حاشية العدوي على كفاية الطالب الربانيصفحات 552-591
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابٌ فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ

صفحات 552-591

وَالْيَاسَمِينِ فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ وَيُكْرَهُ وَالْحِنَّاءُ مِنْهُ لَكِنْ أَسْقَطَ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْفِدْيَةَ فِي الرُّقْعَةِ الصَّغِيرَةِ مِنْهُ دُونَ الْكَبِيرَةِ، وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مَا لَهُ جِرْمٌ يَعْلَقُ بِالْجَسَدِ وَالثَّوْبِ كَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ فَتَجِبُ الْفِدْيَةُ بِاسْتِعْمَالِهِ وَلَوْ أَزَالَهُ سَرِيعًا عَلِقَ أَوْ لَمْ يَعْلَقْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَوْ خَلَطَ الطِّيبَ بِغَيْرِهِ فَإِنْ لَمْ يُطْبَخْ فَالْمَشْهُورُ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ، وَإِنْ طُبِخَ فَلَا شَيْءَ فِيهِ سَوَاءٌ صَبَغَ الطِّيبُ الْفَمَ أَوْ لَا

(وَ) يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ أَيْضًا فِي حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ مَخِيطَ الثِّيَابِ لَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْمَخِيطِ بَلْ كُلُّ مَا أَوْجَبَ رَفَاهِيَةً مَخِيطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَكَذَلِكَ جِلْدُ الْحَيَوَانِ يُسْلَخُ فَيُلْبَسُ.
أَوْ مَا لُبِّدَ عَلَى شَكْلِ الْمَخِيطِ أَوْ نُسِجَ كَذَلِكَ وَلَوْ طَرَحَ مَخِيطًا عَلَى بَدَنِهِ مِنْ غَيْرِ لُبْسٍ فَلَا فِدْيَةَ، وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلسَّائِلِ الَّذِي سَأَلَهُ عَمَّا يَلْبَسُ: «الْمُحْرِمُ لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبَرَانِسَ»

(وَ) كَذَلِكَ يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ فِي حَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ (الصَّيْدَ) ابْنُ شَاسٍ: وَيَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ بِصَيْدِ الْبَرِّ وَيَعُمُّ جَمِيعُهُ فَيَحْرُمُ إتْلَافُ صَيْدِ الْبَرِّ كُلِّهِ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ وَمَا لَمْ يُؤْكَلْ لَحْمُهُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُتَأَنِّسًا أَوْ وَحْشِيًّا

[حاشية العدوي]

وَالْحِنَّاءُ مِنْهُ] أَيْ مِنْ الْمُذَكَّرِ.
[قَوْلُهُ: أَسْقَطَ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْفِدْيَةَ فِي الرُّقْعَةِ الصَّغِيرَةِ مِنْهُ] وَهِيَ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ، وَقَوْلُهُ دُونَ الْكَبِيرَةِ وَهِيَ قَدْرُ الدِّرْهَمِ وَالْمُرَادُ بِالرُّقْعَةِ، مَوْضِعُ الْحِنَّاءِ وَهَذَا إذَا خَضَّبَ بِالْحِنَّاءِ رَأْسَهُ أَوْ لِحْيَتَهُ أَوْ جَسَدَهُ، وَأَمَّا لَوْ جَعَلَهَا فِي فَمِ جُرْحٍ أَوْ اسْتَعْمَلَهُ فِي بَاطِنِ الْجَسَدِ كَمَا لَوْ شَرِبَهُ أَوْ حَشَا شُقُوقَ رِجْلَيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَثُرَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْفِدْيَةَ تَجِبُ فِي الرُّقْعَةِ الَّتِي قَدْرَ الدِّرْهَمِ كَمَا ذَكَرْنَا وَلَوْ نَزَعَهُ مَكَانَهُ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّ الْكَبِيرَةَ الْحُكْمُ فِيهَا الْكَرَاهَةُ وَإِنْ وَجَبَتْ فِيهَا الْفِدْيَةُ [قَوْلُهُ: فَتَجِبُ الْفِدْيَةُ بِاسْتِعْمَالِهِ] أَيْ إلْصَاقِهِ بِالْبَدَنِ أَوْ بِبَعْضِهِ أَوْ بِالثَّوْبِ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] رَاجِعٌ لِلطَّرَفَيْنِ الْإِزَالَةُ سَرِيعًا وَعَدَمُ الْعُلُوقِ وَمُقَابِلُهُ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ سُقُوطِهَا فِيهِمَا.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يُطْبَخْ، فَالْمَشْهُورُ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ] أَيْ يَحْرُمُ التَّطَيُّبُ وَلَوْ وَقَعَ مَا يَتَطَيَّبُ بِهِ فِي طَعَامٍ أَوْ مَاءٍ وَأَكْلٍ مِنْ غَيْرِ طَبْخٍ وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ حَارًّا وَقِيلَ: لَا فِدْيَةَ وَرَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ

[قَوْلُهُ: مَخِيطُ الثِّيَابِ] أَيْ لُبْسًا [قَوْلُهُ: بَلْ كُلُّ مَا أَوْجَبَ رَفَاهِيَةً] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بَلْ كُلُّ مَخِيطٍ مَخِيطًا كَانَ أَوْ لَا وَمُلَخَّصُهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ أَنْ يَلْبَسَ الْمَخِيطَ فَلَوْ ارْتَدَى بِثَوْبٍ مَخِيطٍ أَوْ بِثَوْبٍ مُرَقَّعٍ بِرِقَاعٍ أَوْ بِإِزَارٍ كَذَلِكَ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَلَا فَرْقَ فِي حُرْمَةِ لُبْسِ الْمَخِيطِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِكُلِّ الْبَدَنِ أَوْ بِبَعْضِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا أَخَاطَ بِنَسِيجٍ، أَوْ غَيْرِهِ أَيْ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ أَوْ زِرٍّ يَقْفِلُهُ عَلَيْهِ أَوْ عَقْدٍ يَرْبِطُهُ أَوْ يُخَلِّلُهُ بِعُودٍ وَالْمُرَادُ بِالرَّجُلِ الذَّكَرُ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا بَالِغًا أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ وَعَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يُجَنِّبَهُ الْمَخِيطَ مَخِيطًا أَوْ غَيْرَهُ وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ فِي حَالِ إحْرَامِهِ أَنْ يَلْبَسَ الْخَاتَمَ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ فَيَجُوزُ لَهَا لُبْسُ الْخَاتَمِ وَنَحْوِهِ، وَيُجَابُ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ رَفَاهِيَةٌ أَيْ انْتِفَاعٌ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ مَخِيطٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ طَرَحَ مَخِيطًا عَلَى بَدَنِهِ] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَلَوْ ارْتَدَى بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَخْ] أَجَابَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا لَا يُلْبَسُ لِأَنَّهُ مَحْصُورٌ بِخِلَافِ مَا يُلْبَسُ إذْ الْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي السُّؤَالُ عَمَّا لَا يُلْبَسُ، وَأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْجَوَابِ مَا يُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ وَإِنْ لَمْ يُطَابِقْ السُّؤَالَ صَرِيحًا قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ.

[قَوْلُهُ: وَيَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ بِصَيْدِ الْبَرِّ] أَيْ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُصَادَ فِي الْبَرِّ احْتِرَازًا مِنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ غَيْرِ الْوَحْشِيِّ فَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ ذَبْحُ مَا ذُكِرَ وَقَوْلُهُ وَيَعُمُّ جَمِيعَهُ، أَيْ جَمِيعَ أَفْرَادِهِ فَيَحْرُمُ اصْطِيَادُهُ وَالتَّسَبُّبُ فِي اصْطِيَادِهِ وَانْظُرْ مَا تَوَلَّدَ مِنْ الْإِنْسِيِّ وَالْوَحْشِيِّ وَفِي الذَّكَاةِ يُغَلَّبُ جَانِبُ الْوَحْشِيِّ وَانْظُرْ أَيْضًا مَا تَوَلَّدَ مِنْ الْبَحْرِيِّ وَالْبَرِّيِّ وَالِاحْتِيَاطُ الْحُرْمَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ كَمَا فِي عج، وَأَمَّا الْحَيَوَانُ الْبَحْرِيُّ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ اصْطِيَادُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: 96] وَمِنْهُ الضُّفْدَعُ وَتُرْسُ الْمَاءِ بِخِلَافِ السُّلَحْفَاةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْبَرَارِي.
[قَوْلُهُ: مَا أُكِلَ لَحْمُهُ] كَالْغَزَالِ وَحِمَارِ الْوَحْشِ وَقَوْلُهُ وَمَا لَمْ يُؤْكَلْ كَالْقِرْدِ وَالْخِنْزِيرِ وَفِيهِ الْجَزَاءُ

مَمْلُوكًا أَوْ مُبَاحًا، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا يَتَنَاوَلُهُ الْحَدِيثُ وَهُوَ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ.

(وَ) كَذَلِكَ يَجْتَنِبُ فِيهِمَا (قَتْلَ الدَّوَابِّ) مِنْ جَسَدِهِ فَلَا يَقْتُلُ الْقَمْلَ وَلَا يُلْقِيهِ عَنْ جَسَدِهِ لِأَنَّهُ تَعَرَّضَ لِقَتْلِهِ بِخِلَافِ الْبُرْغُوثِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إلْقَاؤُهُ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَرْضِ يَخْرُجُ وَلَا يَقْتُلُهُ

(وَ) كَذَلِكَ يَجْتَنِبُ (إلْقَاءَ التَّفَثِ) كَقَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ.

وَكَذَلِكَ يَجْتَنِبُ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ وَحَلْقِهِ وَإِلَيْهِمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُغَطِّي رَأْسَهُ فِي الْإِحْرَامِ) وَسَيَأْتِي حُكْمُ مَا إذَا غَطَّى رَأْسَهُ (وَلَا يَحْلِقُهُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ) وَانْظُرْ لِمَ غَيَّرَ الْأُسْلُوبَ وَالْأَصْلُ فِي مَنْعِ الْحَلْقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: 196] الْمَعْنَى فَحَلَقَ لِإِزَالَةِ الْأَذَى فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ وَقَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى تَفْسِيرِ الْفِدْيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ يَفْتَدِي بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) يُسْتَحَبُّ تَتَابُعُهَا (أَوْ إطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ

[حاشية العدوي]

وَيَقُومُ عَلَى أَنْ لَوْ جَازَ بَيْعُهُ.
[قَوْلُهُ: مُتَأَنِّسًا] أَيْ كَغَزَالَةٍ تَأَنَّسَتْ وَقَوْلُهُ مَمْلُوكًا أَوْ مُبَاحًا لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ أَيْ أَنَّ شَأْنَ الْمُتَأَنِّسِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا وَالْوَحْشِيُّ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا

[قَوْلُهُ: فَلَا يَقْتُلُ الْقَمْلَ] أَيْ جِنْسَ الْقَمْلِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ تَعَرَّضَ لِقَتْلِهِ] أَيْ لِأَنَّ إلْقَاءَهُ تَعَرُّضٌ لِقَتْلِهِ فَلَوْ أَلْقَى أَوْ قَتَلَ وَاحِدَةً إلَى عَشَرَةٍ وَمَا قَارَبَهَا لَا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى، فَإِنَّهُ يُطْعِمُ حَفْنَةً مِنْ طَعَامٍ وَلِإِمَاطَةِ الْأَذَى فِدْيَةٌ كَمَا إذَا كَثُرَ بِأَنْ زَادَ عَلَى عَشَرَةٍ وَمَا قَارَبَهَا.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ إلْقَاؤُهُ] أَيْ طَرْحُهُ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ فَإِنْ قَتَلَ شَيْئًا مِنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ إطْعَامُ حَفْنَةٍ مِنْ طَعَامٍ، إلَّا أَنْ يَكْثُرَ مَا قَتَلَهُ بِأَنْ يَزِيدَ عَلَى عَشَرَةٍ وَمَا قَارَبَهَا فَتَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ وَالْحَفْنَةُ مِلْءُ يَدٍ وَاحِدَةٍ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ الْأَرْضِ يَخْرُجُ] فَلَا يَكُونُ إلْقَاؤُهُ تَعَرُّضًا لِقَتْلِهِ.

[قَوْلُهُ: كَقَصِّ الشَّارِبِ إلَخْ] تَمْثِيلٌ لِإِلْقَاءِ التَّفَثِ فَحِينَئِذٍ فَمَصْدُوقُ التَّفَثِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الشَّارِبِ وَالْأَظْفَارِ وَغَيْرِهِمَا وَحِينَئِذٍ فَالتَّفَثُ اسْمٌ لِمَا تَأْنَفُ مِنْهُ النَّفْسُ وَتَكْرَهُهُ، فَإِنْ أَزَالَ شَيْئًا مِنْ شَعْرِهِ أَطْعَمَ حَفْنَةً إذَا كَانَ الْمُزَالُ بِهِ شَيْئًا مِنْ شَعْرِهِ أَطْعَمَ حَفْنَةً إذَا كَانَ الْمُزَالُ بِهِ شَيْئًا قَلِيلًا كَعَشْرِ شَعَرَاتٍ وَمَا قَارَبَهَا كَأَحَدَ عَشَرَ وَاثْنَيْ عَشَرَ حَيْثُ أَزَالَهَا لَا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى، وَإِلَّا بِأَنْ زَادَ الْمُزَالُ عَلَى الْعَشَرَةِ وَمَا قَارَبَهَا أَوْ كَانَتْ الْإِزَالَةُ لِإِمَاطَةِ الْأَذَى فَتَجِبُ الْفِدْيَةُ لِأَنَّهَا تَجِبُ فِي فِعْلِ كُلِّ مَا يُتَرَفَّهُ بِهِ أَوْ يُزِيلُ أَذًى وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إزَالَةُ الشَّعْرِ عِنْدَ الْوُضُوءِ أَوْ الرُّكُوبِ [قَوْلُهُ: وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ] أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ تَقْلِيمَ الْأَظْفَارِ فَإِذَا قَلَّمَ الْمُحْرِمُ ظُفْرًا مِنْ أَظْفَارِهِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِ إمَاطَةِ الْأَذَى وَلِغَيْرِ كَسْرٍ، أَيْ بِأَنْ فَعَلَهُ عَبَثًا أَوْ تَرَفُّهًا فَفِيهِ حَفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِإِمَاطَةِ الْأَذَى فَفِيهِ فِدْيَةٌ، فَإِنْ قَلَّمَهُ لِكَسْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِقَيْدِ التَّأَذِّي بِكَسْرِهِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ قَلْمُهُ وَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا كُسِرَ مِنْهُ عَمَلًا بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، أَيْ يَقْطَعُ الْمُنْكَسِرَ وَيُسَاوِي الْبَاقِي حَتَّى لَا تَبْقَى عَلَيْهِ ضَرُورَةٌ فِيمَا بَقِيَ فِي كَوْنِهِ تَعَلَّقَ بِمَا مَرَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَزَالَ جَمِيعَ ظُفْرِهِ كَانَ ضَامِنًا كَمَنْ أَزَالَ بَعْضَهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَقَوْلُنَا ظُفْرًا وَاحِدًا احْتِرَازًا مِمَّا إذَا أَبَانَ وَاحِدًا أَوْ آخَرَ فَإِنْ أَبَانَهُمَا فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ فَفِدْيَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِإِمَاطَةِ الْأَذَى وَإِلَّا فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ حَفْنَةٌ، إنْ أَبَانَ الثَّانِيَ بَعْدَمَا أَخْرَجَ مَا وَجَبَ فِي الْأَوَّلِ وَإِلَّا فَفِدْيَةٌ [قَوْلُهُ: وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ] أَيْ شَعْرِ الْإِبِطِ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَصِّ الشَّارِبِ.

[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ يَجْتَنِبُ تَغْطِيَةَ الرَّأْسِ] أَيْ يَحْرُمُ، عَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ وَكَذَا وَجْهَهُ، بِأَيِّ سَاتِرٍ كَانَ كَطِينٍ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ الْحَرَّ، وَأَوْلَى الْعِمَامَةُ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ فَإِنَّمَا يَحْرُمُ تَغْطِيَتُهُ بِنَوْعٍ خَاصٍّ وَهُوَ الْمَخِيطُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَحْلِقُهُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ] فَإِذَا حَلَقَهُ لِضَرُورَةٍ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ إنَّمَا تُسْقِطُ الْإِثْمَ.
[قَوْلُهُ: وَانْظُرْ لِمَ غَيَّرَ الْأُسْلُوبَ] أَيْ فَلَمْ يَقُلْ وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ وَحَلْقِهِ لِيَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ بَلْ غَيَّرَهُ فَقَالَ وَلَا يُغَطِّي رَأْسَهُ إلَى آخِرِهِ [قَوْلُهُ: الْمَعْنَى فَحَلَقَ إلَخْ] أَيْ فَلَيْسَ الْفِدْيَةُ مُرَتَّبَةً عَلَى الْحَلْقِ وَلَا عَلَى مُجَرَّدِ وُجُودِ الْمَرَضِ أَوْ الْأَذَى.
[قَوْلُهُ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ] وَلَوْ أَيَّامِ مِنًى.
[قَوْلُهُ: سِتَّةِ مَسَاكِينَ] أَحْرَارٍ مُسْلِمِينَ مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ وَيَكُونَانِ مِنْ غَالِبِ الْقُوتِ، فَإِنْ

لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ يَنْسَك بِشَاةٍ) ع: الشَّاةُ تُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَعَلَى الْأُنْثَى، وَأَقَلُّ الْهَدْيِ شَاةٌ وَأَعْلَاهُ بَدَنَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] وَهُوَ شَاةٌ وَقَوْلُهُ: (يَذْبَحُهَا حَيْثُ شَاءَ مِنْ الْبِلَادِ) مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُقَلِّدْهَا أَوْ يُشْعِرْهَا فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَذْبَحْهَا إلَّا بِمِنًى وَأُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّرَاخِي إذْ لَوْ كَانَتْ عَلَى الْفَوْرِ لَوَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ.

ثُمَّ بَيَّنَ مَا تُخَالِفُ فِيهِ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ فَقَالَ: (وَتَلْبَسُ الْمَرْأَةُ الْخُفَّيْنِ) مُطْلَقًا وَجَدَتْ نَعْلَيْنِ أَمْ لَا (وَ) تَلْبَسُ (الثِّيَابَ) الْمَخِيطَةَ (فِي إحْرَامِهَا وَتَجْتَنِبُ مَا سِوَى ذَلِكَ) أَيْ مَا سِوَى الْخُفَّيْنِ وَالثِّيَابِ (مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الرَّجُلُ) فِي إحْرَامِهِ مِنْ الْوَطْءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ وَالصَّيْدِ وَقَتْلِ الدَّوَابِّ وَإِلْقَاءِ التَّفَثِ، وَأَمَّا تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ فَلَا تَجْتَنِبُهُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا) مَعْنَاهُ تُبْدِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مُسْتَقِرٌّ فِيهِ، وَلَهَا أَنْ تَسْتُرَ جَمِيعَ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا

[حاشية العدوي]

حَصَلَ لِبَعْضٍ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّيْنِ وَلِبَعْضٍ أَقَلَّ مِنْهُمَا كَمَّلَ لَهُ بَقِيَّتَهُمَا، وَيَنْبَغِي أَنَّ لَهُ نَزْعَ الْأَكْثَرِ مِمَّا هُوَ بِيَدِهِ فَلَوْ أَطْعَمَهُمْ غَدَاءً لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ إطْعَامَ كُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّيْنِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ يُنْسِك] أَيْ يَتَعَبَّدُ وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّ الشَّاةَ لَيْسَتْ مِنْ الْفِدْيَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: بِشَاةٍ] أَيْ أَوْ غَيْرِهَا وَاقْتَصَرَ عَلَى الشَّاةِ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ كَالضَّحِيَّةِ الْأَفْضَلُ فِيهَا طِيبُ اللَّحْمِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا مِنْ السِّنِّ وَالسَّلَامَةِ مِنْ الْعُيُوبِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذَبْحِهَا وَلَا يَكْفِي إخْرَاجُهَا غَيْرَ مَذْبُوحَةٍ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ.
[قَوْلُهُ: وَأَقَلُّ الْهَدْيِ شَاةٌ] إشَارَةٌ إلَى تَخَالُفِ الْهَدْيِ الْفِدْيَةَ، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ فِي الْهَدَايَا كَثْرَةُ اللَّحْمِ وَقَوْلُهُ فَمَا اسْتَيْسَرَ، أَيْ تَيَسَّرَ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ فَعَلَ إلَخْ] أَيْ قَلَّدَهُ أَوْ أَشْعَرَهُ فِيمَا يُقَلِّدُ أَوْ يُشْعِرُ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ فَتَقْلِيدُ مَا لَا يُقَلِّدُ كَالْغَنَمِ فَيَذْبَحُهَا حَيْثُ شَاءَ فِي أَيِّ زَمَنٍ وَلَوْ نَوَى بِهَا الْهَدْيَ وَنِيَّةُ الْهَدْيِ فِيمَا يُقَلِّدُ أَوْ يُشْعِرُ بِدُونِ تَقْلِيدٍ وَإِشْعَارٍ كَالْعَدَمِ.
تَتِمَّةٌ: التَّقْلِيدُ تَعْلِيقُ نَعْلَيْنِ فِي عُنُقِ الْهَدْيِ نَدْبًا وَيُجْزِئُ الْوَاحِدُ وَنُدِبَ أَنْ يُعَلَّقَا بِحَبْلٍ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ فَلَا يُجْعَلُ مِنْ شَعْرٍ وَنَحْوِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَخْتَلِسَ فِي غُصْنِ شَجَرَةٍ عِنْدَ رَعْيِهَا فَيُؤَدِّي ذَلِكَ لِاخْتِنَاقِهَا، وَمَا كَانَ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ يُمْكِنُهَا قَطْعُهُ، وَفَائِدَةُ التَّقْلِيدِ أَنْ يُعْلِمَ بِذَلِكَ الْمَسَاكِينَ فَيَجْتَمِعُونَ لَهُ وَالْإِشْعَارُ شَقُّ جِلْدِ السَّنَمِ وَيُقْطَعُ قَدْرُ الْأُنْمُلَةِ وَالْأُنْمُلَتَيْنِ بِحَيْثُ يَسِيلُ مِنْهُ الدَّمُ وَلَيْسَ فِيهِ تَعْذِيبٌ، لِأَنَّ السَّنَامَ لَا يُؤْلِمُهَا شَقُّهُ بِخِلَافِ سَائِرِ الْغَنَمِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْإِشْعَارُ فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ يَبْدَأُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الرَّقَبَةِ إلَى جِهَةِ الْمُؤَخِّرِ وَمَا لَهُ سَنَامَانِ يُشْعِرُ فِي سَنَامٍ وَاحِدٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَكِنْ لِلْإِبِلِ أَسْنِمَةٌ فَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْإِشْعَارِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِبِلَ تُقَلَّدُ وَتُشْعَرُ وَالْبَقَرَ تُقَلَّدُ فَقَطْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا أَسْنِمَةٌ فَإِنَّهَا تُشْعَرُ أَيْضًا وَأَمَّا الْغَنَمُ لَا تُقَلَّدُ وَلَا تُشْعَرُ وَحُكْمُ تَقْلِيدِ الْغَنَمِ الْكَرَاهَةُ وَإِشْعَارُهَا التَّحْرِيمُ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ.
[قَوْلُهُ: لَمْ يَذْبَحْهَا إلَّا بِمِنًى] أَيْ إنْ وَقَفَ بِهِ بِعَرَفَةَ وَإِلَّا فَمَكَّةُ وَيَصِيرُ حُكْمُهَا الْهَدْيُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْهَا بَعْدَ الْمَحَلِّ لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْهَا وَيَأْكُلُ قَبْلَ مَحِلِّهِ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْبَدَلَ.
[قَوْلُهُ: إذْ لَوْ كَانَتْ عَلَى الْفَوْرِ لَوَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ] أَيْ الْمَكَانِ الَّذِي فَعَلَ فِيهِ مُوجِبَ الْفِدْيَةِ.

[قَوْلُهُ: مَعْنَاهُ تُبْدِي ذَلِكَ] أَيْ تُظْهِرُ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْإِحْرَامَ] هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا أَنَّ الْإِحْرَامَ مُسْتَقَرٌّ إلَخْ وَهِيَ الصَّوَابُ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ فَهُوَ نِيَّةُ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَقِرًّا فِي الْوَجْهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَهَا إلَخْ] ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَخْشَ مِنْهَا الِافْتِنَانَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ كَشْفُ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا إلَّا أَنْ يُخْشَى مِنْهَا الْفِتْنَةَ فَيَجِبُ عَلَيْهَا السِّتْرُ بِأَنْ تُسْدِلَ شَيْئًا عَلَى وَجْهِهَا مِنْ غَيْرِ غَرْزٍ وَلَا رَبْطٍ وَلَا يُشْتَرَطُ مُبَاعَدَتُهُ عَنْ وَجْهِهَا.
فَإِنْ سَتَرَتْ وَجْهَهَا وَلَوْ بِطِينٍ لِغَيْرِ سَتْرٍ بَلْ فَعَلَتْ تَرَفُّهًا أَوْ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ

بِثَوْبٍ تَسْدُلُهُ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا وَلَا تَغْرِزُهُ بِإِبْرَةٍ وَلَيْسَ لَهَا لُبْسُ النِّقَابِ وَلَا الْبُرْقُعِ وَلَا اللِّثَامِ، فَإِنْ فَعَلَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ افْتَدَتْ (وَإِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ) بِمَعْنَى يُبْدِيهِمَا فِي حَالِ الْإِحْرَامِ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَإِنْ غَطَّى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَانْتَفَعَ حَرُمَ عَلَيْهِ وَافْتَدَى نَاسِيًا كَانَ أَوْ عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا، وَإِنْ نَزَعَ مَكَانَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ تَوَسُّدُهُ وَسَتْرُهُ بِيَدِهِ مِنْ شَمْسٍ وَغَيْرِهَا وَحَمْلِهِ عَلَيْهِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ خُرْجِهِ وَجِرَابِهِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ حَمَلَ لِغَيْرِهِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ فَالْفِدْيَةُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ عَيْشُهُ ذَلِكَ.
وَيَجُوزُ اسْتِظْلَالُهُ بِالْبِنَاءِ وَالْأَخْبِيَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا (وَلَا يَلْبَسُ الرَّجُلُ الْخُفَّيْنِ) فِي الْإِحْرَامِ (إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ) كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ، وَكَذَلِكَ إذَا رَفَعَ عَلَيْهِ فِي الثَّمَنِ فَإِنَّهُ لَا يَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ إلَّا بَعْدَ قَطْعِهِمَا قِيلَ: قَوْلُهُ فَلْيَقْطَعْهُمَا مَقْصُودُهُ فَلَا يَلْبَسُهُمَا حَتَّى يَقْطَعَهُمَا بِنَفْسِهِ حَتَّى لَوْ

[حاشية العدوي]

لِأَجْلِ السِّتْرِ لَكِنْ مَعَ الْغَرْزِ أَوْ الرَّبْطِ لَزِمَتْهَا الْفِدْيَةُ.
[قَوْلُهُ: تُسْدِلُهُ عَلَيْهِ] أَيْ عَلَى وَجْهِهَا.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لَهَا لُبْسُ النِّقَابِ] أَيْ لِأَنَّهَا تَسْتَدْعِي رَبْطًا فِي النِّهَايَةِ اللَّثْمُ سَدُّ الْفَمِ بِاللِّثَامِ وَالنِّقَابُ مَا يَصِلُ إلَى الْعُيُونِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: النِّقَابُ تَغْطِيَةُ الْأَنْفِ [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى يُبْدِيهِمَا] فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ سَتْرُهُمَا بِكُلِّ شَيْءٍ وَلَوْ طِينًا.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ غَطَّى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ] بِأَنْ غَطَّى رَأْسَهُ أَوْ وَجْهَهُ أَوْ بَعْضَ أَحَدِهِمَا وَانْتَفَعَ بِهِ افْتَدَى وَلَوْ مُضْطَرًّا.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ نَزَعَ مَكَانَهُ] مُحْتَرَزٌ وَانْتَفَعَ بِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، أَيْ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ حَرُمَ لِأَنَّ شَرْطَهَا فِي اللُّبْسِ الِانْتِفَاعُ مِنْ الْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ، أَيْ فِي الْجُمْلَةِ فَلَوْ لَبِسَ قَمِيصًا رَقِيقًا لَا يَقِي حَرًّا وَلَا بَرْدًا أَوْ تَرَاخَى وَهُوَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَفْتَدِي لِأَنَّهُ انْتَفَعَ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ وَفِي الْخَرَشِيِّ وَانْتَفَعَ بِهِ مَنْ دَفْعِ إذَايَةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ دَوَامٍ كَالْيَوْمِ اهـ. وَهُوَ نَاقِلٌ لَهُ عَنْ الْغَيْرِ، أَيْ فَجَعَلَ الدَّوَامَ كَالْيَوْمِ مُنَزَّلًا مَنْزِلَةَ الِانْتِفَاعِ جَزْمًا وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ نِصْفَ الْيَوْمِ أَوْ أَكْثَرَ الْيَوْمِ لَيْسَ كَالْيَوْمِ.
[قَوْلُهُ: وَسَتْرُهُ بِيَدِهِ مِنْ شَمْسٍ وَغَيْرِهَا] أَيْ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَّقِيَ الشَّمْسَ أَوْ الرِّيحَ بِيَدِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سَاتِرًا فَفِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ فَوْقَ حَاجِبَيْهِ يَسْتُرُ بِهَا وَجْهَهُ، أَيْ وَلَا يُلْصِقُهَا عَلَى رَأْسِهِ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ إذَا طَالَ [قَوْلُهُ: وَحَمْلُهُ عَلَيْهِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ خُرْجِهِ وَجِرَابِهِ] أَيْ حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ، أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مَنْ يَحْمِلُ خُرْجَهُ مَثَلًا لَا بِأُجْرَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا.
[قَوْلُهُ: وَغَيْرِهِ] أَيْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ كَحُزْمَةِ حَطَبٍ يَحْمِلُهَا لِيَبِيعَهَا.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ أَشْهَبُ] أَيْ مُقَيِّدًا لِإِطْلَاقِ مَا ذُكِرَ وَهُوَ مُعْتَمَدٌ [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ عَيْشُهُ] أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَمْلِ لِلْغَيْرِ أَوْ التِّجَارَةِ لِعَيْشِهِ.
[قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ اسْتِظْلَالُهُ بِالْبِنَاءِ إلَخْ] أَيْ زَمَنَ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ فَيُكْرَهُ التَّظَلُّلُ مِنْ الشَّمْسِ وَلَعَلَّهُ لِتَكْثِيرِ الثَّوَابِ كَمَا اُسْتُحِبَّ الْقِيَامُ بِهِ دُونَ الْجُلُوسِ إلَّا لِتَعَبٍ.
[قَوْلُهُ: وَالْأَخْبِيَةِ إلَخْ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ وَالْخِبَاءُ مَا يُعْمَلُ مِنْ وَبَرٍ أَوْ صُوفٍ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ شَعْرٍ وَالْجَمْعُ أَخْبِيَةٌ بِغَيْرِ هَمْزٍ كَكِسَاءٍ وَأَكْسِيَةٍ وَيَكُونُ عَلَى عَمُودَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْتٌ اهـ. [قَوْلُهُ: وَمَا فِي مَعْنَاهَا] أَيْ مِمَّا يَثْبُتُ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَظَلَّلَ بِجَانِبِ الْمَحْمَلِ نَازِلَةً أَوْ سَائِرَةً وَكَذَا تَحْتَهُ عَلَى الرَّاجِحِ وَكَذَلِكَ الِاسْتِظْلَالُ بِالْبَعِيرِ وَنَازِلًا أَوْ سَائِرًا أَوْ بَارِكًا وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَظَلَّلَ وَهُوَ فِي الْمَحْمَلِ بِأَعْوَادٍ يَرْفَعُهَا أَوْ بِثَوْبٍ بِجَعْلُهُ عَلَى عَصًا وَهَلْ تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ أَوْ تُنْدَبُ خِلَافٌ، وَقُلْنَا بِأَعْوَادٍ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ كَانَ لَهُ سَقْفٌ، فَإِنَّهُ كَالْبِنَاءِ وَالْأَخْبِيَةِ فَيَجُوزُ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَقُطَّهُمَا أَسْفَلَ] وَظَاهِرُهُ وَإِنْ سَتَرَ الْعَقِبَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ الْقَطْعِ ثَنْيُهُ أَسْفَلَ مِنْ كَعْبٍ وَلَا فِدْيَةَ فِي لُبْسِهِمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِخِلَافِ لُبْسِهِمَا لِمَرَضٍ أَوْ دَوَاءٍ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَلَوْ قَطَعَهُمَا أَوْ ثَنَاهُمَا وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ السَّرْمُوزَةُ كَذَلِكَ وَهُوَ الْمُصَرَّحُ بِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ] قَالَ بَعْضُهُمْ لِخَبَرٍ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبِسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ الْكَعْبَيْنِ اهـ. [قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إذَا رَفَعَ عَلَيْهِ فِي الثَّمَنِ] بِأَنْ زَادَ عَلَى ثُلُثِ ثَمَنِهِ الْمُعْتَادِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ قَالَهُ عج، وَالْمُعْتَبَرُ مِنْ الْفَقْدِ وَالْغُلُوِّ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعْدَادُ النَّعْلَيْنِ قَبْلَهُ إذَا عَلِمَ بِفَقْدِهِمَا

وَجَدَهُمَا مَقْطُوعَيْنِ لَمْ يَشْتَرِهِمَا كَذَلِكَ وَيَلْبَسُهُمَا، وَقِيلَ: يَجُوزُ لَهُ شِرَاؤُهُمَا كَذَلِكَ وَيَلْبَسُهُمَا

ثُمَّ انْتَقَلَ يُبَيِّنُ الْفَاضِلَ وَالْمَفْضُولَ مِنْ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ الْمُسْتَلْزِمِ لَهَا فَقَالَ: (وَالْإِفْرَادُ) وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ (بِالْحَجِّ) فَقَطْ (أَفْضَلُ عِنْدَنَا) أَيْ الْمَالِكِيَّةِ (مِنْ التَّمَتُّعِ وَمِنْ الْقِرَانِ) وَسَيَذْكُرُ تَعْرِيفَهُمَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ حَيْثُ قَدَّمَ التَّمَتُّعَ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ وَإِنَّمَا كَانَ الْإِفْرَادُ أَفْضَلَ مِنْهُمَا لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ، وَاتَّصَلَ عَمَلُ الْخُلَفَاءِ وَالْأَئِمَّةِ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْإِفْرَادَ لَا يَحْتَاجُ إلَى جُبْرَانٍ بِهَدْيٍ بِخِلَافِ الْأَخِيرَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَحْتَاجَانِ إلَيْهِ

وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَمَنْ قَرَنَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ (أَوْ تَمَتَّعَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ) مَفْهُومُهُ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَا هَدْيَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَسَيُصَرِّحُ بِهِ وَالْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ كَانَ حَاضِرًا بِهَا أَوْ بِذِي طَوًى وَقْتَ فِعْلِ النُّسُكَيْنِ، وَلِوُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْقَارِنِ شَرْطَانِ: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ الْحَاضِرِينَ وَأَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ.
وَشُرُوطُ وُجُوبِ دَمِ التَّمَتُّعِ تَأْتِي

ثُمَّ بَيَّنَ مَحَلَّ نَحْرِ الْهَدْيِ وَذَبْحِهِ بِقَوْلِهِ: (يَذْبَحُهُ) أَيْ الْهَدْيَ إنْ كَانَ مِمَّا يُذْبَحُ (أَوْ يَنْحَرَهُ) إنْ كَانَ مِمَّا يُنْحَرُ (بِمِنًى) أَيْ فِي مِنًى نَهَارًا بَعْدَ

[حاشية العدوي]

عِنْدَهُ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَجُوزُ لَهُ شِرَاؤُهُمَا إلَخْ] وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الرَّاجِحُ كَمَا يُفِيدُهُ عج وَقَرَّرَهُ بَعْضُهُمْ.

[الْفَاضِلَ وَالْمَفْضُولَ مِنْ أَوْجُهِ الْإِحْرَامِ الثَّلَاثَةِ]

[قَوْلُهُ: الْمُسْتَلْزِمُ لَهَا] ظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِحْرَامَ الَّذِي هُوَ كُلِّيٌّ مُسْتَلْزِمٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ أَنَّ الْكُلِّيَّ لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودُهُ وُجُودَ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ فَمُرَادُهُ الْمُسْتَلْزِمُ لِمَجْمُوعِهَا، أَيْ بَعْضِهَا [قَوْلُهُ: وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فَقَطْ] أَيْ ثُمَّ إذَا فَرَغَ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَ الْعُمْرَةَ لِأَنَّ الْإِفْرَادَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عُمْرَةٍ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ الْمَالِكِيَّةُ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْقِرَانُ أَفْضَلُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْإِفْرَادُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ الْأَفْضَلُ الْإِفْرَادُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْقِرَانُ وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ آخَرَ أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: الْأَفْضَلُ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْإِفْرَادُ ثُمَّ الْقِرَانُ.
[قَوْلُهُ: وَسَيَذْكُرُ تَعْرِيفَهُمَا] فَإِنْ قُلْت يُرَدُّ حِينَئِذٍ أَنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ التَّصْدِيقِ عَلَى التَّصَوُّرِ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ الْحُكْمِ عَلَى التَّصْوِيبِ لَا عَلَى التَّصَوُّرِ فَإِنْ قُلْت إنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَعْرِفْ الْإِفْرَادَ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ حَيْثُ ذَكَرَ تَعْرِيفَهُمَا بَعْدُ قُلْت إنَّ الْإِفْرَادَ لَيْسَ فِيهِ غُمُوضٌ بِخِلَافِهِمَا.
[قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ] لِأَنَّهُ فِي عَمَلِهِ كَالْمُفْرِدِ وَالْمُفْرِدُ أَفْضَلُ فَمَا قَارَبَ فِعْلَهُ كَانَ أَفْضَلَ.
[قَوْلُهُ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْرَدَ] أَيْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» . [قَوْلُهُ: وَاتَّصَلَ عَمَلُ الْخُلَفَاءِ] أَيْ فَقَدْ أَفْرَدَ الصِّدِّيقُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَعُمَرُ بَعْدَهُ عَشْرَ سِنِينَ وَعُثْمَانُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَمَا جَاءَ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ فَأَجَابَ عَنْهُ الْإِمَامُ بِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَمَرَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ بِالْقِرَانِ، وَأَمَرَ بَعْضًا بِالتَّمَتُّعِ فَنُسِبَ ذَلِكَ إلَيْهِ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ [قَوْلُهُ: وَالْأَئِمَّةُ إلَخْ] عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ، أَيْ أَئِمَّةُ الدِّينِ عِبَارَةُ بَهْرَامَ وَاتَّصَلَ الْعَمَلُ بِالْمَدِينَةِ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ وَمِنْ عُلَمَائِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ اهـ

[قَوْلُهُ: وَقْتَ فِعْلِ النُّسُكَيْنِ] أَيْ وَقْتَ الْإِحْرَامِ بِهِمَا أَيْ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُقِيمٍ وَقْتَ الْإِحْرَامِ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا فَعَلَيْهِ الدَّمُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ قَدْ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، وَذَلِكَ فِي التَّمَتُّعِ دَائِمًا وَفِي الْقِرَانِ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ وَقَدْ يَكُونُ الْإِحْرَامُ بِهَا مُقَارِنًا لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَذَلِكَ فِي بَعْضِ صُوَرِ الْقِرَانِ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ اسْتَوْطَنَهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِأَهْلِهِ أَوْ بِغَيْرِهِمْ لِحَاجَةٍ مِنْ غَزْوٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ أَمْرٍ عَرَضَ لَهُ سَوَاءٌ طَالَتْ إقَامَتُهُ بِغَيْرِهَا أَمْ قَصُرَتْ، ثُمَّ قَدِمَ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا انْقَطَعَ بِغَيْرِهَا وَرَفَضَ سُكْنَاهَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمُ الْقِرَانِ وَالْمُتْعَةِ، إذَا قَدِمَ إلَيْهَا قَارِنًا أَوْ مُعْتَمِرًا كَمَنْ قَدِمَ بِهَا يَنْوِي الْإِقَامَةَ.
[قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ الْحَاضِرِينَ] أَيْ بِمَكَّةَ أَوْ بِذِي طُوًى وَهُوَ الْمَعْرُوفُ الْآنَ بِالْحَجُونِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ] احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا لَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَرَكَ الْأَوْلَى فِي حَقِّهِ وَاسْتَمَرَّ عَلَى إحْرَامِهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ

[مَحَلَّ نَحْرِ الْهَدْيِ وَذَبْحِهِ]

[قَوْلُهُ: بَعْدَ الْفَجْرِ] لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ نَهَارًا صَادِقًا بِأَنْ يَكُونَ بَعْدَ الشَّمْسِ فَلَا

الْفَجْرِ فَلَا يُجْزِئُ فِعْلُهُ لَيْلًا وَالْأَصْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ فِعْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمِنًى كُلُّهَا مَحَلٌّ لِلنَّحْرِ وَلِصِحَّةِ النَّحْرِ بِهَا شُرُوطٌ أَحَدُهَا: (إنْ أَوْقَفَهُ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَوْ نَائِبُهُ (بِعَرَفَةَ) لَيْلًا ابْنُ هَارُونَ أَمَّا اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْوُقُوفِ بِالْهَدْيِ لَيْلًا فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَنَّ كُلَّ مَنْ اشْتَرَطَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ جَعَلَ حِكْمَةَ حُكْمَ رَبِّهِ فِيمَا يَجْزِيهِ مِنْ الْوُقُوفِ.
ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ النَّحْرُ فِي أَيَّامِ مِنًى ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ النَّحْرُ فِي حَجَّةٍ لَا فِي عُمْرَةٍ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فَلَا يَجُوزُ النَّحْرُ بِمَكَّةَ وَلَا بِغَيْرِهَا وَإِنْ فُقِدَ بَعْضُهَا جَازَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ لَمْ يُوقِفْهُ بِعَرَفَةَ) يَعْنِي أَوْ فَاتَتْهُ أَيَّامُ مِنًى وَلَوْ وَقَفَ بِهِ بِعَرَفَةَ (فَلْيَنْحَرْهُ) أَوْ يَذْبَحْهُ (بِمَكَّةَ) أَوْ مَا يَلِيهَا مِنْ الْبُيُوتِ وُجُوبًا وَإِذَا نَحَرَهُ أَوْ ذَبَحَهُ بِمَكَّةَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ (بِالْمَرْوَةِ) وَحَيْثُ تَعَيَّنَ الْهَدْيُ وَذَبْحُهُ بِمَكَّةَ فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا (بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ بِهِ مِنْ الْحِلِّ) أَيْ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ لِأَنَّ كُلَّ هَدْيٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ.

وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْهَدْيَ يَكُونُ مِنْ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالْإِبِلِ وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ الْإِبِلُ ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْغَنَمُ، وَلَا يُجْزِئُ فِي الْجَمِيعِ إلَّا السَّلِيمُ كَالْأُضْحِيَّةِ، وَكَذَلِكَ لَا يُجْزِئُ إلَّا الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيُّ مِمَّا سِوَاهُ، وَالْهَدْيُ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ عَلَى التَّمَتُّعِ وَالْقَارِنِ إذَا وَجَدَهُ

(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) بِأَنْ يَئِسَ مِنْ وُجُودِهِ (فَ) الْوَاجِبُ عَلَيْهِ (صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) وَفَاعِلُ (يَعْنِي) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالتِّلَاوَةُ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا إلَّا التَّمَتُّعَ دُونَ الْقِرَانِ (مِنْ

[حاشية العدوي]

يُجْزِئُ بَعْدَ الْفَجْرِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ.
[قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ] أَيْ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ كَوْنِهِ فِي مِنًى وَنَهَارًا وَبَعْدَ الْفَجْرِ وَهُوَ ظَرْفٌ مُتَّسِعٌ.
[قَوْلُهُ: وَمِنًى كُلُّهَا مَحَلٌّ لِلنَّحْرِ] إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى، وَلَا يَجُوزُ دُونَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِمَّا يَلِي مَكَّةَ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مِنًى.
[قَوْلُهُ: أَوْ نَائِبُهُ] وَلَوْ حُكْمًا كَتَأَخُّرِهِ حِينَ ضَلَّ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ عَنْ وُقُوفِ التُّجَّارِ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا نَائِبِينَ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُمْ وَيَأْذَنُ لَهُمْ فِي الْوُقُوفِ بِهِ عَنْهُ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ كُلَّ مَنْ اشْتَرَطَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ] أَيْ لَيْلًا كَمَالِكٍ جَعَلَ إلَخْ، أَيْ فَيُشْكِلُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ النَّحْرُ فِي أَيَّامِ مِنًى] أَرَادَ بِهَا يَوْمَ النَّحْرِ وَالْيَوْمَيْنِ بَعْدَهُ فَلَا يَدْخُلُ الرَّابِعُ.
[قَوْلُهُ: ثَالِثُهَا أَنْ يَكُونَ النَّحْرُ فِي حَجَّةٍ] أَيْ إنْ كَانَ الْهَدْيُ سِيقَ فِي إحْرَامِ حَجٍّ سَوَاءٌ وَجَبَ لِنَقْصٍ فِيهِ أَوْ فِي عُمْرَةٍ أَوْ تَطَوُّعًا أَوْ جَزَاءَ صَيْدٍ.
[قَوْلُهُ: فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فَلَا يَجُوزُ] أَيْ فَالنَّحْرُ بِمِنًى وَاجِبٌ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الذَّبْحَ مَعَ وُجُودِ هَذِهِ الشُّرُوطِ مَنْدُوبٌ، أَيْ وَأَمَّا مَعَ فَقْدِهَا الذَّبْحَ بِمَكَّةَ مُتَعَيِّنٌ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَإِنْ فَقَدَ بَعْضَهَا جَازَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ تَعَيَّنَ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي أَوْ فَاتَتْهُ أَيَّامَ مِنًى] أَيْ أَوْ كَانَ مَسُوقًا فِي إحْرَامِ عُمْرَةٍ سَوَاءٌ كَانَ نَذْرًا أَوْ جَزَاءَ صَيْدٍ أَوْ تَطَوُّعًا أَيْ أَوْ سَاقَهُ لَا مَعَ إحْرَامٍ أَوْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ مَا يَلِيهَا إلَخْ] إلَّا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الذَّبْحُ بِذِي طُوًى وَنَحْوِهَا مِمَّا كَانَ خَارِجًا عَنْ بُيُوتِهَا وَلَوْ كَانَ مِنْ لَوَاحِقِهَا [قَوْلُهُ: فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَاهُ مِنْ الْحِلِّ فَلَا بُدَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْحَرَمَ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ مِنْ الْحَرَمِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَى الْحِلِّ ثُمَّ يُدْخِلُهُ الْحَرَمَ، كَانَ الْهَدْيُ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا خَرَجَ بِهِ صَاحِبُهُ أَوْ نَائِبُهُ كَانَ الْخَارِجُ بِهِ مُحْرِمًا أَوْ لَا

[قَوْلَةُ: وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ] أَيْ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ يَذْبَحُهُ أَوْ يَنْحَرُهُ.
[قَوْلُهُ: إلَّا السَّلِيمُ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنْ يُجْزِئَ فِي الْهَدْيِ مَا يُجْزِئُ فِي الضَّحِيَّةِ وَالْمُعْتَبَرُ السَّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ الْمَانِعَةِ لِلْإِجْزَاءِ وَقْتَ التَّقْلِيدِ وَالْمُرَادُ بِهِ تَهْيِئَتُهُ لِلْهَدْيِ وَإِخْرَاجُهُ سَائِرًا إلَى مَكَّةَ فَلَا يَضُرُّ الْعَيْبُ الطَّارِئُ، بَعْدَ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَلَّدَ أَوْ أَشْعَرَ مَعِيبًا فَلَا يُجْزِئُ وَلَوْ سَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَذَا فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ، وَأَمَّا الْمُتَطَوَّعُ بِهِ وَمِثْلُهُ النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ فَهَذَا يَجِبُ تَنْفِيذُهُ بِتَقْلِيدِهِ وَلَوْ مَعِيبًا بِعَيْبٍ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ.
[قَوْلُهُ: الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيُّ مِمَّا سِوَاهُ] سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الضَّحِيَّةِ

[قَوْلُهُ: بِأَنْ يَئِسَ مِنْ وُجُودِهِ] أَوْ أَيِسَ مِنْ وُجُودِ مَا يَشْتَرِيهِ بِهِ وَلَمْ يَجِدْ مُسَلِّفًا لِبَلَدِهِ وَهُوَ مَلِيءٌ بِهِ كَمَا قَالَهُ الشَّاذِلِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا ظَنَّ الْعَجْزَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَائِسِ [قَوْلُهُ: ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى] أَيْ أَوْ

وَقْتِ يُحْرِمُ) أَيْ ابْتِدَاءُ صِيَامِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي فِي الْحَجِّ مِنْ وَقْتِ يُحْرِمُ (إلَى) آخِرِ (يَوْمِ عَرَفَةَ) فَيَكُونُ يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمًا مَصُومًا وَلَيْسَ هَذَا مُعَارِضًا لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْكِتَابِ، وَصَوْمُ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ أَفْضَلُ مِنْهُ لِلْحَاجِّ لِأَنَّ مَا هُنَا فِي الصِّيَامِ الْوَاجِبِ، وَمَا هُنَاكَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ

(فَإِذَا فَاتَهُ ذَلِكَ) أَيْ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ (صَامَ أَيَّامَ مِنًى) وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ إنْ أَخَّرَ الصَّوْمَ إلَيْهَا لِعُذْرٍ، أَمَّا إنْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ مَعَ الْإِجْزَاءِ، وَانْظُرْ مَا قَالَ هُنَا أَنَّ الْقَارِنَ وَالْمُتَمَتِّعَ يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى مَعَ قَوْلِهِ فِي الصِّيَامِ أَنَّهُ لَا يَصُومُهَا إلَّا الْمُتَمَتِّعُ أَجَابَ ع: بِأَنَّ مَا قَالَ هُنَا يَجْرِي عَلَى قَوْلٍ (وَ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ صِيَامِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ سَوَاءٌ صَامَهَا فِي الْحَجِّ أَوْ فِي مِنًى فَإِنَّهُ يَصُومُ (سَبْعَةً) أَيْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ (إذَا رَجَعَ) مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ سَوَاءٌ أَقَامَ بِمَكَّةَ أَوْ لَا، فَإِنْ أَخَّرَهَا صَامَ مَتَى شَاءَ وَالتَّتَابُعُ فِي الْعَشَرَةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ عَلَى الْمَشْهُورِ.

ثُمَّ انْتَقَلَ يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَبَدَأَ بِالتَّمَتُّعِ وَلَهُ شُرُوطٌ سَبْعَةٌ أُخِذَتْ مِنْ كَلَامِهِ، أَحَدُهَا: أَنْ يُقَدِّمَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَصِفَةُ التَّمَتُّعِ أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ) أَوَّلًا.
ثَانِيهَا: أَنْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ يَحِلُّ مِنْهَا) ثَالِثُهَا: أَنْ تَحْصُلَ الْعُمْرَةُ (فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) وَلَا يُشْتَرَطُ إيقَاعُ جَمِيعِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بَلْ لَوْ أَحْرَمَ بِهَا فِي رَمَضَانَ وَأَكْمَلَهَا فِي لَيْلَةِ شَوَّالٍ كَانَ مُتَمَتِّعًا، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْبَعْضِ الَّذِي أَوْقَعَهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَنْ يَكُونَ رُكْنًا فَلَوْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إلَّا الْحَلْقُ وَأَوْقَعَهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا.
رَابِعُهَا: أَنْ تَكُونَ

[حاشية العدوي]

لِلشَّارِعِ أَوْ الْإِمَامِ مَالِكٍ.
[قَوْلُهُ: وَالتِّلَاوَةُ إلَخْ] إنْ كَانَ قَصْدُهُ مُجَرَّدَ بَيَانِ التِّلَاوَةِ فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ الِاعْتِرَاضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ، لِأَنَّ قَوْلَهُ يَعْنِي أَيْ اللَّهُ بِقَوْلِهِ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ وَقْتِ يُحْرِمُ وَلَا دَخْلَ لِصَدْرِهَا وَهُوَ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [قَوْلُهُ: مِنْ وَقْتِ يُحْرِمُ إلَخْ] الْمَعْنَى أَنَّ النَّقْصَ الْمُوجِبَ لِلْهَدْيِ إنْ كَانَ سَابِقًا عَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ زَمَنُ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ مِنْ إحْرَامِهِ وَيَمْتَدُّ إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ لِأَنَّهُ لَهُ صَوْمُهُ أَيْ كَتَعَدِّي الْمِيقَاتِ وَتَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ وَتَرْكِ طَوَافِ قُدُومٍ وَمَفْهُومُ قَوْلِنَا سَابِقًا عَلَى الْوُقُوفِ، أَنَّ النَّقْصَ إنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْوُقُوفِ كَتَرْكِ النُّزُولِيِّ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَوْ تَرْكِ رَمْيٍ أَوْ حَلْقٍ أَوْ كَانَ وَقْتُهُ كَلُزُومِ الْهَدْيِ لِلْمَارِّ بِعَرَفَةَ النَّاوِي لِلْحَجِّ أَوَاخِرَ الثَّلَاثَةِ حَتَّى فَاتَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، فَإِنَّهُ يَصُومُهَا مَعَ السَّبْعَةِ مَتَى شَاءَ.
[قَوْلُهُ: فَيَكُونُ يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمًا مَصُومًا] يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ إلَى فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى مَعَ

[قَوْلُهُ: صَامَ أَيَّامَ مِنًى] أَيْ وُجُوبًا كَمَا فِي عِبَارَةِ ابْنِ رُشْدٍ.
[قَوْلُهُ: وَلَا إثْمَ إلَخْ] وَقَدْ وَقَعَ تَرَدُّدٌ فِي صَوْمِهَا هَلْ هُوَ قَضَاءٌ أَوْ أَدَاءٌ وَلَا مُنَافَاةَ، بَيْنَ مَنْعِ تَأْخِيرِهَا لَهَا وَبَيْنَ كَوْنِهَا أَدَاءً كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الصَّلَاةِ فِي قَوْلِنَا وَأَثِمَ إلَّا لِعُذْرٍ.
[قَوْلُهُ: أَجَابَ ابْنُ عُمَرَ إلَخْ] أَيْ وَالرَّاجِحُ مَا هُنَا وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ قَوْلَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ إلَّا الْمُتَمَتِّعُ أَيْ أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ كَالْقَارِنِ لِأَنَّهُ شَقِيقُهُ.
[قَوْلُهُ: إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ الْمُرَادُ بِالرُّجُوعِ مِنْ مِنًى الْفَرَاغُ مِنْ الرَّمْيِ لِيَشْمَلَ أَهْلَ مِنًى، أَوْ مَنْ أَقَامَ بِهَا وَيُنْدَبُ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ صَوْمَ السَّبْعَةِ إلَى أَنْ يَرْجِعَ لِأَهْلِهِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] هَلْ لِلْأَهْلِ كَمَا يَقُولُ الْمُخَالِفُ أَوْ لِمَكَّةَ كَمَا يَقُولُهُ مَالِكٌ، فَإِنْ اسْتَوْطَنَ مَكَّةَ صَامَ بِهَا، وَلَا تُجْزِئُ السَّبْعَةُ وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا إنْ قُدِّمَتْ عَلَى وُقُوفِهِ، أَيْ إذَا قَدَّمَ السَّبْعَةَ عَلَى وُقُوفِهِ وَنِيَّتُهُ أَنْ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ بَعْدَهُ فَلَا يُحْتَسَبُ مِنْ السَّبْعَةِ بِثَلَاثَةٍ، وَأَمَّا إنْ صَامَ الْعَشَرَةَ بِتَمَامِهِ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَقَالَ الْحَطَّابُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجْتَزِئُ مِنْهَا بِثَلَاثَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَالتَّتَابُعُ فِي الْعَشَرَةِ] أَيْ أَنَّ.
التَّتَابُعَ فِي كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ أَفَادَهُ عِبَارَةُ التَّحْقِيقِ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ مَا لِابْنِ حَارِثٍ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِ الثَّلَاثَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَكَذَا السَّبْعَةِ

[حَقِيقَةَ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ]

[قَوْلُهُ: أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ] أَيْ جِنْسِ الْعُمْرَةِ إذْ لَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُ فِعْلُ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَهَدْيٌ وَاحِدٌ يَجْزِيهِ وَلَا فَرْقَ فِي الْعُمْرَةِ بَيْنَ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ، لِأَنَّ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ

الْعُمْرَةُ وَالْحَجُّ فِي عَامٍ وَاحِدٍ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ عَامِهِ) لِأَنَّهُمَا إنْ لَمْ يَكُونَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ لَمْ يَحْصُلْ التَّمَتُّعُ، خَامِسُهَا: أَنْ لَا يَعُودَ إلَى أُفُقِهِ أَيْ بَلَدِهِ أَوْ مِثْلِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (قَبْلَ الرُّجُوعِ إلَى أُفُقِهِ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِهَا (أَوْ إلَى مِثْلِ أُفُقِهِ فِي الْبُعْدِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
سَادِسُهَا: أَنْ لَا يَكُونَ حَاضِرًا وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وَسَيَأْتِي.
سَابِعُهَا: أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ وَالْحَجُّ عَنْ وَاحِدٍ فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَنْ نَفْسِهِ وَالْآخَرُ عَنْ غَيْرِهِ فَالْأَشْهَرُ سُقُوطُ الدَّمِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لِأَحَدِهِمَا مَجْمُوعُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ التَّمَتُّعِ، وَهَذَا الشَّرْطُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَصِفَةُ التَّمَتُّعِ إلَخْ.
(وَلِهَذَا) اللَّامُ لِلْإِبَاحَةِ وَالْإِشَارَةُ عَائِدَةٌ عَلَى الْمُحْرِمِ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ الدَّالِّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ أَيْ وَيُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ إذَا حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ (أَنْ يُحْرِمَ) بِحَجٍّ (مِنْ مَكَّةَ إنْ كَانَ بِهَا) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ (وَلَا يُحْرِمُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ مَكَّةَ (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ) لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْعُمْرَةِ أَنْ يَجْمَعَ فِيهَا بَيْن الْحِلِّ وَالْحَرَمِ.

ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ الْقِرَانِ قَالَ: (وَصِفَةُ الْقِرَانِ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ مَعًا وَيَبْدَأَ بِالْعُمْرَةِ فِي نِيَّتِهِ وَإِذَا أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ وَيَرْكَعَ فَهُوَ قَارِنٌ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُرْدِفُ فِي الطَّوَافِ، وَالْمَشْهُورُ جَوَازُهُ وَيَصِحُّ بَعْدَ كَمَالِهِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ، فَإِنْ رَكَعَ فَاتَ الْإِرْدَافُ فَإِنْ أَرْدَفَ بَعْدَ السَّعْيِ لَمْ يَكُنْ قَارِنًا اتِّفَاقًا ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ

[حاشية العدوي]

أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ فِي الْحَجِّ يَعْنِي فِي أَشْهُرِهِ ثُمَّ حَلَّ مِنْهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ قَبْلَ قَضَاءِ عُمْرَتِهِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ عُمْرَتِهِ بَعْدَ أَنْ يَحِلَّ مِنْ حَجِّهِ وَحَجُّهُ تَامٌّ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ] أَيْ خِلَافًا لِابْنِ الْمَوَّازِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ سُقُوطِ الدَّمِ عَمَّنْ أُفُقُهُ بِالْحِجَازِ، إلَّا بِالْعَوْدِ إلَى نَفْسِ أُفُقِهِ لَا إلَى مِثْلِهِ، إلَّا أَنْ يَخْرُجَ عَنْ أَرْضِ الْحِجَازِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ بِمَنْ كَانَ أُفُقُهُ، إذَا ذَهَبَ وَعَادَ يُدْرَكُ مِنْ عَامِهِ، وَأَمَّا مَنْ أُفُقُهُ أَفْرِيقِيَّةَ، فَإِنَّ رُجُوعَهُ بِمِصْرَ بِمَنْزِلَةِ رُجُوعِهِ لِبَلَدِهِ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ، وَخُرُوجُهُ مِنْ مَكَّةَ إلَى مَحَلٍّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ قَدْرُ مَا بَيْنَ مِصْرَ وَمَكَّةَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ.
وَانْظُرْ لَوْ خَرَجَ إلَى مَحَلٍّ مَسَافَتُهُ دُونَ مِصْرَ بِكَثِيرٍ هَلْ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ أَوْ عَلَيْهِ الدَّمُ وَهُوَ الظَّاهِرُ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: فَالْأَشْهَرُ سُقُوطُ الدَّمِ] وَمُقَابِلُهُ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّ عَلَيْهِ الدَّمَ.
[وَهَذَا الشَّرْطُ مَأْخُوذٌ إلَخْ] لَا يَسْلَمُ الْأَخْذُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ [قَوْلُهُ: أَيْ وَيُبَاحُ إلَخْ] وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ لِعَرَفَةَ فَيَحْصُلُ فِي إحْرَامِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَأَرَادَ بِالْإِبَاحَةِ الْإِذْنَ الشَّامِلَ لِلنَّدْبِ، فَلَا يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْمُقِيمَ بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ آفَاقِيٌّ لَيْسَ عَلَيْهِ نَفْسُ الْوَقْتِ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مَكَّةَ، وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ أَوْ الْحِلِّ فَخِلَافُ الْأَوْلَى.
[قَوْلُهُ: إنْ كَانَ بِهَا] أَيْ مُقِيمًا بِهَا سَوَاءٌ كَانَ آفَاقِيًّا أَوْ مُسْتَوْطِنًا.
[قَوْلُهُ: مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ] هَذَا قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ جَوْفِ الْمَسْجِدِ.
[قَوْلُهُ: حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ] هُوَ مَا جَاوَزَ الْحَرَمَ وَالْأَوْلَى مِنْهُ الْجِعْرَانَةُ ثُمَّ التَّنْعِيمُ

[قَوْلُهُ: أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ مَعًا] أَيْ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ بِأَنْ يَقْصِدَ الْقِرَانَ أَوْ بِنِيَّةٍ مُرَتَّبَةٍ وَيُقَدِّمُ الْعُمْرَةَ عَلَى نِيَّةِ الْحَجِّ فِي هَذِهِ وُجُوبًا لِيَرْتَدِفَ الْحَجُّ عَلَيْهَا، وَفِي الْأَوْلَى يُقَدِّمُهَا فِي التَّسْمِيَةِ اسْتِحْبَابًا، فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَيَبْدَأُ أَيْ وُجُوبًا نَاظِرٌ لِلصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَرَادَ الشَّارِحُ بِالْمَعِيَّةِ الِاشْتِرَاكَ فِي الْإِحْرَامِ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِيُجْعَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ صَادِقًا بِالصُّورَتَيْنِ إذْ لَوْ أَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ لَكَانَ قَاصِرًا عَلَى الْأَوْلَى فَلَا يَشْمَلُ الثَّانِيَةَ فَلَا يُنَاسِبُ قَوْلَ الشَّارِحِ وَيَبْدَأُ بِالْعُمْرَةِ فِي نِيَّتِهِ [قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ قَارِنًا اتِّفَاقًا] ظَاهِرُهُ أَنَّ فَوَاتَ الْإِرْدَافِ بَعْدَ الرُّكُوعِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
فَقَالَ بَهْرَامُ وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَرْتَدِفُ وَإِنْ كَانَ فِي السَّعْيِ مَا لَمْ يُتِمَّ وَيَفْرُغُ مِنْهُ فَإِنْ أَتَمَّ سَعْيَهُ فَلَا، وَمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ ضَعِيفٌ وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ لِلْقِرَانِ صُوَرًا تَقَدَّمَ اثْنَتَانِ، الثَّالِثَةُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مُفْرَدَةً ثُمَّ يُرْدِفُ الْحَجَّ عَلَيْهَا فَيُرْدِفُ لَكِنَّ فِي إرْدَافِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ صُوَرَ جَوَازٍ وَكَرَاهَةٍ مَعَ صِحَّةٍ فَمِنْ

قَوْلِهِ قَبْلُ فَمَنْ قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ إلَخْ فَقَالَ: (وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ) تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ الْحَاضِرُونَ بِهَا أَوْ بِذِي طَوًى وَقْتَ فِعْلِ النُّسُكَيْنِ (هَدْيٌ فِي تَمَتُّعٍ) اتِّفَاقًا (وَلَا) فِي (قِرَانٍ) عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَمَّا كَانَ الْأَوَّلُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ قَدَّمَهُ وَهُوَ مَحَلُّ النَّصِّ.
وَالثَّانِي مَقِيسٌ عَلَيْهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] إلَى أَنْ قَالَ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] قَوْلُهُ ذَلِكَ عَائِدٌ عَلَى مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَحِكْمَةُ سُقُوطِهِ فِيهِمَا أَنَّ الْهَدْيَ وَاجِبٌ لِمَسَاكِينِ مَكَّةَ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ، خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي إيجَابِهِ الْهَدْيَ، وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ هَلْ التَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ جَائِزَانِ لَهُمْ أَمْ مَكْرُوهَانِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُهُمَا مِنْ غَيْرِ هَدْيٍ ثُمَّ صَرَّحَ بِبَعْضِ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ مَفْهُومُ قَوْلِهِ: ثُمَّ يَحِلُّ مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ زِيَادَةً لِلْإِيضَاحِ فَقَالَ: (وَمَنْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ)

(وَمَنْ أَصَابَ) أَيْ قَتَلَ (صَيْدًا) بَرِّيًّا مَأْكُولَ اللَّحْمِ أَوْ غَيْرَ مَأْكُولِهِ غَيْرَ مَا نَصَّ الشَّارِعُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ مُحْرِمًا بِأَحَدِ

[حاشية العدوي]

الْأَوْلَى، أَنْ يَقَعَ بَعْدَ إحْرَامٍ بِهِ الْعُمْرَةُ وَقَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ أَعْمَالِهَا شَيْئًا أَوْ بِطَوَافِهَا قَبْلَ تَمَامِهِ، وَإِذَا أَرْدَفَ الْحَجَّ فِي أَثْنَاءِ الْعُمْرَةِ كَمَّلَ الطَّوَافَ وُجُوبًا وَقِيلَ اسْتِحْبَابًا وَقِيلَ جَوَازًا وَكَانَ تَطَوُّعًا، وَتَنْدَرِجُ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ فَلَا يَبْقَى لَهَا فِعْلٌ ظَاهِرٌ يَخُصُّهَا وَلَا يَلْزَمُهُ.
أَنْ يَسْتَحْضِرَ عِنْدَ إتْيَانِهِ بِالْأَفْعَالِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ أَنَّهَا لِإِحْرَامِهِ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمِنْ الثَّانِيَةِ أَيْ الْكَرَاهَةِ مَعَ الصِّحَّةِ مَا إذَا أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ طَوَافِهَا وَقَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، وَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ كَوْنُ الْوَقْتِ مُخْتَصًّا بِالْعُمْرَةِ أَوْ أَرْدَفَ فِي الرُّكُوعِ، وَشَرْطُ صِحَّةِ الْإِرْدَافِ فِي جَمِيع صُوَرِهِ صِحَّةُ الْعُمْرَةِ فَإِنْ فَسَدَتْ لَمْ يَصِحَّ الْإِرْدَافُ وَلَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ بِهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِيهِ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى عُمْرَتِهِ، وَأَمَّا الْإِرْدَافُ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَقَبْلَ السَّعْيِ، أَوْ فِي أَثْنَاءِ السَّعْيِ، فَمَكْرُوهٌ أَيْضًا وَلَا يَصِحُّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِيمَا لَمْ يَصِحَّ إرْدَافُهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَالْعَدَمِ.
تَنْبِيهٌ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَرْدَفَ بَعْدَ السَّعْيِ لَمْ يَكُنْ قَارِنًا مَعْنَاهُ وَيَلْزَمُهُ الْحَجُّ اتِّفَاقًا وَيُؤَخِّرُ حِلَاقَ الْعُمْرَةِ وَيَلْزَمُهُ هَدْيٌ لِتَأْخِيرِهِ تت.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ إلَخْ] وَأَمَّا لَوْ كَانَ لِلْمُتَمَتِّعِ أَهْلَانِ، أَهْلٌ بِمَكَّةَ وَأَهْلٌ بِغَيْرِهَا فَالْمَذْهَبُ اسْتِحْبَابُهُ وَلَوْ غَلَبَتْ إقَامَتُهُ فِي أَحَدِهِمَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا فِي قِرَانٍ عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ قِيَاسًا عَلَى التَّمَتُّعِ وَأَوْجَبَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ.
[قَوْلُهُ: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ] أَيْ تَيَسَّرَ مِنْ الْهَدْيِ.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ] وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَاسْمُ الْإِشَارَةِ عَائِدٌ عَلَى التَّمَتُّعِ.
[قَوْلُهُ: خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ] الْعِبَارَةُ فِيهَا إجْحَافٌ وَأَصْلُ التَّرْكِيبِ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ فَإِنَّهُ أَوْجَبَهُ فِي الْقِرَانِ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُهُمَا مِنْ غَيْرِ هَدْيٍ] وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ جَوَازُهُ فِيهِمَا لَكِنْ مَعَ الْهَدْيِ فِي الْقِرَانِ دُونَ التَّمَتُّعِ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ] بِأَنْ فَرَغَ مِنْ أَرْكَانِهَا.
[قَوْلُهُ: قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ] وَلَوْ تَأَخَّرَ حِلَاقُهُ إلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ] وَأَوْلَى لَوْ حَجَّ بَعْدَهُ

[قَوْلُهُ: أَيْ قَتَلَ صَيْدًا] أَيْ أَوْ نَتَفَ رِيشَهُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الطَّيَرَانِ أَوْ جَرَحَهُ وَلَمْ تَتَحَقَّقْ سَلَامَتُهُ، فَإِنْ تَحَقَّقَتْ سَلَامَتُهُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ وَلَوْ بِنَقْصٍ، فَلَوْ أَخْرَجَ فِي صُورَةِ الشَّكِّ وَالْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ مَعَ وُجُوبِ الْإِخْرَاجِ حِينَئِذٍ ثُمَّ تَحَقَّقَ أَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ جَزَاءً ثَانِيًا وَلَوْ كَانَتْ الرَّمْيَةُ أَنْفَذَتْ مَقَاتِلَهُ، لِأَنَّهُ أَخْرَجَ قَبْلَ الْوُجُوبِ، فَلَوْ بَقِيَ عَلَى شَكِّهِ أَوْ تَحَقَّقَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ لِلشَّكِّ فِي مَوْتِهِ قَبْلَ

النُّسُكَيْنِ أَوْ بِالْمَكَانِ، وَسَوَاءٌ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ نِسْيَانًا مُبَاشَرَةً أَوْ تَسَبُّبًا تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ (فَعَلَيْهِ) وُجُوبًا (جَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ) وَالْمِثْلِيَّةُ تَكُونُ فِي الصُّورَةِ وَالْمُسَاوَاةِ فِي الْقَدْرِ أَوْ الْقُرْبِ، فَعَلَى مَنْ قَتَلَ فِيلًا بَدَنَةٌ خُرَاسَانِيَّةٌ ذَاتُ سَنَامَيْنِ، وَعَلَى مَنْ قَتَلَ إبِلًا أَوْ بَقَرَةً وَحْشِيَّةً أَوْ حِمَارًا وَحْشِيًّا أَوْ ظَبْيَةً بَقَرَةٌ إنْسِيَّةٌ، وَعَلَى مَنْ قَتَلَ نَعَامَةً بَدَنَةٌ لِأَنَّهَا تُقَارِبُهَا فِي الْقَدْرِ وَالصُّورَةِ، وَعَلَى مَنْ قَتَلَ ضَبُعًا أَوْ ثَعْلَبًا أَوْ حَمَامًا مِنْ حَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامِهِمَا شَاةٌ، وَفِي غَيْرِ حَمَّامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ حُكُومَةٌ.
وَأَدْنَى مَا يُجْزِئُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيُّ مِمَّا سِوَاهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُ هَدْيًا فَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْهَدْيِ، وَلَمَّا كَانَ وُجُوبُ جَزَاءِ الْمِثْلِ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِمَعْرِفَةِ نَفْسِهِ قَالَ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ [المائدة: 95] كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

[حاشية العدوي]

الْإِخْرَاجِ فَلَا يَجِبُ التَّكْرَارُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ بِالْمَكَانِ] أَيْ الْحَرَمِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا.
[قَوْلُهُ: صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا] وَجَزَاءُ الصَّيْدِ الَّذِي صَادَهُ الصَّبِيُّ مُحْرِمًا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ لَازِمٌ لِوَلِيِّهِ سَوَاءٌ خَافَ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ أَوْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ، وَقُلْنَا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا صَادَهُ فِي الْحَرَمِ، فَإِنْ خَافَ ضَيْعَةً فَيَكُونُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَإِلَّا فَعَلَى الْوَلِيِّ، هَذَا إذَا كَانَ لِلصَّبِيِّ مَالٌ وَإِلَّا فَعَلَى وَلِيِّهِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ خَطَأً إلَخْ] أَيْ فَفِيهِ الْجَزَاءُ إلَّا أَنَّ الْإِثْمَ يَرْتَفِعُ عَنْهُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ تَسَبُّبًا] وَلَوْ كَانَ السَّبَبُ اتِّفَاقِيًّا كَمَا إذَا اتَّفَقَ أَنَّ الصَّيْدَ رَآهُ فَفَزِعَ مِنْهُ فَعَطِبَ فَمَاتَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ جَزَاؤُهُ لِأَنَّهُ نَفَرَ مِنْ رُؤْيَتِهِ وَكَذَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ إذَا رَكَّزَ رُمْحًا فَعَطِبَ مِنْهُ صَيْدٌ.
[قَوْلُهُ: تَكَرَّرَ ذَلِكَ إلَخْ] قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ قَتَلَ صَيُودًا فَعَلَيْهِ بِعَدَدِهَا كَفَّارَاتٌ وَسَوَاءٌ نَوَى التَّكْرَارَ أَمْ لَا، وَيَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا لِحُكْمِ قَتْلِ الصَّيْدِ أَوْ نَاسِيًا، وَيَجُوزُ الِاصْطِيَادُ لِمَخْمَصَةٍ وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ.
[قَوْلُهُ: وَالْمُسَاوَاةُ] مَعْطُوفٌ عَلَى مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ أَيْ وَالْمِثْلِيَّةُ هِيَ الْمُسَاوَاةُ فِي الصُّورَةِ وَالْمُسَاوَاةُ فِي الْقَدْرِ، وَفِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ، أَيْ مِثْلُ الصَّيْدِ أَوْ مُقَارِبُهُ فِي الْقَدْرِ وَالصُّورَةِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمَا فَالْقَدْرُ كَافٍ، وَقَوْلُهُ أَوْ الْقُرْبُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُسَاوَاةِ.
[قَوْلُهُ: فَعَلَى مَنْ قَتَلَ فِيلًا بَدَنَةٌ خُرَاسَانِيَّةٌ] فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فَقِيمَتُهَا طَعَامًا.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ بِأَنْ يَدْخُلَ فِي مَرْكَبٍ وَيَنْظُرَ حَدَّ الْمَاءِ فِيهِ فَيَعْلَمَ ثُمَّ يُخْرِجُ وَيُدْخِلُ طَعَامًا حَتَّى يَبْلُغَ الْمَرْكَبُ فِي الْمَاءِ إلَى حَدِّ مَا بَلَغَ بِالْفِيلِ فَيَتَصَدَّقُ بِذَلِكَ الطَّعَامِ وَفِي الذَّخِيرَةِ فَقِيمَتُهَا، أَيْ الْبَدَنَةِ لَا قِيمَةِ الْفِيلِ كَمَا قَالَ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى مَنْ قَتَلَ أُيَّلًا] قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْأُيَّلُ قَرِيبٌ مِنْ الْبَقَرَةِ فِي الْقَدْرِ طَوِيلُ الْقَرْنِ اهـ. [قَوْلُهُ: أَوْ ظَبْيَةً] الْمُعْتَمَدُ أَنَّ فِي الظَّبْيَةِ شَاةٌ.
[قَوْلُهُ: بَقَرَةٌ] فَإِنْ عُدِمَتْ الْبَقَرَةُ الْإِنْسِيَّةُ فَقِيمَتُهَا طَعَامًا فَإِنْ عُدِمَ الطَّعَامُ فِي هَذَا وَمَا قَبْلَهُ فَيَنْبَغِي صَوْمُ عَدْلِهِ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى مَنْ قَتَلَ نَعَامَةً بَدَنَةٌ] إلَّا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ بِذَاتِ سَنَامَيْنِ وَاَلَّذِي قِيلَ فِي الْفِيلِ يُقَالُ هُنَا.
[قَوْلُهُ: شَاةٌ] أَيْ وَمَا قِيلَ فِي الْبَقَرَةِ يُقَالُ فِي الشَّاةِ الَّتِي لِلضَّبُعِ وَالثَّعْلَبَةِ، وَأَمَّا شَاةُ حَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامِهِمَا، إذَا لَمْ تُوجَدْ فَإِنَّهُ يَصُومُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الْهَدْيِ، وَلَا يُخْرِجُ طَعَامًا وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ شَاةٌ لِأَنَّهُ يَأْلَفُ النَّاسَ فَشَدَّدَ فِيهِ لِئَلَّا يَتَسَارَعَ النَّاسُ إلَى قَتْلِهِ وَالْمُرَادُ بِحَمَامِ مَكَّةَ وَيَمَامِهَا وَالْحَرَمِ مَا يُصَادُ بِهِمَا لَا مَا تَوَلَّدَ بِهِمَا وَلَا مَا تَوَطَّنَهُمَا.
[قَوْلُهُ: وَفِي غَيْرِ حَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ حُكُومَةٌ] أَيْ فَمَنْ قَتَلَ حَمَامًا فِي الْحِلِّ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ طَعَامًا أَيْ حِينَ الْإِتْلَافِ وَكَذَا إذَا قَتَلَ ضَبًّا وَأَرْنَبًا وَيَرْبُوعًا وَجَمِيعَ الطَّيْرِ خَلَا مَا مَرَّ فِي الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ، إلَّا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالْقِيمَةِ طَعَامًا فِي الطَّيْرِ غَيْرَ حَمَامِ الْحَرَمِ وَيَمَامِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا أَوْ لَمْ يَجِدْهَا فَعَدْلُهَا صِيَامًا وَأَمَّا فِي الضَّبِّ وَالْأَرْنَبِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الدَّوَابِّ الَّتِي لَا مِثْلَ لَهَا يُجْزِئُ ضَحِيَّةً فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْقِيمَةِ طَعَامًا أَوْ عَدْلَ الطَّعَامِ صِيَامًا وَيَجُوزُ أَنْ يُعَوِّضَهَا بِهَدْيٍ وَمَعْنَى قَوْلِنَا عَدْلُهُ صِيَامًا أَنَّهُ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَكَمَّلَ لِكَسْرِهِ.
[قَوْلُهُ: الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ] أَيْ فِيمَا لَزِمَ شَاةً.
[قَوْلُهُ: يَحْكُمُ بِهِ إلَخْ] فَإِنْ أَخْرَجَ قَبْلَ حُكْمِهِمَا عَلَيْهِ أَعَادَ وَلَوْ كَانَ الْمُقَوَّمُ غَيْرَ مَأْكُولٍ، وَاشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ يَسْتَلْزِمُ الْحُرِّيَّةَ وَالْبُلُوغَ وَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْحُكْمِ وَلَا يَكْفِي الْفَتْوَى وَلَا

(مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ) وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَا فَقِيهَيْنِ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَلِيَ أَمْرًا إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَا وُلِّيَ فِيهِ، وَمَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فَقَطْ، وَمِنْ شَرْطِ حُكْمِهِمَا أَنْ لَا يَجْتَهِدَا بِحُكْمِهِمَا فِي غَيْرِ مَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةُ، فَإِنْ حَكَمَا بِمَا لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ حُكْمُ مَنْ مَضَى فَإِنَّهُ يُرَدُّ وَلَا يَنْفُذُ وَلَا يُخْرِجُ أَحَدٌ جَزَاءً مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ غَيْرِ الْحُكْمِ أَعَادَهُ وَلَوْ وَافَقَ فِيهِ حُكْمَ مَنْ مَضَى، وَخَرَجَ عَنْ ذَلِكَ حَمَامُ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامُهُ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي لُزُومِ الشَّاةِ لِحُكْمِ خُرُوجِهِ عَنْ الِاجْتِهَادِ بِالدَّلِيلِ، فَكَانَ حُكْمًا مُقَرَّرًا كَغَيْرِهِ (وَمَحَلُّهُ) أَيْ مَحَلُّ نَحْرِ جَزَاءِ الصَّيْدِ إنْ كَانَ مِمَّا يُنْحَرُ وَذَبْحُهُ إنْ كَانَ مِمَّا يُذْبَحُ (مِنًى إنْ وَقَفَ بِهِ) هُوَ أَوْ نَائِبُهُ (بِعَرَفَةَ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقِفْ بِهِ هُوَ وَلَا نَائِبُهُ بِعَرَفَةَ (فَ) مَحَلُّ نَحْرِهِ أَوْ ذَبْحِهِ (مَكَّةُ) الْمُشَرَّفَةُ، هَذَا التَّفْصِيلُ فِي حَقِّ الْحَاجِّ، وَأَمَّا الْمُعْتَمِرُ أَوْ الْحَلَالُ إذَا قَتَلَهُ فَمَحَلُّهُ مَكَّةَ لَا غَيْرُ (وَحَيْثُ) كَانَ مَحَلُّهُ مَكَّةَ فَإِنَّهُ (يَدْخُلُ بِهِ مِنْ الْحِلِّ) لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْهَدْيِ أَنْ يُجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، فَإِنْ مَلَكَهُ فِي الْحَرَمِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ إلَى الْحِلِّ.

ثُمَّ أَشَارَ إلَى أَنَّ وُجُوبَ مِثْلِ مَا قَتَلَ عَلَى التَّخْيِيرِ لِقَوْلِهِ: (وَلَهُ) أَيْ لِمَنْ قَتَلَ صَيْدًا (أَنْ يَخْتَارَ ذَلِكَ) أَيْ مِثْلَ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ (أَوْ) يَخْتَارَ أَحَدَ شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا (كَفَّارَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ) وَصِفَةُ الْإِطْعَامِ (أَنْ يَنْظُرَ إلَى قِيمَةِ الصَّيْدِ طَعَامًا) مِنْ غَالِبِ طَعَامِ الْمَوْضِعِ الَّذِي قَتَلَ فِيهِ الصَّيْدَ بَالِغًا مَا بَلَغَتْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ هُنَالِكَ اُعْتُبِرَتْ قِيمَةُ أَقْرَبِ

[حاشية العدوي]

يَحْتَاجَانِ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ وَلَا يَكْفِي الْإِشَارَةُ وَانْظُرْ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْعَدْلَيْنِ أَنْ لَا يَكُونَا غَيْرَ مُتَأَكِّدِي الْقَرَابَةِ.
[قَوْلُهُ: وَمَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ] أَيْ عَلَى مَنْ وَلِيَ أَمْرًا، وَقَوْلُهُ مِنْ ذَلِكَ، أَيْ مِمَّا وُلِّيَ فِيهِ، أَيْ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِاَلَّذِي يَطْرَأُ بَعْدَ الْحُكْمِ، أَيْ كَأَنْ يَطْرَأَ بَعْدَهُ أَنَّهُ حَكَمَ فِي الظَّبْيَةِ بِغَيْرِ صَوَابٍ وَلَوْ حَذَفَ هَذَا مَا ضَرَّهُ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِمَا وُلِّيَ فِيهِ شَامِلٌ لِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَجْتَهِدَا فِي حُكْمِهِمَا فِي غَيْرِ إلَخْ] أَيْ مَثَلًا بِأَنْ يَجْتَهِدَا بِأَنَّ فِي النَّعَامَةِ بَقَرَةً مَثَلًا، وَالْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ بَعْدَ فَإِنْ حَكَمَا إلَخْ.
أَنْ يَقُولَ أَنْ لَا يَحْكُمَا بِخِلَافِ مَا حَكَمَ بِهِ مِنْ مُضِيٍّ، فَإِذَا حَكَمَ بِخِلَافِ مَا حُكِمَ بِهِ مِنْ مُضِيٍّ فَإِنَّهُ يُرَدُّ.
[قَوْلُهُ: بِالدَّلِيلِ إلَخْ] أَيْ بِالدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ فِيهِ شَاةً وَقَوْلُهُ فَكَانَ حُكْمًا، أَيْ لُزُومُ الشَّاةِ حُكْمًا مُقَرَّرًا بِرَاءَيْنِ، أَيْ ثَابِتًا كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُقَرَّرَةِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ لِاجْتِهَادٍ ثُمَّ أَقُولُ وَفِي ذَلِكَ بَحْثٌ وَذَلِكَ أَنَّ وُرُودَ الدَّلِيلِ بِأَنَّ فِيهِ شَاةً لَا يَنْفِي الِاجْتِهَادَ كَكَوْنِ الشَّاةِ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّعَامَةَ وَرَدَ الدَّلِيلُ بِأَنَّ فِيهَا بَدَنَةً يَتَعَلَّقُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ الْفَرْقُ أَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ أَفْرَادِ الْحَمَامِ يَسِيرٌ فَجُعِلَ كَالْعَدَمِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ كَالنَّعَامِ.
[قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ مِنًى إنْ وَقَفَ بِهِ بِعَرَفَةَ] وُقُوفًا مَشْرُوعًا وَهُوَ أَنْ يَقِفَ بِهِ فِي حَجٍّ سَاعَةً لَيْلَةَ النَّحْرِ وَهَذَا يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ سَاقَهُ فِي حَجٍّ وَلَا يَنْحَرُ أَوْ يَذْبَحُ بِمِنًى إلَّا فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، وَإِلَّا فَيَنْحَرُ بِمَكَّةَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ اسْتِحْبَابَ الذَّكَاةِ بِمِنًى لَهُ شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ: أَنْ يَسُوقَهُ فِي حَجٍّ وَأَنْ يَقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ وَأَنْ يَنْحَرَ أَوْ يَذْبَحَ فِي أَيَّامِ مِنًى فَإِذَا اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا وَجَبَتْ ذَكَاتُهُ بِمَكَّةَ.
[قَوْلُهُ: إنْ وَقَفَ بِهِ] أَيْ جُزْءًا مِنْ اللَّيْلِ.
[قَوْلُهُ: فَمَكَّةُ] الْمُرَادُ الْبَلَدُ وَمَا يَلِيهَا مِنْ مَنَازِلِ النَّاسِ وَأَفْضَلُهَا الْمَرْوَةُ وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ إنْ أَخْرَجَ الْجَزَاءَ هَدْيًا اُخْتُصَّ بِالْحَرَمِ أَوْ صِيَامًا فَحَيْثُ شَاءَ أَوْ طَعَامًا اخْتَصَّ بِمَحَلِّ التَّقْوِيمِ [قَوْلُهُ: أَوْ الْحَلَالُ إذَا قَتَلَهُ] أَيْ قَتَلَ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ.

. [قَوْلُهُ: كَفَّارَةً] بِالنَّصْبِ لِعَطْفِهِ عَلَى اسْمِ الْإِشَارَةِ وَيَجُوزُ فِي طَعَامٍ الْجَرُّ لِإِضَافَةِ كَفَّارَةٍ إلَيْهِ وَتَكُونُ بَيَانِيَّةً، وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ كَفَّارَةٍ، وَقَوْلُهُ أَنْ يَنْظُرَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَنْظُرَ إلَى قِيمَةِ الصَّيْدِ طَعَامًا] أَيْ مِنْ الطَّعَامِ وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ التَّلَفِ فَيُقَالُ كَمْ يُسَاوِي هَذَا الطَّيْرُ مِنْ الطَّعَامِ فَيَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ وَلَوْ زَادَ عَلَى إطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمَا تَقْوِيمُهُ بِالطَّعَامِ قَوَّمَاهُ بِالدَّرَاهِمِ، وَلَا يُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ ابْتِدَاءً، فَلَوْ قُوِّمَ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ اشْتَرَى بِهَا طَعَامًا فَإِنَّهُ يُجْزِئُ.
[قَوْلُهُ: فَيَتَصَدَّقُ

الْمَوَاضِعِ (فَيَتَصَدَّقُ بِهِ) عَلَيْهِمْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَسَاكِينُ فَعَلَى مَسَاكِينِ أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إلَيْهِ، فَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ لَمْ يُجْزِهِ وَإِذَا أَطْعَمَ فَلِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ وَلَوْ أَعْطَى الْمَسَاكِينَ ثَمَنًا أَوْ عَرْضًا لَمْ يُجْزِهِ، وَالشَّيْءُ الْآخَرُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ) أَيْ أَوْ يَخْتَارُ عَدْلَ طَعَامِ الْمَسَاكِينِ (صِيَامًا) وَصِفَةُ ذَلِكَ (أَنْ يَصُومَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَلِكَسْرِ الْمُدِّ يَوْمًا كَامِلًا) وَإِنَّمَا وَجَبَ فِي كَسْرِ الْمُدِّ يَوْمٌ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلْغَاؤُهُ وَلَا يَتَبَعَّضُ الصَّوْمُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا جَبْرُهُ بِالْكَمَالِ كَالْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ.
فَائِدَةٌ: ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اخْتَلَفَ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي الْعَدْلِ فِي الْآيَةِ فَقَالَ الْخَلِيلُ: عَدْلُ الشَّيْءِ بِالْفَتْحِ مِثْلُهُ وَلَيْسَ بِالنَّظِيرِ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ مَا عَدَلَ الشَّيْءَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَبِالْكَسْرِ الْمِثْلُ.

تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ الصَّيْدُ لَهُ مِثْلٌ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ كَالْأَرْنَبِ وَالْعُصْفُورِ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَقَطْ الْإِطْعَامُ وَالصِّيَامُ

قَوْلُهُ: (وَالْعُمْرَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ مَرَّةٌ فِي الْعُمُرِ) مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ فِي بَابِ جُمَلٍ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ أَيْ مُؤَكَّدَةٌ، وَلَهَا مِيقَاتَانِ مَكَانِيٌّ وَهُوَ مِيقَاتُ الْحَجِّ، وَزَمَانِيٌّ وَهُوَ جَمِيعُ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَلَهَا أَرْكَانٌ ثَلَاثَةٌ الْإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَلَيْسَ الْحِلَاقُ رُكْنًا فِيهَا، وَصِفَةُ الْإِحْرَامِ بِهَا فِي اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ وَمَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ وَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ وَالصَّيْدِ وَالتَّلْبِيَةِ، وَفَسَادِهَا بِالْجِمَاعِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ إذَا وَقَعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ

[حاشية العدوي]

بِهِ عَلَيْهِمْ] أَيْ عَلَى مَسَاكِينِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا أَطْعَمَ فَلِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ] أَيْ لَا أَزْيَدَ وَيَنْبَغِي أَنَّ لَهُ نَزْعَ الزَّائِدِ إنْ بَيَّنَ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ أَعْطَى الْمَسَاكِينَ ثَمَنًا أَوْ عَرْضًا لَمْ يُجْزِهِ] أَيْ وَيَرْجِعُ بِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا.
[قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا وَجَبَ فِي كَسْرِ الْمُدِّ] أَيْ وَيُنْدَبُ تَكْمِيلُ الْمُدِّ النَّاقِصِ.
[قَوْلُهُ: كَالْأَيْمَانِ] حَاصِلُ مَسْأَلَةِ الْقَسَامَةِ، أَنَّ كَسْرَ الْيَمِينِ يَكْمُلُ عَلَى ذِي الْأَكْثَرِ مِنْ الْكُسُورِ، وَلَوْ أَقَلَّ نَصِيبًا مِنْ غَيْرِهِ كَأَنْ يَكُونَ الْوَرَثَةُ لِلْمَقْتُولِ ابْنًا وَبِنْتًا وَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِمَا أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ الَّتِي هِيَ الْخَمْسُونَ يَمِينًا عَلَى الِابْنِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ يَمِينًا وَثُلُثٌ، وَعَلَى الْبِنْتِ سِتَّةَ عَشَرَ وَثُلُثَانِ فَجُبِرَ الْكَسْرُ عَلَى الْبِنْتِ، فَلَوْ تَسَاوَى الْكَسْرُ كَثَلَاثَةِ بَنِينَ عَلَى كُلِّ سِتَّةٍ عَشْرٌ وَثُلُثَانِ فَيَكْمُلُ عَلَى كُلٍّ فَيَحْلِفُ كُلُّ سَبْعَةَ عَشَرَ تَتِمَّةٌ يُضْطَرُّ إلَيْهَا الْحَكَمَانِ إنَّمَا يَطْلُبَانِ بَعْدَ اخْتِيَارِ الْقَاتِلِ أَحَدَ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِيمَا فِيهِ ثَلَاثَةٌ، فَإِذَا اخْتَارَ أَحَدَهَا طُلِبَ لَهُ الْحَكَمَانِ لِيَجْتَهِدَا فِيهِ.
وَإِنْ رُوِيَ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ الشَّارِعِ بِأَنْ يُقَالَ إنَّ هَذِهِ النَّعَامَةَ فِيهَا بَدَنَةٌ سَمِينَةٌ لِكَوْنِهَا سَمِينَةً وَهَكَذَا أَوْ إذَا أَرَادَ الِانْتِقَالَ عَمَّا حَكَمَا بِهِ فَلَهُ الِانْتِقَالُ وَلَوْ الْتَزَمَ خَرَاجَهُ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِيمَا وَقَعَ بِهِ الْحُكْمُ، فَإِنَّهُ يُعَادُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا كَمَا يُعَادُ إنْ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُمَا كَأَنْ حَكَمَا فِيمَا فِيهِ بَدَنَةٌ بِشَاةٍ.
[قَوْلُهُ: عَدْلُ الشَّيْءِ بِالْفَتْحِ مِثْلُهُ] أَيْ فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مِثْلٌ لِعَشَرَةِ أَمْدَادٍ فَالْمُمَاثَلَةُ عَلَى كَلَامِهِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لَا تَقْتَضِي اتِّحَادَ الْجِنْسِ.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ بِالنَّظِيرِ] النَّظِيرُ الْمُسَاوِي كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ أَيْ أَنَّ صِيَامَ الْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ لَيْسَ مُسَاوِيًا لِلْعَشْرَةِ الْأَمْدَادِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ فَالْمُسَاوَاةُ عِنْدَهُ تَقْتَضِي اتِّحَادَ الْجِنْسِ.
[قَوْلُهُ: مَا عَدْلُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ] كَالْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ فَإِنَّهَا عَدَلَتْ الْعَشَرَةَ الْأَمْدَادَ وَلَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهَا وَقَوْلُهُ بِالْكَسْرِ الْمِثْلُ، أَيْ الَّذِي يَكُونُ مِنْ الْجِنْسِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمَا هَلْ الْمِثْلِيَّةُ لَا تَقْتَضِي اتِّحَادَ الْجِنْسِ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْخَلِيلُ أَوْ تَقْتَضِيهِ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْفَرَّاءُ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْقُرْآنِ، مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْفَرَّاءُ فَتَدَبَّرْ.

. [قَوْلُهُ: الْإِطْعَامُ] أَيْ قِيمَتُهُ طَعَامًا.

[أَحْكَام الْعُمْرَةُ]

[قَوْلُهُ: وَالْعُمْرَةُ سُنَّةٌ] وَلَا يُنَافِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا﴾ [البقرة: 196] لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِتْمَامِ يَقْتَضِي الشُّرُوعَ فِي الْعِبَادَةِ وَبَعْدَ الشُّرُوعِ يَجِبُ الْإِتْمَامُ وَلَوْ كَانَتْ الْعِبَادَةُ مَنْدُوبَةً.
[قَوْلُهُ: مَرَّةً] مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُبَيِّنٌ لِلْعَدَدِ.
[قَوْلُهُ: مُفَسِّرٌ] لَا يَظْهَرُ إلَّا لَوْ كَانَ قَوْلُ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ مُتَأَخِّرًا عَنْ قَوْلِهِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مِيقَاتُ الْحَجِّ] أَيْ

أَرْكَانِهَا كَالْحَجِّ.

وَيُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
قَالَ ع: وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا فَمَنْ اعْتَمَرَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ثُمَّ اعْتَمَرَ أَيْضًا فِي الْمُحَرَّمِ فَلَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا اعْتَمَرَ فِي السُّنَّةِ الثَّانِيَةِ، وَالْعُمْرَةُ تَجُوزُ فِي كُلِّ زَمَانٍ إلَّا لِحَاجٍّ فَإِنَّهُ لَا يَعْتَمِرُ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ مِنًى، وَلَوْ كَانَ قَدْ تَعَجَّلَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ مِنًى انْتَهَى.

(وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ انْصَرَفَ مِنْ مَكَّةَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَنْ يَقُولَ آيِبُونَ تَائِبُونَ) هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ الرُّجُوعُ عَنْ أَفْعَالٍ مَذْمُومَةٍ إلَى أَفْعَالٍ مَحْمُودَةٍ (عَابِدُونَ لِرَبِّنَا) بِمَا افْتَرَضَ عَلَيْنَا (حَامِدُونَ) لَهُ عَلَى ذَلِكَ (صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ) لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ النَّصْرِ وَإِنْجَازِ الْوَعْدِ بِدُخُولِ مَكَّةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27] (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ) سُبْحَانَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ تَحَزَّبُوا عَلَى

[حاشية العدوي]

بِالنِّسْبَةِ لِلْآفَاقِيِّ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ بِمَكَّةَ فَتَفْتَرِقُ الْعُمْرَةُ مِنْ الْحَجِّ فِي الْمِيقَاتِ

[قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ] أَيْ وَيُنْدَبُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمَرَّةِ لَكِنْ فِي عَامٍ آخَرَ وَمَحَلُّ التَّكْرَارِ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مَا لَمْ يَتَكَرَّرْ دُخُولُ مَكَّةَ مِنْ مَوْضِعٍ عَلَيْهِ فِيهِ الْإِحْرَامُ كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ الْحَجِّ وَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ مَكْرُوهٌ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] أَيْ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يُكَرِّرْهَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ مَا لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ جَوَازِ التَّكْرَارِ، بَلْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا بَأْسَ بِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً وَعَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ فَلَوْ أَحْرَمَ بِثَانِيَةٍ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ إجْمَاعًا قَالَهُ سَنَدٌ وَغَيْرُهُ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَعْتَمِرُ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ مِنْ أَيَّامِ مِنًى] وَهُوَ رَابِعُ النَّحْرِ فَلَوْ أَحْرَمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ جَمِيعِ الرَّمْيِ وَمِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَقَبْلَ غُرُوبِ الرَّابِعِ فَقَدْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا وَيَنْعَقِدُ، إلَّا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ فِعْلِهَا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ الْحَجِّ قَالَ مُحَمَّدٌ: فَإِنْ جَهِلَ فَأَحْرَمَ فِي آخِرِ أَيَّامِ الرَّمْيِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَقَدْ كَانَ تَعَجَّلَ أَوْ لَمْ يَتَعَجَّلْ وَقَدْ رَمَى فِي يَوْمِهِ فَإِنَّ إحْرَامَهُ يَلْزَمُهُ وَلَكِنْ لَا يَطُوفُ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ وَطَوَافُهُ قَبْلَ ذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ أَنْ طَافَ وَسَعَى أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ وَلْيَقْضِهَا بَعْدَ تَمَامِهَا وَيُهْدِي.
قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ وَيَكُونُ خَارِجَ الْحَرَمِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ وَلَا يَدْخُلُ الْحَرَمَ لِأَنَّ دُخُولَهُ الْحَرَمَ سَبَبُ عَمَلِهَا وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ الرَّمْيِ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَلَا يَنْعَقِدُ وَلَا يَلْزَمُ قَضَاؤُهَا وَقَدْ فَعَلَ أَمْرًا مَمْنُوعًا مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ قَدْ تَعَجَّلَ] أَتَى بِهِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ

[قَوْلُهُ: لِمَنْ انْصَرَفَ مِنْ مَكَّةَ إلَخْ] وَمُنَاسَبَتُهُ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي قَوْلِهِ: صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، أَيْ مِنْ إنْجَازِ الْوَعْدِ بِدُخُولِ مَكَّةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ [الفتح: 27] إلَخْ.
[قَوْلُهُ: آيِبُونَ إلَخْ] بِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ نَحْنُ آيِبُونَ جَمْعُ آيِبٍ بِوَزْنِ رَاجِعٍ.
[قَوْلُهُ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ] وَقِيلَ مَعْنَى آيِبُونَ مِنْ الْإِيَابِ، أَيْ رَاجِعُونَ بِالْمَوْتِ إلَى اللَّهِ وَقَوْلُهُ تَائِبُونَ، أَيْ إلَى اللَّهِ مِنْ الذُّنُوبِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى ذَلِكَ] أَيْ فَصِلَةُ حَامِدُونَ مَحْذُوفَةٌ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ آيِبُونَ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ] أَيْ فِي وَعْدِهِ وَأَرَادَ بِهِ مَا وَعَدَهُ بِهِ لِإِتْيَانِهِ بِمِنْ الْبَيَانِيَّةِ بِقَوْلِهِ مِنْ النَّصْرِ أَيْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: 3] جَمْعُ حِزْبٍ وَالْحِزْبُ الطَّائِفَةُ مِنْ النَّاسِ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: وَحْدَهُ] أَيْ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَلَا سَبَبَ مِنْ جِهَتِهِمْ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ أَيْ مِنْ فَاعِلِ نَصَرَ أَوْ هَزَمَ وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهُ مُتَنَازَعًا فِيهِ بِهِمَا لِأَنَّ التَّنَازُعَ لَا يَقَعُ فِي الْحَالِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُهْمَلَ يَجِبُ أَنْ يَعْمَلَ فِي ضَمِيرِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ فَيَلْزَمُ وُقُوعُ الضَّمِيرِ حَالًا، وَالضَّمِيرِ مَعْرِفَةً وَالْحَالِ نَكِرَةً.
خَاتِمَةٌ: الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةُ، قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْقَبُولُ وَمِنْ عَلَامَةِ الْمَقْبُولِ أَنْ يَزْدَادَ الشَّخْصُ بَعْدَ

النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَنَزَلُوا بِالْمَدِينَةِ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ رِيحَ الصَّبَا وَهُوَ الرِّيحُ الشَّرْقِيُّ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» . وَهُوَ الرِّيحُ الْغَرْبِيُّ وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ قَوْلُ هَذَا لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُهُ إذَا انْصَرَفَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.

[حاشية العدوي]

فِعْلِهِ خَيْرًا قَالَ الشَّيْخُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَجَّ يُسْقِطُ الصَّغَائِرَ اتِّفَاقًا، وَكَذَا الْكَبَائِرُ عَلَى مَا قَالَهُ الْحَافِظُ وَالْأَبِيُّ، وَأَمَّا التَّبِعَاتُ كَالْغَيْبَةِ وَالْقَذْفِ وَالْقَتْلِ فَعِنْدَ الْحَافِظِ تَسْقُطُ وَعِنْدَ الْقَرَافِيُّ لَا، وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ الْمُتَرَتِّبَةُ فِي الذِّمَّةِ، وَالْكَفَّارَاتُ، وَالدُّيُونُ، وَالْوَدَائِعُ وَنَحْوُهَا مِنْ الْأَعْيَانِ الْمُسْتَحَقَّةِ لِلْغَيْرِ فَلَا تَسْقُطُ بِحَجٍّ وَلَا بِغَيْرِهِ، بِإِجْمَاعِ الشُّيُوخِ نَعَمْ، إذَا عَجَزَ عَنْ اسْتِحْلَالِ الْمُسْتَحَقِّ بِمَوْتِهِ أَوْ لِلْخَوْفِ مِنْهُ فَلْيَلْجَأْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يُرْجَى مِنْ كَرْمِهِ أَنْ يُرْضِيَ خَصْمَهُ عَنْهُ.
[قَوْلُهُ: الْمُشْرِكِينَ] مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ وَمَعَهُمْ الْيَهُودُ مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ فَظَهَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْأَحْزَابُ الَّذِي هُوَ جَمْعُ حِزْبٍ بِمَعْنَى الطَّائِفَةِ.
[قَوْلُهُ: فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ رِيحَ الصَّبَا] بَارِدَةً فِي لَيْلَةٍ شَاتِيَةٍ فَسَفَّتْ التُّرَابَ فِي وُجُوهِهِمْ، وَالْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحَ الصَّبَا وَالْمَلَائِكَةَ، أَيْ فَنَصَرَهُ بِالْأَمْرَيْنِ فَأَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ فَقَلَّعَتْ الْأَوْتَادَ وَقَطَّعَتْ الْأَطْنَابَ وَأَطْفَأَتْ النِّيرَانَ وَأَكْفَأَتْ الْقُدُورَ وَهَاجَتْ الْخَيْلُ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ وَكَبَّرَتْ الْمَلَائِكَةُ فَانْهَزَمُوا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الثَّعَالِبِيُّ: بَلَغَنَا أَنَّ مَسَاكِنَ الرِّيَاحِ تَحْتَ أَجْنِحَةِ الْكُرُوبِيِّينَ حَمَلَةِ الْعَرْشِ فَتَهِيجُ مِنْ ثَمَّ فَتَقَعُ بِعَجَلَةِ الشَّمْسِ فَتُعِينُ الْمَلَائِكَةَ عَلَى جَرِّهَا ثُمَّ تَهِيجُ مِنْ عَجَلَةِ الشَّمْسِ فَتَقَعُ فِي الْبَحْرِ ثُمَّ تَهِيجُ مِنْ الْبَحْرِ فَتَقَعُ بِرُءُوسِ الْجِبَالِ ثُمَّ تَهِيجُ فَتَقَعُ فِي الْبَرِّ، فَأَمَّا الشِّمَالُ فَإِنَّهَا تَمُرُّ بِجَنَّةِ عَدْنٍ فَتَأْخُذَ مِنْ عَرْفِ طِيبِهَا فَتَمُرُّ عَلَى أَرْوَاحِ الصِّدِّيقِينَ وَحَدُّهَا مِنْ كُرْسِيِّ بَنَاتِ نَعْشٍ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ.
وَأَمَّا الدَّبُورُ فَحَدُّهَا مِنْ مَغْرِبِ الشَّمْسِ إلَى مَطْلِعِ سُهَيْلٍ، وَأَمَّا الْجَنُوبُ فَحَدُّهَا مِنْ مَطْلِعِ سُهَيْلٍ إلَى مَطْلِعِ الشَّمْسِ، وَأَمَّا الصَّبَا فَحَدُّهَا مِنْ مَطْلِعِ الشَّمْسِ إلَى كُرْسِيِّ بَنَاتِ نَعْشٍ فَلَا تَدْخُلُ رِيحٌ عَلَى أُخْرَى فِي حَدِّهَا وَمَا بَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ فَهِيَ نَكْبَاءُ وَالْجَنُوبُ مِنْ رِيحِ الْجَنَّةِ، وَفِيهَا مَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَالشِّمَالُ مِنْ النَّارِ تَخْرُجُ فَتَمُرُّ بِالْجَنَّةِ فَتُصِيبُهَا نَفْحَةٌ مِنْهَا فَبَرْدُهَا مِنْ الْجَنَّةِ، وَفِي الْحَدِيثِ لَوْ حُبِسَتْ الرِّيحُ عَنْ النَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَأَنْتَنَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ النَّبِيَّ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ «آيِبُونَ تَائِبُونَ» فِيهِ إشَارَةٌ إلَى التَّقْصِيرِ فِي الْعِبَادَةِ، وَقَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَاضُعًا أَوْ تَعْلِيمًا لِأُمَّتِهِ أَوْ الْمُرَادُ أُمَّتُهُ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ التَّوْبَةُ لِإِرَادَةِ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى الطَّاعَةِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَنْ لَا يَقَعَ مِنْهُمْ ذَنْبٌ.
[قَوْلُهُ: أَوْ حَجٌّ] لَا يَخْفَى أَنَّ تَحَزُّبَ الْمُشْرِكِينَ كَانَ سَنَةَ خَمْسٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَحَجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - حَجَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ وَاعْتَمَرَ أَرْبَعًا.

بَابٌ فِي الضَّحَايَا] (بَابٌ فِي) حُكْمِ (الضَّحَايَا) وَصِفَتِهَا (وَ) فِي (الذَّبَائِحِ) أَيْ صِفَةِ الذَّكَاةِ وَبَيَانِ مَا يُذْبَحُ وَمَا يُنْحَرُ (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (الْعَقِيقَةِ) وَصِفَتِهَا (وَ) فِي حُكْمِ (الصَّيْدِ) أَيْ الِاصْطِيَادِ وَتَقْسِيمِهِ (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (الْخِتَانِ وَ) فِي بَيَانِ (مَا يَحْرُمُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ) وَمَا لَا يَحْرُمُ مِنْهَا، وَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ مَذْكُورَةٌ فِي الْأَصْلِ مِنْهَا أَنَّهُ تَرْجَمَ لِلْأَشْرِبَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمْ يُرَتِّبْ دَاخِلَ الْبَابِ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّرْجَمَةِ وَهُوَ جَائِزٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] الْآيَةَ وَبَدَأَ بِمَا صَدَّرَ بِهِ فَقَالَ: (وَالْأُضْحِيَّةُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِ الضَّادِ وَكَسْرِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَالْجَمْعُ أَضَاحِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَهِيَ مَا تَقَرَّبَ بِذَكَاتِهِ مِنْ الْأَنْعَامِ يَوْمَ الْأَضْحَى وَتَالِيَيْهِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُذْبَحُ يَوْمَ الْأَضْحَى وَقْتَ الضُّحَى، وَسُمِّيَ يَوْمُ الْأَضْحَى مِنْ أَجْلِ الصَّلَاةِ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ

وَحُكْمُهَا أَنَّهَا (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ (عَلَى مَنْ اسْتَطَاعَهَا) إذَا كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا

[حاشية العدوي]

[بَابٌ فِي الضَّحَايَا]

[قَالُوا: وَصِفَتُهَا] الْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ بَابٌ فِي الضَّحَايَا حُكْمًا وَصِفَةً لِمَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ وَفِي الذَّبَائِحِ، أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالذَّبَائِحِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَيْ صِفَةُ الذَّكَاةِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَفِي حُكْمِ الْعَقِيقَةِ إلَخْ] فِيهِ مَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ الِاصْطِيَادِ] لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالذَّوَاتِ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ.
[قَوْلُهُ: مِنْهَا أَنَّهُ تَرْجَمَ لِلْأَشْرِبَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا] أَيْ وَهُوَ مَعِيبٌ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَشْرِبَةِ الْمَائِعَاتِ الْمُشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ الْآتِي، وَمَا مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ مِنْ سَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ أَوْ عَسَلٍ إلَخْ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ بَعْدَ هَذَا الْجَوَابِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْأَشْرِبَةِ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ سَقَطَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَفْظُ بَابٍ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ، ثَالِثُهَا ع كَانَ حَقُّهُ أَنْ يُقَدِّمَ الْجِهَادَ عَلَى هَذَا الْبَابِ لِأَنَّهُ فَرْضٌ وَالْأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ هَذَا تَمَامُ التَّنْبِيهَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَصْلِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ جَائِزٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إلَخْ] بَلْ اللَّفُّ وَالنَّشْرُ الْمُشَوَّشُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ فَصْلٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا الْمُرَتَّبُ فَفِيهِ فَصْلَانِ.
[قَوْلُهُ: وَالْجَمْعُ أَضَاحِيّ] أَيْ جَمْعُ أُضْحِيَّةٍ وَأَمَّا مُفْرَدُ ضَحَايَا الْوَاقِعُ فِي التَّرْجَمَةِ جَمْعًا فَهُوَ ضَحِيَّةٌ كَفَعِيلَةٍ فَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ التَّنْبِيهُ عَلَى لُغَتَيْنِ إذْ ذَكَرَ أَوَّلًا جَمْعًا وَلَمْ يَذْكُرْ مُفْرَدَهُ وَذَكَرَ ثَانِيًا مُفْرَدًا وَلَمْ يَذْكُرْ جَمْعَهُ وَذَلِكَ بِأَدْنَى إشَارَةٍ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ تت، وَزَادَ أَنَّ ثَمَّ مُفْرَدًا وَجَمْعًا أَيْضًا، وَهُوَ أَضْحَاةٌ وَجَمْعُهُ أَضْحَى، كَأَرْطَاةَ وَأَرْطَى قَالَ فَتَلَخَّصَ أَنَّ فِيهَا أَرْبَعَ لُغَاتٍ: أُضْحِيَّةٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ فِيهِمَا وَالْجَمْعُ أَضَاحِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْضًا، وَالثَّالِثَةُ ضَحِيَّةٌ وَجَمْعُهَا ضَحَايَا، وَالرَّابِعَةُ أَضْحَاةٌ كَأَرْطَاةَ وَجَمْعُهَا أَرْطَى اهـ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا إلَخْ] مُفَادُهُ أَنَّ الْعِلَّةَ مَجْمُوعُ اللَّفْظَيْنِ الْأَضْحَى وَالضُّحَى، وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ وَيُسَمَّى إلَخْ أَنَّ أَحَدَهُمَا عِلَّةٌ فِي الْآخَرِ.

[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] وَمُقَابِلُهُ وُجُوبُهَا الَّذِي أَخَذَهُ الْبَاجِيُّ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ كَانَتْ لَهُ أُضْحِيَّةٌ فَأَخَّرَهَا حَتَّى انْقَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ أَوْجَبَهَا.
[قَوْلُهُ: إذَا كَانَ حُرًّا] فَالْعَبْدُ لَا تُسَنُّ فِي حَقِّهِ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ أَمْ لَا، لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ اُسْتُحِبَّ.
[قَوْلُهُ: مُسْلِمًا] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْكَافِرُ يُخَاطَبُ بِهَا إلَّا أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ إلَّا بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهَا

ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مُقِيمًا أَوْ مُسَافِرًا غَيْرَ حَاجٍّ بِمِنًى عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ كَالْوَالِدِ وَالْأَوْلَادِ الْفُقَرَاءِ، وَاحْتَرَزَ بِالْمُسْتَطِيعِ عَنْ غَيْرِهِ.
ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْمُسْتَطِيعُ مَنْ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ.
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: وَتَحَرَّزْنَا بِالِاسْتِطَاعَةِ مِنْ الْفَقِيرِ فَإِنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ وَلَا يُؤْمَرُ بِهَا مَنْ تُجْحِفُ بِمَالِهِ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى شِرَائِهَا وَالشَّرِكَةُ فِيهَا فِي الْأَجْرُ جَائِزَةٌ دُونَ الشَّرِكَةِ فِي ثَمَنِهَا، ابْنُ حَبِيبٍ: وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ وَعَظِيمِ الصَّدَقَةِ لِأَنَّ إقَامَةَ السُّنَّةِ أَفْضَلُ مِنْ التَّطَوُّعِ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ: هِيَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِسَبْعِينَ دِينَارًا

: ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ مَا يُجْزِئُ مِنْهَا وَمَا لَا يُجْزِئُ فَقَالَ: (وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِيهَا) أَيْ الْأُضْحِيَّةِ (مِنْ الْأَسْنَانِ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ وَهُوَ) عَلَى الْمَشْهُورِ (ابْنُ سَنَةٍ وَقِيلَ) هُوَ (ابْنُ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ

[حاشية العدوي]

قُرْبَةٌ شَرْطُهَا الْإِسْلَامُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ صَغِيرًا] إلَّا أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهَا الْوَلِيُّ، أَيْ فَيُخَاطَبُ وَلِيُّهُ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مَالُ الْيَتِيمِ عَرْضَ تِجَارَةٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ لِمَالِكِيٍّ إنْ كَانَ هُنَاكَ حَنَفِيٌّ بِالْأَوْلَى مِنْ الزَّكَاةِ قَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا، وَانْظُرْ هَلْ يُخَاطَبُ بِهَا عَنْ الصَّبِيِّ فِي عَرْضِ قِنْيَةٍ كَكُتُبٍ وَانْظُرْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ وَالظَّاهِرُ الْحَاكِمُ، لِأَنَّهُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ كَمَا فِي الشَّيْخِ الزَّرْقَانِيِّ.
[قَوْلُهُ: غَيْرُ حَاجٍّ] وَأَمَّا الْحَاجُّ فَلَا يُسَنُّ لَهُ كَانَ بِمِنًى أَوْ بِغَيْرِهَا كَمَا إذَا قَدَّمَ الْإِفَاضَةَ عَلَى رَمْيِ الْعَقَبَةِ لِأَنَّ سُنَّتَهُ الْهَدْيُ.
[قَوْلُهُ: بِمِنًى] أَيْ تُطْلَبُ مِنْ الْمَوْصُوفِ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ حَالَةَ كَوْنِهِ بِمِنًى حَالَةَ كَوْنِهِ غَيْرَ حَاجٍّ فَأَوْلَى مَنْ كَانَ غَيْرَ قَائِمٍ بِمِنًى حَالَةَ كَوْنِهِ غَيْرَ حَاجٍّ، لِأَنَّ سُنَّةَ الْحَجِّ الْهَدْيُ.
[قَوْلُهُ: عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ إلَخْ] قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ الْفُقَرَاءِ الذُّكُورِ حَتَّى يَحْتَلِمُوا وَالْإِنَاثَ حَتَّى تَدْخُلَ بِهِنَّ الْأَزْوَاجُ.
اهـ ظَاهِرُهُ سُقُوطُهَا عَنْهُ بِمُجَرَّدِ احْتِلَامِ ابْنِهِ وَلَوْ فَقِيرًا عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ وَبِمُجَرَّدِ دُخُولِ الزَّوْجِ بِالْأُنْثَى، وَإِنْ طَلُقَتْ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا جَارِيَةٌ عَلَى النَّفَقَةِ فَلَا تَسْقُطُ بِالْبُلُوغِ مَعَ الْعَجْزِ، وَتَعُودُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْبُلُوغِ خِلَافًا لِعَبْدِ الْبَاقِي عَلَى خَلِيلٍ، وَانْظُرْ حَاشِيَةَ شَرْحِ الْعِزِّيَّةِ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَيُضَحِّي عَنْ أَبَوَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ وَلَا يُخَاطَبُ بِهَا الزَّوْجُ عَنْ زَوْجَتِهِ، وَإِنْ خُوطِبَ بِزَكَاةِ فِطْرِهَا لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِلنَّفَقَةِ، أَيْ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الضَّحِيَّةِ، فَإِنَّهَا تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ بِقَيْدِ الْقَرَابَةِ هَذَا مَا يَنْبَغِي.
[قَوْلُهُ: وَالْمُسْتَطِيعُ مَنْ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ] أَيْ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إلَى ثَمَنِهَا فِي عَامِهِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْفَقِيرِ] أَيْ الَّتِي تُجْحِفُ بِمَالِهِ وَقَوْلُهُ فَإِنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْغَنِيَّ تَلْزَمُهُ مَعَ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ مُطْلَقًا بَلْ تُسَنُّ لِلْمُسْتَطِيعِ، وَوَجْهُ مَا قُلْنَا أَنَّ اللُّزُومَ مُرَادِفٌ لِلْوُجُوبِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُؤْمَرُ بِهَا مَنْ تُجْحِفُ إلَخْ] أَيْ بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَى صَرْفِ ثَمَنِهَا فِي عَامِهِ.
تَتِمَّةٌ: زَمَنُ الْخِطَابِ بِهَا هُوَ زَمَنُ فِعْلِهَا وَهُوَ الثَّلَاثَةُ الْأَيَّامِ فَكُلُّ مَنْ وَجَدَ أَوْ أَسْلَمَ فِيهَا مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ تُسَنُّ فِي حَقِّهِ وَلِأَجْلِهِ فَلَيْسَتْ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ.
[قَوْلُهُ: وَالشَّرِكَةُ فِيهَا فِي الْأَجْرِ إلَخْ] لَهُ صُورَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يُشْرِكَ الْمُضَحِّي جَمَاعَةً مَعَهُ وَهَذِهِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ شُرُوطٍ، أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَشْرَكَهُ مَعَهُ قَرِيبًا لَهُ وَلَوْ حُكْمًا لَنْتَدْخُلَ الزَّوْجَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي نَفَقَتِهِ وَأَنْ يَكُونَ سَاكِنًا مَعَهُ إنْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ تَبَرُّعًا كَأَخِيهِ أَوْ جَدِّهِ أَوْ عَمِّهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وُجُوبًا فَيَكْفِي الشَّرْطَانِ الْأَوَّلَانِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ التَّشْرِيكُ قَبْلَ الذَّبْحِ، وَأَمَّا بَعْدَ الذَّبْحِ فَلَا تَسْقُطُ عَنْ الْمُشْرَكِ بِالْفَتْحِ وَتَصِحُّ عَنْ رَبِّهَا وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صِحَّةِ إهْدَاءِ ثَوَابِ صَدَقَةٍ وَنَحْوِهَا بَعْدَ فِعْلِهَا لِمَيِّتٍ عَدَمَ طَلَبِ الْمَيِّتِ بِذَلِكَ وَطُلِبَ الْحَيُّ بِالتَّضْحِيَةِ، ثَانِيهِمَا أَنْ يُشْرِكَ جَمَاعَةً فِي ضَحِيَّةٍ وَلَا يُدْخِلُ نَفْسَهُ مَعَهُمْ، وَهَذِهِ جَائِزَةٌ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الصُّورَتَيْنِ عَدَدٌ بَلْ وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ وَفَائِدَةُ التَّشْرِيكِ سُقُوطُ التَّضْحِيَةِ عَنْ الْجَمِيعِ وَلَوْ كَانَ الْمُشْرَكُ بِالْفَتْحِ مَلِيًّا وَلَا حَقَّ لِلْمُشْرَكِ بِالْفَتْحِ فِي اللَّحْمِ، وَأَمَّا لَوْ شَرَكَ مَعَهُ مَنْ لَمْ يَجُزْ تَشْرِيكُهُ فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا

[قَوْلُهُ: ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ مَا يُجْزِئُ مِنْهَا وَمَا لَا يُجْزِئُ إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ فَقَالَ: أَيْ شَرَعَ فَقَالَ كَمَا زَادَهَا فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ ابْنُ سَنَةٍ إلَخْ] بِأَنْ وَفَّاهَا

وَقِيلَ:) هُوَ (ابْنُ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ) . وَاخْتُلِفَ فِي فَهْمِ قَوْلِهِ: (وَالثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ وَهُوَ مَا أَوْفَى سَنَةً وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ) فَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ بَيَانَ حُكْمِهِ لِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ: وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ إلَخْ وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ بَيَانَ سِنِّهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِبَيَانِ حُكْمِهِ لِئَلَّا يَكُونَ تَكْرَارًا مَعَ قَوْلِهِ: (وَلَا يُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا مِنْ الْمَعْزِ وَالْبَقَرِ وَالْإِبِلِ إلَّا الثَّنِيُّ) مَا ذَكَرَهُ فِي سِنِّ الثَّنِيِّ مِنْ الْمَعْزِ هُوَ الْمَشْهُورُ.
بَهْرَامُ: وَعَلَيْهِ فَلَا يَظْهَرُ فَرْقٌ بَيْنَ سِنِّ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيِّ مِنْ الْمَعْزِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَلَوْ لَمْ يَطْعَنْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ بِخِلَافِ الثَّنِيِّ مِنْ الْمَعْزِ إذْ لَا بُدَّ مِنْ طَعْنِهِ فِي الْعَامِ الثَّانِي وَفِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى.
(وَالثَّنِيُّ مِنْ الْبَقَرِ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ) هَذَا مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ فِي الزَّكَاةِ وَهِيَ بِنْتُ أَرْبَعِ سِنِينَ (وَالثَّنِيُّ مِنْ الْإِبِلِ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ) ع: أَيْ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ

تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ النَّعَمِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَلَا تَكُونُ مِنْ الطَّيْرِ وَالْوَحْشِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ إنَّمَا ضَحَّوْا وَأَهْدَوْا مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى ذَلِكَ، وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْأُمُّ مِنْ النَّعَمِ وَالْأَبُ مِنْ الْوَحْشِ قَوْلَيْنِ بِالْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ، وَاتَّفَقَ الْمَذْهَبُ عَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ إذَا كَانَتْ الْأُمُّ مِنْ الْوَحْشِ وَالْأَبُ مِنْ الْأَنْعَامِ.

وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فَاخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ مِنْهَا فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةِ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ الْإِبِلَ أَفْضَلُ مِنْ الْبَقَرِ وَالْبَقَرَ أَفْضَلُ مِنْ الْغَنَمِ فِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا، وَعِنْدَنَا الضَّحَايَا تُخَالِفُ الْهَدَايَا فِي ذَلِكَ.
أَمَّا الضَّحَايَا فَأَشَارَ إلَيْهَا الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (وَفُحُولُ الضَّأْنِ فِي الضَّحَايَا أَفْضَلُ مِنْ خُصْيَانِهَا وَخُصْيَانُهَا أَفْضَلُ مِنْ إنَاثِهَا) ك: هَكَذَا رِوَايَتُنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَفِي بَعْضِ

[حاشية العدوي]

وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ دُخُولًا مَا وَتُرَاعَى السُّنُونَ الْقَمَرِيَّةُ وَيُتَمِّمُ شَهْرَ وِلَادَتِهِ الَّذِي وُلِدَ فِي أَثْنَائِهِ بِالْعَدَدِ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ وَأَقَلُّ إلَخْ] فِيهِ مُسَامَحَةٌ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ إلَخْ] أَيْ فَيَكُونُ مُسْتَأْنَفًا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا إلَخْ] اُنْظُرْ كَيْفَ أَوْقَعَ الظَّاهِرَ مَوْقِعَ الْمُضْمَرِ وَلَا يُقَالُ تَحَرَّزَ مِنْ الْهَدَايَا، لِأَنَّ مَا يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا هُوَ الَّذِي يَجُوزُ فِي الْهَدَايَا وَمَا لَا يَجُوزُ فِي الضَّحَايَا لَا يَجُوزُ فِي الْهَدَايَا.
[قَوْلُهُ: بَهْرَامُ إلَخْ] كَلَامُ بَهْرَامَ مَعَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ الْمُفِيدُ أَنَّ الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيَّ مِنْ الْمَعْزِ مَا كَانَ ذَا سَنَةٍ، وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فَلَمْ يُسَوِّ بَيْنَهَا فَإِيرَادُ كَلَامِ بَهْرَامَ هُنَا لَا وَجْهَ لَهُ ثُمَّ يَرِدُ عَلَى بَهْرَامَ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَمَامِ سَنَةِ دُخُولِهِ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ تَمَامُ السَّنَةِ يَوْمَ الْوُقُوفِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ يَوْمُ الْعِيدِ الَّذِي هُوَ يَوْمُ الذَّبْحِ أَوْ النَّحْرِ أَنَّهُ تَمَّ سَنَةً وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ وَإِذَا كَانَ تَمَامُ السَّنَةِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَأَرَادَ الذَّبْحَ فِيهِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ سَنَةً إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدُّخُولِ فِي الثَّانِيَةِ الدُّخُولُ الْبَيِّنُ، أَيْ فَالْمَعْزُ لَا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي الثَّانِيَةِ دُخُولًا بَيِّنًا كَالشَّهْرِ بِخِلَافِ الضَّأْنِ فَيَكْفِي مُطْلَقُ دُخُولٍ كَمَا نَصَّ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.
[قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ] أَيْ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ الْجَوَابُ، أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، وَالسِّرُّ فِي إجْزَاءِ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ أَنَّ الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ يَصِحُّ أَنْ يُلَقَّحَ، أَيْ يَحْمِلَ دُونَ جَذَعِ غَيْرِهِ كَذَا قِيلَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ] قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: اُنْظُرْ كَيْفَ قَالَ فِي ثَنِيِّ الْبَقَرِ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ وَلَمْ يَقُلْ فِي ثَنِيِّ الْإِبِلِ مَا دَخَلَ فِي السَّادِسَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَعْنِي أَنَّ الثَّنِيَّ مِنْ الْبَقَرِ مَا أَوْفَى ثَلَاثَ سِنِينَ وَدَخَلَ فِي الرَّابِعَةِ وَالثَّنِيُّ مِنْ الْإِبِلِ هُوَ مَا أَوْفَى خَمْسَ سِنِينَ وَدَخَلَ فِي السَّادِسَةِ فَمَا وَجْهُ التَّغَايُرِ بَيْنَهُمَا وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ

[الْأُضْحِيَّة مِنْ النَّعَم وَالْبَقَر وَالْغَنَم]

[قَوْلُهُ: بِالْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ] الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ

[قَوْلُهُ: وَعِنْدَنَا الضَّحَايَا إلَخْ] أَيْ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقَرْنَيْنِ وَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ» ، وَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتْرُكُ الْأَفْضَلَ وَيَفْعَلُ الْأَدْنَى وَالْأَقْرَنُ أَنْ يَكُونَ ذَا قُرُونٍ وَالْأَمْلَحُ مَا كَانَ بَيَاضُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَوَادِهِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إلَخْ] هَذَا كُلُّهُ

النُّسَخِ، وَفُحُولُ الضَّأْنِ فِي الضَّحَايَا أَفْضَلُ مِنْ خُصْيَانِهَا، وَخُصْيَانُهَا أَفْضَلُ مِنْ إنَاثِهَا وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ مِنْ التَّفَاوُتِ فَإِنَّهُ فِي الْأُولَى لَا يُعْطِي أَنَّ الْفُحُولَ أَفْضَلُ مِنْ الْخُصْيَانِ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ، وَالثَّانِيَةُ مُوَافِقَةٌ لِلْمَشْهُورِ وَهُوَ أَنَّ الْفَحْلَ أَفْضَلُ مِنْ الْخَصِيِّ، وَعُلِّلَ بِطِيبِ اللَّحْمِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْهُ فِي الْخِلْقَةِ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّ الْخَصِيَّ أَفْضَلُ مِنْ الْفَحْلِ، وَعُلِّلَ بِطِيبِ اللَّحْمِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا تَسَاوَيَا فِي السِّمَنِ، أَمَّا إذَا كَانَ الْخَصِيُّ أَسْمَنُ فَهُوَ أَفْضَلُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
وَلَمْ يَحْكِ الْبَاجِيُّ غَيْرَهُ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ تَفْضِيلِ الْخَصِيِّ عَلَى الْأُنْثَى هُوَ الْمَشْهُورُ لِفَضْلِ الذُّكُورِيَّةِ عَلَى الْأُنُوثِيَّةِ وَهَذَا فِي الْخَصِيِّ الْقَائِمِ الْأُنْثَيَيْنِ، أَمَّا إذَا قُطِعَتَا أَوْ خَلِقَ كَذَلِكَ فَتُكْرَهُ الْأُضْحِيَّةُ بِهِ (وَإِنَاثُهَا) أَيْ إنَاثُ الضَّأْنِ (أَفْضَلُ مِنْ ذُكُورِ الْمَعْزِ وَمِنْ إنَاثِهَا) لِطِيبِ اللَّحْمِ (وَفُحُولُ الْمَعْزِ) أَيْ وَخُصْيَانُهَا (أَفْضَلُ مِنْ إنَاثِهَا وَإِنَاثُ الْمَعْزِ أَفْضَلُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي الضَّحَايَا) قِيلَ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْإِبِلَ أَفْضَلُ مِنْ الْبَقَرِ لِتَقْدِيمِهَا، وَقِيلَ: لَا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْهُ إذْ الْوَاوُ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا، وَظَاهِرُ صَنِيعِ صَاحِبِ الْمُخْتَصَرِ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ مَشْهُورَانِ قَالَ فِي تَوْضِيحِهِ: وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا خِلَافٌ فِي حَالِ هَلْ هَذَا أَطْيَبُ أَوْ هَذَا؟ وَالظَّاهِرُ طِيبُ الْبَقَرِ وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى التَّفْضِيلِ فِي الضَّحَايَا

(وَأَمَّا فِي الْهَدَايَا فَالْإِبِلُ أَفْضَلُ ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الضَّأْنُ ثُمَّ الْمَعْزُ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْهَدَايَا تَكْثِيرُ اللَّحْمِ لِلْمَسَاكِينِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الضَّحَايَا طِيبُ اللَّحْمِ.

ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ صِفَاتٍ تُتَّقَى فِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا مَتَى وُجِدَ شَيْءٌ مِنْهَا فِيهَا لَا تُجْزِئُ فَقَالَ: (وَلَا يَجُوزُ) بِمَعْنَى لَا يُجْزِئُ (فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا (عَوْرَاءُ) ذَهَبَ نُورُ إحْدَى عَيْنَيْهَا وَإِنْ بَقِيَتْ صُورَتُهَا، أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى النَّاظِرِ بَيَاضٌ يَسِيرٌ لَا يَمْنَعُهَا أَنْ تُبْصِرَ أَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِ النَّاظِرِ لَمْ يَمْنَعْ الْإِجْزَاءَ، وَإِذَا لَمْ تُجْزِئُ الْعَوْرَاءُ فَالْعَمَى أَوْلَى (وَ) كَذَلِكَ (لَا) يُجْزِئُ فِيهِمَا (مَرِيضَةٌ) مَرَضًا بَيِّنًا، أَمَّا إذَا كَانَ خَفِيفًا لَا يَمْنَعُهَا مِنْ التَّصَرُّفِ بِتَصَرُّفِ الْغَنَمِ فَلَا أَثَرَ لَهُ، وَمِنْهُ الْبَشَمُ أَيْ التُّخَمَةُ وَالْجَرَبُ الْكَثِيرُ وَسُقُوطُ الْأَسْنَانِ أَوْ جُلِّهَا.
(وَ) كَذَلِكَ (لَا)

[حاشية العدوي]

كَلَامُ الْفَاكِهَانِيِّ إلَى قَوْلِهِ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ.
[قَوْلُهُ: وَعُلِّلَ بِطِيبِ اللَّحْمِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ قَدْ عُلِّلَ بِطِيبِ اللَّحْمِ، أَيْ فَيَكُونُ الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا خِلَافًا فِي حَالِ.
[قَوْلِهِ: أَمَّا إذَا كَانَ الْخَصِيُّ أَسْمَنَ فَهُوَ أَفْضَلُ] أَيْ اتِّفَاقًا، أَيْ وَكَذَا إذَا كَانَ الْفَحْلُ أَسْمَنَ فَهُوَ أَفْضَلُ اتِّفَاقًا.
[قَوْلُهُ: هُوَ الْمَشْهُورُ] وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ وَهَلْ خَصِيٌّ وَاحِدٌ أَفْضَلُ مِنْ أُنْثَى أَوْ أَفْضَلُ مِنْ اثْنَتَيْنِ قَوْلَانِ تت.
قَالَ عج: مُقْتَضَى كَوْنِ الْمُرَاعَى فِي الضَّحَايَا طِيبُ اللَّحْمِ تَرْجِيحُ، الْقَوْلِ الثَّانِي بَلْ مُقْتَضَاهُ فَضْلُهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا فِي الْخَصِيِّ الْقَائِمِ الْأُنْثَيَيْنِ] أَيْ الْمَقْطُوعِ الذَّكَرِ الْقَائِمِ الْأُنْثَيَيْنِ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا قُطِعَتَا] أَيْ الْأُنْثَيَانِ مَعَ الذَّكَرِ كَمَا تُفِيدُهُ عِبَارَةُ الشَّيْخِ.
[قَوْلُهُ: أَفْضَلُ مِنْ ذُكُورِ الْمَعْزِ وَمِنْ إنَاثِهَا] أَيْ وَفُحُولُ الْمَعْزِ أَفْضَلُ مِنْ خُصْيَانِهَا وَخُصْيَانُهَا أَفْضَلُ مِنْ إنَاثِهَا.
[قَوْلُهُ: أَفْضَلُ مِنْ الْإِبِلِ إلَخْ] أَيْ وَذَكَرُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ أُنْثَاهُمَا فَالْمَرَاتِبُ اثْنَا عَشَرَ أَعْلَاهَا فَحْلُ الضَّأْنِ وَأَدْنَاهَا أُنْثَى الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْأَفْضَلِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْهُ إلَخْ] أَيْ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْبَقَرَ أَطْيَبُ مِنْ الْإِبِلِ الَّذِي هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي فِي الْمَسْأَلَةِ.
[قَوْلُهُ: خِلَافٌ] أَيْ وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافٍ فِي حَالِ.
[قَوْلِهِ: هَلْ هَذَا] بَيَانٌ لِلْخِلَافِ فِي حَالٍ، فَالْحَالُ هُوَ الْأَطْيَبِيَّةُ.

[قَوْلُهُ: وَالْمَقْصُودُ مِنْ الضَّحَايَا طِيبُ اللَّحْمِ] أَيْ لِإِدْخَالِ الْمَسَرَّةِ عَلَى الْأَهْلِ قَالَ بَهْرَامُ وَالْحُجَّةُ لَنَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَكْثَرُ هَدَايَاهُ الْإِبِلَ وَضَحَّى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِكَبْشَيْنِ كَمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ

[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى لَا تُجْزِئُ] أَيْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ مَعَ أَنَّهُ الْمُرَادُ.
[قَوْلُهُ: ذَهَبَ نُورُ إحْدَى عَيْنَيْهَا] أَيْ أَوْ مُعْظَمُ نُورِ إحْدَى عَيْنَيْهَا وَلَوْ بَقِيَتْ الْحَدَقَةُ.
[قَوْلُهُ: مَرَضًا بَيِّنًا] وَهِيَ الَّتِي لَا تَتَصَرَّفُ مَعَهُ تَصَرُّفَ غَيْرِهَا لِأَنَّ الْمَرَضَ الْبَيِّنَ يُفْسِدُ اللَّحْمَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ

يُجْزِئُ فِيهِمَا (الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ضَلَعُهَا) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ، وَرُوِيَ بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ أَيْ عَرَجُهَا وَهِيَ الَّتِي لَا تَلْحَقُ الْغَنَمَ أَمَّا إنْ كَانَ الْعَرَجُ لَا يَمْنَعُهَا أَنْ تَسِيرَ بِسَيْرِهِمْ فَلَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءُ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) يُجْزِئُ فِيهِمَا (الْعَجْفَاءُ) وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهَا فَقَالَ الشَّيْخُ تَبَعًا لِابْنِ حَبِيبٍ: هِيَ (الَّتِي لَا شَحْمَ فِيهَا) وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: هِيَ الَّتِي لَا مُخَّ فِي عِظَامِهَا وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَهَذِهِ الْعُيُوبُ الْأَرْبَعَةُ مَجْمَعٌ عَلَيْهَا وَبِهَا وَرَدَ الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا مِنْ الْعُيُوبِ إذَا كَثُرَ أَمْ لَا؟ وَالْمَشْهُورُ الْقِيَاسُ وَعَلَيْهِ مَشَى الشَّيْخُ، فَقَالَ: (وَيُتَّقَى فِيهِمَا) أَيْ فِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا (الْعَيْبُ كُلُّهُ) إذَا كَانَ كَثِيرًا، وَيُغْتَفَرُ الْيَسِيرُ.
وَيَعْنِي بِذَلِكَ الْخَرْقَاءُ وَهِيَ الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنُ، وَالْمُقَابَلَةُ وَهِيَ الَّتِي قُطِعَ مِنْ أُذُنِهَا مِنْ قِبَلِ وَجْهِهَا وَتُرِكَ مُعَلَّقًا، وَالْمُدَابَرَةُ وَهِيَ الَّتِي قُطِعَ مِنْ أُذُنِهَا مِنْ جِهَةِ قَفَاهَا، وَالشَّرْقَاءُ وَهِيَ الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَلَا) أَيْ وَلَا يَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا (الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّقُّ يَسِيرًا) وَهُوَ الثُّلُثُ فَمَا دُونَهُ (وَكَذَلِكَ الْقَطْعُ) أَيْ قَطْعُ الْأُذُنِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا فِيهَا فَيَجُوزُ، وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّهِ فَاَلَّذِي صَحَّحَهُ الْبَاجِيُّ وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ أَنَّ ذَهَابَ ثُلُثِ الْأُذُنِ يَسِيرٌ وَذَهَابَ ثُلُثِ الذَّنَبِ كَثِيرٌ لِأَنَّ الذَّنَبَ لَحْمٌ وَعَصَبٌ وَالْأُذُنَ طَرَفُ جِلْدٍ لَا تَكَادُ تَسْتَضِرُّ بِهِ وَنَصَّ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى أَنَّ ذَهَابَ ثُلُثِ

[حاشية العدوي]

التُّخَمَةُ] مِنْ الْأَكْل غَيْرِ الْمُعْتَادِ أَوْ الْكَثِيرِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَرَضٌ بِهَا، وَإِذَا كَانَ مَرَضًا بِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ بَيِّنًا إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَرَضُ النَّاشِئُ عَنْ التُّخَمَةِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ كَوْنِهِ بَيِّنًا وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَحْصُلْ لَهَا إسْهَالٌ.
فَائِدَةٌ: ذُكِرَ فِي الْمِصْبَاحِ التُّخَمَةُ وِزَانُ رُطَبَةٍ وَالْجَمْعُ بِحَذْفِ الْهَاءِ وَالتُّخَمَةُ بِالسُّكُونِ لُغَةٌ وَالتَّاءُ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ لِأَنَّهَا مِنْ الْوَخَامَةِ اهـ. [قَوْلُهُ: وَالْجَرَبُ الْكَثِيرُ] أَيْ الْبَيِّنُ.
[قَوْلُهُ: وَسُقُوطُ الْأَسْنَانِ أَوْ جُلِّهَا] يُوهِمُ أَنَّهُ لَوْ سَقَطَ نِصْفُهَا لَا يَضُرُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَمُحَصَّلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَوْ سَقَطَتْ سِنٌّ وَاحِدَةٌ أَوْ كُسِرَتْ فَتُجْزِئُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَمَّا أَزْيَدَ مِنْ وَاحِدَةٍ فَلَا تُجْزِئُ حَيْثُ كَانَ لِغَيْرِ إثْغَارٍ أَوْ كِبَرٍ وَإِلَّا فَتُجْزِئُ وَلَوْ الْجَمِيعُ، وَانْظُرْ لَوْ كَثُرَ مِنْ سِنَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بَعْضُ كُلِّ وَاحِدَةٍ هَلْ هُوَ كَكَسْرِ السِّنَّيْنِ بِغَيْرِ إثْغَارٍ أَوْ كِبَرٍ فَلَا يُجْزِئُ أَوْ لَا؟ . [قَوْلُهُ: الْمُشَالَةُ] أَيْ الْمُرْتَفِعَةُ.
[قَوْلُهُ: الْعَجْفَاءُ] بِالْمَدِّ.
[قَوْلُهُ: هِيَ الَّتِي لَا مُخَّ فِي عِظَامِهَا] أَيْ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي عِظَامِهَا الْمُخُّ تُجْزِئُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَحْمٌ زَادَ تت، ثُمَّ الشَّحْمُ يَذْهَبُ أَوَّلًا ثُمَّ الْمُخُّ.
[قَوْلُهُ: وَبِهَا وَرَدَ الْحَدِيثُ] أَيْ وَهُوَ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَرْبَعَةٌ لَا تُجْزِئُ فِي الْأَضَاحِيِّ الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» . [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ] وَعَلَيْهِ مَشَى الشَّيْخُ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَصَّارِ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ فَهُمَا قَائِلَانِ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ، وَعَلَّلَ تت الْمَشْهُورُ، فَقَالَ لِأَنَّهُ إذَا مَنَعَ الْعَرَجُ فَقَطْعُ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ أَحْرَى، وَإِذَا مَنَعَ الْعَوَرُ فَالْعَمَى أَعْظَمُ فَيَلْحَقُ بِهَا ذَلِكَ بِقِيَاسِ الْأَوْلَى، وَمِنْ ذَلِكَ الْجُنُونُ الْبَيِّنُ وَجُنُونُ غَيْرِ الْآدَمِيِّ فَقْدُ الْإِلْهَامِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ صَغِيرَةَ الْأُذُنَيْنِ جِدًّا فَكَأَنَّهَا خُلِقَتْ بِغَيْرِ أُذُنٍ، فَإِنْ كَانَتْ صَمَّاءَ جِدًّا فَإِنَّهَا تُجْزِئُ وَالْمُرَادُ بِجِدًّا بِحَيْثُ يَقْبُحُ بِهِ الْخِلْقَةُ.
[قَوْلُهُ: الْخَرْقَاءُ] وَهِيَ الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَهِيَ الَّتِي فِي أُذُنِهَا خَرْقٌ مُسْتَدِيرٌ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى كَلَامِهِ تَرَادُفُ الْخَرْقَاءِ وَالشَّرْقَاءُ [قَوْلُهُ: وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ] وَهُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: وَذَهَابُ ثُلُثِ الذَّنَبِ كَثِيرٌ] أَيْ فَأَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الذَّنَبَ لَحْمٌ وَعَصَبٌ] هَذَا فِي ذَنَبِ الْغَنَمِ الَّتِي لَهَا أَلْيَةٌ كَبِيرَةٌ، وَأَمَّا نَحْوُ الثَّوْرِ وَالْجَمَلِ وَالْغَنَمِ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ مِمَّا لَا لَحْمَ وَلَا شَحْمَ فِي ذَنَبِهِ، فَاَلَّذِي يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ مِنْهُ مَا يُنْقِصُ الْجَمَالَ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالثُّلُثِ، وَمِمَّا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ الْبَخَرُ وَهُوَ تَغْيِيرُ رِيحِ الْفَمِ لِتَنْقِيصِهِ الْجَمَالَ وَتَغْيِيرِهِ اللَّحْمَ حَيْثُ كَانَ عَارِضًا، لَا مَا كَانَ أَصْلِيًّا وَكَذَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ الْبَكَمُ وَهُوَ فَقْدُ الصَّوْتِ مِنْ الْحَيَوَانِ، إلَّا لِعَارِضٍ كَالنَّاقَةِ بَعْدَ حَمْلِهَا فَلَا يَضُرُّ وَكَذَا عَدَمُ اللَّبَنِ لَا قِلَّتُهُ فَلَا تَمْنَعُ.

الْأُذُنِ كَثِيرٌ وَصَرَّحَ بِمَشْهُورِيَّتِهِ ع. (وَمَكْسُورَةُ الْقَرْنِ إنْ كَانَ) الْقَرْنُ (يُدْمِ) يَعْنِي لَمْ يَبْرَأْ (فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ) يَكُنْ (يُدْمِي) بِأَنْ بَرِئَ (فَذَلِكَ جَائِزٌ) وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَظَاهِرُهَا انْكَسَرَ مِنْ أَعْلَاهُ أَوْ مِنْ أَصْلِهِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الشُّيُوخِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ نَقْصًا فِي الْخِلْقَةِ وَلَا فِي اللَّحْمِ لِأَنَّ النِّعَاجَ لَا قَرْنَ لَهَا، وَمَا فَسَّرْنَا بِهِ قَوْلَهُ: يُدْمِي قَالَ ع هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَالَ: وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالدَّمِ عَلَى بَابِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ يَسِيلُ مِنْهُ الدَّمُ فَلَا يُجْزِئُ وَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ فَيَجُوزُ وَهَذَا بَعِيدٌ وَمَا اسْتَبْعَدَهُ مَشَى عَلَيْهِ ك

(وَلْيَلِ الرَّجُلُ ذَبْحَ أُضْحِيَّتِهِ أَوْ نَحْرَهَا) وَكَذَلِكَ هَدْيُهُ (بِيَدِهِ) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ ضَعْفٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَكَّلَ مُسْلِمًا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ

فَإِنْ وَكَّلَ تَارِكَ الصَّلَاةِ كُرِهَ وَتُجْزِئُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ وَكَّلَ كَافِرًا كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَهُ لَمْ تُجْزِهِ.
ج: ظَاهِرُ قَوْلِهِ الرَّجُلُ أَنَّ الصَّغِيرَ وَالْمَرْأَةَ لَا يَذْبَحَانِ لِأَنْفُسِهِمَا بَلْ يَسْتَنِيبَانِ غَيْرَهُمَا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الصَّبِيِّ بِاتِّفَاقٍ وَفِي الْمَرْأَةِ قَوْلَانِ ع: الْأَفْضَلُ أَنْ تَذْبَحَ أُضْحِيَّتَهَا بِيَدِهَا وَابْتِدَاءُ زَمَنِ ذَبْحِ النَّاسِ وَنَحْرِهِمْ الْأُضْحِيَّةَ

(بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ) مَا يُذْبَحُ (أَوْ نَحْرُهُ) مَا يُنْحَرُ (يَوْمَ النَّحْرِ) أَيْ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَهُوَ الْعَاشِرُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَذَبْحُ الْإِمَامِ يَوْمَ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ: وَصَرَّحَ بِمَشْهُورِيَّتِهِ ع] ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي لَمْ يَبْرَأْ] أَيْ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِدْمَاءِ سَيَلَانُ الدَّمِ فَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْفَاكِهَانِيُّ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِدْمَاءِ سَيَلَانُ الدَّمِ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الشُّيُوخِ إلَخْ] مُقَابِلُهُ الْإِجْزَاءُ مِنْ طَرَفِهِ لَا مِنْ أَصْلِهِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
[قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ] وَمِنْ لَازِمِ الْجَوَازِ الْإِجْزَاءُ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا بَعِيدٌ إلَخْ] أَيْ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَنْقَطِعَ الدَّمُ وَيَحْصُلَ بِهِ الضَّعْفُ

[قَوْلُهُ: وَلْيَلِ إلَخْ] لَمَّا كَانَ قَوْلُهُ بَلْ مُحْتَمِلًا لَأَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِفِعْلِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ رُفِعَ ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ بِقَوْلِهِ بِيَدِهِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ وَيُكْرَهُ الِاسْتِنَابَةُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ.
[قَوْلُهُ: اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] أَيْ فَإِنَّهُ كَانَ يَذْبَحُ أُضْحِيَّتَهُ بِيَدِهِ أَوْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّوَاضُعِ.
[قَوْلُهُ: وَكَّلَ مُسْلِمًا] الْوَكَالَةُ قِسْمَانِ الْأَوَّلُ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ مَثَلًا وَكَّلْتُك، وَيَقْبَلُ الْآخَرُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ عَادَةً لَكِنْ إنْ كَانَ الذَّابِحُ قَرِيبًا لِلْمُضَحَّى عَنْهُ أَوْ صَدِيقًا مُلَاطِفًا أَوْ جَارًا قَائِمًا بِحَقِّ الْجِوَارِ أَوْ عَبْدًا أَوْ غُلَامًا أَوْ أَجِيرًا وَلَهُ عَادَةٌ بِالْقِيَامِ بِأُمُورِهِ فَتُجْزِئُ.
فَإِنْ كَانَ لَا عَادَةٌ أَوْ عَادَةٌ لَا قُرْبَةٌ وَنَحْوُهَا فَفِي الْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ تَرَدُّدٌ، فَإِذَا انْتَفَى الْأَمْرَانِ فَلَا تُجْزِئُ مِنْ رَبِّهَا قَطْعًا.

[قَوْلُهُ: وَتُجْزِئُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ سَوَاءٌ قَصَدَ الذَّبْحَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ رَبِّهَا، أَمَّا لَوْ ذَبَحَ أُضْحِيَّةَ غَيْرِهِ غَالِطًا أَنَّهَا أُضْحِيَّتَهُ لَمْ تَجُزْ عَنْ رَبِّهَا اتِّفَاقًا وَلَا عَنْ الذَّابِحِ عَلَى الْمَشْهُورِ تَنْبِيهٌ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ وَكَّلَ تَارِكَ الصَّلَاةِ إعَادَةُ الضَّحِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ الضَّحِيَّةُ الَّتِي ذَبَحَهَا تَارِكُ الصَّلَاةِ مُجْزِئَةً.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ كُفْرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ وَمُقَابِلُهُ لَا تُجْزِئُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى كُفْرِهِ أَفَادَ ذَلِكَ تت.
[قَوْلُهُ: لَمْ تُجْزِهِ] أَيْ وَتَصِيرُ شَاةَ لَحْمٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كِتَابِيًّا لَمْ تُؤْكَلْ وَإِنْ كَانَ كِتَابِيًّا حَلَّ أَكْلُهَا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ الرَّجُلُ إلَخْ] إنَّمَا قَالَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ يُقَالُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ.
[قَوْلُهُ: بَلْ يَسْتَنِيبَانِ] أَيْ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَقَوْلُهُ بِاتِّفَاقٍ هَذِهِ طَرِيقَةٌ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ يُنْدَبُ ذَبْحُهَا بِيَدِهِ وَلَوْ صَبِيًّا أَطَاقَ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَهْتَدِ لِذَلِكَ إلَّا بِمُرَافِقٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُرَافِقَ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُمْسِكَهُ بِطَرَفِ الْآلَةِ وَيُهْدِيهِ الْجَزَّارُ بِأَنْ يُمْسِكَ الْجَزَّارُ رَأْسَ الْحَرْبَةِ وَيَضُمَّهُ عَلَى الْمَنْحَرِ أَوْ الْعَكْسِ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا اسْتَنَابَ وَيُنْدَبُ أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَ نَائِبِهِ.
[قَوْلُهُ: الْأَفْضَلُ] تَرْجِيحٌ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمُقَابِلُهُ، وَهُوَ لِابْنِ رُشْدٍ قَائِلًا الْأَظْهَرُ مَنْعُ ذَبْحِهَا إلَّا لِضَرُورَةٍ لِنَحْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَزْوَاجِهِ فِي الْحَجِّ اهـ. وَأَرَادَ بِالْمَنْعِ الْكَرَاهَةَ فِيمَا يَظْهَرُ.

[قَوْلُهُ: بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ] أَيْ أَوْ قَدْرِهِ إنْ لَمْ يَذْبَحْ وَإِذَا ذَبَحَ أَهْلُ الْمُسَافِرِ عَنْهُ رَاعَوْا إمَامَهُمْ دُونَ إمَامِ بَلَدِ الْمُسَافِرِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا ابْتَدَأَ بِالذَّبْحِ قَبْلَهُ لَمْ يَجُزْ ضَحِيَّةً خَتَمَ الْأَوْدَاجَ وَالْحَلْقَ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ وَكَذَا إذَا ابْتَدَأَ

النَّحْرِ يَكُونُ (ضَحْوَةً) وَهُوَ وَقْتُ حِلِّ النَّافِلَةِ، وَمَا قَالَهُ هُنَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ وَالنَّاسُ ضَحْوَةً، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَاكَ مَا قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ طُلُوعُ الشَّمْسِ، أُجِيبَ بِأَنَّ ضَحْوَةً عِنْدَهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ عَلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعَلَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ يَوْمِ النَّحْرِ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَمْ يُجْزِهِ وَأَعَادَ أُضْحِيَّتَهُ

(وَ) كَذَا (مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ الْإِمَامُ أَوْ يَنْحَرَ) لَمْ تُجْزِهِ (أَعَادَ أُضْحِيَّتَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1] قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ ذَبَحُوا قَبْلَ الْإِمَامِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ خَرَجَ الْإِمَامُ بِأُضْحِيَّتِهِ إلَى الْمُصَلَّى أَمْ لَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُفَسِّرًا لِقَوْلِهِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ خَرَجَ بِأُضْحِيَّتِهِ إلَى الْمُصَلَّى هَذَا حُكْمُ مَنْ لَهُمْ إمَامٌ.
(وَ) أَمَّا (مَنْ لَا إمَامَ لَهُمْ فَلْيَتَحَرَّوْا صَلَاةَ أَقْرَبِ الْأَئِمَّةِ إلَيْهِمْ وَذَبْحَهُ) فَيَذْبَحُونَ حِينَئِذٍ فَلَوْ تَحَرَّوْا ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُمْ أَجْزَأَهُمْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَنْ تَحَرَّى الْفَجْرَ فَرَكَعَ

[حاشية العدوي]

مَعَهُ مُطْلَقًا وَكَذَا إذَا ابْتَدَأَ بَعْدَهُ وَخَتَمَ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ احْتِيَاطًا لَا أَنْ خَتَمَ بَعْدَهُ فَتُجْزِئُ ضَحِيَّةً، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَبْحَهُ لَا يُجْزِئُهُ ضَحِيَّةً، وَانْظُرْ إذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ وَتَبِعُوهُ فِي ذَبْحِ مَا يُجْزِئُهُمْ فَهَلْ يَكْتَفِي بِذَبْحِهِمْ لِأَنَّهُمْ ذَبَحُوا بَعْدَهُ فِي الْجُمْلَةِ وَلَا يُسَنُّ تَضْحِيَتُهُمْ ثَانِيًا أَوْ لَا لِأَنَّهُمْ ذَبَحُوا قَبْلَ ذَبْحِهِ الْمُعْتَبَرِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ فِي يَوْمِ النَّحْرِ] أَيْ فَلَا يُرَاعَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهُوَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَيَدْخُلُ وَقْتُ الذَّبْحِ أَوْ النَّحْرِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ لِحِلِّ النَّافِلَةِ.
[قَوْلُهُ: ضَحْوَةً] جَعَلَهُ خَبَرًا لَكَانَ الْمَحْذُوفَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ حَذْفٍ فِي الْعِبَارَةِ أَيْ ضَحْوَةً بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ صَلَاتِهِ وَخُطْبَتِهِ.
تَنْبِيهٌ: إذَا عُلِمَ أَنَّ ذَبْحَ غَيْرِ الْإِمَامِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ فَيُنْدَبُ لَهُ أَنْ يُبْرِزَ أُضْحِيَّتَهُ إلَى الْمُصَلَّى لِيَرَى النَّاسُ ذَبْحَهُ، وَلَوْ أَنَّ غَيْرَ الْإِمَامِ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ فِي الْمُصَلَّى بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ جَازَ وَكَانَ صَوَابًا فَتَرْكُ الْإِمَامِ إبْرَازَهَا مَكْرُوهٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: عِنْدَهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ] أَيْ كَوْنُهَا مُشْتَرَكَةٌ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ مَا عِنْدَهُ أَيْ وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا اشْتِرَاكٌ بَلْ نَقْلٌ لِأَنَّهَا عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ اسْمٌ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَقْتُ حِلِّ النَّافِلَةِ

[قَوْلُهُ: وَكَذَا مَنْ ذَبَحَ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَلِذَا مَنْ ذَبَحَ لِأَنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَى قَوْلِهِ قَبْلُ، بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ عَلَى أَنَّهُ يُغْنِي عَمَّا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ إذَا ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ الْإِمَامُ لَا يُجْزِئُ، فَأَوْلَى قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
وَقَوْلُهُ: قَبْلُ، يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ مَعَهُ يَصِحُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: أَعَادَ أُضْحِيَّتَهُ] بِشَرْطِ تَأْخِيرِ ذَبْحِهِ بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ سَوَاءٌ صَلَّى الْعِيدَ مَعَ الْإِمَامِ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: قَبْلَ الْإِمَامِ] الْمُرَادُ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي تت.
[قَوْلُهُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُفَسِّرًا] هَذَا الِاحْتِمَالَ هُوَ الصَّوَابُ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مُفَسِّرًا لِهَذَا لَا أَنَّ هَذَا مُفَسِّرٌ لِمَا تَقَدَّمَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّهُ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى مَا إذَا أَخْرَجَ الْإِمَامُ أُضْحِيَّتَهُ إلَى الْمُصَلَّى سَوَاءٌ عَلِمَ الَّذِي ذَبَحَ قَبْلَهُ بِإِبْرَازِهَا أَمْ لَا، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ أَخْرَجَ أُضْحِيَّتَهُ إلَى الْمُصَلَّى، فَإِنَّ غَيْرَهُ يَتَحَرَّى قَدْرَ ذَبْحِهِ بِمَنْزِلِهِ وَيَذْبَحُهُ وَيُجْزِئُهُ ذَبْحُهُ وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ ذَبَحَ قَبْلَهُ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَتَحَرَّوْا صَلَاةَ أَقْرَبِ الْأَئِمَّةِ إلَيْهِمْ] حَدَّ بَعْضُهُمْ الْقُرْبَ بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَنَارِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَأْتِي لِصَلَاةِ الْعِيدِ مِنْهُ، وَأَمَّا مَا بَعُدَ عَنْ الثَّلَاثَةِ أَمْيَالٍ فَلَا يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُهُ لِأَنَّ الضَّحِيَّةَ تَبَعٌ لِلصَّلَاةِ.
[وَقَوْلُهُ: صَلَّاهُ إلَخْ] لَوْ قَالَ ذَبَحَهُ لَكَانَ أَحْسَنَ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَتَحَرَّوْنَ ذَبْحَهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ وَمَنْ لَهُمْ إمَامٌ وَلَيْسَ لَهُ أُضْحِيَّةٌ فَيَظْهَرُ أَنْ يَتَحَرَّوْا وَقْتَ فَرَاغِ ذَبْحِهِ بَعْدَ خُطْبَتِهِ وَصَلَاتِهِ أَنْ لَوْ كَانَ لَهُ ضَحِيَّةٌ، وَكَذَا مَنْ لَيْسَ لَهُمْ إمَامٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَتَحَرَّوْا ذَبْحَهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَحَرَّوْا ذَبْحَ إمَامِهِمْ أَنْ لَوْ كَانَ لَهُمْ إمَامٌ بَلْ هُوَ الْأَوْلَى بِالتَّحَرِّي.
[قَوْلُهُ: أَجْزَأَهُمْ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ حَكَاهُ بَهْرَامُ فِي الْوَسَطِ.
[قَوْلُهُ: فَقَالَ

ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ رَكَعَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ إعَادَةَ الْأُضْحِيَّةِ مِمَّا يَشُقُّ بِخِلَافِ إعَادَةِ الْفَجْرِ.
ع: وَانْظُرْ هَلْ أَرَادَ إمَامَ الصَّلَاةِ أَوْ إمَامَ الطَّاعَةِ قَوْلَانِ، وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ظَاهِرُهُ الْأَوَّلُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ظَاهِرُهُ الثَّانِي، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ إمَامُ الصَّلَاةِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: الْمُعْتَبَرُ الْخَلِيفَةُ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ.
(وَمَنْ ضَحَّى بِلَيْلٍ) فِي لَيْلَةِ الْيَوْمِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ (أَوْ أَهْدَى لَمْ يُجْزِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28] فَذَكَرَ الْأَيَّامَ دُونَ اللَّيَالِي، وَالْمُرَادُ بِاللَّيَالِيِ هُنَا مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَمِنْ ضَحَّى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَجْزَأَهُ وَيَكُونُ تَارِكًا لِلْمُسْتَحَبِّ بِخِلَافِ مَنْ ضَحَّى فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ

(وَأَيَّامُ النَّحْرِ) عِنْدَ مَالِكٍ تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (ثَلَاثَةٌ) أَيْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ.
(يُذْبَحُ فِيهَا) مَا يُذْبَحُ (أَوْ يُنْحَرُ) مَا يُنْحَرُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ابْتِدَاءَ زَمَنِ النَّحْرِ وَالذَّبْحِ مِنْ ضَحْوَةِ يَوْمِ النَّحْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَذَبْحِهِ وَأَمَّا آخِرُهُ فَ (إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِهَا) أَيْ مِنْ آخِرِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ مُتَفَاوِتَةٌ فِي الْفَضِيلَةِ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ.

(وَأَفْضَلُ أَيَّامِ النَّحْرِ) لِلْأُضْحِيَّةِ (أَوَّلُهَا) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ (وَمَنْ فَاتَهُ الذَّبْحُ) أَوْ النَّحْرُ (فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ إلَى الزَّوَالِ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ) وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى مَا قَالَ التَّادَلِيُّ، وَنَقَلَهُ بَهْرَامُ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ كَمَا تَقِفُ عَلَيْهِ الْآنَ (يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَصْبِرَ إلَى ضُحَى الْيَوْمِ الثَّانِي) بَهْرَامُ: لَا خِلَافَ أَنَّ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَفْضَلُ مِمَّا بَعْدَهُ، وَاخْتُلِفَ هَلْ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْهُ أَفْضَلُ مِمَّا قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي وَهُوَ ظَاهِرُ لَفْظِ الْمُخْتَصَرِ وَهُوَ مَذْهَبُ الرِّسَالَةِ وَغَيْرِهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْمَوَّازِ أَوْ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ مِنْ الثَّانِي أَفْضَلُ مِمَّا بَعْدَهُ مِنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ.

(وَلَا يُبَاعُ) عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ (شَيْءٌ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ) الَّتِي تُجْزِئُ بَعْدَ الذَّبْحِ وَكَذَا كُلُّ مَا هُوَ قُرْبَةٌ كَالْهَدْيِ وَالْعَقِيقَةِ، وَبُنِيَ الْفِعْلُ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ لِيَدْخُلَ فِيهِ الْمُضَحِّي وَغَيْرُهُ مِنْ مُتَصَدَّقٍ عَلَيْهِ وَمَوْهُوبٍ لَهُ وَوَارِثٍ وَقَوْلُهُ:

[حاشية العدوي]

بَعْضُهُمْ ظَاهِرُهُ الْأَوَّلُ] أَقُولُ: وَهُوَ الْمُتَعَيَّنُ لِأَنَّ إمَامَ الطَّاعَةِ لَا يَتَعَدَّدُ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ إلَخْ] الْحَقُّ أَنَّ الْخِلَافَ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ وَأَنَّ كُلًّا مِنْ صَاحِبِ الْقَوْلَيْنِ يَقُولُ بِقَوْلِ الْآخَرِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ إمَامُ الصَّلَاةِ عَلَى تَقْدِيرِ اخْتِلَافِهِمَا.
تَتِمَّةٌ: يَنْبَغِي اعْتِبَارُ إمَامِ حَارَتِهِ السَّاكِنِ بِهَا، وَإِنْ صَلَّى خَلْفَ غَيْرِهِ فِي غَيْرِهَا أَوْ فِيهَا كَمَجِيءِ نَائِبٍ عَنْهُ بِهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِحَارَتِهِ إمَامٌ فَيَتَحَرَّى أَقْرَبَ إمَامٍ فِي أَقْرَبِ الْحَارَاتِ إلَى حَارَتِهِ الَّتِي لَيْسَ بِهَا إمَامٌ.
[قَوْلُهُ: أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ] كَالْبَاشَا.
[قَوْلُهُ: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَخْ] أَيْ وَكَذَا بَعْدَ طُلُوعِهَا إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ.

[قَوْلُهُ: وَأَيَّامُ النَّحْرِ] أَوْ الذَّبْحِ لِلضَّحِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ مَالِكٍ] وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَرْبَعَةٌ.
[قَوْلُهُ: مِنْ ضَحْوَةٍ] أَيْ ابْتِدَاءَ ضَحْوَةٍ.
[قَوْلُهُ: أَيْ ابْتِدَاءَ] ضَحْوَةٍ.

[قَوْلُهُ: لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -] أَيْ وَلِأَنَّ فِيهِ الْمُبَادَرَةَ إلَى الْقُرْبَةِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الرِّسَالَةِ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: تَأَمَّلَ مَا نَسَبَهُ لِلرِّسَالَةِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ] وَهُوَ ضَعِيفٌ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ جَمِيعَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ أَفْضَلُ مِمَّا بَعْدَهُ حَتَّى أَنَّ الْقَابِسِيَّ أَنْكَرَ رِوَايَةَ ابْنِ حَبِيبٍ، وَيُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّ أَوَّلَ الثَّانِي مِنْ فَجْرِهِ إلَى زَوَالِهِ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ أَيَّامِ النَّحْرِ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَ آخِرِ الثَّانِي، وَأَوَّلِ الثَّالِثِ.

[قَوْلُهُ: وَلَا يُبَاعُ عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ] وَلَوْ بِمَاعُونٍ كَمُنْخُلٍ وَغِرْبَالٍ، وَمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْبُيُوتِ وَيَجُوزُ إجَارَةُ الضَّحِيَّةِ فِي حَيَاتِهَا وَجِلْدِهَا بَعْدَ ذَبْحِهَا كَمَا تَجُوزُ إجَارَةُ كَلْبِ الصَّيْدِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ مُتَصَدَّقٍ عَلَيْهِ] لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَجُوزُ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ بَيْعُهَا، وَلَوْ عَلِمَ الْمُتَصَدِّقُ بِالْكَسْرِ أَنَّ الْمِسْكِينَ يَبِيعُهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَكَذَا الْمَهْدِيُّ لِوَجْهِهِ.
[قَوْلُهُ:

(جِلْدٌ وَلَا غَيْرُهُ) دَاخِلٌ فِي شَيْءٍ صَرَّحَ بِهِ إشَارَةً لِمَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ بَيْعِ الْجِلْدِ، وَقَيَّدَ كَلَامَهُ بِاَلَّتِي تُجْزِئُ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِضَحِيَّةٍ وَبِبَعْدِ الذَّبْحِ احْتِرَازًا مِنْ قَبْلِ الذَّبْحِ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ إلَّا بِالذَّبْحِ.

ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ الذَّبْحِ فَقَالَ: (وَتُوَجَّهُ الذَّبِيحَةُ) فِي الْأُضْحِيَّةِ وَغَيْرِهَا (عِنْدَ الذَّبْحِ، إلَى الْقِبْلَةِ) اسْتِحْبَابًا إجْمَاعًا عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، فَإِنْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ أَوْ نِسْيَانًا أُكِلَتْ اتِّفَاقًا وَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ كَمَا لَوْ ذَبَحَ بِيَسَارِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ مَنْدُوبًا، وَيُسْتَحَبُّ ضَجْعُهَا عَلَى الْجَنْبِ الْأَيْسَرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْسَرَ فَعَلَى الْجَنْبِ الْأَيْمَنِ لِلضَّرُورَةِ، ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَا يَجْعَلُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِهَا وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ.

(وَلْيَقُلْ الذَّابِحُ) عِنْدَ الذَّبْحِ (بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) وَهَذَا أَعْنِي الْجَمْعَ بَيْنَ التَّسْمِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ هُوَ الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ، أَمَّا التَّكْبِيرُ فَسُنَّةٌ وَأَمَّا التَّسْمِيَةُ فَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ بَعْدُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ، سَاقِطَةٌ مَعَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا أَجْزَأَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 118] فَلَمْ يَشْتَرِطْ سِوَى مُجَرَّدِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى قَالُوا: وَلَا يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مَوْضِعُهُ بِخِلَافِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْوُضُوءِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهَا

[حاشية العدوي]

احْتِرَازًا مِنْ الَّتِي لَا تُجْزِئُ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِضَحِيَّةٍ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ بِأَنْ ذُبِحَتْ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ تَعَيَّبَتْ حَالَةُ الذَّبْحِ أَيْ قَبْلَ تَمَامِ فَرْيِ أَوْدَاجِهَا وَحُلْقُومِهَا أَوْ تَعَيَّبَتْ قَبْلَ الذَّبْحِ، كَمَا لَوْ أَصَابَهَا عَجَفٌ أَوْ عَمًى أَوْ عَوَرٌ يُرِيدُ وَذَبَحَهَا عَالِمًا بِالْعَيْبِ وَبِحُكْمِهِ نَاوِيًا الْقُرْبَةَ، فَإِنَّهُ لَا يُبَاعُ لَحْمُهَا.
أَمَّا إنْ لَمْ يَذْبَحْهَا فَهِيَ مَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِ يَصْنَعُ بِهَا مَا يَشَاءُ أَوْ ضَحَّى شَاةً وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَوْ يَظُنُّ أَنَّهَا سَلِيمَةٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ بِهَا عَيْبًا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْعَيْبَ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فَتَبَيَّنَ بِهَا عَيْبٌ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ لَحْمِهَا وَلَا جِلْدِهَا وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ مَحَلَّ الْقُرَبِ وَالْقُرَبُ لَا تَقْبَلُ الْمُعَاوَضَاتِ [قَوْلُهُ: وَبَعْدَ الذَّبْحِ احْتِرَازًا مِنْ قَبْلِ الذَّبْحِ] أَيْ فَيَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ قَبْلَ الذَّبْحِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ إلَّا بِالذَّبْحِ] وَقِيلَ: تَتَعَيَّنُ بِالتَّسْمِيَةِ وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ هَلْ يُعْطَى مِنْهَا الْقَابِلَةُ وَالْفَرَّانُ فَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ.
تَنْبِيهٌ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ حُكْمُ الْبَيْعِ بَعْدَ وُقُوعِهِ وَالْحُكْمُ فِيهِ يُفْسَخُ إذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمُبَاعُ قَائِمًا وَأَمَّا لَوْ فَاتَ فَإِنَّهُ يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِالْعِوَضِ أَوْ بِبَدَلِهِ إنْ فَاتَ حَيْثُ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمُضَحِّيَ أَوْ غَيْرَهُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَيْثُ صُرِفَ الْعِوَضُ فِيمَا يَلْزَمُ الْمُضَحِّي، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْبَائِعُ غَيْرَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَصَرَفَهُ الْبَائِعُ فِي مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُضَحِّي، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ.

[قَوْلُهُ: وَتُوَجَّهُ الذَّبِيحَةُ] فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ وَالتَّاءُ فِيهِ لِنَقْلِ الِاسْمِ عَنْ الْوَصْفِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ تَرَكَ عَمْدًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا أُحِبُّ أَنْ تُؤْكَلَ لِتَرْكِهِ السُّنَّةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ذَكَرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَجْعَلُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِهَا] أَيْ يُكْرَهُ.
[قَوْلُهُ: وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ] قَالَ الدَّمِيرِيُّ: إنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ وَعَلَى فَرْضِ ثُبُوتِهِ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْمُصْطَفَى عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ

[قَوْلُهُ: بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ] لَا يُشْتَرَطُ بِاسْمِ اللَّهِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أَوْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَجْزَأَ بَلْ فِي كَلَامِ سَنَدٍ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهُ مُقْتَصِرًا عَلَى لَفْظِ الْجَلَالَةِ أَجْزَأَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يُلَاحِظْ لَهُ خَبَرًا لِأَنَّ الْوَاجِبَ ذِكْرُ اللَّهِ وَأَمَّا لَوْ قَالَ: بِاسْمِ الرَّحْمَنِ أَوْ الْعَزِيزِ أَوْ الْخَالِقِ فَلَا يَكْفِي كَذَا أَفَادَهُ عج وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ مُفَادُ سَنَدٍ أَنَّهُ لَا يَلِيقُ وَلَكِنْ لَوْ فَعَلَ أَجْزَأَ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا التَّكْبِيرُ فَسُنَّةٌ] الْمَذْهَبُ أَنَّ التَّكْبِيرَ مُسْتَحَبٌّ أَوْ أَرَادَ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةَ وَالطَّرِيقَةُ تَشْمَلُ السُّنَّةَ وَالْمُسْتَحَبَّ.
[قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْأَكْلِ

يَقُولُهَا.
(وَإِنْ زَادَ) الذَّابِحُ عَلَى التَّسْمِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ (فِي) ذَبْحِ (الْأُضْحِيَّةِ) أَوْ الْهَدْيِ أَوْ النُّسُكِ أَوْ الْعَقِيقَةِ (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ) قِيلَ: اسْتَعْمَلَ لَا بَأْسَ هُنَا بِمَعْنَى الِاسْتِحْبَابِ، وَقِيلَ بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ.

(وَمَنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي ذَبْحِ أُضْحِيَّتِهِ أَوْ غَيْرِهَا فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ فَإِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ لَمْ تُؤْكَلْ) هَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا فَرْضٌ مَعَ الذِّكْرِ سَاقِطَةٌ مَعَ النِّسْيَانِ (وَكَذَلِكَ) مَنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ (عِنْدَ إرْسَالِ الْجَوَارِحِ) أَوْ رَمْيِ السَّهْمِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُصَادُ بِهِ (عَلَى الصَّيْدِ) فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ وَإِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ لَمْ يُؤْكَلْ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 4] وَلَوْ قَدَّمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا جَاءَ فِيهَا

وَفِي قَوْلِهِ: (وَلَا يُبَاعُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِيقَةِ وَالنُّسُكِ لَحْمٌ وَلَا جِلْدٌ وَلَا وَدَكٌ) أَيْ دُهْنٌ (وَلَا عَصَبٌ) أَيْ عُرُوقٌ (وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ) مِثْلُ الْقَرْنِ وَالشَّعْرِ وَالصُّوفِ تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ: وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ.
ع: يَحْتَمِلُ تَكْرَارُهُ لِذِكْرِ الْعَقِيقَةِ وَالنُّسُكِ، وَيَحْتَمِلُ تَكْرَارُهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ

(وَيَأْكُلُ الرَّجُلُ) يُرِيدُ أَوْ غَيْرُهُ (مِنْ أُضْحِيَّتِهِ وَيَتَصَدَّقُ مِنْهَا أَفْضَلُ لَهُ) يَحْتَمِلُ عَوْدُ الْفَضْلِ عَلَى التَّصَدُّقِ خَاصَّةً، وَيَحْتَمِلُ عَوْدُهُ عَلَى

[حاشية العدوي]

وَالشُّرْبِ] مُفَادُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ تَعْذِيبٌ، وَذَهَبَ بَعْضٌ إلَى عَدَمِ الزِّيَادَةِ فِيهِمَا أَيْضًا لِأَنَّ فِيهِمَا تَعْذِيبًا.
[قَوْلُهُ: أَوْ النُّسُكُ] هِيَ الْفِدْيَةُ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الِاسْتِحْبَابِ] هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَوْلَى، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَقِيلَ: بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ فَلَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهٌ لِأَنَّ هَذَا دُعَاءٌ.
وَالدُّعَاءُ مَنْدُوبٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ مِنْك وَإِلَيْك فِي ذَبْحِ الضَّحِيَّةِ فَيُكْرَهُ عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِمَا إذَا كَانَ قَائِلُهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ التَّسْمِيَةِ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ.

[قَوْلُهُ: وَمَنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ] أَيْ وَاسْتَمَرَّ نَاسِيًا حَتَّى فَرَغَ مِنْ ذَكَاتِهَا.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ] مُتَهَاوِنًا أَوْ لَا تَرَكَهَا إمَّا ابْتِدَاءً وَاسْتَمَرَّ عَلَى تَرْكِهَا حَتَّى أَنْفَذَ مَقَاتِلَ الْحَيَوَانِ أَوْ بَعْدَ قَطْعِ بَعْضِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ إنْ نَسِيَهَا ابْتِدَاءً وَتَذَكَّرَهَا فِي الْأَثْنَاءِ وَتَرَكَهَا، وَأَمَّا لَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ ابْتِدَاءً ثُمَّ قَبْلَ إنْفَاذِ الْمَقْتَلِ سَمَّى فَيَنْبَغِي الْإِجْزَاءُ، وَأَمَّا لَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ نِسْيَانًا وَتَذَكَّرَهَا فِي أَثْنَاءِ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ يُطْلَبُ بِهَا وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ إنْ أَتَى بِهَا وَسَكَتَ عَنْ تَرْكِهَا جَهْلًا وَتَهَاوُنًا، وَمِنْهُ مَنْ يَكْثُرُ نِسْيَانُهُ لَهَا وَالْحُكْمُ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ كَتَرْكِهَا عَمْدًا، وَأَمَّا عَجْزًا أَوْ مُكْرَهًا فَتُؤْكَلُ إلْحَاقًا لَهُ بِالنِّسْيَانِ، وَسَكَتَ عَنْ نِيَّةِ الذَّكَاةِ وَحُكْمُهَا الْوُجُوبُ مُطْلَقًا أَيْ لَا بِقَيْدِ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ، وَالْمُرَادُ نِيَّةُ الْفِعْلِ وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْ التَّحْلِيلَ وَلَا التَّقَرُّبَ، وَمَحِلُّ وُجُوبِ النِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ إذَا كَانَ الْمُذَكِّي مُسْلِمًا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي ذَكَاتِهِ نِيَّةٌ وَلَا تَسْمِيَةٌ كَذَا قَالَهُ عج.
وَقَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ: إنَّ نِيَّةَ الذَّكَاةِ لَا بُدَّ مِنْهَا حَتَّى فِي حَقِّ الْكَافِرِ وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَأَمَّا نِيَّةُ التَّقَرُّبِ فَلَا تَكُونُ إلَّا مِنْ مُسْلِمٍ.
[قَوْلُهُ: عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ] وَمُقَابِلُهُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ شَعْبَانَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ أَجَازَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ مَعَ الْعَمْدِ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ عِنْدَ إرْسَالِ الْجَوَارِحِ عَلَى الصَّيْدِ] أَوْ عِنْدَ رَمْيِهِ بِالرُّمْحِ أَوْ السَّهْمِ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا لَمْ تُؤْكَلْ.
[قَوْلُهُ: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ] أَيْ فَكُلُوا مِنْ الصَّيْدِ الَّذِي أَمْسَكَتْهُ الْجَوَارِحُ لِأَحَدِكُمْ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ قَدَّمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إلَخْ] أَصْلُ الْكَلَامِ لِابْنِ عُمَرَ فَقَدْ قَالَ: عَكْسَ أَبُو مُحَمَّدٍ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا جَاءَ فِي إرْسَالِ الْجَوَارِحِ عَلَى الصَّيْدِ وَلَمْ يَأْتِ فِي الذَّبِيحَةِ نَصٌّ، وَلَوْ عَكَسَ لَكَانَ أَبَيْنَ.

[قَوْلُهُ: وَيَتَصَدَّقُ مِنْهَا] عَلَى الْفُقَرَاءِ أَيْ وَيُهْدِي مِنْهَا لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ فَقَدْ مَشَى صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ عَلَى اسْتِحْبَابِ جَمْعِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: الْأَكْلُ وَالصَّدَقَةُ وَالْإِعْطَاءُ بِغَيْرِ حَدٍّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا أَوْ اثْنَيْنِ لَمْ يَحْصُلْ الِاسْتِحْبَابُ.
وَكَذَا قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا أَوْ اثْنَيْنِ مِنْهَا خَالَفَ الْمُسْتَحَبَّ، إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُهُ يُحْتَمَلُ عَوْدُ الْفَضْلِ عَلَى التَّصْدِيقِ خَاصَّةً ضَعِيفٌ، وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَعَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ فَأَفْضَلُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ

الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَكْلِ وَالتَّصَدُّقِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36] قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] الْقَانِعَ الْفَقِيرَ.
وَقِيلَ: مَنْ لَا يَسْأَلُ وَالْمُعْتَرُّ الزَّائِرُ الْمُتَعَرِّضُ لِمَا يَنَالُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ

وَيُكْرَهُ التَّصَدُّقُ بِالْجَمِيعِ وَلَيْسَ لِمَا يُؤْكَلُ أَوْ يُطْعَمُ حَدٌّ، وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَأْكُلَ الْأَقَلَّ وَيُطْعِمَ الْأَكْثَرَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى مَنْعِ إطْعَامِ الْكَافِرِ مِنْهَا مُطْلَقًا كِتَابِيًّا كَانَ أَوْ مَجُوسِيًّا وَقَوْلُهُ: (وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ أَفْضَلُ لَهُ.

(وَلَا يَأْكُلُ) الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ هَدْيٌ (مِنْ فِدْيَةِ الْأَذَى) الْمُتَرَتِّبَةِ فِي ذِمَّتِهِ إذَا بَلَغَتْ مَحِلَّهَا (وَ) كَذَلِكَ لَا يَأْكُلُ مِنْ (جَزَاءِ الصَّيْدِ) الَّذِي تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ (وَ) كَذَلِكَ لَا يَأْكُلُ مِنْ (نَذْرِ الْمَسَاكِينِ) الْغَيْرِ الْمُعَيَّنِ بَعْدَ مَحِلِّهِ (وَ) كَذَلِكَ لَا يَأْكُلُ (مِمَّا عَطِبَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ مَحِلِّهِ وَيَأْكُلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ) كَفِدْيَةِ الْأَذَى قَبْلَ بُلُوغِ مَحِلِّهَا، وَجَزَاءُ الصَّيْدِ قَبْلَ مَحِلِّهِ وَنَذْرُ الْمَسَاكِينِ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَمَا عَطِبَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ مَحِلِّهِ وَهَدْيِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ وَهَدْيِ الْفَسَادِ، وَكُلُّ هَدْيٍ لَزِمَ لِنَقْصِ شَعِيرَةٍ مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ وَقَوْلُهُ: (إنْ شَاءَ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْهَدْيِ عَدَمُ الْأَكْلِ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ.

[حاشية العدوي]

مَحْذُوفٍ أَيْ وَذَلِكَ أَفْضَلُ لَهُ [قَوْلُهُ: بَيْنَ الْأَكْلِ وَالتَّصَدُّقِ] أَيْ وَالْإِهْدَاءُ.
[قَوْلُهُ: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ﴾ [الحج: 28]] الَّذِي أَصَابَهُ بُؤْسٌ أَيْ شِدَّةٌ الْفَقِيرُ الَّذِي أَضْعَفَهُ الْإِعْسَارُ.
[قَوْلُهُ: الْقَانِعُ الْفَقِيرُ] أَيْ سَوَاءٌ كَانَ يَسْأَلُ أَمْ لَا.
وَقَوْلُهُ: وَقِيلَ مَنْ لَا يَسْأَلُ أَيْ الْفَقِيرُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ.
[قَوْلُهُ: لِمَا يَنَالُ] أَيْ لِمَا يَأْخُذُهُ وَالْمَاضِي نَالَ

. [قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ التَّصَدُّقُ بِالْجَمِيعِ] أَيْ أَوْ أَكْلُ الْجَمِيعِ أَوْ إهْدَاءُ الْجَمِيعِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ يُطْعِمُ] أَيْ يُعْطِي إهْدَاءً أَوْ تَصَدُّقًا.
[قَوْلُهُ: وَالِاخْتِيَارُ] أَيْ وَالْأَوْلَى.
[قَوْلُهُ: وَالْجُمْهُورُ] وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ وَهْبٍ مِنْ قَصْرِ الْمَنْعِ عَلَى الْمَجُوسِ دُونَ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَقَوْلُهُ: عَلَى مَنْعٍ أَرَادَ بِهِ الْكَرَاهَةَ أَفَادَ هَذَا عِبَارَةُ التَّحْقِيقِ تَنْبِيهٌ مَحِلُّ كَرَاهَةِ إطْعَامِ الْكَافِرِ إذَا انْقَلَبَ إلَى مَنْزِلِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي عِيَالِهِ أَمْ لَا، وَأَمَّا لَوْ أَكَلَ بِبَيْتِ رَبِّهَا فَلَا كَرَاهَةَ.
[قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ إلَخْ] يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَشَارَ بِهِ لِبَيَانِ مُخَالَفَةِ الْقَائِلِ بِوُجُوبِ الْإِطْعَامِ.

[قَوْلُهُ: وَلَا يَأْكُلُ الرَّجُلُ] يُشِيرُ إلَى أَنَّ فَاعِلَ يَأْكُلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الرَّجُلِ.
[قَوْلُهُ: مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ هَدْيٌ] أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْفِدْيَةَ تَسَمُّحًا.
[قَوْلُهُ: إذَا بَلَغَتْ مَحِلَّهَا] هَذَا إذَا جَعَلَهَا هَدْيًا بِأَنْ قَلَّدَهَا أَوْ أَشْعَرَهَا فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهَا فَإِنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْهَا سَوَاءٌ بَلَغَتْ الْمِحَنَ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: الْغَيْرُ الْمُعَيَّنُ] أَيْ الَّذِي لَمْ يُعَيَّنْ لَا بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ مَحَلِّهِ] اعْلَمْ أَنَّ الْمَحَلَّ هُوَ مِنًى إنْ وَقَفَ بِهَا وَكَانَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ أَوْ مَكَّةَ إنْ لَمْ يَقِفْ بِهَا أَوْ خَرَجَتْ أَيَّامَ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ الْأَكْلَ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ بَعْدَ الْوُصُولِ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَمَّى الْفِدْيَةَ وَالْجَزَاءَ كَفَّارَةً وَالْإِنْسَانُ لَا يَأْكُلُ مِنْ كَفَّارَتِهِ، وَأَخْرَجَ نَفْسَهُ فِي الثَّالِثِ لِجَعْلِهِ لِلْمَسَاكِينِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَجْعَلْهُ لَهُمْ فَيَأْكُلَ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَإِنْ جُعِلَ لِلْمَسَاكِينِ امْتَنَعَ الْأَكْلُ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ لَهُمْ امْتَنَعَ الْأَكْلُ مِنْهُ قَبْلُ لَا بَعْدُ.
[قَوْلُهُ: لَا يَأْكُلُ مِمَّا عَطِبَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ مَحِلِّهِ] أَيْ لِاتِّهَامِهِ عَلَى عَطَبِهِ.
[قَوْلُهُ: كَفِدْيَةِ الْأَذَى إلَخْ] إنَّمَا جَازَ لَهُ الْأَكْلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ قَبْلَ الْمَحِلِّ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْبَدَلَ.
[قَوْلُهُ: وَمَا عَطِبَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ] إنَّمَا جَازَ بَعْدَ الْمَحَلِّ لِعَدَمِ الِاتِّهَامِ.
[قَوْلُهُ: وَالتَّمَتُّعُ إلَخْ] أَيْ فَهَدْيُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَتَعَدِّي الْمِيقَاتِ وَنَحْوِهَا مِنْ كُلِّ هَدْيٍ وَجَبَ لِنَقْصِ شَعِيرَةٍ يَجُوزُ مِنْهُ الْأَكْلُ مُطْلَقًا قَبْلَ الْمَحِلِّ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْبَدَلَ وَبَعْدَ الْمَحِلِّ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَمِثْلُهُ كَمَا قُلْنَا الْهَدْيُ الْمَضْمُونُ الَّذِي لَمْ يُعَيَّنْ لِلْمَسَاكِينِ لَا بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَقْسَامَ أَرْبَعَةٌ: قِسْمٌ لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ لَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ نَذْرُ الْمَسَاكِينِ الْمُعَيَّنِ وَالْفِدْيَةُ الَّتِي لَمْ تُجْعَلْ هَدْيًا، وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ الْمَجْعُولِ لِلْمَسَاكِينِ وَقِسْمٌ يُؤْكَلُ مِنْهُ مُطْلَقًا وَهُوَ مَا وَجَبَ لِنَقْصِ شَعِيرَةٍ، وَقِسْمٌ يُؤْكَلُ مِنْهُ بَعْدُ وَيَحْرُمُ قَبْلُ وَهُوَ هَدْيُ

ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الذَّكَاةِ فَقَالَ: (وَالذَّكَاةُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ) جَمِيعِهِ (وَ) قَطْعُ جَمِيعِ (الْأَوْدَاجِ) أَيْ الْوَدَجَيْنِ عَبَّرَ بِالْجَمْعِ عَنْ الْمُثَنَّى.
(وَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ قَطْعِ الْحُلْقُومِ بِتَمَامِهِ وَالْأَوْدَاجِ هَذَا قَوْلُ سَحْنُونَ وَشُهِرَ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَطْعُ الْمَرِيءِ الْبِسَاطِيِّ، فِي الْعُنُقِ عُرُوقٌ مِنْهَا الْحُلْقُومُ وَهُوَ عِرْقٌ وَاصِلٌ بَيْنَ الدِّمَاغِ وَالرِّئَةِ وَالْفَمِ وَالْأَنْفِ يَجْتَلِبُ بِهِ الْهَوَاءَ الرَّطْبَ وَيَدْفَعُ هَبَّ الْهَوَاءِ الْحَارِّ كَالْمِرْوَحَةِ لِلْقَلْبِ، وَمِنْهَا الْوَدَجَانِ وَهُمَا عِرْقَانِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ يَتَّصِلُ بِهِمَا أَكْثَرُ عُرُوقِ الْبَدَنِ وَيَتَّصِلَانِ بِالدِّمَاغِ، وَمِنْهَا الْمَرِيءُ وَهُوَ عِرْقٌ مُتَّصِلٌ بِالْفَمِ وَالْمَعِدَةِ يَجْرِي فِيهِ الطَّعَامُ مِنْهُ إلَيْهَا انْتَهَى.
عِيَاضٌ: الْمَرِيءُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَهَمْزٌ آخِرُهُ وَقَدْ يُشَدَّدُ آخِرُهُ وَلَا يُهْمَزُ مَبْلَعُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَهُوَ الْبُلْعُومُ.

(وَإِنْ رَفَعَ) الذَّابِحُ (يَدَهُ) عَنْ الذَّبِيحَةِ (بَعْدَ قَطْعِ بَعْضِ ذَلِكَ) الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ (ثُمَّ أَعَادَ يَدَهُ فَأَجْهَزَ فَلَا تُؤْكَلُ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ طَالَ الرَّفْعُ أَوْ لَمْ يَطُلْ وَهُوَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ إذَا طَالَ، وَاخْتُلِفَ إذَا رَجَعَ بِالْقُرْبِ فَقَالَ سَحْنُونٌ: تَحْرُمُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: تُؤْكَلُ، وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ لِأَنَّ كُلَّ مَا طُلِبَ فِيهِ الْفَوْرُ يُغْتَفَرُ فِيهِ

[حاشية العدوي]

التَّطَوُّعِ وَالنَّذْرُ الْمُعَيَّنِ لَا بِقَيْدِ الْمَسَاكِينِ، وَقِسْمٌ يُؤْكَلُ مِنْهُ قَبْلُ وَيَحْرُمُ بَعْدُ وَهُوَ نَذْرُ الْمَسَاكِينِ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ وَالْفِدْيَةُ الْمَجْعُولَةُ هَدْيًا وَالْجَزَاءُ وَقَدْ نَظَمَ عج هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَقَالَ: وَنَذْرُ مَا عُيِّنَ وَالتَّطَوُّعْ ... الْأَكْلُ مِنْ كِلَيْهِمَا مُمْتَنِعْ إنْ كَانَ كُلًّا لِلْمَسَاكِينِ جُعِلْ ... وَكَفِدْيَةِ مَا جُعِلَتْ هَدْيًا نُقِلْ وَامْنَعْهُ مِنْ كِلَيْهِمَا قَبْلُ يَصِلْ ... مَحِلَّهُ أَنَّ مَا لِمِسْكِينٍ جُعِلْ وَبَعْدَهُ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى ... وَالنَّذْرُ لِلْمِسْكِينِ وَالْجَزَا وَمَا عَدَا هَذِي يَجُوزُ الْأَكْلُ ... مِنْهَا بِلَا قَيْدٍ بِذَا جَاءَ النَّقْلُ وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ أَيْ فِي الَّذِي جُعِلَتْ هَدْيًا.

[أَحْكَام الذَّكَاةُ]

[قَوْلُهُ: قَطْعُ الْحُلْقُومِ] فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْغَلْصَمَةَ لَا تُؤْكَلُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالْمُرَادُ بِهَا الَّتِي حِيزَتْ حَوْزَتُهَا بِبَدَنِهَا لِأَنَّ الْغَلْصَمَةَ آخِرُ الْحُلْقُومِ مِنْ جِهَةِ الرَّأْسِ، فَلَوْ بَقِيَ مِنْ الْجَوْزَةِ مَعَ الرَّأْسِ قَدْرُ حَلَقَةِ الْخَاتَمِ أُكِلَتْ، وَأَمَّا لَوْ بَقِيَ لِجِهَةِ الرَّأْسِ قَدْرُ نِصْفِ حَلَقَةٍ فَلَا تُؤْكَلُ عَلَى الرَّاجِحِ.
[قَوْلُهُ: هَذَا قَوْلُ سَحْنُونَ وَشُهِرَ] وَقِيلَ يُكْتَفَى بِقَطْعِ تَمَامِ الْوَدَجَيْنِ وَنِصْفِ الْحُلْقُومِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ عِرْقٌ إلَخْ] وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْقَصَبَةُ الَّتِي هِيَ مَجْرَى النَّفَسِ زَادَ بَعْضُهُمْ وَالْكَلَامِ وَفَسَّرَهُ الْجَوْهَرِيُّ بِالْحَلْقِ.
[قَوْلُهُ: وَالرِّئَةُ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الرِّئَةُ بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الرِّئَةُ مَوْضِعُ النَّفَسِ وَالرِّيحِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْجَمْعُ رِئَاتٌ.
[قَوْلُهُ: وَالْفَمُ] لَعَلَّ الْمُرَادَ وَدَاخِلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَالْوَاوُ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْأَنْفَ بَعْدَ الدِّمَاغِ وَالرِّئَةَ بَعْدَ الْفَمِ.
[قَوْلُهُ: كَالْمِرْوَحَةِ] أَيْ أَنَّ هَذَا الْعِرْقَ كَالْمِرْوَحَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَلْبِ يَجْلُبُ الْهَوَاءَ الرَّطْبَ لِلْقَلْبِ وَيَدْفَعُ الْحَارَّ عَنْهُ.
[قَوْلُهُ: وَهَمْزُ آخِرِهِ] أَيْ بِوَزْنِ أَمِيرٍ.
وَقَوْلُهُ: وَقَدْ يُشَدَّدُ آخِرُهُ أَيْ بِدُونِ هَمْزٍ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَطْعُ الْمَرِيءِ أَيْ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.

[قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ تُؤْكَلُ] هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ حَيْثُ كَانَ رَفْعُ يَدِهِ بَعْدَ إنْفَاذِ مَقْتَلِهَا وَعَادَ عَنْ بُعْدٍ، وَلَوْ كَانَ رَفَعَ يَدَهُ اضْطِرَارًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ رَفَعَ يَدَهُ قَبْلَ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْ مَقَاتِلِهَا فَإِنَّهَا نُؤْكَلُ وَلَوْ عَادَ عَنْ بُعْدٍ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ ذَكَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَكَذَا تُؤْكَلُ مَعَ إنْفَاذِ مَقْتَلِهَا حَيْثُ عَادَ عَنْ قُرْبٍ وَالْقُرْبُ وَالْبُعْدُ بِالْعُرْفِ، وَيَجِبُ مَعَ الْبُعْدِ النِّيَّةُ وَالتَّسْمِيَةُ وَلَوْ كَانَ الْمُتَمِّمُ لِلذَّكَاةِ هُوَ الْأَوَّلُ وَكَذَا مَعَ الْقُرْبِ حَيْثُ كَانَ الْمُتَمِّمُ لِلذَّكَاةِ غَيْرَ الْأَوَّلِ، وَلَوْ كَانَ الْمُذَكِّي حَصَلَ لَهُ إنْفَاذُ مَقْتَلٍ كَاشْتِرَاكِ شَخْصَيْنِ فِي الذَّكَاةِ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ فَيَجُوزُ وَضْعُ شَخْصَيْنِ يَدَهُمَا عَلَى مَحَلِّ الذَّبْحِ بِآلَةٍ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَذَبْحُهُمَا مَعًا.
وَكَذَا فِيمَا يَظْهَرُ إذَا وَضَعَ شَخْصٌ الْآلَةَ عَلَى وَدَجٍ وَالْآخَرُ الْآلَةَ عَلَى الْآخَرِ وَقَطَعَا جَمِيعًا الْوَدَجَيْنِ

التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ، وَالطُّولُ مُقَيَّدٌ بِمَا لَوْ تُرِكَتْ لَمْ تَعِشْ أَمَّا إنْ كَانَتْ حِينَ الرَّفْعِ لَوْ تُرِكَتْ لَعَاشَتْ أُكِلَتْ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ ذَكَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
(وَإِنْ تَمَادَى) الذَّابِحُ عَمْدًا (حَتَّى قَطَعَ الرَّأْسَ) مِنْ الذَّبِيحَةِ (أَسَاءَ وَلْتُؤْكَلْ) يَعْنِي وَتُؤْكَلُ وَلَمْ يُرِدْ الْأَمْرَ وَإِذَا أُكِلَتْ مَعَ الْعَمْدِ فَأَحْرَى مَعَ النِّسْيَانِ وَغَلَبَةِ السِّكِّينِ.

(وَمَنْ ذَبَحَ مِنْ الْقَفَا) أَوْ مِنْ صَفْحَةِ الْعُنُقِ (لَمْ تُؤْكَلْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالذَّكَاةِ الْمَشْرُوعَةِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ أَنْفَذَ الْمَقْتَلَ بِقَطْعِ النُّخَاعِ، وَإِذَا أُنْفِذَتْ الْمَقَاتِلُ قَبْلَ الذَّبْحِ لَمْ تُؤْكَلْ، وَلَوْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَعَسِرَتْ السِّكِّينُ عَلَى الْوَدَجَيْنِ لِعَدَمِ حَدِّ السِّكِّينِ فَقَلَبَهَا وَقَطَعَ بِهَا الْأَوْدَاجَ مِنْ دَاخِلٍ لَمْ تُؤْكَلْ عَلَى الْمَذْهَبِ.

(وَالْبَقَرُ تُذْبَحُ فَإِنْ نُحِرَتْ أُكِلَتْ وَالْإِبِلُ تُنْحَرُ فَإِنْ ذُبِحَتْ لَمْ تُؤْكَلْ) فَالْبَقَرُ يَجُوزُ فِيهَا الْأَمْرَانِ لِأَنَّ لَهَا مَوْضِعَ النَّحْرِ وَمَوْضِعَ الذَّبْحِ وَمَحَلُّ النَّحْرِ اللَّبَّةُ وَهُوَ مَوْضِعُ الْقِلَادَةِ مِنْ الصَّدْرِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي النَّحْرِ قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ الْحُلْقُومِ وَلَا الْوَدَجَيْنِ لِأَنَّ مَحَلَّهُ اللَّبَّةُ وَهُوَ مَحَلٌّ تَصِلُ مِنْهُ الْآلَةُ إلَى الْقَلْبِ فَيَمُوتُ بِسُرْعَةٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِيهَا الذَّبْحُ، وَيُسْتَحَبُّ فِي نَحْرِ الْإِبِلِ أَنْ تَكُونَ قَائِمَةً مَعْقُولَةً، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ إذَا ذُبِحَتْ مِثْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَحَمَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَشَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَحَمَلَهُ غَيْرُهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَإِلَى هَذَا الْخِلَافِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَكْلِهَا) وَمَحَلُّ هَذَا الْخِلَافِ إذَا وَقَعَ الذَّبْحُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ كَمَا لَوْ وَقَعَ بَعِيرٌ فِي مُهْوَاةٍ وَلَمْ يَصِلْ إلَى لَبَّتِهِ فَذُبِحَ فَأَكْلُهُ جَائِزٌ اتِّفَاقًا.

(وَالْغَنَمُ تُذْبَحُ فَإِنْ نُحِرَتْ لَمْ تُؤْكَلْ وَقَدْ اُخْتُلِفَ أَيْضًا

[حاشية العدوي]

وَالْحُلْقُومَ وَمَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا رَفَعَ اخْتِيَارًا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَتَكَرَّرْ مِنْهُ ذَلِكَ لَمْ تُؤْكَلْ لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ، وَمِثْلُ الرَّفْعِ فِي التَّفْصِيلِ إبْقَاءُ الشَّفْرَةِ عَلَى مَحَلِّ الذَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ إمْرَارٍ.
وَقَوْلُنَا وَالْقُرْبُ وَالْبُعْدُ بِالْعُرْفِ فِي رَافِعٍ يَدَهُ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِيَارِ، وَأَمَّا فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ فَجَعَلُوا مِنْ الْقُرْبِ مَسَافَةَ ثَلَاثِمِائَةِ بَاعٍ.
[قَوْلُهُ: أَسَاءَ] أَيْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا، فَقَوْلُهُ وَلْتُؤْكَلْ أَيْ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يَرِدْ الْأَمْرُ] أَيْ لِأَنَّهُ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَأْكُلَ إذْ لَوْ تَصَدَّقَ بِهَا لَجَازَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُرِيدَ الْأَمْرَ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ بِمَعْنَى لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطْرَحَهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ.

[قَوْلُهُ: وَلَوْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ إلَخْ] مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَهَا قَبْلَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ ابْتِدَاءً فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ كَذَا قَالَهُ عج لَكِنْ رُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ نَاظِمَ مُقَدِّمَةِ ابْنِ رُشْدٍ صَرَّحَ بِعَدَمِ الْأَكْلِ فِيهَا أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: لِعَدَمِ حَدِّ السِّكِّينِ إلَخْ] قَالَ بَعْضٌ: اُنْظُرْ لَوْ كَانَتْ حَادَّةً وَالْأَحْوَطُ لَا تُؤْكَلُ انْتَهَى.

[قَوْلُهُ: وَالْبَقَرُ تُذْبَحُ] أَيْ نَدْبًا.
[قَوْلُهُ: وَالْإِبِلُ تُنْحَرُ] أَيْ وُجُوبًا وَكَذَا مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْفِيلِ وَالزَّرَافَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ فُجْلَةَ: إنَّ الزَّرَافَةَ تُذْبَحُ غَيْرُ ظَاهِرٍ قَالَهُ عج.
وَأَمَّا النَّعَامَةُ فَيَجِبُ ذَبْحُهَا.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ لَهَا إلَخْ] فِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ لِأَنَّ لِلنَّعَمِ النَّحْرَ وَمَوْضِعَ الذَّبْحِ فَقَضِيَّتُهُ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَمَحَلُّ النَّحْرِ اللَّبَّةُ] بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ الطَّعْنُ فِيهَا، وَحِكْمَةُ الذَّكَاةِ إزْهَاقُ الرُّوحِ بِسُرْعَةٍ وَاسْتِخْرَاجُ الْفَضَلَاتِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ إلَخْ] أَيْ خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ.
[قَوْلُهُ: قَائِمَةً مَعْقُولَةً إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ وَيُسْتَحَبُّ فِي نَحْرِ الْإِبِلِ أَنْ تَكُونَ قَائِمَةً مُقَيَّدَةً فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَقَائِمَةً مَعْقُولَةَ الْيَدِ الْيُسْرَى، وَانْظُرْ هَلْ يُطْلَبُ قِيَامُ غَيْرِ الْإِبِلِ مِمَّا يَتَعَيَّنُ نَحْرُهُ أَوْ مِمَّا يَجُوزُ حَيْثُ قَصَدَ نَحْرَهُ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ] أَيْ لِأَنَّهُ صَدَّرَ بِهِ.
[قَوْلُهُ: وَحَمَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى التَّحْرِيمِ] وَهُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ وَقَعَ بَعِيرٌ فِي مُهْوَاةٍ] وَمِنْ الضَّرُورَةِ عَدَمُ الْآلَةِ وَلَا يُعْذَرُ بِنِسْيَانٍ، وَفِي الْجَهْلِ قَوْلَانِ أَيْ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْجَهْلِ عَدَمُ مَعْرِفَةِ الذَّبْحِ فِيمَا يَذْبَحُ وَالنَّحْرُ فِيمَا يَنْحَرُ لَا جَهْلِ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِهِ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا عُذِرَ بِالْجَهْلِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ دُونَ النِّسْيَانِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ فَقْدِ آلَةِ الذَّبْحِ فِيمَا يُذْبَحُ وَآلَةُ النَّحْرِ فِيمَا يُنْحَرُ كَمَا ذَكَرَهُ عج.

[قَوْلُهُ: فَإِنْ نُحِرَتْ لَمْ تُؤْكَلْ] أَيْ اخْتِيَارًا وَلَوْ

فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي أَكْلِهَا وَهُوَ مُقَيَّدٌ أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ وَالْمَشْهُورُ التَّحْرِيمُ، وَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ كَمَا لَوْ وَقَعَ فِي مُهْوَاةٍ وَنُحِرَ أُكِلَ اتِّفَاقًا.

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسْأَلَةِ الذَّكَاةِ فِيهَا شَرْعِيَّةٌ غَيْرُ حِسِّيَّةٍ فَقَالَ: (وَذَكَاةُ مَا فِي الْبَطْنِ ذَكَاةُ أُمِّهِ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْبَهِيمَةَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَنْعَامِ إذَا ذُكِّيَتْ فَخَرَجَ مِنْ بَطْنِهَا جَنِينٌ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا فِي التِّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ أَنَّ «أَبَا سَعِيدٍ قَالَ: سَأَلْنَاهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ الْبَقَرَةِ وَالنَّاقَةِ، يَنْحَرُهَا أَحَدُنَا فَيَجِدُ فِي بَطْنِهَا جَنِينًا أَنَأْكُلُهُ أَمْ نُلْقِيهِ؟ قَالَ: كُلُوا إنْ شِئْتُمْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» . وَاشْتَرَطَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ لِذَلِكَ شُرُوطًا وَهُوَ: (إذَا تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ) يُرِيدُ الشَّيْخُ بِتَمَامِ خَلْقِهِ أَنَّهُ كَمُلَ خَلْقُهُ، وَلَوْ خُلِقَ نَاقِصَ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ نَقْصُهُ مِنْ تَمَامِهِ نَصَّ عَلَيْهِ الْبَاجِيُّ، وَعُدُولُ الشَّيْخِ عَنْ أَنْ يَقُولَ كَمُلَ شَعْرُهُ أَيْ نَبَتَ شَعْرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إلَّا إنْبَاتُ بَعْضِ الشَّعْرِ وَهُوَ كَذَلِكَ، نَعَمْ اُخْتُلِفَ هَلْ يُؤْكَلُ بِنَبَاتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ وَأَقْوَالِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ شَعْرُ جَسَدِهِ وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ إلَى جَوَازِ أَكْلِهِ بِذَلِكَ.

[حاشية العدوي]

سَهْوًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَحِكَايَةُ الْخِلَافِ لَا حَاجَةَ لَهَا وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ وَالْمَشْهُورُ التَّحْرِيمُ.
[قَوْلُهُ: وَنُحِرَ أُكِلَ اتِّفَاقًا] أَيْ فِي لَبَّةٍ لَا فِي غَيْرِهَا لِأَنَّهُ عَقَرَ، وَيُقَالُ هُنَا أَيْضًا وَمِنْ الضَّرُورَةِ عَدَمُ آلَةِ الذَّبْحِ وَلَا يُعْذَرُ بِنِسْيَانٍ وَلَا بِجَهْلٍ بِالْحُكْمِ وَفِي جَهْلِ الصِّفَةِ قَوْلَانِ.

قَوْلُهُ: وَذَكَاةُ مَا فِي الْبَطْنِ ذَكَاةُ أُمِّهِ] هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ لَفْظُ حَدِيثٍ رُوِيَ بِرَفْعِ ذَكَاةٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ قَاعِدَةِ حَصْرِ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ أَيْ ذَكَاتُهُ مَحْصُورَةٌ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ، فَلَا يَحْتَاجُ لِذَكَاةٍ ثَانِيَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَالنَّاقَةُ] أَيْ أَوْ النَّاقَةُ بِدَلِيلِ إفْرَادِ ضَمِيرِ يَنْحَرُهَا، وَالْمُرَادُ أَوْ الشَّاةُ وَقَوْلُهُ: يَنْحَرُهَا أَوْ يَذْبَحُهَا.
[قَوْلُهُ: إنْ شِئْتُمْ] التَّعْبِيرُ بِهِ مِنْ حَيْثُ جَوَازُ إعْطَائِهِ لِنَحْوِ هِرَّةٍ لَا إلْقَاؤُهُ بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ.
فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: ذَكَاةُ أُمِّهِ إلَخْ] بِالرَّفْعِ خَبَرُ إنَّ.
[قَوْلُهُ: إذَا تَمَّ خَلْقُهُ] بَقِيَ شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ حَيًّا فِي بَطْنِهَا لِوَقْتِ تَذْكِيَتِهَا حَيَاةً مُحَقَّقَةً أَوْ مَشْكُوكًا فِيهَا وَإِلَّا لَمْ يُؤْكَلْ، وَمِنْ عَلَامَةِ حَيَاتِهِ غَالِبًا إتْمَامُ خَلْقِهِ وَنَبَاتِ شَعْرِهِ فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ تُحَقِّقُ حَيَاتَهُ فِي بَطْنِهَا إلَى ذَكَاتِهَا وَالشَّكُّ فِيهَا فَتُؤْكَلُ فِيهِمَا بِنُزُولِهِ مَيِّتًا إنْ تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَتَحَقَّقَ مَوْتُهُ بِبَطْنِهَا كَضَرْبِهَا حَتَّى يَمُوتَ بِهَا قَبْلَ ذَكَاتِهَا فَلَا يُؤْكَلُ بِذَكَاتِهَا وَلَوْ تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ.
الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا يُؤْكَلُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ نَوْعِ الْأُمِّ فَيُؤْكَلُ جَنِينُ الْبَقَرِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلَوْ كَانَ شَاةً وَعَكْسُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْجَنِينُ كَلْبًا أَوْ حِمَارًا فَلَا يُؤْكَلُ لِحُرْمَةِ نَوْعِهِ كَمَا لَا يُؤْكَلُ جَنِينُ الْحِمَارَةِ أَوْ الْفَرَسِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ نَوْعِ مَا يُؤْكَلُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ نَزَلَ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً وَتَمَكَّنَّا مِنْ ذَبْحِهِ.
[قَوْلُهُ: يُرِيدُ الشَّيْخُ بِتَمَامِ خَلْقِهِ أَنَّهُ كَمُلَ خَلْقُهُ إلَخْ] أَيْ أَنَّ الْمُرَادَ بِتَمَامِ خَلْقِهِ تَنَاهِي خِلْقَتِهِ وَوُصُولِهَا إلَى الْحَدِّ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ لِإِكْمَالِ أَطْرَافِهِ فَيُؤْكَلُ نَاقِصَ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ.
[قَوْلُهُ: أَيْ نَبَتَ شَعْرُهُ] كَذَا فِيمَا بِيَدَيَّ مِنْ النُّسَخِ فَيَكُونُ تَفْسِيرًا لِكَمُلَ وَهَذَا غَيْرُ مُنَاسِبٍ، فَالْمُنَاسِبُ إلَى أَيْ عُدُولِهِ عَنْ التَّعْبِيرِ بِكَمُلَ إلَى التَّعْبِيرِ بِإِلَى.
ثُمَّ أَقُولُ: وَبَعْدُ فَفِي هَذَا الْكَلَامِ بَحْثٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ كَمَالِ الشَّعْرِ تَنَاهِيهِ فِي الطُّولِ لَا إتْمَامِ نَبَاتِ الْجَمِيعِ كَمَا هُوَ مُفَادُهُ عَلَى أَنَّ التَّعْبِيرَ بِنَبَتَ شَعْرُهُ ظَاهِرٌ فِي نَبَاتِ الْجَمِيعِ لِإِنْبَاتِ الْبَعْضِ كَمَا هُوَ مُفَادُهُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ] فَلَوْ لَمْ يَنْبُتْ شَعْرُهُ لِعَارِضٍ اُعْتُبِرَ نَبَاتُ شَعْرِ مِثْلِهِ.
[قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ بِذَلِكَ] أَيْ وَكَذَا لَا يُعْتَبَرُ شَعْرُ رَأْسِهِ أَوْ حَاجِبَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: فَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا هَذَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي، وَأَرَادَ بِبَعْضِ شُيُوخِهِ ابْنَ عَرَفَةَ وَقَوْلُهُ: وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي وَهُوَ ضَعِيفٌ فَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ.

ثُمَّ انْتَقَلَ يُبَيِّنُ مَا لَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ مِنْ الْأَنْعَامِ (وَ) هُوَ أَشْيَاءُ: أَحَدُهَا (الْمُنْخَنِقَةُ بِحَبْلٍ وَنَحْوِهِ وَ) ثَانِيهَا (الْمَوْقُوذَةُ) وَهِيَ الْمَضْرُوبَةُ (بِعَصًا وَشِبْهِهَا) كَالرُّمْحِ وَالْحَجَرِ (وَ) ثَالِثُهَا (الْمُتَرَدِّيَةُ) وَهِيَ السَّاقِطَةُ مِنْ عُلُوٍّ إلَى أَسْفَلَ (وَ) رَابِعُهَا (النَّطِيحَةُ) أَيْ الْمَنْطُوحَةُ الَّتِي صَارَتْ إلَى حَالِ الْيَأْسِ (وَ) خَامِسُهَا (أَكِيلَةُ السَّبُعِ) وَهِيَ الَّتِي ضَرَبَهَا السَّبُعُ وَهُوَ كُلُّ مَا يَتَسَبَّعُ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ السَّبُعُ الْمَعْلُومُ (إنْ بَلَغَ ذَلِكَ) الْفِعْلُ الْمَذْكُورُ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْهَا (فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ مَبْلَغًا لَا تَعِيشُ مَعَهُ لَمْ تُؤْكَلْ بِذَكَاةٍ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهَا أَوْ لَا، أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهَا أَمْ لَا، أَمَّا إنْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهَا فَلَا تُؤْكَلُ لِأَنَّ سَبِيلَهَا سَبِيلُ الْمَيِّتَةِ.

وَالْمَقَاتِلُ خَمْسَةٌ انْقِطَاعُ النُّخَاعِ وَهُوَ الْمُخُّ الَّذِي فِي عِظَامِ الرَّقَبَةِ وَالصُّلْبُ، وَقَطْعُ الْأَوْدَاجِ، وَخَرْقُ الْمُصْرَانِ، وَانْتِشَارُ الْحَشْوَةِ، وَنَثْرُ دِمَاغٍ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَنْفُذْ مَقَاتِلُهَا

[حاشية العدوي]

تَنْبِيهٌ: وَلَوْ نَزَلَ الْجَنِينُ الَّذِي تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ حَيًّا بَعْدَ ذَكَاةِ أُمِّهِ فَإِنْ كَانَ مُحَقَّقَ الْحَيَاةِ أَوْ مَشْكُوكَهَا وَجَبَتْ ذَكَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَهَّمًا نُدِبَتْ ذَكَاتُهُ فَلَوْ بُودِرَ إلَى ذَكَاتِهِ فَمَاتَ قَبْلَهَا لَمْ يُؤْكَلْ فِي الْأَوَّلَيْنِ وَيُؤْكَلُ فِي الثَّالِثِ، وَعُلِمَ حُكْمُ الْخَارِجِ مِنْ بَطْنِ الْمُذَكَّى، وَأَمَّا الْخَارِجُ مِنْ جَوْفِ الْحَيِّ أَوْ مِنْ جَوْفِ الْمَيِّتِ حَتْفَ أَنْفِهِ فَمَا خَرَجَ مَيِّتًا لَا يُؤْكَلُ فِيهِمَا وَالْخَارِجُ حَيًّا فَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَحْيَا تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا لَا شَكًّا أَوْ وَهْمًا وَتَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ فَإِنَّهُ يُذَكَّى وَيُؤْكَلُ وَإِنْ كَانَ شَكًّا أَوْ وَهْمًا أَوْ لَمْ يَتِمَّ خَلْقُهُ أَوْ لَمْ يَنْبُتْ شَعْرُهُ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ، وَلَوْ ذُكِّيَ وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا لَمْ يَتِمَّ خَلْقُهُ وَلَمْ يَنْبُتْ شَعْرُهُ لَا يُذَكَّى وَلَا يُؤْكَلُ، وَلَوْ نَزَلَ حَيًّا وَالْمَشِيمَةُ الْخَارِجَةُ مَعَ الْجَنِينِ الْمَأْكُولِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ، وَيُقَالُ لَهَا السَّلَى وَهُوَ وِعَاءُ الْوَلَدِ فِيهَا خِلَافُ الْأَكْلِ مُطْلَقًا عَدَمُهُ مُطْلَقًا، ثَالِثُهَا: تَتْبَعُ الْوَلَدَ فِي الْأَكْلِ وَعَدَمِهِ.

[مَا لَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ مِنْ الْأَنْعَامِ]

[قَوْلُهُ: بِحَبْلٍ وَنَحْوِهِ] كَالْعُودَيْنِ وَالْحَجَرَيْنِ.
[قَوْلُهُ: الَّتِي صَارَتْ إلَى حَالِ الْيَأْسِ] لَا حَاجَةَ لِتِلْكَ الزِّيَادَةِ هُنَا لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدُ إذَا بَلَغَ [قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا يَتَسَبَّعُ] هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ وَمَا حَكَاهُ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ [قَوْلُهُ: الْفِعْلُ الْمَذْكُورُ] أَيْ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، وَقَوْلُهُ: كُلُّهَا التَّأْكِيدُ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ وَاحِدٌ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ هَذِهِ الْخَمْسَةَ اجْتَمَعَتْ فِي الْوُجُودِ وَوُجِدَ الشَّرْطُ فِي الْكُلِّ وَأَرَادَ بِالْخَمْسَةِ ذَوَاتَهَا وَبِالْوُجُوهِ صِفَاتِهَا مِنْ تَرَدٍّ وَنَحْوِهِ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَتَقْدِيرُهُ إنْ بَلَغَ الْفِعْلُ الْمُتَحَقِّقُ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ مِنْ تَحَقُّقِ الْكُلِّ فِي جُزْئِيَّاتِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهَا أَمْ لَا] فِيهِ نَظَرٌ إذْ قَوْلُهُ إنْ بَلَغَ ذَلِكَ مِنْهَا مَبْلَغًا لَا تَعِيشُ إلَخْ هُوَ مَعْنَى الْإِيَاسِ مِنْ حَيَاتِهَا.

[قَوْلُهُ: انْقِطَاعُ النُّخَاعِ] قَالَ الْأُجْهُورِيُّ مُثَلَّثُ النُّونِ.
[قَوْلَةُ: وَهُوَ الْمُخُّ] أَيْ الْمُخُّ الْأَبْيَضُ [قَوْلُهُ: عِظَامِ] جَمْعُ عَظْمٍ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي عَظْمٍ وَاحِدٍ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ فِي عَظْمٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْعَظْمُ قَصَبُ الْحَيَوَانِ الَّذِي عَلَيْهِ اللَّحْمُ جَمْعُهُ أَعْظُمُ وَعِظَامٌ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: وَالصُّلْبِ] مَعْطُوفٌ عَلَى عِظَامٍ [قَوْلُهُ: وَقَطْعُ الْأَوْدَاجِ] أَيْ جِنْسِ الْأَوْدَاجِ فَإِبَانَةُ بَعْضِ الْوَدَجِ مِنْ بَعْضٍ مَنْفَذٌ فَالْجَمْعُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَفِي شَقِّ الْوَدَجِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ وَإِبَانَةِ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ قَوْلَانِ فِي أَنَّهُ مَقْتَلٌ أَوْ غَيْرُ مَقْتَلٍ، وَظَاهِرُ خَلِيلٍ جَرَيَانُ الْخِلَافِ وَلَوْ فِي شَقِّ الْوَدَجِ الْوَاحِدِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَكَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ شَقَّ الْوَاحِدِ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ.
[قَوْلَةُ: وَخَرْقُ الْمُصْرَانِ] جَمْعُ مَصِيرٍ كَرَغِيفٍ وَرُغْفَانٍ وَجَمْعُ مَصَارِينَ كَسُلْطَانٍ وَسَلَاطِينِ، وَلَوْ قَالَ: وَثَقْبُ مَصِيرٍ كَانَ أَحْسَنَ أَيْ خَرْقُهُ وَأَحْرَى قَطْعُهُ بِخِلَافِ شَقِّهِ، وَلَا فَرْقَ فِي الثَّقْبِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَعْلَى أَوْ الْأَسْفَلِ، وَخَصَّهُ ابْنُ رُشْدٍ بِمَا إذَا خَرَقَ فِي أَعْلَاهُ وَرَجَّحَهُ عِيَاضٌ: [قَوْلُهُ: وَانْتِثَارُ الْحِشْوَةِ] بِكَسْرِ الْحَاءِ وَضَمِّهَا وَهِيَ كُلُّ مَا حَوَاهُ الْبَطْنُ مِنْ كَبِدٍ وَطِحَالٍ وَقَلْبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِنَثْرِهَا تَفَرُّقُ الْأَمْعَاءِ الْبَاطِنِيَّةِ عَنْ مَقَارِّهَا الْأَصْلِيَّةِ لَا خُرُوجُهَا مِنْ الْبَطْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَقَاتِلِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ رَدُّهَا فَتَعِيشُ، وَمِثْلُ نَثْرِهَا كُلِّهَا نَثْرُ بَعْضِهَا.
[قَوْلُهُ: وَنَثْرُ دِمَاغٍ] وَهُوَ مَا تَحُوزُهُ الْجُمْجُمَةُ وَشَدْخُ الرَّأْسِ دُونَ انْتِثَارِ الدِّمَاغِ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ، وَلَيْسَ بِمَقْتَلٍ خَرْقُ

فَإِنْ كَانَتْ مَرْجُوَّةَ الْحَيَاةِ فَلَا خِلَافَ فِي إعْمَالِ الذَّكَاةِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْجُوَّةٍ فَعَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّهَا لَا تُذَكَّى وَلَا تُؤْكَلُ وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تُذَكَّى وَتُؤْكَلُ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] مُتَّصِلٌ أَوْ مُنْقَطِعٌ فَمَنْ قَالَ بِاتِّصَالِهِ أَجَازَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَإِنْ صَارَتْ الْبَهِيمَةُ مِمَّا أَصَابَهَا مِنْ ذَلِكَ مَيْئُوسًا مِنْ حَيَاتِهَا مَا لَمْ تَنْفُذْ مَقَاتِلُهَا.
وَمَنْ قَالَ بِانْقِطَاعِهِ لَمْ يُجِزْ ذَكَاتَهَا إذَا أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهَا، وَإِنْ لَمْ تَنْفُذْ مَقَاتِلُهَا وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ عِنْدَهُ لَكِنْ مَا ذَكَّيْتُمْ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ.

(وَلَا بَأْسَ لِلْمُضْطَرِّ) وَهُوَ مَنْ خَافَ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ إذْ الْأَكْلُ حِينَئِذٍ لَا يَنْفَعُ (أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ) مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَاهُ بِهَذَا لِقَوْلِهِ بَعْدَ: وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهَا وَلِأَنَّ صَاحِبَ الْمُخْتَصَرِ وَغَيْرَهُ شَهَرَ أَنَّ مَيِّتَةَ الْآدَمِيِّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا.
الْبِسَاطِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَيْتَةِ الْآدَمِيِّ وَمَيْتَةِ غَيْرِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَلَوْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِمَعْصِيَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ.

وَلَوْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ وَالْمَيْتَةَ أَكَلَ الْمَيْتَةَ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا خِنْزِيرًا أَكَلَ مِنْهُ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَذْكِيَتُهُ وَذَكَاتُهُ الْعَقْرُ.

[حاشية العدوي]

خَرِيطَةِ الدِّمَاغِ، وَرَضُّ أُنْثَيَيْنِ، وَكَسْرُ عَظْمِ صَدْرٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ بَاقِي الْمَتَالِفِ وَثَقْبُ الْكَرِشِ وَشَقُّ الْقَلْبِ، وَمِمَّا يَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ الْحَيَوَانُ الَّذِي يَنْتَفِخُ مِنْ أَكْلِ خِلْفَةِ الْبِرْسِيمِ وَيَحْصُلُ الْإِيَاسُ مِنْ حَيَاتِهِ وَكَذَا الْحَيَوَانُ الَّذِي يَبْلَعُ شَيْئًا وَيَقِفُ فِي حَلْقِهِ، وَيَحْصُلُ الْإِيَاسُ مِنْ حَيَاتِهِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ إنْفَاذُ مَقْتَلٍ [قَوْلُهُ: وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَخْ] وَهُوَ الرَّاجِحُ وَقَوْلُهُ: أَنَّهَا تُذَكَّى إلَخْ أَيْ غَيْرِ الْمَرْجُوِّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ غَيْرَ الْمَرْجُوِّ يَشْمَلُ الْمَشْكُوكَ فِي حَيَاتِهِ وَالْمَظْنُونَ عَدَمِ حَيَاتِهِ وَالْمَأْيُوسَ مِنْ حَيَاتِهِ.
وَقَوْلُهُ: الْعِبَارَةُ إذَا أَيِسَ مِنْ حَيَاتِهِ لَا يُلَائِمُهُ وَلَكِنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ الْآخَرُ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَأْيُوسِ مِنْ حَيَاتِهِ.

[أَكْلُ الْمُحْرِم وَالِانْتِفَاع بِهِ حِينَ الِاضْطِرَار]

[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ خَافَ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ] وَلَوْ ظَنًّا [قَوْلُهُ: مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ غَيْرِ الْآدَمِيِّ] وَلَوْ كَافِرًا وَلَوْ مِمَّا لَا حُرْمَةَ لَهُ كَالْمُرْتَدِّ وَالْحَرْبِيِّ وَالْمُحْصَنِ، إمَّا لِأَنَّهُ يُؤْذِي آكِلَهُ أَوْ لِمَحْضِ التَّعَبُّدِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمِثْلُهَا ضَالَّةُ الْإِبِلِ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلنَّجَاةِ بِخِلَافِ الْآدَمِيِّ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَلَا يُؤْكَلُ ابْنُ آدَمَ وَلَوْ مَاتَ.
[قَوْلُهُ: الْبِسَاطِيُّ] مُقَابِلٌ لِمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ] لِأَنَّ تِلْكَ الرُّخْصَةَ لَا تَتَقَيَّدُ بِالسَّفَرِ الْمُسْتَنِدِ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ هَلْ هُوَ مِنْ الِاجْتِهَادِ أَوْ مِنْ بَابِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ، وَلَعَلَّ فَائِدَةَ ذَلِكَ أَنَّهَا عَلَى الثَّانِي بَاقِيَةٌ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْهَا لِلْآكِلِ فَيَغْسِلُ فَمَهْ وَيَدَهُ لِلصَّلَاةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَغْسِلُ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الطَّاهِرِ [قَوْلُهُ: وَإِذَا وَجَدَ مَيْتَةً] أَيْ مَيْتَةَ غَيْرِ الْآدَمِيِّ.
وَقَوْلُهُ: وَخِنْزِيرًا أَيْ مُذَكًّى، وَإِنْ كَانَتْ الذَّكَاةُ لَا تَعْمَلُ فِيهِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُذَكًّى كَانَ مَيْتَةً، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْمَيْتَةَ عَلَى الْخِنْزِيرِ لِأَنَّ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ حَرَامٌ لِذَاتِهِ، وَالْمَيْتَةُ لِوَصْفِهَا أَيْ بِالْمَوْتِ وَمَا أُنِيطَ الْحُكْمُ بِذَاتِهِ أَشَدُّ مِمَّا أُنِيطَ بِهِ لِوَصْفِهِ اهـ. وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُفِيدُ قَصْرَ الْمَيْتَةِ عَلَى مَيْتَةِ الْمُبَاحِ، وَقَرَّرَهُ عج بِشُمُولِهِ لِغَيْرِهَا، إلَّا أَنْ يُرَادَ الْوَصْفُ الْحَاصِلُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ مُبَاحِ الْأَكْلِ مَأْخُوذٌ فِي مُقَابِلِ التَّحْرِيمِ الذَّاتِيِّ، وَعَلَّلَهُ بَهْرَامُ نَقْلًا عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهَا تَحِلُّ حَيَّةً أَيْ وَلَوْ عَلَى قَوْلٍ فِي الْمَذْهَبِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْخِنْزِيرُ لَا يَحِلُّ مُطْلَقًا.
وَقَوْلُهُ: أَكْلُ الْمَيْتَةِ أَيْ وُجُوبًا.

[قَوْلُهُ: وَلَوْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ إلَخْ] أَيْ وَلَوْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ الْمُضْطَرُّ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ الصَّيْدِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَادَهُ مُحْرِمٌ وَإِنْ ذَبَحَهُ غَيْرُهُ أَوْ ذَبَحَهُ مُحْرِمٌ أَوْ أَمَرَ بِذَبْحِهِ أَوْ أَعَانَهُ عَلَى ذَبْحِهِ، وَإِنْ صَادَهُ حَلَالٌ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ وَلَوْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ عَمَّا لَوْ كَانَ الْمُضْطَرُّ حَلَالًا وَصَادَ مُحْرِمٌ صَيْدًا وَذَبَحَهُ حَلَالٌ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُهُ عَلَى الْمَيْتَةِ [قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ تَذْكِيَتُهُ وَذَكَاتُهُ الْعَقْرُ] قَالَ التَّتَّائِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى ذَكَاتِهِ لِأَنَّ الذَّكَاةَ لَا تُفِيدُ فِي الْمُحَرَّمِ الْأَكْلَ.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَذْكِيَتُهُ وَلَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا وَمَحَلُّ كَوْنِهِ

تَنْبِيهٌ: اُنْظُرْ بِأَيِّ مَعْنًى اسْتَعْمَلَ لَا بَأْسَ هُنَا ع: قِيلَ مَا قَالَهُ خِلَافُ مَذْهَبِ مَالِكٍ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: أَكْلُهَا وَاجِبٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ كَانَ عَاصِيًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَطْلَقَ لَا بَأْسَ عَلَى الْوُجُوبِ وَهُوَ بَعِيدٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ إبَاحَةٌ بَعْدَ الْحَظْرِ لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ فِي الْمَيْتَةِ التَّحْرِيمُ قَالَ لَا بَأْسَ.

(وَ) كَذَا لَا بَأْسَ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ (يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدَ) مِنْ الْمَيْتَةِ إذَا خَافَ الْعَدَمَ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ ك: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
(فَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهَا طَرَحَهَا) وَقَالَ الْبِسْطَامِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَتْبَعُ الظَّنَّ فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَجِدُ الْمُبَاحَ قَبْلَ صَيْرُورَتِهِ إلَى حَالَتِهِ هَذِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَشْبَعَ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَجِدُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إلَى مِثْلِهَا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ظَنٌّ احْتَاطَ.

تَتْمِيمٌ: وَيُبَاحُ لَهُ أَيْضًا شُرْبُ كُلِّ مَا يَرُدُّ عَطَشًا كَالْمِيَاهِ النَّجِسَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَائِعَاتِ إلَّا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا لِإِسَاغَةِ الْغُصَّةِ وَهِيَ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ، فَأَمَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ فَلَا إذْ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ بَلْ رُبَّمَا زَادَتْ الْعَطَشَ.

وَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهَا عَلَى صِفَتِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَاخْتُلِفَ إذَا اُسْتُهْلِكَتْ عَيْنُهَا وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ.

(وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهَا) أَيْ الْمَيْتَةِ الظَّاهِرُ أَنْ لَا بَأْسَ هُنَا لِلْإِبَاحَةِ أَيْ وَيُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ (إذَا دُبِغَ) بِمَا

[حاشية العدوي]

يُقَدِّمُ الْمَيْتَةَ عَلَى الْخِنْزِيرِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَيْتَةُ مُتَغَيِّرَةً يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ مِنْهَا فَيُقَدِّمُ عَلَيْهَا الْخِنْزِيرَ، وَإِذَا وَجَدَ خِنْزِيرًا وَصَيْدَ الْمُحْرِمِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْخِنْزِيرِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ بِتَقْدِيمِهِ عَلَى الْمَيْتَةِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِذَلِكَ فِي الْخِنْزِيرِ وَكَذَا يُقَدِّمُ مَا اُخْتُلِفَ فِي تَحْرِيمِهِ عَلَى مَا اُتُّفِقَ عَلَى تَحْرِيمِهِ تَنْبِيهٌ مَحَلُّ جَوَازِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ حَيْثُ لَمْ يَجِدْ طَعَامَ الْغَيْرِ وَإِلَّا قَدَّمَهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ضَالَّةَ الْإِبِلِ وَلَمْ يَخَفْ الْقَطْعَ أَوْ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ فِيمَا لَا قَطْعَ فِيهِ، فَإِذَا أَكَلَ مِنْ طَعَامِ الْغَيْرِ عِنْدَ عَدَمِ خَوْفِ الْقَطْعِ أَوْ الضَّرْبِ فَقِيلَ: يَقْتَصِرُ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ مِنْ غَيْرِ شِبَعٍ وَتَزَوُّدٍ وَعَلَيْهِ الْمَوَّاقُ.
وَقِيلَ: يَشْبَعُ لَا يَتَزَوَّدُ وَعَلَيْهِ الْحَطَّابُ.
[قَوْلُهُ: لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ فِي الْمَيْتَةِ إلَخْ] أَيْ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ الْوُجُوبَ.

[قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ] خِلَافًا لِخَلِيلٍ حَيْثُ قَالَ: وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ وَإِذَا أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ سَاغَ لَهُ الْأَكْلُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهَا.
وَإِنْ لَمْ يُضْطَرَّ حَتَّى يَجِدَ غَيْرَهَا مِمَّا يَحِلُّ لَهُ وَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى غَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ مُقَابِلُ الْمَشْهُورِ وَإِذَا تَزَوَّدَ مِنْ خِنْزِيرٍ لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ ثُمَّ لَقِيَ مَيْتَةً تُقَدَّمُ عَلَيْهِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ طَرَحَهُ، وَأَخَذَ الْمَيْتَةَ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ الْآتِي وَقَدَّمَ الْمَيِّتَ عَلَى خِنْزِيرٍ كَمَا فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: إلَى حَالَتِهِ هَذِهِ] أَيْ إلَى مِثْلِ حَالَتِهِ هَذِهِ، وَالْمُشَارُ لَهُ حَالَتُهُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مِنْ الِاضْطِرَارِ، وَقَوْلُهُ احْتَاطَ أَيْ بِالشِّبَعِ.

[قَوْلُهُ: وَغَيْرُهَا] أَيْ كَمَا الْوَرْدُ النَّجِسُ [قَوْلُهُ: إلَّا الْإِسَاغَةَ الْغُصَّةَ إلَخْ] وَيُصَدَّقُ فِي شُرْبِهِ لِغُصَّةٍ إنْ كَانَ مَأْمُونًا، وَأَوْلَى مَعَ قَرِينَةِ صِدْقِهِ فَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةُ كَذِبِهِ لَمْ يُصَدَّقْ كَعَدَمِ قَرِينَةٍ وَهُوَ مِنْهُمْ كَذَا فِي الشَّيْخِ الزَّرْقَانِيِّ [قَوْلُهُ: وَهِيَ بِضَمِّ الْغَيْنِ إلَخْ] هَذَا الضَّبْطُ لِلْفَاكِهَانِيِّ قَالَ: إنَّمَا ضَبَطْتهَا لِأَنِّي رَأَيْت بَعْضَ النَّاسِ يَقْرَؤُهَا بِفَتْحِ الْغَيْنِ.
[قَوْلُهُ: فَأَمَّا الْجُوعُ] ذَكَرَ الْجُوعَ تَوَسُّعًا وَإِلَّا فَالْحَدِيثُ فِي الشُّرْبِ [قَوْلُهُ: بَلْ رُبَّمَا زَادَتْ الْعَطَشَ] هَلْ زِيَادَةُ الْعَطَشِ أَكْثَرِيَّةً فَتَكُونُ " رُبَّ " لِلتَّكْثِيرِ أَوْ قَلِيلَةً فَتَكُونُ لِلتَّقْلِيلِ يُسْأَلُ عَنْهَا شُرَّابُهَا.

[قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهَا عَلَى صِفَتِهَا] لِخَبَرِ «لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا» [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ يَجُوزُ.
وَقَوْلُهُ: وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْمَنْعِ، أَيْ وَالْأَقَلُّ عَلَى الْجَوَازِ.

[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهَا] أَيْ إلَّا جِلْدَ الْآدَمِيِّ لِشَرَفِهِ [قَوْلُهُ: بِمَا يُزِيلُ شَعْرَهُ] لَا يُشْتَرَطُ إزَالَةُ الشَّعْرِ عَلَى الرَّاجِحِ عَلَى مَا هُوَ

يُزِيلُ شَعْرَهُ وَرِيحَهُ وَدَسَمَهُ وَرُطُوبَتَهُ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ قَبْلَ الدَّبْغِ وَبِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَعَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الدَّبْغَ يُفِيدُ فِي جِلْدِ كُلِّ مَيِّتَةٍ، وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ فِي جِلْدِ الْخِنْزِيرِ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ طَهَارَتَهُ عَامَّةٌ فِي الْمَائِعَاتِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ سَحْنُونَ وَغَيْرِهِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ طَهَارَتَهُ مُقَيَّدَةٌ بِالْيَابِسَاتِ وَالْمَاءُ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ الْمَائِعَاتِ لِأَنَّ الْمَاءَ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ.

(وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى جِلْدِ الْمَيْتَةِ وَلَا فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ (وَلَا يُبَاعُ) عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَوْ دُبِغَ، وَإِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ فِيهِ قَبْلَ الدَّبْغِ كَانَ جَرْحُهُ فِي شَهَادَةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَإِذَا وَقَعَ بَعْدَ الدَّبْغِ فَلَا يَجْرَحُ لِأَجْلِ الْخِلَافِ فِيهِ وَيُرَدُّ الْبَيْعُ مُطْلَقًا مَا لَمْ يَفُتْ، فَإِنْ فَاتَ رَدَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ وَغَرِمَ الْمُبْتَاعُ قِيمَةَ الْجِلْدِ أَنْ لَوْ كَانَ جَائِزَ الْبَيْعِ.

(وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ) لَا بَأْسَ هُنَا بِمَعْنَى الْجَوَازِ أَيْ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ (عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ إذَا ذُكِّيَتْ) ج: مَا ذَكَرَهُ هُوَ كَذَلِكَ، وَبِالْجُمْلَةِ إنَّ كُلَّ مَا ذُكِّيَ الْحُكْمُ فِيهِ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ.

(وَ) كَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِ (بَيْعِهَا) أَيْ بَيْعِ جُلُودِ السِّبَاعِ إذَا ذُكِّيَتْ.

(وَيُنْتَفَعُ بِصُوفِ

[حاشية العدوي]

الظَّاهِرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَدَسَمُهُ وَرُطُوبَتُهُ] الظَّاهِرُ أَنَّ زَوَالَ كُلٍّ مِنْهُمَا لَازِمٌ لِذَهَابِ الْآخَرِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ قَبْلَ الدَّبْغِ] وَلَوْ فِي الْيَابِسَاتِ [قَوْلُهُ: مُقَيَّدَةٌ بِالْيَابِسَاتِ] لِأَنَّ الْيَابِسَ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ فَيُخَزَّنُ فِي الْجُلُودِ الْقَمْحُ وَالْفُولُ، وَلَا يُطْحَنُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَنْفَصِلَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَيَدْخُلُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ لُبْسُهُ وَالْجُلُوسُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ بَيْنِ الْمَائِعَاتِ] فَلَا يَجُوزُ وَضْعُ سَمْنٍ فِيهِ لِضَعْفِ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَاءِ، وَإِذَا وَجَدَ النِّعَالَ مِنْ جِلْدِ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُنَجِّسُ الرِّجْلَ إذَا تَوَضَّأَ عَلَيْهِ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ الْحَطَّابُ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَطْهُرُ الْجِلْدُ عِنْدَنَا بِالدَّبْغِ وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا إهَابٍ أَيْ جِلْدٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» فَالْمُرَادُ الطَّهَارَةُ اللُّغَوِيَّةُ بِمَعْنَى النَّظَافَةِ لَا الشَّرْعِيَّةِ وَطَهُرَ يَجُوزُ فِي الْهَاءِ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ.

[قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ] أَيْ الْجِلْدِ أَفْهَمَ فَرْضُ الْكَلَامِ فِي الْجِلْدِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ طَوِيلٌ بِحَيْثُ يَسْتُرُ الْجِلْدَ سَتْرًا قَوِيًّا فَإِنَّهُ تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَلَوْ جِلْدَ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ لِأَنَّ الشَّعْرَ عِنْدَنَا طَاهِرٌ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِهِ جِلْدُ الْحَمِيرِ وَالْبِغَالِ وَالْخَيْلِ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا، وَفِيهَا بِشَرْطِ الدَّبْغِ لِأَنَّهَا صَارَتْ بَعْدَ الدَّبْغِ طَاهِرَةً، وَأَمَّا إذَا لَمْ تُدْبَغْ فَلَا يَجُوزُ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَهُوَ ظَاهِرٌ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] هَذَا الْخِلَافُ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الْبَيْعِ فِي الْمَدْبُوغِ لَا فِي غَيْرِهِ، وَنَصَّ الْفَاكِهَانِيُّ ثُمَّ الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ طَاهِرٌ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ وَجَائِزٌ بَيْعُهُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ طَاهِرٌ طَهَارَةً مَخْصُوصَةً يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَابِسَاتِ وَفِي الْمَاءِ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا الصَّلَاةُ فِيهِ وَلَا عَلَيْهِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: كَانَ جَرْحُهُ فِي شَهَادَةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ إلَخْ] وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً لِأَنَّهُ يَظْهَرُ كَوْنُهُ صَغِيرَةً خِسَّةً وَقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِيمَا قِيلَ [قَوْلُهُ: لِأَجْلِ الْخِلَافِ فِيهِ] أَيْ بِوُجُودِ الْقَوْلِ بِالطَّهَارَةِ [قَوْلُهُ: وَيُرَدُّ الْبَيْعُ مُطْلَقًا إلَخْ] دُبِغَ أَوْ لَا.
[قَوْلُهُ: وَغَرِمَ الْمُبْتَاعُ قِيمَةَ الْجِلْدِ] هَذَا فِي الْغَيْرِ الْمَدْبُوغِ، وَأَمَّا الْمَدْبُوغُ فَيَمْضِي بِالثَّمَنِ أَيْ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ كَمَا أَفَادَهُ الْفَاكِهَانِيُّ.

[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ] أَيْ وَنَحْوِهَا مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ مَكْرُوهِ الْأَكْلِ لِيَشْمَلَ الْفِيلَ وَالذِّئْبَ وَالثَّعْلَبَ وَالضَّبُعَ، وَبَيَّنَ شَرْطَ الْجَوَازِ بِقَوْلِهِ: إذَا ذُكِّيَتْ أَيْ وَلَوْ بِالْعَقْرِ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَبْحِهِ إذَا ذُكِّيَتْ لِجِلْدِهَا وَأَوْلَى إذَا ذُكِّيَتْ لَهُمَا عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ عج مِنْ أَنَّ الذَّكَاةَ تَتَبَعَّضُ.
[قَوْلُهُ: وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّ كُلَّ مَا ذُكِّيَ الْحُكْمُ فِيهِ كَذَلِكَ] أَيْ أَنَّ كُلَّ مَا ذُكِّيَ وَلَوْ مِنْ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَى جِلْدِهِ لِأَنَّ الذَّكَاةَ تُؤَثِّرُ فِي طَهَارَتِهِ.
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ فِي بَابِ الذَّبَائِحِ: فَيَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ مِنْ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ وَجِلْدِهِ سَوَاءٌ قُلْنَا تُؤْكَلُ أَوْ لَا تُؤْكَلُ كَالسِّبَاعِ وَالْكِلَابِ وَالْحَمِيرِ وَالْبِغَالِ إذَا ذُكِّيَتْ طَهُرَتْ عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ فِي إبَاحَةِ أَكْلِهَا وَمَنْعِهَا، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ هُوَ مَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ

الْمَيْتَةِ وَشَعْرِهَا) بَعْدَ الْجَزِّ اتِّفَاقًا عَامًّا مِنْ الْبَيْعِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالصَّدَقَةِ بِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ إذَا بَاعَ بَيَّنَ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: شَعْرِهَا دُخُولُ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ فَقَوْلُهُ آخِرَ الْكِتَابِ وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْخِنْزِيرِ حَرَامٌ أَرَادَ بِهِ إلَّا شَعْرَهُ (وَ) كَذَلِكَ (مَا يُنْزَعُ مِنْهَا) أَيْ الْمَيْتَةِ (فِي) حَالِ (الْحَيَاةِ) أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَوْ نُزِعَ مِنْهَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَلَمْ يُؤْلِمْهَا مِثْلَ رُءُوسِ الرِّيشِ وَرَأْسِ الْقَرْنِ وَالْوَبَرِ فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَذَا بَعْدَ مَوْتِهَا إلَّا اللَّبَنَ فَإِنَّهُ نَجِسٌ، وَهُوَ مِمَّا يُنْزَعُ مِنْهَا فِي الْحَيَاةِ وَلَا يُؤْلِمُهَا.
(وَأَحَبُّ إلَيْنَا) أَيْ الْمَالِكِيَّةِ (أَنْ يُغْسَلَ) مَا ذُكِرَ مِنْ الصُّوفِ وَمَا بَعْدَهُ إذَا لَمْ تُتَيَقَّنْ طَهَارَتُهُ وَلَا نَجَاسَتُهُ، أَمَّا إنْ تُيُقِّنَتْ طَهَارَتُهُ فَلَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ، وَأَمَّا إنْ تُيُقِّنَتْ نَجَاسَتُهُ وَجَبَ غَسْلُهُ.

(وَلَا يُنْتَفَعُ بِرِيشِهَا) أَيْ الْمَيْتَةِ ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا وَفِيهِ تَفْصِيلٌ لِأَنَّ أَصْلَهُ الرَّطْبُ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ.
وَأَعْلَاهُ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَفِيمَا بَيْنَهُمَا قَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) يُنْتَفَعُ (بِقَرْنِهَا) أَيْ الْمَيْتَةِ (وَأَظْلَافِهَا وَأَنْيَابِهَا) ظَاهِرُهُ عَلَى جِهَةِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّ الْحَيَاةَ تُحِلُّهُ (وَكُرِهَ الِانْتِفَاعُ بِأَنْيَابِ الْفِيلِ) وَكَذَا عَبَّرَ فِي

[حاشية العدوي]

أَنَّهَا لَا تَطْهُرُ بِالذَّبْحِ بَلْ تَصِيرُ مَيْتَةً، فَالذَّكَاةُ عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ لَا تُؤَثِّرُ إلَّا فِي مَكْرُوهِ الْأَكْلِ وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ طَرِيقَةَ الْأَكْثَرِ.

[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بَيْعُهَا] أَيْ بَيْعُ الْجُلُودِ وَلَوْ كَانَتْ عَلَى ظُهُورِ السِّبَاعِ قَبْلَ ذَكَاتِهَا بِخِلَافِ جُلُودِ الْغَنَمِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا عَلَى ظُهُورِهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَيَصِحُّ عَطْفُ بَيْعِهَا عَلَى الصَّلَاةِ وَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلسِّبَاعِ لَا لِجُلُودِهَا، وَيُقَيَّدُ بِمَا إذَا كَانَ شِرَاؤُهَا لِجِلْدِهَا أَوْ عَظْمِهَا وَأَمَّا بَيْعُهَا لِلَحْمِهَا أَوْ لِلَحْمِهَا وَجِلْدِهَا فَمَكْرُوهٌ، وَإِذَا ذُكِّيَتْ لِجِلْدِهَا فَقَطْ فَيُؤْكَلُ لَحْمُهَا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ تَبْعِيضِ الذَّكَاةِ.

[قَوْلُهُ: بَعْدَ الْجَزِّ] سَوَاءٌ كَانَ الْجَزُّ قَبْلَ النَّتْفِ أَوْ بَعْدَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْجَزِّ مَا قَابَلَ النَّتْفَ فَشَمِلَ الْحَلْقَ وَنَحْوَهُ كَالنُّورَةِ قَالَ الْحَطَّابُ: وَانْظُرْ هَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهَا حَالَ اتِّصَالِهَا بِالْمَيْتَةِ قَبْلَ جَزِّهَا بِالطَّهَارَةِ أَوْ بِالنَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ طَالَ الشَّعْرُ أَوْ رِيشُ الْقَصَبَةِ وَصَلَّى عَلَيْهِ مُصَلٍّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ بِنَجَاسَةِ الْمُتَّصِلِ فَقَطْ لَا الْمُمْتَدِّ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ الطِّرَازِ [قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّهُ إذَا بَاعَ بَيَّنَ إلَخْ] وَأَمَّا مَا جُزَّ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَيَانُ، وَأَمَّا مَا جُزَّ بَعْدَ ذَكَاتِهَا فَالظَّاهِرُ وُجُوبُ بَيَانِهِ كَمَا قَرَّرَهُ عج [قَوْلُهُ: عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ] وَغَيْرِهِمَا يَقُولُ بِاسْتِثْنَاءِ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ [قَوْلُهُ: أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ إلَخْ] إنَّمَا احْتَاجَ الشَّارِحُ إلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لِعَدَمِ صِحَّةِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إذْ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَعْنَاهُ يُنْتَفَعُ بِمَا يُنْزَعُ مِنْ الْمَيْتَةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، فَفِيهِ وَصْفُهَا بِالْمَيْتَةِ مَعَ الْإِخْبَارِ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِمَا يُنْزَعُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ تَنْبِيهٌ: هَذَا التَّفْسِيرُ يُخَصِّصُ قَوْلَهُ بَعْدُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِرِيشِهَا.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يُؤْلِمْهَا] الْأَوْلَى حَذْفُ الْوَاوِ فَيَكُونُ جَوَابًا لِلَوْ [قَوْلُهُ: مِثْلُ رُءُوسٍ إلَخْ] الْمُعْتَمَدُ أَنَّ رُءُوسَ الرِّيشِ مِنْ الْمَيْتَةِ نَجَسٌ وَمِثْلُهُ رُءُوسُ الْقَرْنِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَغْسِلَ مَا ذُكِرَ] وَلَوْ جُزْءًا مِنْ حَيٍّ وَالْمَنْتُوفُ مِنْ غَيْرِ الْمُذَكَّى يَجِبُ أَنْ يُجَزَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ.

[قَوْلُهُ: وَلَا يُنْتَفَعُ بِرِيشِهَا إلَخْ] ظَاهِرُهُ مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ أَوَّلًا وَمَا يَنْزِعُ مِنْهَا الْحَيَاةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُزِيلُ الِاعْتِرَاضَ وَهُوَ تَخْصِيصُ مَا تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ وَلَا يُؤْلِمُهَا.
[قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مُطْلَقًا] أَيْ بِجَمِيعِ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ [قَوْلُهُ: وَأَعْلَاهُ إلَخْ] الرَّاجِحُ أَنَّ أَعْلَاهُ كَأَسْفَلِهِ فِي النَّجَاسَةِ وَعَدَمِ الِانْتِفَاعِ، فَأَحْرَى الْوَسَطُ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْقَصَبَةِ وَأَمَّا الزَّغَبُ فَهُوَ طَاهِرٌ تَنْبِيهٌ: عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالِانْتِفَاعِ وَسَكَتَ عَنْ الطَّهَارَةِ لِفَهْمِهَا مِنْ حِلِّ الِانْتِفَاعِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ لِأَنَّ نَجِسَ الْعَيْنِ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَعُكِسَ مَعَ الْأَشْيَاءِ النَّجِسَةِ فَسُلِبَ الِانْتِفَاعُ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُنْتَفَعُ بِرِيشِهَا لِفَهْمِ نَجَاسَتِهَا مِنْ حُرْمَةِ الِانْتِفَاعِ بِهَا.
[ظَاهِرُهُ عَلَى جِهَةِ التَّحْرِيمِ] أَيْ وَهُوَ كَذَلِكَ.

[قَوْلُهُ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ] أَيْ بِالطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ

الْمُدَوَّنَةِ.

(وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي أَنْيَابِ الْفِيلِ وَكَذَلِكَ الْقَرْنِ وَالظِّلْفِ وَهُوَ لِلْبَقَرِ وَالشَّاةِ وَالظَّبْيِ وَالظُّفْرِ وَهُوَ لِلْبَعِيرِ وَالْإِوَزِّ وَالدَّجَاجِ وَالنَّعَامَةِ وَنَحْوِهَا، وَالْعَظْمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: مَشْهُورُهَا أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ نَجِسٌ مِنْ الْمَيْتَةِ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: ظَاهِرٌ وَقِيلَ: بِالْفَرْقِ بَيْنَ طَرَفِهَا وَأَصْلِهَا، وَقِيلَ: إنْ صُقِلَتْ طَهُرَتْ وَإِلَّا فَلَا.
(وَمَا مَاتَ فِيهِ فَأْرَةٌ) بِالْهَمْزِ (مِنْ سَمْنٍ) بِسُكُونِ الْمِيمِ (أَوْ زَيْتٍ أَوْ عَسَلٍ) بِتَحْرِيكِ السِّينِ أَوْ وَدَكٍ قَوْلُهُ (ذَائِبٍ) رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ (طُرِحَ وَلَمْ يُؤْكَلْ) وَلَا يُبَاعُ وَمِثْلُ الْفَأْرَةِ كُلُّ مَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، وَاحْتُرِزَ بِهَذَا مِمَّا لَوْ وَقَعَ فِيهِ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً، وَمَاتَ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يُنَجَّسْ وَسَيُصَرِّحُ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: ذَائِبٍ.

وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يُطْرَحُ وَلَا يُؤْكَلُ وَخَشِيَ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ أَصْلًا رَفَعَ ذَلِكَ الْإِيهَامَ

[حاشية العدوي]

مَيْتَةٌ [قَوْلُهُ: وَالظُّفْرُ] مَعْطُوفٌ عَلَى الْقَرْنِ [قَوْلُهُ: وَالدَّجَاجُ] فِيهِ نَظَرٌ، إذْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الدَّجَاجَ لَيْسَ مِنْ ذَوِي الظُّفْرِ [قَوْلُهُ: وَنَحْوِهَا] أَيْ كَحُمُرِ الْوَحْشِ وَالضَّابِطُ كُلُّ مَا لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الْخُفِّ وَلَا مُنْفَرِجَ الْقَائِمَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الدَّجَاجَ وَالْعَصَافِيرَ انْفَرَجَتْ قَوَائِمُهَا فَالْيَهُودُ تَأْكُلُهَا كَذَا أَفَادَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ.
[قَوْلُهُ: مَشْهُورُهَا أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ نَجِسٌ] أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ [قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ طَاهِرٌ] أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ وَحَكَى الْأَقْوَالَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَنَقَلَهُ بَهْرَامُ فِي الْوَسَطِ.
تَنْبِيهٌ: مَا تَقَرَّرَ مِنْ كَوْنِ نَابِ الْفِيلِ نَجِسًا إذَا كَانَ مَيْتَةً مِثْلُهُ الْمُنْفَصِلُ مِنْ الْفِيلِ حَالَ حَيَاتِهِ، وَحَيْثُ كَانَ الْمُنْفَصِلُ مِنْ الْمَيْتَةِ نَجِسًا فَالْكَرَاهَةُ فِي قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ وَأَكْرَهُ الِادِّهَانَ فِي أَنْيَابِ الْفِيلِ وَالْمَشْطَ بِهَا وَالتِّجَارَةَ فِيهَا لِأَنَّهَا مَيْتَةٌ مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَأَمَّا نَابُ الْفِيلِ الْمُذَكَّى وَلَوْ بِالْعَقْرِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَالْكَرَاهَةُ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَالزَّيْتُ وَنَحْوُهُ الْمَوْضُوعُ فِي إنَاءِ الْعَاجِ وَنَحْوُهُ مِنْ كُلِّ عَظْمِ مَيْتَةٍ بَالٍ إنْ كَانَ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ يَقِينًا فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ فَلَا يَنْجَسُ مَا وَقَعَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا شَكَّ فِي نَجَاسَتِهِ، وَبَعْضُهُمْ حَمَلَ الْكَرَاهَةَ عَلَى بَابِهَا مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُذَكًّى، وَعَزَاهُ أَبُو الْحَسَنِ لِابْنِ رُشْدٍ وَابْنُ فَرْحُونٍ لِبَعْضِهِمْ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ.
قَالَ: لِأَنَّ عُرْوَةَ وَرَبِيعَةَ وَابْنَ شِهَابٍ أَجَازُوا أَنْ يُمَشِّطَ بِأَمْشَاطِهِ، وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ تُعَارِضُ مُقْتَضَى التَّنْجِيسِ هُوَ جُزْئِيَّةُ الْمَيْتَةِ وَمُقْتَضَى الطَّهَارَةِ وَهُوَ عَدَمُ الِاسْتِقْذَارِ لِأَنَّهُ مِمَّا يُتَنَافَسُ فِي اتِّخَاذِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَقِيلَ بِالْفَرْقِ أَيْ فَالطَّرَفُ طَاهِرٌ وَالْأَصْلُ نَجِسٌ وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ جَارٍ فِي الْعَظْمِ أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: وَمَا مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ] لَا مَفْهُومَ لِمَوْتِهَا بَلْ وَلَوْ وَقَعَتْ مَيْتَةً، أَمَّا لَوْ وَقَعَتْ حَيَّةً وَأُخْرِجَتْ كَذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى جَسَدِهَا نَجَاسَةٌ، وَمِثْلُ مَوْتِ الْفَأْرَةِ فِي الطَّعَامِ سُقُوطُ شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ النَّجَاسَةِ بِهِ وَلَوْ بِمَا يُعْفَى عَنْهُ كَيَسِيرِ الدَّمِ، وَلَوْ كَانَتْ الْفَأْرَةُ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا [قَوْلُهُ: مِنْ سَمْنٍ] وَالْمَاءُ الْمُضَافُ حُكْمُ الطَّعَامِ وَالتَّنْجِيسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ لِلنَّجَاسَةِ الَّتِي يُمْكِنُ تَحَلُّلُ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا يُشْتَرَطُ التَّغْيِيرُ [قَوْلُهُ: أَوْ وَدَكٍ إلَخْ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ.
الْوَدَكُ بِفَتْحَتَيْنِ دَسَمُ اللَّحْمِ وَالشَّحْمِ وَهُوَ مَا تَحَلَّبَ مِنْ ذَلِكَ اهـ. [قَوْلُهُ: وَلَمْ يُؤْكَلْ] وَأَمَّا الِادِّهَانُ بِهِ فَيُبْنَى عَلَى خِلَافٍ وَهُوَ أَنَّ التَّضَمُّخَ بِالنَّجَاسَةِ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُ] وَبَعْدَ ذَلِكَ إنْ أَمْكَنَ إزَالَتُهُ أُزِيلَ وَأُكِلَ نَحْوَ السَّمْنِ، وَأَمَّا لَوْ تَعَذَّرَ تَمْيِيزُهُ فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الطَّعَامِ أُكِلَ مَعَ الطَّعَامِ، وَإِنْ سَاوَى الطَّعَامَ فَقَوْلَانِ الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا حُرْمَةُ أَكْلِهِ لِأَنَّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً، وَإِنْ كَانَتْ مَيْتَتُهُ طَاهِرَةً لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إلَّا بِذَكَاةٍ وَهِيَ مَفْقُودَةٌ هُنَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ تَمَيَّزَ أُكِلَ الطَّعَامُ دُونَهُ كَانَ قَدْرَهُ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَمُتْ بِهِ فَيُؤْكَلُ فِي الْأَقْسَامِ السِّتَّةِ إنْ نَوَى ذَكَاتَهُ وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ شُكَّ فِي قَدْرِهِ حَالَ مَوْتِهِ فَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَكْلَهُ لِقَاعِدَةِ أَنَّ الطَّعَامَ لَا يُطْرَحُ بِالشَّكِّ.
وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ: لَا دُودَ

بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ) بِمَعْنَى وَيُبَاحُ (أَنْ يُسْتَصْبَحَ بِالزَّيْتِ الْمُنَجِّسِ وَشِبْهِهِ) كَالْوَدَكِ وَالسَّمْنِ (فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ) كَالْبُيُوتِ وَالْحَوَانِيتِ (وَ) أَمَّا الْمَسَاجِدُ فَ (لْيُتَحَفَّظْ مِنْهُ) لِأَنَّهُ نَجِسٌ فَلَا يُسْتَصْبَحُ بِهِ فِيهَا لِتَنْزِيهِهَا عَنْ النَّجَاسَاتِ ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ ذَائِبٍ فَقَالَ: (وَإِنْ كَانَ) مَا ذُكِرَ مِنْ السَّمْنِ عُطِفَ عَلَيْهِ (جَامِدًا طُرِحَتْ) الْفَأْرَةُ الَّتِي مَاتَتْ فِيهِ هِيَ (وَمَا حَوْلَهَا وَأُكِلَ مَا بَقِيَ) وَلَهُ بَيْعُهُ وَلَا تَحْدِيدَ فِيمَا يُطْرَحُ مِنْهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ (قَالَ

[حاشية العدوي]

وَسُوسُ الْفُولِ وَالطَّعَامِ وَفِرَاخُ النَّحْلِ فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ وَانْتَصَرَ لَهُ وَقَوَّاهُ.

[قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ] وَكَذَا فِي الْمَسَاجِدِ حَيْثُ كَانَ الدُّخَانُ يَخْرُجُ عَنْهَا [قَوْلُهُ: كَالْبُيُوتِ إلَخْ] أَيْ وَكَالْأَزِقَّةِ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَسَاجِدُ فَلْيُتَحَفَّظْ مِنْهُ] أَيْ وُجُوبًا وَكَذَا لَا يُبْنَى بِمُونَةٍ عُجِنَتْ بِزَيْتٍ مُتَنَجِّسٍ وَلَا بِطُوبٍ مُتَنَجِّسٍ، وَلَا يُسْقَفُ بِخَشَبٍ مُتَنَجِّسٍ، فَإِنْ وَقَعَ وَبُنِيَ بِطِينٍ أَوْ مُونَةٍ مُتَنَجِّسَةٍ فَلَا يُهْدَمُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ تَلْبِيسُ الْأَشْيَاءِ الْمُتَنَجِّسَةِ بِطَاهِرٍ، وَكَمَا يَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِالزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ يَجُوزُ جَعْلُهُ صَابُونًا وَتُغْسَلُ بِهِ الثِّيَابُ وَتُغْسَلُ بَعْدَهُ بِمُطْلَقِ.
[قَوْلِهِ: وَلَهُ بَيْعُهُ] أَيْ إلَّا أَنَّهُ يُبَيِّنُ لِأَنَّ النَّفْسَ تَكْرَهُهُ [قَوْلُهُ: عَلَى حَسَبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ] أَيْ بِقَدْرِ شَيْءٍ يَزِيدُ عَلَى الظَّنِّ أَيْ يَزِيدُ إدْرَاكُ كَوْنِ النَّجَاسَةِ سَرَتْ فِيهِ عَلَى الظَّنِّ، أَيْ أَصْلُ الظَّنِّ أَيْ أَنَّهُ لَا يُطْرَحُ إلَّا الَّذِي ظُنَّ ظَنًّا قَوِيًّا أَنَّ النَّجَاسَةَ سَرَتْ فِيهِ، فَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَا يُطْرَحُ مَا وُجِدَ فِيهِ أَصْلُ الظَّنِّ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ سَرَتْ فِيهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُطْرَحُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: سَحْنُونٌ] وَاسْمُهُ عَبْدُ السَّلَامِ سُمِّيَ سَحْنُونٌ بِاسْمِ طَائِرٍ حَدِيدِ الْبَصَرِ لِحِدَّتِهِ فِي الْمَسَائِلِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: كُنْت عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَجَوَابَاتُ مَالِكٍ تَرِدُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: فَمَا مَنَعَك مِنْ السَّمَاعِ مِنْهُ؟ قَالَ: قِلَّةُ الدَّرَاهِمِ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: لَحَى اللَّهُ الْفَقْرَ فَلَوْلَاهُ لَأَدْرَكَتْ مَالِكًا فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَلَهُ رِحْلَتَانِ وَسَمِعَ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَوَكِيعٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَمَعْنِ بْنِ عِيسَى وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ أَبُو الْعَرَبِ: كَانَ سَحْنُونٌ ثِقَةً حَافِظًا لِلْعِلْمِ فَقِيهَ الْبَدَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خِلَالٌ قَلَّمَا اجْتَمَعَتْ فِي غَيْرِهِ، الْفِقْهُ الْبَارِعُ وَالْوَرَعُ الصَّادِقُ وَالصَّرَامَةُ فِي الْحَقِّ وَالزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالتَّخَشُّنُ فِي الْمَلْبَسِ وَالْمَطْعَمِ وَالسَّمَاحَةُ، وَكَانَ لَا يَقْبَلُ مِنْ السُّلْطَانِ شَيْئًا وَرُبَّمَا وَصَلَ أَصْحَابَهُ بِالثَّلَاثِينَ دِينَارًا وَنَحْوِهَا، وَكَانَ مَعَ هَذَا رَقِيقَ الْقَلْبِ غَزِيرَ الدَّمْعَةِ ظَاهِرَ الْخُشُوعِ مُتَوَاضِعًا قَلِيلَ التَّصَنُّعِ كَرِيمَ الْأَخْلَاقِ حَسَنَ الْأَدَبِ سَالِمَ الصَّدْرِ شَدِيدًا عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ.
حِكَمٌ مِنْ كَلَامِهِ: قَالَ سَحْنُونٌ لِابْنِهِ مُحَمَّدٍ: يَا بُنَيَّ سَلِّمْ عَلَى النَّاسِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَزْرَعُ الْمَوَدَّةَ، وَسَلِّمْ عَلَى عَدُوِّك وَدَارِهِ فَإِنَّ رَأْسَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ مُدَارَاةُ النَّاسِ.
وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ الْعِلْمُ بَلْ يَضُرُّهُ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ نُورٌ يَضَعُهُ اللَّهُ فِي الْقُلُوبِ فَإِذَا عَمِلَ بِهِ نَوَّرَ قَلْبَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَأَحَبَّ الدُّنْيَا أَعْمَى حُبُّ الدُّنْيَا قَلْبَهُ وَلَمْ يُنَوِّرْهُ الْعِلْمُ.
وَكَانَ يَقُولُ: تَرْكُ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَرْكُ الْحَلَالِ لِلَّهِ أَفْضَلُ مِنْ أَخْذِهِ وَإِنْفَاقِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ.
وَقَالَ: تَرْكُ دَانِقٍ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفَ حَجَّةٍ يَتْبَعُهَا سَبْعُونَ أَلْفَ عُمْرَةٍ مَبْرُورَةٍ مُتَقَبَّلَةٍ، وَأَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفَ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِزَادِهَا وَسِلَاحِهَا، وَمِنْ سَبْعِينَ أَلْفَ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ فَبَلَغَ كَلَامُهُ هَذَا عَبْدَ الْجَبَّارِ بْنَ خَالِدٍ فَقَالَ: نَعَمْ وَأَفْضَلُ مِنْ مِلْءِ الدُّنْيَا إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ ذَهَبًا وَفِضَّةً كُسِبَتْ وَأُنْفِقَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يُرَادُ بِهَا إلَّا وَجْهَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا مَا ذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ.
فِي شَأْنِ سَحْنُونَ بْنِ سَعِيدٍ: الْإِمَامِ الْمَشْهُورِ وَالْعَلَمِ الْمَنْشُورِ لَهُ الْكَلَامُ الرَّائِقُ وَالْعَجَائِبُ وَالْخَوَارِقُ، فَمِنْهُ مَا قَالَ الْعِلْمُ حُجَّةٌ عَلَى عِبَادِهِ وَالْعُلَمَاءُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَخَيْرُ النَّاسِ عُلَمَاؤُهُمْ، وَمِنْ كَرَامَاتِهِ مَا حَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ قَالَ: رَكِبْت الْبَحْرَ مَعَ سَحْنُونَ فَهَاجَ وَخِفْت مِنْهُ فَنِمْت فَرَأَيْت الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ

سَحْنُونٌ) : بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِهَا (إلَّا أَنْ يَطُولَ مُقَامُهَا) بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ إقَامَتُهَا (فِيهِ فَإِنَّهُ يُطْرَحُ كُلُّهُ) لِأَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا طَالَ مُقَامُهَا فِي الْجَامِدِ نَفَذَتْ وَانْتَشَرَتْ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَدَلِيلُ التَّفْرِقَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

«وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَذَبَائِحِهِمْ» لَا بَأْسَ هُنَا لِلْإِبَاحَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5] الْآيَةَ الْجُمْهُورُ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ الذَّبِيحَةُ كُلُّهَا، وَهَذَا إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِلُّ الْمَيْتَةَ، وَأَمَّا مَنْ يَسْتَحِلُّهَا فَقَالَ الْبَاجِيُّ إنْ ذَبَحَ بِحَضْرَتِك وَأَصَابَ وَجْهَ الذَّكَاةِ جَازَ أَكْلُهَا، وَأَمَّا إنْ غَابَ عَنْهَا فَلَا يَجُوزُ وَهَذَا أَيْضًا فِي غَيْرِ الضَّحَايَا، وَأَمَّا فِي الضَّحَايَا فَلَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ.

(وَكُرِهَ أَكْلُ شُحُومِ

[حاشية العدوي]

لِي: أَتَخَافُ أَوْ يَخَافُ أَهْلُ السَّفِينَةِ وَفِيهِمْ سَحْنُونٌ؟ فَاسْتَيْقَظْتُ فَإِذَا الْبَحْرُ قَدْ سَكَنَ فَكَاشَفَنِي سَحْنُونٌ وَقَالَ: أَمْسِكْ عَلَيَّ مَا رَأَيْت وَلَا تُخْبِرْ أَحَدًا قَالَ بَعْضُهُمْ يَكْفِي أَهْلَ الْمَغْرِبِ قَبْرُ سَحْنُونَ اهـ. [إلَّا أَنْ يَطُولَ مُقَامُهَا] بِحَيْثُ يُظَنُّ السَّرَيَانُ بِجَمِيعِهِ [قَوْلُهُ: أَيْ إقَامَتُهَا] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مُقَامَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ [قَوْلُهُ: وَانْتَشَرَتْ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ [قَوْلُهُ: فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ] أَيْ الدَّلِيلُ عَلَى التَّفْرِقَةِ ثَابِتٌ فِي الْكِتَابِ الْمُتَقَيِّدِ بِالصَّحِيحِ، وَالْكِتَابِ الَّذِي لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالصَّحِيحِ هَذَا مَعْنَاهُ مَعَ أَنَّهُ فِي التَّحْقِيقِ نَقَلَهُ عَنْ أَبِي دَاوُد وَكَذَا تت وَأَبُو دَاوُد لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالصَّحِيحِ، وَاسْتِدْلَالُهُ بِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مَوْجُودًا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْ لَيْسَ مَوْجُودًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ التَّصْرِيحُ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْبَائِعِ وَغَيْرِهِ، فَالْمُنَاسِبُ إسْقَاطُ قَوْلِهِ فِي الصَّحِيحِ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَدَلِيلُ هَذِهِ التَّفْرِقَةِ مَا فِي أَبِي دَاوُد أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا وَقَعَتْ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ» . ك؟ فَفَرَّقَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ الْجَامِدِ وَالْمَائِعِ إلَى أَنْ قَالَ: وَقِيسَ عَلَى السَّمْنِ غَيْرُهُ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ وَكَذَا سَائِرُ الْمَائِعَاتِ إلَّا الْمَاءَ اهـ.

[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ] الْمُرَادُ بِهِمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى الصَّغِيرُ مِنْهُمْ وَالْكَبِيرُ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ [قَوْلُهُ: الْجُمْهُورُ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ] أَيْ فَعَطَفَ وَذَبَائِحِهِمْ عَلَى قَوْلِهِ: بِطَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ لِلتَّفْسِيرِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ [قَوْلُهُ: كُلِّهَا] أَيْ أَنَّ الْجُمْهُورَ قَالُوا: إنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ هِيَ الذَّبِيحَةُ كُلُّهَا مَا حَلَّ ذَلِكَ مِنْهَا وَمَا حُرِّمَ عَلَيْهِ كَالطَّرِيفَةِ، وَمُقَابِلُ الْجُمْهُورِ إنَّمَا أَحَلَّ طَعَامَهُمْ فِي الذَّبِيحَةِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي هِيَ حَلَالٌ لَهُمْ لِأَنَّ مَا يَحِلُّ لَهُمْ تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ، فَمَنَعَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةَ وَالشُّحُومُ الْمَحْضَةُ مِنْ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا الْخِلَافُ مَوْجُودٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَلَا بُدَّ لِلْجَوَازِ مِنْ شُرُوطٍ أَنْ يَذْبَحَ مَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَذْبُوحُهُ حَلَالًا لَهُ بِشَرْعِنَا، وَأَنْ لَا يَذْبَحَ بِاسْمٍ نَحْوَ الصَّنَمِ فَإِنْ ذَبَحَهُ بِاسْمٍ حَرُمَ أَكْلُهُ كَمَا يَحْرُمُ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ بِشَرْعِنَا كَذَوَاتِ الظُّفْرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ ذَبَحَ مَا هُوَ حَلَالٌ لَهُ بِشَرْعِنَا، وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ بِشَرْعِهِ فَقَطْ كَالطَّرِيفَةِ فَيُكْرَهُ لَنَا أَكْلُهَا وَهِيَ أَنْ تُوجَدَ الذَّبِيحَةُ فَاسِدَةَ الرِّئَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي إبَاحَةِ أَكْلِ مَا ذَكَّاهُ بِشُرُوطٍ تَسْمِيَةٌ، وَأَمَّا اسْتِنَابَةُ مُسْلِمٍ لَهُ وَذَبْحِهِ لَهُ فَقَوْلَانِ بِصِحَّةِ الذَّبْحِ فَيُؤْكَلُ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَعَدَمِ الصِّحَّةِ فَلَا تُؤْكَلُ، ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تت عَلَى خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: إنْ ذَبَحَ بِحَضْرَتِك وَأَصَابَ] الْمَدَارُ عَلَى كَوْنِهِ يَذْبَحُ بِحَضْرَةِ مَنْ يَعْرِفُ الذَّكَاةَ الشَّرْعِيَّةَ وَلَوْ صَغِيرًا مُسْلِمًا مُمَيِّزًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَنْ لَا يَعْرِفُهَا، إذَا وَصَفَ مَا حَصَلَ بِحَضْرَتِهِ أَنَّهُ يُؤْكَلُ [قَوْلُهُ: وَهَذَا فِي غَيْرِ الضَّحَايَا] لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي شَخْصٍ كَافِرٍ ذَكَّى لِنَفْسِهِ فَلَا يَعْقِلَا مِنْهُ ضَحِيَّةً.

[قَوْلُهُ: وَكُرِهَ أَكْلُ شُحُومِ الْيَهُودِ] أَيْ مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ بِشَرْعِنَا كَشَحْمِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الْخَالِصِ كَالشَّحْمِ الرَّقِيقِ الَّذِي يَغْشَى الْكَرِشَ وَالْأَمْعَاءِ، فَإِنْ قِيلَ: شَحْمُ الْيَهُودِ مِمَّا ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِشَرْعِنَا فَلِمَ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا فَالْجَوَابُ أَنَّهُ جُزْءٌ مُذَكًّى وَالْمُذَكَّى حَلَّ لَهُ فَهُوَ لَمْ يُذْبَحْ غَيْرُ حِلٍّ لَهُ لَكِنْ لِحُرْمَتِهِ عَلَيْهِ كُرِهَ أَكْلُهُ لَنَا.
وَبِقَوْلِهِ: عَلَى الْمَشْهُورِ مُقَابِلُهُ مَا نُقِلَ

الْيَهُودِ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ) عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُقْصَدْ الشَّحْمَ بِالتَّذْكِيَةِ أَشْبَهَ الدَّمَ لَمْ يَقْصِدْهُ الْمُسْلِمُ، وَضَمِيرُ مِنْهُمْ عَائِدٌ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ.
ك: لَمْ أَدْرِ مِمَّا احْتَرَزَ بِهِ وَهَلْ ثَمَّ يَهُودِيٌّ غَيْرُ كِتَابِيٍّ.
وَقَالَ د: احْتَرَزَ بِهِ مِنْ الْمُرْتَدِّ إلَيْهِمْ وَالدَّخِيلِ فِيهِمْ إذْ لَا يَحِلُّ طَعَامُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ ارْتَدَّ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ.

(وَلَا يُؤْكَلُ مَا ذَكَّاهُ الْمَجُوسِيُّ) مُطْلَقًا وَثَنِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ذَكَّاهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمُسْلِمٍ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْمُسْلِمُ بِالذَّبْحِ.
وَقَالَ لَهُ: قُلْ بِسْمِ اللَّهِ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ قَالَهُ ع.

وَكَذَلِكَ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ السَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ وَلَوْ أَصَابَا الذَّكَاةَ لِفِقْدَانِ عَقْلِهِمَا.
ابْنُ الْحَاجِبِ: وَتَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَالْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ (وَمَا كَانَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ذَكَاةٌ مِنْ طَعَامِهِمْ) أَيْ الْمَجُوسِ (فَلَيْسَ بِحَرَامٍ) يَجُوزُ أَكْلُهُ اتِّفَاقًا إنْ تُيُقِّنَتْ طَهَارَتُهُ، أَمَّا إنْ تُيُقِّنَتْ نَجَاسَتُهُ فَيَحْرُمُ أَكْلُهُ وَمَا شُكَّ فِيهِ يُحْمَلُ عَلَى التَّنْجِيسِ، وَاخْتُلِفَ فِي تَحْرِيمِ أَكْلِ جُبْنِ الرُّومِ وَإِبَاحَتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى تَحْرِيمِهِ.

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الصَّيْدِ وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الِاسْمِ وَالْمَصْدَرِ وَهُوَ الِاصْطِيَادُ وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (وَالصَّيْدُ لِلَّهْوِ مَكْرُوهٌ وَالصَّيْدُ لِغَيْرِ اللَّهْوِ مُبَاحٌ) فَقَسَمَهُ عَلَى قِسْمَيْنِ وَغَيْرُهُ قَسَمَهُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ نَقَلْنَاهَا فِي الْأَصْلِ.

[حاشية العدوي]

عَنْ مَالِكٍ مِنْ تَحْرِيمٍ [قَوْلُهُ: أَشْبَهَ الدَّمَ] قَوْلُهُ: أَيْ فِي الْجُمْلَةِ [قَوْلُهُ: وَالدَّخِيلُ فِيهِمْ] عَطْفُ مُرَادِفٍ أَيْ احْتَرَزَ عَنْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مَجُوسِيٍّ تَهَوَّدَ [قَوْلُهُ: عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ ارْتَدَّ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ] أَيْ أَنَّ مَنْ ارْتَدَّ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ هَلْ يُقَرُّ أَوْ لَا الرَّاجِحُ أَنَّهُ يُقَرُّ وَمُقَابِلُهُ لَا فَعَلَيْهِ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَيُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْمَذْهَبِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ.

[قَوْلُهُ: وَلَا يُؤْكَلُ مَا ذَكَّاهُ الْمَجُوسِيُّ] أَيْ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَوْ ذَكَّى مَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ [قَوْلُهُ: وَثَنِيًّا] أَيْ يَعْبُدُ الْوَثَنَ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْوَثَنُ الصَّنَمُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْجَمْعُ وُثْنٌ مِثْلُ أَسَدٍ وَأُسْدٍ انْتَهَى [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْمُسْلِمُ إلَخْ] الْمَدَارُ عَلَى كَوْنِهِ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ الْمُسْلِمُ بِالذَّبْحِ كَمَا يُفِيدُهُ مِنْ شَرْحِ خَلِيلٍ، فَلَوْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ وَالصَّنَمَ مَعًا فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ اسْمِ اللَّهِ.

[قَوْلُهُ: وَتَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَالْمَرْأَةِ] قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يَعْنِي أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ وَالْمَرْأَةَ إنْ اُضْطُرَّ إلَى تَذْكِيَتِهِمَا جَازَتْ وَصَحَّتْ، وَإِنْ لَمْ يُضْطَرَّ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ فِي صِحَّةِ ذَكَاتِهِمَا قَوْلَيْنِ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فِي الْمَذْهَبِ وَاَلَّذِي حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْكَرَاهَةِ وَنَفْيُ الْكَرَاهَةِ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْكَرَاهَةُ لِمَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: طَعَامُهُمْ] أَيْ الْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ [وَبِالْأَوْلَى: وَمَا شُكَّ فِيهِ] يُحْمَلُ عَلَى التَّنْجِيسِ أَيْ فَيَحْرُمُ عَلَيْنَا أَكْلُهُ زَادَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ قَيْدًا فَقَالَ: حَيْثُ غَلَبَ مُخَالَطَتُهُ لِلنَّجَاسَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَمَحَلُّ كَوْنِ الْمَشْكُوكِ يُحْمَلُ عَلَى التَّنْجِيسِ، إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ صَنَائِعِهِمْ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مِنْ صَنَائِعِهِمْ فَمَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ لِأَنَّهُمْ مَحْمُولُونَ فِي جَمِيعِ صَنَائِعِهِمْ عَلَى الطَّهَارَةِ كَمَا قَالَهُ الْبُرْزُلِيُّ [قَوْلُهُ: وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى تَحْرِيمِهِ] أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ حَتَّى قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ: وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى تَحْرِيمِهِ حَتَّى لَا يَنْبَغِيَ الشِّرَاءُ مِنْ حَانُوتٍ فِيهِ جُبْنُهُمْ لِتَنْجِيسِهِ الْمِيزَانَ وَيَدَ بَائِعِهِ انْتَهَى قُلْت: إنْ كَانَ الرُّومُ أَهْلَ كِتَابٍ فَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ جُبْنِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا مَجُوسًا وَكَانُوا يَصْنَعُونَ أَنَافِحَ ذَبَائِحِهِمْ فِيهِ فَلَا وَجْهَ أَوْلَى بِحِلِّهِ.

[أَحْكَام الصَّيْدِ]

[قَوْلُهُ: يُطْلَقُ عَلَى الِاسْمِ وَالْمَصْدَرِ] أَيْ بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ فَتَعْرِيفُهُمْ مَصْدَرًا أَخْذٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ مِنْ وَحْشِ طَيْرٍ أَوْ بَرٍّ أَوْ حَيَوَانِ بَحْرٍ بِقَصْدٍ، وَاسْمًا مَا أُخِذَ مِنْ وَحْشِ طَيْرٍ إلَخْ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا مَعْلُومٌ فِي مَحِلِّهِ [قَوْلُهُ: وَالصَّيْدُ لِلَّهْوِ] قَالَ فِي التَّنْبِيهِ: اللَّهْوُ مَصْدَرُ لَهَوْت بِالشَّيْءِ بِالْفَتْحِ أَلْهُو لَهْوًا إذَا لَعِبْت بِهِ [قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُ

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يُصْطَادُ بِهِ هُوَ شَيْئَانِ حَيَوَانٌ وَسِلَاحٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ مَا قَتَلَهُ كَلْبُك الْمُعَلَّمُ أَوْ بَازُك الْمُعَلَّمُ فَجَائِزٌ أَكْلُهُ) لَا خُصُوصِيَّةَ لِهَذَيْنِ بَلْ كُلُّ مَا يَفْقَهُ التَّعْلِيمَ مِنْ الْكِلَابِ وَالسِّبَاعِ وَالطَّيْرِ فَإِنَّهُ إذَا قَتَلَ صَيْدًا جَازَ أَكْلُهُ (إذَا أَرْسَلْته عَلَيْهِ) أُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ.

يُشْتَرَطُ فِي الْمُصَادِ بِهِ إذَا كَانَ حَيَوَانًا ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًا وَأَنْ يَكُونَ يَفْقَهُ التَّعْلِيمَ وَأَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا مِنْ يَدِ الصَّائِدِ.

وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَصِيدِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا احْتِرَازًا مِنْ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ احْتِرَازًا مِنْ غَيْرِهِ.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ أَهْلِيًّا

[حاشية العدوي]

قَسَمَهُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ نَقَلْنَاهَا إلَخْ] نَصُّ التَّحْقِيقِ وَقَسَمَهُ غَيْرُهُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: وَاجِبٌ وَهُوَ مَا يَصِيدُهُ لِعَيْشِهِ أَوْ عَيْشِ غَيْرِهِ إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَى عِيَالِهِ إلَّا مِنْهُ، وَحَرَامٌ وَهُوَ مَا يُؤَدِّي إلَى مَحْظُورٍ كَدُخُولِ أَرْضٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهَا أَوْ يَقْصِدُ بِهِ اللَّهْوَ، وَلَا يَقْصِدُ بِهِ الذَّكَاةَ لِأَنَّهُ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَمَكْرُوهٌ مِثْلُ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ اللَّهْوَ وَالذَّكَاةَ، وَمَنْدُوبٌ مِثْلُ " أَنْ يَصْرِفَهُ أَوْ ثَمَنَهُ فِي مَنْدُوبٍ كَالتَّوْسِعَةِ وَالصَّدَقَةِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمُبَاحٌ مِثْلُ أَنْ يَصِيدَ لِيَأْكُلَ بِثَمَنِهِ شَهْوَةً مَا أَوْ يَنْكِحَ مُنَعَّمَةً انْتَهَى.
اعْلَمْ أَنَّهُ دَلَّ عَلَى حُكْمِهِ الْأَصْلِيِّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ فَالْكِتَابُ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: 96] ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2] وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ» . [قَوْلُهُ: كَلْبَك] اُنْظُرْ الْإِضَافَةَ فِي قَوْلِهِ كَلْبَك هَلْ هِيَ تَمْلِيكٌ أَمْ لَا.
فَنَقُولُ هَذَا إذَا كَانَ مِلْكَهُ وَكَذَا إذَا أَعَارَهُ أَوْ أَكْرَاهُ وَهُوَ الطَّاهِرُ، وَاخْتُلِفَ إذَا غَضِبَ هَلْ الصَّيْدُ لِرَبِّهِ أَوْ لِلصَّائِدِ وَعَلَيْهِ كِرَاءُ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: بَلْ كُلُّ مَا يَفْقَهُ التَّعْلِيمَ] هُوَ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إذَا أُرْسِلَ أَطَاعَ وَإِذَا زُجِرَ انْزَجَرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ طَيْرًا فَيَكْفِي فِيهِ الْإِطَاعَةُ عِنْدَ إرَادَةِ إرْسَالِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ الِانْزِجَارَ بَعْدَ الْإِرْسَالِ.

[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًا] احْتِرَازًا مِنْ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ.
وَقَوْلُهُ: أَنْ يَفْقَهَ التَّعْلِيمَ أَيْ شَأْنُهُ أَنْ يَفْقَهَ التَّعْلِيمَ احْتِرَازًا مِنْ النَّمِرِ.
فَإِنَّهُ لَا يَفْقَهُ التَّعْلِيمَ فَلَا يُصَادُ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ.
قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى كَوْنِهِ عَلِمَ بِالْفِعْلِ وَلَوْ فِي نَوْعِ مَا لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ كَأَسَدٍ وَنَمِرٍ وَنِمْسٍ، وَأَوْلَى مَا يَقْبَلُهُ مِنْ كَلْبٍ وَبَازٍ وَسِنَّوْرٍ وَابْنِ عُرْسٍ وَذِئْبٍ، وَلَوْ كَانَ طَبْعُ الْمُعَلَّمِ بِالْفِعْلِ الْغَدْرَ كَدُبٍّ فَإِنَّهُ لَا يُمْسِكُ إلَّا لِنَفْسِهِ فَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ خِلَافَ الْمُعْتَمَدِ، وَعِصْيَانُ الْمُعَلَّمِ مَرَّةً لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا كَمَا لَا يَكُونُ مُعَلَّمًا بِطَاعَتِهِ مَرَّةً بَلْ الْعُرْفُ فِي ذَلِكَ كَافٍ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا مِنْ يَدِ الصَّائِدِ] وَالْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ بِأَيِّ إرْسَالٍ كَانَ مِنْ يَدِهِ أَوْ مِنْ يَدِ غُلَامِهِ أَوْ مِنْ حِزَامِهِ أَوْ مِنْ تَحْتِ قَدَمِهِ، فَلَوْ وَجَدَ مَعَ جَارِحِهِ صَيْدًا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَوْ انْبَعَثَ قَبْلَ رُؤْيَةِ رَبِّهِ بِالصَّيْدِ وَلَوْ أَشَارَ عَلَيْهِ أَثْنَاءَهُ، وَلَوْ كَانَ الصَّائِدُ بِقُرْبِ جَارِحِهِ أَوْ رَآهُ وَلَمْ يُرْسِلْهُ أَوْ أَرْسَلَهُ وَلَيْسَ بِيَدِهِ لَمْ يُؤْكَلْ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ إلَّا بِالذَّكَاةِ، وَلَوْ كَانَ لَا يَذْهَبُ إلَّا مَرَّةً وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُسَمِّي النَّاوِي هُوَ الْخَادِمُ فَالْمُرْسِلُ هُوَ وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ هُوَ النَّاوِي الْمُسَمِّي وَالْخَادِمُ هُوَ الْمُرْسِلُ.
فَلَعَلَّ وَجْهَ إجْزَائِهِ كَوْنُهُ مَأْمُورًا لَهُ وَقَرِيبًا مِنْهُ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ إسْلَامِ الْخَادِمِ لِأَنَّ النَّاوِيَ الْمُسَمِّيَ هُوَ سَيِّدُهُ فَالْإِرْسَالُ مِنْهُ حُكْمًا كَذَا فِي شَرْحِ الزَّرْقَانِيِّ.

[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا] أَيْ أَوْ يَكُونَ فِي مَكَان مَحْصُورٍ كَغَارٍ أَوْ غَيْضَةٍ عَلِمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَبْصَرَهُ أَوْ لَا، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمَا مَنْفَذٌ آخَرُ وَإِلَّا لَمْ يُؤْكَلْ مَا كَانَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا [قَوْلُهُ: ثَانِيهَا أَنْ يَكُونَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ] وَلَوْ ظَنَّ خِلَافَهُ كَمَا لَوْ ظَنَّهُ أَرْنَبًا مَثَلًا فَأَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ ظَبْيٌ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ، وَأَوْلَى إذَا لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا بَلْ ظَنَّ أَنَّهُ مِنْ نَوْعِ الْمُبَاحِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَتَيَقَّنَ إبَاحَتَهُ، فَلَوْ ظَنَّ الصَّيْدَ حَرَامًا أَوْ شَكَّ فِيهَا أَوْ تَوَهَّمَهَا فَأَرْسَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ الْجَارِحُ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَلَوْ وَجَدَهُ مُبَاحًا، لِأَنَّهُ حِينَ رَمَاهُ لَمْ يُرِدْ صَيْدَهُ فَلَا يَأْكُلُهُ إلَّا أَنْ يُدْرِكَهُ غَيْرَ مَنْفُوذِ مَقْتَلٍ وَيُذَكِّيهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ حَلَالٌ فَيُؤْكَلُ، وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ فَإِنْ رَمَاهُ بِنِيَّةِ قَتْلِهِ أَوْ بِلَا نِيَّةٍ لَمْ يُؤْكَلْ وَإِنْ رَمَاهُ بِنِيَّةِ ذَكَاتِهِ أُكِلَ فَإِنْ رَمَاهُ بِنِيَّةِ أَخْذِ جِلْدِهِ فَقَطْ لَمْ يُؤْكَلْ

احْتِرَازًا مِنْ الَّذِي يَنِدُّ مِنْ الْإِنْسِيِّ.
رَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ احْتِرَازًا مِنْ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ بِالْيَدِ، وَإِنَّمَا يُؤْكَلُ بِالذَّبْحِ.

وَأَمَّا الصَّائِدُ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ: أَوَّلُهَا وَثَانِيهَا: النِّيَّةُ حَالَ الْإِرْسَالِ، وَالتَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ حَالَ الْإِرْسَالِ فَإِنْ تَرَكَهَا عَامِدًا مُتَهَاوِنًا أَوْ غَيْرَ مُتَهَاوِنٍ لَمْ تُؤْكَلْ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ بِخِلَافِ النِّسْيَانِ، ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا احْتِرَازًا مِنْ الْكَافِرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: 94] فَدَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِنَا دُونَ الْكَافِرِ، وَهَذَا فِي صَيْدِ الْبَرِّ دُونَ الْبَحْرِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ.
رَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ بَالِغًا احْتِرَازًا مِنْ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ فَلَا يَصِحُّ صَيْدُهُ.
قَالَهُ ك. وَقَالَ ع: يُكْرَهُ صَيْدُهُ.
خَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا فَالْمَجْنُونُ وَالسَّكْرَانُ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا.

(وَكَذَلِكَ) جَائِزٌ أَكْلُ كُلِّ (مَا أَنْفَذَتْ الْجَوَارِحُ مَقَاتِلَهُ قَبْلَ قُدْرَتِك عَلَى ذَكَاتِهِ) إذَا تَبِعْته وَلَمْ تُفَرِّطْ فِي طَلَبِهِ (وَ) أَمَّا (مَا أَدْرَكْتَهُ قَبْلَ إنْفَاذِهَا لِمَقَاتِلِهِ فَلَمْ يُؤْكَلْ إلَّا بِذَكَاةٍ) ع: يُرِيدُ إذَا فَرَّطَ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ السِّكِّينُ وَأَخَذَ يَطْلُبُهَا مِنْ غَيْرِهِ حَتَّى مَاتَ أَوْ كَانَتْ عِنْدَ غُلَامِهِ أَوْ فِي خُرْجِهِ فَمَا أَخَذَهَا حَتَّى مَاتَ، أَمَّا إنْ لَمْ يُفَرِّطْ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ وَلَوْ لَمْ تَنْفُذْ مَقَاتِلُهُ

[حاشية العدوي]

عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّبْعِيضِ، فَإِنْ نَوَى بِذَكَاتِهِ لَحْمَهُ فَقَطْ طَهُرَ جِلْدُهُ وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا تَتَبَعَّضُ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلَحْمِهِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ] أَيْ جُمْلَةً أَوْ فِي الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ كَكَوْنِهِ فِي شَاهِقِ جَبَلٍ أَوْ عَلَى شَجَرَةٍ أَوْ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِأَمْرٍ يُخَافُ مِنْهُ الْعَطَبُ، أَوْ كَانَ فِي جَزِيرَةٍ كَبِيرَةٍ.
تَنْبِيهٌ: يَصِحُّ الِاصْطِيَادُ وَلَوْ تَعَدَّدَ الْمَصِيدُ حَيْثُ نَوَى الْجَمِيعَ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا نَوَى مُعَيَّنًا فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ إذَا قَتَلَهُ أَوَّلًا وَعَلِمَ أَنَّهُ الْأَوَّلُ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ الْأَوَّلُ أَوْ قَتَلَ غَيْرَهُ قَبْلَهُ فَلَا يُؤْكَلُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ، وَأَمَّا لَوْ رَأَى جَمَاعَةً وَنَوَى وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا الْأَوَّلُ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ الْأَوَّلَ.

[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ] وَمُقَابِلُهُ كَرَاهَةُ الْأَكْلِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَبْهَرِيِّ وَابْنِ الْجَهْمِ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ [قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا] أَيْ حَالَ الْإِرْسَالِ وَكَذَا التَّمْيِيزُ.
وَانْظُرْ لَوْ تَخَلَّفَ مَا ذَكَرَ بَعْدَ الْإِرْسَالِ وَقَبْلَ الْوُصُولِ [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِنْ الْكَافِرِ] أَيْ إذَا مَاتَ مِنْ جُرْحِهِ أَوْ أَنْفَذَ مَقْتَلًا مِنْ مَقَاتِلِهِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ جَرَحَ صَيْدًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ إنْفَاذِ مَقْتَلِهِ فَيُؤْكَلُ بِذَبْحِهِ وَبِذَبْحِ مُسْلِمٍ أَوْلَى [قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ يُكْرَهُ صَيْدُهُ] الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَيْدُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ الَّذِي يُمَيِّزُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ صَيْدُهُمَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ كَذَكَاتِهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ.

[قَوْلُهُ: قَبْلَ قُدْرَتِك عَلَى ذَكَاتِهِ] أَيْ وَلَوْ أَدْرَكَتْهُ حَيًّا حَيْثُ لَمْ تَتَرَاخَ فِي اتِّبَاعِهِ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ قَبْلَ إنْفَاذِهَا وَلَوْ لَمْ يَتَرَاخَ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ، لَكِنْ يُنْدَبُ الْإِجْهَازُ عَلَى مَنْ أَدْرَكَهُ حَيًّا بَعْدَ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْ مَقَاتِلِهِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَا أَدْرَكَتْهُ] أَيْ أَوْ أَدْرَكَهُ غَيْرُك مِمَّنْ تَصِحُّ ذَكَاتُهُ، وَتَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ وَقُلْنَا ذَلِكَ إشَارَةً إلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ مَرَّ عَلَى صَيْدٍ قَبْلَ إنْفَاذِ الْجَوَارِحِ شَيْئًا مِنْ مَقَاتِلِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ تَذْكِيَتُهُ، فَإِنْ تَرَكَهَا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهَا ضَمِنَ قِيمَتَهُ مَجْرُوحًا بِالصَّائِدِ [قَوْلُهُ: يُرِيدُ إلَخْ] هَذَا شَرْطٌ فِي مَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ بِدُونِ ذَكَاةٍ يُرِيدُ إذَا فَرَّطَ [قَوْلُهُ: أَوْ كَانَتْ عِنْدَ غُلَامِهِ إلَخْ] أَيْ أَنَّ الصَّائِدَ إذَا وَضَعَ آلَةَ الذَّبْحِ مَعَ غَيْرِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْبِقُ ذَلِكَ الْغَيْرَ أَوْ يَظُنُّ أَوْ يَشُكُّ أَوْ وَضَعَ الْآلَةَ فِي خُرْجٍ مَعَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ بِحَيْثُ لَا يَتَنَاوَلُهَا بِسُرْعَةٍ فَمَاتَ الصَّيْدُ قَبْلَ تَنَاوُلِهِ الْآلَةَ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ لِعَدَمِ ذَكَاتِهِ لِتَفْرِيطِ الصَّائِدِ، إذْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَ الْآلَةَ فِي يَدِهِ أَوْ حِزَامِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَسْتَدْعِي طُولًا فِي تَنَاوُلِهَا لَا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْآلَةُ بِيَدِهِ لَمْ يُدْرِكْ ذَكَاتَهُ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ.
وَقَوْلُنَا: وَهُوَ يَعْلَمُ إلَخْ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ الْحَامِلَ لِلْآلَةِ يَسْبِقُهُ الصَّيْدُ ثُمَّ خَالَفَ عِلْمَهُ أَوْ ظَنَّهُ وَسَبَقَهُ هُوَ وَأَدْرَكَهُ حَيًّا فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ، وَكَذَا لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَلْحَقُهُ وَتَرَاخَى ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَوْ اتَّبَعَهُ لَمْ يَلْحَقْهُ فَيُؤْكَلُ فَالْعِبْرَةُ بِتَبَيُّنِ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ

إذَا نَيَّبَهُ.

وَأَمَّا الشَّيْءُ الثَّانِي مِمَّا يُصَادُ بِهِ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ مَا صِدْته بِسَهْمِك وَرُمْحِك) يَعْنِي وَبِكُلِّ مَا لَهُ حَدٌّ (فَكُلْهُ فَإِنْ أَدْرَكْت ذَكَاتَهُ فَذَكِّهِ وَإِنْ فَاتَ بِنَفْسِهِ فَكُلْهُ إذَا قَتَلَهُ سَهْمُك مَا لَمْ يَبِتْ عَنْك) لَا خُصُوصِيَّةَ لِلسَّهْمِ بِذَلِكَ فَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا بَاتَ عَنْهُ الصَّيْدُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْبَازُ وَالْكَلْبُ وَالسَّهْمُ (وَقِيلَ إنَّمَا ذَلِكَ) أَيْ عَدَمُ أَكْلِ مَا فَاتَ بِنَفْسِهِ (فِيمَا بَاتَ عَنْك مِمَّا قَتَلَهُ الْجَوَارِحُ وَأَمَّا السَّهْمُ يُوجَدُ فِي مَقَاتِلِهِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ) لَا بَأْسَ هُنَا بِمَعْنَى الْجَوَازِ وَهَذِهِ التَّفْرِقَةُ لِابْنِ الْمَوَّازِ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى بَعْضِ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الصَّيْدِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تُؤْكَلُ الْإِنْسِيَّةُ بِمَا يُؤْكَلُ بِهِ الصَّيْدُ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ نَدَّتْ وَالْتَحَقَتْ بِالْوَحْشِ بَقَرًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْبَقَرِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَفِي غَيْرِهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ.

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْعَقِيقَةِ فَقَالَ: (وَالْعَقِيقَةُ) أَصْلُهَا شَعْرُ الْمَوْلُودِ ثُمَّ تُوُسِّعَ فِي ذَلِكَ فَسُمِّيَتْ الذَّبِيحَةُ الَّتِي

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ تَنْفُذْ مَقَاتِلُهُ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَوْضُوعَ أَنَّهُ أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْفُذَ الْجَوَارِحُ مَقَاتِلَهُ فَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُفَرِّطْ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ وَلَوْ لَمْ تَنْفُذْ الْمَقَاتِلُ بَعْدُ بَلْ يَكْفِي التَّنْيِيبُ [قَوْلُهُ: إذَا نَيَّبَهُ] أَيْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِدْمَاءِ وَلَوْ فِي الْأُذُنِ مَعَ شَقِّ جَلْدٍ أَمْ لَا شَقِّ جِلْدٍ بِدُونِ إدْمَاءٍ فِي وَحْشِيٍّ صَحِيحٍ فَلَا يَكْفِي بِخِلَافِهِ فِي مَرِيضٍ فَيُؤْكَلُ.

[قَوْلُهُ: وَبِكُلِّ مَا لَهُ حَدٌّ] وَلَوْ غَيْرَ حَدِيدٍ وَقَتَلَهُ السَّهْمُ أَوْ الرُّمْحُ أَوْ جَرَحَهُ وَمَاتَ قَبْلَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَكَاتِهِ وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ السَّهْمُ أَوْ الرُّمْحُ مَسْمُومًا لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مَسْمُومًا لَا يَدْرِي هَلْ مَاتَ مِنْ السَّهْمِ مَثَلًا أَوْ السُّمِّ، فَإِنْ تَحَقَّقَ إنْفَاذُ مَقْتَلِهِ بِالسَّهْمِ قَبْلَ أَنْ يَسْرِيَ السُّمُّ فِيهِ أُكِلَ مَعَ الْكَرَاهَةِ أَوْ الْحُرْمَةِ لِخَوْفِ أَذَى السُّمِّ [قَوْلُهُ: فَكُلْهُ] حَيْثُ نَوَيْت وَسَمَّيْت عِنْدَ رَمْيِ السَّهْمِ أَوْ الرُّمْحِ، فَلَوْ أَدْرَكْته حَيًّا بَعْدَ إنْفَاذِ شَيْءٍ مِنْ مَقَاتِلِهِ نُدِبَ لَك تَذْكِيَتُهُ [قَوْلُهُ: بِذَلِكَ] أَيْ بِذَلِكَ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَبِتْ عَنْك وَحِينَئِذٍ فَالْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَحْذِفُ قَوْلَهُ إذَا قَتَلَهُ سَهْمُك [قَوْلُهُ: إذَا بَاتَ عَنْهُ] وَلَوْ بَعْضَ اللَّيْلِ وَلَوْ مَعَ الْجِدِّ فِي اتِّبَاعِهِ، وَسَبَبُ الْمَنْعِ أَنَّ اللَّيْلَ يَكْثُرُ فِيهِ الْهَوَامُّ بِخِلَافِ النَّهَارِ لِأَنَّ الصَّيْدَ يَمْنَعُ نَفْسَهُ فِيهِ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ رَمَاهُ نَهَارًا وَغَابَ عَنْهُ يَوْمًا كَامِلًا وَوَجَدَهُ مَيِّتًا بِجُرْحِ السَّهْمِ أَنَّهُ يُؤْكَلُ وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَرَاخَ فِي اتِّبَاعِهِ.
ثُمَّ مَا ذَكَرَ مِنْ حُرْمَةِ أَكْلِ مَا بَاتَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَضَعَّفَ وَرَجَّحَ الْقَوْلَ بِأَكْلِهِ حَيْثُ وَجَدَهُ مَنْفُوذَ الْمَقْتَلِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا لَمْ يَرَ إنْفَاذَ السَّهْمِ أَوْ الْجَارِحِ مَقْتَلَهُ قَبْلَ الْبَيَاتِ: وَإِلَّا أُكِلَ اتِّفَاقًا [قَوْلُهُ: وَأَمَّا السَّهْمُ إلَخْ] وَوَجْهُ تَفْرِقَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ السَّهْمَ إذَا وُجِدَ فِي مَقَاتِلِهِ وَقَدْ أَنْفَذَهَا يَغْلِبُ مَعَهُ الظَّنُّ بِأَنَّ الْمَوْتَ لِلصَّيْدِ مِنْ السَّهْمِ بِخِلَافِ الْجَارِحِ كَالْكَلْبِ يَجْرَحُ الصَّيْدَ وَيَبِيتُ عَنْ رَبِّهِ وَيُوجَدُ الصَّيْدُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْجَارِحِ، وَهَذِهِ التَّفْرِقَةُ الَّتِي لِابْنِ الْمَوَّازِ ضَعِيفَةٌ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تُؤْكَلُ الْإِنْسِيَّةُ إلَخْ] وَكَذَا الْحَيَوَانُ وَالْوَحْشِيُّ إذَا تَأَنَّسَ أَوْ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا بِالذَّبْحِ.
تَنْبِيهٌ: لَيْسَ مِنْ الْإِنْسِيِّ الَّذِي يُذْبَحُ نَحْوُ الْجَرَادِ بَلْ ذَكَاتُهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ أَوْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ مَا يُعَجِّلُ مَوْتَهُ، وَكَذَا سَائِرُ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ ذَكَاتُهَا مَا يُعَجِّلُ مَوْتَهَا [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْبَقَرِ عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ عِبَارَةُ التَّوْضِيحِ يَعْنِي إذَا نَدَبَ الْإِنْسِيَّةَ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ بَقَرٍ لَمْ تُؤْكَلْ بِالْعَقْرِ اتِّفَاقًا وَكَذَا الْبَقَرُ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لِأَنَّ لِلْبَقَرِ أَصْلًا فِي التَّوَحُّشِ تَرْجِعُ إلَيْهِ أَيْ شَبَّهَهَا بِبَقَرِ الْوَحْشِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الشَّاةَ لَهَا أَيْضًا أَصْلٌ وَهُوَ الظِّبَاءُ اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ وَقَوْلُ الشَّارِحِ عَلَى الْمَنْصُوصِ يُؤْذِنُ بِالْخِلَافِ فَيُخَالِفُهُ قَوْلُ التَّوْضِيحِ لَمْ تُؤْكَلْ بِالْعَقْرِ اتِّفَاقًا.

[أَحْكَام الْعَقِيقَة]

[قَوْلُهُ: أَصْلُهَا شَعْرُ الْمَوْلُودِ] حَاصِلُهُ أَنَّ الْعَقِيقَةَ أُطْلِقَتْ شَرْعًا عَلَى الشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ مَنْقُولَةً مِنْ مَعْنَاهَا لُغَةً وَهُوَ شَعْرُ رَأْسِ الْمَوْلُودِ لِأَنَّهَا تُذْبَحُ عِنْدَ حَلْقِهِ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٌ مِنْ الْعَقِّ وَهُوَ الْقَطْعُ، وَلَا يَخْفَى وُجُودُهُ فِي

فصول الكتاب · 3 فصل · 596 صفحة
جارٍ التحميل