مِنْ مَاءِ فَحْلِ هَذَا فِي بَطْنِ نَاقَتِك أَوْ نَاقَتِي، وَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ إلَّا أَنْ يَفُوتَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بِمَا يَفُوتُ بِهِ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ.
[قَوْلُهُ: ضِرَابِ] بِكَسْرِ الضَّادِ وَهُوَ النَّزْوُ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ فَالدَّلِيلُ لَا يُطَابِقُ الْمُدَّعِيَ تَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: النَّزْوُ] مَصْدَرٌ بِفَتْحِ النُّونِ عَلَى وَزْنِ قَتَلَ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: نَزَا الْفَحْلُ نَزْوًا مِنْ بَابِ قَتَلَ وَنَزَوَانًا وَثَبَ اهـ. [قَوْلُهُ: بِمَرَّاتٍ أَوْ زَمَانٍ جَازَ] أَيْ مَرَّةٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَوْ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَعَطَفَ بِأَوْ لِإِفَادَةِ عَدَمِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الْوَاضِحَةِ إنْ سَمَّى يَوْمًا أَوْ شَهْرًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسَمِّيَ نَزَوَاتٍ، فَإِنْ حَصَلَ الْحَمْلُ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ وَعَلَيْهِ بِحِسَابِ مَا اُنْتُفِعَ [قَوْلُهُ: كَرَاهَتَهُ] ظَاهِرُ بَهْرَامَ أَيْ مُطْلَقًا كَانَ النَّزْوُ مَضْبُوطًا بِمَا ذَكَرَ أَوْ لَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ لِلتَّنْزِيهِ، وَمُفَادُ الْحَدِيثِ الْحُرْمَةُ.
وَقَوْلُهُ: بَعْدُ لَمْ يَفْسَخْ وَلَمْ يَرُدَّ رُبَّمَا يُقَوِّي الْكَرَاهَةَ، وَعَطْفُ لَمْ يَرُدَّ تَفْسِيرٌ.
وَقَوْلُهُ: لِلنَّهْيِ عَنْهُ أَيْ فَفِي مُسْلِمٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ» .

[قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْآبِقِ] أَيْ فَبَيْعُهُ فَاسِدٌ وَضَمَانُهُ مِنْ بَائِعِهِ وَيَفْسَخُ، وَإِنْ قَبَضَ، وَإِذَا عَرَفَ أَنَّهُ عِنْدَ رَجُلٍ جَازَ أَنْ يُبَاعَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُوصَفُ لَهُ إذَا وُصِفَ لِلسَّيِّدِ حَالُهُ الْآنَ إنْ مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ أَنْ يَتَغَيَّرَ فِيهِ، وَكَانَ الْمُشْتَرِي لَا يَعْلَمُ صِفَتَهُ لَا إنْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْقُرْبِ، وَالْمُشْتَرِي يَعْلَمُ صِفَتَهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْوَصْفِ وَأَنْ لَا يُشْتَرَطَ نَقْدُ الثَّمَنِ وَيُشْتَرَطُ فِي الَّذِي عَنْهُ الْآبِقُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْإِمَامِ، وَمِثْلُهُ مَنْ لَمْ يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ.
قَالَ عج: وَيَجْرِي مِثْلُهُ فِي الْبَعِيرِ الشَّارِدِ.
[قَوْلُهُ: وَبَيَّنَ لَهُ غَايَةَ إبَاقِهِ] الْغَايَةَ بِاعْتِبَارِ الزَّمَانِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ: غَايَةُ إبَاقِهِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ مَثَلًا، وَبِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ كَأَنْ يَقُولَ: إنَّ غَايَةَ إبَاقِهِ إلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّة مَثَلًا

[قَوْلُهُ: عَنْ بَيْعِ الْكِلَابِ] الْمَنْعُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إنْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِي اتِّخَاذِهِ، وَإِذَا وَقَعَ كَانَ بَاطِلًا.
[قَوْلُهُ: وَمَهْرِ الْبَغِيِّ] بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ التَّحْتِيَّةِ فَعِيلٍ بِمَعْنَى فَاعِلٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ، وَالْمُؤَنَّثُ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ مَا تَأْخُذُهُ الْمَرْأَةُ عَلَى فَرْجِهَا، وَسُمِّيَ مَهْرًا مَجَازًا لِكَوْنِهِ عَلَى صُورَتِهِ، وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ بِضَمِّ الْحَاءِ مَا يَأْخُذُهُ عَلَى كِهَانَتِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ الْمُنَاوِيُّ: شُبِّهَ بِالشَّيْءِ الْحُلْوِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَأْخُذُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكَاهِنِ، وَالْعَرَّافِ أَنَّ الْكَاهِنَ إنَّمَا يَتَعَاطَى الْخَبَرَ عَنْ الْكَوَائِنِ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ وَيَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْأَسْرَارِ، وَالْعَرَّافُ هُوَ الَّذِي يَتَعَاطَى مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ وَمَكَانَ الضَّالِّ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْأُمُورِ اهـ. [قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ بَيْعِ إلَخْ] قَالَ تت: وَالْمَشْهُورُ الْمَنْعُ وَهُنَاكَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ بِالْكَرَاهَةِ، فَإِنْ وَقَعَ وَنَزَلَ وَعَقَدَ عَلَى الْكَلْبِ فَالْحُكْمُ أَنَّهُ يُفْسَخُ بَيْعُهُ إلَّا أَنْ يَطُولَ.
وَقِيلَ: وَإِنْ طَالَ وَقِيلَ يَمْضِي بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِجَوَازِهِ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ نَاجِي، وَهَذَا فِيمَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ مِنْ الْكِلَابِ، وَأَمَّا مَا لَا يَجُوزُ

اتِّخَاذِهِ (فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) وَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ فَلَا قِيمَةَ فِيهِ ك: لَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي جَوَازِ قَتْلِ الْكِلَابِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهَا لِمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ الْأَمْرِ بِقَتْلِهَا

(وَ) كَذَا لَا يَجُوزُ (بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ) لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ بَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ وَهُوَ مَعْنَى الْمُزَابَنَةِ، وَالنَّهْيُ الْمَذْكُورُ عِنْدَ مَالِكٍ مَخْصُوصٌ بِاللَّحْمِ مِنْ نَوْعِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ جِنْسِهِ) مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ لَحْمَ بَقَرٍ بِغَنَمٍ مَثَلًا، وَقَيَّدَ فِي الْمُخْتَصَرِ الْمَنْعَ بِمَا إذَا لَمْ يُطْبَخْ اللَّحْمُ فَإِنْ طُبِخَ جَازَ.
وَكَذَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ كَبَيْعِ لَحْمِ الْغَنَمِ بِالطَّيْرِ وَقَيَّدَ ق ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ نَقْدًا، أَمَّا إنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ فَلَا يَجُوزُ

(وَ) كَذَا (لَا) يَجُوزُ (بَيْعَتَانِ) وَفِي نُسْخَةٍ بَيْعَتَيْنِ وَهِيَ مُؤَوَّلَةٌ بِتَقْدِيرِ وَلَا بَيْعُ بَيْعَتَيْنِ (فِي بَيْعَةٍ) لِمَا صَحَّ مِنْ نَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ ذَلِكَ (وَ) صَوَّرُوا (ذَلِكَ) بِصُورَتَيْنِ

[حاشية العدوي]

اتِّخَاذُهُ مِنْهَا فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَأَنَّهُ إنْ بِيعَ فُسِخَ الْبَيْعُ.
[قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ] عَلَى تَقْدِيرِ جَوَازِ بَيْعِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ الْبَيْعِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِإِبَاحَةِ الْبَيْعِ فَأَحْرَى أَنْ تَكُونَ فِيهِ الْقِيمَةُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ كَغُرْمِ قِيمَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَلَحْمِ أَوْ جِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ بَعْدَ ذَبْحِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ حُرْمَةِ الْبَيْعِ، وَالضَّمَانِ [قَوْلُهُ: لِمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الطَّلَبَ فَلَا يُوَافِقُ قَوْلُهُ أَوَّلًا فِي جَوَازِ إلَخْ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْإِذْنِ، وَلِذَا ذَكَرَ بَعْضٌ أَنَّهُ يُنْدَبُ قَتْلُهَا

[قَوْلُهُ: بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ] أَيْ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وَهُوَ كَتَحَقُّقِ التَّفَاضُلِ.
تت: وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ فَالْمَعْلُومُ اللَّحْمُ، وَالْمَجْهُولُ الْحَيَوَانُ [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَعْنَى الْمُزَابَنَةِ] مِنْ قَوْلِهِمْ نَاقَةٌ زَبُونٌ إذَا مُنِعَتْ مِنْ حِلَابِهَا، وَمِنْهُ الزَّبَانِيَةُ لِدَفْعِهِمْ الْكُفَّارَ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَدْفَعُ صَاحِبَهُ عَنْ مُرَادِهِ وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ الْغَالِبُ، فَإِذَا عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَكْثَرُ انْتَفَى هَذَا تَحْقِيقُ [قَوْلِهِ: عِنْدَ مَالِكٍ] أَيْ مِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ وَمُقَابِلُهُ كَمَا يُفِيدُهُ بَهْرَامُ تَخْصِيصُهُ بِالْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يُرَادُ إلَّا لِلذَّبْحِ لِظُهُورِ الْقَصْدِ إلَى الْمُزَابَنَةِ [قَوْلُهُ: مَخْصُوصٌ بِاللَّحْمِ مَعَ نَوْعِهِ] ، وَلَوْ كَانَ الْحَيَوَانُ يُرَادُ لِلْقَنِيَّةِ [قَوْلُهُ: وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ] أَرَادَ بِهِ الْجِنْسَ اللُّغَوِيَّ الصَّادِقَ بِالنَّوْعِ وَبِالصِّنْفِ فَلَا يُنَافِي قَوْلُهُ مَخْصُوصٌ بِاللَّحْمِ مِنْ نَوْعِهِ [قَوْلَهُ: فَإِنْ طُبِخَ جَازَ] ، وَلَوْ طُبِخَ بِغَيْرِ أَبْزَارٍ لَكِنَّ شَرْطَ جَوَازِهِ التَّعْجِيلُ وَإِلَّا حَرُمَ إلَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ يُرَادُ لِلْقَنِيَّةِ [قَوْلُهُ: أَمَّا إنْ كَانَ إلَى أَجَلٍ فَلَا يَجُوزُ] يُقَيَّدُ بِمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ لَا يُرَادُ لِلْقَنِيَّةِ وَإِلَّا فَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِلَحْمٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ لِأَجَلٍ كَمَا هُوَ نَصُّ ق إلَّا أَنَّ الشَّارِحَ اخْتَصَرَ الْعِبَارَةَ.
تَتْمِيمٌ: اعْلَمْ أَنَّ صُوَرَ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ وَبَيْعِ الْحَيَوَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ مِنْ ضَرْبِ خَمْسٍ وَهِيَ لَحْمٌ وَحَيَوَانٌ يُرَادُ لِلْقَنِيَّةِ وَلَهُ مَنْفَعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَمَا لَا تَطُولُ حَيَاتُهُ كَطَيْرِ الْمَاءِ، وَالشَّارِفِ، وَمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ إلَّا اللَّحْمُ كَخَصِيِّ الْمَعْزِ أَوْ قُلْت كَخَصِيِّ الضَّأْنِ فِي مِثْلِهَا الْمُكَرَّرِ مِنْهَا عَشَرَةٌ، وَالْبَاقِي خَمْسَةَ عَشَرَ الْجَائِزُ مِنْهَا اثْنَتَانِ بَيْعُ اللَّحْمِ بِلَحْمٍ وَبَيْعُ حَيَوَانٍ يُرَادُ لِلْقَنِيَّةِ بِمِثْلِهِ، وَصُوَرُ بَيْعِ الْحَيَوَانِ مِثْلُ عَشْرٍ يَجُوزُ مِنْهَا وَاحِدَةٌ كَمَا عَلِمْت وَتَمْتَنِعُ تِسْعَةٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ اللَّحْمَ بِاللَّحْمِ مِنْ جِنْسِهِ جَائِزٌ عِنْدَ التَّمَاثُلِ وَالتَّنَاجُزِ، وَبِغَيْرِ جِنْسِهِ يَكْفِي التَّنَاجُزُ كَمَا فِي بَيْعِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَا تُرَادُ لِلْقَنِيَّةِ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَطْعِمَةِ، وَلَوْ لَحْمًا نِيئًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا، وَأَمَّا حَيَوَانٌ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ فَإِنْ كَانَا لِلْقَنِيَّةِ فَيَجُوزُ، وَلَوْ لِأَجَلٍ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ نَقْدًا لِلْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَحَدُهُمَا لَحْمًا، وَأَمَّا بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَمَا يُرَادُ لِلْقَنِيَّةِ فَيَجُوزُ نَقْدًا لَا إلَى أَجَلٍ إنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَا يُرَادُ لِلْقَنِيَّةِ، وَالْحَيَوَانُ الَّذِي لَا يُرَادُ لِلْقَنِيَّةِ كَمَا لَا يُبَاعُ بِلَحْمٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَوْ نَقْدًا وَلَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ لِأَجَلٍ لَا يَجُوزُ دَفْعُهُ كِرَاءً لِأَرْضٍ وَلَا قَضَاءً عَلَى دَرَاهِمَ أُكْرِيَتْ الْأَرْضُ بِهَا

[قَوْلُهُ: بَيْعَتَانِ] أَيْ جَمَعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، أَيْ فِي عَقْدٍ وَتَسْمِيَةُ ذَلِكَ الْعَقْدِ بَيْعَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الثَّمَنِ [قَوْلُهُ: مَا صَحَّ فِي نَهْيِهِ] فَفِي الْمُوَطَّأِ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ

إحْدَاهُمَا: أَنْ يَبِيعَ سِلْعَةً وَاحِدَةً بِثَمَنَيْنِ مُخْتَلِفِينَ وَإِلَيْهَا أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً إمَّا بِخَمْسَةٍ نَقْدًا أَوْ عَشَرَةٍ إلَى أَجَلٍ قَدْ لَزِمَتْهُ بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ) ، وَلَوْ عُكِسَ لَجَازَ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ لَا يَخْتَارُ إلَّا الْأَقَلَّ فِي الْمِقْدَارِ، وَالْأَبْعَدَ فِي الْأَجَلِ (وَ) الْأُخْرَى (أَنْ يَبِيعَهُ إحْدَى سِلْعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ) كَثَوْبٍ وَشَاةٍ بِدِينَارٍ عَلَى اللُّزُومِ فَشَرْطُ الْمَنْعِ فِي الصُّورَتَيْنِ مَعًا كَوْنُ الْبَيْعِ عَلَى اللُّزُومِ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ أَوْ لِأَحَدِهِمَا لِلْغَرَرِ إذْ لَا يَدْرِي الْبَائِعُ بِمَ بَاعَ، وَلَا الْمُشْتَرِي بِمَ اشْتَرَى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى اللُّزُومِ جَازَ

(وَ) كَذَا (لَا يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ) بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ وَمِيمٍ سَاكِنَةٍ اسْمٌ لِلْيَابِسِ (بِالرُّطَبِ) بِضَمِّ الرَّاءِ لَا مُتَفَاضِلًا وَلَا مُتَمَاثِلًا لِمَا صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ فَقَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: فَلَا إذًا» . مَالِكٌ: فَلَا يُبَاعُ إذًا، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَعْنَاهُ فَلَا بَأْسَ إذًا (وَ) كَذَا (لَا) يَجُوزُ (بَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْعِنَبِ لَا مُتَفَاضِلًا وَلَا مِثْلًا بِمِثْلٍ) ؛ لِأَنَّ التَّمَاثُلَ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ؛ لِأَنَّ الرُّطَبَ إذَا يَبِسَ قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ الْيَابِسِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ مِثْلَهُ، فَهَذَا غَرَرٌ، وَالْجَهْلُ بِالتَّمَاثُلِ كَتَحَقُّقِ التَّفَاضُلِ، وَالتَّفَاضُلُ فِيهِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ (وَ) كَذَا (لَا) يَجُوزُ (رَطْبٌ) بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ بَيْعُهُ (بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ) لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ: (مِنْ سَائِرِ الثِّمَارِ، وَالْفَوَاكِهِ) لَكَانَ أَوْلَى لِيُدْخِلَ فِيهِ الْحُبُوبَ، وَاحْتَرَزَ بِهِ مِمَّا لَوْ بِيعَ رَطْبٌ بِيَابِسٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ إذْ التَّفَاضُلُ بَيْنَ الْأَجْنَاسِ جَائِزٌ.
، وَالْمَشْهُورُ جَوَازُ بَيْعِ الرَّطْبِ بِالرَّطْبِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَلَوْ كَانَ جَدِيدًا بِقَدِيمٍ وَمَنَعَ عَبْدُ الْمُلْكِ الْجَدِيدَ بِالْقَدِيمِ وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ (وَهُوَ) أَيْ بَيْعُ الرَّطْبِ بِالْيَابِسِ مِنْ جِنْسِهِ (مِمَّا) أَيْ مِنْ بَعْضِ الَّذِي (نُهِيَ عَنْهُ مِنْ الْمُزَابَنَةِ) أَيْ الَّذِي هُوَ الْمُزَابَنَةُ، إذْ الْمُزَابَنَةُ بَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ أَوْ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ، فَإِنَّ الرَّطْبَ مَعْلُومٌ، وَالْيَابِسَ مَجْهُولٌ إذْ لَا يُدْرَى مِقْدَارُ مَا فِيهِ مِنْ الرَّطْبِ، وَالْمُزَابَنَةُ عِنْدَنَا لَا تَخْتَصُّ بِالرِّبَوِيِّ، وَإِنْ وَقَعَتْ مُفَسَّرَةً

[حاشية العدوي]

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» [قَوْلُهُ: بِثَمَنَيْنِ] أَيْ فَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالْبَيْعَتَيْنِ الثَّمَنَيْنِ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ، أَيْ لِأَنَّ الثَّمَنَ مِنْ أَرْكَانِ الْبَيْعِ [قَوْلُهُ: إحْدَى سِلْعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ] أَيْ بِغَيْرِ الْجَوْدَةِ، وَالرَّدَاءَةِ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ لِلْجَهْلِ بِالْمُثَمَّنِ فِي صُورَةِ الشَّارِحِ الَّتِي هِيَ اتِّحَادُ الْمُثَمَّنِ أَوْ الثَّمَنِ إذَا اخْتَلَفَ.
    [قَوْلُهُ: إذْ لَا يَدْرِي الْبَائِعُ] هَذِهِ الْعِلَّةُ إنَّمَا هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الْأُولَى.
    [قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى اللُّزُومِ جَازَ] أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْخِيَارِ فِيمَا يُعَيِّنُهُ كَمَا يَجُوزُ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا بِالْجَوْدَةِ، وَالرَّدَاءَةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنَّمَا يَدْخُلُ عَلَى الْأَجْوَدِ، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ تَكُنْ السِّلْعَةُ الْمَبِيعَةُ أَحَدَ طَعَامَيْنِ وَإِلَّا امْتَنَعَ مُطْلَقًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُعَدُّ مُنْتَقِلًا.

[قَوْلُهُ: قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ] هَذَا بَعِيدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ إذْ الشَّأْنُ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ إذَا يَبِسَ [قَوْلُهُ: وَلَا رَطْبٌ بِيَابِسٍ] فَلَا يُبَاعُ الْفُولُ الْحَارُّ بِالْيَابِسِ وَلَا الْقَمْحُ بِالْبَلِيلَةِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُمَاثَلَةُ مَعَ عَدَمِ انْتِقَالِ أَحَدِهِمَا، وَلِذَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُدَمَّسِ بِالْيَابِسِ، وَالْقَمْحِ بِالْهَرِيسَةِ يَدًا بِيَدٍ لِانْتِقَالِ الْمُدَمَّسِ، وَالْمَطْبُوخِ عَنْ أَصْلِهِ، كَمَا يَجُوزُ الْيَابِسُ بِالرَّطْبِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْتَقِلَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ عَنْ الْأَصْلِ [قَوْلُهُ: وَمَنَعَ عَبْدُ الْمَلِكِ] وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ يُعْتَبَرُ الْحَالُ فَتَجُوزُ الْمُمَاثَلَةُ أَوْ الْمَآلُ فَلَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَنْقُصَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ [قَوْلُهُ: بَيْعٌ مَعْلُومٌ] كَبَيْعِ وَسْقِ تَمْرٍ بِتَمْرِ نَخْلَةٍ عَلَى رَأْسِهَا، وَمِثَالُ بَيْعِ الْمَجْهُولِ بِالْمَجْهُولِ كَبَيْعِ تَمْرِ نَخْلَةٍ لَمْ يَجُدُّ بِتَمْرِ نَخْلَةٍ لَمْ يَجُدُّ أَيْضًا [قَوْلُهُ: وَالْيَابِسُ مَجْهُولٌ] الْعِبَارَةُ فِيهَا قَلْبٌ، وَعِبَارَةُ التَّحْقِيقِ فَالْيَابِسُ مَعْلُومٌ، وَالرَّطْبُ مَجْهُولٌ [قَوْلُهُ: وَالْمُزَابَنَةُ عِنْدَنَا لَا تَخْتَصُّ بِالرِّبَوِيِّ] . حَاصِلُهُ أَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ مِنْ الطَّعَامِ غَيْرِ الرِّبَوِيِّ وَاَلَّذِي لَيْسَ بِطَعَامٍ أَصْلًا كَالْحَدِيدِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَجْهُولٍ مِنْهُ بِمَعْلُومٍ وَلَا مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ إلَّا إذَا تَبَيَّنَ الْفَضْلُ، وَأَمَّا الطَّعَامُ الرِّبَوِيُّ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ مُطْلَقًا تَبَيَّنَ الْفَضْلُ أَوْ لَا، وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ أَجْزَأَ مُطْلَقًا تَبَيَّنَ

فِي الْحَدِيثِ بِالرِّبَوِيِّ؛ لِأَنَّ ثَمَّ عُمُومَاتٍ يَدْخُلُ تَحْتَهَا غَيْرُ الرِّبَوِيِّ كَالنَّهْيِ عَنْ الْغَرَرِ

(وَلَا يُبَاعُ جُزَافٌ) مُثَلَّثُ الْجِيمِ (بِمَكِيلٍ مِنْ صِنْفِهِ) رِبَوِيًّا مُطْلَقًا أَعْنِي سَوَاءٌ تَبَيَّنَ الْفَضْلُ أَمْ لَا كَصُبْرَةِ قَمْحٍ لَا يُعْلَمُ كَيْلُهَا بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ مِنْهُ لِلْمُزَابَنَةِ (وَ) كَذَا (لَا) يُبَاعُ (جُزَافٌ بِجُزَافٍ مِنْ صِنْفِهِ) كَذَلِكَ كَصُبْرَةِ قَمْحٍ لَا يُعْلَمُ كَيْلُهَا بِصُبْرَةِ قَمْحٍ لَا يُعْلَمُ كَيْلُهَا لِلْمُزَابَنَةِ أَيْضًا، وَاحْتَرَزَ بِصِنْفِهِ مِمَّا إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ مَجْهُولٍ بِمَعْلُومٍ وَمَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ سَوَاءٌ تَبَيَّنَ الْفَضْلُ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَتْ الْأَجْنَاسُ، وَقَيَّدْنَا بِالرِّبَوِيِّ إلَى آخِرِهِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَ الطَّعَامُ الْوَاحِدُ غَيْرَ رِبَوِيٍّ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ الْفَضْلُ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْجُزَافِ بِالْمَكِيلِ، وَالْجُزَافِ بِالْجُزَافِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْبَيْعُ (إنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ)

(وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الشَّيْءِ الْغَائِبِ) عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ بِشُرُوطٍ سِتَّةٍ؛ أَحَدُهَا أَنْ يَقَعَ (عَلَى الصِّفَةِ) ج: ظَاهِرُ أَنَّهُ لَوْ بِيعَ دُونَ صِفَةٍ وَلَا تَقَدُّمِ رُؤْيَةٍ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِيَارِهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ عَلَى الْمَعْرُوفِ وَهُوَ نَصُّ مَا فِي كِتَابِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
وَظَاهِرُ مَا فِي السَّلَمِ الثَّالِثِ مِنْهَا جَوَازُهُ وَأَنْكَرَهُ ابْنُ الْقَصَّارِ وَالْأَبْهَرِيُّ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ لِجَهْلِهِ حِينَ الْعَقْدِ اهـ. ثَانِيهَا: أَنْ يَصِفَهُ غَيْرُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يُوثَقُ بِوَصْفِهِ إذْ قَدْ يَقْصِدُ الزِّيَادَةَ فِي الصِّفَةِ لِيُنْفِقَ سِلْعَتَهُ.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي مِمَّنْ يَعْرِفُ مَا وُصِفَ لَهُ.
رَابِعُهَا: أَلَّا يَكُونَ الْمَبِيعُ بَعِيدًا جِدًّا.
خَامِسُهَا: أَلَّا يَكُونَ قَرِيبًا تُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ.
سَادِسُهَا: أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ:

[حاشية العدوي]

الْفَضْلُ أَوْ لَا كَانَا رِبَوِيَّيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ لَا طَعَامَيْنِ أَوْ لَا [قَوْلُهُ: وَإِنْ وَقَعَتْ مُفَسَّرَةً فِي الْحَدِيثِ إلَخْ] فِي الصَّحِيحِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمُزَابَنَةِ،، وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ كَيْلًا وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْعِنَبِ كَيْلًا اهـ. تت [قَوْلُهُ: كَالنَّهْيِ عَنْ الْغَرَرِ] أَيْ وَمِنْ الْغَرَرِ بَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ أَوْ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ

[قَوْلُهُ: كَذَلِكَ] أَيْ رِبَوِيٌّ مُطْلَقًا تَبَيَّنَ الْفَضْلُ أَوْ لَا [قَوْلُهُ: مِمَّا إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ] أَيْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطِ الْمُنَاجَزَةِ، وَمِثْلُ الْجِنْسَيْنِ فِي الْجَوَازِ الْجِنْسُ الْوَاحِدُ إذَا دَخَلَتْهُ الصَّنْعَةُ الْقَوِيَّةُ فَيَجُوزُ بَيْعُ الْمَصْنُوعِ بِغَيْرِهِ مِمَّا لَمْ تَدْخُلْهُ صَنْعَةٌ أَوْ تَدْخُلُهُ صَنْعَةٌ يَسِيرَةٌ كَقِطْعَةِ نُحَاسٍ جُعِلَتْ صَحْنًا أَوْ إبْرِيقًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا بِمَا لَمْ يَدْخُلْهُ صَنْعَةٌ قَوِيَّةٌ، وَلَوْ جُهِلَ قَدْرُهُ [قَوْلُهُ: عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَتْ الْأَجْنَاسُ] أَيْ رِبَوِيَّةً أَمْ لَا [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْبَيْعُ] وَوَجْهُهُ عَدَمُ الْمُزَابَنَةِ [قَوْلُهُ: إنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ إلَخْ] بِأَنْ لَا يَكُونَ مِمَّا يَقْتَاتُ وَيُدَّخَرُ وَلَا مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بَلْ كَانَ مِمَّا يَدْخُلُهُ رِبَا النَّسَاءِ فَقَطْ أَوْ لَا يَدْخُلهُ رِبًا أَصْلًا كَالنُّحَاسِ، وَالْحَدِيدِ، وَمَفْهُومُ ذَلِكَ الشَّرْطِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحَرَّمَ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ أَيْضًا لَمْ يَجُزْ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْمُزَابَنَةِ، وَإِنْ انْتَفَتْ خَلَفَهَا عِلَّةُ الْفَضْلِ.
تَنْبِيهٌ: لَيْسَ هَذَا الْفَضْلُ مُكَرَّرًا مَعَ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي الْأَوَّلِ عَلَى الرَّطْبِ بِالْيَابِسِ، وَهَذَا عَامٌّ فِي الرَّطْبِ، وَالْيَابِسِ بِالْيَابِسِ أَوْ الرَّطْبِ بِالرَّطْبِ، وَزَادَ هُنَا أَيْضًا الْجَوَازَ مَعَ تَبَيُّنِ الْفَضْلِ بَيْنَهُمَا إنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ.

[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ مَا فِي السَّلَمِ الثَّالِثُ مِنْهَا جَوَازُهُ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَصِفَهُ غَيْرُ الْبَائِعِ إلَخْ] أَيْ إنْ حَصَلَ نَقْدُ الثَّمَنِ، وَلَوْ تَطَوُّعًا فِيهِ وَإِلَّا جَازَ، وَلَوْ بِوَصْفِهِ عَلَى الرَّاجِحِ.
[قَوْلُهُ: أَلَّا يَكُونَ الْمَبِيعُ بَعِيدًا] أَيْ كَخُرَاسَان مِنْ إفْرِيقِيَّةَ هَذَا إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى الْبَتِّ، وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ عَلَى الْخِيَارِ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي.
[قَوْلُهُ: خَامِسُهَا أَلَّا يَكُونَ قَرِيبًا] ضَعِيفٌ قَالَ عج: مَا مُحَصِّلُهُ أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ.
وَلَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ حَيْثُ كَانَ غَائِبًا عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَاضِرًا عِنْدَ الْعَاقِدَيْنِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى الصِّفَةِ إلَّا إذَا كَانَ فِي

(وَلَا يُنْقَدُ فِيهِ بِشَرْطٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ تَارَةً بَيْعًا إنْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي الْإِمْضَاءَ وَتَارَةً سَلَفًا إنْ اخْتَارَ الرَّدَّ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّ النَّقْدَ بِغَيْرِ شَرْطٍ جَائِزٌ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ مَنْعِ اشْتِرَاطِ النَّقْدِ مَسْأَلَتَيْنِ فَقَالَ: (إلَّا أَنْ يَقْرُبَ مَكَانُهُ) أَيْ مَكَانَ الْبَيْعِ الْغَائِبِ سَوَاءٌ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ عَرَضًا أَوْ عَقَارًا كَالْيَوْمِ، وَالْيَوْمَيْنِ (أَوْ يَكُونَ) الْمَبِيعُ الْغَائِبُ بَعِيدًا بُعْدًا غَيْرَ مُتَفَاحِشٍ وَهُوَ (مِمَّا يُؤْمَنُ تَغَيُّرُهُ) غَالِبًا (مِنْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ شَجَرٍ فَيَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ) أَيْ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ الْفَرْعَيْنِ بِشَرْطٍ.
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: مِمَّا يُؤْمَنُ تَغَيُّرُهُ مِمَّا يُسْرِعُ إلَيْهِ التَّغَيُّرُ كَالْحَيَوَانِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ فِيهِ مَعَ الْعَبْدِ، وَقَيَّدْنَا الْبُعْدَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَفَاحِشٍ احْتِرَازًا مِنْ الْمُتَفَاحِشِ كَخُرَاسَانَ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ أَصْلًا

(، وَالْعُهْدَةُ) وَهِيَ تَعَلُّقُ ضَمَانِ الْمَبِيعِ بِالْبَائِعِ بَعْدَ الْعَقْدِ مِمَّا يُصِيبُهُ فِي مُدَّةٍ خَاصَّةً (جَائِزَةٌ) يَقْضِي بِهَا (فِي

[حاشية العدوي]

رُؤْيَتِهِ عُسْرٌ أَوْ فَسَادٌ كَمَا قَالَهُ الْحَطَّابُ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِي الْخِيَارِ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ إنَّمَا امْتَنَعَ مَعَ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسَلَّمَ الْمَبِيعُ فَيَكُونُ ذَلِكَ ثَمَنًا وَأَلَّا يُسَلَّمَ فَيَكُونُ سَلَفًا.
[قَوْلُهُ: وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّ النَّقْدَ إلَخْ] هَذَا حَيْثُ بِيعَ عَلَى اللُّزُومِ وَأَمَّا عَلَى الْخِيَارِ فَلَا يَجُوزُ سَوَاءٌ بِيعَ عَلَى الْخِيَارِ الْمُبَوَّبِ لَهُ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ مَنْ رَأَيْت مِنْ شُرَّاحِ خَلِيلٍ، أَوْ عَلَى خِيَارٍ بِالرُّؤْيَةِ وَأَخَذَهُ بَعْضُ مَشَايِخِ الْعَصْرِ مِنْ الْعِلَّةِ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَقْرَبَ مَكَانُهُ إلَخْ] . حَاصِلُهُ أَنَّ الْغَائِبَ الْمَبِيعَ بِالصِّفَةِ عَلَى اللُّزُومِ يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ تَطَوُّعًا مُطْلَقًا عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ قَرُبَ أَوْ بَعُدَ، وَأَمَّا بِشَرْطٍ فَيَجُوزُ فِي الْعَقَارِ مُطْلَقًا قَرُبَ أَوْ بَعُدَ أَيْ غَيْرُ بَعِيدٍ جِدًّا وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ ذَرْعِ الدَّارِ فِي وَصْفِهَا دُونَ وَصْفِ غَيْرِهَا مِنْ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ، وَفِي غَيْرِهِ إنْ قَرُبَ مَكَانُهُ وَهُوَ يَوْمَانِ ذَهَابًا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَيُشْتَرَطُ أَلَّا يُبَاعَ بِوَصْفِ الْبَائِعِ، وَأَمَّا مَا بِيعَ بِوَصْفِ الْبَائِعِ فَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ، وَلَوْ تَطَوُّعًا، وَكَذَا مَا بِيعَ عَلَى الْخِيَارِ فَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ، وَلَوْ تَطَوُّعًا.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ أَصْلًا] أَيْ بَيْعُ الْبَتِّ، وَأَمَّا بَيْعُ الْخِيَارِ فَجَائِزٌ وَقَوْلُهُ أَصْلًا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ أَوْ لَمْ تُوجَدْ.
تَنْبِيهٌ: لَمْ يَذْكُرْ ضَمَانَ الْغَائِبِ، وَحَاصِلُهُ إنْ كَانَ عَقَارًا وَأَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ سَالِمًا يَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ بِيعَ بِشَرْطِ النَّقْدِ أَمْ لَا قَرُبَ مَكَانُهُ أَوْ بَعُدَ حَيْثُ بِيعَ جُزَافًا، وَأَمَّا مَا بِيعَ مُذَارَعَةً فَالضَّمَانُ مِنْ الْبَائِعِ.
قَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ: وَلِي وَقْفَةٌ فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ جُزَافًا مَعَ غَيْبَتِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ بِنَاءً عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْوَصْفِ فِي بَيْعِ الْجُزَافِ وَغَيْرِ الْعَقَارِ ضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ، وَكَذَا الْعَقَارُ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ سَلَامَتَهُ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَشْتَرِطْ خِلَافَهُ وَإِلَّا عَمِلَ بِالشَّرْطِ، وَتَحْصِيلُ الْغَائِبِ وَإِحْضَارُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا عَلَى الْبَائِعِ، وَشَرْطُهُ إيَّاهُ عَلَى بَائِعِهِ مَعَ ضَمَانِهِ مِنْهُ يُفْسِدُ بَيْعَهُ، وَإِنْ كَانَ ضَمَانُهُ مِنْ مُبْتَاعِهِ فَجَائِزٌ وَهُوَ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ.

[قَوْلُهُ: وَهِيَ تَعَلُّقُ إلَخْ] هَذَا مَعْنَاهُ الِاصْطِلَاحِيُّ كَمَا أَفَادَهُ اللَّقَانِيُّ وَأَمَّا اللُّغَوِيُّ فَأَشَارَ لَهُ اللَّقَانِيُّ بِقَوْلِهِ: الْعُهْدَةُ لُغَةً مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْعَهْدِ وَهُوَ الْإِلْزَامُ، وَالِالْتِزَامُ اهـ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَلُّقُ إلَخْ كَوْنُ الْمَبِيعِ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ أَفَادَهُ اللَّقَانِيُّ.
[قَوْلُهُ: فِي مُدَّةٍ خَاصَّةٍ إلَخْ] حَتَّى الْمَوْتِ مَا عَدَا ذَهَابَ الْمَالِ فَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا وَاشْتَرَطَ مَالَهُ لِلْعَبْدِ ثُمَّ ذَهَبَ فِي زَمَنِ الْعُهْدَةِ فَلَا يُرَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ فِي مَالِهِ، وَلَوْ تَلِفَ الْعَبْدُ فِي الْعُهْدَةِ وَبَقِيَ مَالُهُ انْتَقَضَ بَيْعُهُ وَلَيْسَ لِمُبْتَاعِهِ حَبْسُ مَالِهِ بِثَمَنِهِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ مَالُهُ جُلَّ الصَّفْقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا شَيْءَ لَهُ مِنْهُ كَانَ غَيْرَ مَنْظُورٍ إلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي الْمَالَ لِنَفْسِهِ فَلَهُ رَدُّهُ بِذَهَابِ مَالِهِ.
[قَوْلُهُ: جَائِزَةٌ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْجَوَازَ يَرْجِعُ لِاشْتِرَاطِهَا أَوْ حَمْلِ السُّلْطَانِ عَلَيْهَا، أَوْ اعْتِبَارِهَا عِنْدَ جَرْيِ الْعَادَةِ بِأَنْ يَرُدَّ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ وَيَقْبَلَهُ الْبَائِعُ.
[قَوْلُهُ: وَيَقْضِي بِهَا] لَمَّا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ الْجَوَازِ الْقَضَاءُ أَتَى بِهِ، وَهَذَا بِحَسَبِ الْمَعْنَى، وَالْفِقْهِ وَإِلَّا فَالْمَجْرُورُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ بِكَوْنٍ عَامٍّ أَيْ ثَابِتَةً وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لَأَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ الْجَوَازُ أَوْ مِنْ

الرَّقِيقِ) خَاصَّةً دُونَ الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّ لَهُ قُدْرَةً عَلَى كِتْمَانِ مَا بِهِ مِنْ الْعُيُوبِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكْتُمُ عَيْبَهُ كَرَاهِيَةً فِي الْمُشْتَرِي أَوْ الْبَائِعِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلَا يَقْضِي بِهَا إلَّا (إنْ اُشْتُرِطَتْ أَوْ كَانَتْ جَارِيَةً بِالْبَلَدِ) أَوْ حَمَلَ السُّلْطَانُ النَّاسَ عَلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَقْضِي بِهَا وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: صُغْرَى فِي الزَّمَانِ كُبْرَى فِي الضَّمَانِ، وَكُبْرَى فِي الزَّمَانِ صُغْرَى فِي الضَّمَانِ (فَ) الْأُولَى (عُهْدَةُ الثَّلَاثِ) أَيْ، ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا، مِنْ اسْتِقْبَالِ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَإِذَا اشْتَرَى نَهَارًا أَلْغَى ذَلِكَ الْيَوْمَ وَاسْتَقْبَلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا هَذَا إذَا كَانَ الْبَيْعُ بَتًّا، أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى الْخِيَارِ فَمِنْ يَوْمِ إمْضَاءِ الْبَيْعِ وَهَذِهِ (الضَّمَانُ فِيهَا مِنْ الْبَائِعِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَإِنْ وَجَدَ دَاءً فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ رَدَّهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَإِنْ وَجَدَ دَاءً بَعْدَ الثَّلَاثَةِ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَبِهِ هَذَا الدَّاءُ وَكَذَلِكَ نَفَقَتُهُ وَكِسْوَتُهُ عَلَيْهِ وَغَلَّتُهُ لَهُ» . (وَ) الثَّانِيَةُ (عُهْدَةُ السَّنَةِ) وَهِيَ جَائِزَةٌ مَعْمُولٌ بِهَا عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَسْتَقْبِلُ بِهَا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ بَعْدَ عُهْدَةِ الثَّلَاثِ، وَالضَّمَانُ فِيهَا عَلَى الْبَائِعِ (مِنْ) ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ (الْجُنُونُ) الَّذِي يَكُونُ بِمَسِّ جَانٍّ لَا مَا يَكُونُ

[حاشية العدوي]

حَيْثُ الْقَضَاءُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جَائِزَةً ابْتِدَاءً.
[قَوْلُهُ: دُونَ الْحَيَوَانِ] مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِهِ خَاصَّةً إلَّا أَنَّهُ قَصَدَ الْإِيضَاحَ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْعُيُوبِ] أَلْ لِلْجِنْسِ.
[قَوْلُهُ: كَرَاهِيَةً فِي الْمُشْتَرِي] أَيْ فَيُخْفِيهِ يُرِيدُ ضَرَرَهُ وَقَوْلُهُ: أَوْ الْبَائِعِ ظَاهِرٌ.
[قَوْلُهُ: إنْ اُشْتُرِطَتْ] أَيْ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَلَوْ لَمْ يَحْمِلْ السُّلْطَانُ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَلَا يَكْفِي قَوْلُ الْمُشْتَرِي اشْتَرَى عَلَى عُهْدَةِ الْإِسْلَامِ أَوْ عَلَى الْعُهْدَةِ إذَا لَمْ يَجْرِ بِهَا عَادَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا ذَكَرَ إنَّمَا هُوَ ضَمَانُ الدَّرَكِ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ كَانَتْ جَارِيَةً حَمَلَ السُّلْطَانُ النَّاسَ عَلَيْهَا أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: أَوْ حَمَلَ السُّلْطَانُ النَّاسَ عَلَيْهَا] أَيْ، وَإِنْ لَمْ تَجْرِ عَادَةٌ بِذَلِكَ، وَإِنْ صَارَ عَادَةً بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ إذَا حَمَلَ النَّاسَ عَلَيْهَا صَارَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مُعْتَادَةً بِتَكَرُّرِهَا.
[قَوْلُهُ: أَيْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ] فَإِنْ قُلْت: كَانَ الْوَاجِبُ ثَلَاثَ لَيَالٍ لِأَجْلِ تَذْكِيرِ الْعَدَدِ قُلْت: الْمَعْدُودُ إذَا حُذِفَ يَجُوزُ تَذْكِيرُ الْعَدَدِ وَتَأْنِيثُهُ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْدُودُ مُذَكَّرًا.
[قَوْلُهُ: أَلْغَى ذَلِكَ الْيَوْمَ] أَيْ فَيُلْغَى الْيَوْمُ الْمَسْبُوقُ بِالْفَجْرِ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى الْخِيَارِ] لَا يَخْفَى أَنَّهَا تَدْخُلُ فِي أَيَّامِ الْمُوَاضَعَةِ فَالزَّمَانُ يُحْسَبُ لَهُمَا فَإِذَا انْقَضَتْ أَيَّامُ الْعُهْدَةِ قَبْلَ رُؤْيَةِ الدَّمِ انْتَظَرَتْهُ [قَوْلُهُ: ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ] أَيْ بِلَيَالِيِهَا [قَوْلُهُ: فَإِنْ وَجَدَ دَاءً فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ] لَعَلَّ الْعُدُولَ عَنْ قَوْلِهِ فِيهَا الْإِشَارَةُ إلَى مَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا، فَالْمُسْتَفَادُ مِنْ مَجْمُوعِ مَا ذَكَرَ كَوْنُهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا، وَالْمُرَادُ أَيُّ حَادِثٍ، وَلَوْ مَوْتًا أَوْ غَرَقًا أَوْ حَرْقًا أَوْ سُقُوطًا مِنْ عَالٍ أَوْ قَتْلَ نَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ] أَيْ فَتَشْهَدُ إمَّا مُعْتَمِدَةً عَلَى رُؤْيَةٍ أَوْ إخْبَارٍ عَنْ رُؤْيَةٍ أَوْ عَادَةٍ قَاطِعَةٍ أَوْ لِحَادِثَةٍ بِحُدُوثِ زَمَنِهَا [قَوْلُهُ: أَنَّهُ اشْتَرَاهُ] أَيْ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَبِهِ هَذَا الدَّاءُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَدَّعِي أَنَّ هَذَا الدَّاءَ حَدَثَ فِي زَمَنِ الْعُهْدَةِ وَهُوَ بَعْدَ الشِّرَاءِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا وُجِدَ دَاءٌ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ وَلَا يَدْرِي هَلْ حَدَثَ فِيهَا أَوْ بَعْدَهَا فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ الْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ تَقْطَعَ عَادَةٌ، وَأَوْلَى شَهَادَةُ الْبَيِّنَةِ عَنْ رُؤْيَةٍ أَوْ إخْبَارٍ عَنْ رُؤْيَةٍ أَوْ تُظَنُّ عَادَةٌ بِحُدُوثِهِ زَمَنَهَا فَمِنْ الْبَائِعِ دُونَ يَمِينِ الْمُشْتَرِي فِي الْأُولَى وَبِهَا فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنْ قَطَعْت بِأَنَّ بَعْدَهَا فَمِنْ الْمُشْتَرِي بِدُونِ يَمِينٍ عَلَى الْبَائِعِ كَأَنْ ظَنَّتْ أَوْ شَكَّتْ مَعَ يَمِينِ الْبَائِعِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي عُهْدَةِ السُّنَّةِ.
وَقَوْلُهُ: وَبِهِ هَذَا الدَّاءُ آخِرَ الْحَدِيثِ.
[قَوْلُهُ: وَكِسْوَتُهُ] أَيْ مَا يَقِيهِ مِنْ الْحَرِّ، وَالْبَرْدِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ هُوَ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: وَغَلَّتُهُ لَهُ] وَمِثْلُ ذَلِكَ إذَا جَنَى إنْسَانٌ عَلَى الْمَبِيعِ زَمَنَ الْعُهْدَةِ فَإِنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ لِلْبَائِعِ، وَلَوْ اسْتَثْنَى الْمُشْتَرِي مَالَهُ، وَكَذَا مَا وَهَبَ لِلْعَبْدِ فِي أَيَّامِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي اسْتَثْنَى مَالَ الرَّقِيقِ فَإِنَّ مَا يُوهَبُ لِلْعَبْدِ فِي أَيَّامِهَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي.
[قَوْلُهُ: جَائِزَةٌ] لَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ جَائِزَةٌ يَقْضِي بِهَا؛ لِأَنَّهُ جَارٍ عَلَى الْعُهْدَةِ مُطْلَقًا.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ] أَيْ دَلِيلُنَا عَلَى الْعُهْدَةِ الْمَذْكُورَةِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكَذَا عُهْدَةُ الثَّلَاثِ أَفَادَهُ التَّوْضِيحُ.
[قَوْلُهُ: يُسْتَقْبَلُ بِهَا إلَخْ] بَلْ وَتَكُونُ بَعْدَ الْمُوَاضَعَةِ أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: بِمَسِّ جَانٍّ] أَيْ أَوْ بِطَبْعٍ [قَوْلُهُ: لَا مَا يَكُونُ مِنْ ضَرْبَةٍ] أَيْ أَوْ طَرْبَةِ أَوْ

مِنْ ضَرْبَةٍ وَنَحْوِهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ (وَالْجُذَامُ، وَالْبَرَصُ) ، وَإِنَّمَا اُخْتُصَّتْ هَذِهِ الْعُهْدَةُ بِهَذِهِ الْأَدْوَاءِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَهَا تَتَقَدَّمُ وَيَظْهَرُ مَا يَظْهَرُ مِنْهَا فِي فَصْلٍ مِنْ فُصُولِ السَّنَةِ دُونَ فَصْلٍ بِحَسَبِ مَا أَجْرَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْعَادَةَ فِيهِ بِاخْتِصَاصِ تَأْثِيرِ ذَلِكَ السَّبَبِ بِذَلِكَ الْفَصْلِ، فَانْتَظَرَ بِذَلِكَ الْفُصُولَ الْأَرْبَعَةَ وَهِيَ السَّنَةُ كُلُّهَا حَتَّى يَأْمَنَ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ وَمِنْ التَّدْلِيسِ.
تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ حَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِي تَدَاخُلِ الْعُهْدَتَيْنِ قَوْلَيْنِ مَشْهُورُهُمَا عَدَمُ التَّدَاخُلِ فَعُهْدَةُ السَّنَةِ بَعْدَ الثَّلَاثِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي التَّقْرِيرِ؛ لِأَنَّ تَلَفَ الْمَبِيعِ فِي الثَّلَاثِ مِنْ الْبَائِعِ وَفِي السَّنَةِ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي: إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى الْعُهْدَةِ بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ فَلِلْمُشْتَرِي إسْقَاطُهَا عَنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْعُهْدَةَ حَقٌّ مَالِيٌّ فَلَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ بِهِ، فَلَوْ أَسْقَطَ حَقَّهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ فَلَهُ أَنْ يَتَمَاسَكَ بِذَلِكَ أَوْ يَرُدَّ، وَلَا يَكُونُ بِإِسْقَاطِهِ لِحَقِّهِ فِي بَاقِي الْمُدَّةِ مُسْقِطًا لِمَا مَضَى مِنْهَا الثَّالِثُ يَجُوزُ النَّقْدُ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَيُمْنَعُ بِشَرْطٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَجُوزُ فِي عُهْدَةِ السَّنَةِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهَا فِي عُيُوبٍ يَسِيرَةٍ الْغَالِبُ السَّلَامَةُ مِنْهَا فَيُؤْمَنُ مِنْ الْوُقُوعِ فِي تَارَةٍ بَيْعًا وَتَارَةٍ سَلَفًا كَمَا تَقَدَّمَ.

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى السَّلَمِ فَقَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ) وَيُقَالُ لَهُ السَّلَفُ أَيْضًا وَاسْتَعْمَلَ لَا بَأْسَ هُنَا بِمَعْنَى الْجَائِزِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ لَكِنَّهُ جُعِلَ لَقَبًا عَلَى مَا لَمْ يُتَعَجَّلْ فِيهِ قَبْضُ الْمَثْمُونِ فَحَقِيقَتُهُ تَقْدِيمُ

[حاشية العدوي]

خَوْفٍ فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ بِهِ لِإِمْكَانِ زَوَالِهِ بِمُعَالَجَةٍ دُونَ الْأَوَّلَيْنِ كَذَا ذَكَرُوا، وَمَا قَرَّرْنَا مِنْ أَنَّ الْجُنُونَ بِالطَّبْعِ كَالْجُنُونِ بِمَسِّ الْجَانِّ ذَكَرَهُ النَّاصِرُ وَكَلَامُ الْبَاجِيِّ يُفِيدُ أَنَّهُ كَالْجُنُونِ بِطَرْبَةٍ.
[قَوْلُهُ: خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ] أَيْ فَإِنَّهُ يَرَاهُ مُوجِبًا لِلرَّدِّ سَوَاءٌ كَانَ بِضَرْبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ فِي السَّنَةِ بِغَيْرِ جُنُونٍ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ الْبَائِعِ.
[قَوْلُهُ: وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ] أَيْ الْمُحَقَّقَيْنِ وَفِي مَشْكُوكِهِمَا خِلَافٌ بِشَرْطِ اسْتِمْرَارِ الْحَاصِلِ مِنْ تِلْكَ الْأَدْوَاءِ إلَى تَمَامِ السَّنَةِ لَا إنْ حَصَلَ وَاحِدٌ مِنْهَا دَاخِلَ السَّنَةِ وَزَالَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَلَا رَدَّ بِهِ إلَّا أَنْ تَقُولَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِعَوْدِهِ، وَيَسْقُطُ كُلٌّ مِنْ الْعُهْدَتَيْنِ بِالْعِتْقِ، وَالتَّدْبِيرِ، وَالِاسْتِيلَادِ.
تَنْبِيهٌ: اسْتَثْنَى الْعُلَمَاءُ مَسَائِلَ لَا عُهْدَةَ فِيهَا مِنْهَا الْمُنْكَحُ بِهِ، وَالْمُخَالَعُ بِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَلَا عُهْدَةَ فِيهَا لِمُقْتَضَى الْعَادَةِ، وَأَمَّا عِنْدَ الشَّرْطِ فَيُعْمَلُ بِهَا كَمَا قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: الْأَدْوَاءِ] جَمْعُ دَاءٍ [قَوْلُهُ: تَأْثِيرِ ذَلِكَ السَّبَبِ] أَرَادَ بِهِ الْأَمَارَةَ لَا التَّأْثِيرَ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ تَلَفَ الْمَبِيعِ إلَخْ] أَيْ فَلَمَّا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ اخْتَلَفَ الزَّمَنُ.
[قَوْلُهُ: بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ إلَخْ] ، وَكَذَا إذَا كَانَتْ بِحَمْلِ السُّلْطَانِ، وَلَا يُقَالُ إنَّ السُّلْطَانَ إذَا نَهَجَ مَنْهَجًا يُتَّبَعُ وَلَا يُخَالَفُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ فِي الْإِسْقَاطِ مُخَالَفَةٌ لَهُ بَلْ الْإِسْقَاطُ مُحَقِّقٌ لَهَا فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: فَلَوْ أَسْقَطَ حَقَّهُ] بِأَنْ قَالَ مَا حَدَثَ بَعْدُ فَهُوَ عَلَيَّ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ حَدَثَ فِي الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ لَمْ يُسْقِطْ فِيهِمَا الْعُهْدَةَ مَثَلًا؛ لِأَنَّ الْعُهْدَةَ إنَّمَا أَسْقَطَهَا فِي الثَّالِثِ مَثَلًا.
[قَوْلُهُ: كَمَا تَقَدَّمَ] أَيْ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِي الْخِيَارِ وَلَا فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ.
[قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ فِي عُهْدَةِ السَّنَةِ] أَيْ؛ لِأَنَّهَا يَسِيرَةٌ، الْغَالِبُ السَّلَامَةُ مِنْهَا فَيَأْمَنُ وُقُوعَهُ فِي تَارَةٍ سَلَفًا وَتَارَةٍ بَيْعًا.

[السَّلَم وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ]

[قَوْلُهُ: وَيُقَالُ لَهُ السَّلَفُ أَيْضًا] وَهَلْ السَّلَفُ بِمَعْنَى الْقَرْضِ يُقَالُ لَهُ سَلَمٌ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ] الْمُنَاسِبُ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ أَيْ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ؛ لِأَنَّ النَّوْعَ يُضَافُ لِجِنْسِهِ، فَأَرَادَ

الثَّمَنِ وَتَأْخِيرُ الْمَثْمُونِ دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَلِجَوَازِهِ شُرُوطٌ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَشُرُوطٌ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ وَشُرُوطٌ فِي أَجَلِهِ، فَاَلَّتِي فِي رَأْسِ الْمَالِ خَمْسَةٌ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مُعَيَّنًا مِمَّا يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ مُعَجَّلًا مُغَايِرًا لِلْمُسْلَمِ فِيهِ، وَاَلَّتِي فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ تِسْعَةٌ أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا وَأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْأَجَلِ غَالِبًا وَأَنْ يَكُونَ مِمَّا يُنْقَلُ وَيَحِلُّ تَمَلُّكُهُ مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ مَعْلُومَ الْجِنْسِ، وَالْقَدْرِ، وَالصِّفَةِ مِمَّا تَحْصُرُهُ الصِّفَةُ وَاَلَّتِي فِي الْأَجَلِ شَيْئَانِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، وَأَنْ يَكُونَ مِمَّا تَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِهِ الْأَسْوَاقُ، وَلَمْ يَسْتَوْفِ الشَّيْخُ هَذِهِ الشُّرُوطَ كُلَّهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ بَعْضَهَا غَيْرَ مَرْتَبَةٍ فَأَشَارَ إلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ شُرُوطِ مَا يُسَلَّمُ فِيهِ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُنْقَلُ وَيَحِلُّ تَمَلُّكُهُ مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ بِقَوْلِهِ: (فِي الْعُرُوضِ الرَّقِيقِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالطَّعَامِ، وَالْإِطْعَامِ، وَالْإِدَامِ) ق: حَصَرَ غَالِبَ مَا يُسَلَّمُ فِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْ السَّلَمَ فِي الدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ، وَنَصَّ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِيهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ فِي الذِّمَّةِ ثَمَنًا جَازَ أَنْ يَكُونَ مَثْمُونًا اهـ. قُلْت: أَمَّا الْعُرُوض فَجَمْعُ عَرْضٍ بِالسُّكُونِ مَا سِوَى الدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ، وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَمَعْلُومٌ،

[حاشية العدوي]

بِقَوْلِهِ نَوْعُ بَيْعٍ مِنْ الْبُيُوعِ.
[قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ إلَخْ] لَا مَوْقِعَ لِهَذَا الِاسْتِدْرَاكِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ مُبْهَمٌ فَيُبَيِّنُ بِقَوْلِهِ جُعِلَ لَقَبًا إلَخْ بِدُونِ زِيَادَةِ لَكِنَّ.
[قَوْلُهُ: جُعِلَ] أَيْ لَفْظُ السَّلَمِ وَقَوْلُهُ لَقَبًا أَيْ اسْمًا.
[قَوْلُهُ: عَلَى مَا لَمْ] أَيْ عَلَى عَقْدٍ.
[قَوْلُهُ: فَحَقِيقَتُهُ تَقْدِيمُ الثَّمَنِ] فِيهِ مُسَامَحَةً؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الثَّمَنِ لَيْسَ حَقِيقَةً لِذَلِكَ الْبَيْعِ [قَوْلُهُ: الْكِتَابُ] أَيْ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] وَقَوْلُهُ: وَالسُّنَّةُ أَيْ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» اهـ. وَقَوْلُهُ: وَالْإِجْمَاعُ أَيْ فَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلِجَوَازِهِ شُرُوطٌ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الشُّرُوطِ فِيمَا ذَكَرَ لَا يَخُصُّ السَّلَمَ كَكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِمَّا يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ وَلَا يُذْكَرُ مِنْ شُرُوطِ الشَّيْءِ إلَّا مَا كَانَ مُخْتَصًّا بِهِ، وَيُشْتَرَطُ فِي السَّلَمِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ، وَالْمُسْلَمِ فِيهِ مِمَّا يَجُوزُ بَيْنَهُمَا التَّأْخِيرُ، وَهَذَا الشَّرْطُ أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ: وَلَا يَجُوزُ طَعَامٌ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا] أَيْ مَعْلُومَ الْقَدْرِ، وَالصِّفَةِ كَخَمْسَةِ دَنَانِيرَ مُحَمَّدِيَّةٍ.
وَقَوْلُهُ: مُعَيَّنًا أَيْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ مُعَيَّنًا كَأَنْ يَقُولَ لَهُ: أُسْلِمُك هَذِهِ الدَّنَانِيرَ الْمَعِيبَةَ فَلَوْ قَالَ لَهُ: أُسْلِمُك خَمْسَةَ دَنَانِيرَ مُحَمَّدِيَّةٍ مَثَلًا فِي إرْدَبِّ قَمْحٍ تَدْفَعُهُ لِي فِي الْوَقْتِ الْفُلَانِيِّ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ سَلَمًا هَذَا مَدْلُولُ عِبَارَتِهِ، وَفِيهِ شَيْءٌ إذْ مِثْلُ ذَلِكَ السَّلَمِ صَحِيحٌ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ مُعَيَّنًا مَعْلُومًا أَيْ مَعْلُومَ الْقَدْرِ، وَالصِّفَةِ، فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ مَعْلُومًا تَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: مِمَّا يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ إلَخْ] احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ وَجُلُودِ الْمَيْتَةِ.
[قَوْلُهُ: مُعَجَّلًا] أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَتَأْخِيرِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
[قَوْلُهُ: مُغَيِّرًا لِلْمُسْلَمِ فِيهِ] وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُمَاثِلًا لَهُ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قَرْضٌ، وَلَوْ وَقَعَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ أَوْ السَّلَمِ فَإِنْ قَصَدْت مِنْهُ نَفْعَك أَوْ نَفْعَكُمَا مَعًا مُنِعَ، وَإِنْ قَصَدْت بِهِ نَفْعَ الْمُقْتَرِضِ صَحَّ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُغَايَرَةَ يُمْكِنُ أَنْ تُعْتَبَرَ مِنْ جَانِبِ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِأَنْ تَقُولَ: مِنْ شُرُوطِ الْمُسْلَمِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُغَايِرًا لِلْمُسْلَمِ وَأَنَّ الشَّرْطَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي تَسْمِيَتِهِ سَلَمًا لَا فِي الْجَوَازِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
[قَوْلُهُ: تِسْعَةٌ] بِتَقْدِيمِ التَّاءِ عَلَى السِّينِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ مِنْ كَلَامِهِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا] احْتَرَزَ عَنْ الْحَالِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ الْحَالُ عِنْدَنَا [قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْأَجَلِ غَالِبًا] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا لَمَا جَازَ السَّلَمُ فِيهِ فَلَا يُسَلَّمُ فِي فَاكِهَةِ الشِّتَاءِ لِيَأْخُذَهَا فِي الصَّيْفِ أَوْ بِالْعَكْسِ كَذَا فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ مِمَّا يُنْقَلُ] أَيْ فَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الدُّورِ، وَالْأَرْضِينَ؛ لِأَنَّ خُصُوصَ الْمَوَاضِعِ فِيهَا مَقْصُودَةٌ لِلْعُقَلَاءِ، فَإِنْ عَيَّنَ لَمْ يَكُنْ سَلَمًا؛ لِأَنَّ السَّلَمَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ كَانَ سَلَمًا فِي مَجْهُولٍ قَالَهُ صَاحِبُ النُّكَتِ.
[قَوْلُهُ: وَيَحِلُّ تَمَلُّكُهُ] فَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ وَجُلُودِ الْمَيْتَةِ وَجَمِيعِ النَّجَاسَاتِ.
[قَوْلُهُ: مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ] قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: احْتِرَازًا مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ الَّذِي يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَهْلَكُ قَبْلَ

وَأَمَّا الطَّعَامُ فَالْمُرَادُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ الْبُرَّ، وَالْإِدَامُ مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ كَاللَّحْمِ، وَأَشَارَ إلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهَا، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْجِنْسِ، وَالْقَدْرِ، وَالصِّفَةِ بِقَوْلِهِ: (بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ) ق: لِأَنَّ الصِّفَةَ عِنْدَهُ مَعْرِفَةُ الْجِنْسِ لَا الْقَدْرِ، وَالصِّفَةِ، وَأَشَارَ إلَى الشَّرْطِ الثَّانِي مِنْهَا وَإِلَى الشَّرْطِ الْأَوَّلِ مِنْ شَرْطَيْ الْأَجَلِ بِقَوْلِهِ: (وَأَجَلٍ مَعْلُومٍ) احْتَرَزَ بِالْأَجَلِ مِنْ الْحَالِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ الْحَالُ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَبِالْمَعْلُومِ مِنْ الْمَجْهُولِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ مَعَهُ السَّلَمُ، وَدَلِيلُهُمَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَسْلِفُوا فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ» الْحَدِيثَ: وَأَشَارَ إلَى أَحَدِ شُرُوطِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ بِقَوْلِهِ: (وَيُعَجِّلُ رَأْسَ الْمَالِ) يَعْنِي جَمِيعَهُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى قُبِضَ الْبَعْضُ وَأُخِّرَ الْبَعْضُ فَسَدَ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ: (أَوْ يُؤَخِّرُهُ) أَيْ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ (إلَى مِثْلِ يَوْمَيْنِ أَوْ

[حاشية العدوي]

قَبْضِهِ فَيَدُورُ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ، وَالثَّمَنِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: مَعْلُومَ الْجِنْسِ] أَيْ فَإِنْ كَانَ طَعَامًا تَعَيَّنَ الْجِنْسُ إمَّا قَمْحًا أَوْ شَعِيرًا أَوْ ذُرَةً، وَإِنْ كَانَ فَاكِهَةً تَعَيَّنَ إمَّا زَبِيبًا أَوْ تَمْرًا أَوْ نَبْقًا قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
وَقَوْلُهُ: وَالْقَدْرِ أَيْ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَقْدِيرِهِ مِنْ الْوَزْنِ أَوْ الْكَيْلِ أَوْ الْعَدَدِ أَوْ الذَّرْعِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَادِيرِ الْمُعْتَادَةِ فِيهِ.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ احْتِرَازًا مِنْ الْجُزَافِ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ بَيْعِ الْمَجْهُولِ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: وَالصِّفَةِ] أَيْ فَإِنْ كَانَ طَعَامًا ذَكَرَ مَا يَصِفُهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا ذَكَرَ النَّوْعَ، وَاللَّوْنَ، وَالذُّكُورَةَ، وَالْأُنُوثَةَ.
[قَوْلُهُ: مِمَّا تَحْصُرُهُ الصِّفَةُ] احْتِرَازًا مِنْ تُرَابِ الْمَعَادِنِ، وَالصَّوَّاغِينَ، وَالنِّيلَةِ الْمَخْلُوطَةِ بِالطِّينِ أَوْ الْحِنَّاءِ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ مِمَّا تَتَغَيَّرُ فِي الْأَسْوَاقِ] فَأَقَلُّهُ نِصْفُ شَهْرٍ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُنْقَلُ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ سَيَأْتِي يَقُولُ الْمُرَادُ بِالْعُرُوضِ مَا سِوَى الدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ وَلَا خَفَاءَ فِي شُمُولِهِ لِلْعَقَارِ.
[قَوْلُهُ: مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ] لَا يُؤْخَذُ هَذَا لِجَوَازِ أَنْ يُقَالَ: أُسْلِمُك فِي هَذَا الثَّوْبِ آخُذُهُ مِنْك عِنْدَ الْأَجَلِ [قَوْلُهُ: وَالْحَيَوَانِ] أَيْ غَيْرِ النَّاطِقِ أَوْ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.
[قَوْلُهُ: وَنَصَّ عَبْدُ الْوَهَّابِ إلَخْ] هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ خِلَافًا لِابْنِ عَرَفَةَ.
[قَوْلُهُ: مَا سِوَى الدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ التَّفْسِيرِ قَدْ حَصَرَ جَمِيعَ مَا يُسْلَمُ فِيهِ وَلَمْ يُبْقِ شَيْئًا وَيَكُونُ ذِكْرُ الرَّقِيقِ، وَمَا بَعْدَهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِذَلِكَ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْأَقْفَهْسِيِّ فِي قَوْلِهِ غَالِبٌ أَوْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ فِيهِ تَكْرَارًا أَوْ عَلَيْهِمَا.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ] أَيْ وَأَمَّا فِي الْعُرْفِ فَالطَّعَامُ اسْمٌ لِمَا يُؤْكَلُ مِثْلُ الشَّرَابِ اسْمٌ لِمَا يُشْرَبُ أَشَارَ لَهُ فِي الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: وَأَشَارَ إلَى ثَلَاثَةٍ] بَلْ أَشَارَ إلَى أَرْبَعَةٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: مَعْلُومَةٍ يُفِيدُ أَنَّ الصِّفَةَ تَحْصُرُهُ، وَبَعْدَ كَتْبِي هَذَا وَجَدْت تت نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ أَنَّهُ مِمَّا تَحْصُرُهُ الصِّفَةُ.
[قَوْلُهُ: وَأَشَارَ إلَى الشَّرْطِ الثَّانِي مِنْهَا] أَيْ مِنْ شُرُوطِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَالشَّرْطُ الثَّانِي مِنْهَا هُوَ قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْأَجَلِ غَالِبًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا إشَارَةَ لِهَذَا.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ] أَقُولُ: وَتَقْيِيدُهُ بِالْمَعْرُوفِ يُفِيدُ أَنَّ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلًا بِجَوَازِ السَّلَمِ الْحَالِّ وَهُوَ كَذَلِكَ إذْ هُوَ رِوَايَةٌ حَكَاهَا بَعْضُهُمْ ذَكَرَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ.
[قَوْلُهُ: فَسَدَ] أَيْ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ] أَيْ ابْتِدَاءُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ.
[قَوْلُهُ: إلَى مِثْلِ إلَخْ] مِثْلُ زَائِدَةٌ [قَوْلُهُ: أَوْ ثَلَاثَةٍ] أَيْ حَيْثُ حَصَلَ الْقَبْضُ قَبْلَ غُرُوبِ شَمْسِ الثَّالِثِ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَيْنًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ حَيَوَانًا لَجَازَ تَأْخِيرُهُ، وَلَوْ لِأَجَلِ الْمُسْلَمِ فِيهِ لَكِنْ بِدُونِ الشَّرْطِ، وَأَمَّا مَعَهُ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَالْعَيْنِ.
وَأَمَّا الْعَرْضُ، وَالطَّعَامُ فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّأْخِيرُ فَوْقَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ حَيْثُ كُيِّلَ الطَّعَامُ وَأُحْضِرَ الْعَرْضُ وَيُكْرَهُ مَعَ عَدَمِهِمَا.

ثَلَاثَةٍ) عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ، بَلْ إذَا عُقِدَ السَّلَمُ عَلَى النَّقْدِ وَأُخِّرَ قَبْضُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ الْيَوْمَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةَ جَازَ، وَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ مُعَجَّلًا وَبَالَغَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: (وَإِنْ كَانَ) التَّأْخِيرُ الْمَذْكُورُ (بِشَرْطٍ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إنْ تَأَخَّرَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَجُزْ بِشَرْطٍ أَوْ غَيْرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَى الشَّرْطِ الثَّانِي مِنْ شَرْطَيْ الْأَجَلِ بِقَوْلِهِ: (وَأَجَلُ السَّلَمِ أَحَبُّ إلَيْنَا) الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَنَى بِالضَّمِيرِ نَفْسَهُ اخْتِيَارًا لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ أَجَلِ السَّلَمِ (أَنْ يَكُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) ؛ لِأَنَّ الْأَسْوَاقَ تَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ غَالِبًا فَلَفْظُ أَحَبُّ لِلْوُجُوبِ.
ع: وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ أَجَلَ السَّلَمِ مَا تَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِهِ الْأَسْوَاقُ غَالِبًا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، وَالْقَوْلَانِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ تَفْسِيرًا وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْخِلَافِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَصَوَّبَهُ ج، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَ قَبْضُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، وَالْمُسْلَمِ فِيهِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، أَمَّا إذَا كَانَ قَبْضُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِبَلَدٍ فَلَا يُشْتَرَطُ الْأَجَلُ الْمَذْكُورُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (أَوْ عَلَى أَنْ يُقْبَضَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ الْمُسْلَمُ فِيهِ (بِبَلَدٍ آخَرَ) غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ، وَتَكُونُ مَسَافَةُ مَا بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ أَجَلَ السَّلَمِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي اخْتِلَافِ الْمَوَاضِعِ اخْتِلَافُ الْأَسْعَارِ.
وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَتْ مَسَافَتُهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً) لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ نِصْفَ يَوْمٍ وَلِمَا ذُكِرَ أَنَّ أَقَلَّ أَجَلِ السَّلَمِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ حُكْمَ مَا إذَا وَقَعَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: (وَمَنْ أَسْلَمَ) فِي شَيْءٍ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ (إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) عَلَى أَنَّهُ (يَقْبِضُهُ بِبَلَدٍ أَسْلَمَ فِيهِ فَقَدْ أَجَازَهُ) بِمَعْنَى أَمْضَاهُ (غَيْرُ وَاحِدٍ) أَيْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ (مِنْ الْعُلَمَاءِ) مِنْهُمْ مَالِكٌ (وَكَرِهَهُ) بِمَعْنَى فَسَخَهُ (آخَرُونَ) مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ ابْنُ الْقَاسِمِ.

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ: عَلَى النَّقْدِ] أَيْ الْحُلُولِ [قَوْلُهُ: وَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ مُعَجَّلًا] لَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْجِيلَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ هُوَ التَّعْجِيلُ حَقِيقَةً وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّأْخِيرَ ثَلَاثَةً يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ جَازَ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ التَّعْجِيلُ أَوْ التَّأْخِيرُ ثَلَاثًا [قَوْلُهُ: وَأَجَلُ السَّلَمِ] أَيْ وَأَقَلُّ أَجَلِ السَّلَمِ [قَوْلُهُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَنَى بِالضَّمِيرِ نَفْسَهُ] أَيْ وَكَأَنَّهُ قَالَ أَجَلُ السَّلَمِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا عَلَى مَا نَخْتَارُهُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى جَعْلِ أُحِبُّ لِلْوُجُوبِ قَالَهُ عج فِي حَاشِيَتِهِ أَيْ فَقَوْلُ الشَّارِحِ فَلَفْظُ أُحِبُّ لِلْوُجُوبِ لَا حَاجَةَ لَهُ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَسْوَاقَ تَتَغَيَّرُ إلَخْ] أَيْ وَلِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَأَمَّا أَكْثَرُ الْأَجَلِ فَمُنْتَهَاهُ مَا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ ثَمَنِ الْمَبِيعِ إلَيْهِ وَهُوَ مَا لَا يَعِيشُ الْبَائِعُ إلَيْهِ غَالِبًا كَأَنْ يَبِيعَ سِلْعَةً وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي أَنْ لَا يَدْفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ إلَّا بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ أَوْ سِتِّينَ إنْ كَانَ ابْنَ أَرْبَعِينَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّأْجِيلِ بِالْمَوْتِ [قَوْلُهُ: وَتَكُونُ مَسَافَةُ مَا بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ] أَيْ الَّذِي هُوَ يَوْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ لَكِنْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا بِشُرُوطِ أَنْ يَدْخُلَا عَلَى قَبْضِهِ بِمُجَرَّدِ الْوُصُولِ إلَى الْبَلَدِ.
وَأَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ الْخُرُوجُ فَوْرًا وَيَخْرُجُ الْمُسْلِمُ بِالْفِعْلِ، وَأَنْ يَكُونَ السَّفَرُ فِي الْبَرِّ أَوْ الْبَحْرِ بِغَيْرِ رِيحٍ كَالْمُنْحَدِرِينَ فَإِنْ انْخَرَمَ شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ فَلَا يَصِحُّ التَّأْجِيلُ إلَّا بِنِصْفِ الشَّهْرِ.
[قَوْلُهُ: يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً] الْأَوَّلُ هُوَ مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَالثَّانِي هُوَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالثَّالِثُ كَمَا فِي تت فَأَوْ لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ [قَوْلُهُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الرَّاجِحُ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَسَافَةِ يَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ [قَوْلُهُ: فَقَدْ أَجَازَهُ إلَخْ] أَيْ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ «إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» ، وَالثَّلَاثَةُ أَيَّامٍ أَجَلٌ مَعْلُومٌ وَلَا تَحْدِيدَ فِي الْحَدِيثِ بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ وَلَا نُقْصَانٍ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى أَمْضَاهُ] لَيْسَ هَذَا لِكَوْنِ الْقَائِلِ بِذَلِكَ يَقُولُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ إلَّا أَنَّهُ إذَا وَقَعَ يُمْضِي بَلْ يَقُولُ بِالْجَوَازِ بَلْ الْبَاعِثُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُقَابِلَ يَقُولُ بِالْفَسْخِ، فَتَكُونُ الْكَرَاهَةُ عَلَى التَّحْرِيمِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ اسْمِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ [قَوْلُهُ: مِنْهُمْ ابْنُ الْقَاسِمِ] هَذَا لَا يُنَاسِبُهُ مَا فِي التَّحْقِيقِ مِنْ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: إنَّ الْكَرَاهَةَ لِلتَّنْزِيهِ.

تَنْبِيهٌ: ك: قَوْلُهُ يَقْبِضُهُ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ وَهُوَ رِوَايَتُنَا، وَفِي بَعْضِ النَّسْخِ فَقَبَضَهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي وَيَخْتَلِفُ الْمَعْنَى لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ، فَعَلَى الْمُضَارِعِ يَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى الْمَاضِي يَكُونُ الْأَمْرُ مُبْهَمًا، وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ أَصْلَ مَا دَخَلَا عَلَيْهِ ثُمَّ أَشَارَ إلَى شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ) أَيْ مَالِ السَّلَمِ (مِنْ جِنْسِ مَا أُسْلِمَ فِيهِ) هَذَا إذَا كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ أَزْيَدَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَقِنْطَارِ حَدِيدٍ فِي قِنْطَارَيْنِ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا أَوْ كَانَ أَنْقَصَ كَثَوْبَيْنِ فِي ثَوْبٍ مِنْ جِنْسِهِمَا؛ لِأَنَّهُ ضَمَانٌ بِجُعْلٍ وَإِذَا كَانَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ مِثْلَ السَّلَمِ فِيهِ صِفَةً وَقَدْرًا فَيَجُوزُ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُسْلَمُ شَيْءٌ فِي جِنْسِهِ) تَكْرَارٌ ذَكَرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (أَوْ فِيمَا يَقْرُبُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ جِنْسِ السَّلَمِ فِيهِ فِي الْخِلْقَةِ، وَالْمَنْفَعَةِ كَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فِي الْبِغَالِ أَوْ رَقِيقِ الْكَتَّانِ فِي رَقِيقِ الْقُطْنِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُمَا مُتَقَارِبَةٌ، وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ.
وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَأَجَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا صِنْفَانِ عِنْدَهُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ مَنْعِ سَلَمِ الشَّيْءِ مِنْ جِنْسِهِ فَقَالَ: (إلَّا أَنْ يُقْرَضَهُ

[حاشية العدوي]

تَنْبِيهٌ: الْقَوْلُ بِالْفَسْخِ هُوَ الرَّاجِحُ فَالرَّاجِحُ مَا قَدَّمَهُ مِنْ التَّحْدِيدِ بِنِصْفِ الشَّهْرِ إنْ كَانَ يُقْبَضُ فِي بَلَدٍ الْعَقْدُ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ يُقْبَضُ بِبَلَدٍ عَلَى مَسَافَةِ يَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ فَيَكْتَفِي مَسَافَةَ مَا بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ.
تَنْبِيهٌ: إذَا سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الْأَجَلِ فَسَدَ السَّلَمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِقَبْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ أَجَلٌ مَعْلُومٌ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ سَكَتَ عَنْ بَيَانِ صِفَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْبُرْزُلِيِّ، وَكَمَا يَجُوزُ التَّأْجِيلُ بِالزَّمَانِ يَجُوزُ بِغَيْرِهِ كَالْحَصَادِ أَوْ الدِّرَاسِ، وَيُعْتَبَرُ مِيقَاتُ مُعْظَمِ مَا ذُكِرَ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ زَمَنِ الْعَقْدِ، وَمَا ذُكِرَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْثَرُ.
[قَوْلُهُ: دَخَلَا عَلَى ذَلِكَ] أَيْ دَخَلَا عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ بِبَلَدِ السَّلَمِ [قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ] الْحَاصِلُ أَنَّ دَفْعَ الشَّيْءِ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَجْوَدَ كَعَكْسِهِ مُمْتَنِعٌ، وَلَوْ فِي غَيْرِ الطَّعَامَيْنِ، وَالنَّقْدَيْنِ، وَالْعِلَّةُ مَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الْقَدْرِ، وَالصِّفَةِ فَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الطَّعَامَيْنِ، وَالنَّقْدَيْنِ وَهُوَ قَرْضٌ، وَلَوْ وَقَعَ عَلَى لَفْظِ السَّلَمِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطُ الْقَرْضِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا تَمَحُّضُ النَّفْعِ لِلْمُقْتَرِضِ، وَأَمَّا فِي الطَّعَامِ، وَالنَّقْدَيْنِ فَيَمْتَنِعُ إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ بِلَفْظِ السَّلَمِ أَوْ الْبَيْعِ أَوْ الْإِطْلَاقِ، وَأَمَّا إنْ وَقَعَ بِلَفْظِ الْقَرْضِ فَيَجُوزُ حَيْثُ تَمَحَّضَ النَّفْعُ لِلْمُقْتَرِضِ [قَوْلُهُ: وَلَا يُسْلَمُ شَيْءٌ فِي جِنْسِهِ] ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ، وَلَوْ حَصَلَ الِاخْتِلَافُ بِالْمَنْفَعَةِ اخْتِلَافًا قَوِيًّا أَوْ الصِّغَرِ، وَالْكِبَرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مَحَلُّ الْبَيْعِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ اخْتِلَافٌ وَإِلَّا فَيَجُوزُ سَلَمُ صَغِيرَيْنِ مِنْ الْحَيَوَانِ فِي كَبِيرٍ وَعَكْسُهُ، أَوْ صَغِيرٍ فِي كَبِيرٍ وَعَكْسُهُ إنْ لَمْ يُؤَدِّ لِلْمُزَابَنَةِ، فَإِنْ أَدَّى إلَى ذَلِكَ بِأَنْ يَطُولَ الْأَجَلُ الْمَضْرُوبُ إلَى أَنْ يَصِيرَ فِيهِ الصَّغِيرُ كَبِيرًا أَوْ يَلِدَ فِيهِ الْكَبِيرُ صَغِيرًا مُنِعَ لِأَدَائِهِ فِي الْأَوَّلِ إلَى ضَمَانٍ بِجُعْلٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: اضْمَنْ لِي هَذَا إلَى أَجَلِ كَذَا فَإِنْ مَاتَ فَفِي ذِمَّتِك، وَإِنْ سَلِمَ عَادَ إلَيَّ وَكَانَتْ مَنْفَعَتُهُ لَك ضَمَانُهُ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَفِي الثَّانِي إلَى الْجَهَالَةِ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: خُذْ هَذَا عَلَى صَغِيرٍ يَخْرُجُ مِنْهُ وَلَا يَدْرِي أَيَخْرُجُ مِنْهُ أَوْ لَا فَتَدَبَّرْ.
وَالِاخْتِلَافُ فِي الْحُمُرِ بِالْفَرَاهَةِ وَهِيَ سُرْعَةُ الْمَشْيِ فَيَجُوزُ سَلَمُ الْحِمَارِ الْفَارَّةِ فِي اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَا فَرَاهَةَ فِيهِمَا، وَالْبِغَالُ مِنْ جِنْسِ الْحَمِيرِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ، وَفِي الْخَيْلِ بِالسَّبْقِ لَا بِالْهَمْلَجَةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيْرِ إلَى أَنْ يَنْضَمَّ لَهَا الْبَرْذَنَةُ بِأَنْ يَصِيرَ جَافِيَ الْأَعْضَاءِ فَيَجُوزُ سَلَمُ الْهِمْلَاجِ الْغَلِيظِ جَافِي الْأَعْضَاءِ فِي مُتَعَدِّدٍ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَفِي الْجِمَالِ بِكَثْرَةِ الْحَمْلِ، وَفِي الْبَقَرِ بِقُوَّةِ الْعَمَلِ وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ وَيَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَى كَلَامِهِ أَنَّ الْبَقَرَ، وَالْجَوَامِيسَ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ فِي الْأَمْصَارِ كَمَا يَخْتَلِفُ بِهِ الْمَعْزُ، وَالضَّأْنُ، وَصَحَّحَ بَعْضُهُمْ اخْتِلَافَ الضَّأْنِ بِكَثْرَةِ الصُّوفِ، وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَيَخْتَلِفُ بِبُلُوغِ الْغَايَةِ فِي الْغَزْلِ أَوْ الطَّبْخِ أَوْ الْحِسَابِ أَوْ الْكِتَابَةِ، وَالطَّيْرُ بِالتَّعْلِيمِ لِمَنْفَعَةٍ شَرْعِيَّةٍ لَا بِالْبَيْضِ، وَالذُّكُورَةِ، وَالْأُنُوثَةِ اُنْظُرْ شُرَّاحَ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: فَأَجَازَ ذَلِكَ] وَيَجُوزُ أَيْضًا سَلَمُ غَلِيظِ ثِيَابِ الْكَتَّانِ فِي رَقِيقِ ثِيَابِ الْكَتَّانِ، وَيَجُوزُ سَلَمُ رَقِيقِ الْغَزْلِ فِي غَلِيظِهِ وَعَكْسُهُ [قَوْلُهُ: اقْتَصَرَ إلَخْ] قَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ صَاحِبَ الْمُخْتَصَرِ تَكَلَّمَ عَلَى جَوَازِ سَلَمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فِي

قَرْضًا شَيْئًا) وَفِي نُسْخَةٍ بَيِّنًا (فِي مِثْلِهِ صِفَةً وَمِقْدَارًا) وَجَوَازُ الْقَرْضِ فِي مِثْلِهِ صِفَةً وَمِقْدَارًا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ (النَّفْعُ فِي ذَلِكَ لِلْمُتَسَلِّفِ) أَمَّا إذَا كَانَ النَّفْعُ لِلْمُسَلِّفِ فَلَا يَجُوزُ (وَلَا يَجُوزُ دَيْنٌ) أَيْ بَيْعُهُ (بِدَيْنٍ) لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ» قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: هُوَ بِالْهَمْزَةِ النَّسِيئَةُ بِالنَّسِيئَةِ.
وَقَالَ ج: حَقِيقَةُ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ مِثْلُ أَنْ تَتَقَدَّمَ عِمَارَةُ الذِّمَّتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْمُعَاوَضَةِ كَمَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ وَلِثَالِثٍ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ رَابِعٍ، فَبَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْ الدَّيْنِ مَا يَمْلِكُهُ مِنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ الَّذِي لِلْآخَرِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَبَاعَهُ مِنْ ثَالِثٍ بِدَيْنٍ (وَتَأْخِيرُ رَأْسِ الْمَالِ) أَيْ مَالِ السَّلَمِ (بِشَرْطٍ إلَى مَحِلِّ السَّلَمِ) أَيْ أَجَلِهِ (أَوْ) إلَى (مَا بَعُدَ مِنْ الْعُقْدَةِ) أَيْ عَنْ عُقْدَةِ السَّلَمِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْمِيرَ كُلٍّ مِنْ الذِّمَّتَيْنِ مَفْهُومُهُ لَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ بِغَيْرِ شَرْطٍ جَازَ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَصْلِ (وَلَا يَجُوزُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَك شَيْءٌ فِي ذِمَّتِهِ فَتَفْسَخَهُ فِي شَيْءٍ آخَرَ لَا تَتَعَجَّلَهُ) مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَك عَلَيْهِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ إلَى سَنَةٍ

[حاشية العدوي]

الْبِغَالِ وَأَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ جَوَازُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ صَاحِبَ الْمُخْتَصَرِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ عَلَى أَنَّك قَدْ عَلِمْت أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ اتِّحَادُ الْبِغَالِ، وَالْحُمُرِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُقْرِضَهُ] إنْ قُلْت سَلَفُ الشَّيْءِ فِي مِثْلِهِ صِفَةً وَمِقْدَارًا قَرْضٌ، وَإِنْ وَقَعَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ فَلِمَ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يُقْرِضَهُ إلَخْ وَلَمْ يَقُلْ أَنْ يُسْلِمَهُ؟ قُلْت: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُسْلَمُ، وَالْمُسْلَمُ فِيهِ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ النَّقْدِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّصْرِيحِ بِلَفْظِ الْقَرْضِ، وَلَوْ كَانَ الطَّعَامُ غَيْرَ رِبَوِيٍّ اهـ عج.
[قَوْلُهُ: قَرْضًا إلَخْ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْقَرْضُ مَا تُعْطِيهِ غَيْرَك مِنْ الْمَالِ لِتُقْضَاهُ، وَالْجَمْعُ قُرُوضٌ مِثْلُ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَقْرَضْته الْمَالَ إقْرَاضًا.
فَقَوْلُهُ: شَيْئًا بَدَلٌ مِنْ " قَرْضًا " وَنُكْتَةُ الْبَدَلِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْفِعْلَ وَاقِعٌ عَلَى مَفْعُولِهِ مُجَرَّدًا عَنْ وَصْفِهِ لَأَنْ لَا يَحْصُلَ إلَّا بِهِ أَيْ لِأَنَّ وَصْفَ الْمَالِ بِكَوْنِهِ قَرْضًا إنَّمَا هُوَ بَعْدَ أَنْ يُقْرَضَ.
وَقَوْلُهُ: وَفِي نُسْخَةٍ بَيِّنًا أَيْ مُتَعَيِّنًا قَدْرُهُ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لِوُجُودِ الشَّكِّ فِي التَّمَاثُلِ وَهُوَ كَتَحَقُّقِ التَّفَاضُلِ هَذَا مَا ظَهَرَ وَحَرَّرَهُ.
[قَوْلُهُ: الْكَالِئِ] مَهْمُوزٌ مَأْخُوذٌ مِنْ الْكِلْأِ بِكَسْرِ الْكَافِ وَهُوَ الْحِفْظُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَكْلَأُ صَاحِبَهُ أَيْ يَحْرُسُهُ لِأَجْلِ مَالِهِ عِنْدَهُ.
وَلِهَذَا نُهِيَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي لِكَثْرَةِ الْمُنَازَعَةِ، وَالْمُشَاجَرَةِ.
أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِي ابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ [قَوْلُهُ: النَّسِيئَةُ بِالنَّسِيئَةِ] أَيْ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَابْتِدَاءُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ إذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَقَضِيَّةُ اسْتِدْلَالِ الشَّارِحِ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَجُوزُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ شَامِلٌ لِلثَّلَاثَةِ، وَأَنَّ حَقِيقَةَ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ مَوْجُودَةٌ فِيهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ فَيَكُونُ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لَهُ إطْلَاقَانِ عَلَى مَا يَعُمُّ الثَّلَاثَةَ وَعَلَى مَا يَخُصُّ وَاحِدًا مِنْهَا وَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ نَاجِي بِقَوْلِهِ: حَقِيقَةُ بَيْعٍ إلَخْ، وَمِثْلُ زَائِدَةٍ وَيَكُونُ إفْرَادُ الْمُصَنِّفِ فَسْخَ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ بِالذِّكْرِ لِأَشَدِّيَّتِهِ ثُمَّ فِي الْمَقَامِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْمَوْجُودَ فِي التَّحْقِيقِ وتت نَهَى عَنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ بِدُونِ لَفْظِ بَيْعٍ، فَالْأَوْلَى لِشَارِحِنَا إسْقَاطُهَا.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى ظَاهِرِ تَفْسِيرِهِ مَجَازٌ فِي الْحَدِيثِ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى الْمَفْعُولِ أَيْ الْمَكْلُوءِ بِالْمَكْلُوءِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: تَأْخِيرُ إلَخْ] هَذَا مِنْ ابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ [قَوْلُهُ: أَيْ أَجَلِهِ] تَفْسِيرٌ لِمَحَلِّ الْمُضَافِ لِلسَّلَمِ [قَوْلُهُ: أَيْ عَنْ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَنْ بِمَعْنَى عَنْ [قَوْلُهُ: أَيْ مِنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ] أَيْ فَالدَّيْنُ بِالدَّيْنِ كُلِّيٌّ، وَهَذَا مِنْ أَفْرَادِهِ.
وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ فِيهِ تَعْمِيرَ إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ لَا تَظْهَرُ فِي فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ، وَأَنَّ تَعْمِيرَ الذِّمَّتَيْنِ مُتَقَرِّرٌ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ أَحَدُ الْأَقْسَامِ قَبْلَ الْبَيْعِ فَتَأَمَّلْ [قَوْلُهُ: وَفِيهِ تَفْصِيلٌ إلَخْ] الْحَاصِلُ أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ إذَا كَانَ حَيَوَانًا عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ يَجُوزُ.
وَلَوْ إلَى حُلُولِ أَجَلِ السَّلَمِ، وَأَمَّا عِنْدَ الشَّرْطِ فَلَا يَجُوزُ وَيُفْسَخُ، وَأَمَّا النَّقْدُ فَلَا يَجُوزُ وَيُفْسَخُ، وَلَوْ عِنْدَ عَدَمِهِ، وَأَمَّا الْعَرْضُ، وَالطَّعَامُ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّرْطِ وَيَفْسُدُ وَعِنْدَ عَدَمِهِ فَقِيلَ: يُكْرَهُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يُكْرَهُ إنْ لَمْ يَكِلْ الطَّعَامَ وَيُحْضِرْ الْعَرْضَ وَإِلَّا جَازَ [قَوْلُهُ: فِي شَيْءٍ آخَرَ] أَيْ مُخَالِفًا

فَتَفْسَخَهَا فِي عَشْرَةِ أَثْوَابٍ مَثَلًا، فَإِنْ كَانَ الْفَسْخُ إلَى الْأَجَلِ نَفْسِهِ أَوْ دُونَهُ فَقَوْلَانِ: الْجَوَازُ وَهُوَ أَظْهَرُ فِي النَّظَرِ، وَالْمَنْعُ وَهُوَ أَشْهَرُ، وَمُنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ النَّهْيُ عَنْ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ مُعَلَّلٌ أَوْ لَا، فَمَنْ عَلَّلَ بِالزِّيَادَةِ أَجَازَ إذْ لَا زِيَادَةَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّلٍ قَالَ: بِالْمَنْعِ، وَإِنْ كَانَ الْفَسْخُ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ فَلَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا لِوُجُودِ الرِّبَا الْمُتَّفَقِ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَهُوَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ، إمَّا أَنْ يَقْضِيَ لَهُ وَإِمَّا أَنْ يُرْبِيَ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْأَجَلِ تَقْتَضِي الزِّيَادَةَ فِي مِقْدَارِ الدَّيْنِ وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك عَلَى أَنْ يَكُونَ عَلَيْك حَالًا) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ السِّلَعَ الْمُعَيَّنَةَ يَمْتَنِعُ بَيْعُهَا قَبْلَ شِرَائِهَا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: اشْتَرِ مِنِّي سِلْعَةَ فُلَانٍ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ إذْ لَا يَدْرِي هَلْ يَبِيعُهَا فُلَانٌ أَمْ لَا، وَهَلْ يَكُونُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ فَيَكُونُ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ أَوْ يَكُونُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ فَيَخْسَرُ الزَّائِدَ، وَيَحْتَمِلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ السَّلَمَ الْحَالَّ وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا فِي ذِمَّتِهِ لَيْسَ عِنْدَهُ عَلَى أَنْ يَمْضِيَ لِلسُّوقِ فَيَشْتَرِيَهُ وَيَدْفَعَهُ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَجِدَهُ أَوْ لَا، وَإِذَا وَجَدَهُ فَإِمَّا بِأَكْثَرَ مِمَّا بَاعَهُ فَيُؤَدِّيَ مِنْ عِنْدِهِ مَا يُكْمِلُ بِهِ الثَّمَنَ، وَذَلِكَ مِنْ السَّفَهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَإِمَّا أَنْ يَجِدَهُ بِأَقَلَّ فَيَأْكُلَ مَا بَقِيَ بَاطِلًا وَهُوَ لَا يَجُوزُ.
تَنْبِيهٌ: قَيَّدَ ج كَلَامَ الشَّيْخِ بِقَوْلِهِ: هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ الْغَالِبُ وُجُودَهُ عِنْدَ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ وُجُودَهُ فَيَجُوزُ أَنْ يُسْلَمَ إلَيْهِ عَلَى الْحُلُولِ إجْرَاءً لَهُ مَجْرَى الْقَبْضِ كَالْقَصَّابِ، وَالْخَبَّازِ الدَّائِمِ الْعَمَلِ انْتَهَى.
وَفِي التَّوْضِيحِ الْمَشْهُورُ جَوَازُ الشِّرَاءِ مِنْ الصَّانِعِ الدَّائِمِ الْعَمَلِ كُلَّ يَوْمٍ بِكَذَا وَعَلَى الْمَشْهُورِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَهُ، وَأَنْ

[حاشية العدوي]

لِمَا فِي ذِمَّتِهِ، وَلَوْ فِي عَدَدِهِ أَوْ صِفَتِهِ كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَيْنًا فَفَسَخَهُ فِي عَرْضٍ أَوْ حَيَوَانٍ إلَى أَجَلٍ فَإِنَّهُ حَرَامٌ، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَرْضِ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ، أَوْ كَانَ دَيْنُهُ عَرْضًا فَفَسَخَهُ فِي عَيْنٍ أَوْ كَانَ عَيْنًا وَفَسَخَهَا فِي عَيْنٍ أَجْوَدَ وَأَوْلَى أَكْثَرَ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ أَشْهُرُ] قَالَ فِي الْكَبِيرِ: وَأَسْعَدَ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ.
تَنْبِيهٌ: فَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ أَشَدُّ الثَّلَاثَةِ فِي الْحُرْمَةِ وَيَلِيهِ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَأَخَفُّهَا ابْتِدَاءُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي رَأْسِ الْمَالِ التَّأْخِيرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَكَأَنَّ فَسْخَ الدَّيْنِ أَشَدُّ حُرْمَةً؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ، وَالرِّبَا مُحَرَّمٌ كِتَابًا وَسُنَّةً وَإِجْمَاعًا، وَأَمَّا الْآخَرَانِ فَتَحْرِيمُهُمَا بِالسُّنَّةِ [قَوْلُهُ: تَقْتَضِي الزِّيَادَةَ إلَخْ] أَيْ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الثِّيَابُ قِيمَتُهَا أَكْثَرُ مِنْ الدَّيْنِ [قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك] فَإِنْ وَقَعَ فُسِخَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا لَا يَجُوزُ الْفَسَادُ وَتُرَدُّ السِّلْعَةُ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً [قَوْلُهُ: فَيَكُونُ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ] قَدْ يُقَالُ: هَذَا أُجْرَةٌ لَهُ فَلَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يَبِيعُ لَهُ أَمْ لَا [قَوْلُهُ: إنَّهُ أَرَادَ السَّلَمَ الْحَالَ] فَالْبَيْعُ وَقَعَ عَلَى السِّلْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهَا بَائِعُهَا وَلِذَلِكَ مُنِعَ، وَأَمَّا لَوْ طَلَب شَخْصٌ مِنْ آخَرَ سِلْعَةً لِيَشْتَرِيَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا عِنْدَهُ فَنَصَّ عَلَيْهَا الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: جَازَ لِمَطْلُوبٍ مِنْهُ بِسِلْعَةٍ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ الْغَيْرِ وَيَبِيعَهَا بَعْدَ اشْتِرَائِهَا لِطَالِبِهَا [قَوْلُهُ: وَذَلِكَ مِنْ السَّفَهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ] قَدْ يُقَالُ إنَّ هَذَا فِعْلُ مَكَارِمِ أَخْلَاقٍ مَعَ الْمُسَلِّمِ إذْ الشِّرَاءُ بِكَثِيرٍ، وَالْبَيْعُ بِقَلِيلٍ لَا يَنْحَصِرُ فِي السَّفَهِ [قَوْلُهُ: كَالْقَصَّابِ] إلَخْ هُوَ الْجَزَّارُ؛ لِأَنَّهُ يُقَطِّعُ الشَّاةَ عُضْوًا عُضْوًا مِنْ قَصَبَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ إذَا قَطَّعَ الشَّاةَ عُضْوًا عُضْوًا أَفَادَهُ فِي الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: الدَّائِمِ] أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا الْعَمَلُ [قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ عَلَى الْحُلُولِ] أَيْ لِكُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ [قَوْلُهُ: انْتَهَى] أَيْ كَلَامُ ابْنِ نَاجِي قَالَ عج عَقِبَ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي هَذَا: قُلْت هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الشِّرَاءَ مِنْ دَائِمِ الْعَمَلِ كَالسَّلَمِ فِي شُرُوطِهِ إلَّا فِي ضَرْبِ الْأَجَلِ اهـ. [قَوْلُهُ: وَفِي التَّوْضِيحِ الْمَشْهُورُ] وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ الْمَنْعُ [قَوْلُهُ: كُلَّ يَوْمٍ بِكَذَا] أَيْ يَتَعَاقَدُ مَعَهُ عَلَى أَنَّهُ يَأْخُذُ كُلَّ يَوْمٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ خُبْزًا مَثَلًا وَلِأَحَدِهِمَا الْفَسْخُ فِي هَذِهِ، وَبَقِيَ صُورَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنْ يَأْخُذَ جُمْلَةً مِنْهُ يُفَرِّقُهَا عَلَى أَيَّامٍ وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الْفَسْخُ فِي هَذِهِ.
قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ: وَيَكُونُ بَيْعًا بِالنَّقْدِ لَا سَلَمًا فَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الثَّمَنِ اهـ. [قَوْلُهُ:

يَشْرَعَ فِي الْأَخْذِ وَلَا يَشْتَرِطُ ضَرْبَ الْأَجَلِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا كَغَيْرِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًّا وَسَوَاءٌ قَدَّمَ النَّقْدَ فِي ذَلِكَ أَوْ أَخَّرَهُ انْتَهَى.

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسَائِلِ بُيُوعِ الْآجَالِ وَهِيَ اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً تِسْعَةٌ جَائِزَةٌ وَثَلَاثَةٌ مَمْنُوعَةٌ كُلُّهَا تُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ بَعْضُهَا بِالْمَنْطُوقِ وَبَعْضُهَا بِالْمَفْهُومِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى سِتَّةٍ مِنْهَا ثِنْتَانِ بِالْمَنْطُوقِ وَأَرْبَعَةٌ بِالْمَفْهُومِ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا بِعْت سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَلَا تَشْتَرِهَا بِأَقَلَّ مِنْهُ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ) مِثَالُ الْأُولَى أَنْ يَبِيعَ ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ يَشْتَرِيهِ بِخَمْسَةٍ نَقْدًا، وَمِثَالُ الثَّانِيَةِ أَنْ يَبِيعَهُ سِلْعَةً بِمِائَةٍ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا بِخَمْسِينَ إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهَاتَانِ اللَّتَانِ بِالْمَنْطُوقِ وَهُمَا مَمْنُوعَتَانِ؛ لِأَنَّهُمَا دَخَلَهُمَا ثَلَاثُ عِلَلٍ سَلَفٌ بِزِيَادَةٍ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ قَلِيلًا لِيَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَتَفَاضُلٌ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ أَوْ الْفِضَّتَيْنِ وَتَأْخِيرٌ بَيْنَهُمَا وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: بِأَقَلَّ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهَا بِأَكْثَرَ أَوْ بِالْمِثْلِ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ جَازَ وَهُوَ كَذَلِكَ إذْ لَا تُهْمَةَ فِي ذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَى ثَلَاثَةٍ: وَاحِدَةٌ بِالْمَنْطُوقِ مَمْنُوعَةٌ

[حاشية العدوي]

يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَهُ] أَيْ تَكُونَ مَادَّتُهُ الَّتِي يُؤْخَذُ مِنْهَا مَوْجُودَةً عِنْدَهُ كَالْقَمْحِ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَا حَاجَةَ لَهُ لِفَرْضِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ دَائِمُ الْعَمَلِ.
وَقَوْلُهُ: وَأَنْ يَشْرَعَ فِي الْأَخْذِ أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَعَشَرَةِ أَيَّامٍ [قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ ضَرْبُ الْأَجَلِ] لَيْسَ الْمُرَادُ الْأَجَلَ الْمَعْرُوفَ الَّذِي هُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ لِمُنَافَاتِهِ لِقَوْلِهِ: وَأَنْ يَشْرَعَ فِي الْأَخْذِ [قَوْلُهُ: بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا كَغَيْرِهِ] أَيْ بِأَنْ يَقُولَ: آخُذُ مِنْهُ سَنَةً كُلَّ يَوْمٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ يَأْخُذُ مِنْهُ جُمْلَةً وَيُفَرِّقُهَا عَلَى مِائَةِ يَوْمٍ مَثَلًا [قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا] أَيْ بِأَنْ يَتَعَاقَدَ مَعَهُ عَلَى أَلْفِ رَغِيفٍ يَأْتِي بِهَا حَالًا.
قُلْت: وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَاقَدَ مَعَهُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ يَوْمٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ خُبْزًا فَهَذَا مُؤَجَّلٌ إلَّا أَنَّهُ مَجْهُولٌ.
وَقَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ قَدَّمَ النَّقْدَ إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ سَلَمًا أَصْلًا بَلْ هُوَ مُتَبَايِنٌ لَهُ فَيَكُونُ مُخَالِفًا لِمُقْتَضَى عِبَارَةِ ابْنِ نَاجِي الَّتِي قَالَ فِيهَا عج: قُلْت هَذَا يُفِيدُ إلَى آخِرِهِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ نَاجِي بَعِيدٌ لِقَوْلِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كُنَّا نَبْتَاعُ اللَّحْمَ مِنْ الْجَزَّارِينَ أَيْ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ بِسُعْرٍ مَعْلُومٍ كُلَّ يَوْمِ رِطْلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً بِشَرْطِ أَنْ يُدْفَعَ الثَّمَنُ مِنْ الْعَطَاءِ.
قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا إذَا كَانَ الْعَطَاءُ مَعْرُوفًا أَيْ وَمَأْمُونًا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.
وَلَا يُضْرَبُ فِيهِ أَجَلٌ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ اهـ. قُلْت: فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الصَّوَابُ مُقْتَضَى عِبَارَةِ التَّوْضِيحِ خِلَافًا لِمَا أَفَادَتْهُ عِبَارَةُ ابْنِ نَاجِي فَتَأَمَّلْ

[مَسَائِلِ بُيُوعِ الْآجَالِ]

[قَوْلُهُ: عَلَى مَسَائِلِ بُيُوعِ الْآجَالِ] أَيْ عَلَى بَعْضِ مَسَائِلِ النَّوْعِ الْمَعْرُوفِ بِبُيُوعِ الْآجَالِ [قَوْلُهُ: تِسْعَةٌ جَائِزَةٌ] ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ عَيْنَ مَا بَاعَهُ نَقْدًا أَوْ بِدُونِ الْأَجَلِ أَوْ لِلْأَجَلِ أَوْ لِأَبْعَدَ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ ثَلَاثٌ فِي أَرْبَعَةٍ بِاثْنَيْ عَشَرَ، وَضَابِطُ الْجَائِزِ مِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ تَقُولَ: مَتَى اتَّفَقَ الثَّمَنَانِ فَالْجَوَازُ وَلَا يُنْظَرُ لِاخْتِلَافِ الْأَجَلِ، وَكَذَا إذَا اتَّفَقَ الْأَجَلَانِ فَالْجَوَازُ وَلَا يُنْظَرُ إلَى اخْتِلَافِ الثَّمَنَيْنِ.
وَإِذَا اخْتَلَفَ الْأَجَلَانِ، وَالثَّمَنَانِ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إلَى الْبَلَدِ السَّابِقَةِ بِالْعَطَاءِ فَإِنْ دَفَعَتْ قَلِيلًا وَعَادَ إلَيْهَا كَثِيرًا فَالْمَنْعُ وَإِلَّا فَالْجَوَازُ.
[قَوْلُهُ: بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَجَلُ لَمْ تَكُنْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ بُيُوعِ الْآجَالِ، وَمِثْلُ بَيْعِك بَيْعُ وَكِيلِك أَوْ عَبْدُك غَيْرُ الْمَأْذُونِ أَوْ الْمَأْذُونِ حَيْثُ كَانَ يَتَّجِرُ لَك.
وَقَوْلُهُ: فَلَا تَشْتَرِهَا أَيْ هَذِهِ السِّلْعَةَ الْمُبَاعَةَ أَنْتَ أَوْ وَاحِدٌ مِمَّنْ ذُكِرَ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ أَيْ أَوْ مِمَّنْ نَزَلَ مَنْزِلَتَهُ مِمَّنْ ذُكِرَ، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَى مَا بَاعَهُ لِأَجَلٍ لِغَيْرِ نَفْسِهِ بِأَنْ اشْتَرَاهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ لَكُرِهَ فَقَطْ، وَمِثْلُهُ شِرَاؤُهُ لِابْنِهِ الْمَحْجُورِ شِرَاءَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ لِمَنْ فِي حِجْرِهِ، وَأَمَّا شِرَاءُ الْأَجْنَبِيِّ لِلْبَائِعِ الْأَوَّلِ أَوْ شِرَاءُ مَحْجُورِهِ لَهُ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ كُلًّا إنَّمَا يَشْتَرِي بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ فَهُوَ كَشِرَاءِ الْبَائِعِ نَفْسِهِ [قَوْلُهُ: سَلَفٍ بِزِيَادَةٍ] الْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى هَذَا فِي التَّعْلِيلِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّفَاضُلَ، وَالتَّأْخِيرَ مَوْجُودَانِ حَتَّى فِي بَعْضِ صُوَرِ الْجَوَازِ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ [قَوْلُهُ: إذْ لَا تُهْمَةَ فِي ذَلِكَ] أَيْ بِوَاحِدٍ مِنْ الَّذِي تَقَدَّمَ وَهُوَ سَلَفٌ بِزِيَادَةٍ، وَإِنْ وُجِدَ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ، وَالتَّأْخِيرُ فِي صُورَتَيْنِ، وَالتَّفَاضُلُ

وَثِنْتَانِ بِالْمَفْهُومِ جَائِزَتَانِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بِأَكْثَرَ) أَيْ، وَكَذَا إذَا بِعْت سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَلَا تَشْتَرِهَا بِأَكْثَرَ (سَنَةً إلَى أَبْعَدَ مِنْ أَجَلِهِ) مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ رَجُلًا سِلْعَةً بِمِائَةٍ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ إلَى شَهْرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ أَرْبَعُ عِلَلٍ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ، وَالتَّفَاضُلُ بَيْنَ الذَّهَبَيْنِ أَوْ الْفِضَّتَيْنِ، وَالتَّأْخِيرُ بَيْنَهُمَا وَسَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ دَفَعَ مِائَةً يَأْخُذُ بَعْدَ شَهْرَيْنِ مِائَةً وَخَمْسِينَ، وَمَفْهُومُ " بِأَكْثَرَ " أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهَا بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ جَازَ إذْ لَا تُهْمَةَ ثُمَّ أَشَارَ إلَى بَقِيَّةِ التِّسْعَةِ الْجَائِزَةِ بِقَوْلِهِ: (وَأَمَّا) أَيْ إذَا بِعْت سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَاشْتَرَيْتهَا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ (إلَى الْأَجَلِ نَفْسِهِ فَذَلِكَ) الشِّرَاءُ بِأَقَلَّ أَوْ بِأَكْثَرَ أَوْ بِالْمِثْلِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْكَلَامِ (كُلُّهُ جَائِزٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا عِلَّةَ حِينَئِذٍ تُتَّقَى (وَتَكُونُ مُقَاصَّةً) فَإِذَا بِعْت سِلْعَةً بِمِائَةٍ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَيْتهَا بِمِائَةٍ إلَى الْأَجَلِ فَهَذَا فِي ذِمَّتِهِ مِائَةٌ، وَهَذَا كَذَلِكَ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ يَقْطَعُ هَذِهِ الْمِائَةَ فِي الْمِائَةِ، وَإِذَا بَاعَهَا بِمِائَةٍ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا إلَى الشَّهْرِ بِخَمْسِينَ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ تَقَاصَّا فَيَجْعَلُ الْخَمْسِينَ فِي مُقَابَلَةِ الْخَمْسِينَ وَيُزِيدُ لَهُ خَمْسِينَ.
وَإِذَا بَاعَهَا بِمِائَةٍ إلَى شَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ إلَى ذَلِكَ الشَّهْرِ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ تَقَاصَّا فَتَكُونُ الْمِائَةُ فِي مُقَابَلَةِ الْمِائَةِ وَيَزِيدُ لَهُ الْآخَرُ خَمْسِينَ.

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حُكْمِ بَيْعِ الْجُزَافِ وَبَيَانِ شُرُوطِهِ فَقَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِشِرَاءِ الْجُزَافِ) مُثَلَّثُ الْجِيمِ وَهُوَ مَا جُهِلَ قَدْرُهُ أَوْ وَزْنُهُ أَوْ كَيْلُهُ أَوْ عَدَدُهُ وَاسْتَعْمَلَ " لَا بَأْسَ " هُنَا بِمَعْنَى الْجَوَازِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] وَفِي الصَّحِيحِ كَانَ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ جُزَافًا

وَلِجَوَازِهِ عَشَرَةُ شُرُوطٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَسْكُوكٍ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ) أَوْ يُعَدُّ (سِوَى الدَّنَانِيرِ

[حاشية العدوي]

فِي إحْدَاهُمَا.
وَقَوْلُهُ: الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ أَيْ ابْتِدَاءُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ [قَوْلُهُ: وَتَكُونُ مُقَاصَّةً] إنَّمَا جَازَتْ الصُّوَرُ كُلُّهَا عِنْدَ اتِّفَاقِ الْأَجَلِ لِوُجُودِ الْمُقَاصَّةِ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطَاهَا، وَلِذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَ الْمُقَاصَّةَ فِيمَا أَصْلُهُ مَمْنُوعٌ لَجَازَ؛ لِأَنَّ ضَابِطَ هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْجَائِزَ ابْتِدَاءً لَا يَمْنَعُهُ إلَّا شَرْطُ نَفْيِ الْمُقَاصَّةِ، وَالْمَمْنُوعَ ابْتِدَاءً لَا يُصَيِّرُهُ جَائِزًا إلَّا شَرْطُ الْمُقَاصَّةِ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَحْرُمُ شِرَاءُ غَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ نَوْعِهَا كَأَنْ بَاعَ لَهُ فَرَسًا فَاشْتَرَى رَقِيقًا أَوْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ تَغَيُّرِهِ كَثِيرًا، فَالصُّوَرُ كُلُّهَا جَائِزَةٌ، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَى مِثْلَهَا مِنْ نَوْعِهَا فَإِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى عَيْنَ مَا بَاعَ فِي امْتِنَاعِ ثَلَاثِ صُوَرٍ هَذَا إنْ لَمْ يَغِبْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا بَعْدَ غَيْبَتِهِ فَزِيدَ صُورَتَانِ وَهُمَا كَوْنُ الشِّرَاءِ الثَّانِي بِأَقَلَّ لِلْأَجَلِ أَوْ لِأَبْعَدَ، وَإِنْ كَانَتْ مُقَوَّمَةً كَمَا لَوْ بَاعَهُ فَرَسًا وَاشْتَرَى مِنْهُ أُخْرَى فَتَجُوزُ الصُّوَرُ كُلُّهَا.

[بَيْع الجزاف]

[قَوْلُهُ: أَوْ وَزْنِهِ] الْأَوْلَى إسْقَاطُ قَوْلِهِ أَوْ وَيَكُونُ مَعَ مَا بَعْدَهُ تَفْسِيرًا لِقَدْرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى] أَيْ لِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ عَامٌّ.
[قَوْلُهُ: كَانَ الصَّحَابَةُ يَتَبَايَعُونَ إلَخْ] أَيْ يَتَعَاطَوْنَ بَيْعَ الثِّمَارِ جُزَافًا عَلَى رُءُوسِ الْأَشْجَارِ، وَيَلْحَقُ بِالثِّمَارِ غَيْرُهَا.

[قَوْلُهُ: وَلِجَوَازِهِ عَشْرَةُ شُرُوطٍ] وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا كَمَا قَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ أَنْ يُصَادِفَ كَوْنَهُ جُزَافًا فَلَا يَصِحُّ الْجُزَافُ الْمَدْخُولُ عَلَيْهِ كَأَنْ يَقُولَ لِلْجَزَّارِ أَوْ الْعَطَّارِ: اصْنَعْ لِي كَوْمًا مَثَلًا وَأَنَا أَشْتَرِيهِ مِنْك، وَمِنْهُ مَا يَقَعُ عِنْدَنَا بِمِصْرَ مِنْ شِرَاءِ الْفُولِ الْحَارِّ أَوْ الْمِلْحِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَأَمَّا لَوْ وَجَدَهُ مُجْزَفًا فَيَجُوزُ بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرَاهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ شِرَائِهِ إنْ كَانَ فِي ظَرْفِهِ بِأَنْ يَفْتَحَ وَرَقَةَ الْفِلْفِلِ.
الثَّانِي: أَنْ لَا يَشْتَرِطَ زِيَادَةً وَإِلَّا امْتَنَعَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ الْمَدْخُولِ عَلَيْهِ وَانْظُرْهُ إنْ كَانَ مَنْقُولًا فَمُسَلَّمٌ.
[قَوْلُهُ: فِيمَا يُكَالُ] كَالْحِنْطَةِ وَقَوْلُهُ أَوْ يُوزَنُ كَالْعَسَلِ، وَالسَّمْنِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ يُعَدُّ] كَالْبِطِّيخِ وَغَيْرِهِ، وَأَسْقَطَهُ وَزَادَهُ الشَّارِحُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمِثْلِيِّ، وَالْمَعْدُودِ مِنْهُ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ الرَّقِيقِ جُزَافًا فَفِي كَلَامِهِ اكْتِفَاءٌ عَلَى حَدِّ ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81] .

وَالدَّرَاهِمِ مَا كَانَ مَسْكُوكًا) أَيْ مَا دَامَتْ مَسْكُوكَةً فَإِنَّهُ يُمْتَنَعُ شِرَاؤُهَا جُزَافًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ الْمُخَاطَرَةِ، وَالْقِمَارِ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ التَّعَامُلُ بِهِمَا وَزْنًا أَوْ عَدَدًا وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْمَشْهُورُ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ إنْ كَانَ التَّعَامُلُ بِهِمَا وَزْنًا جَازَ، وَإِنْ كَانَ عَدَدًا امْتَنَعَ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُمَا إذَا كَانَا غَيْرَ مَسْكُوكَيْنِ جَازَ بَيْعُهُمَا جُزَافًا وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: (وَأَمَّا نِقَارُ) بِكَسْرِ النُّونِ بِمَعْنَى فَجَرَاتٍ (الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ فَذَلِكَ) أَيْ شِرَاءُ الْجُزَافِ (فِيهِمَا جَائِزٌ) إذَا لَمْ يُتَعَامَلْ بِهِمَا أَمَّا إذَا تُعُومِلَ بِهِمَا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا جُزَافًا.
ثَانِيَ الشُّرُوطِ: أَنْ لَا تَكُونَ آحَادُهُ مَقْصُودَةً كَالْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ قُصِدَتْ أَفْرَادُهُ وَلَمْ يَقِلَّ ثَمَنُهُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ الرَّقِيقِ، وَالثِّيَابِ جُزَافًا) وَقَيَّدْنَا بِلَمْ يَقِلَّ ثَمَنُهُ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا قُصِدَتْ آحَادُهُ وَقَلَّ ثَمَنُهُ كَالرُّمَّانِ، وَالْبَيْضِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُمَا جُزَافًا.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ احْتِرَازًا مِنْ الْقَلِيلِ الَّذِي يُعْلَمُ قَدْرُهُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) أَيْ وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ (مَا يُمْكِنُ عَدُّهُ بِلَا مَشَقَّةٍ جُزَافًا) كَالْحِيتَانِ.
رَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْجِنْسِ كَقَمْحٍ أَوْ شَعِيرٍ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ قَالَ: اشْتَرِ مِنِّي صُبْرَةً مِنْ طَعَامٍ.
خَامِسُهَا: أَنْ لَا يَشْتَرِيَهُ مَعَ مَكِيلٍ.
سَادِسُهَا: أَنْ لَا يَكْثُرَ جِدًّا.
سَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا بِالْبَصَرِ.
ثَامِنُهَا: أَنْ يَكُونَ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ: أَيْ مَا دَامَتْ إلَخْ] مَا مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ أَيْ مُدَّةُ دَوَامِهَا مَسْكُوكَةً، وَالتَّأْوِيلُ بِالدَّوَامِ لَا حَاجَةَ لَهُ فَلَوْ قَالَ مُدَّةُ وُجُودِهَا مَسْكُوكَةً لَكَفَى وَكَانَ تَامَّةٌ وَمَسْكُوكَةً حَالٌ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى تَأْنِيثُ الْفِعْلِ وَوَجْهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ اعْتِبَارُ مَا ذُكِرَ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ الْمُخَاطَرَةِ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَخَاطَرَ بِنَفْسِهِ فَعَلَ مَا يَكُونُ الْخَوْفُ فِيهِ أَغْلَبَ اهـ. لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ فَلَا مُفَاعَلَةَ.
وَقَوْلُهُ: وَالْقِمَارِ إلَخْ أَيْ الْمُغَالَبَةُ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ عَدَدًا امْتَنَعَ] ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَدَدًا وَوَزْنًا وَالْمُصَنِّفُ إنَّمَا أَطْلَقَ اتِّكَالًا عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ الْمَسْكُوكَ إنَّمَا يُتَعَامَلُ بِهِ عَدَدًا.
[قَوْلُهُ: بِكَسْرِ النُّونِ] جَمْعُ نُقْرَةٍ بِالضَّمِّ الْقِطْعَةُ الْمُذَابَةُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ وَفَجَرَاتٌ جَمْعُ فَجْرَةٍ بِمَعْنَى قِطْعَةٍ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا تُعُومِلَ بِهِمَا فَلَا يَجُوزُ] أَيْ عَدَدًا، وَمَا يُتَعَامَلُ بِهِ بِالْوَجْهَيْنِ كَذَلِكَ أَيْ يَمْتَنِعُ كَمَا ذَكَرَهُ عج فِي حَاشِيَتِهِ، وَأَمَّا وَزْنًا فَقَطْ فَيَجُوزُ.
قَالَ الشَّيْخُ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ التِّبْرَ، وَالْحُلِيَّ الْمَكْسُورَ، وَكَذَا الْمَسْكُوكُ الْمُتَعَامَلُ بِهِ وَزْنًا فَقَطْ يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا، وَالْفُلُوسُ الْجُدُدُ كَالنَّقْدِ فَإِنْ كَانَ التَّعَامُلُ بِهَا عَدَدًا فَقَطْ أَوْ عَدَدًا وَوَزْنًا امْتَنَعَ بَيْعُهَا جُزَافًا، وَإِنْ تُعُومِلَ بِهَا وَزْنًا فَقَطْ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَامَلَ بِهِ عَدَدًا يُقْصَدُ أَفْرَادُهُ بِخِلَافِ الْمُتَعَامَلِ بِهِ وَزْنًا فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ الرَّقِيقِ إلَخْ] أَيْ، وَكَذَا الْحَيَوَانَاتُ وَغَيْرُهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمُقَوَّمَاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ أَفْرَادُهَا حَالَةَ كَوْنِ شِرَائِهَا جُزَافًا؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْأَفْرَادِ اخْتِلَافًا قَوِيًّا يُؤَدِّي إلَى الْمُخَاطَرَةِ، وَالْمُقَامَرَةِ وَهِيَ حَرَامٌ.
[قَوْلُهُ: أَيْ وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ مَا يُمْكِنُ عَدُّهُ إلَخْ] أَيْ لِسُهُولَةِ الْعَدِّ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُمَا جُزَافًا، وَلَوْ أَمْكَنَ الْكَيْلُ أَوْ الْوَزْنُ بِلَا مَشَقَّةٍ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْكَيْلِ، وَالْوَزْنِ الْمَشَقَّةُ لِتَوَقُّفِهِمَا عَلَى مِعْيَارٍ شَرْعِيٍّ أَوْ مُعْتَادٍ.
[قَوْلُهُ: كَالْحِيتَانِ] أَيْ الْقَلَائِلِ الَّتِي لَا مَشَقَّةَ فِي عَدِّهَا.
[قَوْلُهُ: رَابِعُهَا إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يَخُصُّ الْجُزَافَ.
[قَوْلُهُ: خَامِسُهَا أَنْ لَا يَشْتَرِيَهُ مَعَ مَكِيلٍ] أَيْ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ مَعَ خُرُوجِ كُلٍّ عَنْ أَصْلِهِ كَمَكِيلِ أَرْضٍ وَجُزَافِ حَبٍّ بِخِلَافٍ لَوْ وَقَعَ كُلٌّ عَلَى الْأَصْلِ كَجُزَافِ أَرْضٍ مَعَ مَكِيلِ حَبٍّ فَيَجُوزُ، كَمَا يَجُوزُ شِرَاءُ الْجُزَافَيْنِ، وَالْمَكِيلَيْنِ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ مَعَ الْخُرُوجِ عَنْ الْأَصْلِ، وَالْأَصْلُ فِي الْحُبُوبِ الْكَيْلُ، وَالْأَرْضِ الْجُزَافُ.
[قَوْلُهُ: سَادِسُهَا أَنْ لَا يَكْثُرَ جِدًّا] بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ حَزْرُهُ وَإِلَّا امْتَنَعَ بَيْعُهُ جُزَافًا، وَلَوْ مَعْدُومًا.
[قَوْلُهُ: سَابِعُهَا أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا بِالْبَصَرِ] أَيْ وَلِذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الْبَائِعِ، وَالْمُشْتَرِي بَصِيرًا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأَعْمَى جُزَافًا وَلَا شِرَاؤُهُ لِاشْتِرَاطِ رُؤْيَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَيَكْفِي الرُّؤْيَةُ، وَلَوْ قَبْلَ الْعَقْدِ وَيَكْفِي رُؤْيَةُ بَعْضِهِ الْمُتَّصِلِ بِبَاقِيهِ كَالصُّبْرَةِ يُرَى ظَاهِرُهَا، وَالْغِرَارَةِ، وَالْحَاصِلُ الْكَبِيرُ، وَكَرُؤْيَةِ بَعْضٍ مَغِيبِ الْأَصْلِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ قِلَالِ الْخَلِّ الَّتِي يُعْلَمُ أَنَّ فَتْحَهَا يُفْسِدُهَا لَكِنْ بِشَرْطِ كَوْنِهَا مَمْلُوءَةً، أَوْ يَعْلَمُ الْمُشْتَرِي نَقْصَهَا، وَلَوْ بِإِخْبَارِ الْبَائِعِ وَصِفَةِ مَا فِيهَا.
وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَنْ يَكُونَ

الْمُتَعَاقِدَانِ اعْتَادَا الْحَزْرَ فِي ذَلِكَ.
تَاسِعُهَا: أَنْ يَكُونَا جَاهِلَيْنِ بِمِقْدَارِهِ.
عَاشِرُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ

(وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ) كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا وَفِيهَا ثَمَرٌ لَمْ يَبِعْهُ (فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ) أَيْ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ لَا يَدْخُلُ فِي الْعَقْدِ عَلَى النَّخْلِ (إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ) لِنَفْسِهِ فَيَدْخُلُ فِي الْعَقْدِ فَيَكُونُ لَهُ مَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّ النَّخْلَ لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ كَانَتْ الثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى شَرْطٍ.
وَالْأَصْلُ فِيمَا ذَكَرَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ، وَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» . (وَكَذَلِكَ غَيْرُهَا) أَيْ غَيْرُ النَّخْلِ (مِنْ) الْأَشْجَارِ ذِي (الثِّمَارِ) كَالْعِنَبِ، وَالزَّيْتُونِ فِيهِ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ، ثُمَّ فَسَّرَ التَّأْبِيرَ بِقَوْلِهِ: (وَالْإِبَارُ) فِي النَّخْلِ (التَّذْكِيرُ) بِأَنْ يُجْعَلَ عَلَى الثَّمَرَةِ دَقِيقًا يَكُونُ فِي فَحْلِ النَّخْلِ (وَإِبَارُ الزَّرْعِ) عَلَى الْمَشْهُورِ

[حاشية العدوي]

مَرْئِيًّا بِالْبَصَرِ فَالْغَائِبُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا إلَّا لَا يُمْكِنُ حَزْرُهُ.
[قَوْلُهُ: اعْتَادَ الْحَزْرَ فِي ذَلِكَ] أَيْ أَوْ يُوَكِّلَا مَنْ هُوَ كَذَلِكَ وَيَجُوزُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَا جَاهِلَيْنِ بِمِقْدَارِهِ] فَلَوْ عَلِمَاهُ مَعًا لَجَازَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ مِنْ بَيْعِ الْجُزَافِ، وَأَمَّا لَوْ عَلِمَهُ أَحَدُهُمَا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا.
وَإِنْ أَعْلَمَ الْعَالَمُ الْجَاهِلَ قَبْلَ الْعَقْدِ فَسَدَ، وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ لَمْ يَفْسُدْ.
نَعَمْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْجَاهِلِ كَظُهُورِ عَيْبٍ فِي السِّلْعَةِ دَلَّسَ بِهِ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي.
[قَوْلُهُ: عَاشِرُهَا أَنْ يَكُونَ فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ] أَيْ لَا مُرْتَفِعَةٍ وَلَا مُنْخَفِضَةٍ فِي ظَنِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ حَالَ الْعَقْدِ، فَإِنْ عَلِمَا أَوْ أَحَدُهُمَا عَدَمَ الِاسْتِوَاءِ حَالَ الْعَقْدِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكْثُرُ فِيهِ الْغَرَرُ لِعَدَمِ حَزْرِهِ، وَإِنْ كَشَفَ الْغَيْبَ عَنْ عَدَمِ الِاسْتِوَاءِ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِمَنْ عَلَيْهِ الضَّرَرُ مِنْهُمَا.
وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: اسْتِوَاءُ الْأَرْضِ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْحَزْرِ لَا فِي الْمَبِيعِ جُزَافًا، وَالْجَوَابُ أَنَّ شَرْطَ الشَّرْطِ شَرْطٌ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ اللَّقَانِيُّ: هَذَا الشَّرْطُ شَرْطٌ فِي الْجَوَازِ فَإِنْ انْتَفَى لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ وَيُخْبَرُ مَنْ عَلَيْهِ الضَّرَرُ مِنْهُمَا، وَأَمَّا مَا قَبْلَهُ مِنْ الشُّرُوطِ فَهُوَ فِي الْجَوَازِ، وَالصِّحَّةِ.

[قَوْلُهُ: أُبِّرَتْ كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا] أَمَّا لَوْ لَمْ تُؤَبَّرْ أَصْلًا أَوْ أُبِّرَ مِنْهَا دُونَ النِّصْفِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي، وَلَوْ أُبِّرَ النِّصْفُ لَكَانَ كُلٌّ عَلَى حُكْمِهِ فَالْمُؤَبَّرُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي وَغَيْرُهُ لِلْمُشْتَرِي، وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْبَائِعِ لِغَيْرِ الْمُؤَبَّرِ فَصَحَّحَ فِي الشَّامِلِ الْجَوَازَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُبْقًى.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَشَهَرَ بَعْضُهُمْ الْمَنْعَ كَمَنْعِ اسْتِثْنَاءِ الْجَنِينِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُشْتَرًى وَهُوَ الرَّاجِحُ، فَإِنْ قُلْت: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أُبِّرَتْ كُلُّهَا قُلْت: أَجَابَ الْبِسَاطِيُّ بِأَنَّهُمْ نَزَّلُوا الْأَكْثَرَ مَنْزِلَةَ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ يُعْطَى حُكْمُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْوَالِ، وَأَنَّثَ الضَّمِيرَ فِي أُبِّرَتْ؛ لِأَنَّ النَّخْلَ اسْمُ جَمْعٍ يَجُوزُ فِي الضَّمِيرِ الْعَائِدِ إلَيْهِ التَّذْكِيرُ، وَالتَّأْنِيثُ.
[قَوْلُهُ: لَمْ يَبِعْهُ] أَيْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُشْتَرِي.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ] فُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَوْ تَنَازَعُوا فِي الِاشْتِرَاطِ وَعَدَمِهِ لَكَانَ الْقَوْلُ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَ لَهُ فِي الْأَصْلِ حَتَّى يُثْبِتَ الْمُشْتَرِي اشْتِرَاطَهُ.
وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْبَعْضِ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ بَيْعُهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِأَصِلْهَا، وَاشْتِرَاطُ بَعْضِهَا يَقْتَضِي قَصْدَ بَيْعِهَا لِذَاتِهَا وَعَدَمَ التَّبَعِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا إلَخْ] هَذَا مِنْ تَتِمَّةِ الْحَدِيثِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَخَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ مُفَرَّقًا.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ غَيْرُهَا إلَخْ] فَالْمُؤَبَّرُ كُلُّهُ أَوْ جُلُّهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي وَغَيْرُهُ لِلْمُشْتَرِي.
[قَوْلُهُ: ذِي الثِّمَارِ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ ذَاتِ التِّمَارِ بِالتَّاءِ.
[قَوْلُهُ: بِأَنْ يَجْعَلَ إلَخْ] أَيْ لِئَلَّا تَسْقُطَ ثَمَرَتُهَا.
تَنْبِيهٌ: الْمُرَادُ بَلَغَ حَدَّ الْإِبَارِ، وَإِنْ لَمْ تُؤَبَّرْ بِالْفِعْلِ كَمَا قَالَ الْبَاجِيُّ، وَأَمَّا غَيْرُ النَّخْلِ كَالْخَوْخِ، وَالتِّينِ فَالتَّأْبِيرُ فِيهِ أَنْ تَبْرُزَ الثَّمَرَةُ فِيهِ عَنْ مَوْضِعِهَا وَتَتَمَيَّزُ بِحَيْثُ تَظْهَرُ لِلنَّاظِرِ.
[قَوْلُهُ: الزَّرْعِ] الْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ ذِي الثَّمَرِ كَالْبِرْسِيمِ، وَالْقُرْطِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] وَقِيلَ: إنَّ إبَارَ الزَّرْعِ

(خُرُوجُهُ مِنْ الْأَرْضِ وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ) كُلُّهُ قَدْ تَقَدَّمَ دَلِيلُهُ.
ك وَمَعْنَى " يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ " أَيْ يَشْتَرِطَهُ لِلْعَبْدِ لَا لِنَفْسِهِ، فَإِنْ اشْتَرَطَهُ لِنَفْسِهِ امْتَنَعَ إنْ كَانَ الثَّمَنُ ذَهَبًا، وَالْمَالُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً: انْتَهَى.
وَقَالَ ق: قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ سَوَاءٌ اشْتَرَطَهُ لِلْعَبْدِ أَوْ لِنَفْسِهِ الْبَيْعُ صَحِيحٌ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَشْتَرِي مِنْك هَذَا الْعَبْدَ بِمَالِهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ فَلَا حِصَّةَ لَهُ فِي الثَّمَنِ فَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِالدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ، وَالْعُرُوضِ، وَالْحَيَوَانِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَالُهُ عَيْنًا أَوْ عَرْضًا أَوْ حَيَوَانًا، وَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: أَشْتَرِي مِنْك هَذَا الْعَبْدَ، وَمَالَهُ فَهَاهُنَا يُرَاعَى فِيهِ الرِّبَا فَإِنْ كَانَ مَالُهُ عَيْنًا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِعَيْنٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ كُلَّهُ فَلَوْ اشْتَرَطَ بَعْضَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ وَلِهَذَا قَيَّدْنَا كَلَامَهُ بِقَوْلِنَا: " كُلَّهُ ".

[حاشية العدوي]

خُرُوجُهُ مِنْ يَدِ بَاذِرِهِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ.
[قَوْلُهُ: خُرُوجُهُ] فَمَنْ ابْتَاعَ أَرْضًا ذَاتَ زَرْعٍ ظَاهِرٍ لِلنَّاظِرِ يَكُونُ زَرْعُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي، وَمَنْ اشْتَرَى أَرْضًا مَبْذُورَةً لَمْ يَبْرُزْ زَرْعُهَا فَإِنَّهَا تَتَنَاوَلُ بَذْرَهَا.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا] أَيْ جَمِيعَهُ احْتِرَازًا عَنْ الْمُشْتَرَكِ، وَالْمُبَعَّضِ فَإِنَّ مَالَ الْمُشْتَرَكِ يَكُونُ لِمُشْتَرِيهِ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَحَدَ الشُّرَكَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ انْتِزَاعُهُ إلَّا بِمُوَافَقَةِ شَرِيكِهِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْبَائِعُ وَإِلَّا كَانَ لَهُ.
وَأَمَّا الْمُبَعَّضُ فَإِنَّ مَالَهُ يَبْقَى بِيَدِهِ لِيَأْكُلَ مِنْهُ فِي يَوْمِ نَفْسِهِ وَلَا يَنْتَزِعُهُ مُشْتَرٍ وَلَا بَائِعٌ اتَّحَدَ أَوْ تَعَدَّدَ، وَإِذَا مَاتَ وَارِثُهُ الْمُتَمَسِّكُ بِالرِّقِّ وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ بَاعَ بَلْ مِثْلُهُ كُلُّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ فَإِذَا دَفَعَهُ صَدَاقًا أَوْ خَالَعَتْهُ الزَّوْجَةُ فَمَالُهُ لِلزَّوْجِ فِي الْأُولَى وَلِلزَّوْجَةِ فِي الثَّانِيَةِ إلَّا لِشَرْطٍ فِيهِمَا، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْ يَدِ الْمَالِكِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَإِنْ كَانَ بِعِتْقٍ أَوْ كِتَابَةٍ فَإِنَّ مَالَهُ يَتْبَعُهُ، وَلَوْ كَثُرَ إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ سَيِّدُهُ قَبْلَ عِتْقِهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُنْتَزَعُ مَالُهُ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مَالَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَزِعَهُ، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ سَيِّدِهِ بِصَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ فَقِيلَ: مَالُهُ يَتْبَعُهُ فَيَكُونُ لِلْمُعْطَى لَهُ، وَقِيلَ: يَبْقَى لِلْمُعْطِي بِالْكَسْرِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
[قَوْلُهُ: فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ] وَأَحْرَى وَلَدُهُ وَاسْتَثْنَى مِنْ مَالِهِ ثِيَابَ مِهْنَتِهِ أَيْ خِدْمَتِهِ فَإِنَّ الْعَقْدَ عَلَى ذَاتِ الْعَبْدِ يَتَنَاوَلُهَا، وَاخْتُلِفَ لَوْ اشْتَرَطَهَا الْبَائِعُ هَلْ يُوَفَّى لَهُ بِشَرْطِهِ أَوْ خِلَافٌ.
[قَوْلُهُ: امْتَنَعَ إنْ كَانَ الثَّمَنُ ذَهَبًا] لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الثَّمَنُ ذَهَبًا، وَالْمَالُ ذَهَبًا فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَهَبًا، وَالْآخَرُ فِضَّةً فَلَا يُؤْخَذُ الْمَنْعُ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ يَجُوزُ إذَا اجْتَمَعَ الْبَيْعُ، وَالصَّرْفُ فِي دِينَارٍ أَوْ يَكُونُ الْجَمِيعُ دِينَارًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُ الْعَبْدِ مِمَّا يُبَاعُ بِهِ مَالُهُ وَأَنْ يَشْتَرِطَ جَمِيعَهُ وَأَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ فِيمَا إذَا اشْتَرَطَهُ الْمُشْتَرِي لِنَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ق] هَذِهِ طَرِيقَةٌ مُخَالِفَةٌ لِمَا قَبْلَهَا [قَوْلُهُ: مِنْ جِنْسِهِ إلَخْ] أَيْ نَوْعِهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الثَّمَنُ ذَهَبًا، وَمَالُ الْعَبْدِ فِضَّةً أَوْ بِالْعَكْسِ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَلَوْ لَمْ يَجْتَمِعْ الْبَيْعُ، وَالصَّرْفُ فِي دِينَارٍ أَوْ يَكُنْ الْجَمْعُ دِينَارًا،، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَيَّدَ هَذَا الْمَفْهُومُ بِمَا إذَا كَانَ الْجَمِيعُ دِينَارًا أَوْ يَجْتَمِعُ الْبَيْعُ، وَالصَّرْفُ فِي دِينَارٍ وَإِلَّا مُنِعَ فَتَدَبَّرْ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي: إنَّ مَالَ الْعَبْدِ بِالنِّسْبَةِ لِبَيْعِهِ كَالْعَدَمِ عَلَى الْمَعْرُوفِ فَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِالْعَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ عَيْنًا حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا وَلَا يُرَاعَى فِيهِ رِبًا وَلَا صَرْفٌ مُسْتَأْخَرٌ وَلَا تَفَاضُلٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالَهُ تَبَعٌ لَهُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي سَوَاءٌ قَالَ: أَشْتَرِيهِ بِمَالِهِ أَوْ أَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ، وَمَالَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى " وَمَالَهُ " مَعَ مَالِهِ قَالَ عج.
وَقَوْلُ ابْنِ نَاجِي عَلَى الْمَعْرُوفِ يَقْتَضِي أَنَّ كَلَامَهُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَوْ اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُشْتَرَطَ لَهُ فَإِنَّ الْعَقْدَ يَنْفَسِخُ قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ مَا يُفِيدُ الصِّحَّةَ وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُوَافِقُ لِظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
تَنْبِيهٌ: إسْنَادُ الْمَالِ لِلْعَبْدِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَمْلِكُ وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ بِدَلِيلِ جَوَازِ انْتِزَاعِ السَّيِّدِ لِمَالِهِ.
[قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ] وَقَالَ أَشْهَبُ بِالْجَوَازِ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْجَوَازِ] وَكَانَ الْأَصْلُ مَنْعُهُ حَتَّى يُنْظَرَ

تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَلَهُ مَالٌ سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْمَالُ بِيَدِ الْعَبْدِ أَوْ عَلَى يَدِ أَمِينٍ أَوْ كَانَ دَيْنًا عَلَى السَّيِّدِ (وَلَا بَأْسَ) بِمَعْنَى الْجَوَازِ (بِشِرَاءِ) بِالْمَدِّ، وَالْقَصْرِ (مَا فِي الْعِدْلِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ) ك: كَلِمَةٌ فَارِسِيَّةٌ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الْمُرَادُ بِهَا الصِّفَةُ الْمُكْتَتَبَةُ لِمَا فِي الْعِدْلِ وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ زَمَانِنَا الدَّفْتَرُ (بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ) فَإِنْ وَجَدَهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي فِي الْبَرْنَامَجِ لَزِمَهُ الْبَيْعُ وَلَا خِيَارَ لَهُ، وَإِنْ وَجَدَهُ عَلَى غَيْرِهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي لُزُومِ الْبَيْعِ وَفَسْخِهِ

(وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ ثَوْبٍ لَا يُنْشَرُ وَلَا يُوصَفُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ وَصَفَهُ لَجَازَ ع: الْمَشْهُورُ لَا يَجُوزُ أَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ فِي إخْرَاجِهِ (أَوْ) أَيْ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ شِرَاءُ ثَوْبٍ (فِي لَيْلٍ مُظْلِمٍ) وَقَوْلُهُ: (لَا يَتَأَمَّلَاهُ) بِحَذْفِ النُّونِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ عَلَى أَنْ لَا نَافِيَةٌ جَرَتْ مَجْرَى النَّهْيِ فَتَجْزِمُ، وَفِي بَعْضِهَا بِإِثْبَاتِهَا وَضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ عَائِدٌ عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ.
وَالْمُبْتَاعُ هُوَ الَّذِي يَتَأَمَّلُهُ وَحْدُهُ قِيلَ وَهُوَ مُرَادِفٌ لِقَوْلِهِ: (وَلَا يَعْرِفَانِ مَا فِيهِ) مَفْهُومُ كَلَامِهِ لَوْ كَانَ فِي لَيْلٍ مُقْمِرٍ جَازَ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَجُوزُ فِي لَيْلٍ مُطْلَقًا

[حاشية العدوي]

بِالْعَيْنِ لَكِنَّهُ أُجِيزَ لِمَا فِي حِلِّ الْعَدْلِ مِنْ الْحَرَجِ، وَالْمَشَقَّةِ عَلَى الْبَائِعِ مِنْ تَلْوِيثِ مَا فِيهِ وَمُؤْنَةُ شِدَّةٍ إنْ لَمْ يُرْضِهِ الْمُشْتَرِي فَأُقِيمَتْ الصِّفَةُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ.
[قَوْلُهُ: كَلِمَةٌ فَارِسِيَّةٌ إلَخْ] أَصْلُهُ الزِّمَامُ اسْتَعْمَلَتْهَا الْعَرَبُ.
[قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ] وَفِي عِبَارَةٍ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَكَسْرِهِمَا، وَقَالَ ق: بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَالْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَكَسْرِ الْمِيمِ هُوَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ اهـ. [قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِهَا الصِّفَةُ إلَخْ] قَالَ عج:، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ بِقَيْدٍ بَلْ لَوْ حَفِظَ الْبَائِعُ عَدَدَ مَا فِي الْعِدْلِ وَصِفَتَهُ وَبَاعَهُ عَلَى عَدَدِهِ وَوَصْفِهِ لَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا.
[قَوْلُهُ: لِمَا فِي الْعِدْلِ] أَيْ الصِّفَةُ لِمَا فِي الْعِدْلِ الْمُكْتَتَبَةُ أَوْ الْمُكْتَتَبَةُ لِبَيَانِ مَا فِي الْعِدْلِ، وَمُفَادُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا عِنْدَ أَهْلِ الْفُرْسِ الصِّفَةُ غَيْرُ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الِاصْطِلَاحِ، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ مَا عَلَيْهِ الِاصْطِلَاحُ هُوَ مَعْنَاهَا عِنْدَ أَهْلِ الْفُرْسِ فَلْتُرَاجَعْ، وَالْعِدْلُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَقَوْلُهُ: بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ حَالٌ مِنْ الْبَرْنَامَجِ، وَالتَّقْدِيرُ حَالَةَ كَوْنِهِ مُلْتَبِسًا بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْبَرْنَامَجِ الدَّفْتَرَ لَا الصِّفَةَ كَمَا قَالَهُ شَارِحُنَا.
[قَوْلُهُ: بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ] أَيْ بَيَانِ عِدَّةِ الثِّيَابِ وَأَصْنَافِهَا وَذَرْعِهَا وَصِفَتِهَا.
تَنْبِيهٌ: لَوْ تَنَازَعَ الْبَائِعُ، وَالْمُشْتَرِي بَعْدَ قَبْضِ الْمُبْتَاعِ، وَالْغَيْبَةِ عَلَيْهِ فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الثِّيَابَ الَّتِي فِي الْعِدْلِ مُوَافِقَةٌ لِمَا فِي الدَّفْتَرِ وَقَدْ ضَاعَ الدَّفْتَرُ مَثَلًا أَوْ كَانَ مَوْجُودًا وَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ مَا أَتَى بِهِ الْمُشْتَرِي غَيْرُ مَا وُجِدَ فِي الْعِدْلِ فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ بِيَمِينِهِ وَصِفَتُهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ مَا فِي الْعِدْلِ مُوَافِقٌ لَمَّا فِي الْبَرْنَامَجِ، وَلَوْ وُجِدَ الدَّفْتَرُ وَلَمْ يَدَّعِ مَا ذُكِرَ لَوَجَبَ الرُّجُوعُ لَهُ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ وَجَدَهُ عَلَى غَيْرِهَا إلَخْ] وَأَمَّا لَوْ وَجَدَ وَاحِدًا وَخَمْسِينَ وَكَانَ فِي الْبَرْنَامَجِ خَمْسُونَ شَارَكَهُ الْبَائِعُ بِجُزْءٍ مِنْ وَاحِدٍ وَخَمْسِينَ، فَإِنْ نَقَصَ الْعَدَدُ ثَوْبًا نَقَصَ مِنْ الثَّمَنِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسِينَ فَإِنْ كَثُرَ النَّقْصُ رُدَّ الْبَيْعُ.

[قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ ثَوْبٍ إلَخْ] أَيْ يَشْتَرِطُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يُنْشَرُ لَهُ وَلَا يُوصَفُ وَقْتَ الْعَقْدِ وَلَا سَبَقَ لَهُ رُؤْيَةٌ بَلْ يَبِيعُهُ عَلَى اللُّزُومِ بِمُجَرَّدِ لَمْسِهِ، وَلَوْ بَاعَهُ عَلَى الْخِيَارِ بِالرُّؤْيَةِ لَجَازَ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ جِنْسَهُ، وَلَوْ نَشَرَ لَجَازَ، وَلَوْ عَلَى اللُّزُومِ.
[قَوْلُهُ: الْمَشْهُورُ لَا يَجُوزُ] إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي نَشْرِهِ فَسَادُهُ فَيَتَّفِقُ عَلَى الْجَوَازِ.
[قَوْلُهُ: لَا يَتَأَمَّلَاهُ] حَالٌ فَإِنْ وَقَعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَلَى اللُّزُومِ كَانَ بَاطِلًا وَيَجُوزُ عَلَى خِيَارِهِ بِالرُّؤْيَةِ.
[قَوْلُهُ: جَرَتْ مَجْرَى النَّهْيِ] أَيْ أَوْ عَلَى لُغَةٍ قَلِيلَةٍ بِحَذْفِ نُونِ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ لِمُجَرَّدِ التَّخْفِيفِ.
[قَوْلُهُ: وَالْمُبْتَاعُ هُوَ الَّذِي يَتَأَمَّلُهُ وَحْدَهُ] وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُطْلَبُ الْعِلْمُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَالْبَائِعُ قَدْ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ مَا عِنْدَهُ.
[قَوْلُهُ: قِيلَ وَهُوَ مُرَادِفٌ إلَخْ] وَقِيلَ لَيْسَا مُتَرَادِفَيْنِ فَمَعْنَى الْأَوَّلِ لَا يَتَأَمَّلَا صِفَتَهُ وَقَدْرَهُ، وَمَعْنَى الثَّانِي لَا يَعْرِفَا مَا فِيهِ مِنْ الْعُيُوبِ.
قُلْت.
مُقْتَضَى الْمُرَادَفَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ لَيْلًا، وَلَوْ تَأَمَّلَاهُ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ الْأُمَّهَاتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْمَبِيعِ لَا تُدْرَكُ لَيْلًا.
وَفِي الْبُرْزُلِيِّ إذَا كَانَ الْعَاقِدُ يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِالْقَمَرِ مِثْلُ النَّهَارِ جَازَ.
قَالَ عج: وَهَذَا الْخِلَافُ فِي شَهَادَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي

مُقْمِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُقْمِرٍ (وَكَذَلِكَ الدَّابَّةُ) ذَاتُ الْحَوَافِرِ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا (فِي لَيْلٍ مُظْلِمٍ) وَكَذَلِكَ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ

(وَلَا يَسُومُ أَحَدٌ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ) وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَسُومُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ» قَوْلُهُ: الْمُسْلِمِ.
خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسُومَ عَلَى سَوْمِ الذِّمِّيِّ (، وَذَلِكَ) النَّهْيُ عَنْ السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ مَحَلُّهُ (إذَا رَكِنَا) بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِهَا قِيلَ هُوَ بِمَعْنَى (وَتَقَارَبَا) وَهُوَ أَنْ يَمِيلَ الْبَائِعُ إلَى الْمُبْتَاعِ، وَالنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّحْرِيمِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْمُبْتَاعِ حِينَئِذٍ ج: وَاخْتُلِفَ إذَا وَقَعَ هَلْ يُفْسَخُ أَمْ لَا، وَسَمِعَ سَحْنُونٌ ابْنَ الْقَاسِمِ يُؤَدَّبُ فَاعِلُ ذَلِكَ ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ فَقَالَ: (لَا فِي أَوَّلِ التَّسَاوُمِ) قَبْلَ التَّرَاكُنِ فَإِنَّ سَوْمَ الرَّجُلِ عَلَى سَوْمِ الْآخَرِ حِينَئِذٍ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ لَدَخَلَ الضَّرَرُ عَلَى الْبَاعَةِ فِي سِلَعِهِمْ

(وَالْبَيْعُ) عِنْدَنَا (يَنْعَقِدُ بِالْكَلَامِ) وَبِكُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا كَالْإِشَارَةِ، وَالْمُعَاطَاةِ (، وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقْ

[حاشية العدوي]

الْمُدَوَّنَةِ] هُوَ الرَّاجِحُ بَلْ لَوْ وَقَعَ الْبَيْعُ نَهَارًا عَلَى الْبَتِّ مَعَ عَدَمِ مَعْرِفَةِ مَا فِيهِ كَانَ بَاطِلًا.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] وَأَمَّا أَشْهَبُ فَفَصَّلَ بَيْنَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِاللَّيْلِ حَيْثُ كَانَ الْمَقْصُودُ لَحْمُهُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اخْتِبَارُهُ بِاللَّيْلِ؛ لِأَنَّ جَسَّهُ بِالْيَدِ يُبَيِّنُ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ إذْ بِهِ يُعْرَفُ سَمِينُهُ وَهَزِيلُهُ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِاللَّيْلِ،، وَالظَّاهِرُ أَنَّ شِرَاءَ الْحُوتِ وَنَحْوِهِ مِنْ الطُّيُورِ كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ الَّتِي يُرَادُ مِنْهَا اللَّحْمُ قَالَ الشَّيْخُ.
وَمُلَخَّصُ مَا فُهِمَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ إنْ عُلِمَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ إدْرَاكُهُ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي النَّهَارِ عَنْ إدْرَاكِهِ لَهُمَا فِي اللَّيْلِ جَازَ بَيْعُهُ وَإِلَّا فَلَا.

[سَوْم الْإِنْسَان عَلَيَّ سَوْم أخيه]

[قَوْلُهُ: وَلَا يَسُومُ] فِيهِ أَنْ لَا نَاهِيَةٌ وَكَانَ الْوَاجِبُ حَذْفَ الْوَاوِ مِنْ يَسُومُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ خَبَرٌ لَفْظًا إنْشَاءٌ مَعْنًى وَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْعَدَاوَةَ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ تت: وَالسَّوْمُ فِي الْمُبَايَعَةِ طَلَبُ كَمِّيَّةِ الثَّمَنِ.
[قَوْلُهُ: إذَا رَكَنَا إلَخْ] ابْنُ الْعَرَبِيِّ: صَوَابُهُ إذَا رَكَنَ بِغَيْرِ أَلِفٍ اهـ. وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الرُّكُونَ يَكُونُ مِنْ وَاحِدٍ فَقَطْ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ لِلطَّالِبِ.
[قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِهَا] فَهُوَ مِنْ بَابِ عَلِمَ يَعْلَمُ أَوْ قَتَلَ يَقْتُلُ وَزِيدَ ثَالِثٌ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَمِيلَ إلَخْ] أَيْ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا الْإِيجَابُ، وَالْقَبُولُ بِاللَّفْظِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ] أَيْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ سِلْعَةً أُخْرَى يُرَغِّبَهُ فِيهَا حَتَّى يُعْرِضَ عَنْ الْأَوَّلِ.
[قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ إذَا وَقَعَ هَلْ يُفْسَخُ أَمْ لَا] ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ جَارٍ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَحَاصِلُ مَا فِيهِ أَنَّ لِمَالِكٍ قَوْلَيْنِ فِي النَّهْيِ هَلْ هُوَ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى الْحُرْمَةِ، وَالْفَسْخُ عَلَى الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْحُرْمَةُ دُونَ الْأَوَّلِ، وَالْمُعْتَمَدُ الْحُرْمَةُ، قُلْت: قَضِيَّتُهُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَمَدُ الْفَسْخَ وَأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْبَائِعِ الْبَيْعُ حِينَئِذٍ، وَتَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ إذَا خَطَبَ عَلَى خِطْبَةِ غَيْرِهِ بَعْدَ التَّرَاكُنِ أَنَّهُ يُفْسَخُ إنْ لَمْ يَدْخُلْ أَيْ فَالْفَسْخُ هُنَا إنْ لَمْ يَفُتْ هَذَا هُوَ الْقَاعِدَةُ.
[قَوْلُهُ: ابْنَ الْقَاسِمِ يُؤَدِّبُ إلَخْ] أَطْلَقَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ يُونُسَ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ مَنْ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدَ الزَّجْرِ، وَهَذَا كَالنَّصِّ فِي أَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّحْرِيمِ.
[قَوْلُهُ: لَا فِي أَوَّلِ التَّسَاوُمِ] صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ، وَإِنْ فُهِمَ مِنْ التَّقَيُّدِ رَدًّا عَلَى مَنْ كَرِهَ التَّزَايُدَ مُطْلَقًا مَخَافَةَ الْوُقُوعِ فِي النَّهْيِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ السَّوْمُ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ قَبْلَ التَّرَاكُنِ إذَا أَرَادَ السَّائِمُ أَيْ يَشْتَرِيهَا لَا إنْ قَصَدَ غُرُورَ الْغَيْرِ فَيَحْرُمُ.
[قَوْلُهُ: جَائِزٌ] لَعَلَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى لِمَا قَرَّرُوهُ أَنَّ بَيْعَ الْمُسَاوِمَةِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُزَايَدَةِ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ الضَّغَائِنَ.
[قَوْلُهُ: الْبَاعَةِ] جَمْعُ بَائِعٍ

[مَا يَنْعَقِد بِهِ الْبَيْع]

[قَوْلُهُ: يَنْعَقِدُ] أَيْ يَلْزَمُ لَا أَنَّ الْمُرَادَ تُوجَدُ حَقِيقَتُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنَّهُ رَدَّ عَلَى ابْنِ حَبِيبٍ الْمُوَافِقِ لِلشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ الْبَيْعَ أَيْ يَنْعَقِدُ أَيْ لَا يَلْزَمُ إلَّا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ مِنْ الْمَجْلِسِ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ كَالْإِشَارَةِ، وَالْمُعَاطَاةِ أَيْ

الْمُتَبَايِعَانِ) عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ أَنَّ التَّفَرُّقَ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا» مَحْمُولٌ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْأَقْوَالِ، وَهُنَا انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ عَلَى الْبُيُوعِ.

ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا شَاكَلَهَا وَبَدَأَ بِالْإِجَارَةِ، وَهِيَ بَيْعُ مَنَافِعَ مَعْلُومَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ، فَقَالَ: (وَالْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحَيْنِ: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ رَجُلًا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» . وَلَهَا أَرْكَانٌ وَشُرُوطٌ، أَمَّا أَرْكَانُهَا ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ: الْعَاقِدَانِ وَشَرْطُهُمَا التَّمْيِيزُ، وَالتَّكْلِيفُ شَرْطَ لُزُومٍ، وَالْإِسْلَامُ شَرْطٌ فِي الْمُصْحَفِ، وَالْمُسْلِمُ كَمَا فِي عَاقِدِي الْبَيْعِ.
الثَّانِي: الْأُجْرَةُ، وَهِيَ كُلُّ مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبِيَاعَاتِ صَحَّ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةً فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً مُنْتَفَعًا بِهَا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهَا مَعْلُومَةً.
الثَّالِثُ: الْمَنْفَعَةُ وَشَرْطُهَا أَنْ تَكُونَ مُبَاحَةً احْتِرَازًا مِنْ الْغِنَاءِ وَآلَاتِ الطَّرَبِ، وَأَنْ تَكُونَ دَاخِلَةً تَحْتَ التَّقْوِيمِ فَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهَا لِيَسْتَوْقِدَ مِنْهَا نَارًا، وَأَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُتَضَمِّنَةً اسْتِيفَاءَ عَيْنٍ قَصْدًا فَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ الْأَشْجَارِ لِاسْتِيفَاءِ ثَمَرِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ

[حاشية العدوي]

مِنْ الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُعَاطَاةَ مِنْ جَانِبِ وَاحِدٍ يُوجَدُ بِهَا حَقِيقَةُ الْبَيْعِ لَا لُزُومُهُ.
[قَوْلُهُ: الْمُتَبَايِعَانِ] تَثْنِيَةُ مُتَبَايِعٍ بِالْيَاءِ لَا بِالْهَمْزِ.
[قَوْلُهُ: مَحْمُولٌ عِنْدَ مَالِكٍ إلَخْ] قَالَ ابْنُ عُمَرَ: الَّذِي عِنْدِي أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَخْذِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَرْجَحُ وَأَقَلُّ تَكَلُّفًا لِلتَّأْوِيلِ اهـ.

[الْإِجَارَة وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا]

[قَوْلُهُ: وَبَدَأَ بِالْإِجَارَةِ] مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْأَجْرِ بِمَعْنَى الثَّوَابِ.
يُقَالُ: اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ إذَا اسْتَعْمَلَهُ عَمَلًا بِأُجْرَةٍ أَيْ بِثَوَابٍ يُثِيبُهُ عَلَى عَمَلِهِ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ بَيْعُ مَنَافِعَ مَعْلُومَةٍ] هَذَا التَّعْرِيفُ غَيْرُ مَانِعٍ لِشُمُولِهِ الْكِرَاءَ، وَعَرَّفَهَا عج بِقَوْلِهِ: بَيْعُ مَنْفَعَةِ عَاقِلٍ بِعِوَضٍ ثُمَّ أَقُولُ: وَالْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِعَقْدٍ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَيْسَتْ بَيْعًا بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ وَلَا بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ.
[قَوْلُهُ: مَعْلُومًا] أَيْ بِالْعَادَةِ أَوْ بِالشَّرْطِ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ بِالْعَادَةِ أَوْ بِالشَّرْطِ.
[قَوْلُهُ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي] بِبِنَاءِ الْفَاعِلِ وَمَعْنَاهُ أَعْطَى الْأَمَانَ بِاسْمِي أَوْ بِذِكْرِي أَوْ بِمَا شَرَعْتُهُ مِنْ دِينِي، ذَلِكَ أَنْ تَقُولَ لِلْمُسْتَجِيرِ لَك ذِمَّةُ اللَّهِ أَوْ عَهْدُ اللَّهِ ثُمَّ تَغْدِرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ هَكَذَا فِي شَرْحِ التَّرْغِيبِ، وَالتَّرْهِيبِ.
[قَوْلُهُ: بَاعَ رَجُلًا] فِي نُسْخَةٍ حُرًّا وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ بَاعَ نَفْسَ الْحُرِّ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُ شُرَّاحِ الْحَدِيثِ، وَهَذَا حَدِيثٌ قُدْسِيٌّ.
[قَوْلُهُ: وَالتَّكْلِيفُ شَرْطُ لُزُومٍ] الْمُرَادُ بِهِ الرُّشْدُ، وَالطَّوْعُ فَعَقْدُ الصَّبِيِّ، وَالْعَبْدِ عَلَى سِلَعِهِمَا أَوْ عَلَى نَفْسِهِمَا صَحِيحٌ غَيْرُ لَازِمٍ فَلِوَلِيِّهِمَا فَسْخُهُ وَإِمْضَاؤُهُ، وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ لَزِمَ الْمُسْتَأْجِرَ الْأَكْثَرُ مِنْ الْمُسَمَّى وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَكَذَا إنْ عَقَدَ السَّفِيهُ أَوْ الْمُكْرَهُ إكْرَاهًا حَرَامًا يَكُونُ لِوَلِيِّ السَّفِيهِ، وَلِلْمُكْرَهِ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ الْإِجَازَةُ أَوْ الْفَسْخُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَقْدُ السَّفِيهِ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا كَلَامَ لِوَلِيِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي إجَارَتِهِ نَفْسِهِ مُحَابَاةٌ.
[قَوْلُهُ: كَمَا فِي عَاقِدِي الْبَيْعِ إلَخْ] مُفَادُهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ، وَالْمُصْحَفَ شَرْطَانِ فِي الْجَوَازِ لَا فِي الصِّحَّةِ.
[قَوْلُهُ: كُلُّ مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا] أَيْ فِي الْجُمْلَةِ، وَقُلْنَا ذَلِكَ لِئَلَّا يُنْتَقَضَ بِالطَّعَامِ، وَمَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ لِصِحَّةِ كَوْنِهِمَا ثَمَنًا وَعَدَمِ صِحَّةِ كَوْنِهِمَا أُجْرَةً لِأَرْضِ الزِّرَاعَةِ.
[قَوْلُهُ: الْغِنَاءِ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْغِنَاءَ مَكْرُوهٌ لِذَاتِهِ، وَالْحُرْمَةُ إنَّمَا هِيَ لِعَارِضٍ.
وَظَاهِرُهُ عَدَمُ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ مُطْلَقًا،، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ الصِّحَّةِ إذَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً.
[قَوْلُهُ: وَآلَاتِ الطَّرَبِ] أَيْ وَصَوْتِ آلَاتِ الطَّرَبِ [قَوْلُهُ: وَأَنْ تَكُونَ دَاخِلَةً تَحْتَ التَّقْوِيمِ] الْمُرَادُ بِالدُّخُولِ تَحْتَ التَّقْوِيمِ قَبُولُهَا إيَّاهُ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ نَارٍ] وَلَا التُّفَّاحَةِ لِشَمِّهَا؛ لِأَنَّ تَأَثُّرَهَا لَيْسَ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مُرُورِ الزَّمَنِ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُتَضَمِّنَةٍ] أَيْ مُشْتَمِلَةٍ [قَوْلُهُ: فَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ الْأَشْجَارِ] ، وَكَذَا لَا تُسْتَأْجَرُ الشَّاةُ لِأَخْذِ نِتَاجِهَا أَوْ صُوفِهَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْإِرْضَاعِ وَمَسْأَلَةُ مَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فِيهَا عَيْنٌ أَوْ بِئْرٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَاحْتَرَزَ أَيْ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ قَصْدًا مِنْ إجَارَةِ الثِّيَابِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ بَعْضَهَا يَذْهَبُ بِالِاسْتِعْمَالِ لَكِنْ

يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَأَنْ تَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهَا فَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ، وَمَاؤُهَا غَامِرٌ، وَأَنْ تَكُونَ غَيْرَ حَرَامٍ فَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ حَائِضٍ لِكَنْسِ مَسْجِدٍ بِنَفْسِهَا، وَأَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ لِيَنْتَفِيَ الْغَرَرُ كَمَا إذَا اكْتَرَى دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ لِيَرْكَبَهَا مَا لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ كَحَمِيرِ الْمُكَارِيَةِ عِنْدَنَا بِمِصْرَ فَإِنَّهَا جَارِيَةٌ فِي رُكُوبِهَا.

وَأَمَّا شَرَائِطُهَا فَثَلَاثَةٌ أَشَارَ إلَى اثْنَيْنِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: (إذَا ضَرَبَا لِذَلِكَ أَجَلًا وَسَمَّيَا الثَّمَنَ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي كُلِّ إجَارَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ مِنْ الْإِجَارَاتِ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى ضَرْبِ أَجَلٍ وَهُوَ مَا تَكُونُ غَايَتُهُ الْفَرَاغَ مِنْهُ كَالْخِيَاطَةِ، وَالنَّسْجِ، وَمِنْهَا مَا يَحْتَاجُ إلَى ضَرْبِ أَجَلٍ وَهُوَ مَا لَا غَايَةَ لَهُ إلَّا بِضَرْبِ الْأَجَلِ مِثْلُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمٍ بِأَعْيَانِهَا، وَأَمَّا الثَّانِي: فَظَاهِرُهُ كَمَا قَالَ ج: أَنَّهُ إذَا لَمْ تَقَعْ تَسْمِيَةٌ لَمْ يَجُزْ وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ عُرْفٌ لَا يَخْتَلِفُ فَيَجُوزُ، وَسُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ الْخَيَّاطِ الْمُخَالِطِ الَّذِي لَا يَكَادُ يُخَالِفُ مُسْتَعْمِلَهُ دُونَ تَسْمِيَةِ أَجْرٍ إذَا فَرَغَ أَرْضَاهُ بِشَيْءٍ يُعْطِيهِ لَهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ النَّاسَ اسْتَأْجَرُوهُ كَمَا يُعْطَى الْحَجَّامُ، وَالْحَمَّامِيُّ، وَالْمَنْعُ مِنْهُ حَرَجٌ فِي الدِّينِ وَغُلُوٌّ فِيهِ انْتَهَى.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَوْصُوفًا أَوْ لَهُ عُرْفٌ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْمُتَآجِرَانِ.

[حاشية العدوي]

بِحُكْمِ التَّبَعِ وَلَمْ يُقْصَدْ ثَمَّ فِي الْكَلَامِ بَحْثٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحَدَّثَ عَنْهُ الْمَنْفَعَةُ، وَالضَّمِيرُ فِي فَيَكُونُ عَائِدٌ عَلَى الْإِجَارَةِ لَا الْمَنْفَعَةِ [قَوْلُهُ: وَمَاؤُهَا غَامِرٌ] أَيْ فَالْمَنْفَعَةُ وَهِيَ الزِّرَاعَةُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهَا أَيْ وَنَدَرَ انْكِشَافُهُ أَيْ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ إنْ انْكَشَفَتْ.
وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ أَسْتَأْجِرُ مِنْك أَرْضَك إنْ انْكَشَفَتْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ النَّقْدِ، فَمَتَى حَصَلَ النَّقْدُ، وَلَوْ تَطَوُّعًا وُجِدَ الْمَنْعُ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ لَا تَنْكَشِفُ أَصْلًا فَلَا يَجُوزُ.
[قَوْلُهُ: لِكَنْسِ مَسْجِدٍ بِنَفْسِهَا] أَيْ فَالْمَنْفَعَةُ وَهِيَ كَنْسُهَا الْمَسْجِدَ بِنَفْسِهَا حَرَامٌ، فَإِنْ قُلْت: هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ أَنْ تَكُونَ مُبَاحَةً إلَخْ.
قُلْت: لَا تَكْرَارَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُرَادٌ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ ذَاتُهَا مُبَاحَةً فَصَوْتُ آلَاتِ الطَّرَبِ حَرَامٌ لِذَاتِهِ بِخِلَافِ كَنْسِ الْحَائِضِ الْمَسْجِدَ فَإِنَّ حُرْمَتَهُ إنَّمَا هِيَ مِنْ أَجْلِ كَوْنِهَا حَائِضًا، وَلَوْ انْتَفَى الْحَيْضُ لَانْتَفَتْ الْحُرْمَةُ، نَعَمْ يَبْقَى إشْكَالٌ فِي الْغِنَاءِ فَإِنَّ ذَاتَه مَكْرُوهَةٌ، وَالْحُرْمَةُ إنَّمَا تَلْحَقُهُ لِعَارِضٍ فَتَدَبَّرْ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ مُتَعَلِّقَةً بِذِمَّتِهَا فَتَجُوزُ.
[قَوْلُهُ: جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ] أَيْ جِنْسٌ هُوَ الْمَنْفَعَةُ.
[قَوْلُهُ: كَمَا إذَا اكْتَرَى دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا] أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْحِمْلِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُعَيِّنَ الْمَحْمُولَ، وَقَوْلُهُ: أَوْ لِيَرْكَبَهَا أَيْ يَقُولُ لَهُ أَكْتَرِي مِنْك الدَّابَّةَ لِأَرْكَبَهَا.
[قَوْلُهُ: الْمُكَارِيَةِ] جَمْعُ مُكَارِي بِضَمِّ الْمِيمِ فِيهِمَا.

[قَوْلُهُ: وَمِنْهَا مَا يَحْتَاجُ إلَخْ] وَاخْتُلِفَ إذَا جُمِعَ بَيْنَ الزَّمَنِ، وَالْعَمَلِ كَأَنْ قَالَ لَهُ: خِطْ هَذَا الثَّوَابَ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِدِرْهَمٍ فَقِيلَ: يَفْسُدُ إذَا كَانَ الزَّمَنُ مُسَاوِيًا لِلْعَمَلِ، وَأَوْلَى إذَا كَانَ الْعَمَلُ أَكْثَرَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الزَّمَنُ أَوْسَعَ مِنْ الْعَمَلِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَقِيلَ: يُمْنَعُ مُطْلَقًا وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْفَسَادِ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ فَإِنْ عَمِلَ فِي الزَّمَنِ الَّذِي عَيَّنَ لَهُ فَلَهُ الْمُسَمَّى، وَإِنْ عَمِلَهُ فِي أَكْثَرَ فَيُقَالُ: مَا أُجْرَتُهُ عَلَى عَمَلِهِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ لَهُ؟ فَإِذَا قِيلَ خَمْسَةٌ مَثَلًا فَيُقَالُ: مَا أُجْرَتُهُ عَلَى عَمَلِهِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي عَمِلَ فِيهِ؟ فَإِذَا قِيلَ أَرْبَعٌ حُطَّ عَنْهُ مِنْ الْمُسَمَّى خَمْسَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِدَفْعِ الْأُجْرَةِ الَّتِي سَمَّاهَا إلَّا عَلَى الْعَمَلِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ.
[قَوْلُهُ: بِأَعْيَانِهَا] ، وَكَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ مُعَيَّنَةً كَخَمْسِينَ نَعْجَةً.
[قَوْلُهُ: وَسُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِمَّا أُعْطِيَ حُكْمُ الْعُرْفِ وَلَيْسَ مِنْ الْعُرْفِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ.
[قَوْلُهُ: لَا يَكَادُ يُخَالِفُ مُسْتَعْمِلَهُ] أَيْ فِيمَا يُعْطِيهِ مِنْ الْأُجْرَةِ وَفِيمَا يَقْصِدُهُ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: إذَا فَرَغَ] أَيْ حَيْثُ كَانَ إذَا فَرَغَ الْخَيَّاطُ فَرْضُ مَسْأَلَةٍ إذْ مِثْلُهُ غَيْرُهُ.
[قَوْلُهُ: كَمَا يُعْطَى الْحَجَّامُ] أَيْ لِأَنَّ النَّاسَ اسْتَأْجَرُوهُ عَلَى شَيْءٍ مَعْرُوفٍ فِي الْجُمْلَةِ كَالْقَدْرِ الَّذِي يُعْطَاهُ الْحَجَّامُ الَّذِي يَتَعَاطَى الْحِجَامَةَ.
وَقَوْلُهُ: حَرَجٌ أَيْ ضِيقٌ.
. وَقَوْلُهُ: وَغُلُوٌّ أَيْ زِيَادَةٌ وَهُوَ عَطْفُ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ، وَاعْلَمْ

تَتْمِيمٌ: قَدْ تَكُونُ الْإِجَارَةُ مَكْرُوهَةً مِثْلُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ عَلَى الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، أَوْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ لِذِمِّيٍّ لَا يَنَالُهُ مِنْ ذَلِكَ ذُلٌّ وَقَدْ تَكُونُ حَرَامًا مِثْلُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ لِذِمِّيٍّ يَنَالُهُ بِذَلِكَ ذُلٌّ أَوْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ لِمَعْرُوفٍ بِالْغَصْبِ وَنَحْوِهِ مِمَّا فِيهِ حَرَامٌ.
.

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْجَعَالَةِ، وَهِيَ أَنْ يُجَاعِلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ.
عَلَى عَمَلٍ يَعْمَلُهُ لَهُ إنْ أَكْمَلَ الْعَمَلَ كَانَ لَهُ الْجُعْلُ، وَإِنْ لَمْ يُكْمِلْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ وَذَهَبَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ بَاطِلًا، وَحُكْمُهَا الْجَوَازُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: 72] وَلِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ فِي الرُّقْيَةِ بِالْفَاتِحَةِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْجُعَلِ نَظَرٌ لِجَوَازِ إقْرَارِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إيَّاهُمْ عَلَى ذَلِكَ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ إيَّاهُ بِالضِّيَافَةِ.
ج: لَا نَظَرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَا

[حاشية العدوي]

أَنَّ لَفْظَ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ اسْتَجَازُوهُ وَمَضَوْا عَلَيْهِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ.
[قَوْلُهُ: قَدْ تَكُونُ الْإِجَارَةُ مَكْرُوهَةً] الْأَصْلُ فِيهَا الْجَوَازُ.
[قَوْلُهُ: مِثْلُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ عَلَى الصَّلَاةِ] أَيْ إمَامًا بِالنَّاسِ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهُوَ فِي الْمَكْتُوبَةِ عِنْدِي أَشَدُّ كَرَاهَةً، وَإِنْ وَقَعَتْ صَحَّتْ وَحُكِمَ بِهَا كَالْإِجَارَةِ عَلَى الْحَجِّ، وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَ مَنْ يَأْخُذُ الْأُجْرَةَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَتْ الْأُجْرَةُ تُؤْخَذُ مِنْ الْمُصَلِّينَ.
وَأَمَّا إذَا أُخِذَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مِنْ وَقْفِ الْمَسْجِدِ فَلَا كَرَاهَةَ.
[قَوْلُهُ: وَنَحْوِهَا] كَالْحَجِّ وَأَمَّا إذَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَى ذَاتِ الصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ مِنْ كُلِّ عِبَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَلَا تَجُوزُ احْتِرَازًا مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَحَمْلِ الْجِنَازَةِ وَحَفْرِ الْقَبْرِ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى ذَلِكَ جَائِزَةٌ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ لِذِمِّيٍّ إلَخْ] . حَاصِلُهُ أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَ يَسْتَبِدُّ بِعَامِلٍ الْكَافِرُ وَلَيْسَ تَحْتَ يَدِهِ وَلَا اكْتَرَاهُ فِي فِعْلٍ مُحَرَّمٍ كَكَوْنِهِ مُقَارِضًا أَوْ سَاقِيًا لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَبِدَّ بِعَمَلِهِ فَهُوَ جَائِزٌ كَالصَّانِعِ لَهُ فِي حَانُوتِهِ بِأَنْ يَخِيطَ لَهُ ثَوْبًا، وَإِنْ كَانَ تَحْتَ يَدِهِ فَهُوَ مَحْظُورٌ كَالْخِدْمَةِ فِي بَيْتِهِ، وَالْإِرْضَاعِ لَهُ، وَيُفْسَخُ إلَّا أَنْ تَفُوتَ فَيَمْضِي وَتَكُونُ لَهُ الْأُجْرَةُ، وَإِنْ كَانَ فِي فِعْلٍ مُحَرَّمٍ حَرُمَ كَعَمَلِ الْخَمْرِ وَرَعْيِ الْخِنْزِيرِ، وَإِنْ فَاتَ بِالْعَمَلِ مَضَى وَتَصَدَّقَ بِالْكِرَاءِ إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ.
وَقَوْلُنَا: حَرُمَ أَيْ حُرْمَةً قَوِيَّةً فَلَا يُنَافِي أَنَّ الَّذِي قَبْلَهُ حَرَامٌ بِدَلِيلِ الْحُكْمِ بِالْفَسْخِ.
[قَوْلُهُ: يَنَالُهُ بِذَلِكَ ذُلٌّ] كَأَنْ يَمْشِيَ وَرَاءَهُ مَثَلًا فَهَذَا يُفْسَخُ مَتَى اطَّلَعَ عَلَيْهِ فَلَوْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْفَوَاتِ فَلَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ.
[قَوْلُهُ: مِمَّا فِيهِ حَرَامٌ إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مِمَّا هُوَ حَرَامٌ كَالسَّرِقَةِ.

[الْجَعَالَة وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا]

[قَوْلُهُ: الرَّجُلُ] أَيْ مَثَلًا.
[قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِمَنْ﴾ [يوسف: 72] إلَخْ] أَيْ وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَاسِخٌ.
[قَوْلُهُ: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ﴾ [يوسف: 72]] أَيْ بِالصُّوَاعِ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ [يوسف: 70] الْمِشْرَبَةَ ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: 70] قِيلَ كَانَتْ مِشْرَبَةً جُعِلَتْ صَاعًا يُكَالُ بِهَا، وَقِيلَ: كَانَتْ تُسْقَى الدَّوَابُّ بِهَا وَكَانَتْ مِنْ فِضَّةٍ وَقِيلَ مِنْ ذَهَبٍ.
[قَوْلُهُ: فِي الرُّقْيَةِ بِالْفَاتِحَةِ] قِصَّةُ الرَّهْطِ مَعَ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ لُدِغَ سَيِّدُهُمْ رَوَاهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: «انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُوهُمْ فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا بِكُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ يَنْفَعْهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا عِنْدَنَا لَعَلَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا لَهُمْ: إنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَقَدْ سَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ يَنْفَعْهُ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْقِي وَلَكِنْ قَدْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا فَمَا أَنَا بِرَاقٍ حَتَّى تَجْعَلُوا لِي جُعْلًا فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ فَانْطَلَقَ يَتْفُلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَيْ الْفَاتِحَةَ فَكَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ يَمْشِي، وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ أَيْ عِلَّةٌ فَأَوْفُوهُمْ جُعْلَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَذْكُرَ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: وَمَا يَدْرِيك أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ اقْتَسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ، وَالْقَطِيعُ مِنْ الْغَنَمِ الْفِرْقَةُ.
وَقَوْلُهُ: لَا رَقْيَ مِنْ بَابِ رَمْيَ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْجُعَلِ] أَيْ عَلَى جَوَازِهِ أَيْ عَلَى جَوَازِ الْجُعَلِ الَّذِي هُوَ الْجَعَالَةُ الْمُتَقَدِّمُ تَعْرِيفُهَا.
[قَوْلُهُ: عَلَى ذَلِكَ] أَيْ عَلَى

يَدْرِيك أَنَّهَا رُقْيَةٌ» . مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» يَقْتَضِي صَرْفَ مَا أَخَذُوهُ لِلرُّقْيَةِ لَا لِلضِّيَافَةِ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ فِيمَا قَلَّ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا كَثُرَ، وَالْمَذْهَبُ الْجَوَازُ

وَلِجَوَازِهِ شُرُوطٌ، أَحَدُهَا: أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُضْرَبُ فِي الْجُعَلِ) بِمَعْنَى الْجَعَالَةِ (أَجَلٌ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَزِيدُ فِي غَرَرِ الْجُعَلِ إذْ قَدْ يَقْتَضِي الْأَجَلُ قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ فَيَذْهَبُ عَمَلُهُ بَاطِلًا أَوْ يَأْخُذُ مَا لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَتْرُكُ مَتَى شَاءَ، وَالْجَعَالَةُ تَكُونُ (فِي) أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ كَ (رَدِّ آبِقٍ أَوْ بَعِيرٍ شَارِدٍ أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ أَوْ بَيْعِ ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ) ثَانِيهَا: أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ:

[حاشية العدوي]

الْجُعَلِ بِمَعْنَى الْمَأْخُوذَةِ فَفِي الْعِبَارَةِ اسْتِخْدَامٌ؛ لِأَنَّ ضَمِيرَ إيَّاهُ يَعُودُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَمَا يَدْرِيك أَنَّهَا رُقْيَةٌ] أَيْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلرَّاقِي، وَقَوْلُهُ: إنَّهَا أَيْ الْفَاتِحَةُ وَرُقْيَةٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ أَدْرَاكَ أَيْ أَعْلَمَك أَنَّهَا رُقْيَةٌ، وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَمَا عِلْمُك أَنَّهَا رُقْيَةٌ.
قَالَ: حَقٌّ أُلْقِيَ فِي رَوْعِي.
[قَوْلُهُ: وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ فِيمَا قَلَّ وَاخْتُلِفَ فِيمَا كَثُرَ] أَيْ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ، وَانْظُرْ مَا ضَابِطُ الْقَلِيلِ مِنْ غَيْرِهِ.

[قَوْلُهُ: وَلِجَوَازِهِ شُرُوطٌ] وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْ أَرْكَانَهُ وَهِيَ أَرْبَعٌ: الْعَاقِدَانِ، وَالْعَمَلُ، وَالْعِوَضُ وَشَرْطُ الْعَاقِدِ التَّأَهُّلُ لِعَقْدِ الْإِجَارَةِ صِحَّةً وَلُزُومًا، وَشَرْطُ الْجُعَلِ بِمَعْنَى الْعِوَضِ أَنْ يَصِحَّ كَوْنُهُ أُجْرَةً وَلَا يُشْتَرَطُ إيقَاعُ الْعَقْدِ فِيهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بَلْ يُسْتَحَقُّ الْجُعَلُ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مُعَاقَدَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَحْضَرَ الْعَبْدَ الْآبِقَ مَنْ اعْتَادَ ذَلِكَ وَجَبَ الْجُعَلُ وَقَعَ مِنْ رَبِّهِ الْتِزَامٌ أَوْ لَا، وَأَمَّا لَوْ أَتَى بِهِ مَنْ لَا عَادَةَ لَهُ بِذَلِكَ فَإِنَّمَا لَهُ النَّفَقَةُ عَلَى الْأَبْقِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَلِبَاسٍ لَا نَفَقَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنَّهَا عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَى رَبِّ الْآبِقِ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْجَعَالَةِ] مُفَادُهُ أَنَّ الْجُعَلَ لَيْسَ إلَّا عِبَارَةً عَنْ الْعَقْدِ الْمَعْلُومِ، وَالْجُعَلُ يُسْتَعْمَلُ مُرَادًا مِنْهُ الْعَقْدُ الْمَذْكُورُ، وَيُسْتَعْمَلُ مُرَادًا مِنْهُ الْأُجْرَةُ، وَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ، فَلِذَلِكَ أَتَى بِقَوْلِهِ: بِمَعْنَى إلَخْ وَهُوَ مُسَلَّمٌ فِي الْجُعَلِ أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُسْتَعْمَلُ مُرَادًا مِنْهُ الْعَقْدُ وَمُرَادًا مِنْهُ الْأَجْرُ، وَغَيْرُ مُسَلَّمٍ فِي الْجَعَالَةِ إذْ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْأَجْرُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: الْجَعَالَةِ] بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا وَضَمِّهَا.
[قَوْلُهُ: أَوْ يَأْخُذُ مَا لَا يَسْتَحِقُّ] إنْ انْقَضَى الْعَمَلُ قَبْلَ تَمَامِ الْأَجَلِ [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ] مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا يُضْرَبُ فِي الْجُعْلِ أَجَلٌ أَيْ لَا يُضْرَبُ فِي الْجُعْلِ أَجَلٌ فِي حَالَةٍ مِنْ الْحَالَاتِ إلَّا حَالَةُ الِاشْتِرَاطِ أَنَّهُ يَتْرُكُ الْعَمَلَ مَتَى شَاءَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ، وَأَمَّا الْجُعْلُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فَلَا يَلْزَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَأَمَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فَيَلْزَمُ الْجَاعِلَ دُونَ الْعَامِلِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَيُرَدُّ عَلَى الشَّارِحِ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: لِمَ كَانَ الْعَقْدُ غَيْرَ جَائِزٍ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَجْعُولَ لَهُ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ دَخَلَ عَلَى التَّمَامِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ التَّرْكُ فَغَرَرُهُ قَوِيٌّ، وَأَمَّا عِنْدَ الشَّرْطِ فَقَدْ دَخَلَ ابْتِدَاءً عَلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فَغَرَرُهُ خَفِيفٌ.
[قَوْلُهُ: وَالْجَعَالَةُ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ الْعَمَلَ الْمُجَاعَلَ عَلَيْهِ بَعْضُهُ يَصِحُّ فِيهِ الْإِجَارَةُ، وَذَلِكَ كَأَنْ يَتَعَاقَدَ مَعَهُ عَلَى بَيْعٍ أَوْ شِرَاءِ ثَوْبٍ أَوْ اقْتِضَاءِ دَيْنٍ، وَكَحَفْرِ بِئْرٍ فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ عُيِّنَ فِيهَا مِقْدَارٌ مَخْصُوصٌ مِنْ الْأَذْرُعِ كَانَ إجَارَةً، وَإِنْ عَاقَدَهُ عَلَى إخْرَاجِ الْمَاءِ كَانَ جُعْلًا وَبَعْضُهُ لَا تَصِحُّ فِيهِ الْإِجَارَةُ كَالْمُعَاقَدَةِ عَلَى إحْضَارِ عَبْدٍ آبِقٍ أَوْ بَعِيرٍ شَارِدٍ وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُلِّ مَا يُجْهَلُ فِيهِ الْعَمَلُ، وَبَعْضُهُ لَا تَصِحُّ فِيهِ الْجَعَالَةُ وَتَتَعَيَّنُ الْإِجَارَةُ كَالْمُعَاقَدَةِ عَلَى عَمَلٍ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْجَاعِلِ كَحَفْرِ بِئْرٍ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ أَيْ فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ جَاعَلَهُ عَلَى إخْرَاجِ مَائِهَا.
[قَوْلُهُ: كَرَدِّ آبِقٍ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْجُعْلِ أَنْ يَكُونَ فِيمَا يَجْهَلَانِ مَكَانَهُ، فَإِنْ عَلِمَ أَحَدُهُمَا مَكَانَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَإِنْ عَلِمَ الْجَاعِلُ فَقَطْ وَجَهِلَ الْعَامِلُ فَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الْجُعْلِ وَأَجْرُ الْمِثْلِ، وَإِنْ عَلِمَ الْمَجْعُولُ لَهُ فَقَطْ فَلَا شَيْءَ؛ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِهِ صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِ حَيْثُ عَلِمَ مَكَانَهُ وَرَبُّهُ لَا يَعْلَمُ، وَمَنْ ادَّعَى عَدَمَ الْعِلْمِ مِنْهُمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ لِخَلِيلٍ.
وَيَنْبَغِي إذَا عَلِمَاهُ أَنَّ لَهُ جَعْلَ مِثْلِهِ نَظَرًا لِسَبْقِ الْجَاعِلِ بِالْعَدَاءِ اهـ.

(وَلَا شَيْءَ لَهُ) أَيْ لِلْمَجْعُولِ لَهُ (إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ) نَحْوُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ بَهْرَامُ: وَلَعَلَّهُ فِيمَا لَا يَحْصُلُ لِلْجَاعِلِ فِيهِ نَفْعٌ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ وَإِلَّا فَمَتَى حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ الْعَمَلَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ مِقْدَارُ مَا اُنْتُفِعَ بِهِ انْتَهَى.
مِثَالُ ذَلِكَ إذَا طَلَب الْآبِقَ فِي نَاحِيَةٍ وَلَمْ يَجِدْهُ بِهَا فَإِنَّهُ وَقَعَ النَّفْعُ لِلْجَاعِلِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ الشَّيْخِ، وَالْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُتِمَّ الْعَمَلَ لَا شَيْءَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: 72] مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ لَا شَيْءَ لَهُ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يُنْقَدَ بِشَرْطٍ إذْ قَدْ لَا يُتِمُّ الْعَمَلَ فَيَكُونُ تَارَةً جُعْلًا وَتَارَةً سَلَفًا، وَيَجُوزُ النَّقْدُ بِغَيْرِ شَرْطٍ إذْ لَا مَحْذُورَ فِيهِ (وَالْأَجِيرُ عَلَى الْبَيْعِ) بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ (إذَا تَمَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَبِعْ وَجَبَ لَهُ جَمِيعُ الْأَجْرِ، وَإِنْ بَاعَ فِي نِصْفِ الْأَجَلِ فَلَهُ نِصْفُ الْإِجَارَةِ) ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ إذَا تَعَلَّقَتْ بِمَنَافِعَ كَانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا فِي مُقَابَلَةِ جُزْءٍ مِنْ الْمَنَافِعِ مِثَالُهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ عَلَى بَيْعِ ثَوْبٍ بِدِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يُعَرِّفَهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ

[حاشية العدوي]

فَتَلَخَّصَ أَنَّهُ مَتَى عَلِمَا أَوْ أَحَدُهُمَا مَكَانَهُ فُسِخَ الْعَقْدُ، وَإِذَا تَمَّ الْعَمَلُ فَقَدْ عَلِمْت حُكْمَهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا شَيْءَ لَهُ إلَخْ] فَإِذَا تَمَّ الْعَمَلُ اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ الْمُسَمَّى لَهُ وَجُعْلَ مِثْلِهِ إنْ لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَةً حَيْثُ كَانَتْ عَادَتُهُ الْإِتْيَانَ بِالْإِبَاقِ، وَلَوْ اسْتَحَقَّ الشَّيْءَ الْمُجَاعَلَ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَبْلَ قَبْضِ رَبِّهِ، وَلَوْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ بِحُرِّيَّةٍ، وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ بَعْدَ شُرُوعِ الْعَامِلِ فِي تَحْصِيلِهِ بِخِلَافِ مَوْتِهِ قَبْلَ قَبْضِ رَبِّهِ لَهُ فَلَا يَسْتَحِقُّ، وَمِثْلُ الْمَوْتِ هَرَبُهُ أَوْ أَسْرُهُ أَوْ غَصْبُهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ، وَالِاسْتِحْقَاقِ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ يَغْلِبُ كَوْنَهُ نَاشِئًا عَنْ عَدَاءِ الْجَاعِلِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ: إلَّا بِتَمَامٍ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إذَا اسْتَأْجَرَ رَبُّهُ عَلَى التَّمَامِ أَوْ جَاعَلَ عَلَيْهِ أَوْ أَتَمَّهُ بِنَفْسِهِ أَوْ عَبِيدِهِ، فَالْمُرَادُ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ الِانْتِفَاعُ بِالْعَمَلِ السَّابِقِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْأَوَّلِ بِنِسْبَةِ عَمَلِ الثَّانِي سَوَاءٌ عَمِلَ الثَّانِي قَدْرَ عَمَلِ الْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِثْلُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْأَوَّلِ خَمْسَةً عَلَى حَمْلِ خَشَبَةٍ إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ فَبَلَّغَهَا نِصْفَ الطَّرِيقِ وَتَرَكَهَا، فَجَعَلَ لِلْآخَرِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ عَلَى تَبْلِيغِهَا النِّصْفَ الْآخَرَ فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَأْخُذُ عَشَرَةً؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَنُوبُ فِعْلَ الْأَوَّلِ مِنْ إجَارَةِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ لَمَّا اُسْتُؤْجِرَ نِصْفُ الطَّرِيقِ بِعَشَرَةٍ عَلِمَ أَنَّ قِيمَةَ إجَارَتِهِ يَوْمَ اُسْتُؤْجِرَ عِشْرُونَ وَلَا يُقَالُ إنَّ الْأَوَّلَ قَدْ رَضِيَ أَنْ يَحْمِلَهَا جَمِيعَ الطَّرِيقِ بِخَمْسَةٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا كَانَ عَقْدُ الْجَعَالَةِ مُنْحَلًّا مِنْ جَانِبِ الْمَجْعُولِ لَهُ بَعْدَ الْعَمَلِ فَلَمَّا تَرَكَهُ بَعْدَ أَنْ حَمَلَ نِصْفَ الْمَسَافَةِ صَارَ تَرْكُهُ لَهُ إبْطَالًا لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ.
[قَوْلُهُ: بَهْرَامُ] بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ [قَوْلُهُ: مِثَالُ ذَلِكَ إذَا طَلَبَ إلَخْ] ظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةً، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ وَلَا اسْتَأْجَرَ إنْسَانًا عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَلَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي النَّاحِيَةِ الْفُلَانِيَّةِ نَعَمْ إذَا تَعَاقَدَ مَعَ آخَرَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ وَيَنْظُرَ إلَيْهِ فِي بَقِيَّةِ النَّوَاحِي وَأَتَى بِهِ يَسْتَحِقُّ بِحَسَبِ فِعْلِهِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَنْقُدَ بِشَرْطٍ] أَيْ لَا يَشْتَرِطُ النَّقْدَ، وَلَوْ لَمْ يَنْقُدْ بِالْفِعْلِ لِمَا تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: وَالْأَجِيرُ عَلَى الْبَيْعِ] أَيْ عَلَى السَّمْسَرَةِ لَا عَلَى الْبَيْعِ وَإِلَّا لَمْ يَسْتَحِقَّ أُجْرَةً إذَا لَمْ يَبِعْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي عَنْ الْفَاكِهَانِيِّ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ] الْمُتَبَادِرُ مِنْهُ الْأُجْرَةُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَبِيعَ أَيْ الْبَيْعَ الْمُتَلَبِّسَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ وَيَكُونُ احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى بَيْعِ سِلْعَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ شَهْرًا مَثَلًا وَأَحْضَرَ لَهُ شَيْئًا فَبَاعَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ فَلْيَأْتِهِ بِمَتَاعٍ آخَرَ يَبِيعُهُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الشَّهْرُ أَوْ يَدْفَعَ لَهُ جَمِيعَ الْأَجْرِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى عَمَلِهِ شَهْرًا قَالَ عج: ثُمَّ إنَّ تَعْيِينَ الْمَبِيعِ يَشْمَلُ تَعَيُّنَهُ بِالشَّخْصِ كَبِعْ لِي هَذَا الثَّوْبَ أَوْ هَذِهِ الثِّيَابَ أَوْ بِالْعَدِّ كَبِعْ لِي ثَوْبَيْنِ أَوْ ثَوْبًا، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا بِالشَّخْصِ، وَالثَّانِي مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ مِثَالُهُ إلَخْ هـ. [قَوْلُهُ: وَجَبَ لَهُ جَمِيعُ الْأَجْرِ] أَيْ الْمُشْتَرَطِ أَوْ الْمَعْرُوفِ بِحَسَبِ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ قَدْ اسْتَوْفِي مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ وَهُوَ النِّدَاءُ عَلَى السِّلْعَةِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ [قَوْلُهُ: عَلَى أَنْ يُعَرِّفَهُ] بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى بَيْعِ ثَوْبٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى الْبَيْعِ

بَاعَهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ كَانَ لَهُ رُبْعُ دِرْهَمٍ وَكَذَلِكَ عَلَى التَّدْرِيجِ إلَى أَنْ يَسْتَكْمِلَ الدِّرْهَمَ بِتَعْرِيفِهِ الْأَيَّامَ الْأَرْبَعَةَ.
وَإِنْ لَمْ يَبِعْ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ الْأَيَّامَ الْأَرْبَعَةَ فَلَهُ أَخْذُ الدِّرْهَمِ كَامِلًا، فَإِنْ قِيلَ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُضْرَبُ فِي الْجُعَلِ أَجَلٌ وَقَالَ: هُنَا إذَا تَمَّ الْأَجَلُ فَهَذِهِ مُنَاقَضَةٌ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا مُنَاقَضَةَ؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ أَوَّلًا فِي الْجُعَلِ، وَمَا قَالَهُ هُنَا فِي الْإِجَارَةِ، وَهِيَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِضَرْبِ الْأَجَلِ فِيمَا لَا تُعْرَفُ غَايَتُهُ إلَّا بِضَرْبِ الْأَجَلِ قَالَهُ ع.

(وَالْكِرَاءُ) بِالْمَدِّ لَا غَيْرُ ع: يُسْتَعْمَلُ الْكِرَاءُ فِيمَا لَا يَعْقِلُ، وَالْإِجَارَةُ فِيمَنْ يَعْقِلُ، وَالْكِرَاءُ هُوَ بَيْعُ مَنَافِعَ مَعْلُومَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ أَوْ مِلْكُ مَنَافِعَ مَعْلُومٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومَةٍ (كَالْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ) يَعْنِي مِنْ الْأَجَلِ الْمَعْلُومِ، وَالْأُجْرَةِ الْمَعْلُومَةِ (وَ) فِيمَا (يَحْرُمُ) يَعْنِي مِنْ جَهْلِ الْأَجَلِ وَنَحْوِهِ، وَاعْتُرِضَ قَوْلُهُ كَالْبَيْعِ إلَى آخِرِهِ بِمَسْأَلَةِ مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً بِعَيْنِهَا عَلَى أَنْ يَقْبِضَهَا إلَى أَجَلٍ فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ فِيهَا: إذَا نَقَدَ الثَّمَنَ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْ جَازَ، وَيُؤْخَذُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْكِرَاءِ، وَالْإِجَارَةِ مِنْ قَوْلِهِ: (وَمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً بِعَيْنِهَا) مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: اكْرِ لِي هَذِهِ الدَّابَّةَ وَيُعَيِّنُهَا بِالْإِشَارَةِ إلَيْهَا لِأُسَافِرَ عَلَيْهَا (إلَى بَلَدِ كَذَا) مَثَلًا (فَمَاتَتْ) أَوْ غُصِبَتْ أَوْ اُسْتُحِقَّتْ (انْفَسَخَ الْكِرَاءُ فِيمَا بَقِيَ) وَلَهُ بِحِسَابِ مَا سَارَ مِنْ الطَّرِيقِ بِقِيمَةٍ أُخْرَى، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْخُصُ

[حاشية العدوي]

لَيْسَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ بَلْ مِنْ حَيْثُ التَّعْرِيفُ لِأَجْلِ حُصُولِهِ [قَوْلُهُ: وَهِيَ لَا تَجُوزُ إلَخْ] هَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا يَفْتَرِقُ فِيهِ الْإِجَارَةُ مِنْ الْجُعْلِ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ، الثَّانِي: لَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةً إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ بِخِلَافِهَا لَهُ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ الثَّانِي.
الثَّالِثُ: عَدَمُ لُزُومِ الْعَقْدِ بِخِلَافِهَا تت.

[الْكِرَاء وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ]

[قَوْلُهُ: بَيْعُ مَنَافِعَ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ لِشُمُولِهِ الْإِجَارَةَ، وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ مِلْكٌ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمِلْكَ ثَمَرَةُ الْمَبِيعِ فَالْأَظْهَرُ التَّعْرِيفُ الْأَوَّلُ [قَوْلُهُ: وَاعْتَرَضَ قَوْلُهُ كَالْبَيْعِ إلَخْ] بَيَّنَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ فِي الْبَيْعِ لَا يَجُوزُ فِيهِ تَأْخِيرَ الْمُعَيَّنِ إلَى فَوْقِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَأَجَازَ فِي الْكِرَاءِ تَأْخِيرَ الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ إلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ إنْ لَمْ يَنْقُدْ اهـ. وَاعْتُرِضَ أَيْضًا بِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْأَرْضِ بِطَعَامٍ وَبِمَا تُنْبِتُهُ، وَإِنْ غَيْرَ خَشَبٍ، وَلَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ سِوَى الْخَشَبِ، وَالْحَلْفَاءِ، وَالْحَشِيشِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ وُجُودَ الشَّرْطِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ إذْ قَدْ يَكُونُ مَانِعٌ [قَوْلُهُ: عَلَى أَنْ يَقْبِضَهَا إلَى أَجَلٍ إلَخْ] أَيْ يَجُوزُ أَنْ يُكْرِيَ دَابَّتَهُ الْمُعَيَّنَةَ عَلَى أَنَّ الْمُكْتَرِيَ لَا يَقْبِضُهَا إلَّا بَعْدَ شَهْرٍ لِيَسْتَوْفِيَ مَنَافِعَهَا.
وَقَوْلُهُ: إذَا نَقَدَ أَيْ إذَا اشْتَرَطَ النَّقْدَ نَقَدَ بِالْفِعْلِ أَوَّلًا لَا يُقَالُ تَعْلِيلُ الْمَنْعِ لِلنَّقْدِ وَتَرَدُّدُ الْمَنْقُودِ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ، وَالثَّمَنِيَّةِ لَا يُفِيدُ فَسَادَهُ إلَّا بِالنَّقْدِ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ شَرْطُ النَّقْدِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّقْدِ بِشَرْطٍ فِي فَسَادِ الْعَقْدِ، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا شَهْرًا لِإِفَادَةِ جَوَازِ مَا دُونَهُ كَالْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ فَأَقَلَّ هَذَا إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ حَاضِرَةً وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهَا، وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ يَجُوزُ، وَلَوْ نَقَدَ [قَوْلُهُ: وَيُؤْخَذُ الْفَرْقُ إلَخْ] ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَبَّرَ فِي الدَّابَّةِ بِالِاكْتِرَاءِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاكْتِرَاءَ بَيْعُ مَنْفَعَةِ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ.
وَقَالَ بَعْدُ: وَكَذَا الْأَجِيرُ فَعَبَّرَ فِي الْعَاقِلِ بِالْأَجِيرِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِجَارَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِلِ فَهِيَ بَيْعُ مَنْفَعَةِ حَيَوَانٍ يَعْقِلُ [قَوْلُهُ: مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً بِعَيْنِهَا] احْتَرَزَ بِهِ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً فَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ فِي زَمَنٍ إبَّانَ الْكِرَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْجِيلِ الْكِرَاءِ دَاخِلَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ أَوْ الشُّرُوعِ فِي الْمَنْفَعَةِ، وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ قَبْلَ الْإِبَّانِ فَيَكْفِي تَعْجِيلُ نَحْوِ الدِّينَارِ، وَالدِّينَارَيْنِ [قَوْلُهُ: وَيُعَيِّنُهَا بِالْإِشَارَةِ] أَيْ فَلَا بُدَّ فِي كَوْنِهَا مُعَيَّنَةً مِنْ الْإِشَارَةِ إلَيْهَا مَعَ حُضُورِهَا، فَالْمَضْمُونَةُ هِيَ الَّتِي لَمْ تُعَيَّنْ بِهَذَا الْمَعْنَى بِأَنْ قَالَ: أَكَتْرِي مِنْكَ دَابَّةً أَوْ دَابَّتَك، وَلَوْ كَانَتْ حَاضِرَةً وَمُشَاهَدَةً وَلَمْ يُشِرْ إلَيْهَا، وَقَالَ لَهُ: دَابَّتَك الْفُلَانِيَّةَ الْبَيْضَاءَ أَوْ السَّوْدَاءَ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ لَهُ سِوَاهَا فَلَا تَنْفَعُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهَا وَيَلْزَمُ الْمُكْرِي أَنْ يَأْتِيَ لِلْمُكْتَرِي بِبَدَلِهَا.
[قَوْلُهُ: أَوْ غُصِبَتْ أَوْ اُسْتُحِقَّتْ] أَيْ أَوْ رَدَّهُ التَّخَوُّفُ مِنْ الطَّرِيقِ أَوْ الْوَادِي أَوْ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بِهَا دَبْرَةٌ مُنْتِنَةٌ لَا يَتَأَتَّى لَهُ الرُّكُوبُ مَعَهَا تَحْقِيقُ [قَوْلِهِ: انْفَسَخَ الْكِرَاءُ إلَخْ] وَلَكِنْ يَجُوزُ لَهُ الرِّضَا بِالْبَدَلِ إنْ لَمْ يَنْقُدْهُ أَوْ نَقَدَ وَاضْطُرَّ كَمَا إذَا كَانَ فِي مَفَازَةٍ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لَهُ الرِّضَا بِالْبَدَلِ؛ لِأَنَّهُ فَسَخَ مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ فِي مَنَافِعَ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهَا، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ تُوجَدُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إلَّا أَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ.
[قَوْلُهُ: بِقِيمَةٍ أُخْرَى إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَعَلَيْهِ بِحِسَابِ مَا سَارَ مِنْ الطَّرِيقِ وَيُعْرَفُ

وَقَدْ يَغْلُو.
وَمِنْ قَوْلِهِ: (وَكَذَا الْأَجِيرُ) إجَارَةً ثَابِتَةً فِي عَيْنِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً عَلَى خِدْمَةِ بَيْتٍ أَوْ رِعَايَةِ غَنَمٍ (يَمُوتُ) فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ حُكْمُهُ حُكْمُ الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ فِي بَاقِي الْمُدَّةِ، وَقَيَّدْنَا بِثَابِتَةٍ فِي عَيْنِهِ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ كَانَتْ مَضْمُونَةً فِي ذِمَّتِهِ فَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِهِ بَلْ يُؤَاجَرُ عَلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ مِنْ تَرِكَتِهِ (وَ) كَذَا (الدَّارُ تَنْهَدِمُ) كُلُّهَا أَوْ جُلُّهَا أَوْ مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ كَبِيرَةٌ أَوْ أُحْرِقَتْ أَوْ اُسْتُحِقَّتْ (قَبْلَ تَمَامِ مُدَّةِ الْكِرَاءِ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ الْمُدَّةُ مُشَاهَرَةً أَوْ مُسَانَاةً فَإِنَّهَا تَنْفَسِخُ، وَيُعْطِي بِحِسَابِ مَا سَكَنَ وَقَيَّدْنَا بِكُلِّهَا أَوْ جُلِّهَا احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ انْهَدَمَ مِنْهَا لَا يَضُرُّ بِالْمُكْتَرِي وَلَا يَنْقُصُ مِنْ كِرَائِهَا كَالشُّرَّافَاتِ فَإِنَّهُ كَالْعَدَمِ، وَلَا قِيَامَ لِلْمُكْتَرِي بِهِ

(وَلَا بَأْسَ بِتَعْلِيمِ الْمُعَلِّمِ عَلَى الْحِدَاقِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ أَنْ يُحَدِّقَ الْمُعَلِّمُ الْقُرْآنَ أَيْ يُحَفِّظَهُ، وَاسْتَعْمَلَ لَا بَأْسَ هُنَا كَالْمُدَوَّنَةِ لِلْإِبَاحَةِ، وَالْمَعْنَى

[حاشية العدوي]

ذَلِكَ بِالْقِيمَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ تُقَوَّمَ الْمَسَافَةُ كُلُّهَا فَيُقَالُ: بِكَمْ تُكْرَى هَذِهِ الْمَسَافَةُ؟ فَيُقَالُ: بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، ثُمَّ يُقَالُ: مَا قِيمَةُ هَذَا الَّذِي سَارَ مِنْهَا؟ فَيُقَالُ: خَمْسَةُ دَنَانِيرَ فَتَنْسُبُهَا مِنْ الْعَشَرَةِ فَتَجِدُهَا نِصْفًا فَيَرْجِعُ عَلَى الْمُكْتَرِي بِنِصْفِ الْكِرَاءِ، وَكَذَا فِي تت وَهُوَ ظَاهِرٌ إلَّا أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَلَهُ بِحِسَابِ مَا سَارَ مِنْ الطَّرِيقِ بِقِيمَةٍ أُخْرَى إلَخْ يُنَافِيهِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْإِعْرَاضَ عَنْ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ رَأْسًا، وَيُلْتَفَتُ إلَى قِيمَةٍ أُخْرَى وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ.
وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ يَرْخُصُ إلَخْ أَيْ؛ لِأَنَّ الْكِرَاءَ الْأَوَّلَ قَدْ يَكُونُ أَرْخَصَ مِنْ الْقِيمَةِ وَقَدْ يَكُونُ أَزِيدَ فَلِذَلِكَ لَمْ يُلْتَفَتْ لَهُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: يَمُوتُ إلَخْ] أَيْ أَوْ يَحْصُلُ لَهُ مَا يَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ مِنْهُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ [قَوْلُهُ: بَلْ يُؤَاجِرُ إلَخْ] أَيْ فَيَجِبُ عَلَى الْمُتَوَلِّي أَمْرَ التَّرِكَةِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْهَا مَنْ يُتِمُّ الْعَمَلَ [قَوْلُهُ: وَكَذَا الدَّارُ تَنْهَدِمُ] أَيْ الْمُعَيَّنَةُ [قَوْلُهُ: أَوْ مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ كَبِيرَةٌ] أَيْ أَوْ يَحْصُلُ مَا فِيهِ مَضَرَّةٌ كَبِيرَةٌ أَيْ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ، وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَهَطْلٍ أَيْ بِأَنْ صَارَ يَتَتَابَعُ الْمَطَرُ مِنْهَا، وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ فِي هَذِهِ يُخَيَّرُ بَيْنَ فَسْخِ الْكِرَاءِ عَنْ نَفْسِهِ وَيَدْفَعُ مِنْ الْكِرَاءِ بِحَسَبِ مَا سَكَنَ وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَمِرَّ سَاكِنًا وَيَدْفَعُ جَمِيعَ الْكِرَاءِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَبَقِيَ مَا إذَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْكِرَاءِ وَلَا يَضُرُّ بِالسَّاكِنِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ خِيَارٌ لِلْمُكْتَرِي وَيَلْزَمُهُ السُّكْنَى وَيُحَطُّ عَنْهُ مِنْ الْكِرَاءِ بِحَسَبِ النَّقْصِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَادِثَ فِي الدَّارِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ.
رَابِعُهَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ كَالشُّرَّافَاتِ.
تَنْبِيهٌ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ حُكْمُ مَا لَوْ طَلَبَ الْمُكْتَرِي مِنْ صَاحِبِ الدَّارِ أَنْ يُصْلِحَهَا لَهُ بَعْدَ حُصُولِ انْهِدَامِهَا، وَالْحُكْمُ عَدَمُ الْجَبْرِ، وَلَوْ كَانَ الِانْهِدَامُ يَضُرُّ بِالسَّاكِنِ وَخِيرَتُهُ تَنْفِي ضَرَرَهُ فَإِنْ أَصْلَحَهَا الْمُكْتَرِي مِنْ عِنْدِهِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهَا فَيُحْمَلُ عَلَى التَّبَرُّعِ وَلَهُ قِيمَةُ بِنَائِهِ مَنْقُوضًا أَوْ يَأْمُرُهُ بِأَخْذِ أَنْقَاضِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ وَقْفًا فَيَلْزَمُ الْمُكْرِيَ الْإِصْلَاحُ لِحَقِّ الْوَقْفِ.
وَإِنْ أَصْلَحَهَا الْمُكْتَرِي مِنْ مَالِهِ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ بِنَائِهِ قَائِمًا، وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ النَّاظِرُ حَيْثُ أَصْلَحَ مَا يَحْتَاجُ لِلْإِصْلَاحِ؛ لِأَنَّهُ قَامَ عَنْهُ بِوَاجِبٍ، وَيَنْبَغِي أَخْذُ النَّفَقَةِ مِنْ فَائِضِ الْوَقْفِ وَإِلَّا فَمِنْ غَلَّتِهِ الْمُسْتَقْبَلَةِ.
[قَوْلُهُ: مُشَاهَرَةً] أَيْ كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا.
وَقَوْلُهُ: أَوْ مُسَانَاةً أَيْ كَكُلِّ سَنَةٍ بِكَذَا وَمِثْلُ ذَلِكَ مُيَاوَمَةً كَكُلِّ يَوْمٍ بِكَذَا، وَضَابِطُ ذَلِكَ مَا كَانَتْ الْمُدَّةُ فِيهِ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، وَالْكِرَاءُ فِيهِ غَيْرَ لَازِمٍ إلَّا بِقَدْرِ مَا نُقِدَ، وَمُقَابِلُ ذَلِكَ الْوَجِيبَةُ وَهِيَ مَا كَانَتْ الْمُدَّةُ فِيهِ مَحْدُودَةً كَسَنَةِ كَذَا، وَالْكِرَاءُ فِيهَا لَازِمٌ، وَإِنْ لَمْ يُنْقَدْ.
وَظَاهِرُ الشَّرْحِ عَدَمُ انْفِسَاخِ الْكِرَاءِ فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَوْ قَالَ: وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْكِرَاءُ وَجِيبَةً أَوْ مُشَاهَرَةً، وَيُرَادُ بِالْمُشَاهَرَةِ مَا كَانَتْ الْمُدَّةُ فِيهَا غَيْرَ مَحْدُودَةٍ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بِلَفْظِ شَهْرٍ لَكَانَ أَحْسَنَ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا تَنْفَسِخُ] أَيْ فَإِنَّ الْمُدَّةَ تَنْفَسِخُ أَيْ الْكِرَاءُ فِيهَا.
[قَوْلُهُ: كَالشُّرَّافَاتِ] أَيْ إذَا كَانَتْ الشُّرَّافَاتُ لَا تُنْقَصُ؛ لِأَنَّ مِنْ الشُّرَّافَاتِ مَا يُنْقَصُ هَدْمُهُ، فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَى الشُّرَّافَاتِ الَّتِي لَا تُنْقَصُ شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَطَوِّعًا بِذَلِكَ وَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ النَّقْضَ فَلَهُ أَخْذُهُ إنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ

[قَوْلُهُ: بِتَعْلِيمِ الْمُعَلِّمِ] أَيْ الْقُرْآنَ بِأُجْرَةٍ عَلَى الْحِدَاقِ أَيْ عَلَى الْحِفْظِ لِلْقُرْآنِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ غَيْبًا أَوْ فِي الْمُصْحَفِ قَوْلُهُ: وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ ك

أَنَّهُ يَجُوزُ لِمُعَلِّمِ الْقُرْآنِ أَنْ يُجَاعِلَ عَلَى تَعْلِيمِ الصِّبْيَانِ حَتَّى يَتَحَدَّقُوا، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى» وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ كَرِهَ مَالِكٌ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْفِقْهِ فَمَا الْفَرْقُ؟ قِيلَ: الْفَرْقُ أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ لَا مَحَالَةَ فَجَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ فَإِنَّهَا مَظْعُونَةٌ يَجُوزُ فِيهَا الْخِلَافُ، فَكَرِهَ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا لِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ النَّحْوِ، وَالْأُصُولِ وَنَحْوِهِمَا (وَ) كَذَلِكَ (لَا) بَأْسَ (بِمُشَارَطَةِ) أَيْ بِمُجَاعَلَةِ (الطَّبِيبِ عَلَى الْبُرْءِ) حَتَّى يَبْرَأَ، وَهِيَ عَلَى أَقْسَامٍ ذَكَرْنَاهَا فِي الْأَصْلِ مِنْهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهِ مِثْلُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ عَلَى أَنْ يُدَاوِيَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَالْأَدْوِيَةُ مِنْ عِنْدِ الْعَلِيلِ وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ مِثْلُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَالْأَدْوِيَةُ مِنْ عِنْدِ الطَّبِيبِ

(وَلَا يُنْتَقَضُ) بِمَعْنَى لَا يَنْفَسِخُ (الْكِرَاءُ بِمَوْتِ الرَّاكِبِ أَوْ السَّاكِنِ) ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْمُسْتَأْجَرِ بَاقِيَةٌ وَتُكْرِي الْوَرَثَةُ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) يُنْتَقَضُ الْكِرَاءُ (بِمَوْتِ غَنَمِ الرِّعَايَةِ) وَلْيَأْتِ بِمِثْلِهَا.
ك: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: ظَاهِرُ الرِّسَالَةِ أَنَّهُ

[حاشية العدوي]

وَمِنْ الصِّحَاحِ، وَالْقَامُوسِ أَنَّهُ بِالْمُعْجَمَةِ، وَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ هُنَا أَنَّهُ بِالْمُهْمَلَةِ تَابِعٌ فِيهِ لِلشَّيْخِ زَرُّوقٍ وَهُوَ غَرِيبٌ.
قَالَ الْحَطَّابُ: وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَعِبَارَةُ الصِّحَاحِ حَذَقَ الصَّبِيُّ الْقُرْآنَ، وَالْعَمَلَ يَحْذِقُهُ حَذْقًا وَحِذْقًا إذَا مَهَرَ فِيهِ وَحَذِقَ بِالْكَسْرِ حِذْقًا لُغَةٌ فِيهِ هـ. [قَوْلُهُ: أَنْ يَحْذِقَ الْمُعَلَّمُ] مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَالْمُعَلَّمُ بِفَتْحِ اللَّامِ فَاعِلُ يَحْذِقُ.
وَقَوْلُهُ: أَيْ يَحْفَظُهُ أَيْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا.
وَكَذَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ مُشَاهَرَةً أَيْ قِرَاءَتِهِ فِي الْمُصْحَفِ مِنْ غَيْرِ حِفْظٍ، وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُشَاهَرَةِ، وَالْحُذَّاقِ عَلَى الْمَشْهُورِ [قَوْلُهُ: حَتَّى يَتَحَدَّقُوا] بِيَاءٍ وَتَاءٍ فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ نُسَخِ هَذَا الشَّارِحِ، وَالْمُنَاسِبُ حَتَّى يَحْدِقُونَ بِحَذْفِ التَّاءِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ [قَوْلُهُ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ] . وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يَجُوزُ عَلَى التَّعْلِيمِ إلَّا مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ مُشَاهَرَةً أَوْ غَيْرَهَا [قَوْلُهُ: كِتَابُ اللَّهِ] أَيْ تَعْلِيمُ كِتَابِ اللَّهِ [قَوْلُهُ: قِيلَ إلَخْ] وَأَيْضًا تَعْلِيمُ الْفِقْهِ بِأُجْرَةٍ لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ، وَأَيْضًا أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِهِ يُؤَدِّي إلَى تَقْلِيلِ طَالِبِهِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى تَعْلِيمِ النَّحْوِ] وَأَمَّا الْأَخْذُ عَلَى تَعْلِيمِ عِلْمِ الْفَرَائِضِ كَالْمُنَاسَخَاتِ فَهُوَ جَائِزٌ [قَوْلُهُ: أَيْ بِمُجَاعَلَةِ] صَرِيحٌ فِي كَوْنِهَا جَعَالَةً فَيُنَافِي التَّمْثِيلَ فَإِنَّ الْمِثَالَيْنِ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ لَا الْجَعَالَةِ فَجَعْلُهَا جَعَالَةً تَسْمَحُ.
وَقَوْلُهُ: حَتَّى يَبْرَأَ أَيْ عِلَاجُهُ حَتَّى يَبْرَأَ.
[قَوْلُهُ: مِثْلُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ عَلَى أَنْ يُدَاوِيَهُ إلَخْ] فَإِنْ تَمَّتْ الْمُدَّةُ وَبَرِئَ أَوْ لَمْ يَبْرَأْ فَلَهُ الْأُجْرَةُ كُلُّهَا، وَإِنْ بَرِئَ فِي نِصْفِ الْأَجَلِ فَلَهُ نِصْفُ الْأُجْرَةِ، وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ النَّقْدِ لِاحْتِمَالِ الْبُرْءِ أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ فَيَكُونُ سَلَفًا [قَوْلُهُ: وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ] بِالْجَوَازِ وَعَدَمِهِ، وَحُكْمُ هَذِهِ كَالْأُولَى إنْ تَمَّتْ الْمُدَّةُ وَبَرِئَ أَوْ لَمْ يَبْرَأْ فَلَهُ الْأُجْرَةُ، وَإِنْ بَرِئَ فِي نِصْفِ الْأَجَلِ فَلَهُ نِصْفُ الْأُجْرَةِ.
قُلْت:، وَالظَّاهِرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ الْجَوَازُ إذْ غَايَةُ مَا فِيهِ اجْتِمَاعُ بَيْعٍ وَهُوَ ثَمَنُ الدَّوَاءِ وَإِجَارَةٍ وَهُوَ جَائِزٌ، وَمِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مَا إذَا قَالَ لَهُ: أُعَاقِدُكَ بِكَذَا عَلَى عِلَاجِ هَذَا الْمَرِيضِ حَتَّى يَبْرَأَ فَإِنْ بَرِئَ كَانَ لَهُ الْجُعْلُ، وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَالدَّوَاءُ مِنْ الطَّبِيبِ.
فَقِيلَ: يَجُوزُ وَقِيلَ لَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ، وَبَقِيَتْ مَسْأَلَةُ الْمُنَاسِبِ حَلَّ الْمُصَنِّفُ بِهَا كَمَا فَعَلَ بَعْضٌ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمُنَاسِبُ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى الْبُرْءِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا إلَّا بِالْبُرْءِ وَهِيَ مَا إذَا عَاقَدَهُ عَلَى الْبُرْءِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَإِذَا بَرِئَ الْمَرِيضُ أَخَذَهَا الطَّبِيبُ وَإِلَّا لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا، وَالدَّوَاءُ مِنْ عِنْدِ الْعَلِيلِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَوْنُهُ مِنْ عِنْدِ الطَّبِيبِ عَلَى أَنَّهُ إنْ بَرِئَ الْعَلِيلُ يَدْفَعْ الْأُجْرَةَ وَثَمَنَ الدَّوَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ يَدْفَعْ قِيمَةَ الدَّوَاءِ وَلَمْ يَجُزْ لِأَدَائِهِ إلَى اجْتِمَاعِ جُعَلٍ وَبَيْعٍ.

[قَوْلُهُ: بِمَوْتِ الرَّاكِبِ] أَوْ تَعَذُّرِهِ لِسَفِينَةٍ أَوْ دَابَّةٍ، وَلَوْ كَانَ الرَّاكِبُ عَرُوسًا تُزَفُّ عَلَى الْمَرْكُوبِ فِي زَمَنٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَأَمَّا فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَلْزَمْ الْكِرَاءُ إنْ كَانَ التَّأْخِيرُ لِمَرَضٍ أَوْ عُذْرٍ، وَإِلَّا لَزِمَ الْكِرَاءُ، وَالْمُكْتَرِي أَنْ يُكْرِيَهَا فِي مِثْلِهِ [قَوْلُهُ: وَتُكْرِي الْوَرَثَةُ] أَيْ وَيَجُوزُ لِلْوَرَثَةِ أَنْ تُكْرِيَ فَتَأَمَّلْ [قَوْلُهُ: بِمَوْتِ غَنَمِ الرِّعَايَةِ] لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَكَذَا إذَا آجَرَهُ عَلَى رِعَايَةِ الْبَقَرِ أَوْ الْإِبِلِ أَوْ الْخَيْلِ أَوْ الْبِغَالِ أَوْ الْحَمِيرِ أَوْ الْإِوَزِّ أَوْ الدَّجَاجِ أَوْ غَيْرِهَا الْحُكْمُ كَمَا قَالَ.
[قَوْلُهُ:

فصول الكتاب · 3 فصل · 596 صفحة
جارٍ التحميل