وَإِنَّمَا قَالَ (وَهُوَ آخِرُهَا) وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ آخِرُهَا لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (فَمَنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ) نَافِلَةٍ أَوْ فَرِيضَةٍ وَقَرَأَهَا (يَسْجُدْهَا) وَإِنْ كُرِهَ تَعَمُّدُهَا فِي الْفَرِيضَةِ (فَإِذَا سَجَدَهَا قَامَ فَقَرَأَ) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (مِنْ) سُورَةِ (الْأَنْفَالِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا مَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِ) مِمَّا يَلِيهَا عَلَى نَظْمِ الْمُصْحَفِ (ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ) وَإِنَّمَا أُمِرَ بِالْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ لَا يَكُونُ إلَّا عَقِبَ الْقِرَاءَةِ.
(وَ) ثَانِيهَا (فِي) سُورَةِ (الرَّعْدِ عِنْدَ قَوْلِهِ) تَعَالَى ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: 15] .
وَثَالِثُهَا (فِي) سُورَةِ (النَّحْلِ) عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50] .
وَرَابِعُهَا (فِي) سُورَةِ (بَنِي إسْرَائِيلَ) عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 109] .
وَخَامِسُهَا (فِي) سُورَةِ (مَرْيَمَ) عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58] .
وَسَادِسُهَا (فِي) سُورَةِ (الْحَجِّ) وَهُوَ الْمَذْكُورُ (أَوَّلُهَا) عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: 18] وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ أَوَّلُهَا إلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إنَّ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ أَوَّلَهَا وَآخِرَهَا.
(وَ) سَابِعُهَا (فِي) سُورَةِ (الْفُرْقَانِ) عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: 60] .
وَثَامِنُهَا (فِي) سُورَةِ (الْهُدْهُدِ) عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: 26] .
وَتَاسِعُهَا (فِي) سُورَةِ ﴿الم - تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: 1 - 2] عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15] .
وَعَاشِرُهَا (فِي) سُورَةِ (ص) عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24] وَقِيلَ) السُّجُودُ فِيهَا (عِنْدَ قَوْلِهِ) تَعَالَى ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: 25] وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: 25] كَالْجَزَاءِ عَلَى السُّجُودِ فَكَانَ بَعْدَ السُّجُودِ فَقُدِّمَ السُّجُودُ عَلَيْهِ.
(وَ) حَادِيَةَ عَشْرَتَهَا (فِي) سُورَةِ ﴿حم - تَنْزِيلُ﴾ [غافر: 1 - 2] عِنْدَ قَوْلِهِ) تَعَالَى ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: 37] هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْأَمْرِ، وَقِيلَ السُّجُودُ فِيهَا عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38] لِأَنَّهُ تَمَامُ الْأَوَّلِ وَلِمُخَالِفَتِهِ لِلْكَافِرِ الْمُتَكَبِّرِ بِالسَّآمَةِ.
(وَلَا يَسْجُدُ السَّجْدَةَ فِي التِّلَاوَةِ إلَّا عَلَى وُضُوءٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ مِنْ الطَّهَارَتَيْنِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ (وَيُكَبِّرُ
[حاشية العدوي]
أَيْ الْمُصَلِّي وَالْمُرَادُ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَتِهَا وَقَوْلُهُ يَسْجُدُهَا، أَيْ السَّجْدَةَ الْمَفْهُومَةَ مِنْ الْمَقَامِ وَقَوْلُهُ إنْ كَرِهَ تَعَمُّدَهَا، أَيْ قِرَاءَةَ آيَةِ السَّجْدَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَقَرَأَهَا.
[قَوْلُهُ: يَسْجُدُهَا] أَيْ وَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ حُرْمَةٍ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلصَّلَاةِ [قَوْلُهُ: عَلَى نَظْمِ الْمُصْحَفِ] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ مِمَّا يَلِيهَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِاَلَّذِي يَلِيهَا مَا كَانَ بِلَصْقِهَا وَإِلَّا نَافَى قَوْلُهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الرُّكُوعَ لَا يَكُونُ إلَّا عَقِبَ الْقِرَاءَةِ] أَيْ الْمُعْتَدُّ بِهِ كَمَالًا فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْتَصُّ هَذَا بِمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْأَعْرَافِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ سَجْدَةَ الْأَعْرَافِ يُتَوَهَّمُ فِيهَا عَدَمُ قِرَاءَةِ الْأَنْفَالِ أَوْ غَيْرِهَا لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ تَعَدُّدِ السُّورَةِ فِي رَكْعَةٍ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي صَلَاةٍ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ عَقِبَ السُّجُودِ أَنْ يَقْرَأَ مِنْ غَيْرِهَا، أَيْ إلَّا بِقَصْدِ التِّلَاوَةِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ تَمَامُ الْأَوَّلِ] أَيْ مُرْتَبِطٌ بِالْأَوَّلِ مَعْنَى.
[قَوْلُهُ: الْمُتَكَبِّرُ بِالسَّآمَةِ] أَيْ الْمُتَكَبِّرُ عَنْ السُّجُودِ مَعَ مِلَلِهِ وَضَجَرِهِ مِنْهُ، أَيْ أَنَّ الَّذِي مَنَعَهُ مِنْ السُّجُودِ أَمْرَانِ تَكَبُّرُهُ وَسَآمَتُهُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: إلَّا عَلَى وُضُوءٍ] أَيْ أَوْ بَدَلِهِ [قَوْلُهُ: الطَّهَارَتَيْنِ] أَيْ الْحَدَثِ وَالْخُبْثِ [قَوْلُهُ: وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ] كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ فَلَوْ سَجَدَ بِدُونِ وُضُوءٍ أَوْ بَدَلِهِ لَبَطَلَتْ وَلَوْ مَعَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ قَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ فِي وَقْتِ نَهْيٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَهَلْ يَحْذِفُ مَوْضِعَ السُّجُودِ خَاصَّةً كَيَشَاءُ فِي الْحَجِّ وَكَالْعَظِيمِ فِي النَّمْلِ أَوْ يَحْذِفُ الْآيَةَ جُمْلَةً؟ تَأْوِيلَانِ أَشَارَ لَهُمَا سَيِّدِي خَلِيلٌ
لَهَا) فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ اتِّفَاقًا إنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ وَعَلَى الْمَشْهُورِ إنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَقِيلَ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَعَدَمِهِ حَكَاهَا ابْنُ الْحَاجِبِ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَلَا يَتَشَهَّدُ لَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ (وَلَا يُسَلِّمُ) مِنْهَا قَالُوا: وَقَوْلُ الشَّيْخِ (وَفِي التَّكْبِيرِ فِي الرَّفْعِ مِنْهَا سَعَةٌ) أَنَّهُ رَابِعٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي حَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِيهَا الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ وَانْظُرْ قَوْلَهُ: (وَإِنْ كَبَّرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا) هَلْ هُوَ عَائِدٌ إلَى التَّكْبِيرِ فِي الرَّفْعِ أَوْ إلَى التَّكْبِيرِ فِي الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ فَيَكُونُ اخْتِيَارًا مِنْهُ لِلْمَشْهُورِ
(وَيَسْجُدُهَا) أَيْ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ (مَنْ قَرَأَهَا) وَهُوَ (فِي) صَلَاةِ (الْفَرِيضَةِ وَ) صَلَاةِ (النَّافِلَةِ) سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا أَوْ فَذًّا وَإِنْ كُرِهَ لَهُمَا تَعَمُّدُهَا فِي الْفَرِيضَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيَجْهَرُ بِهَا الْإِمَامُ فِي السِّرِّيَّةِ فَإِنْ لَمْ يَجْهَرْ بِهَا وَسَجَدَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَتْبَعُهُ مَأْمُومُهُ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يَتْبَعُهُ لِاحْتِمَالِ سَهْوِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَتَصِحُّ صَلَاتُهُمْ إنْ لَمْ يَتْبَعُوهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ لَا تُكْرَهُ قِرَاءَتُهَا فِي الْفَرِيضَةِ ابْتِدَاءً، وَصَوَّبَهَا اللَّخْمِيُّ وَابْنُ يُونُسَ وَابْنُ بَشِيرٍ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَيُكَبِّرُ لَهَا] أَيْ اسْتِنَانًا عَلَى الظَّاهِرِ كَمَا فِي بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ أَوْ نَدْبًا كَمَا قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ وعج.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُكْرَهُ] وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَقْوَالَ ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ يُكَبِّرُ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ، الثَّانِي يُكْرَهُ أَنْ يُكَبِّرَ فِيهِمَا، الثَّالِثُ التَّخْيِيرُ كَذَا فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ هُوَ مُخَيَّرٌ] أَيْ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَعَدَمِهِ أَيْ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ كَمَا فِي ابْنِ نَاجِي.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَرْفَعُ] أَيْ يُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ كَذَا يَنْبَغِي كَمَا أَفَادَهُ بَعْضٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَتَشَهَّدُ لَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقِيلَ بِالتَّشَهُّدِ، [قَوْلُهُ: وَلَا يُسَلِّمُ مِنْهَا] أَيْ يُكْرَهُ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ.
[قَوْلُهُ: أَنَّهُ رَابِعٌ فِي الْمَسْأَلَةِ] أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ خُيِّرَ فِي الرَّفْعِ وَلَمْ يُخَيَّرْ فِي الْخَفْضِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ نَاجِي.
[قَوْلُهُ: هَلْ هُوَ عَائِدٌ إلَخْ] أَيْ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي الرَّفْعِ كَمَا أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي الْخَفْضِ فَيَكُونُ عَيْنَ الْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ أَوْ إلَى التَّكْبِيرِ فِي الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ، أَيْ الَّذِي هُوَ عَيْنُ الْأَوَّلِ أَيْضًا فَهُوَ عَلَى كُلِّ حَالٍ اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِلْمَشْهُورِ خِلَافًا لَمَا تُوهِمُهُ الْعِبَارَةُ.
[قَوْلُهُ: وَيَسْجُدُهَا مَنْ قَرَأَهَا إلَخْ] وَهَلْ سُجُودُهُ سُنَّةٌ أَوْ فَضِيلَةٌ خِلَافٌ وَهَذَا إذَا كَانَ الْفَرْضُ غَيْرَ جِنَازَةٍ، وَأَمَّا هِيَ فَلَا يَسْجُدُهَا فِيهَا فَإِنْ فَعَلَ فَالظَّاهِرُ كَمَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ يَجْرِي فِيهَا مَا جَرَى فِي سُجُودِ الْخُطْبَةِ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ الْمُصَنَّفِ وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ وَقْتَ نَهْيٍ عَنْ النَّافِلَةِ وَقَالَ تت عَلَى خَلِيلٍ يَنْبَغِي أَنْ تُقَيَّدَ بِمَا إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ قِرَاءَةَ السَّجْدَةِ أَيْ فِي وَقْتِ النَّهْيِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ كُرِهَ لَهُمَا تَعَمُّدُهَا إلَخْ] إنَّمَا كُرِهَ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَسْجُدْ فِي الْوَعِيدِ، وَإِنْ سَجَدَ يَزِيدُ فِي سُجُودِ الْفَرِيضَةِ عَلَى أَنَّهُ رُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى التَّخْلِيطِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ، أَيْ وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ الصَّلَاةُ خَلْفَ شَافِعِيٍّ يَقْرَؤُهَا وَيَسْجُدُهَا مَعَهُ فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ فِي الْفَرِيضَةِ أَيْ لَا النَّافِلَةِ فَلَا يُكْرَهُ تَعَمُّدُهَا فِي النَّفْلِ فَذًّا أَوْ جَمَاعَةً جَهْرًا أَوْ سِرًّا فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا مُتَأَكِّدًا أَوْ غَيْرَ مُتَأَكِّدٍ خَشِيَ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ التَّخْلِيطَ أَمْ لَا.
تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ فَهَلْ مِنْ قَوْلِهِ فَرِيضَةٍ وَنَافِلَةِ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَهَا فِي حَالِ الْخُطْبَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ خُطْبَةَ جُمُعَةٍ أَوْ لَا، لَا يَسْجُدُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْلَالِ بِنِظَامِ الْخُطْبَةِ، وَحُكْمُ الْإِقْدَامِ عَلَى قِرَاءَتِهَا فِيهَا الْكَرَاهَةُ وَإِنْ وَقَعَ أَنَّهُ سَجَدَ فِي الْخُطْبَةِ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ نُهِيَ عَنْ السُّجُودِ الثَّانِي لَوْ كَانَ الْقَارِئُ لِلسَّجْدَةِ إمَامًا وَتَرَكَهَا فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يَتْرُكُهَا فَإِنْ سَجَدَهَا الْمَأْمُومُ دُونَ إمَامِهِ بَطَلَتْ فِي الْعَمْدِ وَالْجَهْرِ دُونَ السَّهْوِ، كَمَا أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ بِتَرْكِ السُّجُودِ خَلْفَ إمَامِهِ السَّاجِدِ وَلَوْ عَمْدًا وَلَكِنَّهُ أَسَاءَ.
[قَوْلُهُ: وَيَجْهَرُ بِهَا الْإِمَامُ] أَيْ نَدْبًا لِيُعْلِمَ الْمَأْمُومِينَ وَلَوْ نَفْلًا.
[قَوْلُهُ: يَتْبَعُهُ مَأْمُومُهُ] ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ السَّهْوِ، وَفِي كَبِيرِ الْخَرَشِيِّ أَنَّ هَذَا الِاتِّبَاعَ وَاجِبٌ فِيمَا يَظْهَرُ وَالْمُعْتَمَدُ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْقَوْلَيْنِ إلَخْ] أَمَّا عَلَى الثَّانِي فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَلِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِرَعْيِ الْخِلَافِ.
[قَوْلُهُ: وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ] مُقَابِلُ قَوْلِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ [قَوْلُهُ: لَا تُكْرَهُ إلَخْ] نَفْيُ الْكَرَاهَةِ يَصْدُقُ بِالْجَوَازِ وَالطَّلَبُ الصَّادِقُ بِالسُّنَّةِ وَالنَّدْبِ، لَكِنَّ قَصْدَهُ أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ
وَغَيْرُهُمْ لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُدَاوِمُ عَلَى قِرَاءَةِ السَّجْدَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
ابْنُ بَشِيرٍ: وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ يُوَاظِبُ الْأَخْيَارُ مِنْ أَشْيَاخِي وَأَشْيَاخِهِمْ.
وَتُفْعَلُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إلَّا عِنْدَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَاصْفِرَارِهَا وَعِنْدَ الْإِسْفَارِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ فِعْلُهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ.
وَاخْتُلِفَ فِي فِعْلِهَا قَبْلَ الْإِسْفَارِ وَالِاصْفِرَارِ بَعْدَ أَنْ تُصَلِّيَ الصُّبْحَ وَبَعْدَ أَنْ تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، فَفِي الْمُوَطَّأِ لَا تَجُوزُ بَعْدَهُمَا مُطْلَقًا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ أَوْ أَسْفَرَتْ أَوْ لَا.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ يَسْجُدُهَا بَعْدَهُمَا مَا لَمْ تَصْفَرَّ أَوْ تُسْفِرْ وَعَلَيْهِ مَشَى الشَّيْخُ فَقَالَ: (وَيَسْجُدُهَا مَنْ قَرَأَهَا بَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ) بِالسِّينِ مِنْ الْإِسْفَارِ وَهُوَ الضِّيَاءُ (وَبَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ) بِالصَّادِ مِنْ الِاصْفِرَارِ وَهُوَ التَّغَيُّرُ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَارَقَتْ النَّوَافِلَ الْمَحْضَةَ، وَلِذَلِكَ شُبِّهَتْ بِالنَّوَافِلِ الْمَحْضَةِ وَمُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا.
[حاشية العدوي]
نَدْبًا بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ [قَوْلُهُ: لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] وَلَعَلَّ وَجْهَ الْمَشْهُودِ خَوْفَ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ.
[قَوْلُهُ: كَانَ يُدَاوِمُ] لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: 1] وَوَجَّهَ الْمُنَاوِيُّ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِأَنَّ السُّورَةَ الْأُولَى فِيهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الدُّنْيَا، وَالسُّورَةُ الثَّانِيَةُ فِيهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ، وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ تَقُومُ الْقِيَامَةُ فَطُلِبَ بِذَلِكَ لِيَذْكُرَ مَبْدَأَهُ وَمَعَادَهُ.
[قَوْلُهُ: وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ] أَيْ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَحْرُمُ فِعْلُهَا إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ فِي الْإِسْفَارِ أَوْ فِي الِاصْفِرَارِ مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ [قَوْلُهُ: لَا تَجُوزُ] أَيْ تُكْرَهُ [قَوْلُهُ: أَوْ لَا] بِأَنْ لَمْ يَحْصُلْ إسْفَارٌ وَلَا اصْفِرَارٌ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ غُرُوبٌ لِلشَّمْسِ أَوْ طُلُوعٌ لَهَا فَيَحْرُمُ [قَوْلُهُ: وَفِي الْمُدَوَّنَةِ إلَخْ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمَا فِي الْمُوَطَّأِ ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ] مُرُورٌ عَلَى الرَّاجِحِ نَعَمْ فِي عَجَّ مَا يُخَالِفُهُ وَأَنَّهَا سُنَّةٌ فَقَطْ غَيْرُ مُؤَكَّدَةٍ، وَنَصُّهُ وَهَلْ حُكْمُ ذَلِكَ السُّنِّيَّةُ غَيْرُ الْمُؤَكَّدَةِ أَوْ الْفَضِيلَةُ خِلَافٌ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا سُنَّةٌ إلَخْ] عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَيَسْجُدُهَا إلَخْ.
[قَوْلُهُ: فَارَقَتْ إلَخْ] أَيْ فَفَارَقَتْ مَنْ فَعَلَهَا فِي التَّوْقِيفِ بِسَبَبِ كَوْنِهَا سُنَّةً مُؤَكَّدَةَ النَّوَافِلِ الْمَحْضَةِ؛ لِأَنَّهَا أَيْ النَّوَافِلَ الْمَحْضَةَ لَا تُفْعَلُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ.
[قَوْلُهُ: وَلِذَلِكَ] أَيْ وَلِكَوْنِهَا سُنَّةً شُبِّهَتْ إلَخْ.
أَيْ شُبِّهَتْ بِالنَّوَافِلِ الْمَحْضَةِ فَلَمْ تُفْعَلْ فِي الِاصْفِرَارِ وَلَا فِي الْإِسْفَارِ لِكَوْنِهَا سُنَّةً أَيْ لَمْ تُطْلَبْ طَلَبًا جَازِمًا كَالنَّوَافِلِ.
[قَوْلُهُ: وَمُرَاعَاةً] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ، وَعِبَارَتُهُ فِي التَّحْقِيقِ وَاضِحَةٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: لِأَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَفَارَقَتْ النَّوَافِلَ الْمَحْضَةَ، وَلِذَلِكَ شُبِّهَتْ بِصَلَاةِ الْجَنَائِزِ انْتَهَى.
[13 - بَابٌ فِي صَلَاةِ السَّفَرِ] (بَابٌ فِي) بَيَانِ صِفَةِ (صَلَاةِ السَّفَرِ) وَحُكْمِهَا وَسَبَبِهَا وَمَحَلِّهَا وَبَعْضِ شُرُوطِهَا، وَبَعْضِ مَا يُبْطِلُ الْقَصْرَ، وَمَسَائِلَ مُتَعَلِّقَةٍ بِهَا.
وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْخَمْسَةِ الْأُوَلِ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ سَافَرَ إلَى قَوْلِهِ: حَتَّى يُجَاوِزَ إلَخْ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (وَمَنْ سَافَرَ) أَيْ قَصَدَ سَفَرًا فِي الْبَرِّ أَوْ فِي الْبَحْرِ، وَاجِبًا كَانَ كَسَفَرِ الْحَجِّ الْوَاجِبِ، أَوْ مَنْدُوبًا كَسَفَرِ الْحَجِّ التَّطَوُّعِ، أَوْ مُبَاحًا كَسَفَرِ التِّجَارَةِ (مَسَافَةَ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ) جَمْعِ بَرِيدٍ وَهُوَ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ، وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَالْمِيلُ أَلْفَا ذِرَاعٍ.
(وَهِيَ) أَيْ الْأَرْبَعَةُ بُرُدٍ.
(ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْصُرَ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَضَمِّ الصَّادِ (الصَّلَاةَ) الْمَفْرُوضَةَ الْمُؤَدَّاةَ فِي السَّفَرِ وَالْمَقْضِيَّةَ لِفَوَاتِهَا فِيهِ (فَيُصَلِّيَهَا رَكْعَتَيْنِ إلَّا الْمَغْرِبَ فَلَا يَقْصُرُهَا) ؛ لِأَنَّهَا وِتْرٌ لَا نِصْفَ.
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي صَلَاةِ السَّفَرِ]
[قَوْلُهُ: بَيَانِ صِفَةِ صَلَاةِ] أَيْ مِنْ أَنَّهَا رَكْعَتَانِ [قَوْلُهُ: وَحُكْمِهَا] أَيْ السُّنِّيَّةِ، وَقَوْلُهُ: وَسَبَبِهَا وَهُوَ السَّفَرُ [قَوْلُهُ: وَمَحَلِّهَا] أَيْ صَلَاةِ السَّفَرِ، أَرَادَ بِالْمَحَلِّ مَا فَوْقَ بُيُوتِ الْمِصْرِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الرُّبَاعِيَّةَ؛ إذْ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الرُّبَاعِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: وَبَعْضُ شُرُوطِهَا وَهُوَ قَوْلُهُ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْخَمْسَةِ الْأُوَلِ] أَيْ الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ: صِفَةِ صَلَاةِ السَّفَرِ وَحُكْمِهَا وَسَبَبِهَا وَمَحَلِّهَا وَبَعْضِ شُرُوطِهَا [قَوْلُهُ: حَتَّى يُجَاوِزَ] بِإِدْخَالِ الْغَايَةِ [قَوْلُهُ: وَمَنْ سَافَرَ] أَيْ قَصَدَ فَفِيهِ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ [قَوْلُهُ: وَاجِبًا إلَخْ] أَيْ لَا مَكْرُوهًا وَلَا حَرَامًا كَصَيْدِ اللَّهْوِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ مَكْرُوهٌ وَالثَّانِيَ حَرَامٌ فَإِنَّهُمَا لَا يَقْصُرَانِ كَمَا فِي ابْنِ عُمَرَ أَيْ تَحْرِيمًا فِي الْحَرَامِ وَكَرَاهَةً فِي الْمَكْرُوهِ، فَإِنْ قَصَرَا لَمْ يُعِيدَا عَلَى الرَّاجِحِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَاصِيَ إمَّا بِهِ كَالْآبِقِ وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ، وَإِمَّا فِيهِ كَالزَّانِي وَشَارِبِ الْخَمْرِ.
فَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي كَلَامُنَا فِيهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّهُ يَقْصُرُ فَإِنْ تَابَ الْأَوَّلُ قَصَرَ إنْ بَقِيَ بَعْدَهَا مَسَافَةُ قَصْرٍ، وَإِنْ عَصَى فِي أَثْنَائِهِ أَتَمَّ مِنْ حِينَئِذٍ.
[قَوْلُهُ: مَسَافَةَ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ] أَيْ مَسَافَةً هِيَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ [قَوْلُهُ: وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا] فَإِنْ قَصَرَ فِيمَا دُونَهَا فَإِنْ كَانَ فِيمَا مَسَافَتُهُ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا أَعَادَ أَبَدًا وَفِيمَا مَسَافَتُهُ أَرْبَعُونَ لَا إعَادَةَ، وَفِيمَا مَسَافَتُهُ بَيْنَهُمَا خِلَافٌ هَلْ يُعِيدُ فِي جُلِّ الْوَقْتِ أَمْ لَا، أَيْ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ أَصْلًا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ.
وَفِي التَّوْضِيحِ يُعِيدُ مَنْ قَصَرَ فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا أَبَدًا عَلَى الْمَذْهَبِ.
[قَوْلُهُ: وَالْمِيلُ أَلْفَا ذِرَاعٍ] فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَصَحَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَوْنَهُ ثَلَاثَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ وَخَمْسَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَالذِّرَاعُ مَا بَيْنَ طَرَفَيْ الْمَرْفِقِ إلَى آخِرِ الْأُصْبُعِ الْمُتَوَسِّطِ وَهُوَ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ أُصْبُعًا كُلُّ أُصْبُعٍ سِتُّ شُعَيْرَاتٍ بَطْنُ إحْدَاهُمَا إلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى، كُلُّ شُعَيْرَةٍ سِتُّ شَعَرَاتٍ مِنْ شَعْرِ الْبِرْذَوْنِ، وَهَذَا بَيَانٌ لِأَقَلِّ الْمَسَافَةِ الَّتِي تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ وَحَدُّهَا بِالزَّمَانِ سَفَرُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِسَيْرِ الْحَيَوَانَاتِ الْمُثْقَلَةِ بِالْأَحْمَالِ الْمُعْتَادَةِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا وِتْرٌ وَلَا نِصْفَ لَهَا] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: إذْ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ نِصْفُ رَكْعَةٍ فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ تُكْمَلْ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى تُقَدِّرَ النِّصْفَ كَمَا فُعِلَ فِي طَلَاقِ الْعَبْدِ وَفِيمَنْ طَلَّقَ نِصْفَ طَلْقَةٍ أَوْ طَلْقَةً وَنِصْفَ طَلْقَةِ؟ قُلْت: أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ فُعِلَ ذَلِكَ لَذَهَبَ مَقْصُودُ الشَّرْعِ مِنْ كَوْنِ عَدَدِ رَكَعَاتِ الْفَرْضِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وِتْرًا وَلِلشَّرْعِ قَصْدٌ فِي الْوِتْرِ، وَانْظُرْ لِمَ
لَهَا، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: فَعَلَيْهِ أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ وَاجِبٌ وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ أَرْبَعَةٍ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي بَابِ جُمَلٍ حَيْثُ قَالَ: وَالْإِقْصَارُ فِيهِ وَاجِبٌ وَأَوَّلَهَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بِوُجُوبِ السُّنَنِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَلِلْقَصْرِ شُرُوطٌ:
أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ الْمَسَافَةُ الْمَذْكُورَةُ مَقْصُودَةً فِي ذَهَابِ ابْتِدَاءِ سَفَرِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً مِثْلَ أَنْ يَمْشِيَ فِي طَلَبِ حَاجَةٍ لَهُ يَظُنُّ أَنَّهَا أَمَامَهُ فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ فِي ذَهَابِهِ وَلَوْ مَشَى أَرْبَعَةَ بُرُدٍ، وَيَقْصُرُ فِي رُجُوعِهِ، ثَانِيهَا أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ مُبَاحًا بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا فِيهِ، فَيَدْخُلَ فِيهِ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ، ثَالِثُهَا: عَلَى مَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنْ لَا يَقْتَدِيَ بِمُقِيمٍ.
ابْنُ قَاسِمٍ فِي الْكِتَابِ: يُتِمُّ وَرَاءَهُ إنْ أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً إلَى أَنْ قَالَ: فَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ.
قَالَ مَالِكٌ: لَا يُتِمُّ، رَابِعُهَا: عَلَى مَا فِيهَا أَيْضًا عَنْ الْكِتَابِ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يَبْرُزَ عَنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَ بُيُوتَ الْمِصْرِ) ج: ظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْضِعُ مَوْضِعَ جُمُعَةٍ أَمْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
ع: قَوْلُهُ:
[حاشية العدوي]
سَكَتَ عَنْ الصُّبْحِ مَعَ أَنَّهَا لَا تُقْصَرُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الشَّرْعِ قَصْرُهَا.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا بِأَنْ تُجْعَلَ رَكْعَةً، وَاَلَّذِي يُغْنِي عَنْ تَطْوِيلِ الْقَوْلِ فِيهَا وَفِي الْمَغْرِبِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى أَنَّهُمَا لَا يُقْصَرَانِ وَلَا تَأْثِيرَ لِلسَّفَرِ فِيهِمَا.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ أَرْبَعَةٍ إلَخْ] سُنَّةٍ وَمُسْتَحَبٍّ وَمُبَاحٍ وَفَرْضٍ كَمَا حَكَاهَا ابْنُ الْحَاجِبِ، وَاسْتَظْهَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الْبُلُوغُ وَلَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْ عَيْنَ الْحُكْمِ هَلْ هُوَ السُّنِّيَّةُ أَوْ النَّدْبُ وَالظَّاهِرُ النَّدْبُ.
[قَوْلُهُ: بِوُجُوبِ السُّنَنِ] أَيْ فَهُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ كَمَا فِي تت
[قَوْلُهُ: فِي ذَهَابِ] الْأَوْلَى حَذْفُ ذَهَابِ.
[قَوْلُهُ: دَفْعَةً وَاحِدَةً] أَيْ مَقْصُودَةً دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَخَرَجَ بِهِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا مَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
الثَّانِي: أَنْ يُقِيمَ فِيمَا بَيْنَهَا إقَامَةً تُوجِبُ الْإِتْمَامَ كَأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ، فَمَنْ قَصَدَ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ وَنَوَى أَنْ يَسِيرَ مِنْهَا مَا لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ ثُمَّ يُقِيمَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ صِحَاحٍ ثُمَّ يُسَافِرَ بَاقِيَهَا فَإِنَّهُ يُتِمُّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَقْطَعَهَا عَلَى ظَهْرٍ وَاحِدٍ أَيْ يَقْطَعَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَمُلَخَّصُهُ أَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَقْصُودَةً وَالثَّانِي دَفْعَةً، فَقَوْلُ الشَّارِحِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَخْ مُحْتَرَزُ مَقْصُودَةً، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مُحْتَرَزُ دَفْعَةً، وَدَفْعَةٌ بِفَتْحِ الدَّالِ.
[قَوْلُهُ: يَظُنُّ أَنَّهَا أَمَامَهُ] بَلْ وَلَوْ جَزَمَ بِأَنَّهَا أَمَامَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْرِ عَيْنَ مَوْضِعِهَا.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا] قَدَّمْنَا مُحْتَرَزَهُ.
[قَوْلُهُ: وَالْمُبَاحُ] أَيْ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ.
[قَوْلُهُ: إنْ أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً] هَذَا إذَا نَوَى الْإِتْمَامَ حَقِيقَةً وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ حُكْمًا كَمَنْ أَحْرَمَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ الْإِمَامُ، وَأَمَّا إنْ نَوَى الْقَصْرَ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ.
وَقَوْلُهُ: لَا يُتِمُّ هَذَا إذَا أَحْرَمَ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ وَإِلَّا بِأَنْ نَوَى الْإِتْمَامَ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا فَإِنَّهُ يُتِمُّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَأْمُومَ الْمُسَافِرَ خَلْفَ الْمُقِيمِ تَارَةً يَنْوِي الْإِتْمَامَ خَلْفَهُ، وَمِثْلُهُ الْإِحْرَامُ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ الْإِمَامُ، وَتَارَةً يَنْوِي صَلَاةَ سَفَرٍ وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يُدْرِكَ رَكْعَةً أَمْ لَا.
فَفِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ يَتْبَعُهُ مُطْلَقًا، وَفِي الثَّانِي إنْ أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا صَحَّتْ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ [قَوْلُهُ: قَالَ مَالِكٌ] عِبَارَةُ التَّحْقِيقِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُتِمُّ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ.
تَنْبِيهٌ: بَقِيَ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْ مَسَافَةٍ قَصِيرَةٍ إلَى طَوِيلَةٍ بِلَا عُذْرٍ.
[قَوْلُهُ: حَتَّى يُجَاوِزَ بُيُوتَ الْمِصْرِ] أَيْ وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْبُيُوتُ خَرَابًا لَا سَاكِنَ بِهَا، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَسَاتِينُ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْدِيَةِ الْبَلَدِيِّ الْبَسَاتِينَ الْمَسْكُونَةَ الْمُتَّصِلَةَ أَوْ مَا فِي حُكْمِهَا كَالْبَسَاتِينِ الَّتِي يَرْتَفِقُ أَهْلُهَا وَسُكَّانُهَا بِمَرَافِقِ الْمُتَّصِلَةِ مِنْ أَخْذِ نَارٍ وَطَبْخٍ وَخَبْزٍ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسْكُونَةِ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَمِثْلُ الْبَسَاتِينِ الْقَرْيَتَانِ إذَا اتَّصَلَتَا أَوْ اشْتَدَّ قُرْبُهُمَا بِحَيْثُ يَرْتَفِقُ أَهْلُ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِأَهْلِ الْأُخْرَى فَلَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ مِنْ إحْدَاهُمَا حَتَّى يُجَاوِزَ الْأُخْرَى وَيَنْفَصِلَ عَنْهُمَا لَا إنْ بَعُدَتْ إحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ فَلَا يَعْتَبِرُ مُجَاوَزَةَ الْأُخْرَى، وَأَمَّا الْمَزَارِعُ فَلَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا رَوَاهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ الْإِمَامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنْ كَانَتْ قَرْيَةَ
(وَتَصِيرُ خَلْفَهُ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا بِحِذَائِهِ مِنْهَا شَيْءٌ) مُكَرَّرٌ مَعَ مَا قَبْلَهُ زِيَادَةً فِي الْبَيَانِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: وَذَلِكَ بِأَنْ تَصِيرَ خَلْفَهُ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا بِحِذَائِهِ مِنْهَا شَيْءٌ أَيْ لَيْسَ أَمَامَهُ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَا عَنْ شِمَالِهِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَلَمَّا بَيَّنَ مَبْدَأَ الْقَصْرِ انْتَقَلَ يُبَيِّنُ مُنْتَهَاهُ فَقَالَ: (ثُمَّ لَا يُتِمُّ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهَا) أَيْ إلَى الْبُيُوتِ (أَوْ يُقَارِبَهَا بِأَقَلَّ مِنْ الْمِيلِ) اسْتَشْكَلَ ع لَفْظَ الشَّيْخِ فَقَالَ: هَذَا اللَّفْظُ مُشْكِلٌ لِأَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ جَعَلَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ الْمِيلِ مُسَافِرًا وَآخِرَ الْكَلَامِ جَعَلَهُ فِيهِ مُقِيمًا، وَهَذَا لَا يَصِحُّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهَا، يَعْنِي عَلَى قَوْلٍ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ يُقَارِبَهَا يَعْنِي عَلَى قَوْلٍ آخَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: قَوْلُهُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهَا أَيْ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْهَا وَيَكُونَ قَوْلُهُ: أَوْ يُقَارِبَهَا هُوَ قَوْلُهُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهَا، وَهَذَا التَّأْوِيلُ يُوَافِقُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْأَوَّلُ يُخَالِفُهَا لِأَنَّ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ إلَّا قَوْلٌ وَاحِدٌ.
(وَإِنْ نَوَى الْمُسَافِرُ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِمَوْضِعٍ أَوْ مَا يُصَلِّي فِيهِ عِشْرِينَ صَلَاةً أَتَمَّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَظْعَنَ) أَيْ يَرْتَحِلَ (مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا أَتَى بِأَوْ يَكُونُ أَرَادَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ قَوْلَيْنِ، وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ الْقَصْرَ بِشَرْطِهِ يَقْطَعُهُ نِيَّةُ إقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ فَأَكْثَرَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ مَا يُصَلِّي فِيهِ عِشْرِينَ صَلَاةً عِنْدَ سَحْنُونَ وَعَبْدِ الْمَلْكِ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ إذَا دَخَلَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ فَإِنْ قَدَّرَ بِالصَّلَوَاتِ حَسَبَ ظُهْرَ يَوْمِهِ وَعَصْرَهُ فَيُتِمُّ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَإِنَّ قَدَّرَ بِالْأَيَّامِ أَلْغَى الْيَوْمَ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ وَقَصَرَ ظُهْرَ
[حاشية العدوي]
جُمُعَةٍ لَا يَقْصُرُ حَتَّى يُجَاوِزَ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ مِنْ سُوَرِ الْبَلَدِ وَإِلَّا فَمِنْ آخِرِ بُنْيَانِهَا، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الزَّائِدِ عَلَى الْبَسَاتِينِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى اعْتِبَارِ مُجَاوَرَةِ الْبَسَاتِينِ، وَالْعَمُودِيُّ بِمُجَاوَزَتِهِ مَحِلَّتِهِ بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ مَنْزِلَ إقَامَتِهِ وَلَوْ تَفَرَّقَتْ بُيُوتُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ مُجَاوَزَةِ الْجَمِيعِ حَيْثُ جَمَعَهُمْ اسْمُ الْحَيِّ وَالدَّارِ، أَوْ اسْمُ الدَّارِ فَقَطْ أَوْ اسْمُ الْحَيِّ حَيْثُ كَانَ يَرْتَفِقُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَإِلَّا قَصَرَ بِمُجَرَّدِ انْفِصَالِهِ عَنْ مَنْزِلِهِ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا التَّأْوِيلُ يُوَافِقُ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ] فِيهِ أَنَّ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ كَلَفْظِ الْمُصَنِّفِ، وَنَصُّهَا: وَإِذَا رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ فَلْيَقْصُرْ حَتَّى يَدْخُلَ الْبُيُوتَ أَوْ قُرْبَهَا، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُدَوَّنَةَ وَإِنْ سَاوَتْ الْمُصَنِّفَ إلَّا أَنَّ الْمُدَوَّنَةَ لَمْ يَكُنْ شَأْنُهَا أَنْ تُشِيرَ بِأَوْ إلَى قَوْلَيْنِ بِخِلَافِ الرِّسَالَةِ.
بَقِيَ أَنَّ مُلَخَّصَ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ مَتَى كَانَ أَقَلَّ مِنْ الْمِيلِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ سَوَاءٌ كَانَ بِهَا بَسَاتِينُ أَمْ لَا، كَانَتْ الْبَسَاتِينُ قَلِيلَةً بِحَيْثُ تَكُونُ ثُلُثَ مِيلٍ مَثَلًا أَوْ أَكْثَرَ، وَالظَّاهِرُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ أَنَّ دُخُولَ الْبَسَاتِينِ الْمَسْكُونَةِ الْمُتَّصِلَةِ وَلَوْ حُكْمًا كَدُخُولِ الْبَلَدِ، أَيْ فَيُتِمُّ بِهِ وَالْقُرْبُ مِنْهَا بِأَقَلَّ مِنْ مِيلٍ كَالْقُرْبِ مِنْ الْبَلَدِ بِأَقَلَّ مِنْهُ أَيْ فَيَقْصُرُ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ ابْنُ نَاجِي خِلَافًا لِشَيْخِهِ فِي عَدِّهَا أَيْ عَدِّ الْبَسَاتِينِ مِنْ الْمَسَافَةِ، فَظَهْرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الصَّوَابَ الْجَوَابُ الْأَوَّلُ وَاعْتِمَادُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّ الْمَعْنَى حَتَّى يَرْجِعَ لِلْبُيُوتِ أَيْ أَوْ مَا فِي حُكْمِهَا مِنْ الْبَسَاتِينِ الْمُتَّصِلَةِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ نَوَى الْمُسَافِرُ إلَخْ] أَيْ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ تَكُونُ إمَّا تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا أَوْ شَكًّا، وَأَمَّا لَوْ ظَنَّ عَدَمَ الْإِقَامَةِ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ قَرَّرَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ، وَأَمَّا إنْ نَوَى ذَلِكَ فِيهَا فَإِنْ صَلَّى رَكْعَةً نُدِبَ لَهُ شَفْعُهَا وَلَمْ تُجْزِئْ لَا حَضَرِيَّةً وَلَا سَفَرِيَّةً ثُمَّ صَلَّاهَا حَضَرِيَّةً، وَأَمَّا إنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَهَا أَعَادَهَا فِي الْوَقْتِ حَضَرِيَّةً أَيْ نَدْبًا قَالَ سَنَدٌ: لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ حَدَثَتْ لَهُ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ فِي الصَّلَاةِ أَيْ وَقَدْ غَفَلَ عَنْهَا.
[قَوْلُهُ: حَتَّى يَظْعَنَ] بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَرْتَحِلَ وَيَصِيرَ إذَا ظَعَنَ كَالظَّاعِنِ مِنْ بَلَدِهِ فَيَقْصُرَ إذَا جَاوَزَ الْبَلَدَ وَمَا فِي حُكْمِهَا، وَاعْتَمَدَ ذَلِكَ ابْنُ نَاجِي.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] اعْلَمْ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يُرَاعِي فِي قَطْعِ حُكْمِ السَّفَرِ الْأَرْبَعَةَ الْأَيَّامِ الصِّحَاحَ وَالْعِشْرِينَ صَلَاةً، مَنْ دَخَلَ قَبْلَ فَجْرِ يَوْمٍ وَنَوَى الْخُرُوجَ بَعْدَ غُرُوبِ الرَّابِعِ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ مُدَّةَ عِشْرِينَ صَلَاةً فَالْإِقَامَةُ الْقَاطِعَةُ لِحُكْمِ السَّفَرِ أَنْ يُقِيمَ إلَى عِشَاءِ الرَّابِعِ: وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ صِحَاحٌ بِلَيَالِيِهَا وَفِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ إشَارَةٌ لَهُ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْجَلَّابِ وَصَاحِبُ الْمَعُونَةِ وَغَيْرُهُمَا حَيْثُ قَالُوا: لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ الصِّحَاحِ بِلَيَالِيِهَا ذَكَرَهُ عَجَّ.
[قَوْلُهُ: وَقَصَرَ ظُهْرَ إلَخْ] هَذَا غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ، وَالْمُعَوَّلُ
يَوْمِهِ وَعَصْرَهُ، وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ: نَوَى أَنَّ الْإِتْمَامَ يَكُونُ بِالنِّيَّةِ خَاصَّةً بِخِلَافِ الْقَصْرِ فَإِنَّهُ كَمَا تَقَدَّمَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَالْفِعْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِتْمَامَ هُوَ الْأَصْلُ فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ إلَّا بِشَيْئَيْنِ، وَالْقَصْرُ فَرْعٌ يُنْتَقَلُ عَنْهُ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ.
وَأُخِذَ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا قَامَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ يَقْصُرُ مَا دَامَ نَاوِيًا لِلسَّفَرِ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ كَوْنِ نِيَّةِ إقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ يُبْطِلُ حُكْمَ الْقَصْرِ نِيَّةُ الْعَسْكَرِ الْإِقَامَةَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ وَلَوْ نَوَوْا إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَالْعَسْكَرُ يُقِيمُ بِدَارِ الْحَرْبِ يَقْصُرُونَ إنْ طَالَ مُقَامُهُمْ وَلَيْسَ دَارُ الْحَرْبِ كَغَيْرِهَا، وَمِمَّا يَقْطَعُ الْقَصْرَ أَيْضًا الْعِلْمُ بِالْإِقَامَةِ عَادَةً كَمَا عُلِمَ مِنْ عَادَةِ الْحَاجِّ إذَا نَزَلَ الْعَقَبَةَ أَوْ دَخَلَ مَكَّةَ أَنْ يُقِيمَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَكَانَ الْعِلْمُ بِهَذِهِ الْإِقَامَةِ كَافِيًا فِي الْإِبْطَالِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِصَلَاةِ السَّفَرِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَخْرُجَ لِلسَّفَرِ نَهَارًا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَاتَيْنِ الْمُشْتَرِكَتَيْ الْوَقْتِ وَإِمَّا أَنْ يَدْخُلَ لِلْحَضَرِ نَهَارًا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَدْخُلَ لَيْلًا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا، وَإِمَّا أَنْ يَخْرُجَ لَيْلًا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا.
وَقَسَّمَ الْأَوَّلَ قِسْمَيْنِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَخْرُجَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ مَا يَسَعُ الصَّلَاتَيْنِ مَعًا أَوْ لَا، وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ خَرَجَ) أَيْ شَرَعَ فِي السَّفَرِ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ قَدْرُ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ) (صَلَّاهُمَا سَفَرِيَّتَيْنِ) اتِّفَاقًا إنْ كَانَ تَرَكَهُمَا نَاسِيًا، وَعَلَى الْمَنْصُوصِ إنْ كَانَ تَرَكَهُمَا عَامِدًا، وَيَكُونُ آثِمًا وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ سَافَرَ فِي وَقْتَيْهِمَا إذْ يُقَدَّرُ لِلظُّهْرِ رَكْعَتَانِ وَتَبْقَى رَكْعَةُ الْعَصْرِ، وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا التَّقْدِيرِ هَلْ يُرَاعَى قَبْلَهُ تَقْدِيرُ الطَّهَارَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَهَارَةٍ أَمْ لَا.
وَالثَّانِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ بَقِيَ) أَيْ مِنْ النَّهَارِ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّهِمَا (قَدْرُ مَا يُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ رَكْعَةً صَلَّى الظُّهْرَ حَضَرِيَّةً) لِأَنَّهُ فَاتَ وَقْتُهَا وَهُوَ غَيْرُ مُسَافِرٍ فَتَرَتَّبَتْ فِي ذِمَّتِهِ حَضَرِيَّةً.
(وَ) صَلَّى (الْعَصْرَ سَفَرِيَّةً) لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ فِي وَقْتِهَا وَيَبْدَأُ بِالظُّهْرِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِالْعَصْرِ عِنْدَ ابْنِ وَهْبٍ لِئَلَّا يُفَوِّتَهَا عَنْ وَقْتِهَا.
وَقَالَ أَشَهْبُ: يَبْدَأُ بِأَيَّتِهَا شَاءَ لِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ (وَلَوْ دَخَلَ) مِنْ سَفَرِهِ (لِخَمْسِ رَكَعَاتٍ) أَيْ وَإِذَا دَخَلَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ مِقْدَارُ مَا يُصَلِّي فِيهِ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ (نَاسِيًا لَهُمَا صَلَّاهُمَا حَضَرِيَّتَيْنِ) لِأَنَّهُ مُدْرِكٌ لِوَقْتِهِمَا الظُّهْرِ بِأَرْبَعٍ
[حاشية العدوي]
عَلَيْهِ مَا عَلَيْهِ أَشْيَاخُ عج مِنْ أَنَّهُ إذَا نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ فَإِنَّهُ يُتِمُّ مِنْ حِينِ دُخُولِهِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي نَوَى فِيهِ ذَلِكَ، فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ أَتَمَّهُ وَأَتَمَّ الْعَصْرَ وَالْعِشَاءَ وَإِنْ كَانَ يَوْمَ دُخُولِهِ لَا يُحْسَبُ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي يُقِيمُهَا وَلَا يُقَالُ: إنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَنْ نَوَى إقَامَةَ زَمَنٍ يُصَلِّي فِيهِ عِشْرِينَ صَلَاةً وَدَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّهُ يُقْدَحُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: وَإِنْ قَدَّرَ بِالْأَيَّامِ أَلْغَى الْيَوْمَ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ وَقَصَرَ ظُهْرَ يَوْمِهِ وَعَصْرَهُ إذْ لَا خُصُوصِيَّةَ لِلدِّينِ بِالْقَصْرِ، بَلْ يَقْصُرُ مُدَّةَ إقَامَتِهِ فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ وَعِنْدَ الْأَوَّلِ يُتِمُّ الْجَمِيعَ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَالْفِعْلُ] وَهُوَ تَعَدِّي الْبَسَاتِينِ الْمَسْكُونَةِ [قَوْلُهُ: بِدَارِ الْحَرْبِ] الْمُرَادُ بِدَارِ الْحَرْبِ مَحَلُّ إقَامَةِ الْعَسْكَرِ وَلَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ لَا أَمْنَ وَأَفْهَمَ ذَلِكَ إتْمَامُ الْأَسِيرِ بِدَارِهِمْ، وَإِتْمَامُ الْعَسْكَرِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ] أَيْ يُصَلِّيهِمَا سَفَرِيَّتَيْنِ [قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ إلَخْ] أَيْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ يُقَدَّرُ الظُّهْرُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَاضِرِ إذَا سَافَرَ وَالْمُسَافِرِ إذَا قَدِمَ، فَقَالَ بِالْأَوَّلِ اللَّخْمِيُّ وَالْقَرَافِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ، وَقَالَ بِالثَّانِي آخَرُونَ.
وَمُفَادُ بَعْضٍ تَرْجِيحُهُ وَعَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ.
وَقَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَهَارَةٍ مَفْهُومُهُ لَوْ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ لَا يُعْتَبَرُ تَقْدِيرُ الظُّهْرِ بِفَرْضِ أَنْ لَوْ كَانَ غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ.
وَانْظُرْ هَلْ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؟ [قَوْلُهُ: عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] وَهُوَ الرَّاجِحُ [قَوْلُهُ: لِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ] أَيْ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَبْدَأُ بِالْأُولَى، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ شِهَابٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَبْدَأُ بِالْآخِرَةِ وَهُوَ قَوْلُ
وَالْعَصْرِ بِرَكْعَةٍ، قَالُوا: وَحُكْمُ الْعَامِدِ كَالنَّاسِي وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى النَّاسِي لِأَنَّهُ الْغَالِبُ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى الثَّانِي.
بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ كَانَ) دُخُولُهُ (بِقَدْرِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فَأَقَلَّ إلَى رَكْعَةٍ صَلَّى الظُّهْرَ سَفَرِيَّةً) لِأَنَّهَا بِخُرُوجِ وَقْتِهَا تَرَتَّبَتْ فِي ذِمَّتِهِ سَفَرِيَّةً (وَ) صَلَّى (الْعَصْرَ حَضَرِيَّةً) لِأَنَّهُ أَدْرَكَهَا فِي الْحَضَرِ.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الصَّلَاتَيْنِ الْمُشْتَرِكَتَيْ الْوَقْتِ نَهَارًا خُرُوجًا وَدُخُولًا انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْمُشْتَرِكَتَيْ الْوَقْتِ لَيْلًا كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ بَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى الدُّخُولِ عَكْسِ مَا تَقَدَّمَ فِي النَّهَارِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي التَّقْسِيمِ.
فَقَالَ: (وَإِنْ قَدِمَ فِي لَيْلٍ وَقَدْ بَقِيَ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ رَكْعَةٌ فَأَكْثَرُ) فِيمَا يُقَدَّرُ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَكُنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا (صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا وَالْعِشَاءَ حَضَرِيَّةً) لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَدْرِك بِهِ الْعِشَاءَ فَوَجَبَ أَنْ يُصَلِّيَهَا حَضَرِيَّةً، وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهَا فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ فَلَا مَعْنَى لِذَكَرِهَا: ثُمَّ عَقَّبَ بِالْخُرُوجِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فَقَالَ: (وَلَوْ خَرَجَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ اللَّيْلِ رَكْعَةٌ فَأَكْثَرُ صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ سَفَرِيَّةً) لِأَنَّهُ مُدْرِكٌ لِوَقْتِهَا فِي السَّفَرِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ يُقَدِّرُ لِلْخُرُوجِ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فَأَكْثَرَ وَلَهُ حُكْمُ مَا يُسْتَقْبَلُ، وَيُقَدِّمُ لِلدُّخُولِ بِخَمْسِ رَكَعَاتٍ فَأَكْثَرَ وَلَهُ حُكْمُ مَا يُسْتَقْبَلُ.
[حاشية العدوي]
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ذَكَرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ.
[قَوْلُهُ: قَالُوا] لَمْ يَقْصِدْ التَّبَرِّي
[قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ بَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى الدُّخُولِ إلَخْ] لِمُنَاسَبَتِهِ لِمَا قَبْلَهُ أَنَّ كُلًّا دُخُولٌ [قَوْلُهُ: فِيمَا قُدِّرَ] فِي بِمَعْنَى مِنْ أَيْ مِمَّا يُقَدَّرُ أَيْ مِمَّا يُقَدَّرُ بِهِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا مَعْنَى لِذِكْرِهَا] أَيْ كَذَا لَا مَعْنَى لِذِكْرِهَا فِي الْآتِيَةِ.
[قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ] أَيْ قَاعِدَةُ هَذَا الْبَابِ [قَوْلُهُ: أَنَّهُ يُقَدِّرُ لِلْخُرُوجِ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ] قَاصِرٌ عَلَى النَّهَارِيَّتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِمُدْرِكِهِمَا، وَكَذَا قَوْلُهُ: بَعْدُ وَيُقَدِّرُ لِلدُّخُولِ بِخَمْسٍ إلَخْ قَاصِرٌ عَلَيْهِمَا أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ لِمُدْرِكِهِمَا، فَلَا يَشْمَلُ النَّهَارِيَّتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِمُدْرِكِ وَاحِدَةٍ وَلَا اللَّيْلِيَّتَيْنِ، فَلَوْ قَالَ: وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ بِالنِّسْبَةِ لِلَّيْلَتَيْنِ أَنَّهُ يُقَدِّرُ بِرَكْعَةٍ دُخُولًا وَخُرُوجًا وَبِرَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّهَارِيَّتَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا كَذَلِكَ عَلَى التَّوْزِيعِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ أَنَّهُ فِي الْخُرُوجِ إذَا بَقِيَ مَا يَسَعُ ثَلَاثًا فَإِنَّهُ يُصَلِّيهِمَا سَفَرِيَّتَيْنِ وَاثْنَتَيْنِ أَوْ وَاحِدَةً، فَالثَّانِيَةُ سَفَرِيَّةٌ وَهَكَذَا لَكَانَ أَفْضَلُ.
[14 - بَابٌ فِي الْجُمُعَةِ] (بَابٌ فِي) بَيَانِ حُكْمِ السَّعْيِ إلَى (صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) بِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى الْمَشْهُورِ بِهِ قُرِئَ فِي السَّبْعِ، وَيَجُوزُ فِيهَا الْإِسْكَانُ وَالْفَتْحُ وَبِهِمَا قُرِئَ فِي الشَّوَاذِّ، وَبَيَانِ وَقْتِ وُجُوبِهَا وَالْمَحِلِّ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَبَيَانِ صِفَتِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِهَا وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْجَمْعِ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا، وَابْتَدَأَ بِحُكْمِ السَّعْيِ فَقَالَ: (وَالسَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةُ وَاجِبٌ) وَإِذَا وَجَبَ وَهُوَ وَسِيلَةٌ فَأَحْرَى مَا سَعَى إلَيْهِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي بَابِ جُمَلٍ فَقَالَ: وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَالسَّعْيُ إلَيْهَا فَرِيضَةٌ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسَّنَةُ وَالْإِجْمَاعُ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] ك قَالَ مَالِكٌ: السَّعْيُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَمَلُ وَالْفِعْلُ إلَى أَنْ قَالَ: فَلَيْسَ السَّعْيُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ السَّعْيَ عَلَى الْأَقْدَامِ، وَإِنَّمَا عَنَى الْعَمَلَ وَالْفِعْلَ.
وَقَالَ ع وَق: الْمُرَادُ بِالسَّعْيِ هُنَا الْمَشْيُ وَهُوَ فَرْضٌ فِي الْحُضُورِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ لِلْجُمُعَةِ وَلَمْ يَجِبْ فِي غَيْرِهَا لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْجَامِعِ.
وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلَا يَخْتَصُّ بِمَوْضِعٍ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ: «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ» قَالَ: وَأَمَّا الْإِجْمَاعِ فَقَالَ ك: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَالسَّعْيُ إلَيْهَا إنَّمَا يَجِبُ حَيْثُ لَا مَانِعَ، فَإِذَا كَانَ ثَمَّ مَانِعٌ سَقَطَتْ وَهُوَ أَشْيَاءُ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّفْسِ كَالْمَرَضِ الَّذِي يَشُقُّ مَعَهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهَا، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَهْلِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ اشْتَدَّ بِأَحَدِ وَالِدِيهِ
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي الْجُمُعَةِ]
[قَوْلُهُ: بَيَانُ حُكْمِ السَّعْيِ] أَيْ مِنْ أَنَّهُ وَاجِبٌ [قَوْلُهُ: صَلَاةُ الْجُمُعَةُ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ فِيهَا إلَخْ وَهُنَاكَ لُغَةٌ رَابِعَةٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَقُرِئَ بِهَا فِي الشَّوَاذِّ [قَوْلُهُ: وَبَيَانِ وَقْتِ وُجُوبِهَا] أَيْ بِقَوْلِهِ: وَذَلِكَ عِنْدَ جُلُوسِ إلَخْ [قَوْلُهُ: وَالْمَحَلِّ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ] وَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَالْجُمُعَةُ تَجِبُ إلَخْ [قَوْلُهُ: لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا] وَقِيلَ: لِأَنَّ آدَمَ اجْتَمَعَ مَعَ حَوَّاءَ فِيهَا، وَأَوَّلُ مَنْ سَمَّاهَا جُمُعَةً قُصَيٌّ فَإِنَّهُ جَمَعَ قُرَيْشًا فِي يَوْمِهَا وَقَالَ: هَذَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ] أَيْ بِوُجُوبِ مَا سَعَى إلَيْهِ [قَوْلُهُ: دَلَّ عَلَيْهِ] أَيْ عَلَى وُجُوبِ السَّعْيِ [قَوْلُهُ: وَالْفِعْلُ] عَطْفٌ مُرَادِفٌ أَيْ فَالْمُرَادُ بِالسَّعْيِ إلَى الذِّكْرِ مُطْلَقُ الذَّهَابِ سَوَاءٌ كَانَ بِالْمَشْيِ عَلَى الْأَرْجُلِ أَمْ لَا، وَاسْتَدَلَّ الْفَاكِهَانِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِس، وَالْمُرَادُ بِالذِّكْرِ الْخُطْبَةُ وَالصَّلَاةُ أَوْ هُمَا مَعًا، أَفَادَهُ شَارِحُ الْمُوَطَّأِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ فَرْضٌ فِي الْحُضُورِ] أَيْ لِأَجْلِ الْحُضُورِ، وَمُرَادُ ع وَق بِالْمَشْيِ مُطْلَقُ الذَّهَابِ لَا خُصُوصُ الْمَشْيِ؛ لِأَنَّ خُصُوصَهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ فَسَاوَتْ عِبَارَتُهُمَا عِبَارَةَ ك. [قَوْلُهُ: وَأَمَّا غَيْرُهَا] أَيْ كَصَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ [قَوْلُهُ: لِقَوْمٍ] أَيْ فِي شَأْنِ قَوْمٍ [قَوْلُهُ: أُحَرِّقَ] بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ وَبُيُوتَهُمْ مَفْعُولُ أُحَرِّقَ [قَوْلُهُ: كَالْمَرَضِ الَّذِي يَشُقُّ إلَخْ] أَيْ وَإِنْ لَمْ يَشْتَدَّ [قَوْلُهُ: قَدْ اشْتَدَّ إلَخْ]
الْمَرَضُ أَوْ اُحْتُضِرَ أَوْ خَشِيَ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ.
وَمِنْهَا أَنْ يَخَافَ عَلَى مَالِهِ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ سَارِقٍ أَوْ حَرِيقٍ، وَمِنْهَا الْمَطَرُ الشَّدِيدُ وَالْوَحْلُ الْكَثِيرُ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مُعْسِرًا وَخَافَ أَنْ يُحْبَسَ إنْ ظَهَرَ، وَمِنْهَا أَكْلُ الثُّومِ وَلَيْسَ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِلتَّخَلُّفِ عَنْ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ الْعُرْسُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ بَيَّنَ الْوَقْتَ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ، فَقَالَ: (وَذَلِكَ) أَيْ وُجُوبُ السَّعْيِ إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَلَى مَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ يَكُونُ (عِنْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا لَأَغْنَاهُ عَنْ قَوْلِهِ: (وَأَخَذَ) بِصِيغَةِ الْفِعْلِ بِفَتْحِ الْخَاء وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ بِمَعْنَى شَرَعَ (الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْآذَانِ) وَفِي بَعْضِهَا وَأَخْذِ بِصِيغَةِ الِاسْمِ وَجَرَّ الْمُؤَذِّنِينَ عَلَى الْإِضَافَةِ.
وَقَيَّدْنَا بِمَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ احْتِرَازًا مِمَّنْ بَعُدَتْ دَارُهُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ إلَيْهَا فِي مِقْدَارِ مَا يَصِلُ فِيهِ عِنْدَ الزَّوَالِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ وَيَجِبُ السَّعْيُ إلَيْهَا عَلَى مَنْ فِي الْمِصْرِ وَمَنْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْهُ فَأَقَلَّ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَسْعَى حَتَّى يَجْلِسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَا يَصِلُ إلَّا وَالْإِمَامُ قَدْ فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ: عِنْدَ جُلُوسِ
[حاشية العدوي]
أَيْ وَلَوْ وَجَدَ مَنْ يَقُومُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ اُحْتُضِرَ يُفْهَمُ مِمَّا قَبْلَهُ بِالْأُولَى [قَوْلُهُ: أَوْ خَشِيَ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ] أَيْ أَوْ يَشْتَدُّ وَلَمْ يَحْتَضِرْ إلَّا أَنَّهُ خَشِيَ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ.
تَنْبِيهٌ: لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: أَحَدُ وَالِدِيهِ بَلْ وَمِثْلُهُ كُلُّ قَرِيبٍ خَاصٍّ كَذَلِكَ كَوَلَدٍ وَزَوْجٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّمْرِيضَ لِلْقَرِيبِ الْخَاصِّ عُذْرٌ مُطْلَقًا وُجِدَ مَنْ يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ أَوْ لَا خَشِيَ بِتَرْكِهِ الضَّيْعَةَ أَوْ لَا، وَأَمَّا تَمْرِيضُ غَيْرِ قَرِيبٍ فَهُوَ عُذْرٌ حَيْثُ لَمْ يَقُمْ بِهِ غَيْرُهُ وَخَشِيَ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ الضَّيْعَةَ، وَأَمَّا قَرِيبٌ غَيْرُ خَاصٍ فَهُوَ كَأَجْنَبِيٍّ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ وَلِابْنِ الْحَاجِبِ كَالْخَاصِّ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَيْدَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ فِي غَيْرِ الْقَرِيبِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى مَالِهِ] أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ يُجْحِفُ بِهِ وَمِثْلُهُ مَالُ غَيْرِهِ.
وَكَذَا خَوْفٌ عَلَى عِرْضٍ أَوْ دِينٍ كَخَوْفِ إلْزَامِ قَتْلِ رَجُلٍ أَوْ ضَرْبِهِ [قَوْلُهُ: الْمَطَرُ الشَّدِيدُ] وَهُوَ الَّذِي يَحْمِلُ أَوَاسِطَ النَّاسِ عَلَى تَغْطِيَةِ رُءُوسِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ الْوَحْلُ الْكَثِيرُ وَهُوَ الَّذِي يَحْمِلُ أَوَاسِطَ النَّاسِ عَلَى تَرْكِ الْمِدَاسِ بِكَسْرِ الْمِيمِ [قَوْلُهُ: وَخَافَ أَنْ يُحْبَسَ] أَيْ لِيُثْبِتَ عُسْرَهُ [قَوْلُهُ: وَمِنْهَا أَكْلُ الثُّومِ] أَيْ النِّيءِ وَمِثْلُ الثُّومِ غَيْرُهُ مِمَّا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ كَفُجْلٍ، وَحَرُمَ أَكْلُهُ أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ ثُومٍ وَغَيْرِهِ بِمَسْجِدٍ وَكَذَا بِغَيْرِهِ لِمَنْ يُرِيدُ جُمُعَةً أَوْ جَمَاعَةً أَوْ مَجْلِسَ عِلْمٍ أَوْ ذِكْرٍ أَوْ وَلِيمَةٍ أَوْ مُصَلَّى عِيدَيْنِ أَوْ جَنَائِزَ وَتَأَذَّوْا بِرَائِحَتِهِ، إلَّا إنْ قَدَرَ عَلَى إزَالَتِهِ بِمُزِيلٍ غَيْرِ جَوَازِهِ فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: بِالْكَرَاهَةِ.
وَفِي جَوَازِ دُخُولِ آكِلِهِ الْمَسْجِدَ لِغَيْرِ جُمُعَةٍ وَجَمَاعَةٍ وَكَرَاهَتِهِ قَوْلَانِ نَقَلَهُمَا الْمَوَّاقُ وَمِمَّا يُزِيلُ رَائِحَةَ الثُّومِ وَنَحْوِهِ مَضْغُ السَّعَفِ وَالسَّعْتَرِ.
[قَوْلُهُ: الْعُرْسُ] بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ وَبِسُكُونِهَا الِابْتِنَاءُ بِالزَّوْجَةِ فَهُوَ لَيْسَ بِمُبِيحٍ لِلتَّخَلُّفِ، وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَهُوَ امْرَأَةُ الرَّجُلِ.
وَقَوْلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ أَيْ خِلَافًا لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ لَا يَخْرُجُ عَنْهَا أَيْ الزَّوْجَةِ إذْ هُوَ حَقٌّ لَهَا بِالسُّنَّةِ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ] يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ، بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ لِلْخُلَفَاءِ وَجَائِزٌ لِغَيْرِهِمْ.
وَالْمَنْدُوبُ فِي حَقِّ مَنْ يَخْطُبُ عَلَى الْأَرْضِ وُقُوفُهُ عَلَى يَسَارِ الْمِحْرَابِ، وَاسْتَحَبَّ بَعْضٌ الْوُقُوفَ عَنْ يَمِينِهِ وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ [قَوْلُهُ: بِصِيغَةِ الْفِعْلِ] وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ جُمْلَةُ وَأَخَذَ حَالِيَّةً [قَوْلُهُ: مِقْدَارِ إلَخْ] إضَافَةُ مِقْدَارٍ إلَى مَا بَعْدَهُ لِلْبَيَانِ.
أَيْ مِقْدَارٌ هُوَ زَمَنٌ يَصِلُ فِيهِ الْمَسْجِدَ عِنْدَ الزَّوَالِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا يُفِيدُ أَنَّ مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ بِحَيْثُ يَصِلُ عِنْدَ الزَّوَالِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَوْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَفَاتَتْهُ الْخُطْبَةُ وَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَحْضُرُ الْخُطْبَةَ وَهُوَ الْعَدَدُ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ، وَهُوَ خِلَافُ مُفَادِ ابْنِ عَرَفَةَ مِنْ أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ فَقَطْ حَيْثُ حَضَرَ الْخُطْبَةَ الْعَدَدُ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ [قَوْلُهُ: يَدُلُّ إلَخْ] لَا دَلَالَةَ أَصْلًا فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَالْإِمَامُ إلَخْ] هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ يَكْتَفِي فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ وَلَوْ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ الَّذِي هُوَ
الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ حُضُورُ الْخُطْبَةِ مِنْ أَوَّلِهَا لِأَنَّهُ إذَا كَانَ السَّعْيُ حِينَ يَجْلِسُ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنْ الْخُطْبَةِ.
وَلَمَّا تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرُ الْأَذَانِ وَكَانَ لِلْجُمُعَةِ أَذَانَانِ أَحَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْآخِرُ فِي زَمَنِهِ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ ذَا مِنْ ذَا فَقَالَ: (وَالسُّنَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ أَنْ يَصْعَدُوا) بِمَعْنَى يَرْتَفِعُوا أَيْ الْمُؤَذِّنُونَ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ (عَلَى الْمَنَارِ فَيُؤَذِّنُونَ) أَرَادَ بِالسُّنَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ سُنَّةَ الصَّحَابَةِ إذْ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنَارٌ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُؤَذِّنُونَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ قَالَهُ د: وَفِي كَلَامِ ك مُخَالَفَةٌ لَهُ اُنْظُرْهُ.
(وَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ الْأَذَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ (الْبَيْعُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى
[حاشية العدوي]
مُفَادُ ابْنِ عَرَفَةَ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُنَافِيًا لِقَوْلِهِ أَوَّلًا فِي مِقْدَارِ إلَخْ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ حُضُورُ الْخُطْبَةِ مِنْ أَوَّلِهَا] يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْبَعِيدِ أَنْ يَسْعَى بِحَيْثُ يُدْرِكُ الزَّوَالَ كَمَا قَالَ أَوَّلًا فَهِيَ عِبَارَةٌ غَيْرُ مُحَرَّرَةٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي غَيْرِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ، وَأَمَّا مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ فَيَجِبُ السَّعْيُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ مِنْ أَوَّلِهَا كَمَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَلَا يُكْتَفَى بِحُضُورِ كُلِّهِمْ بَعْضَهَا وَلَا بِحُضُورِ بَعْضِهِمْ كُلَّهَا، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَنَقُولُ: الَّذِي يَتَحَرَّرُ أَنْ تَقُولَ مَا أَفَادَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ حُضُورُ الْخُطْبَتَيْنِ مِنْ أَوَّلِهِمَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ حُضُورَهُمَا لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ بَلْ هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ إنْ زَادُوا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ، وَفَرْضُ عَيْنٍ إنْ لَمْ يَزِيدُوا عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَى كُلِّ شَخْصٍ أَنْ يَسْعَى بِحَيْثُ يُدْرِكُ سَمَاعَ الْخُطْبَتَيْنِ قَرُبَتْ دَارُهُ أَوْ بَعُدَتْ، وَلَا يَتَقَيَّدُ وُجُوبُ السَّعْيِ عَلَيْهِ بِالْأَذَانِ وَلَا بِالزَّوَالِ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَ حُضُورَ الْقَدْرِ الَّذِي يَسْقُطُ بِهِ الْخِطَابُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى بِحَيْثُ يُدْرِكُ سَمَاعَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَعَلَيْهِ يَأْتِي مَا قَدَّمْنَا عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ مِنْ أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ فَقَطْ حَيْثُ حَضَرَ الْعَدَدُ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ، وَمَا أَفَادَهُ مِنْ قَوْلِهِ: يَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ فِي مِقْدَارِ مَا يَصِلُ إلَخْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ حُضُورَ الْخُطْبَتَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ شَخْصٍ أَنْ يَسْعَى بِحَيْثُ يُدْرِكُ الْخُطْبَتَيْنِ قَرُبَتْ دَارُهُ أَوْ بَعُدَتْ، وَلَا يَتَقَيَّدُ وُجُوبُ السَّعْيِ بِالْأَذَانِ وَلَا بِالزَّوَالِ خِلَافًا لِشَارِحِنَا فِي جَعْلِهِ ذَلِكَ فِي الَّذِي بَعُدَتْ دَارُهُ وَتَقْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ: يَصِلُ عِنْدَ الزَّوَالِ.
[قَوْلُهُ: وَالسُّنَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ إلَخْ] أَيْ وَالطَّرِيقَةُ الْمَنْدُوبَةُ [قَوْلُهُ: أَيْ حِينَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ إلَخْ] حَاصِلُ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى مُفَادِ زَرُّوقٍ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذَانٌ وَاحِدٌ يُفْعَلُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ أَحْدَثَ سَيِّدُنَا عُثْمَانُ أَذَانًا آخَرَ يُفْعَلُ قَبْلَ هَذَا عَلَى الْمَنَارِ، وَأَنَّهُ يَكُونُ الْإِمَامُ جَالِسًا عَلَى الْمِنْبَرِ حِينَئِذٍ أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: وَفِي كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ مُخَالَفَةٌ إلَخْ] فَإِنَّهُ قَالَ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ رَقِيَ الْمِنْبَرَ فَجَلَسَ ثُمَّ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُونَ وَكَانُوا ثَلَاثَةً يُؤَذِّنُونَ عَلَى الْمَنَارِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ» فَإِذَا فَرَغَ الثَّالِثُ قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ وَكَذَا فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، ثُمَّ لَمَّا كَثُرَتْ النَّاسُ أَمَرَ عُثْمَانُ بِإِحْدَاثِ أَذَانٍ سَابِقٍ عَلَى الَّذِي يُفْعَلُ عَلَى الْمَنَارِ وَأَمَرَهُمْ بِفِعْلِهِ عِنْدَ الزَّوَالِ عِنْدَ الزَّوْرَاءِ وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالسُّوقِ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ وَيَرْتَفِعُوا مِنْ السُّوقِ، فَإِذَا خَرَجَ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ عَلَى الْمَنَارِ، ثُمَّ إنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي زَمَنِ إمَارَتِهِ نَقَلَ الْأَذَانَ الَّذِي كَانَ بِالزَّوْرَاءِ فَجَعَلَهُ مُؤَذِّنًا وَاحِدًا يُؤَذِّنُ عِنْدَ الزَّوَالِ عَلَى الْمَنَارِ، فَإِذَا خَرَجَ هِشَامٌ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أُذِّنَ أَوْ يُؤَذِّنُونَ كُلُّهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا فَرَغُوا خَطَبَ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: وَلَهَا أَذَانَانِ أَحَدُهُمَا عِنْدَ الزَّوَالِ وَالْآخَرُ عِنْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي أَحْدَثَهُ عُثْمَانُ أَوَّلٌ فِي الْفِعْلِ وَثَانٍ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ وَهُوَ الْوَاقِعُ الْآنَ عَلَى الْمَنَارِ، وَالْوَاقِعُ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ ثَانٍ فِي الْفِعْلِ وَأَوَّلٌ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْ الْمَشْرُوعِيَّةِ وَهُوَ الْوَاقِعُ الْآنَ عَلَى الْمَنَارِ، وَالْوَاقِعُ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ ثَانٍ فِي الْفِعْلِ وَأَوَّلٌ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ لِأَنَّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ الْآنَ هُوَ مَا كَانَ يُفْعَلُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ زَمَنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -، وَحَوَّلَهُ هِشَامٌ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَنَارِ فِي كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ
﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] فَإِنْ وَقَعَ الْبَيْعُ بَيْنَ اثْنَيْنِ تَلْزَمُهُمَا الْجُمُعَةُ أَوْ أَحَدُهُمَا فُسِخَ، فَإِنْ فَاتَ فَالْقِيمَةُ حِينَ قَبْضِهِ.
(وَ) كَذَلِكَ يَحْرُمُ حِينَئِذٍ (كُلُّ مَا يَشْغَلُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْغَيْنِ (عَنْ السَّعْيِ إلَيْهَا) كَالْأَكْلِ وَالْخِيَاطَةِ وَالسَّفَرِ (وَهَذَا الْأَذَانُ الثَّانِي) فِي الْأَحْدَاثِ هُوَ الْأَوَّلُ فِي الْفِعْلِ (أَحْدَثَهُ بَنُو أُمَيَّةَ) يَعْنِي عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ أَوَّلُ أُمَرَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَلَوْ صَرَّحَ بِاسْمِهِ لَكَانَ أُولَى لِأَنَّهُ أَمَسُّ فِي الِاقْتِدَاءِ وَسَمَّاهُ مُحْدِثًا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَهَا شَرَائِطُ وُجُوبٍ وَشَرَائِطُ أَدَاءِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ شَرَائِطَ الْوُجُوبِ مَا تَعْمُرُ بِهَا الذِّمَّةُ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَحْصِيلُهَا، وَشَرَائِطُ الْأَدَاءِ مَا تَبْرَأُ بِهَا الذِّمَّةُ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَحْصِيلُهَا، وَالْأُولَى عَشَرَةٌ:
[حاشية العدوي]
مَوْضِعُ التَّأْذِينِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْفَاكِهَانِيُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْمَنَارُ الْمَعْهُودُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُرَادُهُ بِمَوْضِعِ التَّأْذِينِ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ حِينَ الْأَذَانِ إلَخْ] الْمُعْتَبَرُ فِي الْأَذَانِ بِأَوَّلِهِ لَا بِتَمَامِهِ فَإِنْ كَبَّرَ الْمُؤَذِّنُ حَرُمَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَتَعَلَّقُ بِالنِّدَاءِ قَالَهُ سَنَدٌ.
[قَوْلُهُ: الْبَيْعُ] أَيْ وَالشِّرَاءُ عَلَى كُلِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مَعَ مِثْلِهِ أَوْ مَعَ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ إلَّا مَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ كَمَنْ أَحْدَثَ وَقْتَ النِّدَاءِ وَلَا يَجِدُ الْمَاءَ أَوْ الصَّعِيدَ إلَّا بِالثَّمَنِ فَيَجُوزُ كُلٌّ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ إذَا كَانَ الْمَالِكُ مِمَّنْ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ كَعَبْدٍ أَوْ صَبِيٍّ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا مَعَ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُخَاطَبُ بِحُضُورِ الْجُمُعَةِ وُجُوبًا فَهَلْ تَتَعَدَّى إلَيْهِ الرُّخْصَةُ وَيَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ لِضَرُورَةِ الْمُشْتَرِي أَوْ الرُّخْصَةُ قَاصِرَةٌ عَلَى الْمُشْتَرِي؟ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ شُيُوخُ ابْنِ نَاجِي كَالْغُبْرِينِيِّ وَغَيْرِهِ.
قُلْت: وَالظَّاهِرُ لِي الْأَوَّلُ كَمَا أَفَادَهُ تت لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَأَيْضًا فَالْبَيْعُ مَتَى جَازَ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ جَازَ مِنْ الْآخَرِ وَمَتَى امْتَنَعَ امْتَنَعَ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ وَقَعَ الْبَيْعُ] ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَا مَاشِيَيْنِ لِلْجَامِعِ، وَقَدْ قِيلَ بِذَلِكَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَقِيلَ: يَمْضِي حِينَئِذٍ لِكَوْنِهِ لَمْ يَشْغَلْهُمَا عَنْ السَّعْي، نَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ أَيْ وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ بَيْنَ صَبِيَّيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ فَلَا سَبِيلَ لِلْفَسْخِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ فَاتَ إلَخْ] أَيْ بِمُفَوِّتٍ مِنْ الْمُفَوِّتَاتِ.
وَقَوْلُهُ: فَالْقِيمَةُ حِينَ قَبَضَهُ أَيْ فَالْقِيمَةُ مُعْتَبَرَةٌ حِينَ قَبَضَ الْمَبِيعَ وَهَذَا مُسْتَثْنَى مِنْ قَاعِدَةِ أَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ يَمْضِي بِالثَّمَنِ وَهَذَا قَدْ مَضَى بِالْقِيمَةِ [قَوْلُهُ: كَالْأَكْلِ] أَدْخَلَتْ الْكَافُ الشَّرِكَةَ وَالْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ وَالْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ.
[قَوْلُهُ: وَالسَّفَرِ] أَيْ وَأَمَّا السَّفَرُ قَبْلَ الْفَجْرِ فَهُوَ جَائِزٌ وَبَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ الزَّوَالِ مَكْرُوهٌ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنْ يُدْرِكَهَا فِي طَرِيقِهِ كَمُرُورٍ بِمَحَلِّ جُمُعَةٍ وَإِلَّا جَازَ لَهُ السَّفَرُ، وَلَوْ بَعْدَ الزَّوَالِ وَكَذَا إذَا اُضْطُرَّ لِلسَّيْرِ.
تَنْبِيهٌ:
إذَا وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ كُلُّ مَا فِيهِ مُعَاوَضَةٌ مَالِيَّةٌ كَالتَّوْلِيَةِ لَا نَحْوُ النِّكَاحِ وَالْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ، وَلَوْ كِتَابَةً لِأَنَّهَا عِتْقٌ فَلَا يُفْسَخُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ حَرُمَ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَمَسُّ فِي الِاقْتِدَاءِ] أَيْ أَنْسَبُ
[قَوْلُهُ: وَشَرَائِطُ أَدَاءِ] أَيْ صِحَّةِ [قَوْلُهُ: أَنَّ شَرَائِطَ الْوُجُوبِ مَا تَعْمُرُ بِهَا الذِّمَّةُ] الذِّمَّةُ وَصَفٌّ قَائِمٌ بِالشَّخْصِ وَيَقْبَلُ الْإِلْزَامَ وَالِالْتِزَامَ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الذِّمَّةَ تَصِيرُ عَامِرَةً لَيْسَتْ بِخَالِيَةٍ بِسَبَبِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ كَعَمُرَ الْمَنْزِلُ بِأَهْلِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَحْصِيلُهُمَا إمَّا لِكَوْنِ الشَّخْصِ لَيْسَتْ تِلْكَ الْأُمُورِ فِي قُدْرَتِهِ وَإِمَّا لِكَوْنِ الشَّارِعِ لَمْ يُوجِبْهَا عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: مَا تَبْرَأُ بِهَا الذِّمَّةُ] أَيْ تَبْرَأُ الذِّمَّةُ بِسَبَبِهَا أَيْ بِسَبَبِ حُصُولِهَا [قَوْلُهُ: الْإِعْلَامُ] الْأَوْلَى الْعِلْمُ؛ إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ الْإِعْلَامَ لِلْغَيْرِ، وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ الْأُوَلُ لَيْسَتْ خَاصَّةً بِهَا بَلْ جَارِيَةً فِي غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ الَّتِي لَهَا وَقْتٌ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مِنْ شُرُوطِ الشَّيْءِ إلَّا مَا كَانَ خَاصًّا بِهِ.
تَنْبِيهٌ:
الصَّحِيحُ أَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ سَبَبٌ لَا شَرْطٌ.
الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ وَقْتِهَا وَالْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِقَامَةُ وَالصِّحَّةُ وَالْقُرْبُ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ مِنْهَا وَقْتُهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَالِاسْتِيطَانُ.
وَالثَّانِيَةُ: أَرْبَعَةٌ الْإِمَامَةُ وَالْجَمَاعَةُ وَالْجَامِعُ وَالْخُطْبَةُ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ بَعْضَ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَلَمْ يُمَيِّزْ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ فَقَالَ: (وَالْجُمُعَةُ تَجِبُ بِالْمِصْرِ وَالْجَمَاعَةِ) أَمَّا الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْأَمْصَارِ، وَزَادَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَأَنْ يَكُونَ بِالْمِصْرِ الْإِمَامُ الَّذِي يُقِيمُ الْحُدُودَ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهَا تَكُونُ فِي الْمِصْرِ وَفِي الْقُرَى تَأَمُّلٍ فِي قَوْلِ الشَّيْخِ تَجِبُ بِالْمِصْرِ بِأَنْ يَقُولَ: يُرِيدُ أَوْ بِالْقُرَى الْمُتَّصِلَةِ الْبُنْيَانِ وَنَحْوِهَا.
وَأَمَّا الثَّانِي فَشَرْطُ أَدَاءً وَشَرْطُ صِحَّةٍ أَيْضًا وَلَا عَدَدَ مَحْصُورٌ لِلْجَمَاعَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا الْمَطْلُوبُ مَنْ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ بِدَفْعِ مَنْ يَقْصِدُهُ وَيُسَاعِدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْمَعَاشِ الْحَاجِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ تُقَامُ، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَالْإِسْلَامُ] الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ شَرْطُ صِحَّةٍ.
[قَوْلُهُ: وَالْعَقْلُ] شَرْطُ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ.
[قَوْلُهُ: وَالْقُرْبُ إلَخْ] أَيْ وَأَمَّا لَوْ كَانَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فَلَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ وَيُلْحَقُ بِالثَّلَاثَةِ أَمْيَالٍ رُبْعُ مِيلٍ أَوْ ثُلُثُهُ، وَابْتِدَاءُ الْأَمْيَالِ الثَّلَاثَةِ، وَمَا أُلْحِقَ بِهَا مِنْ الْمَنَارِ وَانْظُرْ لَوْ تَعَدَّدَ الْمَنَارُ هَلْ الْمُعْتَبَرُ الْمَنَارُ الَّذِي يُصَلِّي فِي جَامِعِهِ مَنْ سَعَى أَوْ الْمُعْتَبَرُ الْمَنَارُ الَّذِي فِي وَسَطِ الْبَلَدِ؟ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَنَارُ الَّذِي فِي طَرَفِ الْبَلَدِ وَهَذَا كَمَا قَرَّرْنَا فِي الْخَارِجِ عَنْ الْبَلَدِ، وَأَمَّا مَنْ هُوَ فِيهَا فَتَجِبُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مِنْ الْمُجَسَّدِ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ.
[قَوْلُهُ: وَالِاسْتِيطَانُ] لَا يُقَالُ: اشْتِرَاطُ الْإِقَامَةِ يُغْنِي عَنْ الِاسْتِيطَانِ؛ لِأَنَّهَا إذَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُقِيمِ وَجَبَتْ عَلَى الْمُسْتَوْطِنِ بِالْأَوْلَى لِأَنَّ الِاسْتِيطَانَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا أَصَالَةً، وَالْإِقَامَةُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا تَبَعًا قَالَهُ عَجَّ.
وَأَيْضًا الِاسْتِيطَانُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ وَالْإِقَامَةُ أَيْ إقَامَةُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ لَا عَلَى التَّأْيِيدِ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ خِلَافًا لِشَارِحِنَا فِي جَعْلِهِ الِاسْتِيطَانَ شَرْطَ وُجُوبٍ فَقَطْ إلَّا حَيْثُ قُلْنَا إنَّ الِاسْتِيطَانَ شَرْطُ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ فَتَقُولُ: تَعْرِيفُ شَرْطِ الصِّحَّةِ بِمَا تَقَدَّمَ إنَّمَا هُوَ تَعْرِيفٌ لِشَرْطِ الصِّحَّةِ فَقَطْ لَا لِشَرْطِ الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ مَعًا.
[قَوْلُهُ: الْإِمَامُ] أَيْ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُحَصِّلُوا إمَامًا وَقَوْلُهُ: وَالْجَمَاعَةُ أَيْ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ السَّعْيُ بِحَيْثُ يَحْصُلُ جَمَاعَةُ اثْنَيْ عَشَرَ أَوْ أَكْثَرَ.
وَقَوْلُهُ: وَالْخُطْبَةُ أَمْرُهَا ظَاهِرٌ.
[قَوْلُهُ: وَالْجَامِعُ] أَيْ فَهُوَ شَرْطُ صِحَّةٍ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْجَامِعُ مَبْنِيًّا بِنَاءً مُعْتَادًا لِأَهْلِ تِلْكَ الْبَلَدِ، فَيَشْمَلُ مَا لَوْ فَعَلَ أَهْلُ الْأَخْصَاصِ جَامِعًا مِنْ بُوصٍ وَنَحْوِهِ فَتَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَّحِدًا فَلَا يَجُوزُ التَّعَدُّدُ إلَّا فِي بَلَدٍ يَضِيقُ الْجَامِعُ الْقَدِيمِ بِأَهْلِهِ وَلَيْسَ لَهُ طُرُقٌ مُتَّصِلَةٌ تَتَيَسَّرُ الصَّلَاةُ فِيهَا فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ.
وَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ: حَاجَةُ مَنْ يَغْلِبُ حُضُورُهُ لِصَلَاتِهِ وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْ كَالصِّبْيَانِ وَالْعَبِيدِ لِأَنَّ الْكُلَّ مَطْلُوبٌ بِالْحُضُورِ وَلَوْ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِالضِّيقِ وُجُودُ الْعَدَاوَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ بَلْ هَذَا رُبَّمَا يُقَالُ أَوْلَى [قَوْلُهُ: وَفِي الْقُرَى الْمُتَّصِلَةِ الْبُنَيَّانِ] أَيْ جِنْسِ الْقُرَى فَيَصْدُقُ بِالْقَرْيَةِ الْوَاحِدَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ اتِّصَالٌ إلَّا أَنَّ هُنَاكَ ارْتِفَاقًا أَيْ: وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بِهَا إمَامٌ يُقِيمُ الْحُدُودَ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّانِي] وَهُوَ الْجَمَاعَةُ [قَوْلُهُ: وَشَرْطُ صِحَّةِ إلَخْ] هُوَ عَيْنُ قَوْلِهِ: فَشَرْطُ أَدَاءً فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ أَيْضًا [قَوْلُهُ: وَلَا عَدَدَ مَحْصُورٌ لِلْجَمَاعَةِ عِنْد مَالِكٍ] وَأَمَّا عِنْدَ غَيْرِهِ كَالشَّافِعِيِّ فَلَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعِينَ [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا الْمَطْلُوبُ] أَيْ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ.
وَقَوْلُهُ: مَنْ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ أَيْ أَنَّ شَرْطَ الْجُمُعَةِ أَنْ تَكُونَ مِنْ جَمَاعَةٍ تَسْتَغْنِي وَتَأْمَنُ بِهِمْ قَرْيَةٌ بِأَنْ يُمْكِنُهُمْ الْإِقَامَةُ فِيهَا صَيْفًا وَشِتَاءً، وَالدَّفْعُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فِي الْأُمُورِ الْكَثِيرَةِ لَا النَّادِرَةِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْجِهَاتِ مِنْ كَثْرَةِ الْخَوْفِ وَالْفِتَنِ وَقِلَّتِهَا بِلَا حَدٍّ مَحْصُورٍ مِنْ خَمْسِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَيْ الشَّيْخِ خَلِيلٍ أَنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ لَا تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ.
[قَوْلُهُ: وَيُسَاعِدُ إلَخْ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ يَسْتَقِلُّ، وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ لَوْ اتَّفَقَ أَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ مَنْ يَقْصِدُهُمْ وَلَا يُسَاعِدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي
الْجُمَعِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ هَذِهِ الْجَمَاعَةُ الْمَخْصُوصَةُ بَلْ تَجُوزُ بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا بَاقِينَ لِتَمَامِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِمْ أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا بَالِغِينَ ثُمَّ أَشَارَ إلَى شَرْطٍ آخَرَ فَقَالَ: (وَالْخُطْبَةُ فِيهَا) أَيْ الْجُمُعَةُ (وَاجِبَةٌ) عَلَى الْمَشْهُورِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا بِلَا خُطْبَةٍ، فَإِذَا تَرَكَهَا لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ، فَإِذَا صَلَّوْا بِغَيْرِ خُطْبَةٍ أَعَادُوا فِي الْوَقْتِ فَإِنْ لَمْ يُعِيدُوا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ فَإِنَّهُمْ يُعِيدُونَهَا ظُهْرًا.
وَلِصِحَّةِ الْخُطْبَةِ شُرُوطٌ مِنْهَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (قَبْلَ الصَّلَاةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: 10] وَالْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ وَالتَّعْقِيبِ: وَلِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَفِعْلِ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ وَالتَّابِعِينَ، فَإِنْ جَهِلَ وَصَلَّى بِهِمْ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ أَعَادَ الصَّلَاةَ فَقَطْ، وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَلَوْ خَطَبَ قَبْلَهُ أَعَادَهَا فَإِنْ لَمْ يُعِدْهَا فَلَا تُجْزِئُهُ، فَقَوْلُ الشَّيْخِ: قَبْلَ الصَّلَاةِ يَعْنِي بَعْدَ الزَّوَالِ، وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ بِحُضُورِ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ، وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ اثْنَتَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
فَإِنْ خَطَبَ وَاحِدَةً وَصَلَّى أَعَادَ الْجُمُعَةَ وَكَذَلِكَ إنْ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ وَلَمْ يَخْطُبْ مِنْ الثَّانِيَة مَالَهُ قَدْرٌ وَبَالٌ لَمْ تَجْزِهِمْ، وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنْ الْخُطْبَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْخُطْبَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ فَإِنْ هَلَّلَ وَكَبَّرَ لَمْ يُجْزِهِ، وَقِيلَ: إنَّ أَقَلَّهُ حَمْدُ اللَّهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[حاشية العدوي]
الْمَعَاشِ الْحَاجِيِّ لَا تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ، وَفِي شُرُوحِ خَلِيلٍ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَوَّلِ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: الْحَاجِيُّ] أَيْ الَّذِي يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ إلَخْ] أَيْ كَوْنِ الْجُمُعَةِ لَا بُدَّ أَنْ تُقَامَ فِيمَا تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ مِنْ الْجَمَاعَةِ الْمَوْصُوفِينَ بِالدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ إلَخْ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ تُقَامُ، وَأَمَّا مَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يُشْتَرَطُ هَذَا تَقْرِيرُ الشَّارِحِ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مَتَى مَا كَانَ يُمْكِنُهُمْ الْإِقَامَةُ عَلَى التَّأْبِيدِ مَعَ الْأَمْنِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ صَحَّتْ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ مِنْهُمْ إلَّا اثْنَا عَشَرَ غَيْرُ الْإِمَامِ بَاقِينَ لِسَلَامِهِ، لَا إنْ أَحْدَثَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ شَافِعِيًّا لَمْ يُقَلِّدْ مَالِكًا، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُولَى وَغَيْرِهَا.
[قَوْلُهُ: وَاجِبٌ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقِيلَ سُنَّةٌ حَكَاهُمَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ [قَوْلُهُ: أَعَادُوا فِي الْوَقْتِ] أَيْ أَعَادُوا جُمُعَةً مَا دَامَ وَقْتُهَا لِلْغُرُوبِ وَأَوَّلُ وَقْتِهَا الزَّوَالُ وَيَمْتَدُّ لِلْغُرُوبِ.
[قَوْلُهُ: وَالْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ] أَيْ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: 10] ، وَقَوْلُهُ: وَالتَّعْقِيبِ أَيْ فَمِنْ كَوْنِهَا لِلتَّعْقِيبِ أَيْضًا لَا يَرِدُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ كَوْنَ الِانْتِشَارِ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْخُطْبَةِ بِأَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْبَعْدِيَّةَ ظَرْفٌ مُتَّسِعٌ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ بِحُضُورِ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ] أَيْ تَصِحُّ بِهِمْ دَوَامًا وَهُمْ الِاثْنَا عَشَرَ وَهُمْ الْأَحْرَارُ الذُّكُورُ الْمُتَوَطِّنُونَ بِهَا بَاقِينَ لِسَلَامِهَا، وَلَا يَضُرُّ رُعَافُ بِنَاءٍ لِأَحَدِهِمْ لِعَدَمِ خُرُوجِهِ عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنْ فَسَدَتْ صَلَاةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَوْ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ بَطَلَتْ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، فَإِنْ حَضَرَ ثَالِثَ عَشَرَ فِي الصَّلَاةِ دُونَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ حَصَلَ عُذْرٌ لِوَاحِدٍ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ الْحَاضِرِينَ لِلْخُطْبَةِ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِالثَّالِثِ عَشَرَ كَمَا أَفَادَ ذَلِكَ عَبْدُ الْبَاقِي عَلَى خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: اثْنَتَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ] مُقَابِلُهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ، قَالَ: مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَخْطُبَ خُطْبَتَيْنِ، فَإِنْ نَسِيَ الثَّانِيَةَ أَوْ تَرَكَهَا أَجْزَأَهُمْ قَالَهُ الشَّيْخُ بَهْرَامُ.
[قَوْلُهُ: أَعَادَ الْجُمُعَةَ إلَخْ] أَيْ أَعَادَ الصَّلَاةَ أَيْ بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِالْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَالْفَصْلُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ بِالصَّلَاةِ يَسِيرٌ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِبُطْلَانِ الْخُطْبَةِ الْأُولَى.
قَالَ بَعْضٌ: وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجِبُ اتِّصَالُ أَجْزَاءِ كُلِّ خُطْبَةٍ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ اهـ.
وَكَذَا يَجِبُ اتِّصَالُ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ بِالْأُولَى وَيَسِيرُ الْفَصْلِ عَفْوٌ كَمَا أَفَدْنَاهُ.
قَالَ الْحَطَّابُ: وَمِنْ شُرُوطِ الْخُطْبَتَيْنِ اتِّصَالُهُمَا بِالصَّلَاةِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يَخْطُبْ مِنْ الثَّانِيَةِ] أَيْ أَوْ مِنْ الْأُولَى مَا لَهُ قَدْرٌ وَبَالٌ ظَاهِرُهُ وَلَوْ اشْتَمَلَ عَلَى تَحْذِيرٍ وَتَبْشِيرٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ: فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهَا لَهَا بَالٌ.
[قَوْلُهُ: مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْخُطْبَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْكَلَامِ مُسْجَعٌ مُخَالِفٌ النَّظْمَ وَالنَّثْرَ، يَشْتَمِلُ عَلَى نَوْعٍ
وَتَحْذِيرٌ وَتَبْشِيرٌ، وَنَصَّ ابْنُ بَشِيرٍ عَلَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الصِّحَّةِ إذَا فَعَلَ مَا قَالَهُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا الطَّهَارَةُ؟ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ.
(وَيَتَوَكَّأُ) أَيْ يَعْتَمِدُ (الْإِمَامُ) فِي قِيَامِهِ لَخُطْبَتِهِ اسْتِحْبَابًا بِيَدِهِ الْيُمْنَى (عَلَى قَوْسٍ أَوْ عَصًا) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَلَا يُقَالُ " عُصَاةٌ " وَهِيَ أَوَّلُ لَحْنٍ سُمِعَ بِالْبَصْرَةِ أَوْ سَيْفٍ وَنَحْوِهِ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءِ ذَلِكَ (وَيَجْلِسُ فِي أَوَّلِهَا) أَيْ الْخُطْبَةِ (وَفِي وَسَطِهَا) وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا وَفِي الْقِيَامِ لَهَا، فَاَلَّذِي قَالَهُ الْمَازِرِيُّ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ شَرْطًا.
وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ: الْمَشْهُورُ أَنَّ الْجُلُوسَ الْأَوَّلَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الْخُطْبَةِ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ لِلْأَذَانِ، وَشَهَرَ الْبَاجِيُّ سُنِّيَّةَ الْجُلُوسِ الثَّانِي وَمِقْدَارُ الْجُلُوسِ الْوَسَطِ مِقْدَارُ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
وَالْأَصْلُ فِيمَ ذَكَرَ اسْتِمْرَارُ الْعَمَلِ عَلَى ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ مُنْذُ زَمَانِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى هَلُمَّ.
وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ: (وَتُقَامُ الصَّلَاةُ عِنْدَ فَرَاغِهَا) اشْتِرَاطُ اتِّصَالِ الصَّلَاةِ بِالْخُطْبَةِ، وَيَسِيرُ الْفَصْلُ عَفْوٌ بِخِلَافِ كَثِيرِهِ، وَالْمَطْلُوبُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي خَطَبَ هُوَ الْإِمَامُ فَإِنْ طَرَأَ مَا يَمْنَعُ إمَامَتَهُ كَحَدَثٍ أَوْ رُعَافٍ فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ بَعِيدًا فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ اتِّفَاقًا وَإِنْ
[حاشية العدوي]
مِنْ التَّذْكِرَةِ، فَإِنْ أَتَى بِكَلَامٍ نَثْرٍ قَالَ تت: فَظَاهِرُ كَلَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ يُعِيدُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَيُجْزِئُ بَعْدَهَا اهـ.
قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ لَوْ أَتَى بِهَا نَظْمًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ مَالِكٍ أَنَّ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَوُقُوعُهَا بِغَيْرِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَغْوٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْجَمَاعَةِ مَنْ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ وَالْخَطِيبُ يَعْرِفُهَا وَجَبَتْ أَيْضًا، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْخَطِيبُ عَرَبِيَّةً لَمْ تَجِبْ وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا جَهْرًا وَسِرُّهَا لَغْوٌ وَتُعَادُ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ كَالْقِرَاءَةِ فِيهَا وَالِابْتِدَاءِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالدُّعَاءُ لِلصَّحْبِ بِدْعَةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ، وَذِكْرُ السَّلَاطِينِ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ بِدْعَةٌ لَكِنْ بَعْدَ إحْدَاثِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ فِي الْخُطَبِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ بِحَيْثُ يُخْشَى عَلَى الْخَطِيبِ غَوَائِلُهُ صَارَ رَاجِحًا أَوْ وَاجِبًا مَا لَمْ يَكُنْ مُجَاوَزَةً فِي وَصْفِهِ، وَتَصِحُّ الْخُطْبَةُ مِنْ مَحْضِ قُرْآنٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى تَحْذِيرٍ وَتَبْشِيرٍ كَسُورَةِ قِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ إنَّ أَقَلَّهُ حَمْدُ اللَّهِ] أَيْ فَلَا تُسَمَّى الْخُطْبَةُ إلَّا إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ، وَهُوَ مُقَابِلٌ لِلْمَشْهُورِ فَهُوَ ضَعِيفٌ إذْ الْمُعْتَمَدُ الِاسْتِحْبَابُ فِيهِمَا.
[قَوْلُهُ: وَتَحْذِيرٌ وَتَبْشِيرٌ] زَادَ بَهْرَامُ: وَقُرْآنٌ وَنَسَبَهُ فِي الْجَوَاهِرِ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّحْذِيرِ وَالتَّبْشِيرِ وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا.
[قَوْلُهُ: قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ] الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الطَّهَارَةُ غَايَتُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَخْطُبَ غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ.
[قَوْلُهُ: قَوْسٍ] أَيْ قَوْسٍ عَرَبِيٍّ لَا قَوْسِ الْعَجَمِ، وَاخْتُلِفَ فِي حِكْمَةِ ذَلِكَ فَقِيلَ لِئَلَّا يَعْبَثَ بِيَدِهِ فِي لِحْيَتِهِ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ لِلْخُطْبَةِ، وَقِيلَ: تَخْوِيفُ الْحَاضِرِينَ [قَوْلُهُ: وَهُوَ أَوَّلُ لَحْنٍ إلَخْ] فِي تت عَلَى خَلِيلٍ نَوْعُ مُخَالَفَةٍ لِمَا فِي هَذَا الشَّرْحِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْعَصَا مَقْصُورٌ وَلَا يُقَالُ عَصَاةٌ الْفَرَّاءُ: أَوَّلُ لَحْنٍ سُمِعَ هَذِهِ عَصَاتِي اهـ.
فَجَعَلَ أَوَّلَ اللَّحْنِ عَصَاتِي لَا عُصَاةِ كَمَا هُنَا وَلَمْ يُقَيَّدْ بِالْبَصْرَةِ كَمَا هُنَا.
[قَوْلُهُ: وَيَجْلِسُ فِي أَوَّلِهِمَا وَفِي وَسَطِهَا] وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْخُطَبِ يَجْلِسُ فِي أَوَّلِهَا وَفِي وَسَطِهَا.
[قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ شَرْطًا] أَيْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ الْقِيَامِ الْوُجُوبُ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ فِي الْخُطْبَتَيْنِ، وَقِيلَ: سُنَّةٌ فَإِنْ خَطَبَ جَالِسًا أَسَاءَ وَصَحَّتْ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ كَمَا فِي عَزْوِ ابْنُ عَرَفَةَ، فَالْمُشَارُ لَهُ بِقَوْلِ ذَلِكَ الْقِيَامُ فَقَطْ خِلَافًا لِظَاهِرِ الْعِبَارَةِ.
[قَوْلُهُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ إلَخْ] أَيْ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الْجُلُوسَ الْأَوَّلَ سُنَّةٌ، فَحَاصِلُ كَلَامِ شَارِحِنَا أَنَّ كُلًّا مِنْ الْجُلُوسَيْنِ سَنَةٌ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي قَوْلَانِ الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ [قَوْلُهُ: مُنْذُ زَمَانِهِ إلَخْ] مُنْذُ حَرْفُ جَرٍّ وَزَمَانِ مَجْرُورٌ بِمُنْذُ، وَيُشْتَرَطُ فِي مَجْرُورِهَا أَنْ يَكُونَ وَقْتًا وَأَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا لَا مُبْهَمًا مَاضِيًا أَوْ حَاضِرًا لَا مُسْتَقْبَلًا.
[قَوْلُهُ: إلَى هَلُمَّ] كَلِمَةٌ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ إلَى الشَّيْءِ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا فَقِيلَ: اسْمُ فِعْلٍ وَقِيلَ: فِعْلُ أَمْرٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ حَرْفٌ.
فَالْوَجْهُ أَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ دَاخِلٌ عَلَى مَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ إلَى زَمَنٍ يُقَالُ فِيهِ: هَلُمَّ أَيْ تَعَالَ وَهُوَ زَمَنُ الْحَاضِرِ أَيْ زَمَنُ الشَّيْءِ الْحَاضِرِ عِنْدَهُ قَوْلُهُ: وَالْمَطْلُوبُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي خَطَبَ هُوَ
قَرُبَ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَحَيْثُ يَسْتَخْلِفُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يَسْتَخْلِفُ مَنْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ.
وَإِذَا ذَكَرَ مَنْسِيَّةً بَعْدَ مَا خَطَبَ صَلَّاهَا ثُمَّ صَلَّى الْجُمُعَةَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: (وَيُصَلِّي الْإِمَامُ رَكْعَتَيْنِ) اتِّفَاقًا فَإِنْ زَادَ عَمْدًا بَطَلَتْ وَإِنْ زَادَ سَهْوًا فَعَلَى حُكْمِ الزِّيَادَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ أَوْ صَلَاةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَنْوِي أَنَّهَا ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ.
وَعَلَى الثَّانِي يَنْوِي صَلَاةَ الْجُمُعَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ الْإِمَامَةَ وَإِلَّا لَمْ تَجُزْ وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَإِنْ أُخِّرَتْ جَازَ مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُهَا بَهْرَامَ: لَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّ أَوَّلَهُ زَوَالُ الشَّمْسِ وَالْمَشْهُورُ امْتِدَادُهُ إلَى الْغُرُوبِ، وَصِفَةُ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَتَيْ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ: (يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) إجْمَاعًا (يَقْرَأُ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (بِ) سُورَةِ (الْجُمُعَةِ) ع لَوْ اعْتَرَضَ قَوْلُهُ: (وَنَحْوُهَا) لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِيهَا بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ مُسْتَحَبَّةٌ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ أَحْكَامِ الْجُمُعَةِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَؤُهَا فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ.
(وَ) يَقْرَأُ (فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ بِ) سُورَةِ (
[حاشية العدوي]
الْإِمَامَ] أَيْ يَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِيَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْعَشْمَاوِيَّةِ [قَوْلُهُ: وَإِنْ قَرُبَ فَكَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ] وَذَهَبَ الْعَلَامَةُ خَلِيلٌ إلَى مُقَابِلِهِ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ إذَا كَانَ الْعُذْرُ قَرِيبًا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا قَالَ الدَّفَرِيُّ، وَمُفَادُ عِزٍّ وَالْحَطَّابِ تَرْجِيحُهُ أَيْضًا، وَالْقُرْبُ قَدْرُ أَوَّلَتَيْ الرَّبَاعِيَةِ وَقِرَاءَتِهِمَا، حَاصِلُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْعُذْرُ قَرِيبًا يَجِبُ انْتِظَارُهُ، وَإِذَا كَانَ بَعِيدًا فَيَجِبُ الِاسْتِخْلَافُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ اسْتَخْلَفُوا هُمْ، فَإِنْ تَقَدَّمَ إمَامٌ مِنْ غَيْرِ اسْتِخْلَافِ أَحَدٍ صَحَّتْ [قَوْلُهُ: يَسْتَخْلِفُ مَنْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: وَإِذَا ذَكَرَ مَنْسِيَّةً] الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ لَا أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الْمَنْسِيَّةَ الْوَاحِدَةَ مِنْ يَسِيرِ الْفَصْلِ، وَأَمَّا الْأَكْثَرُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ لَا يَسْتَخْلِفُ وَحَرِّرْ.
[قَوْلُهُ: فَعَلَى حُكْمِ إلَخْ] فَتُبْطِلُ بِزِيَادَةِ رَكْعَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ يَوْمِهَا، وَأَمَّا بِزِيَادَةِ أَرْبَعٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الظُّهْرِ فَلَا.
[قَوْلُهُ: هَلْ هِيَ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ] هَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الظُّهْرِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ صَلَاةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهَا فَرْضُ يَوْمِهَا.
وَقَوْلُهُ: يَنْوِي أَنَّهَا ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ أَيْ يَصِحُّ أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهَا ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ فَلَا يَتَعَيَّنُ نِيَّةُ كَوْنِهَا ظُهْرًا مَقْصُورَةً؛ إذْ لَوْ نَوَى أَنَّهَا جُمُعَةٌ لَصَحَّ.
وَقَوْلُهُ: وَعَلَى الثَّانِي يَنْوِي صَلَاةَ الْجُمُعَةِ أَيْ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَنْوِيَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ هَذَا مَا ظَهَرَ.
[قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَمْ تُجْزِ] بِضَمِّ التَّاءِ مِنْ الْإِجْزَاءِ، وَقَوْلُهُ: جَازَ مَا لَمْ يَخْرُجْ إلَخْ أَيْ صَحَّ، وَفَسَّرْنَا الْجَوَازَ بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهَا بَعْدَ الْعَصْرِ غَيْرُ جَائِزَةٍ بِدُونِ الْعُذْرِ مَعَ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ امْتِدَادُهُ إلَى الْمَغْرِبِ] وَمُقَابِلُ مَا قِيلَ: إنَّ آخِرَ وَقْتِهَا إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَقِيلَ: مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسِ وَقِيلَ: حَتَّى يَبْقَى لِلْغُرُوبِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، فَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُقَابِلَةٌ لِلْمَشْهُورِ وَحَيْثُ قُلْنَا يَمْتَدُّ لِلْغُرُوبِ هَلْ مَحَلُّهُ إنْ خَطَبَ وَصَلَّاهَا وَأَدْرَكَ بَعْدَهَا رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ وَإِلَّا صَلَّاهَا ظُهْرًا.
وَصَحَّحَ هَذَا الْقَوْلَ عِيَاضٌ، وَعَلَيْهِ فَلَا يُرِيدُ بِقَوْلِهِ إلَى الْغُرُوبِ حَقِيقَةً أَوْ لَا يُشْتَرَطُ إدْرَاكُ رَكْعَةٍ مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ، بَلْ حَيْثُمَا أَدْرَكَ خُطْبَتَهَا وَفَعَلَهَا قَبْلَهُ وَجَبَتْ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ قَوْلَانِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ حَيْثُ كَانَتْ الْعَصْرُ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا لَوْ قَدَّمُوا الْعَصْرَ نَاسِينَ لِلْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يُتَّفَقُ عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا لِلْغُرُوبِ حَقِيقَةً وَالظَّاهِرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ.
[قَوْلُهُ: يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ] أَيْ عَلَى سَبِيلِ السُّنِّيَّةِ، فَإِنْ قَرَأَ فِيهِمَا سِرًّا عَمْدًا كَانَ كَمُتَعَمِّدِ تَرْكِ سُنَّةٍ، وَالنَّاسِي يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ إنْ أَسَرَّ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ فِي السُّورَةِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ [قَوْلُهُ: وَاعْتُرِضَ إلَخْ] قَالَ بَعْضٌ: وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَقْرَأْ فِي الْجُمُعَةِ إلَّا بِهَا، فَفِي مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] » فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ أَوْ نَحْوِهَا، وَلَا يُقَالُ: سَبِّحْ لَيْسَتْ نَحْوَ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْقَصْدُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ نَفَى قِرَاءَةَ غَيْرِ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَحْصُلُ بِوُرُودِ مُطْلَقِ قِرَاءَةِ سُورَةٍ غَيْرِ الْجُمُعَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُنْدَبُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِالْجُمُعَةِ وَلَوْ لِمَسْبُوقٍ فَاتَتْهُ
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1] وَنَحْوِهَا) وَهُوَ سَبِّحْ وَالْمُنَافِقُونَ.
وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ السَّعْيَ وَاجِبٌ لَهَا شَرَعَ يُبَيِّنُ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ فَقَالَ: (وَيَجِبُ السَّعْيُ إلَيْهَا عَلَى مَنْ فِي الْمِصْرِ) اتِّفَاقًا إذَا وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْجُمُعَةِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ.
(وَ) كَذَا يَجِبُ عَلَى (مَنْ) هُوَ خَارِجٌ عَنْ الْمِصْرِ إذَا كَانَ (عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمِصْرِ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَبْدَأَ الثَّلَاثَةِ مِنْ الْمِصْرِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ.
وَصَدَّرَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقِيلَ: مَبْدَؤُهَا مِنْ الْمَسْجِدِ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَغَيْرِهِ، وَصَدَّرَ بِهِ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ وَاسْتَظْهَرَهُ لِأَنَّ التَّحْدِيدَ بِالثَّلَاثَةِ أَمْيَالٍ لِلسَّمَاعِ، وَالسَّمَاعُ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْمَنَارِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: (فَأَقَلُّ) أَنَّ الثَّلَاثَةَ أَمْيَالٍ تَحْدِيدٌ فَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ زَادَ عَلَيْهَا، وَلَوْ قُلْت: الزِّيَادَةُ وَهُوَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ تَقْرِيبٌ فَتَجِبُ عَلَى مَنْ زَادَ عَلَيْهَا زِيَادَةً يَسِيرَةً.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى بَعْضِ شُرُوطِ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: (وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ) اتِّفَاقًا (وَلَا عَلَى أَهْلِ مِنًى) غَيْرِ سَاكِنِيهَا، وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِهِمْ وَإِنْ دَخَلُوا فِيمَا قَبْلَهُ لِمَا يُتَوَهَّم مِنْ إقَامَتِهِمْ هُنَالِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِرَمْيِهِمْ الْجِمَارَ، وَأَمَّا سَاكِنُوهَا فَتَجِبُ عَلَيْهِمْ إذَا كَانَ فِيهِمْ عَدَدٌ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ كَانُوا حُجَّاجًا أَوْ لَا،.
(وَ) كَذَلِكَ (لَا) تَجِبُ الْجُمُعَةُ (عَلَى عَبْدٍ) عَلَى الْمَشْهُورِ (وَلَا عَلَى امْرَأَةٍ وَلَا) عَلَى (صَبِيٍّ) اتِّفَاقًا فِيهِمَا، وَالْأَصْلُ فِيمَا ذَكَرَ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ إلَّا عَلَى امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ مَرِيضٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مُسَافِرٍ» وَلَمَّا كَانَ بَعْضُ مَنْ تَقَدَّمَ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ إذَا حَضَرَهَا وَصَلَّاهَا أَجْزَأَتْهُ عَنْ الظُّهْرِ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ حَضَرَهَا عَبْدٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ مُسَافِرٌ فَلْيُصَلِّهَا) يَعْنِي وَتُجْزِئُهُ عَنْ الظُّهْرِ، أَمَّا الْعَبْدُ فَبِاتِّفَاقٍ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ حُضُورُهَا إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ لِيَشْهَدَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَكَذَلِكَ تُجْزِئُهَا اتِّفَاقًا
[حاشية العدوي]
الرَّكْعَةُ الْأُولَى فَيُنْدَبُ لِقِرَاءَتِهَا فِي رَكْعَةِ الْقَضَاءِ، وَظَاهِرُهُ كَالْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ قَرَأَهَا.
[قَوْلُهُ: وَنَحْوَهَا وَهُوَ سَبِّحْ إلَخْ] أَيْ أَنَّ الْمَنْدُوبَ فِي الثَّانِيَةِ كَمَا يَحْصُلُ بِقِرَاءَةِ ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ [الغاشية: 1] يَحْصُلُ بِقِرَاءَةِ سَبِّحْ وَالْمُنَافِقُونَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُنْدَبُ فِي الْأُولَى الْقِرَاءَةُ بِالْجُمُعَةِ، وَالثَّانِيَةُ إمَّا بِهَلْ أَتَاك أَوْ سَبِّحْ أَوْ الْمُنَافِقُونَ هَذِهِ طَرِيقَةٌ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ النَّدْبَ إنَّمَا هُوَ بِخُصُوصِ ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ [الغاشية: 1] وَحْدَهَا وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي الْأُولَى بِغَيْرِ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الثَّانِيَةِ بِمَ صَلَّى فِيهَا فَلِذَلِكَ جَاءَ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ مَبْدَؤُهَا مِنْ الْمَسْجِدِ] وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَاسْتَظْهَرَ الزَّرْقَانِيُّ أَنَّهُ إذَا تَعَدَّدَ الْمَنَارُ أَنْ يُعْتَبَرَ الَّذِي فِي طَرَفِ الْبَلَدِ.
[قَوْلُهُ: وَالسَّمَاعُ] أَيْ وَمُتَعَلِّقُ السَّمَاعِ الَّذِي هُوَ الْأَذَانُ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْمَنَارِ [قَوْلُهُ: وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: زِيَادَةً يَسِيرَةً] أَيْ بِنَحْوِ الرُّبْعُ أَوْ الثُّلُثُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ مُقِيمًا وَمَنْ كَانَ خَارِجًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَنَحْوِهَا، وَلَكِنْ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِمَنْ كَانَ سَاكِنًا بِالْبَلَدِ، وَأَمَّا الْخَارِجُ عَنْهَا وَدَاخِلًا لِكَفَرْسَخٍ فَتَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ فَلَا يُحْسَبُ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ] الْمُرَادُ بِهِ مَنْ أَتَى مِنْ مَحَلٍّ خَارِجٍ عَنْ بَلَدِ الْجُمُعَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ كَفَرْسَخٍ وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
وَقَوْلُنَا: مَنْ أَتَى إلَخْ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ مُسَافِرٍ مِنْ بَلَدِهِ وَأَدْرَكَهُ النِّدَاءُ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، فَهَذَا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْجُمُعَةُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ لَهَا بِحَيْثُ يَعْتَقِدُ إدْرَاكُهَا، وَلَوْ بِرَكْعَةٍ، وَمِثْلُ إدْرَاكِ النِّدَاءِ تَحَقُّقُهُ الزَّوَالَ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الْفَرْسَخِ الَّذِي هُوَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا إمَامُهُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْعَبْدِ إذَا أَسْقَطَ السَّيِّدُ حَقَّهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ بَعْضُ إلَخْ] الظَّاهِرُ إسْقَاطُ بَعْضٍ، وَيَقُولُ لَهَا: كَانَ مَنْ تَقَدَّمَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا أَتَى بِبَعْضٍ مِنْ حَيْثُ كَوْنُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا ذَكَرَ فِيمَا بَعْدُ إلَّا الْعَبْدَ وَالْمَرْأَةَ [قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ حُضُورُهَا إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ] ظَاهِرٌ فِي الْقِنِّ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ وَالْمُبَعَّضِ فِي يَوْمِ سَيِّدِهِ لَا فِي يَوْمِهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ السَّيِّدِ كَالْمُكَاتَبِ فَلَا يَتَوَقَّفُ حُضُورُهُ عَلَى إذْنِ السَّيِّدِ فَيُنْدَبُ لَهُ
وَصَلَاتُهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ لَهَا، وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَتُجْزِئُهُ عِنْدَ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ: لَا تُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِهَا، وَالنَّفَلُ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ وَرُدَّ بِالِاتِّفَاقِ فِي الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ عَلَى الْإِجْزَاءِ وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا حَضَرَتْهَا تُصَلِّيهَا بَيَّنَ مَوْقِفَهَا بِقَوْلِهِ: (وَتَكُونُ النِّسَاءُ خَلْفَ صُفُوفِ الرِّجَالِ) وَلَمَّا أَوْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَخْرُجُ إلَى الْجُمُعَةِ مُطْلَقًا شَابَّةً أَوْ غَيْرَهَا رَفَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَخْرُجُ إلَيْهَا) أَيْ إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (الشَّابَّةُ) وَهَذَا النَّهْيُ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ فَائِقَةً فِي الْجَمَالِ فَيَحْرُمُ خُرُوجُهَا، وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْمُتَجَالَّةَ تَخْرُجُ إلَيْهَا.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى شَيْئَيْنِ وَاجِبَيْنِ كَانَ الْمُنَاسِبُ ذِكْرُهُمَا عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْخُطْبَةِ لِأَنَّهُمَا يَتَعَلَّقَانِ بِهَا.
أَحَدُهُمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُنْصَتُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ يَجِبُ الْإِنْصَاتُ وَهُوَ السُّكُوتُ عَلَى كُلِّ مَنْ شَهِدَ الْجُمُعَةَ (لِ) أَجْلِ سَمَاعِ (الْإِمَامِ) وَهُوَ (فِي) حَالِ (خُطْبَتِهِ) الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَفِي الْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا مُطْلَقًا سَمِعَ الْخُطْبَةَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْهَا، سَبَّ
[حاشية العدوي]
مُطْلَقًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُبَعَّضَ فِي يَوْمِهِ كَالْمُكَاتَبِ سَوَاءٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلسَّيِّدِ الْإِذْنُ فِيمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِذْنِ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِتَحْصِيلِ مَنْدُوبٍ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَالْمُكَاتَبُ يُنْدَبُ حُضُورَهُ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَلِيُّهُ.
[قَوْلُهُ: وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ] أَيْ دُعَاءَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ حِينَ يَدْعُو يُعَمِّمُ فِي الدُّعَاءِ لَهُ وَلِلْحَاضِرَيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَتُجْزِئُهُ إلَخْ] وَيُنْدَبُ لَهُ الْحُضُورُ حَيْثُ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا خُيِّرَ كَذَا يَنْبَغِي قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ عَجَّ:
مَنْ يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ مِنْ ذِي الْعَشْرِ ... عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُمْ فَادْرِ
وَمَا عَلَى أُنْثَى وَلَا أَهْلِ السَّفَرْ ... وَالْعَبْدِ فِعْلُهَا وَإِنْ لَهَا حَضَرْ
انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: وَتَكُونُ النِّسَاءُ خَلْفَ إلَخْ] فَلَوْ صَلَّتْ فِي صَفِّ الرِّجَالِ كُرِهَ لَهَا ذَلِكَ وَأَجْزَأَتْهَا إلَّا أَنْ تَلْتَذَّ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى رَجُلٌ فِي صَفِّ النِّسَاءِ كُرِهَ لَهُ إلَّا أَنْ يَلْتَذَّ اهـ تت.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ تَكُونَ فَائِقَةً فِي الْجَمَالِ] أَيْ أَوْ مَخْشِيَّةَ الْفِتْنَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ، أَوْ مُرَادُهُمْ بِفَائِقَةِ الْجَمَالِ مَخْشِيَّةُ الْفِتْنَةِ، وَخَشْيَةُ الْفِتْنَةِ تَحْصُلُ بِالزِّينَةِ وَالتَّطَيُّبِ وَمُزَاحَمَةِ الرِّجَالِ، وَحُسْنِ صُورَةِ الشَّابَّةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِخَشْيَةِ الْفِتْنَةِ مَا جُعِلَ قَسِيمًا لِلتَّطَيُّبِ وَنَحْوِهِ.
[قَوْلُهُ: الْمُتَجَالَّةَ تَخْرُجُ إلَيْهَا] أَيْ جَوَازًا بِمَعْنَى خِلَافِ الْأَوْلَى فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْأَفْضَلَ عَدَمُ الْخُرُوجِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَخْشِيَّةَ الْفِتْنَةِ خُرُوجُهَا حَرَامٌ، وَخُرُوجُ الْمُتَجَالَّةِ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَالشَّابَّةُ الَّتِي لَمْ يُخْشَ مِنْهَا الْفِتْنَةُ يُكْرَهُ.
فَقَوْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ: وَصَلَاتُهَا فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مَحْمُولٌ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى الْمُتَجَالَّةِ، وَجَازَ حُضُورُ الشَّابَّةِ غَيْرِ الْمَخْشِيَّةِ لِغَرَضِ غَيْرِهَا لِكَثْرَةِ مَنْ يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ وَهُوَ مَظِنَّةٌ لِمُزَاحَمَةِ الرِّجَالِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى كُلِّ مَنْ شَهِدَ إلَخْ] مِنْ الْمُكَلَّفِينَ وَكَانَ بِالْجَامِعِ أَوْ رِحَابِهِ مَعَ مَنْ هُوَ بِأَحَدِهِمَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ نِسَاءً أَوْ عَبِيدًا أَوْ مَعَ خَارِجٍ عَنْهُمَا، وَأَمَّا مَا كَانَ بِالطُّرُقِ فَيُبَاحُ لَهُ الْكَلَامُ مَعَ مَنْ كَانَ فِيهَا وَلَوْ سَمِعَا الْخُطْبَةَ لَا عَلَى مَنْ كَانَ بِالْمَسْجِدِ أَوْ رُحْبَتِهِ فَيَحْرُمُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُصَلِّيَ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ رَحَبَتِهِ أَوْ الطُّرُقِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا بِالْجُمُعَةِ أَوْ لَا كَالْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ فَيَحْرُمُ الْكَلَامُ فِي كُلِّهَا إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ فِي الطُّرُقِ وَتَكَلَّمَ مَعَ مَنْ كَانَ فِيهَا، وَوَجْهُ الْحُرْمَةِ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ خَارِجَ الطُّرُقِ مَعَ مَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الرِّحَابِ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِمُحَرَّمٍ وَالْوَسِيلَةُ لِلْمُحَرَّمِ مُحَرَّمَةٌ، هَكَذَا ظَهَرَ لِلْفَقِيرِ مِنْ عِبَارَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي عَلَى خَلِيلٍ وَانْظُرْهَا [قَوْلُهُ: لِأَجْلِ سَمَاعِ الْإِمَامِ] يُؤَذِّنُ بِأَنَّ الْوَاجِبَ السَّمَاعُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْوَاجِبُ الْإِنْصَاتُ وَالْإِصْغَاءُ وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْ بِأَنْ كَانَ فِي عَجُزِ
الْإِمَامُ مَنْ لَا يَجُوزُ سَبُّهُ أَوْ مَدْحَ مَنْ لَا يَجُوزُ مَدْحُهُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَجُوزُ الْكَلَامُ إذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ بِمَا لَا يَجُوزُ، وَصَوَّبَهُ اللَّخْمِيُّ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ وَلَا يُشَمِّتُ عَاطِسًا، وَإِذَا عَطَسَ هُوَ حَمِدَ اللَّهَ سِرًّا فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُسَلِّمُ وَلَا يَرُدُّ سَلَامًا وَلَا يُجِبْ مَنْ تَكَلَّمَ وَلَا يَشْرَبُ الْمَاءَ، وَالْأَصْلُ فِيمَا ذَكَرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] عَلَى أَحَدِ التَّفَاسِيرِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْخُطْبَةِ.
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحَيْنِ: «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ لَغَوْت» سُمِّيَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ لَغْوًا فَغَيْرُهُ أَوْلَى، وَاللَّغْوُ الْكَلَامُ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ الْكَلَامَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْخُطْبَةِ بَيْنَ النُّزُولِ مِنْ الْمِنْبَرِ وَالصَّلَاةِ جَائِزٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَيَجُوزُ الْكَلَامُ حَالَ الْخُطْبَةِ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا الذِّكْرُ الْقَلِيلُ عِنْدَ سَبَبِهِ، وَالتَّأْمِينُ عِنْدَ سَمَاعِ
[حاشية العدوي]
الْمَسْجِدِ مَثَلًا وَهُوَ فِي حَالِ خُطْبَتِهِ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: إذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ بِمَا لَا يَجُوزُ إلَخْ] بِأَنْ سَبَّ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ سَبُّهُ أَوْ مَدْحَ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ مَدْحُهُ، أَيْ كَانَ غَيْرَ حَرَامٍ كَقِرَاءَتِهِ كِتَابًا غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِالْخُطْبَةِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُشَمِّتُ عَاطِسًا] أَيْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ مَنْ سَمِعَ الْخُطْبَةَ لِمَنْ سَمِعَ رَجُلًا عَطَسَ وَحَمِدَ اللَّهَ يَرْحَمُك اللَّهُ [قَوْلُهُ: هُوَ] أَيْ السَّامِعُ [قَوْلُهُ: حَمِدَ اللَّهَ سِرًّا] أَيْ عَلَى طَرِيقِ السُّنِّيَّةِ أَيْ أَنَّ الْحَمْدَ عَلَى طَرِيقِ السُّنِّيَّةِ، وَكَوْنُهَا سِرًّا مَنْدُوبٌ وَيُكْرَهُ جَهْرًا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُسَلِّمُ] أَيْ كَانَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ أَوْ لَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَرُدُّ سَلَامًا] وَلَوْ إشَارَةً كُلُّ ذَلِكَ يَحْرُمُ [قَوْلُهُ: وَلَا يُحَصِّبُ مَنْ تَكَلَّمَ] أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْمِيَهُ بِالْحَصْبَاءِ.
[قَوْلُهُ: لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ] أَيْ: وَلَا يَأْكُلُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَحْرُمُ كُلُّ مَا يُنَافِي وُجُوبَ الْإِنْصَاتِ وَلَوْ غَيْرَ السَّامِعِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَتَحْرِيكِ شَيْءٍ يَحْصُلُ مِنْهُ تَصْوِيتٌ كَوَرِقٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ فَتْحِ بَابٍ أَوْ سُبْحَةٍ أَوْ مُطَالَعَةٍ فِي كُرَّاسٍ.
[قَوْلُهُ: عَلَى أَحَدِ التَّفَاسِيرِ إلَخْ] وَمِنْ أَحَدِ التَّفَاسِيرِ أَنَّ الْآيَةَ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مُطْلَقًا، أَيْ فَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ قَرَأَ الْإِنْسَانُ الْقُرْآنَ وَجَبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ اسْتِمَاعُهُ وَالسُّكُوتُ تَعْظِيمًا لَهُ.
[قَوْلُهُ: لِصَاحِبِكَ] أَيْ الَّذِي تُخَاطِبُهُ إذْ ذَلِكَ أَوْ جَلِيسُك، سُمِّيَ صَاحِبًا؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُهُ فِي الْخِطَابِ أَوْ لِكَوْنِهِ الْأَغْلَبَ.
وَقَوْلُهُ: أَنْصِتْ أَيْ اُسْكُتْ مِنْ الْكَلَامِ مُطْلَقًا وَاسْتَمِعْ الْخُطْبَةَ، وَفِعْلُهُ أَنْصَتَ.
[قَوْلُهُ: وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ] جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ تُفِيدُ أَنَّ وُجُوبَ الْإِنْصَاتِ مِنْ الشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ لَا مِنْ خُرُوجِ الْإِمَامِ كَمَا يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو حَنِيفَةَ.
[قَوْلُهُ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ] ظَرْفٌ لَقُلْت، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ قَالَهُ شَارِحُ الْمُوَطَّأِ.
[قَوْلُهُ: وَالصَّلَاةُ جَائِزٌ] أَيْ وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ وَيُكْرَهُ مِنْ حِينِ أَخْذِهِ فِي الْإِقَامَةِ إلَى أَنْ يُحْرِمَ الْإِمَامُ، وَيَحْرُمُ إذَا أَحْرَمَ وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا التَّفْصِيلُ بِالْجُمُعَةِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ أَنَّ الْإِنْصَاتَ وَاجِبٌ فِي حَالِ التَّرَضِّي عَلَى الصَّحْبِ وَالتَّرَضِّي عَلَى السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بَيْنَ النُّزُولِ إلَخْ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ جَائِزٌ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ] وَنُقِلَ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ بِمَثَابَةِ رَكْعَتَيْنِ فَكَأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ.
قَالَ بَهْرَامُ: وَهُوَ ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ الْكَلَامُ] الْمُرَادُ بِالْجَوَازِ الْإِذْنُ فَيَصْدُقُ بِالْمَنْدُوبِ.
[قَوْلُهُ: مِنْهَا الذِّكْرُ الْقَلِيلُ إلَخْ] بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ الذِّكْرُ سِرًّا عِنْدَ السَّبَبِ وَكَذَا غَيْرُهُ خِلَافًا لِلشَّارِحِ إذَا قَلَّ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، وَيَمْنَعُ الْكَثِيرَ أَوْ الْجَهْرَ بِالْيَسِيرِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمَنْعِ الْكَرَاهَةُ كَمَا فِي بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ، بَقِيَ أَنَّ فِي بَعْضِ شُرَّاحِهِ أَنَّ هَذَا أَعْنِي الذِّكْرَ الْيَسِيرَ لَيْسَ مِمَّا اسْتَوَى طَرَفَاهُ بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: الْأَوْلَى تَرْكُهُ وَمِثْلُهُ لَتَّتْ فِي كَبِيرِهِ عَلَى خَلِيلٍ وَهُوَ الصَّوَابُ وَبِهِ قَرَّرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ كَشَيْخِنَا، وَبَقِيَ الْجَهْرُ بِالْكَثِيرِ وَالْحُكْمُ الْحُرْمَةُ.
[قَوْلُهُ: وَالتَّأْمِينُ عِنْدَ سَمَاعِ الْخَطِيبِ] يَعْنِي: أَنَّهُ يَجُوزُ التَّأْمِينُ وَالتَّعَوُّذُ جَوَازًا مُسْتَوَى الطَّرَفَيْنِ سِرًّا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُكْثِرَ أَوْ يُقِلَّ، وَمُفَادُ عَجَّ تَرْجِيحُ نَدْبِ التَّأْمِينِ
الْخَطِيبِ لِمَغْفِرَةٍ أَوْ نَجَاةٍ مِنْ النَّارِ، وَالتَّعَوُّذُ عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِ النَّارِ وَالشَّيْطَانِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ ذَكَرِهِ، كُلُّ ذَلِكَ سِرًّا عَلَى الصَّحِيحِ، وَالشَّيْءُ الثَّانِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَسْتَقْبِلُهُ) أَيْ الْإِمَامَ (النَّاسُ) بِوُجُوهِهِمْ وَهُوَ فِي خُطْبَتِهِ وُجُوبًا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ كَانُوا فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَحَكَى الْبَاجِيُّ أَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فَإِنْ اسْتَقْبَلُوهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى بَعْضِ آدَابِ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: (وَالْغُسْلُ لَهَا) أَيْ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ لَا لِلْيَوْمِ (وَاجِبٌ) وُجُوبُ السُّنَنِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ آخِرَ الْكِتَابِ وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ يَعْنِي مُؤَكَّدَةً يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قَالَ هُنَا: فَهَذِهِ تَفْسِيرٌ لِتِلْكَ وَتِلْكَ تَفْسِيرٌ لِهَذِهِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ أَنَّ سَبَبَهُ الْعَزْمُ عَلَى حُضُورِ الْجُمُعَةِ فَمَعْنَى لَا تَجِبُ عَلَيْهِ لَا يُؤْمَرُ بِهِ إذَا لَمْ يَعْزِمْ عَلَى حُضُورِهَا.
وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ، وَصُحِّحَ لِأَنَّهُ تَعَبُّدٌ وَوَقْتُهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَلَا يُجْزِئُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِلَا خِلَافٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِهِ بِالرَّوَاحِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَفُهِمَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ التَّرَاخِيَ الْيَسِيرَ لَا يَضُرُّ بِخِلَافِ الْكَثِيرِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ مَعَهُ وَصِفَتُهُ كَصِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ (وَ) مِنْ الْآدَابِ (التَّهْجِيرُ) وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ (حَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كَانُوا يَأْتُونَ الْمَسْجِدَ فِي هَذَا الْوَقْتِ.
ع: وَفِي كَلَامِهِ تَدَافُعٌ لِأَنَّهُ قَالَ: وَالتَّهْجِيرُ حَسَنٌ وَهُوَ الْمَشْيُ فِي الْهَاجِرَةِ.
ثُمَّ قَالَ: (وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ) وَالْهَاجِرَةُ لَا تَكُونُ أَوَّلَ النَّهَارِ.
وَالْجَوَابُ أَنْ نَقُولَ التَّهْجِيرُ يُطْلَقُ
[حاشية العدوي]
وَالتَّعَوُّذِ عِنْدَ السَّبَبِ.
[قَوْلُهُ: الْمَغْفِرَةِ] أَيْ لِطَلَبِ مَغْفِرَةٍ أَوْ طَلَبِ نَجَاةٍ مِنْ النَّارِ [قَوْلُهُ: وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ إلَخْ] هِيَ مَنْدُوبَةٌ عِنْدَ ذِكْرِهِ [قَوْلُهُ: كُلُّ ذَلِكَ سِرًّا] أَيْ نَدْبًا وَيُكْرَهُ جَهَرًا.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَجْهَرُ بِذَلِكَ جَهْرًا لَيْسَ بِالْعَالِي أَيْ وَإِلَّا حَرُمَ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ فِي خُطْبَتِهِ] أَيْ عِنْد نُطْقِهِ بِالْخُطْبَةِ لَا قَبْلَهُ وَلَوْ جَالِسًا عَلَى الْمِنْبَرِ.
[قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانُوا فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرِهِ] أَيْ مَنْ سَمِعَهُ وَمَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ، لَكِنْ أَهْلُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ يُحَوِّلُونَ وُجُوهَهُمْ لِجِهَةِ ذَاتِهِ بِحَيْثُ يَنْظُرُونَهَا، وَأَمَّا غَيْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَيَسْتَقْبِلُونَ جِهَتَهُ وَذَاتَهُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ] وَهُوَ الرَّاجِحُ وَمَا قَالَهُ الْبَاجِيُّ ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ اسْتَقْبَلُوهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ] هَذَا عَلَى كَلَامِ الْبَاجِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ إلَخْ] وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ مِنْ أَنَّ سَبَبَهُ حُضُورُ الصَّلَاةِ أَيْ حُضُورُ وُجُوبِهَا، فَيُؤْمَرُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا وَغَيْرِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوهَا، وَإِنْ اغْتَسَلَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا أَجْزَأَهُ تَمَسَّكُوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ اغْتَسَلْتُمْ لِهَذَا الْيَوْمَ» . فَجَعَلَ عِلَّةَ الْغُسْلِ الْيَوْمَ قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ [قَوْلُهُ: فَمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ] لَمْ يَقُلْ فَإِنْ لَمْ يَعْزِمْ بِحَيْثُ يَصِيرُ شَامِلًا لِمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعْزِمْ بِالْفِعْلِ فَهُوَ عَازِمٌ بِالْقُوَّةِ [قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَعْزِمْ] وَأَمَّا إذَا عَزَمَ عَلَى حُضُورِهَا أُمِرَ بِهِ، أَيْ فَتُسَنُّ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ حَضَرَهَا وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ مِنْ مُسَافِرٍ وَعَبْدٍ وَامْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ كَانَ ذَا رَائِحَةٍ كَالْقَصَّابِ أَيْ اللَّحَّامِ أَمْ لَا، وَقَيَّدَ اللَّخْمِيُّ سُنِّيَّةَ الْغُسْلِ بِمَنْ لَا رَائِحَةَ لَهُ، وَإِلَّا وَجَبَ كَالْقَصَّابِ وَنَحْوِهِ وَاعْتَمَدَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: إلَى نِيَّةِ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقِيلَ: لِلنَّظَافَةِ فَلَا يُفْتَقَرُ لِنِيَّةٍ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يُجَزِّئُ إلَخْ] لَا وَجْهَ لِلتَّفْرِيعِ وَالْقَبَلِيَّةُ ظَرْفٌ مُتَّسَعٌ [قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِهِ بِالرَّوَاحِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إنْ اغْتَسَلَ بَعْدَ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ رَوَاحُهُ بِغُسْلِهِ وَالْأَفْضَلُ الِاتِّصَالُ قَالَهُ بَهْرَامُ.
[قَوْلُهُ: وَفُهِمَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ التَّرَاخِيَ الْيَسِيرَ لَا يَضُرُّ] أَيْ كَمَا إذَا تَرَاخَى لِإِصْلَاحِ ثِيَابِهِ وَتَبْخِيرِهَا، فَإِنْ اُشْتُغِلَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ بَعْدَهُ بِغِذَاءٍ أَوْ نَوْمٍ أَعَادَهُ حَيْثُ طَالَ بِهِمَا حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ اخْتِيَارِيًّا، فَإِنْ كَانَ النَّوْمُ غَلَبَهُ أَوْ الْأَكْلُ لِشِدَّةِ جُوعٍ أَوْ إكْرَاهٍ فَلَا يُبْطِلُ، وَأَمَّا الْأَكْلُ أَوْ النَّوْمُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُبْطِلُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَلَوْ كَثُرَ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَدَثَ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ كَعَرَقٍ أَوْ صُنَانٍ أَوْ جَنَابَةٍ فَيُبْطِلَانِ ثَوَابَهُ، وَلَوْ حَصَلَا فِي الْمَسْجِدِ، وَقَضِيَّةُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْأَكْلَ فِي طَرِيقِهِ لَا يَضُرُّ وَلَوْ كَثُرَ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْيُ فِي الْهَاجِرَةِ] هِيَ وَقْتُ اشْتِدَادِ الْحَرِّ كَمَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْهَاجِرَةُ نِصْفُ
عَلَى الْمَشْيِ فِي الْهَاجِرَةِ وَيُطْلَقُ عَلَى التَّبْكِيرِ الْمُسْتَحَبِّ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَإِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَأَمَّا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَمَكْرُوهٌ اهـ. وَمِنْ الْآدَابِ الطِّيبُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلْيَتَطَيَّبْ) أَيْ يَسْتَعْمِلُ الطِّيبَ (لَهَا) أَيْ لِلْجُمُعَةِ اسْتِحْبَابًا مَنْ يَحْضُرُهَا مِنْ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ مِمَّا خَفِيَ لَوْنُهُ وَظَهَرَتْ رَائِحَتَهُ كَالْمِسْكِ، وَيَقْصِدُ بِهِ امْتِثَالَ السُّنَّةِ وَلَا يَقْصِدُ بِهِ الْفَخْرَ وَالرِّيَاءَ، وَمِنْ الْآدَابِ التَّجَمُّلُ بِاللِّبَاسِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَيَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابَهُ) أَيْ مَا يَعُدُّ النَّاسُ حَسَنًا احْتِرَازًا مِنْ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ حَسَنَةً وَلَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ عِنْدَ النَّاسِ، وَالثِّيَابُ الْحَسَنَةُ فِي الشَّرْعِ الْبَيَاضُ، وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ وَمَسَّ مِنْ الطِّيب إنْ كَانَ عِنْدَهُ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ وَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ ثُمَّ يُصَلِّي مَا كَتَبَ اللَّهُ
[حاشية العدوي]
النَّهَارِ فِي الْقَيْظِ خَاصَّةً اهـ.
[قَوْلُهُ: وَالْهَاجِرَةُ لَا تَكُونُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ] . هَكَذَا الصَّوَابُ بِعَدَمِ وُجُودٍ إلَّا مُوَافِقًا لِمَا فِي تت، وَالتَّحْقِيقُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرهَا وَوَجْهُ التَّنَاقُضِ أَنَّ النَّفْيَ لَا يُسَلَّطُ إلَّا عَلَى الْمَحَلِّ الْقَابِلِ لِوُجُودِ الشَّيْءِ وَهُوَ هُنَا مُنْتَفٍ لِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّهْجِيرِ الْمَشْيُ فِي الْهَاجِرَةِ الَّتِي هِيَ وَقْتُ اشْتِدَادِ الْحَرِّ.
[قَوْلُهُ: وَيُطْلَقُ عَلَى التَّكْبِيرِ الْمُسْتَحَبِّ] أَيْ الَّذِي هُوَ مَعْنَى التَّهْجِيرِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَإِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَيْ، وَإِنَّمَا التَّبْكِيرُ بَعْدَ الزَّوَالِ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّبْكِيرَ يُطْلَقُ عَلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَيُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ حَيْثُ قَالَ: بَكَّرَ إلَى الشَّيْءِ بُكُورًا مِنْ بَاب قَعَدَ أَسْرَعَ أَيَّ وَقْتَ كَانَ، ثُمَّ قَالَ: وَبَكَّرَ تَبْكِيرًا مِثْلُهُ، بَقِيَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَإِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الزَّوَالِ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَةِ الْأُولَى الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ فِي الْحَدِيثِ أَجْزَاءُ السَّابِعَةِ الَّتِي هِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُرَادَ أَجْزَاءُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ أَيْ الَّتِي يَعْقُبُهَا الزَّوَالُ، وَالْحَدِيثُ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» .
فَهَذِهِ السَّاعَاتُ أَجْزَاءُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ الَّتِي قَبْلَ الزَّوَالِ عَلَى الصَّحِيحِ لَا السَّابِعَةِ كَمَا هُوَ مُرَادُ الشَّارِحِ، فَالسَّاعَاتُ الْكَائِنَةُ فِي الْحَدِيثِ اعْتِبَارِيَّةٌ لَا فَلَكِيَّةٌ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَمَكْرُوهٌ] لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْهُ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَخِيفَةُ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةُ.
[قَوْلُهُ: لَهَا] أَيْ الْجُمُعَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُخَاطَبُ بِالطِّيبِ مَنْ يَحْضُرُ الصَّلَاةَ بِخِلَافِ الْعِيدِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ يَوْمَهُ اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ.
وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ صَلَاتَهُ [قَوْلُهُ: مِمَّا خَفِيَ لَوْنُهُ] أَيْ الْأَحْسَنُ لِلرِّجَالِ اسْتِعْمَالُ هَذَا الطِّيبِ لِقَوْلِ التَّحْقِيقِ، وَخَيْرُ طِيبِ الرِّجَالِ مَا خَفِيَ لَوْنُهُ وَظَهَرَتْ رَائِحَتُهُ كَالْمِسْكِ وَالْغَالِيَةِ، وَخَيْرُ طِيبِ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَتْ رَائِحَتُهُ اهـ.
أَيْ كَالْوَرْدِ وَنَحْوِهِ، وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَبَعْضٌ أَفَادَهُ صَرِيحًا قَالَ: وَلَوْ مُؤَنَّثًا وَلَكِنْ نَقَلَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنْ شَارِحِ مُسْلِمٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ إذَا لَمْ يَجِدْ الطِّيبَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ طِيبُ الرِّجَالِ، وَنَصُّهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ فَمِنْ طِيبِ النِّسَاءِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ» .
وَهُوَ الْمَكْرُوهُ لِلرِّجَالِ وَهُوَ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ، فَأَبَاحَهُ هُنَا لِلرِّجَالِ لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ غَيْرِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِهِ أَيْ اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ قَالَهُ شَارِحُ مُسْلِمٍ.
[قَوْلُهُ: امْتِثَالُ السُّنَّةِ] أَيْ طَرِيقَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[قَوْلُهُ: مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ حَسَنًا] الْمُرَادُ بِهِمْ أَهْلُ الشَّرْعِ أَيْ مَا يَعُدُّهُ أَهْلُ الشَّرْعِ حَسَنًا أَيْ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةُ وَهُوَ الْأَبْيَضُ وَإِنْ عَتِيقًا بِخِلَافِ الْعِيدِ، فَيُنْدَبُ فِيهِ الْجَدِيدُ وَهُوَ الْيَوْمُ فَإِنْ كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عِيدٍ لَبِسَ الْجَدِيدَ غَيْرَ الْأَبْيَضِ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَالْأَبْيَضُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَلَوْ عَتِيقًا كَمَا قَرَّرْنَا.
[قَوْلُهُ: مَا كَتَبَ اللَّهُ] أَيْ مِنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَالْمُرَادُ بِالْكَتْبِ الْأَمْرُ أَيْ ثُمَّ صَلَّى مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ [قَوْلُهُ: إذَا خَرَجَ إمَامُهُ]
تَعَالَى عَلَيْهِ ثُمَّ أَنْصَتَ إذَا خَرَجَ إمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ كَانَتْ لَهُ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا» . قَالَ: وَيَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَيَقُولُ: إنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا.
وَمِنْ الْآدَابِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَأَحَبُّ إلَيْنَا) أَيْ إلَى الْمَالِكِيَّةِ (أَنْ يَنْصَرِفَ) مُصَلِّي الْجُمُعَةِ (بَعْدَ فَرَاغِهَا وَلَا يَتَنَفَّلَ فِي الْمَسْجِدِ) ظَاهِرُهُ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ اتِّفَاقًا.
وَفِي الثَّانِي عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ التَّنَفُّلَ إثْرَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَانَ إذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ ذَلِكَ هَذَا حُكْمُ التَّنَفُّلِ بَعْدَهَا، وَأَمَّا قَبْلَهَا فَيُبَاحُ لِلْمَأْمُومِ دُونَ الْإِمَامِ وَإِلَى الْأَوَّلِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلْيَتَنَفَّلْ) يَعْنِي الْمَأْمُومَ فِي الْمَسْجِدِ (إنْ شَاءَ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مَا لَمْ يَجْلِس الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَإِذَا جَلَسَ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ، وَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ التَّنَفُّلِ خَفَّفَ.
وَإِلَى الثَّانِي أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ) التَّنَفُّلَ قَبْلَ صَلَاةِ
[حاشية العدوي]
الْمُرَادُ إذَا شَرَعَ فِي الْخُطْبَةِ [قَوْلُهُ: يَفْرُغُ مِنْ صَلَاتِهِ] يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمَوَاضِعُ الَّتِي يَجُوزُ الْكَلَامُ فِيهَا كَمَا تَبَيَّنَ.
[قَوْلُهُ: وَيَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ] أَيْ اجْتِهَادًا مِنْ عِنْدِهِ وَزِيَادَةً: ثَلَاثَةُ أَيَّامِ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَالْيَوْمَانِ اللَّذَانِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا [قَوْلُهُ: وَزِيَادَةً] أَيْ وَكَانَتْ كَفَّارَةُ الزِّيَادَةِ هِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَقَوْلُهُ: وَيَقُولُ: إنَّ الْحَسَنَةَ أَيْ يَسْتَدِلُّ عَلَى مَا اجْتَهَدَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: إنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا، أَيْ فَمَا فَعَلَهُ حَسَنَةٌ وَهِيَ بِعَشْرٍ فَلِذَلِكَ كَفَّرَتْ لَهُ ذُنُوبَهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَأَطْلَقَ الْحَسَنَةَ عَلَى التَّكْفِيرِ، وَهُوَ غُفْرَانُ الذَّنْبِ وَلَعَلَّهُ مَجَازٌ فَإِنْ قُلْت: هَذَا ظَاهِرُهُ إذَا لَمْ يَغْتَسِلْ الْجُمُعَةَ الَّتِي قَبْلَهَا فَلَوْ اغْتَسَلَ مَا الْحُكْمُ؟ قُلْت: يُعْطَى لَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِمَا يُقَابِلُ الثَّلَاثَةَ الْمَذْكُورَةَ.
تَنْبِيهٌ:
الْآدَابُ الْمَذْكُورَةُ مِنْهَا مَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ كَالتَّهْجِيرِ وَالْمَشْيِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِالرِّجَالِ كَتَحْسِينِ الْهَيْئَةِ وَالتَّطَيُّبِ وَالتَّجَمُّلِ بِالثِّيَابِ الْحَسَنَةِ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ فَرَاغِهَا] أَيْ وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِمَّا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ تَسْبِيحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: وَلَا يَتَنَفَّلُ فِي الْمَسْجِدِ] أَيْ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ وَتَسْتَمِرُّ الْكَرَاهَةُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ لِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَنْصَرِفَ الشَّخْصُ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ حَتَّى يُحْدِثَ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَيَمْتَدُّ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ أَكْثَرُ الْمُصَلِّينَ لَا كُلُّهُمْ، وَيَجِيءُ وَقْتُ انْصِرَافِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَنْصَرِفُوا [قَوْلُهُ: إمَامًا كَانَ إلَخْ] لَكِنْ الْكَرَاهَةُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ أَشَدُّ [قَوْلُهُ: وَفِي الثَّانِي عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الْمُدَوَّنَةِ] وَقَوْلُهَا الْآخَرُ يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ، وَفِعْلُهُ فَيُثَابُ إنْ تَرَكَ أَوْ صَلَّى ذُكِرَ هَذَا الْقَوْلُ فِي التَّحْقِيقِ، وَهَلْ صَلَاتُهُ عَلَى الْجِنَازَةِ مُبِيحَةٌ لِلنَّفْلِ لِأَنَّهُ مَانِعٌ حَصِينٌ أَوْ لَا تُبِيحُهُ؟ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا تت.
[قَوْلُهُ: فَيُبَاحُ لِلْمَأْمُومِ إلَخْ] الْمُرَادُ بِالْإِبَاحَةِ الْإِذْنُ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ مَنْدُوبٌ [قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ قَبِلَهَا] أَيْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ مَنْدُوبٌ [قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَجْلِسْ الْإِمَامُ إلَخْ] يُفِيدُ أَنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ التَّنَفُّلُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ الْأَذَانِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ يُكْرَهُ النَّفَلُ لِلْجَالِسِ عِنْدَ الْأَذَانِ وَلَوْ الْأَوَّلَ بِالنِّسْبَةِ لِلْجُمُعَةِ، لَكِنَّ الْكَرَاهَةَ مُقَيَّدَةٌ بِأَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَوْ يُخْشَى مِنْهُ اعْتِقَادُ وُجُوبِهَا، وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُهَا مَعَ الْعِلْمِ بِنَدْبِهَا وَلَيْسَ مُقْتَدًى بِهِ فَلَا كَرَاهَةَ كَمَا لَوْ فَعَلَهَا مُقَلِّدًا فِي فِعْلِهَا الْقَائِلَ بِطَلَبِهَا حِينَئِذٍ، وَقُلْنَا: لِلْجَالِسِ احْتِرَازًا مِنْ قَادِمٍ عِنْدَ الْأَذَانِ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا وَمُتَنَفِّلٍ قَبْلَ الْأَذَانِ وَاسْتَمَرَّ فَلَا يُكْرَهُ لَهُمَا التَّنَفُّلُ [قَوْلُهُ: فَإِذَا جَلَسَ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ] بَلْ إذَا خَرَجَ لِلْخُطْبَةِ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ، وَلَوْ لَمْ يَجْلِسْ، فَلَوْ تَنَفَّلَ عِنْدَ خُرُوجِهِ لِلْخُطْبَةِ وَأَحْرَى
الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ (الْإِمَامُ) لِمَا صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ شَيْئًا.
ع: وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ عَامٌّ اتَّسَعَ الْوَقْتُ أَمْ لَا، وَلَيْسَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ عِنْدَ دُخُولِهِ لِلْخُطْبَةِ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَلْيَرْقَ) أَيْ يَصْعَدُ (الْمِنْبَرَ كَمَا يَدْخُلُ) أَيْ وَقْتَ دُخُولِهِ: وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَجُوزُ لَهُ إذَا أَتَى قَبْلَ الزَّوَالِ أَنْ يَتَنَفَّلَ فِي الْمَسْجِدِ وَكَذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ إذَا لَمْ يُرِدْ أَنْ يَخْطُبَ.
وَيُسَلِّمُ عَلَى النَّاسِ حِينَ دُخُولِهِ، وَلَا يُسَلِّمُ إذَا صَعِدَ عَلَى الْمِنْبَرِ.
وَمِنْ الْآدَابِ الْمُسْتَحَبَّةِ قَصُّ الشَّارِبِ وَالْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَالِاسْتِحْدَادُ إنْ احْتَاجَ، وَالسِّوَاكُ وَالْمَشْيُ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَار.
[حاشية العدوي]
بَعْدُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ جَالِسًا أَوْ دَاخِلًا، فَإِنْ كَانَ جَالِسًا قَبْلَ خُرُوجِهِ وَتَنَفَّلَ عِنْدَهُ فَيَقْطَعُ ابْتَدَأَ عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا خُرُوجَهُ أَوْ الْحُكْمَ عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا، وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا قَطَعَ عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا إنْ أَحْرَمَ عَمْدًا لَا سَهْوًا عَنْ خُرُوجِ الْخَطِيبِ أَوْ جَهْلًا بِخُرُوجِهِ أَوْ الْحُكْمِ فَلَا قَطْعَ عَقَدَ رَكْعَةً أَوْ لَا، وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَفْرُغْ مِنْ الْخُطْبَةِ وَيَشْرَعْ فِي التَّرَضِّي فَإِنَّهُ كَمَا يُبَاحُ الْكَلَامُ يُبَاحُ التَّنَفُّلُ [قَوْلُهُ: خَفَّفَ] أَيْ نَدْبًا، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَحْرَمَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَلَيْهِ أَوْ جَهْلًا عَقَدَ رَكْعَةً أَوْ لَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَنَفُّلَ الْمَأْمُومِ قَبْلَ الْأَذَانِ مَنْدُوبٌ وَعِنْدَهُ مَكْرُوهٌ لِلْجَالِسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَعِنْدَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ لِلْخُطْبَةِ حَرَامٌ، وَمِثْلُ خُرُوجِ الْخَطِيبِ دُخُولُهُ ذَاهِبًا لِلْمِنْبَرِ، فَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ خُرُوجِهِ أَيْ مِنْ الْخَلْوَةِ لِلْخُطْبَةِ أَوْ بَعْدَ دُخُولِهِ مُتَوَجِّهًا إلَى الْمِنْبَرِ فَإِنْ كَانَ جَالِسًا قَطَعَ مُطْلَقًا إلَى آخِرِ مَا قُلْنَا.
[قَوْلُهُ: أَيْ وَقْتَ دُخُولِهِ] فِي إشَارَةٍ إلَى أَنَّ مَا مَصْدَرِيَّةٌ وَالْكَافُّ زَائِدَةٌ وَأَنَّ الْعِبَارَةَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَالتَّقْدِيرُ وَلْيَرْقَ الْمِنْبَرَ وَقْتَ دُخُولِهِ وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ حَذْفٍ فِي الْعِبَارَةِ أَيْضًا، وَالْأَصْلُ وَلْيَرْقَ الْمِنْبَرَ إذَا جَاءَ وَقْتُ دُخُولِهِ وَهَذَا بَعْدَ الزَّوَالِ مُرِيدًا الْخُطْبَةَ لَا إنْ جَاءَ قَبْلَهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: [قَوْلُهُ: وَإِذَا لَمْ يُرِدْ أَنْ يَخْطُبَ] بِأَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْجَمَاعَةَ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ [قَوْلُهُ: وَيُسَلِّمَ] أَيْ عَلَى طَرِيقِ السُّنِّيَّةِ وَمِثْلُهُ حِين خُرُوجِهِ مِنْ دَارِ الْخَطَابَةِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يُسَلِّمُ إذَا صَعِدَ أَيْ يُكْرَهُ [قَوْلُهُ: وَالِاسْتِحْدَادُ] هُوَ حَلْقُ الْعَانَةِ [قَوْلُهُ: إنْ احْتَاجَ] رَاجِعٌ لِقَصِّ الشَّارِبِ وَمَا بَعْدَهُ [قَوْلُهُ: وَالْمَشْيُ] أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَيْ الْمَشْيُ فِي الذَّهَابِ لِلْجَامِعِ لَا فِي الرُّجُوعِ [قَوْلُهُ: الْأَخْبَارِ] أَيْ الْأَحَادِيثِ.
[15 - بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ] (بَابٌ) فِي بَيَانِ صِفَةِ (صَلَاةِ الْخَوْفِ)
وَهِيَ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ يَحْضُرُ وَقْتُهَا وَالْمُسْلِمُونَ فِي مُقَاتَلَةِ الْعَدُوِّ أَوْ فِي حِرَاسَتِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ حُكْمَهَا هُنَا وَذَكَرَهُ فِي بَابِ جُمَلٍ فَقَالَ: وَصَلَاةُ الْخَوْفِ وَاجِبَةٌ يَعْنِي وُجُوبَ السُّنَنِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: هِيَ رُخْصَةٌ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ لِصِدْقِ الرُّخْصَةِ عَلَيْهَا وَهِيَ الْمَشْرُوعُ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرَّمِ لَوْلَا الْعُذْرُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ حُكْمِهَا وَأَنَّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ الْكِتَابُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: 102] وَالسُّنَّةُ فَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ وَالْإِجْمَاعُ فَقَدْ صَلَّاهَا بَعْد مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو مُوسَى، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -، وَتُفْعَلُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ جَمَاعَةً وَفُرَادَى، وَقَدْ بَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى صِفَتِهَا فِي السَّفَرِ جَمَاعَةً لِأَنَّ الْخَوْفَ غَالِبًا إنَّمَا يَكُونُ فِي السَّفَرِ فَقَالَ: (وَصَلَاةُ الْخَوْفِ) أَيْ وَصِفَتُهَا (فِي) حَالِ (السَّفَرِ) أَنَّ الْمُسْلِمِينَ (إذَا خَافُوا الْعَدُوَّ)
[حاشية العدوي]
[بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ]
[قَوْلُهُ: فِي بَيَانِ صِفَةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ] قَالَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ يُمْكِنُ رَسْمُهَا بِأَنَّهَا فِعْلُ فَرْضٍ مِنْ الْخَمْسَةِ وَلَوْ جُمُعَةً مَقْسُومًا فِيهِ الْمَأْمُومُونَ قِسْمَيْنِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَمَعَ عَدَمِهِ لَانْقَسَمَ فِي قِتَالٍ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَيَدْخُلُ قِتَالُ الْمُحَارِبِينَ وَكُلُّ قِتَالٍ جَائِزٍ [قَوْلُهُ: أَوْ فِي حِرَاسَتِهِمْ] أَيْ وَكَانُوا بِصَدَدِ الْقِتَالِ [قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ هِيَ رُخْصَةٌ] لَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَوْنِهَا سُنَّةً وَكَوْنِهَا رُخْصَةً؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ قَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً وَقَدْ تَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ مِثَالُ الْأَوَّلِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ الْمَشْرُوعُ] أَيْ الْحُكْمُ الْمَشْرُوعُ لِعُذْرٍ إلَخْ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ فَهُوَ مَشْرُوعٌ لِعُذْرٍ وَهُوَ اضْطِرَارٌ.
وَقَوْلُهُ: مَعَ قِيَامِ الْمُحَرَّمِ أَيْ مَعَ وُجُودِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الْخَبَثُ فِي الْمَيْتَةِ، وَعَلَى قِيَاسِهِ نَقُولُ هُنَا وَهِيَ الْمَشْرُوعُ لِعُذْرٍ وَهُوَ الْخَوْفُ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرَّمِ، وَهُوَ أَنَّهُ تَغْيِيرٌ مَعَ الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: وَأَنَّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ] وَادَّعَى الْمُزَنِيّ نَسْخَهَا وَهُوَ مَرْدُودٌ.
[قَوْلُهُ: الْكِتَابُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْكِتَابَ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ النَّسْخِ.
[قَوْلُهُ: فَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ] مِنْهَا مَا رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ بِسَنَدِهِ «أَنَّ طَائِفَةً صَلَّتْ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوَّ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا وِجَاهَ الْعَدُوَّ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» .
[قَوْلُهُ: وَالْإِجْمَاعُ] أَيْ الْفِعْلِيُّ [قَوْلُهُ: وَفُرَادَى] هَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ فِي صَلَاةِ الِالْتِحَامِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْخَوْفَ غَالِبًا إلَخْ] تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ فِي السَّفَرِ بِدُونِ قَوْلِهِ جَمَاعَةً [قَوْلُهُ: وَصَلَاةُ الْخَوْفِ] مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ خَبَرُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ خَبَرُ صَلَاةٍ وَالتَّقْدِيرُ وَصَلَاةُ الْخَوْفِ نَقُولُ فِي شَأْنِهَا: إنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا خَافُوا الْعَدُوَّ فَالْحُكْمُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ.
[قَوْلُهُ: إذَا خَافُوا الْعَدُوَّ] أَيْ اعْتَقَدُوا ضَرَرَ الْعَدُوِّ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ ظَنُّوهُمْ أَيْ ظَنُّوا ضَرَرَهُ.
وَلَوْ فُسِّرَ الْخَوْفُ بِالظَّنِّ لَكَانَ أَحْسَنَ وَيُفْهَمُ مِنْهُ حُكْمُ الِاعْتِقَادِ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى.
أَوْ ظَنُّوهُمْ وَالْمُرَادُ بِهِمْ الْكُفَّارُ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ هُوَ مَحَلُّ الرُّخْصَةِ وَقَاسُوا عَلَيْهِ قِتَالَ الْمُحَارِبِينَ (أَنْ يَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ بِطَائِفَةٍ وَيَدَعَ طَائِفَةً مُوَاجِهَةً لِلْعَدُوِّ) ظَاهِرُهُ كَالْمُخْتَصَرِ كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ لَا، وَهُوَ كَذَلِكَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْقِسْمَةِ، وَظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ عَلَى مَا قَالَ الْبِسَاطِيُّ تَسَاوِيهِمَا.
قَالَ: وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ يُقَابَلُ بِالنِّصْفِ، وَأَمَّا إذَا قُوبِلَ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَوْقَعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَانْظُرْ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُعَلِّمَ النَّاسَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذُوا فِي الصَّلَاةِ كَيْفِيَّتَهَا خَوْفًا مِنْ التَّخْلِيطِ لِعَدَمِ إلْفِ أَكْثَرِ النَّاسِ لَهَا (فَ) بَعْدَ ذَلِكَ (يُصَلِّي الْإِمَامُ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ يَثْبُتُ قَائِمًا) ثُمَّ يَنْتَظِرُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ اتِّفَاقًا وَهُوَ مُخَيَّرٌ حِينَئِذٍ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَالْقِرَاءَةِ وَالسُّكُوتِ.
(وَ) أَمَّا الطَّائِفَةُ الَّتِي صَلَّتْ مَعَهُ فَإِنَّهُمْ (يُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ يُسَلِّمُونَ فَ) يَذْهَبُونَ (يَقِفُونَ مَكَانَ أَصْحَابِهِمْ) مُوَاجِهَةَ الْعَدُوِّ (ثُمَّ يَأْتِي أَصْحَابُهُمْ فَيُحْرِمُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَيُصَلِّي بِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ) الْإِمَامُ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَقَاسُوا عَلَيْهِ قِتَالَ الْمُحَارِبِينَ] وَمِثْلُهُمْ أَهْلُ الْبَغْيِ أَوْ أَرَادَ بِالْمُحَارِبِينَ مَا يَشْمَلُ أَهْلَ الْبَغْيِ وَكَذَا اللُّصُوصُ خَوْفًا عَلَى أَخْذِ الْمَالِ أَوْ السِّبَاعُ خَوْفًا عَلَى النَّفْسِ مِنْهَا.
فَإِنْ قُلْت قَدْ مَرَّ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ رُخْصَةٌ وَمَحَلُّ الرُّخْصَةِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَالْمَحَلُّ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّقْلُ هُوَ قِتَالُ الْكُفَّارِ، فَكَيْفَ قَاسُوا عَلَيْهِ قِتَالَ الْمُحَارِبِينَ وَمَا أَشْبَهَهُ؟ قُلْت: هُوَ مِنْ قِيَاسِ لَا فَارَقَ الَّذِي قَالَ بِهِ بَعْضُ مَنْ خَالَفَ فِي الْقِيَاسِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ سَبَبَ هَذَا الْفِعْلِ الْخَوْفُ وَهُوَ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ سَوَاءٌ قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ [قَوْلُهُ: أَنْ يَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ بِطَائِفَةٍ] أَيْ لِيُصَلِّيَ بِطَائِفَةٍ [قَوْلُهُ: وَيَدَعَ طَائِفَةً] أَيْ يَتْرُكَ طَائِفَةً [قَوْلُهُ: كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ لَا] وَهُوَ كَذَلِكَ أَيْ خِلَافًا لِقَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ بِهَا صَلَّوْا مَعَ الْإِمَامِ جَمِيعًا مِنْ غَيْرِ قَسْمٍ لِنَظَرِهِمْ لِعَدُوِّهِمْ [قَوْلُهُ: عَلَى مَا قَالَ الْبِسَاطِيُّ إلَخْ] لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ قَوْلِهِمْ قَسَمَهُمْ مُنَاصَفَةً [قَوْلُهُ: وَهَذَا ظَاهِرٌ] أَيْ قَسْمُهُمْ قِسْمَيْنِ ظَاهِرٌ [قَوْلُهُ: بِالنِّصْفِ] أَيْ نِصْفِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَوْلُهُ: فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُوقَعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَيْ لَا يَقْسِمُهُمْ نِصْفَيْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حِينَئِذٍ إذَا كَانَتْ تُقَابَلُ بِالثُّلُثِ أَنَّهُ يُصَلِّي بِالثُّلُثَيْنِ الرَّكْعَةَ الْأُولَى، وَيُصَلِّي بِالثُّلُثِ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ.
[قَوْلُهُ: فَانْظُرْ ذَلِكَ] أَيْ هَلْ مَا قُلْنَا صَحِيحٌ؟ هَذَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تُسَاوِي الطَّائِفَتَيْنِ بَلْ الشَّرْطُ كَوْنُ كُلِّ طَائِفَةٍ عِنْدَهَا قُدْرَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ شُرَّاحِ خَلِيلٍ تَسَاوَيَا أَوْ لَا [قَوْلُهُ: وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُعَلِّمَ إلَخْ] أَيْ وُجُوبًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِعَدَمِ إلَخْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِتَعْلِيمِ الْمَجْمُوعِ وَفِي عِبَارَةٍ عَلَى الْإِمَامِ أَيْ وُجُوبًا عِنْدَ الْجَهْلِ وَنَدْبًا عِنْد عَدَمِهِ.
[قَوْلُهُ: فَيُصَلِّي إلَخْ] كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَيُصَلِّي بِهَا لِأَنَّ الْمَحَلَّ لِلْإِضْمَارِ لِظُهُورِ أَنَّ فَاعِلَ يُصَلِّي الْإِمَامُ، وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ لِلطَّائِفَةِ إلَّا أَنَّ عَادَتَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ زِيَادَةُ الْإِيضَاحِ، وَنَكَّرَ طَائِفَةً وَعَبَّرَ بِهَا لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ تُسَاوِي الطَّائِفَتَيْنِ بَلْ الشَّرْطُ كَمَا تَقَدَّمَ كَوْنُ كُلِّ طَائِفَةٍ فِيهَا قُدْرَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ.
[قَوْلُهُ: يَثْبُتُ قَائِمًا] أَيْ بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى مُؤْتَمِّينَ بِهِ إلَى أَنْ يَسْتَقِلَّ ثُمَّ يُفَارِقُونَهُ فَإِذَا أَحْدَثَ قَبْلَ اسْتِقْلَالِهِ عَمْدًا بَطَلَتْ عَلَيْهِمْ وَسَهْوًا أَوْ غَلَبَةً اسْتَخْلَفَ هُوَ أَوْ هُمْ مَنْ يَقُومُ بِهِمْ، ثُمَّ يَثْبُتُ الْمُسْتَخْلَفُ وَيَؤُمُّ مَنْ خَلْفَهُ ثُمَّ تَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى يُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً وَيُسَلِّمُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَحْدَثَ وَلَوْ عَمْدًا بَعْدَ تَمَامِ قِيَامِهِ فَصَلَاتُهُمْ تَامَّةٌ فَلَا يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِمْ لِانْقِطَاعِ تَعَلُّقِهِمْ بِهِ، وَنَظَرَ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ فِي حُكْمِ الْقِيَامِ [قَوْلُهُ: بَيْنَ الدُّعَاءِ] أَيْ بِمَا عَنَّ لَهُ وَالْأَوْلَى بِالْفَتْحِ وَالنَّصْرُ مِثْلُ الدُّعَاءِ: التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ.
وَقَوْلُهُ: وَالْقِرَاءَةُ أَيْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُتِمُّهَا حَتَّى تَأْتِيَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً] أَيْ أَفْذَاذًا فَإِنْ أَمَّهُمْ أَحَدُهُمْ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ، وَكَذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ فَإِذَا فَارَقَتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فِي الْجُمُعَةِ صَلَّتْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ أَفْذَاذًا فِيمَا يَظْهَرُ بِمَثَابَةِ مُدْرِكِ الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ مَعَ إمَامٍ وَرَعْفِ رُعَافٍ بَنَاهُ فِي الثَّانِيَةِ حَتَّى فَاتَ فِعْلُهَا مَعَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا وَحْدَهُ وَلَا يُصَلُّونَهَا جَمَاعَةً بِإِمَامٍ يَسْتَخْلِفُونَهُ.
وَتَوَقَّفَ عَجَّ فِي عَدَدِ الطَّائِفَتَيْنِ وَاسْتَظْهَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ كُلُّ طَائِفَةٍ اثْنَيْ
(وَيُسَلِّمُ) عَلَى الْمَشْهُورِ (ثُمَّ) إنَّ الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ (يَقْضُونَ الرَّكْعَةَ) الْأُولَى (الَّتِي فَاتَتْهُمْ) مَعَهُ (وَيَنْصَرِفُونَ) .
وَقَوْلُهُ: (وَهَكَذَا يُفْعَلُ فِي صَلَاةِ الْفَرَائِضِ كُلِّهَا) تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: (إلَّا الْمَغْرِبَ فَإِنَّهُ) أَيْ الْإِمَامَ (يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ) وَيَتَشَهَّدُ فَإِذَا تَمَّ تَشَهُّدُهُ ثَبَتَ قَائِمًا، عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيُشِيرُ إلَى الطَّائِفَةِ الْأُولَى بِالْقِيَامِ، فَإِذَا قَامُوا أَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ يَتَشَهَّدُونَ ثُمَّ يُسَلِّمُونَ وَيَنْصَرِفُونَ فَيَقِفُونَ فِي مَكَانِ أَصْحَابِهِمْ.
(ثُمَّ) تَأْتِي الطَّائِفَةُ (الثَّانِيَةُ) فَيُحْرِمُونَ خَلْفَهُ (وَيُصَلِّي بِهِمْ) أَيْ بِالطَّائِفَةِ (رَكْعَةً) ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقْضُونَ لِأَنْفُسِهِمْ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فَاتَتْهُمْ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ وَالْإِمَامُ فِي حَالِ قِيَامِهِ لِانْتِظَارِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَسْكُتَ أَوْ يَدْعُوَ وَلَا يَقْرَأَ، وَإِنَّمَا خُيِّرَ فِي الْقِرَاءَةِ فِي قِيَامِ الثُّنَائِيَّةِ دُونَ الثُّلَاثِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّهُ فِي الثُّلَاثِيَّةِ إنَّمَا يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ، فَرُبَّمَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهَا قَبْلَ مَجِيءِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ وَأَمَّا فِي قِيَامِ الثُّنَائِيَّةِ فَإِنَّهُ يَقْرَأُ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ بِسُورَةٍ فَيُدْرِكُونَهُ قَبْلَ فَرَاغِ الْقِرَاءَةِ.
(تَنْبِيهَانِ)
الْأَوَّلُ: الْكَيْفِيَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ هِيَ الْمَشْهُورَةُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَصَحَّحَ فِعْلَهَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَهَا شَرْطَانِ: أَنْ يَكُونَ الْقِتَالُ جَائِزًا فَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يَجُزْ وَأَنْ يَكُونَ الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَ الْإِمَامِ يُمَكِّنَهُمْ التَّرْكُ، فَلَوْ كَانَ الْعَدُوُّ بِحَيْثُ لَا يُقَاوِمُهُ الْمُرْصِدُ لَهُ لَمْ يَجُزْ.
الثَّانِي: إذَا انْقَطَعَ الْخَوْفُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَتَمُّوا عَلَى صِفَةِ الْأَمْنِ، وَإِذَا حَصَلَ الْأَمْنُ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ جَمَاعَةً ثُنَائِيَّةً وَثُلَاثِيَّةً.
[حاشية العدوي]
عَشَرَ غَيْرَ الْإِمَامِ وَأَنْ يَحْضُرَ كُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ الْخُطْبَةَ [قَوْلُهُ: وَيُسَلِّمُ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ لَا يُسَلِّمُ بَلْ يُشِيرُ لِلطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ فَتَقُومُ لِلرَّكْعَةِ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ فَيُصَلُّونَهَا وَيُسَلِّمُ بِهَا فَتُدْرَكُ مَعَهُ الثَّانِيَةُ السَّلَامَ كَمَا أَدْرَكَتْ الْأُولَى الْإِحْرَامَ.
[قَوْلُهُ: فَإِذَا تَمَّ تَشَهُّدُهُ ثَبَتَ قَائِمًا إلَخْ] وَقِيلَ جَالِسًا، وَعَلَيْهِ فَمُفَارَقَةِ الْأُولَى بِتَمَامِ تَشَهُّدِهِ كَمَا فِي تت وَيُعَلِّمُهُمْ ذَلِكَ بِإِشَارَةٍ أَوْ جَهْرِهِ بِآخِرِهِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَيُشِيرُ إلَخْ إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الَّذِي يَقُولُ بِجُلُوسِهِ لَا عَلَى الْمَشْهُورِ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ يُسَلِّمُونَ] أَيْ عَلَى الْيَمِينِ تَسْلِيمَةَ التَّحْلِيلِ وَعَلَى الْيَسَارِ إنْ كَانَ عَلَى يَسَارِ الْمُسَلِّمِ أَحَدٌ، وَلَا يُسَلِّمُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى الْإِمَامِ لِأَنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ قَبْلَ سَلَامِهِ فَلَمْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ وَبَعْدَ سَلَامِهِمْ يَذْهَبُونَ إلَى الْعَدُوِّ [قَوْلُهُ: وَلَا يَقْرَأُ] فَإِنْ قُلْت: هَلَّا قَرَأَهَا عَقِبَ قِيَامِهِ وَسَكَتَ أَوْ دَعَا بَعْدَ فَرَاغِهَا وَقَبْلَ رُكُوعِهِ حَتَّى تَأْتِيَ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ، قُلْت: لِمُخَالَفَتِهِ لِلرُّخْصَةِ الْوَارِدَةِ وَلِعَدَمِ وُقُوعِ رُكُوعِهِ فِي ثَالِثَةِ الْمَغْرِبِ عَقِبَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَكَذَا يُقَالُ فِي الرُّبَاعِيَّةِ [قَوْلُهُ: دُونَ الثُّلَاثِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقِيلَ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الثُّلَاثِيَّةِ حَكَاهُ ابْنُ بَشِيرٍ [قَوْلُهُ: هِيَ الْمَشْهُورَةُ] وَقَالَ أَشْهَبُ: يَنْصَرِفُونَ قَبْلَ الْإِكْمَالِ وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَإِذَا سَلَّمَ أَتَمَّتْ الثَّانِيَةُ صَلَاتَهَا وَقَامَتْ وِجَاهَ الْعَدُوِّ ثُمَّ جَاءَتْ الْأُولَى فَقَضَتْ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ الْقِتَالُ جَائِزًا] أَيْ مَأْذُونًا بِهِ فَيَشْمَلُ الْوَاجِبَ كَقِتَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْبَغْيِ، وَالْمُبَاحَ كَقِتَالِ مُرِيدِ الْمَالِ.
وَقَوْلُهُ: فَلَوْ كَانَ حَرَامًا إلَخْ أَيْ كَقِتَالِ الْإِمَامِ الْعَدْلِ [قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ الَّذِينَ صَلَّوْا إلَخْ] أَيْ وَأَنْ يَخَافَ خُرُوجُ الْوَقْتِ عَلَى أَقْسَامِ التَّيَمُّمِ مِنْ رَاجٍ وَمُتَرَدِّدٍ وَآيِسٍ.
قَالَ بَعْضٌ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْوَقْتُ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ لَمْ يَجُزْ حَاصِلُهُ أَنَّهُمْ إذَا لَمْ يُمْكِنْ التَّفْرِقَةُ وَخَافُوا إنْ اشْتَغَلُوا بِالصَّلَاةِ دَهَمَهُمْ الْعَدُوُّ وَانْهَزَمُوا صَلَّوْا عَلَى مَا يُمْكِنُهُمْ رِجَالًا وَرُكْبَانًا.
[قَوْلُهُ: فَإِذَا انْقَطَعَ إلَخْ] فَإِنْ حَصَلَ الْأَمْنُ مَعَ الطَّائِفَةِ الْأُولَى قَبْلَ مُفَارَقَتِهَا فَتَدْخُلُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ مَعَ الْإِمَامِ وَيُتِمُّ بِالْجَمِيعِ، وَإِنْ حَصَلَ مَعَ الثَّانِيَةِ وَقَدْ فَارَقَتْهُ الْأُولَى رَجَعَ إلَيْهِ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ لِنَفْسِهِ شَيْئًا وَمَنْ أَتَمَّ مِنْهُمْ صَلَاتَهُ أَجْزَأَتْهُ، وَمَنْ
وَأَمَّا صِفَتُهَا فِي الْحَضَرِ فَأَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ صَلَّى) الْإِمَامُ (بِهِمْ) أَيْ بِمَنْ مَعَهُ (فِي الْحَضَرِ لِشِدَّةِ خَوْفٍ صَلَّى بِهِمْ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ) ك: قَبْلَ هَذَا إذَا كَانُوا مَطْلُوبِينَ، وَأَمَّا إذَا كَانُوا طَالِبِينَ فَلَا.
وَعِبَارَةُ الْجَلَّابِ أَكْثَرُ فَائِدَةً مِنْ عِبَارَةِ الشَّيْخِ، وَنَصُّهُ إذَا نَزَلَ الْخَوْفُ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ لَمْ يَجُزْ قَصْرُ الصَّلَاةِ وَجَازَ تَفْرِيقُهُمْ فِيهَا فَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَيَجْلِسُ وَيَتَشَهَّدُ، ثُمَّ أَشَارَ إلَيْهِمْ بِالْقِيَامِ لِلْإِتْمَامِ وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ يَقُومُ إذَا قَضَى تَشَهُّدَهُ فَيَنْتَظِرُ إتْمَامَهُمْ وَانْصِرَافَهُمْ وَمَجِيءَ الْآخَرِينَ قَائِمًا يَعْنِي سَاكِتًا، أَوْ دَاعِيًا لَا قَارِئًا، ثُمَّ يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ الرَّكْعَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَيَنْصَرِفُ، وَيَقْضُونَ مَا فَاتَهُمْ بَعْدَ سَلَامِهِ وَقَدْ قِيلَ: يَنْتَظِرُهُمْ حَتَّى يَقْضُوا مَا فَاتَهُمْ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَيُسَلِّمُونَ بِسَلَامِهِ اهـ.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ (وَلِكُلِّ صَلَاةٍ) مِمَّا تَقَدَّمَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ جَمَاعَةً (أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ) لِأَنَّ كُلَّ صَلَاةِ فَرْضٍ مُجْتَمِعٌ لَهَا أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ ثُمَّ أَشَارَ إلَى صِفَةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فُرَادَى فَقَالَ: (وَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَنْ الصَّلَاةِ جَمَاعَةً عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (صَلَّوْا وُحْدَانًا) أَيْ فُرَادَى (بِقَدْرِ طَاقَتِهِمْ) فَإِنْ قَدَرُوا عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَعَلُوا ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا إيمَاءً، وَيَكُونُ
[حاشية العدوي]
صَلَّى بَعْضَ الصَّلَاةِ أَيْ عَقَدَ رَكْعَةً انْتَظَرَ الْإِمَامَ حَتَّى يَفْعَلَ مَا فَعَلَهُ ثُمَّ يَقْتَدِي بِهِ فِيمَا بَقِيَ وَلَوْ السَّلَامَ، فَإِنْ خَالَفَ بِأَنْ فَعَلَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ أَوْ سَلَّمَ قَبْلَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ خَالَفَ وَأَعَادَ مَعَ الْإِمَامِ مَا فَعَلَهُ حَالَ الْمُفَارَقَةِ حَمَلَهُ الْإِمَامُ عَنْهُ إنْ كَانَ سَهْوًا لَا عَمْدًا أَوْ جَهْلًا، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ الْأَمْنُ بَعْدَ افْتِتَاحِهَا صَلَاةً مُسَايَفَةً فَالْحُكْمُ أَنَّهُمْ يُتِمُّونَهَا صَلَاةَ أَمْنٍ بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ لَكِنْ فُرَادَى لِأَنَّهُمْ افْتَتَحُوهَا هَكَذَا، فَإِنْ قُلْت قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ لَا تَأْتِي إلَّا بَعْدَ أَنْ تَذْهَبَ الْأُولَى تُجَاهَ الْعَدُوِّ فَكَيْفَ يُعْقَلُ مَا ذَكَرَ؟ قُلْت: يُفْرَضُ مَا ذَكَرَ فِي مَسْبُوقِينَ أَدْرَكُوا مَعَ الطَّائِفَةِ الْأُولَى الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الرَّبَاعِيَةِ فَيَأْتِي فِيهِمْ مَا ذَكَرَ بِأَنْ تَذْهَبَ الْجَمَاعَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَسْبُوقَةٍ تُجَاهَ الْعَدُوِّ وَتَتَخَلَّفَ هَذِهِ الْمَسْبُوقَةُ فَيَأْتِيَ فِيهَا مَا ذُكِرَ.
[قَوْلُهُ: قِيلَ هَذَا إلَخْ] هَذَا ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ مُطْلَقًا [قَوْلُهُ: ثُمَّ أَشَارَ إلَيْهِمْ بِالْقِيَامِ] وَيَكُونُ فِي جُلُوسِهِ سَاكِنًا أَوْ دَاعِيًا وَإِنْ كَانَ الدُّعَاءُ فِي الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ مَكْرُوهًا فَقَدْ يُتَّفَقُ هُنَا عَلَى جَوَازِهِ [قَوْلُهُ: وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ يَقُومُ] هُوَ الْمَشْهُورُ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ بَهْرَامُ: فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَحْكِيَهُ بِصِيغَةِ التَّضْعِيفِ [قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ] أَيْ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ يُسَلِّمُ وَيَنْصَرِفُ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ فَرْضٌ مُجْتَمَعٌ] فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا، وَفِي الْحَضَرِ إنْ طَلَبَ غَيْرَهَا.
تَتِمَّةٌ:
لَوْ سَهَا الْإِمَامُ مَعَ الطَّائِفَةِ الْأُولَى سَهْوًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ سُجُودُ سَجَدَتْ لِلسَّهْوِ بَعْدَ كَمَالِ صَلَاتِهَا لِنَفْسِهَا، الْقَبْلِيُّ قَبْلَ سَلَامِهَا وَالْبَعْدِيُّ بَعْدَهُ، فَإِنْ لَمْ تَسْجُدْ الْقَبْلِيَّ وَسَجَدَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ إنْ تَرَتَّبَ عَنْ نَقْصِ ثَلَاثِ سُنَنٍ وَطَالَ، وَإِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ سُجُودٌ قَبْلِيٌّ وَكَانَ مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ بَعْدِيًّا فَإِنَّهَا تُغَلِّبُ جَانِبَ النَّقْصِ، وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ سَوَاءٌ سَهَا مَعَهَا أَوْ قَبْلَهَا فَتَسْجُدُ الْقَبْلِيَّ مَعَهُ قَبْلَ إتْمَامِ مَا عَلَيْهَا وَالْبَعْدِيَّ بَعْدَ قَضَاءِ مَا عَلَيْهَا وَتَسْجُدُ الْقَبْلِيَّ وَلَوْ تَرَكَهُ إمَامُهُمْ، وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ فَقَطْ إنْ تَرَتَّبَ عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ وَطَالَ، وَلَا يَلْزَمُ الْأُولَى سُجُودٌ لِسَهْوِهِ مَعَ الثَّانِيَةِ لِانْفِصَالِهَا عَنْ إمَامَتِهِ حَتَّى لَوْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إنْ كَانَ مُوجِبُ السُّجُودِ مِمَّا لَا يَخْفَى كَالْكَلَامِ أَوْ زِيَادَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ شَبَهِهِ فَلَا يَحْتَاجُ لِإِشَارَتِهِ لَهَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْفَى أَشَارَ لَهَا فَإِنْ لَمْ تَفْهَمْ بِالْإِشَارَةِ سَبَّحَ لَهَا، فَإِنْ لَمْ تَفْهَمْ بِهِ كَلَّمَهَا، إنْ كَانَ النَّقْصُ مِمَّا يُوجِبُ الْبُطْلَانَ، وَإِلَّا فَلَا كَذَا يَنْبَغِي قَرَّرَهُ عَجَّ [قَوْلُهُ: وَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ عَنْ ذَلِكَ] حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ قَسْمُ الْجَمَاعَةَ لِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ وَرَجُوا انْكِشَافَهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ بِحَيْثُ يُدْرِكُونَ الصَّلَاةَ فِيهِ أَخَّرُوا
إيمَاؤُهُمْ لِلسُّجُودِ أَخَفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ (مُشَاةً) أَيْ غَيْرِ رَاكِبِينَ (أَوْ رُكْبَانًا) عَلَى الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ حَالَ كَوْنِهِمْ (مَاشِينَ أَوْ سَاعِينَ) أَيْ جَارِينَ (مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا) ثُمَّ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ إذَا أَمِنُوا لَا فِي الْوَقْتِ وَلَا بَعْدَهُ وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] : وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: 103] فَأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ تُصَلَّى الصَّلَاةُ فِي وَقْتِهَا عَلَى حَسَبِ الْحَالِ، وَفِي الْمُوَطَّأِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِكُمْ أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا.
قَالَ نَافِعُ: لَا أَرَى عَبْدَ اللَّهِ ذَكَرَ ذَلِكَ إلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[حاشية العدوي]
اسْتِحْبَابًا، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الصَّلَاةَ صَلَّوْا إيمَاءً [قَوْلُهُ: أَوْ رُكْبَانًا] أَيْ عَلَى الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ، فَلَوْ كَانُوا رَاكِبِينَ عَلَى حَمِيرٍ أَوْ بِغَالٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَلِفُ [قَوْلُهُ: مَاشِينَ] أَيْ عَلَى الْهَيْئَةِ.
تَنْبِيهٌ:
يَجُوزُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَعْنِي حَالَ اشْتِدَادِ الْخَوْفِ الْمَذْكُورِ مَشْيٌ كَثِيرٌ وَرَكْضٌ وَهُوَ تَحْرِيكُ الرِّجْلُ وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ الْمَشْيِ وَطَعْنٌ بِرُمْحٍ وَرَمْيُ نَبْلٍ وَكَلَامٌ بِغَيْرِ إصْلَاحِهَا وَلَوْ كَثُرَ إنْ اُحْتِيجَ لَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ كَتَحْذِيرِ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُرِيدُهُ أَوْ أَمْرُهُ بِقَتْلِهِ، وَكَتَشْجِيعٍ وَافْتِخَارٍ عِنْدَ الرَّمْيِ وَرَجَزٍ إنْ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ تَوْهِينُ الْعَدُوِّ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُحْتَاجِ لَهُ وَإِمْسَاكُ مُلَطَّخٍ بِدَمٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ وَلَمْ يَخْشَ عَلَيْهِ.
[16 - بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] (بَابٌ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ)
الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى، وَفِي بَيَانِ وَقْتِ الْخُرُوجِ إلَيْهَا وَكَيْفِيَّتِهَا، وَبَيَانِ الطَّرِيقِ الَّتِي يَرْجِعُ مِنْهَا، وَبَيَانِ مَا يَفْعَلُهُ وَمَا يَقُولُهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَيْهَا.
(وَ) وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ (التَّكْبِيرِ) فِي (أَيَّامِ مِنًى) وَفِي بَيَانِ الْوَقْتِ الَّذِي يُوقَعُ فِيهِ التَّكْبِيرُ مِنْ أَيَّام مِنًى، وَبَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ.
وَسُمِّيَ عِيدًا تَفَاؤُلًا لَأَنْ يَعُودَ عَلَى مَنْ أَدْرَكَهُ مِنْ النَّاسِ كَمَا سُمِّيَتْ الْقَافِلَةُ فِي ابْتِدَاءِ خُرُوجِهَا تَفَاؤُلًا لِقُفُولِهَا سَالِمَةً وَرُجُوعِهَا، وَابْتَدَأَ بِحُكْمِهَا فَقَالَ: (وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ) أَيْ حُكْمُهَا أَنَّهَا (سَنَةٌ وَاجِبَةٌ) وَكَذَا قَالَ فِي بَابِ جُمَلِ أَيْ مُؤَكَّدَةٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ وَوَاظَبَ عَلَيْهَا فِي حَقِّ مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ مِنْ حُرٍّ مُكَلَّفٍ مُسْتَوْطِنٍ فَلَا تُسَنُّ فِي حَقِّ عَبْدٍ وَلَا
[حاشية العدوي]
[بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ]
بَابُ الْعِيدَيْنِ
[قَوْلُهُ: هُمَا الْيَوْمَانِ الْمَعْرُوفَانِ أَوَّلُ شَوَّالٍ وَعَاشِرُ الْحَجَّةِ] .
فَائِدَةٌ:
أَوَّلُ عِيدٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِيدُ الْفِطْرِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَشَارَكَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الصَّوْمُ وَالزَّكَاةُ وَأَثَرُ الْأَحْكَامِ.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَخْ] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ لَا يَقُولُهُ فَقَطْ وَإِلَّا لَكَانَ قَوْلُهُ بَعْدُ وَبَيَانُ مَا يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ تَكْرَارًا مَعَهُ تَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: أَيَّامِ مِنَى] إنَّمَا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّ التَّكْبِيرَ يَقَعُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَيْضًا لِأَنَّ التَّكْبِيرَ فِيهَا أَكْثَرُ لِأَنَّهُ أَرَادَ التَّكْبِيرَ عَقِبَ الْفَرَائِضِ فَإِنَّهُ فِيهَا يَقَعُ عَقِبَ جَمِيعِهَا، وَأَمَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَقِبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ فِيهِ مِنْ الظُّهْرِ، بَقِيَ أَنَّ التَّكْبِيرَ عَقِبَ الصَّلَاةِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَ الرَّابِعِ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ فَإِنَّمَا يُكَبِّرُ فِي الصُّبْحِ فَقَطْ، وَيُجَابُ بِالتَّغْلِيبِ [قَوْلُهُ: وَسُمِّيَ عِيدًا إلَخْ] رُدَّ بِمُشَارَكَةِ غَيْرِهِ لَهُ كَعَاشُورَاءَ وَتَاسُوعَاءَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ سُمِّيَ بِهِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَمِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَبَادَرُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ عَلَى التَّسْمِيَةِ لَا تَقْتَضِي التَّسْمِيَةَ [قَوْلُهُ: لَأَنْ يَعُودَ] أَيْ بِأَنْ يَعُودَ [قَوْلُهُ: كَمَا سُمِّيَتْ الْقَافِلَةُ] أَيْ بِقَافِلَةٍ، وَرُجُوعُهَا عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى قَوْلِهِ لِقُفُولِهَا، وَفِيهِ أَنَّ التَّفَاؤُلَ بِالْقُفُولِ أَيْ الرُّجُوعِ، وَأَمَّا السَّلَامَةُ فَلَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ الْقُفُولُ الْكَامِلُ.
[قَوْلُهُ: أَنَّهَا سُنَّةٌ] أَيْ ثُبُوتُ السُّنِّيَّةِ لَهَا، وَأَقُولُ: وَلَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ حُكْمٍ وَلَا تَقْدِيرِ أَنَّهَا سُنَّةٌ؛ إذْ الْمَعْنَى صَحِيحٌ وَظَاهِرٌ بِدُونِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ] الْمُرَادُ أَنَّ صَلَاةَ كُلِّ عِيدٍ مِنْهُمَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لَا أَنَّ مَجْمُوعَهُمَا سُنَّةٌ وَهُمَا مُسْتَوِيَانِ كَمَا ذَكَرَهُ تت، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ عَجَّ أَيْ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سُنَّةُ عَيْنٍ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مُؤَكَّدَةٌ] تَفْسِيرٌ لِ (وَاجِبَةٌ) [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ] وَقِيلَ: سُنَّةُ كِفَايَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: لَا يَبْعُدُ كَوْنُهَا فَرْضَ كِفَايَةٍ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا السُّنِّيَّةُ لَا الْوَصْفُ بِكَوْنِهَا مُؤَكَّدَةً [قَوْلُهُ: مُكَلَّفٌ] أَيْ ذَكَرٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ وَلَا امْرَأَةٍ.
[قَوْلُهُ: مُسْتَوْطِنٍ] قَضِيَّتُهُ أَنَّهَا لَا تُسَنُّ فِي حَقِّ مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ كَالْمُسَافِرِ الْمُقِيمِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُؤْمَرُ بِهَا مَنْ تَلْزَمُهُ وَلَوْ لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ فَيَشْمَلُ الْخَارِجَ عَنْ الْبَلَدِ دَاخِلٌ كَفَرْسَخٍ، فَلَا تُسَنُّ فِي الْخَارِجِ عَنْ تِلْكَ الْأَمْيَالِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْمُسَافِرِ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا كَانَ مُسَافِرًا
صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا سَكْرَانَ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا مُسَافِرٍ، لَكِنْ نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا، وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ مَعَ الْإِمَامِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا وَإِذَا خَرَجَتْ الْمَرْأَةُ إلَيْهَا لَا تَلْبَسُ الْمَشْهُورَ مِنْ الثِّيَابِ وَلَا تَتَطَيَّبُ خَوْفَ الْفِتْنَةِ وَالْعَجُوزُ وَغَيْرُهَا فِي هَذَا سَوَاءٌ ثُمَّ بَيَّنَ وَقْتَ الْخُرُوجِ فَقَالَ: (يَخْرُجُ لَهَا) أَيْ لِصَلَاةِ الْعِيدِ (الْإِمَامُ وَالنَّاسُ ضَحْوَةً) ع: قِيلَ هِيَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَهَذَا وَقْتُ الْخُرُوجِ لَا وَقْتُ الصَّلَاةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (قَدْرَ مَا إذَا وَصَلَ) وَفِي رِوَايَةٍ بِقَدْرِ مَا إذَا وَصَلَ (حَانَتْ) أَيْ حَلَّتْ (الصَّلَاةُ) النَّافِلَةُ، وَحِلُّهَا إذَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ قَدْرَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ مِنْ رِمَاحِ الْعَرَبِ وَوَصَلَتْ إلَى أَوْطِئَةِ الْأَرْضِ وَلَا تُصَلَّى وَهِيَ عَلَى قُرُونِ الْجِبَالِ خَاصَّةً، وَإِيقَاعُهَا بِالْمُصَلَّى أَفْضَلُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - دَامَ عَلَيْهَا فِي الْمُصَلَّى وَهُوَ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَيُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ فِيهَا إلَى الْمُصَلَّى إلَّا مِنْ عُذْرٍ، إنَّ مَكَّةَ وَغَيْرَهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُصَلُّونَهَا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ وَيُسْتَحَبُّ الْمَشْيُ فِي الذَّهَابِ إلَى صَلَاةِ
[حاشية العدوي]
مَسَافَةَ الْقَصْرِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا سَكْرَانَ] أَيْ بِحَلَالٍ.
[قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا] أَيْ يُصَلِّيَ عَبْدٌ وَصَبِيٌّ وَامْرَأَةٌ وَمُسَافِرٌ وَخَارِجٌ عَنْ كَفَرْسَخٍ، فَهَؤُلَاءِ يُنْدَبُ لَهُمْ صَلَاتُهَا، نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْحَاجُّ بِمِنَى فَإِنَّهُمْ لَا يُؤْمَرُونَ بِإِقَامَتِهَا لَا نَدَبًا وَلَا سُنَّةً، لِأَنَّ وُقُوفَ الْحَاجِّ بِالْمَشْعَرِ يَقُومُ مَقَامَ صَلَاتِهِمْ لَهَا قَالَ عَجَّ: وَأَمَّا أَهْلُهَا فَصَلَاتُهُمْ لَهَا جَمَاعَةً بِدْعَةٌ مَذْمُومَةٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَهَا الرَّجُلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ إلَخْ] أَيْ فَصَلَاةُ الْعِيدِ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي اشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ حَتَّى تَقَعَ سُنَّةً، وَأَمَّا مَنْ فَاتَتْهُ فَيُنْدَبُ فَقَطْ.
فَائِدَةٌ:
صَلَاةُ الْعِيدِ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي أَنَّهَا لَا تَتَعَدَّدُ جَمَاعَتُهَا فِي الْبَلَدِ الْوَاحِدِ، وَلَا يُقَاتَلُ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْآذَانُ تَكَرُّرُهُ وَإِعْلَامُهُ بِدُخُولِ وَقْتِ الْفَرْضِ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا خَرَجَتْ إلَخْ] أَيْ تَخْرُجُ فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ، وَإِذَا لَمْ تَخْرُجْ فَيُنْدَبُ لَهُنَّ أَنْ يُصَلِّينَ أَفْذَاذًا.
وَقَوْلُهُ: خَوْفَ الْفِتْنَةِ رَاجِعٌ لِلطَّرَفَيْنِ أَيْ عَدَمِ اللِّبْسِ وَعَدَمِ التَّطَيُّبِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَشْهُورِ مَا شَأْنُهُ أَنْ تَرْقُبَ النَّاسُ لَهُ وَالنَّهْيُ فِيهِمَا نَهْيُ حُرْمَةٍ إنْ كَانَ الْخَوْفُ ظَنًّا، وَنَهْيُ كَرَاهَةٍ إنْ كَانَ شَكًّا هَكَذَا ظَهَرَ لِي.
[قَوْلُهُ: قِيلَ: هِيَ طُلُوعُ الشَّمْسِ] أَيْ: قَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ إلَخْ.
وَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ يَخْرُجُ فِي حَالَةِ الطُّلُوعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ وَالنَّاسُ بَعْدَ الطُّلُوعِ هَذَا لِمَنْ قَرُبَ مَكَانُهُ، وَأَمَّا مَنْ بَعُدَ مَكَانُهُ عَنْ مُصَلَّى الْعِيدِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ.
[قَوْلُهُ: قَدْرَ مَا إذَا وَصَلَ] أَيْ يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ بِمِقْدَارٍ إذَا وَصَلَ حَلَّتْ الصَّلَاةُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِمَامَ وَالنَّاسَ مُشْتَرِكُونَ فِي الْمَجِيءِ بَعْدَ الشَّمْسِ إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ يُنْدَبُ أَنْ يَتَأَخَّرَ فِي الْخُرُوجِ عَنْ خُرُوجِ الْمَأْمُومِينَ بِقَدْرِ مَا إذَا وَصَلَ حَلَّتْ الصَّلَاةُ.
[قَوْلُهُ: قَدْرَ رُمْحٍ مِنْ رِمَاحِ الْعَرَبِ] وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ شِبْرًا بِالْأَشْبَارِ الْمُتَوَسِّطَةِ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَهَذَا التَّقْدِيرُ إنَّمَا هُوَ لِلنَّاظِرِ، وَأَمَّا فِي الْمَعْنَى فَقَدْ قَطَعَتْ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ [قَوْلُهُ: وَوَصَلَتْ إلَى أَوْطِئَةِ الْأَرْضِ] أَيْ وَوَصَلَ شُعَاعُهَا إلَى الْمُنْخَفَضِ مِنْ الْأَرْضِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تُصَلَّى] أَيْ يُكْرَهُ أَنْ تُصَلَّى إلَخْ.
وَأَرَادَ بِالْقُرُونِ أَطْرَافَ الْجِبَالِ.
وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهَا لَا تُصَلَّى قَبْلَ أَنْ تُرْفَعَ قَدْرَ رُمْحٍ، فَإِنْ صُلِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَرْتَفِعَ قَدْرَ رُمْحٍ فَهِيَ صَحِيحَةٌ فِيمَا يُسْتَفَادُ مِنْ نَقْلِ بَعْضِهِمْ، فَمَا يَقَعُ مِنْ أَنَّ وَقْتَهَا حِلُّ النَّافِلَةِ الْمُرَادُ الْوَقْتُ الْكَامِلُ الَّذِي لَا كَرَاهَةَ فِيهِ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ.
وَقَوْلُهُ: وَعَنْ مَالِكٍ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُصَلُّونَهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] أَيْ لِمُعَايَنَةِ الْكَعْبَةِ وَهِيَ عِبَادَةٌ مَفْقُودَةٌ فِي غَيْرِهَا، وَلِخَبَرِ «يَنْزِلُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فِي كُلَّ يَوْمٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رَحْمَةً سِتُّونَ لِلطَّائِفِينَ وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرَيْنِ إلَيْهِ» .
[قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ الْمَشْيُ إلَخْ] وَإِلَّا خَالَفَ الْأَوْلَى فَقَطْ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ إلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ لِعِلَّةٍ وَنَحْوِهَا.
وَقَوْلُهُ: دُونَ
الْعِيدَيْنِ دُونَ الرُّجُوعِ، وَيُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى فِي عِيدِ الْفِطْرِ دُونَ الْأَضْحَى عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى تَمَرَاتٍ يَأْكُلهُنَّ وِتْرًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمَرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ فَقَالَ: (وَلَيْسَ فِيهَا آذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ) وَلَيْسَ فِيهَا أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ نِدَاءُ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ لِمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ عَطَاءٍ.
قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرٌ أَنَّهُ لَا أَذَانَ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ وَلَا بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ، وَلَا إقَامَةَ وَلَا نِدَاءَ وَلَا شَيْءَ، فَإِذَا حَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَلَا يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ وَلَا يُقِيمُ وَلَا يُنَادِي الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ وَإِنَّمَا يَبْتَدِئُ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ (فَيُصَلِّي بِهِمْ) أَيْ بِالنَّاسِ (رَكْعَتَيْنِ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ» (يَقْرَأُ فِيهِمَا جَهْرًا) بِلَا خِلَافٍ (بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] وَبِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَنَحْوِهِمَا) لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -
[حاشية العدوي]
الرُّجُوعِ أَيْ لِلْفَرَاغِ مِنْ الْقُرْبَةِ.
[قَوْلُهُ: دُونَ الْأَضْحَى] أَيْ فَيُنْدَبُ التَّأْخِيرُ لِلْفِطْرِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُضَحِّ لِتَأْخِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِيهِ، وَإِنْ كَانَ تَعْلِيلُ تَأْخِيرِهِ بِالْفِطْرِ عَلَى كَبِدِ أُضْحِيَّتِهِ يُفِيدُ عَدَمَ نَدْبِ تَأْخِيرِ مَنْ لَمْ يُضَحِّ، وَفَرْقٌ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْفِطْرَ لَمَّا تَقَدَّمْهُ الصَّوْمُ شُرِعَ الْأَكْلُ فِيهِ لِإِظْهَارِ التَّمْيِيزِ، وَلِأَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَصَدَقَةَ الْأُضْحِيَّةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: رُطَبَاتٍ وِتْرًا] إشْعَارًا بِالْفَرْدِيَّةِ لِلْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَتَرِيَّةَ مَطْلُوبَةٌ فِي الرُّطَبَاتِ أَيْضًا بَلْ وَفِي الْحُسْوَاتِ.
[قَوْلُهُ: حَسَى حَسَوَاتٍ] الْحُسْوَةُ بِالضَّمِّ مِلْءُ الْفَمِ مِمَّا يُحْسَى، وَالْجَمْعُ حُسًى وَحُسْوَاتٌ مِثْلُ مُدْيَةٍ وَمُدًى وَمُدْيَاتٍ، وَالْحَسْوَةُ بِالْفَتْحِ قِيلَ: لُغَةٌ وَقِيلَ: مَصْدَرٌ مِصْبَاحٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِيهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ] أَيْ يُكْرَهُ [قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِيهَا أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ نِدَاءٌ إلَخْ] أَيْ فَهُوَ مَكْرُوهٌ أَيْضًا، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّامِلِ، وَالْجُزُولِيِّ أَنَّهُ يُنَادِي الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ.
[قَوْلُهُ: قَالَ أَخْبَرَنِي جَابِرٌ إلَخْ] قَالَ ابْنُ عَبْد الْبَرِّ: وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُؤَذَّنْ لَهَا وَلَمْ يُقَمْ فَمَا الْمُحْوِجُ لِلْمُصَنِّفِ إلَى النَّصِّ عَلَى ذَلِكَ، فَالْجَوَابُ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ ذَكَرِهِمَا الرَّدُّ عَلَى مَنْ أَحْدَثَهُمَا بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ بَنُو أُمَيَّةَ، وَالْمُحَدِّثُ لَهُمَا أَوَّلًا مِنْهُمْ مُعَاوِيَةُ عَلَى الصَّحِيحِ.
فَقَوْلُهُ: لِمَا فِي مُسْلِمٍ دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ: وَلَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ وَلِمَا زَادَهُ الشَّارِحُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَيْسَ فِيهَا نِدَاءٌ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: يَوْمَ الْفِطْرِ] أَيْ وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى حَتَّى يَتِمَّ الدَّلِيلُ [قَوْلُهُ: وَلَا بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ] أَيْ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ وَقْتُ الصَّلَاةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَإِذَا حَانَ إلَخْ [قَوْلُهُ: وَلَا نِدَاءَ] أَيْ بِالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا شَيْءٌ أَيْ لَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ يُفْعَلُ يُعْلَمُ بِهِ صَلَاةُ الْعِيدِ كَأَنْ يَضْرِبَ دُفًّا مَثَلًا [قَوْلُهُ: وَلَا يُنَادِي الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ] أَيْ وَلَا غَيْرُهَا لِيُوَافِقَ مَا تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: فَيُصَلِّي بِهِمْ أَيْ بِالنَّاسِ] أَيْ بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ الْمُصَلَّى أَوْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ حِلِّ النَّافِلَةِ وَاجْتِمَاعِ النَّاسِ [قَوْلُهُ: بِ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: 1]] أَيْ فِي الثَّانِيَةِ، وَقَوْلُهُ: وَبِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] أَيْ فِي الْأُولَى كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ كَذَا ذَكَرَهُ التَّتَّائِيُّ مَتْنًا وَشَرْحًا بِتَقْدِيمِ الشَّمْسِ وَتَأْخِيرِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: 1] إلَخْ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ تَقْدِيمُ سَبِّحْ عَلَى ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: 1] وَهِيَ ظَاهِرَةٌ [قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُمَا] أَيْ فَلَيْسَ الْقَصْدُ خُصُوصَ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ.
وَفِي بَعْضِ شُرُوحِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ حَيْثُ قَالَ: وَقِرَاءَتُهَا بِكَسَبِّحْ وَالشَّمْسِ قَالَ مَا نَصُّهُ: أَيْ وَنُدِبَ قِرَاءَةُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِ " سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى " وَ " الشَّمْسِ " وَنَحْوِهَا مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ مَا يَشْمَلُ الْمُتَوَسِّطَ بِدَلِيلِ أَنَّ سَبِّحْ وَالشَّمْسِ مِنْ الْمُتَوَسِّطِ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ: لِفِعْلِهِ إلَخْ فِيهِ إجْمَالٌ وَعَدَمِ تَعْيِينِ مَا كَانَ يَقْرَؤُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي مُسْلِمٍ كَمَا فِي تت «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ بِ سَبِّحْ وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: 1] » ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَضِيَّتَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِمَا نَعَمْ فِي الْمُوَطَّأِ وَمُسْلِمٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأَضْحَى وَالْفَجْرِ بِ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: 1] و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1] » ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ مِنْ الطِّوَالِ، وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(وَيُكَبِّرُ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ يَعُدُّ فِيهَا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَ) يُكَبِّرُ (فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ) بَعْدَ الْقِيَامِ (خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ لَا يَعُدُّ فِيهَا تَكْبِيرَةَ الْقِيَامِ) وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ التَّكْبِيرِ لَا فِي الْأُولَى وَلَا فِي الثَّانِيَةِ إلَّا فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ كَسَائِرِ تَكْبِيرَاتِ الصَّلَاةِ، وَيَكُونُ التَّكْبِيرُ مُتَّصِلًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ فِي الْأُولَى أَكْثَرَ مِنْ سَبْعٍ أَوْ فِي الثَّانِيَةِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ فَلَا يَتْبَعُهُ، وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ عَنْ تَكْبِيرِ صَلَاةِ الْعِيدِ رَجَعَ مَا لَمْ يَضَعْ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيُكَبِّرُ وَيُعِيدُ الْقِرَاءَةَ عَلَى الْأَصَحِّ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَإِنْ وَضَعَهُمَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ تَمَادَى وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَمَنْ جَاءَ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ التَّكْبِيرِ وَوَجَدَهُ يَقْرَأُ كَبَّرَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَكَذَا إذَا أَدْرَكَهُ فِي بَعْضِ التَّكْبِيرِ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ وَيَدْخُلُ مَعَهُ، وَإِنَّ وَجَدَهُ فِي الرُّكُوعِ كَبَّرَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَدْرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي الثَّانِيَةِ كَبَّرَ خَمْسًا إذْ تَكْبِيرَةُ الْقِيَامِ سَاقِطَةٌ عَنْهُ، وَإِذَا قَضَى الْأُولَى كَبَّرَ سَبْعًا يَعُدُّ فِيهَا تَكْبِيرَةَ الْقِيَامِ لِفَوَاتِ الْإِحْرَامِ وَفِي هَذَا إشْكَالٌ مَذْكُورٌ وَجَوَابُهُ فِي الْكَبِيرِ (وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْنِ)
[حاشية العدوي]
بِهِمَا فَلَعَلَّهُ لَمْ يَصْحَبْ لِقِرَاءَتِهِمَا عَمَلُ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
[قَوْلُهُ: وَيُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعًا إلَخْ] وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَيَسْجُدُ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ لِلْوَاحِدَةِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ السُّنَنِ وَلَوْ عَمْدًا حَيْثُ أَتَى بِهَا الْإِمَامُ أَوْ سَجَدَ لِتَرْكِهَا سَهْوًا وَتَبِعَهُ الْمَأْمُومُ، وَكَذَا لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ السُّجُودَ لِكَوْنِ مَذْهَبِهِ لَا يَرَى السُّجُودَ لِتَرْكِهَا كَالشَّافِعِيِّ وَتَكُونُ هَذِهِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ الْقَبْلِيَّ يَسْجُدُهُ الْمَأْمُومُ وَلَوْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ، لِأَنَّ طَلَبَ الْمَأْمُومِ بِالسُّجُودِ فَرْعُ طَلَبِ الْإِمَامِ وَيُنْدَبُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يُكَبِّرَ الْمَأْمُومُ.
[قَوْلُهُ: قَبْلَ الْقِرَاءَةِ] أَيْ يُسَنُّ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَعَنْ مَالِكٍ اسْتِحْبَابُهُ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ [قَوْلُهُ: وَيَكُونُ التَّكْبِيرُ مُتَّصِلًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ] أَيْ نَدْبًا فِيمَا يَظْهَرُ أَيْ إلَّا بِقَدْرِ تَكْبِيرِ الْمُؤْتَمِّ فَيُنْدَبُ لَهُ الْفَصْلُ بِقَدْرِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَإِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ فِي الْأُولَى إلَخْ لَمْ يَتْبَعْ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي الزَّائِدِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَذْهَبَ الْإِمَامِ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إطْلَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ قَالَهُ عَجَّ.
وَيُكَبِّرُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَلَوْ كَانَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ التَّأْخِيرَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا ظَوَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ إلَخْ] وَيَأْتِي الْخِلَافُ فِي تَرْكِ السُّنَّةِ عَمْدًا.
[قَوْلُهُ: رَجَعَ مَا لَمْ يَضَعْ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ] أَيْ مَا لَمْ يَنْحَنِ أَيْ فَإِذَا وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فَلَوْ رَجَعَ فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَدَمُ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ قِيَاسًا عَلَى مَنْ رَجَعَ بَعْدَ اسْتِقْلَالِهِ لِلْجُلُوسِ.
قُلْت: وَبَعْدُ فَالظَّاهِرُ الْبُطْلَانُ لِأَنَّهُ رُوجِعَ مَنْ تَلَبَّسَ فِي فَرْضٍ إلَى سُنَّةٍ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الرُّجُوعِ بَعْدَ الِاسْتِقْلَالِ فَإِنَّمَا لَمْ يَحْكُمْ بِالْبُطْلَانِ فِيهَا لِكَوْنِ الرُّكْنِ الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِ لَيْسَ فَرْضًا بِالِاتِّفَاقِ؛ إذْ الْفَاتِحَةُ فِيهَا الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ.
[قَوْلُهُ: وَيُعِيدُ الْقِرَاءَةَ] فَلَوْ لَمْ يُعِدْهَا فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ كَذَا اُسْتُظْهِرَ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ] وَمُقَابِلُهُ يَرْكَعُ عَقِبَ التَّكْبِيرِ حَكَاهُ الدَّفَرِيُّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ.
[قَوْلُهُ: وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ قَوْلٌ بِعَدَمِ السُّجُودِ حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ كَمَا فِي الدَّفَرِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَوَجَدَهُ يَقْرَأُ كَبَّرَ عَلَى الْمَشْهُورِ] خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ.
قَالَ: لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَاضِيًا فِي حُكْمِ الْإِمَامِ، وَرَجَّحَ صَاحِبُ الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِقَضَاءٍ لِخِفَّةِ الْأَمْرِ وَلَيْسَ كَأَجْزَاءِ الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا أَدْرَكَهُ فِي بَعْضِ التَّكْبِيرِ إلَخْ] أَيْ فَيُكَبِّرُ مَعَهُ مَا أَدْرَكَهُ فِيهِ ثُمَّ يُكْمِلُ مَا بَقِيَ بَعْدَ شُرُوعِ الْإِمَامِ فِي الْقِرَاءَةِ وَلَا يُكَبِّرُ مَا فَاتَهُ فِي خِلَالِ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ [قَوْلُهُ: كَبَّرَ خَمْسًا] أَيْ غَيْرَ الْإِحْرَامِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي هَذَا إشْكَالٌ] لَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْكَبِيرِ مَا عَدَا هَذَا الْكِتَابَ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي تَحْقِيقِ الْمَبَانِي أَيْضًا أَوْ أَنَّ ذِكْرَهُ فِي الْكَبِيرِ لَا يُنَافِي ذِكْرَهُ فِي غَيْرِهِ، وَنَصُّ التَّحْقِيقِ وَهُنَا إشْكَالٌ وَهُوَ: أَنَّ مَنْ قَامَ لِلْقَضَاءِ وَأَدْرَكَ وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا لَا يُكَبِّرُ لِلْقِيَامِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَدْ قَالَ هُنَا: إنَّهُ يُكَبِّرُ سَبْعًا يَعُدُّ فِيهَا تَكْبِيرَةُ الْقِيَامِ، وَأَجَابَ
هَكَذَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ صَوَابُهُ سَجْدَتَانِ لِيَكُونَ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ وَيَسْجُدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْنِ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا خِلَافَ فِيهِ إذْ لَا قَائِلَ بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ فِي رَكْعَةٍ (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ (يَتَشَهَّدُ وَ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ التَّشَهُّدِ (يُسَلِّمُ) .
(ثُمَّ) بَعْدَ سَلَامِهِ (يَرْقَى) بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ يَصْعَدُ (الْمِنْبَرَ وَيَخْطُبُ وَيَجْلِسُ فِي أَوَّلِ خُطْبَتِهِ وَوَسَطِهَا) أُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْخُطْبَةَ تَكُونُ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ حُكْمُ ذَلِكَ، وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَهُوَ عَمَلُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ بَعْدَهُ» ، وَلَوْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ أَعَادَهَا اسْتِحْبَابًا وَأُخِذَ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ صِفَتَهَا كَصِفَةِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ أُولَى وَثَانِيَةٍ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَعْلِيمِ أَحْكَامِ الْعِيدِ وَمَا يُشْرَعُ فِيهِ وَاجِبًا وَمُسْتَحَبًّا (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ (يَنْصَرِفُ) مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ إنْ شَاءَ وَلَهُ أَنْ يُقِيمَ مَكَانَهُ وَيُكْرَهُ لَهُ وَلِلْمَأْمُومِينَ التَّنَفُّلَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا إنْ أَوْقَعَهَا فِي الصَّحْرَاءِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
[حاشية العدوي]
بَعْضُهُمْ بِأَنَّ لَهُ فِي هَذَا الْأَصْلِ قَوْلَيْنِ إلَى أَنْ قَالَ: وَالْحَقُّ إنْ لَمْ يَكُنْ لِابْنِ الْقَاسِم قَوْلَانِ فَمَذْهَبُهُ يُشْكِلُ، وَإِنْ كَانَ فَيَحْتَاجُ الِاقْتِصَارُ هُنَا إلَى تَرْجِيحٍ اهـ. شَيْخُنَا: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ الشِّقِّ الثَّانِي مِنْ تَرْدِيدِهِ بِأَنَّ الرَّاجِحَ لِلتَّكْبِيرِ هُنَا أَنَّ الْمَقَامَ لَهُ وَالْمَقَامَاتُ تُرَاعَى اهـ كَلَامُ التَّحْقِيقِ.
وَبَقِيَ مَسْأَلَتَانِ الْأُولَى: مَا إذَا أَدْرَكَ التَّشَهُّدَ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ يُكَبِّرُ لِلْقِيَامِ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ، فَوَرَدَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ دُونَ رَكْعَةٍ يُكَبِّرُ إذَا قَامَ لِلْقَضَاءِ، وَهُنَا اُخْتُلِفَ كَمَا تُقَرِّرَ فَمَا الْفَرْقُ فَأُجِيبَ بِأَنَّ مَنْ عَمِلَ بِعَدَمِ التَّكْبِيرِ يَسْتَغْنِي عَنْ تَكْبِيرِهِ الْمَطْلُوبِ بِتَكْبِيرِ الْعِيدِ.
الثَّانِيَةُ: مَا إذَا لَمْ يَدْرِ هَلْ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ: قَالَ الْحَطَّابُ: لَا نَصَّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ سَبْعًا؛ لِأَنَّ نَقْصَ التَّكْبِيرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَقْتَضِي السُّجُودَ بِخِلَافِ زِيَادَتِهِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: يَتَشَهَّدُ] أَيْ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو أَوْ أَرَادَ بِالتَّشَهُّدِ مَا يَشْمَلُ الْكُلَّ.
[قَوْلُهُ: وَيَخْطُبُ] أَيْ خُطْبَتَيْنِ كَخُطْبَتِي الْجُمُعَةِ فِي كَوْنِهِمَا بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ وَجَهْرًا لَكِنْ خُطْبَةُ الْعِيدِ يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ نَدْبًا، وَخُطْبَةُ الْجُمُعَةِ بِالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -، وَكَذَا يُنْدَبُ تَخَلُّلُ الْخُطْبَتَيْنِ بِالتَّكْبِيرِ بِلَا حَدٍّ فِي الِافْتِتَاحِ بِسَبْعٍ وَالتَّخْلِيلِ بِثَلَاثٍ خِلَافًا لِزَاعِمِي ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ بَعْدَ سَلَامِهِ يَرْقَى الْمِنْبَرَ وَيَخْطُبُ] اُنْظُرْ هَلْ يُنْدَبُ كَوْنُ الْمُصَلِّي هُوَ الْخَاطِبُ إلَّا لِعُذْرٍ أَمْ لَا؟ عَجَّ عَلَى الرِّسَالَةِ.
[قَوْلُهُ: وَيَجْلِسُ فِي أَوَّلِ خُطْبَتِهِ وَوَسَطِهَا] وَحَدَّ بَعْضُهُمْ الْجُلُوسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ بِقَدْرِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَهَلْ يُتَّخَذُ لَهَا مِنْبَرٌ؟ قَوْلَانِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْجُلُوسِ أَوَّلًا وَوَسَطًا مَنْدُوبٌ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ] أَيْ اسْتِحْبَابِ الْبَعْدِيَّةِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى حُكْمِ الْخُطْبَةِ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ الِاسْتِحْبَابُ كَمَا ذَكَرَ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: أَعَادَهَا اسْتِحْبَابًا] قَرَّبَ الْأَمْرَ قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقُرْبَ هُنَا كَالْقُرْبِ الَّذِي يَبْنِي مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ [قَوْلُهُ: مُشْتَمِلَةٌ] أَيْ الْخُطْبَةُ الشَّامِلَةُ لِلْأُولَى وَالثَّانِيَةُ.
وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ التَّقْيِيدُ بِالثَّانِيَةِ وَنَصُّهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ مُشْتَمِلَةً عَلَى بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ فِي عِيدِ الْفِطْرِ مِنْ بَيَانِ مَنْ يُطْلَبُ بِإِخْرَاجِهَا.
وَالْقَدْرُ الْمُخْرَجُ وَالْمُخْرَجُ مِنْهُ وَزَمَنُ إخْرَاجِهَا، وَفِي عِيدِ النَّحْرِ عَلَى بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالضَّحِيَّةِ وَمَنْ يُؤْمَرُ بِهَا، وَمَا تَكُونُ مِنْهُ.
وَالسِّنُّ الْمُجْزِئُ مِنْهَا وَزَمَنُ تَزْكِيَتِهَا انْتَهَى.
وَانْظُرْ مَا وَجْهُ التَّقْيِيدُ بِكَوْنِ الثَّانِيَةَ هِيَ الْمُشْتَمِلَةَ، وَنَصَّ ابْنُ حَبِيبٍ وَيَذْكُرُ فِي خُطْبَةِ الْفِطْرِ إلَخْ فَلَمْ يُقَيِّدْ بِالثَّانِيَةِ وَيَتَمَادَى إذَا أَحْدَثَ فِيهِمَا أَوْ قَبْلَهُمَا بَعْدَ الصَّلَاةِ وَلَا يَسْتَخْلِفُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى تَعْلِيمِ] الْأُولَى حَذَفَ تَعْلِيمَ لِأَنَّ التَّعْلِيمَ وَصَفُّ الْمُعَلَّمِ قَائِمٌ بِهِ.
[قَوْلُهُ: أَحْكَامِ الْعِيدِ] أَيْ أَحْكَامِ مَا يَشْرَعُ فِيهِ أَيْ يُفْعَلُ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: وَمَا يُشْرَعُ فِيهِ مَعْطُوفٌ عَلَى أَحْكَامِ فَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ يُعَلِّمُهُمْ الْمَشْرُوعَ فِي يَوْمِ الْعِيدِ الْمَفْعُولُ وَأَحْكَامُهُ، وَقَوْلُهُ: وَاجِبًا حَالٌ مِنْ مَا وَالْوَاجِبُ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ وَعَدَمِ الْبَيْعِ مِنْ الضَّحِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِيدِ الْأَكْبَرِ، وَالْمُسْتَحَبُّ ظَاهِرٌ [قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ لَهُ وَلِلْمَأْمُومِينَ التَّنَفُّلُ قَبْلَهَا إلَخْ] وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْخُرُوجَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ بِمَنْزِلَةِ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ يَوْمَ الْأَضْحَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا» ، وَأَمَّا إنْ أَوْقَعَهَا فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ وَلَا لِلْمَأْمُومِينَ التَّنَفُّلُ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ.
(وَيُسْتَحَبُّ) لِلْإِمَامِ (أَنْ يَرْجِعَ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ) الطَّرِيقِ (الَّتِي أَتَى مِنْهَا) لِمَا صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَالنَّاسُ كَذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ الْإِمَامِ فِي اسْتِحْبَابِ الرُّجُوعِ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي أَتَوْا مِنْهَا خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ خَاصَّةً (وَإِنْ كَانَ) خُرُوجُ الْإِمَامِ لِلْمُصَلَّى لِصَلَاةِ الْعِيدِ (فِي) يَوْمِ (الْأَضْحَى خَرَجَ) مَعَهُ (بِأُضْحِيَّتِهِ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (إلَى الْمُصَلَّى فَذَبَحَهَا) إنْ كَانَ مِمَّا تُذَبَّحُ (أَوْ نَحَرَهَا) إنْ كَانَتْ مِمَّا تُنْحَرُ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ (لِ) أَجْلِ أَنْ (يَعْلَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فَيَذْبَحُونَ) أَوْ يَنْحَرُونَ (بَعْدَهُ) لِأَنَّهُمْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ الذَّبْحُ قَبْلَهُ، فَإِنْ ذَبَحَ أَحَدٌ قَبْلَهُ أَعَادَ اتِّفَاقًا إنْ لَمْ يَتَحَرَّوْا، وَعَلَى الْمَشْهُورِ إنْ تَحَرَّوْا، فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ الْإِمَامُ أُضْحِيَّتَهُ إلَى الْمُصَلَّى فَلِيَتَحَرَّ النَّاسُ ذَبَحَهُ بَعْدَ مَا يَرْجِعُ إلَى مَنْزِلِهِ وَيَذْبَحُونَ، وَتُجْزِئُهُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فِي تَحَرِّيهِمْ بِأَنْ ذَبَحُوا قَبْلَهُ.
وَاخْتُلِفَ هَلْ الْمُرَادُ بِهِ إمَامُ الصَّلَاةِ أَوْ إمَامُ الطَّاعَةِ؟ قَوْلَانِ ظَاهِرُ كَلَامِهِ الْأَوَّلُ.
(وَلْيَذْكُرْ) أَيْ يُكَبِّرُ الْإِمَامُ (اللَّهَ) تَعَالَى عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ
[حاشية العدوي]
طُلُوعِ الْفَجْرِ بِالنِّسْبَةِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَكَمَا لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْفَجْرِ نَافِلَةَ غَيْرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ فَكَذَا لَا يُصَلِّي قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ نَافِلَةً غَيْرَهَا، هَذَا وَجْهُ كَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ بِالْمُصَلَّى قَبْلَهَا.
وَأَمَّا وَجْهُ كَرَاهَتِهِ فِيهَا بَعْدَهَا فَخَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً لِإِعَادَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ لَهَا الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ صِحَّتِهَا كَغَيْرِهَا خَلْفِ الْإِمَامِ غَيْرِ الْمَعْصُومِ، وَلَا يُقَالُ: كُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ يَجْرِي فِي التَّنَفُّلِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِيهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ؛ إذْ الْمَسْجِدُ يَطْلُبُ تَحِيَّتَهُ وَلَوْ فِي وَقْتِ النَّهْيِ عِنْدَ جَمْعٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا جَوَازُهُ بَعْدَهَا فِي الْمَسْجِدِ فَلِأَنَّهُ يَنْدُرُ حُضُورُ أَهْلِ الْبِدَعِ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَتَأَمَّلْهُ.
[قَوْلُهُ: لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ] هَذَا الدَّلِيلُ لَا يُنْتِجُ خُصُوصَ الْكَرَاهَةِ [قَوْلُهُ: فَلَا يُكْرَهُ] أَيْ بَلْ يُنْدَبُ [قَوْلُهُ: عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُكْرَهُ كَالْمُصَلَّى، وَرَوَى أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ يَتَنَفَّلُ بَعْدَهَا لَا قَبْلَهَا، وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ التَّنَفُّلَ يَوْمَ الْعِيدِ جُمْلَةً إلَى الزَّوَالِ وَالْمُعْتَمَدُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
[قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْجِعَ إلَخْ] اُخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لِأَجْلِ الصَّدَقَةِ عَلَى أَهْلِ الطَّرِيقَيْنِ، وَقِيلَ: لِتَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ [قَوْلُهُ: خَرَجَ مَعَهُ] أَيْ مَعَ نَفْسِهِ هَذَا إذَا كَانَ بَلَدُهُ كَبِيرَةً، وَكَانَ لَهُ أُضْحِيَّةٌ احْتِرَازًا عَلَى الْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ إخْرَاجُ ضَحِيَّةٍ لِعِلْمِهِمْ غَالِبًا بِذَبْحِهِ، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ أُضْحِيَّتَهُ.
[قَوْلُهُ: فَيَذْبَحُونَ بَعْدَهُ] أَيْ إذَا عَلِمُوا فَيَذْبَحُونَ فَهُوَ جَوَابُ شَرْطٍ غَيْرِ جَازِمٍ فَلَمْ يَحْذِفْ النُّونَ [قَوْلُهُ: فَإِنَّ ذَبَحَ أَحَدٌ قَبْلَهُ] لَا مَفْهُومَ لَهُ وَكَذَا لَوْ ذَبَحَ مَعَهُ.
قَالَ بَعْضٌ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجْرِي هُنَا الصُّوَرُ التِّسْعُ الَّتِي فِي الْإِحْرَامِ، فَمَتَى ابْتَدَأَ بِالذَّبْحِ قَبْلَهُ لَمْ تَجْزِهِ ضَحِيَّةُ خَتَمَ الْأَوْدَاجَ وَالْحَلْقَ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ، كَذَا إذَا ابْتَدَأَ مَعَهُ مُطْلَقًا وَكَذَا إنْ ابْتَدَأَ بَعْدَهُ وَخَتَمَ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ احْتِيَاطًا لَا إنْ خَتَمَ بَعْدَهُ فَتُجْزِئُ ضَحِيَّةً.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَخْ] أَيْ بَلْ يَرْجِعُ لِيَذْبَحَهَا بِبَيْتِهِ مُرْتَكِبًا الْمَكْرُوهَ كَمَا فِي الزَّرْقَانِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَيُجْزِئُهُمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا فِي تَحْرِيمِهِمْ] وَمَثَلُهُمْ فِي ذَلِكَ مَنْ لَا إمَامَ لَهُ، وَيَتَحَرَّى مِنْ الْأَئِمَّةِ أَقْرَبَ إمَامٍ إلَيْهِ أَيْ لِكَوْنِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ تَحَرِّي أَقْرَبَ الْأَئِمَّةِ إلَيْهِ فَذَبَحَ قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يَجْزِيه، وَحَدَّ بَعْضُهُمْ الْقُرْبَ بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَأْتِي لِصَلَاةِ الْعِيدِ مِنْهُ، أَيْ وَإِنْ بَعُدَ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُهُ لِأَنَّ الضَّحِيَّةَ تَبَعٌ لِلصَّلَاةِ، وَهَذَا وَاضِحٌ فِي الْبَلَدِ الَّذِي بِهَا خَطِيبٌ فَقَطْ.
وَأَمَّا فِي مِثْلِ مِصْرَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّى أَقْرَبَ إمَامٍ مِنْ أَقْرَبَ الْحَارَاتِ إلَى حَارَتِهِ الَّتِي لَيْسَ بِهَا إمَامٌ يُضَحِّي؛ لِأَنَّ كُلَّ حَارَةٍ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ بَلَدٍ [قَوْلُهُ: إمَامُ الصَّلَاةِ] لِلْعِيدِ الْمُسْتَخْلَفِ عَلَيْهَا أَيْ الَّذِي يُصَلَّى خَلْفَهُ الْعِيدُ، وَيَنْبَغِي اعْتِبَارُ إمَامِ حَارَتِهِ السَّاكِنِ بِهَا وَإِنْ صَلَّى خَلْفَ غَيْرِهِ فِي غَيْرِهَا أَوْ فِيهَا كَمَجِيءِ نَائِبٍ عَنْهُ بِهَا؛ لِأَنَّ إمَامَ الْحَارَةِ مُسْتَخْلَفٌ بِالْفَتْحِ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ [قَوْلُهُ: أَوْ إمَامُ الطَّاعَةِ] وَهُوَ الْعَبَّاسِيُّ فَيَلْزَمُ
(فِي خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ) أَوْ غَيْرِهِ (فِي) عِيدِ (الْفِطْرِ وَ) فِي عِيدِ (الْأَضْحَى) وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُكَبِّرُ فِي الْفِطْرِ دَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُكَبِّرُ يَوْمَ الْفِطْرِ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى» وَهُوَ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ يُكَبِّرُ سَوَاءٌ خَرَجَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ بَعْدَهَا وَهُوَ لِمَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ وَصُحِّحَ.
وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ مَالِكٍ: لَا يُكَبِّرُ إذَا خَرَجَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَفَهِمَ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ الْمُدَوَّنَةَ وَشَهَرَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ شُرِعَ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ فَلَا يُؤْتَى بِهِ قَبْلُ وَقْتِهَا قِيَاسًا عَلَى الْأَذَانِ، وَهَذَا الذِّكْرُ غَيْرُ مَحْدُودٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَاسْتَحَبَّ ابْنُ حَبِيبٍ تَكْبِيرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ وَسَيَأْتِي وَالتَّكْبِيرُ الْمَذْكُورِ يَكُونُ (جَهَرًا) عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمِنْ يَلِيهِ وَفَوْقَ ذَلِكَ قَلِيلًا قَالَ الْقَرَافِيُّ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى رَافِعًا صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ» وَهُوَ عَمَلُ السَّلَفِ بَعْدَهُ وَقَوْلُهُ: (حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى الْإِمَامُ) غَايَةٌ لِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ دَلِيلُهُ حَدِيثُ الدَّارَقُطْنِيِّ الْمُتَقَدِّمُ آنِفًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَالنَّاسُ كَذَلِكَ) فَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ مِثْلُ الْإِمَامِ فِي ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ وَصِفَتِهِ، وَأَمَّا فِي الِانْتِهَاءِ فَيُخَالِفُونَهُ فِيهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَإِذَا دَخَلَ الْإِمَامُ لِلصَّلَاةِ) أَيْ لِمَحَلِّهَا وَيُرْوَى فِي الصَّلَاةِ (قَطَعُوا ذَلِكَ) التَّكْبِيرَ.
(وَ) السَّامِعُونَ لِلْخُطْبَةِ (يُكَبِّرُونَ) سِرًّا (بِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ فِي الْخُطْبَةِ) عَلَى الْمَذْهَبِ لِفِعْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ذَلِكَ
[حاشية العدوي]
تَحَرِّي أَهْلَ بِلَادِهِ كُلِّهَا لِذَبْحِهِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ لَيْسَ حَقِيقِيًّا؛ لِأَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَوْلِ وَهُوَ اللَّخْمِيُّ قَالَ الْخَلِيفَةُ: أَوْ مَنْ يُقِيمُهُ لِلصَّلَاةِ وَصَاحِبُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ ابْنُ رُشْدٍ لَا يَقُولُ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ وَهُوَ إمَامُ الصَّلَاةِ عَلَى تَقْدِيرِ اخْتِلَافِهِمَا كَمَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ الزَّرْقَانِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَلْيَذْكُرْ اللَّهَ تَعَالَى فِي خُرُوجِهِ] يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ قَبْلَ الْخُرُوجِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ: يَدْخُلُ زَمَنُ التَّكْبِيرِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَعَلَيْهِ فَعَلَ أَهْلُ الْأَرْيَافِ [قَوْلُهُ: سَوَاءٌ خَرَجَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ] بَلْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الَّذِي لِمَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ يُكَبِّرُ مِنْ انْصِرَافِ صَلَاةِ الصُّبْحِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ الْأَوَّلُ لَا سِيَّمَا فِي الْأَضْحَى تَحْقِيقًا لِلشَّبَهِ بِأَهْلِ الْمَشْعَرِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ ذَكَرَ إلَخْ] قَالَ عَجَّ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ قَبْلَ حِلِّ النَّافِلَةِ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ وَمَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا الذِّكْرُ] أَيْ التَّكْبِيرُ [قَوْلُهُ: غَيْرُ مَحْدُودٍ عِنْدَ مَالِكٍ] أَيْ غَيْرُ مُعَيَّنٍ عِنْدَ مَالِكٍ، فَقَدْ سَأَلَ سَحْنُونٌ ابْنَ قَاسِمٍ هَلْ عَيَّنَ مَالِكٌ التَّكْبِيرَ، فَقَالَ: لَا اهـ.
أَيْ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ [قَوْلُهُ: وَاسْتُحِبَّ إلَخْ] مُقَابِلُ قَوْلِهِ: غَيْرُ مَحْدُودٍ عِنْدَ مَالِكٍ [قَوْلُهُ: تَكْبِيرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ] أَيْ يَذْكُرُ فِي خُرُوجِهِ التَّكْبِيرَ الَّذِي يُفْعَلُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ دُبْرَ الصَّلَوَاتِ عِنْدَهُ، وَقَدْ بَيَّنَهُ مَيَّارَةُ بِقَوْلِهِ: وَاخْتَارَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا هُدَانَا اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا لَك مِنْ الشَّاكِرِينَ اهـ.
[قَوْلُهُ: يَكُونُ جَهْرًا] أَيْ نَدْبًا كَمَا أَنَّ حُكْمَ الْخُرُوجِ النَّدْبُ وَحِكْمَةُ الْجَهْرِيَّةِ إيقَاظُ الْغَافِلِ وَتَعْلِيمُ الْجَاهِلِ.
[قَوْلُهُ: فَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ مِثْلُ الْإِمَامِ إلَخْ] وَيُكَبِّرُ كُلُّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ فِي الطَّرِيقِ وَفِي الْمُصَلَّى وَلَا يُكَبِّرُونَ جَمَاعَةً؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ قَالَ ابْنُ نَاجِي: افْتَرَقَ النَّاسُ بِالْقَيْرَوَانِ فِرْقَتَيْنِ بِمَحْضَرِ أَبِي عِمْرَانَ الْفَاسِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَإِذَا فَرَغَتْ إحْدَاهُمَا مِنْ التَّكْبِيرِ وَسَكَتَتْ أَجَابَتْ الْأُخْرَى فَسُئِلَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَا: إنَّهُ لَحَسَنٌ.
ثُمَّ قَالَ: قُلْت وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ النَّاسِ عِنْدَنَا عَلَى ذَلِكَ بِأَفْرِيقِيَّةِ بِمَحْضَرِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَكَابِرِ الشُّيُوخِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ لِمَحَلِّهَا] وَيُرْوَى فِي الصَّلَاةِ إلَخْ.
أَيْ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي انْتِهَاءِ تَكْبِيرِهِمْ فَقِيلَ: دُخُولُ الْإِمَامِ فِي الْمُصَلَّى وَقِيلَ فِي الصَّلَاةِ كَذَا ذَكَرَ عَجَّ.
[قَوْلُهُ: يُكَبِّرُونَ بِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ] الْحَاصِلُ أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْخَطِيبِ أَنْ يُخَلِّلَ الْخُطْبَتَيْنِ بِالتَّكْبِيرِ كَمَا أَنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَهُمَا بِهِ بِلَا حَدٍّ لَا فِي الِاسْتِفْتَاحِ، وَلَا فِي التَّخْلِيلِ وَيُنْدَبُ لِلْمُسْتَمِعِينَ التَّكْبِيرُ بِتَكْبِيرِهِ.
وَقَوْلُهُ: سِرٌّ مَنْدُوبٌ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَذْهَبِ] وَقِيلَ: لَا يُكَبِّرُونَ حَكَاهُ تت وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي عَنْ الْغَمِيرَةِ، وَوَجْهُهُ بِأَنَّ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَتَّصِلَ ذَلِكَ فَيَمْنَعُ النَّاسُ الْإِنْصَاتَ
(وَيُنْصِتُونَ لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ (فِيمَا سِوَى ذَلِكَ) التَّكْبِيرِ عِنْدَ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْتَمِعُوا لَهُ فَأَشْبَهَتْ الْجُمُعَةَ (فَإِنْ كَانَتْ) الْأَيَّامُ (أَيَّامَ النَّحْرِ) وَيَجُوزُ رَفْعُ أَيَّامٍ عَلَى أَنَّ كَانَ تَامَّةٌ أَيْ فَإِنْ حَضَرَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ (فَلْيُكَبِّرْ النَّاسُ) اسْتِحْبَابًا (دُبُرَ الصَّلَوَاتِ) الْمَفْرُوضَاتِ الْحَاضِرَةِ قَبْلَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ وَالْفَذَّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَاحْتَرَزْنَا بِالْمَفْرُوضَاتِ مِنْ النَّوَافِلِ وَبِالْحَاضِرَةِ مِنْ الْفَائِتَةِ وَابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ إثْرَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ (مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ) وَانْتِهَاؤُهُ (إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ (وَهُوَ) أَيْ الْيَوْمُ الرَّابِعُ (آخِرُ أَيَّام مِنًى) وَرَفَعَ بِقَوْلِهِ: كَ (يُكَبِّرُ إذَا صَلَّى الصُّبْحَ) الْإِبْهَامَ فِي قَوْلِهِ: إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ إذْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ إلَى فِيهِ لِلْغَايَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى مَعَ.
(ثُمَّ) إذَا فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ (يَقْطَعُ وَالتَّكْبِيرُ) الَّذِي يُكَبِّرُهُ النَّاسُ (دُبُرَ الصَّلَوَاتِ) لَهُ صِفَتَانِ إحْدَاهُمَا (اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ) وَالثَّانِيَةُ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ جَمَعَ مَعَ التَّكْبِيرِ تَهْلِيلًا وَتَحْمِيدًا فَحَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ الْجَمْعِ بِقَوْلِهِ: (يَقُولُ إنْ شَاءَ ذَلِكَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ هَذَا) مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَاسْتَحَبَّهَا ابْنُ الْجَلَّابِ.
(وَ) رُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا (الْأَوَّلُ) مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ وَصَرَّحَ عِيَاضٌ بِمَشْهُورِيَّتِهِ (وَالْكُلُّ وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ ع: وَانْظُرْ هَلْ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ تَفْضِيلُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى أَمْ لَا؟ وَلِمَ تَقَدَّمَ لَهُ الْأَمْرُ بِالذِّكْرِ فِي خُرُوجِهِ إلَى صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَكَانَ مُرَادُهُ بِهِ الذِّكْرَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28] وَقَوْلُهُ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203]
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَيُنْصِتُونَ] أَيْ أَنَّهُ يُطْلَبُ الْإِصْغَاءُ لِلْخُطْبَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ لَا يَسْمَعُهَا [قَوْلُهُ: عِنْدَ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ] وَرَوَى أَشْهَبُ وَغَيْرُهُ الْكَلَامَ فِيهَا لَيْسَ كَالْكَلَامِ فِي الْخُطْبَةِ، إذَا عَلِمْت هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ فَلَا تَفْهَم أَنَّ بَيْنَهُمَا خِلَافًا كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ حِكَايَتِهِمَا بَلْ هُمَا مُتَّفِقَتَانِ عَلَى أَنَّ الْإِنْصَاتَ مَنْدُوبٌ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَتْ الْأَيَّامُ إلَخْ] قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: رُوِّينَاهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى أَنَّ فِي كَانَ ضَمِيرًا أَيْ فَإِنْ كَانَتْ هِيَ أَيْ الْأَيَّامُ أَيَّامَ النَّحْرِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى تَمَامِ كَانَ وَهُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي أَيْ فَإِنْ حَضَرَتْ اهـ.
[قَوْلُهُ: دُبْرَ الصَّلَوَاتِ] أَيْ أَثْرَ السُّجُودِ الْبَعْدِي، وَإِذَا سَلَّمَ الْمُصَلِّي مِنْ الْفَرِيضَةِ وَنَسِيَ التَّكْبِيرَ أَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهُ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ مَعَ الْقُرْبِ، وَالْقُرْبُ هُنَا كَالْقُرْبِ فِي الْبِنَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ سَنَدٌ، وَإِذَا تَرَكَهُ الْإِمَامُ فَالْمَأْمُومُ يُنَبِّهُهُ وَلَوْ بِالْكَلَامِ، فَإِنْ لَمْ يُنَبِّهْهُ أَوْ لَمْ يَنْتَبِهْ كَبَّرَ وَلَا يَتْرُكْهُ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: فَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ فِي غَيْرِ دُبْرِ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ كَذَلِكَ اهـ.
[قَوْلُهُ: قَبْلَ التَّسْبِيحِ] أَيْ وَقَبْلَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ.
[قَوْلُهُ: لِلْغَايَةِ] أَيْ وَالْغَايَةُ خَارِجَةٌ [قَوْلُهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ] ثَلَاثًا بِالْإِعْرَابِ إلَّا أَنْ يَقِفَ وَلَا بُدَّ مِنْ التَّلَفُّظِ وَالْمَدِّ الطَّبِيعِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَصَرَّحَ عِيَاضٌ بِمَشْهُورِيَّتِهِ] أَيْ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: وَالْكُلُّ وَاسِعٌ] قَالَ بَعْضٌ: وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعْيِينُ شَيْءٍ مِنْ هَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ قَالَ: وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ.
[قَوْلُهُ: أَيْ جَائِزٌ] أَيْ مَأْذُونٌ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَانْظُرْ هَلْ يُؤْخَذُ إلَخْ] قُلْت: قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ تَفْضِيلُ الْأُولَى الَّتِي قُلْنَا: إنَّهَا الْمُعْتَمَدَةُ.
[قَوْلُهُ: وَكَانَ مُرَادُهُ بِهِ الذِّكْرَ] وَمَعْنَى كَلَامِ شَارِحِنَا أَنَّ الذِّكْرَ الَّذِي يُقَالُ فِي الْخُرُوجِ لِلْعِيدِ هُوَ الذِّكْرُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ وَالْمَعْدُودَاتِ وَهُوَ اللَّهُ أَكْبَرُ.
قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي آيَةِ الْحَجِّ.
وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ الذَّبْحِ وَقَالَ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203] أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَذِكْرُهُ فِيهَا التَّكْبِيرُ إدْبَارَ الصَّلَوَاتِ وَعِنْدَ الْجِمَارِ، وَسُمِّيَتْ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لِأَنَّ النَّاسَ يُشَرِّقُونَ اللَّحْمَ فِيهَا أَيْ
نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ الْأَيَّامَ الْمَذْكُورَةَ، وَبَيَّنَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ فَقَالَ: (وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ) الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى فَهِيَ (أَيَّامُ النَّحْرِ الثَّلَاثَةُ) الْأُوَلُ وَتَالِيَاهُ.
(وَ) أَمَّا (الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ) الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى فَهِيَ (أَيَّامُ مِنًى وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ) ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ وَتَالِيَاهُ، فَأَوَّلُ يَوْمِ النَّحْرِ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَعْدُودٍ، وَرَابِعُهُ مَعْدُودٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَالْيَوْمَانِ الْوَسَطَانِ مَعْلُومَانِ مَعْدُودَانِ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مُسْتَحَبَّاتِ الْعِيدِ فَقَالَ: (وَالْغُسْلُ لِلْعِيدَيْنِ حَسَنٌ) وَلَفْظُهُ فِي بَابٍ جُمِلَ وَغُسْلُ الْعِيدَيْنِ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَأَكَّدَ مَا قَالَ هُنَا بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ بِلَازِمٍ) أَيْ لُزُومَ السُّنَنِ، وَقِيلَ: هُوَ سُنَّةٌ وَصَرَّحَ ك بِمَشْهُورِيَّتِهِ، وَأَفْضَلُ أَوْقَاتِ هَذَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَيُجْزِئُهُ إذَا اغْتَسَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِخِلَافِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ (وَيُسْتَحَبُّ فِيهِمَا) أَيْ الْعِيدَيْنِ (الطِّيبُ) لِلرِّجَالِ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ لِلصَّلَاةِ وَمَنْ لَمْ يَخْرُجْ لَهَا، وَأَمَّا النِّسَاءُ إذَا خَرَجْنَ لَهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُنَّ الطِّيبُ (وَ) يُسْتَحَبُّ فِيهِمَا أَيْضًا لِلرِّجَالِ (الْحَسَنُ) أَيْ لُبْسُ الْحَسَنِ (مِنْ الثِّيَابِ) لِلْقَاعِدِ وَالْخَارِجِ وَأَدِلَّةُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ السُّنَّةِ.
[حاشية العدوي]
يُشَرِّحُونَهُ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الصَّلَاةَ تُصَلَّى فِي أَوَّلِهَا عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ [قَوْلُهُ: وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ] أَيْ لِلنَّحْرِ، وَقَوْلُهُ: وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيْ لِلرَّمْيِ.
[قَوْلُهُ: وَالْغُسْلُ لِلْعِيدَيْنِ إلَخْ] وَصِفَتُهُ كَصِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَيُطْلَبُ مِنْ كُلِّ مُمَيَّزٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا وَلَا مَرِيدًا لِلصَّلَاةِ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ هُوَ سُنَّةٌ] ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: وَيُجْزِئُهُ إذَا اغْتَسَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ] إذْ مَبْدَأُ وَقْتِهِ السُّدُسُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ مَنْدُوبٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ اتِّصَالُهُ بِالذَّهَابِ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا النِّسَاءُ إذَا خَرَجْنَ لَهَا] أَيْ لِلصَّلَاةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَجَائِزِ وَغَيْرِهِنَّ، وَمَفْهُومُ خَرَجْنَ أَنَّهُنَّ إذَا لَمْ يَخْرُجْنَ فَلَا حَرَجَ وَهُوَ كَذَلِكَ [قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ فِيهِمَا أَيْضًا لِلرِّجَالِ] أَيْ لَا لِلنِّسَاءِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا يَخْرُجْنَ إلَّا فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ، وَأَمَّا فِي الْبَيْتِ فَلَا حَرَجَ أَيْضًا [قَوْلُهُ: لُبْسُ الْحَسَنِ] وَالْمُرَادُ بِالْحَسَنِ مِنْهَا فِي الْعِيدِ الْجَدِيدِ وَلَوْ أَسْوَدَ.
تَنْبِيهٌ:
يَنْبَغِي فِي زَمَانِنَا أَوْ يَتَعَيَّنُ أَنْ يُلْحَقَ بِالنِّسَاءِ مَنْ تَتَشَوَّقُ النُّفُوسُ إلَى رُؤْيَتِهِ مِنْ الذُّكُورِ، فَيَجِبُ عَلَى وَلِي الصَّغِيرِ الْجَمِيلِ وَسَيِّدِ الْمَمْلُوكِ أَنْ يُجَنِّبَهُ اللِّبَاسَ الْحَسَنَ، وَلَوْ فِي غَيْرِ الْعِيدِ.
[قَوْلُهُ: وَأَدِلَّةُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ السُّنَّةِ] فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَطَيَّبُ وَرَغَّبَ فِيهِ» ، «وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنَا إذَا غَدَوْنَا إلَى الْمُصَلَّى أَنْ نَلْبَسَ أَجْوَدَ مَا نَقْدِرُ مِنْ الثِّيَابِ» .
[17 - بَابُ صَلَاةِ الْخُسُوفِ] (بَابٌ فِي) بَيَانِ حُكْمِ (صَلَاةِ الْخُسُوفِ) وَفِي بَيَانِ صِفَتِهَا الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ الْخُسُوفَ وَالْكُسُوفَ مُتَرَادِفَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَهُوَ ذَهَابُ الضَّوْءِ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: الْأَجْوَدُ تَبَايُنُهُمَا فَالْكُسُوفُ التَّغَيُّرُ وَالْخُسُوفُ الذَّهَابُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَمَّا كَانَ الْقَمَرُ يَذْهَبُ جُمْلَةُ ضَوْئِهِ كَانَ أَوْلَى بِالْخُسُوفِ مِنْ الْكُسُوفِ، فَيُقَالُ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، وَحُكْمُهَا كَمَا قَالَ هُنَا وَفِي بَابٍ جُمِلَ (وَصَلَاةُ الْخُسُوفِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي خُسُوفِ الشَّمْسِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ، وَالْمَشْهُورُ كَمَا قَالَ: وَمُقَابِلُهُ قَوْلِ الْأَكْثَرِ وَصَحَّحَ أَنَّهُ فَضَّلَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَنْ تَتَعَلَّقُ بِهِ هَذِهِ السُّنَّةُ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِقَوْلِهِ: يُصَلِّيهَا أَهْلُ الْقُرَى وَالْحَضَرِ وَالْمُسَافِرُونَ إلَّا أَنْ يَجِدَّ بِنَا السَّيْرُ وَالْمُسَافِرُ وَحْدَهُ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ خُسُوفِ
[حاشية العدوي]
[بَابُ صَلَاةِ الْخُسُوفِ]
بَابٌ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ
[قَوْلُهُ: وَهُوَ ذَهَابُ الضَّوْءِ] أَيْ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ إلَّا أَنْ يَقِلَّ الذَّاهِبُ جِدًّا بِحَيْثُ لَا يُدْرِكُهُ إلَّا الْحَاذِقُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فَلَا تُصَلَّى لَهُ لِكَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ [قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ الْقَمَرُ يَذْهَبُ جُمْلَةُ ضَوْئِهِ] لَعَلَّ ذَلِكَ حَالَةٌ غَالِبَةٌ، وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَالشَّمْسُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ [قَوْلُهُ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ] مَبْنِيِّينَ لِلْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ وَانْكِسَافًا وَانْخِسَافًا سِتُّ لُغَاتٍ [قَوْلُهُ: دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا الْكِتَابُ إلَخْ] فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا﴾ [فصلت: 37] إلَخْ.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا صَلَاةَ الْخُسُوفِ.
وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا عِبَادَةَ اللَّهِ دُونَ عِبَادَتِهِمَا، أَيْ فَالْكِتَابُ دَلِيلٌ فِي الْجُمْلَةِ.
[قَوْلُهُ: وَالسُّنَّةُ] كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ» وَفِي رِوَايَةٍ «فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ» . [قَوْلُهُ: وَالْإِجْمَاعُ] قَالَ الْقَرَافِيُّ: اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا دُونَ صِفَتِهَا [قَوْلُهُ: وَحُكْمُهَا كَمَا قَالَ] فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَحُكْمُهَا السُّنِّيَّةُ كَمَا قَالَ إلَخْ [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ كَمَا قَالَ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْمَشْهُورُ أَنَّ صَلَاةَ خُسُوفِ الْقَمَرِ مُسْتَحَبَّةٌ كَمَا قَالَهُ عَجَّ [قَوْلُهُ: وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِ إلَخْ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: يُصَلِّيهَا أَهْلُ الْقُرَى إلَخْ] أَيْ وَأَهْلُ الْبَدْوِ لَا فَرْقَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ مُكَلَّفٍ أَوْ صَبِيٍّ مُمَيَّزٍ، فَهِيَ سُنَّةٌ حَتَّى فِي حَقِّهِ أَيْ الصَّبِيِّ الَّذِي يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ، وَاسْتُغْرِبَ بِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْخَمْسِ نَدْبًا وَبِالْكُسُوفِ اسْتِنَانًا، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا غَرَابَةَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصِّبْيَانَ لِصِغَرِهِمْ وَعَدِمِ ارْتِكَابِهِمْ لِلْمُخَالَفَاتِ يُرْجَى قَبُولُ دُعَائِهِمْ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ.
[قَوْلُهُ: وَالْحَضَرِ] مَعْطُوفٌ عَلَى الْقُرَى عَطْفَ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَالْحَضَرُ بِفَتْحَتَيْنِ خِلَافُ الْبَدْوِ، وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ حَضَرِيٌّ [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَجِدَّ بِهِمْ] أَيْ لِإِدْرَاكِ أَمْرٍ يُخَافُ فَوَاتُهُ فَلَا تُسَنُّ لَهُ، وَأَمَّا لَوْ جَدَّ السَّيْرُ لِقَطْعِ مَسَافَةٍ فَتُسَنُّ حَقُّهُ [قَوْلُهُ: وَالْمُسَافِرُ وَحْدَهُ] أَيْ كَمَا يُصَلِّيهَا الْمُسَافِرُونَ يُصَلِّيهَا مَنْ سَافَرَ وَحْدَهُ [قَوْلُهُ: وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا) ] هَذَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُتَجَالَّةٍ، وَإِلَّا فَالْأَحْسَنُ خُرُوجُهَا [قَوْلُهُ: قَالَهُ الْجُمْهُورُ إلَخْ] أَيْ أَنَّ الْجُمْهُورَ
الشَّمْسِ تُفْعَلُ جَمَاعَةً وَفُرَادَى، أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَلِذَا بَدَأَ بِهِ فَقَالَ: (إذَا خَسَفَتْ الشَّمْسُ) كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا (خَرَجَ الْإِمَامُ إلَى الْمَسْجِدِ فَ) إذَا وَصَلَ إلَيْهِ (افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِالنَّاسِ) وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمْ عَدَدٌ مَحْصُورٌ كَالْجُمُعَةِ (بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّهَا بِأَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ وَلَا يَقُولُ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُهَا وَاسْتَحْسَنَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ.
وَيُكَبِّرُ فِي افْتِتَاحِهِ كَالتَّكْبِيرِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ فَإِذَا كَبَّرَ افْتَتَحَ الْقِرَاءَةَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ (ثُمَّ قَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً سِرًّا) عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ كَذَلِكَ وَحَدُّهَا أَنْ تَكُونَ (بِنَحْوِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) لَفْظَةُ نَحْوِ مَقْحَمَةٌ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ اسْتِحْبَابُ قِرَاءَةِ الْبَقَرَةِ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ قِرَاءَتِهَا (يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا نَحْوَ ذَلِكَ) أَيْ الَّذِي قَرَأَ فِي التَّقْدِيرِ.
وَيَذْكُرُ اللَّهَ فِي رُكُوعِهِ وَلَا يَقْرَأُ وَلَا يَدْعُو (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (يَرْفَعُ رَأْسَهُ) مِنْ الرُّكُوعِ وَالْحَالُ أَنَّهُ (يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وَالْمَأْمُومُ يَقُولُ رَبّنَا وَلَك الْحَمْدُ (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (يَقْرَأُ) الْفَاتِحَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَقْرَأُ بَعْدَهَا قِرَاءَةً (دُونَ قِرَاءَتِهِ الْأُولَى) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ بِآلِ عِمْرَانِ (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ (يَرْكَعُ نَحْوَ) طُولِ (قِرَاءَتِهِ الثَّانِيَةِ) وَيُسَبِّحُ فِي رُكُوعِهِ وَلَا يَقْرَأُ وَلَا يَدْعُو (ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ يَرْكَعَ الْإِمَامُ مَعَ الرُّكُوعِ الْمَذْكُورِ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْهُ وَالْمَأْمُومُونَ كَذَلِكَ وَهُوَ (يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) .
وَيَقُولُ الْمَأْمُومُونَ: رَبّنَا وَلَك الْحَمْدُ (ثُمَّ يَسْجُدُ) هُوَ وَالْمَأْمُومُونَ (سَجْدَتَيْنِ تَامَّتَيْنِ) أَيْ بِطُمَأْنِينَةٍ وَهَلْ يُطَوِّلُهُمَا كَالرُّكُوعِ قَوْلَانِ مَشْهُورُهُمَا الْأَوَّلُ وَالْآخَرُ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ (ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ (يَقُومُ فَيَقْرَأُ) الْفَاتِحَةَ وَيَقْرَأُ بَعْدَهَا قِرَاءَةً (دُونَ قِرَاءَتِهِ الَّتِي تَلِي ذَلِكَ) أَيْ قِرَاءَتِهِ الَّتِي فِي الْقِيَامِ الثَّانِي مِنْ الرَّكْعَةِ
[حاشية العدوي]
قَالُوا: يُؤْمَرُ بِهَا كُلُّ مَنْ تَقَدَّمَ، وَمُقَابِلُهُ مَا حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِهَا إلَّا مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ الْأَفْضَلُ إلَخْ] فَالْجَمَاعَةُ فِيهَا مُسْتَحَبَّةٌ لِلرِّجَالِ فِي الْمَسَاجِدِ [قَوْلُهُ: خَرَجَ الْإِمَامُ] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: إلَى الْمَسْجِدِ] مَخَافَةَ انْجِلَائِهَا قَبْلَ وُصُولِ الْمُصَلِّي [قَوْلُهُ: فَإِذَا وَصَلَ إلَيْهِ إلَخْ] يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمُنَاسِبَ لِلْإِمَامِ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِقَدْرِ مَا إذَا وَصَلَ حَلَّتْ وَوَقْتُهَا مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ إلَى الزَّوَالِ، فَلَوْ طَلَعَتْ مَكْسُوفَةً اُنْتُظِرَ بِفِعْلِهَا حِلُّ النَّافِلَةِ، وَلَوْ كُسِفَتْ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يُصَلِّهَا [قَوْلُهُ: وَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ إلَخْ] أَيْ لِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَادَى فِيهَا الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ [قَوْلُهُ: وَاسْتَحْسَنَهُ عِيَاضٌ] أَيْ عَدَّ قَوْلَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ أَمْرًا حَسَنًا أَيْ مُسْتَحَبًّا [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ نَدْبًا إذْ لَا خُطْبَةَ لَهَا.
وَعَنْ مَالِكٍ جَهْرًا وَبِهِ قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ يَتَأَكَّدُ نَدَبَ الْإِسْرَارِ كَتَأَكُّدِ نَدْبِ الْجَهْرِ فِي الْوِتْرِ [قَوْلُهُ: لَفْظَةُ نَحْوَ مُقْحَمَةٌ] أَيْ زَائِدَةٌ فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي ذِكْرِهَا.
وَالْجَوَابُ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ أَطْلَقَ النَّحْوَ عَلَى الشَّيْءِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ، وَقَوْلُ الْمُخْتَصَرِ وَقِرَاءَةُ الْبَقَرَةِ إلَخْ يَدُلُّ لِلشَّارِحِ، وَمُقَابِلُ الْمَذْهَبِ مَا أَشَارَ لَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: إنَّمَا قَالَ نَحْوَ إشَارَةً إلَى أَنَّ النَّدْبَ لَا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ السُّورَةِ بَلْ الْمُرَادُ هِيَ أَوْ قَدْرُهَا [قَوْلُهُ: نَحْوَ ذَلِكَ] أَيْ يَقْرُبُ مِنْهُ فِي الطُّولِ لَا أَنَّهُ مُسَاوِيهِ [قَوْلُهُ: يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ] عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِابْنِ مَسْلَمَةَ فِي أَنَّهُ لَا يَقْرَؤُهَا، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهَا رَكْعَتَانِ وَالرَّكْعَةُ الْوَاحِدَةُ لَا تُكَرَّرُ فِيهَا الْفَاتِحَةُ مَرَّتَيْنِ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ قِيَامٌ ثَانٍ بَعْدَ رُكُوعٍ اُبْتُدِئَتْ فِيهِ قِرَاءَةٌ، وَكُلُّ قِرَاءَةٍ اُبْتُدِئَتْ فِي قِيَامٍ يَعْقُبُهَا رُكُوعٌ، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ بِالْفَاتِحَةِ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ غَيْرِهَا [قَوْلُهُ: يَرْكَعُ نَحْوَ طُولِ إلَخْ] أَيْ تُقَارِبُ قِرَاءَتَهُ الثَّانِيَةَ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي.
[قَوْلُهُ: وَهَلْ يُطَوِّلُهُمَا كَالرُّكُوعِ] أَيْ الثَّانِي بِحَيْثُ يَقْرَبَانِ مِنْهُ فِي الطُّولِ نَدْبًا لَا أَنَّهُمَا كَهُوَ [قَوْلُهُ: مَشْهُورُهُمَا الْأَوَّلُ] وَتَكُونُ السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ أُقْصَرَ مِنْ الْأُولَى [قَوْلُهُ: وَالْآخَرُ] أَيْ أَنَّهُ لَا يُطَوِّلُ أَيْ بَلْ هُوَ عَلَى الْمُعْتَادِ فِي غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْفَاكِهَانِيُّ [قَوْلُهُ: دُونَ] أَيْ أَقْصَرُ زَمَنًا مِنْ زَمَنِ قِرَاءَتِهِ الَّتِي تَلِي ذَلِكَ [قَوْلُهُ: أَيْ قِرَاءَتِهِ] تَفْسِيرٌ لِقِرَاءَتِهِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ دُونَ وَسَكَتَ الشَّارِحُ عَنْ مَرْجِعِ اسْمِ الْإِشَارَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعُودُ عَلَى الْقِيَامِ
الْأُولَى، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ بِسُورَةِ النِّسَاءِ (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الْقِيَامِ الثَّالِثِ (يَرْكَعُ نَحْوَ قِرَاءَتِهِ) فِي الْقِيَامِ الثَّالِثِ وَيُسَبِّحُ فِي رُكُوعِهِ وَلَا يَقْرَأُ وَلَا يَدْعُو (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الرُّكُوعِ (يَرْفَعُ) رَأْسَهُ وَالْمَأْمُومُونَ كَذَلِكَ (كَمَا ذَكَرْنَا) أَيْ وَهُوَ يَقُولُ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَقُولُ الْمَأْمُومُونَ: رَبّنَا وَلَك الْحَمْدُ.
(ثُمَّ) بَعْدَ رَفْعِهِ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ ثُمَّ (يَقْرَأُ) قِرَاءَةً (دُونَ قِرَاءَتِهِ هَذِهِ) الَّتِي فِي الْقِيَامِ الثَّالِثِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ بِسُورَةِ الْمَائِدَةِ (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ مِنْ الْقِيَامِ الرَّابِعِ (يَرْكَعُ نَحْوَ ذَلِكَ) أَيْ نَحْوَ قِرَاءَتِهِ فِي الْقِيَامِ الرَّابِعِ (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (يَرْفَعُ رَأْسَهُ كَمَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي وَهُوَ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَيَقُولُ الْمَأْمُومُونَ: رَبّنَا وَلَك الْحَمْدُ (ثُمَّ) بَعْدَ ذَلِكَ (يَسْجُدُ كَمَا ذَكَرْنَا) يَعْنِي سَجْدَتَيْنِ تَامَّتَيْنِ بِطُمَأْنِينَةٍ وَفِيهِمَا الْقَوْلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ فِي سَجْدَتِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ (يَتَشَهَّدُ وَ) إذَا فَرَغَ مِنْ تَشَهُّدِهِ (يُسَلِّمُ) وَهَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ هِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَدَلِيلُهَا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاهَا.
وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى فِعْلِ صَلَاةِ خُسُوفِ الشَّمْسِ جَمَاعَةً.
وَأَمَّا فِعْلُهَا فُرَادَى فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلِمَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّي) صَلَاةَ خُسُوفِ الشَّمْسِ (فِي بَيْتِهِ مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ مِثْلَ الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (أَنْ يَفْعَلَ) إذَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إلَى تَرْكِ إقَامَتِهَا فِي الْجَمَاعَةِ.
[حاشية العدوي]
الثَّانِي.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى [قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ بِسُورَةِ النِّسَاءِ] اسْتَشْكَلَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِأَنَّ الَّذِي نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقِيَامَ الْأَوَّلَ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَقْصَرُ مِنْ الْقِيَامِ الثَّانِي مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقِرَاءَةُ النِّسَاءِ تُنَافِي ذَلِكَ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَثْرَةِ الْمَقْرُوءِ طُولُ زَمَنِ قِرَاءَتِهِ لِإِمْكَانِ الْإِسْرَاعِ مَعَ التَّرْتِيلِ حَتَّى يَصِيرَ زَمَنُ قِرَاءَةِ النِّسَاءِ أَقْصَرَ مِنْ زَمَنِ قِرَاءَةِ آلِ عِمْرَانَ [قَوْلُهُ: نَحْوَ قِرَاءَتِهِ] أَيْ قَرِيبًا مِنْ زَمَنِ قِرَاءَتِهِ فِي الْقِيَامِ الثَّالِثِ [قَوْلُهُ: يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ خِلَافًا لِابْنِ مَسْلَمَةَ [قَوْلُهُ: يَرْكَعُ نَحْوَ ذَلِكَ] أَيْ قَرِيبًا مِنْ زَمَنِ الْقِيَامِ الرَّابِعِ [قَوْلُهُ: هِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ] يَقْتَضِي أَنَّ هُنَاكَ قَوْلًا لَيْسَ بِمَشْهُورٍ، وَعِبَارَةُ الْفَاكِهَانِيُّ تَقْتَضِي أَنَّهُ اتِّفَاقٌ، وَنَصُّهُ قُلْت: وَهَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ هِيَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ وَدَلِيلُهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ إلَى آخِرِ مَا هُنَا [قَوْلُهُ: وَلِمَنْ شَاءَ إلَخْ] خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَقَوْلُهُ أَنْ يَفْعَلَ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وَقَوْلُهُ: أَنْ يُصَلِّيَ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ شَاءَ، وَقَوْلُهُ مِثْلَ ذَلِكَ حَالٌ [قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَخْ] مُحَصِّلُهُ أَنَّهُ إذَا صَلَّى فِي بَيْتِهِ يَكُونُ مُؤَدِّيًا لِلسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهَا بَلْ مَنْدُوبَةً، فَتُسَنُّ لِلْمُنْفَرِدِ وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ فِعْلِهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَإِنَّمَا فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ ثَوَابَ فِعْلِهَا فِي الْجَمَاعَةِ فَقَدْ ارْتَكَبَ خِلَافَ الْأُولَى، وَقَوْلُ الشَّارِحِ إذَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ أَيْ وَأَمَّا لَوْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى تَرْكِ إقَامَتِهَا فِي الْجَمَاعَةِ فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِعْلَهَا فِي بَيْتِهِ خِلَافُ الْأَوْلَى إذَا أُدِّيَتْ جَمَاعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِلَّا فَفِعْلُهَا مَكْرُوهٌ هَذَا مَا ظَهَرَ.
تَتِمَّةٌ:
لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ وَلَا حُكْمُ تَطْوِيلِ الْقِيَامِ وَلَا السُّجُودِ وَلَا حُكْمُ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ وَلَا مَا يُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَا حُكْمُ الْفَاتِحَةِ فِي الْأَوَّلِ وَلَا مَا إذَا انْجَلَتْ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا وَمُلَخَّصُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ النَّدْبُ فَلَا سُجُودَ فِي تَرْكِهِ سَهْوًا وَلَا بُطْلَانَ فِي تَرْكِهِ عَمْدًا وَلَوْ مِنْ الثَّلَاثِ، وَأَمَّا الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ الْأَوَّلَانِ فَحُكْمُ كُلٍّ مِنْهُمَا السُّنِّيَّةُ فَمَنْ صَلَّاهَا بِقِيَامٍ وَاحِدٍ وَرُكُوعٍ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَ سَاهِيًا سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَإِنْ كَانَ عَامِدًا جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِي تَرْكِ السُّنَّةِ، وَحِينَئِذٍ فَتُدْرَكُ رَكْعَتُهَا بِالرُّكُوعِ الثَّانِي مِنْ الرُّكُوعَيْنِ، فَمَنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ.
وَيَقْضِي الْأُولَى