حاشية العدوي على كفاية الطالب الربانيصفحات 478-517
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابٌ فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ

صفحات 478-517

عَوْرَتِهِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ، وَصِفَةُ الِاسْتِئْذَانِ أَنْ تَقُول: أَأَدْخُلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ تُسَلِّمُ (فَإِنْ أُذِنَ لَك) فَأَدْخُلْ (وَإِلَّا رَجَعْت) وَقَوْلُهُ: (وَيُرَغَّبُ فِي عِيَادَةِ الْمَرْضَى) تَقَدَّمَ فِي بَابٍ مُجْمَلٍ وَلَيْسَ لِذِكْرِهِ هُنَا مُنَاسَبَةٌ لَا بِمَا قَبْلَهُ وَلَا بِمَا بَعْدَهُ

(وَلَا يَتَنَاجَى) أَيْ يَتَسَارَّ (اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ) فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ (وَكَذَلِكَ جَمَاعَةٌ) ثَلَاثَةٌ فَمَا فَوْقُ (إذَا أَبْقَوْا وَاحِدًا مِنْهُمْ) لَا يَتَنَاجَوْنَ دُونَهُ مَفْهُومُهُ لَوْ أَبْقَوْا اثْنَيْنِ مَثَلًا لَجَازَ.
ع: وَهُوَ الْمَشْهُورُ (وَقَدْ قِيلَ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ) أَيْ تَنَاجِي اثْنَيْنِ مَثَلًا دُونَ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ دُونَهُ (إلَّا بِإِذْنِهِ) فَإِنَّ الْحَقَّ لَهُ فَإِذَا أَسْقَطَهُ سَقَطَ.
ع: هُوَ الْمَشْهُورُ (وَذِكْرُ الْهِجْرَةِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابٍ قَبْلَ هَذَا) وَهُوَ بَابٌ جَامِعٌ.

ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا عَكَسَ فِي التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: (قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) الْجَلِيلُ الْقَدْرُ الَّذِي قَالَ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ الْخَلْقِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -» . (مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) يَعْنِي إذَا كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدَ أَدَاءِ.
الْفَرَائِضِ.
الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الذِّكْرَ

[حاشية العدوي]

مَنْ هَذَا فَلْيُسَمِّ نَفْسَهُ أَوْ بِمَا يُعْرَفُ بِهِ وَلَا يَقُولُ: أَنَا لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَرِهَهَا لِمَنْ أَجَابَهُ بِهَا حَتَّى خَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ أَنَا أَنَا.
[قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ] أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ مَنْ لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ وَإِلَّا وَجَبَ، وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ لَا يُطَالَبُ وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ بَلْ الْمُرَادُ لَا يُطَالَبُ وُجُوبًا فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُطَالَبُ نَدْبًا بِالتَّنْبِيهِ بِالتَّنَحْنُحِ وَنَحْوِهِ فِي حَالِ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ خَوْفَ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَا يَكْرَهُهُ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ السَّلَفُ، وَيَكْفِي فِي الْإِذْنِ حَيْثُ يُطْلَبُ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا إذْنُ الصَّبِيِّ أَوْ الْعَبْدِ حَيْثُ يُوثَقُ بِإِذْنِهِ لِضَرُورَةِ النَّاسِ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ يُسَلِّمُ] هَكَذَا اخْتَارَ ابْنُ رُشْدٍ الْبَدْءَ بِالِاسْتِئْذَانِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَيُقَدِّمُ السَّلَامَ وَاخْتُلِفَ فِي الْأَعْمَى هَلْ يُخَاطَبُ بِهِ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: وَيُرَغَّبُ فِي عِيَادَةِ الْمَرِيضِ] فِي الِاسْتِذْكَارِ: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا خَاضَ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ فَإِذَا جَلَسَ عِنْدَهُ اسْتَقَرَّ فِيهَا» ، ق: وَجَاءَ أَيْضًا «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ عَادَ مَرِيضًا أَبْعَدَهُ اللَّهُ مِنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» . [قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِذِكْرِهِ هُنَا مُنَاسَبَةٌ] قَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ: وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَعَادَهَا فِي الِاسْتِئْذَانِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ جَوَازِ الدُّخُولِ عَلَى الْمَرِيضِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ إلَى مَنْ يَعُودُهُ.
.

[قَوْلُهُ: وَلَا يَتَنَاجَى.
. . إلَخْ] لَمَّا كَانَ بَيْنَ التَّنَاجِي وَالدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ مُنَاسَبَةٌ وَهِيَ الِاشْتِرَاكُ فِي النَّهْيِ، ذَكَرَ مَسْأَلَةَ التَّنَاجِي عَقِبَ مَسْأَلَةِ الِاسْتِئْذَانِ وَالتَّنَاجِي هُوَ التَّسَارُرُ بِالْكَلَامِ لِيُخْفِيَ ذَلِكَ عَنْ الْغَيْرِ، كَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَالنَّهْيُ نَهْيُ حُرْمَةٍ إنْ خَشِيَ الْمُتَنَاجِيَانِ أَنَّ صَاحِبَهُمَا يَظُنُّ أَنَّهُمَا يَتَحَدَّثَانِ فِي غَدْرِهِ كَانَ فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ، وَنَهْيُ كَرَاهَةٍ إنْ أَمِنَّا مِنْ ظَنِّهِ ذَلِكَ كَانَ فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَفِي مَعْنَى التَّنَاجِي الْكَلِمُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ مَنْ يَعْرِفُ بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ سِوَى الْعَرَبِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: ثَلَاثَةٌ فَمَا فَوْقُ] يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الِاثْنَيْنِ لَيْسَ بِجَمَاعَةٍ عِنْدَهُ مَعَ أَنَّهُمَا جَمَاعَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
[قَوْلُهُ: ع وَهُوَ الْمَشْهُورُ] وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْقَبَسِ مِنْ أَنَّ تَنَاجِيَ الْجَمَاعَةِ دُونَ الْجَمَاعَةِ إمَّا مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ، وَقَوْلُهُ: وَقَدْ قِيلَ إلَخْ أَيْ وَقَدْ قَالُوا.
[قَوْلُهُ: مَثَلًا] لَا حَاجَةَ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى اثْنَيْنِ أَوْلَى وَلَفْظَةُ مَثَلًا يُؤْتَى بِهَا فِي مَقَامٍ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ الْحَصْرُ وَهَذَا لَا يُتَوَهَّمُ.
[قَوْلُهُ: ع هُوَ الْمَشْهُورُ] أَيْ فَهُوَ تَقْيِيدٌ لِلنَّهْيِ السَّابِقِ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ أَذِنَ لَهُمْ.
[قَوْلُهُ: الْهِجْرَةُ] أَيْ الْهِجْرَانُ، وَقَوْلُهُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَيْ فَلَا حَاجَةَ لِإِعَادَتِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَنْسَبُ تَأْخِيرَهُ لِمَا بَيْنَ الْهِجْرَانِ وَالتَّنَاجِي مِنْ الْمُنَاسَبَةِ وَهِيَ الْمُشَارَكَةُ فِي النَّهْيِ.
.

[قَوْلُهُ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ] عُمْرُهُ ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَقِيلَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً.
[قَوْلُهُ: أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ] أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَا يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ عَلَى الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ لِأَنَّ أُولَئِكَ كَمُلَتْ فِيهِمْ الصِّفَاتُ كُلُّهَا وَاعْتَدَلَتْ فَلَمْ يَتَرَجَّحْ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَأَمَّا هَذَا فَقَدْ كَمُلَتْ فِيهِ صِفَةُ الْعِلْمِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَتَمَيَّزَ فِيهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَكْمُلْ فِيهِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا زِيَادَتَهُ فِيهِ عَلَى أُولَئِكَ لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ تَفْضِيلًا لِأَنَّ الْمَفْضُولَ قَدْ يَتَمَيَّزُ بِمَزِيَّةٍ بَلْ بِمَزَايَا لَمْ تُوجَدْ فِي الْفَاضِلِ لِأَنَّهُ قَدْ خَلَفَ تِلْكَ الْمَزَايَا مَزَايَا أُخَرُ أَجَلُّ مِنْهَا

بِاللِّسَانِ وَأَنْ يُرِيدَ الذِّكْرَ بِالْقَلْبِ، فَإِنْ أَرَادَ الثَّانِيَ فَيَحْصُلُ بِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا قَالَهُ (وَ) مَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ (أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسَانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ) فَلْيُمْتَثَلْ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وَيُنْتَهَى عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ (وَمِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى اللَّهُمَّ) أَيْ يَا اللَّهُ (بِك) أَيْ بِقُدْرَتِك (نُصْبِحُ وَبِ) قُدْرَتِ (كَ نُمْسِي وَبِك نَحْيَا وَبِك نَمُوتُ وَتَقُولُ) زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ إنْ كُنْت (فِي الصَّبَاحِ وَإِلَيْك النُّشُورُ) أَيْ انْتِشَارُ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (وَ) إنْ كُنْت (فِي الْمَسَاءِ) قُلْت: بَدَلَ مَا زِدْته (وَإِلَيْك الْمَصِيرُ) وَهَذَا الْحَدِيثُ خَرَّجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعِ بِلَفْظِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَصْبَحَ قَالَ: اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا وَبِك أَمْسَيْنَا وَبِك نَحْيَا وَبِك نَمُوتُ وَإِلَيْك النُّشُورُ» . «وَإِذَا أَمْسَى قَالَ: اللَّهُمَّ بِك أَمْسَيْنَا وَبِك أَصْبَحْنَا وَبِك نَحْيَا وَبِك نَمُوتُ وَإِلَيْك الْمَصِيرُ» . (وَرُوِيَ) أَنَّهُ يَقُولُ: (مَعَ ذَلِكَ) الدُّعَاءَ الْمُتَقَدِّمَ فِي الصَّبَاحِ: (" اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَعْظَمِ عِبَادِك عِنْدَك حَظًّا وَنَصِيبًا فِي كُلِّ خَيْرٍ تَقْسِمُهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَفِيمَا بَعْدَهُ مِنْ نُورٍ) أَيْ هُدًى (تَهْدِي بِهِ أَوْ رَحْمَةٍ) بِمَعْنَى نِعْمَةٍ

[حاشية العدوي]

وَأَعْظَمُ وَالْكَثْرَةُ بِثَلَاثِمِائَةِ كُلِّ يَوْمٍ.
[قَوْلُهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الذِّكْرَ بِاللِّسَانِ] وَالذَّكِيُّ الْكَامِلُ مَا كَانَ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ أَيْ أَكْثَرُ ثَوَابًا.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ] أَيْ مَا قَالَهُ عُمَرُ.
[قَوْلُهُ: ذِكْرُ اللَّهِ] أَيْ ذِكْرُهُ بِالْقَلْبِ، وَقَوْلُهُ: عِنْدَ أَمْرِهِ أَيْ فَيَقِفُ عِنْدَ الْحُدُودِ إنْ رَأَى وَاجِبًا ذَكَرَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ فَفَعَلَهُ، وَإِنْ رَأَى مَحْظُورًا ذَكَرَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ فَاجْتَنَبَهُ، وَمَعْنَى ذَكَرَ اللَّهَ أَيْ ذَكَرَ ثَوَابَهُ وَعِقَابَهُ أَوْ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ ذَاتٌ مُتَّصِفَةٌ بِصِفَةِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَيَمْتَثِلُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: ذِكْرُ اللَّهِ ضَرْبَانِ ذِكْرٌ بِالْقَلْبِ وَذِكْرٌ بِاللِّسَانِ، وَذِكْرُ الْقَلْبِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ أَرْفَعُ الْأَذْكَارِ وَأَجَلُّهَا الْفِكْرُ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَجَبَرُوتِهِ وَآيَاتِهِ فِي سَمَائِهِ وَأَرْضِهِ، وَالثَّانِي ذِكْرُهُ بِالْقَلْبِ عِنْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَيَمْتَثِلُ مَا أَمَرَ بِهِ وَيَنْتَهِي عَمَّا نَهَى عَنْهُ وَيَقِفُ عَمَّا أُشْكِلَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا ذِكْرُ اللِّسَانِ مُجَرَّدًا فَهُوَ أَضْعَفُ الْأَذْكَارِ وَلَكِنْ فِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ.
[قَوْلُهُ: كُلَّمَا أَصْبَحَ] أَيْ دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ وَكُلَّمَا أَمْسَى أَيْ دَخَلَ فِي الْمَسَاءِ، وَأَصْبَحَ وَأَمْسَى هُنَا تَامَّانِ وَفِي الْإِتْيَانِ بِكُلَّمَا الْإِشَارَةُ إلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ.
[قَوْلُهُ: بِكَ] قَدَّمَ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ لِلِاخْتِصَاصِ.
[قَوْلُهُ: نُصْبِحُ إلَخْ] بِضَمِّ النُّونِ فِيهِمَا أَيْ بِك نَدْخُلُ فِي الصَّبَاحِ وَنَدْخُلُ فِي الْمَسَاءِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ انْتِشَارُ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ] أَيْ خُرُوجُ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مُنَاسِبًا لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لِأَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ لِلنُّشُورِ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ إحْيَاءُ الْمَوْتَى، وَالْمَعْنَى: وَنُشُورُهُمْ إلَيْك أَيْ مَشْيُهُمْ إلَى جَزَائِك.
[قَوْلُهُ: وَإِلَيْك الْمَصِيرُ] أَيْ وَإِلَيْك الرُّجُوعُ بِالْمَوْتِ، وَلَمَّا كَانَ الْإِيقَاظُ يُشْبِهُ حَالَةَ حَيَاةِ الْمَوْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحَالَةَ نَوْمِهِمْ تُشْبِهُ حَالَةَ مَوْتِهِمْ نَاسَبَ عِنْدَهُمَا تَذَكُّرُ مَا يُشْبِهُهُمَا الْحَامِلُ عَلَى الزُّهْدِ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَالرَّغْبَةِ فِي دَارِ الْقَرَارِ، وَلَيْسَ هُنَا اسْتِعَارَةٌ وَالدُّعَاءُ أَوْ الذِّكْرُ الْمَطْلُوبُ عِنْدَ الصَّبَاحِ يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، لَكِنَّ الْأَحْسَنَ فِعْلُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالْمَطْلُوبُ فِي الْمَسَاءِ الْأَحْسَنُ فِعْلُهُ عِنْدَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ أَوْ قُرْبِهِ بِيَسِيرٍ أَوْ بَعْدَهُ إلَى النَّوْمِ.
[قَوْلُهُ: أَصْحَابُ السُّنَنِ] أَيْ الْأَرْبَعَةُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَصَدَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى زَرُّوقٍ حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَخْرِيجِهِ إلَّا أَنَّهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي حَالَةِ الصَّبَاحِ قَدَّمَ الصَّبَاحَ عَلَى الْمَسَاءِ، وَفِي حَالَةِ الْمَسَاءِ قَدَّمَ الْمَسَاءَ عَلَى الصَّبَاحِ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فَقَدَّمَ الصَّبَاحَ فِي الْحَالَتَيْنِ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ ظُهُورَ أَثَرِ الْقُدْرَةِ فِيهِ أَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ أَعْظَمِ] أَيْ أَشْرَفِ [قَوْلُهُ: حَظًّا وَنَصِيبًا] هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ السَّعْدُ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: فِي كُلِّ خَيْرٍ] هُوَ النَّفْعُ الَّذِي لَا ضَرَرَ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: تَقْسِمُهُ] أَيْ تُهَيِّئُهُ وَتُحْضِرُهُ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَإِنَّمَا حَمَلْنَا الْقِسْمَةَ عَلَى التَّهْيِئَةِ وَالْحُضُورِ لِأَنَّ الْمَقْسُومَ فِي الْأَزَلِ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ نُورٍ] أَيْ هُدًى وَهُوَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ كَذَا فِيهِ أَيْضًا، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَنَقُولُ قَوْلُهُ مِنْ نُورٍ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ أَثَرِ نُورٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ خَلْقَ الْقُدْرَةِ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ قِسْمَةٌ إنَّمَا الْقِسْمَةُ تَتَعَلَّقُ

(تَنْشُرُهَا) أَيْ تُظْهِرُهَا (أَوْ رِزْقٍ) حَلَالٍ (تَبْسُطُهُ) أَيْ تُكْثِرُهُ (أَوْ ضُرٍّ تَكْشِفُهُ) أَيْ تُزِيلُهُ (أَوْ ذَنْبٍ) نَهَيْت أَنْتَ أَوْ رَسُولُك عَنْهُ (تَغْفِرُهُ) أَيْ تَسْتُرُهُ (أَوْ شِدَّةٍ) وَهِيَ مَا تُصِيبُ الْإِنْسَانَ مِنْ الْكُرَبِ وَالْأَحْزَانِ وَالْأَنْكَادِ وَضِيقِ الْعَيْشِ (تَرْفَعُهَا) أَيْ تُزِيلُهَا (أَوْ فِتْنَةٍ) وَهِيَ كُلُّ مَا يَشْغَلُ عَنْ اللَّهِ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ وَوَلَدٍ (تَصْرِفُهَا أَوْ مُعَافَاةٍ) أَيْ سَلَامَاتٌ (تَمُنُّ) أَيْ تَتَفَضَّلُ (بِهَا بِرَحْمَتِك) أَيْ بِإِرَادَتِك (إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَرُوِيَ أَنَّهُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ وَصَرَّحَ بِهِ ق، وَاَلَّذِي رَوَيْنَاهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَقَدْ يُقَالُ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ لِتَغْيِيرِهِ الْأُسْلُوبَ

«وَمِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ بَعْدَ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَقُولُ سِرًّا وَإِنْ جَهَرَ فَلَا حَرَجَ: اللَّهُمَّ بِاسْمِك» أَيْ بِك أَيْ بِقُدْرَتِك «وَضَعْت جَنْبِي وَبِاسْمِك أَرْفَعُهُ اللَّهُمَّ إنْ أَمْسَكْت» أَيْ قَبَضْت «نَفْسِي» قَبْضَ وَفَاةٍ «فَاغْفِرْ لَهَا» أَيْ فَاسْتُرْهَا «وَإِنْ أَرْسَلْتهَا» أَيْ رَدَدْتهَا إلَى جَسَدِهَا «فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِك اللَّهُمَّ إنِّي أَسْلَمْت نَفْسِي إلَيْك» إذْ لَا قُدْرَةَ لِي عَلَى تَدْبِيرِهَا «وَأَلْجَأْت» أَيْ

[حاشية العدوي]

بِمُتَعَلِّقَةِ، ثُمَّ إنَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ تُفَسَّرَ الْقُدْرَةُ بِسَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ لَا بِالْعَرْضِ الْمُقَارَنِ بِقَوْلِهِ تَهْدِي بِهِ إذْ لَوْ أُرِيدَ الْعَرْضُ الْمُقَارَنُ مَا صَحَّ، وَقَوْلُهُ: تَهْدِي بِهِ أَيْ تُوصِلُ بِهِ إلَى الْخَيْرِ، وَأَرَادَ بِهِ الطَّاعَاتِ لَا بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ الشَّامِلِ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى نِعْمَةٍ] أَيْ مُنْعِمٌ بِهِ لَا بِمَعْنَى الْإِنْعَامِ كَجَاهٍ يُصْرَفُ فِي طَاعَةِ الْمَوْلَى وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الرِّزْقِ الْحَلَالِ وَإِنْ كَانَ مِنْهَا لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: حَلَالٌ إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْعُو بِالرِّزْقِ الْحَرَامِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ، وَأَخَذَ مِنْهُ أَنَّ الْغِنَى أَفْضَلُ مِنْ الْفَقْرِ كَذَا فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ ضُرٍّ] هُوَ كُلُّ مَا يُصِيبُ الْإِنْسَانَ مِنْ الْأَمْرَاضِ، وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ ضُرٍّ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَى نُورٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْخَيْرِ إلَّا مِنْ حَيْثُ زَوَالِهَا أَيْ فَزَوَالُهَا هُوَ الْخَيْرُ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الشَّفَقَةِ لِأُمَّتِهِ وَإِلَّا فَهُوَ مَعْصُومٌ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْكَرْبِ] هُوَ أَشَقُّ الْأُمُورِ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَقَوْلُهُ: وَالْأَحْزَانُ جَمْعُ حُزْنٍ غَمٌّ لِمَا مَضَى، وَقَوْلُهُ: وَالْأَنْكَادُ جَمْعُ نَكَدٍ وَهُوَ تَعَسُّرُ الشَّيْءِ عَلَى الْإِنْسَانِ، فَضِيقُ الْعَيْشِ مِنْ أَفْرَادِهِ.
[قَوْلُهُ: تَصْرِفُهَا] أَيْ تَصْرِفُ الْأَشْغَالَ بِهَا أَيْ تُزِيلُهُ لَا أَنَّهُ يُزِيلُهَا بِحَيْثُ يَمُوتُ وَلَدُهُ وَيَذْهَبُ مَالُهُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ بِإِرَادَتِك] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَفَسَّرْنَا الرَّحْمَةَ بِالْإِرَادَةِ لِأَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَيْهَا كَمَا تُطْلَقُ عَلَى النِّعْمَةِ وَالنِّعْمَةُ تُطْلَقُ مُرَادًا بِهَا الْإِنْعَامُ وَالْمُنْعَمُ بِهِ، وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَكَذَا الْأَوَّلُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: لِتَغْيِيرِهِ الْأُسْلُوبَ] أَيْ الطَّرِيقَةُ لِأَنَّهُ قَالَ وَرُوِيَ.

[قَوْلُهُ: عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ] قَدَّرَ الْإِرَادَةَ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَصِحُّ إبْقَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ [قَوْلُهُ: إنَّهُ كَانَ يَضَعُ] مُسَامَحَةً وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الدُّعَاءِ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ] وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ فِي الْجِهَةِ الْيُسْرَى، فَإِذَا نَامَ عَلَى الْأَيْمَنِ يَكُونُ الْقَلْبُ مُعَلَّقًا فَيَسْتَيْقِظَ قَرِيبًا بِخِلَافِ النَّوْمِ عَلَى الْأَيْسَرِ فَلَا يَتَعَلَّقُ فَيَسْتَرِيحُ فَيَسْتَغْرِقُ فِي النَّوْمِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا حَرَجَ] أَيْ فَلَا حُرْمَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى.
[قَوْلُهُ: أَيْ بِقُدْرَتِك] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفَ مُضَافَيْنِ، أَيْ بِصِفَةِ مَدْلُولِ اسْمِك أَيْ الْأَعْظَمِ أَيْ الَّذِي هُوَ اللَّهُ، وَإِنْ احْتَمَلَ غَيْرَهُ أَيْ الَّتِي هِيَ الْقُدْرَةُ فَالْمُرَادُ صِفَةٌ خَاصَّةٌ.
[قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ إنْ أَمْسَكْت إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الرُّوحَ تَخْرُجُ مِنْ الْبَدَنِ عِنْدَ النَّوْمِ وَتَعُودُ إلَيْهِ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ كَذَا قَالَ بَعْضٌ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الرُّوحَ وَاحِدَةٌ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِبَقَاءِ الْجَسَدِ، حَيًّا فِي حَالَةِ النَّوْمِ وَلَوْ خَرَجَتْ لَمْ يَبْقَ الْجِسْمُ حَيًّا.
قَالَ الشَّيْخُ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْخُرُوجَ فِي حَالَةِ النَّوْمِ لَيْسَ حَقِيقِيًّا بَلْ الْمُرَادُ بِهِ زَوَالُ إدْرَاكِهَا مَعَ بَقَائِهَا فِي الْجَسَدِ، قُلْت: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الْخُرُوجَ فِي حَالِ النَّوْمِ حَقِيقِيٌّ إلَّا أَنَّهُ هُنَاكَ ارْتِبَاطٌ مَعْنَوِيٌّ يَقُومُ مَقَامَ وُجُودِ الرُّوحِ فِي الْجَسَدِ.
[قَوْلُهُ: بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالِحِينَ] أَيْ بِتَوْفِيقٍ وَدَفْعِ مَكَارِهَ دُنْيَوِيَّةٍ [قَوْلُهُ: إذْ لَا قُدْرَةَ لِي عَلَى تَدْبِيرِهَا] التَّدْبِيرُ هُوَ النَّظَرُ فِي عَوَاقِبِ

أَسْنَدْت «ظَهْرِي إلَيْك» مَعْنًى لَا حِسًّا لِتُقَوِّيَنِي وَتُعِينَنِي عَلَى مَا يَنْفَعُنِي وَتَدْفَعَ عَنِّي مَا يَضُرُّنِي «وَفَوَّضْت» أَيْ وَكَّلْت «أَمْرِي إلَيْك» تَفْعَلُ بِي مَا تُرِيدُ «وَوَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك رَهْبَةً» أَيْ خَوْفًا «مِنْك وَرَغْبَةً إلَيْك» أَيْ طَمَعًا فِي رَحْمَتِك «لَا مَنْجَى» أَيْ لَا مَهْرَبَ «وَلَا مَلْجَأَ» أَيْ لَا مَرْجِعَ «مِنْك إلَّا إلَيْك أَسْتَغْفِرُك» أَيْ أَطْلُبُ مِنْك مَغْفِرَتَك وَهِيَ سَتْرُ الذُّنُوبِ «وَأَتُوبُ» أَيْ أَرْجِعُ «إلَيْك» مِنْ أَفْعَالٍ مَذْمُومَةٍ إلَى أَفْعَالٍ مَحْمُودَةٍ «آمَنْت» أَيْ صَدَّقْت «بِكِتَابِك» أَيْ الْقُرْآنُ «الَّذِي أَنْزَلْته» عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَ» آمَنْت أَيْ صَدَّقْت «بِرَسُولِك» وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحِ وَنَبِيِّك «الَّذِي أَرْسَلْت فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت» مِنْ الذُّنُوبِ «وَمَا أَخَّرْت» مِنْ التَّوْبَةِ «وَمَا أَسْرَرْت» أَيْ الَّذِي عَمِلْته سِرًّا «وَمَا أَعْلَنْت» جَهْرًا «أَنْتَ إلَهِي لَا إلَهَ» مَعْبُودٌ «إلَّا أَنْتَ» يَا «رَبِّ قِنِي عَذَابَك» أَيْ نَجِّنِي مِنْهُ «يَوْمَ تَبْعَثُ» أَيْ تَنْشُرُ «عِبَادَك»

(وَمِمَّا رُوِيَ) فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ (عَنْ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ: «اللَّهُمَّ إنِّي

[حاشية العدوي]

الْأُمُورِ.
[قَوْلُهُ: مَعْنًى] أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الْإِسْنَادِ مَعْنَوِيًّا أَوْ إسْنَادَ مَعْنًى وَلَا حَاجَةَ بِذَلِكَ إذْ يُجْعَلُ قَوْلُهُ وَأَسْنَدْت ظَهْرِي كِنَايَةً عَنْ شِدَّةِ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَفَوَّضْت إلَخْ] تَكْرَارٌ لِأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَهَا فَوَّضَهَا، وَإِذَا فَوَّضَهَا أَسْلَمَهَا وَالتَّكْرَارُ فِي الدُّعَاءِ مَطْلُوبٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ وَأَسْنَدْت ظَهْرِي إلَيْك أَيْ وَجَّهْت نَفْسِي إلَيْك إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ: إذْ لَا قُدْرَةَ لِي عَلَى تَدْبِيرِهَا مَعَ قَوْلِهِ تَفْعَلُ بِي مَا تُرِيدُ مَا يُوجِبُ تَنَاقُضًا فِي الدُّعَاءِ وَذَلِكَ أَنَّهُ الْتَفَتَ فِي قَوْلِهِ إنِّي أَسْلَمْت نَفْسِي إلَيْك إلَى كَوْنِ الْمَوْلَى يَفْعَلُ بِهِ مَا بِهِ صَلَاحُهُ، وَالْتَفَتَ فِي هَذَا إلَى كَوْنِ الْمَوْلَى يَفْعَلُ بِهِ مَا يُرِيدُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ صَلَاحُهُ، وَخَصَّ الْوَجْهَ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ الْجَسَدِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ وَكَلْت] بِتَخْفِيفِ الْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ [قَوْلُهُ: رَهْبَةً] مُؤَوَّلَةٌ بِاسْمِ الْفَاعِلِ أَيْ رَاهِبًا وَكَذَا فِيمَا بَعْدُ أَوْ فِي حَالِ كَوْنِي ذَا رَهْبَةٍ، وَذَا خَوْفٍ يَتَعَلَّقُ بِالْعَوَامِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَقَدَّمَ الْخَوْفَ عَلَى الرَّهْبَةِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ الْخَوْفِ فِي الصِّحَّةِ.
[قَوْلُهُ: رِفْدُك] أَيْ عَطَائُكَ.
[قَوْلُهُ: لَا مَنْجَى] أَيْ لَا مَهْرَبَ بِالْقَصْرِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ.
[قَوْلُهُ: وَلَا مَلْجَأَ] بِالْهَمْزِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ لَا مَرْجِعَ مِنْك] حَاصِلُهُ الْمَهْرَبُ، وَالْمَرْجِعُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ وَالتَّقْدِيرُ لَا هُرُوبَ وَلَا رُجُوعَ مِنْك إلَّا إلَيْك، وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّنَا لَوْ هَرَبْنَا مِنْك وَرَجَعْنَا مِنْ عِنْدِك بِحَيْثُ نَظَرْنَا إلَى غَيْرِكَ نَرْجِعُ إلَيْك لِأَنَّنَا لَمْ نَجِدْ مِنْهُ إغَاثَةً.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ سِتْرُ الذُّنُوبِ] تَقَدَّمَ مَا فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَأَتُوبُ] أَيْ فِي الْحَالِ [قَوْلُهُ: إلَى أَفْعَالٍ مَحْمُودَةٍ] إمَّا فِعْلًا أَوْ تَرْكًا، فَالْأَوَّلُ كَمَنْ كَانَ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ فَتَابَ مِنْهُ فَإِنَّهُ قَدْ رَجَعَ مِنْ فِعْلٍ مَذْمُومٍ وَهُوَ التَّرْكُ إلَى فِعْلٍ مَحْمُودٍ وَهُوَ الْفِعْلُ، وَالثَّانِي كَمَنْ وَقَعَ مِنْهُ الزِّنَا وَتَابَ مِنْهُ فَقَدْ رَجَعَ مِنْ فِعْلٍ مَذْمُومٍ وَهُوَ الزِّنَا إلَى فِعْلٍ مَحْمُودٍ وَهُوَ التَّرْكُ، وَنُمْسِكُ عَنَانَ الْقَلَمِ وَقَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحِ أَيْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: نَبِيِّك، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَرَدَ أَيْضًا بِلَفْظِ وَرَسُولِك وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ، يَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَقُولَ: وَنَبِيِّك وَرَسُولِك احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ مَنَعَ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى فِي الدُّعَاءِ لِأَنَّ الْأَذْكَارَ وَالْأَدْعِيَةَ تَوْقِيفِيَّةٌ.
[قَوْلُهُ: مِنْ التَّوْبَةِ] وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ التَّوْبَةِ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ فِي الْعَقِيدَةِ فَرَاجِعْهُ [قَوْلُهُ: جَهْرًا] أَيْ مَا عَمِلْته جَهْرًا أَحَالَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَيْ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْغَيْرُ.
[قَوْلُهُ: مَعْبُودٌ.
. . إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ إلَهَ مَعْنَاهُ مَعْبُودٌ أَيْ بِحَقٍّ، وَكَانَ الْأَوْلَى زِيَادَتَهُ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ لَا مَعْبُودَ أَيْ مَوْجُودَ إلَّا اللَّهُ.
[قَوْلُهُ: أَنْ تَنْشُرَ عِبَادَك] أَيْ تُحْيِيَ عِبَادَك.

[قَوْلُهُ: عِنْدَ الْخُرُوجِ] أَيْ فَيُنْدَبُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَقُولَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْمَنْزِلِ] لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ مِثْلُهُ مَا إذَا خَرَجَ مِنْ فُنْدُقِهِ، قَالَ عج: وَانْظُرْ هَلْ يَدْخُلُ فِيمَا أَشْبَهَهُ الْمَسْجِدُ، وَظَاهِرُهُ كَانَ الْخُرُوجُ لِسَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ بَلْ هُوَ لِلسَّفَرِ أَشَدُّ طَلَبًا، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَقُولُهُ كُلَّمَا خَرَجَ وَلَوْ تَكَرَّرَ خُرُوجُهُ لِأَنَّ الْإِكْثَارَ مِنْ الدُّعَاءِ مَنْدُوبٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي أَبِي دَاوُد بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: «إذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ

أَعُوذُ» أَيْ أَتَحَصَّنُ «بِك أَنْ أَضِلَّ» أَيْ أَنْفَكَّ عَنْ الْحَقِّ «أَوْ أُضَلَّ» أَيْ يُضِلَّنِي غَيْرِي عَنْهُ «أَوْ أَزِلَّ» أَيْ أَزِيغَ عَنْ الْحَقِّ «أَوْ أُزَلَّ» أَيْ يُزِيغَنِي غَيْرِي عَنْهُ «أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ» أَيْ سَلِّمْنِي أَنْ أَظْلِمَ أَحَدًا أَوْ يَظْلِمَنِي أَحَدٌ «أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» أَيْ سَلِّمْنِي أَنْ أَسَفَهُ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يُسْفِهَ عَلَيَّ أَحَدٌ

(وَرُوِيَ) «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» «فِي دُبُرِ» بِضَمِّ الدَّالِ بِمَعْنَى عَقِبِ «كُلِّ صَلَاةٍ» مَكْتُوبَةٍ «أَنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ» تَعَالَى «ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيَحْمَدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيُكَبِّرَ اللَّه ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيَخْتِمَ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» كَذَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بِتَقْدِيمِ التَّكْبِيرِ عَلَى التَّحْمِيدِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي التَّهْلِيلِ: يُحْيِي وَيُمِيتُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الذِّكْرِ فِي بَابِ صِفَةِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُرَاجَعْ.

(وَ) مِمَّا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الذِّكْرِ (عِنْدَ) الْخُرُوجِ مِنْ (الْخَلَاءِ) بِالْمَدِّ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْمُعَدُّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ أَنَّك (تَقُولُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي لَذَّتَهُ) أَيْ الطَّعَامِ الْمَفْهُومُ مِنْ السِّيَاقِ عِنْدَ أَكْلِهِ (وَأَخْرَجَ عَنِّي مَشَقَّتَهُ) أَيْ مَا أَتَأَذَّى بِهِ (وَأَبْقَى فِي جِسْمِي قُوَّتَهُ) أَيْ مَا أَنْتَفِعُ بِهِ.
د: وَهَذَا الْحَدِيثُ أَظُنُّهُ فِي الْمَرَاسِيلِ.
ك: وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي مِنْ الْبَلَاءِ» . وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ دُعَاءَ الدُّخُولِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك

[حاشية العدوي]

احْتَوَشَتْهُ الشَّيَاطِينُ فَإِذَا قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ قَالَ الْمَلَكُ: كُفِيتَ وَهُدِيت وَوُقِيت فَتُفَرَّقُ عَنْهُ الشَّيَاطِينُ وَيَقُولُونَ مَا تَصْنَعُونَ بِرَجُلٍ كُفِيَ وَهُدِيَ وَوُقِيَ» وَفِي رِوَايَةٍ يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثَةً وَنُدِبَ أَنْ يَتَصَدَّقَ وَلَوْ بِالْقَلِيلِ عِنْدَ خُرُوجِهِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ أَضِلَّ] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ أَنْفَكَّ عَنْ الْحَقِّ، أَيْ بِنَفْسِي لِلْعَطْفِ الَّذِي بَعْدَهُ وَقَوْلُهُ: أَوْ أُضَلَّ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ أَزِلَّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَأُزَلُّ بِضَمِّهَا.
قَالَ عج: وَالزَّلَلُ مَا يَقَعُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَالْإِضْلَالُ التَّمَادِي عَلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ الزَّلَلُ مَا يَقَعُ فِيهِ الْإِنْسَانُ بِالْأَقْوَالِ وَالْإِضْلَالُ بِالْأَفْعَالِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ أَظْلِمَ] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَقَوْلُهُ: أَوْ أُظْلَمَ بِضَمِّهَا وَقَوْلُهُ أَوْ أَجْهَلَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَقَوْلُهُ أَوْ يُجْهَلَ بِضَمِّ الْيَاءِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ سَلِّمْنِي.
. . إلَخْ] قَضِيَّةُ هَذَا التَّفْسِيرِ أَنْ يَكُونَ الْجَهْلُ أَخَصَّ مِنْ الظُّلْمِ، وَقِيلَ: الظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ عَمْدًا وَالْجَهْلُ وَضْعُهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
.

[قَوْلُهُ: بِضَمِّ الدَّالِ] أَيْ وَالْبَاءُ.
[قَوْلُهُ: مَكْتُوبَةٌ] أَيْ مَفْرُوضَةٌ، تَنْبِيهٌ: هَذَا مِنْ بَابِ الذِّكْرِ لَا مِنْ بَابِ الدُّعَاءِ الَّذِي كَلَامُهُ فِيهِ، فَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ] فَإِذَا حَصَلَ لِلْإِنْسَانِ الشَّكُّ فِي الْعَدَدِ فَيَحْتَاطُ وَيُكْمِلُ وَتَكْرَهُ الزِّيَادَةُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْعَدَدِ.
[قَوْلُهُ: وَيُكَبِّرَ اللَّهَ.
. . إلَخْ] وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ التَّكْبِيرَ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَاطَ بِثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً وَمِثْلِهَا تَحْمِيدَاتٍ، وَبِأَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ بِأَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يَذْكُرْ.
. . إلَخْ] لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ اعْتِرَاضًا وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
.

[قَوْلُهُ: الْخَلَاءُ] بِالْمَدِّ سُمِّيَ بِالْخَلَاءِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ فِيهِ خَالِيًا عَنْ النَّاسِ [قَوْلُهُ: عِنْدَ أَكْلِهِ] أَيْ لَذَّتِهِ عِنْدَ أَكْلِهِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنْ لَا يَقُولَ ذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مَا أَتَأَذَّى بِهِ] وَهُوَ الْغَائِطُ أَيْ فَعَبَّرَ عَنْ الْغَائِطِ بِالْمَشَقَّةِ لِأَنَّهَا تَنْشَأُ عَنْ بَقَائِهِ، وَيَصِحُّ أَنْ تَبْقَى الْعِبَارَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا وَالْمَعْنَى أَذْهِبْ عَنِّي مَشَقَّةَ بَقَائِهِ [قَوْلُهُ: أَيْ مَا أَنْتَفِعُ بِهِ] لِأَنَّ الْعُرُوقَ تَتَغَذَّى مِنْ ذَلِكَ فَتَقْوَى أَعْضَاؤُهُ عَلَى الطَّاعَاتِ، فَظَهَرَ أَنَّ فِي إطْلَاقِ الْقُوَّةِ عَلَى مَا يَجْرِي فِي الْعُرُوقِ مَجَازًا مِنْ إطْلَاقِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ.
[قَوْلُهُ: أَظُنُّهُ فِي الْمَرَاسِيلِ] إمَّا مَرَاسِيلُ أَبِي دَاوُد أَوْ مُطْلَقُ مَرَاسِيلَ جَمْعُ مُرْسَلٍ وَهُوَ مَرْفُوعُ التَّابِعِيِّ، وَاعْتَرَضَ عج قَوْلَ زَرُّوقٍ فَقَالَ: وَانْظُرْ قَوْلَ د: أَظُنُّهُ فِي الْمَرَاسِيلِ وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [قَوْلُهُ: الْأَذَى] وَهُوَ الْفَضْلَةُ، وَقَوْلُهُ: مِنْ الْبَلَاءِ أَيْ الْمَرَضُ الَّذِي يَنْشَأُ بِبَقَائِهَا فِي الْجِسْمِ.
[قَوْلُهُ: إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ] أَيْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْخُبُثِ] الْخُبُثُ بِضَمِّ

مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ»

. (وَتَتَعَوَّذُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ تَخَافُهُ) مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ وَحَيَوَانٍ (وَعِنْدَمَا تَحِلُّ بِمَوْضِعٍ أَوْ تَجْلِسُ بِمَكَانٍ أَوْ تَنَامُ فِيهِ تَقُولُ: أَعُوذ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ) أَيْ الْقُرْآنِ (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ التَّعَوُّذِ أَنْ تَقُولَ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ) أَيْ ذَاتِهِ الْكَرِيمَةُ (وَبِكَلِمَاتِهِ) أَيْ اللَّهِ (التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُحَاوِزُهُنَّ) أَيْ لَا يَبْلُغُ مَنْ تَحَصَّنَ بِهِنَّ (بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ) أَيْ مَكْرُوهُ بَرٍّ وَلَا مَكْرُوهُ فَاجِرٍ (وَ) أَعُوذُ (بِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى) وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ الْمَعَانِي الْحَسَنَةِ مِنْ تَحْمِيدٍ وَتَشْرِيفٍ (كُلُّهَا) تَأْكِيدٌ وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ: (مَا عَلِمْت مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ) أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى أَكْثَرُ مِنْ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ وَهُوَ كَذَلِكَ وَقَوْلُهُ: (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ) أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ (وَ) أَعُوذُ بِاَللَّهِ (مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ) كَالصَّوَاعِقِ فَتُصِيبُ أَهْلَ الْأَرْضِ (وَ) أَعُوذُ بِك (مِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا) أَيْ يَصْعَدُ فِي السَّمَاءِ مِمَّا هُوَ سَبَبٌ لِنُزُولِ الْبَلَاءِ وَهُوَ سَيِّئِ الْأَعْمَالِ (وَ) أَعُوذُ بِك (مِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ) أَيْ خَلَقَ (فِي الْأَرْضِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) مِمَّا لَهُ شَرٌّ

[حاشية العدوي]

الْخَاءِ وَالْبَاءِ جَمْعُ خَبِيثٍ وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ، اسْتَعَاذَ مِنْ ذُكْرَانِ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثِهِمْ كَذَا فِي التَّحْقِيقِ، وَفِي تت: الْخُبْثُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِهَا.

[قَوْلُهُ: وَيَتَعَوَّذُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ] يُحْتَمَلُ عِنْدَ الْخَلَاءِ وَيُحْتَمَلُ فِي كُلِّ مَكَان.
[قَوْلُهُ: أَوْ تَجْلِسُ بِمَكَانٍ] مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
[قَوْلُهُ: تَقُولُ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ] أَيْ ثَلَاثًا كَمَا فِي مُسْلِمٍ فَإِنَّك إنْ قُلْت ذَلِكَ عِنْدَ الْمَسَاءِ وَلَوْ لَدَغَتْك عَقْرَبٌ أَوْ غَيْرُهَا لَمْ تَضُرَّ لَدْغَتُهَا كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَرَدَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا قَالَهَا مُسَافِرٌ عِنْدَ نُزُولِهِ لَمْ يَزَلْ مَحْفُوظًا حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» ، وَمَعْنَى التَّامَّاتِ الْبَالِغَةُ الْغَايَةَ فِي الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُعْجِزُ الْبَشَرِ، وَقِيلَ: جَمِيعُ مَا أَنْزَلَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَمَعْنَى التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يَعْتَرِيهَا نَقْصٌ وَلَا بَاطِلٌ، وَلَعَلَّ الظَّاهِرَ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ الْقُرْآنِ بِالْكَلِمَاتِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ سِرًّا عَظِيمًا.
[قَوْلُهُ: مِنْ التَّعَوُّذِ] أَيْ صِفَتِهِ الْوَارِدَةِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ لَا يَبْلُغُ.
. . إلَخْ] وَعِبَارَةٌ أُخْرَى لَا يَتَعَدَّاهُنَّ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
[قَوْلُهُ: بَرٌّ] الْبَرُّ الْمُحْسِنُ الْمُطْمِعُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْفَاجِرُ ضِدُّهُ قَالَهُ عج، أَيْ وَوُقُوعُ الْمَكْرُوهِ مِنْ الْبَرِّ مُمْكِنٌ.
[قَوْلُهُ: لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ الْمَعَانِي الْحَسَنَةِ] أَيْ لِمَا اسْتَلْزَمَتْهُ مِنْ مَعَانِي حَسَنَةٍ لَا أَنَّهَا مَعَانِيهَا الْمَدْلُولَةَ لَهَا، مَثَلًا: وَهَّابٌ مَعْنَاهُ كَثِيرُ الْهِبَةِ وَهَذَا مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى هُوَ كَثْرَةُ حَمْدِ الْحَامِدِينَ وَتَعْظِيمِ الْمُعَلِّمِينَ.
[قَوْلُهُ: أَكْثَرُ مِنْ التِّسْعَةِ] قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: لِلَّهِ أَلْفُ اسْمٍ ثَلَاثُمِائَةٍ فِي التَّوْرَاةِ وَثَلَاثُمِائَةٍ فِي الزَّبُورِ وَثَلَاثُمِائَةٍ فِي الْإِنْجِيلِ، وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فِي الْقُرْآنِ وَوَاحِدٌ فِي صُحُفِ إبْرَاهِيمَ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ] مَعْنَاهَا الْإِيجَادُ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ، وَلَعَلَّهُ ذَكَرَهَا كُلَّهَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى اتِّحَادِ مَعْنَاهَا.
[قَوْلُهُ: كَالصَّوَاعِقِ] جَمْعُ صَاعِقَةٍ وَهِيَ الرَّعْدُ الَّذِي مَعَهُ نَارٌ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُهُ مِنْ السَّمَاءِ أَيْ مِنْ جِهَةِ السَّمَاءِ لِيَشْمَلَ مَا نَزَلَ مِنْ تَحْتِهَا كَمَا ذُكِرَ، وَأَدْخَلْت الْكَافُ مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْعَذَابِ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَيُصِيبُهُمْ.
[قَوْلُهُ: فِي السَّمَاءِ] أَرَادَ بِهَا حَقِيقَتَهَا [قَوْلُهُ: وَهُوَ سَيِّئُ الْأَعْمَالِ] أَيْ السَّيِّئُ مِنْ الْأَعْمَالِ أَيْ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ مُطْلَقًا سَيِّئَةٌ أَوْ حَسَنَةٌ يُعْرَجُ بِهَا إلَى الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ فِي نُزُولِ الْبَلَاءِ إنَّمَا هُوَ السَّيِّئُ، فَقَدْ وَرَدَ مَرْفُوعًا «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ» وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا وَرَدَ مِنْ «أَنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالِاثْنَيْنِ» قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: لِاحْتِمَالِ عَرْضِ الْأَعْمَالِ عَلَيْهِ تَعَالَى كُلَّ يَوْمٍ ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ كُلَّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَعْمَالُ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ فَتُعْرَضُ عَرْضًا بَعْدَ عَرْضٍ، وَلِكُلِّ عَرْضٍ حِكْمَةٌ يَسْتَأْثِرُ بِهَا مَعَ أَنَّهَا لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ خَافِيَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ.
. . إلَخْ] كَذَا فِيمَا رَأَيْت مِنْ النُّسَخِ وَنُسْخَةُ التَّحْقِيقِ، وَأَعُوذُ بِاَللَّهِ.
. . إلَخْ فَلَا الْتِفَاتَ وَيَأْتِي عَلَى كَلَامِ شَارِحِنَا الْتِفَاتٌ حَيْثُ أَتَى بِضَمِيرِ غَيْبَةٍ بَدَلَ كَافٍ الْخِطَابِ حَيْثُ قَالَ: «وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ» ، إنْ قَرَأْته بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ خَلَقَ فِي الْأَرْضِ] أَيْ خَلَقَ عَلَى وَجْهِهَا، وَقَوْلُهُ: وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَيْ مِمَّا خُلِقَ فِي بَطْنِهَا، وَقَوْلُهُ: وَأَذِيَّةٌ عَطْفُ تَفْسِيرٍ

وَإِذَايَةٌ كَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ (وَمِنْ فِتْنَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أَيْ الْفِتْنَةُ الْوَاقِعَةُ فِيهِمَا (وَ) أَعُوذُ بِك (مِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ) الطَّارِقُ مَا يَأْتِي بَغْتَةً (وَيُقَالُ فِي ذَلِكَ) أَيْ التَّعَوُّذِ (أَيْضًا وَ) أَعُوذُ بِاَللَّهِ (مِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ) الْمُرَادُ بِهَا هُنَا كُلُّ مَا اتَّصَفَ بِالدَّبِيبِ وَهُوَ الْمَشْيُ (إنَّ رَبِّي) أَيْ سَيِّدِي وَخَالِقِي (آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) وَهُوَ مُقَدِّمُ الرَّأْسِ، وَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ بِمَعْنَى الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ (إنَّ رَبِّي) أَيْ أَمْرَهُ (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) مَعْنَاهُ أَنَّ تَصَرُّفَهُ لَا نَقْصَ فِيهِ وَلَا قُصُورَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الشَّيْخُ هَلْ هَذَا التَّعَوُّذُ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَمْ لَا، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْأَصْلِ مَا قِيلَ فِيهِ (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ) مَثَلًا (أَنْ يَقُولَ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ إنْ كَانَ ثَمَّ أَحَدٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ كَانَ حِرْزًا لِمَنْزِلِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: 39]

(وَيُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ وَقِيلَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (الْعَمَلُ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ

[حاشية العدوي]

[قَوْلُهُ: أَيْ الْفِتَنُ الْوَاقِعَةُ.
. . إلَخْ] أَيْ فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمَظْرُوفِ إلَى الظَّرْفِ أَيْ الْمِحَنُ وَالِابْتِلَاءَاتُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ.
. . إلَخْ] أَيْ حَوَادِثُهُ الَّتِي تَأْتِي لَيْلًا.
[قَوْلُهُ: إلَّا طَارِقًا] اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ، وَقَوْلُهُ: الطَّارِقُ مَا يَأْتِي بَغْتَةً أَيْ لَيْلًا هَكَذَا يُسْتَفَادُ مِنْ شَارِحِ الْمُوَطَّأِ، وَعِبَارَةُ التَّحْقِيقِ تُؤْذِنُ بِالْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَتَرْجِيحُ الْعُمُومِ أَيْ أَنَّ الطَّارِقَ مَا يَأْتِي بَغْتَةً مُطْلَقًا، وَإِذَا عَلِمْت أَنَّ الطَّارِقَ مَا يَأْتِي بَغْتَةً فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَنُكْتَتُهُ لِكَوْنِهِ الْفَرْدَ الْأَشَقَّ وَيُمْكِنُ تَخْصِيصُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِمَا أَفَادَهُ ق مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِتْنَةِ هُنَا الْمَيْلُ عَنْ الْحَقِّ وَالِاشْتِغَالُ عَنْ اللَّهِ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ، [قَوْلُهُ: يَطْرُقُ] بِضَمِّ الرَّاءِ.
[قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِهَا هُنَا] إنَّمَا عَبَّرَ بِالْمُرَادِ؛ لِأَنَّهَا فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ ذَاتُ الْحَوَافِرِ أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ سَيِّدِي وَخَالِقِي.
. . إلَخْ] إشَارَةٌ إلَى قَوْلَيْنِ فِي مَعْنَى الرَّبِّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْمُصْلِحُ وَقِيلَ الْمَعْبُودُ وَقِيلَ الْمَالِكُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مُقَدِّمُ الرَّأْسِ.
. . إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ النَّاصِيَةَ كَمَا قَالَ الْأَزْهَرِيُّ عِنْدَ الْعَرَبِ مَنْبَتُ الشَّعْرِ فِي مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، وَيُسَمَّى الشَّعْرُ النَّابِتُ هُنَاكَ نَاصِيَةً بِاسْمِ مَنْبَتِهِ.
[قَوْلُهُ: وَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ] أَيْ مَجَازٌ مُرْسَلٌ لَا حَقِيقَةُ الِاسْتِعَارَةِ، وَبَيَانُ كَوْنِهِ مَجَازًا مُرْسَلًا أَنَّ الْقَهْرَ وَالْغَلَبَةَ يُلْزِمَانِ الْأَخْذَ بِالنَّاصِيَةِ وَلَمْ يُجْعَلْ عَلَى حَقِيقَتِهِ لِاسْتِحَالَتِهِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ بَعْضِ النُّقُولِ أَنَّ الْقَهْرَ مُرَادِفٌ لِلْغَلَبَةِ [قَوْلُهُ: مَعْنَاهُ أَنَّ تَصَرُّفَهُ] أَيْ فَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ التَّصَرُّفُ، وَاسْتُعِيرَ الصِّرَاطُ لِلْحَالَةِ أَيْ أَنَّ تَصَرُّفَ رَبِّي عَلَى وَجْهٍ مُسْتَقِيمٍ أَيْ لَيْسَ فِيهِ نَقْصٌ وَلَا قُصُورٌ، وَالْعَطْفُ فِيهِ مِنْ عَطْفِ اللَّازِمِ أَوْ الْمُسَاوِي وَالْخَطْبُ سَهْلٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يُبَيِّنْ الشَّيْخُ هَلْ هَذَا] أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ مِنْ التَّعَوُّذِ أَنْ يَقُولَ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْأَصْلِ مَا قِيلَ فِيهِ] بَيَّنَهُ فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ: تَنْبِيهٌ لَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ هَلْ هَذَا التَّعَوُّذُ حَدِيثٌ أَوْ لَا.
وَقَالَ ع: إنَّهُ حَدِيثٌ عَلَّمَهُ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَتَبِعَهُ عِفْرِيتٌ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ إلَى آخِرِهِ، قُلْت: لَيْسَ كُلُّهُ حَدِيثُ الْعِفْرِيتِ بَلْ حَدِيثَانِ أَحَدُهُمَا مَرْفُوعٌ وَالْآخَرُ مَوْقُوفٌ أُدْخِلَ بَعْضُهُمَا فِي بَعْضٍ وَزَادَ فِيهِ بَعْضَ أَلْفَاظٍ يُعْلَمُ ذَلِكَ بِسَوْقِ مَا فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ فِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: «أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَأَى عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ يَطْلُبُهُ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ كُلَّمَا الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَآهُ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَفَلَا أُعَلِّمُك كَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ إذَا قُلْتهنَّ طَفِئَتْ شُعْلَتُهُ وَخَرَّ لِفِيهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلَى فَقَالَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: قُلْ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَشَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَشَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ وَشَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمِنْ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ» . [قَوْلُهُ: مَنْزِلُهُ مَثَلًا] أَيْ أَوْ حَانُوتُهُ أَوْ بُسْتَانُهُ.
[قَوْلُهُ: مَا شَاءَ] أَيْ مَا شَاءَهُ يَكُونُ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ] أَيْ سُنَّةٌ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَحَدٌ يَقُولُ] أَيْ نَدْبًا.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ] هُمْ الْمُؤْمِنُونَ إنْسًا وَجِنًّا وَمَلَكًا.
[قَوْلُهُ: جَنَّتَك] أَيْ بُسْتَانُك.

[قَوْلُهُ: وَقِيلَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ سَوَاءٌ كَانَ بِأَجْرٍ أَمْ لَا، وَاسْتَحَقَّ كَتْبَ الْوَثِيقَةِ إنْ خَفَّ انْتَهَى، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ لَا يَمْنَعُ مُصَلِّيًا وَلَا يُقَذِّرُهُ، وَأَمَّا مَا يُقَذِّرُهُ

خِيَاطَةٍ وَنَحْوِهَا وَلَا يَغْسِلُ يَدَيْهِ فِيهِ) فَإِنْ كَانَتْ فِيهَا نَجَاسَةٌ حَرُمَ وَإِلَّا كُرِهَ (وَ) كَذَا (لَا يَأْكُلُ فِيهِ إلَّا مِثْلَ الشَّيْءِ الْخَفِيفِ) مِمَّا لَا يُلَوِّثُ (كَالسَّوِيقِ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْقَمْحُ أَوْ الشَّعِيرِ الْمَقْلِيُّ إذَا طُحِنَ (وَنَحْوُهُ) أَيْ نَحْوُ السَّوِيقِ مِمَّا لَا يُلَوِّثُ، وَأَمَّا مَا يُلَوِّثُ أَوْ كَانَ لَهُ دَسَمٌ فَيُمْنَعُ (وَ) كَذَا (لَا يَقُصُّ فِيهِ شَارِبَهُ وَلَا يُقَلِّمُ) فِيهِ (أَظَافِرَهُ) ؛ لِأَنَّهَا أَوْسَاخٌ ثُمَّ بَالَغَ عَلَى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: (وَإِنْ قَصَّ أَوْ قَلَّمَ أَخَذَهُ) أَيْ مَا قَصَّهُ مِنْ شَارِبِهِ وَمَا قَلَّمَهُ مِنْ أَظْفَارِهِ (فِي ثَوْبِهِ) وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَلَا يَقْتُلُ فِيهِ قَمْلَةً وَلَا بُرْغُوثًا) صَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْبُرْغُوثِ.
وَأَمَّا الْقَمْلَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَتْلُهَا فِيهِ أَشَدَّ مِنْ الْبُرْغُوثِ لِأَنَّهَا مِمَّا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ بِخِلَافِ الْبُرْغُوثِ (وَأَرْخَصَ فِي مَبِيتِ الْغُرَبَاءِ فِي مَسَاجِدِ الْبَادِيَةِ) لِلضَّرُورَةِ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُرَخَّصُ ذَلِكَ فِي مَسَاجِدِ الْحَاضِرَةِ لِوُجُودِ الْفَنَادِقِ فِيهَا إذَا وَجَدَ مَا يُعْطِي، أَمَّا إنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُعْطِي بَاتَ فِيهَا لِلضَّرُورَةِ

(وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِي الْحَمَّامِ إلَّا الْآيَاتِ الْيَسِيرَةَ وَلَا يُكْثِرُ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْبُيُوتِ الْمَكْرُوهَةِ (وَيَقْرَأُ الرَّاكِبُ وَالْمُضْطَجِعُ) لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ ذِكْرٌ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [النساء: 103] الْآيَةُ (وَ) كَذَا يَقْرَأُ (الْمَاشِي مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ وَيُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْمَاشِي إلَى السُّوقِ) وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَاشِيَ لِلسُّوقِ فِي قِرَاءَتِهِ ضَرْبٌ مِنْ الْإِهَانَةِ لِلْقُرْآنِ بِقِرَاءَتِهِ فِي الطُّرُقَاتِ، وَلَيْسَ

[حاشية العدوي]

كَحِجَامَةٍ أَوْ فَصَادَةٍ أَوْ إصْلَاحِ النِّعَالَاتِ الْقَدِيمَةِ أَوْ يُضَيِّقُ عَلَى مُصَلٍّ فَيَحْرُمُ.
[قَوْلُهُ: وَنَحْوِهَا] أَيْ كَالتِّجَارَةِ أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: 18] . . . إلَخْ وَإِطْلَاقُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَعْمَلَ فِيهَا إلَّا مَا كَانَ لَهُ تَعَالَى.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ فِيهَا نَجَاسَةٌ حَرُمَ] وَمِثْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ بِهِمَا مَا يُقَذِّرُ وَلَوْ طَاهِرًا وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا كُرِهَ أَيْ إنْ كَانَتَا طَاهِرَتَيْنِ أَيْ وَلَمْ يَكُنْ بِهِمَا مَا يَقْذُرُ، وَفِي الْوُضُوءِ فِيهِ قَوْلَانِ بِالْكَرَاهَةِ وَالْجَوَازِ وَرَحَابِهِ كَهُوَ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا يَأْكُلُ.
. . إلَخْ] أَيْ وَيُكْرَهُ نَحْوُ الْفُولِ مِمَّا يَعْفِشُ وَلَا يُقَذِّرُ وَإِلَّا حَرُمَ، وَقَوْلُهُ: مِمَّا لَا يُلَوِّثُ أَيْ وَلَا يَعْفِشُ، [قَوْلَةُ: بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ وَقِيلَ بِالصَّادِ.
[قَوْلُهُ: إذَا طُحِنَ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ سَوَاءٌ كَانَ مَلْتُوتًا بِسَمْنٍ أَوْ عَسَلٍ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَا يُلَوِّثُ] أَيْ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دَسَمٌ أَيْ كَالْبِطِّيخِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ لَهُ دَسَمٌ] أَيْ وَشَأْنُهُ أَنْ يُلَوِّثَ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَقُصُّ.
. . إلَخْ] أَيْ يُكْرَهُ وَكَذَا حَلْقُ الرَّأْسِ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ أَخَذَ فِي ثَوْبِهِ] أَيْ بِحَيْثُ لَا يَنْزِلُ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى الْأَرْضِ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ مِنْ سُقُوطِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِأَرْضِهِ.
[قَوْلُهُ: صَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِكَرَاهَةِ ذَلِكَ] وَكَرَاهَةِ قَتْلِ الْقَمْلِ حَيْثُ لَمْ يُطْرَحْ قِشْرُهَا فِيهِ وَإِلَّا حَرُمَ لِأَنَّ مَيْتَتَهَا نَجِسَةٌ كَمَا أَنَّ كَرَاهَةَ قَتْلِ الْبُرْغُوثِ مَعَ طَرْحِ قِشْرِهِ فِيهِ حَيْثُ لَا يَقْذُرُهُ وَإِلَّا حَرُمَ، وَأَمَّا الطَّرْحُ فَيَجُوزُ طَرْحُ الْبُرْغُوثِ، وَأَمَّا الْقَمْلَةُ فَقِيلَ: بِالْحُرْمَةِ وَقِيلَ بِالْكَرَاهَةِ وَاخْتَارَهُ عج.
[قَوْلُهُ: فَيَنْبَغِي] يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ يَنْبَغِي الْحُرْمَةَ، وَيُحْتَمَلُ قُوَّةُ الْكَرَاهَةِ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ.
[قَوْلُهُ: مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُرَخَّصُ] أَيْ يُكْرَهُ.
[قَوْلُهُ: بَاتَ فِيهَا لِلضَّرُورَةِ] لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ فَكَيْفَ الْمَكْرُوهُ هُنَا، وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ دَابَّةِ الْغَرِيبِ وَالْحُكْمُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ مَحَلًّا وَلَوْ بِأُجْرَةٍ وَخَافَ مِنْ اللُّصُوصِ عَلَيْهَا فَيَجُوزُ أَنْ يُدْخِلَهَا الْمَسْجِدَ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ آنِيَةً لِلْبَوْلِ فِيهِ إذَا كَانَ يَخَافُ سَبُعًا أَوْ سَبْقَ بَوْلٍ فِيهِ.
.

[قَوْلُهُ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِي الْحَمَّامِ] أَيْ يُكْرَهُ وَمِثْلُهُ مَوْضِعُ الْقَذَرِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا الْآيَاتِ الْيَسِيرَةَ] أَيْ لِتَعَوُّذٍ وَنَحْوِهِ كَذَا قَيَّدَ زَرُّوقٌ وَذَكَرَ أَنَّ الزِّيَادَةَ مَكْرُوهَةٌ.
[قَوْلُهُ: الْآيَاتِ] جَمْعُ قِلَّةٍ فَقَوْلُهُ الْيَسِيرَةَ تَأْكِيدٌ وَكَذَا قَوْلُهُ وَلَا يُكْثِرُ، [قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا مِنْ الْبُيُوتِ الْمَكْرُوهَةِ] أَيْ الْمَبْغُوضَةُ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ فَأَطْلَقَهَا وَأَرَادَ مَلْزُومَهَا مِنْ الِاسْتِقْذَارِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: لِأَنَّهَا مِنْ الْبُيُوتِ الْمُسْتَقْذَرَةِ وَالْبَاعِثُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْحَمَّامَ لَيْسَ مَبْغُوضًا بَلْ مَحْبُوبًا يَوَدُّهُ الْإِنْسَانُ كُلَّ يَوْمٍ فَإِذَنْ فَالْمَقْصُودُ دَاخِلُهُ فِي مَحَلِّ زَوَالِ الْوَسَخِ [قَوْلُهُ: مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ] أَيْ أَوْ إلَى حَائِطِهِ.
[قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْمَاشِي إلَى السُّوقِ] أَيْ سُوقِ الْحَاضِرَةِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ لَا سُوقِ الْبَادِيَةِ فَلَا كَرَاهَةَ، وَعُلِّلَتْ الْكَرَاهَةُ أَيْضًا بِقِلَّةِ التَّدَبُّرِ كَانَتْ سِرًّا أَوْ جَهْرًا.
[قَوْلُهُ: بِقِرَاءَتِهِ فِي الطُّرُقَاتِ] أَيْ الَّتِي شَأْنُهَا كَثْرَةُ الْأَقْذَارِ وَالْأَوْسَاخِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ فِي السَّفَرِ الطُّرُقَاتِ

كَذَلِكَ الْمَاشِي مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ لِأَنَّ قِرَاءَتَهُ مُعِينَةٌ لَهُ عَلَى طَرِيقِهِ وَيَتَحَرَّزُ بِهَا (وَقَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ) أَيْ قِرَاءَةُ الْمَاشِي إلَى السُّوقِ (لِلْمُتَعَلِّمِ وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ (وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي سَبْعٍ) أَيْ سَبْعِ لَيَالٍ (فَذَلِكَ حَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَمَلَ أَكْثَرِ السَّلَفِ (وَ) لَكِنَّ (التَّفَهُّمَ مَعَ قِلَّةِ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ) مِنْ سَرْدِ حُرُوفِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [محمد: 24] ج: أَفْتَى بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ غَيْرَ مَا مَرَّةٍ بِأَنَّ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ بِلَا فَهْمٍ لَا ثَوَابَ لَهُ أَلْبَتَّةَ زَاعِمًا أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ: هُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا وَكُنْت لَا أَرْتَضِي مِنْهُ هَذِهِ الْفَتْوَى وَيُحْمَلُ مَا ذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ إنْ صَحَّ إنَّمَا هُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي فَهْمِ الْقُرْآنِ أَحْسَنُ انْتَهَى.
(وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ لَمْ يَقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ) وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» .

(وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقُولَ) مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (عِنْدَ رُكُوبِهِ) أَيْ عِنْدَ وَضْعِ رِجْلِهِ فِي غَرْزِ الرِّكَابِ «بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ» أَيْ الْحَافِظُ «فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ» أَيْ الْوَكِيلُ بِمَعْنَى الرَّازِقِ لَهُمْ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ» أَيْ أَتَحَصَّنُ «بِك مِنْ وَعْثَاءِ» بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ مَشَقَّةِ «السَّفَرِ وَ» أَعُوذُ بِك مِنْ «كَآبَةِ» بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْهَمْزِ وَالْمَدِّ «الْمُنْقَلَبِ» بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ، أَيْ أَعُوذُ بِك أَنْ أَنْقَلِبَ إلَى مَا يَقْتَضِي كَآبَةً أَيْ سُوءُ حَالٍ مِنْ فَوَاتِ مَا أُرِيدُ أَوْ وُقُوعِ مَا أَحْذَرُ

[حاشية العدوي]

أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: وَيَتَحَرَّزُ بِهَا] أَيْ يَتَحَصَّنُ بِهَا مِنْ الْمُؤْذِي الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ فِي طَرِيقِ الْمُسَافِرِ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ قِيلَ] ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: أَيْ سَبْعُ لَيَالٍ] أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُ الْأَيَّامَ لَا خُصُوصَ اللَّيْلِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَمَلَ أَكْثَرِ السَّلَفِ] أَيْ وَهُوَ نِهَايَةُ مَا انْتَهَى إلَيْهِ أَمْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -، وَاخْتَلَفَتْ طُرُقُهُمْ فِي التَّجْزِئَةِ وَأَحْسَنُهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ثَلَاثُ سُورٍ فَيَقِفُ عَلَى سُورَةِ الْعُقُودِ، وَفِي الثَّانِي خَمْسُ سُورٍ فَيَقِفُ عَلَى يُونُسَ، وَفِي الثَّالِثِ سَبْعُ سُورٍ فَيَقِفُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ، وَفِي الرَّابِعِ تِسْعُ سُورٍ فَيَقِفُ عَلَى الشُّعَرَاءِ، وَفِي الْخَامِسِ إحْدَى عَشْرَةَ سُورَةً فَيَقِفُ عَلَى الصَّافَّاتِ، وَفِي السَّادِسِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سُورَةً فَيَقِفُ عَلَى الْحُجُرَاتِ، وَفِي السَّابِعِ يَخْتِمُ اهـ. وَإِنَّمَا قَالَ أَكْثَرُ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ السَّلَفِ كَانُوا يَخْتِمُونَ كُلَّ يَوْمٍ وَذَلِكَ بِحَسَبِ قُوَّةِ حَالِهِمْ أَوْ هُوَ كَرَامَةٌ لَهُمْ كَمَا حُكِيَ عَنْ مُوسَى صَاحِبِ الشَّيْخِ أَبِي مَدْيَنَ أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ بَيْنَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ خَتْمَةٍ.
[قَوْلُهُ: مَعَ قِلَّةِ الْقُرْآنِ] وَلَوْ زَادَتْ مُدَّتُهَا عَلَى سَبْعِ لَيَالٍ كَمَا فِي تت.
[قَوْلُهُ: مَنْ سَرَدَ حُرُوفَهُ] أَيْ بِلَا تَفَهُّمٍ، وَقَوْلُهُ: عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَمُقَابِلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ أَنَّ السَّرْدَ أَفْضَلُ مِنْ الْفَهْمِ مَعَ قِلَّةِ الْقُرْآنِ.
[قَوْلُهُ: غَيْرَ مَا مَرَّةٍ] أَيْ غَيْرُ مَرَّةٍ أَيْ أَكْثَرُ مِنْ مَرَّةٍ فَمَا زَائِدَةٌ.
[قَوْلُهُ: يَحْمِلُ أَسْفَارًا] أَيْ كُتُبًا وَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا [قَوْلُهُ: وَكُنْت لَا أَرْتَضِي] أَيْ فَالْمُعْتَمَدُ حُصُولَ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ لِلْقَارِئِ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ الْمُتَعَبِّدُ بِتِلَاوَتِهِ.
[قَوْلُهُ: لَمْ يَقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ] وَهَذَا مَعَ مَعْرِفَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَانِيَهُ وَفَهْمِ مَا فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ، مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ [قَوْلُهُ: لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ] أَيْ لَمْ يَفْهَمْ مَعَانِيَهُ أَيْ لَمْ يُحِطْ بِمَعْنَاهُ بِتَمَامِهِ.
[قَوْلُهُ: وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ] أَتَى بِهِ كَأَنَّهُ إشَارَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كُتُبِ الْأَحَادِيثِ.

[قَوْلُهُ: لِلْمُسَافِرِ] أَيْ مُرِيدِ السَّفَرِ [قَوْلُهُ: فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ] أَيْ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُلْتَزِمِ صِحَّتُهَا [قَوْلُهُ غَرْزُ الرِّكَابِ] الْغَرْزُ رِكَابٌ مِنْ جِلْدٍ تُوضَعُ فِيهِ الرِّجْلُ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ، وَفَسَّرَهُ شَارِحُ الْمُوَطَّأِ بِمُطْلَقِ الرِّكَابِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ زَايٍ مَنْقُوطَةٍ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَنَقُولُ: لَا حَاجَةَ لِتِلْكَ الْإِضَافَةِ وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الْجُزْئِيِّ لِلْكُلِّيِّ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَضْعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ سَوَاءٌ كَانَ غَرْزًا أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: أَيْ الْحَافِظِ فِي السَّفَرِ.
. . إلَخْ] أَيْ بِدَفْعِ الْمَكْرُوهِ عَنْهُ وَتَسْهِيلِ أُمُورِهِ الَّتِي بِهَا صَلَاحُ حَالِهِ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الرَّازِقِ] الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ كَمَا فِي تت أَيْ الْوَكِيلِ فِي حِفْظِهِمْ بَعْدَ سَفَرِي عَنْهُمْ أَيْ الْقَائِمِ بِأُمُورِهِمْ.
[قَوْلُهُ: أَنْ أَنْقَلِبَ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُنْقَلَبَ يَأْتِي مَصْدَرًا وَاسْمَ مَكَان وَهُوَ هُنَا مَصْدَرٌ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ

«وَ» أَعُوذُ بِك مِنْ «سُوءِ الْمَنْظَرِ» أَيْ مَا يُسِيءُ النَّظَرُ إلَيْهِ ( «فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ» . ك: هَذَا حَدِيثٌ خَرَّجَهُ أَهْلُ الصَّحِيحِ وَجَاءَ لَفْظُهُ مُخْتَلِفًا.
(وَيَقُولُ الرَّاكِبُ إذَا اسْتَوَى) أَيْ اسْتَقَرَّ (عَلَى) ظَهْرِ (الدَّابَّةِ) وَكَذَا الْمَاشِي عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْمَشْيِ: «سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ» أَيْ مُطِيقِينَ قَادِرِينَ «وَإِنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ» أَيْ رَاجِعُونَ

(وَتُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ (التِّجَارَةُ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَغْرِيرًا لِلْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَإِذْلَالًا لِلدِّينِ (وَ) كَذَلِكَ تُكْرَهُ التِّجَارَةُ (إلَى بَلَدِ السُّودَانِ) الْكُفَّارِ مِنْهُمْ لِلْعِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (وَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ (وَالسَّلَام) فِي الْمُوَطَّأِ «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ» يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ " الْحَدِيثُ، قَالَتْ

[حاشية العدوي]

هَذَا الْحَلُّ، وَقَضِيَّةُ حَلِّهِ أَنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الْمُتَعَلَّقِ بِفَتْحِ اللَّامِ إلَى الْمُتَعَلِّقِ بِكَسْرِهَا بِوَاسِطَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الرُّجُوعَ الَّذِي هُوَ مَعْنًى مُنْقَلِبٌ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَقْتَضِي الْكَآبَةَ أَيْ سُوءَ الْحَالِ، وَإِذَا تَعَلَّقَ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَقْتَضِي الْكَآبَةَ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِالْكَآبَةِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، أَيْ أَعُوذُ بِك مِنْ سُوءِ حَالٍ مَنْسُوبٍ لِلرُّجُوعِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ الْكَآبَةَ بِالْحُزْنِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ.
[قَوْلُهُ: مِنْ فَوَاتِ مَالٍ] بَيَانٌ لِمَا.
[قَوْلُهُ: مِنْ سُوءِ الْمَنْظَرِ] الْمَنْظَرُ بِفَتْحِ الظَّاءِ مَا نَظَرْت إلَيْهِ فَأَعْجَبَك أَوْ أَسَاءَك كَمَا فِي الْقَامُوسِ فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ، أَيْ الْمَنْظَرُ السَّيِّئُ أَيْ الْمَنْظَرُ الَّذِي يَسُوءُك أَيْ يُحْزِنُك، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْمُطَابِقُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِحُ أَيْ مَا يَسُوءُنِي إذَا نَظَرْت إلَيْهِ فَهُوَ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ.
[قَوْلُهُ: فِي الْأَهْلِ] مُتَعَلِّقٌ بِالْمَنْظَرِ أَيْ السُّوءُ الْكَائِنُ.
. . إلَخْ بِحَيْثُ يَلْحَقُ الْأَهْلَ وَالْمَالَ أُمُورُ مَشَقَّةٍ.
[قَوْلُهُ: هَذَا حَدِيثٌ خَرَّجَهُ] كَذَا فِي ك وَلَمْ يُبَيِّنْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْأَلْفَاظَ الْمُخْتَلِفَةَ وَلَا دَاعِيَ لِجَلْبِهَا إذْ الْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْبَاعِثُ لَهُ عَلَى هَذَا إفَادَةُ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا ضَعِيفٌ، وَأَنَّك إذَا رَأَيْت فِي كُتُبِ الْأَحَادِيثِ مَا يُخَالِفُهُ لَا تَعْتَرِضُهُ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ.
[قَوْلُهُ: يَقُولُ الرَّاكِبُ] أَيْ وَيَقُولُ رَاكِبُ السَّفِينَةِ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [قَوْلُهُ: سَخَّرَ لَنَا هَذَا] أَيْ ذَلِّلْ، هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِرَاكِبِ الدَّابَّةِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَاشِي فَيَقْصِدُ سُبْحَانَ الَّذِي أَقَدْرَنَا عَلَى هَذَا [قَوْلُهُ: مُقْرِنِينَ] تَفْسِيرٌ لِمُطِيقِينَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ رَاجِعُونَ] بِالْمَوْتِ وَحِكْمَةُ ذِكْرِ ذَلِكَ هُنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ بِرُكُوبِهِ مَظِنَّةَ الْمَوْتِ بِطَرْحِهَا إيَّاهُ.

[قَوْلُهُ: لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَغْرِيرًا] أَيْ إذَا كَانَ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ فِي بَابِ الصَّوْمِ [قَوْلُهُ: الْكُفَّارُ مِنْهُمْ] أَيْ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَنُكْتَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ السُّودَانَ لَيْسُوا مِثْلَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ فِي شِدَّةِ الْحَمِيَّةِ، فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ جَوَازُ السَّفَرِ لَهُمْ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ارْتِكَابُ الْمُحَرَّمِ، وَاسْتَظْهَرَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِلَادُ السُّودَانِ وَلَوْ الْمُسْلِمِينَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمُخَاطَرَةِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ مِنْ أَجْلِ الْعَطَشِ وَالْخَوْفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: السَّفَرُ] يَدْخُلُ فِيهِ الرَّاكِبُ وَالْمَاشِي [قَوْلُهُ: قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ] جُزْءٌ مِنْ الْعَذَابِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَبَادِرُ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْعَذَابِ، أَيْ الْأَلَمِ النَّاشِئِ عَنْ الْمَشَقَّةِ؛ لِمَا يَحْصُلُ فِي الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ مِنْ تَرْكِ الْمَأْلُوفِ كَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْخَوْفِ وَخُشُونَةِ الْعَيْشِ وَلِفِرَاقِ الْأَحْبَابِ وَفِي تَحْقِيقِهِ وَاخْتُلِفَ فِي الْعَذَابِ فَقِيلَ: عَذَابُ الدُّنْيَا وَقِيلَ عَذَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا مُمْتَزِجَةٌ بِالْآخِرَةِ، فَكُلُّ سُرُورٍ أَوْ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ وَكُلُّ هَمٍّ وَحُزْنٍ وَعَذَابٍ إنَّمَا هُوَ مِنْ النَّارِ.
[قَوْلُهُ: نَوْمُهُ.
. . إلَخْ] بِنَصْبِ الثَّلَاثَةِ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ مِنْ نَوْمِهِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِيَمْنَعَ لِأَنَّهُ يَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ كَأَعْطَى وَفَصَلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ اسْتِئْنَافًا كَالْجَوَابِ لِمَنْ قَالَ: لِمَ كَانَ كَذَلِكَ فَقَالَ: يَمْنَعُ وَجْهَ ذَلِكَ الِاشْتِمَالُ عَلَى الْمَشَقَّةِ، وَقَدْ جَاءَ التَّعْلِيلُ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ وَلَفْظُهُ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ» لِأَنَّ الرَّجُلَ يَشْتَغِلُ فِيهِ عَنْ صَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ، وَالْمُرَادُ مَنْعُ الْكَمَالِ لَا الْأَصْلِ.
[قَوْلُهُ: الْحَدِيثُ] تَمَامُهُ «فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلْيُعَجِّلْ إلَى أَهْلِهِ» اهـ، وَنَهْمَتُهُ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَضُبِطَ بِكَسْرِ النُّونِ أَيْ حَاجَتُهُ وَقَوْلُهُ: مِنْ وَجْهِهِ أَيْ مِنْ مَقْصِدِهِ، وَقَوْلُهُ: فَلْيُعَجِّلْ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ مُشَدَّدَةً أَيْ فَلْيُعَجِّلْ الرُّجُوعَ إلَى أَهْلِهِ

عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: لَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ» لَقُلْت: الْعَذَابُ قِطْعَةٌ مِنْ السَّفَرِ

(وَلَا يَنْبَغِي) بِمَعْنَى لَا يَحِلُّ (أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ) الشَّابَّةُ (مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا سَفَرَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَأَكْثَرَ) وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» . ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةً فَقَالَ: (إلَّا فِي حَجِّ الْفَرِيضَةِ خَاصَّةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ) فَإِنَّ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ (فِي رُفْقَةٍ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا (مَأْمُونَةٍ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ رُفْقَةً مَأْمُونَةً لَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ، ثُمَّ بَالَغَ عَلَى سَفَرِهَا مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ فَقَالَ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ فَذَلِكَ لَهَا) وَقَيَّدْنَا بِالشَّابَّةِ احْتِرَازًا مِنْ الْمُتَجَالَّةِ فَإِنَّهَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَنَّ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ قَبْلُ: «لَا يَخْلُو رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مِنْهُ بِمَحْرَمٍ» ، وَاحْتَرَزَ بِالْفَرِيضَةِ مِنْ حَجَّةِ التَّطَوُّعِ وَسَائِرِ الْأَسْفَارِ وَبِمَأْمُونَةٍ مِنْ غَيْرِهَا.
وَفِي قَوْلِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ تَبَرُّؤٌ مِنْهُ وَمَيْلٌ إلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: لَا تَحُجُّ إلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا لَوْ أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ، وَكَذَا إذَا اسْتَرَقَّتْ وَقَدَرَتْ عَلَى الْهُرُوبِ.
الْقَرَافِيُّ: وَكَذَا كُلُّ فَرْضٍ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[حاشية العدوي]

تَنْبِيهٌ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي فِي السَّفَرِ الْمُسَامَحَةُ فِي الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ وَالْحَرَجِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ مَنْ كَانَ فِي الْعَذَابِ كَيْفَ يُطَالِبُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ اهـ. [قَوْلُهُ: قَالَتْ عَائِشَةُ.
. . إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ عَائِشَةَ هَذَا مُبَالَغَةٌ.

[قَوْلُهُ: تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ] يَوْمِ الْقِيَامَةِ هَذَا الْوَصْفُ ذُكِرَ لِتَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ، بِأَنَّهَا إذَا سَافَرَتْ بِلَا مَحْرَمٍ خَالَفَتْ شَرْطَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الْمُقْتَضِي الْوُقُوفَ عِنْدَمَا نُهِيَتْ عَنْهُ، أَوْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ إخْرَاجَ الْكَافِرَةِ كِتَابِيَّةً أَوْ حَرْبِيَّةً كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ تَمَسُّكًا بِالْمَفْهُومِ.
[قَوْلُهُ: مَسِيرَةَ] مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى السَّيْرِ كَمَعِيشَةٍ بِمَعْنَى الْعَيْشِ وَلَيْسَتْ التَّاءُ فِيهِ لِلْمَرَّةِ.
[قَوْلُهُ: مَحْرَمٍ] بِفَتْحِ الْمِيمِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ إلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ تَنْزِيهًا سَفَرَهَا مَعَ ابْنِ زَوْجِهَا لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَحَدَاثَةِ الْحُرْمَةِ، وَلِأَنَّ الدَّاعِيَ إلَى النَّفْرَةِ عَنْ امْرَأَةِ الْأَبِ لَيْسَ كَالدَّاعِي إلَى النَّفْرَةِ عَنْ سَائِرِ الْمَحَارِمِ، زَادَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَوْ زَوْجٌ وَفِي مَعْنَاهُ السَّيِّدُ وَلَوْ لَمْ يُرِدْ ذِكْرَ الزَّوْجِ لَقِيسَ عَلَى الْمُحْرِمِ قِيَاسًا جَلِيًّا.
[قَوْلُهُ: ذِي مَحْرَمٍ] أَيْ ذِي حَرَامٍ مِنْهَا.
[قَوْلُهُ: إلَّا فِي حَجِّ الْفَرِيضَةِ] شَمِلَ النَّذْرَ وَالْقَضَاءَ وَالْحِنْثَ.
[قَوْلُهُ: خَاصَّةً] سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ.
[قَوْلُهُ: لَكِنْ بِشَرْطِ] قِيلَ يُكْتَفَى بِنِسَاءٍ أَوْ رِجَالٍ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ الْمَجْمُوعِ أَوْ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ كَالْمَرْأَةِ.
[قَوْلُهُ: فَذَلِكَ لَهَا] مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ إلَّا فِي حَجِّ الْفَرِيضَةِ فَذَلِكَ لَهَا [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِنْ الْمُتَجَالَّةِ] أَيْ الَّتِي لَا تُشْتَهَى تُسَافِرُ فِي كُلِّ الْأَسْفَارِ بِلَا زَوْجٍ وَلَا مَحْرَمٍ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ بِالنَّظَرِ لِلْمَعْنَى.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ بِهَا حَرَامٌ وَمَا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ مِنْ جَسَدِهَا غَالِبًا عَوْرَةٌ فَالْمَظِنَّةُ مَوْجُودَةٌ فِيهَا، وَالْعُمُومُ صَالِحٌ لَهَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمَرْأَةُ مَظِنَّةُ الطَّمَعِ فِيهَا وَمَظِنَّةُ الشَّهْوَةِ وَلَوْ كَبِيرَةً، وَقَدْ قَالُوا: لِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةٌ وَيَجْتَمِعُ فِي الْأَسْفَارِ مِنْ سُفَهَاءِ النَّاسِ وَسَقَطِهِمْ مَنْ لَا يَرْتَفِعُ عَنْ الْفَاحِشَةِ بِالْعَجُوزِ وَغَيْرِهَا لِغَلَبَةِ شَهْوَتِهِ وَقِلَّةِ دِينِهِ وَمُرُوءَتِهِ وَحَيَائِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ قَوْلِهِ.
. . إلَخْ] إلَّا أَنَّك عَلِمْت أَنَّهُ تَابِعٌ لِلصَّحِيحَيْنِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ وَحُمِلَتْ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ السَّائِلِينَ وَاخْتِلَافِ الْخَوَاطِرِ وَأَنَّ ذَلِكَ مُعَلَّقٌ بِأَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ فَقَدْ رُوِيَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَرُوِيَ لَيْلَةٍ، وَرُوِيَ يَوْمَيْنِ، وَرُوِيَ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَرُوِيَ فَوْقَ ثَلَاثٍ وَرُوِيَ بَرِيدٌ.
[قَوْلُهُ: تَبَرُّؤٌ مِنْهُ] يُجَابُ بِأَنَّهُ قَصَرَهَا عَلَى مَالِكٍ لِكَوْنِهَا مَنْسُوبَةً لَهُ لَا لِلتَّبَرِّي وَالرَّاجِحُ الْجَوَازُ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ] أَيْ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا كُلُّ فَرْضٍ] مِنْ ذَلِكَ الرُّجُوعِ إلَى الْمَنْزِلِ لِإِتْمَامِ الْعِدَّةِ إذَا خَرَجَتْ ضَرُورَةً فَمَاتَ أَوْ طَلَّقَهَا.
.

[47 - بَابٌ فِي التَّعَالُجِ] (بَابٌ فِي) بَيَانِ حُكْمِ (التَّعَالُجِ) وَهُوَ مُحَاوَلَةُ الْمَرِيضِ الدَّاءَ بِدَوَائِهِ وَبَيَانُ مَا يَجُوزُ التَّعَالُجُ بِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ (وَ) فِي بَيَانِ (ذِكْرِ الرُّقَى) أَيْ فِي حُكْمِ الرُّقَى وَبَيَانِ مَا يَرْقِي بِهِ (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (الطِّيَرَةِ) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَهِيَ الْعَمَلُ عَلَى سَمَاعِ مَا يُكْرَهُ أَوْ رُؤْيَتِهِ وَفِي بَيَانِ مَا يَتَطَيَّرُ مِنْهُ (وَ) بَيَانِ مَا يَحِلُّ تَعَلُّمُهُ مِنْ عِلْمِ (النُّجُومِ وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (الْخِصَاءِ) وَبَيَانِ مَا يَجُوزُ أَنْ يُخْصَى وَمَا يُكْرَهُ، وَالْخِصَاءُ إزَالَةُ الْمَذَاكِيرِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يُبْطِلُ بَقَاءَ نَسْلِهِمَا (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (الْوَسْمِ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْعَلَامَةُ بِالْكَيِّ فِي الْحَيَوَانِ كُلِّهِ، وَبَيَانِ الْمَحَلِّ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ (وَ) فِي ذِكْرِ (الْكِلَابِ) أَيْ فِي بَيَانُ مَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا وَمَا لَا يُتَّخَذَ (وَ) فِي بَيَانِ (الرِّفْقِ بِالْمَمْلُوكِ) يَعْنِي مِنْ الْآدَمِيِّينَ إذْ لَا يُسَمَّى بِذَلِكَ عُرْفًا غَيْرَهُ، وَبَدَأَ بِغَيْرِ مَا صَدَّرَ بِهِ فِي التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: (لَا بَأْسَ بِالِاسْتِرْقَاءِ مِنْ الْعَيْنِ وَغَيْرِهَا) كَاللَّدْغَةِ وَالْوَجَعِ وَالْعَيْنُ سُمٌّ جَعَلَهُ اللَّهُ فِي عَيْنِ الْعَائِنِ إذَا تَعَجَّبَ مِنْ شَيْءٍ وَنَطَقَ بِهِ وَلَمْ يُبَارِكْ فِيمَا تَعَجَّبَ مِنْهُ،

[حاشية العدوي]

[بَابٌ فِي التَّعَالُجِ]

قَوْلُهُ: الدَّاءَ] مَفْعُولُ مُحَاوَلَةَ وَقَوْلُهُ: بِدَوَائِهِ مُتَعَلِّقٌ بِمُحَاوَلَةٍ أَيْ يُحَاوَلُ الدَّاءَ بِالدَّوَاءِ أَيْ بِدَوَاءِ ذَلِكَ الدَّاءِ.
[قَوْلُهُ: الرُّقَى] جَمْعُ رُقْيَةٍ.
[قَوْلُهُ: الطِّيَرَةِ] مَأْخُوذٌ مِنْ الطَّيَرَانِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُتَطَايَرُ بِمَا يُتَشَاءَمُ بِهِ، وَأَصْلُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا خَرَجَ أَحَدُهُمْ لِحَاجَةٍ فَإِنْ رَأَى الطَّيْرَ طَارَ عَنْ يَمِينِهِ هَنِئَ بِهِ وَاسْتَمَرَّ، وَإِنْ طَارَ عَنْ يَسَارِهِ تَشَاءَمَ بِهِ وَرَجَعَ، وَرُبَّمَا هَيَّجَ الطَّيْرَ لِيَطِيرَ فَيَعْتَمِدُوا ذَلِكَ وَيَصِحُّ مَعَهُمْ فِي الْغَالِبِ لِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ لَهُمْ ذَلِكَ وَبَقِيَتْ بَقَايَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَنَهَى الشَّرْعُ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ وَرَدَ مَرْفُوعًا: «إذَا تَطَيَّرْتُمْ فَامْضُوا وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا» ، شَارِحُ الْمُوَطَّأِ.
[قَوْلُهُ: الْخِصَاءِ] هُوَ بِالْمَدِّ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: إزَالَةُ الْمَذَاكِيرِ] الْمَذَاكِيرُ جَمْعُ ذَكَرٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَعَلَى الْقِيَاسِ ذِكَرَةٌ عَلَى وَزْنِ عِنَبَةٍ.
[قَوْلُهُ: أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ] أَيْ أَوْ مَا فِي مَعْنَى مَا ذُكِرَ مِنْ إزَالَةِ الْمَذَاكِيرِ أَيْ كَإِزَالَةِ الْأُنْثَيَيْنِ، فَقَدْ قَالَ فِي التَّنْبِيهِ: خَصَيْت الْفَحْلَ إذَا سَلَلْت أُنْثَيَيْهِ أَوْ قَطَعْتهمَا أَوْ قَطَعْت ذَكَرَهُ.
[قَوْلُهُ: الَّذِي يَكُونُ فِيهِ] أَيْ الْوَسْمُ [قَوْلُهُ: كَاللَّدْغَةِ] بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ لَدْغُ الْعَقْرَبِ وَالْحَيَّةِ.
[قَوْلُهُ: سُمٌّ] أَيْ ذُو سُمٍّ [قَوْلُهُ: جَعَلَهُ اللَّهُ فِي عَيْنِ الْعَائِنِ] أَيْ يَصِلُ مِنْهَا مَعَ الْهَوَاءِ يُصِيبُ بِهِ الْمَنْظُورَ فَيَمْرَضُ أَوْ يَمُوتُ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْحَائِضُ تَضَعُ يَدَهَا فِي إنَاءِ اللَّبَنِ فَيَفْسُدُ، وَلَوْ وَضَعَتْهَا بَعْدَ طُهْرِهَا لَمْ يَفْسُدْ، وَالصَّحِيحُ يَنْظُرُ فِي عَيْنِ الْأَرْمَدِ يَرْمُدُ وَيَتَثَاءَبُ شَخْصٌ بِحَضْرَةِ آخَرَ فَيَتَثَاءَبُ أَشَارَ لَهُ تت.
وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: إذَا نَظَرَ الْمِعْيَانُ لِشَيْءٍ بِاسْتِحْسَانٍ مَشُوبٍ بِحَسَدٍ يَحْصُلُ لِلْمَنْظُورِ ضَرَرٌ بِعَادَةٍ أَجْرَاهَا اللَّهُ تَعَالَى وَهَلْ ثَمَّ جَوَاهِرُ خَفِيَّةٌ تَنْبَعِثُ مِنْ عَيْنَيْهِ مُتَّصِلَةٌ إلَى الْمَعْيُونِ كَإِصَابَةِ السُّمِّ مِنْ نَظَرِ الْأَفْعَى أَمْ لَا، هُوَ أَمْرٌ يُحْتَمَلُ لَا يُقْطَعُ بِإِثْبَاتِهِ وَلَا بِنَفْيِهِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالْحَقُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ عِنْدَ نَظَرِ الْعَائِنِ إلَيْهِ وَإِعْجَابِهِ بِهِ إذَا شَاءَ مَا شَاءَ مِنْ أَلَمٍ أَوْ هَلَكَةٍ وَقَدْ يَصْرِفُهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ بِالرُّقْيَةِ اهـ. [قَوْلُهُ: وَنَطَقَ بِهِ] بَلْ وَلَوْ لَمْ يَنْطِقْ فَالْأَوْلَى حَذْفُهُ كَمَا أَفَادَهُ تت وَغَيْرُهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يُبَارِكْ] أَيْ وَأَمَّا لَوْ بَارَكَ عِنْدَ نَظَرِهِ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْعَائِنِ: هَلَّا بَارَكْت» فَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ أَعْجَبَهُ شَيْءٌ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ أَنْ يُبَارِكَ لِيَأْمَنَ مِنْ الْمَحْذُورِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ: تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ

وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] وَفِي الْمُوَطَّأِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَ بِالِاسْتِرْقَاءِ» . الْبَاجِيُّ: وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَكِتَابِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعَلِّقَ.
عَلَى النُّفَسَاءِ وَالْمَرِيضِ الشَّيْءَ مِنْ الْقُرْآنِ إذَا خُرِزَ عَلَيْهِ أَدِيمٌ (وَ) كَذَا لَا بَأْسَ (بِالتَّعَوُّذِ) ق: هُوَ مُسْتَحَبٌّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: 36] وَفِي مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ فِي يَدَيْهِ وَيَمْسَحُ بِهِمَا مَا بَلَغَ مِنْ جَسَدِهِ»

(وَ) كَذَا لَا بَأْسَ بِ (التَّعَالُجِ) أَيْ بِمُعَالَجَةِ الْمَرِيضِ الدَّاءُ بِالدَّوَاءِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً» وَأَفْضَلُ مَا يَتَعَالَجُ بِهِ الْحِمْيَةُ وَهِيَ تَرْكُ الطَّعَامِ لِمَا وَرَدَ أَنَّ الْحِمْيَةَ رَأْسُ الدَّوَاءِ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ التَّعَالُجِ لَأَغْنَى عَنْ الثَّلَاثَةِ الَّتِي بَعْدَهُ (وَ) هِيَ (شُرْبُ الدَّوَاءِ) بِفَتْحِ

[حاشية العدوي]

كَمَا فِي عج.
[قَوْلُهُ: أَمَرَ بِالِاسْتِرْقَاءِ] أَيْ فَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ «دُخِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِابْنَيْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِحَاضِنَتِهِمَا: مَالِي أَرَاهُمَا ضَارِعَيْنِ فَقَالَتْ حَاضِنَتُهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ يُسْرِعُ إلَيْهِمَا الْعَيْنَ وَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ نَسْتَرْقِيَ لَهُمَا إلَّا أَنَّا لَا نَدْرِي مَا يُوَافِقُك مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اسْتَرْقُوا لَهُمَا فَإِنَّهُ لَوْ سَبَقَ شَيْءٌ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ» انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: ضَارِعَيْنِ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ نَحِيلَيْ الْجِسْمِ، وَقَوْلُهُ: اسْتَرْقُوا بِسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْقَافِ مِنْ الرُّقْيَةِ وَهِيَ الْعُوذَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ مَا يُرْقَى بِهِ مِنْ الدُّعَاءِ لِطَلَبِ الشِّفَاءِ، أَيْ اُطْلُبُوا لَهُمَا مَنْ يَرْقِيهِمَا فَإِنْ قُلْت أَمْرُهُ بِالِاسْتِرْقَاءِ يُنَافِي مَا وَرَدَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَهُمْ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ وَلَا يَسْتَرِقُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» قُلْت: أُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْتِرْقَاءَ الْمُسْتَحْسَنُ تَرْكُهُ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى ضَرَرِ الْمَرَضِ، وَالْمَطْلُوبُ فِعْلُهُ فِي حَقِّ الضَّعِيفِ وَلَا يَكُونُ الِاسْتِرْقَاءُ مُنَافِيًا لِلتَّوَكُّلِ.
[قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: 98]] أَيْ وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ.
[قَوْلُهُ: ﴿الشَّيْطَانِ﴾ [النحل: 98]] مِنْ شَطَنَ إذَا بَعُدَ أَوْ شَاطَ إذَا احْتَرَقَ [قَوْلُهُ: ﴿الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]] أَيْ الْمَرْجُومُ أَيْ الْمَطْرُودُ.
[قَوْلُهُ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا﴾ [آل عمران: 36]] أَيْ مَرْيَمَ وَقَوْلُهُ: وَذُرِّيَّتَهَا أَيْ أَوْلَادَهَا، أَيْ وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَاسِخٌ.
[قَوْلُهُ: إذَا اشْتَكَى] أَيْ مَرِضَ [قَوْلُهُ: بِالْمُعَوِّذَاتِ] بِكَسْرِ الْوَاوِ الْإِخْلَاصُ وَالْفَلَقُ وَالنَّاسُ، فَأَطْلَقَ عَلَى الْإِخْلَاصِ مُعَوِّذَةً تَغْلِيبًا وَلِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ صِفَةِ الْمَوْلَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عَائِشَةَ «كَانَ إذَا اشْتَكَى قَرَأَ عَلَى نَفْسِهِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ» ، وَكَذَا قَالَ الْحَافِظُ الْمُعْتَمَدُ: أَنَّهُ تَغْلِيبٌ لَا لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُرَادَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي يُتَعَوَّذُ بِهَا مِنْ السُّورَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَيَنْفِثُ] بِكَسْرِ الْفَاءِ وَضَمِّهَا بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ أَيْ يُخْرِجُ الرِّيحَ مِنْ فَمِهِ فِي يَدِهِ مَعَ شَيْءٍ مِنْ رِيقِهِ وَيَمْسَحُ جَسَدَهُ.
وَقَالَ الْحَافِظُ: أَيْ يَتْفُلُ بِلَا رِيقٍ أَوْ مَعَ رِيقٍ خَفِيفٍ.
قَالَ عِيَاضٌ: وَفَائِدَةُ النَّفْثِ التَّبَرُّكُ بِتِلْكَ الرُّطُوبَةِ أَوْ الْهَوَاءِ الَّذِي مَسَّهُ الذِّكْرُ كَمَا يُتَبَرَّكُ بِغُسَالَةِ مَا يُكْتَبُ مِنْ الذِّكْرِ وَفِيهِ تَفَاؤُلٌ بِزَوَالِ الْأَلَمِ وَانْفِصَالِهِ كَانْفِصَالِ ذَلِكَ النَّفَسِ، وَخَصَّ الْمُعَوِّذَاتِ لِمَا فِيهَا مِنْ التَّعَوُّذِ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا فَفِي الْإِخْلَاصِ كَمَالُ التَّوْحِيدِ، وَفِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ مَا يَعُمُّ الْأَشْبَاحَ وَالْأَرْوَاحَ، قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ شَارِحُ الْحَدِيثِ.
[قَوْلُهُ: يَمْسَحُ بِهِمَا مَا بَلَغَ مِنْ جَسَدِهِ] أَيْ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، فَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا أَمْكَنَهُ مِنْ جَسَدِهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ مَسْتُورًا بِاللِّبَاسِ، هَذَا مَا ظَهَرَ غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ فِي مُسْلِمٍ إلَّا قَوْلَهُ: كَانَ إذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ فِي يَدَيْهِ إلَى آخِرِهَا.

[قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا بَأْسَ بِالتَّعَالُجِ] أَيْ يَجُوزُ التَّعَالُجُ بَلْ صَرَّحَ ق بِاسْتِحْبَابِهِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ بِمُعَالَجَةٍ] وَلَا يُعَالِجُ الْمَرِيضَ إلَّا الْعَالِمُ بِالطِّبِّ لِئَلَّا يَضُرَّهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْفَعُهُ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالطِّبِّ وَمَاتَ الْعَلِيلُ مِنْ عِلَاجِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: الْحَمِيَّةُ] هِيَ خُلُوُّ الْمَعِدَةِ مِنْ الْأَكْلِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَيَنْدُبُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقْتَصِرَ

الدَّالِ وَكَسْرِهَا مَعَ الْمَدِّ فِيهِمَا (وَالْفَصْدِ) وَهُوَ قَطْعُ الْعِرْقِ لِاسْتِخْرَاجِ الدَّمِ الَّذِي يُؤْذِي الْجَسَدَ (وَالْكَيِّ) وَهُوَ الْحَرْقُ بِالنَّارِ

(وَالْحِجَامَةُ حَسَنَةٌ) أَيْ مُسْتَحَبَّةٌ فِي كُلِّ أَيَّامِ السَّنَةِ.
ابْنُ رُشْدٍ: وَلِصِحَّةِ إيمَانِ مَالِكٍ بِالْقَدَرِ كَانَ لَا يَكْرَهُ الْحِجَامَةَ وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ يَوْمَ السَّبْتِ وَالْأَرْبِعَاءِ بَلْ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ فِيهِمَا (وَالْكُحْلُ) بِالْإِثْمِدِ لَيْلًا (لِ) أَجْلِ (التَّدَاوِي لِلرَّجُلِ) غَيْرِ الْمُحْرِمِ (جَائِزٌ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يَكْتَحِلُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَالْآخَرُ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُهُ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ سُنَّةٌ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَهُ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ بِهَا عِنْدَ النَّوْمِ ثَلَاثًا» أَيْ فِي كُلِّ عَيْنٍ، وَوَجَّهَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ) وَالتَّشَبُّهُ بِهِنَّ حَرَامٌ كَالْعَكْسِ إجْمَاعًا إلَّا لِضَرُورَةٍ

(وَلَا يَتَعَالَجُ) أَيْ لَا يَجُوزُ التَّعَالُجُ (بِالْخَمْرِ) فِي بَاطِنِ الْجِسْمِ وَظَاهِرِهِ (وَلَا بِالنَّجَاسَةِ) غَيْرِهِ (وَلَا بِمَا فِيهِ مَيْتَةٌ

[حاشية العدوي]

فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَلَى أَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهَذَا هُوَ الْأَقَلُّ وَمَا جَاوَزَ ذَلِكَ إسْرَافٌ وَمُدَاوَمَةٌ لِلشِّبَعِ وَذَلِكَ فِعْلُ الْمُتَرَفِّهِينَ.
[قَوْلُهُ: وَكَسْرِهَا] هَذِهِ اللُّغَةُ حَكَاهَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْجَوْهَرِيُّ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهِيَ شَاذَّةٌ قَالَ النَّوَوِيُّ.
[قَوْلُهُ: هُوَ الْحَرْقُ بِالنَّارِ] اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ بِالْإِبَاحَةِ وَالِاسْتِحْبَابِ وَالْكَرَاهَةِ.

[قَوْلُهُ: وَالْحِجَامَةُ حَسَنَةٌ] أَيْ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا.
وَقَالَ ك: قَالَ الشَّيْخُ فِي الِاسْتِرْقَاءِ: لَا بَأْسَ وَفِي الْحِجَامَةِ حَسَنَةٌ لِأَنَّ الِاسْتِرْقَاءَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَالْحِجَامَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا فِيمَا عَلِمْت [قَوْلُهُ: بِالْقَدَرِ] قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: بَلْ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ فِيهِمَا] أَيْ وَمَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ الْحِجَامَةِ فِيهِمَا فَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَمَا قَالَ عج وَلَكِنْ قَالَ د: وَيَتَّقِي الْأَيَّامَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا لِقُوَّةِ إيمَانٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ ضَلَالِ جَاهِلٍ كَمَا فَعَلَ مَالِكٌ، أَيْ فَقَدْ حُكِيَ «أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ احْتَجَمَ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ فَأَصَابَهُ مَرَضٌ فَرَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَنَامِهِ فَشَكَا إلَيْهِ مَا بِهِ فَقَالَ: أَمَا سَمِعْت مَنْ احْتَجَمَ يَوْمَ السَّبْتِ أَوْ مَنْ احْتَجَمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَأَصَابَهُ مَرَضٌ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» ، قَالَ: نَعَمْ وَلَكِنْ لَمْ يَصِحَّ قَالَ: أَمَا يَكْفِيك؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ بِمِثْلِ هَذَا وَلَا يُنْظَرَ إلَى الصِّحَّةِ إلَّا فِي بَابِ الْأَحْكَامِ وَنَحْوِهَا نَعَمْ وَعِنْدَ الضَّرُورَةِ لَا تَوَقُّفَ.
[قَوْلُهُ: بِالْإِثْمِدِ] قَالَ عج: وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْكُحْلِ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْ الْإِثْمِدِ وَمَا يُشْبِهُهُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ كَالشَّتْمِ وَنَحْوِهِ فَجَائِزٌ وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَوْلُهُ: وَهُوَ مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ إذْ الشَّتْمُ وَنَحْوُهُ لَيْسَ مِنْ زِينَتِهِنَّ.
[قَوْلُهُ: جَائِزٌ] مِثْلُهُ فِي تت وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ كَمَا فِي عج، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْكُحْلَ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ جَائِزٌ خَبَرُهُ.
[قَوْلُهُ: وَالْآخَرُ.
. . إلَخْ] قَالَ تت: وَعَلَيْهِ فَقِيلَ لِلْيُمْنَى اثْنَانِ وَلِلْيُسْرَى وَاحِدٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا.
[قَوْلُهُ: مُكْحُلَةٌ.
. . إلَخْ] بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ وَهِيَ مِنْ النَّوَادِرِ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى الضَّمِّ وَقِيَاسُهَا الْكَسْرُ إذْ هِيَ اسْمُ آلَةٍ.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ النَّوْمِ] حِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَبْقَى فِي الْعَيْنِ وَأَمْكَنُ فِي السَّرَيَانِ إلَى طَبَقَاتِهَا، [قَوْلُهُ: ثَلَاثًا.
. . إلَخْ] أَيْ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ فِي الْيَمِينِ وَثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ فِي الْيَسَارِ، وَحِكْمَةُ التَّثْلِيثِ تَوَسُّطُهُ بَيْنَ الْإِقْلَالِ وَالْإِكْثَارِ.
[قَوْلُهُ: وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
. . إلَخْ] قُلْت: كَيْفَ هَذَا مَعَ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ.
[قَوْلُهُ: وَالتَّشَبُّهُ بِهِنَّ حَرَامٌ] أَيْ فَيَحْرُمُ الِاكْتِحَالُ إلَّا لِضَرُورَةٍ.
.

[قَوْلُهُ: وَلَا بِالنَّجَاسَةِ غَيْرَهُ] أَيْ وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ عَنْهُ بِهَذَا لِأَنَّ ابْنَ لُبَابَةَ وَابْنَ الْحَدَّادِ قَالَا بِطَهَارَتِهِ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِعِلَّةٍ غَيْرِ خُبْثِهِ.
وَقَالَ تت بِعَدَمِ النَّجَاسَةِ وَظَاهِرُهُ ذَاتِيَّةٌ أَوْ عَارِضَةٌ، وَقَالَ عج: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ طِلَاءٌ وَهُوَ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ التَّضَمُّخَ بِالنَّجَاسَةِ حَرَامٌ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فَقَدْ يُقَالُ بِكَرَاهَةِ التَّدَاوِي بِالنَّجِسِ ظَاهِرًا وَقَدْ يُقَالُ بِحُرْمَتِهِ وَإِنْ قِيلَ بِكَرَاهَةِ التَّضَمُّخِ لِأَنَّ فِيهِ نَوْعَ مُخَالَفَةٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ تَدَاوَى بِنَجِسٍ لَا شَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى» اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ الَّتِي يَتَدَاوَى بِهَا وَحْدَهَا أَوْ مُصَاحِبَةً لِغَيْرِهَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا بِمَا فِيهِ] أَيْ وَلَا بِشَيْءٍ فِيهِ جُزْءٌ مِنْ الْمَيْتَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهُ وَلَعَلَّهُ أَتَى بِهِ لِكَوْنِ نَجَاسَتِهَا عَرَضِيَّةً فَرُبَّمَا

وَلَا بِشَيْءٍ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] . وَقَالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا» . وَعُمُومُ هَذِهِ الظَّوَاهِرِ يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ مِثْلُ أَنْ يَدْفَعَ بِالْخَمْرِ غُصَّةً أَوْ عَطَشًا عَلَى قَوْلٍ وَقَوْلُهُ: (وَلَا بَأْسَ بِالِاكْتِوَاءِ) تَكْرَارٌ (وَالرُّقَى) جَمْعُ رُقْيَةٍ تَكُونُ بِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ (بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَآخَرُ الرُّقْيَةُ بِالْفَاتِحَةِ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (وَ) الْآخَرُ (بِالْكَلَامِ الطَّيِّبِ) وَهُوَ الْعَرَبِيُّ الْمَفْهُومُ، رَوَى الشَّيْخَانِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبْ الْبَاسَ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُك شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» أَيْ لَا يَتْرُكُ وَلَا يَرْتَقِي بِالْمُبْهَمَاتِ، لَمَّا سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْأَسْمَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَقَالَ: مَا يُدْرِيك لَعَلَّهَا كُفْرٌ (وَلَا بَأْسَ بِالْمُعَاذَةِ) وَهِيَ التَّمَائِمُ وَالتَّمَائِمُ الْحُرُوزُ الَّتِي (تُعَلَّقُ) فِي الْعُنُقِ (وَفِيهَا الْقُرْآنُ) وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمَرِيضُ وَالصَّحِيحُ وَالْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْبَهَائِمُ بَعْدَ جَعْلِهَا فِيمَا يُكِنُّهَا

(وَإِذَا وَقَعَ الْوَبَا) بِالْهَمْزِ مَقْصُورًا وَمَمْدُودًا وَالْقَصْرُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَهُوَ الطَّاعُونُ (بِأَرْضٍ) أَيْ فِي أَرْضِ قَوْمٍ (فَلَا يَقْدُمُ عَلَيْهِ) مَنْ هُوَ خَارِجٌ عَنْ

[حاشية العدوي]

يُتَوَهَّمُ جَوَازُ التَّدَاوِي بِمَا هِيَ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا بِشَيْءٍ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى] هَذَا أَعَمُّ مِمَّا قَبْلَهُ أَيْ فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي فِي الْحَكَّةِ بِلُبْسِ الْحَرِيرِ خِلَافًا لِبَعْضٍ.
[قَوْلُهُ: الْخَبَائِثُ.
. . إلَخْ] أَيْ كَالدَّمِ وَنَحْوِهِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى قَوْلٍ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: أَوْ عَطَشٍ لَا لِلْغُصَّةِ إلَّا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ ضَعِيفٌ إذْ الْمُعْتَمَدُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ بِهَا الْعَطَشَ.
[قَوْلُهُ: وَآخِرُ الرُّقْيَةِ بِالْفَاتِحَةِ] أَيْ لِأَنَّ مَا بَعْدَهَا دُعَاءٌ أَيْ فَلَا يَرْقِي إلَّا بِمَا يُنَاسِبُ أَنْ يَرْقِيَ بِهِ فَقَوْلُهُ بِكِتَابِ اللَّهِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ بَلْ بِمَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ فَخَرَجَ نَحْوَ آيَةِ الدَّيْنِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: الْعَرَبِيُّ] أَيْ لَا الْعَجَمِيُّ، وَقَوْلُهُ: الْمَفْهُومُ أَيْ مَعْنَاهُ، وَهُوَ وَصْفٌ كَاشِفٌ كَمَا يُفِيدُهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ، أَيْ الْمَفْهُومُ مَعْنَاهُ الْمُحْتَوِي عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ.
[قَوْلُهُ: كَانَ يُعَوِّذُ] بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يُحَصِّنُ بَعْضَ أَهْلِهِ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِ وَقَوْلُهُ: يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى أَيْ عَلَى مَوْضِعِ الْوَجَعِ تَفَاؤُلًا بِزَوَالِ الْوَجَعِ كَمَا قَالَهُ الطَّبَرِيُّ.
[قَوْلُهُ: أَنْتَ الشَّافِي] بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، وَقَوْلُهُ: لَا شِفَاءَ بِالْمَدِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ حَاصِلٌ لَنَا أَوْ لِلْمَرِيضِ، وَقَوْلُهُ: إلَّا شِفَاؤُكَ بَدَلٌ مِنْ مَوْضِعِ لَا شِفَاءَ، وَقَالَ فِي الْمَصَابِيحِ: الْكَلَامُ فِي إعْرَابِهِ كَالْكَلَامِ فِي قَوْلِنَا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَرْتَقِي] كَذَا فِيمَا رَأَيْته مِنْ نُسَخِ هَذَا الشَّارِحِ وَالْمُنَاسِبُ وَلَا يَرْقِي؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: رَقِيته أَرْقِيهِ مِنْ بَابِ رَمَى رَقْيًا عَوَّذْته بِاَللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: بِالْمُبْهَمَاتِ أَيْ الَّتِي هِيَ الْأَسْمَاءُ الْمُعْجَمَةُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرُّقْيَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ شُرُوطٍ كَمَا أَفَادَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ أَنْ تَكُونَ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَبِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ أَوْ بِمَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الرُّقْيَةَ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ بِنَفْسِهَا بَلْ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةَ الرُّقْيَةِ بِالْحَدِيدَةِ وَالْمِلْحِ وَعَقْدِ الْخَيْطِ وَاَلَّذِي يَكْتُبُ خَاتَمَ سُلَيْمَانَ، وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ.
[قَوْلُهُ: مَا يُدْرِيك لَعَلَّهَا كُفْرٌ] أَيْ وَأَيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُك بِمَا يَتَرَجَّاهُ مَنْ يَقُولُ لَعَلَّهَا كُفْرٌ أَيْ أَنْتَ لَا تَعْلَمُهُ وَحَيْثُ إنَّ مُتَرَجِّيًا يَتَرَجَّى ذَلِكَ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُهُ فَالْأَحْوَطُ الْكَفُّ خَوْفًا مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْكُفْرِ، وَالْأَصْلُ الْمَنْعُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُبِيحُ كَمَا أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ مَا جُهِلَ مَعْنَاهُ لَا تَجُوزُ الرُّقْيَةُ بِهِ وَلَوْ جَرَّبَ وَصَحَّ وَكَانَ الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ يَقُولُ: إنْ تَكَرَّرَ النَّفْعُ بِهِ تَجُوزُ الرُّقْيَةُ بِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ مُتَحَقِّقِ النَّفْعِ بِهِ لَا يَكُونُ كُفْرًا وَمِنْ ذَلِكَ مَا يُعْمَلُ لِحَلِّ الْمَرْبُوطِ وَتَسْكِينِ عَقْلِ الْمَصْرُوعِ.
[قَوْلُهُ: بِالْمُعَاذَةِ] بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ التَّمَائِمُ] فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ أَيْ مُفْرَدُ التَّمَائِمِ أَيْ الَّذِي هُوَ تَمِيمَةٌ، [قَوْلُهُ: وَفِيهَا الْقُرْآنُ] أَيْ أَوْ الْكَلَامُ الطَّيِّبُ [قَوْلُهُ: بَعْدَ جَعْلِهَا فِيمَا يُكِنُّهَا] أَيْ يَسْتُرُهَا وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا كَمَا أَفَادَهُ عج.
.

[قَوْلُهُ: وَأَشْهَرُ] يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفَ عِلَّةٍ عَلَى مَعْلُولٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ شَيْئًا آخَرَ فَلْيُحَرَّرْ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الطَّاعُونُ] وَقِيلَ: كُلُّ مَا يَكْثُرُ مِنْهُ الْمَوْتُ كَالسُّعَالِ وَالرِّيحِ لَا خُصُوصَ الطَّاعُونِ، وَالطَّاعُونُ بَثْرَةٌ مِنْ مَادَّةٍ سُمِّيَّةٍ وَقُرُوحٍ

تِلْكَ الْأَرْضِ (وَمَنْ كَانَ بِهَا فَلَا يَخْرُجُ) مِنْهَا (فِرَارًا مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْوَبَاءِ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَالنَّهْيُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَخْرُجُ لِشُغْلٍ.

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الطِّيَرَةِ فَقَالَ: (وَقَالَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ) فِي الْمُوَطَّأِ (فِي) شَأْنِ (الشُّؤْمِ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بِلَا هَمْزٍ وَقَدْ تُهْمَزُ سَاكِنَةً «إنْ كَانَ» لَهُ حُكْمٌ ثَابِتٌ «فَفِي» ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ «الْمَسْكَنِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ» شُؤْمُ الْمَسْكَنِ سُوءُ الْجِيرَانِ، وَشُؤْمُ الْمَرْأَةِ قِلَّةُ نَسْلِهَا وَقِيلَ سُوءُ خُلُقِهَا، وَشُؤْمُ الْفَرَسِ تَكَرُّرُ الْغَزْوِ عَلَيْهِ.
«وَكَانَ» النَّبِيُّ «عَلَيْهِ» الصَّلَاةُ وَ «السَّلَامُ يَكْرَهُ سَيِّئَ الْأَسْمَاءِ» كَمُرَّةَ وَحَنْظَلَةَ وَحَرْبٍ كَذَا فِي الْمُوَطَّأِ (وَ) كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَكَذَا قَالَ الْفَأْلُ بِالْهَمْزَةِ وَالْجَمْعُ فُؤُولٌ، وَفِي الصَّحِيحِ «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ» مِثَالُهُ إذَا خَرَجَ لِسَفَرٍ أَوْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ وَلَمْ

[حاشية العدوي]

تَحْصُلُ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ مَعَ لَهَبٍ وَاسْوِدَادٍ حَوْلَهَا مِنْ وَخْزِ الْجِنِّ يَحْدُثُ مِنْهَا وَرَمٌ فِي الْغَالِبِ وَقَيْءٌ وَخَفَقَانٌ فِي الْقَلْبِ يَحْدُثُ غَالِبًا فِي الْمَوَاضِعِ الرِّخْوَةِ كَتَحْتِ الْإِبْطِ.
[قَوْلُهُ: وَالنَّهْيُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ] أَيْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
قَالَ ك: وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ الْقُدُومِ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُ أَهْلُ الْمَوْضِعِ، فَيَقُولُ: لَوْلَا قُدُومِي مَا أَصَابَنِي، وَمَنْ كَانَ قَوِيًّا فِي دِينِهِ لَا يَخَافُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ لَهُ هَذَا، وَنَهَى عَنْ الْخُرُوجِ مَخَافَةَ أَنْ يَتَوَالَى النَّاسُ عَلَى الْفِرَارِ فَيَضِيعُ مِنْ هُنَالِكَ مِنْ الْمَرْضَى أَوْ لِئَلَّا يَنْجُوَ فَيَتَزَلْزَلَ يَقِينُهُ هَذَا فِي أَرْضِ الْوَبَاءِ.
وَأَمَّا فِي أَرْضِ الْوَخْمِ فَيُنْدَبُ الْخُرُوجُ مِنْهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْجُزُولِيُّ خِلَافًا لَمَالِكٍ، وَالْوَخْمُ هُوَ سَبَبُ الْمَرَضِ كَالرِّيحِ الْمُتَغَيِّرِ الْمُقْتَضِي لِلْمَرَضِ، وَقَوْلُهُ: وَإِذَا وَقَعَ الْوَبَاءُ.
. . إلَخْ عَامٌّ فِيمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْأَرْضِ أَوْ غَيْرِهَا، وَتَخْصِيصُ تت لَهُ بِمَنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْأَرْضِ مَمْنُوعٌ قَالَهُ عج

[قَوْلُهُ: ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الطِّيَرَةِ] قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا وَهُوَ لَا يُنَاسِبُ مَا هُوَ دَاخِلٌ عَلَيْهِ مِنْ الشُّؤْمِ.
[قَوْلُهُ: فِي شَأْنِ الشُّؤْمِ] قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هُوَ وُصُولُ الْمَكْرُوهِ إلَى الشَّخْصِ بِسَبَبٍ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ أَوْ مُخَالَطَةٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَرْأَةُ وَالْفَرَسُ اهـ، وَفَسَّرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي غَرِيبِ الرِّسَالَةِ بِالْمَكْرُوهِ.
[قَوْلُهُ: إنْ كَانَ لَهُ حُكْمٌ ثَابِتٌ] أَيْ وُجُودٌ ثَابِتٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَأَرَادَ بِالْحُكْمِ الْمَحْكُومَ بِهِ وَقَوْلُهُ: فَفِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ إلَّا أَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الثَّلَاثَةِ فَلَا وُجُودَ لَهُ أَصْلًا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَجْهُ تَخْصِيصِ الثَّلَاثِ بِالذِّكْرِ مَعَ جَرْيِ هَذَا فِي كُلِّ مُتَطَيَّرٍ بِهِ مُلَازَمَتُهَا لِلْإِنْسَانِ وَأَنَّهَا أَكْثَرُ مَا يُتَشَاءَمُ بِهِ، قَالَ: وَمُقْتَضَى سِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ مُتَحَقِّقًا لِوُجُودِ الشُّؤْمِ فِي الثَّلَاثِ لَمَّا تَكَلَّمَ ثُمَّ عَلَّمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي أَيْ وَقَدْ يَكُونُ فِي غَيْرِهَا فَالْحَصْرُ فِيهَا كَمَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَادَةِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِلْخِلْقَةِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: خَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِمُلَازَمَتِهَا ثُمَّ أَعْلَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ فِيهَا الشُّؤْمَ، فَقَالَ: «الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ» هَكَذَا قَالَ شُرَّاحُ الْحَدِيثِ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَنَقُولُ إنَّ الشُّؤْمَ الْمُتَعَلِّقَ بِالدَّارِ وَغَيْرِهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ عَادَةً قَدِيمًا وَحَدِيثًا فَلَا يُعْقَلُ كَوْنُ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْفِيهِ ثُمَّ يُعْلِمُ بِهِ فَيَقَعُ الْجَزْمُ مِنْهُ فَالْأَحْسَنُ مَا فَسَّرَهُ بِهِ غَيْرُهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ بَعْضَ الدُّورِ سَبَبًا فِي هَلَاكِ سَاكِنِهَا عَادِيًا وَكَذَا الْفَرَسُ وَالْمَرْأَةُ فَالْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَوَّلًا لَمْ يَعْلَمْ بِهَذَا الرَّبْطِ الْعَادِي فَنَفَاهُ ثُمَّ أَعْلَمَ بِهِ فَأَثْبَتَهُ، أَيْ فَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَقِدُ أَوَّلًا أَنَّ مَا حَصَلَ لِصَاحِبِ الدَّارِ مِنْ هَلَاكِهِ عِنْدَ سُكْنَاهَا أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ لَا لِكَوْنِ الدَّارِ سَبَبًا عَادِيًّا.
[قَوْلُهُ: شُؤْمُ الْمَسْكَنِ.
. . إلَخْ] أَيْ الْمَكْرُوهُ مِنْهَا وَهَكَذَا، وَالْكَرَاهَةُ إمَّا شَرْعِيَّةٌ أَوْ عَادِيَّةٌ الشَّرْعِيَّةُ تَرْكُ الْغَزْوِ عَلَيْهَا وَالْعَادِيَّةُ ظَاهِرَةٌ فِي الْأَمْثِلَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْغَزْوِ عَلَيْهَا مَا يَشْمَلُ قِتَالَ الْمُحَارَبِينَ وَالْبُغَاةِ، أَوْ مُلْحَقٌ بِهِ، [قَوْلُهُ: كَمُرَّةَ] بِضَمِّ الْمِيمِ وَشَدِّ الرَّاءِ صَحَابِيٌّ غَيْرُ مَنْسُوبٍ وَكَذَا حَرْبٌ.
[قَوْلُهُ: كَذَا فِي الْمُوَطَّأِ] لَيْسَ فِيمَا رَأَيْت مِنْ الْمُوَطَّأِ حَنْظَلَةُ بَلْ إنَّمَا فِيهَا مُرَّةُ وَحَرْبٌ لَا حَنْظَلَةُ، وَنَصَّهَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلَقْحَةٍ تُحْلَبُ: مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا اسْمُك؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: مُرَّةُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اجْلِسْ ثُمَّ قَالَ: مَنْ

يَقْصِدْ سَمَاعَ الْفَأْلِ فَسَمِعَ يَا غَانِمُ أَوْ يَا سَالِمُ أَمَّا إذَا قَصَدَ سَمَاعَ الْفَأْلِ لِيَعْمَلَ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَزْلَامِ،

ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ رُقْيَةِ الْعَيْنِ بِقَوْلِهِ: (وَالْغَسْلُ لِلْعَيْنِ أَنْ يَغْسِلَ الْعَائِنُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إزَارِهِ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يَعْنِي مَا يَلِي فَرْجَهُ وَهَذَا مِنْ حُسْنِ الْعِبَارَةِ وَلَطِيفِ الْإِشَارَةِ، وَاَلَّذِي نَقَلَهُ ك: عَنْ مَالِكٍ أَنَّ دَاخِلَ الْإِزَارِ مَا يَلِي الْجَسَدَ وَيَجْمَعُ ذَلِكَ (فِي قَدَحٍ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى الْمَعِينِ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ صَوَابُهُ الْعَائِنُ (وَلَا يَنْظُرُ فِي) عِلْمِ (النُّجُومِ) ع: وَهَلْ الْمَنْعُ مَنْعُ تَحْرِيمٍ أَوْ مَنْعُ كَرَاهَةٍ (إلَّا) فِي شَيْئَيْنِ فَإِنَّ النَّظَرَ فِيهِ لَهُمَا مُسْتَحَبٌّ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ

[حاشية العدوي]

يَحْلُبُ هَذِهِ؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا اسْمُك؟ فَقَالَ: حَرْبٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اجْلِسْ ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا اسْمُك؟ فَقَالَ: يَعِيشُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: احْلِبْ» انْتَهَى وَاللِّقْحَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتُفْتَحُ نَاقَةٌ ذَاتُ لَبَنٍ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الطِّيَرَةِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ طَلَبِ الْفَأْلِ الْحَسَنِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْرَهُ سَيِّئَ الْأَسْمَاءِ وَيُحِبُّ حَسَنَ الْأَسْمَاءِ كَعَبْدِ اللَّهِ أَوْ أَحْمَدَ أَوْ مُحَمَّدٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ الْأَزْلَامِ] وَهِيَ أَقْدَاحٌ يَكُونُ فِي أَحَدِهَا افْعَلْ وَفِي الْآخَرِ لَا تَفْعَلْ، وَالثَّالِثُ: لَا شَيْءَ فِيهِ فَإِذَا خَرَجَ الَّذِي فِيهِ افْعَلْ مَضَى، وَإِذَا خَرَجَ الَّذِي فِيهِ لَا تَفْعَلُ رَجَعَ، وَإِنْ خَرَجَ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ أَعَادَ الِاسْتِقْسَامَ، وَالْقَدَحُ السَّهْمُ، وَفِي مَعْنَى هَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ اسْتِخْرَاجُ الْفَأْلِ مِنْ الْمُصْحَفِ فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ لَهُ مَا لَا يُرِيدُ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى التَّشَاؤُمِ بِالْقُرْآنِ.
تَنْبِيهٌ: مَنْ أَرَادَ أَمْرًا وَسَمِعَ مَا يَسُوءُ لَا يَرْجِعُ عَنْ أَمْرِهِ، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْخَيْرِ إلَّا أَنْتَ وَلَا يَأْتِي بِالشَّرِّ إلَّا أَنْتَ فَلَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ إلَّا أَنْتَ وَلَا يَرْفَعُ الشَّرَّ إلَّا أَنْتَ.

[قَوْلُهُ: وَالْغَسْلُ لِلْعَيْنِ] أَيْ وَصِفَةُ الرُّقْيَةِ بِالْعَيْنِ إذَا عُرِفَ الْعَائِنُ فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ هُنَاكَ غَسْلًا مَعْهُودًا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَهُ بَلْ أَرَادَ صِفَةَ الرُّقْيَةِ بِالْعَيْنِ الَّتِي هِيَ فِي الْوَاقِعِ غَسْلٌ لَا فِي الذِّهْنِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَغْسِلَ الْعَائِنُ] أَيْ وُجُوبًا وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ إنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ إذَا خَشِيَ عَلَى الْمَعْيُونِ الْهَلَاكُ وَلَمْ يُمْكِنْ الْخَلَاصُ إلَّا بِهِ، وَقِيلَ: يُؤْمَرُ وَلَا يُجْبَرُ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَوْلُهُ: وَيَدَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ بَدَلَ هَذَا وَظَاهِرُ كَفَّيْهِ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي مَا يَلِي فَرْجَهُ] أَيْ مِنْ الْإِزَارِ، وَقَوْلُهُ: وَهَذَا مِنْ حُسْنِ الْعِبَارَةِ أَيْ مِنْ الْعِبَارَةِ الْحَسَنَةِ أَيْ حَيْثُ لَمْ يُعَبِّرْ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُسْتَحَى مِنْهُ وَهُوَ الْفَرْجُ، وَقَوْلُهُ: وَلَطِيفُ الْإِشَارَةِ أَيْ الْإِشَارَةُ اللَّطِيفَةُ أَيْ فَذَلِكَ اللَّفْظُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَلِي الْفَرْجَ وَلَا يَخْفَى مَا فِي لَطَافَتْهَا مِنْ حَيْثُ قُرْبِ فَهْمِ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِلَفْظٍ قَرِيبٍ فَصِيحٍ، وَهَذَا مِمَّا يُتَعَبَّدُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ سِرَّ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: مَا يَلِي الْجَسَدَ] أَيْ مِنْ الْمِئْزَرِ وَهُوَ كَقَوْلِ عِيَاضٍ الْمُرَادُ بِدَاخِلَةِ الْإِزَارِ مَا يَلِي الْجَسَدَ مِنْ الْمِئْزَرِ، وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ الطَّرَفُ الْمُتَدَلِّي الَّذِي يَلِي حَقْوَهُ الْأَيْمَنَ.
[قَوْلُهُ: وَمِرْفَقَيْهِ] وَلَا يَغْسِلُ مَا بَيْنَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ وَمَنْ لَا إزَارَ لَهُ فَلْيَغْسِلْ مَوْضِعَ طَرَفِ الْإِزَارِ مِنْ أَسْفَلِهِ.
[قَوْلُهُ: صَوَابُهُ الْعَائِنُ] فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الصَّبَّ عَلَى الْمُعَانِ أَيْ الْمُصَابِ بِالْعَيْنِ لَا الْعَائِنِ، وَصِفَةُ صَبِّ الْقَدَحِ عَلَى الْمُعَانِ أَنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقِهِ وَيُقْلَبَ الْقَدَحَ أَيْ وَرَاءَ ظَهْرِهِ عَلَى الْأَرْضِ فَقَدْ قَالَ عج: ثُمَّ يَقُومُ الَّذِي فِي يَدِهِ الْقَدَحُ فَيَصُبُّهُ عَلَى رَأْسِ الْمُعِينِ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ، ثُمَّ يُلْقِي الْقَدَحَ وَرَاءَهُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ.
تَنْبِيهٌ: مَنْ عَرَفَ أَنَّهُ مِعْيَانٌ وَأَنَّهُ كُلَّمَا يَنْظُرُ إلَى شَيْءٍ يُصِيبُهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ كُلَّ مَا أَتْلَفَهُ بَعْدَ التَّقَدُّمِ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي حَتَّى يَقِفَ الْقَاضِي عَلَى حَالِهِ، وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْجُنَ مَنْ عُرِفَ بِهَذَا الْأَمْرِ وَيَكُونُ سِجْنُهُ فِي مَنْزِلِ نَفْسِهِ وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَكَذَا مَنْ عُرِفَ أَنْ يَقْتُلَ بِالْحَالِ.
[قَوْلُهُ: وَهَلْ الْمَنْعُ مَنْعُ تَحْرِيمٍ] تَرَدَّدَ مِنْهُ إلَّا أَنَّنَا سَنُبَيِّنُ قَرِيبًا أَنَّ النَّهْيَ تَارَةً يَكُونُ نَهْيَ كَرَاهَةٍ وَتَارَةً يَكُونُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ.
[قَوْلُهُ: إلَّا فِي شَيْئَيْنِ] كَذَا فِي التَّحْقِيقِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ جَعَلَ الْقِسْمَ الثَّالِثَ مُسْتَحَبًّا كَالْأَوَّلَيْنِ وَجَعَلَهُ.

أَحَدُهُمَا (مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى) مَعْرِفَةِ سَمْتِ (الْقِبْلَةِ وَ) ثَانِيهِمَا: مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَعْرِفَةِ (أَجْزَاءِ اللَّيْلِ) مَا مَضَى وَمَا بَقِيَ، وَيَبْقَى قِسْمٌ ثَالِثٌ جَائِزٌ ذَكَرَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ النَّظَرُ فِيمَا يُهْتَدَى بِهِ فِي السَّيْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: 97] وَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ مَا يَدَّعِيهِ الْمُنَجِّمُونَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْ التَّأْثِيرَاتِ فِي الْعَالَمِ فَشَيْءٌ لَا يُسَاوِي اسْتِمَاعَهُ، فَقَوْلُ الشَّيْخِ (وَيَتْرُكُ مَا سِوَى ذَلِكَ) لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ نَقُولُ يُرِيدُ إلَّا مَا يُهْتَدَى بِهِ

(وَلَا يَتَّخِذُ كَلْبًا فِي الدُّورِ فِي الْحَضَرِ وَلَا فِي دُورِ الْبَادِيَةِ) عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ (إلَّا) فِي ثَلَاثَةِ صُورٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ فِيهَا أَنْ يُتَّخَذَ (لِ) أَجْلِ حِرَاسَةِ (زَرْعٍ) مَوْجُودٍ أَوْ سَيُوجَدُ (أَوْ) لِأَجْلِ حِرَاسَةِ (مَاشِيَةٍ) وَهِيَ الْغَنَمُ (يَصْحَبُهَا فِي الصَّحْرَاءِ ثُمَّ يَرُوحُ) أَيْ يَرْجِعُ يَبِيتُ (مَعَهَا) حَيْثُ بَاتَتْ لِضَعْفِهَا إذْ لَا تَقْدِرُ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهَا، وَغَيْرُ الْغَنَمِ إنْ احْتَاجَ إلَى الْكِلَابِ فَهُوَ مِثْلُهَا.
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ فِي الصَّحْرَاءِ مِمَّا لَوْ كَانَتْ فِي الدُّورِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ حِينَئِذٍ (أَوْ لِ) أَجْلِ (صَيْدٍ يَصْطَادُهُ لِعَيْشِهِ) أَيْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ، أَمَّا إذَا كَانَ يَصْطَادُ (لَا) لِعَيْشِهِ بَلْ (لِلَّهْوِ) فَلَا يَجُوزُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ لِغَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ اتِّخَاذَهُ لِحِرَاسَةِ الْبُيُوتِ وَالْأَمْتِعَةِ، وَيُذْكَرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ وَقَعَ حَائِطُ دَارِهِ وَكَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الشِّيعَةِ فَاِتَّخَذَ كَلْبًا لِذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ

[حاشية العدوي]

عَبْدُ الْوَهَّابِ جَائِزًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ النَّظَرَ فِي الشَّيْئَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ إمَّا فَرْضَ عَيْنٍ أَوْ فَرْضَ كِفَايَةٍ.
[قَوْلُهُ: عَلَى مَعْرِفَةِ سَمْتِ الْقِبْلَةِ] أَيْ مَعْرِفَةِ طَرِيقِ الْقِبْلَةِ أَيْ جِهَتِهَا بِأَنْ تَسْتَقْبِلَ بِوَجْهِك الْقُطْبَ ثُمَّ تَجْعَلَهُ عَلَى يَسَارِك فَمَا اسْتَقْبَلْت فَهُوَ نَاحِيَةُ الْقِبْلَةِ.
[قَوْلُهُ: مَا مَضَى وَمَا بَقِيَ] وَفَائِدَتُهُ لِوَقْتِ أَذَانِ الصُّبْحِ وَالْإِمْسَاكِ فِي الصَّوْمِ.
[قَوْلُهُ: فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ] أَيْ ظُلُمَاتِ اللَّيْلِ لَهُمَا أَضَافَهَا إلَيْهِمَا بِمُلَابَسَتِهَا لَهُمَا أَوْ مُشْتَبِهَاتِ الطَّرِيقِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ] الْمُشَارُ إلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ فَحَاصِلُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ النَّظَرَ فِيهَا الْمُوصِلَ إلَى مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ، وَإِلَى جِهَةِ الْمَسِيرِ إلَى أَمْرٍ يُنْدَبُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَيْ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَمَا كَانَ مُوجِبًا لِنُقْصَانِ الْأَهِلَّةِ أَوْ حُصُولِ الْكُسُوفِ فَمَكْرُوهٌ، وَيُزْجَرُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُوهِمُ الْعَامَّةَ أَنَّهُ يَعْلَمُ عِلْمَ الْغَيْبِ وَمُعْتَقِدُ تَأْثِيرِهَا يُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ إنْ كَانَ مُسْتَسِرًّا وَإِلَّا قُتِلَ بَعْدَهَا، وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْفَعَّالُ عِنْدَهَا وَلَا يَتَخَلَّفُ فَيُؤَدَّبُ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ مُبْتَدِعٌ، وَمَنْ جَوَّزَ التَّخَلُّفَ مَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مُوَحِّدُنَا ج إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُهُ: فَشَيْءٌ لَا يُسَاوِي صَادِقٌ بِالْمَكْرُوهِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْأَحْكَامِ] الْأَحْكَامُ عِنْدَهُمْ الْأَحْوَالُ الْغَيْبِيَّةُ الْمُسْتَنْتَجَةُ مِنْ مُقَدِّمَاتٍ مَعْلُومَةٍ هِيَ الْكَوَاكِبُ مِنْ جِهَةِ حَرَكَاتِهَا وَمَكَانِهَا وَزَمَانِهَا، وَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَعَطْفُ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ تَفْسِيرٌ.
[قَوْلُهُ: وَيَتْرُكُ] تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ وَلَا يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ

[قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ] أَيْ الْكَرَاهَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَقُورًا فَيَحْرُمُ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ] أَيْ يُؤْذَنُ فِي اتِّخَاذِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا قَالَ زَرُّوقٌ: إنَّ حُكْمَ الصَّيْدِ إنْ كَانَ لِقُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ فَوَاجِبٌ وَالتَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ مَنْدُوبَةٌ انْتَهَى، أَقُولُ: هُوَ ظَاهِرٌ إنْ تَوَقَّفَ قُوتُهُ وَقُوتُ عِيَالِهِ عَلَى الصَّيْدِ.
[قَوْلُهُ: لِأَجْلِ حِرَاسَةِ زَرْعٍ] وَنَحْوُ الزَّرْعِ سَائِرُ الثِّمَارِ.
[قَوْلُهُ: فِي الصَّحْرَاءِ] بِالْمَدِّ الْبَرِيَّةُ وَهِيَ غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ وَالْجَمْعُ صَحَارَى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا وَصَحْرَاوَاتٌ، ثُمَّ اُخْتُلِفَ هَلْ يَتَقَيَّدُ الْجَوَازُ بِزَمَنِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَيُطْلَبُ إخْرَاجُهُ مِنْ حَوْزِهِ بَعْدَ الِاسْتِغْنَاءِ أَوْ لَا يَتَقَيَّدُ الْجَوَازُ قَوْلَانِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ] أَيْ يُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهَا فِي الدُّورِ مِنْهُ، [قَوْلُهُ: وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ اتِّخَاذَهُ] وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا يَنْبَغِي التَّوَقُّفُ فِيهِ، [قَوْلُهُ: بَلْ لِلَّهْوِ] أَيْ اللَّعِبُ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ] أَيْ يُكْرَهُ، وَأَمَّا إذَا اصْطَادَهُ لِلتَّفَكُّهِ أَوْ لِزِيَادَةِ الْأَمْوَالِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَيُذْكَرُ أَنَّ] تَأْيِيدٌ لِلْقَوْلِ بِالْجَوَازِ [قَوْلُهُ: مِنْ الشِّيعَةِ] فِرْقَةٌ مِنْ الْفِرَقِ الْخَارِجِينَ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَإِنْ قُلْت: مَا يَعْتَقِدُونَ؟ قُلْت: يَعْتَقِدُونَ وَيَقُولُونَ: كُلُّ

فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ أَدْرَكَ مَالِكٌ زَمَانَنَا لَاتَّخَذَ أَسَدًا ضَارِيًا

(وَلَا بَأْسَ بِخِصَاءِ) بِالْمَدِّ (الْغَنَمِ) الضَّأْنُ وَالْمَعْزُ (لِمَا فِيهِ مِنْ صَلَاحِ لُحُومِهَا) وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: غَنَمٌ فَإِنَّ الْخِصَاءَ جَائِزٌ فِي كُلِّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا (وَنُهِيَ عَنْ خِصَاءِ الْخَيْلِ) ق: يَعْنِي نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، قِيلَ: نَهْيَ تَحْرِيمٍ وَأَمَّا خِصَاءُ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ فَجَائِزٌ وَخِصَاءُ الْآدَمِيِّ حَرَامٌ إجْمَاعًا

(وَيُكْرَهُ الْوَسْمُ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ الْعَلَامَةُ بِالنَّارِ أَوْ بِالشَّرْطِ (فِي الْوَجْهِ) لِأَنَّهُ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ، أَمَّا لَوْ كَانَ بِصَبْغِ حِنَّاءٍ أَوْ غَيْرِهِ لَجَازَ (وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ بِالْمَوْسِمِ (فِي غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ غَيْرِ الْوَجْهِ.
عَبْدُ الْوَهَّابِ: لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ وَأَرْخَصَ فِي السِّمَةِ فِي الْأُذُنِ» (وَيَتَرَفَّقُ بِالْمَمْلُوكِ) فِي أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَحَمْلِهِ (وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ) قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُوَطَّأِ: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ» .

[حاشية العدوي]

مَنْ كَانَ لَا يُحِبُّ عَلِيًّا أَكْثَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَهُوَ كَافِرٌ.
[قَوْلُهُ: ضَارِيًا] أَيْ مُجْتَرِئًا أَيْ لَهُ جَرَاءَةٌ.

[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِخِصَاءِ.
. . إلَخْ] أَيْ فَهُوَ جَائِزٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ.
[قَوْلُهُ: لِمَا فِيهِ مِنْ صَلَاحِ لُحُومِهَا] لِأَنَّهُ يُطَيِّبُهُ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ كَانَ الْخِصَاءُ بِقَطْعِ الْخُصْيَتَيْنِ أَوْ سَلِّهِمَا مَعَ بَقَاءِ الْجِلْدِ.
[قَوْلُهُ: قِيلَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ] أَيْ النَّهْيُ عَنْ خِصَاءِ الْخَيْلِ أَيْ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْقِصُ الْقُوَّةَ وَيُذْهِبُ النَّسْلَ مِنْهَا مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الرُّكُوبُ وَمُقَابِلٌ، قِيلَ: مَا حَكَاهُ صَاحِبُ التَّلْقِينِ مِنْ الْكَرَاهَةِ فَقَدْ قَالَ وَيُكْرَهُ خِصَاءُ الْخَيْلِ وَاقْتِصَارُهُ عَلَى الْأَوَّلِ يُفِيدُ أَنَّهُ الرَّاجِحُ إلَّا أَنْ يَكْلُبَ الْفَرَسُ فَيَجُوزُ خِصَاؤُهُ

[قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ الْوَسْمُ فِي الْوَجْهِ] وَالْكَرَاهَةُ عَلَى بَابِهَا كَمَا قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ] وَأَمَّا بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ فَهُوَ الْأَثَرُ كَائِنًا مَا كَانَ لِوَسْمٍ كَانَ أَوْ لِغَيْرِهِ فَهُوَ أَعْلَمُ، وَلِذَلِكَ رَوَى الْمُصَنِّفُ بِالْوَجْهَيْنِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ أَصَحُّ فِي الرِّوَايَةِ وَالْأُولَى أَصَحُّ مَعْنًى كَمَا فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: فِي الْوَجْهِ] أَيْ وَجْهِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ فَقَدْ أَنْكَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ وَسَمَ حِمَارًا فِي وَجْهِهِ بِالْكَيِّ.
[قَوْلُهُ: أَيْ غَيْرُ الْوَجْهِ] أَيْ كَالْجَمَلِ وَالْفَرَسِ وَالْبَقَرَةِ تَوَسُّمُهَا فِي رَقَبَتِهَا أَوْ جَنْبِهَا أَوْ الْغَنَمِ فِي أُذُنَيْهَا لِئَلَّا تَخْتَلِطَ بِغَيْرِهَا، وَيَعْرِفَهَا مَالِكُهَا بِوَسْمِ اسْمِهِ عَلَيْهَا وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ، وَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَيَحْرُمُ الْوَسْمُ فِي وَجْهِهِ وَغَيْرِهِ كَمَا قَالَ تت.
[قَوْلُهُ: وَأَرْخَصَ فِي السِّمَةِ] أَيْ الْعَلَامَةِ فِي الْأُذُنِ لِأَنَّ الْمَالِكَ يَحْتَاجُ لَهَا لِلتَّمْيِيزِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ السِّمَةُ يُقَوِّي قِرَاءَةَ الْمُصَنِّفِ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ.
[قَوْلُهُ: فِي أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَحَمْلِهِ] كَذَا فِيمَا رَأَيْت مِنْ نُسَخِ هَذَا الشَّارِحِ وَحَمْلُهُ بِالْحَاءِ وَالْأَحْسَنُ مَا فِي التَّحْقِيقِ وَعِلْمُهُ بِالْعَيْنِ لِأَنَّ الْعَمَلَ أَعَمُّ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ] أَيْ فَلَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُكَلِّفَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمَا وَلَا مَا لَا تَتَحَمَّلُهُ أَبْدَانُهُمَا مِنْ الْخِدْمَةِ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُمَا مِمَّا لَا يَقْدِرَانِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ دَأْبُ أَهْلِ الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ، وَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطْحَنُ مَعَ الْخَادِمِ كَذَا قَالَ ك فَإِذَا كَلَّفَ مَمْلُوكَهُ مَا لَا يُطِيقُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: بِالْمَعْرُوفِ] قَالَ شَارِحُ الْمُوَطَّأِ: لِلْمَمْلُوكِ اللَّامُ لِلتَّمْلِيكِ أَيْ طَعَامُ الْمَمْلُوكِ وَكِسْوَتُهُ حَقٌّ لَهُ عَلَى سَيِّدِهِ فَقَدَّمَ الْخَبَرَ لِأَنَّهُ أَهَمُّ إذْ الْمُقَامُ بِصَدَدِ تَمْلِيكِهِ مَا ذُكِرَ.
وَقَوْلُهُ: بِالْمَعْرُوفِ أَيْ بِلَا إسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ عَلَى اللَّائِقِ بِأَمْثَالِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْبَاجِيُّ: أَيْ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ أَيْ الْمَمْلُوكِ قَالَ الْحَافِظُ: مُقْتَضَاهُ الرَّدُّ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ فَمَنْ زَادَ عَلَيْهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا فَالْوَاجِبُ مُطْلَقُ الْمُوَاسَاةِ لَا الْمُوَاسَاةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَمَنْ أَخَذَ بِالْأَكْمَلِ فَعَلَ الْأَفْضَلَ مِنْ عَدَمِ اسْتِئْثَارِهِ عَلَى عِيَالِهِ، وَإِنْ جَازَ كَذَا قَالَ شَارِحُهَا: وَقَوْلُهُ وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ أَيْ الدَّوَامَ عَلَيْهِ أَيْ لَا يُكَلَّفُ إلَّا جِنْسَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَالنَّفْيُ بِمَعْنَى النَّهْيِ وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِحْسَانِ لِلْمَمَالِيكِ وَالرِّفْقِ بِهِمْ، وَأَلْحَقَ بِهِمْ مِنْ مَعْنَاهُمْ مِنْ أَجِيرٍ وَنَحْوِهِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ.
.

[48 - بَابٌ فِي الرُّؤْيَا] (بَابٌ فِي الرُّؤْيَا) أَيْ فِي بَيَانِ كَوْنِ مَا يَرَاهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي مَنَامِهِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ، وَبَيَانُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالرُّؤْيَا (وَ) فِي (التَّثَاؤُبِ) أَيْ بَيَانُ مَا يَفْعَلُهُ مَنْ تَثَاءَبَ (وَالْعُطَاسُ) أَيْ بَيَانُ مَا يَقُولُ مَنْ عَطَسَ وَمَنْ سَمِعَهُ (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (اللَّعِبِ بِالنَّرْدِ) وَبَيَانِ تَفْسِيرِهَا (وَ) اللَّعِبِ بِ (غَيْرِهَا) وَهُوَ الشِّطْرَنْجُ، وَحُكْمِ الْجُلُوسِ إلَى مَنْ يَلْعَبُ بِهَا وَحُكْمُ السَّلَامِ عَلَيْهِ (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (السَّبْقِ فِي الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَ) السَّبْقِ (بِالرَّمْيِ) بِالسِّهَامِ (وَ) بَيَانِ حُكْمِ (غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ كَقَتْلِ الْقُمَّلِ وَالضَّفَادِعِ وَبَيَانِ أَفْضَلِ الْعُلُومِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحَيْنِ: «الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ» الْمُرَادُ بِهِ الْمُمْتَثِلُ لِلْأَوَامِرِ الْمُجْتَنِبُ لِلنَّوَاهِي «جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» مَعْنَاهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أُوحِيَ إلَيْهِ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً.
عَشْرَةٌ بِالْمَدِينَةِ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ بِمَكَّةَ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ يَرَى فِي الْمَنَامِ مَا يُلْقِيهِ الْمَلَكُ وَذَلِكَ نِصْفُ سَنَةٍ

[حاشية العدوي]

[بَابٌ فِي الرُّؤْيَا]

[قَوْلُهُ: الرُّؤْيَا] بِالْقَصْرِ اُخْتُلِفَ فِيهَا فَقِيلَ: خَوَاطِرُ وَاعْتِقَادَاتٌ، وَقِيلَ: هِيَ رُؤْيَةُ الْقَلْبِ لِأَنَّ الْقَلْبَ لَهُ عَيْنَانِ يَنْظُرُ بِهِمَا وَأُذُنَانِ يَسْمَعُ بِهِمَا اهـ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ: الرُّؤْيَا مِثَالٌ يُلْقِيهِ اللَّهُ تَعَالَى لِعَبْدِهِ فِي مَنَامِهِ بِوَاسِطَةِ مَلَكٍ أَوْ غَيْرِهِ [قَوْلُهُ: أَيْ فِي بَيَانِ كَوْنِ مَا يَرَاهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ] فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مُفَادَهُ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مَذْكُورٌ، وَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ [قَوْلُهُ: وَفِي التَّثَاؤُبِ] بِمُثَنَّاتَيْنِ مِنْ فَوْقٍ أَوْ بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ وَهُوَ فَتْرَةٌ تَعْتَرِي الشَّخْصَ فَيَفْتَحُ عِنْدَهَا فَمَهُ وَهُوَ بِالْهَمْزِ وَتَثَاوَبَ بِالْوَاوِ عَامِّيٌّ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: وَالْعُطَاسُ] مَصْدَرُ عَطَسَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالطَّاءِ يَعْطُسُ وَيَعْطِسُ بِضَمِّ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا إذَا أَتَتْهُ الْعَطْسَةُ.
[قَوْلُهُ: الْحَسَنَةُ] أَيْ الصَّادِقَةُ أَوْ الْمُبَشِّرَةُ احْتِمَالَانِ لِلْبَاجِيِّ أَيْ وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَغَيْرَهَا الْحَلْمُ بِفَتْحِ الْحَاءِ مِنْ تَهْوِيلِ الشَّيْطَانِ وَتَخْلِيطِهِ، وَأَمَّا الْحُلُمُ بِضَمِّ الْحَاءِ فَهُوَ بُلُوغُ السِّنِّ هَذَا مَا أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَشَارِحُ الْمُوَطَّأِ قَدْ ضَبَطَ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ» بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَبِضَمِّهَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ] وَكَذَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمُرَادُ غَالِبُ رُؤْيَا الصَّالِحِينَ وَإِلَّا فَالصَّالِحُ قَدْ يَرَى الْأَضْغَاثَ وَلَكِنَّهُ نَادِرٌ لِقِلَّةِ تَمَكُّنِ الشَّيْطَانِ مِنْهُ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَاحْتَرَزَ بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ مِنْ غَيْرِهِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ جُزْءًا مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَإِنَّمَا تَكُونُ مِنْ سَبْعِينَ أَوْ أَكْثَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تَكُونُ رُؤْيَا الْفَاسِقِ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: الرَّجُلُ الصَّالِحُ الْمُؤْمِنُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فَلَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ تَكُونَ مِنْ الرُّؤْيَا الصَّالِحِ اهـ. [قَوْلُهُ: جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ] أَيْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ عِلْمِ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ إنْ أُطْلِقَتْ فَآثَارُهَا بَاقِيَةٌ وَعِلْمُهَا بَاقٍ عَلَى أَنَّ جُزْءَ الشَّيْءِ لَيْسَ هُوَ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إثْبَاتِ الْجُزْءِ إثْبَاتُ الْكُلِّ.
[قَوْلُهُ: مَعْنَاهُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ] أَيْ وَعِنْدَ بَعْضٍ آخَرَ أَجْزَاءُ النُّبُوَّةِ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهَا إلَّا مَلَكٌ أَوْ نَبِيٌّ، وَإِنَّمَا الْقَدْرُ الَّذِي أَرَادَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانَهُ أَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّ فِيهَا اطِّلَاعًا عَلَى الْغَيْبِ مِنْ وَجْهٍ مَا.
وَأَمَّا تَفْصِيلُ النِّسْبَةِ فَيَخْتَصُّ بِمَعْرِفَةِ دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ

وَنِصْفُ سَنَةٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مَا يَكْرَهُ فِي مَنَامِهِ فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا رَأَيْت فِي مَنَامِي أَنْ يَضُرَّنِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ» كَذَا صَحَّ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَفِي رِوَايَةٍ: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ثَلَاثًا وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ» .

(وَمَنْ تَثَاءَبَ) بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ إذَا فَتَحَ فَاهُ (فَلْيَضَعْ يَدَهُ) الْيُمْنَى ظَاهِرَهَا أَوْ بَاطِنَهَا (عَلَى فِيهِ) أَوْ ظَاهِرَ الْيُسْرَى اسْتِحْبَابًا عَلَى فِيهِ، فَإِذَا زَالَ عَنْهُ التَّثَاؤُبُ نَفَثَ ثَلَاثًا إنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ (وَمَنْ عَطَسَ) خَارِجَ الصَّلَاةِ (فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ) اسْتِحْبَابًا وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ حَمِدَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى هَذَا، وَقِيلَ: يَزِيدُ: رَبَّ الْعَالَمِينَ عَلَى كُلِّ حَالٍ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ (وَعَلَى مَنْ سَمِعَهُ) أَوْ سَمِعَ مَنْ سَمِعَهُ (يَحْمَدُ اللَّهَ أَنْ يَقُولَ لَهُ:

[حاشية العدوي]

الرُّؤْيَا نَوْعٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ نَوْعًا مِنْ نُزُولِ الْوَحْيِ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَلَى ضُرُوبٍ [قَوْلُهُ: وَنِصْفُ سَنَةٍ] قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا بَعِيدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي بَعْدَ الْبَعْثَةِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَبْقَى سَبْعِينَ جُزْءًا لَا مَعْنَى لَهُ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا وَإِنْ كَانَ وَجْهًا يَحْتَمِلُهُ قِسْمَةُ الْحِسَابِ وَالْعَدَدِ، فَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى قَائِلِهِ أَنْ يُثْبِتَ مَا ادَّعَاهُ جُزْءًا وَلَمْ نَسْمَعْ فِيهِ أَثَرًا وَلَا ذَكَرَ مُدَّعِيهِ خَبَرًا فَكَأَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ، وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَا خَفِيَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ يَلْزَمُنَا حُجَّتُهُ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَأَيَّامِ الصِّيَامِ فَإِنَّا لَا نَصِلُ مِنْ عِلْمِهَا إلَى أَمْرٍ يُوجِبُ حَصْرَهَا تَحْتَ أَعْدَادِهَا.
[قَوْلُهُ: فَلْيَتْفُلْ] بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا مِنْ بَابِ قَتَلَ وَضَرَبَ، اُخْتُلِفَ فِي التَّفْلِ وَالنَّفْثِ فَقِيلَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَلَا يَكُونَانِ إلَّا بِرِيقٍ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي التَّفْلِ رِيقٌ يَسِيرٌ وَلَا يَكُونُ فِي النَّفْثِ وَقِيلَ عَكْسُهُ وَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ هُنَا لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ طَرْدُ الشَّيْطَانِ وَإِظْهَارُ احْتِقَارِهِ وَاسْتِقْذَارِهِ، فَالْمَعْنَى فَلْيَتْفُلْ طَرْدًا لِلشَّيْطَانِ الَّذِي حَضَرَ الرُّؤْيَا الْمَكْرُوهَةَ تَحْقِيرًا لَهُ وَاسْتِقْذَارًا.
[قَوْلُهُ: عَنْ يَسَارِهِ] لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْأَقْذَارِ، وَقِيلَ مَأْوَى الشَّيَاطِينِ وَلَا تَنَافِي.
[قَوْلُهُ: ثَلَاثًا] أَيْ لِلتَّأْكِيدِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ فَلْيَسْتَعِذْ.
. . إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مَا يَكْرَهُ فِي مَنَامِهِ فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ» . . . إلَخْ فَعَلَيْهِ لَيْسَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ ذِكْرُ التَّفَلِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ رِوَايَاتٍ ثَلَاثًا وَكَذَا فِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا تِلْكَ الرِّوَايَةَ، نَعَمْ الرِّوَايَةُ الْأَخِيرَةُ فِيهَا مُوَافَقَةٌ لِتِلْكَ الرِّوَايَةِ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ وَنَصِّهَا وَفِي رِوَايَةٍ: «وَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ» ، فَلَعَلَّ الشَّارِحَ تَصَرَّفَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَوَقَعَ الْخَلَلُ.
[قَوْلُهُ: وَلْيَتَحَوَّلْ] حِكْمَةُ التَّحَوُّلِ مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ التَّفَاؤُلُ بِأَنَّ اللَّهَ يُبَدِّلُ الْمَكْرُوهَ بِالْحَسَنِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَعُودَ لِمَنَامِهِ بَعْدَ اسْتِيقَاظِهِ لِأَنَّهُ إنْ عَادَ يَعُودُ لَهُ الشَّيْطَانُ.
تَنْبِيهٌ: الِاحْتِيَاطُ لِمَنْ رَأَى مَا يُحِبُّ كَتْمُ مَا رَآهُ إلَّا عَنْ حَبِيبٍ عَالِمٍ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا بِخِلَافِ مَنْ رَأَى الْمَكْرُوهَ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ بَعْدَ قِيَامِهِ الصَّلَاةُ وَالسُّكُوتُ عَنْ التَّحْدِيثِ بِمَا يَرَاهُ كَمَا فِي مُسْلِمٍ.

[قَوْلُهُ: بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ] وَلَا يُقَالُ تَثَاوُبٌ بِالْوَاوِ كَذَا فِي كَلَامِ الْجَوْهَرِيِّ.
[قَوْلُهُ: إذَا فَتَحَ فَاهُ.
. . إلَخْ] أَيْ لِدَفْعِ الْبُخَارَاتِ الْمُحْتَقِنَةِ فِي عَضَلَاتِ الْفَكِّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ امْتِلَاءِ الْمَعِدَةِ وَمِنْ الشَّيْطَانِ، [قَوْلُهُ: أَوْ ظَاهِرُ الْيُسْرَى] وَلَا يَضَعُ بَاطِنَ الْيُسْرَى لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِمُبَاشَرَةِ الْأَقْذَارِ عَلَى أَنَّ الْيَدَ لَيْسَتْ شَرْطًا كَمَا قَالَ تت بَلْ الْمَقْصُودُ سَدُّ الْفَمِ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: نَفَثَ ثَلَاثًا] تَقَدَّمَ تَعْرِيفُ النَّفْثِ [قَوْلُهُ: إنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ] وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ فَيَشْرَعُ فِي الْقِرَاءَةِ مِنْ غَيْرِ نَفْثٍ كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْفُثُ فِي حَالِ التَّثَاؤُبِ، وَلَمَّا كَانَ مِنْ الشَّيْطَانِ لَمْ يَتَثَاءَبْ نَبِيٌّ [قَوْلُهُ: وَمَنْ عَطَسَ] بِفَتَحَاتٍ فِي الْمَاضِي وَبِفَتْحِ أَوْ ضَمِّ الْعَيْنِ فِي الْمُضَارِعِ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ اسْتِحْبَابًا] أَيْ مُسْمِعًا لِمَنْ يَقْرُبُ مِنْهُ كَيْ يُشَمِّتَهُ.
[قَوْلُهُ: حَمِدَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ] أَيْ فِي قَلْبِهِ، وَعَنْ سَحْنُونَ وَلَا فِي نَفْسِهِ كَذَا ذَكَرَ هَذَا الْقَوْلَ فِي التَّحْقِيقِ أَيْ لِأَنَّ مَا هُوَ فِيهِ أَهَمُّ بِالِاشْتِغَالِ وَهُوَ الرَّاجِحُ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ بَعْضِ الشُّرَّاحِ.
[قَوْلُهُ: رَبِّ الْعَالَمِينَ] أَيْ مَالِكِ

يَرْحَمُك اللَّهُ) إنْ كَانَ مُسْلِمًا وُجُوبًا عَلَى الْكِفَايَةِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ ع، وَنَقَلَ ج عَنْ الْبَيَانِ أَنَّ الْأَشْهَرَ أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ «حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ يَقُولُ لَهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ وَيَبْلُغُ بِالتَّشْمِيتِ ثَلَاثًا فَإِنْ زَادَ الْعَاطِسُ عَلَى الثَّلَاثِ قَالَ لَهُ: إنَّك مَضْنُوكٌ» وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْمَدْ الْعَاطِسُ لَا يُشَمَّتُ وَهُوَ كَذَلِكَ (وَيَرُدُّ الْعَاطِسُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ قَالَ لَهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ: (يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ أَوْ يَقُولُ) لَهُ (يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) وَالثَّانِي أَفْضَلُ لِأَنَّ الْهِدَايَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَغْفِرَةِ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا عَنْ ذَنْبٍ قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ

(وَلَا يَجُوزُ اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ) بِقِمَارٍ

[حاشية العدوي]

الْعَالَمِينَ، وَقَوْلُهُ: عَلَى كُلِّ حَالٍ أَيْ فِي كُلِّ حَالٍ أَوْ بِاعْتِبَارِ مَا مِنْ حَالَةٍ إلَّا وَهُنَاكَ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهَا أَوْ بِاعْتِبَارِ مَا يَتَرَتَّبُ مِنْ ثَوَابِ الْآخِرَةِ فِي الْمُصِيبَةِ، وَقَوْلُهُ: حَمْدًا كَثِيرًا مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ لَا بِالْحَمْدِ الْمَذْكُورِ كَمَا قَرَّرُوا وَوَجْهُهُ مَعْلُومٌ فَلْيُرَاجَعْ.
[قَوْلُهُ: كَثِيرًا] أَيْ شَيْئًا كَثِيرًا بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ مِنْ الْمَحْمُودِ بِهِ، وَقَوْلُهُ: طَيِّبًا أَيْ مِنْ حَيْثُ خُلُوصِهِ مِنْ شَوَائِبِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَقَوْلُهُ: مُبَارَكًا فِيهِ أَيْ مِنْ حَيْثُ عَوْدِهِ لِصَلَاحِ الْحَالِ أَوْ بِالثَّوَابِ الْأُخْرَوِيِّ عَلَى طَرِيقِ التَّرَجِّي مِنْ هَذَا الْبَابِ الْأَكْرَمِ.
تَنْبِيهٌ: فِي عِبَارَتِهِ شَيْءٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ قَائِلَ تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَاحِدٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ زِيَادَةَ رَبِّ الْعَالَمِينَ لِابْنِ مَسْعُودٍ وَزِيَادَةَ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِابْنِ عُمَرَ وَحَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ لِغَيْرِهِمَا.
[قَوْلُهُ: مَنْ سَمِعَهُ يَحْمَدُ اللَّهَ] أَيْ بِخُصُوصِ لَفْظِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ لِأَنَّ مَنْ فِي صَلَاةٍ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ قَالَ يَرْحَمُك اللَّهُ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا.
[قَوْلُهُ: أَوْ سَمِعَ مَنْ سَمِعَهُ] أَيْ أَوْ سَمِعَ شَخْصًا سَمِعَ ذَلِكَ الشَّخْصَ الْعَاطِسَ يَحْمَدُ اللَّهَ فَعَلَى كُلِّ حَالٍ الْعَاطِسُ هُوَ الْحَامِدُ إلَّا أَنَّ الْمُشَمِّتَ تَارَةً يَسْمَعُ الْحَامِدَ وَتَارَةً لَا يَسْمَعُهُ بَلْ يَسْمَعُ شَخْصًا يُشَمِّتُ الْعَاطِسَ، أَيْ وَمِثْلُ سَمَاعِ الْعَاطِسِ سَمَاعُ تَشْمِيتِ النَّاسِ لَهُ، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إذَا لَمْ يَسْمَعْ حَمْدَ الْعَاطِسِ فَلَا يُشَمِّتْهُ إلَّا أَنْ يَرَى تَشْمِيتَ النَّاسِ لَهُ فَيُشَمِّتَهُ، وَيَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْعَاطِسِ، أَنْ يُنَبِّهَهُ عَلَى الْحَمْدِ إنْ تَرَكَهُ لِأَجْلِ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَلَا يُشَمِّتُهُ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ حَقٌّ كَمَا تَقُولُ الْعَوَامُّ.
[قَوْلُهُ: إنْ كَانَ مُسْلِمًا] رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً مَحْرَمًا أَوْ أَجْنَبِيَّةً مُتَجَالَّةً أَوْ غَيْرَهَا حَيْثُ لَا تَمِيلُ إلَيْهَا النُّفُوسُ، وَأَمَّا الَّتِي يُخْشَى الِافْتِتَانُ بِهَا فَلَا يُشَمِّتُهَا كَمَا لَا تَرُدُّ سَلَامًا، وَاحْتَرَزَ بِالْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَهُ: هَدَاك اللَّهُ لَا يَرْحَمُك اللَّهُ لِأَنَّهُ لَا يُرْحَمُ إلَّا الْمُؤْمِنُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عُمَرَ] أَيْ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: وَيَبْلُغُ بِالتَّشْمِيتِ] بِمُعْجَمَةٍ وَمُهْمَلَةٍ لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ.
قَالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنَاهُ بِالْمُعْجَمَةِ أَبْعَدَ اللَّهُ عَنْك الشَّمَاتَةَ وَجَنَّبَك مَا يُشْمَتُ بِهِ عَلَيْك، وَبِالْمُهْمَلَةِ جَعَلَك اللَّهُ عَلَى سَمْتٍ حَسَنٍ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
[قَوْلُهُ: مَضْنُوكٌ] بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ مَزْكُومٌ وَالضُّنَاكُ بِالضَّمِّ الزُّكَامُ، يُقَالُ: أَضْنَكَهُ اللَّهُ وَأَزْكَمَهُ.
قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَالْقِيَاسُ مُضْنَكٌ وَمُزْكَمٌ لَكِنَّهُ جَاءَ عَلَى ضَنَكَ وَزَكَمَ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الدُّعَاءِ لَهُ بِالْعَافِيَةِ لِأَنَّ الزُّكْمَةَ عِلَّةٌ، وَأَشَارَ إلَى الْحَثِّ عَلَى تَدَارُكِ هَذِهِ الْعِلَّةِ وَلَا يُهْمِلُهَا فَيَعْظُمُ أَثَرُهَا وَكَلَامُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهُ حِكْمَةٌ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٌ فِي تَعْلِيلِ الْقَوْلِ إنَّك لَمَزْكُومٌ الِاعْتِذَارُ لَهُ بِذَلِكَ أَيْ عَنْ عَدَمِ تَشْمِيتِهِ.
وَقَالَ عج: يَسْقُطُ طَلَبُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَيَقُولُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: عَافَاكَ اللَّهُ إنَّك لَمَضْنُوكٌ وَلَا يَسْقُطُ طَلَبُ الْحَمْدِ عَنْ الْعَاطِسِ وَلَوْ بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ هَذَا حَيْثُ تَوَالَى الْعُطَاسُ، [قَوْلُهُ: وَيَرُدُّ الْعَاطِسُ] أَيْ وَيَنْدُبُ أَنْ يَرُدَّ الْعَاطِسَ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: بِالْكُمِّ] قِيلَ: الْبَالُ الْحَالُ وَقِيلَ الْقَلْبُ.
[قَوْلُهُ: وَالثَّانِي أَفْضَلُ] وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ أَوْلَى إذْ لَا يَخْلُو أَحَدٌ عَنْ مُوَاقَعَةِ الذُّنُوبِ، وَصَاحِبُ الذُّنُوبِ يَحْتَاجُ لِلْمَغْفِرَةِ قَالَ: وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَهُوَ حَسَنٌ إلَّا أَنَّ الثَّانِيَ اعْتَرَضَ بِأَنَّ الدُّعَاءَ بِالْهِدَايَةِ لِلْمُسْلِمِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَمُنِعَ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الدُّعَاءَ بِالْهِدَايَةِ لِلْإِيمَانِ الْمُتَلَبِّسِ بِهِ بَلْ مَعْرِفَةُ تَفَاصِيلِ أَجْزَائِهِ وَإِعَانَتُهُ عَلَى أَعْمَالِهِ، وَكُلُّ مُؤْمِنٍ يَحْتَاجُ لِذَلِكَ.

وَلَا بِغَيْرِهِ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» . ع: وَالنَّرْدُ قِطَعٌ تَكُونُ مِنْ الْعَاجِ أَوْ مِنْ الْبَقْسِ مُلَوَّنَةٌ يُلْعَبُ بِهَا لَيْسَ فِيهَا كَيْسٌ وَإِنَّمَا تُرْمَى فِي حَالِ لَعِبِهَا تُشْبِهُ اللَّعِبَ بِالْكَعْبِ فِي الْأَوْجُهِ.
(وَ) كَذَا (لَا) يَجُوزُ اللَّعِبُ (بِالشَّطْرَنْجِ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَيُقَالُ: بِالْمُهْمَلَةِ وَهُوَ أَلْهَى مِنْ النَّرْدِ وَأَشَرُّ (وَلَا بَأْسَ) بِمَعْنَى وَيُبَاحُ (أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى مَنْ يَلْعَبُ بِهَا) أَيْ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ اللُّعْبَتَيْنِ فِي غَيْرِ حَالِ اللَّعِبِ.
وَأَمَّا فِي حَالِ اللَّعِبِ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِمَعْصِيَةٍ.
الْقَرَافِيُّ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: النَّرْدُ وَالشَّطْرَنْجُ مِنْ الْمَيْسِرِ.
ابْنُ رُشْدٍ: مَتَى لَعِبَ عَلَى الْقِمَارِ حَرُمَ إجْمَاعًا لِأَنَّهُ مَيْسِرٌ.
الْبَاجِيُّ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْقِمَارِ فِيهَا تَرْكُ الشَّهَادَةِ، وَعَلَى غَيْرِ قِمَارٍ لَا تَسْقُطُ الشَّهَادَةُ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا إذَا أَدْمَنَ، وَالْمُدْمِنُ لَا يَخْلُو مِنْ الْأَيْمَانِ الْحَانِثَةِ أَمَّا عَلَى وَجْهِ النُّدْرَةِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَرْكُهُ وَلَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يُكَسِّرُهَا وَيَضْرِبُ اللَّاعِبَ بِهَا مِنْ أَهْلِهِ لِأَنَّ

[حاشية العدوي]

فِي كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ، وَمِنْ ثَمَّ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُسْأَلَ الْهِدَايَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ أَهْدِنَا.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا] أَيْ الْمَغْفِرَةُ لَا تَكُونُ إلَّا عَنْ ذَنْبٍ وَالْهِدَايَةُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الذُّنُوبِ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ فِي حَدِّ ذَاتِهِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الدُّعَاءِ لِلْمُشَمِّتِ، تَنْبِيهٌ: إنَّمَا كَانَ الْمُشَمِّتُ يَقُولُ: يَرْحَمُك اللَّهُ بِالْإِفْرَادِ وَالْعَاطِسُ يَرُدُّ عَلَيْهِ بِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ بِالْجَمْعِ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُشَمِّتُ الْعَاطِسَ أَيْضًا فَلِذَلِكَ طُلِبَ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّهُمْ مَعَ الْمُشَمِّتِ جَمْعٌ قَالَهُ عِجْ

[قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ اللَّعِبُ] أَيْ يَحْرُمُ، [قَوْلُهُ: بِقِمَارٍ وَلَا بِغَيْرِهِ] أَرَادَ لَا بِعِوَضٍ وَلَا بِغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ.
. . إلَخْ] بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَدَالٍ مُهْمَلَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: فَقَدْ عَصَى اللَّهَ.
. . إلَخْ] لِأَنَّهُ يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَيَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ وَيَشْغَلُ الْقَلْبَ فَيَحْرُمُ اللَّعِبُ بِهِ بِاتِّفَاقِ السَّلَفِ، بَلْ حَكَى بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ وَنُوزِعَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَالنَّرْدُ هُوَ الطَّاوِلَةُ الْمَعْرُوفَةُ فِي مِصْرَ قِيلَ: إنَّ الْأَوَائِلَ لَمَّا نَظَرُوا فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَجَدُوهَا عَلَى أُسْلُوبَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا يَجْرِي بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ فَوَضَعُوا لَهُ النَّرْدَ لِتَشْعُرَ النَّفْسُ بِهِ، وَالثَّانِي مَا يَجْرِي بِحُكْمِ السَّعْيِ وَالتَّحَيُّلِ فَوَضَعُوا لَهُ الشِّطْرَنْجَ لِتَشْعُرَ النَّفْسُ بِذَلِكَ وَتَنْهَضَ الْخَوَاطِرُ إلَى عَمَلِ مِثْلِهِ مِنْ الْمَطْلُوبَاتِ، وَيُقَالُ: إنَّ وَاضِعَ النَّرْدِ وَضَعَهُ عَلَى رَأْيِ أَصْحَابِ الْجَبْرِ وَوَاضِعَ الشِّطْرَنْجِ وَضَعَهُ عَلَى رَأْيِ الْقَدَرِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْعَاجِ] أَيْ الَّذِي هُوَ عَظْمُ الْفِيلِ، وَمُرَادُهُ أَيْ أَوْ غَيْرُهُمَا.
[قَوْلُهُ: لَيْسَ فِيهَا كَيْسٌ] الْكَيْسُ الْفَطِنَةُ أَيْ لَيْسَ فِيهَا فَطَانَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَجْرِي عَلَى حُكْمِ الِاتِّفَاقِ، [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا تُرْمَى فِي حَالِ لَعِبِهَا] أَيْ بِحَيْثُ إذَا ظَهَرَ شَيْءٌ إنَّمَا يَكُونُ بِحُكْمِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ لَا بِالِاخْتِيَارِ أَيْ فَرَمْيُهَا قَبْلَ اللَّعِبِ يُحَصِّلُ فِكْرَةً فِيهَا بِحَيْثُ لَا تَجْرِي عَلَى حُكْمِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، فَلِذَا قَالَ، وَإِنَّمَا تُرْمَى فِي حَالِ اللَّعِبِ أَيْ بِحَيْثُ لَا تَجْرِي إلَّا عَلَى حُكْمِ الِاتِّفَاقِ.
[قَوْلُهُ: تُشْبِهُ اللَّعِبَ بِالْكَعْبِ] أَيْ اللَّعِبَ بِكِعَابِ الضَّأْنِ فَهُوَ لُعْبَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْمَغَارِبَةِ تَذْهَبُ فِيهَا الْأَمْوَالُ غَيْرَ النَّرْدِ.
[قَوْلُهُ: فِي الْأَوْجُهِ] أَيْ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَهُ أَوْجُهٌ تَقَعُ الْقِطْعَةُ عَلَيْهَا فَإِذَا وَقَعَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُنْ كَذَا، وَإِذَا وَقَعَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ يَكُونُ كَذَا هَذَا مَا أَرَادَ اللَّهُ بِفَهْمِهِ وَانْظُرْهُ.
[قَوْلُهُ: أَلْهَى مِنْ النَّرْدِ] أَيْ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى فِكْرٍ وَتَقْدِيرٍ وَحِسَابِ التَّنَقُّلَاتِ قَبْلَ التَّنَقُّلِ بِخِلَافِ النَّرْدِ يَلْعَبُ صَاحِبُهُ ثُمَّ يَحْسِبُهُ، فَلِذَا قَالَ: وَإِنَّمَا تُرْمَى فِي حَالِ اللَّعِبِ أَيْ بِحَيْثُ لَا تَجْرِي إلَّا عَلَى حُكْمِ الِاتِّفَاقِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي حَالِ اللَّعِبِ.
. . إلَخْ] أَيْ وَكَذَا سَائِرُ الْمَعَاصِي لَا يُسَلَّمُ عَلَى أَهْلِهَا فِي حَالِ عِصْيَانِهِمْ [قَوْلُهُ: مَتَى لَعِبَ] أَيْ الشَّطْرَنْجَ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَيْسِرٌ] أَيْ كَالْمَيْسِرِ وَالْمَيْسِرُ مِثْلُ مَسْجِدٍ قِمَارُ الْعَرَبِ بِالْأَزْلَامِ، يُقَالُ: قَامَرْته قِمَارًا مِنْ بَابِ قَاتَلَ فَقَمَرْتُهُ قَمْرًا مِنْ بَابِ قَتَلَ غَلَبْته بِالْقِمَارِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْقِمَارِ] أَيْ بِأَجْرٍ [قَوْلُهُ: إلَّا إذَا أَدَمْنَ] وَالْإِدْمَانُ أَكْثَرُ مِنْ مَرَّةٍ فِي السَّنَةِ.
[قَوْلُهُ: وَالْمُدْمِنُ لَا يَخْلُو.
. . إلَخْ] تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: تَسْقُطُ عِنْدَ الْإِدْمَانِ أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ حَرَامٌ فَإِدْمَانُهُ يُسْقِطُ الشَّهَادَةَ وَإِنْ لَمْ يُلَاحَظْ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا عَلَى وَجْهِ النُّدْرَةِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَرْكُهُ وَلَا تَسْقُطُ عَدَالَتُهُ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ]

بَقَاءَهَا دَاعٍ لِلَّعِبِ بِهَا.
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إذَا وَجَدَ الْوَصِيُّ فِي التَّرِكَةِ شَطْرَنْجًا فَلَا يَبِيعُهَا حَتَّى يَنْحِتَهَا فَيَبِيعَهَا حَطَبًا إنْ أَمِنَ مِنْ السُّلْطَانِ، فَإِنْ خَافَ فَلَا يَفْعَلُ إلَّا بِإِذْنِهِ انْتَهَى.
(وَيُكْرَهُ) كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ (الْجُلُوسُ إلَى مَنْ يَلْعَبُ بِهَا) مَخَافَةَ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ (وَ) كَذَا يُكْرَهُ (النَّظَرُ إلَيْهِمْ) (مَخَافَةَ أَنْ يَشْغَلَ خَاطِرَهُ بِذَلِكَ وَأَنْ يَمِيلَ إلَيْهِمْ)

(وَلَا بَأْسَ) بِمَعْنَى الْجَوَازِ (بِالسَّبْقِ) بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَصْدَرُ، وَبِفَتْحِهَا اسْمُ الْخَطَرِ بِعَيْنِهِ (بِالْخَيْلِ وَبِالْإِبِلِ وَبِالسِّهَامِ بِالرَّمْيِ) بِجُعْلٍ وَبِغَيْرِ جُعْلٍ وَلَا يَجُوزُ السَّبْقُ بِغَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إلَّا بِغَيْرِ جُعْلٍ، وَشَرْطُ صِحَّةِ السَّبْقِ إعْلَامُ الْغَايَةِ وَتَبْيِينُ الْمَوْقِفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ الْمَكَانِ سُنَّةٌ فِي ذَلِكَ فَيُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ ذَلِكَ، وَمَعْرِفَةُ أَعْيَانِ الْخَيْلِ وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ جَرْيِهَا وَلَا مَنْ يَرْكَبُ عَلَيْهَا وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا إلَّا مُحْتَلِمٌ.
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ أَنَّ لِلْمُسَابَقَةِ بِجُعْلٍ ثَلَاثَ صُورٍ فَقَالَ: (وَإِنْ أَخْرَجَا شَيْئًا جَعَلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا) عَلَى أَنَّهُ (يَأْخُذُ ذَلِكَ الْمُحَلِّلَ إنْ سَبَقَ) هُوَ أَيْ الْمُحَلِّلُ (وَإِنْ سَبَقَ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْمُحَلِّلِ مِنْ جَاعِلِ الْجُعَلِ (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُحَلِّلُ (شَيْءٌ) وَيَأْخُذُ السَّابِقُ الْجَمِيعَ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْمَنْعُ.
(وَقَالَ) إمَامُنَا (مَالِكٌ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - (إنَّمَا يَجُوزُ) السَّبْقُ إلَّا (أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ) مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ (سَبَقًا)

[حاشية العدوي]

هِيَ صِيغَةُ ذَمٍّ وَشَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَرَامِ فَلَعَلَّهُ اسْتَعْمَلَهَا فِي اللَّوْمِ هُنَا، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجِبُ تَرْكُهُ وَأَنَّهُ حَرَامٌ لَا مَكْرُوهٌ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا أَدَمْنَ يَكُونُ التَّرْكُ وَاجِبًا لِأَنَّ مَعَهُ سُقُوطَ الشَّهَادَةِ وَهُوَ مُقْتَضَى تَعْلِيلِهِمْ لِسُقُوطِ الشَّهَادَةِ وَالْعَدَالَةِ بِقَوْلِهِمْ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْقِمَارِ وَالْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ وَالِاشْتِغَالِ عَنْ الْعِبَادَةِ.
[قَوْلُهُ: إنْ أَمِنَ مِنْ السُّلْطَانِ] أَيْ إمَّا لِكَوْنِهِ يَرَى جَوَازَهَا أَوْ لِغَرَضٍ لَهُ فِيهَا.
تَنْبِيهٌ: وَقَعَ الْخِلَافُ فِي اللَّعِبِ بِالطَّابِ وَالْمَنْقَلَةِ وَذَكَرَ بَهْرَامٌ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ الْحُرْمَةَ فِي الطَّابِ وَجَعَلَ مِثْلَهُ النَّرْدَ، وَأَمَّا الْمِنْقَلَةُ فَاسْتَظْهَرَ بَعْضَ الْكَرَاهَةِ فِيهَا وَكُلُّ هَذَا حَيْثُ لَا قِمَارَ وَإِلَّا فَالْحُرْمَةُ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ.
[قَوْلُهُ: الْجُلُوسُ إلَى] أَيْ عِنْدَ وَقَوْلُهُ بِهَا أَيْ بِتِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ الْمَلَاهِي.
[قَوْلُهُ: مَخَافَةَ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ] أَيْ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِمَا يُوجِبُ التَّكَلُّمَ فِيهِ وَالْوَاجِبُ حِفْظُ الْعِرْضِ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا يُكْرَهُ النَّظَرُ] أَيْ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ [قَوْلُهُ: النَّظَرُ إلَيْهِمْ] أَفْرَدَ الضَّمِيرَ فِي يَلْعَبُ وَجَمَعَهُ فِي إلَيْهِمْ الْعَائِدِ عَلَى مَنْ مُرَاعَاةً لِلَفْظِهَا فِي الْأَوَّلِ وَلِمَعْنَاهَا فِي الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ مُرَاعَاةَ اللَّفْظِ.

[قَوْلُهُ: اسْمُ الْخَطَرِ بِعَيْنِهِ] أَيْ اسْمُ الشَّيْءِ الْمَجْعُولِ بَيْنَهُمَا، وَالْجَمْعُ أَخْطَارٌ مِثْلَ سَبَبٍ وَأَسْبَابٍ.
[قَوْلُهُ: بِالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ] أَيْ بِالْخَيْلِ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَكَذَا الْإِبِلُ أَيْ أَوْ بَيْنَ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ.
[قَوْلُهُ: بِغَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ] أَيْ كَالْحَمِيرِ وَالطَّيْرِ وَالسُّفُنِ وَالرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ إذَا وَقَعَتْ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ.
[قَوْلُهُ: وَشَرْطُ صِحَّةِ السَّبْقِ] أَيْ وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَجْعُولُ مِمَّا يَصِحُّ بَيْعُهُ، [قَوْلُهُ: وَتَبْيِينُ الْمَوْقِفِ] أَيْ الْمَبْدَأِ.
[قَوْلُهُ: سُنَّةٌ] أَيْ طَرِيقَةٌ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي الْمَوْقِفِ وَالْمَبْدَأِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ جَرْيِهَا] أَيْ بَلْ يُشْتَرَطُ جَهْلُ كُلٍّ سَبْقَ فَرَسِهِ [قَوْلُهُ: وَلَا مَنْ يَرْكَبُ عَلَيْهَا] أَيْ وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الرَّاكِبِ مِنْ كَوْنِهِ جَسِيمًا أَوْ لَطِيفًا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا إلَّا مُحْتَلِمٌ] أَيْ فَيُشْتَرَطُ الْبُلُوغُ فَهَذِهِ الشُّرُوطُ فِي الْمُسَابَقَةِ مَعَ الْجُعْلِ وَهِيَ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ كَالْإِجَارَةِ وَيُشْتَرَطُ فِي الرَّمْيِ تَعْيِينُ عَدَدِ الْإِصَابَةِ وَنَوْعِهَا مِنْ خَزْقٍ أَوْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ السَّهْمِ فَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ، وَلَا تَعْيِينُ الْوَتَرِ وَلَا مَوْضِعُ الْإِصَابَةِ.
[قَوْلُهُ: جُعْلًا] فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ أَخْرَجَ، وَجَوَابُ إنَّ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ جَازَ عَقْدُهَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ جُعْلًا شَرْطًا فِي الْجَوَابِ أَيْ جَازَ الْعَقْدُ إنْ جَعَلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا أَيْ مِنْ حَيْثُ احْتِمَالُ سَبْقِهِ.
[قَوْلُهُ: الْمُسَيِّبُ] بِفَتْحِ الْيَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
[قَوْلُهُ: وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ] مِنْهُمْ ابْنُ الْمَوَّازِ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ.
. . إلَخْ] أَيْ فَلِلْإِمَامِ فِيهَا قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا الْمَنْعُ.
[قَوْلُهُ: كَانَ لِلَّذِي يَلِيهِ مِنْ

بِفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ جُعْلًا عَلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ إلَيْهِ (فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُهُ) وَهُوَ الْآخَرُ مِنْ الْمُتَسَابِقِينَ الَّذِينَ لَمْ يُخْرِجْ جُعْلًا (أَخَذَهُ) أَيْ أَخَذَ الْغَيْرُ الْجُعْلَ (وَإِنْ سَبَقَ) هُوَ أَيْ الرَّجُلُ خَارِجَ الْجُعْلِ (كَانَ لِلَّذِي يَلِيهِ مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) ثَمَّ (غَيْرُ جَاعِلِ السَّبَقِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ الْجُعْلُ (وَآخَرُ) وَهُوَ مَنْ يُسَابِقُهُ فَقَطْ (فَ) إنَّهُ (إذَا سَبَقَ جَاعِلُ السَّبْقِ أَكَلَهُ مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ) أَيْ الْمُسَابَقَةَ ك: هَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عَلَى قَوْلِهِ الْمَشْهُورِ أَنَّ مَخْرَجَ السَّبْقِ لَا يَجُوزُ سَبْقُهُ أَبَدًا، فَهَذَا إذَا سَبَقَ يَكُونُ طُعْمَةً لِمَنْ حَضَرَ سَوَاءٌ شَرَطَ ذَلِكَ أَمْ لَا اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ فِي الْأَصْلِ.

(وَجَاءَ) عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فِيمَا ظَهَرَ مِنْ الْحَيَّاتِ بِالْمَدِينَةِ) الْمُشَرَّفَةِ (أَنْ تُؤْذَنَ) أَيْ تُعْلَمَ (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وُجُوبًا (وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ) الِاسْتِئْذَانَ (فِي غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرُ الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ (فَهُوَ حَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ، وَصِفَةُ الِاسْتِئْذَانِ أَنْ تَقُولَ: إنْ كُنْت تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْتَ مُسْلِمٌ فَلَا تَظْهَرْ لَنَا خِلَافَ الْيَوْمِ وَلَا تُؤْذِنَا، فَإِنْ ظَهَرْت لَنَا قَتَلْنَاك.
وَمَحَلُّ الِاسْتِئْذَانِ فِي غَيْرِ ذِي الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرِ لِمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الْحَدِيثِ: «وَذُو الطُّفْيَتَيْنِ مَا عَلَى ظَهْرِهِ خَطَّانِ أَحَدُهُمَا أَخْضَرُ وَالْآخَرُ أَزْرَقُ وَالْأَبْتَرُ الْقَصِيرُ الذَّنَبِ» وَقِيلَ أَزْرَقُ.
(وَلَا تُؤْذَنُ) الْحَيَّاتُ (فِي الصَّحْرَاءِ) وَنَحْوِهَا كَالطُّرُقَاتِ (وَيُقْتَلُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ (وَيُكْرَهُ قَتْلُ الْقُمَّلِ وَالْبَرَاغِيثِ) وَغَيْرِهِمَا كَالْبَقِّ وَالْبَعُوضِ (بِالنَّارِ) لِأَنَّهُ مِنْ التَّعْذِيبِ مَا لَمْ يَضُرَّ لِكَثْرَتِهَا

[حاشية العدوي]

الْمُتَسَابِقِينَ] لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذَا الْجُعْلَ يَكُونُ لِمَنْ سَبَقَ غَيْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ وَإِلَى ذَلِكَ الْمَخْرَجِ فِي السَّبْقِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِمَنْ حَضَرَ.
[قَوْلُهُ: إنَّ مَخْرَجَ السَّبَقِ] بِفَتْحِ الْبَاءِ [قَوْلُهُ: لَا يَحُوزُ] بِالْحَاءِ أَيْ لَا يَأْخُذُ سَبَقَهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ.
[قَوْلُهُ: اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ] بَقِيَّةُ كَلَامِهِ وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فَرَسَانِ لَا أَكْثَرَ فَيُخْرِجُ أَحَدَهُمَا سَبْقًا فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي الصَّحِيحِ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا أَنَّهُ إذَا شَرَطَ أَنَّ السَّبْقَ لِمَنْ سَبَقَ مِنْ مَخْرَجِهِ أَوْ غَيْرِهِ جَازَ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ فَهَذَا لَا يَكُونُ طُعْمَةً لِمَنْ حَضَرَ وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلسَّابِقِ.
.

[قَوْلُهُ: الْحَيَّاتُ] جَمْعُ حَيَّةٍ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَإِنَّمَا دَخَلَتْهَا الْهَاءُ لِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ مِنْ جِنْسٍ كَبَطَّةٍ عَلَى أَنَّهُ سُمِعَ مِنْ الْعَرَبِ رَأَيْت حَيًّا عَلَى حَيَّةٍ أَيْ ذَكَرًا عَلَى أُنْثَى.
[قَوْلُهُ: بِالْمَدِينَةِ] أَيْ بُيُوتِهَا أَوْ أَزِقَّتِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى طَلَبِ الِاسْتِئْذَانِ مَا فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» الْقَرَافِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ لَا تُسَلَّطُ عَلَيْكُمْ بِسَبَبِ قَتْلِهِ.
[قَوْلُهُ: فِي غَيْرِهَا] أَيْ مِنْ الْعُمْرَانِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ تَقُولَ.
. . إلَخْ] وَقِيلَ تَقُولُ: أُنْشِدُكُنَّ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ سُلَيْمَانُ أَنْ لَا تُؤْذِيَنَا وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: إنْ كُنْت] أَيْ أَيُّهَا الشَّخْصُ.
[قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ ذِي.
. . إلَخْ] وَأَمَّا هُمَا فَلَا يَجُوزُ اسْتِئْذَانُهُمَا وَيُقْتَلَانِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَلَوْ بِالْمَدِينَةِ، وَكَذَا قَالَ عج [قَوْلُهُ: الطُّفْيَتَيْنِ] بِطَاءٍ وَفَاءٍ وَيَاءٍ وَتَاءٍ الطَّاءُ مَضْمُومَةٌ تَثْنِيَةُ طُفْيَةٍ وَوَجْهُ اسْتِثْنَاءِ هَذَيْنِ أَنَّهُمَا يَخْطَفَانِ بِفَتْحِ الطَّاءِ الْأَبْصَارَ وَيَطْرَحَانِ مَا فِي بُطُونِ الْأُمَّهَاتِ.
قَالَ الْأَبِيُّ: إمَّا لِلْفَزَعِ، أَوْ لِخَاصِّيَّةٍ فِيهِمَا، وَقَدْ تَكُونُ الْخَاصِّيَّةُ قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ نَرَى ذَلِكَ مِنْ سُمِّهِمَا وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: الْوَاوُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ لَا بَيْنَ الذَّاتَيْنِ، فَالْمَعْنَى اُقْتُلُوا الْحَيَّةَ الْجَامِعَةَ بَيْنَ الْأَبْتَرِيَّةِ وَكَوْنِهَا ذَاتَ طُفْيَتَيْنِ وَلَا مُنَافَاةَ أَيْضًا بَيْنَ الْأَمْرِ بِقَتْلِ مَا اتَّصَفَ بِإِحْدَى الصِّفَتَيْنِ وَبِقَتْلِ مَا اتَّصَفَ بِهِمَا مَعًا لِأَنَّ الصِّفَتَيْنِ قَدْ يَجْتَمِعَانِ فِيهِمَا وَقَدْ يَفْتَرِقَانِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تُؤْذَنُ الْحَيَّاتُ فِي الصَّحْرَاءِ] أَيْ وَنَحْوِهَا كَالْأَوْدِيَةِ وَكُلِّ مَوْضِعٍ لَا عِمَارَةَ فِيهِ أَيْ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا إذْ الْإِذْنُ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا إنَّمَا هُوَ فِي الْعُمْرَانِ.
[قَوْلُهُ: وَيُقْتَلُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا] يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ مَسْأَلَةِ حَيَّاتِ الصَّحْرَاءِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ فِيمَا ظَهَرَ بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ.
[قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ قَتْلُ الْقَمْلِ] أَيْ تَنْزِيهًا، [قَوْلُهُ: بِالنَّارِ] أَيْ لَا بِالشَّمْسِ أَوْ بِالْقَصْعِ وَالْفَرْكِ، [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ التَّعْذِيبِ] لَا يُقَالُ قَضِيَّةُ ذَلِكَ حُرْمَةُ حَرْقِهَا لَا كَرَاهَتُهُ لِأَنَّا نَقُولُ الْأَصْلُ فِيهَا الْإِيذَاءُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَتْلَ جَمِيعِ الْحَشَرَاتِ بِالنَّارِ مَكْرُوهٌ وَبِغَيْرِهَا جَائِزٌ،

فَيَجُوزُ لِأَنَّ فِي تَتَبُّعِهَا بِغَيْرِ النَّارِ حَرَجًا وَمَشَقَّةً (وَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ بِقَتْلِ النَّمْلِ إذَا آذَتْ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَرْكِهَا) ج: وَأَتَى الشَّيْخُ بِالْمَشِيئَةِ كَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ لَمْ يَقِفْ فِيهِ لَمَالِكٍ عَلَى شَيْءٍ (وَلَوْ لَمْ تُقْتَلْ) النَّمْلُ (كَانَ أَحَبَّ إلَيْنَا إنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِهَا وَيُقْتَلُ الْوَزَغُ) حَيْثُ وُجِدَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَيُكْرَهُ قَتْلُ الضَّفَادِعِ جَمْعُ ضِفْدَعٍ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ قَتْلِهَا

(وَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ) فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ: «إنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ غِبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ أَوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» غِبِّيَّةَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ مَعَ الضَّمِّ وَالْكَسْرِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ الْكِبْرُ وَالتَّجَبُّرُ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ التَّكَبُّرِ بِخِصَالِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ الْكِبْرِ وَنَحْوِهِ وَمِنْ الْفَخْرِ

[حاشية العدوي]

وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ إذَايَةٌ بِالْفِعْلِ.
[قَوْلُهُ: وَالْبَعُوضُ] عَطْفُ مُرَادِفٍ عَلَى الْبَقِّ.
[قَوْلُهُ: بِقَتْلِ النَّمْلِ] وَلَوْ بِالنَّارِ.
[قَوْلُهُ: إذَا آذَتْ] ظَاهِرُهُ كَانَتْ الْأَذِيَّةُ فِي الْبَدَنِ أَوْ الْمَالِ، فَفِي الْجَوَاهِرِ وَنَهَى عَنْ قَتْلِ الْقَمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ وَالْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ إلَّا الْمُؤْذِيَ مِمَّا ذُكِرَ فَيَجُوزُ قَتْلُهُ لِأَذِيَّتِهِ، وَلَا بَأْسَ لِلْجَوَازِ الْمُسْتَوِي وَالشَّرْطَانِ فِي الْجَوَازِ الْمُسْتَوِي إلَّا أَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا فِي الْمَفْهُومِ، فَمَفْهُومُ الْأَوَّلِ يَحْرُمُ وَمَفْهُومُ الثَّانِي يُكْرَهُ وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ لَهُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ لَمْ يَقُلْ.
. . إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَأَتَى الشَّيْخُ بِالْمَشِيئَةِ.
. . إلَخْ] أَيْ إنَّمَا قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ مَعَ الْجَوَازِ لِمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِهَا لِمَا قِيلَ إنَّهَا تُسَبِّحُ اللَّهَ وَتُقَدِّسُهُ.
[قَوْلُهُ: أَحَبُّ إلَيْنَا] أَيْ كَانَ ذَلِكَ أَيْ عَدَمُ الْقَتْلِ أَحَبَّ إلَيْنَا مِنْ الْقَتْلِ، أَيْ أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى تَرْكِهَا بِأَنْ أَمْكَنَهُ التَّبَعُّدُ وَقَدْ آذَتْ يُكْرَهُ قَتْلُهَا وَلَوْ بِالنَّارِ.
قَالَ عج: فَأَحَبُّ بِمَعْنَى مُسْتَحَبٍّ وَلَيْسَ عَلَى بَابِهِ لِاقْتِضَائِهِ الْقَتْلَ مَعَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَإِنْ لَمْ تُؤْذِ مُنِعَ قَتْلُهَا وَلَا يُرَاعِي هُنَا الْقُدْرَةَ عَلَى تَرْكِهَا وَلَا عَدَمِهَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَتْلَهَا حَالَ عَدَمِ الْأَذَاةِ لَا يَجُوزُ وَلَوْ بِغَيْرِ النَّارِ وَحَالَ الْأَذَاةِ جَائِزٌ جَوَازًا مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ إنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَرْكِهَا وَلَوْ بِالنَّارِ، وَجَوَازًا مَرْجُوحًا عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَرْكِهَا مَعَ أَذِيَّتِهَا وَقْتَهَا مَكْرُوهٌ وَلَوْ بِالنَّارِ، لَكِنْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ النَّمْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْ قَتْلِهِ فَقِيلَ: مُطْلَقُ النَّمْلِ وَقِيلَ الْأَحْمَرُ الطَّوِيلُ الْأَرْجُلِ لِعَدَمِ أَذِيَّتِهِ بِخِلَافِ الصَّغِيرِ فَشَأْنُهُ الْإِيذَاءُ.
[قَوْلُهُ: وَيُقْتَلُ الْوَزَغُ] بِفَتْحِ الزَّايِ، الْوَاحِدَةُ وَزَغَةٌ مُحَرَّكَةُ الزَّايِ أَيْضًا وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى أَوْزَاغٍ وَلَفْظُ الْمُصَنِّفِ لَفْظُ الْخَبَرِ وَمَعْنَاهُ الطَّلَبُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ] وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ أَذِيَّةٌ وَلَا كَثْرَةٌ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ حَثَّ وَرَغَّبَ فِي قَتْلِ الْوَزَغَةِ حَيْثُ قَالَ: «مَنْ قَتَلَهَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَلَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمَنْ قَتَلَهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ سَبْعُونَ حَسَنَةً» وَقِيلَ خَمْسُونَ: «وَمَنْ قَتَلَهَا فِي الثَّالِثَةِ فَلَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ» وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ دَلِيلُ التَّهَاوُنِ وَإِنَّمَا خَصَّ الشَّارِعُ عَلَى قَتْلِهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ يَهُودِيَّةً مَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِكَوْنِهَا كَانَتْ تَنْفُخُ النَّارَ الَّتِي حَرَقَتْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَقِيلَ: إنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ السَّمُومِ حَتَّى قِيلَ إنَّهَا أَكْثَرُ سُمًّا مِنْ الْحَيَّةِ.
[قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ قَتْلُ الضَّفَادِعِ] مَحَلُّ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ تُؤْذِ وَإِلَّا جَازَ قَتْلُهَا حَيْثُ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَرْكِهَا وَإِلَّا نُدِبَ عَدَمُ قَتْلِهَا.
[قَوْلُهُ: نَهَى عَنْ قَتْلِهَا] أَيْ؛ لِمَا قِيلَ إنَّهَا أَكْثَرُ الْحَيَوَانَاتِ تَسْبِيحًا حَتَّى قِيلَ إنَّ صَوْتَهَا جَمِيعُهُ ذِكْرٌ وَلِأَنَّهَا أَطْفَأَتْ مِنْ نَارِ إبْرَاهِيمَ ثُلُثَيْهَا وَلَهُ أَكْلُهَا بِالذَّكَاةِ إنْ كَانَتْ بَرِّيَّةً.

[قَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ] أَيْ مُعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ خَبَرٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ.
[قَوْلُهُ: مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ] أَيْ لِأَنَّكُمْ مَا بَيْنَ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ أَيْ مُمْتَثِلٌ لِلْمَأْمُورَاتِ مُجْتَنِبٌ لِلْمَنْهِيَّاتِ فَيَكُونُ مُرْتَفِعًا عِنْدَ اللَّهِ بِتَقْوَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَسِيبًا وَقَوْلُهُ: أَوْ فَاجِرٍ أَيْ كَافِرٌ شِقِّي بِعَدَمِ تَقْوَاهُ وَلَوْ كَانَ نَسِيبًا فَالتَّفَاضُلُ بِالْآبَاءِ لَا يُكْسِبُ شَيْئًا.
[قَوْلُهُ: الْكِبْرُ وَالتَّجَبُّرُ] ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْكِبْرَ وَالتَّجَبُّرَ أَيْ الَّذِي هُوَ التَّكَبُّرُ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مَعْنًى لِكُلٍّ مِنْ اللَّفْظَيْنِ بِالْعَيْنِ وَالْغَيْنِ أَيْ وَإِنْ كَانَ بِالْعَيْنِ مَأْخُوذًا مِنْ الْعِبْءِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَهُوَ الْحِمْلُ الثَّقِيلُ، وَيُسْتَعَارُ لِمَا يُكَلَّفُ مِنْ الْأُمُورِ الشَّاقَّةِ الْعِظَامِ

بِالْآبَاءِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَصْلُ وَاحِدًا مِنْ التُّرَابِ الَّذِي يُوطَأُ بِالْأَقْدَامِ فَكَيْفَ يَتَكَبَّرُ وَلَا مَزِيَّةَ لِلْفَرْعِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ إلَّا مَنْ خَصَّهُ اللَّهُ بِالتَّقْوَى وَاصْطَفَاهُ بِكَرَامَةٍ مِنْ عِنْدِهِ.
ثُمَّ أَتَى بِحَدِيثٍ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ الْفَخْرِ بِالْآبَاءِ فَقَالَ: «وَقَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي رَجُلٍ تَعَلَّمَ أَنْسَابَ النَّاسِ» مِثْلُ أَنْ يَقُولَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مِنْ بَنِي فُلَانٍ وَبَنُو فُلَانٍ يَجْتَمِعُونَ مَعَ بَنِي فُلَانٍ «عِلْمٌ لَا يَنْفَعُ» فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ «وَجَهَالَةٌ لَا تَضُرُّ» لَا يُقَالُ لِمَنْ جَهِلَهُ جَاهِلٌ وَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ النَّسَبِ وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَقَالَ: (وَقَالَ عُمَرُ) بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (تَعَلَّمُوا) وُجُوبًا (مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ) الْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا كُلُّ مَنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ لَا مَنْ يَحْرُمُ نِكَاحُهُ فَقَطْ (وَقَالَ) إمَامُنَا (مَالِكٌ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَأَكْرَهُ) قِيلَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَقِيلَ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ (أَنْ يَرْفَعَ فِي النِّسْبَةِ) فِيمَا (قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِنْ الْآبَاءِ) مِثْلُ أَنْ يَعُدَّ أَجْدَادَهُ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكُفَّارَ.

وَقَوْلُهُ: «وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَمَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ مِنْ شَرِّ مَا رَأَى» تَكْرَارٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ ع: أَعَادَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَلَا يَنْبَغِي) بِمَعْنَى وَيَحْرُمُ (أَنْ يُفَسِّرَ الرُّؤْيَا مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِهَا) ق: يَعْنِي الرَّائِيَ

[حاشية العدوي]

قَالَهُ التِّلْمِسَانِيُّ فِي شَرْحِ الشِّفَاءِ، وَبِالْغَيْنِ فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْغَبَاوَةِ وَهِيَ التَّنَاهِي فِي الْجَهَالَةِ، وَوَجْهُ الْأَخْذِ أَنَّ الْكِبْرَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَكْرُوهٌ شَرْعًا صَارَ كَأَنَّهُ الْحِمْلُ الثَّقِيلُ وَنَشَأَ مِنْ الْجَهْلِ فَظَهَرَ وَجْهُ الْأَخْذِ.
[قَوْلُهُ: التَّكَبُّرُ] أَرَادَ بِهِ الِاتِّصَافَ أَيْ الِاتِّصَافَ بِخِصَالِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّكَبُّرَ إظْهَارُ الْعَظَمَةِ عَلَى الْغَيْرِ وَرُؤْيَةُ الْغَيْرِ أَنَّهُ حَقِيرٌ بِالنِّسْبَةِ لَهُ ثُمَّ رَأَيْته بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ عَبَّرَ فِي التَّحْقِيقِ بِالتَّلَبُّسِ بَدَلَ التَّكَبُّرِ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْكِبْرِ] بَيَانٌ لِخِصَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، [قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ] كَالْعُجْبِ.
[قَوْلُهُ: فَكَيْفَ يَتَكَبَّرُ] أَيْ وَيَفْتَخِرُ [قَوْلُهُ: بِكَرَامَةٍ مِنْ عِنْدِهِ] أَيْ الَّذِي هُوَ التَّقْوَى، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ التَّفَاخُرِ لِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنْ إيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَالتَّنَافُرِ وَالتَّحَاقُدِ.
[قَوْلُهُ: فِي رَجُلٍ] أَيْ فِي شَأْنِ رَجُلٍ [قَوْلُهُ: عِلْمٌ لَا يَنْفَعُ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ] أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا ثَوَابَ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَجَهَالَةٌ لَا تَضُرُّ] أَيْ بِحَيْثُ يَلْحَقُهُ الذَّمُّ وَالْإِثْمُ بِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بَلْ تَرْكُ الِاشْتِغَالِ بِهِ أَوْلَى لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَعْنِي.
[قَوْلُهُ: لَا يُقَالُ.
. . إلَخْ] أَيْ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ تَحْقِيرٌ فِي ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: تَعَلَّمُوا] أَيْ لِأَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ فَوَسِيلَتُهُ كَذَلِكَ قَالَهُ ج، وَقَالَ عج: وَانْظُرْ هَلْ يَتَعَلَّمُ مِنْ أَنْسَابِهِ إلَى مُنْتَهَى أَجْدَادِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوْ يَتَقَيَّدُ بِثَلَاثَةِ أَجْدَادٍ وَنَحْوِهَا اهـ. [قَوْلُهُ: وَقِيلَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ] وَهُوَ الظَّاهِرُ فَلِذَلِكَ عَطَّلَ تت بِقَوْلِهِ: لِمَا فِيهِ مِنْ إعْزَازِ الشِّرْكِ وَالِافْتِخَارِ بِأَهْلِهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْفَخْرَ بِالدِّينِ لَا بِالْكُفْرِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَرْفَعَ فِي النِّسْبَةِ.
. . إلَخْ] هَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَبٌ وَاحِدٌ فِي الْإِسْلَامِ فَلَا يَتَعَلَّمُ مِنْ نَسَبِهِ شَيْئًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا وَصَلَ إلَى جَدٍّ كَافِرٍ أَمْسَكَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ إلَّا جَدٌّ، وَلِذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَبٌ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْهُ شَيْئًا، تَنْبِيهٌ: فَضْلُ الْعَالِمِ يَفُوقُ فَضْلَ النَّسَبِ فَالْعَالِمُ أَفْضَلُ مِنْ الشَّرِيفِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي رِسَالَةٍ لَهُ.
[قَوْلُهُ: فِي النِّسْبَةِ] أَيْ الِانْتِسَابُ [قَوْلُهُ: فِي] بِمَعْنَى اللَّامِ [قَوْلُهُ: مِنْ الْآبَاءِ] بَيَانٌ لِمَا.
[قَوْلُهُ: مِثْلُ أَنْ يَعُدَّ] ، كَذَا فِي التَّحْقِيقِ التَّعْبِيرُ بِمِثْلِ كَمَا هُنَا وَإِذَا كَانَ الْحَالُ فَقَوْلُهُ: حَتَّى.
. . إلَخْ مَا بَعْدَهَا دَاخِلٌ لَا أَنَّهَا بِمَعْنَى إلَى

[قَوْلُهُ: الصَّالِحَةُ] أَيْ الْحَسَنَةُ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَتْفُلْ] أَيْ أَوْ يَنْفُثْ أَوْ يَبْزُقْ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ.
[قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ] أُجِيبَ بِأَنَّهُ كَرَّرَهُ إشَارَةً لِلْجَمْعِ بَيْنَ

وَغَيْرَهُ لِأَنَّهُ يَكُونُ كَاذِبًا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ عِلْمٌ بِهَا يُفَسِّرُهَا وَهُوَ الْعَالِمُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ وَكَانَ لَهُ فَضْلٌ وَصَلَاحٌ وَفِرَاسَةٌ (وَلَا يَعْبُرُهَا) أَيْ الرُّؤْيَا الْمُعَبِّرُ (عَلَى الْخَيْرِ وَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ) وَهَذَا نَهْيُ تَحْرِيمٍ لِأَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ وَغَرَرٌ بِالرَّائِي فَيَنْبَغِي إنْ ظَهَرَ لَهُ خَيْرٌ ذَكَرَهُ وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ مَكْرُوهٌ يَقُولُ خَيْرًا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ يَصْمُتُ

(وَلَا بَأْسَ بِإِنْشَادِ الشِّعْرِ) إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَمُّ أَحَدٍ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَسَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنْشِدْ وَمَعَك رُوحُ الْقُدُسِ» . (وَمَا خَفَّ مِنْ) إنْشَادِ (الشِّعْرِ) وَنَظْمِهِ (فَهُوَ أَحْسَنُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ إنْشَادِ الشِّعْرِ (وَ) لَا (مِنْ الشُّغْلِ بِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ بَطَالَةٌ وَاشْتِغَالٌ بِغَيْرِ الْأَوْلَى،

ثُمَّ بَيَّنَ مَا هُوَ أَوْلَى بِالِاشْتِغَالِ بِهِ فَقَالَ: (وَأَوْلَى) بِمَعْنَى وَأَوْجَبُ (الْعُلُومِ وَأَفْضَلُهَا وَأَقْرَبُهَا) أَيْ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا (إلَى اللَّهِ تَعَالَى عِلْمُ

[حاشية العدوي]

رِوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ هُنَا أَسْقَطَ ذِكْرَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ وَذَكَرَهُ فِيمَا سَبَقَ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تَقْفُ] أَيْ لَا تَتْبَعْ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْعَالِمُ.
. . إلَخْ] أَيْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَعْبِيرُهَا بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ كَمَا يَقَعُ الْآنَ فَهُوَ حَرَامٌ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ وَأَوْصَافِ الرَّائِينَ، وَلِذَلِكَ سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ سِيرِينَ بِأَنَّهُ رَأَى نَفْسَهُ أَذَّنَ فِي النَّوْمِ فَقَالَ لَهُ: تَسْرِقُ وَتُقْطَعُ يَدُك وَسَأَلَهُ آخَرُ وَقَالَ لَهُ مِثْلَ هَذَا فَقَالَ لَهُ: تَحُجُّ فَوَجَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا فَسَّرَهُ لَهُ بِهِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: رَأَيْت هَذَا سُمَيَّتُهُ حَسَنَةٌ وَالْآخَرُ سُمَيَّتُهُ قَبِيحَةٌ وَلَا تَخْرُجُ الرُّؤْيَةُ عَنْ مَعْنَاهَا وَلَوْ فُسِّرَتْ بِغَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّهَا تَخْرُجُ عَلَى مَا عُبِّرَتْ عَلَيْهِ أَوَّلًا فَسَّرَهَا بِمَعْنَاهَا أَوْ بِغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: بِالْكِتَابِ] أَيْ بِمَدْلُولِهِ وَكَذَا قَوْلُهُ وَالسُّنَّةِ [قَوْلُهُ: وَكَلَامِ الْعَرَبِ] أَيْ بِمَعَانِي كَلَامِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ وَأَمْثَالِهِمْ.
[قَوْلُهُ: وَكَانَ لَهُ فَضْلٌ.
. . إلَخْ] لَا حَاجَةَ لَهُ لِأَنَّ بِمَعْرِفَتِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ ثَبَتَ لَهُ الْفَضْلُ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ " وَصَلَاحِ " عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
[قَوْلُهُ: وَفِرَاسَةٌ] ضَبَطَهَا جَمْعٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَضَبَطَهَا بَعْضُ مُحَقِّقِي الْعَجَمِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَفُسِّرَتْ بِتَفَاسِيرَ فَقِيلَ سَوَاطِعُ أَنْوَارٍ تَلْمَعُ فِي الْقَلْبِ يُدْرِكُ بِهَا الْمَعَانِيَ، وَقِيلَ الِاطِّلَاعُ عَلَى مَا فِي الضَّمَائِرِ وَقِيلَ: ظِلٌّ صَائِبٌ.

[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِإِنْشَادِ الشِّعْرِ] لَا بَأْسَ هُنَا لِلْإِبَاحَةِ قَالَهُ تت، أَيْ ذِكْرُ الْإِنْسَانِ شِعْرَ غَيْرِهِ وَأَمَّا إنْشَاؤُهُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ فَقَدْ ذُكِرَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَلَوْلَا الشِّعْرُ بِالْعُلَمَاءِ يُزْرِي ... لَكُنْت الْيَوْمَ أَشْعَرَ مِنْ لَبِيدِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ إنْشَائِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَهُ تت.
[قَوْلُهُ: لِحَسَّانَ] هُوَ ابْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عُمَرَ عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً نِصْفُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَنِصْفُهَا فِي الْإِسْلَامِ وَكَذَا عَاشَ أَبُوهُ وَجَدُّهُ وَجَدُّ أَبِيهِ.
[قَوْلُهُ: أَنْشِدْ] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الشِّينِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ أَنْشِدْ الشِّعْرَ إنْشَادًا، [قَوْلُهُ: وَمَعَك.
. . إلَخْ] أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَمُدُّهُ بِأَبْلَغِ جَوَابٍ وَإِلْهَامِهِ لِإِصَابَةِ الصَّوَابِ وَإِنْطَاقِهِ بِمَا هُوَ أَلْيَقُ بِالْمَقَامِ.
[قَوْلُهُ: رُوحُ الْقُدْسِ] بِضَمِّ الدَّالِ وَسُكُونِهَا جِبْرِيلُ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَأْتِي الْأَنْبِيَاءَ بِمَا فِيهِ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ وَالطَّهَارَةُ الْكَامِلَةُ فَهُوَ كَالْمُبْدِئِ لِحَيَاةِ الْقَلْبِ، كَمَا أَنَّ الرُّوحَ مُبْدِئَةٌ لِحَيَاةِ الْجَسَدِ وَأُضِيفَ إلَى الْقُدْسِ لِأَنَّهُ مَجْبُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ عَنْ الْعُيُوبِ.
[قَوْلُهُ: وَنَظْمِهِ] عَطْفٌ مُغَايِرٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ إنْشَادَ الشِّعْرِ عِبَارَةٌ عَنْ ذِكْرِ شِعْرِ الْغَيْرِ، وَقَوْلُهُ: وَنَظْمِهِ أَيْ إنْشَاءِ شِعْرٍ مِنْ نَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: فَهُوَ أَحْسَنُ] أَيْ مِنْ كَثْرَتِهِ وَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ لِقَوْلِهِ: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ مِنْهُ أَيْ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ، وَقَوْلُهُ: وَلَا مِنْ الشُّغْلِ بِهِ عَيْنُ مَا قَبْلَهُ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَلِكَ بَطَالَةٌ] أَيْ بَطَالَةٌ مِمَّا كَانَ أَوْلَى وَاشْتِغَالٌ بِغَيْرِ الْأَوْلَى زَادَ فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ بَلْ بِالْمَكْرُوهِ أَيْ لِقِلَّةِ سَلَامَةِ فَاعِلِهِ مِنْ التَّجَاوُزِ لِأَنَّ غَالِبَهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُبَالَغَاتٍ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الشَّوَاهِدِ وَالْأَمْثَالِ لِأَجْلِ التَّأْلِيفِ وَالتَّدْرِيسِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَقَدْ كَانَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَحْفَظَ النَّاسِ لِلشَّوَاهِدِ وَالْمُثُلِ

[قَوْلُهُ: وَأَوْجَبُ الْعُلُومِ] أَيْ الْأَشَدُّ تَأَكُّدًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِنْ حَيْثُ الِاشْتِغَالِ، وَقَوْلُهُ: وَأَفْضَلُهَا أَيْ مِنْ حَيْثُ الِاشْتِغَالِ لِيُنَاسِبَ الطَّرَفَيْنِ: الْأَوَّلَ وَهَذَا الثَّانِيَ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ وَأَقْرَبُهَا وَهَذِهِ الْأَفْضَلِيَّةُ تَرْجِعُ لِكَثْرَةِ الثَّوَابِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا] ظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: أَقْرَبُ وَأَنَّ

دِينِهِ) وَهُوَ عِلْمُ الْعَقَائِدِ (وَ) عِلْمُ (شَرَائِعِهِ) وَهُوَ عِلْمُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ (مِمَّا أَمَرَ) اللَّهُ (بِهِ) مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ (وَنَهَى عَنْهُ) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ.
وَقَوْلُهُ: (وَدَعَا إلَيْهِ وَحَضَّ عَلَيْهِ) تَكْرَارٌ (فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ) مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: (وَالْفِقْهُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي فَهْمِ دِينِ اللَّهِ وَعِلْمِ شَرَائِعِهِ وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ: (وَالْفَهْمُ فِيهِ) وَقَوْلُهُ: (وَالتَّهَمُّمُ) أَيْ الِاهْتِمَامُ (بِرِعَايَتِهِ) أَيْ بِحِفْظِهِ (وَالْعَمَلُ بِهِ) مَعْطُوفَانِ عَلَى قَوْلِهِ: عِلْمُ دِينِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْعَمَلُ بِهِ أَفْضَلَ وَأَقْرَبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ ثَمَرَةَ الْعِلْمِ الْعَمَلُ.
ثُمَّ عَقَّبَ أَفْضَلَ الْعُلُومِ بِبَيَانِ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ فَقَالَ: (وَالْعِلْمُ) أَيْ الِاشْتِغَالُ بِهِ (أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ) لِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مَعَاجِيمِهِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ

[حاشية العدوي]

الْمُفَاضَلَةَ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا فَيُفِيدُ أَنَّ مَا عَدَا مَا ذُكِرَ لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ مَعَ أَنَّ مُفَادَ مَا قَبْلَهُ التَّقَرُّبُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ عِلْمُ الْعَقَائِدِ] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: عِلْمُ دِينِهِ أَيْ فَأَرَادَ بِالْعِلْمِ الْمُضَافِ فَنَّ التَّوْحِيدِ، وَأَرَادَ بِالدِّينِ أَحْكَامًا خَاصَّةً وَهِيَ الْعَقَائِدُ أَيْ النِّسَبُ الْمُعْتَقَدَةُ أَيْ الْمُتَكَلَّمُ عَلَيْهَا فِي هَذَا الْفَنِّ.
[قَوْلُهُ: وَعِلْمُ شَرَائِعِهِ] أَرَادَ بِالْعِلْمِ الْمُضَافِ فَنَّ الْفِقْهِ، وَأَرَادَ بِالشَّرَائِعِ النِّسَبَ التَّامَّةَ الْجُزْئِيَّةَ لِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ الَّذِي هُوَ النِّسَبُ الْكُلِّيَّةُ عَلَى أَحَدِ الْمَعَانِي.
[قَوْلُهُ: عِلْمُ الْحَلَالِ] أَيْ الْعِلْمُ الْمَنْسُوبُ لِلْحَلَالِ وَالْحَرَامِ أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُبَيَّنُ فِيهِ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ، أَيْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعَامَلَاتِ أَوْ هَذَا وَاجِبٌ وَهَذَا مَنْدُوبٌ وَهَكَذَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادَاتِ.
[قَوْلُهُ: مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَعِلْمُ شَرَائِعِهِ أَيْ عِلْمُ شَرَائِعِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ أَيْ مِنْ مُفِيدِ وَصْفِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ بِوَصْفِ الْوُجُوبِ وَبِوَصْفِ النَّدْبِ، وَالْحَامِلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ لَيْسَتْ نَفْسَ عِلْمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَكْرُوهَاتُ] أَرَادَ بِهَا مَا يَشْمَلُ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ أَيْ وَالْمُبَاحَاتُ [قَوْلُهُ: وَحَضَّ عَلَيْهِ] أَيْ حَثَّ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: تَكْرَارٌ أَيْ مَعَ قَوْلِهِ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَمُفَادُهُ أَنَّ قَوْلَهُ وَحَضَّ عَلَيْهِ عَيْنُ قَوْلِهِ وَدَعَا إلَيْهِ فَهُمَا رَاجِعَانِ لِلْمَأْمُورِ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ] أَيْ أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ أَيْ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ السُّنَّةِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ فِي فَهْمِ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَالْفِقْهُ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي عِلْمِ دِينِ اللَّهِ.
. . إلَخْ لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ عِلْمٌ بِمَعْنَى مَعْلُومٍ لَا بِمَعْنَى الْفَهْمِ، وَقَوْلُهُ: وَهُوَ.
. . إلَخْ أَيْ الْحَالُ أَنَّهُ بِمَعْنَى قَوْلِهِ.
. . إلَخْ، [قَوْلُهُ: الِاهْتِمَامُ] تَفْسِيرٌ لِلشَّيْءِ بِمُرَادِفِهِ الْأَوْضَحِ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ يَحْفَظُهُ] لَا يَخْفَى أَنَّ الرِّعَايَةَ الْمُفَسَّرَةَ بِالْحِفْظِ تَجْمَعُ فَهْمَهُ وَالْعَمَلَ بِهِ فَفِي الْكَلَامِ إطْنَابٌ.
[قَوْلُهُ: مَعْطُوفَانِ.
. . إلَخْ] الْمَعْطُوفُ الْأَوَّلُ هُوَ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ: وَالْفِقْهُ وَالْفَهْمُ، وَالْمَعْطُوفُ الثَّانِي هُوَ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ وَالتَّهَمُّمُ وَالْعَمَلُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا مِنْ التَّسَامُحِ لِأَنَّ أَوْجَبَ الْعُلُومِ وَأَفْضَلَهَا وَأَقْرَبَهَا مِنْ جُمْلَةِ الْعُلُومِ وَالْمَعْطُوفُ عَلَى الْعِلْمِ يُفِيدُ أَنَّ الْفَهْمَ وَالِاهْتِمَامَ وَالْعَمَلَ مِنْ جُمْلَةِ الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ الْمَعْلُومَاتُ أَيْ الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَعْطُوفَ الْأَوَّلَ وَبَعْضَ الثَّانِي مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالطَّرَفَيْنِ أَعْنِي عِلْمَ الدِّينِ وَعِلْمَ الشَّرَائِعِ.
وَقَوْلُهُ: وَالْعَمَلُ مُتَعَلِّقٌ بِالطَّرَفِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ عِلْمُ الشَّرَائِعِ وَلَا يَخْفَى أَيْضًا أَنَّ أَفْضَلِيَّةَ هَذَيْنِ الْعِلْمَيْنِ وَأَقْرَبِيَّتِهِمْ وَأَحَبِّيَتَهُمَا إنَّمَا هِيَ مِنْ حَيْثُ فَهْمِهِمَا وَحِفْظِهِمَا وَالْعَمَلِ بِهِمَا الَّذِي مِنْ جُمْلَتِهِ تَعْلِيمُهُمَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ مَعْطُوفَانِ مِنْ عَطْفِ التَّفْسِيرِ.
[قَوْلُهُ: أَفْضَلَ وَأَقْرَبَ] الْمُنَاسِبُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنْ يَقُولَ: أَوْجَبَ وَأَفْضَلَ وَأَقْرَبَ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمُدَّعَى أُمُورٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْ جُمْلَتِهَا الْعَمَلُ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَذْكُرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْمُدَّعِي مِنْ التَّعَالِيلِ لَا خُصُوصَ الطَّرَفِ الْأَخِيرِ الَّذِي هُوَ الْعَمَلُ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ ثَمَرَةَ الْعِلْمِ الْعَمَلُ] مُفَادُ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ الْمُفَاضَلَةَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ عِلْمَ الدِّينِ وَعِلْمَ الشَّرَائِعِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمَا مِنْ حَيْثُ الِاشْتِغَالُ وَمِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ ثُمَّ إنَّ قَضِيَّةَ هَذَا التَّفْضِيلِ أَنَّ الْعِلْمَ بِلَا عَمَلٍ فِيهِ فَضْلٌ وَقُرْبٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ حَيْثُ اعْتِقَادُ حُرْمَةِ الْأُمُورِ وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا.
[قَوْلُهُ: أَيْ الِاشْتِغَالُ بِهِ] أَيْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَأَرَادَ بِهِ عِلْمَ الدِّينِ وَعِلْمَ الشَّرَائِعِ.
[قَوْلُهُ: أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ

الْفِقْهُ وَأَفْضَلُ الدِّينِ الْوَرَعُ» قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْمُذَاكَرَةُ فِي الْفِقْهِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ

(وَأَقْرَبُ الْعُلَمَاءِ) قُرْبُ رِضًا وَمَحَبَّةٍ (إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَوْلَاهُمْ بِهِ أَكْثَرُهُمْ لَهُ خَشْيَةً) أَيْ خَوْفًا (وَ) أَكْثَرُهُمْ (فِيمَا عِنْدَهُ رَغْبَةً) أَيْ رَجَاءً (وَالْعِلْمُ) الْمُقَرِّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى (دَلِيلٌ إلَى الْخَيْرَاتِ وَقَائِدٌ إلَيْهَا) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ

[حاشية العدوي]

الْفِقْهُ] أَيْ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ أَيْ مَا يُتَعَبَّدُ بِهِ الرَّبُّ مِنْ صَوْمٍ وَصَلَاةٍ وَحَجٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: الْفِقْهُ أَيْ التَّفَهُّمُ فِي عِلْمِ دِينِهِ وَعِلْمِ شَرَائِعِهِ ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا رَأَيْت الْمُنَاوِيَّ ذَكَرَ عَنْ الْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ مَا نَصُّهُ.
قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: الْفِقْهُ الْفَهْمُ وَانْكِشَافُ الْغِطَاءِ فَإِذَا عَبَدَ اللَّهَ بِمَا أَمَرَ وَنَهَى بَعْدَ أَنْ فَهِمَهُ انْكَشَفَ لَهُ الْغِطَاءُ عَنْ تَدْبِيرِهِ فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى فَهِيَ الْعِبَادَةُ الْخَالِصَةُ الْمَحْضَةُ، وَقَوْلُهُ: وَأَفْضَلُ الدِّينِ الْوَرَعُ.
. . إلَخْ أَيْ وَأَفْضَلُ التَّدَيُّنِ الْوَرَعُ الَّذِي هُوَ كَمَا قِيلَ الْخُرُوجُ مِنْ كُلِّ شُبْهَةٍ وَمُحَاسَبَةُ النَّفْسِ مِنْ كُلِّ طَرْفَةٍ، وَالْوَرَعُ يَكُونُ فِي خَوَاطِرِ الْقُلُوبِ وَسَائِرِ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ وَإِنَّمَا كَانَ أَفْضَلَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّخَلِّي عَنْ الشُّبُهَاتِ وَتَجَنُّبِ الْمُحْتَمَلَاتِ وَعَبَّرَ فِي الْفِقْهِ بِالْعِبَادَةِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ كَالْعِبَادَةِ وَفِي الْوَرَعِ بِالدِّينِ لِأَنَّ مَرْجِعَهُ إلَى الْيَقِينِ الْقَلْبِيِّ الَّذِي بِهِ يُدَانُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
[قَوْلُهُ: قَالَ مَالِكٌ] لَمْ يَقُلْ وَقَالَ مَالِكٌ.
. . إلَخْ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ لِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ تَأَدُّبًا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِيهَامِ الْعَطْفِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا دَلِيلٌ لِلْمُدَّعِي مَعَ أَنَّ الدَّلِيلَ هُوَ الْأَوَّلُ.
[قَوْلُهُ: الْمُذَاكَرَةُ] مُفَاعَلَةٌ تَقْتَضِي مُتَعَدِّدًا أَيْ تَذَكُّرُ الْفِقْهِ مِنْ مُتَعَدِّدٍ بَيَانٌ لِمَا هُوَ الْأَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ نَمَاءِ الْعِلْمِ وَزِيَادَتِهِ وَشِدَّةِ التَّوَثُّقِ، وَهُوَ يَشْمَلُ إفَادَتَهُ لِلْمُتَعَلِّمِينَ وَتَفَهُّمَهُ مِنْ الْمُتَسَاوِينَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بَيَانٌ لِمَا هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَكْمَلُ وَإِلَّا فَتَذَكُّرُ الْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ أَفْضَلُ أَيْضًا مِنْ الصَّلَاةِ، وَأَرَادَ بِهَا مَا عَدَا السُّنَنَ الْمُؤَكَّدَةَ وَالرَّوَاتِبَ لِمَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ الْأَوْلَى لِطَالِبِ الْعِلْمِ فِعْلُ الرَّوَاتِبِ، وَإِذَا كَانَتْ الْمُذَاكَرَةُ أَفْضَلَ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ بَقِيَّةِ الْعِبَادَاتِ النَّافِلَةِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، وَأَرَادَ بِهِ أَيْضًا مَا يَشْمَلُ آلَاتِهِ الْمُتَوَقِّفِ هُوَ عَلَيْهَا وَرُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا جَمِيعُ أَفْعَالِ الْبِرِّ فِي الْجِهَادِ إلَّا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ وَمَا جَمِيعُ أَفْعَالِ الْبِرِّ وَالْجِهَادِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إلَّا كَبَصْقَةٍ فِي بَحْرٍ» وَرُوِيَ أَيْضًا: «لَبَابٌ يَتَعَلَّمُهُ الرَّجُلُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَلْفِ رَكْعَةٍ تَطَوُّعًا» وَأَيْضًا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إذَا جَاءَ الْمَوْتُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مَاتَ وَهُوَ شَهِيدٌ» ، [قَوْلُهُ: فِي الْفِقْهِ] أَرَادَ بِهِ عِلْمَ الْفِقْهِ

[قَوْلُهُ: قُرْبُ رِضًا وَمَحَبَّةٍ] هُمَا بِمَعْنًى وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُمَا إمَّا إرَادَةُ الْإِنْعَامِ أَوْ الْإِنْعَامُ فَهُمَا إمَّا مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ وَإِمَّا مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ، وَذَلِكَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْمَحَبَّةِ هِيَ الْمَيْلُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ عَلَى الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ، وَأَرَادَ مَيْلًا يَلْزَمُهُ مَا ذُكِرَ لَا مُطْلَقَ الْمَيْلِ الَّذِي لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فَهُوَ كَالْعَدَمِ، [قَوْلُهُ: وَأَوْلَاهُمْ بِهِ] أَيْ بِمَعُونَتِهِ وَنَصْرِهِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ خَوْفًا] مُفَادُهُ أَنَّ الْخَوْفَ وَالْخَشْيَةَ مُتَرَادِفَانِ، وَقِيلَ: الْخَوْفُ هَرَبُ الْقَلْبِ مِنْ حُلُولِ الْمَكْرُوهِ عِنْدَ اسْتِشْعَارِهِ، وَالْخَشْيَةُ أَخَصُّ مِنْ الْخَوْفِ فَهِيَ لِلْعُلَمَاءِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ خَوْفٌ مَقْرُونٌ بِمَعْرِفَةٍ أَيْ فَخَشْيَةُ اللَّهِ هِيَ خَوْفُ عِقَابِهِ مَعَ تَعْظِيمِهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ ظَالِمٍ فِي فِعْلِهِ بِخِلَافِ مُطْلَقِ الْخَوْفِ فَإِنَّهُ يَتَحَقَّقُ عِنْدَ تَهْدِيدِ الظَّالِمِ لَهُ.
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنِّي لَأَعْلَمُكُمْ بِاَللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً» قَالَ الْعِزُّ: فِيهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ الْخَوْفَ وَالْخَشْيَةَ حَالَةٌ تَنْشَأُ عَنْ مُلَاحَظَةِ شِدَّةِ النِّقْمَةِ الْمُمْكِنِ وُقُوعُهَا، وَقَدْ دَلَّتْ الْقَوَاطِعُ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُ مُعَذَّبٍ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْخَوْفُ فَكَيْفَ أَشَدُّ الْخَوْفِ قَالَ: وَالْجَوَابُ أَنَّ الذُّهُولَ جَائِزٌ عَلَيْهِ فَإِذَا ذَهَلَ عَنْ مُوجِبَاتِ نَفْيِ الْعِقَابِ حَدَثَ لَهُ الْخَوْفُ لَكِنْ يَرِدُ أَنْ يُقَالَ اجْتِمَاعُ أَكْثَرِيَّةِ الْخَوْفِ وَأَكْثَرِيَّةِ الرَّجَاءِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْأَوَّلَ مِنْ شِدَّةِ التَّحَرُّزِ مَا لَا يَلْزَمُ الثَّانِيَ، وَالتَّنَافِي فِي اللَّوَازِمِ يُوجِبُ التَّنَافِيَ فِي الْمَلْزُومَاتِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: يُعْتَبَرُ الْحُصُولُ فِي وَقْتَيْنِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا قَامَ بِهِ الْخَوْفُ فِي وَقْتٍ يَشْتَدُّ تَحَرُّزُهُ بِحَيْثُ يُلْجِئُهُ إلَى تَرْكِ الْمُبَاحِ فَضْلًا عَنْ الْمُشْتَبَهِ، وَإِذَا قَامَ بِهِ الرَّجَاءُ فِي وَقْتٍ آخَرَ وَتَقَوَّى لَا تَقُومُ بِهِ شِدَّةُ التَّحَرُّزِ فَلَرُبَّمَا قَدِمَ عَلَى الْمُتَشَابِهِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْخِلَافُ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ فِيهِ مُقَلِّدًا لِمَنْ يَقُولُ بِالْجَوَازِ.
[قَوْلُهُ: الْمُقَرِّبُ.
. . إلَخْ] لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ الْمُقَرِّبُ إذْ الْعِلْمُ حَقِيقَةً مَا أَوْرَثَ خَشْيَةً وَعَمَلًا قَالَهُ عج نَقْلًا عَنْ سَيِّدِي

فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا، إلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحَيَّتَانِ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالَمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ

[حاشية العدوي]

أَحْمَدَ بَابَا، [قَوْلُهُ: وَقَائِدٌ إلَيْهَا] عَطْفٌ مُرَادِفٌ.
[قَوْلُهُ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا] أَيْ طَرِيقًا حِسِّيَّةً أَوْ مَعْنَوِيَّةً، وَنَكَّرَهَا لِيَتَنَاوَلَ أَنْوَاعَ الطَّرِيقِ الْمُوصِلَةِ إلَى تَحْصِيلِ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ، وَقَوْلُهُ: يَلْتَمِسُ حَالٌ أَوْ صِفَةٌ أَيْ يَطْلُبُ فَاسْتَعَارَ لَهُ اللَّمْسَ.
[قَوْلُهُ: فِيهِ] أَيْ فِي غَايَتِهِ أَوْ بِسَبَبِهِ وَإِرَادَةُ الْحَقِيقَةِ فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ لِبُعْدِهِ.
[قَوْلُهُ: عِلْمًا] نَكَّرَهُ لِيَشْمَلَ كُلَّ عِلْمٍ وَآلَتَهُ، وَيَنْدَرِجُ فِيهِ مَا جَلَّ وَقَلَّ وَتَقْيِيدُهُ بِقَصْدِ وَجْهِ اللَّهِ لَا حَاجَةَ لَهُ لِاشْتِرَاطِهِ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ لَكِنْ قَدْ يُعْتَذَرُ لِقَائِلِهِ هُنَا بِأَنَّ تَطَرُّقَ الرِّيَاءِ بِالْعِلْمِ أَكْثَرُ فَاحْتِيجَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الْإِخْلَاصِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: يَلْتَمِسُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي حُصُولِ الْجَزَاءِ الْمَوْعُودِ بِهِ حُصُولُهُ فَيَحْصُلُ إذَا بَذَلَ الْجَهْدَ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ وَإِنْ لَمْ يُحَصِّلْ شَيْئًا لِنَحْوِ بَلَادَةٍ.
[قَوْلُهُ: لَهُ] كَذَا فِيمَا رَأَيْت مِنْ نُسَخِهِ وَنُسَخِ تَحْقِيقِ الْمَبَانِي وتت، وَفِي الْجَامِعِ بِهِ أَيْ بِسَبَبِهِ أَيْ بِسَبَبِ السُّلُوكِ الْمَفْهُومِ مِنْ سَلَكَ أَوْ عَائِدٌ عَلَى مَنْ، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ طَرِيقًا فِي الْآخِرَةِ أَوْ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يُوَفِّقَهُ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلْمَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِتَعَبٍ وَنَصَبٍ، وَأَفْضَلُ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا فَمَنْ تَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ فِي طَلَبِهِ سَهُلَتْ لَهُ سُبُلُ الْجَنَّةِ سِيَّمَا إنْ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ، قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يُجَازِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْ يَسْلُكَ بِهِ طَرِيقًا لَا صُعُوبَةَ فِيهِ وَلَا هَوْلَ إلَى أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ سَالِمًا [قَوْلُهُ: وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ] يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ الْكُلُّ وَيَحْتَمِلُ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنْهُمْ.
[قَوْلُهُ: لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا] جَمْعُ جَنَاحٍ وَهُوَ لِلطَّائِرِ بِمَنْزِلَةِ الْيَدِ لِلْإِنْسَانِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمِنْ الْمَجَازِ: خَفَضَ لَهُ جَنَاحَهُ.
[قَوْلُهُ: لِطَالِبِ الْعِلْمِ] الشَّرْعِيِّ أَيْ أَوْ آلَتِهِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهَا لِنَعْمَلَ بِهِ وَتَعْلِيمُهُ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا لِوَجْهِ اللَّهِ.
[قَوْلُهُ: رِضًا بِمَا يَصْنَعُ] وَفِي رِوَايَةٍ بِمَا يَطْلُبُ، وَوَضْعُ أَجْنِحَتِهَا عِبَارَةٌ عَنْ حُضُورِهَا مَجْلِسَهُ أَوْ تَوْقِيرِهِ وَتَعْظِيمِهِ أَوْ إعَانَتِهِ عَلَى بُلُوغِ مَقَاصِدِهِ أَوْ قِيَامِهِمْ فِي كَيْدِ أَعْدَائِهِ وَكِفَايَتِهِ شَرَّهُمْ أَوْ عَنْ تَوَاضُعِهَا وَدُعَائِهَا لَهُ أَوْ وَضْعِ الْأَجْنِحَةِ لِتَكُونَ مَوْطِئًا لَهُ إذَا مَشَى أَوْ إظْلَالِهِمْ.
[قَوْلُهُ: وَإِنَّ الْعَالِمَ] هَذَا حَدِيثٌ آخَرُ، [قَوْلُهُ: لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ] أَيْ يَطْلُبُ مِنْ اللَّهِ غُفْرَانَ ذَنْبِهِ إنْ كَانَ لَهُ ذَنْبٌ أَوْ إنْعَامًا عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَنْبٌ، فَأَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ.
[قَوْلُهُ: مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ] أَيْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ فِي الْأَرْضِ] أَيْ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: حَتَّى الْحِيتَانُ بِالرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلَى مَنْ فِي الْأَرْضِ، وَبَالَغَ عَلَى الْحِيتَانِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مَسْتُورَةً بِالْبَحْرِ لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِ الْأَرْضِ رُبَّمَا يَقَعُ فِي الْوَهْمِ أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَمَّنْ يَسْتَغْفِرُ فَأَفَادَ أَنَّهُ حَتَّى الْحِيتَانُ، وَقَوْلُهُ: فِي الْمَاءِ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْجَمَادَاتِ لَيْسَتْ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَغْفِرِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ مَنْ فِي الْأَرْضِ مَنْ كَانَ مِنْ الْإِنْسِ أَوْ الْجِنِّ وَكَانَ كَافِرًا أَوْ لَمْ يُوَفَّقْ لِلِاسْتِغْفَارِ.
[قَوْلُهُ: وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ] أَرَادَ بِالْعَالِمِ مَنْ صَرَفَ زَمَانَهُ لِلتَّعْلِيمِ وَالْإِفْتَاءِ وَالتَّصْنِيفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَبِالْعَابِدِ مَنْ انْقَطَعَ بِالْعِبَادَةِ تَارِكًا ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا وَلَا يُرَادُ أَنَّ الْعَالِمَ الْمُفَضَّلَ عَارٍ عَنْ الْعَمَلِ وَالْعَابِدَ عَنْ الْعِلْمِ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ غَالِبٌ عَلَى عَمَلِهِ وَعَمَلَ هَذَا غَالِبٌ عَلَى عَمَلِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْفَضْلِ كَثْرَةُ ثَوَابِ مَا يُعْطِيهِ اللَّهُ لِلْعَبْدِ فِي الْآخِرَةِ مِنْ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ وَلَذَّاتِهَا وَمَأْكَلِهَا وَمَشْرَبِهَا وَنَعِيمِهَا الْجُسْمَانِيِّ أَوْ مَا يُمْنَحُ مِنْ مَقَامَاتِ الْقُرْبِ وَلَذَّةِ النَّظَرِ إلَيْهِ وَسَمَاعِ كَلَامِهِ وَلَذَّةِ الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ الْحَاصِلَةِ عِنْدَ كَشْفِ الْغِطَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْمُلَقِّنِ: فِيهِ أَنَّ نُورَ الْعِلْمِ يَزِيدُ عَلَى نُورِ الْعِبَادَةِ كَمَا مَثَّلَ بِالْقَمَرِ بِالنِّسْبَةِ لِسَائِرِ الْكَوَاكِبِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ] هَذَا حَدِيثٌ آخَرُ أَيْ عُلَمَاءَ الشَّرْعِ.
[قَوْلُهُ: الْأَنْبِيَاءُ] بِنَاءً عَلَى تَرَادُفِ الرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ أَوْ إطْلَاقًا لِلْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، أَوْ وَرَثَةَ هَذَا الْجِنْسِ إلْحَاقًا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا بِمَنْ كَانَ رَسُولًا.
[قَوْلُهُ: دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا] أَيْ وَلَا غَيْرَهُمَا، وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِعُمُومِ نَفْعِهِمَا وَشِدَّةِ التَّعَلُّقِ بِادِّخَارِهِمَا غَالِبًا.
[قَوْلُهُ: الْعِلْمُ] أَيْ جِنْسُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ الشَّامِلِ لِأُصُولِ الدِّينِ وَالْفُرُوعِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ

بِحَظٍّ وَافِرٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (وَاللَّجَأُ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْجِيمِ أَيْ الِاسْتِنَادُ وَالرُّجُوعُ (إلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) أَيْ الْقُرْآنِ (وَ) إلَى (سُنَّةِ نَبِيِّهِ) مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُرَادُ بِهَا هَاهُنَا أَفْعَالُهُ وَأَقْوَالُهُ وَتَقْرِيرَاتُهُ (وَ) إلَى (اتِّبَاعِ سَبِيلِ) أَيْ طَرِيقِ (الْمُؤْمِنِينَ) الْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْإِجْمَاعُ (وَ) اتِّبَاعِ (خَيْرِ الْقُرُونِ) وَهُمْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - (مِنْ خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وَقَوْلُهُ: (نَجَاةٌ) خَبَرُ اللَّجَأِ ثُمَّ بَيَّنَ ثَمَرَةَ الرُّجُوعِ إلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِقَوْلِهِ: (فَفِي الْمَفْزَعِ) أَيْ اللَّجَأِ (إلَى ذَلِكَ) أَيْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ (الْعِصْمَةُ) أَيْ الْحِفْظُ وَالِامْتِنَاعُ وَقَوْلُهُ: (وَفِي اتِّبَاعِ) سَبِيلِ (السَّلَفِ الصَّالِحِ) الْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا أَهْلُ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، وَمَنْ اتَّصَفَ بِأَوْصَافِهِمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ (النَّجَاةُ) أَيْ الْخَلَاصُ تَكْرَارٌ كَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَهُمْ الْقُدْوَةُ) مُثَلَّثُ الْقَافِ (فِي تَأْوِيلِ مَا تَأَوَّلُوهُ وَاسْتِخْرَاجِ مَا اسْتَنْبَطُوهُ) التَّأْوِيلُ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ ".

[حاشية العدوي]

فِي الْأَوَّلِ وَكَذَا فِي الثَّانِي عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَاسِخٌ أَيْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا وَأَخَذْنَاهُ عَنْهُ قَدْ جَاءُوا بِهِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ عُلَمَاءُ كُلِّ أَمَةٍ وَرَثَةُ نَبِيِّهَا، [قَوْلُهُ: فَمَنْ أَخَذَهُ] أَيْ تَنَاوَلَهُ.
[قَوْلُهُ: أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ] أَيْ بِنَصِيبٍ تَامٍّ وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا وَرِثَهُ خَوَاصُّهُ فَهُوَ أَعْظَمُ وِرَاثَةً، وَفِي التَّعْبِيرِ بِأَخَذَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ سَعْيٍ فِي تَحْصِيلِهِ وَأَنَّهُ لَا يُنَالُ عَادَةً بِدُونِهِ وَأَنَّ الِالْتِفَاتَ إلَى حُصُولِهِ بِدُونِهِ طَمَعٌ مَذْمُومٌ.
[قَوْلُهُ: وَالرُّجُوعُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهَا هَاهُنَا] أَيْ وَأَمَّا فِي غَيْرِ مَا هُنَا فَيُرَادُ بِهَا مَا يَشْمَلُ أَوْصَافَهُ [قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِهَا] أَيْ بِالطَّرِيقِ، وَقَوْلُهُ: هُنَا يُفِيدُ أَنَّ طَرِيقَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ يُرَادُ بِهَا مَعْنًى غَيْرُ الْإِجْمَاعِ كَأَنْ يُرَادَ طَرِيقَتُهُمْ مِنْ التَّقْوَى وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ خَيْرِ أُمَّةٍ] ، مِنْ بَيَانِيَّةٌ أَيْ الَّذِينَ هُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ أَيْ أُظْهِرَتْ لِلنَّاسِ [قَوْلُهُ: نَجَاةٌ] أَيْ خَلَاصٌ مِنْ الْهَلَاكِ، وَهَذَا فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي يَعْلَمُ أَحْكَامَهَا، وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَيَكْفِيهِ اتِّبَاعُ مَذْهَبِ مُقَلِّدِهِ [قَوْلُهُ: ثُمَّ بَيَّنَ ثَمَرَةَ الرُّجُوعِ.
. . إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الثَّمَرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ النَّجَاةُ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا لِأَنَّ الْمَعْنَى بِسَبَبِ نَجَاةٍ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ كَوْنِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ سَبَبَ النَّجَاةِ بِقَوْلِهِ: فَفِي.
. . إلَخْ.
[قَوْلُهُ: أَيْ اللَّجَأُ] أَيْ فَأَرَادَ بِالْمَفْزَعِ الْفَزَعَ [قَوْلُهُ: أَيْ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ] أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكِتَابِ.
. . إلَخْ الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ: وَاتِّبَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ [قَوْلُهُ: وَالِامْتِنَاعُ] أَيْ مِنْ الْمَعْصِيَةِ فَهُوَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا أَهْلُ الْقُرُونِ] أَيْ لَا خُصُوصَ الصَّحَابَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا تَكْرَارَ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ تَكْرَارٌ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ] لَا مُطْلَقِ الْأَهْلِ لَكِنَّ هَذَا فِيمَنْ عَدَا الْأَوَّلَ، وَقَوْلُهُ: وَمَنْ اتَّصَفَ بِأَوْصَافِهِمْ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَهْلُ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ] أَيْ اتَّصَفَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَجَعَلَهُ فِي التَّحْقِيقِ تَكْرَارًا بِقَيْدِ أَنْ يُرَادَ بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ خُصُوصُ الصَّحْبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، ثُمَّ حَكَى بَعْدَ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ هُنَا عَنْ ك ثُمَّ قَالَ ك: وَإِنَّمَا كَانُوا قُدْوَةً فِيمَا ذُكِرَ لِأَنَّهُمْ جَمَعُوا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ الْعِلْمَ الْكَامِلَ وَالْوَرَعَ الْفَاضِلَ وَالنَّظَرَ السَّدِيدَ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمْ الْإِصَابَةُ وَلَوْلَا هَذِهِ الشُّرُوطُ مَا صَحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ.
[قَوْلُهُ: كَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ.
. . إلَخْ] عَلَى تَسْلِيمِ التَّكْرَارِ بِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا الشَّامِلِ لِأَهْلِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ وَغَيْرِهِمْ يَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَهُمْ الْقُدْوَةُ أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُقَلِّدِ فَقَطْ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ إلَّا الصَّحْبَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ تَأْوِيلِ مَا تَأَوَّلُوهُ وَاسْتِنْبَاطِ مَا اسْتَنْبَطُوهُ، وَأَمَّا عَلَى قَصْرِ السَّلَفِ الصَّالِحِ عَلَى الصَّحْبِ فَقَطْ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّكْرَارُ يَكُونُ قَوْلُهُ: وَهُمْ الْقُدْوَةُ.
. . إلَخْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُجْتَهِدِ وَالْمُقَلِّدِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا يَقُولُ: إنَّ الصَّحَابِيَّ فَقَطْ يُقَلَّدُ فِيمَا يَسْتَنْبِطُهُ أَوْ يَتَأَوَّلُهُ وَأَمَّا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فَلَا يَقُولُ بِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: مُثَلَّثُ الْقَافِ] إلَّا أَنَّ الْفَتْحَ لَيْسَ فِي الرِّوَايَةِ وَهُوَ اسْمٌ لِمَنْ يَقْتَدِي بِهِ أَيْ الْمُتَّبَعُونَ.
[قَوْلُهُ: لَا صَلَاةَ.
. . إلَخْ] فَظَاهِرُهُ لَا صَلَاةَ صَحِيحَةً، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ الْأَصْلِيِّ نَفْيُ الْحَقِيقَةِ مِنْ أَصْلِهَا وَلَا يَصِحُّ قَطْعًا فَيُلْتَفَتُ إلَى الْقَرِيبِ مِنْهُ، وَهُوَ نَفْيُ الْكَمَالِ فَيَكُونُ نَفْيُ الصِّحَّةِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ هُوَ الظَّاهِرُ فَتَقْدِيرُهُ لَا صَلَاةَ كَامِلَةً تَأْوِيلٌ لِأَنَّهُ صَرَفَ النَّظَرَ عَنْ ظَاهِرِهِ

وَالِاسْتِخْرَاجُ الْقِيَاسُ كَقِيَاسِ حَدِّ الْخَمْرِ عَلَى الْقَذْفِ (وَإِذَا اخْتَلَفُوا) أَيْ الْمُجْتَهِدُونَ (فِي الْفُرُوعِ وَالْحَوَادِثِ) أَيْ النَّوَازِلُ (لَمْ يَخْرُجْ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ) أَيْ الصَّحَابَةُ لِأَنَّ إجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَتَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ.

ثُمَّ خَتَمَ كِتَابَهُ بِحَمْدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَقَالَ: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا) أَيْ وَفَّقَنَا (لِ) تَأْلِيفِ (هَذَا) الْكِتَابِ

[حاشية العدوي]

[قَوْلُهُ: فِي الْفُرُوعِ] احْتِرَازًا مِنْ أُصُولِ الدِّينِ فَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهَا جَمْعُ فَرْعٍ وَهُوَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُتَعَلِّقُ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ قَلْبِيٍّ كَالنِّيَّةِ أَوْ غَيْرِ قَلْبِيٍّ كَالْوُضُوءِ.
[قَوْلُهُ: وَالْحَوَادِثِ] أَيْ وَفِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ أَيْ النَّوَازِلِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، [قَوْلُهُ: جَمَاعَتُهُمْ] إضَافَةُ جَمَاعَةٍ لِلضَّمِيرِ لِلْبَيَانِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ الصَّحَابَةُ] لِأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ فَإِذَا كَانَ لِلْمُجْتَهِدِ قَوْلَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَجُزْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يُحْدِثَ ثَالِثًا، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ جَازَ لِأَحَدِ الصَّحَابَةِ أَنْ يُحْدِثَ ثَالِثًا، فَإِذَا انْقَرَضَ عَصْرُ الصَّحَابَةِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَلَيْسَ لِلتَّابِعَيْنِ إحْدَاثُ ثَالِثٍ وَكَذَا إذَا اخْتَلَفَ التَّابِعُونَ جَازَ لِلتَّابِعَيْنِ إحْدَاثُ ثَالِثٍ دُونَ تَابِعِ التَّابِعِينَ، وَهَكَذَا لِمَا فِي الْخُرُوجِ عَنْ اتِّبَاعِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ عَلِمْت أَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ مِنْ الصَّحْبِ فَمَنْ دُونَهُ يُقَلِّدُهُ الْعَامِّيُّ لَا الْمُجْتَهِدُ إنَّمَا هُوَ عَلَى فَرْضِ مَعْرِفَةِ مَذَاهِبِهِمْ بِشُرُوطِهَا وَإِلَّا فَمَعْرِفَةُ مَذَاهِبِهِمْ الْآنَ مُتَعَذَّرَةٌ فَالْوَاجِبُ الْآنَ تَقْلِيدُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَنْهُمْ.

خَاتِمَة الْكتاب

[قَوْلُهُ: ثُمَّ خَتَمَ كِتَابَهُ بِحَمْدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ] أَيْ وَمَا لَحِقَهُ مِنْ قَوْلِهِ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَأَرَادَ بِحَمْدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَيْ فِي الْجَنَّةِ عَلَى طَرِيقِ الِاقْتِبَاسِ مِنْ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَالِاقْتِبَاسُ أَنْ يُضَمِّنَ الْكَلَامَ نَظْمًا كَانَ أَوْ نَثْرًا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ الْحَدِيثِ لَا عَلَى أَنَّهُ مِنْهُ أَيْ لَا عَلَى طَرِيقَةِ أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ الْحَدِيثِ، يَعْنِي عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ مِنْهُ كَمَا يُقَالُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كَذَا أَوْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ اقْتِبَاسًا.
ثُمَّ إنَّ الِاقْتِبَاسَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا مَا لَمْ يُنْقَلْ فِي الْمُقْتَبِسِ عَنْ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ كَقَوْلِ الْحَرِيرِيِّ فِي صُوفِيٍّ فَلَمْ يَكُنْ إلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ حَتَّى أَنْشَدَ فَأَغْرَبَ وَكَقَوْلِ الْآخَرِ: إنْ كُنْت أَزْمَعْت عَلَى هَجْرِنَا ... مِنْ غَيْرِ مَا جُرْمٍ فَصَبْرٌ جَمِيلُ وَإِنْ تَبَدَّلْت بِنَا غَيْرَنَا ... فَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعَمَ الْوَكِيلُ ثَانِيهِمَا مَا نُقِلَ عَنْ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ كَقَوْلِ ابْنِ الرُّومِيِّ: لَئِنْ أَخْطَأْت فِي مَدْحِيِّك ... مَا أَخْطَأْت فِي مَنْعِي لَقَدْ أَنْزَلْت حَاجَاتِي ... بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعِ هَذَا مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: 37] لَكِنَّ مَعْنَاهُ فِي الْقُرْآنِ وَادٍ لَا مَاءَ فِيهِ وَلَا نَبَاتَ، وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ الرُّومِيِّ إلَى جَنَابٍ لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا نَفْعَ، وَكَقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى هَذَا الْفَوْزِ الْعَظِيمِ وَهُوَ الْإِيمَانُ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَهُ، وَمَعْنَاهُ هُنَا مَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِتَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ.
. . إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
. . إلَخْ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ابْتَدَأَ الْإِنْسَانَ بِنِعْمَتِهِ إمَّا لِكَوْنِهِمَا خَبَرِيَّتَيْنِ لَفْظًا وَمَعْنًى أَوْ إنْشَائِيَّتَيْنِ مَعْنًى خَبَرِيَّتَيْنِ لَفْظًا وَبَيْنَهُمَا تَغَايُرٌ مِنْ حَيْثُ صِلَةِ الْمَوْصُولِ مَعَ وُجُودِ الْجَامِعِ بَيْنَ الصِّلَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ إنَّ مَضْمُونَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَصْفٌ مَحْمُودٌ عَلَيْهِ فَبَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ التَّوَسُّطُ بَيْنَ كَمَالِ الِانْقِطَاعِ وَكَمَالِ الِاتِّصَالِ، فَلِذَلِكَ أَتَى بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ

وَالْإِقْدَارِ عَلَيْهِ (وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ وَفَّى بِمَا شَرَطَهُ فِي دِيبَاجَةِ كِتَابِهِ فَقَالَ: (قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (قَدْ آتَيْنَا عَلَى مَا) أَيْ بِمَا (شَرَطْنَا) فِي أَوَّلِ كِتَابِنَا (أَنْ نَأْتِيَ بِهِ فِي كِتَابِنَا هَذَا) مِنْ الْمَسَائِلِ (مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ رَغِبَ فِي تَعْلِيمِ ذَلِكَ مِنْ الصِّغَارِ وَمَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ مِنْ الْكِبَارِ وَفِيهِ) أَيْ

[حاشية العدوي]

لِلِاسْتِئْنَافِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا خَبَرِيَّةً لَفْظًا وَمَعْنًى، وَالثَّانِيَةُ إنْشَائِيَّةً مَعْنًى فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا كَمَالُ الِانْقِطَاعِ الْمُوجِبُ لِعَدَمِ الْعَطْفِ، وَيَحْتَمِلُ الْمَقَامُ غَيْرَ ذَلِكَ وَابْتَدَأَ كِتَابَهُ بِالْحَمْدِ وَخَتَمَهُ بِهِ لِأَنَّ اللَّهَ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ ابْتَدَأَ خَلْقَهُ بِالْحَمْدِ وَخَتَمَهُ بِهِ حَيْثُ قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام: 1] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: 75] كَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ تَأَسِّيًا بِأَحَدِ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ وَهُوَ التَّوْرَاةُ فَإِنَّهَا مُبْتَدَأَةٌ بِأَوَّلِ الْأَنْعَامِ وَخُتِمَتْ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْحَمْدَ الْمُقَيَّدَ أَفْضَلُ مِنْ الْمُطْلَقِ وَقِيلَ الْمُطْلَقُ أَفْضَلُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ وَفَّقَنَا] تَفْسِيرٌ لِهَدَانَا، لَا يَخْفَى أَنَّ الْهِدَايَةَ تَارَةً تُفَسَّرُ بِالدَّلَالَةِ مُطْلَقًا وَتَارَةً بِالدَّلَالَةِ الْمُوصِلَةِ وَتَارَةً بِخَلْقِ الِاهْتِدَاءِ، فَإِذَا عَلِمْت هَذَا فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْهِدَايَةِ هُنَا الدَّلَالَةُ الْمُوصِلَةُ أَيْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي دَلَّنَا عَلَى هَذَا التَّأْلِيفِ دَلَالَةً وَصَّلَتْنَا لَهُ، وَيُرَادُ بِهَا خَلْقُ الِاهْتِدَاءِ الَّذِي هُوَ التَّوْفِيقُ بِجَعْلِ الِاهْتِدَاءِ الْقُدْرَةَ عَلَى الطَّاعَةِ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ إلَّا أَنَّنَا نَرْتَكِبُ التَّجْرِيدَ أَيْ تَجْرِيدَ الْكَلِمَةِ عَنْ بَعْضِ مَعْنَاهَا أَيْ حَذْفُهُ فَتَدَبَّرْ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ فِينَا قُدْرَةً عَلَى تَأْلِيفِ هَذَا أَوْ يَجْعَلُ الِاهْتِدَاءَ الطَّاعَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّوْفِيقَ خَلْقُ الطَّاعَةِ الَّذِي هُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ وَيَرْتَكِبُ التَّجْرِيدَ أَيْضًا، وَالْمَعْنَى وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَنَا لِهَذَا التَّأْلِيفِ الَّذِي هُوَ طَاعَةٌ أَيْ خَلَقَنَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِنَا هَذَا.
[قَوْلُهُ: وَالْإِقْدَارُ عَلَيْهِ] أَيْ جَعَلَ الْمَوْلَى لَنَا قُدْرَةً عَلَيْهِ فَإِذَنْ عَطْفُهُ عَلَى تَأْلِيفٍ مُضِرٌّ لِأَنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ الَّذِي وَفَّقَنَا لِلْإِقْدَارِ عَلَيْهِ وَلَا صِحَّةَ لَهُ فَيُجَابُ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ وَفَّقَنَا لِسَبَبِ الْإِقْدَارِ عَلَى تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ وَهُوَ تَحْصِيلُ الْعُلُومِ، وَبِقَوْلِهِ: الْكِتَابُ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ الْكِتَابُ ثُمَّ إنْ جُعِلَ عِبَارَةً عَنْ الْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ يَكُونُ فِي الْعِبَارَةِ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ بِأَنْ تَقُولَ: شُبِّهَتْ الْأَلْفَاظُ الْمُعَيَّنَةُ مِنْ حَيْثُ تَعَيُّنِهَا وَشِدَّةِ تَمَيُّزِهَا بِشَيْءٍ مَحْسُوسٍ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ كَمَا هُوَ التَّحْقِيقُ، وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ فَإِنْ قُلْت تِلْكَ الْأَلْفَاظُ الَّتِي جَعَلَهَا مُشَارًا إلَيْهَا ذِهْنِيَّةٌ أَوْ خَارِجِيَّةٌ؟ قُلْت: ذِهْنِيَّةٌ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ أَعْرَاضٌ تَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهَا عَلَى مَا ذَكَرُوا.
[قَوْلُهُ: وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ] أَيْ لِتَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ إلَيْهِ، فَظَهَرَ أَنَّ صِلَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا مَحْذُوفَةٌ وَجَوَابُ لَوْلَا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَمَا كُنَّا [قَوْلُهُ: بِمَا شَرَطَهُ] أَيْ حَيْثُ قَالَ: فَأَجَبْته أَيْ وَعْدٌ بِهِ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالشَّرْطِ إشَارَةً إلَى قُوَّةِ ذَلِكَ الْوَعْدِ أَوْ الْتَزَمَهُ أَيْ بِمَا الْتَزَمَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ.
[قَوْلُهُ: فِي دِيبَاجَةِ كِتَابِهِ] أَيْ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ مُسْتَعَارٌ أَيْ مَنْقُولٌ مِنْ دِيبَاجَةِ الْوَجْهِ بِمَعْنَى وَجْنَتِهِ وَلِلْإِنْسَانِ دِيبَاجَتَانِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ بِمَا شَرَطْنَا] إشَارَةً إلَى أَنَّ عَلَى بِمَعْنَى الْبَاءِ أَوْ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى أَصْلِهَا مَعَ تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ عَلَى آخِرِ مَا شَرَطْنَا [قَوْلُهُ: أَنْ نَأْتِيَ بِهِ] أَيْ قَدْ وَفَّيْنَا بِشَيْءٍ شَرَطْنَا فِي أَوَّلِ كِتَابِنَا أَنْ نَأْتِيَ بِهِ.
[قَوْلُهُ: هَذَا] أَيْ وَهُوَ الرِّسَالَةُ لَا غَيْرُهَا مِنْ كُتُبِهِ كَالنَّوَادِرِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّ لَهُ كُتُبًا كَثِيرَةً وَالْكِتَابُ هُوَ الْمُجْتَمِعُ عَلَى أَحْكَامٍ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْمَسَائِلِ] بَيَانٌ لِمَا وَالْمَسَائِلُ جَمْعُ مَسْأَلَةٍ تُطْلَقُ عَلَى النِّسْبَةِ الْخَبَرِيَّةِ وَعَلَى الْقَضِيَّةِ، وَقَدْ وَضَّحْنَا مَا يَلِيقُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ بِمَا يُنْتَفَعُ بِهِ لِيَكُونَ بَيَانًا لَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِمَا يُنْتَفَعُ بِهِ بَيَانٌ لِمَا، أَيْ فَيَبْقَى الْبَيَانُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَيُبَيَّنُ ذَلِكَ الْمُبَيِّنَ بِأَنَّهُ الْمَسَائِلُ.
[قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ] إشَارَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: 23] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 24] [قَوْلُهُ: فِي تَعْلِيمٍ] مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ، وَقَوْلُهُ: ذَلِكَ مَفْعُولٌ لِتَعْلِيمٍ أَيْ يَنْتَفِعُ بِهِ أَشْخَاصٌ رَغِبْت فِي كَوْنِ شَيْخِهِمْ يُعَلِّمُهُمْ ذَلِكَ أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَسَائِلِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ الصِّغَارِ بَيَانٌ لِمَنْ وَأَرَادَ بِالصِّغَارِ مَنْ كَانَ مُبْتَدِئًا فِي.

كِتَابِنَا (مَا يُؤَدِّي) أَيْ يُبَلِّغُ (الْجَاهِلَ إلَى عِلْمِ مَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ دِينِهِ) وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْعَقِيدَةِ.
(وَيَعْمَلُ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ) كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ (وَيُفْهِمُ كَثِيرًا مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُنُونِهِ) أَيْ فُرُوعِهِ (وَ) فِيهِ أَيْضًا (مِنْ السُّنَنِ وَالرَّغَائِبِ وَالْآدَابِ) كَمَا عَلِمْت ذَلِكَ كُلُّهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ) أَيْ أَطْلُبُ مِنْهُ (أَنْ يَنْفَعَنَا وَإِيَّاكَ بِمَا عَلَّمَنَا وَيُعِينَنَا وَإِيَّاكَ عَلَى الْقِيَامِ بِحَقِّهِ فِيمَا كَلَّفَنَا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا

[حاشية العدوي]

الْعِلْمِ وَلَوْ كَبِيرًا فِي السِّنِّ [قَوْلُهُ: وَمَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ] مَعْطُوفٌ عَلَى رَغِبَ أَيْ لِنَحْوِ مُرَاجَعَةٍ أَوْ تَعْلِيمٍ لِلْغَيْرِ وَالتَّعْبِيرُ بِالرَّغْبَةِ فِي الصِّغَارِ وَالِاحْتِيَاجِ فِي الْكِبَارِ ظَاهِرٌ، وَأَرَادَ بِالْكِبَارِ جَمْعُ كَبِيرٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُبْتَدِئًا فِي الْعِلْمِ.
[قَوْلُهُ: وَفِيهِ] الْوَاوُ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ تَعْلِيلٌ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الِانْتِفَاعِ أَيْ إنَّمَا قُلْت يُنْتَفَعُ.
. . إلَخْ لِأَنَّ فِيهِ أَوَّلَهُ وَلِلرَّغْبَةِ وَالِاحْتِيَاجِ.
[قَوْلُهُ: مَا] أَيْ شَيْءٌ أَوْ الَّذِي.
[قَوْلُهُ: أَيْ يُبَلِّغُ الْجَاهِلَ] أَيْ يُوَصِّلُهُ هَذَا نَاظِرٌ لِلْمُبْتَدِئِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُبْتَدِئَ جَاهِلٌ أَيْ خَالٍ عَنْ الْعِلْمِ فَيَرْغَبُ فِي تَعَلُّمِهِ، وَيَحْتَاجُ الْكَبِيرُ إلَيْهَا لِيُعَلِّمَ ذَلِكَ الْجَاهِلَ.
[قَوْلُهُ: مِنْ دِينِهِ] بَيَانٌ لِمَا بِحَمْلِ الدِّينِ عَلَى خُصُوصِ النِّسَبِ الْمُعْتَقَدَةِ لِيَكُونَ الْمَعْطُوفَ مُغَايِرًا [قَوْلُهُ: وَهُوَ] أَيْ مَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ دِينِهِ مَا ذُكِرَ فِي الْعَقِيدَةِ أَيْ مِنْ النِّسَبِ الْمُعْتَقَدَةِ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْمَدْلُولِ فِي الدَّالِّ لِأَنَّ الْعَقِيدَةَ اسْمٌ لِلْبَابِ الْأَوَّلِ الْمُتَعَلِّقِ بِأُصُولِ الدِّينِ، [قَوْلُهُ: مِنْ فَرَائِضِهِ] أَيْ الْمَفْرُوضَاتُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَيُفْهَمُ] عُطِفَ عَلَى يُؤَدِّي بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ.
تَنْبِيهٌ: الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ فِيهِ الْمُؤَدِّي لِمَا ذُكِرَ عِبَارَاتُهُ الَّتِي هُوَ جُزْءٌ مِنْهُ.
1 - [قَوْلُهُ: مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ] أَرَادَ بِهِ قَوَاعِدَ الْفِقْهِ الْكُلِّيَّةِ وَأَرَادَ بِفُرُوعِهِ جُزْئِيَّاتِهَا.
[قَوْلُهُ: وَفِيهِ أَيْضًا] لَا حَاجَةَ لِفِيهِ أَيْضًا لِأَنَّ قَوْلَهُ مِنْ السُّنَنِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ [قَوْلُهُ: مِنْ السُّنَنِ.
. . إلَخْ] وَهِيَ مَعْلُومَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَالرَّغَائِبُ.
. . إلَخْ] أَرَادَ الْجِنْسَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلَّا رَغِيبَةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَنَا وَهِيَ الْفَجْرُ أَوْ أَرَادَ بِهِ مَا رَغَّبَ فِيهِ الشَّارِعُ وَأَكَّدَهُ مِمَّا عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ مُرَغَّبٌ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا.
[قَوْلُهُ: وَالْآدَابُ] جَمْعُ أَدَبٍ وَهُوَ مَا يَتَحَلَّى بِهِ الشَّخْصُ مِنْ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ مِمَّا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ وَإِيضَاحُهُ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ يَظْهَرُ لَك أَنَّ فِي الْآدَابِ مَا هُوَ وَاجِبٌ وَمَا هُوَ سُنَّةٌ وَمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ، فَعَطْفُهُ عَلَى السُّنَنِ وَالرَّغَائِبِ إمَّا مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ أَوْ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ بِقَصْرِ السُّنَنِ وَالرَّغَائِبِ عَلَى مَا عَبَّرَ فِيهِ بِعُنْوَانِ السُّنَّةِ وَالتَّرْغِيبِ وَالْآدَابِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.
[قَوْلُهُ: كَمَا عَلِمْت ذَلِكَ كُلَّهُ] كَأَنَّهُ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ وَمَا قُلْته لَك صَحِيحٌ لِعِلْمِك كُلَّ ذَلِكَ عِلْمًا نَاشِئًا عَنْ الْحَاسَّةِ، وَقَوْلُهُ: وَلِلَّهِ.
. . إلَخْ لَمَّا كَانَ احْتِوَاءُ الْكِتَابِ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ نِعَمِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْجَمَّةِ نَاسَبَ أَنْ يُحْمَدَ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهَا فَقَالَ: وَلِلَّهِ الْحَمْدُ بِتَقْدِيمِ الْمَجْرُورِ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ.
[قَوْلُهُ: عَزَّ] أَيْ قَوِيَ بِوَصْفِهِ بِصِفَاتِ التَّخَلِّي وَالتَّحَلِّي أَيْ التَّخَلِّي عَمَّا لَا يَلِيقُ وَالتَّحَلِّي بِمَا يَلِيقُ، وَقَوْلُهُ: وَجَلَّ أَيْ عَظُمَ بِمَا ذُكِرَ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ اللَّازِمِ أَيْ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قُوَّتِهِ بِمَا ذُكِرَ عِظَمُهُ أَوْ عَزَّ بِوَصْفِهِ بِصِفَاتِ التَّخَلِّي بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَجَلَّ بِوَصْفِهِ بِصِفَاتِ التَّحَلِّي بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلَى التَّحْلِيَةِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَنْفَعَنَا] الْمَقَامُ مَقَامُ خُضُوعٍ وَذُلٍّ، فَالْمُنَاسِبُ يَنْفَعُنِي وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ أَرَادَ نَفْسَهُ وَغَيْرَهَا مِمَّا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ أَوْلَادِهِ وَتَلَامِذَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَإِيَّاكَ] أَيْ يَا مُرِيدَ الْعِلْمِ وَمَعْرِفَةِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَيَحْرُمُ وَمَا يُطْلَبُ مِنْهُ شَرْعًا أَوْ يَا مُحْرِزَ السَّائِلِ فِي تَأْلِيفِهِ.
[قَوْلُهُ: بِحَقِّهِ] أَيْ بِالْحُكْمِ الْوَاجِبِ لَهُ فِيمَا كَلَّفَنَا اللَّهُ بِهِ أَيْ فِيمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْنَا مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَنَحْوِهِمَا بِأَنْ نُؤَدِّيَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ بِحَيْثُ لَا نَأْتِي بِهِ عَلَى وَجْهٍ فِيهِ تَرْكٌ لِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَلَا حَوْلَ] الْوَاوُ لِلتَّعْلِيلِ وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: وَإِنَّمَا وَجَّهْت سُؤَالِي لَهُ لِأَنَّهُ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَتِهِ إلَّا بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: نَبِيُّهُ آثَرَهُ عَلَى رَسُولِهِ مَعَ أَنَّ الرِّسَالَةَ أَشْرَفُ إشَارَةً إلَى كَمَالِ النُّبُوَّةِ فِيهِ وَأَنَّهُ وَصْفٌ كَامِلٌ بِالنَّظَرِ لَهُ يُنَوِّهُ بِذِكْرِهِ وَيَرْفَعُ فَأَوْلَى غَيْرُهُ مِنْ رَسُولِهِ وَلَوْ عَبَّرَ بِرَسُولِهِ لَمْ يُسْتَفَدْ ذَلِكَ،

مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا) قَالَ مُؤَلِّفُ هَذَا الشَّرْحِ الْمُبَارَكِ عَلِيٌّ أَبُو الْحَسَنِ الْمَالِكِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَشَايِخِهِ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ: وَأَنَا أَخْتِمُ هَذَا الشَّرْحَ وَهُوَ رَابِعُ شَرْحٍ لِي عَلَى الرِّسَالَةِ بِمَا خَتَمَ بِهِ ابْنُ شَاسٍ الْجَوَاهِرَ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: اعْلَمْ أَنَّ جِمَاعَ الْخَيْرِ كُلِّهِ فِي تَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاعْتِزَالِ شُرُورِ النَّاسِ، وَمِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ وَقَدْ قِيلَ: لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُرَى إلَّا سَاعِيًا فِي تَحْصِيلِ حَسَنَةٍ لِمَعَادِهِ أَوْ دِرْهَمٍ لِمَعَاشِهِ، فَكَيْفَ بِهِ مَعَ ذَلِكَ إنْ كَانَ مُؤْمِنًا عَالِمًا بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَيَحِقُّ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يَتَوَاضَعَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي عَمَلِهِ وَيَحْتَرِسَ مِنْ نَفْسِهِ وَيَقِفَ عَلَى مَا أُشْكِلَ عَلَيْهِ،

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ: وَسَلَّمَ] مَعْطُوفٌ عَلَى صَلَّى جُمْلَتَانِ خَبَرِيَّتَانِ لَفْظًا إنْشَائِيَّتَانِ مَعْنًى.
[قَوْلُهُ: تَسْلِيمًا] مَصْدَرُ سَلَّمَ وَأَكَّدَهُ وَلَمْ يُؤَكِّدْ الصَّلَاةَ اقْتِدَاءً بِالْآيَةِ الشَّرِيفَةِ وَذَكَرُوا وَجْهَهُ فَلْيُرَاجَعْ، وَقَوْلُهُ: كَثِيرًا أَيْ تَحِيَّةً كَثِيرَةً وَكَأَنَّهُ يَقُولُ يَا رَبِّ حَيِّهِ تَحِيَّةً كَثِيرَةً وَهَذَا وَصْفٌ مُفِيدٌ لِعَظَمَةِ السَّلَامِ مِنْ حَيْثُ الْكَمِّيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ عَبَّرَ بِالْكَثْرَةِ وَالْكَيْفِيَّةِ مِنْ حَيْثُ جَعْلِ التَّنْوِينَ لِلتَّعْظِيمِ.
[قَوْلُهُ: قَالَ مُؤَلِّفُ.
. . إلَخْ] مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فَلَا نُعِيدُهُ.
[قَوْلُهُ: وَأَنَا أَخْتِمُ.
. . إلَخْ] مَقُولُ الْقَوْلِ أَيْ لِأَنَّهُ مِنْ فَنِّ التَّصَوُّفِ الَّذِي بِهِ صَلَاحُ الْبَاطِنِ فَيَكُونُ هَذَا التَّأْلِيفُ جَامِعًا لِفُنُونٍ ثَلَاثَةٍ فَنُّ أُصُولِ الدِّينِ وَفَنُّ الْفِقْهِ وَفَنُّ التَّصَوُّفِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ رَابِعُ شَرْحٍ لِي عَلَى الرِّسَالَةِ] غَايَةُ الْأَمَانِي وَهُوَ أَكْبَرُهَا ثُمَّ تَحْقِيقُ الْمَبَانِي ثُمَّ الْفَيْضُ الرَّحْمَانِيُّ ثُمَّ هَذَا الشَّرْحُ الَّذِي هُوَ كِفَايَةُ الطَّالِبِ وَلَهُ شَرْحَانِ عَلَى الْخُطْبَةِ وَالْعَقِيدَةِ فَهَذِهِ سِتَّةٌ أَرْبَعَةٌ عَلَى الْكِتَابِ بِتَمَامِهِ وَقَدْ عَلِمْتهَا وَاثْنَانِ عَلَى الْعَقِيدَةِ أَفَادَهُ صَاحِبُ مَقَالِيدِ الْأَسَانِيدِ.
[قَوْلُهُ: ابْنُ شَاسٍ.
. . إلَخْ] هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَجْمِ بْنِ شَاسٍ كَانَ فَقِيهًا فَاضِلًا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ عَالِمًا بِقَوَاعِدِهِ لَهُ كِتَابُ الْجَوَاهِرِ الثَّمِينَةِ فِي مَذْهَبِ عَالِمِ الْمَدِينَةِ وَضَعَهُ عَلَى تَرْتِيبِ الْوَجِيزِ لِلْإِمَامِ أَبِي حَامِدِ الْغَزَالِيِّ، وَكَانَ مُدَرِّسًا بِمِصْرَ بِالْمَدْرَسَةِ الْمُجَاوِرَةِ لِلْجَامِعِ الْعَتِيقِ، وَتَوَجَّهَ إلَى ثَغْرِ دِمْيَاطَ لَمَّا أَخَذَهُ الْعَدُوُّ الْمَخْذُولُ بِنِيَّةِ الْجِهَادِ تُوُفِّيَ هُنَاكَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ أَوْ فِي رَجَبٍ سَنَةَ عَشْرٍ وَسِتِّمِائَةٍ وَصَنَّفَ غَيْرَ الْجَوَاهِرِ وَمَالَ إلَى النَّظَرِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَالِاشْتِغَالِ بِهَا، وَكَانَ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الْوَرَعِ وَبَعْدَ عَوْدِهِ مِنْ الْحَجِّ امْتَنَعَ مِنْ الْفُتْيَا إلَى حِينِ وَفَاتِهِ وَهُوَ مِنْ بَيْتِ إمَارَةٍ أَفَادَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْعَلَّامَةُ إبْرَاهِيمُ بْنُ فَرْحُونٍ.
[قَوْلُهُ: جِمَاعُ الْخَيْرِ] بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ أَيْ وَجَمْعُ الْخَيْرِ أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ.
[قَوْلُهُ: فِي تَقْوَى اللَّهِ] أَيْ امْتِثَالِ مَأْمُورَاتِهِ وَتَرْكِ مَنْهِيَّاتِهِ، [قَوْلُهُ: وَاعْتِزَالُ شُرُورِ النَّاسِ] أَيْ وَالْبُعْدُ مِنْ شُرُورِ النَّاسِ، وَالْقَصْدُ الْبُعْدُ عَنْ النَّاسِ فَيَسْلَمُ مِنْ شَرِّهِمْ بِحَيْثُ تَكُونُ تِلْكَ السَّلَامَةُ قَائِدَةً لَا عِلَّةً غَائِيَّةً.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ: الْبَلَاءُ كُلُّهُ مَجْمُوعٌ فِي ثَلَاثَةٍ خَوْفُ الْخَلْقِ وَهَمُّ الرِّزْقِ وَالرِّضَا عَنْ النَّفْسِ، وَالْعَافِيَةُ وَالْخَيْرَاتُ مَجْمُوعَةٌ فِي ثَلَاثَةٍ الثِّقَةُ بِاَللَّهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَالرِّضَا عَنْ اللَّهِ بِكُلِّ حَالٍ وَاتِّقَاءُ شُرُورِ النَّاسِ مَا أَمْكَنَ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ حُسْنِ.
. . إلَخْ] تَقَدَّمَ مَا فِيهِ، [قَوْلُهُ: وَقَدْ قِيلَ] لَيْسَ قَصْدُهُ التَّضْعِيفَ بَلْ حِكَايَةُ مَا صَدَرَ مِنْ قَائِلِهِ.
[قَوْلُهُ: لَا يَنْبَغِي] أَيْ يَجِبُ أَوْ يَنْدُبُ بِاعْتِبَارِ مَا يَلِيقُ بِكُلٍّ فَهُوَ مِنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يُرَى] أَيْ يَرَاهُ الْغَيْرُ أَوْ يَرَى نَفْسَهُ فَهُوَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَوْ الْفَاعِلِ، وَالثَّانِي أَوْلَى وَهِيَ إمَّا بَصَرِيَّةٌ أَوْ عِلْمِيَّةٌ فَسَاعِيًا حَالٌ عَلَى الْأَوَّلِ وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي عَلَى الثَّانِي.
[قَوْلُهُ: فِي تَحْصِيلِ حَسَنَةٍ] يَسْتَعِدُّ بِهَا لِمَعَادِهِ أَيْ لِعَوْدِهِ أَيْ رُجُوعُهُ إلَى اللَّهِ فِي دَارِ الْجَزَاءِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ دِرْهَمٍ] أَوْ لِمَنْعِ الْخُلُوِّ فَتُجُوِّزَ الْجَمْعُ، [قَوْلُهُ: لِمَعَاشِهِ] أَيْ لِعَيْشِهِ أَيْ مَا يَقْتَاتُهُ وَيَقُومُ بِهِ حَالُهُ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 172] أَيْ حَلَالَاتِ.
[قَوْلُهُ: فَكَيْفَ بِهِ] أَيْ بِالْعَاقِلِ، وَقَصَدَ بِذَلِكَ اسْتِعْظَامَ هَذَا الْأَمْرِ أَيْ عَدَّهُ عَظِيمًا إذَا صَدَرَ مِنْ عُلُوٍّ قَوْلُهُ مَعَ ذَلِكَ أَيْ مَعَ رُؤْيَتِهِ سَاعِيًا فِي تَحْصِيلِ مَا ذُكِرَ إنْ كَانَ مُؤْمِنًا عَالِمًا، وَالْوَصْفُ بِالْعِلْمِ هُوَ الرُّوحُ أَيْ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الِاسْتِفْهَامُ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: مُؤْمِنًا تَوْطِئَةً إذْ الْحَدِيثُ إنَّمَا هُوَ فِي الْعَاقِلِ أَيْ كَامِلِ الْعَقْلِ أَوْ أَنَّ غَيْرَهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ] هُوَ مَعَ مَا قَبْلَهُ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ

وَيُقِلَّ الرِّوَايَةَ جَهْدَهُ وَيُنْصِفَ جُلَسَاءَهُ وَيُلِينَ لَهُمْ جَانِبَهُ وَيُثْبِتَ سَائِلَهُ وَيُلْزِمَ نَفْسَهُ الصَّبْرَ وَيَتَوَقَّى الضَّجَرَ وَيَصْفَحَ عَنْ زَلَّةِ جَلِيسِهِ وَلَا يُؤَاخِذَهُ بِعَثْرَتِهِ، وَمَنْ جَالَسَ عَالِمًا فَلْيَنْظُرْ إلَيْهِ بِعَيْنِ الْإِجْلَالِ وَلْيَنْصِتْ لَهُ عِنْدَ الْمَقَالِ فَإِنْ رَاجَعَهُ رَاجَعَهُ تَفَهُّمًا لَا تَعَنُّتًا وَلَا يُعَارِضُهُ فِي جَوَابِ سَائِلٍ يَسْأَلُهُ، فَإِنَّهُ يُلْبِسُ بِذَلِكَ عَلَى السَّائِلِ وَيُزْرِي بِالْمَسْئُولِ وَلَا يَنْتَظِرُ

[حاشية العدوي]

وَأَرَادَ بِالطَّاعَةِ وَاجِبَةً وَمَنْدُوبَةً فَإِذَنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَعِقَابٍ وَلَوْمٍ أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَكْرُوهِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى فَإِذَا قُصِرَتْ الطَّاعَةُ عَلَى الْوَاجِبَةِ اقْتِصَارًا عَلَى الْحَالَةِ التَّكْلِيفِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ تَمَّ كَلَامُهُ.
[قَوْلُهُ: وَيَحِقُّ] أَيْ وَيَجِبُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَقَتَلَ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَتَوَاضَعَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي عِلْمِهِ] أَيْ فِي حَالِ إفَادَتِهِ عِلْمَهُ أَوْ فِي حَالِ اتِّصَافِهِ بِعِلْمِهِ، أَيْ فَلَا يَتَكَبَّرُ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ فَيَتَأَكَّدُ عَلَيْهِ الشُّكْرُ بِقَدْرِهَا وَمِنْ جُمْلَتِهِ بَلْ رُكْنُهُ الْأَعْظَمُ التَّوَاضُعُ، فَقَدْ سَمِعْت مِنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى كَانَ فِي سِيَاسَتِهِ مَعَ الْحَوَارِيِّينَ فَأَمَرَهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ أَنْ يَأْتُوا لَهُ بِمَاءِ وُضُوءٍ فَوَضَّأَ جَمِيعَهُمْ وَغَسَلَ أَقْدَامَهُمْ وَجَمَعَ الْمَاءَ الْفَاضِلَ مِنْ ذَلِكَ فَشَرِبَهُ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لِمَ فَعَلْت هَذَا؟ فَقَالَ: أَرَدْت أَنْ أُعَلِّمَكُمْ التَّوَاضُعَ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: عُلَمَاءُ الْآخِرَةِ يُعْرَفُونَ بِسِيمَاهُمْ مِنْ السَّكِينَةِ وَالذُّلِّ وَالتَّوَاضُعِ، أَمَّا التَّمَشْدُقُ وَالِاسْتِغْرَاقُ فِي الضَّحِكِ وَالْحِدَّةُ فِي الْحَرَكَةِ وَالنُّطْقِ فَمِنْ آثَارِ الْبَطَرِ وَالْغَفْلَةِ وَذَلِكَ دَأْبُ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا.
[قَوْلُهُ: وَيَحْتَرِسُ مِنْ نَفْسِهِ] أَيْ وَيَتَحَفَّظُ مِنْ نَفْسِهِ وَيَسْتَعِينُ عَلَيْهَا بِمُخَالَفَتِهَا فَإِنَّهَا لَا تَأْمُرُ بِخَيْرٍ أَبَدًا إلَّا وَلَهَا فِيهِ دَسِيسَةٌ كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ أَنَّهُ أَمَرَتْهُ نَفْسُهُ بِالْجِهَادِ لِمَا فِيهِ مِنْ ثَوَابٍ خُصُوصًا إذَا قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ فَدَعَا اللَّهَ أَنْ يُطْلِعَهُ عَلَى دَسِيسَةِ نَفْسِهِ فَأُلْهِمَ أَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تُقْتَلَ فِي الْمَعْرَكَةِ لِتَسْتَرِيحَ بِالْقَتْلِ مِنْ قَتْلِكَ لَهَا كُلَّ يَوْمٍ بِمُخَالَفَتِهَا، [قَوْلُهُ: وَيَقِفُ عَلَى مَا أُشْكِلَ.
. . إلَخْ] كَذَا فِيمَا رَأَيْت مِنْ النُّسَخِ أَيْ إذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَمْ يَدْرِ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ فَيَقِفُ عِنْدَهُ كِنَايَةً عَنْ اجْتِنَابِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا أَوْ يَجُرُّهُ إلَى مُحَرَّمٍ لِخَبَرِ: " الْحَلَالُ بَيِّنٌ.
. . إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَيُقِلُّ الرِّوَايَةَ] أَيْ وَيُقِلُّ مِنْ رِوَايَتِهِ الْحَدِيثَ أَوْ مُطْلَقِ الْعِلْمِ لِغَيْرِهِ، أَيْ لَا يُكْثِرُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ مَظِنَّةُ الْخَطَأِ وَعَدَمِ الضَّبْطِ بِخِلَافِ الْقِلَّةِ فَيَقْوَى مَعَهَا التَّحَرِّي وَالضَّبْطُ فَيَكُونُ أَبْعَدَ مِنْ الْخَطَأِ.
[قَوْلُهُ: جُهْدَهُ] بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا فِي لُغَةِ الْحِجَازِ وَبِالْفَتْحِ فِي غَيْرِهَا الْوُسْعُ وَالطَّاقَةُ، وَقِيلَ الْمَضْمُومُ الطَّاقَةُ وَالْمَفْتُوحُ الْمَشَقَّةُ.
[قَوْلُهُ: وَيُنْصِفُ.
. . إلَخْ] مِنْ أَنْصَفَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ أَيْ يُنْصِفُ جِنْسَ جُلَسَائِهِ أَيْ فَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ.
[قَوْلُهُ: وَيُلَيِّنُ لَهُمْ جَانِبَهُ] يُقْرَأُ بِأَوْجُهٍ ثَلَاثٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مِنْ لَانَ أَوْ أَلَانَ أَوْ لَيَّنَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ كِنَايَةً عَنْ عَدَمِ التَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ وَعَدَمِ قِيَامِهِ مَعَ حَظِّ نَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: وَيُثَبِّتُ سَائِلَهُ] مِنْ أَثْبَتَ أَوْ ثَبَّتَ بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ أَيْ بِإِعْطَائِهِ جَوَابًا كَاشِفًا عَنْ مَسْئُولِهِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِي حِيرَةٍ وَلَا تَرَدُّدٍ، أَوْ إرْشَادِهِ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى فِي السُّؤَالِ كَذَا وَكَذَا وَجَوَابُهُ كَذَا وَكَذَا.
[قَوْلُهُ: وَيُلْزِمُ نَفْسَهُ الصَّبْرَ] فَلَا يَنْتَصِرُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَقُومُ مَعَ حَضِّهَا وَيَحْبِسُهَا عَلَى مَا تَكْرَهُ، وَلَا يَخْفَى الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَيَلِينُ لَهُمْ جَانِبَهُ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي تَقْرِيرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَيَتَوَقَّى الضَّجَرَ] أَيْ يَتَبَاعَدُ عَنْ الضَّجَرِ أَيْ الْقَلَقِ وَالِاهْتِمَامِ وَهُوَ مِنْ وَادِي مَا قَبْلَهُ، [قَوْلُهُ: وَيَصْفَحُ] أَيْ يَعْرِضُ وَيَتَغَافَلُ.
[قَوْلُهُ: عَنْ زَلَّةٍ] بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ مَا يَقَعُ مِنْهُ مِنْ الْخَطَأِ، [قَوْلُهُ: وَلَا يُؤَاخِذُهُ بِعَثْرَتِهِ] أَيْ الَّتِي هِيَ زَلَّتُهُ فَالْإِظْهَارُ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ إشَارَةٌ إلَى تَرَادُفِهِمَا.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ جَالَسَ عَالِمًا] أَيْ مَثَلًا أَوْ صَاحَبَهُ فَيَصْدُقُ بِالْجُلُوسِ وَغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَنْظُرْ] الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ [قَوْلُهُ: بِعَيْنِ الْإِجْلَالِ] أَيْ التَّعْظِيمِ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28] فَمَنْ مَدَحَهُ اللَّهُ أَوْ أَعَزَّهُ فَيُعَزُّ وَيُكْرَمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الثِّقَاتِ أَنَّ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ مَا أَوْرَثَ خَشْيَةً فَلَا عَالِمَ إلَّا مَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَشْيَةِ وَالْخَوْفِ.
[قَوْلُهُ: وَلْيُنْصِتْ لَهُ عِنْدَ الْمَقَالِ] مِنْ أَنْصَتَ أَوْ مِنْ نَصَتَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ أَيْ يَسْكُتُ عِنْدَ قَوْلِهِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ رَاجَعَهُ] أَيْ أَرَادَ مُرَاجَعَتَهُ وَالْمُفَاعَلَةُ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا.
[قَوْلُهُ: رَاجَعَهُ تَفَهُّمًا] أَيْ مُرَاجَعَةَ تَفَهُّمٍ أَوْ حَالَ كَوْنِهِ مُتَفَهِّمًا أَيْ مُرِيدًا الْفَهْمَ أَوْ طَالِبًا لَهُ أَوْ لِأَجْلِ التَّفَهُّمِ، وَقَوْلُهُ: لَا تَعَنُّتًا عَلَى نَسَقِ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ

بِالْعَالِمِ فِتْنَةً وَلَا تُؤْخَذُ عَلَيْهِ عَثْرَةٌ، وَبِقَدْرِ إجْلَالِ الطَّالِبِ لِلْعَالِمِ يَنْتَفِعُ الطَّالِبُ بِمَا يَسْتَفِيدُ مِنْ عِلْمِهِ، وَمَنْ نَاظَرَهُ فِي عِلْمٍ فَبِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَتَرْكِ الِاسْتِعْلَاءِ فَحُسْنُ التَّأَنِّي وَجَمِيلُ الْأَدَبِ مُعِينَانِ عَلَى الْعِلْمِ وَنِعْمَ وَزِيرُ الْعِلْمِ الْحِلْمُ.
وَمَا أَوْلَى بِالْعِلْمِ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنْ كُلِّ دَنَاءَةٍ وَعَيْبٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًا وَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُرُوءَةِ وَالْأَدَبِ وَصِيَانَةِ

[حاشية العدوي]

أَيْ التَّعَنُّتُ إدْخَالُ الْأَذَى عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُعَارِضُهُ فِي جَوَابِ سَائِلٍ يَسْأَلُهُ] أَيْ لَا يُقَابِلُهُ فِي جَوَابٍ حَصَلَ مِنْهُ لِسَائِلِهِ بِحَيْثُ يَقُولُ لَهُ: الْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ كَذَا لَا مَا أَجَبْت بِهِ أَوْ لَا يُبَادِرُ بِالْجَوَابِ لِمَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ احْتِرَامِ الشَّيْخِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ الشَّيْخِ خَطَأً، وَيُرْشِدُهُ لِلصَّوَابِ بِأَدَبٍ وَاحْتِرَامٍ لِلشَّيْخِ غَيْرَ قَاصِدٍ الِاسْتِعْلَاءَ فَإِنَّهُ لَا لَوْمَ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُلْبِسُ بِذَلِكَ عَلَى السَّائِلِ] مِنْ بَابِ ضَرَبَ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: لَبَّسْت الْأَمْرَ عَلَى زَيْدٍ لَبْسًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَفِي التَّنْزِيلِ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ وَالتَّشْدِيدُ مُبَالَغَةٌ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُفَسِّرُ لِلْآيَةِ: شَبَّهْنَا وَخَلَطْنَا أَيْ خَلَطَ عَلَى السَّائِلِ بِمُعَارَضَتِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ الصَّوَابُ أَجَوَابُ الشَّيْخِ أَوْ جَوَابُ هَذَا الْمُعَارِضِ أَوْ مَنْ هُوَ الْأَوْلَى بِالِالْتِفَاتِ إلَيْهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُعَارَضَةِ.
[قَوْلُهُ: وَيُزْرِي بِالْمَسْئُولِ] مِنْ أَزَرَى بِالشَّيْءِ تَهَاوَنَ بِهِ فَهُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ.
1 - [قَوْلُهُ: وَلَا يَنْتَظِرُ بِالْعَالِمِ فِتْنَةً] أَيْ مِحْنَةً وَابْتِلَاءً بِحَيْثُ تَلْتَفِتُ نَفْسُهُ أَنَّهُ يَقَعُ مِنْهُ زَلَّةٌ فَتَضْمَحِلَّ مَرْتَبَتُهُ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ شَرَفٌ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تُؤْخَذُ عَلَيْهِ عَثْرَةٌ] أَيْ زَلَّةٌ أَيْ إذَا وَقَعَ مِنْهُ أَمْرٌ جَاءَ عَلَى غَيْرِ الصَّوَابِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ بِحَيْثُ تَنْقُصُ مَرْتَبَتُهُ وَلَا يُقَامُ بِوَاجِبِ حَقِّهِ، وَلْيَسْتَعِنْ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ مِنْ الْبَشَرِ الَّذِي لَمْ تَثْبُتْ لَهُمْ عِصْمَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَبِقَدْرِ إجْلَالِ الطَّالِبِ] أَيْ بِقَدْرِ تَعْظِيمِ الطَّالِبِ لِلْعَالِمِ يَنْتَفِعُ الطَّالِبُ بِمَا حَصَّلَهُ مِنْ عِلْمِهِ، أَيْ وَبِقَدْرِ تَحْقِيرِ الطَّالِبِ لِلْعَالِمِ يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِعِلْمِهِ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ مُصْلِحُ الدِّينِ أَفَنْدِي فِي كِتَابِ الْحَيَاةِ مَا نَصُّهُ: وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَوَاضَعَ لِشَيْخِهِ وَيَتَأَدَّبَ مَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ مِنْهُ سِنًّا وَأَقَلَّ شُهْرَةً وَنَسَبًا وَسِلَاحًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَبِتَوَاضُعِهِ يَدْرِي الْعِلْمَ إلَى آخِرِ مَا قَالَ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ نَاظَرَهُ.
. . إلَخْ] لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى حَالِ الطَّالِبِ مَعَ شَيْخِهِ طَفِقَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حَالِ الطَّلَبَةِ مَعَ بَعْضِهِمْ أَوْ الشُّيُوخِ مَعَ بَعْضِهِمْ أَيْ مَنْ نَاظَرَ عَالِمًا أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ مَا ذَكَرْنَا، وَالْمُنَاظَرَةُ الْمُجَادَلَةُ بِأَنْ يَخْتَلِفَا فِي أَمْرٍ وَيُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْصُرَ مَقَالَتَهُ بِشَيْءٍ يُقِيمُهُ.
[قَوْلُهُ: فَبِالسَّكِينَةِ] أَيْ فَلْيَكُنْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُنَاظَرَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَعْنًى مُلْتَبِسًا بِالسَّكِينَةِ أَوْ مَعَ السَّكِينَةِ أَيْ الطُّمَأْنِينَةِ.
. . إلَخْ، وَاعْلَمْ أَنَّ عِبَارَةَ الْمِصْبَاحِ تُفِيدُ تَرَادُفَ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِالتَّغَايُرِ بِأَنْ تَقُولَ: السَّكِينَةُ تَرْجِعُ إلَى عَدَمِ اضْطِرَابِ الْجَوَارِحِ، وَالْوَقَارُ يَرْجِعُ إلَى احْتِرَامِ الْمُنَاظِرِ وَالِالْتِفَاتِ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْأَدَبِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ.
[قَوْلُهُ: وَتَرْكُ الِاسْتِعْلَاءِ] أَيْ إظْهَارُ الْعُلُوِّ وَهُوَ بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى بِالسَّكِينَةِ وَهُوَ لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ.
[قَوْلُهُ: فَحَسَنٌ] بِالْفَاءِ فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ نُسَخِ هَذَا الشَّارِحِ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ فَبِالسَّكِينَةِ أَخٌ أَيْ لِأَنَّ حُسْنَ التَّأَنِّي الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْعَجَلَةِ أَيْ لِأَنَّ التَّأَنِّي الْحَسَنَ هُوَ وَصْفٌ مُخَصِّصٌ لِأَنَّ عَدَمَ الْعَجَلَةِ قَدْ يُذَمُّ وَيَظْهَرُ كَوْنُهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ: فَبِالسَّكِينَةِ عَلَى مَا قَرَرْنَا سَابِقًا، وَقَوْلُهُ: وَجَمِيلُ الْأَدَبِ أَيْ وَالْأَدَبُ الْجَمِيلُ أَيْ الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّهِ، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ يَرْجِعُ لِلْوَقَارِ عَلَى مَا قُلْنَا.
[قَوْلُهُ: مُعِينَانِ عَلَى الْعِلْمِ] أَيْ فَمَنْ نَاظَرَ عَالِمًا وَتَحَلَّى بِمَا ذُكِرَ يُرْجَى أَنْ يُعْطَى الصَّوَابَ مِنْ الْعِلْمِ وَتَثْبُتَ لَهُ الْغَلَبَةُ عَلَى مُنَاظِرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَنِعْمَ وَزِيرُ الْعِلْمِ الْحِلْمُ] أَيْ أَنَّ الْعِلْمَ كَالْمَلِكِ وَالْحِلْمَ كَالْوَزِيرِ لَهُ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ نِظَامَ الْمَلِكِ بِالْوَزِيرِ وَلِذَلِكَ قِيلَ إنَّ الْوَزِيرَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوِزْرِ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ عَنْ الْمَلِكِ ثِقَلَ التَّدْبِيرِ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ: مَا شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ عَالِمٍ مَعَهُ حِلْمٌ إنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِعِلْمٍ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ بِحِلْمٍ، يَقُولُ الشَّيْطَانُ: إنَّ سُكُوتَهُ عَلَيَّ أَشَدُّ مِنْ كَلَامِهِ.
[قَوْلُهُ: وَمَا أَوْلَى بِالْعَالِمِ] " مَا " تَعَجُّبِيَّةٌ أَيْ وَمَا أَحَقُّ بِالْعَالِمِ صِيَانَةُ نَفْسِهِ أَيْ أَنَّ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنْ كُلِّ دَنَاءَةٍ أَمْرٌ عَظِيمٌ يُتَعَجَّبُ مِنْ حَقِّيَّتِهَا أَيْ حِفْظِ نَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: عَنْ كُلِّ دَنَاءَةٍ] أَيْ خُبْثِ فِعْلٍ فَمَا بَعْدَهُ تَفْسِيرٌ لَهُ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًا] أَيْ إثْمًا أَيْ مَعْصِيَةً.
[قَوْلُهُ: بِالْمُرُوءَةِ] بِضَمِّ الْمِيمِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُرُوءَةُ الِارْتِفَاعُ عَنْ كُلِّ مَا

الدِّينِ وَنَزَاهَةِ الْأَنْفُسِ لَذَوُو الْعِلْمِ، وَحَقِيقٌ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ لَا يَخْطُوَ خُطْوَةً لَا يَبْتَغِي بِهَا ثَوَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَجْلِسَ مَجْلِسًا يَخَافُ عَاقِبَةَ وِزْرِهِ، فَإِنْ اُبْتُلِيَ بِالْجُلُوسِ فِيهِ فَلْيَقُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِوَاجِبِ حَقِّهِ فِي إرْشَادِ مَنْ اسْتَحْضَرَهُ وَوَعْظِهِ وَلَا يُجَالِسُهُ بِمُوَافَقَتِهِ فِيمَا يُخَالِفُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَرْضَاتِهِ وَلَا يَتَعَرَّضُ مِنْهُ حَاجَةً لِنَفْسِهِ، وَلَا أَحْسَبُهُ وَإِنْ قَامَ بِذَلِكَ يَنْجُو وَلَا يَسْلَمُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْ إجْلَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إجْلَالُ الْعَالِمِ الْعَامِلِ وَإِجْلَالُ الْإِمَامِ الْمُقْسِطِ،

[حاشية العدوي]

يُرَى أَنَّ مَنْ تَخَلَّقَ بِهِ لَا يُحَافِظُ عَلَى دِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا.
[قَوْلُهُ: وَالْأَدَبُ] يَرْجِعُ إلَى حُسْنِ الْخُلُقِ وَالرِّيَاضَةِ الْمَحْمُودَةِ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا عِلْمَ إلَّا مَعَ التُّقَى وَلَا عَقْلَ إلَّا مَعَ الْأَدَبِ.
[قَوْلُهُ: وَصِيَانَةُ الدِّينِ] أَيْ وَحِفْظُ الدِّينِ عَمَّا يُخِلُّ بِهِ.
[قَوْلُهُ: وَنَزَاهَةُ] أَيْ وَتَبَاعُدُ الْأَنْفُسِ عَنْ الرَّذَائِلِ وَلَمَّا كَانَ فِي إجَابَتِهِ لِكُلِّ مَنْ دَعَاهُ دَنَاءَةٌ قِيلَ: لَا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُجِيبَ كُلَّ مَنْ دَعَاهُ.
[قَوْلُهُ: لَذَوُو الْعِلْمِ] أَيْ أَصْحَابِ الْعِلْمِ وَهُوَ خَبَرُ إنَّ أَوْلَى.
. . إلَخْ أَيْ لِأَنَّهُمْ وَرَثَةُ أُولِي الْعِلْمِ التَّامِّ الَّذِي هُمْ الْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ تَحَلَّوْا بِأَكْمَلِ الصِّفَاتِ، فَلْيَكُنْ الْوَارِثُ كَذَلِكَ لِوِرَاثَتِهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِمَا ذُكِرَ فَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِمَا ذُكِرَ انْتَفَتْ عَنْهُ الْوِرَاثَةُ لِأَنَّ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ الْمَلْزُومِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَخْطُوَ خَطْوَةً] بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ وَاحِدُ الْخَطَوَاتِ مِثْلُ شَهْوَةٍ وَشَهَوَاتٍ، وَأَمَّا بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ الطَّاءِ مَا بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ وَاحِدُ الْخُطُوَاتِ بِضَمِّ الْخَاءِ مِثْلُ غُرْفَةٍ وَغُرُفَاتٍ،.
[قَوْلُهُ: لَا يَبْتَغِي بِهَا ثَوَابَ] أَيْ إثَابَةَ اللَّهِ عَلَى خُطْوَتِهِ بِحَيْثُ لَا تَكُونُ خُطْوَتُهُ مُحَرَّمَةً وَلَا مَكْرُوهَةً وَلَا مُبَاحَةً بَلْ مَنْدُوبَةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ لِأَنَّ الْإِثَابَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي مُقَابَلَتِهِمَا، وَالْمُرَادُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ تَكُونَ خُطْوَتُهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ أَيْ مِمَّا كَانَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُنَافِي مَرْتَبَةَ الْكُمَّلِ الَّذِينَ لَا يَقْصِدُونَ بِخُطُوَاتِهِمْ ثَوَابًا لَا دُنْيَوِيًّا وَلَا أُخْرَوِيًّا.
[قَوْلُهُ: عَاقِبَةَ وِزْرِهِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ عَاقِبَةٌ هِيَ وِزْرُهُ أَيْ إثْمُهُ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ اُبْتُلِيَ بِالْجُلُوسِ فِيهِ] أَيْ فِي الَّذِي يَخَافُ عَاقِبَةَ وِزْرِهِ جَعَلَ الْجُلُوسَ فِيهِ بَلِيَّةً وَمُصِيبَةً مِنْ حَيْثُ إنَّ عَاقِبَتَهُ الْإِثْمُ.
[قَوْلُهُ: بِوَاجِبِ حَقِّهِ] أَيْ بِحَقِّهِ الْوَاجِبِ أَيْ حَقِّ الْجُلُوسِ أَوْ حَقِّ الْمَجْلِسِ.
[قَوْلُهُ: فِي إرْشَادِ] أَيْ مِنْ إرْشَادِ بَيَانٌ لِحَقِّهِ الْوَاجِبِ أَيْ مِنْ كَوْنِهِ يُرْشِدُهُ أَيْ يَدُلُّهُ عَلَى الطَّرِيقِ الْأَقْوَمِ أَوْ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ مَقْصُودًا ذَلِكَ الْخَاصُّ مُبَالَغَةً فِي الْإِرْشَادِ وَكَأَنَّهُ عَيْنُ ذَلِكَ الْعَامِّ.
[قَوْلُهُ: مَنْ اسْتَحْضَرَهُ] أَيْ طَلَبَ حُضُورَهُ لِأَنَّ مَنْ طَلَبَ حُضُورَهُ صَارَ لَهُ مِنَّةٌ عَلَيْهِ فَلَا يَقُومُ بِهِ بَاعِثٌ عَلَى إرْشَادِهِ، وَقَوْلُهُ: وَوَعْظِهِ مَعْطُوفٌ عَلَى إرْشَادِهِ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لَهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُجَالِسُهُ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَلْيَقُمْ أَيْ وَلَا يَسْتَمِرَّ جَالِسًا مَعَهُ مَعَ مُوَافَقَتِهِ فِي أَمْرٍ يَخَافُ الشَّخْصُ: أَوْ مُطْلَقًا فَهُوَ إمَّا بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ.
[قَوْلُهُ: فِي مَرْضَاتِهِ] أَيْ بِسَبَبِ رِضَا مَنْ اسْتَحْضَرَهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَتَعَرَّضُ مِنْهُ حَاجَةً لِنَفْسِهِ] أَيْ لِأَنَّهُ لَوْ تَعَرَّضَ مِنْهُ حَاجَةً لِنَفْسِهِ يَضْعُفُ عَنْ إرْشَادِهِ وَنُصْحِهِ، وَأَيْضًا فَهُوَ يُذْهِبُ الْعِلْمَ فَقَدْ نُقِلَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ وَهُوَ تَابِعِيٌّ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ بِحَضْرَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَا يَذْهَبُ بِالْعِلْمِ مِنْ قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ بَعْد أَنْ حَفِظُوهُ وَعَقَلُوهُ؟ فَقَالَ: يُذْهِبُهُ الطَّمَعُ وَشَرَهُ النَّفْسِ وَطَلَبُ الْحَاجَاتِ إلَى النَّاسِ، فَقَالَ: صَدَقْت.
[قَوْلُهُ: وَلَا أَحْسَبُهُ.
. . إلَخْ] قَصَدَ بِذَلِكَ الْحَثَّ عَلَى التَّبَاعُدِ عَنْ الْجُلُوسِ فِيمَا يَخَافُ عَاقِبَةَ وِزْرِهِ وَإِنْ عَزَمَ عَلَى أَنَّهُ يَقُومُ بِوَاجِبِ حَقِّهِ أَيْ وَلَا أَظُنُّهُ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ قَامَ بِذَلِكَ يَنْجُو لِعُرُوضِ غَفْلَةٍ عَنْ الْإِرْشَادِ مَعَ وُجُودِ مُوجِبِهِ أَوْ خَطَأٌ فِي اجْتِهَادِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَسْلَمُ] مَعْطُوفٌ عَلَى يَنْجُو وَلَا لِلتَّأْكِيدِ فَلَوْ حَذَفَهَا مَا ضَرَّهُ وَهُوَ بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ، [قَوْلُهُ: فِيمَا بَيْنَهُ.
. . إلَخْ] أَيْ وَلَا يَسْلَمُ فِي حَالَةٍ بَيْنَ نَفْسِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَبَيْنَ اللَّهِ مِنْ تَقْصِيرٍ وَقَعَ مِنْهُ، وَلَا يُشْعِرُ أَيْ وَلَا يَسْلَمُ بِاعْتِبَارٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فَإِنْ قُلْت: يَكُونُ حِينَئِذٍ غَافِلًا وَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَكَيْفَ يُؤَاخَذُ بِذَلِكَ؟ قُلْت: الْمُؤَاخَذَةُ مِنْ حَيْثُ قُدُومِهِ أَوَّلًا عَلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ الَّذِي يَخَافُ عَاقِبَةَ وِزْرِهِ فَهُوَ دَاخِلٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَيُؤَاخَذُ بِهَا، وَمَا يَقْدُمُ عَلَيْهِ مِنْ إرْشَادٍ غَيْرُ مُحَقَّقٍ عَلَى أَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ فَبُعْدُهُ عَنْ الْمَجْلِسِ دَرْءٌ لِمَفْسَدَةِ الْوِزْرِ، أَيْ مَفْسَدَةٍ هِيَ الْوِزْرُ يُقَدَّمُ عَلَى جَلْبِ مَصْلَحَةِ الْإِرْشَادِ أَيْ مَصْلَحَةٍ هِيَ الْإِرْشَادُ.
[قَوْلُهُ: إجْلَالُ الْعَالِمِ الْعَامِلِ] أَيْ أَنَّ تَعْظِيمَ

وَمِنْ شِيَمِ الْعَالِمِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِزَمَانِهِ مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ حَافِظًا لِلِسَانِهِ مُحْتَرِزًا مِنْ إخْوَانِهِ فَلَمْ يُؤْذِ النَّاسَ قَدِيمًا إلَّا مَعَارِفُهُمْ وَالْمَغْرُورُ مَنْ اغْتَرَّ بِمَدْحِهِمْ لَهُ، وَالْجَاهِلُ مَنْ صَدَّقَهُمْ عَلَى خِلَافِ مَا يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ

[حاشية العدوي]

الْعَالِمِ الْعَامِلِ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَيْ فَمَنْ عَظَّمَ الْعَالِمَ الْعَامِلَ فَقَدْ عَظَّمَ اللَّهَ أَيْ وَمَنْ حَقَّرَ الْعَالِمَ الْعَامِلَ فَقَدْ حَقَّرَ اللَّهَ، وَتَحْقِيرُ اللَّهِ كُفْرٌ فَتَحْقِيرُ الْعَالِمِ كُفْرٌ أَيْ كَالْكُفْرِ أَوْ كُفْرٌ حَقِيقَةً بِاعْتِبَارِ عِلَّتِهِ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِمُشْتَقٍّ يُؤْذِنُ بِالْعَلِيَّةِ أَيْ أَنَّ الْبَاعِثَ لَهُ عَلَى تَحْقِيرِهِ عِلْمُهُ الْمَوْرُوثُ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّ التَّحْقِيرَ بِاعْتِبَارِ عِلْمِهِ الْمَوْرُوثِ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ كُفْرٌ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْمُحَقِّرَ إذَا كَانَ الْبَاعِثُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ فَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي كُفْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَاعِثُ لَهُ مَا ذُكِرَ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ فَنُنْزِلُهُ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ كُفْرٌ أَوْ كَالْكُفْرِ وَظَهَرَ مِنْ تَقْيِيدِ الْعَالِمِ بِالْعَامِلِ أَنَّ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْعُلَمَاءِ إنَّمَا هُوَ قَاصِرٌ عَلَى الْعَالِمِ الْعَامِلِ.
[قَوْلُهُ: الْإِمَامُ] أَيْ السُّلْطَانُ وَقَوْلُهُ الْمُقْسِطُ أَيْ الْعَادِلُ فَيَجِبُ إجْلَالُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لَا الْقَاسِطُ، أَيْ الْجَائِزُ فَلَا يَجِبُ تَعْظِيمُهُ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ وَإِنْ وَجَبَ تَعْظِيمُهُ ظَاهِرًا لِخَوْفِ ضَرَرٍ وَوَجْهُ كَوْنِ تَعْظِيمِ الْعَالِمِ الْعَامِلِ تَعْظِيمَ اللَّهِ، وَكَذَا تَعْظِيمُ الْإِمَامِ الْمُقْسِطِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِتَعْظِيمِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَإِذَا امْتَثَلَ أَمْرَهُ وَعَظَّمَ فَقَدْ عَظَّمَ اللَّهَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ امْتَثَلَ أَمْرَهُ فَإِذَا لَمْ يُعَظِّمْ فَلَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَهُ فَلَمْ يُعَظِّمْ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ شِيَمِ الْعَالِمِ] أَيْ مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ وَصْفًا لَازِمًا لُزُومَ الطَّبِيعَةِ لِمَطْبُوعِهَا.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِزَمَانِهِ] أَيْ بِأَهْلِ زَمَانِهِ أَيْ بِأَحْوَالِهِمْ كَيْ يُعَامِلَهُمْ بِمُقْتَضَى أَحْوَالِهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ لِأَنَّهُ لَوْ جَهِلَ حَالَهُمْ لَوَقَعَ فِي الْمَكْرُوهِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ صَلَاحٌ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، وَأَصْلُ ذَلِكَ مَا فِي صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِزَمَانِهِ مُمْسِكًا لِلِسَانِهِ مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ.
[قَوْلُهُ: مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ] أَيْ مِنْ تَحْصِيلِ حَسَنَةٍ لِمَعَادِهِ أَوْ دِرْهَمٍ لِمَعَاشِهِ أَيْ الْحَالُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهَا فَلَا يَرِدُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ الْمَنْسُوبَةِ لِلشَّخْصِ الْحَالَةُ الْمَكْرُوهَةُ شَرْعًا.
[قَوْلُهُ: حَافِظًا لِلِسَانِهِ] أَيْ لِأَنَّ آفَاتِ اللِّسَانِ لَا تُحْصَرُ فَقَدْ نُقِلَ عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَا عَيْبُك قَالَ: كَثْرَةُ الْكَلَامِ، وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لِسَانِي سَبُعٌ إنْ أَرْسَلْتُهُ أَكَلَنِي وَأَخْرَجَ الْفُضَيْلُ مَرْفُوعًا: «أَكْثَرُ النَّاسِ ذُنُوبًا أَكْثَرُهُمْ كَلَامًا فِيمَا لَا يَعْنِيهِ» وَأَجْمَعَتْ الْحُكَمَاءُ عَلَى أَنَّ رَأْسَ الْحُكْمِ الصَّمْتُ وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: لَا حَجَّ وَلَا رِبَاطَ وَلَا جِهَادَ أَشَدُّ مِنْ حَبْسِ اللِّسَانِ.
[قَوْلُهُ: مُحْتَرِزًا مِنْ إخْوَانِهِ] أَيْ مِنْ مَعَارِفِهِ وَهُوَ جَمْعُ أَخٍ بِمَعْنَى الصَّاحِبِ، وَأَمَّا الْأَخُ مِنْ النَّسَبِ فَيُجْمَعُ عَلَى إخْوَةٍ.
[قَوْلُهُ: فَلَمْ.
. . إلَخْ] تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ مُحْتَرِزًا مِنْ إخْوَانِهِ أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذِ النَّاسَ قَدِيمًا إلَّا مَعَارِفُهُمْ، فَقَدْ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: أَوْصِنِي فَقَالَ لَهُ: أَقْلِلْ مِنْ مَعْرِفَةِ النَّاسِ فَأَلَحَّ عَلَيْهِ فِي طَلَبِ الْوَصِيَّةِ فَقَالَ لَهُ: وَهَلْ جَاءَك شَرٌّ قَطُّ مِنْ غَيْرِ مَنْ تَعْرِفُ وَإِنَّمَا يَأْتِيك الشَّرُّ مِمَّنْ تَعْرِفُ وَأَنْشَدُوا فِي هَذَا الْمَعْنَى شِعْرًا يَحْضُرُنِي الْآنَ مِنْهُ شَطْرُ بَيْتٍ وَهُوَ: جَزَى اللَّهُ خَيْرًا كُلَّ مَنْ لَسْت أَعْرِفُهُ وَقَالَ بَعْضٌ: رَأَيْت الِانْقِبَاضَ أَجَلَّ شَيْءٍ ... وَأَدْعَى فِي الْأُمُورِ إلَى السَّلَامَةِ فَهَذَا الْخَلْقُ سَالِمْهُمْ وَدَعْهُمْ ... فَخُلْطَتُهُمْ تَقُودُ إلَى النَّدَامَةِ وَلَا تُعْنَى بِشَيْءٍ غَيْرَ شَيْءٍ ... يَقُودُ إلَى خَلَاصِكَ فِي الْقِيَامَةِ [قَوْلُهُ: وَالْمَغْرُورُ مَنْ اغْتَرَّ بِمَدْحِهِمْ لَهُ] فَإِنَّهُ إذَا اغْتَرَّ بِمَدْحِهِمْ افْتَتَنَ وَكَمَا جَازَ مَدْحُهُمْ لَك جَازَ ذَمُّهُمْ لَكَ فَإِنَّ مَنْ جَرَّبَ النَّاسَ قَلَاهُمْ وَلَا يَغْتَرُّ بِظَاهِرِ النَّاسِ حَتَّى يَعْرِفَ سَرِيرَتَهُمْ وَيَسْتَغْنِي عَنْهُمْ مَا اسْتَطَاعَ وَلَوْ فِي أَدْنَى شَيْءٍ.
[قَوْلُهُ:

فصول الكتاب · 3 فصل · 596 صفحة
جارٍ التحميل