تَكْرَارٌ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: وَالْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ كَرَّرَهُ لِيُفَرِّقَ بَيْنَ الْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ (وَمَنْ تَعَدَّى عَلَى وَدِيعَةٍ ضَمِنَهَا) وَأَوْجُهُ التَّعَدِّي أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا الْإِيدَاعُ عِنْدَ الْغَيْرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَالسَّفَرُ بِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَالِانْتِفَاعُ بِهَا فَتَهْلِكُ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُ الشَّيْخِ: (وَإِنْ كَانَتْ) الْوَدِيعَةُ (دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ) مَرْبُوطَةً أَوْ مَخْتُومَةً فَتَسَلَّفَهَا أَوْ بَعْضَهَا (فَرَدَّهَا) مِثْلَهَا (فِي صُرَّتِهَا ثُمَّ هَلَكَتْ) الْوَدِيعَةُ (فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَضْمِينِهِ) فَقِيلَ: عَلَيْهِ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي حَلِّهَا، وَقِيلَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ وَشُهِرَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَعَلَيْهِ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِيَمِينٍ.
(وَمَنْ اتَّجَرَ
[حاشية العدوي]
الْمُتَّهَمُ وَغَيْرُهُ، وَصَدَرَ بِهِ ابْنُ عُمَرَ قَالَهُ تت.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَنَقُولُ مَحِلُّ كَوْنِهِ لَا يَحْلِفُ إلَّا الْمُتَّهَمُ إذَا لَمْ تَكُنْ الدَّعْوَى دَعْوَى تَحْقِيقٍ، وَأَمَّا دَعْوَى التَّحْقِيقِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مُتَّهَمٍ وَغَيْرِهِ، وَغُرِّمَ بِمُجَرَّدِ النُّكُولِ فِي دَعْوَى الِاتِّهَامِ الْقَاصِرَةِ عَلَى الْمُتَّهَمِ وَبَعْدَ حَلِفِ الْمُودِعِ بِالْكَسْرِ فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ الَّتِي لَيْسَتْ قَاصِرَةً عَلَى الْمُتَّهَمِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ] قَدْ يُقَالُ هُوَ عَيْنُهُ فَتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: مِنْهَا الْإِيدَاعُ عِنْدَ الْغَيْرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ إلَخْ] أَيْ إذَا أَوْدَعَهَا عِنْدَ غَيْرِهِ فِي حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَضَاعَتْ أَوْ تَلِفَتْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا.
وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهَا فِي سَفَرٍ، وَإِنْ كَانَ الْغَيْرُ أَمِينًا إذْ لَمْ يَرْضَ رَبُّهَا إلَّا بِأَمَانَتِهِ وَإِنَّمَا بَالَغْنَا فِي السَّفَرِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ لَمَّا قَبِلَهَا فِي السَّفَرِ كَانَ هَذَا مَظِنَّةَ الْإِذْنِ فِي الْإِيدَاعِ، وَمَحِلُّ الضَّمَانِ عَلَى الْمُودِعِ إذَا أَوْدَعَهَا لِغَيْرِ زَوْجَتِهِ، أَوْ أَمَتِهِ، وَأَمَّا إذَا أَوْدَعَهَا لِزَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ الْمُعْتَادَيْنِ لِلْإِيدَاعِ بِأَنْ تَطُولَ إقَامَتُهُمَا عِنْدَهُ وَيَثِقُ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَيْهَا فَضَاعَتْ فَلَا ضَمَانَ وَإِنْ كَانَتَا غَيْرَ مُعْتَادَتَيْنِ لِلْإِيدَاعِ بِأَنْ أَوْدَعَهَا عِنْدَ زَوْجَتِهِ بِإِثْرِ تَزْوِيجِهَا أَوْ عِنْدَ أَمَتِهِ بِإِثْرِ شِرَائِهَا أَوْ لَمْ يَثِقْ بِدَفْعِ الْمَالِ لَهُمَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ إذَا تَلِفَتْ أَوْ ضَاعَتْ، وَمِثْلُهُ عَبْدُهُ وَأُجِيرُهُ الَّذِي فِي عِيَالِهِ وَيُصَدَّقُ فِي الدَّفْعِ لِمَنْ ذَكَرَ وَحَلَفَ إنْ أَنْكَرَتْ الزَّوْجَةُ الدَّفْعَ إنْ اتَّهَمَ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا فَإِنْ نَكَلَ غُرِّمَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْسِرًا فَلِلْمُودِعِ بِالْكَسْرِ تَحْلِيفُهَا كَانَتْ مُوسِرَةً أَوْ مُعْسِرَةً.
وَقَوْلُهُ: لِغَيْرِ عُذْرٍ وَأَمَّا لَوْ كَانَ لِعُذْرٍ كَأَنْ انْهَدَمَ مَنْزِلُهُ أَوْ زَادَ عَلَى مَا عَلِمَ رَبُّهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا تَلِفَتْ أَوْ ضَاعَتْ، وَمِنْ الْعُذْرِ الْجَارُ السُّوءُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ بِالْعُذْرِ بَلْ يَجِبُ أَنْ يُشْهِدَهُمْ عَلَى عَيْنِ الْعُذْرِ، بَلْ لَوْ شَهِدُوا عَلَى عَيْنِ الْعُذْرِ بِلَا إشْهَادٍ لَكَفَى.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ وَمِنْهَا أَيْ وَمِنْهَا أَنَّهُ يَضْمَنُهَا إذَا نَسِيَهَا فِي مَوْضِعِ إيدَاعِهَا وَأَوْلَى فِي غَيْرِهِ فَضَاعَتْ.
[قَوْلُهُ: مَرْبُوطَةً أَوْ مَخْتُومَةً] لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: فَرَدَّ مِثْلَهَا] هَذَا التَّقْدِيرُ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَرَدَّهَا.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ هَلَكَتْ] أَيْ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ تت.
وَقَوْلُهُ فَرَدَّ مِثْلَهَا أَيْ ادَّعَى رَدَّ مِثْلِهَا وَأَنْتَ خَبِيرٌ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الْمَشْهُورَ عَدَمُ الضَّمَانِ إلَّا أَنَّ مَحِلَّهُ حَيْثُ كَانَ تَصَرُّفُهُ فِي الْوَدِيعَةِ مَكْرُوهًا أَخَذَ الْوَدِيعَةَ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهَا أَوْ لَا بِأَنْ كَانَ مَلِيًّا حِينَ تَصَرَّفَ فِيهَا وَكَانَتْ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ وَإِلَّا حَرُمَ إلَّا بِإِذْنٍ مِنْ رَبِّهَا فَجَائِزٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْوَدِيعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، جَائِزٌ وَمُحَرَّمٌ وَمَكْرُوهٌ، وَإِذَا ادَّعَى الرَّدَّ لِمَوْضِعِهَا فَيُصَدَّقُ فِي الْمَكْرُوهِ وَلَا يُصَدَّقُ فِيمَا عَدَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى رَدِّهَا لِيَدِ صَاحِبِهَا، وَلَا يَكْفِي شَهَادَتُهَا عَلَى رَدِّهَا لِمَوْضِعِهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالسَّلَفِ الْحَقِيقِيِّ، وَيَدْخُلُ فِي الْمُعْدَمِ مَنْ عِنْدَهُ مِثْلُ الْوَدِيعَةِ أَوْ مَا يَزِيدُ عَلَيْهَا بِيَسِيرٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ سَيِّئَ الْقَضَاءِ وَالظَّالِمُ وَمَنْ مَالُهُ حَرَامٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَحِلَّ كَرَاهَةِ الْمِثْلِيِّ وَحُرْمَةِ الْمُقَوَّمِ وَالْمُعْدَمِ حَيْثُ جُهِلَ حَالُ الْمُودِعِ بِالْكَسْرِ، وَأَمَّا إنْ أَبَاحَ لَهُ ذَلِكَ أَوْ كَانَ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ يَعْلَمُ سَمَاحَتَهُ بِذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ فِي الْجَمِيعِ، وَأَمَّا لَوْ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ كَانَ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ يَعْلَمُ كَرَاهَتَهُ لِذَلِكَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي الْجَمِيعِ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِيَمِينٍ] بِأَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ رَدَّ مَا تَسَلَّفَهُ إلَى مَحِلِّهِ، فَإِنْ نَكَلَ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ الرَّدَّ.
تَنْبِيهٌ: لَيْسَتْ الصُّرَّةُ شَرْطًا وَالْمَضْمُونُ هُوَ الْمِثْلُ إذَا كَانَتْ مِثْلِيَّةً وَالْقِيمَةُ إذَا كَانَتْ مُقَوَّمَةً وَالضَّامِنُ الْحُرُّ الرَّشِيدُ وَكَذَا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ لَا مِنْ خَرَاجٍ وَكَسْبٍ وَكَذَا غَيْرُ الْمَأْذُونِ، وَقَبِلَ الْوَدِيعَةَ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ فَتَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ إذَا أُعْتِقَ لَا فِي رَقَبَتِهِ إلَّا أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُ سَيِّدُهُ ضَمَانَهَا بِأَنْ يَقُولَ: أَسْقَطْتهَا عَنْ عَبْدِي فَلَا يُتْبَعُ،
بِوَدِيعَةٍ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَالرِّبْحُ لَهُ) لِأَنَّهُ ضَامِنٌ وَقَوْلُهُ: (إنْ كَانَتْ عَيْنًا) قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ: فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ تَقْدِيرُ كَلَامِهِ، وَمَنْ اتَّجَرَ بِوَدِيعَةٍ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا قَالَهُ ق: وَقَالَ أَيْضًا قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ عَيْنًا لَيْسَ بِشَرْطٍ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ عَرْضًا إذْ لَا يَكُونُ أَسْوَأَ حَالًا مِنْ الْغَاصِبِ، وَقَوْلُهُ: وَالرِّبْحُ لَهُ مَسْأَلَةٌ ثَانِيَةٌ (وَإِنْ بَاعَ) الْمُودَعُ (الْوَدِيعَةَ وَهِيَ عَرْضٌ فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ فِي) أَخْذِ (الثَّمَنِ) الَّذِي بَاعَهَا بِهِ (أَوْ) فِي أَخْذِ (الْقِيمَةِ يَوْمَ التَّعَدِّي) هَذَا إذَا فَاتَتْ السِّلْعَةُ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ قَائِمَةً فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ فِي أَخْذِهَا أَوْ الثَّمَنِ الَّذِي بِيعَتْ بِهِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى اللُّقَطَةِ فَقَالَ: (وَمَنْ وَجَدَ لُقَطَةً) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ مَا يُلْتَقَطُ (فَلْيُعَرِّفْهَا) وُجُوبًا لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِذَلِكَ بِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ لَا يُعْرَفُ فَيَسْتَأْجِرُ مِنْهَا (سَنَةً) عَقِبَ الِالْتِقَاطِ، ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ لُقَطَةَ مَكَّةَ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ لِلْعُمُومَاتِ الْوَارِدَةِ فِي اللُّقَطَةِ.
وَقِيلَ: تُعَرَّفُ لُقَطَتُهَا أَبَدًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
[حاشية العدوي]
وَلَوْ أُعْتِقَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَبِيٍّ وَسَفِيهٍ وَلَوْ قَبِلَا بِإِذْنِ وَلِيِّهِمَا إلَّا أَنْ يَصُونَا بِهِمَا مَالَهُمَا فَيَضْمَنَانِ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا وَمِمَّا يَصُونَا لَا إنْ تَلِفَ مَا يَصُونَاهُ وَاسْتَفَادَا غَيْرَهُ.
[قَوْلُهُ: قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ] الصَّوَابُ أَنَّ التِّجَارَةَ الْوَدِيعَةِ مَكْرُوهَةٌ كَانَتْ مِمَّا يَحْرُمُ تَسَلُّفُهَا أَوْ يُكْرَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّلَفِ وَالتَّجْرِ أَنَّ الْمُتَسَلِّفَ بِقَصْدِ تَمَلُّكِهَا وَأَنْ يَصْرِفَهَا فِيمَا يَصْرِفُ فِيهِ مَالَهُ، وَالْمُتَّجِرُ إنَّمَا قَصَدَ تَحْرِيكَهَا [قَوْلُهُ: وَالرِّبْحُ لَهُ] أَيْ وَالْخَسَارَةُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: إذْ لَا يَكُونُ أَسْوَأَ إلَخْ] قَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ تِجَارَةَ الْغَاصِبِ الْوَدِيعَةِ إذَا كَانَتْ عَرْضًا مَكْرُوهَةً، فَإِذَا كَانَ الْغَاصِبُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ فَأَوْلَى الْمُودَعُ أَيْ مِنْ حَيْثُ انْتِفَاءُ الْحُرْمَةِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْوَصِيُّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّجْرُ بِمَالِ الصَّبِيِّ لِنَفْسِهِ فَأَوْلَى الْغَاصِبُ فَهَذَا التَّعْلِيلُ لَا يَظْهَرُ إلَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْغَاصِبَ إذَا اتَّجَرَ بِالدَّنَانِيرِ مَثَلًا وَتَحَصَّلَ مِنْهَا رِبْحٌ فَهُوَ لَهُ، فَإِذَا كَانَ الْغَاصِبُ لَهُ الرِّبْحُ فَأَوْلَى الْمُودَعُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: هَذَا إذَا فَاتَتْ إلَخْ] الْحَاصِلُ أَنَّهُ عِنْدَ الْفَوَاتِ يَجِبُ لَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ وَعِنْدَ الْقِيَامِ أَخْذُ الثَّمَنِ أَوْ رَدُّ الْبَيْعِ، وَكَذَا كُلُّ مُتَعَدٍّ بِالْبَيْعِ عَلَى سِلَعِ غَيْرِهِ وَلَوْ غَاصِبًا، وَمَحِلُّ تَخْيِيرِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ فِي الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ مَا لَمْ يَحْضُرْ عَقْدَ الْبَيْعِ أَوْ يَبْلُغْهُ الْبَيْعُ وَيَسْكُتُ مُدَّةً بِحَيْثُ يُعَدُّ رَاضِيًا وَإِلَّا لَزِمَهُ الْبَيْعُ وَأَخْذُ مَا بِيعَتْ بِهِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا
[أَحْكَام اللُّقَطَة]
[قَوْلُهُ: ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى اللُّقَطَةِ] الِالْتِقَاطُ وُجُودُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: مَالٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمًا لَيْسَ حَيَوَانًا نَاطِقًا وَلَا نَعَمًا بَلْ عَيْنًا أَوْ عَرْضًا أَوْ رَقِيقًا صَغِيرًا وُجِدَتْ فِي الْعِمَارَةِ أَوْ الْخَرَابِ أَوْ سَاحِلِ الْبَحْرِ وَعَلَيْهَا عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ لَا نَحْوَ عَنْبَرٍ فَلَوْ وَجَدَهُ خَرَجَ بِقَوْلِهِ: مَالُ اللَّقِيطِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: مُحْتَرَمٌ مَالُ الْحَرْبِيِّ فَلَيْسَ بِلُقَطَةٍ، بَلْ إمَّا فَيْءٌ أَوْ غَنِيمَةٌ وَخَرَجَ الْآبِقُ وَهُوَ الرَّقِيقُ الْكَبِيرُ فَلَا يُقَالُ لَهُ لُقَطَةٌ كَمَا خَرَجَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ فَإِنَّهُ يُسَمَّى ضَالَّةً، فَالْمُعَرَّضُ لِلضَّيَاعِ أَرْبَعَةٌ لُقَطَةٌ وَلَقِيطٌ وَآبِقٌ وَضَالَّةٌ فَاللُّقَطَةُ تَقَدَّمَ حَدُّهَا، وَأَمَّا اللَّقِيطُ فَهُوَ صَغِيرٌ آدَمِيٌّ لَمْ يُعْلَمْ أَبَوَاهُ وَلَا رِقُّهُ، أَمَّا لَوْ عُلِمَ رِقُّهُ فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَهُوَ لُقَطَةٌ وَإِلَّا فَهُوَ آبِقٌ وَحَدُّهُ رَقِيقٌ كَبِيرٌ مُحْتَرَمٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ وَالضَّالَّةُ نَعَمٌ مُحْتَرَمٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ وَجَدَ] أَيْ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ [قَوْلُهُ: بِضَمِّ اللَّامِ إلَخْ] وَفِيهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ أُخَرُ لُقْطَةٌ بِسُكُونِ الْقَافِ وَلُقَاطَةٌ بِضَمِّ اللَّامِ وَلَقَاطَةٌ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْقَافِ [قَوْلُهُ: فَلْيُعَرِّفْهَا وُجُوبًا] أَيْ عَلَى الْفَوْرِ فَلَوْ تَوَانَى حَتَّى ضَاعَتْ ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا ضَمِنَهَا قَالَهُ تت.
وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ [قَوْلُهُ: لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -] أَيْ فَفِي الْمُوَطَّأِ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: اعْرِفْ عِقَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً» إلَخْ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ.
[قَوْلُهُ: بِنَفْسِهِ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِثْلُهُ يُعْرَفُ فَإِمَّا أَنْ يُعَرِّفَ أَوْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ عِنْدِهِ مَنْ يُعَرِّفُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مِثْلُهُ لَا يُعَرِّفُ فَإِنَّهُ يَسْتَأْجِرُ مِنْهَا وَإِذَا دَفَعَهَا لِمَنْ يَثِقُ بِهِ وَضَاعَتْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فَلَيْسَتْ كَالْوَدِيعَةِ يَضْمَنُهَا بِدَفْعِهَا لِغَيْرِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ لِأَنَّ اللُّقَطَةَ لَمْ يَأْمَنْهُ رَبُّهَا
«لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ» أَوَّلَهُ الْقَرَافِيُّ: بِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا دُونَ تَعْرِيفٍ بَلْ لَا تُؤْخَذُ إلَّا لِصَاحِبِهَا أَيْ لِتُعْرَفَ لَهُ
وَالتَّعْرِيفُ يَكُونُ فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مَرَّةً وَالتَّعْرِيفُ سَنَةً مُخْتَصٌّ بِالْكَثِيرِ، وَأَمَّا التَّافِهُ كَالْعَصَا وَالسَّوْطِ فَلَا يُعَرَّفُ وَمَا فَوْقَ التَّافِهِ وَدُونَ الْكَثِيرِ كَالدَّلْوِ يُعَرَّفُ سَنَةً عَلَى قَوْلٍ وَدُونَ السَّنَةِ عَلَى آخَرَ، وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَقَطُ مِمَّا يَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ كَاللَّحْمِ وَالْفَاكِهَةِ فَيَأْكُلُهُ وَلَا يُعَرِّفُهُ، وَالتَّعْرِيفُ يَكُونُ (بِمَوْضِعٍ يَرْجُو التَّعْرِيفَ بِهَا) وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي اُلْتُقِطَتْ فِيهِ وَأَبْوَابُ الْمَسَاجِدِ، وَإِذَا عَرَّفَهَا لَا يَذْكُرُ جِنْسَهَا بَلْ يَقُولُ: مَنْ ضَاعَ لَهُ شَيْءٌ (فَإِنْ تَمَّتْ سَنَةٌ وَلَمْ يَأْتِ لَهَا أَحَدٌ فَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا) عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ رَبِّهَا، ظَاهِرُهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ حَبْسِهَا
[حاشية العدوي]
عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا لِمُنْشِدٍ] أَيْ مَنْ يُرِيدُ تَعْرِيفَهَا
[قَوْلُهُ: أَوَّلَهُ الْقَرَافِيُّ] سَبَبُ تَنْبِيهِ الشَّارِعِ عَلَى خُصُوصِ لُقَطَةِ مَكَّةَ مَعَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمُ عَامٌّ حَتَّى فِي غَيْرِهَا أَنَّ لُقَطَةَ مَكَّةَ تُوجَدُ كَثِيرًا فِي الْحَرَمِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ مِنْ كُلِّ قُطْرٍ، وَالْغَالِبُ أَنَّ الَّذِي قُطْرُهُ بَعِيدٌ لَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ مَرَّةً أُخْرَى فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكْثُرُ أَخْذُهَا بُنَيَّةِ التَّمَلُّكِ فَنَبَّهَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَخْذُهَا بِهَذَا الْقَصْدِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهَا كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَالتَّعْرِيفُ يَكُونُ فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ] هَذَا إذَا تَقَادَمَ الزَّمَانُ وَإِلَّا فَالتَّعْرِيفُ إثْرَ الِالْتِقَاطِ فِي كُلِّ يَوْمٍ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا التَّافِهُ إلَخْ] أَيْ الَّذِي لَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ النُّفُوسُ وَهُوَ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ الشَّرْعِيِّ كَمَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ شَارِحُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: وَدُونَ السَّنَةِ عَلَى آخَرَ] وَهُوَ الرَّاجِحُ، فَالرَّاجِحُ أَنَّ مَا فَوْقَ التَّافِهِ وَدُونَ الْكَثِيرِ كَالدَّلْوِ وَالدُّرَيْهِمَاتِ وَالدَّنَانِيرِ يُعَرَّفُ أَيَّامًا هِيَ مَظِنَّةُ طَلَبِهِ وَلَا يُعَرَّفُ سَنَةً وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَاسْتَظْهَرَهُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِهِ [قَوْلُهُ: فَيَأْكُلُهُ وَلَا يُعَرِّفُهُ أَصْلًا] وَلَا اسْتِينَاءَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ.
وَقَالَ الزَّرْقَانِيُّ: يَنْبَغِي الِاسْتِينَاءُ بِأَكْلِهِ يَسِيرًا لِاحْتِمَالِ إتْيَانِ صَاحِبِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَكَلَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، كَانَ فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَنٌ فَإِنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ بِيعَ وَلَا يَأْكُلُهُ وَوَقَفَ ثَمَنَهُ كَمَا فِي عج.
[قَوْلُهُ: يَرْجُو التَّعْرِيفَ] أَيْ ثَمَرَةَ التَّعْرِيفِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي اُلْتُقِطَتْ فِيهِ وَتُعَرَّفُ بِالْبَلَدَيْنِ إنْ وُجِدَتْ بَيْنَهُمَا.
[قَوْلُهُ: وَأَبْوَابُ الْمَسَاجِدِ] لِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَكُونُ فِي نَفْسِ الْمَسْجِدِ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَإِذَا وُجِدَتْ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى أَهْلِ الشِّرْكِ فَالْأَفْضَلُ لَهُ دَفْعُهَا لِعَالِمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَإِنْ عَرَّفَهَا بِنَفْسِهِ لَمْ يَأْثَمْ.
[قَوْلُهُ: لَا يَذْكُرُ جِنْسَهَا] وَأَوْلَى النَّوْعُ وَلَا مَا يُؤَدِّي لِمَعْرِفَتِهَا.
تَنْبِيهٌ: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى التَّعْرِيفِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى الِالْتِقَاطِ وَحَاصِلُهُ إنْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ الِالْتِقَاطُ مُطْلَقًا، وَإِنْ شَكَّ فِيهَا كُرِهَ كَذَلِكَ، وَإِنْ عَلِمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ فَيَجِبُ إنْ خَافَ الْخَائِنَ وَإِلَّا كُرِهَ، وَفَائِدَةُ الْوُجُوبِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا أَوْ رَدَّهَا بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ وَضَاعَتْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا، وَفَائِدَةُ الْحُرْمَةِ أَنَّهُ إنْ أَخَذَهَا يَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ.
وَأَمَّا فِي الْمَكْرُوهِ فَلَا يَضْمَنُهَا بِتَرْكِهَا وَإِنَّمَا يَضْمَنُهَا إذَا أَخَذَهَا وَرَدَّهَا لِمَوْضِعِهَا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَضَاعَتْ.
وَلَوْ ضَاعَتْ عِنْدَ الْمُلْتَقِطِ زَمَنَ تَعْرِيفِهَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا إذَا تَعَدَّى أَوْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا كَمَا إذَا أَخَذَهَا لِيَتَمَلَّكَهَا فَإِنَّهُ يُخَاطَبُ بِضَمَانِهَا بِمُجَرَّدِ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا لِشَبَهِهِ بِالْغَاصِبِ، فَلَوْ تَنَازَعَ مَعَ رَبِّهَا بَعْدَ ضَيَاعِهَا أَوْ تَلَفِهَا بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ وَادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَهَا لِيُعَرِّفَهَا وَادَّعَى رَبُّهَا أَنَّهُ أَخَذَهَا بِقَصْدِ تَمَلُّكِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُلْتَقِطِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: سَنَةً] أَيْ أَوْ أَيَّامًا فِيمَا يُعَرَّفُ أَيَّامًا.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا] أَيْ بَعْدَ تِلْكَ الْمُدَّةِ مَحِلُّ التَّخْيِيرِ الْمَذْكُورِ إذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ غَيْرَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ بِيَدِهِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا حَبْسُهَا لِرَبِّهَا أَوْ بَيْعُهَا وَحَبْسُ ثَمَنِهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ لِرَبِّهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَدُّقُ وَلَا تَمَلُّكُهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ
وَالتَّصَدُّقِ بِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ التَّمْلِيكَ لِمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: نُصُوصُ الْمَذْهَبِ عَلَى مَرْجُوحِيَّةِ التَّمْلِيكِ، وَرُبَّمَا وَقَعَ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّمْلِيكِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا، وَفِي التَّوْضِيحِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا
(وَ) إذَا تَصَدَّقَ بِهَا (ضَمِنَهَا لِرَبِّهَا إنْ جَاءَ) وَإِنْ وَجَدَهَا قَائِمَةً أَخَذَهَا.
ق: أَجْمَلَ الْمُصَنَّفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ هَلْ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ صَاحِبِهَا، وَهَلْ وَجَدَهَا قَائِمَةً أَوْ فَائِتَةً، وَهَلْ وَجَدَهَا فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ أَوْ الْمِسْكِينِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ.
اُنْظُرْ بَقِيَّتَهُ فِي الْأَصْلِ (وَإِنْ انْتَفَعَ) الْمُلْتَقِطُ (بِهَا) أَيْ بِاللُّقَطَةِ (ضَمِنَهَا وَإِنْ هَلَكَتْ قَبْلَ السَّنَةِ أَوْ بَعْدَهَا بِغَيْرِ تَحْرِيكٍ) أَيْ تَعَدٍّ (لَمْ يَضْمَنْهَا) لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ عِنْدَهُ، مَفْهُومُهُ لَوْ تَعَدَّى عَلَيْهَا ضَمِنَهَا
(وَإِذَا عَرَفَ طَالِبُهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ (الْعِفَاصَ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَبِالْفَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْوِعَاءُ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ النَّفَقَةُ جِلْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (وَ) عَرَفَ (الْوِكَاءَ) بِالْمَدِّ وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الْوِعَاءُ (أَخَذَهَا) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَجْزَأَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْسَى الْآخَرَ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّ
[حاشية العدوي]
مَشَقَّةُ تَخْلِيصِ مَا فِي ذِمَّةِ الْإِمَامِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: مَرْجُوحِيَّةِ التَّمْلِيكِ] يَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ وَيَحْتَمِلُ خِلَافَ الْأَوْلَى قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْأَوَّلُ الَّذِي هُوَ الْكَرَاهَةُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَوْلُهُ: وَرُبَّمَا وَقَعَ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ أَيْ رُبَّمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمَنْعُ مِنْ التَّمْلِيكِ.
وَقَوْلُهُ: وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، فَظَهَرَ أَنَّ الْأَقْوَالَ ثَلَاثَةٌ: الْكَرَاهَةُ وَالْمَنْعُ وَالْإِبَاحَةُ، الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِهِ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ وَمِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ شَأْنُكَ بِهَا بَعْدَ السَّنَةِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا تَصَدَّقَ بِهَا] أَيْ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ رَبِّهَا ضَمِنَهَا لِرَبِّهَا إنْ جَاءَ أَيْ وَفَاتَتْ عَلَى مَا نُفَصِّلُ، فَنَقُولُ: حَاصِلُهُ أَنَّ رَبَّ اللُّقَطَةِ لَوْ جَاءَ وَوَجَدَهَا بِيَدِ الْمِسْكِينِ أَوْ مُبْتَاعٍ مِنْهُ فَلَهُ أَخْذُهَا وَلَهُ تَضْمِينُ الْمُلْتَقِطِ الْقِيمَةَ يَوْمَ التَّصَدُّقِ بِهَا هَذَا إذَا تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ دَخَلَهَا نَقْصٌ أَمْ لَا أَوْ عَنْ رَبِّهَا وَدَخَلَهَا نَقْصٌ مُفْسِدٌ لِأَنَّهُ بِتَصَدُّقِهِ بِهَا ضَمِنَهَا، وَأَمَّا عَنْ رَبِّهَا وَلَمْ يَدْخُلْهَا نَقْصٌ مُفْسِدٌ فَيَتَعَيَّنُ أَخْذُهَا، وَإِذَا أَخَذَ مِنْ الْمُلْتَقِطِ الْقِيمَةَ فَلِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمِسْكِينِ بِعَيْنِ اللُّقَطَةِ أَوْ بِمَا بَقِيَ مِنْهَا إلَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ الْمُلْتَقِطُ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمِسْكِينِ بِشَيْءٍ، وَأَمَّا لَوْ وَجَدَهَا فَأَتَتْ بِيَدِ الْمِسْكِينِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ الْمُلْتَقِطُ بِمَا غَرِمَهُ مِنْ قِيمَتِهَا لِرَبِّهَا، فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَإِنْ وَجَدَهَا قَائِمَةً أَيْ بِيَدِ الْمِسْكِينِ أَوْ بِيَدِ مَنْ اشْتَرَاهَا مِنْهُ أَخَذَهَا أَيْ يَتَعَيَّنُ أَخْذُهَا أَوْ لَهُ أَخْذُهَا، وَلَهُ أَخْذُ قِيمَتِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ.
[قَوْلُهُ: وَهَلْ وَجَدَهَا فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ] قَدْ عَلِمْت مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْكَلَامَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا خَرَجَتْ عَنْ يَدِ الْمُلْتَقِطِ كَمَا هُوَ مُفَادُ قَوْلِهِ: وَإِذَا تَصَدَّقَ أَيْ خَرَجَتْ مِنْ يَدِهِ فَتَأَمَّلْ تَفْهَمْ، وَأَمَّا لَوْ وَجَدَهَا بِيَدِهِ الْمُلْتَقِطِ فَتَارَةً يَجِدُهَا بِحَالِهَا وَتَارَةً يَجِدُهَا تَغَيَّرَتْ بِنَقْصٍ وَتَارَةً يَجِدُهَا فَاتَتْ.
وَحَاصِلُهَا أَنَّهُ إذَا نَوَى تَمَلُّكَهَا بَعْدَ السَّنَةِ ثُمَّ وَجَدَهَا نَاقِصَةً بِغَيْرِ سَمَاوِيٍّ أَيْ بِاسْتِعْمَالِ الْمُلْتَقِطِ فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا أَوْ قِيمَتِهَا يَوْمَ نَوَى التَّمَلُّكَ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَخْذُهَا كَمَا إذَا كَانَتْ بَاقِيَةً بِحَالِهَا، فَإِنْ نَوَى التَّمَلُّكَ قَبْلَ السَّنَةِ فَهُوَ كَالْغَاصِبِ يَضْمَنُ السَّمَاوِيَّ، وَأَمَّا لَوْ نَقَصَتْ قَبْلَ نِيَّةِ التَّمَلُّكِ وَقَبْلَ السَّنَةِ أَوْ بَعْدَ السَّنَةِ وَقَبْلَ نِيَّةِ التَّمَلُّكِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَخْذُهَا فَقَطْ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ نَقَصَتْ بِسَبَبِ اسْتِعْمَالِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ انْتَفَعَ الْمُلْتَقِطُ بِهَا] أَيْ فِي غَيْرِ رُكُوبِهَا لِمَوْضِعِهِ وَتَلِفَتْ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَحْصُلْ تَلَفٌ فَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ كِرَاؤُهَا لِمَالِكِهَا إنْ كَانَ مِثْلُهُ يَكْرِي الدَّوَابَّ.
وَقَوْلُنَا: أَيْ فِي غَيْرِ رُكُوبِهَا لِمَوْضِعِهِ وَأَمَّا رُكُوبُهَا مِنْ مَوْضِعِ الِالْتِقَاطِ إلَى مَنْزِلِهِ فَيَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ أَوْ يَتَعَسَّرْ قَوْدُهَا عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ تُدْرِكْ.
[قَوْلُهُ: أَيْ تَعَدٍّ] أَيْ وَأَمَّا لَوْ تَعَدَّى فَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ انْتَفَعَ وَفَسَّرَ التَّحْرِيكَ بِالتَّعَدِّي إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مُطْلَقَ تَحْرِيكٍ إذْ قَدْ يَكُونُ التَّحْرِيكُ مَأْذُونًا فِيهِ لِلْعَلَفِ.
[قَوْلُهُ: بَلْ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَجْزَأَهُ] أَيْ أَنَّهُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَإِنَّهَا تُدْفَعُ لَهُ بَعْدَ الِاسْتِينَاءِ مُدَّةً بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَلَا تُدْفَعُ لَهُ عَاجِلًا.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ: لِأَنَّهُ قَدْ يَنْسَى الْآخَرَ أَيْ وَقَدْ لَا يَنْسَاهُ وَيُكْتَفَى بِذِكْرٍ وَاحِدٍ فَيُعْطَى حُكْمَهُ مِنْ كَوْنِهَا تُدْفَعُ لَهُ بَعْدَ
الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ عَدَدِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَصْبَغَ، وَاعْتَبَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ.
وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُفْتَقَرُ إلَى يَمِينٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَغَلَّةُ اللُّقَطَةِ فِي مُدَّةِ التَّعْرِيفِ لِلْمُلْتَقِطِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: إنِّي وَجَدْت شَاةً فَقَالَتْ لَهَا: عَرِّفِي وَاعْلِفِي وَاحْلِبِي وَاشْرَبِي
(وَلَا يَأْخُذُ الرَّجُلُ ضَالَّةَ الْإِبِلِ مِنْ الصَّحْرَاءِ) ع: هَذَا إذَا كَانَتْ مَأْمُونَةً مِنْ السِّبَاعِ وَاللُّصُوصِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، أَمَّا إذَا كَانَتْ حَيْثُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ، وَقِيلَ: لَا يَأْخُذُهَا مُطْلَقًا انْتَهَى.
وَقَالَ ج: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَلْتَقِطُهَا إذَا وَجَدَهَا فِي الصَّحْرَاءِ وَهُوَ وَاضِحٌ لِأَنَّ وُجُودَ رَبِّهَا فِي غَيْرِ الصَّحْرَاءِ أَسْهَلُ فَلْيَلْتَقِطْهَا لِيَحْفَظَهَا لَهُ حَتَّى يَجِدَهُ عَنْ قَرِيبٍ بِخِلَافِ مَا إذَا وَجَدَهَا فِي الصَّحْرَاءِ فَلَا يَتَأَتَّى لَهُ مَعْرِفَةُ رَبِّهَا إذَا نَقَلَهَا إلَى الْعِمَارَةِ (وَلَهُ) أَيْ لِلرَّجُلِ (أَخْذُ الشَّاةِ وَأَكْلُهَا إنْ كَانَتْ بِفَيْفَاءَ) وَهِيَ الصَّحْرَاءُ الَّتِي (لَا عِمَارَةَ فِيهَا) وَكَانَ يَعْسُرُ حَمْلُهَا إلَى الْعِمَارَةِ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ مَالِكٌ.
[حاشية العدوي]
الِاسْتِينَاءِ، فَإِنْ أَثْبَتَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ مِنْهُ أَخَذَهَا، وَأَمَّا إذَا وَصَفَ اثْنَيْنِ فَلَا يَسْتَأْنِي بِهَا وَتُدْفَعُ لَهُ عَاجِلًا، وَأَمَّا لَوْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَغَلِطَ فِي الْوِكَاءِ أَوْ عَكْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي وَلَا تُدْفَعُ لَهُ [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا تُشْتَرَطُ] أَيْ أَنَّ مَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَجَهِلَ عَدَدَهَا فَلَا يَضُرُّ وَتُدْفَعُ لَهُ كَمَا فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، بَلْ لَوْ عَرَّفَ أَحَدَهُمَا وَجَهِلَ الْعَدَدَ فَإِنَّهَا تُعْطَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا إذَا أَخْبَرَ بِالزِّيَادَةِ لَا يَضُرُّ وَفِي غَلَطِهِ بِالنَّقْصِ قَوْلَانِ.
وَفِي غَلَطِهِ فِي صِفَةِ الدَّنَانِيرِ لَا شَيْءَ لَهُ بِلَا خِلَافٍ بِأَنْ قَالَ مُحَمَّدِيَّةٌ فَإِذَا هِيَ يَزِيدِيَّةٌ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَصْبَغَ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى يَمِينٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ] أَيْ أَنَّ مَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ فَقَطْ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا بِلَا يَمِينٍ، وَمِنْ بَابٍ أَوْلَى إذَا عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَالْعَدَدَ فَإِنَّهَا تُدْفَعُ لَهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، وَأَوْلَى إذَا قَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ قَوْلُ أَشْهَبَ: لَا بُدَّ مِنْ يَمِينٍ وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ الْعُرْفُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فَإِنْ قُلْنَا: كَالشَّاهِدَيْنِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى يَمِينٍ، وَإِنْ قُلْنَا كَالشَّاهِدِ فَيُحْتَاجُ مَعَهُ لِيَمِينٍ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ.
وَلَوْ عَرَّفَ إنْسَانٌ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَرَّفَ الْآخَرُ عَدَدَهَا وَوَزْنَهَا فَإِنَّهَا تُعْطَى لِمَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ بَعْدَ يَمِينِهِ، وَيُقْضَى لِمَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْعَدَدَ عَلَى مَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ بِيَمِينٍ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ عَرَّفَ أَوْصَافًا يَقْوَى بِهَا الظَّنُّ عَلَى مَنْ عَرَّفَ أَوْصَافًا يَحْصُلُ بِهَا ظَنٌّ دُونَهُ بِيَمِينٍ، وَكَذَا يُقْضَى لِمَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَحْدَهُ بِيَمِينٍ عَلَى مَنْ عَرَّفَ الْعَدَدَ وَالْوَزْنَ وَلَوْ وَصَفَهَا ثَانٍ مِثْلَ الْأَوَّلِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ يَنْفَصِلْ بِهَا حَلَفَا وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ مَا لَوْ انْفَصَلَ بِهَا انْفِصَالًا بَيِّنًا بِحَيْثُ يُمْكِنُ وُصُولُ الْعِلْمِ لِلثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ فَإِنَّهَا تَكُونُ لِلْأَوَّلِ.
[قَوْلُهُ: وَغَلَّةُ اللُّقَطَةِ إلَخْ] أَيْ مِنْ لَبَنٍ وَجُبْنٍ وَسَمْنٍ وَزُبْدٍ، وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ وَلَوْ زَادَتْ الْغَلَّةُ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِرِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ، وَقَيَّدَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّ لَهُ قَدْرَ قِيَامِهِ وَالزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ لُقَطَةٌ بِخِلَافِ صُوفِهَا كَانَ تَامًّا أَوْ لَا وَنَسْلُهَا وَمَا زَادَ مِنْ كِرَائِهَا عَلَى عَلَفِهَا فَهُوَ لِرَبِّهَا، فَلَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا وَلَا غَلَّةَ لَهَا فَإِنَّ صَاحِبَهَا يُخَيَّرُ فِي أَخْذِهَا وَدَفْعِ نَفَقَتِهَا وَلَهُ تَسْلِيمُهَا لِلْمُلْتَقِطِ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ زَادَتْ عَلَى قِيمَتِهَا لِأَنَّ رَبَّهَا لَا يَلْزَمُهُ الزَّائِدُ عَلَى قِيمَتِهَا وَلَوْ ظَهَرَ عَلَى صَاحِبِهَا دَيْنٌ لَقُدِّمَ الْمُلْتَقِطُ بِنَفَقَتِهِ عَلَى ذِي الدَّيْنِ كَالْمُرْتَهِنِ.
[قَوْلُهُ: هَذَا إذَا كَانَتْ] مُحَصَّلُ كَلَامِهِ عَلَى مَا فِي الشَّارِحِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ قَوْلَيْنِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُطْلَقٌ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهَا وَلَا يُرَاعِي خَوْفَ هَلَاكِهَا مِنْ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ سِبَاعٍ، وَمَا إذَا خَافَ الْخَائِنَ فَإِنَّهُ يَلْتَقِطُهَا وُجُوبًا، فَإِنْ الْتَقَطَهَا فِي حَالَةِ كَوْنِهِ لَمْ يَخَفْ الْخَائِنَ فَإِنَّهُ يُعَرِّفُهَا سَنَةً ثُمَّ يَتْرُكُهَا بِمَحِلِّهَا.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ وَاضِحٌ] خِلَافًا لِمَنْ قَالَ التَّقْيِيدُ بِالصَّحْرَاءِ بِالنَّظَرِ لِلْغَائِبِ، وَلَا يَلْحَقُ بِضَالَّةِ الْإِبِلِ الْخَيْلُ وَالْحَمِيرُ بَلْ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي اللُّقَطَةِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَتَأَتَّى إلَخْ] تَعْلِيلٌ أَيْ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى لَهُ.
[قَوْلُهُ: وَكَانَ يَعْسُرُ حَمْلُهَا] لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ لَوْ تَيَسَّرَ حَمْلُهَا لَلْعُمْرَانِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَكَلَهَا فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ الْعُمْرَانِ لَكِنْ إنْ
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا تَبَرَّعَ بِهِ فِي الْبَابِ فَقَالَ: (وَمَنْ اسْتَهْلَكَ عَرْضًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَهْلَكَهُ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، إذْ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ سَوَاءٌ.
وَظَاهِرُهُ طَائِعًا كَانَ أَوْ مُكْرَهًا، عَبْدًا كَانَ أَوْ حُرًّا وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ مَا اسْتَهْلَكَهُ الْحُرُّ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ سَوَاءٌ اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ أَمْ لَا، وَالْعَبْدُ يَضْمَنُ مَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ كَالْحُرِّ وَمَا لَمْ يُؤْتَمَنْ عَلَيْهِ فِي رَقَبَتِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ بَالِغًا أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ، وَسَوَاءٌ بَاشَرَ الِاسْتِهْلَاكَ أَوْ تَسَبَّبَ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَهُ ق. (وَكُلُّ مَا يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ) أَوْ يُعَدُّ مِمَّا لَا تَخْتَلِفُ آحَادُهُ كَالْبَيْضِ (فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ) فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَهْلَكَهُ فِيهِ هَذَا إذَا عُرِفَتْ مَكِيلَتُهُ أَوْ وَزْنُهُ، أَمَّا إذَا اُسْتُهْلِكَ جُزَافًا فَإِنَّهُ يَغْرَمُ لَهُ قِيمَةَ الصُّبْرَةِ بَعْدَ وَصْفِهَا يَوْمَ اسْتَهْلَكَهَا، وَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ حَسَنَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي الْأَصْلِ مِنْهَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ أَنَّ مَنْ اسْتَهْلَكَ لِرَجُلٍ طَعَامًا فِي زَمَنِ الشِّدَّةِ وَطَالَبَهُ بِهِ فِي زَمَنِ الرَّخَاءِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إلَّا مِثْلَهُ دُونَ قِيمَتِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمِنْهَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: تَعَدَّى أَنَّ مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي فِعْلِ شَيْءٍ وَأَفْسَدَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَالْبَيْطَارِ فِي حَالِ عِلَاجِهِ، وَالطَّبِيبِ فِي حَالِ
[حاشية العدوي]
حَمَلَهَا مُذَكَّاةً أَوْ طَعَامًا وَوَجَدَهُ بِفَيْفَاءَ إلَى الْعُمْرَانِ وَوَجَدَهُ رَبُّهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَيَدْفَعُ لَهُ أُجْرَةَ حَمْلِهِ، فَإِنْ أَتَى بِهِ حَيَّةً إلَى الْعُمْرَانِ فَعَلَيْهِ تَعْرِيفُهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ كَاللُّقَطَةِ كَمَا إذَا وَجَدَهَا بِقُرْبِ الْعِمَارَةِ أَوْ اخْتَلَطَتْ بِغَنَمِهِ فِي الْمَرْعَى، وَسَكَتَ عَنْ الْبَقَرِ وَحُكْمُهُ إذَا كَانَتْ بِفَيْفَاءَ وَخَافَ عَلَيْهَا السِّبَاعَ أَوْ الْجُوعَ أَوْ الْعَطَشَ أَوْ النَّاسَ فَلَهُ أَكْلُهَا عِنْدَ تَعَسُّرِ حَمْلِهَا، وَأَمَّا لَوْ تَيَسَّرَ سَوْقُهَا لِلْحَاضِرَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَكْلُهَا فَإِنْ كَانَتْ بِمَحِلِّ أَمْنٍ فِي الْفَيْفَاءِ تُرِكَتْ بِهَا فَإِنْ أَخَذَهَا وَجَبَ تَعْرِيفُهَا، وَأَمَّا الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالشَّاةُ الْمَوْجُودَةُ لَلْعُمْرَانِ فَيَجِبُ الْتِقَاطُهَا عِنْدَ خَوْفِ الْخَائِنِ كَالْخَيْلِ وَنَحْوِهَا.
[قَوْلُهُ: عَرْضًا] الْمُرَادُ بِهِ شَيْئًا غَيْرَ الْمِثْلِيِّ.
[قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا حَكَى الْبَاجِيُّ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّ لَهُ قَوْلًا بِأَنَّ جَمِيعَ الْمُتْلَفَاتِ مِثْلِيَّةٌ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ.
[قَوْلُهُ: طَائِعًا كَانَ أَوْ مُكْرَهًا] لِأَنَّ الضَّمَانَ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَا اسْتَهْلَكَهُ الْحُرُّ] أَيْ الرَّشِيدُ [قَوْلُهُ: وَالْعَبْدُ يَضْمَنُ مَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ] أَيْ الْبَالِغُ أَيْ وَكَذَا الْمَأْذُونُ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَالْمُؤْمَنَ فَإِنَّهُمَا يَضْمَنَانِ لَهُ فِي ذِمَّتِهِمَا يُتْبَعَانِ إنْ عَتَقَا [قَوْلُهُ: وَمَا لَمْ يُؤْتَمَنْ عَلَيْهِ] أَيْ وَهُوَ غَيْرُ مَأْذُونٍ [قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ كَانَ] تَعْمِيمٌ كَاَلَّذِي بَعْدَهُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا أَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ وَمِثْلُهُ الْبَالِغُ السَّفِيهُ مَحِلُّ ضَمَانِهِمَا إذَا لَمْ يُؤْمَنَا عَلَى مَا أَتْلَفَاهُ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا إلَّا أَنْ يَصُونَا بِهِ مَا لَهُمَا فَيَضْمَنَانِ فِي الْمَصُونِ فَقَطْ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ الْأَقَلَّ مِنْهُ وَمِمَّا صُونَ بِهِ مَالُهُ وَلَا فَرْقَ فِي الصَّبِيِّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا أَمْ لَا إلَّا ابْنَ شَهْرٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَالْعَجْمَاءِ فِي فِعْلِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا فَلَا يُتْبَعُ بِالثَّمَنِ فِي ذِمَّتِهِ أَيْ فَإِذَا أَفَادَ مَالًا لَمْ يَضْمَنْ فِيهِ بَعْدُ، وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَأْمِينُهُ وَالْمَنْقُولُ فِيمَا يُتْلِفُهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَالَ فِي مَالِهِ وَالدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا هَدَرٌ.
وَالثَّالِثُ: الْمَالُ هَدَرٌ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ تَسَبَّبَ] كَمَا إذَا ضَرَبَ دَابَّةً فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا بِسَبَبِهِ.
[قَوْلُهُ: مِمَّا لَا تَخْتَلِفُ آحَادُهُ] أَيْ وَأَمَّا مَا اخْتَلَفَتْ آحَادُهُ كَالْعَبِيدِ وَالثِّيَابِ فَفِيهِ الْقِيمَةُ.
[قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ] هَذَا إنْ وُجِدَ لَهُ مِثْلٌ، أَمَّا إنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مِثْلٌ وَعُرِفَ لَهُ مِثْلٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَصْبِرُ إلَى أَوَانِهِ وَيَأْخُذُ مِثْلَهُ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
[قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَهْلَكَهُ فِيهِ] أَيْ فَإِذَا أَتْلَفَ لَهُ مِثْلِيًّا ثُمَّ وَجَدَهُ بِغَيْرِ بَلَدِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ مِثْلَ مِثْلِيِّهِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ بَلْ يَصِيرُ إلَى بَلَدِ الْمُتْلَفِ فَيُوَفِّيهِ الْمِثْلَ فِيهَا، بَلْ لَوْ غَصَبَ مِنْهُ مِثْلِيًّا ثُمَّ وَجَدَهُ مَعَهُ بِعَيْنِهِ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى فَإِنَّهُ يَصْبِرُ إلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ مِثْلَهُ فِي بَلَدِ الْغَصْبِ
[قَوْلُهُ: إذَا عُرِفَتْ مَكِيلَتُهُ] أَيْ أَوْ عَدَدُهُ
[قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا اُسْتُهْلِكَ جُزَافًا] وَهُوَ مَا جُهِلَ كَيْلُهُ أَوْ وَزْنُهُ أَوْ عَدَدُهُ
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَغْرَمُ لَهُ قِيمَةَ الصُّبْرَةِ] أَيْ لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ مِثْلِهِ لِأَنَّ الْجُزَافَ كَالْمُقَوَّمِ الْوَاجِبِ عَلَى مُتْلِفِهِ قِيمَتُهُ بَعْدَ تَحَرِّيهِ حَيْثُ كَانَ مُتْلِفُهُ غَيْرَ مَالِكِهِ، وَأَمَّا الْمَالِكُ يَبِيعُ صُبْرَةً عَلَى الْكَيْلِ ثُمَّ يُتْلِفُهَا قَبْلَ كَيْلِهَا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُهَا لِيُوفِيَهُ لِلْمُشْتَرِي.
[قَوْلُهُ: إنَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ فِي فِعْلِ شَيْءٍ وَأَفْسَدَهُ] حَيْثُ كَانَ الْمَالِكُ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ إذْنُهُ بِأَنْ كَانَ رَشِيدًا وَإِلَّا ضَمِنَ
[قَوْلُهُ:
طِبِّهِ، وَالْمُؤَدِّبِ إذَا ضَرَبَ ضَرْبًا يَجُوزُ لَهُ وَنَشَأَ مِنْهُ فَسَادٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي إذَا حَدَّ حَدًّا وَنَشَأَ مِنْهُ فَسَادٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا خَتَمَ بِهِ التَّرْجَمَةَ وَهُوَ الْغَصْبُ، وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ أَخْذُ مَالٍ قَهْرًا تَعَدِّيًا بِلَا حِرَابَةٍ، وَحُكْمُهُ الْحُرْمَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحَيْنِ: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» . وَالْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ.
وَمِنْ أَحْكَامِهِ الضَّمَانُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَالْغَاصِبُ ضَامِنٌ لِمَا غَصَبَ) الْقَرَافِيُّ: وَهُوَ أَيْ الْغَاصِبُ كُلُّ آدَمِيٍّ يَتَنَاوَلُهُ عَقْدُ الْإِسْلَامِ أَوْ الذِّمَّةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ» وَهُوَ عَامٌّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الضَّمَانَ يُعْتَبَرُ حَالَةَ الْغَصْبِ إنْ فَاتَ الْمَغْصُوبُ (فَإِنْ) لَمْ يَفُتْ (رَدَّ) الْغَاصِبُ (ذَلِكَ) الْمَغْصُوبَ (بِحَالِهِ) إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي بَدَنِهِ وَلَمْ تَحِلَّ أَسْوَاقُهُ (فَلَا شَيْءَ) أَيْ لَا قِيمَةَ (عَلَيْهِ) وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْأَدَبُ وَالتَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ
[حاشية العدوي]
كَالْبَيْطَارِ] أَيْ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ حَيْثُ فَعَلَ كُلَّ الْمَطْلُوبِ مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ [قَوْلُهُ: فِي حَالِ عِلَاجِهِ] احْتِرَازًا عَمَّا إذَا كَانَ فِي غَيْرِ حَالِ عِلَاجِهِ فَهُوَ مَحْضُ تَعَدٍّ فَتَأَمَّلْ
[الْغَصْب وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ]
[قَوْلُهُ: وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ] وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَهُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا
[قَوْلُهُ: أَخْذُ مَالٍ] مُخْرِجٌ لِأَخْذِ الْحُرِّ وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ، أَيْ أَخْذُ آدَمِيٍّ مَالًا لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي الْآدَمِيِّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ عَقْدُ الْإِسْلَامِ أَوْ الذِّمَّةِ وَقَوْلُهُ: قَهْرًا حَالَ مُقَارَنَةٍ مُخْرِجٌ لِلْخِيَانَةِ وَالِاخْتِلَاسِ أَيْضًا لِأَنَّ الْقَهْرَ فِيهِمَا إنَّمَا يَحْصُلُ بَعْدُ لَا حَالَ الْأَخْذِ، وَالْخَائِنُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي جَهْرَةً وَيَذْهَبُ جَهْرَةً، وَالْمُخْتَلِسُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي خُفْيَةً وَيَذْهَبُ جَهْرَةً.
وَقَوْلُهُ: تَعَدِّيًا أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا أَخَذَ مَالَهُ مِنْ الْمُحَارِبِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ قَهْرًا لَكِنَّهُ لَيْسَ تَعَدِّيًا، وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْقُيُودُ تَشْمَلُ الْحِرَابَةَ وَتَنْطَبِقُ عَلَيْهَا أَخْرَجَهَا لِأَنَّهَا أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْفَوْتُ فَافْتَرَقَا إلَخْ.
أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ يَصْدُقُ عَلَى أَخْذِ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فَيَكُونُ غَيْرَ مَانِعٍ لِأَنَّ أَخْذَهَا يُقَالُ لَهُ تَعَدٍّ لَا غَصْبٌ.
[قَوْلُهُ: وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ] أَيْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]
[قَوْلُهُ: يُطَوَّقُهُ] أَيْ بِأَنْ تَمْتَدَّ عُنُقُهُ حَتَّى يُسْلَكَ فِيهَا.
وَقَوْلُهُ: مِنْ سَبْعٍ لِأَنَّ غَصْبَ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ الْعُلْيَا غَصْبٌ لِمَا حَاذَاهُ مِمَّا تَحْتَهَا
[قَوْلُهُ: أَرَضِينَ] بِفَتْحِ الرَّاءِ وَقَدْ تُسَكَّنُ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتُجْعَلُ الْأَرْضُ فِي عُنُقِهِ كَالطَّوْقِ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ شَارِحُ الْجَامِعِ
[قَوْلُهُ: وَالْغَاصِبُ ضَامِنٌ إلَخْ] أَيْ آيِلٌ لِلضَّمَانِ لَا أَنَّهُ ضَامِنٌ بِالْفِعْلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ، فَإِنْ رَدَّ.
[قَوْلُهُ: كُلُّ آدَمِيٍّ يَتَنَاوَلُهُ عَقْدُ الْإِسْلَامِ أَوْ الذِّمَّةِ] خَرَجَ أَخْذُ الْحَرْبِيِّ مَالَ الْمُسْلِمِ قَهْرًا فَلَا يُقَالُ لَهُ غَصْبٌ شَرْعًا.
[قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ] دَلِيلٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْغَاصِبُ ضَامِنٌ لِمَا غَصَبَ، وَقَوْلُهُ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْهُ أَيْ أَخَذَتْهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَمُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ أَيْ مُلْزَمَةٌ بِدَفْعِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا أَوْ قِيمَتِهِ أَوْ مِثْلِهِ إنْ فَاتَ وَالْمُرَادُ ذِي الْيَدِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ عَامٌّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ] أَيْ مِنْ كُلِّ آدَمِيٍّ تَنَاوَلَهُ إلَخْ
[قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الضَّمَانَ يُعْتَبَرُ حَالَةَ الْغَصْبِ] وَمُقَابِلُهُ مَا لِأَشْهَبَ وَابْنِ وَهْبٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ يَضْمَنُ بِالْأَكْثَرِ مِنْ يَوْمِ الْغَصْبِ إلَى يَوْمِ التَّلَفِ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ زَمَنٍ غَاصِبٌ
[قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَفُتْ رُدَّ إلَخْ] تَقْدِيرُهُ لَمْ يَفُتْ يَقْتَضِي أَنَّ الشَّرْطَ مَحْذُوفٌ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: رُدَّ هُوَ الْجَوَابُ وَحِينَئِذٍ يَخْلُو قَوْلُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا فَلَعَلَّ الشَّارِحَ لَاحَظَ عَاطِفًا مَحْذُوفًا أَيْ فَإِنْ لَمْ يَفُتْ وَرُدَّ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ تَحِلَّ أَسْوَاقُهُ] الْمُعْتَمَدُ أَنَّ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ لَا تُعْتَبَرُ فَهِيَ كَالْعَدَمِ فَلَا يَأْخُذُ رَبُّ السِّلْعَةِ إلَّا سِلْعَتَهُ
مِنْ إثْمِ الِاغْتِصَابِ
(وَإِنْ تَغَيَّرَ) الْمَغْصُوبُ بِنَقْصٍ فِي ذَاتِهِ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ حَالَةَ كَوْنِهِ (فِي يَدَيْهِ) أَيْ يَدَيْ الْغَاصِبِ (فَرَبُّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهِ بِنَقْصِهِ) مِنْ غَيْرِ أَرْشِ الْعَيْبِ (أَوْ تَضْمِينِهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (الْقِيمَةَ) يَوْمَ الْغَصْبِ، ظَاهِرُهُ وَإِنْ تَغَيَّرَ سُوقُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ (وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ) فِي الْمَغْصُوبِ (بِتَعَدِّيهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (خُيِّرَ) الْمَغْصُوبُ مِنْهُ (أَيْضًا فِي أَخْذِهِ وَأَخْذِ) أَيْ مَعَ أَخْذِ (مَا نَقَصَهُ) ك: أَوْ تَضْمِينِهِ الْقِيمَةَ يَوْمَ التَّعَدِّي.
وَقَالَ ج: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ بَابِ التَّعَدِّي لَا مِنْ بَابِ الْغَصْبِ، وَيَعْنِي أَنَّ مَنْ خَرَقَ ثَوْبًا مَثَلًا فَأَفْسَدَهُ إفْسَادًا كَثِيرًا أَنَّ رَبَّهُ مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِهِ وَأَخْذِ مَا نَقَصَهُ أَوْ أَخْذِ الْقِيمَةِ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَعَنْ أَشْهَبَ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: إنَّمَا لَهُ أَخْذُ الْقِيمَةِ أَوْ أَخْذُهُ نَاقِصًا وَلَا شَيْءَ لَهُ مَعَهُ، وَإِلَى هَذَا الْخِلَافِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ) ك: فِي بَعْضِ النَّسْخِ أَيْضًا وَهُوَ وَهَمٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْكِ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَهُنَا تَمَّ الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ مَا إذَا حَصَلَ فِي الْمَغْصُوبِ نَقْصٌ، وَأَمَّا إذَا حَصَلَ فِيهِ زِيَادَةٌ فَلَمْ يَذْكُرْهُ مِثَالُهُ أَنْ يَغْصِبَ ثَوْبًا فَيَصْبُغُهُ فَرَبُّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْغَصْبِ وَبَيْنَ أَخْذِ
[حاشية العدوي]
فَقَطْ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ
[قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْأَدَبُ] بِمَعْنَى أَنَّ الْغَاصِبَ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ تَأْدِيبُهُ وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا وَيُسْجَنُ لِحَقِّ اللَّهِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَأَدَبُ الصَّبِيِّ لِأَجْلِ الْفَسَادِ فَقَطْ لَا لِأَجْلِ التَّحْرِيمِ، كَمَا يُؤَدَّبُ عَلَى الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ تَهْذِيبًا لِلْأَخْلَاقِ، وَيُؤَدَّبُ الْغَاصِبُ وَلَوْ عَفَا عَنْهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ دَفْعًا لِلْفَسَادِ.
[قَوْلُهُ: وَالِاسْتِغْفَارُ] عَطْفُ مُرَادِفٍ إذْ الْفُقَهَاءُ إذَا أَطْلَقُوا الِاسْتِغْفَارَ مُرَادُهُمْ التَّوْبَةُ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ تَغَيَّرَ الْمَغْصُوبُ] أَيْ تَعَيَّبَ وَقَوْلُهُ: الْمَغْصُوبُ أَيْ الْمُقَوَّمُ قَالَهُ عج، أَيْ إذَا تَعَيَّبَ الْمَغْصُوبُ عِنْدَ الْغَاصِبِ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا كَمَا إذَا غَصَبَ أَمَةً قَائِمَةَ الثَّدْيَيْنِ فَانْكَسَرَا عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
وَقَوْلُ عج: أَيْ الْمُقَوَّمُ احْتِرَازًا مِنْ الْمِثْلِيِّ فَإِنَّهُ إذَا عَيَّبَهُ وَمِثْلُهُ إذَا أَتْلَفَهُ فَإِنْ يَضْمَنْ مِثْلَهُ وَلَوْ كَانَ الْمِثْلِيُّ وَقْتَ الْغَصْبِ غَالِيًا وَوَقْتَ الْقَضَاءِ بِهِ رَخِيصًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمِثْلِيُّ الْمَغْصُوبُ مَوْجُودًا وَأَرَادَ بِهِ أَخْذَهُ وَأَرَادَ الْغَاصِبُ إعْطَاءَ مِثْلِهِ فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ تَضْمِينُهُ] أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ لِأَنَّ خُيِّرَ مِنْ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ الَّتِي لَا تَكُونُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ وَإِنْ تَغَيَّرَ] أَيْ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ التَّغَيُّرَ مُوجِبٌ لِذَلِكَ التَّخْيِيرِ، وَلَوْ كَانَ تَغَيُّرُ سُوقٍ إلَخْ قَدْ سَبَقَ أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ تَغَيُّرَ السُّوقِ لَغْوٌ
[قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ فِي الْمَغْصُوبِ بِتَعَدِّيهِ] يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا كَأَنْ قَطَعَ يَدَهُ.
وَقَوْلُهُ: بِتَعَدِّيهِ أَيْ الْغَاصِبِ أَيْ بِفِعْلِهِ وَلَوْ خَطَأً لِأَنَّهُ كَالْعَمْدِ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ احْتِرَازًا مِنْ تَعَدِّي الْأَجْنَبِيِّ فَإِنَّ رَبَّ الشَّيْءِ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَضْمَنَ الْغَاصِبُ الْقِيمَةَ وَيَتْبَعَ الْغَاصِبُ الْجَانِيَ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ يَأْخُذَ شَيْأَهُ، وَيَتْبَعَ الْجَانِيَ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ شَيْؤُهُ وَاتِّبَاعُ الْغَاصِبِ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ.
[قَوْلُهُ: يَوْمَ التَّعَدِّي] أَرَادَ بِهِ الْغَصْبَ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي الْغَصْبِ لَا فِي التَّعَدِّي
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ج هَذِهِ إلَخْ] قَالَ تت: وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي بِتَعَدِّيهِ لِلْغَاصِبِ كَمَا قَرَّرْنَا، وَعَلَى مَا ذَكَرَ يَعُودُ عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ اهـ.
[قَوْلُهُ: أَنَّ مَنْ خَرَقَ ثَوْبًا مَثَلًا] وَمِنْ ذَلِكَ إذَا قَطَعَ ذَنَبَ دَابَّةٍ شَخْصٌ ذُو هَيْئَةٍ وَمُرُوءَةٍ كَقَاضٍ أَوْ أَمِيرٍ أَوْ قَطَعَ أُذُنَهَا أَوْ قَطَعَ طَيْلَسَانَهُ فَيُخَيَّرُ رَبُّهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ: بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهُ يَوْمَ التَّعَدِّي أَوْ يَأْخُذَ مَتَاعَهُ وَمَا نَقَصَ.
[قَوْلُهُ: إفْسَادًا كَثِيرًا إلَخْ] هُوَ مَا أَفَاتَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: فِي أَخْذِهِ وَأَخْذِ إلَخْ] أَيْ فَإِذَا قِيلَ قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ يُقَالُ: مَا قِيمَتُهُ مَعِيبًا بِمَا أَحْدَثَهُ الْمُتَعَدِّي؟ فَيُقَالُ: ثَمَانِيَةٌ فَيَأْخُذُ مِنْ الْمُتَعَدِّي دِرْهَمَيْنِ أَوْ يَأْخُذُ قِيمَتَهُ وَيَتْرُكُهُ لِلْمُتَعَدِّي.
[قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْيَسِيرِ] أَيْ فَإِنَّ الْيَسِيرَ فِي بَابِ التَّعَدِّي لَا يُوجِبُ تَخْيِيرًا إنَّمَا لِرَبِّهِ أَخْذُ أَرْشِ النَّقْصِ الْحَاصِلِ، وَأَمَّا الْيَسِيرُ فِي بَابِ الْغَصْبِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ لِرَبِّهِ أَخْذَ الْقِيمَةِ إنْ شَاءَ وَالْيَسِيرُ هُوَ الَّذِي لَمْ يُفِتْ الْمَقْصُودَ مِنْهُ كَمَا إذَا تَعَدَّى عَلَى بَقَرَةٍ شَخْصٌ فَفَعَلَ بِهَا فِعْلًا أَذْهَبَ بِهِ لَبَنَهَا لِأَنَّ الْبَقَرَةَ تُرَادُ لِغَيْرِ اللَّبَنِ.
[قَوْلُهُ: وَعَنْ أَشْهَبَ إلَخْ] ضَعِيفٌ وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ وَهَمٌ] أَيْ لَفْظٌ أَيْضًا وَهَمٌ بِفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ غَلَطٌ
[قَوْلُهُ: إذَا حَصَلَ فِيهِ زِيَادَةٌ] أَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَا زِيَادَةٌ وَلَا نَقْصٌ، وَأَمَّا لَوْ نَقَصَهُ الصَّبْغُ فَإِنَّهُ يَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعَيْبِ السَّمَاوِيِّ فَيُخَيَّرُ رَبُّهُ بَيْنَ أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ دَفْعِ شَيْءٍ وَبَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهِ سَالِمًا مِنْ هَذَا
الثَّوْبِ، ثُمَّ إذَا أَخَذَهُ دَفَعَ لِلْغَاصِبِ قِيمَةَ الصَّبْغِ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ
. ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ غَلَّةَ الْمَغْصُوبِ لِمَنْ هِيَ فَقَالَ: (وَلَا غَلَّةَ لِلْغَاصِبِ وَيَرُدُّ مَا أَكَلَ مِنْ غَلَّةٍ أَوْ انْتَفَعَ) ظَاهِرُهُ وُجُوبُ رَدِّ الْغَلَّةِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْمَغْصُوبُ رَبْعًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ رَقِيقًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ وَابْنِ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ ك: وَظَاهِرُ الْكِتَابِ اخْتِصَاصُ الضَّمَانِ بَغْلَةِ الرِّبَاعِ دُونَ الرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ ق: قَالَ فِي الْكِتَابِ: يَرُدُّ الْغَاصِبُ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ مِنْ ثَمَرَةٍ أَوْ نَسْلِ حَيَوَانٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ لَبَنٍ، فَإِنْ أَكَلَهُ فَمِثْلُهُ أَوْ قِيمَتُهُ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (الْحَدُّ إنْ) ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ أَنَّهُ (وَطِئَ الْأَمَةَ) لِأَنَّهُ زَانٍ لَا شُبْهَةَ لَهُ أَلْبَتَّةَ (وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ لِرَبِّ الْأَمَةِ) لِأَنَّ كُلَّ وَلَدٍ نَشَأَ عَنْ زِنًا أَوْ عَقْدِ نِكَاحٍ تَابِعٌ لِأُمِّهِ فِي الْمِلْكِ.
ع: " اُنْظُرْ هَذِهِ الْإِضَافَةَ وَصَوَابُهُ لَوْ قَالَ وَلَدُهَا رَقِيقٌ إذْ لَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا
(وَلَا يَطِيبُ لِغَاصِبِ الْمَالِ رِبْحُهُ حَتَّى يَرُدَّ رَأْسَ الْمَالِ عَلَى رَبِّهِ) ك: يَعْنِي إذَا غَصَبَ مَالًا فَاتَّجَرَ فِيهِ وَنَمَا فِي يَدَيْهِ وَتَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ كَانَ الرِّبْحُ لَهُ، كَمَا أَنَّ الضَّمَانَ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِكَوْنِهِ نَشَأَ عَنْ مَالٍ لَمْ يَطِبْ قَلْبُ صَاحِبِهِ بِتَقَلُّبِهِ فِيهِ، فَإِذَا رَدَّ رَأْسَ الْمَالِ عَلَى وَجْهِهِ وَاسْتَحَلَّ مِنْ رَبِّهِ جَازَ لَهُ وَطَابَ بِطِيبِ نَفْسِ رَبِّ الْمَالِ (وَلَوْ تَصَدَّقَ) الْغَاصِبُ (بِالرِّبْحِ كَانَ أَحَبَّ
[حاشية العدوي]
النَّقْصِ.
[قَوْلُهُ: وَيَرُدُّ إلَخْ] أَيْ يَرُدُّ قِيمَتَهُ أَوْ مِثْلَ مَا أَكَلَ وَقَوْلُهُ: أَوْ انْتَفَعَ أَيْ قِيمَةُ مَا انْتَفَعَ أَيْ قِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي انْتَفَعَ بِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الذَّاتَ الْمَغْصُوبَةَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ عُطِّلَ فَلَا يَغْرَمُ لِلْمَغْصُوبِ شَيْئًا كَالدَّارِ يُغْلِقُهَا وَالدَّابَّةِ يَحْبِسُهَا وَالْأَرْضِ يُبَوِّرُهَا وَالْعَبْدِ لَا يَسْتَخْدِمُهُ هَذَا فِي غَصْبِ الذَّاتِ، وَأَمَّا لَوْ غَصَبَ الْمَنْفَعَةَ وَيُقَالُ لَهُ التَّعَدِّي فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْمَنْفَعَةِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ ذَا الْمَنْفَعَةَ بَلْ عَطَّلَهُ.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ الْكِتَابِ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا انْتَفَعَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَكْرَى، فَحَاصِلُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ إذَا اسْتَعْمَلَ مَا غَصَبَهُ مِنْ رَقَبَةِ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَوْ أَكْرَاهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ ذَلِكَ لِلْمَالِكِ وَمُحَصِّلُ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ يَضْمَنُ فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ إذَا سَكَنَ أَوْ اسْتَغَلَّ أَوْ زَرَعَ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَا يَضْمَنُ فِي الدَّوَابِّ وَالْعَبِيدِ مَا نَشَأَ عَنْ تَحْرِيكٍ حَيْثُ اسْتَعْمَلَ أَوْ أَكْرَى، وَأَمَّا مَا نَشَأَ عَنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ كَسَمْنٍ وَلَبَنٍ وَصُوفٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَلَا يَكُونُ مِنْ صَدَقَاتِ الْغَلَّةِ، فَلِمُلَخَّصِهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا نَشَأَ عَنْ تَحْرِيكِهِ قُلْت: وَنَقَلَ الْأَقْفَهْسِيُّ فِيمَا لَمْ يَكُنْ نَشَأَ عَنْ تَحْرِيكٍ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَلَامِ الْأَقْفَهْسِيِّ وَالْفَاكِهَانِيِّ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ اعْتِمَادُ كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ قُلْت: وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِي غَلَّةِ مَاعُونٍ وَنَحْوِهِ فَهَلْ يُعْطَى حُكْمَ الْحَيَوَانِ أَوْ الرِّبَاعِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْطَى حُكْمَ الرِّبَاعِ وَحَرِّرْ.
[قَوْلُهُ: فِي الْكِتَابِ] لَيْسَ هَذَا الْمَقُولُ هُوَ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ ظَاهِرٌ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّفَقَةِ فَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْغَاصِبِ الرُّجُوعُ بِشَيْءٍ مِمَّا أَنْفَقَهُ لَا عَلَى رَبِّ الْمَغْصُوبِ وَلَا فِي غَلَّتِهِ الَّتِي تَكُونُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَهِيَ الْغَلَّةُ الَّتِي لَا تَكُونُ نَاشِئَةً عَنْ تَحْرِيكٍ كَالسَّمْنِ وَاللَّبَنِ وَالْجُبْنِ وَالثَّمَرَةِ وَالصُّوفِ وَكِرَاءِ الرِّبَاعِ وَالْعَقَارِ.
وَأَمَّا الْغَلَّةُ الَّتِي تَكُونُ لِلْغَاصِبِ وَهِيَ مَا نَشَأَ عَنْ تَحْرِيكِ الْحَيَوَانِ فِي الِاسْتِخْدَامِ مَثَلًا فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا رُجُوعٌ لِأَنَّهَا لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَصَارَ مُحَصَّلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا إلَّا غَلَّةٌ لَمْ تَنْشَأْ عَنْ تَحْرِيكٍ كَاللَّبَنِ وَالسَّمْنِ فَقَدْ ضَاعَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لَهَا غَلَّةٌ تَنْشَأُ عَنْ تَحْرِيكٍ فَهِيَ لَهُ أَنْفَقَ أَوْ لَمْ يُنْفِقْ كَأَنْ كَانَتْ تَأْكُلُ تِلْكَ الدَّابَّةُ مِنْ كَلَأٍ مَثَلًا
[قَوْلُهُ: فَإِنْ أَكَلَهُ فَمِثْلُهُ] أَيْ إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً وَعُلِمَتْ وَإِلَّا فَالْقِيمَةُ.
[قَوْلُهُ: اُنْظُرْ هَذِهِ الْإِضَافَةَ] أَيْ فِي قَوْلِهِ وَلَدُهُ
[قَوْلُهُ: وَلَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ] أَيْ تَنَاوُلُ ذَلِكَ الرِّبْحِ مَكْرُوهٌ [قَوْلُهُ: لِكَوْنِهِ نَشَأَ إلَخْ] هَذَا لَا يُنْتِجُ الْكَرَاهَةَ بَلْ يُنْتِجُ الْحُرْمَةَ وَهُوَ الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ، فَيَكُونُ الرَّاجِحَ وَقَوْلُهُ: مِنْ رَبِّهِ أَيْ اسْتَحَلَّ الرِّبْحَ مِنْ رَبِّهِ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُطَابِقُ مُفَادَ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ مُفَادَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مَتَى رَدَّ رَأْسَ الْمَالِ طَابَ لَهُ الرِّبْحُ أَحَلَّهُ أَمْ لَا وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ التَّادَلِيُّ، وَمُفَادُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ لَا يَطِيبُ لَهُ الرِّبْحُ إلَّا إذَا أَحَلَّهُ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْإِحْلَالَ زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ فِي طِيبِ الرِّبْحِ فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِمُفَادِ الْمُصَنِّفِ فَتَدَبَّرْ [قَوْلُهُ: عَلَى وَجْهِهِ] أَيْ صِفَتِهِ [قَوْلُهُ: وَلَوْ تَصَدَّقَ بِالرِّبْحِ] أَيْ بَعْدَ رَدِّ رَأْسِ الْمَالِ [قَوْلُهُ: كَانَ أَحَبَّ] أَيْ
إلَى بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ) وَهُوَ أَشْهَبُ لَعَلَّ التَّصَدُّقَ بِهِ يَكُونُ كَفَّارَةً لِمَا اقْتَرَفَهُ مِنْ إثْمِ الْغَصْبِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَفِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى) أَيْ مِنْ مَسَائِلِ الْغَصْبِ أَنَّهُ أَلَّفَ الْكِتَابَ فِي ذِهْنِهِ، وَتَأَمَّلَهُ ثُمَّ وَضَعَهُ وَهُنَا تَمَّ الْكَلَامُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الرِّسَالَةِ ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الرُّبْعِ الرَّابِعِ فَقَالَ:
[حاشية العدوي]
مِنْ أَكْلِهِ
[قَوْلُهُ: يَكُونُ كَفَّارَةً] لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» .
فَإِنْ قِيلَ: نَدْبُ الصَّدَقَةِ مَطْلُوبٌ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ لِأَنَّهَا خَيْرٌ فَلَا مَفْهُومَ لِلرِّبْحِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِتَأَكُّدِ النَّدْبِ فِي حَقِّ هَذَا دُونَ غَيْرِهِ مِمَّا لَا يَغْصِبُ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ نَاجِي: دَلَّ كَلَامُ الشَّيْخِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا رَدَّ رَأْسَ الْمَالِ فَإِنَّهُ يَطِيبُ لَهُ الرِّبْحُ وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الصَّدَقَةُ بِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَلَا يَطِيبُ إلَخْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الصَّدَقَةُ بِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ تَصَدَّقَ إلَخْ.
قَالَ: وَعَرَضْت هَذَا عَلَى شَيْخِنَا أَبِي مَهْدِيٍّ فَاسْتَحْسَنَهُ اهـ.
قُلْت: وَجَعَلَ تت الْمَشْهُورَ الْأَوَّلَ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا رَدَّ رَأْسَ الْمَالِ لِرَبِّهِ طَابَ لَهُ الرِّبْحُ وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَتَأَمَّلْهُ] التَّأَمُّلُ قَبْلَ التَّأْلِيفِ فَالْمُنَاسِبُ تَقْدِيمُ قَوْلِهِ وَتَأَمَّلْهُ عَلَى قَوْلِهِ أَلَّفَهُ إلَّا أَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا.
[40 - بَابٌ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاءِ] (بَابٌ) (فِي) بَيَانِ (أَحْكَامِ الدِّمَاءِ) مِنْ قَوَدٍ وَدِيَةٍ وَقِصَاصٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَ) فِي بَيَانِ أَسْبَابِ (الْحُدُودِ) وَلَوَازِمِهَا وَتَقَادِيرِهَا وَمَا يَثْبُتُ بِهِ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَمَا يَرْجِعُ إلَيْهِمَا مِنْ أَدَبٍ وَتَعْزِيرٍ وَكَفَّارَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَبَدَأَ بِبَيَان
ِ الْمُثْبِتِ لِلْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ
فَقَالَ: (وَلَا تُقْتَلُ نَفْسٌ) مُكَافِئَةٌ (بِنَفْسٍ) مُكَافِئَةٍ لَهَا فِي الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَالْعِصْمَةِ مَا لَمْ يَكُنْ قَتَلَهُ غِيلَةً (إلَّا) إذَا ثَبَتَ الْقَتْلُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: إمَّا (بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ أَوْ بِاعْتِرَافٍ) أَيْ إقْرَارٍ (أَوْ بِالْقَسَامَةِ) أَيْ الْأَيْمَانِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاءِ وَالْحُدُود]
[المثبت لِلْقِصَاصِ فِي النَّفْس]
بَابٌ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاءِ [قَوْلُهُ: مِنْ قَوَدٍ] أَيْ مِنْ ثُبُوتِ قَوَدٍ وَهُوَ بَيَانٌ لِأَحْكَامِ الدِّمَاءِ.
[قَوْلُهُ: وَقِصَاصٍ] أَرَادَ بِهِ الْقِصَاصَ فِي الْأَطْرَافِ، وَأَرَادَ بِالْقَوَدِ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُلْصِقَهُ بِالْقَوَدِ وَيَذْكُرَ الدِّيَةَ بَعْدَهُمَا.
[قَوْلُهُ: وَنَحْوِ ذَلِكَ] كَالْغُرَّةِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي بَيَانِ أَسْبَابِ الْحُدُودِ] كَالزِّنَا وَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ، وَالْحُدُودُ جَمْعُ حَدٍّ وَهُوَ لُغَةً الْمَنْعُ، وَشَرْعًا مَا وُضِعَ لِمَنْعِ الْجَانِي مِنْ عَوْدِهِ لِمِثْلِ فِعْلِهِ وَزَجْرِ غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَوَازِمِهَا] أَرَادَ بِهَا تَوَابِعَهَا أَيْ مِنْ التَّغْرِيبِ مَثَلًا.
وَقَوْلُهُ: وَتَقَادِيرِهَا أَيْ مِقْدَارِهَا.
وَقَوْلُهُ: وَمَا يَثْبُتُ بِهِ ذَلِكَ كُلُّهُ أَيْ مَا يَثْبُتُ بِهِ أَسْبَابُ الْحُدُودِ وَأَحْكَامُ الدِّمَاءِ أَيْ مُوجِبُ أَحْكَامِ الدِّمَاءِ.
[قَوْلُهُ: وَمَا يَرْجِعُ إلَيْهِمَا] أَيْ إلَى أَحْكَامِ الدِّمَاءِ وَالْحُدُودِ وَالرُّجُوعُ مَعْنَاهُ الْمُشَابَهَةُ أَيْ فِي الزَّجْرِ.
[قَوْلُهُ: وَتَعْزِيرٍ] هُوَ اسْمٌ لِنَوْعٍ مِنْ الْعَذَابِ مَوْكُولٍ قَدْرُهُ لِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ بِخِلَافِ الْحُدُودِ، فَإِنَّ تَعْدَادَهَا مَحْدُودٌ مِنْ الشَّارِعِ وَعَطْفُ التَّعْزِيرِ عَلَى الْأَدَبِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ كَمَا سَيَأْتِي أَنَّ مَنْ وَطِئَ الْبَهِيمَةَ يُعَزَّرُ، وَهَلْ الْحُدُودُ زَوَاجِرُ عَنْ إتْلَافِ الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ وَالْأَدْيَانِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَنْسَابِ، فَفِي الْقِصَاصِ حِفْظُ النُّفُوسِ وَفِي الْقَطْعِ لِلسَّرِقَةِ حِفْظُ الْأَمْوَالِ وَفِي الْحَدِّ لِلزِّنَا حِفْظُ الْأَنْسَابِ، وَفِي الْحَدِّ لِلشُّرْبِ حِفْظُ الْعُقُولِ، وَفِي الْحَدِّ لِلْقَذْفِ حِفْظُ الْأَعْرَاضِ، وَفِي الْقَتْلِ لِلرِّدَّةِ حِفْظُ الدِّينِ، وَقِيلَ: إنَّ الْحُدُودَ جَوَابِرُ أَيْ كَفَّارَاتٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ قَالَ عج: وَأَمَّا التَّعَازِيرُ فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا هَذَا الْخِلَافَ وَلَعَلَّهُ يُتَّفَقُ عَلَى كَوْنِهَا زَوَاجِرَ.
[قَوْلُهُ: وَكَفَّارَةٌ وَاجِبَةٌ] أَيْ فِي الْخَطَأِ وَمَنْدُوبَةٌ فِي الْعَمْدِ، وَقَدْ يُقَالُ: هَلَّا جُعِلَتْ الْكَفَّارَةُ مِنْ أَحْكَامِ الدِّمَاءِ كَالدِّيَةِ بِدَلِيلِ عَطْفِهَا عَلَيْهَا فِي الْآيَةِ.
وَقَوْلُهُ: وَغَيْرِ ذَلِكَ كَالْحُكُومَةِ وَمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ الْحَجَّ فَاَللَّهُ حَسِيبُهُ فَهَذِهِ مِمَّا تَبَرَّعَ بِهِ.
[قَوْلُهُ: مُكَافِئَةٍ لَهَا فِي الْحُرِّيَّةِ] فَلَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ.
وَقَوْلُهُ: وَالْإِسْلَامِ فَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ لِأَنَّ الْأَعْلَى لَا يُقْتَلُ بِالْأَدْنَى بِخِلَافِ الْعَكْسِ.
وَقَوْلُهُ: وَالْعِصْمَةِ فَلَا قِصَاصَ عَلَى حَرْبِيٍّ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ قُتِلَ وَإِنْ لَمْ يَقْتُل أَحَدًا إلَّا أَنَّ قَتْلَهُ لَيْسَ لِلْقِصَاصِ وَإِنَّمَا هُوَ لِعَدَمِ عِصْمَتِهِ وَإِنْ أَسْلَمَ عَصَمَ دَمَهُ.
وَقَوْلُهُ: مَا لَمْ يَكُنْ قَتْلُهُ غِيلَةً أَيْ فَيُقْتَلُ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى، وَلَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ كَوْنِ الْجَانِي مُكَلَّفًا وَقَصْدُهُ الضَّرْبُ، وَعِصْمَةُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إمَّا بِالْإِيمَانِ أَوْ بِالْأَمَانِ أَوْ بِحَطِّ الْجِزْيَةِ فَلَا قِصَاصَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا عَلَى مَجْنُونٍ وَلَا عَلَى مُخْطِئٍ وَلَا عَلَى قَاتِلِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعْصُومًا.
[قَوْلُهُ: إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ] أَقَلُّهَا رَجُلَانِ فَلَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ الْمُوجِبُ لِلْقِصَاصِ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَيَثْبُتُ بِذَلِكَ مُوجِبُ الدِّيَةِ كَمَا قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ.
وَشَرْطُ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ الِاتِّفَاقُ عَلَى صِفَةِ الْقَتْلِ فَلَوْ اخْتَلَفَا فِيهَا بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: ذَبَحَهُ وَالْآخَرُ أَحْرَقَهُ أَوْ جَرَحَهُ بِغَيْرِ ذَبْحٍ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرٌ لِقَوْلِهِمَا فَإِنْ قَامَ الْأَوْلِيَاءُ بِهِمَا بَطَلَ الدَّمُ، وَإِنْ قَامُوا بِأَحَدِهِمَا أَقْسَمُوا مَعَهُ وَاقْتَصُّوا وَسَقَطَتْ
الْقَتْلِ بِهَا شُرُوطٌ مِنْهَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إذَا وَجَبَتْ) أَيْ الْقَسَامَةُ بِأَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ عَاقِلًا بَالِغًا مُكَافِئًا لِلْمَقْتُولِ فِي الدِّينِ وَالْحُرِّيَّةِ غَيْرَ أَبٍ، وَاتِّفَاقِ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى الْقَتْلِ، وَأَنْ تَكُونَ وُلَاةُ الدَّمِ فِي الْعَمْدِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، وَأَنْ تَكُونَ الْأَوْلِيَاءُ رِجَالًا عُقَلَاءَ بَالِغِينَ، وَأَنْ يَكُونَ مَعَ الْأَوْلِيَاءِ لَوْثٌ يُقَوِّي دَعْوَاهُمْ وَهُوَ الشَّاهِدُ الْعَدْلُ عَلَى رُؤْيَةِ الْقَتْلِ أَوْ الْعَدْلُ يَرَى الْمَقْتُولَ يَتَخَبَّطُ فِي دَمِهِ وَالْمُتَّهَمُ بِحِذَائِهِ أَوْ قُرْبِهِ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْقَتْلِ عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ، أَوْ يَقُولُ الْمَقْتُولُ
[حاشية العدوي]
شَهَادَةُ الْآخَرِ لِاجْتِمَاعِ الْقَاتِلِ وَالْأَوْلِيَاءِ عَلَى تَكْذِيبِهَا.
[قَوْلُهُ: أَيْ إقْرَارٌ] مِنْ الْجَانِي الْمُكَلَّفِ عَلَى نَفْسِهِ فِي حَالِ اخْتِيَارِهِ لَا إنْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ كَإِقْرَارِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
تَنْبِيهٌ:
قَالَ عج: الْبَيِّنَةُ تَجْرِي فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ بِلَا قَيْدٍ وَالِاعْتِرَافُ مِنْ الْبَالِغِ الْحُرِّ وَكَذَا الْعَبْدِ إنْ لَمْ يُتَّهَمْ [قَوْلُهُ: الْأَيْمَانِ إلَخْ] أَيْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هُنَا الْأَيْمَانُ وَإِلَّا فَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ أَقْسَمَ مَعْنَاهُ حَلَفَ حَلِفًا.
[أَحْكَام الْقَسَامَة]
[قَوْلُهُ: مِنْهَا مَا أَشَارَ إلَخْ] تَعْبِيرُهُ بِمِنْ يُفِيدُ أَنَّ بَقِيَّةَ الشُّرُوطِ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْ الْمُصَنِّفِ مَعَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ لِكُلِّ الشُّرُوطِ وَهِيَ مَا أَفَادَهَا الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: بِأَنْ يَكُونَ إلَخْ فَالْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يُسْقِطَ مِنْهَا، وَيَقُولَ بَدَلَ قَوْلِهِ مِنْهَا وَهِيَ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: وَاتِّفَاقُ الْأَوْلِيَاءِ الْمُنَاسِبُ لِمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ أَنْ يَقُولَ: وَأَنْ تَتَّفِقَ الْأَوْلِيَاءُ عَلَى الْقَتْلِ وَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ إلَخْ] احْتِرَازًا عَنْ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُمَا لِأَنَّ عَمْدَهُمَا وَخَطَأَهُمَا سَوَاءٌ فَلَا اخْتِصَاصَ لِلْقَسَامَةِ بِذَلِكَ إذْ شَرْطُ الْقِصَاصِ مُطْلَقًا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ مِنْ شُرُوطِ الشَّيْءِ إلَّا مَا كَانَ مُخْتَصًّا بِهِ نَعَمْ دِيَةُ مَنْ جَنَيَا عَلَيْهِ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا وَهُمَا كَوَاحِدٍ مِنْهَا، وَكَذَا قَوْلُهُ: مُكَافِئًا إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُكَافِئًا لَهُ كَأَنْ قَتَلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فَلَا يُقْتَلُ بِهِ، وَكَذَا لَوْ قَتَلَ حُرٌّ عَبْدًا وَكَذَا قَوْلُهُ: غَيْرُ أَبٍ شَرْطٌ فِي مُطْلَقِ الْقِصَاصِ أَيْ إذَا قَصَدَ الْأَبُ ضَرْبَ وَلَدِهِ فَمَاتَ فَلَا يُقْتَلُ بِهِ، وَأَمَّا إذَا قَصَدَ إزْهَاقَ رُوحِهِ فَيُقْتَلُ بِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَاتِّفَاقُ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى الْقَتْلِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْقَسَامَةِ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلدَّمِ إذَا كَانُوا رِجَالًا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ كَأَعْمَامٍ أَوْ إخْوَةٍ مَثَلًا فَعَفَا أَحَدُهُمْ فَإِنَّ الْقِصَاصَ يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ لِأَنَّ عَفْوَهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْجَمِيعِ، وَأَحْرَى لَوْ كَانَ أَعْلَى مِنْهُ فِي الدَّرَجَةِ كَمَا لَوْ عَفَا الِابْنُ مَعَ وُجُودِ الْعَمِّ لَا إنْ عَفَا الْعَمُّ مَعَ وُجُودِ الْأَخِ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ تَكُونَ وُلَاةُ الدَّمِ فِي الْعَمْدِ إلَخْ] أَيْ فَلَا يُقْتَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ.
[قَوْلُهُ: فَصَاعِدًا] فَلَا حَدَّ لِلْأَكْثَرِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَقَلَّ مَحْدُودٌ وَأَمَّا الْأَكْثَرُ فَلَا، وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ: وَأَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعَدُّدُ الْوَلِيِّ، وَأَنَّ الَّذِي يُشْتَرَطُ هُوَ تَعَدُّدُ الْحَالِفِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ إلَّا عَاصِبٌ وَاحِدٌ فَإِنَّهُ يَسْتَعِينُ بِعَاصِبِهِ فِي الْحَلِفِ مَعَهُ، وَيَسْتَحِقُّ الدَّمَ كَمَا إذَا قُتِلَتْ أُمُّهُ فَاسْتَعَانَ بِعَمِّهِ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ تَكُونَ الْأَوْلِيَاءُ رِجَالًا] وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا يَحْلِفْنَ فِي الْعَمْدِ لِعَدَمِ شَهَادَتِهِنَّ فِيهِ، وَإِنْ انْفَرَدْنَ صَارَ الْمَقْتُولُ بِمَثَابَةِ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ فَتُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِلَّا حُبِسَ.
وَقَوْلُنَا: فِي الْعَمْدِ احْتِرَازٌ مِنْ الْخَطَأِ فَيَحْلِفُهَا مَنْ يَرِثُ وَلَوْ وَاحِدًا أَوْ امْرَأَةً وَيَسْتَحِقُّ نَصِيبَهُ مِنْ الدِّيَةِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْخَطَأِ إلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِنَّهَا تَحْلِفُ الْأَيْمَانَ كُلَّهَا وَتَأْخُذُ حَظَّهَا مِنْ الدِّيَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
وَقَوْلُهُ: عُقَلَاءَ بَالِغِينَ تَكَلَّمَ عج عَلَى مُحْتَرَزِ بَالِغِينَ فَقَالَ: وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَيُنْظَرُ لِبُلُوغِهِ وَهَلْ يُطْلَبُ مِنْ الْعَاقِلَةِ حِينَئِذٍ الْحَلِفُ لِاحْتِمَالِ نُكُولِهَا فَتَغْرَمُ أَوْ لَا، وَجَعَلَ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُسْتَفَادَ مِنْ كَلَامٍ ذَكَرَهُ عِنْدَ قَوْلِ خَلِيلٍ فَيَحْلِفُ الْكَبِيرُ حِصَّتَهُ وَالصَّغِيرُ مَعَهُ، وَسَكَتَ عَنْ مُحْتَرَزِ عُقَلَاءَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تُنْتَظَرُ إفَاقَتُهُ إنْ كَانَتْ تُرْجَى وَيَجْرِي فِيهِ مَا جَرَى فِي الصَّبِيِّ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تُرْجَ فَيَجْرِي فِيهِ مَا جَرَى فِي النِّسَاءِ.
[قَوْلُهُ: لَوْثٌ إلَخْ] اللَّوْثُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ قَرِينَةٌ تُقَوِّي جَانِبَ الْمُدَّعِي وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ اللَّوْثِ وَهُوَ الْقُوَّةُ قَالَهُ فِي التَّنْبِيهِ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَهُوَ الشَّاهِدُ أَيْ وَهُوَ رُؤْيَةُ الشَّاهِدِ.
وَقَوْلُهُ: عَلَى رُؤْيَةِ مُتَعَلِّقُ الشَّاهِدِ وَالْأَوْلَى حَذْفُ رُؤْيَةٍ.
[قَوْلُهُ: يَتَخَبَّطُ فِي دَمِهِ] أَيْ يَضْطَرِبُ فِي دَمِهِ، وَقَوْلُهُ: بِحِذَائِهِ أَيْ مُقَابِلِهِ هَذَا مَدْلُولُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ بِلَصْقِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ أَوْ قُرْبِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْقَتْلِ] أَيْ
فِي الْعَمْدِ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ.
وَكَيْفِيَّةُ الْقَسَامَةِ أَنَّهُ (يُقْسِمُ) أَيْ يَحْلِفُ (الْوُلَاةُ) وَيُشْتَرَطُ فِيهِمْ أَنْ يَكُونُوا عَصَبَةً لِلْمَقْتُولِ وَرِثُوهُ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانُوا خَمْسِينَ حَلَفُوا (خَمْسِينَ يَمِينًا) كُلُّ وَاحِدٍ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً مُتَوَالِيَةً بَتًّا بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ أَوْ مَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ (وَ) بَعْدَ حَلِفِهِمْ (يَسْتَحِقُّونَ الدَّمَ) لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» ". (وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ) عَصَبَةٍ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ إلَّا الذُّكُورُ (وَ) إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ جَمَاعَةً فَ (لَا يُقْتَلُ بِالْقَسَامَةِ أَكْثَرُ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ) يُقْسِمُونَ عَلَيْهِ،
[حاشية العدوي]
كَتَلَطُّخِهِ بِدَمِهِ وَالْمُدْيَةُ بِيَدِهِ كَمَا أَفَادَهُ تت.
[قَوْلُهُ: عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ] أَيْ الْأَخِيرِ أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ أَوْ الْعَدْلُ يَرَى الْمَقْتُولَ، أَيْ وَالْمَشْهُورُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْثٌ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ يَقُولُ الْمَقْتُولُ فِي الْعَمْدِ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَكَذَلِكَ عَلَى الْخَطَأِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَالشَّاهِدِ أَيْ لِأَنَّ عِبَارَتَهُ تُوهِمُ اخْتِصَاصَ اللَّوْثِ بِمَا ذَكَرَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: الْوُلَاةُ] جَمْعُ وَلِيٍّ.
[وَقَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ فِيهِمْ أَنْ يَكُونُوا عَصَبَةً] أَيْ مِنْ النَّسَبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَصَبَةٌ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ فَإِنَّ مَوَالِيَهُ الَّذِينَ أَعْتَقُوهُ يُقْسِمُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ الْقَوَدَ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ عَصَبَةٌ لَا مِنْ النَّسَبِ وَلَا مِنْ الْمَوَالِي بَلْ وِرْثَهُ نِسَاءٌ فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ عَاصِبٌ وَاحِدٌ وَلَمْ يَجِدْ مِنْ يَسْتَعِينُ بِهِ أَوْ وَجَدَهُ وَنَكَلَ الْمُعِينُ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ تُرَدُّ عَلَى الْجَانِي.
[قَوْلُهُ: وَرِثُوهُ أَمْ لَا] بِأَنْ كَانَ مَنْ يَحْجُبُهُمْ فَإِذَا تَرَكَ أَخَوَيْنِ أَوْ عَمَّيْنِ مَثَلًا وَأَرَادَ الْأَخَوَانِ أَنْ يَسْتَعِينَا بِالْعَمَّيْنِ فَلَهُمَا ذَلِكَ [قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانُوا خَمْسِينَ إلَخْ] فَإِنْ نَقَصَ عَدَدُ الْأَوْلِيَاءِ بِأَنْ كَانُوا اثْنَيْنِ مَثَلًا أَوْ طَاعَ اثْنَانِ مِنْ الْخَمْسِينَ فَإِنَّهُمَا يَحْلِفَانِهَا مُتَوَالِيَةً فِي الْعَمْدِ بِأَنْ يَحْلِفَ هَذَا يَمِينًا وَهَذَا يَمِينًا حَتَّى تَتِمَّ الْأَيْمَانُ، وَفِي الْخَطَإِ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ حِصَّتَهُ وَبَعْدَ فَرَاغِهِ يَحْلِفُ الْآخَرُ حِصَّتَهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ فِي الْعَمْدِ يَبْطُلُ الدَّمُ بِنُكُولِ وَاحِدٍ فَشَدَّدَ بِخِلَافِ الْخَطَأِ لَا يَبْطُلُ حَقُّ الْحَالِفِ بِنُكُولِ النَّاكِلِ.
[قَوْلُهُ: مُتَوَالِيَةً] الْأَوْلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ يَمِينًا.
[قَوْلُهُ: بِاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ] كَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا يَزِيدُ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ قَالَ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ: وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ فَقَطْ لَا يُقْبَلُ حَتَّى يَقُولَ: الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَفِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ الْيَمِينُ فِي كُلِّ حَقٍّ بِاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: اللِّعَانِ وَالْقَسَامَةِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي اللِّعَانِ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَرَأَيْتهَا تَزْنِي أَوْ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، وَفِي الْقَسَامَةِ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ فَقَطْ.
قَالَ الشَّيْخُ: وَالظَّاهِرُ تَقْدِيمُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
[قَوْلُهُ: أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ] هَذَا فِيمَا إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى الْقَتْلِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ مَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ] فِيمَا إذَا شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى الضَّرْبِ أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالضَّرْبِ إلَّا أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ أَوْ يَأْتِيَ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ إذْ لَا بُدَّ مِنْهُ كَأَنْ يَقُولَ: لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ أَوْ إنَّمَا مَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ.
[قَوْلُهُ: أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ إلَخْ] أَيْ لِخَبَرِ الْمُوَطَّأِ وَمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَأَبِي دَاوُد «عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ أَنَّ نَفَرًا مِنْ قَوْمِهِ انْطَلَقُوا إلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقُوا فَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلًا» الْحَدِيثَ.
وَفِيهِ.
«فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: أَفَتَحْلِفُ لَكُمْ الْيَهُودُ قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِهِ» اهـ. أَيْ مِنْ إبِلِهِ.
[قَوْلُهُ: أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةٍ] لِأَنَّ أَيْمَانَ الْأَوْلِيَاءِ أُقِيمَتْ مَعَ اللَّوْثِ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ، وَكَمَا لَمْ يَكْتَفِ فِي الْبَيِّنَةِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ فَكَذَلِكَ هُنَا لَا يَكْفِي فِي الْأَيْمَانِ وَاحِدٌ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ جَمَاعَةً إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا جَاءَتْ جَمَاعَةٌ لِإِنْسَانِ فَقَتَلُوهُ مُجْتَمِعِينَ عَمْدًا عُدْوَانًا وَمَاتَ مَكَانَهُ أَوْ رُفِعَ مَغْمُورًا أَوْ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ جِنَايَاتُ كُلِّ وَاحِدٍ أَوْ تَمَيَّزَتْ وَاسْتَوَتْ كَأَنْ اخْتَلَفَتْ وَكَانَ فِي بَعْضِهَا فَقَطْ مَا نَشَأَ عَنْهُ الْمَوْتُ وَلَمْ يُعْلَمْ فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ يُقْتَلُونَ مِنْ غَيْرِ قَسَامَةٍ، أَيْ وَثَبَتَ الْقَتْلُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ اعْتِرَافٍ لَا إنْ احْتَاجَ لِقَسَامَةٍ فَلَا يُقْتَلُ إلَّا وَاحِدٌ تَعَيَّنَ لَهَا كَمَا إذَا تَأَخَّرَ مَوْتُهُ غَيْرَ مَنْفُوذِ مَقْتَلٍ وَغَيْرَ مَغْمُورٍ قُتِلَ وَاحِدٌ فَقَطْ بِقَسَامَةٍ وَهُوَ الَّذِي كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِيهِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ مَا احْتَاجَ لِقَسَامَةٍ فَتَدَبَّرْ.
وَكَذَا لَوْ تَمَيَّزَتْ جِنَايَاتُ كُلٍّ وَلَمْ يَحْصُلْ تَمَالُؤٌ بَلْ قَصَدَ كُلُّ وَاحِدٍ الضَّرْبَ
وَقِيلَ: يُقْسِمُونَ عَلَى الْجَمِيعِ ثُمَّ يَخْتَارُونَ وَاحِدًا مِنْهُمْ يَقْتُلُونَهُ، وَنَسَبَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَنَسَبَ ك الْأَوَّلَ لَهُ ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يُقْتَلْ بِالْقَسَامَةِ عِنْدَنَا أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَقَتَلَهُ الْكُلُّ أَوْ الْبَعْضُ وَالْمُحِقُّ مِنْهُمْ وَاحِدٌ وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَيُضْرَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ بَقِيَ مِائَةً وَيُسْجَنُونَ سَنَةً.
وَلَمَّا كَانَ مِنْ شُرُوطِ الْقَسَامَةِ اللَّوْثُ وَهُوَ أَمْرٌ يَنْشَأُ عَنْهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِصِدْقِ الْمُدَّعِي.
نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِذِكْرِ صُوَرٍ ثَلَاثٍ آتِيًا بِأَدَاةِ الْحَصْرِ فَقَالَ: (وَإِنَّمَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ) فِي مَرَضِهِ (دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ) لَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَوْثٌ فِي الْعَمْدِ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ وَالْقَوَدَ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ قَبُولُ قَوْلِهِ مُطْلَقًا كَانَ بِهِ جُرْحٌ أَوْ لَا، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: " لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا إذَا كَانَ مَعَ الْقَوْلِ جُرْحٌ وَنَحْوُهُ وَبِهِ الْعَمَلُ وَشَهَرَهُ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ ثُمَّ أَشَارَ إلَى الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ بِشَهَادَةِ) وَاحِدٍ (عَلَى) مُعَايَنَةِ (الْقَتْلِ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ غَيْرَ الْعَدْلِ لَا يَكُونُ لَوْثًا؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ سَاقِطَةٌ شَرْعًا، فَإِذَا شَهِدَ الْعَدْلُ بِمُعَايَنَةِ الْقَتْلِ يُقْسِمُ الْوُلَاةُ مَعَ شَهَادَتِهِ وَيَسْتَحِقُّونَ الدَّمَ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهَا لَوَثٌ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمَوْتُ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْمَوْتِ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى الثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ بِشَاهِدَيْنِ عَلَى الْجُرْحِ ثُمَّ يَعِيشُ بَعْدَ ذَلِكَ) لَيْسَ الْجُرْحُ شَرْطًا بَلْ
[حاشية العدوي]
وَجَرَحَهُ كُلٌّ وَمَاتَ وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيُّهَا مَاتَ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ الْأَقْوَى فِعْلًا عَلَى غَيْرِهِ، وَيَتَعَيَّنُ وَحْدَهُ لِلْقَتْلِ بِقَسَامَةٍ وَيُقْتَصُّ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ جَرَحَهُ، وَيُعَاقَبُ مَنْ لَمْ يَجْرَحْ وَأَمَّا الْمُتَمَالَئُونَ عَلَى الْقَتْلِ أَوْ الضَّرْبِ بِأَنْ قَصَدُوا جَمِيعًا وَحَضَرُوا قَتْلَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ الَّذِي لَمْ يَضْرِبْ لَوْ اُحْتِيجَ لَهُ لَضَرَبَ وَمَاتَ فَوْرًا فَيُقْتَصُّ مِنْهُمْ عِنْدَ الْمُكَافَأَةِ.
[قَوْلُهُ: يُقْسِمُونَ عَلَيْهِ] أَيْ فَيَقُولُونَ لَمِنْ جَرْحِهِ أَوْ ضَرْبِهِ مَاتَ وَلَا يَقُولُونَ لَمِنْ جَرْحِهِمْ أَوْ ضَرْبِهِمْ، وَانْظُرْ إذَا قَالُوا ذَلِكَ هَلْ تُعَادُ الْأَيْمَانُ أَوْ لَا؟ وَإِذَا عَيَّنُوا وَاحِدًا وَأَقْسَمُوا عَلَيْهِ وَاعْتَرَفَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ الْقَاتِلُ بِمُفْرَدِهِ فَإِنَّ الْأَوْلِيَاءَ يَقْتُلُونَ وَاحِدًا مِنْهُمَا قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُقْسِمُونَ عَلَى الْجَمِيعِ] بِأَنْ يَقُولُوا لِمَنْ ضَرَبَهُمْ مَاتَ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: وَيُضْرَبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ بَقِيَ مِائَةً وَيُسْجَنُونَ سَنَةً] جَارٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ
[قَوْلُهُ: بِقَوْلِ الْمَيِّتِ إلَخْ] أَيْ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا حُرًّا مُسْلِمًا عَاقِلًا وَقَوْلُهُ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ سَوَاءٌ كَانَ فُلَانٌ حُرًّا أَوْ عَبْدًا بَالِغًا أَوْ لَا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى عَدْلًا أَوْ لَا مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا عَدُوًّا أَوْ لَا.
وَلَدًا ادَّعَى أَنَّ أَبَاهُ شَقَّ جَوْفَهُ أَوْ ذَبَحَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَلَدًا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: الْعَدَاوَةُ هُنَا تُؤَكِّدُ صِدْقَ الْمُدَّعِي لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْقَتْلِ بِخِلَافِ سَائِرِ الدَّعَاوَى قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَوْثٌ فِي الْعَمْدِ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ وَالْقَوَدَ إلَخْ] أَيْ وَأَمَّا الْخَطَأُ فَفِيهِ خِلَافٌ، وَالْمَشْهُورُ أَيْضًا أَنَّ الْوُلَاةَ يُقْسِمُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ طَرْدًا لِلْقَاعِدَةِ، وَقِيلَ: لَا قَسَامَةَ مَعَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا دَعْوَى فِي مَالٍ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ.
تَنْبِيهٌ:
شَرْطُ الْعَمَلِ بِقَوْلِهِ أَيْضًا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى قَوْلِهِ عَدْلَانِ وَأَنْ يَتَمَادَى عَلَى إقْرَارِهِ حَتَّى يَمُوتَ وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَمَا ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ إذَا بَيَّنَ قَتْلَهُ بِأَنَّهُ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ وَأَطْلَقَ فَلَمْ يَقُلْ لَا عَمْدًا وَلَا خَطَأً فَإِنَّ أَوْلِيَاءَهُ يُبَيِّنُونَ ذَلِكَ وَيُقْسِمُونَ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفُوا عَلَى الْعَمْدِ قُتِلُوا وَإِنْ حَلَفُوا عَلَى الْخَطَأِ أَخَذُوا الدِّيَةَ اُنْظُرْ شُرَّاحَ الْمُخْتَصَرِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ] سَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَالْمَرْأَتَانِ كَالرَّجُلِ فِي هَذَا وَفِي سَائِرِ مَا قُلْنَا أَنَّ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ فِيهِ لَوْثٌ.
[قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْمَوْتِ] أَيْ لِأَنَّهُ قَبْلَ الثُّبُوتِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حَيًّا وَلَا قَسَامَةَ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ فَتَمْكِينُ الْأَوْلِيَاءِ حِينَئِذٍ مِنْ الْقَسَامَةِ يَسْتَلْزِمُ قَتْلَ الْجَانِي وَيَسْتَلْزِمُ تَزْوِيجَ امْرَأَةِ الْمَقْتُولِ وَقَسْمَ مَالِهِ حِينَئِذٍ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ أَنَّ ثُبُوتَ الْمَوْتِ خَاصٌّ بِهَذَا اللَّوْثِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْمَوْتِ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الْقَسَامَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ أَمْثِلَةِ اللَّوْثِ رُؤْيَةُ الْعَدْلِ الْمَقْتُولَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ وَالشَّخْصَ الْمُتَّهَمَ بِقُرْبِهِ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الْقَتْلِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ بِشَاهِدَيْنِ عَلَى الْجَرْحِ] أَيْ عَلَى مُعَايَنَةِ الْجَرْحِ بِالْفَتْحِ لِأَنَّ الْمُرَادَ
وَالضَّرْبُ مِثْلُهُ سَوَاءٌ شَهِدَا بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ أَوْ الْخَطَأِ، فَيُقْسِمُ الْوُلَاةُ أَنَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ مَاتَ، أَمَّا إنْ مَاتَ بِفَوْرِهِ أَوْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ بِلَا قَسَامَةٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ) لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ الْمَقْصُودُ تَأْخِيرُ الْمَوْتِ بَعْدَ مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ لِلْجُرْحِ أَوْ الضَّرْبِ يَوْمًا فَصَاعِدًا، وَلَوْ أَكَلَ وَشَرِبَ.
(وَإِذَا نَكَلَ) بِفَتْحِ الْكَافِ بِمَعْنَى رَجَعَ (مُدَّعُو الدَّمِ) كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ عَنْ الْيَمِينِ فِي الْعَمْدِ وَكَانَتْ الْقَسَامَةُ وَجَبَتْ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ أَوْ بِشَاهِدٍ عَلَى الْقَتْلِ (حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ يَمِينًا) وَيَحْلِفُ الْمُتَّهَمُ مَعَهُمْ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَحْلِفُ مِنْ وُلَاتِهِ مَعَهُ غَيْرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَحْدَهُ حَلَفَ الْخَمْسِينَ) يَمِينًا وَبَرِئَ، فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ إذَا سُجِنَ بِسَبَبِ أَمْرٍ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ السِّجْنِ إلَّا بَعْدَ حُصُولِ ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ، وَقَيَّدْنَا كَلَامَهُ بِالْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا نَكَلُوا فِي الْخَطَأِ قِيلَ تَبْطُلُ
[حاشية العدوي]
الْفِعْلُ بَلْ وَالضَّرْبُ أَيْ أَوْ شَهِدَا عَلَى مُعَايَنَةِ الضَّرْبِ، وَكَذَلِكَ يُعَدُّ لَوْثًا شَهَادَةُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ عَلَى مُعَايَنَةِ الْجَرْحِ أَوْ الضَّرْبِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ عَلَى إقْرَارِ الْمَقْتُولِ أَنَّ فُلَانًا جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ عَمْدًا لَا خَطَأً، فَلَا يَكْفِي شَهَادَةُ الْوَاحِدِ فِيهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ إقْرَارَهُ فِي الْخَطَأِ جَارٍ مُجْرَى الشَّهَادَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِالدِّيَةِ، وَالشَّاهِدُ عَلَى إقْرَارِهِ نَاقِلٌ وَلَا بُدَّ مِنْ تَعَدُّدِ النَّاقِلِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَنْقُلَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ وَلَا بُدَّ مَعَ شَهَادَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ عَلَى الْجَرْحِ أَوْ الضَّرْبِ مِنْ يَمِينٍ مُكَمِّلَةٍ لِلنِّصَابِ وَفِي صِفَتِهَا خِلَافٌ، فَقِيلَ: يَحْلِفُهَا قَبْلَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ، وَقِيلَ: يَحْلِفُهَا مَعَ كُلِّ يَمِينٍ مِنْ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ بِأَنْ يَقُولَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْجَرْحِ مَعَ كُلِّ يَمِينٍ مِنْ الْخَمْسِينَ لَقَدْ جَرَحَهُ وَلَقَدْ مَاتَ مِنْ جُرْحِهِ، فَإِنْ قُلْت.
قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ إقْرَارَهُ بِكَوْنِهِ قَتَلَهُ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ عَلَيْهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَأَمَّا الْإِقْرَارُ بِأَنَّهُ جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ عَمْدًا يَكْفِي فِيهِ شَهَادَةُ وَاحِدٍ فَمَا الْفَرْقُ؟ قُلْنَا: إنَّ الْقَتْلَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَالْجُرْحُ يَثِبُ عِنْدَ مَالِكٍ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَسَامَةَ تَجِبُ وَإِنْ تَعَدَّدَ اللَّوْثُ.
[قَوْلُهُ: أَنَّهُ مِنْ ذَلِكَ إلَخْ] تَقْدِيمُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ يُفِيدُ الْحَصْرَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَأْتُوا بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولُوا: إنَّمَا مَاتَ مِنْ جَرْحِهِ أَوْ ضَرْبِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا إنْ مَاتَ بِفَوْرِهِ أَوْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ إلَخْ] وَأَمَّا لَوْ شَهِدَ الشَّاهِدَانِ عَلَى إقْرَارِ الْمَقْتُولِ بِأَنَّ فُلَانًا جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَسَامَةِ وَلَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ الْمَوْتُ لِضَعْفِ أَمْرِ الْإِقْرَارِ بِخِلَافِ الْمُعَايَنَةِ.
[قَوْلُهُ: يَوْمًا فَصَاعِدًا] هَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلُهُ مَاتَ بِفَوْرِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَنْظُرُ فِيهِ لِلْعُرْفِ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْيَوْمِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ وَحَرِّرْ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ أَكَلَ وَشَرِبَ] الصَّوَابُ وَلَوْ لَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا نَكَلَ] بِفَتْحِ الْكَافِ فِي الْمَاضِي وَضَمِّهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ بَعْضُهُمْ] أَيْ وَكَانُوا مُسَاوِينَ لِمَنْ لَمْ يَنْكُلْ، وَأَوْلَى لَوْ كَانُوا أَعْلَى مِنْهُ فِي الدَّرَجَةِ كَمَا لَوْ نَكَلَ الِابْنُ مَعَ وُجُودِ الْعَمِّ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ ذَلِكَ النَّاكِلُ أَبْعَدَ كَالْعَمِّ مَعَ وُجُودِ الْأَخِ فَلَا عِبْرَةَ بِنُكُولِهِ.
[قَوْلُهُ: وَكَانَتْ الْقَسَامَةُ وَجَبَتْ إلَخْ] هَذَا الْقَيْدُ مُضِرٌّ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ وَجَبَتْ الْقَسَامَةُ بِمَا ذَكَرَ أَوْ بِغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ إلَخْ] مُلَخَّصُهُ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَاحِدٌ فَقَطْ، فَجَعْلُ عَصَبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّذِي يَسْتَعِينُ بِهِمْ مُدَّعًى عَلَيْهِمْ تَغْلِيبٌ.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَيَحْلِفُ الْمُتَّهَمُ مَعَهُمْ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ مَا يَشْمَلُ عَصَبَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: غَيْرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ وَيَحْلِفُ.
وَقَوْلُهُ: الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إظْهَارٌ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ، وَقَوْلُهُ: وَحْدَهُ حَالٌ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهِيَ مُؤَكِّدَةٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ فَاعِلِ حَلَفَ بَعْدَهُ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَسْتَعِينُ بِعَاصِبِهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ مَرْزُوقٍ مَا يُفِيدُ ضَعْفَ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ وَاعْتِمَادَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَلَوْ أَرَادَ النَّاكِلُ مِنْ الْمُدَّعِينَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْحَلِفِ فَإِنَّهُ لَا يُجَابُ إلَى ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَبَدًا] هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ، وَاقْتَصَرَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ عَلَى قَوْلِهِ، وَمَنْ نَكَلَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ الْقَتْلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ فَإِنْ طَالَ أَزْيَدَ مِنْ سَنَةٍ ضُرِبَ مِائَةً
الْقَسَامَةُ، وَقِيلَ تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَيَحْلِفُونَ كُلُّهُمْ، وَالْقَاتِلُ كَرَجُلٍ مِنْهُمْ فَمَنْ حَلَفَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَمَنْ نَكَلَ لَزِمَهُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ
ع: قَوْلُهُ: حَلَفَ إلَخْ هَذَا إذَا ادَّعَى رَجُلٌ وَاحِدٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وَلَوْ ادَّعَى الْقَتْلَ عَلَى جَمَاعَةٍ) ق: يُرِيدُ وَقَدْ نَكَلَ مُدَّعُو الدَّمِ (حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ (خَمْسِينَ يَمِينًا) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا، وَإِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا حَلَفَ مِنْهُمْ خَمْسُونَ عَلَى الصَّحِيحِ.
(وَيَحْلِفُ مِنْ الْوُلَاةِ فِي طَلَبِ الدَّمِ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا) ق: هَذَا قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ اثْنَانِ مَعَ وُجُودِ أَكْثَرَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ اثْنَانِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْقُطُ عَنْ الْبَاقِينَ.
ج: وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ فَإِنَّهُ يَجْتَزِئُ مِنْهُمْ بِخَمْسِينَ (وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ) مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا (قُسِمَتْ عَلَيْهِمْ الْأَيْمَانُ) فَالِاثْنَانِ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا (وَلَا تَحْلِفُ امْرَأَةٌ فِي الْعَمْدِ) كَانَ مَعَهَا ذَكَرٌ
[حاشية العدوي]
وَأُطْلِقَ.
[قَوْلُهُ: قِيلَ تَبْطُلُ الْقَسَامَةُ] ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: فَيَحْلِفُونَ كُلُّهُمْ] فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ يَمِينًا وَاحِدَةً وَلَوْ كَانُوا عَشَرَةَ آلَافِ رَجُلٍ وَالْقَاتِلُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ نَكَلَ لَزِمَهُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ] وَيَكُونُ لِمَنْ نَكَلَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الدَّمِ أَوْ حَلَفَ بَعْضَ الْأَيْمَانِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّاكِلِ، وَأَمَّا إذَا حَلَفَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ وَأَخَذَ نَصِيبَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي شَيْءٍ مِمَّا رُدَّ بِنُكُولِ الْعَاقِلَةِ، هَذَا إذَا كَانَتْ عَاقِلَةٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَاقِلَةٌ حَلَفَ الْجَانِي خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَبْرَأُ، فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ الدِّيَةَ كُلَّهَا لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ عَاقِلَةٌ وَلَا بَيْتُ مَالٍ أَوْ كَانَ وَلَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ جَمِيعَ الدِّيَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بَيْتُ مَالٍ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ حِصَّتَهُ الَّتِي تَخُصُّهُ أَنْ لَوْ كَانَتْ عَاقِلَةٌ.
[قَوْلُهُ: هَذَا إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى وَاحِدٍ]
الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: هَذَا إذَا ادَّعَى عَلَى وَاحِدٍ كَانَ الْمُدَّعِي رَجُلًا أَوْ أَكْثَرَ، بِدَلِيلِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِذَا نَكَلَ مُدَّعُو الدَّمِ فَإِنَّهُ فَرْضُهُ فِي الْجَمَاعَةِ، وَمِثْلُهُ مَا إذَا كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ وَاحِدًا وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُعِينُهُ، أَوْ نَكَلَ الْمُعِينُ فَإِنَّهَا تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ.
[قَوْلُهُ: يُرِيدُ وَقَدْ نَكَلَ مُدَّعُو الدَّمِ] أَيْ كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ وَهُوَ مُشَارِكٌ لِغَيْرِ النَّاكِلِ فِي الدَّرَجَةِ.
وَقَالَ عج: ظَاهِرُهُ يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ هُنَاكَ لَوْثٌ وَنَكَلَ مُدَّعُو الدَّمِ أَوْ بَعْضُهُمْ، وَيَشْمَلُ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا مُجَرَّدُ دَعْوَى مِنْ الْوَلِيِّ اهـ.
[قَوْلُهُ: حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ يَمِينًا إلَخْ] وَمَنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ فَإِنْ طَالَ أَزْيَدَ مِنْ سَنَةٍ ضُرِبَ مِائَةً وَأُطْلِقَ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ فِي الْجَلَّابِ: إذَا نَكَلَ الْمُدَّعُونَ لِلدَّمِ عَنْ الْقَسَامَةِ وَرُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَنَكَلُوا حُبِسُوا حَتَّى يَحْلِفُوا، فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُمْ تُرِكُوا وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَلْدُ مِائَةٍ وَحَبْسُ سَنَةٍ اهـ.
أَيْ فَالطُّولُ هُوَ حَبْسُ السَّنَةِ وَهَذَا فِيمَا فِيهِ الْقَسَامَةُ، وَأَمَّا مَا لَا قَسَامَةَ فِيهِ كَالْعَبْدِ يَدَّعِي عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ قَتَلَهُ فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَلَا ضَرْبَ وَلَا سِجْنَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَإِنْ نَكَلَ ضُرِبَ وَسُجِنَ وَغَرِمَ الْقِيمَةَ بَعْدَ يَمِينِ السَّيِّدِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلُ ذَلِكَ مَا إذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ وَلَمْ يَثْبُتْ لَوْثٌ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ لِلْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ إلَخْ] أَشَارَ لِهَذَا الْخِلَافِ الْفَاكِهَانِيُّ بِقَوْلِهِ: وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ هَلْ يَحْلِفُونَ كُلُّهُمْ أَوْ إنَّمَا يَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ. لَكِنَّ الْمَشْهُورَ خِلَافُ مَا قَالَهُ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ وَلَوْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ.
[قَوْلُهُ: يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ اثْنَانِ] أَيْ حَيْثُ أَطَاعَا بِالْخَمْسِينَ يَمِينًا وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْبَاقِي امْتِنَاعٌ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ] أَتَى بِهَذَا كَأَنَّهُ مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ خَمْسُونَ رَجُلًا وَفِيهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ قَوْلَهُ مِنْ الْوُلَاةِ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ، وَهَذَا عَلَى تَسْلِيمِ مَا لِلْمُصَنِّفِ لَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ عَدَدُ الْأَوْلِيَاءِ عَدَدَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ أَوْ كَانُوا أَكْثَرَ لَا بُدَّ مِنْ حَلِفِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ، وَلَا يَكْفِي حَلِفُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَكْفِي حَلِفُ اثْنَيْنِ أَطَاعَا مِنْ أَكْثَرَ إلَّا أَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ وَيَحْلِفُ أَيْ يَجُوزُ لَا أَنَّهُ يَجِبُ.
[قَوْلُهُ: كَانَ مَعَهَا ذَكَرٌ أَمْ لَا] فَإِنْ انْفَرَدَتْ النِّسْوَةُ يَصِيرُ الْمَقْتُولُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ فَتُرَدُّ
أَمْ لَا؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الدَّمِ فِي الْقَسَامَةِ شَرْطُهُ الذُّكُورِيَّةُ.
(وَتَحْلِفُ الْوَرَثَةُ فِي الْخَطَإِ بِقَدْرِ مَا يَرِثُونَ مِنْ الدِّيَةِ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ) فَالِاثْنَانِ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا، وَالثَّلَاثَةُ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ سِتَّةَ عَشَرَ يَمِينًا وَثُلُثَانِ، وَيَجْبُرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْكَسْرَ الَّذِي صَارَ إلَى حِصَّتِهِ فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ سَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا (وَإِنْ انْكَسَرَتْ يَمِينٌ عَلَيْهِمْ حَلَفَهَا أَكْثَرُهُمْ نَصِيبًا مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْيَمِينِ الْمُنْكَسِرَةِ، فَلَوْ تَرَكَ ابْنًا وَبِنْتًا فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِلذَّكَرِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ، وَلِلْبِنْتِ سِتَّةَ عَشَرَ وَثُلُثَا الْيَمِينِ الْمُنْكَسِرَةِ، فَقَدْ حَصَلَ لِلْبِنْتِ مِنْ الْيَمِينِ الْمُنْكَسِرَةِ أَكْثَرُ مِنْ الِابْنِ فَتَحْلِفُ الْبِنْتُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى تَوَزُّعِ الْأَيْمَانِ فِي الْخَطَإِ مَسْأَلَةٌ (وَ) هِيَ (إذَا حَضَرَ بَعْضُ وَرَثَةِ دِيَةِ الْخَطَإِ) وَغَابَ الْبَعْضُ (لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ لِمَنْ حَضَرَ (بُدٌّ) أَيْ حَتْمٌ لَازِمٌ (أَنْ يَحْلِفَ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ) الْخَمْسِينَ عِنْدَ مَالِكٍ وَإِلَّا لَمْ يَسْتَحِقَّ مِنْ الدِّيَةِ شَيْئًا (ثُمَّ يَحْلِفُ مَنْ يَأْتِي) أَيْ يَجِيءُ مِمَّنْ كَانَ غَائِبًا (بَعْدَهُ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ) وَلَا يُجْتَزَى بِيَمِينِ مَنْ حَضَرَ قَبْلَهُ.
ك: لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ أَخْذِ هَذَا الْمَالِ حُصُولُ الْأَيْمَانِ، فَإِنْ حَلَفَ الْحَاضِرُ اسْتَحَقَّ نَصِيبَهُ مِنْهُ وَالْآتِي بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْوَرَثَةِ يَحْلِفُ مَا يَنْوِيهِ مِنْ الْأَيْمَانِ وَيَأْخُذُ نَصِيبَهُ لِتَقَدُّمِ أَيْمَانِ الْحَاضِرِ كُلَّ الْأَيْمَانِ انْتَهَى.
.
ق: (وَيَحْلِفُونَ فِي الْقَسَامَةِ) وَغَيْرِهَا مِنْ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ (قِيَامًا) رَدْعًا لَهُمْ وَزَجْرًا لَعَلَّ الْمُبْطِلَ يَرْجِعُ لِلْحَقِّ، وَإِذَا امْتَنَعُوا مِنْ الْحَلِفِ قِيَامًا فَفِي عَدِّهِ نُكُولًا قَوْلَانِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُغَلَّظُ عَلَيْهِمْ
[حاشية العدوي]
الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لِلْمَقْتُولِ إلَّا عَاصِبٌ فَيَلْزَمُهُ الِاسْتِعَانَةُ بِعَاصِبِهِ الْأَجْنَبِيِّ مِنْ الْمَقْتُولِ كَمَا إذَا قُتِلَتْ أُمُّهُ فَإِنَّ لَهُ الِاسْتِعَانَةَ بِعَمِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَعِنْ أَوْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ فَإِنَّ الْأَيْمَانَ تُرَدُّ عَلَى الْجَانِي، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ وَلَا يُطْلَقُ وَلَوْ طَالَ حَبْسُهُ
[قَوْلُهُ: فِي الْخَطَإِ] أَيْ فِي إثْبَاتِ الْقَتْلِ الْخَطَأِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ] بَلْ وَإِنْ انْفَرَدَ الرَّجُلُ أَوْ الْمَرْأَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ حَلِفِهَا كُلِّهَا، وَلَا تَأْخُذُ الْمَرْأَةُ إلَّا فَرْضَهَا وَمِثْلُهَا الْأَخُ لِلْأُمِّ، وَيَسْقُطُ مَا عَلَى الْجَانِي مِمَّا زَادَ عَلَى نَصِيبِ الْحَالِفِ لِتَعَذُّرِ الْحَلِفِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَكِنْ تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْعَاقِلَةِ بِمَنْزِلَةِ نُكُولِ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ نَكَلَتْ غَرِمَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ.
[قَوْلُهُ: حَلَفَهَا] أَيْ الْمُنْكَسِرَةَ أَكْثَرُهُمْ نَصِيبًا مِنْهَا
[قَوْلُهُ: وَيَتَفَرَّعُ عَلَى تَوْزِيعِ] مَصَبِّ التَّفْرِيعِ قَوْلُهُ: ثُمَّ يَحْلِفُ مَنْ يَأْتِي.
[قَوْلُهُ: وَغَابَ الْبَعْضُ] أَوْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا.
[قَوْلُهُ: بُدٌّ] بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَشَدِّ الْمُهْمَلَةِ.
[قَوْلُهُ: حَتْمٌ لَازِمٌ] فِي تَقْدِيرِ هَذَا مَعَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ، وَالْمُتَعَيِّنُ قَوْلُ تت أَيْ مَهْرَبٌ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَيُوهِمُ أَنَّ تَقْدِيرَهُ لَمْ يَكُنْ حَتْمٌ لَازِمٌ أَنْ يَحْلِفَ الْخَمْسِينَ مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَلِفِهِ لَهَا إلَّا أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ لِمَجْمُوعِ النَّفْيِ وَمَدْخُولِهِ.
[قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَمْ يَسْتَحِقَّ إلَخْ] أَيْ لِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَلْزَمُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْقَتْلِ وَهُوَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ حَلِفِ جَمِيعِ الْأَيْمَانِ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ يَحْلِفُ مَنْ يَأْتِي إلَخْ] وَظَاهِرُهُ وَلَوْ رَجَعَ الْحَالِفُ أَوَّلًا عَنْ جَمِيعِ الْأَيْمَانِ الَّتِي حَلَفَهَا وَرَدَّ مَا أَخَذَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ حِصَّتَهُ فَقَطْ عَنْ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ وَيَأْخُذُ مَا يَخُصُّهُ مِنْ الدِّيَةِ، فَلَوْ مَاتَ الْغَائِبُ أَوْ مَنْ كَانَ صَبِيًّا وَوَرِثَهُ الَّذِي حَلَفَ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ، فَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ حَلِفِهِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ حِصَّةَ الْمَيِّتِ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ لِحَلِفِهِ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ أَوَّلًا.
[قَوْلُهُ: بَعْدَهُ] أَيْ بَعْدَ حَلِفِ الْحَاضِرِ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ.
[قَوْلُهُ: لِتَقَدُّمِ إلَخْ] عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: يَحْلِفُ مَا يَنُوبُهُ أَيْ وَلَا يَحْلِفُ الْكُلَّ لِتَقَدُّمِ أَيْمَانِ الْحَاضِرِ، وَالْأَوْلَى لِتَقَدُّمِ حَلِفِ الْحَاضِرِ كُلَّ الْأَيْمَانِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ قِيَامًا أَيْ قِيَامًا عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونَ يَحْلِفُونَ قُعُودًا.
[قَوْلُهُ: قِيَامًا] أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِمْ قِيَامًا.
[قَوْلُهُ: فَفِي عَدِّهِ نُكُولًا قَوْلَانِ] قَالَ ق: فَإِنْ قُلْنَا نُكُولًا بَطَلَ حَقُّهُمْ، وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ بِنُكُولٍ يَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ وَيَحْلِفُونَ جُلُوسًا اهـ. ك: وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَاجِبٌ شَرْطٌ وَعَلَى الثَّانِي وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي التَّقْرِيرِ وَكَذَا وَجَدْته
بِالزَّمَانِ، وَإِنَّمَا يُغَلَّظُ عَلَيْهِمْ بِالْمَكَانِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَيُجْلَبُ) الْحَالِفُ (إلَى مَكَّةَ) الْمُشَرَّفَةَ (وَ) إلَى الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ (وَ) إلَى (بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَهْلُ أَعْمَالِهَا) أَيْ طَاعَتِهَا (لِلْقَسَامَةِ) وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَسَافَةَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ أَرْدَعُ لِلْكَاذِبِ لِشَرَفِهَا (وَلَا يُجْلَبُ فِي غَيْرِهَا) أَيْ إلَى غَيْرِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ (إلَّا مِنْ الْأَمْيَالِ الْيَسِيرَةِ) حَدَّهَا بَعْضُهُمْ بِثَلَاثَةٍ وَبَعْضُهُمْ بِعَشَرَةٍ.
(وَلَا قَسَامَةَ فِي جُرْحٍ) ك: رُوِّينَاهُ بِالضَّمِّ وَهُوَ الِاسْمُ وَبِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ يَعْنِي: أَنَّهُ إذَا جَرَحَ شَخْصٌ شَخْصًا وَلَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ لَا يُقْسِمُ وَيَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ أَوْ الدِّيَةَ إنْ كَانَ خَطَأً، وَإِنَّمَا لَمْ تَكُنْ الْقَسَامَةُ فِي الْجُرُوحِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا حَكَمَ بِالْقَسَامَةِ فِي النَّفْسِ (وَ) كَذَا (لَا) قَسَامَةَ (فِي) قَتْلِ (عَبْدٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْ الْحُرِّ وَإِنَّمَا فِيهِ الْقِيمَةُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ إذَا ثَبَتَ الْقَتْلُ، وَيُضْرَبُ مِائَةً وَيُسْجَنُ عَامًا (وَ) كَذَا (لَا) قَسَامَةَ (بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ) مَعْنَاهُ إذَا قَتَلَ الْمُسْلِمُ الذِّمِّيَّ لَا قَسَامَةَ فِيهِ، وَإِذَا ثَبَتَ قَتْلُهُ لَهُ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ أَخَذَ وَلِيُّهُ دِيَتَهُ وَيُضْرَبُ
[حاشية العدوي]
تَقْيِيدًا.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُغَلَّظُ عَلَيْهِمْ بِالزَّمَانِ] قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: يُغَلَّظُ بِالزَّمَانِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَخْ فَفِيهِ تَرْجِيحٌ لِعَدَمِ التَّغْلِيظِ بِالزَّمَانِ.
[قَوْلُهُ: أَهْلُ أَعْمَالِهَا] نَائِبُ فَاعِلِ يُجْلَبُ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّارِحِ الْحَالِفُ فَهُوَ بَيَانٌ لِلْمَوْصُوفِ بِنَائِبِ الْفَاعِلِ، أَيْ أَهْلُ طَاعَةِ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ لَهَا الزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَةَ.
[قَوْلُهُ: لِلْقَسَامَةِ] يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُجْلَبُ أَحَدٌ إلَى تِلْكَ الْأَمَاكِنِ فِي حَلِفٍ غَيْرِ الْقَسَامَةِ بِاعْتِبَارِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ] أَيْ مَوْضِعُ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَانْظُرْ هَلْ ذَهَابًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ يُجْلَبُ أَوْ ذَهَابًا وَإِيَابًا كَذَا نَظَرَ بَعْضُهُمْ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِحُ عَشَرَةَ أَمْيَالٍ أَيْ لَا أَيَّامٍ.
كَمَا قَالَ فَإِنَّهُ خِلَافُ الْمَنْقُولِ، وَانْظُرْ لَوْ كَانَ أَعْمَالُهَا عَلَى أَكْثَرِ مِنْ عَشَرَةٍ.
[قَوْلُهُ: أَيْ إلَى غَيْرِ إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِي بِمَعْنَى إلَى، أَيْ إلَى غَيْرِهَا مِنْ مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَمَاكِنِ الْمُعَظَّمَةِ عِنْدَ الْحَالِفِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا مِنْ الْأَمْيَالِ] أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْجَلْبُ مِنْ الْأَمْيَالِ الْيَسِيرَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ وَغَيْرِهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَعْمَلُ الْمُصَلِّي إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ وَإِيلْيَا» .
[قَوْلُهُ: حَدَّهَا بَعْضُهُمْ] أَفْصَحَ عَنْ هَذَا تت بِقَوْلِهِ: قِيلَ ثَلَاثَةٌ وَقِيلَ عَشَرَةٌ، وَالْمُسْتَفَادُ مِنْ عِبَارَةِ بَعْضٍ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الثَّلَاثَةُ أَيْ وَمَا قَارَبَهَا.
[قَوْلُهُ: رُوِّينَاهُ بِالضَّمِّ وَهُوَ الِاسْمُ إلَخْ] وَلَمْ يُتِمَّ كَلَامَ الْفَاكِهَانِيِّ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهِ، وَيُجْمَعُ الِاسْمُ عَلَى جُرُوحٍ ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْفَتْحُ مِنْ رِوَايَتِهِ كَالضَّمِّ فَيَكُونَ قَوْلُهُ: وَبِالْفَتْحِ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ بِالضَّمِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ رِوَايَتِهِ فَيَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.
وَاقْتِصَارُ تت عَلَى الضَّمِّ يُؤَيِّدُهُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ] أَيْ فَإِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ شَاهِدَانِ فَالدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ وَالْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ إلَّا وَاحِدٌ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ يَمِينًا وَاحِدَةً، وَتُؤْخَذُ الدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ وَيُقْتَصُّ فِي الْعَمْدِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ إلَّا عِنْدَ الْمُكَافَأَةِ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الْمُدَّعِي بَرِئَ الْجَارِحُ إنْ حَلَفَ وَإِلَّا حُبِسَ فِي جُرْحِ الْعَمْدِ وَغَرِمَ فِي غَيْرِهِ، وَإِنْ تَجَرَّدَتْ الدَّعْوَى عَنْ الشَّاهِدِ فَقِيلَ: يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقِيلَ لَا يَحْلِفُ.
[قَوْلُهُ: لَا قَسَامَةَ فِي عَبْدٍ] أَيْ وُجِدَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ وَهُوَ يَقُولُ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَى قَوْلِهِ عَدْلَانِ لِأَنَّهُ مَالٌ.
[قَوْلُهُ: إذَا ثَبَتَ الْقَتْلُ] أَيْ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ بِشَاهِدَيْنِ غَرِمَ قِيمَتَهُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ، وَإِنْ شَهِدَ عَدْلٌ أَوْ امْرَأَتَانِ حَلَفَ سَيِّدُهُ يَمِينًا وَأَخَذَ قِيمَتَهُ أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: مَعْنَاهُ إذَا قَتَلَ إلَخْ] إنَّمَا قَالَ: مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ إذْ ظَاهِرُهَا أَنَّ الْقَاتِلَ وَالْمَقْتُولَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَافِرٌ.
وَحَاصِلُ مُرَادِهِ أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا وُجِدَ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ وَهُوَ يَقُولُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ الْمُسْلِمِ وَشَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ عَدْلَانِ فَإِنَّهُ لَا قَسَامَةَ فِيهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الشَّارِحِ إذَا قَتَلَ إذَا تَحَقَّقَ قَتْلُهُ بَلْ مَعْنَاهُ كَمَا قُلْنَا.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا ثَبَتَ قَتْلُهُ إلَخْ] أَيْ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُسْلِمَ قَتَلَهُ بِشَاهِدَيْنِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ دِيَتَهُ فِي الْعَمْدِ مِنْ مَالِهِ
الْقَاتِلُ مِائَةً وَيُسْجَنُ عَامًا إنْ كَانَ عَمْدًا (وَ) كَذَا (لَا قَسَامَةَ) وَلَا دِيَةَ (فِي قَتِيلٍ وُجِدَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ أَوْ) قَتِيلٍ (وُجِدَ فِي مَحَلَّةِ) أَيْ دَارِ (قَوْمٍ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الصَّفَّانِ مُتَأَوِّلَيْنِ، فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا فَدَمُهُ هَدَرٌ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُتَأَوِّلًا، فَمَاتَ فَفِيهِ الْقِصَاصُ، وَمَنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ الْمُتَأَوِّلِ فَدَمُهُ هَدَرٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَعَلَى الْمَذْهَبِ وَعُلِّلَ بِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا يُبْعِدُهُ عَنْ دَارِهِ لِيُبَاعِدَ التُّهْمَةَ عَنْ نَفْسِهِ.
.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى بَعْضِ آثَارِ الْجِنَايَةِ فَقَالَ: (وَقَتْلُ الْغِيلَةِ) وَهِيَ قَتْلُ الْإِنْسَانِ لِأَخْذِ مَالِهِ (لَا عَفْوَ فِيهِ) لَا لِلْمَقْتُولِ وَلَا لِلْأَوْلِيَاءِ وَلَا لِلسُّلْطَانِ، ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ الْعَفْوُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى هَذَا مَقْتُولٌ حَدًّا لَا قَوَدًا.
(وَلِلرَّجُلِ) وَلَوْ سَفِيهًا (الْعَفْوُ عَنْ دَمِهِ) أَيْ عَنْ دَمِ نَفْسِهِ (الْعَمْدِ) إذَا عَفَا بَعْدَ مَا وَجَبَ لَهُ الدَّمُ مِثْلُ أَنْ يَعْفُوَ بَعْدَ إنْفَاذِ مَقَاتِلِهِ وَلَا كَلَامَ لِلْأَوْلِيَاءِ وَلَا لِأَهْلِ الدَّيْنِ إذَا كَانَ مِدْيَانًا، وَقَيَّدْنَا بِإِذَا إلَخْ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا عَفَا قَبْلَ وُجُوبِهِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ اُقْتُلْنِي وَدَمِي هَدَرٌ، فَإِنَّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ عَفَا عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَجِبْ لَهُ وَإِنَّمَا يَجِبُ لِأَوْلِيَائِهِ وَقَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَكُنْ قَتْلَ غِيلَةٍ) تَكْرَارٌ (وَعَفْوُهُ) أَيْ الرَّجُلِ الْمَقْتُولِ (عَنْ) دَمِ
[حاشية العدوي]
وَمَعَ الْعَاقِلَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا شَاهِدٌ فَإِنَّ وَلِيَّهُ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَأْخُذُ دِيَتَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا دَعْوَى وَلِيِّ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: بَيْنَ الصَّفَّيْنِ] أَيْ الْمُسْلِمَيْنِ.
[قَوْلُهُ: مُتَأَوِّلَيْنِ] أَيْ بِأَنْ ظَنَّتْ كُلُّ طَائِفَةٍ جَوَازَ قِتَالِهَا لِلْأُخْرَى لِكَوْنِهَا أَخَذَتْ مَالَهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا بَاغِيَةً عَلَى الْأُخْرَى أَيْ فَدَمُ كُلٍّ هَدَرٌ.
وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ الْمَقْتُولُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ وَلَوْ شَهِدَ بِذَلِكَ شَاهِدَانِ غَيْرُ الْبُغَاةِ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ فِي هَذِهِ، أَعْنِي مَا إذَا كَانَ كُلٌّ بَاغِيًا، وَأَمَّا لَوْ عُلِمَ الْقَاتِلُ بِبَيِّنَةٍ شَهِدَتْ عَلَى عَيْنِهِ لَاقْتُصَّ مِنْهُ قَالَهُ مَالِكٌ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّانِي فَعَلَى الْمَذْهَبِ] وَمُقَابِلُهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ أَنَّهُ لَوْثٌ وَهَذَا حَيْثُ كَانَ الْمَحَلُّ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ الْمَقْتُولُ مَطْرُوقًا لِمُرُورِ النَّاسِ فِيهِ غَيْرَ أَهْلِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ لَا يَمُرُّ فِيهِ إلَّا أَهْلُهُ وَوُجِدَ فِيهِمْ شَخْصٌ مَقْتُولٌ مِنْ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَوْثًا
[قَتْلَ الغيلة]
[قَوْلُهُ: وَهِيَ قَتْلُ الْإِنْسَانِ لِأَخْذِ مَالِهِ] احْتِرَازًا عَنْ الْقَتْلِ لِلثَّائِرَةِ أَيْ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَإِنَّ فِيهِ الْقِصَاصَ، وَيَجُوزُ لِلْوَلِيِّ الْعَفْوُ فِيهِ وَعَنْ الْقَتْلِ لِطَلَبِ الْإِمَارَةِ أَيْضًا فَإِنَّهُ مِنْ الْبُغَاةِ، وَلَيْسَ مِنْ الْمُحَارِبِينَ لِأَنَّ مَنْ قَاتَلَ لِلْإِمَارَةِ قَصْدُهُ فِي الْغَالِبِ خَلْعُ الْإِمَامِ.
[قَوْلُهُ: لَا عَفْوَ فِيهِ إلَخْ] أَيْ لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ فِيهِ أَوْ لَا عَفْوَ فِيهِ نَافِذٌ.
[قَوْلُهُ: لَا لِلْمَقْتُولِ] وَلَوْ بَعْدَ إنْفَاذِ مَقَاتِلِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا وَالْقَاتِلُ حُرًّا مُسْلِمًا لِأَنَّ قَتْلَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي مَعْنَى الْمُحَارَبَةِ، وَالْمُحَارِبُ بِالْقَتْلِ يَجِبُ قَتْلُهُ وَلَوْ بِعَبْدٍ أَوْ كَافِرٍ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ] أَيْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ] أَيْ لِأَنَّ عَدَمَ الْعَفْوِ فِيهَا حَقٌّ لِلَّهِ، ثُمَّ إنَّ الْفَاكِهَانِيَّ بَحَثَ فِي ذَلِكَ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: قُلْت لَا يَخْتَصُّ حَقُّ اللَّهِ بِقَتْلِ الْغِيلَةِ حَتَّى يَصْلُحَ عِلَّةً لِمَا ذَكَرَ إذْ مَا مِنْ حَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ لِلْعَبْدِ إلَّا وَلِلَّهِ فِيهِ حَقٌّ وَهُوَ إيصَالُهُ ذَلِكَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّيهِ فَانْظُرْ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ اهـ.
[قَوْلُهُ: فَهُوَ مَقْتُولٌ حَدًّا] لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْمُكَافَأَةُ، وَأَمَّا الْقَوَدُ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُكَافَأَةُ
[قَوْلُهُ: وَلِلرَّجُلِ الْعَفْوُ] مَفْهُومُ الرَّجُلِ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ إذْ الْأُنْثَى وَالصَّغِيرُ كَذَلِكَ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: إذَا عَفَا بَعْدَمَا وَجَبَ] نَظِيرُ ذَلِكَ مَنْ قَالَ لِآخَرَ: اقْطَعْ يَدِي أَوْ أَحْرِقْ ثَوْبِي فَيَفْعَلُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْفَاعِلِ.
[قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ] أَيْ مَعَ قَوْلِهِ وَقَتْلُ الْغِيلَةِ.
وَقَالَ تت: لَيْسَ فِيهِ تَكْرَارٌ لِأَنَّ مَعْنَى الْأَوَّلِ أَنْ يَخْدَعَهُ فَيَذْهَبَ بِهِ إلَى مَوْضِعٍ يَقْتُلُهُ فِيهِ غَدْرًا وَيَأْخُذُ مَالَهُ، وَمَعْنَى مَا هُنَا مِنْ نَفْيِ الْغِيلَةِ أَيْ بِأَنْ يَقْتُلَهُ لِعَدَاوَةٍ أَوْ حَسَدٍ اهـ.
بِالْمَعْنَى، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ إذْ مَعْنَى التَّكْرَارِ أَنَّهُ بِحَسَبِ مَفْهُومِهِ أَيْ أَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِنَا هُنَا إنْ لَمْ يَكُنْ قَتْلُ الْغِيلَةِ مُكَرَّرًا مَعَ قَوْلِهِ قَبْلُ، وَقَتْلُ الْغِيلَةِ لَا عَفْوَ فِيهِ فَدَعْوَى التَّكْرَارِ بِغَيْرِ تَقْيِيدِهِ بِالْمَفْهُومِ نَظَرٌ، وَدَعْوَى عَدَمِ التَّكْرَارِ مُطْلَقًا نَظَرٌ.
قَالَ الشَّيْخُ: إلَّا أَنْ يُقَالَ: صَرَّحَ بِهِ دَفْعًا لَمَّا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ لَا عَفْوَ فِيهِ لِغَيْرِ الْمَقْتُولِ.
[قَوْلُهُ: وَعَفْوُهُ فِي ثُلُثِهِ] سَوَاءٌ نُفِذَتْ مَقَاتِلُهُ أَمْ لَا، وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ
نَفْسِهِ (الْخَطَأِ) كَائِنٌ (فِي ثُلُثِهِ) ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ مَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِ فَلِلْوَرَثَةِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ.
وَالْمُسْتَحَقُّونَ لِلدَّمِ إمَّا أَنْ يَكُونُوا كُلُّهُمْ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا أَوْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَأَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ عَفَا أَحَدُ الْبَنِينَ) بَعْدَ ثُبُوتِ الدَّمِ، وَكَانَ بَالِغًا (فَلَا قَتْلَ) ؛ لِأَنَّ الدَّمَ لَمَّا لَمْ يَتَبَعَّضْ كَانَ سُقُوطُ بَعْضِهِ يُوجِبُ سُقُوطَ جَمِيعِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ سُقُوطُ الْقَتْلِ بِعَفْوِ بَعْضِ الْبَنِينَ سَقَطَ نَصِيبُهُ وَحْدَهُ (وَ) يَثْبُتُ (لِمَنْ بَقِيَ) مِنْ الْبَنِينَ (نَصِيبُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ لَا يَسْقُطُ جَمِيعُهُ بِإِسْقَاطِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ، وَالثَّانِي لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ وَبَيَّنَّاهُ فِي الْأَصْلِ.
وَالثَّالِثُ: لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونُوا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانُوا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا عَفْوَ لِلْبَنَاتِ مَعَ الْبَنِينَ) إنْ لَمْ يَكُونُوا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَانَ الذُّكُورُ أَقْرَبَ فَلَا كَلَامَ لِلْبَنَاتِ، وَإِنْ كَانَ الْبَنَاتُ أَقْرَبَ فَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَيْهِ أَوْ بِاجْتِمَاعِ بَعْضٍ مِنْ كُلِّ الصِّنْفَيْنِ، أَوْ بِاجْتِمَاعِ أَحَدِ الصِّنْفَيْنِ وَبَعْضِ الصِّنْفِ الْآخَرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بِأَنْ عَفَا أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ وَأَرَادَ الصِّنْفُ الْآخَرُ الْقَتْلَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ أَرَادَ الْقَتْلَ (وَمَنْ عَفَا عَنْهُ فِي الْعَمْدِ) أَوْ تَعَذَّرَ مِنْهُ الْقِصَاصُ لِعَدَمِ التَّكَافُؤِ كَالْمُسْلِمِ يَقْتُلُ الْكَافِرَ (ضُرِبَ مِائَةً) رَدْعًا (وَحُبِسَ عَامًا) وَعَلَى ذَلِكَ
[حاشية العدوي]
أَجَازَهُ الْوَرَثَةُ فَابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ قَالَهُ عج.
فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُ أَلْفَانِ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَدِيَتُهُ أَلْفٌ فَإِنَّ الدِّيَةَ تَسْقُطُ عَنْ عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالٌ سَقَطَ عَنْ الْقَاتِلِ مَعَ عَاقِلَتِهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ إلَّا أَنْ تُجِيزَ الْوَرَثَةُ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ عَفَا أَحَدُ الْبَنِينَ] أَيْ أَوْ مَا فِي حُكْمِهِمْ مِنْ كُلِّ شَخْصَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مُشْتَرِكِينَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ لِتَسَاوِيهِمْ كَأَحَدِ عَمَّيْنِ أَوْ أَخَوَيْنِ أَوْ مُعْتِقَيْنِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ مُسَاوَاةٌ فَعَفْوُ الْبَعِيدِ لَغْوٌ وَالْقَرِيبُ مُعْتَبَرٌ بِالْأَوْلَى.
[قَوْلُهُ: وَكَانَ بَالِغًا] أَيْ وَعَاقِلًا.
[قَوْلُهُ: وَيَثْبُتُ لِمَنْ بَقِيَ] وَامْتَنَعُوا مِنْ الْعَفْوِ وَلَا شَيْءَ لِلْعَافِي إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَفَا عَنْهَا صَرِيحًا أَوْ يَظْهَرُ مِنْهُ إرَادَتُهَا فَيَحْلِفُ، وَيَبْقَى عَلَى حَقِّهِ، " وَنَصِيبُهُمْ " بِالْجَمْعِ مُرَاعَاةً لِمَعْنَى " مِنْ ".
[قَوْلُهُ: نَصِيبُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ] أَيْ دِيَةِ عَمْدٍ، وَمَحَلُّ اسْتِحْقَاقِ الْبَاقِي نَصِيبَهُ مِنْ الدِّيَةِ إذَا كَانَ لَهُ التَّكَلُّمُ فِي الْعَفْوِ وَعَدَمِهِ أَوْ مَعَ مَنْ لَهُ التَّكَلُّمُ، مِثَالُ الْأَوَّلِ عَفْوُ أَحَدِ الْبَنِينَ الذُّكُورِ، وَمِثَالُ الثَّانِي لَوْ عَفَا أَحَدُ الْبَنِينَ وَمَعَهُمَا بِنْتٌ.
وَلَوْ عَفَتْ الْبِنْتُ مَجَّانًا وَمَعَهَا أُخْتٌ فَلَا شَيْءَ لِلْأُخْتِ لِأَنَّ الْبِنْتَ أَوْلَى مِنْ الْأُخْتِ فِي عَفْوٍ.
وَضِدُّهُ حَيْثُ كَانَ ثَابِتًا بِاعْتِرَافٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ، وَأَمَّا لَوْ احْتَاجَ لِقَسَامَةٍ فَلَا تُقْسِمُ النِّسَاءُ وَإِنَّمَا يُقْسِمُ الْعَصَبَةُ، فَإِنْ أَرَادَتْ الْعَفْوَ فَلَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِ الْفَرِيقَيْنِ أَوْ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ.
[قَوْلُهُ: وَالثَّانِي لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ] حَاصِلُهُ أَنَّ اللَّوَاتِي لَهُنَّ مَدْخَلٌ فِي الدَّمِ الْبَنَاتُ دُونَ بَنَاتِهِنَّ وَبَنَاتُ الْأَبْنَاءِ الذُّكُورِ وَإِنْ سَفَلْنَ دُونَ بَنَاتِهِنَّ، وَالْأَخَوَاتُ الْأَشِقَّاءُ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ فَإِنْ كُنَّ بَنَاتٍ وَعَفَا بَعْضُهُنَّ وَطَلَبَ بَعْضُهُنَّ الْقَتْلَ نُظِرَ فِي مِلْكِ السُّلْطَانِ بِالِاجْتِهَادِ إذَا كَانَ عَدْلًا فَإِنْ رَأَى الْعَفْوَ أَوْ الْقَتْلَ أَمْضَى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إمَامٌ عَادِلٌ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَتْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْبَلَدِ جَمَاعَةٌ عُدُولٌ يَجْتَمِعُونَ وَيَنْظُرُونَ، فَإِنْ أَرَادُوا الْقَتْلَ قَتَلُوا وَيَنُوبُونَ مَنَابَ السُّلْطَانِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا عَفْوَ لِلْبَنَاتِ] أَيْ وَلَا لِلْأَخَوَاتِ مَعَ الْإِخْوَةِ وَإِنَّمَا الْعَفْوُ وَالِاسْتِيفَاءُ لِلْعَاصِبِ دُونَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْإِنَاثِ الْمُتَسَاوِيَاتِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا كَلَامَ لِلْبَنَاتِ] هَذِهِ مَفْهُومَةٌ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، وَالْمُرَادُ بِهِنَّ النِّسَاءُ لَا بَنَاتُ الْمَيِّتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الذُّكُورُ أَقْرَبُ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْبَنَاتُ أَقْرَبَ] هَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يَحُزْنَ الْمِيرَاثَ مُطْلَقًا أَوْ حُزْنَ الْمِيرَاثَ وَثَبَتَ الْقَتْلُ بِقَسَامَةٍ، فَإِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ اعْتِرَافٍ فَالْكَلَامُ لِلنِّسَاءِ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: فَلَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا] أَيْ اجْتِمَاعِ الْقِسْمَيْنِ وَهُمَا الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ كَالْبَنَاتِ مَعَ الْإِخْوَةِ أَوْ الْأَعْمَامِ.
[قَوْلُهُ: فِي الْعَمْدِ] أَيْ الْعُدْوَانِ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ تَعَذَّرَ مِنْهُ أَيْ أَوْ وَرِثَ دَمَ نَفْسِهِ وَلَوْ قِسْطًا مِنْهُ مِثْلَ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدُ ابْنَيْنِ أَبَاهُ عَمْدًا ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ الْآخَرُ فَإِنَّ الْقَاتِلَ قَدْ وَرِثَ جَمِيعَ دَمِ نَفْسِهِ، وَمِثَالُ إرْثِ الْقِسْطِ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدُ الْأَوْلَادِ أَبَاهُ عَمْدًا وَثَبَتَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ لِجَمِيعِ إخْوَتِهِ ثُمَّ يَمُوتُ أَحَدُهُمْ فَإِنَّ الْقِصَاصَ يَسْقُطُ عَنْ الْقَاتِلِ لِأَنَّهُ وَرِثَ بَعْضَ دَمِ نَفْسِهِ وَلِبَقِيَّةِ إخْوَتِهِ حَظُّهُمْ مِنْ دِيَةِ عَمْدٍ.
[قَوْلُهُ: ضُرِبَ مِائَةً] أَيْ مِائَةَ سَوْطٍ وَمِائَةً بِالنَّصْبِ
مَضَى عَمَلُ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ أَثَرًا آخَرَ مِنْ آثَارِ الْجِنَايَةِ بِقَوْلِهِ: (وَالدِّيَةُ) وَاحِدَةُ الدِّيَاتِ بِتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ وَهِيَ اصْطِلَاحًا مَالٌ يَجِبُ بِقَتْلِ آدَمِيٍّ حُرٍّ عِوَضًا عَنْ دَمِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الْمُوَطَّأِ: «إنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ» وَالْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ وَبَدَأَ بِبَيَانِ دِيَةِ الذَّكَرِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي الْخَطَإِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْخَطَإِ الدِّيَةُ وَفِي الْعَمْدِ الْقِصَاصُ، وَقَدْ تَعْرِضُ فِيهِ الدِّيَةُ وَهِيَ مُخْتَلِفَةُ الْجِنْسِ بِحَسَبِ الْجَانِي فَ (عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ) وَهُمْ أَهْلُ الْبَادِيَةِ وَالْعَمُودِ (مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ) مُخَمَّسَةٌ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ (وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ) كَأَهْلِ مِصْرَ وَالشَّامِ (أَلْفُ دِينَارٍ وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ) كَأَهْلِ الْعِرَاقِ (اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ) وَأُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الدِّيَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ
[حاشية العدوي]
نِيَابَةً عَنْ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ خَلِيلٍ أَنَّ الضَّرْبَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْحَبْسِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْقَاتِلِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي تَأْدِيبِهِ تَكْلِيفُهُ.
تَنْبِيهٌ:
قَوْلُهُ: وَحُبِسَ عَامًا أَيْ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ فَيُغَرَّبُ.
[أَحْكَام الدِّيَة]
[الدِّيَة فِي النَّفْس]
[قَوْلُهُ: ثُمَّ شَرَعَ إلَخْ] أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْجِنَايَةَ اثْنَانِ دِيَةٌ وَقِصَاصٌ، وَأَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الْقِصَاصِ وَالْآنَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الثَّانِي وَهُوَ الدِّيَةُ.
[قَوْلُهُ: وَالدِّيَةُ] وَاحِدَةُ الدِّيَاتِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْوَدَى وَهُوَ الْهَلَاكُ، يُقَالُ: أَوْدَى فُلَانٌ إذَا هَلَكَ فَلَمَّا كَانَتْ تَلْزَمُ مِنْ الْهَلَاكِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: بِتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ] رَاجِعْ الْمُفْرَدَ وَالْجَمْعَ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ اصْطِلَاحًا] أَيْ وَأَمَّا لُغَةً فَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ وَدَى الْقَاتِلُ الْقَتِيلَ يَدِيهِ دِيَةً إذَا أَعْطَى لَهُ الْمَالَ الَّذِي هُوَ بَدَلُ النَّفْسِ وَفَاؤُهَا مَحْذُوفَةٌ وَالْهَاءُ عِوَضٌ، وَالْأَصْلُ وَدَى مِثْلُ وَعَدَ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ الْمَالُ دِيَةً أَيْ فِي اللُّغَةِ وَالِاصْطِلَاحِ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ.
[قَوْلُهُ: بِقَتْلِ آدَمِيٍّ] فَمَا وَجَبَ فِي قَطْعِ يَدٍ مَثَلًا لَا يُقَالُ فِيهِ دِيَةٌ أَيْ حَقِيقَةً هَذَا ظَاهِرُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقَالُ لَهَا دِيَةٌ حَقِيقَةً إذْ قَدْ وَقَعَ التَّعْبِيرُ بِهِ فِي كَلَامِهِمْ، وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ وَحَرِّرْ.
وَقَوْلُهُ: آدَمِيٌّ خَرَجَ غَيْرُهُ فَمَا وَجَبَ فِي قَتْلِهِ يُقَالُ فِيهِ قِيمَةٌ.
وَقَوْلُهُ: حُرٌّ خَرَجَ الرِّقُّ فَمَا وَجَبَ فِي قَتْلِهِ يُقَالُ فِيهِ قِيمَةٌ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ: عِوَضًا عَنْ دَمِهِ أَيْ ذَاتِهِ.
[قَوْلُهُ: وَقَوْلِهِ] مَعْطُوفٌ عَلَى مَدْخُولِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ لِقَوْلِهِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: فِي الْمُوَطَّأِ] اعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ الْمُوَطَّأِ بِتَمَامِهِ وَحَذَفَ الْحَرْفَ الْمُؤَكِّدَ وَهُوَ إنَّ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ، وَلَفْظُهَا إنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَفِي الْأَنْفِ إذَا أُوعِيَ جَدْعًا مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَفِي الْجَائِفَةِ مِثْلُهَا، وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ.
[قَوْلُهُ: وَالْإِجْمَاعُ] مَعْطُوفٌ عَلَى مَدْخُولِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ لِقَوْلِهِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْخَطَإِ الدِّيَةُ لَا مُحْتَرَزَ] لَهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ وَفِي الْعَمْدِ الْقِصَاصُ فَلَهُ مُحْتَرَزٌ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ تُفْرَضُ فِيهِ الدِّيَةُ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ.
[قَوْلُهُ: فَعَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ] أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ مِنْ أَصْحَابِ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ.
[قَوْلُهُ: الْبَادِيَةِ] خِلَافُ الْحَاضِرَةِ.
وَقَوْلُهُ: الْعَمُودِ مَعْطُوفٌ عَلَى الْبَادِيَةِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَيُقَالُ لِأَصْحَابِ الْأَخْبِيَةِ أَهْلُ عَمُودٍ اهـ. أَيْ لِكَوْنِ الْخِبَاءِ يُقَامُ عَلَى الْعَمُودِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ هُمْ أَهْلُ الْعَمُودِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ فِي كُلِّ إقْلِيمٍ مِنْ أَهْلِ الْإِبِلِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُمْ إلَّا الْخَيْلُ أَوْ الْبَقَرُ مَثَلًا فَلَا نَصَّ، وَاسْتَظْهَرَ أَنَّهُمْ يُكَلَّفُونَ مَا يَجِبُ عَلَى حَاضِرَتِهِمْ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْإِبِلِ] الْمَحَلُّ لِلضَّمِيرِ فَالْأَنْسَبُ مِنْهَا.
[قَوْلُهُ: مُخَمَّسَةٍ] سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
[قَوْلُهُ: كَأَهْلِ مِصْرَ وَالشَّامَ] دَخَلَ تَحْتَ الْكَافِ أَهْلُ الْمَغْرِبِ وَمَنْ لَحِقَ بِهِمْ.
[قَوْلُهُ: أَلْفُ دِينَارٍ] وَزْنُ الدِّينَارِ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ شَعِيرَةً مُتَوَسِّطَاتٍ.
[قَوْلُهُ: كَأَهْلِ الْعِرَاقِ] دَخَلَ تَحْتَ الْكَافِ فَارِسُ وَخُرَاسَانُ.
[قَوْلُهُ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ] وَزْنُ الدِّرْهَمِ خَمْسُونَ وَخُمُسَا حَبَّةٍ مِنْ مُتَوَسِّطَاتِ الشَّعِيرِ وَصَرْفُ دِينَارِ الدِّيَةِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا كَدِينَارِ السَّرِقَةِ
كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ فَلَا تَكُونُ مِنْ الْبَقَرِ وَلَا مِنْ الْغَنَمِ وَلَا مِنْ الْعُرُوضِ.
ثُمَّ ثَنَّى بِدِيَةِ الْعَمْدِ فَقَالَ: (وَدِيَةُ الْعَمْدِ إذَا قُبِلَتْ) تَكُونُ مُرَبِّعَةً مِنْ كُلِّ سِنٍّ مِنْ الْإِنَاثِ (خَمْسٌ) وَفِي رِوَايَةٍ خَمْسٌ (وَعِشْرُونَ حِقَّةً) وَهِيَ بِنْتُ أَرْبَعِ سِنِينَ (وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً) وَهِيَ بِنْتُ خَمْسِ سِنِينَ (وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ) وَهِيَ بِنْتُ ثَلَاثِ سِنِينَ (وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ) وَهِيَ بِنْتُ سَنَتَيْنِ.
.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ: إذَا قُبِلَتْ أَنَّ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ لَهُمْ الْخِيَارُ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَرِوَايَتُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَرَوَاهُ بِتَعَيُّنِ الْقَوَدِ لَيْسَ إلَّا، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ إذَا قَالَ الْأَوْلِيَاءُ: نَأْخُذُ الدِّيَةَ وَامْتَنَعَ الْقَاتِلُ وَمَكَّنَ نَفْسَهُ مِنْ الْقِصَاصِ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُجْبَرُ عَلَى الدِّيَةِ، وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ يُجْبَرُ عَلَيْهَا، وَأَيْضًا لَوْ عَفَا الْأَوْلِيَاءُ وَسَكَتُوا وَلَمْ يَذْكُرُوا شَيْئًا حِينَ الْعَفْوِ ثُمَّ طَلَبُوا الدِّيَةَ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا شَيْءَ لَهُمْ وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ لَهُمْ الدِّيَةُ.
.
(وَدِيَةُ الْخَطَإِ مُخَمَّسَةٌ) عِشْرُونَ (مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا) مِنْ الْحِقَّةِ وَالْجَذَعَةِ وَبِنْتِ اللَّبُونِ وَبِنْتِ الْمَخَاضِ (وَ) يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ (عِشْرُونَ بَنُو لَبُونٍ ذُكُورًا) فَدِيَةُ الْعَمْدِ نَاقِصَةٌ عَنْ دِيَةِ الْخَطَإِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَنْوَاعِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْعَدَدِ وَاحِدَةً لِإِسْقَاطِ ابْنِ اللَّبُونِ الذَّكَرِ وَزِيَادَةِ عِشْرِينَ عَلَى الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ فَهِيَ مُغَلَّظَةٌ وَدِيَةُ الْخَطَأِ مُخَفَّفَةٌ؛ لِأَنَّ فِيهَا الذُّكُورَ، وَالذُّكُورُ أَخَفُّ مِنْ الْإِنَاثِ.
.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الدِّيَةِ الْمُرَبَّعَةِ وَالْمُخَمَّسَةِ انْتَقَلَ يُبَيِّنُ الدِّيَةَ الْمُثَلَّثَةَ فَقَالَ: (وَإِنَّمَا تُغَلَّظُ الدِّيَةُ فِي الْأَبِ يَرْمِي ابْنَهُ بِحَدِيدَةٍ) وَنَحْوِهَا غَيْرَ قَاصِدٍ بِذَلِكَ قَتْلَهُ (فَيَقْتُلُهُ فَلَا يُقْتَلُ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ، أَمَّا إذَا كَانَ ثَمَّ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ قَتْلَهُ حَقِيقَةً فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَمْ يُرِدْ بِإِنَّمَا الْحَصْرَ فَإِنَّ الْأُمَّ
[حاشية العدوي]
وَالنِّكَاحُ بِخِلَافِ دِينَارِ الْجِزْيَةِ وَالزَّكَاةِ فَصَرْفُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَأَمَّا دِينَارُ الصَّرْفِ فَلَا يَنْضَبِطُ.
[قَوْلُهُ: إنَّ الدِّيَةَ لَا تَكُونُ إلَخْ] أَيْ لَا يُجْبَرُونَ عَلَى غَيْرِهَا أَمَّا لَوْ تَرَاضَوْا عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ غَيْرِهَا لَأَجْزَأَ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ خِلَافٍ فِي الذَّهَبِ وَعِبَارَةُ تت ظَاهِرُهَا أَنَّهُ وِفَاقٌ لِأَنَّهُ قَالَ: وَلَا يُؤْخَذُ فِيهَا عَرْضٌ وَلَا بَقَرٌ وَلَا غَنَمٌ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَالَ الْمُخَالِفُ: عَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَانِ مِنْهَا وَعَلَى أَهْلِ الْغَنَمِ أَلْفُ شَاةٍ وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَةُ حُلَّةٍ اهـ.
تَنْبِيهٌ:
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: الْأَمْرُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فِي الدِّيَةِ إبِلٌ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْعَمُودِ ذَهَبٌ وَلَا وَرِقٌ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ وَرِقٌ وَلَا إبِلٌ أَيْ فَدَفْعُهَا مِنْ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ وَاجِبٌ
[قَوْلُهُ: وَدِيَةُ الْعَمْدِ] أَيْ دِيَةُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الذَّكَرِ وَقَوْلُهُ: إذَا قُبِلَتْ بِأَنْ حَصَلَ عَفْوٌ عَلَيْهَا أَوْ تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ لِفَقْدِ الْمُمَاثَلَةِ.
[قَوْلُهُ: مُرَبِّعَةٌ] أَيْ تُؤْخَذُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ تَغْلِيظًا عَلَى الْقَاتِلِ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ لَا تُغَلَّظُ بِالتَّرْبِيعِ إلَّا عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ] بِالتَّاءِ وَالْأَنْسَبُ رِوَايَةُ حَذْفِ التَّاءِ
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ] أَيْ قَالَ بِهِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ.
وَهُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: يَتَعَيَّنُ الْقَوَدُ لَيْسَ إلَّا] أَيْ لَا الْعَفْوُ بِالدِّيَةِ وَأَمَّا الْعَفْوُ مَجَّانًا فَلَهُمْ
[قَوْلُهُ: وَدِيَةُ الْخَطَإِ] أَيْ وَدِيَةُ الذَّكَرِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الْخَطَأِ عَلَى الْقَاتِلِ الْبَادِي مُخَمَّسَةٌ رِفْقًا بِالْمُؤَدِّي لَهَا.
[قَوْلُهُ: ذُكُورًا] تَأْكِيدٌ لِأَنَّ ابْنَ لَا يُطْلَقُ: إلَّا عَلَى الذُّكُورِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ] أَيْ فِي الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ
[قَوْلُهُ: بِحَدِيدَةٍ وَنَحْوِهَا] أَيْ كَالْحَجَرِ وَالْخَشَبَةِ أَوْ إلْقَائِهِ مِنْ الْحَائِطِ مَثَلًا.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ] قَضِيَّتُهُ أَنَّ مُوجِبَ قَتْلِ الْجَانِي قَصْدُ الْقَتْلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ قَصْدُ الضَّرْبِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْقَتْلَ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا كَانَ ثَمَّ قَرِينَةٌ إلَخْ] أَيْ أَوْ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ قَصَدَ قَتْلَهُ أَوْ فَعَلَ بِهِ شَيْئًا شَأْنُهُ الْقَتْلُ بِأَنْ ذَبَحَهُ أَوْ شَقَّ
وَإِنْ عَلَتْ وَالْجَدَّ وَإِنْ عَلَا كَالْأَبِ فِي ذَلِكَ (وَ) اُخْتُلِفَ فِيمَنْ تَكُونُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ عَلَى أَقْوَالٍ أَحَدُهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّهَا (تَكُونُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَاتِلِ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ فِي ذِمَّتِهِ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ الْآنَ أُخِذَ مِنْهُ وَإِلَّا اُنْتُظِرَ يُسْرُهُ وَهِيَ (ثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَثَلَاثُونَ حِقَّةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً) بِكَسْرِ اللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ وَهِيَ الْحَوَامِلُ وَقَوْلُهُ: (فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا) تَكْرَارٌ زِيَادَةً فِي الْبَيَانِ (وَقِيلَ ذَلِكَ) أَيْ الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ فِي حَقِّ الْأَبِ (عَلَى عَاقِلَتِهِ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يَعْنِي قَبِيلَتَهُ الَّتِي تَعْقِلُ عَنْهُ وَالْعَقْلُ الدِّيَةُ (وَقِيلَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ) إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَتِهِ، وَهُنَا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ.
(وَ) أَمَّا (دِيَةُ الْمَرْأَةِ) الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ فَ (عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ) الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فَدِيَتُهَا خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ مُخَمَّسَةٌ أَوْ مُرَبَّعَةٌ عَلَى حَسَبِ الْقَتْلِ فِي الْخَطَإِ وَالْعَمْدِ، فَإِنْ كَانَتْ مُغَلَّظَةً تَكُونُ مُثَلَّثَةً سِتَّةَ عَشَرَ وَثُلُثَا بَعِيرٍ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ، وَمِنْ الذَّهَبِ
[حاشية العدوي]
جَوْفَهُ فَفِي هَذَا كُلِّهِ يُقْتَلُ بِهِ، وَأَمَّا إنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَتَكُونُ دِيَتُهُ مُخَمَّسَةً كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَجَانِبِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، وَبِقَوْلِ أَشْهَبَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لِمَا رُوِيَ لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ لِأَنَّهُ كَانَ السَّبَبُ فِي إيجَادِهِ فَلَا يَكُونُ الْوَلَدُ سَبَبًا فِي إعْدَامِهِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْأُمَّ إلَخْ] يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ بِالْأَبِ الْأَصْلَ فَيَشْمَلُ الْأَجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ، وَلَا يَخْتَصُّ مَا ذَكَرَهُ بِالْمُسْلِمِ بَلْ لَوْ فَعَلَهُ الْكَافِرُ بِابْنِهِ وَتَرَافَعُوا إلَيْنَا لَغُلِّظَتْ عَلَى الْأَبِ الدِّيَةُ، وَلَوْ كَانَ مَجُوسِيًّا.
تَنْبِيهٌ:
إنَّمَا سَقَطَتْ عَلَى الْأَبِ بِالتَّثْلِيثِ وَلَمْ يُقْتَلْ بِفَرْعِهِ لِأَنَّهَا حَالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فَبِتَعَمُّدِ الْمَرْمَى يُنَاسِبُهُ التَّغْلِيظُ وَمَا عِنْدَهُ مِنْ الْحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ يُنَاسِبُ إسْقَاطَ الْقَتْلِ كَالْخَطَأِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرَهُ] أَيْ غَيْرَ الْأَبِ مِنْ الْأُمِّ وَالْجَدِّ مِمَّنْ تُغَلَّظُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ.
[قَوْلُهُ: فِي ذِمَّتِهِ] أَيْ حَالَّةً غَيْرَ مُؤَجَّلَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ الْحَوَامِلُ] أَيْ الْأَرْبَعُونَ.
[قَوْلُهُ: زِيَادَةً فِي الْبَيَانِ] أَيْ فَأَرَادَ بِالتَّكْرَارِ أَنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي الْبَيَانِ.
تَنْبِيهٌ:
قَالَ فِي الْجَلَّابِ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ أَسْنَانُهَا اهـ.
[قَوْلُهُ: فِي حَقِّ الْأَبِ] أَيْ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ تُغَلَّظُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي قَبِيلَتَهُ سَيَأْتِي بَيَانُهَا] أَيْ وَهُوَ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ.
[قَوْلُهُ: الَّتِي تَعْقِلُ عَنْهُ] أَيْ تَغْرَمُ مَا لَزِمَهُ مِنْ الدِّيَةِ، أَيْ لِأَنَّ الدِّيَةَ تَلْزَمُهُ بِتَمَامِهَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ جَانِيًا لَكِنْ جَاءَ الشَّرْعُ بِكَوْنِهَا تُؤَدِّي عَنْهُ وَهُوَ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَحَاصِلُ الْأَقْوَالِ فَالْأَوَّلُ الْمَشْهُورُ أَنَّهَا فِي مَالِ الْأَبِ مُطْلَقًا حَالَّةً، وَالثَّانِي أَنَّهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ حَالَّةً مُطْلَقًا، وَالثَّالِثُ إنْ كَانَ غَنِيًّا فَفِي مَالِهِ وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَتِهِ حَالَّةً كَمَا ذَكَرَهُ عج.
تَنْبِيهٌ:
تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى تَغْلِيظِهَا بِالتَّثْلِيثِ عَلَى الْأَصْلِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِبِلِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْأَبُ مِنْ أَهْلِ النَّقْدِ، وَفِي تَغْلِيظِهَا خِلَافٌ وَالرَّاجِحُ أَنَّهَا تُغَلَّظُ عَلَيْهِ أَيْضًا فَتُقَوَّمُ الْمُثَلَّثَةُ حَالَّةً وَالْمُخَمَّسَةُ عَلَى تَأْجِيلِهَا، وَيَأْخُذُ مَا زَادَتْهُ الْمُثَلَّثَةُ عَلَى الْمُخَمَّسَةِ وَيَنْسُبُ الْمُخَمَّسَةَ فَمَا بَلَغَ بِالنِّسْبَةِ يُزَادُ عَلَى الدِّيَةِ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ، فَإِذَا قِيلَ الْمُخَمَّسَةُ عَلَى آجَالِهَا تُسَاوِي مِائَةً وَالْمُثَلَّثَةُ عَلَى حُلُولِهَا تُسَاوِي مِائَةً وَعِشْرِينَ فَإِنَّهُ يُزَادُ عَلَى الدِّيَةِ الْمُخَمَّسَةِ مِثْلُ خُمُسِهَا فَتَكُونُ مِنْ الذَّهَبِ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ، وَمِنْ الْوَرِقِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَأَمَّا الْمُرَبَّعَةُ فَلَا تُغَلَّظُ إلَّا مِنْ الْإِبِلِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ دِيَةُ الْعَمْدِ مِنْ الْعَيْنِ فَلَا تُغَلَّظُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُ الْجَانِي الْأَلْفَ دِينَارٍ أَوْ الِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ
[قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَتْ مُغَلَّظَةً] وَذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ بِنْتًا وَعَلَيْهِ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَرْمِي ابْنَهُ مِثْلُهُ بِنْتُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا هُنَا وَكَأَنَّهُ سَكَتَ عَنْهُ فِيمَا مَرَّ اتِّكَالًا عَلَى قَوْلِهِ هُنَا وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ.
[قَوْلُهُ: تَكُونُ مُثَلَّثَةً سِتَّةَ عَشَرَ] خِلَافُ الصَّوَابِ وَالصَّوَابُ
خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ، وَمِنْ الْوَرِقِ سِتَّةُ آلَافِ دِرْهَمٍ.
(وَكَذَلِكَ دِيَةُ الْكِتَابِيِّينَ) وَهُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نِصْفُ دِيَةِ رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا فِي النَّسَائِيّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «عَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ» (وَنِسَاؤُهُمْ) أَيْ نِسَاءُ الْكِتَابِيِّينَ (عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ نِصْفِ دِيَةِ رِجَالِهِمْ (وَالْمَجُوسِيُّ) وَهُوَ مَا لَيْسَ بِكِتَابِيٍّ (دِيَتُهُ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ) إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ.
وَعَلَى هَذِهِ النِّسْبَةِ تَكُونُ دِيَتُهُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْإِبِلِ فَتَكُونُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ دِينَارًا وَثُلُثَا دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ سِتَّةُ أَبْعِرَةٍ وَثُلُثَا بَعِيرٍ (وَنِسَاؤُهُمْ) أَيْ نِسَاءُ الْمَجُوسِ (عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ رِجَالِهِمْ فَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ دِينَارًا وَثُلُثُ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ ثَلَاثَةُ أَبْعِرَةٍ وَثُلُثُ بَعِيرٍ (وَدِيَةُ جِرَاحِهِمْ كَذَلِكَ) أَيْ دِيَةُ جِرَاحِ نِسَاءِ الْمَجُوسِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ رِجَالِهِمْ وَجَمَعَ النِّسَاءَ بِالْمِيمِ بِاعْتِبَارِ الْأَشْخَاصِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ دِيَةِ النَّفْسِ شَرَعَ يُبَيِّنُ دِيَةَ الْأَعْضَاءِ وَالْجِرَاحِ فَقَالَ: (وَفِي الْيَدَيْنِ) أَيْ قَطْعِ مَجْمُوعِهِمَا (الدِّيَةُ) كَامِلَةً ظَاهِرُهُ كَانَ الْقَطْعُ مِنْ الْكُوعِ أَوْ مِنْ الْمِرْفَقِ أَوْ الْمَنْكِبِ ق: هَذَا إذَا كَانَ فِي كَفِّهِ أَصَابِعُ فَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ أَصَابِعِهِ وَقَطَعَ آخَرُ بَعْضَهَا فَعَلَى الثَّانِي بِحِسَابِهِ (وَكَذَلِكَ فِي) مَجْمُوعِ
[حاشية العدوي]
عِبَارَةُ التَّحْقِيقِ، وَفِي الْمُغَلَّظَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ وَعِشْرُونَ خَلِفَةً اهـ. وَكَذَا فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ
[قَوْلُهُ: عَقْلٌ] أَيْ دِيَةٌ.
[قَوْلُهُ: الْمَجُوسِيُّ] وَمِثْلُهُ الْمُرْتَدُّ.
قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ: وَالْمَجُوسِيُّ وَالْمُرْتَدُّ ثُلُثُ خُمُسِ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ دِيَةُ جِرَاحِ نِسَاءِ الْمَجُوسِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ رِجَالِهِمْ] أَيْ مِنْ دِيَةِ جِرَاحِ رِجَالِهِمْ، وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ مُسَاوَاةِ الْأُنْثَى لِلذَّكَرِ مِنْهُمْ فِيمَا دُونَ الثُّلُثِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي، وَتُعَاقِلُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ إلَى ثُلُثِ دِيَةِ الرَّجُلِ فَإِذَا بَلَغَتْهَا رَجَعَتْ إلَى عَقْلِهَا فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ تُسَاوِي الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ دِينِهَا فِي دِيَةِ الْجِرَاحِ إلَى بُلُوغِ الثُّلُثِ، فَإِذَا بَلَغَتْ ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ تَرْجِعُ لِدِيَتِهَا فَتَأْخُذُ نِصْفَ مَا يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءِ مَجُوسِيَّةٍ وَلَا كِتَابِيَّةٍ، فَلَعَلَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ: وَدِيَةُ جِرَاحِهِمْ كَذَلِكَ أَيْ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا تُسَاوِيهِ فِيمَا دُونَ الثُّلُثِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: كَذَلِكَ أَيْ عَلَى النِّصْفِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا بَلَغَ الْوَاجِبُ ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ وَحِينَئِذٍ لَا وَجْهَ لِقَصْرِ كَلَامِهِ عَلَى نِسَاءِ الْمَجُوسِ بَلْ يَكُونُ كَلَامُهُ عَامًّا فِي جِرَاحِ نِسَاءِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَإِخْرَاجُ نِسَاءِ الْمَجُوسِ مِنْ عُمُومِ تَعَاقُلِ الْمَرْأَةِ إلَخْ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ.
قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ: وَسَاوَتْ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ بِثُلُثِ دِيَتِهِ فَتَرْجِعُ لِدِيَتِهَا.
قَالَ شُرَّاحُهُ: أَيْ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُسَاوِي الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ دِينِهَا إلَى ثُلُثِ دِيَتِهِ فَتَرْجِعُ حِينَئِذٍ إلَى دِيَتِهَا، فَإِذَا جَنَى عَلَى كِتَابِيٍّ مُوضِحَةً فَفِيهَا نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ وَذَلِكَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ دِينَارًا وَمِنْ الْوَرِقِ ثَلَاثُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَكَذَا مُوضِحَةُ الْمَرْأَةِ الْكِتَابِيَّةِ فَإِنْ جَنَى عَلَيْهَا جَائِفَةً رَجَعَتْ إلَى عَقْلِهَا وَهُوَ ثُلُثُ دِيَتِهَا وَذَلِكَ ثَمَانُونَ دِينَارًا وَثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ وَثُلُثُ دِينَارٍ، وَفِي مُوضِحَةِ الْمَجُوسِيِّ نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَمُوضِحَةُ نِسَائِهِمْ كَذَلِكَ، وَفِي جَائِفَتِهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ وَذَلِكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ دِرْهَمًا وَثُلُثَا دِرْهَمٍ، وَفِي جَائِفَةِ الْمَرْأَةِ مِنْهُمْ نِصْفُ ذَلِكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا وَثُلُثُ دِرْهَمٍ.
[قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ الْأَشْخَاصِ] أَيْ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِمْ أَشْخَاصًا.
[دِيَةَ الْأَعْضَاءِ]
[قَوْلُهُ: الدِّيَةُ كَامِلَةً] قَطَعَهُمَا خَطَأً أَوْ عَمْدًا، وَسَقَطَ الْقِصَاصُ بِمَا يُسْقِطُهُ.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ كَانَ الْقَطْعُ إلَخْ] هَذَا الظَّاهِرُ مُسَلَّمٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ عج فِي حَاشِيَتِهِ، فَقَالَ: أَيْ سَوَاءٌ قُطِعَا مِنْ الْأَصَابِعِ أَوْ مِنْ الْكُوعَيْنِ.
أَوْ مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ أَوْ مِنْ الْمَنْكِبَيْنِ.
[قَوْلُهُ: هَذَا إذَا كَانَ فِي كَفِّهِ أَصَابِعُ] وَهَكَذَا فِي التَّحْقِيقِ، أَيْ أَنَّ مَحَلَّ وُجُوبِ الدِّيَةِ كَامِلَةً إذَا كَانَ فِي كَفِّهِ أَصَابِعُ، وَقَوْلُهُ: فَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ أَصَابِعِهِ أَيْ سَابِقًا وَجَاءَ شَخْصٌ آخَرُ قَطَعَ بَعْضَهَا أَيْ مَعَ الْكَفِّ.
مُلَخَّصُهُ أَنَّهُ قَطَعَ الْيَدَ وَلَمْ تَكُنْ كَامِلَةَ الْأَصَابِعِ فَعَلَى الثَّانِي بِحِسَابِهِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ نَاقِصَةً أَكْثَرَ مِنْ أُصْبُعٍ بِأَنْ كَانَتْ نَاقِصَةً أُصْبُعَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَلِصَاحِبِهَا دِيَةُ مَا فِيهَا مِنْ بَاقِي الْأَصَابِعِ وَلَا شَيْءَ فِي الْكَفِّ حَيْثُ كَانَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أُصْبُعٍ وَإِنْ كَانَ فِيهَا وَاحِدَةٌ فَدِيَتُهَا وَحُكُومَةٌ فِي الْكَفِّ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا إلَّا كَفٌّ وَاحِدٌ فَلَيْسَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَّا الْحُكُومَةُ،
قَطْعِ (الرِّجْلَيْنِ) مِنْ الْكَعْبَيْنِ أَوْ مِنْ الرُّكْبَتَيْنِ أَوْ مِنْ الْفَخِذَيْنِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، وَرِجْلُ الْأَعْرَجِ كَرِجْلِ الصَّحِيحِ إنْ كَانَ الْعَرَجُ خَفِيفًا وَلَمْ يَكُنْ عَنْ جِنَايَةٍ أَخَذَ أَرْشَهَا، وَيَجِبُ فِي شَلِّهِمَا مَا يَجِبُ فِي قَطْعِهِمَا (وَ) كَذَا فِي مَجْمُوعِ قَلْعِ (الْعَيْنَيْنِ) الدِّيَةُ كَامِلَةً (وَفِي كُلٍّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا) أَيْ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ (نِصْفُهَا) أَيْ نِصْفُ الدِّيَةِ ع: هَذَا فِي الْخَطَإِ، وَأَمَّا فِي الْعَمْدِ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْ الْجَانِي.
(وَفِي الْأَنْفِ يُقْطَعُ مَارِنُهُ) وَهُوَ مَا لَانَ مِنْ الْأَنْفِ (الدِّيَةُ) كَامِلَةً مِائَةُ نَاقَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، هَذَا إذَا ذَهَبَ كُلُّهُ، وَإِذَا قُطِعَ بَعْضُ الْمَارِنِ كَانَ فِيهِ بِحِسَابِهِ وَيُقَاسُ مِنْ الْمَارِنِ لَا مِنْ أَصْلِ الْأَنْفِ، وَإِذَا ذَهَبَ الشَّمُّ مَعَ قَطْعِ الْأَنْفِ فَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا ذَهَبَ الشَّمُّ أَوَّلًا ثُمَّ قَطَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَدِيَتَانِ.
(وَفِي) إبْطَالِ (السَّمْعِ) مِنْ الْأُذُنَيْنِ (الدِّيَةُ) وَفِي إبْطَالِهِ مِنْ أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ يَسْمَعُ إلَّا بِهَا.
(وَفِي الْعَقْلِ) إذَا أَزَالَهُ بِالضَّرْبِ (الدِّيَةُ) وَإِذَا أَزَالَهُ بِقَطْعِ يَدَيْهِ دِيَتَانِ: دِيَةٌ لَهُ وَدِيَةٌ لَهُمَا، وَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَزَالَ عَقْلُهُ فَثَلَاثُ دِيَاتٍ إذَا وَقَعَتْ الْجِرَاحَةُ دُونَ النَّفْسِ.
(وَفِي الصُّلْبِ) يَنْكَسِرُ (الدِّيَةُ وَفِي) قَطْعِ (الْأُنْثَيَيْنِ) دُونَ الذَّكَرِ (الدِّيَةُ) وَفِي قَطْعِهِمَا مَعَ الذَّكَرِ دِيَتَانِ، وَفِي قَطْعِ إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ (وَفِي) قَطْعِ (الْحَشَفَةِ) وَهِيَ رَأْسُ الذَّكَرِ وَحْدَهَا (الدِّيَةُ) كَامِلَةً وَإِذَا قَطَعَ بَعْضَهَا فَبِحِسَابِهِ يُقَاسُ مِنْ الْحَشَفَةِ لَا مِنْ أَصْلِ الذَّكَرِ.
(وَفِي) قَطْعِ (اللِّسَانِ) النَّاطِقِ (الدِّيَةُ) كَامِلَةً
[حاشية العدوي]
وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ نَاقِصَةً أُصْبُعًا وَاحِدَةً أَوْ وَاحِدًا وَبَعْضَ آخَرَ وَلَوْ إبْهَامًا فَهِيَ كَالْيَدِ الْكَامِلَةِ، وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي الرِّجْلِ.
[قَوْلُهُ: وَرِجْلُ الْأَعْرَجِ كَرِجْلِ الصَّحِيحِ إنْ كَانَ الْعَرَجُ خَفِيفًا] أَيْ كَرِجْلِ الصَّحِيحِ فِي الدِّيَةِ كَانَ هَذَا الْعَرَجُ الْخَفِيفُ خِلْقَةً أَوْ حَصَلَ مِنْ أَمْرٍ سَمَاوِيٍّ أَوْ مِنْ جِنَايَةٍ عَلَيْهَا حَيْثُ تَعَذَّرَ أَخْذُ الْعَقْلِ.
[فَقَوْلُهُ: وَلَمْ يَكُنْ عَنْ جِنَايَةٍ أَخَذَ أَرْشَهَا] صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ أَنْ لَا يَكُونَ عَنْ جِنَايَةٍ أَوْ عَنْ جِنَايَةٍ لَمْ يَأْخُذْ لَهَا أَرْشًا لِتَعَذُّرِ الْأَخْذِ، وَأَمَّا لَوْ أَخَذَ لَهَا أَرْشًا أَوْ عَفَا عَنْهُ فَلَهُ مِنْ الْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ بِحِسَابِ مَا بَقِيَ، وَكَذَا يُقَالُ فِي غَيْرِ الرِّجْلِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْعَرَجُ ثَقِيلًا فَلَهُ بِحِسَابِ مَا بَقِيَ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْخَطَإِ اُنْظُرْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا فِي مَجْمُوعِ قَلْعِ الْعَيْنَيْنِ] أَيْ أَوْ زَالَ نُورُهُمَا، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَكَذَا فِي قَلْعِ مَجْمُوعِ الْعَيْنَيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي الْعَمْدِ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْ الْجَانِي إلَخْ] لَك أَنْ تَقُولَ بِالتَّعْمِيمِ وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضٌ مَا نَصُّهُ: فَمَنْ قَطَعَ يَدًا أَوْ رِجْلًا وَسَقَطَ الْقِصَاصُ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي الْخَطَإِ، وَكَذَا كُلُّ مُزْدَوِجَيْنِ إلَّا فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ فَإِنَّ فِيهَا الدِّيَةَ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ] وَيُسَمَّى بِالْأَرْنَبَةِ وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ دُونَ الْعَظْمِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] مُقَابِلُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ مِنْ أَنَّهُ لَا دِيَةَ فِي الْأَنْفِ حَتَّى يَسْتَأْصِلَهُ مِنْ أَصْلِهِ، وَقَوْلُهُ: وَيُقَاسُ مِنْ الْمَارِنِ أَيْ مِنْ أَصْلِ الْمَارِنِ
[قَوْلُهُ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ يَسْمَعُ إلَّا بِهَا] لِأَنَّ الْأُذُنَ الْوَاحِدَةَ فِي السَّمْعِ لَيْسَتْ كَعَيْنِ الْأَعْوَرِ
[قَوْلُهُ: إذَا أَزَالَهُ بِالضَّرْبِ] كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَلَوْ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا صَارَ يُجَنُّ فِي الشَّهْرِ يَوْمًا مَعَ لَيْلَةٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ مِنْ الدِّيَةِ جُزْءٌ مِنْ ثَلَاثِينَ جُزْءًا، وَإِنْ كَانَ يُجَنُّ النَّهَارَ فَقَطْ أَوْ اللَّيْلَ فَقَطْ مَرَّةً فِي الشَّهْرِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ جُزْءٌ مِنْ سِتِّينَ جُزْءًا، وَمَحَلُّ الْعَقْلِ الْقَلْبُ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا الرَّأْسُ، فَإِذَا أَوْضَحَهُ فَذَهَبَ عَقْلُهُ فَيَلْزَمُهُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ لِلْعَقْلِ وَنِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ وَهُوَ دِيَةُ الْمُوضِحَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ: وَعَلَى الْآخَرِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا دِيَةُ الْعَقْلِ.
[قَوْلُهُ: إذَا وَقَعَتْ الْجِرَاحَةُ دُونَ النَّفْسِ] أَيْ بِأَنْ لَمْ يَمُتْ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَأَمَّا لَوْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَفِي الصُّلْبِ يَنْكَسِرُ إلَخْ] أَيْ الظَّهْرِ أَيْ حَيْثُ يَمْنَعُهُ الْقِيَامَ وَالْجُلُوسَ أَوْ الْقِيَامَ وَحْدَهُ، وَأَمَّا جُلُوسُهُ فَقَطْ فَحُكُومَةٌ وَلَوْ ذَهَبَ بَعْضُ جُلُوسِهِ وَقِيَامِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ عَلَيْهِ حُكُومَةً.
[قَوْلُهُ: وَفِي قَطْعِ الْأُنْثَيَيْنِ] أَيْ خَطَأً أَيْ أَوْ يَرُضُّهُمَا مُطْلَقًا.
[قَوْلُهُ: وَفِي قَطْعِ إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ] أَيْ أَوْ رَضِّهَا وَلَوْ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ عَمْدًا لَوَجَبَ الْقِصَاصُ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا قَطَعَ بَعْضَهَا إلَخْ] ظَاهِرُهُ لُزُومُ الدِّيَةِ فِي قَطْعِ الْحَشَفَةِ وَحْدَهَا، أَيْ أَوْ مَعَ الذَّكَرِ وَلَوْ ذَكَرَ عِنِّينٍ لِصِغَرٍ أَوْ اعْتِرَاضٍ وَلَوْ لِشَيْخٍ فَانٍ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الرَّاجِحِ، وَذَكَرُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ فِيهِ نِصْفُ دِيَةٍ وَنِصْفُ حُكُومَةٍ، وَفِي قَطْعِ الْعَسِيبِ حُكُومَةٌ كَقَطْعِ كَفٍّ مُجَرَّدٍ عَنْ الْأَصَابِعِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ.
وَانْظُرْ
(وَفِيمَا مَنَعَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ اللِّسَانِ (الْكَلَامَ الدِّيَةُ) فَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ الْكَلَامَ، فَفِي الْقَدْرِ الْمَقْطُوعِ مِنْهُ الِاجْتِهَادُ (وَفِي لِسَانِ الْأَخْرَسِ حُكُومَةٌ) وَمَعْنَى الْحُكُومَةِ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَبْدًا سَالِمًا بِعَشَرَةٍ مَثَلًا ثُمَّ يُقَوَّمُ بِالْجِنَايَةِ بِتِسْعَةٍ فَالتَّفَاوُتُ بِوَاحِدٍ عُشْرٌ فَيَجِبُ عُشْرُ الدِّيَةِ.
(وَفِي) قَطْعِ (ثَدْيَيْ الْمَرْأَةِ) الْكَبِيرَةِ وَلَوْ عَجُوزًا مِنْ أَصْلِهِمَا أَوْ مِنْ حَلَمَتَيْهِمَا (الدِّيَةُ) وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَإِنْ كَانَتْ تُرْجَى إعَادَتُهُمَا إلَى هَيْئَتِهِمَا اُسْتُؤْنِيَ بِهِمَا فَإِنْ لَمْ تُرْجَ إعَادَتُهُمَا أُخِذَتْ الدِّيَةُ.
(وَفِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ الدِّيَةُ) فِي الْخَطَأِ وَسَيَأْتِي إذَا كَانَ عَمْدًا (وَفِي الْمُوضِحَةِ) بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ (خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ) .
(وَفِي) قَلْعِ (السِّنِّ) مُؤَنَّثَةٌ (خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَفِي) قَطْعِ (كُلِّ أُصْبُعٍ) مُؤَنَّثَةٌ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ فِي الْخَطَإِ (عَشْرٌ) مِنْ الْإِبِلِ، وَأَمَّا فِي الْعَمْدِ فَفِيهِ الْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ (وَفِي) قَطْعِ (الْأُنْمُلَةِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى
[حاشية العدوي]
مَنْ خُلِقَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيْدٍ أَوْ أَرْجُلٍ أَوْ ذَكَرَانِ وَفِي كُلٍّ قُوَّةُ الْأَصْلِ ثُمَّ قَطَعَ الثَّلَاثَةَ أَوْ الذَّكَرَيْنِ، وَفِي كَبِيرِ الْخَرَشِيِّ لَوْ كَانَ لَهُ ذَكَرَانِ لَكَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ دِيَةٌ كَامِلَةٌ
[قَوْلُهُ: وَفِي قَطْعِ اللِّسَانِ الدِّيَةُ] يُفْهِمُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ دِيَةُ الذَّوْقِ وَهُوَ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا ذَهَبَ مِنْهُ الذَّوْقُ مَعَ بَقَائِهِ أَوْ ذَهَبَ صَوْتُهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دِيَةُ ذَلِكَ الذَّاهِبِ، وَلَوْ قَطَعَ اللِّسَانَ فَذَهَبَ ذَوْقُهُ وَصَوْتُهُ فَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الْمَحَلَّ الذَّاهِبَ بِالْجِنَايَةِ إنَّمَا تَجِبُ دِيَتُهُ لَا دِيَةُ مَا فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَفِيمَا مَنَعَ مِنْهُ] أَيْ مِنْ اللِّسَانِ الْكَلَامَ الدِّيَةُ إلَخْ يَعْنِي أَنَّ مَنْ قَطَعَ مِنْ شَخْصٍ بَعْضَ لِسَانِهِ النَّاطِقِ، وَمَنَعَ ذَلِكَ نُطْقَهُ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً لِأَنَّهَا لِلنُّطْقِ لَا لِلِّسَانِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي لِسَانِ الْأَخْرَسِ حُكُومَةٌ] أَيْ قُطِعَ كُلُّهُ فِيهِ حُكُومَةٌ إنْ لَمْ يَمْنَعْ الصَّوْتَ وَإِلَّا فَالدِّيَةُ
[قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ حَلَمَتَيْهِمَا إلَخْ] عِبَارَةٌ مُجْمَلَةٌ، وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ وَهُوَ أَنْ تَقُولَ: تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى مَنْ قَطَعَ الثَّدْيَيْنِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ عَجُوزًا لِأَنَّ ذَلِكَ جَمَالٌ لِصَدْرِهَا، وَرُبَّمَا دَرَّ مِنْهَا لَبَنٌ وَأَمَّا إذَا قُطِعَ رُءُوسُهُمَا وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحَلَمَتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يُبْطِلَ اللَّبَنَ مِنْهُمَا مَا لَمْ تَكُنْ عَجُوزًا وَإِلَّا فَحُكُومَةٌ، وَمِثْلُ إبْطَالِ اللَّبَنِ إفْسَادُهُ فَلَوْ ضَرَبَهَا فِي مَوْضِعٍ فَبَطَلَ لَبَنُهَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ فَلَوْ فَسَدَ مَوْضِعُ اللَّبَنِ ثُمَّ عَادَ رَدَّهَا.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ] أَيْ الْمَقْطُوعَةُ ثَدْيًا أَوْ حَلَمَةً يُوَضِّحُ الْمَقَامَ عِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ، وَنَصُّهَا وَإِنْ قَطَعَ ثَدْيَا الصَّغِيرَةِ فَإِنْ اسْتُوقِنَ أَنَّهُ أَبْطَلَهُمَا فَلَا يَعُودَانِ أَبَدًا فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ وُضِعَتْ الدِّيَةُ وَاسْتُؤْنِيَ بِهَا فَإِنْ نَبَتَا فَلَا عَقْلَ لَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَنْبُتَا أَوْ شُرِطَا فَيَبِسَا أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يُعْلَمْ ذَلِكَ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ فَطَبِّقْ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّارِحُ بِأَنْ تَقُولَ: فَإِنْ كَانَتْ تُرْجَى أَيْ بِشَكٍّ، وَقَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ تُرْجَ أَيْ اسْتُوقِنَ عَدَمُ الْإِعَادَةِ وَلَوْ قَطَعَ حَلَمَتَيْ صَغِيرَةٍ فَسَيَأْنَى بِهَا إلَى زَمَنِ الْإِيَاسِ فَإِنْ أَتَى زَمَنُ الْإِيَاسِ قَبْلَ تَمَامِ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجِنَايَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ انْتِظَارُ تَمَامِ السَّنَةِ، وَفِي ثَدْيِ الرَّجُلِ حُكُومَةٌ
[قَوْلُهُ: وَفِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ الدِّيَةُ] طَمَسَهَا أَوْ أَذْهَبَ نُورَهَا، وَفَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ عَيْنِ الْأَعْوَرِ وَبَيْنَ نَحْوِ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ بِالنِّسْبَةِ.
تَتِمَّةٌ:
لَوْ دُفِعَتْ الدِّيَةُ فِي نَحْوِ الْعَقْلِ أَوْ السَّمْعِ أَوْ الْبَصَرِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمَنَافِعِ ثُمَّ رَجَعَ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ قَدْ ذَهَبَ فَإِنَّ الدِّيَةَ تُرَدُّ.
[قَوْلُهُ: وَفِي الْمُوضِحَةِ] أَيْ الْخَطَأِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَعَمْدُهَا فِيهِ الْقِصَاصُ.
[قَوْلُهُ: وَفِي قَلْعِ السِّنِّ إلَخْ] وَمِثْلُ الْقَلْعِ تَصْيِيرُهَا مُضْطَرِبَةً جِدًّا أَوْ تَسْوِيدُهَا أَوْ تَحْمِيرُهَا أَوْ تَصْفِيرُهَا حَيْثُ كَانَ تَصْفِيرُهَا يُذْهِبُ جَمَالَهَا كَالسَّوَادِ كَانَتْ مِنْ مُقَدَّمِ الْفَمِ أَوْ مُؤَخَّرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ] وَكَذَا مَا فِي الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً حَيْثُ كَانَتْ مُسَاوِيَةً فِي الْقُوَّةِ قَطَعَهَا وَحْدَهَا أَوْ مَعَ غَيْرِهَا بِخِلَافِ الضَّعِيفَةِ فَفِيهَا حُكُومَةٌ إنْ قَطَعَهَا وَحْدَهَا، وَأَمَّا لَوْ قُطِعَتْ مَعَ الْكَفِّ فَلَا شَيْءَ فِيهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْيَدَ الزَّائِدَةَ فِيهَا هَذَا التَّفْصِيلُ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ، وَلَا بَيْنَ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَهَذَا فِي أَصَابِعِ الْمُسْلِمِ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرُ دِيَتِهِ.
[قَوْلُهُ: فَفِيهِ الْقِصَاصُ] إنْ كَانَ لَهُ مُمَاثِلٌ أَوْ الدِّيَةُ إنْ لَمْ يَكُنْ
الْأَصَحِّ وَاحِدَةُ الْأَنَامِلِ وَهِيَ الْعُقَدُ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ غَيْرِ الْإِبْهَامِ (ثَلَاثٌ وَثُلُثٌ) ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ ثَلَاثَةَ أَنَامِلَ (وَفِي) قَطْعِ (كُلِّ أُنْمُلَةٍ مِنْ الْإِبْهَامَيْنِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ) سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ إبْهَامِ الرِّجْلِ أَوْ الْيَدِ.
.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى دِيَةِ الْأَعْضَاءِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْجِرَاحَاتِ فَقَالَ: (وَفِي الْمُنَقِّلَةِ) بِكَسْرِ الْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ (عُشْرٌ وَنِصْفُ عُشْرٍ) وَذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ الْإِبِلِ وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِينَارًا، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَلْفٌ وَثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَالْعَمْدُ وَالْخَطَأُ فِيهَا سَوَاءٌ إذْ لَا قِصَاصَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَتَالِفِ (وَالْمُوضِحَةُ) بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ (مَا أَوْضَحَ) أَيْ أَظْهَرَ (الْعَظْمَ) وَأَزَالَ السَّاتِرَ الَّذِي يَحْجُبُهُ وَهُوَ الْجِلْدُ وَمَا تَحْتَهُ مِنْ اللَّحْمِ وَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الرَّأْسِ وَالْجَبْهَةِ وَالْخَدَّيْنِ لَيْسَ إلَّا، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِهَا مُوضِحَةً أَنْ تُوضِحَ مَالَهُ قَدْرٌ وَبَالٌ، بَلْ لَوْ أَوْضَحَتْ مِنْهُ مِقْدَارَ إبْرَةٍ كَفَى فِي تَسْمِيَتِهَا مُوضِحَةً (وَالْمُنَقِّلَةُ مَا طَارَ فَرَاشُهَا) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا (مِنْ الْعَظْمِ وَلَمْ تَصِلْ إلَى الدِّمَاغِ) مِنْ بَيَانِيَّةٌ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: الْمُنَقِّلَةُ هِيَ الَّتِي يَنْقُلُ مِنْهَا الطَّبِيبُ الْعِظَامَ الصِّغَارَ لِتَلْتَئِمَ الْجِرَاحُ، فَتِلْكَ الْعِظَامُ هِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: الْفَرَاشُ (وَمَا وَصَلَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الدِّمَاغِ وَلَوْ بِقَدْرِ إبْرَةٍ وَيَبْقَى عَلَى الدِّمَاغِ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ مَتَى انْكَشَفَتْ عَنْهُ مَاتَ.
(فَهِيَ الْمَأْمُومَةُ) وَلَا تَكُونُ إلَّا فِي الرَّأْسِ وَالْجَبْهَةِ ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَهَا بِقَوْلِهِ: (فَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ) فَعَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ بَعِيرًا وَثُلُثُ بَعِيرٍ وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ ثَلَاثُمِائَةٍ
[حاشية العدوي]
لَهُ مُمَاثِلٌ.
[قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْمِيمِ إلَخْ] أَيْ وَالْهَمْزَةِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ ضَمُّ الْمِيمِ هَذَا كُلُّهُ فِي حَالِ الْخَطَأِ، أَمَّا فِي حَالَةِ الْعَمْدِ فَالْوَاجِبُ الْقِصَاصُ.
[قَوْلُهُ: غَيْرَ الْإِبْهَامِ] حَالٌ مِنْ الْأُنْمُلَةِ أَيْ حَالَ كَوْنِ تِلْكَ الْأُنْمُلَةِ غَيْرَ أُنْمُلَةِ الْإِبْهَامِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي قَطْعِ كُلِّ أُنْمُلَةٍ إلَخْ] أَيْ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا أُنْمُلَتَانِ
[دِيَة الْجِرَاحَات]
[قَوْلُهُ: وَفِي الْمُنَقِّلَةِ] وَهِيَ وَالْهَاشِمَةُ سَوَاءٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ بَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ أَوْ لَا.
[قَوْلُهُ: عُشْرٌ وَنِصْفُ عُشْرٍ] أَيْ إنْ كَانَتْ بِالرَّأْسِ أَوْ بِاللَّحْيِ إلَّا عَلَى النَّابِتِ عَلَيْهِ الْأَسْنَانُ الْعُلْيَا وَهُوَ كُرْسِيُّ الْخَدِّ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي الرَّأْسِ وَلَا فِي اللَّحْي الْأَعْلَى فَفِيهَا حُكُومَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ الْإِبِلِ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ الشَّارِحُ وَفِي الْمُنَقِّلَةِ عُشْرٌ وَنِصْفُ عُشْرٌ، فَمِنْ الْإِبِلِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَمِنْ الذَّهَبِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ وَهَكَذَا.
وَأَمَّا عِبَارَتُهُ فَتُوهِمُ أَنَّهَا لَيْسَ مِنْ النَّقْدَيْنِ عُشْرٌ وَنِصْفُ عُشْرٍ.
[قَوْلُهُ: مَا أَوْضَحَ] أَيْ جِرَاحَةٌ أَوْضَحَتْ وَالنِّسْبَةُ مَجَازٌ وَالْحَقِيقَةُ الْجَانِي.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الرَّأْسِ إلَخْ] أَيْ وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ فِي غَيْرِ مَا ذُكِرَ كَأَنْ كَانَتْ فِي الظَّهْرِ فَفِيهَا الْحُكُومَةُ إلَّا أَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهَا مُوضِحَةً اصْطِلَاحًا بَلْ لُغَةً.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُوضِحَةَ لُغَةً مَا أَوْضَحَتْ الْعَظْمَ مُطْلَقًا، وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَهِيَ مَا أَوْضَحَتْ عَظْمَ الرَّأْسِ وَالْجَبْهَةِ وَالْخَدَّيْنِ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي الْمُوضِحَةِ الْخَطَأِ، وَأَمَّا عَمْدُهَا فَفِيهِ الْقِصَاصُ، وَأَمَّا الْجَائِفَةُ وَالْآمَّةُ وَالْمُنَقِّلَةُ فَعَمْدُهَا وَخَطَؤُهَا سَوَاءٌ.
وَقَوْلُهُ: مَا طَارَ أَيْ جِرَاحَةً.
[قَوْلُهُ: مِنْ بَيَانِيَّةٌ] أَيْ الْفَرَاشَ الَّذِي هُوَ الْعَظْمُ، وَالتَّقْدِيرُ وَالْمُنَقِّلَةُ جِرَاحَةٌ طَارَ عَظْمُهَا وَنِسْبَةُ الْعَظْمِ لَهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَطِيرُ بِهَا فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ تَصِلْ] فَاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى مَا أَيْ وَلَمْ تَصِلْ تِلْكَ الْجِرَاحَةُ إلَى الدِّمَاغِ.
[قَوْلُهُ: هِيَ الَّتِي] إلَخْ أَيْ هِيَ الْجِرَاحَةُ الَّتِي تَنْقُلُ إلَخْ.
فَحِينَئِذٍ فَالْمُنَقِّلَةُ هِيَ الْجِرَاحُ الْقَائِمَةُ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الَّتِي هِيَ أَثَرُ فِعْلِ الْجَانِي لَا أَنَّهَا فِعْلُ الْجَانِي لِأَنَّهُ قَائِمٌ بِهِ.
[قَوْلُهُ: يَنْقُلُ مِنْهَا الطَّبِيبُ الْعِظَامَ الصِّغَارَ إلَخْ] أَيْ شَأْنُهُ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّقْلَ كَمَا يَكُونُ مِنْ الطَّبِيبِ يَكُونُ مِنْ الضَّرْبَةِ نَفْسِهَا.
[قَوْلُهُ: وَيَبْقَى عَلَى الدِّمَاغِ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ مَتَى انْكَشَفَتْ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ الدَّامِغَةَ فِيهَا أَيْضًا ثُلُثُ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَهِيَ الَّتِي خَرَقَتْ خَرِيطَةَ الدِّمَاغِ، وَلَا تُنَافِي كَلَامَ الشَّارِحِ لِإِمْكَانِ الْخَرْقِ مَعَ الِالْتِئَامِ فَالْمَوْتُ إنَّمَا يَنْشَأُ عَنْ الْكَشْفِ لَا عَنْ مُجَرَّدِ الْخَرْقِ كَمَا قَرَّرَهُ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ.
[قَوْلُهُ: فَهِيَ الْمَأْمُومَةُ] أَيْ الْجِرَاحَةُ الَّتِي وَصَلَتْ إلَى الدِّمَاغِ
وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ دِينَارًا وَثُلُثُ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ (وَكَذَلِكَ الْجَائِفَةُ) وَهِيَ مَا أَفَضْت إلَى الْجَوْفِ وَلَا تَكُونُ إلَّا فِي الظَّهْرِ أَوْ الْبَطْنِ الْحُكْمُ فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ.
(وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ) أَيْ أَقَلَّ مِنْ (الْمُوضِحَةِ) مِنْ الْجِرَاحِ إنْ بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ (إلَّا الِاجْتِهَادُ) أَيْ الْحُكُومَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ نَصٌّ مِنْ الشَّارِعِ هَذَا فِي الْخَطَإِ، وَأَمَّا فِي الْعَمْدِ فَفِيهِ الْقِصَاصُ (وَكَذَلِكَ) لَيْسَ فِيمَا دُونَ الْجَائِفَةِ فِي الْخَطَإِ (فِي) جُرْحِ (الْجَسَدِ) إلَّا الِاجْتِهَادُ وَفِي الْعَمْدِ الْقِصَاصُ.
(وَلَا يُعْقَلُ جُرْحٌ) أَيْ لَا تُؤْخَذُ دِيَتُهُ (إلَّا بَعْدَ) تَبَيُّنِ (الْبُرْءِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ هَلْ الْوَاجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً أَمْ لَا، وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ الْبُرْءِ قَالَهُ ق وَقَالَ د: عِيَاضٌ ظَاهِرُ الرِّسَالَةِ إذَا حَصَلَ الْبُرْءُ قَبْلَ السَّنَةِ عَقَلَ الْجُرْحَ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: السَّنَةُ شَرْطٌ فَلَا يُعْقَلُ قَبْلَهَا وَلَوْ بَرِئَ (وَمَا بَرِئَ) مِنْهَا (عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ) أَيْ عَيْبٍ (مِمَّا دُونَ الْمُوضِحَةِ) وَكَذَلِكَ مَا دُونَ الْجَائِفَةِ مِمَّا لَا عَقْلَ فِيهِ يُسَمَّى (فَ) إنَّهُ (لَا شَيْءَ فِيهِ) عَلَى الْجَانِي مِنْ عَقْلٍ وَأَدَبٍ وَأُجْرَةِ طَبِيبٍ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّ مَا بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَهَذَا الْمَفْهُومُ مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ إلَّا الِاجْتِهَادُ كَمَا قَيَّدْنَا بِهِ.
[حاشية العدوي]
فَهِيَ الْمَأْمُومَةُ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ مَا أَفْضَتْ إلَى الْجَوْفِ] أَيْ وَلَوْ قَدْرَ إبْرَةٍ، فَإِنْ نَفَذَتْ الْجَائِفَةُ لِلْجَانِبِ الْآخَرِ تَعَدَّدَتْ وَكَذَلِكَ يَتَعَدَّدُ الْوَاجِبُ إذَا ضَرَبَهُ فِي جَنْبِهِ فَنَفَذَتْ إلَى الْجَنْبِ الْآخَرِ
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ إلَخْ] أَيْ مِنْ الْجِرَاحَاتِ السِّتِّ.
الْأُولَى: الدَّامِيَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُضْعِفُ الْجِلْدَ فَيَرْشَحُ مِنْهُ الدَّمُ مِنْ غَيْرِ شَقِّ جِلْدٍ.
الثَّانِيَةُ: الْحَارِصَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ الْجِلْدَ.
الثَّالِثَةُ: السِّمْحَاقُ، وَهِيَ الَّتِي تَكْشِطُ الْجِلْدَ.
الرَّابِعَةُ: الْبَاضِعَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ.
الْخَامِسَةُ: الْمُتَلَاحِمَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَغُوصُ فِيهِ بِتَعَدُّدٍ.
السَّادِسَةُ: الْمِلْطَاةُ، الَّتِي قَرُبَتْ لِلْعَظْمِ.
فَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجِلْدِ، وَالثَّلَاثَةُ الَّتِي بَعْدَهَا بِاللَّحْمِ.
وَقَوْلُهُ: إلَّا الِاجْتِهَادُ وَكَيْفِيَّةُ الِاجْتِهَادِ أَنَّهُ يُقَوَّمُ عَبْدًا سَالِمًا مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ عَلَى صِفَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجِنَايَةِ مِنْ حُسْنٍ أَوْ قُبْحٍ بِعَشَرَةٍ مَثَلًا، ثُمَّ يُقَوَّمُ ثَانِيًا مَعِيبًا بِتِسْعَةٍ، فَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ بِالْعُشْرِ فَيَجِبُ عَلَى الْجَانِي بِتِلْكَ النِّسْبَةِ مِنْ الدِّيَةِ وَهُوَ عُشْرُ الدِّيَةِ فِي هَذَا الْمِثَالِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي الْعَمْدِ الْقِصَاصُ] وَكَذَلِكَ فِي مُنَقِّلَةِ الْجَسَدِ الْقِصَاصُ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ جِرَاحِ الْجَسَدِ مَا لَمْ يَعْظُمْ الْخَطَرُ كَعِظَامِ الصَّدْرِ وَالْعُنُقِ وَالصُّلْبِ وَالْفَخِذِ وَشَبَهُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ هَلْ الْوَاجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً أَوْ لَا] أَيْ وَهَلْ يَبْرَأُ عَلَى شَيْنٍ أَوْ لَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ مُقَدَّرًا مِنْ الشَّارِعِ كَالْجَائِفَةِ وَالْآمَّةِ وَالْمُوضِحَةِ أَوْ لَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ خَطَأً وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ عَمْدًا لَا قِصَاصَ فِيهِ كَالْجَائِفَةِ وَالْآمَّةِ وَكَسْرِ عِظَامِ الصَّدْرِ وَالْفَخِذِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ الْبُرْءِ] أَيْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّفْسِ فَتُسْتَحَقُّ تِلْكَ النَّفْسُ بِقَسَامَةٍ، وَكَذَلِكَ يُؤَخَّرُ لِأَجْلِ زَوَالِ حَرٍّ مُفْرِطٍ أَوْ بَرْدٍ مُفْرِطٍ خَوْفَ الْهَلَاكِ عَلَى الْجَانِي فَيُؤَدِّي إلَى أَخْذِ نَفْسٍ فِيمَا دُونَهَا، وَأَمَّا إذَا جَنَى جِنَايَةً عَلَى نَفْسٍ فَلَا يُؤَخَّرُ لِمَا ذُكِرَ مَا لَمْ يَكُنْ مُحَارِبًا.
وَاخْتِيرَ قَطْعُهُ مِنْ خِلَافٍ فَلَا يُؤَخَّرُ لِحَرٍّ وَلَا لِبَرْدٍ لِأَنَّهُ وَإِنْ مَاتَ هُوَ أَحَدُ حُدُودِهِ.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُ الرِّسَالَةِ إلَخْ] وَهُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ مَا دُونَ إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ أَيْ مِنْ سُوءِ الْمُوضِحَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ الشَّارِعُ شَيْئًا فَيَدْخُلُ فِيهِ سَابِقُ الْمُوضِحَةِ مِنْ الْجِرَاحَاتِ السِّتِّ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا شَيْئًا مَعْلُومًا، وَأَمَّا مَا قَدَّرَ الشَّارِعُ فِيهِ شَيْئًا فَالْوَاجِبُ الْمُقَدَّرُ بَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ أَمْ لَا إلَّا الْمُوضِحَةَ فَإِنَّهَا إذَا بَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ يَجِبُ دَفْعُ دِيَتِهَا وَحُكُومَةٌ.
[قَوْلُهُ: مِنْ عَقْلٍ وَأَدَبٍ وَأُجْرَةِ طَبِيبٍ] أَرَادَ بِأُجْرَةِ الطَّبِيبِ مَا يَشْمَلُ ثَمَنَ الدَّوَاءِ كَمَا يُفِيدُهُ التَّحْقِيقُ.
[قَوْلُهُ: فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ كَذَلِكَ] ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَيْ مِنْ عَقْلٍ وَأَدَبٍ وَأُجْرَةِ طَبِيبٍ مَعَ أَنَّهُ لَا أَدَبَ فِي الْخَطَإِ وَلَوْ بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْأُجْرَةِ فَالظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا أُجْرَةَ مُطْلَقًا بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ أَوْ لَا إنَّمَا فِي الشَّيْنِ الْحُكُومَةُ فَقَطْ، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ عَلَى الْحُكُومَةِ فَقَالَ: وَفِي الْجِرَاحِ حُكُومَةٌ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ.
[قَوْلُهُ: مُفَسِّرٌ إلَخْ] أَيْ فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ إلَّا الِاجْتِهَادُ إذَا
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ جِرَاحِ الْخَطَأِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى جِرَاحِ الْعَمْدِ فَقَالَ: (وَفِي الْجِرَاحِ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ إلَّا فِي الْمَتَالِفِ مِثْلِ الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَالْفَخِذِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَالصُّلْبِ وَنَحْوِهِ) كَعَظْمِ الصَّدْرِ (فَفِي كُلِّ ذَلِكَ الدِّيَةُ) مَعْنَاهُ فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ عَقْلُهُ الْمُقَدَّرُ فِيهِ، إمَّا الدِّيَةُ كَامِلَةً أَوْ ثُلُثُهَا أَوْ عُشْرُهَا أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ وَلَا يَعْنِي الدِّيَةَ كَامِلَةً فِي الْجَمِيعِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَا بُدَّ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ مِنْ تَأْدِيبِ الْقَاضِي لِلْجَارِحِ اُقْتُصَّ مِنْهُ أَوْ لَمْ يُقْتَصَّ.
وَقَالَ ك: لَا قِصَاصَ عِنْدَنَا فِي الْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ، وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الْقِصَاصِ فَلَا بُدَّ مِنْ وَجِيعِ الْأَدَبِ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى فَتَأَمَّلْ.
.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ دِيَةِ النَّفْسِ وَأَجْزَائِهَا شَرَعَ يُبَيِّنُ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ فَقَالَ: (وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ قَتْلَ عَمْدٍ وَلَا اعْتِرَافَ بِهِ) ك: رُوِّينَاهُ هَكَذَا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وَالصَّوَابُ تَنْوِينُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ دِيَةَ جِنَايَةِ خَطَأٍ إنْ ثَبَتَ بِاعْتِرَافِ الْجَانِي وَتَكُونُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ تَحْمِلْهَا لِاحْتِمَالِ التَّوَاطُؤِ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَوَلِيِّ الْمَقْتُولِ (وَتَحْمِلُ مِنْ جِرَاحِ) وَيُرْوَى مِنْ جُرُوحِ (الْخَطَإِ مَا كَانَ قَدْرَ الثُّلُثِ فَأَكْثَرَ وَمَا كَانَ دُونَ الثُّلُثِ فَفِي مَالِ الْجَانِي) وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُرَادَ ثُلُثُ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ الْجَانِي، وَعَلَى قَوْلِ مُقَابِلِهِ الْمُرَادُ ثُلُثُ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ دُونَ الْجَانِي.
وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَ الْجَانِي امْرَأَةً فَجَنَتْ عَلَى رَجُلٍ فَقَطَعَتْ لَهُ أُصْبُعَيْنِ فَعَقْلُهُمَا عِشْرُونَ بَعِيرًا وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ دِيَةِ الْمَرْأَةِ وَأَقَلُّ مِنْ ثُلُثِ دِيَةِ الرَّجُلِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ وَعَلَى الثَّانِي لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ، وَحَدُّ الْعَاقِلَةِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الدِّيَةَ سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ يَنْتَسِبُونَ إلَى أَبٍ
[حاشية العدوي]
بَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ.
[قَوْلُهُ: وَفِي الْجِرَاحِ] أَيْ إنْ كَانَتْ فِي الرَّأْسِ أَوْ فِي غَيْرِهِ مِنْ بَاقِي الْجَسَدِ [قَوْلُهُ: الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ] بِالْمِسَاحَةِ إنْ اتَّحَدَ الْمَحَلُّ فَيُقَاسُ الْجُرْحُ طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا فَقَدْ تَكُونُ الْجِرَاحَةُ نِصْفَ عُضْوِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَهِيَ جُلُّ عُضْوِ الْجَانِي أَوْ كُلُّهُ، وَلِذَلِكَ لَوْ عَظُمَ عُضْوُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَزِيدُ عَلَى عُضْوِ الْجَانِي فَإِنَّهُ لَا يُكْمَلُ مِنْ غَيْرِهِ بَلْ يَسْقُطُ، وَمَفْهُومُ الْجِرَاحِ أَنَّ اللَّطْمَةَ وَالضَّرْبَةَ بِآلَةٍ لَا تَجْرَحُ وَلَمْ يَنْشَأْ عَنْهَا جُرْحٌ لَا قِصَاصَ فِيهَا، وَإِنَّمَا فِيهَا التَّأْدِيبُ بِمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ نَتْفُ اللِّحْيَةِ أَوْ الشَّارِبِ أَوْ الْحَاجِبِ فَإِنَّ عَمْدَ هَذِهِ وَخَطَأَهَا سَوَاءٌ فِي عَدَمِ الْقِصَاصِ وَإِنَّمَا فِيهَا الْحُكُومَةُ إذَا لَمْ تَعُدْ لِهَيْئَتِهَا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ فِيهَا سِوَى الْأَدَبِ فِي الْعَمْدِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا فِي الْمَتَالِفِ] أَيْ الْجِرَاحَاتِ الْمَتَالِفِ أَيْ الَّتِي يَغْلِبُ فِيهَا الْمَوْتُ سَرِيعًا.
[قَوْلُهُ: وَالْفَخِذِ] أَيْ وَكَسْرِ الْفَخِذِ.
[قَوْلُهُ: وَالْأُنْثَيَيْنِ] أَيْ رَضُّ الْأُنْثَيَيْنِ بِخِلَافِ قَطْعِهِمَا فَإِنَّ فِي عَمْدِهِ الْقِصَاصُ.
[قَوْلُهُ: وَالصُّلْبِ] أَيْ الظَّهْرِ وَقَوْلُهُ: كَعَظْمِ الصَّدْرِ أَيْ أَوْ الْعُنُقِ.
[قَوْلُهُ: فَفِي كُلِّ ذَلِكَ الدِّيَةُ] أَيْ فَفِي عَمْدِ ذَلِكَ الدِّيَةُ.
[قَوْلُهُ: إمَّا الدِّيَةُ كَامِلَةً] أَيْ فِي الصُّلْبِ أَيْ إذَا تَعَطَّلَ عَنْ الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ أَوْ الْقِيَامِ فَقَطْ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ ثُلُثُهَا أَيْ كَالْمَأْمُومَةِ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ عُشْرُهَا أَيْ احْتِمَالًا فِي الْحُكُومَةِ وَكَذَا قَوْلُهُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ أَوْ أَنَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ وَيَكُونُ نَاظِرًا لِلْمُنَقِّلَةِ.
[قَوْلُهُ: اُقْتُصَّ مِنْهُ] أَيْ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يُقْتَصَّ أَيْ كَهَذِهِ الْمَسَائِلِ.
[قَوْلُهُ: فِي الْجَائِفَةِ إلَخْ] لَا مَفْهُومَ لِلْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ.
وَقَوْلُهُ: فَتَأَمَّلْ أَيْ فَتَأَمَّلْ كَلَامَ الْفَاكِهَانِيِّ مَعَ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَتَجِدُهُ مُخَالِفًا لَهُ لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ حَكَمَ بِالتَّأْدِيبِ مُطْلَقًا، وَمُفَادُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ التَّأْدِيبَ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ عَدَمِ الْقِصَاصِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْقِصَاصِ فَلَا تَأْدِيبَ وَهُوَ ظَاهِرٌ
[عَلَيَّ مِنْ تجب الدِّيَة]
[قَوْلُهُ: وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ قَتْلَ عَمْدٍ] سَقَطَ فِيهِ الْقِصَاصُ بِعَفْوٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْقِطَاتِ وَإِنَّمَا تَكُونُ حَالَّةً فِي مَالِ الْجَانِي.
[قَوْلُهُ: وَلَا اعْتِرَافَ إلَخْ] ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الِاعْتِرَافُ مِنْ عَدْلٍ ثِقَةٍ لَا يُتَّهَمُ فِي إغْنَاءِ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَيَغْرَمُهَا الْجَانِي مِنْ مَالِهِ.
[قَوْلُهُ: بِغَيْرِ تَنْوِينٍ] أَيْ مَعَ فَتْحِ فَاءِ اعْتِرَافَ وَقَوْلُهُ: وَالصَّوَابُ تَنْوِينُهُ أَيْ لِأَنَّهُ لَا مُوجِبَ لِعَدَمِ التَّنْوِينِ.
[قَوْلُهُ: وَحَدُّ الْعَاقِلَةِ] حَاصِلُ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْإِجْمَالِ أَنَّ
وَاحِدٍ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْقِلُونَ أَيْ يَتَحَمَّلُونَ عَنْهُ وَيُشْتَرَطُ فِيهَا الْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْيَسَارُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ الْغَنِيِّ بِقَدْرِهِ وَمِمَّنْ دُونَهُ بِقَدْرِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَمْدَ الَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ هَلْ تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الدِّيَةَ فِيهِ أَمْ لَا فَقَالَ: (وَأَمَّا الْمَأْمُومَةُ وَالْجَائِفَةُ عَمْدًا فَقَالَ) إمَامُنَا (مَالِكٌ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - (ذَلِكَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَقَالَ أَيْضًا إنَّ ذَلِكَ فِي مَالِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدِيمًا فَتَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُقَادُ مِنْ عَمْدِهِمَا) وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ (وَكَذَلِكَ مَا بَلَغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ مِمَّا لَا يُقَادُ مِنْهُ) فَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ (لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ) أَيْ لَا يُقَادُ مِنْهُ لِخَوْفِ تَلَفِ النَّفْسِ.
تَنْبِيهٌ: فِي كَلَامِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجِرَاحِ مَا يَكُونُ عَقْلُهُ مُقَدَّرًا بِالثُّلُثِ إلَّا الْمَأْمُومَةَ وَالْجَائِفَةَ قَالَهُ ع، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي كَلَامِهِ تَكْرَارٌ.
[حاشية العدوي]
الْعَاقِلَةَ عِدَّةُ أُمُورٍ: أَهْلُ الدِّيوَانِ وَلَوْ مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى وَالْعَصَبَةُ وَالْمَوَالِي وَبَيْتُ الْمَالِ، فَأَهْلُ الدِّيوَانِ مُقَدَّمُونَ عَلَى الْعَصَبَةِ إنْ كَانَتْ لَهُمْ جَوَامِكُ تُصْرَفُ لَهُمْ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَطَاءٌ فَعَصَبَتُهُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ عَلَى تَرْتِيبِ النِّكَاحِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَصَبَةٌ فَالْمَوَالِي الْأَعْلَوْنَ وَهُمْ الْمُعْتِقُونَ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَالْمَوَالِي الْأَسْفَلُونَ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَبَيْتُ الْمَالِ وَهَلْ عَلَى الْجَانِي شَيْءٌ مِنْ الدِّيَةِ حَيْثُ عَقَلَ عَنْهُ بَيْتُ الْمَالِ أَوْ لَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَنُوبُهُ أَنْ لَوْ كَانَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ أَوْ كَانَ وَلَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي مَالِ الْجَانِي.
قَالَ الشَّيْخُ: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهَا تُقَسَّطُ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالرِّفْقِ مِنْ الْعَاقِلَةِ.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَحَدُّ الْعَاقِلَةِ إلَخْ أَيْ عَلَى قَوْلٍ، وَقِيلَ حَدُّهَا الزَّائِدُ عَلَى أَلْفٍ أَيْ زِيَادَةٌ لَهَا بَالٌ كَالْعِشْرِينِ فَفَوْقُ، أَيْ وَقَدْرُ أَقَلِّهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَهُمَا قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا فِي الْمُخْتَصَرِ بِغَيْرِ تَرْجِيحٍ وَهُمَا لِسَحْنُونٍ، فَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ وَجَدَ أَقَلَّ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ كِفَايَةٌ كَمَّلَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَعَلَى الثَّانِي لَوْ وَجَدَ أَقَلَّ مِنْ الزَّائِدِ عَلَى أَلْفٍ كَمَّلَ حَتَّى يَبْلُغَ ذَلِكَ فَيَحْمِلُونَ مَا نَابَهُمْ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِمْ الْعَدَدَ الْمُعْتَبَرَ، وَالْجَانِي كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ وَحَمَلَ بَيْتُ الْمَالِ مَثَلًا مَا بَقِيَ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَعَلَى الْجَانِي كَمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ بَيْتُ مَالٍ وَلَا عَاقِلَةٌ.
وَلَا يَلْزَمُ مَنْ وَجَدَ مِنْ الْعَاقِلَةِ دُونَ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ حَمْلُ جَمِيعِ الدِّيَةِ وَلَوْ قَدَرُوا عَلَيْهَا وَهَذَا حَدٌّ لِلْعَاقِلَةِ مُطْلَقًا إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ: يُنْسَبُونَ إلَى أَبٍ وَاحِدٍ ظَاهِرٌ فِي الْعَاقِلَةِ الَّذِينَ هُمْ الْعَصَبَةُ فَقَطْ، فَإِذَا كَمُلَ الْعَدَدُ الْمَذْكُورُ مِنْ إخْوَةِ الْجَانِي فَلْيَكُنْ الْأَبُ الْمَنْسُوبُ لَهُ أَبًا لِلْجَانِي، وَإِذَا كَمُلَ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ فَلْيَكُنْ الْأَبُ الْمَنْسُوبُونَ لَهُ جَدًّا لِلْجَانِي وَهَكَذَا.
[قَوْلُهُ: الْحُرِّيَّةُ] فَالْعَبْدُ لَا يَعْقِلُ وَلَا يُعْقَلُ عَنْهُ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ فِي رَقَبَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَالذُّكُورِيَّةُ لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِخُرُوجِهَا مِنْ قَوْلِنَا وَهِيَ الْعَصَبَةُ، وَيُجَابُ بِأَنَّ ذِكْرَهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَوَالِي إذْ هِيَ شَامِلَةٌ لِلْإِنَاثِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَرْأَةِ وَلَوْ احْتِمَالًا كَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ.
[قَوْلُهُ: وَالْبُلُوغُ] فَالصَّبِيُّ لَا يَعْقِلُ عَنْ غَيْرِهِ وَيَعْقِلُ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ لِلْإِتْلَافِ.
[قَوْلُهُ: وَالْعَقْلُ] فَالْمَجْنُونُ لَا يَعْقِلُ عَنْ غَيْرِهِ وَيَعْقِلُ عَنْ نَفْسِهِ.
[وَقَوْلُهُ: وَالْيَسَارُ] فَالْفَقِيرُ لَا يَعْقِلُ عَنْ غَيْرِهِ وَيَعْقِلُ عَنْ نَفْسِهِ فَيُتَّبَعُ إذَا كَانَ مُعْدِمًا.
وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ وَالْمَرْأَةَ وَالْفَقِيرَ وَالْغَارِمَ يُعْقَلُ عَنْهُمْ وَلَا يَعْقِلُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ وَيَعْقِلُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ لِأَنَّهُمْ مُبَاشِرُونَ لِلْإِتْلَافِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْمَلَاءِ وَالْعُسْرِ وَالْبُلُوغِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقْتُ ضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَكَذَا يُعْتَبَرُ الْحُضُورُ لَا إنْ بَلَغَ صَبِيٌّ أَوْ اسْتَغْنَى فَقِيرٌ أَوْ تَحَرَّرَ عَبْدٌ أَوْ عَقَلَ مَجْنُونٌ بَعْدُ، وَكَذَا إذَا قَدِمَ غَائِبٌ غَيْبَةَ انْقِطَاعٍ عِنْدَ وَقْتِ ضَرْبِهَا فَلَا ضَرْبَ عَلَيْهِ أَوْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ عِنْدَ هُمْ فَصَارَ كَأَهْلِ إقْلِيمٍ آخَرَ إذْ لَا يُضَمُّ أَهْلُ إقْلِيمٍ لِأَهْلِ إقْلِيمٍ آخَرَ، وَأَمَّا غَائِبُ الْحَجِّ أَوْ الْغَزْوِ فَتُضْرَبُ عَلَيْهِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْجَانِي، وَأَمَّا الْجَانِي نَفْسُهُ فَتُضْرَبُ عَلَيْهِ حِصَّتُهُ وَلَوْ كَانَ غَائِبًا وَقْتَ الضَّرْبِ غَيْبَةً بَعِيدَةً، فَإِذَا ضُرِبَتْ عَلَيْهَا بِقَدْرِ حَالِ كُلِّ وَاحِدٍ ثُمَّ أَعْسَرَ أَحَدُهُمْ أَوْ مَاتَ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ شَيْءٌ وَتَحِلُّ بِالْمَوْتِ وَالْفَلَسِ
[قَوْلُهُ: قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ] وَأَجَابَ بَعْضٌ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُكَرَّرٍ مَعَ مَا قَبْلَهُ لِشُمُولِ هَذَا لِمِثْلِ الْفَخِذِ وَعَظْمِ الصَّدْرِ مِمَّا يَبْلُغُ
(وَلَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً) وَهُوَ هَدَرٌ لَا شَيْءَ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: 92] فَأَوْجَبَ الدِّيَةَ عَلَى مَنْ قَتَلَ غَيْرَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ (وَتُعَاقِلُ) أَيْ تُسَاوِي (الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ) مِنْ أَهْلِ دِينِهَا (إلَى ثُلُثِ دِيَةِ الرَّجُلِ) مِنْ أَهْلِ دِينِهَا يُرِيدُ وَلَا تَسْتَكْمِلُ الثُّلُثَ لِقَوْلِهِ: (فَإِذَا بَلَغَتْهَا) صَوَابُهُ بَلَغَتْهُ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ مُذَكَّرٌ لَكِنَّهُ أَنَّثَ بِاعْتِبَارِ اكْتِسَابِ التَّأْنِيثِ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ (رَجَعَتْ) أَيْ رُدَّتْ (إلَى عَقْلِهَا) أَيْ إلَى قِيَاسِ دِيَتِهَا، وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَقْطَعَ لِلْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ فَفِيهَا ثَلَاثُونَ بَعِيرًا لِمُسَاوَاتِهَا لِلرَّجُلِ فِيمَا يَقْصُرُ عَنْ ثُلُثِ دِيَتِهِ، وَإِذَا قَطَعَ لَهَا أَرْبَعَةَ أَصَابِعَ فَفِيهَا عِشْرُونَ بَعِيرًا؛ لِأَنَّهَا لَوْ سَاوَتْهُ لَلَزِمَ أَنْ يَجِبَ لَهَا أَرْبَعُونَ وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ دِيَتِهِ فَلِذَلِكَ رَجَعَتْ إلَى نِصْفِ الْوَاجِبِ لِلرَّجُلِ وَهُوَ عِشْرُونَ، وَعَلَى هَذَا إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ.
(وَالنَّفَرُ) عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْ ثَلَاثَةٍ إلَى عَشَرَةٍ وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ الْجَمَاعَةُ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا (يَقْتُلُونَ رَجُلًا فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ بِهِ) جَمِيعًا سَوَاءٌ بَاشَرُوا الْقَتْلَ كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ وَالْبَاقُونَ حَاضِرُونَ بِشُرُوطٍ إنْ ثَبَتَ قَتْلُهُمْ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ وَأَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ عَمْدًا وَأَنْ يَكُونُوا مُجْتَمَعِينَ عَلَى قَتْلِهِ، وَأَنْ تَتَكَافَأَ الدِّمَاءُ وَأَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يُقْتَصُّ مِنْهُمْ.
.
(وَالسَّكْرَانُ) بِمُحَرَّمٍ عَالِمًا بِحُرْمَتِهِ قَاصِدًا شُرْبَهُ (إنْ قَتَلَ قُتِلَ) ظَاهِرُهُ طَافِحًا كَانَ أَوْ نَشْوَانًا؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ السُّكْرَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا يُعْذَرُ مُطْلَقًا نَشْوَانًا أَوْ طَافِحًا قَالَهُ ق.
وَقَالَ ع: يُرِيدُ النَّشْوَانَ الَّذِي مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ عَقْلِهِ، وَأَمَّا الطَّافِحُ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ فَجِنَايَتُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
حَكَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا وَحَكَى الْخِلَافَ فِي النَّشْوَانِ انْتَهَى.
.
(وَإِنْ قَتَلَ
[حاشية العدوي]
بِالْحُكُومَةِ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَأَكْثَرَ
[قَوْلُهُ: أَيْ تُسَاوِي] فَتَأْخُذُ فِي أَطْرَافِهَا مِثْلَ مَا يَأْخُذُ الرَّجُلُ، وَتَسْتَمِرُّ مُسَاوِيَةً إلَى أَنْ يَبْلُغَ ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ وَالْغَايَةُ خَارِجَهُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ إلَى قِيَاسِ إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَقْلِ الدِّيَةُ وَأَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفَ مُضَافٍ وَأَرَادَ بِالْقِيَاسِ الِاعْتِبَارَ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا قَطَعَ لَهَا أَرْبَعَةَ أَصَابِعَ إلَخْ] أَيْ بَلْ إذَا قَطَعَ لَهَا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ أُنْمُلَةً فَيَرْجِعُ إلَى عَقْلِهَا، وَكَذَا إذَا قَطَعَ لَهَا ثَلَاثَةً وَأُنْمُلَةً فَإِنَّهَا تَأْخُذُ نِصْفَ مَا يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ فَلَهَا فِي الْمُنَقِّلَةِ وَفِيمَا نَقَصَ مِنْ الْأَصَابِعِ عَنْ الثَّلَاثِ وَأُنْمُلَةٍ كَالرَّجُلِ، وَأَمَّا فِي قَطْعِ ثَلَاثٍ وَأُنْمُلَةٍ أَوْ الْجَائِفَةِ أَوْ الدَّامِغَةِ أَوْ الْآمَّةِ نِصْفُ مَا لِلرَّجُلِ.
[قَوْلُهُ: وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ] جَمَعَهُمْ بَعْضُهُمْ فِي بَيْتٍ فَقَالَ: فَخُذْهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَةُ وَلَا يَخْفَى أَنْ مُفَادَ الشَّارِحِ أَنَّ الْمُعَاقَلَةَ الْمَذْكُورَةَ لَيْسَتْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا مُعَاقَلَةَ فِي شَيْءٍ
[قَوْلُهُ: عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْ ثَلَاثَةٍ إلَى عَشَرَةٍ] يُخَالِفُ مَا عِنْدَ عَبْدِ الْحَقِّ، فَقَالَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْ ثَلَاثَةٍ إلَى تِسْعَةٍ وَمَا فَوْقَ التِّسْعَةِ إلَى الْعَشَرَةِ رَهْطٌ، وَمَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ إلَى الْأَرْبَعِينَ عُصْبَةٌ وَمَا فَوْقَ الْأَرْبَعِينَ إلَى الْمِائَةِ أُمَّةٌ ذَكَرَهُ تت.
[قَوْلُهُ: يَقْتُلُونَ رَجُلًا] أَيْ أَوْ امْرَأَةً فَرَضَ الشَّارِحُ الْكَلَامَ فِي التَّمَالُؤِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ سَوَاءٌ بَاشَرُوا الْقَتْلَ كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى قَتْلِهِ] أَيْ مُتَمَالِئِينَ عَلَى قَتْلِهِ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ تَتَكَافَأَ الدِّمَاءُ] أَوْ أَدْنَى مِنْ الْمَقْتُولِ إلَّا إنْ كَانُوا أَعْلَى مِنْهُ بِحُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يُقْتَصُّ مِنْهُمْ] لَا صِبْيَانًا وَنَحْوَهُمْ
[قَوْلُهُ: بِمُحَرَّمٍ] أَيْ بِمُحَرَّمٍ شُرْبُهُ كَخَمْرٍ وَلَبَنٍ حَامِضٍ شَأْنُهُ الْإِسْكَارُ احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا إذَا قُدِّرَ أَنَّهُ سَكِرَ بِغَيْرِ مُحَرَّمٍ كَأَنْ سَكِرَ بِدَوَاءٍ أَوْ لَبَنٍ لَيْسَ شَأْنُهُ الْإِسْكَارُ، فَكَالْمَجْنُونِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ عَالِمًا بِحُرْمَتِهِ عَنْ حَدِيثِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ أَوْ لِإِسَاغَةِ غُصَّةٍ.
[قَوْلُهُ: قَاصِدًا] شُرْبَهُ احْتَرَزَ عَمَّا إذَا كَانَ عَالِمًا بِحُرْمَتِهِ، أَيْ يَعْلَمُ أَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ حَرَامٌ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ شُرْبَهُ لِكَوْنِهِ يَظُنُّهُ لَبَنًا.
[قَوْلُهُ: إنْ قَتَلَ قُتِلَ] أَيْ إنْ قَتَلَ مَعْصُومًا مُكَافِئًا لَهُ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ وَكَانَ بَالِغًا.
[قَوْلُهُ: أَوْ نَشْوَانًا] عَلَى زِنَةٍ سَكْرَانَ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يُعْذَرُ مُطْلَقًا] وَهُوَ الرَّاجِحُ وَكَلَامُ ابْنِ عُمَرَ ضَعِيفٌ
[قَوْلُهُ: انْتَظَرَ حَتَّى يُفِيقَ] فَإِذَا آيَسَ مِنْ إفَاقَتِهِ
مَجْنُونٌ) مُطْبِقٌ لَا يُفِيقُ مِنْ جُنُونِهِ (رَجُلًا فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) إذَا بَلَغَتْ الثُّلُثَ كَمَا سَيَأْتِي، وَكَذَا إنْ كَانَ يُفِيقُ أَحْيَانًا وَقَتَلَ فِي حَالِ جُنُونِهِ، أَمَّا إذَا قَتَلَ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ ثُمَّ جُنَّ اُنْتُظِرَ حَتَّى يُفِيقَ فَيُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ حَالَ إفَاقَتِهِ بِلَا إشْكَالٍ.
(وَعَمْدُ الصَّبِيِّ كَالْخَطَإِ) فِي نَفْيِ الْقِصَاصِ ظَاهِرُهُ كَالْمُدَوَّنَةِ مُمَيِّزًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (وَذَلِكَ) أَيْ مَا جَنَاهُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ تَجِبُ دِيَتُهُ (عَلَى عَاقِلَتِهِ إنْ كَانَ) مَا جَنَاهُ تَبْلُغُ دِيَتُهُ (ثُلُثَ الدِّيَةِ فَأَكْثَرَ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ ثُلُثَ الدِّيَةِ (فَ) دِيَةُ مَا جَنَاهُ (فِي مَالِهِ) أَيْ مَالِ الصَّبِيِّ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا اُتُّبِعَ بِهِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ.
(وَتُقْتَلُ الْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ) اتِّفَاقًا (وَ) يُقْتَلُ (الرَّجُلُ بِهَا) عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] وَهِيَ نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: 178] الْآيَةَ (وَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ) أَيْ لِبَعْضِ جِنْسِ مَنْ ذَكَرَ (مِنْ بَعْضٍ فِي الْجِرَاحِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] .
(وَلَا يُقْتَلُ) مُسْلِمٌ (حُرٌّ بِعَبْدٍ) مُطْلَقًا أَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ كُلُّهُ قِنًّا أَوْ بَعْضُهُ، أَوْ كَانَ فِيهِ عَقْدٌ مِنْ عُقُودِ الْحُرِّيَّةِ كَالْمُكَاتَبِ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَبْدَهُ أَوْ عَبْدَ غَيْرِهِ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ قَتْلَ غِيلَةٍ فَيُقْتَلُ بِهِ (وَيُقْتَلُ بِهِ) أَيْ بِالْحُرِّ الْمُسْلِمِ (الْعَبْدُ) ع: يُرِيدُ إذَا شَاءَ الْأَوْلِيَاءُ؛ لِأَنَّهُمْ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلُوهُ أَوْ يَسْتَحْيُوهُ، فَإِنْ اسْتَحْيُوهُ كَانَ السَّيِّدُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إسْلَامِ الْعَبْدِ أَوْ يُعْطِي دِيَةَ الْمَقْتُولِ (وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ) حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ (بِ) قَتْلِ (كَافِرٍ وَيُقْتَلُ بِهِ) أَيْ يُقْتَلُ بِالْمُسْلِمِ الْحُرِّ أَوْ الْعَبْدِ (الْكَافِرُ وَلَا قِصَاصَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ فِي جِرَاحٍ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ بِوُجُودِ التَّكَافُؤِ فِي الدِّمَاءِ فَإِنْ جَرَحَ الْعَبْدُ الْحُرَّ فَالْعَبْدُ فِيمَا جَنَى، وَإِنْ جَنَى الْحُرُّ عَلَى الْعَبْدِ وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ فِي عُضْوٍ فِيهِ عَقْلٌ مُسَمًّى فَفِيهِ عَقْلُ ذَلِكَ مَنْسُوبًا مِنْ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ عَقْلٌ مُسَمًّى فَفِيهِ مَا
[حاشية العدوي]
فَالدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ أَفَاقَ بَعْدَ ذَلِكَ اُقْتُصَّ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ حُكْمَ حَاكِمٍ يَرَى السُّقُوطَ، وَإِذَا شَكَّ هَلْ قَتَلَ حَالَ الْجُنُونِ أَوْ حَالَ الْإِفَاقَةِ فَجَزَمَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ بِسُقُوطِ الْقِصَاصِ، وَأَمَّا الدِّيَةُ فَلَازِمَةٌ قِيلَ لِعَاقِلَتِهِ وَقِيلَ لَهُ: وَلَا سَبِيلَ لِإِسْقَاطِهَا
[قَوْلُهُ: وَعَمْدُ الصَّبِيِّ] الْمُرَادُ كُلُّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ وَلَوْ أُنْثَى.
[قَوْلُهُ: مُمَيِّزًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ] وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الثَّانِي خِلَافًا فِي بَابِ الْغَصْبِ فَرَاجِعْهُ.
[قَوْلُهُ: ثُلُثَ الدِّيَةِ] أَيْ دِيَةَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ الْجَانِي.
[قَوْلُهُ: فَدِيَةُ مَا جَنَاهُ فِي مَالِهِ] أَيْ عَلَى الْحُلُولِ
[قَوْلُهُ: وَتُقْتَلُ الْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ] وَالرَّجُلُ بِهَا حَيْثُ كَانَا حُرَّيْنِ أَوْ رَقِيقَيْنِ أَوْ كَانَ الْقَاتِلُ رَقِيقًا وَالْمَقْتُولُ حُرًّا.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ الْجُمْهُورِ] أَيْ وَمُقَابِلُهُ لَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ [قَوْلُهُ: أَيْ لِبَعْضِ جِنْسِ مَنْ ذُكِرَ] أَيْ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَيُقْتَصُّ لِلْمَرْأَةِ مِنْ الرَّجُلِ وَعَكْسُهُ
[قَوْلُهُ: وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ حُرٌّ بِعَبْدٍ إلَخْ] احْتَرَزَ عَنْ الْحُرِّ غَيْرِ الْمُسْلِمِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْحُرِّ قِيمَتُهُ وَفِي جَرْحِهِ مَا نَقَصَ قِيمَتَهُ، وَيَجِبُ قِيمَتُهُ عَلَى أَنَّهُ قِنٌّ وَلَوْ مُبَعَّضًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا.
[قَوْلُهُ: أَوْ بَعْضُهُ] أَيْ وَهُوَ الْمُبَعَّضُ.
[قَوْلُهُ: وَيُقْتَلُ إلَخْ] وَأَمَّا لَوْ وَقَعَتْ مِنْ رَقِيقٍ عَلَى رَقِيقٍ فَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا فَالْقِصَاصُ، وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ قِنًّا مَحْضًا وَالْقَاتِلُ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ وَفِي الْخَطَإِ جِنَايَتُهُ فِي رَقَبَتِهِ فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ بَيْنَ فِدَائِهِ وَإِسْلَامِهِ.
[قَوْلُهُ: فَالْعَبْدُ فِيمَا جَنَى] أَيْ فِي جِنَايَتِهِ.
[قَوْلُهُ: فَفِيهِ عَقْلُ ذَلِكَ إلَخْ] فَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ، وَفِي جَائِفَتِهِ وَآمَّتِهِ ثُلُثُ قِيمَتِهِ، وَفِي مُنَقِّلَتِهِ عُشْرُ قِيمَتِهِ وَنِصْفُ عُشْرِهَا فِيهِ، وَمَا عَدَا تِلْكَ الْجِرَاحَاتِ مِنْ يَدٍ وَعَيْنٍ وَرِجْلٍ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا مَا نَقَصَتْهُ قِيمَتُهُ سَلِيمًا فَعِبَارَةُ الشَّارِحِ لَا تُؤْخَذُ عَلَى إطْلَاقِهَا.
تَنْبِيهٌ:
لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ مُكَافِئًا لِلْمَقْتُولِ حِينَ الْقَتْلِ ثُمَّ زَالَتْ الْمُسَاوَاةُ قَبْلَ الْقِصَاصِ فَلَا يَسْقُطُ الْقَتْلُ، فَإِذَا قَتَلَ كَافِرٌ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ أَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا ثُمَّ أُعْتِقَ الْقَاتِلُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الْقَاتِلُ فِي الصُّورَتَيْنِ لِأَنَّ الشَّرْطَ الْمُسَاوَاةُ عِنْدَ الْقَتْلِ وَقَدْ وُجِدَتْ.
نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) قِصَاصَ (بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ) فِي جُرْحٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي جُرْحِ الْعَبْدِ، فَإِنْ جَنَى الْمُسْلِمُ عَلَى الْكَافِرِ فَعَلَيْهِ دِيَةُ ذَلِكَ الْعُضْوِ إنْ كَانَ مِمَّا لَهُ عَقْلٌ مُسَمًّى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَقْلٌ فَفِيهِ الْحُكُومَةُ، وَإِنَّ جَنَى الْكَافِرُ عَلَى الْمُسْلِمِ فَالدِّيَةُ عَلَيْهِ فِيمَا كَانَ فِيهِ عَقْلٌ مُسَمًّى وَالْحُكُومَةُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ عَقْلٌ مُسَمًّى.
(وَالسَّائِقُ) الَّذِي يَضْرِبُ الدَّابَّةَ مِنْ خَلْفِهَا (وَالْقَائِدُ) الَّذِي يَجُرُّهَا مِنْ أَمَامِهَا (وَالرَّاكِبُ) الَّذِي عَلَى ظَهْرِهَا (ضَامِنُونَ لِمَا وَطِئَتْهُ) أَيْ صَدَمَتْهُ (الدَّابَّةُ) بِرِجْلِهَا؛ لِأَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى ضَبْطِهَا وَإِمْسَاكِهَا، يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَإِنْ اجْتَمَعُوا وَأَصَابَتْ شَيْئًا فَالضَّمَانُ عَلَى السَّائِقِ وَالْقَائِدِ دُونَ الرَّاكِبِ إلَّا أَنَّ كَوْنَ فِعْلِهَا ذَلِكَ مِنْ سَبَبِهِ فَيَضْمَنُ خَاصَّةً إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ عَوْنٌ مِنْ الْقَائِدِ وَالسَّائِقِ (وَمَا كَانَ مِنْهَا) أَيْ الدَّابَّةِ مِنْ الْإِتْلَافِ (مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِمْ) أَيْ الْقَائِدِ وَالسَّائِقِ وَالرَّاكِبِ (أَوْ وَهِيَ وَاقِفَةٌ لِغَيْرِ شَيْءٍ) أَيْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ (فُعِلَ بِهَا) مِنْ ضَرْبٍ أَوْ نَخْسٍ وَنَحْوِهِ (فَذَلِكَ) الْفِعْلُ مِنْهَا (هَدَرٌ) لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فِعْلُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ» الْعَجْمَاءُ بِالْمَدِّ كُلُّ حَيَوَانٍ سَوَاءٌ الْآدَمِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالْجُبَارُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ الْهَدَرُ الَّذِي لَا دِيَةَ فِيهِ.
(وَمَا مَاتَ فِي بِئْرٍ أَوْ مَعْدِنٍ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ فَهُوَ هَدَرٌ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا انْهَارَ الْمَعْدِنُ أَوْ الْبِئْرُ عَلَى مَنْ يَعْمَلُ فِيهِ فَهَلَكَ لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ مُسْتَأْجِرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ فِيهِ لِمُكَلَّفٍ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمَانٌ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ.
(وَتُنَجَّمُ) أَيْ تُقَسَّطُ (الدِّيَةُ) الْكَامِلَةُ الْمَأْخُوذَةُ فِي الْخَطَإِ
[حاشية العدوي]
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ لَا قِصَاصَ إلَخْ] حَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْجَانِيَ إنْ سَاوَى الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ اُقْتُصَّ لَهُ مِنْهُ فِي الْجُرْحِ وَالنَّفْسِ، وَإِنْ كَانَ أَعْلَى مِنْهُ فِيهِمَا لَمْ يُقْتَصَّ لَهُ لَا فِي جُرْحٍ وَلَا نَفْسٍ، وَإِنْ كَانَ أَدْنَى مِنْهُ فِيهِمَا اُقْتُصَّ لَهُ مِنْهُ فِي النَّفْسِ دُونَ الْجُرْحِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا الْحُرِّيَّةُ فَقَطْ وَالْآخَرَ الْإِسْلَامُ فَقَطْ فَمَنْ فِيهِ الْإِسْلَامُ أَعْلَى مِمَّنْ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ فَأَجْرُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَأَفْهَمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْكُفَّارَ يُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ وَالْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ
[قَوْلُهُ: لِمَا وَطِئَتْهُ] وَمِثْلُ مَا وَطِئَتْ مَا لَوْ طَارَتْ حَصَاةٌ مِنْ تَحْتِ حَافِرِهَا فَكَسَرَتْ آنِيَةً مَثَلًا فَضَمَانُهَا مِنْ قَائِدِهَا مَثَلًا، وَمَفْهُومُ وَطِئَتْ الدَّابَّةُ أَنَّ مَا أَتْلَفَهُ وَلَدُ الدَّابَّةِ الْمَسُوقَةِ أَوْ الْمَرْكُوبَةِ أَوْ الْمَقُودَةِ لَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: يُرِيدُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ] أَيْ يُرِيدُ إذَا انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
[قَوْلُهُ: دُونَ الرَّاكِبِ] لِأَنَّهُ كَالْمَتَاعِ لَا يُقَدِّمُهَا وَلَا يُؤَخِّرُهَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
[قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ عَوْنٌ] أَيْ وَأَمَّا إذَا كَانَ مِنْهُ عَوْنٌ فَعَلَى الْكُلِّ.
[قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِمْ] أَيْ بِأَنْ أَتْلَفَتْهُ بِذَنَبِهَا أَوْ كَدَمَتْهُ بِفَمِهَا وَلَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً بِذَلِكَ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ سَائِقُهَا أَوْ قَائِدُهَا أَوْ رَاكِبُهَا مِنْ مَنْعِهَا.
[قَوْلُهُ: أَوْ وَهِيَ وَاقِفَةٌ] أَيْ فِي مَحَلِّهَا الْمُعَدِّ لَهَا أَوْ الْمَأْذُونِ فِيهِ شَرْعًا كَبَابِ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ وَلَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً بِالْعَدَاءِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ وُقُوفُهَا فِيهِ فَيَضْمَنُ.
قَالَ خَلِيلٌ: أَوْ رَبَطَ دَابَّةً بِطَرِيقٍ، وَكَذَا يَضْمَنُ إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالْعَدَاءِ وَلَوْ عَجَزَ عَنْ تَخْلِيصِهَا الْآنَ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ وَضْعُ شَيْءٍ عَلَى فِيهَا حَيْثُ اشْتَهَرَتْ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ فُعِلَ بِهَا، وَأَمَّا مَا أَتْلَفَتْ مِنْ أَجْلِ شَيْءٍ فُعِلَ بِهَا فَضَمَانُهُ عَلَى الْفَاعِلِ كَمَا لَوْ ضَرَبَهَا شَخْصٌ فَضَرَبَتْ بِرِجْلِهَا أَوْ بِقَرْنِهَا آخَرَ فَقَتَلَتْهُ، وَمِثْلُ تَسَبُّبِهِ لَوْ رَآهَا أَصَابَتْ شَيْئًا بِفَمِهَا فَتَمَكَّنَ مِنْ تَخْلِيصِهِ قَبْلَ إتْلَافِهِ وَلَمْ يَصْرِفْهَا لِأَنَّ حِفْظَ مَالِ الْغَيْرِ وَاجِبٌ، وَأَمَّا لَوْ ظَهَرَ تَلَفُ شَيْءٍ مِنْ الدَّابَّةِ وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ هُوَ مِمَّا يُوجِبُ الضَّمَانَ أَوْ لَا وَيَظْهَرُ عَدَمُ الضَّمَانِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّسَبُّبِ
[قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ إلَخْ] احْتَرَزَ بِهِ مِمَّا لَوْ كَانَا اثْنَيْنِ فَمَاتَا فَإِنَّ نِصْفَ دِيَةِ كُلٍّ عَلَى عَاقِلَةِ الْأُخْرَى، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَدِيَةُ كُلٍّ عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِ، وَهَكَذَا لَوْ كَثُرُوا لِتَسَبُّبِ كُلٍّ فِي قَتْلِهِ وَقَتْلِ مَنْ مَعَهُ فَمَا نَابَهُ سَاقِطٌ لِقَتْلِهِ نَفْسَهُ وَتُؤْخَذُ عَاقِلَتُهُ بِمَا تَسَبَّبَ فِي غَيْرِهِ تت.
[قَوْلُهُ: وَتُنَجَّمُ الدِّيَةُ] أَيْ وَأَمَّا قِيمَةُ الرَّقِيقِ فَهِيَ حَالَّةٌ عَلَى الْجَانِي.
وَقَوْلُهُ: فِي الْخَطَإِ إلَخْ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ
عَنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ أَوْ غَيْرِهِ (عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) أَثْلَاثًا مُتَسَاوِيَةً؛ لِأَنَّهَا مُسَاوَاةٌ مِنْ الْعَاقِلَةِ فَتُخَفَّفُ عَلَيْهِمْ، وَتُحْسَبُ السَّنَةُ مِنْ يَوْمِ التَّنْجِيمِ فَيُعْطِي الثُّلُثَ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْكَامِلَةِ تُنَجَّمُ عَلَى الشُّهُورِ فَالثُّلُثُ فِي سَنَةٍ وَنِصْفُهَا فِي سَنَتَيْنِ.
ق قَوْلُهُ: (وَثُلُثُهَا فِي سَنَةٍ) لَيْسَ بِتَكْرَارٍ؛ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ أَوَّلًا فِي الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ، وَتَكَلَّمَ ثَانِيًا فِي ثُلُثِ الدِّيَةِ عَلَى انْفِرَادِهِ كَدِيَةِ الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ.
ع قَوْلُهُ: (وَنِصْفُهَا فِي سَنَتَيْنِ) عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا تُنَجَّمُ عَلَى أَرْبَعِ سِنِينَ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَجْعَلَ النِّصْفَ فِي سَنَةِ وَنِصْفٍ.
(وَالِدِيَّةُ) سَوَاءٌ كَانَتْ عَنْ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ (مَوْرُوثَةٌ) أَيْ تُورَثُ (عَلَى) حُكْمِ (الْفَرَائِضِ) الْمُقَدَّرَةِ فِي مَالِ الْمَيِّتِ فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إلَّا الْقَاتِلَ نَصِيبَهُ الْمُقَدَّرَ لَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَفِي جَنِينِ الْحُرَّةِ) الْمُسْلِمَةِ أَوْ الْكِتَابِيَّةِ مِنْ مُسْلِمٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ وَلَوْ مِنْ زِنًا وَهُوَ مَا تَكُونُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ مِنْ مُضْغَةٍ أَوْ عَلَقَةٍ فَمَا فَوْقُ أَوْ دَمٍ مُنْعَقِدٍ إذَا أَلْقَتْهُ مَيِّتًا وَهِيَ حَيَّةٌ مِنْ
[حاشية العدوي]
الْعَمْدِ فَإِنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ شَيْئًا مِنْهَا بَلْ هِيَ حَالَّةٌ عَلَيْهِ، وَفِي حُكْمِ الْخَطَأِ الْعَمْدُ الَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ كَالْمَأْمُومَةِ الْجَائِفَةِ وَكَسْرِ الْفَخِذِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْعَاقِلَةِ] وَالْقَاتِلُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ.
[قَوْلُهُ: فِي ثَلَاثِ سِنِينَ] وَابْتِدَاءُ السَّنَةِ مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ لَا يَوْمِ الْقَتْلِ وَلَا يَوْمِ الْخِصَامِ وَلَا يَوْمِ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ] أَيْ إعَانَةٌ.
[قَوْلُهُ: تُنَجَّمُ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ لَا تُنَجَّمُ.
[قَوْلُهُ: وَنِصْفُهَا فِي سَنَتَيْنِ] سَيَأْتِي أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا تُنَجَّمُ عَلَى أَرْبَعِ سِنِينَ قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَمَا قِيلَ فِي أَرْبَعِ سِنِينَ شُذُوذٌ.
[قَوْلُهُ: وَثُلُثُهَا فِي سَنَةٍ] أَيْ فِي آخِرِ سَنَةٍ وَابْتِدَاؤُهَا مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ وَالثُّلُثَانِ فِي سَنَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَنِصْفُهَا إلَخْ] كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ أَوْ رِجْلَ شَخْصٍ خَطَأً.
[قَوْلُهُ: وَنِصْفُهَا فِي سَنَتَيْنِ] أَيْ أَنَّ النِّصْفَ يُنَجَّمُ فِي سَنَتَيْنِ كُلَّ سَنَةٍ رُبْعٌ، وَأَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَرْبَاعِ ثَلَاثُ سِنِينَ كُلَّ سَنَةٍ رُبْعٌ وَهُوَ مُعْتَمَدٌ عج فَيَكُونُ مَشْهُورًا مَبْنِيًّا عَلَى ضَعِيفٍ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ] أَيْ الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُجْعَلَ] أَيْ بِحَيْثُ يَكُونُ ثُلُثًا فِي سَنَةٍ وَسُدُسًا فِي نِصْفِ سَنَةٍ.
[قَوْلُهُ: عَنْ عَمْدٍ إلَخْ] أَيْ عَنْ قَتْلٍ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ.
[قَوْلُهُ: أَيْ تُورَثُ] فَسَّرَهُ بِالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ لِأَنَّ الْإِرْثَ يَتَجَدَّدُ وَيَحْدُثُ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ فِي الْمَقَامِ مُنَاقَشَةً لِأَنَّ الْإِرْثَ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى الْمَالِ الَّذِي كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمُورَثِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَالدِّيَةُ إنَّمَا اسْتَحَقَّهَا الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَمْلِكُهَا بِآخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاته بِدَلِيلِ أَنَّ دَيْنَهُ يُقْضَى مِنْهَا وَتُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْهَا كَمَا فِي عج.
[قَوْلُهُ: عَلَى حُكْمِ الْفَرَائِضِ] جَمْعُ فَرِيضَةٍ بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ وَهُوَ النَّصِيبُ الْمُقَدَّرُ كَالنِّصْفِ وَنَحْوِهِ، وَحُكْمُهُ إعْطَاؤُهُ لِرَبِّهِ فَالْمَعْنَى أَنَّ الدِّيَةَ تُورَثُ إرْثًا جَارِيًا عَلَى هَذَا الْحُكْمِ أَيْ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِهِ فَيُعْطِي نِصْفَهَا لِمَنْ يُعْطَى النِّصْفُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ كَالْبِنْتِ وَهَكَذَا فَتَدَبَّرْ
[قَوْلُهُ: أَوْ الْكِتَابِيَّةِ] وَمِثْلُهَا الْمَجُوسِيَّة [قَوْلُهُ: مِنْ مُسْلِمٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ] رَاجِعٌ لِكِتَابِيَّةٍ، وَمَعْنَاهُ إنَّمَا يَجِبُ فِي جَنِينِ الْكِتَابِيَّةِ مَا ذَكَرَ إذَا كَانَ جَنِينُهَا مِنْ زَوْجِهَا الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَأَوْلَى الْحُرُّ الْمُسْلِمُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ زَوْجُهَا كَافِرًا فَكَالْحُرَّةِ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي نَصْرَانِيَّةٍ يَتَزَوَّجُهَا مَجُوسِيٌّ وَبِالْعَكْسِ هَلْ لِجَنِينِهَا حُكْمُ أَبِيهِ أَوْ حُكْمُ أُمِّهِ وَصُحِّحَ الْأَوَّلُ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ مِنْ زِنًا] رَاجِعٌ لِلْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ إلَّا أَنَّك إذَا اعْتَبَرْت عُشْرَ وَاجِبِ الْأُمِّ تَجِدُ الْحُكْمَ عَامًّا فِي الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ وَالْمُسْلِمَةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، أَيْ عُشْرُ الْوَاجِبِ مِنْ دِيَةٍ إنْ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ مِنْ قِيمَةٍ إنْ كَانَتْ أَمَةً كَانَ مِنْ زَوْجٍ حُرٍّ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ زِنًا هَذَا فِي غَيْرِ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا هِيَ فَكَجَنِينِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ فَفِيهِ عُشْرُ دِيَتِهَا كَمَا أَنَّ النَّصْرَانِيَّةَ مَثَلًا تَحْمِلُ مِنْ الزَّوْجِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ كَالْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ سَيِّدُ الْأَمَةِ رَقِيقًا فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أَمَةٍ وَمِثْلُ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا الْحُرِّ مَا إذَا كَانَ وَلَدُهَا حُرًّا كَالْغَارَّةِ لِلْحُرِّ وَكَأَمَةِ الْجَدِّ وَمِثْلُ السَّيِّدِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ السَّيِّدُ الْحُرُّ الْكَافِرُ فَمُلَخَّصُهُ أَنْ تَقُولَ: وَالْأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا الْحُرِّ كَالْحُرَّةِ مِنْ أَهْلِ دِينِ سَيِّدِهَا مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا.
[قَوْلُهُ: أَوْ دَمٍ مُنْعَقِدٍ] وَهُوَ الَّذِي إذَا صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْحَارُّ لَا يَذُوبُ، وَلَا
ضَرْبٍ وَنَحْوِهِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ مِنْ ضَرْبِهَا نَفْسَهَا (غُرَّةٌ عَبْدٌ) بِالتَّنْوِينِ وَعَدَمِهِ (أَوْ وَلِيدَةٌ) عَلَى الْجَانِي عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيُسْتَحَبُّ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ الْبِيضِ إلَّا أَنْ يَقِلُّوا فَمِنْ وَسَطِ السُّودَانِ (تُقَوَّمُ بِخَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ) ق: وَذَلِكَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ أَبِيهِ أَوْ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُعْطَى فِي الْغُرَّةِ إلَّا الذَّهَبُ دُونَ الْإِبِلِ قَالَهُ ق.
وَقَالَ ع: اُخْتُلِفَ إذَا أَتَى بِالْوَلِيدَةِ أَوْ بِالْعَبْدِ هَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْقِيمَةِ، وَاخْتُلِفَ إذَا أَتَى بِخَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهَا أَمْ لَا انْتَهَى.
قُلْت: الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وُجُوبُ الْقَبُولِ (وَتُورَثُ) الْغُرَّةُ
[حاشية العدوي]
يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ اكْتَفَى بِقَوْلِهِ أَوْ دَمٍ مُنْعَقِدٍ عَمَّا قَبْلَهُ لَكَفَى لِفَهْمِهِ بِالْأَوْلَى، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُضْغَةَ مِنْ مَاصَدَقَاتٍ فَمَا فَوْقُ.
[قَوْلُهُ: إذَا أَلْقَتْهُ مَيِّتًا] وَأَمَّا لَوْ نَزَلَ مُسْتَهِلًّا كَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً بِشُرُوطِ الْقَسَامَةِ، وَلَوْ مَاتَ عَاجِلًا سَوَاءٌ خَرَجَ مِنْهَا فِي حَالِ حَيَاتِهَا أَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا فَلَوْ امْتَنَعُوا مِنْ الْقَسَامَةِ وَأَرَادُوا أَنْ يَأْخُذُوا الْغُرَّةَ فَإِنَّهُمْ لَا يُجَابُونَ لِذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَهَذَا فِي الْخَطَإِ، وَأَمَّا لَوْ تَعَمَّدَ ضَرْبَ ظَهْرِهَا أَوْ بَطْنِهَا فَنَزَلَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ اُقْتُصَّ مِنْهُ بِقَسَامَةٍ بِخِلَافِ تَعَمُّدِ الْجَنِينِ بِضَرْبٍ كَرَأْسِهَا فَفِيهِ الدِّيَةُ بِقَسَامَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ حَيَّةٌ] وَأَمَّا لَوْ انْفَصَلَ عَنْهَا غَيْرَ مُسْتَهِلٍّ بَعْدَ مَوْتِهَا أَوْ بَعْضُهُ فِي حَيَاتِهَا وَبَعْضُهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَإِنَّهُ يَنْدَرِجُ فِيهَا.
[قَوْلُهُ: مِنْ ضَرْبٍ وَنَحْوِهِ] أَيْ أَوْ تَخْوِيفٍ أَوْ شَمِّ شَيْءٍ بِشَرْطِ أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا مِنْ التَّخْوِيفِ أَوْ الشَّمِّ لَزِمَتْ الْفِرَاشَ إلَى أَنْ أَسْقَطَتْ، وَتَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ عَلَى السَّقْطِ أَيْضًا، وَيَجِبُ عَلَى الْجِيرَانِ أَنْ يَدْفَعُوا لَهَا مِنْ ذِي الرَّائِحَةِ إنْ طَلَبَتْ مِنْهُمْ أَوْ عَلِمُوا أَنَّهَا حَامِلٌ، وَإِنْ عُدِمَ أَكْلُهَا أَوْ شُرْبُهَا مِنْ ذِي الرَّائِحَةِ يَضُرُّهَا فَإِنْ لَمْ يَدْفَعُوا لَهَا فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَ، وَكَذَلِكَ رَائِحَةُ السَّرَابِ لَكِنَّ الضَّمَانَ عَلَى السَّرَابَاتِيَّةِ كَمَا فِي كَبِيرِ الْخَرَشِيِّ.
[قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ ضَرْبِهَا نَفْسَهَا] أَيْ فَيَلْزَمُهَا الْغُرَّةُ.
[قَوْلُهُ: بِالتَّنْوِينِ إلَخْ] قَالَ تت: وَالرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي عَلَيْهَا الْجُمْهُورُ تَنْوِينُ غُرَّةٍ دُونَ إضَافَةٍ وَعَبْدٌ بَدَلٌ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: وَعَدَمِهِ] أَيْ وَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ وَلِيدَةٌ] مَعْطُوفٌ عَلَى عَبْدٌ.
وَقَوْلُهُ: وَلِيدَةٌ أَيْ أُنْثَى وَعَبَّرَ بِالْوَلِيدَةِ لِصِغَرِهَا.
وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ: الْوَلِيدَةُ الْأَمَةُ الصَّغِيرَةُ فَلَوْ لَمْ يُسَاوِ الْعُشْرُ إلَّا اثْنَيْنِ يُؤْخَذُ ذَلِكَ فَالْمُرَادُ بِالْعَبْدِ وَبِالْوَلِيدَةِ الْجِنْسُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ أَنَّهَا عَلَى الْجَانِي عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ، وَمُقَابِلُهُ مَا رَوَى أَبُو زَيْدٍ أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهَا.
[قَوْلُهُ: فَمِنْ وَسَطِ السُّودَانِ إلَخْ] كَذَا فِي الْمَجْمُوعَةِ أَيْ الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ أَوْ الْخِيَارِ وَهُوَ أَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُعْطَى فِي الْغُرَّةِ إلَّا الذَّهَبُ] أَيْ أَوْ الْفِضَّةُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ إلَّا ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ، وَلَا يُؤْخَذُ فِيهَا إبِلٌ وَلَا بَقَرٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَوْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ يُؤْخَذُ خَمْسُ فَرَائِضَ أَيْ بِنْتُ مَخَاضٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ وَابْنُ لَبُونٍ، فَظَهَرَ أَنَّهُ إنَّمَا خَصَّ الْإِبِلَ بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهَا مِثْلَهَا لِلرَّدِّ عَلَى الْمُقَابِلِ.
[قَوْلُهُ: هَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْقِيمَةِ] أَيْ بِحَيْثُ تُقَوَّمُ بِخَمْسِينَ دِينَارًا قُلْت: هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَعَلَيْهِ مَشَى الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَفِي الْجَنِينِ وَإِنْ عَلَقَةً عُشْرُ أُمِّهِ وَلَوْ أَمَةً نَقْدًا أَوْ غُرَّةً عَبْدًا أَوْ وَلِيدَةً تُسَاوِيهِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّقْدِ الْعَيْنُ الْحَالَّةُ.
[قَوْلُهُ: هَلْ يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهَا أَمْ لَا] لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهَا [قَوْلُهُ: قُلْت الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وُجُوبُ الْقَبُولِ] بَلْ هُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ، فَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ: يَعْنِي أَنَّ الْجَانِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ دَفَعَ مِثْلَ عُشْرِ الْأُمِّ مِنْ الْعَيْنِ حَالًّا، وَإِنْ شَاءَ دَفَعَ الْغُرَّةَ وَهَذَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ.
وَأَمَّا جَنِينُ الْأَمَةِ فَيَتَعَيَّنُ النَّقْدُ وَتَكُونُ فِي مَالِ الْجَانِي حَيْثُ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَلَمْ تَبْلُغْ الْغُرَّةُ الثُّلُثَ وَإِلَّا فَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي تَعَدُّدِ الْجَنِينِ، فَإِنَّ الْجَنِينَ إذَا تَعَدَّدَ يَتَعَدَّدُ الْوَاجِبُ وَهُوَ الْغُرَّةُ إنْ نَزَلَ مَيِّتًا وَالدِّيَةُ مَعَ الْقَسَامَةِ إنْ نَزَلَ مُسْتَهِلًّا، وَيُتَصَوَّرُ أَيْضًا فِي مَجُوسِيٍّ ضَرَبَ بَطْنَ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا غَيْرَ مُسْتَهَلٍّ لِأَنَّ الْغُرَّةَ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ الْمَجُوسِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَتُورَثُ] وَيَتَفَرَّعُ عَلَى كَوْنِهَا إرْثًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ الضَّارِبُ أَبًا يَلْزَمُهُ الْغُرَّةُ وَلَا يَرِثُ كَأَنْ شَرِبَتْ الْأُمُّ
(عَلَى) حُكْمِ الْفَرَائِضِ الْمَذْكُورَةِ فِي (كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) فِي مِيرَاثِ الْمَيِّتِ.
(وَلَا يَرِثُ قَاتِلُ الْعَمْدِ مِنْ مَالٍ وَلَا دِيَةٍ) وَلَا يَحْجُبُ أَحَدًا إذْ كُلُّ مَنْ لَا يَرِثُ بِحَالٍ لَا يَحْجُبُ وَارِثًا (وَقَاتِلُ الْخَطَإِ يَرِثُ مِنْ الْمَالِ دُونَ الدِّيَةِ) وَحَيْثُ يَرِثُ يَحْجُبُ وَحَيْثُ لَا يَرِثُ لَا يَحْجُبُ، وَصُورَتُهُ إذَا كَانُوا ثَلَاثَةَ إخْوَةٍ وَأُمًّا وَقَتَلَ أَحَدُهُمْ الْآخَرَ فَإِنَّ الْأُمَّ تَرِثُ مِنْ الدِّيَةِ الثُّلُثَ؛ لِأَنَّ مَا هُنَالِكَ إلَّا أَخًا وَاحِدًا مَعَ الْقَاتِلِ، فَالْقَاتِلُ لَا يَرِثُ مِنْ الدِّيَةِ وَتَرِثُ مِنْ الْمَالِ السُّدُسَ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ يَرِثُ مِنْ الْمَالِ فَيَحْجُبُهَا الْأَخَوَاتُ عَنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ.
(وَفِي جَنِينِ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا) الْحُرِّ إذَا أَلْقَتْهُ مَيِّتًا مِثْلُ (مَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ) مِنْ زَوْجِهَا الْحُرِّ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ أَمَةً خِلَافُ الِاصْطِلَاحِ فَإِنَّ الْأَمَةَ لَا تُطْلَقُ إلَّا عَلَى الَّتِي لِلْخِدْمَةِ (وَإِنْ كَانَ) الْجَنِينُ (مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ السَّيِّدِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ زَوْجٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مِنْ زِنًا (فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَتِهَا) أَيْ قِيمَةِ الْأَمَةِ إذَا أَلْقَتْهُ مَيِّتًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، ظَاهِرُ كَلَامِهِ زَادَ عَلَى الْغُرَّةِ أَوْ نَقَصَ، وَأَمَّا إذَا أَلْقَتْهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا خِلَافَ أَنَّ فِيهِ الْقِيمَةَ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
(وَمَنْ قَتَلَ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ (عَبْدًا) قِنًّا كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ مِنْ عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ مَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ كَالْمُكَاتَبِ (فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ) فِي مَالِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ غِيلَةً أَوْ حِرَابَةً فَإِنَّهُ يُقْتَلُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ) مُسْلِمًا حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا (فِي الْحِرَابَةِ وَالْغِيلَةِ) الْغِيلَةُ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا بِأَنَّهَا قَتْلُ إنْسَانٍ لِأَخْذِ مَالِهِ، وَالْحِرَابَةُ كُلُّ فِعْلٍ يُقْصَدُ بِهِ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهٍ تَتَعَذَّرُ الِاسْتِغَاثَةُ مَعَهُ عَادَةً مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَقَالَ ق: كُلُّ مَنْ قَطَعَ الطَّرِيقَ وَأَخَاف السَّبِيلَ فَهُوَ مُحَارِبٌ وَيُشْتَرَطُ فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا.
وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ وَلِيَ الْقَتْلَ بَعْضُهُمْ) تَأْكِيدٌ.
(وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ فِي الْخَطَإِ وَاجِبَةٌ) وُجُوبَ الْفَرَائِضِ
[حاشية العدوي]
لِإِسْقَاطِهَا مَا فِي بَطْنِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْغُرَّةُ وَلَا تَرِثُ مِنْهَا
[قَوْلُهُ: وَلَا يَرِثُ قَاتِلُ الْعَمْدِ] أَيْ الْعُدْوَانِ احْتِرَازًا عَنْ الْعَمْدِ غَيْرِ الْعُدْوَانِ فَلَا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ فِي الْبَاغِيَةِ.
وَكُرِهَ لِلرَّجُلِ قَتْلُ أَبِيهِ وَوِرْثُهُ.
[قَوْلُهُ: دُونَ الدِّيَةِ] أَيْ لِأَنَّهَا مِنْ سَبَبِهِ.
[قَوْلُهُ: وَصُورَتُهُ إلَخْ] فَرْضُ الشَّارِحِ فِي الْخَطَإِ وَيُقَاسُ عَلَيْهَا الْعَمْدُ
[قَوْلُهُ: وَفِي جَنِينِ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا الْحُرِّ] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ الْمَدَارُ أَنْ يَكُونَ الْجَنِينُ تَخَلَّقَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ فَيَشْمَلُ وَلَدَ الْأَمَةِ الْغَارَّةِ وَأَمَةَ الْجَدِّ، فَإِنَّ فِي جَنِينِ مَنْ ذَكَرَ مَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ أَيْ مِنْ أَهْلِ دِينِ سَيِّدِهَا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا.
[قَوْلُهُ: غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ] أَيْ أَوْ عُشْرُ دِيَةِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ، وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ جَنِينِ الْبَهِيمَةِ إذَا تَسَبَّبَ إنْسَانٌ فِي قَتْلِهِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ تُقَوَّمَ أُمُّهُ حَامِلًا بِهِ وَعَلَى حَالِهَا بَعْدَ انْفِصَالِهِ، وَيُنْظَرُ مَا نَقَصَتْهُ قِيمَتُهَا بَعْدَ نُزُولِهِ عَنْ قِيمَتِهَا حَامِلًا بِهِ فَمَا نَقَصَ يَغْرَمُهُ الْجَانِي هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمِّ، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِنْ نَزَلَ مَيِّتًا لَا شَيْءَ فِيهِ، وَإِنْ نَزَلَ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ مَعَ غُرْمِ نَقْصِ الْأُمِّ لِأَنَّ نَحْوَ الْبَقَرَةِ يَنْقُصُ قِيمَتُهَا بَعْدَ فَقْدِ وَلَدِهَا عَنْ قِيمَتِهَا مَعَ حَيَاتِهِ
[قَوْلُهُ: مِنْ الْمُسْلِمِينَ] الْأَحْرَارِ إذْ لَوْ قَتَلَهُ رَقِيقٌ فَالْقِصَاصُ.
[قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ] وَلَوْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ عَلَى أَنَّهُ قِنٌّ وَلَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُبَعَّضًا يَغْرَمُهَا الْقَاتِلُ حَالَّةً فِي مَالِهِ قَتَلَهُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا
[قَوْلُهُ: الْجَمَاعَةُ] أَيْ الْمُكَلَّفُونَ.
[قَوْلُهُ: فِي الْحِرَابَةِ] أَيْ بِسَبَبِ قَتْلِهِ فِي حَالِ الْحِرَابَةِ.
[قَوْلُهُ: وَالْحِرَابَةُ كُلُّ إلَخْ] هَذَا يَشْمَلُ قَطْعَ الطَّرِيقِ لِمَنْعِ السُّلُوكِ أَوْ أَخْذِ الْمَالِ الْمَعْصُومِ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ وَالْقَتْلُ خُفْيَةً الَّذِي هُوَ الْغِيلَةُ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَالْغِيلَةُ وَهِيَ الْقَتْلُ لِأَخْذِ الْمَالِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
[قَوْلُهُ: مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ] أَيْ صَدَرَ الْفِعْلُ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ حُرًّا أَوْ عَبْدًا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا فِي مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَأَخَافَ السَّبِيلَ إلَخْ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَيْ أَخَافَ النَّاسَ فِي الطَّرِيقِ أَوْ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْإِخَافَةَ حَقُّهَا أَنْ تُوقَعَ عَلَى الْمَارِّ فِي الطَّرِيقِ فَأَوْقَعَهَا عَلَى نَفْسِ الطَّرِيقِ عَلَى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يَشْمَلُ قَتْلَ الْغِيلَةِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ وَلِيَ الْقَتْلَ بَعْضُهُمْ] أَيْ هَذَا إذَا وَلِيَهُ كُلُّهُمْ بَلْ وَإِنْ وَلِيَهُ بَعْضُهُمْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ تَمَالُؤٌ قَبْلَ ذَلِكَ بِخِلَافِ غَيْرِ الْحِرَابَةِ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْجَمْعُ بِوَاحِدٍ إلَّا إذَا تَمَالَئُوا عَلَى قَتْلِهِ ابْتِدَاءً، أَوْ بَاشَرَ جَمِيعُهُمْ الْقَتْلَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحِرَابَةَ أَشَدُّ يُقْتَلُ فِيهَا بِالنَّصْرَانِيِّ أَوْ الْعَبْدِ وَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ فِيهَا عَنْ
عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ إذَا قَتَلَ حُرًّا مُؤْمِنًا مَعْصُومًا، وَاحْتَرَزَ بِالْخَطَأِ مِنْ الْعَمْدِ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] الْآيَةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَمْدَ بِخِلَافِهِ وَقَوْلُهُ: (عِتْقُ رَقَبَةٍ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَالْجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِلْكَفَّارَةِ أَيْ هِيَ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (مُؤْمِنَةٍ) سَلِيمَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ لَيْسَ فِيهَا شِرْكٌ وَلَا عَقْدُ حُرِّيَّةٍ وَلَا مُشْتَرَاةٌ بِشَرْطِ الْعِتْقِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) بِمَعْنَى لَمْ يَسْتَطِعْ عِتْقَ رَقَبَةٍ (فَ) إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ (صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى التَّرْتِيبِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ عِتْقًا وَلَا صَوْمًا انْتَظَرَ أَحَدَهُمَا وَلَا يُجْزِئُهُ الْإِطْعَامُ (وَيُؤْمَرُ) الْقَاتِلُ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (بِذَلِكَ) أَيْ بِالتَّكْفِيرِ (إنْ عَفَا عَنْهُ) الْوَلِيُّ (فِي الْعَمْدِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) لِعِظَمِ مَا ارْتَكَبَهُ مِنْ الْإِثْمِ وَكَذَلِكَ تُسْتَحَبُّ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا لِلْحُرِّ الْمُسْلِمِ إذَا قَتَلَ عَبْدًا، وَلِمَنْ ضَرَبَ امْرَأَةً عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَأَلْقَتْ جَنِينًا.
(وَيُقْتَلُ) وُجُوبًا (الزِّنْدِيقُ) حَدًّا لَا كُفْرًا (وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ) إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ وَتُقْبَلُ إنْ جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ (وَهُوَ الَّذِي يُسِرُّ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِيمَانَ) وَهَذَا هُوَ الْمُنَافِقُ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتُلْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُنَافِقِينَ خَشْيَةَ أَنْ يُقَالَ مُحَمَّدٌ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ فَيَنْفِرُ النَّاسُ عَنْ الْإِسْلَامِ.
(وَكَذَلِكَ) يُقْتَلُ (السَّاحِرُ) الَّذِي يُبَاشِرُ السِّحْرَ بِنَفْسِهِ (وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ) بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ، أَمَّا إنْ جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَقَيَّدْنَا كَلَامَهُ بِ يُبَاشِرُ احْتِرَازًا عَمَّنْ دَفَعَ مَالًا لِمَنْ يَعْمَلُ لَهُ السِّحْرَ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَاحِرٍ، هَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا الذِّمِّيُّ إنْ عُثِرَ عَلَيْهِ قُتِلَ
[حاشية العدوي]
الْقَاتِلِ.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ: تَأْكِيدٌ لَا يَظْهَرُ بَلْ هُوَ مُبَالَغَةٌ
[كَفَّارَة الْقَتْل]
[قَوْلُهُ: وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ فِي الْخَطَإِ] قَالَ تت: وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْقَاتِلِ مُكَلَّفًا فَلِذَا تُؤْخَذُ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِأَنَّهَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَوْ شَرِيكًا، وَلَوْ تَعَدَّدَ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ لَوَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَاتِلِينَ كَفَّارَةٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَقْتُولِينَ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْحُرِّ] فَلَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ.
وَقَوْلُهُ: الْمُسْلِمِ أَيْ فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقُرَبِ.
[قَوْلُهُ: إذَا قَتَلَ حُرًّا] أَيْ فَلَا تَجِبُ فِي قَتْلِ عَبْدٍ.
[قَوْلُهُ: مُؤْمِنًا] فَلَا تَجِبُ فِي قَتْلِ كَافِرٍ.
[قَوْلُهُ: مَعْصُومًا] فَلَا تَجِبُ فِي قَتْلِ حَرْبِيٍّ ذَكَرَ هَذَا كُلَّهُ تت.
[قَوْلُهُ: مُؤْمِنَةٍ] اعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ مَا يُشْتَرَطُ فِي رَقَبَةِ الظِّهَارِ وَالصَّوْمِ يُطْلَبُ هُنَا.
[قَوْلُهُ: لَيْسَ فِيهَا شِرْكٌ إلَخْ] أَيْ بِأَنْ تَكُونَ كَامِلَةَ الرِّقِّ لِلْمُكَفِّرِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا عَقْدُ حُرِّيَّةٍ] أَيْ وَلَا رَبْطُ حُرِّيَّةٍ، أَيْ وَلَا مُرْتَبِطٌ بِرِقٍّ هُوَ حُرِّيَّةٌ فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَخْ] أَيْ فَلَوْ أَعْسَرَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَنْظُرُ لِبُلُوغِ الصَّبِيِّ وَلِإِفَاقَةِ الْمَجْنُونِ لِأَجْلِ أَنْ يَصُومَهَا ذَكَرَهُ الْخَرَشِيِّ فِي كَبِيرِهِ [قَوْلُهُ: مُتَتَابِعَيْنِ] فَإِنْ لَمْ يُتَابِعْ الصَّوْمَ فَإِنْ أَفْطَرَ عَمْدًا ابْتَدَأَهُ وَنِسْيَانًا أَوْ لِحَيْضٍ أَوْ لِمَرَضٍ فَلَا يَبْتَدِئُهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَصِلَ صَوْمَهُ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ وَلَوْ أَعْسَرَ كُلٌّ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ انْتِظَارَ الْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ حَتَّى يَصُومَا وَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ مَعَ عَدَمِ إثْمِ الْقَاتِلِ لِخَطَرِ أَمْرِ الدِّمَاءِ.
[قَوْلُهُ: وَيُؤْمَرُ الْقَاتِلُ إلَخْ] أَيْ فَهِيَ كَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ الَّذِي لَا يُكَفِّرُهُ إلَّا النَّارُ أَوْ عَفْوُ الْبَارِي.
[قَوْلُهُ: إنْ عَفَا عَنْهُ الْوَلِيُّ] أَوْ لِعَدَمِ التَّكَافُؤِ.
[قَوْلُهُ: فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ] أَيْ فَإِذَا كَفَّرَ قَاتِلُ الْعَمْدِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ التَّرْكِ كَذَا حَلَّ تت.
أَقُولُ: وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا.
[قَوْلُهُ: إذَا قَتَلَ عَبْدًا] أَيْ سَوَاءٌ كَانَ عَبْدَهُ أَوْ عَبْدَ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَتَلَ ذِمِّيًّا، وَسَوَاءٌ وَقَعَ الْقَتْلُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا.
[قَوْلُهُ: أَوْ خَطَأً فَأَلْقَتْ جَنِينًا إلَخْ] ظَاهِرُهُ وَلَوْ وَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ
[مِنْ يَقْتُلُونَ وجوبا]
[قَوْلُهُ: حَدًّا لَا كُفْرًا] أَيْ إنْ تَابَ حِينَ اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ، وَفَائِدَةُ قَتْلِهِ حَدًّا أَنَّ مَالَهُ لِوَارِثِهِ وَمِثْلُ تَوْبَتِهِ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ إنْكَارُهُ لِمَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ مِنْ الزَّنْدَقَةِ، وَأَمَّا لَوْ اعْتَرَفَ بِهَا وَلَمْ يَتُبْ فَلَا يُورَثُ وَلِكَوْنِ مَالِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ كَمَالِ الْمُرْتَدِّ وَلَا يَكُونُ قَتْلُهُ حَدًّا.
[قَوْلُهُ: الَّذِي يُبَاشِرُ] تَفْسِيرٌ لِلسَّاحِرِ لَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ سَاحِرٍ لَيْسَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ] فَيُقْتَلُ حَدًّا كَالزِّنْدِيقِ حَيْثُ كَانَ يُخْفِي ذَلِكَ وَتَابَ حِينَ اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُتَجَاهِرًا بِهِ لَقُتِلَ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ ثَلَاثًا.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ] لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَاحِرٍ، وَلَكِنْ يُؤَدَّبُ كَمَنْ يَسْتَأْجِرُ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ آخَرَ فَإِنَّ الَّذِي يُقْتَلُ هُوَ الْقَاتِلُ، وَأَمَّا الَّذِي يُدْخِلُ السَّكَاكِينَ فِي جَوْفِهِ فَإِنْ كَانَ سِحْرًا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ وَإِلَّا عُوقِبَ بِغَيْرِ
إنْ لَمْ يُسْلِمْ فَإِنْ أَسْلَمَ لَمْ يُقْتَلْ، وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ السِّحْرَ بِأَنَّهُ كُلُّ مَا يُغَيِّرُ الْأَجْسَامَ وَيُخْرِجُهَا عَنْ مَوْضِعِهَا.
(وَيُقْتَلُ مَنْ ارْتَدَّ) أَيْ رَجَعَ عَنْ الْإِسْلَامِ إذَا كَانَ بَالِغًا حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (إلَّا أَنْ يَتُوبَ) فَلَا يُبَادَرُ بِقَتْلِهِ (وَ) لَكِنْ تُعْرَضُ التَّوْبَةُ عَلَيْهِ فَإِنْ أَبَى فَإِنَّهُ (يُؤَخَّرُ لِلتَّوْبَةِ ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وُجُوبًا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ غَيْرِ عُقُوبَةٍ بِضَرْبٍ أَوْ تَجْوِيعٍ أَوْ تَعْطِيشٍ وَمِنْ غَيْرِ تَخْوِيفٍ بِالْقَتْلِ وَقَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ) تَكْرَارٌ؛ لِأَنَّ " مَنْ " تَعُمُّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَتُؤَخَّرُ الْحَامِلُ حَتَّى تَضَعَ
(وَمَنْ لَمْ يَرْتَدَّ) عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ (وَأَقَرَّ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَقَالَ لَا
[حاشية العدوي]
الْقَتْلِ.
[قَوْلُهُ: قُتِلَ إنْ لَمْ يُسْلِمْ إلَخْ] هَكَذَا قَالَ سَحْنُونٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُدْخِلَ بِسِحْرِهِ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونَ نَاقِضًا لِعَهْدِهِ، وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ تَوْبَةٌ غَيْرُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَلِذَلِكَ قَالَ تت: وَيُؤَدَّبُ السَّاحِرُ الذِّمِّيُّ إلَّا أَنْ يُدْخِلَ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِمٍ بِسِحْرِهِ فَيُقْتَلُ لِنَقْضِهِ بِذَلِكَ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ تَوْبَةٌ غَيْرُ الْإِسْلَامِ وَيُؤَدَّبُ إنْ سَحَرَ أَهْلَ مِلَّتِهِ إلَّا أَنْ يَقْتُلَ مِنْهُمْ أَحَدًا فَيُقْتَلُ بِهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ كُلُّ مَا يُغَيِّرُ الْأَجْسَامِ] الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْنَى كُلُّ مَا يُغَيِّرُ صِفَةَ الْأَجْسَامِ وَيُخْرِجُهَا عَنْ حَالِهَا وَلَوْ الصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةَ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ رَبْطُ الزَّوْجِ عَنْ زَوْجَتِهِ وَإِذْهَابُ عَقْلِ غَيْرِهِ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَأَوْلَى لَوْ غَيَّرَ صِفَةَ الْجِسْمِ كَتَغَيُّرِهِ مِنْ صُورَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ إلَى صُورَةِ الْحِمَارِيَّةِ وَظَاهِرُهُ كَانَ سَبَبُ التَّغَيُّرِ كَلَامًا مُكَفِّرًا فِي ذَاتِهِ أَوْ لَا، وَقَدْ أَطْلَقَ مَالِكٌ فِي التَّكْفِيرِ بِهِ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ كَمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ.
نَعَمْ إنْ فُسِّرَ بِأَنَّهُ كَلَامٌ يُعَظَّمُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ وَتُنْسَبُ إلَيْهِ الْمَقَادِيرُ وَالْكَائِنَاتُ ظَهَرَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَيُمْكِنُ رَدُّ تَفْسِيرِ الشَّارِحِ إلَيْهِ أَيْ بِأَنْ يُقَالَ: بِأَنَّهُ كُلُّ مَا يُغَيِّرُ أَيْ مِمَّا عُظِّمَ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: لَا يُقْتَلُ السَّاحِرُ إلَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّ مَا فَعَلَهُ مِنْ السِّحْرِ الَّذِي أَعْلَمَ اللَّهُ بِأَنَّهُ كُفْرٌ وَيُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ بِإِخْبَارِ مَنْ يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ وَثَبَتَ ذَلِكَ بِالْإِخْبَارِ عِنْدَ الْإِمَامِ هَكَذَا يُفِيدُهُ كَلَامُ أَصْبَغَ، وَاسْتَصْوَبَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَعَلَى هَذَا لَوْ فَرَّقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِنَحْوِ آيَةِ ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: 64] لَا يَكُونُ هَذَا مِنْ السِّحْرِ الْمُكَفِّرِ
[قَوْلُهُ: وَيُقْتَلُ مَنْ ارْتَدَّ] قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هِيَ كُفْرٌ بَعْدَ إسْلَامٍ تَقَرَّرَ، وَتَقْرِيرُهُ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ الْتِزَامِ أَحْكَامِهِمَا.
[قَوْلُهُ: أَيْ رَجَعَ عَنْ الْإِسْلَامِ] أَيْ بِصَرِيحِ لَفْظِهِ كَقَوْلِهِ: الْعُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ أَوْ الْبَعِيدُ كَفَرَ بِاَللَّهِ أَوْ أَشْرَكَ بِهِ أَوْ أَتَى بِلَفْظٍ يَقْتَضِي الْكُفْرَ، كَقَوْلِهِ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ غَيْرُ مَفْرُوضَةٍ أَوْ أَتَى بِفِعْلٍ يَسْتَلْزِمُ الْكُفْرَ كَإِلْقَاءِ قُرْآنٍ فِي قَذَرٍ اخْتِيَارًا.
[قَوْلُهُ: إذَا كَانَ بَالِغًا] وَأَمَّا الصَّبِيُّ إذَا ارْتَدَّ فَيُهَدَّدُ وَلَا يُقْتَلُ إلَّا إذَا بَلَغَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى رِدَّتِهِ، هَذَا إذَا كَانَ مُمَيِّزًا.
وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ فَلَا يُحْكَمُ بِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ إلَّا إذَا بَلَغَ وَأَعْرَبَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْكُفْرِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يُبَادَرُ بِقَتْلِهِ وَلَكِنْ تُعْرَضُ التَّوْبَةُ عَلَيْهِ] أَيْ وَإِذَا قُلْتُمْ بِأَنَّ مَنْ ارْتَدَّ يُقْتَلُ عِنْدَ عَدَمِ التَّوْبَةِ فَلَا يُبَادَرُ بِهِ، وَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ مُشْكِلٌ.
[قَوْلُهُ: عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ] أَيْ إنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ كَمَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
[قَوْلُهُ: يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فِي كُلِّ يَوْمٍ] فَإِنْ تَابَ فَلَا إشْكَالَ وَإِلَّا قُتِلَ بِغُرُوبِ شَمْسِ.
الثَّالِثِ: وَتُحْسَبُ الثَّلَاثَةُ الْأَيَّامِ مِنْ ثُبُوتِ الْكُفْرِ لَا مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ مَعَ تَأَخُّرِ الثُّبُوتِ، وَلَا يُحْسَبُ الْيَوْمُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الثُّبُوتُ وَإِنَّمَا كَانَ يُؤَخَّرُ ثَلَاثًا لِأَنَّ اللَّهَ أَخَّرَ قَوْمَ صَالِحٍ ذَلِكَ الْقَدْرَ، فَلَوْ حَكَمَ الْإِمَامُ بِقَتْلِهِ دَاخِلَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ مَضَى لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ وَاَلَّذِي يَسْتَتِيبُهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ غَيْرِ تَخْوِيفٍ بِالْقَتْلِ] فَلَا يُقَالُ لَهُ: إنْ لَمْ تُسْلِمْ تُقْتَلُ، وَكَذَا لَا يُخَوَّفُ بِغَيْرِهِ فِيمَا يَظْهَرُ وَهَلْ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْنَا أَوْ مَكْرُوهٌ وَلَعَلَّهُ مَكْرُوهٌ وَانْظُرْهُ.
[قَوْلُهُ: تَكْرَارُ إلَخْ] وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا نَصَّ عَلَى الْمَرْأَةِ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ قَتْلِ النِّسَاءِ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ قَتْلِهِنَّ لِأَنَّ مَحْمَلَهُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا عَلَى الْمُرْتَدِّ.
[قَوْلُهُ: وَتُؤَخَّرُ الْحَامِلُ حَتَّى تَضَعَ] أَيْ وَتَجِدَ مَنْ يُرْضِعُ، وَإِنْ كَانَتْ تُرْضِعُ فَتُؤَخَّرُ حَتَّى تَجِدَ مَنْ يُرْضِعُ وَيَقْبَلُ الْوَلَدَ وَكَذَا تُؤَخَّرُ الَّتِي لَيْسَتْ بِحَامِلٍ حَيْثُ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً أَوْ مُطَلَّقَةً طَلَاقًا رَجْعِيًّا أَوْ كَانَتْ سُرِّيَّةً حَتَّى تَسْتَبْرِئَ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا كَانَتْ تَحِيضُ وَلَوْ فِي كُلِّ خَمْسِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ لَا تَحِيضُ لِضَعْفٍ أَوْ يَأْسٍ
أُصَلِّي) الْآنَ وَأُصَلِّي بَعْدُ أَوْ قَالَ: لَا أُصَلِّي مُطْلَقًا أَوْ قَالَ: لَا أُصَلِّي حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ (أُخِّرَ حَتَّى يَمْضِيَ) أَيْ يَخْرُجَ (وَقْتُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ) خَرَجَ الْوَقْتُ وَ (لَمْ يُصَلِّهَا) أَيْ تِلْكَ الصَّلَاةَ الْوَاحِدَةَ (قُتِلَ) بِالسَّيْفِ فِي الْمَكَانِ الْمَعْهُودِ وَلَا يُعَاقَبُ بِغَيْرِهِ وَلَا بِهِ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِ الْقَتْلِ وَلَا يُقْتَلُ ابْتِدَاءً بَلْ يُهَدَّدُ أَوَّلًا وَيُضْرَبُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قُتِلَ حَدًّا لَا كُفْرًا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ الْقَتْلُ بِالْفَائِتَةِ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ.
(وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الزَّكَاةِ أُخِذَتْ مِنْهُ كَرْهًا) وَتُجْزِيهِ وَإِنْ أَدَّى
[حاشية العدوي]
مَشْكُوكٍ فِيهِ فَلَا تَسْتَبْرِئُ إلَّا إذَا كَانَتْ مِمَّنْ تَحْمِلُ أَوْ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ حَمْلُهَا، وَحِينَئِذٍ فَإِنَّهَا تَسْتَبْرِئُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إلَّا أَنْ تَحِيضَ فِي أَثْنَائِهَا، وَكُلُّ هَذَا فِيمَنْ لَهَا زَوْجٌ أَوْ سَيِّدٌ مُرْسَلٌ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَلَا اسْتِبْرَاءَ إلَّا أَنْ تَدَّعِيَ حَمْلًا، اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ فِي ذَلِكَ أَوْ شَكُّوا.
تَنْبِيهٌ:
يُطْعَمُ الْمُرْتَدُّ مِنْ مَالِهِ زَمَنَ رِدَّتِهِ، وَأَمَّا وَلَدُهُ وَعِيَالُهُ فَلَا يُنْفِقُونَ مِنْهُ لِأَنَّهُ صَارَ بِسَبَبِ الرِّدَّةِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا مَالَ عِنْدَهُ
[قَوْلُهُ: وَأُصَلِّي بَعْدُ] أَيْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ فَهُوَ فِي الْمَعْنَى عَيْنُ قَوْلِهِ أَوْ قَالَ لَا أُصَلِّي حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ.
[قَوْلُهُ: أُخِّرَ حَتَّى يَمْضِيَ] مُفَادُ الشَّارِحِ إبْقَاءُ الْعِبَارَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَأَنَّ التَّأْخِيرَ مَطْلُوبٌ فَيَكُونُ مَاشِيًا عَلَى ضَعِيفٍ، وَنَحْنُ نُقَرِّرُهُ عَلَى وَجْهٍ بِهِ يَكُونُ جَارِيًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ يَمْضِي مَعْنَاهُ أَيْ يَكَادُ يَمْضِي، أَيْ بِحَيْثُ يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ مَا يَسَعُ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا طُمَأْنِينَةٌ وَلَا اعْتِدَالٌ وَلَا قِرَاءَةُ فَاتِحَةٍ وَلَا طَهَارَةٌ فِيمَا يَظْهَرُ صَوْنًا لِلدِّمَاءِ، فَإِنْ قَامَ لِلْفِعْلِ لَمْ يُقْتَلْ وَإِلَّا قُتِلَ بِالسَّيْفِ فِي الْحَالِ هَذَا إذَا كَانَتْ حَاضِرَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَاضِرَتَانِ أُخِّرَ لِبَقَاءِ خَمْسِ رَكَعَاتٍ فِي الظُّهْرَيْنِ حَضَرًا وَلِثَلَاثٍ فِيهِمَا سَفَرًا وَلِأَرْبَعٍ فِي اللَّيْلَتَيْنِ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا وَلَا يُعْتَبَرُ أَيْضًا طُمَأْنِينَةٌ وَلَا اعْتِدَالٌ مُطْلَقًا وَلَا فَاتِحَةٌ سِوَى الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الصَّلَاةِ الْأُولَى فَقَطْ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِهَا فِي رَكْعَةٍ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الصَّلَاةِ مِنْ طُمَأْنِينَةٍ وَغَيْرِهَا.
قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَبِقَوْلِنَا حَتَّى يَكَادَ يَمْضِي إلَخْ عُلِمَ أَنَّ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ اطَّلَعَ عَلَيْهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَطَلَبَ مِنْهُ الْفِعْلَ وَامْتَنَعَ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أُخِّرَ فَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ لَمْ يَكُنْ الْمُصَنِّفُ آتِيًا عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ مِنْ أَنَّ الْفَائِتَةَ يُقْتَلُ بِهَا خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الشَّارِحُ آخِرَ الْعِبَارَةِ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: فِي الْمَكَانِ الْمَعْهُودِ] أَيْ الْمَعْهُودِ لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُقْتَلُ ابْتِدَاءً بَلْ يُهَدَّدُ أَوَّلًا وَيُضْرَبُ] وَهَلْ ذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِنَاءً عَلَى تَقْرِيرِ الشَّارِحِ مِنْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ بِالْقَتْلِ بِالْفَائِتَةِ أَوْ قَبْلَهُ.
وَأَمَّا عَلَى الرَّاجِحِ فَنَقُولُ: إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ تَهْدِيدُهُ وَلَوْ بِالضَّرْبِ ثُمَّ يَضْرِبُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُهَدَّدُ بِالْقَتْلِ بَعْدَ الضَّرْبِ وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ حَتَّى ضَاقَ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إلَّا مِقْدَارُ رَكْعَةٍ مَعَ الطَّهَارَةِ فَتَرَدَّدَ عج فِي قَتْلِهِ وَاسْتَظْهَرَ عَدَمَ قَتْلِهِ، وَاسْتَظْهَرَ الشَّيْخُ قَتْلَهُ لِأَنَّهُ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ لَا سَبِيلَ إلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ فِي الشُّرُوعِ مَعَ الْقُدْرَةِ قُلْت: وَهُوَ الظَّاهِرُ لِي وَمَنْ طُلِبَتْ مِنْهُ بِسَعَةِ وَقْتِهَا وَأُخِّرَ لِبَقَاءِ رَكْعَةٍ وَحَصَلَ تَوَانٍ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ فَيُقْتَلُ بِهَا لِأَجْلِ الطَّلَبِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعَزِيَّةِ، قُلْت: فَعَلَيْهِ لَا يُقَالُ إنَّ الْمُصَنِّفَ ذَهَبَ إلَى الْقَتْلِ بِالْفَائِتَةِ لِأَنَّ الْخِلَافَ الْمَعْهُودَ فِيهَا إنَّمَا هُوَ فِي فَائِتَةٍ لَمْ يُطْلَبْ بِهَا فِي الْوَقْتِ.
تَتِمَّةٌ:
حُكْمُ مَنْ قَالَ: لَا أَتَوَضَّأُ أَوْ لَا أَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ لَا أَسْتُرُ عَوْرَتِي فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا أَرْكَعُ لَهَا أَوْ لَا أَسْجُدُ كَسَلًا حُكْمُ تَارِكِهَا، وَانْظُرْ هَلْ يُقَدَّرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ قَدْرُ مَا يَسْعَهُمَا مَعَ رَكْعَةٍ، وَحِينَئِذٍ يُقْتَلُ أَوْ يُرَاعَى قَدْرُ رَكْعَةٍ مَعَ بَدَلِهِمَا وَهُوَ التَّيَمُّمُ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي لِحُرْمَةِ الدِّمَاءِ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ] أَيْ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِالْفَائِتَةِ أَيْ الَّتِي لَمْ تُطْلَبْ مِنْهُ أَصْلًا أَوْ طُلِبَتْ بِضِيقِ وَقْتِهَا عَلَى مَا
ذَلِكَ إلَى قَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْبُغَاةِ وَأُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ لِظُهُورِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ وَبَيْنَ التَّقَرُّبِ.
(وَمَنْ تَرَكَ الْحَجَّ) الْوَاجِبَ (فَاَللَّهُ حَسْبُهُ) يَنْتَقِمُ مِنْهُ فَلَا نَتَعَرَّضُ لَهُ بِقَتْلٍ وَلَا بِغَيْرِهِ إذْ لَعَلَّهُ لَمْ تَتَوَفَّرْ عِنْدَهُ شُرُوطُ وُجُوبِ الْحَجِّ وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي.
(وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ) الْمَفْرُوضَةَ (جَحْدًا لَهَا) أَيْ لِوُجُوبِهَا أَوْ لِوُجُوبِ شَيْءٍ مِنْهَا كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ جَحَدَ غَيْرَهَا مِنْ الْفَرَائِضِ كَالْحَجِّ أَوْ اسْتَحَلَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ أَوْ حَرَّمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ (فَهُوَ كَالْمُرْتَدِّ يُسْتَتَابُ ثَلَاثًا فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ) كُفْرًا لَا حَدًّا فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَرِثُهُ وَرَثَتُهُ وَيَكُونُ مَالُهُ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَمَنْ سَبَّ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْبَالِغِينَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا (رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَوْ عَابَهُ أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا (قُتِلَ حَدًّا) إنْ تَابَ لَا كُفْرًا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلِهَذَا قَالَ: (وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ) سَوَاءٌ كَانَتْ تَوْبَتُهُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ أَوْ جَاءَ تَائِبًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ فَلَا تُسْقِطُهُ التَّوْبَةُ،
[حاشية العدوي]
تَقَدَّمَ
[قَوْلُهُ: وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الزَّكَاةِ] أَيْ عِنَادًا أَوْ تَأْوِيلًا.
[قَوْلُهُ: أُخِذَتْ مِنْهُ كَرْهًا] بِفَتْحِ الْكَافِ أَيْ قَهْرًا، أَوْ كُرْهًا بِمَعْنَى التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ فَبِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى قَتْلِهِ] مُبَالَغَةٌ فِي قَوْلِهِ أُخِذَتْ مِنْهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُقَاتَلُ عَلَيْهَا وَإِذَا مَاتَ فَيَكُونُ دَمُهُ هَدَرًا بِخِلَافِ دَمِ الْفَقِيرِ فَيُقْتَلُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْ الْمُمْتَنِعُ مَالًا وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالْمَلَاءِ لِلْإِمَامِ سَجْنُهُ حَتَّى يُظْهِرَ مَالَهُ لِأَنَّهُ مِنْ حَقِّ الْفُقَرَاءِ وَالْإِمَامُ نَاظِرٌ فِيهِ، فَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُ الْمَالِ وَاتُّهِمَ بِإِخْفَاءِ غَيْرِهِ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لَا يَحْلِفُ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مِنْ الْبُغَاةِ] هُمْ الَّذِي خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْكَلَامُ مَفْرُوضًا فِيمَا إذَا كَانَ الطَّالِبُ لِلزَّكَاةِ الْإِمَامَ.
[قَوْلُهُ: وَأُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ] قَدْ يُقَالُ إنَّ نِيَّةَ الْإِمَامِ نَائِبَةٌ عَنْ نِيَّتِهِ.
تَنْبِيهٌ:
مَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ كُفْرًا
[قَوْلُهُ: فَلَا نَتَعَرَّضُ لَهُ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَيْ لَا نَتَعَرَّضُ لَهُ تَفْسِيرٌ لِلْمُرَادِ بِقَوْلِهِ فَاَللَّهُ حَسْبُهُ.
[قَوْلُهُ: إذْ لَعَلَّهُ لَمْ تَتَوَفَّرْ] أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَوْ تَوَفَّرَتْ فِي الظَّاهِرِ.
[قَوْلُهُ: وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا إلَخْ] قَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ وَلَوْ بَنَيْنَا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ اسْتَحَلَّ إلَخْ] أَيْ أَنْكَرَ أَمْرًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ بِالضَّرُورَةِ هَذَا هُوَ مَحَلُّ الْكُفْرِ [قَوْلُهُ: كَالْمُرْتَدِّ] أَيْ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ.
[قَوْلُهُ: يُسْتَتَابُ] أَيْ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ التَّوْبَةَ.
وَقَوْلُهُ: ثَلَاثًا أَيْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَتُبْ إلَخْ] أَيْ وَأَمَّا لَوْ تَابَ بِرُجُوعِهِ لِلْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ إثْمُ الِارْتِدَادِ كَمَا سَقَطَ عَنْهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ زَكَاةٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ عِتْقٍ بِخِلَافِ الْحَجِّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ وَلَوْ كَانَ قَدْ فَعَلَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ لِأَنَّ ظَرْفَهُ الْعُمْرُ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ سَبَّ] أَيْ شَتَمَ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْمُسْلِمِينَ] سَيَأْتِي مُحْتَرَزُهُ، وَقَوْلُهُ: الْبَالِغِينَ وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَيُنْتَظَرُ بُلُوغُهُ.
[قَوْلُهُ: وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ] أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ التَّحَصُّنَ بِاَللَّهِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ عَابَهُ] أَيْ نَسَبَهُ لِلْعَيْبِ وَهُوَ خِلَافُ الْمُسْتَحْسَنِ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا أَوْ عُرْفًا فِي خُلُقٍ أَوْ دِينٍ.
[قَوْلُهُ: أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا] أَيْ بِأَنْ ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى نَقْصِهِ كَأَنْ قَالَ: أَسْوَدُ أَوْ قَصِيرٌ، وَإِذَا تَأَمَّلْت تَجِدُ أَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِهِ أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا بِقَوْلِهِ: أَوْ عَابَهُ لِأَنَّهُ إذَا نَسَبَهُ لِلْعَيْبِ فَقَدْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا.
[قَوْلُهُ: قُتِلَ حَدًّا إنْ تَابَ إلَخْ] أَيْ أَوْ أَنْكَرَ مَا شَهِدَتْ بِهِ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَيُسْتَعْجَلُ بِقَتْلِهِ وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَمَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِجَهْلٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ لِأَجْلِ تَهَوُّرٍ فِي الْكَلَامِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى سَبْقِ اللِّسَانِ وَلَا دَعْوَى سَهْوٍ أَوْ نِسْيَانٍ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: قُتِلَ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ مَا قَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ مِنْ أَنَّهُ يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي قَتْلِ السَّابِّ الْمُسْلِمِ أَوْ صُلْبِهِ حَيًّا.
[قَوْلُهُ: وَلِهَذَا] أَيْ وَلِكَوْنِهِ يُقْتَلُ حَدًّا لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَتِهِ قَتْلُهُ، وَلَا بُدَّ فَيَكُونُ فِيهِ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَجْعَلَهُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ قُتِلَ حَدًّا.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ فَلَا تُسْقِطُهُ التَّوْبَةُ] أَيْ كَالزَّانِي وَالشَّارِبِ وَالْقَاتِلِ وَالسَّارِقِ سِوَى الْمُحَارِبِ فَإِنَّ حَدَّ الْحِرَابَةِ يَسْقُطُ عَنْهُ بِإِتْيَانِهِ لِلْإِمَامِ طَائِعًا أَوْ تَرَكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، أَمَّا إنْ لَمْ يَتُبْ فَإِنَّ قَتْلَهُ كُفْرٌ.
اعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ