الْكِتَابَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَقَارِبِهِ خَارِجًا عَنْ الْكِتَابَةِ فَلَا يَرِثُهُ سَوَاءٌ كَانُوا أَحْرَارًا أَوْ عَبِيدًا، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِإِذَا تَرَكَ إلَخْ لِقَوْلِهِ: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ وَفَاءٌ بِهَا) أَيْ بِالْكِتَابَةِ (فَإِنَّ وَلَدَهُ يَسْعَوْنَ) أَيْ يَعْمَلُونَ فِيهِ (وَيُؤَدُّونَ نُجُومًا) عَلَى تَنْجِيمِ الْمَيِّتِ (إنْ كَانُوا كِبَارًا) لَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى السَّعْيِ وَأَمَانَةٌ عَلَى الْمَالِ وَإِلَّا أُعْطِيَ الْمَالُ لِأَمِينٍ يُؤَدِّي عَنْهُمْ (وَإِنْ كَانُوا) أَيْ أَوْلَادُ الْمُكَاتَبِ (صِغَارًا وَلَيْسَ فِي الْمَالِ قَدْرُ النُّجُومِ إلَى بُلُوغِهِمْ السَّعْيَ رَقُوا) ق: مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِ مَا يُبْلِغُهُمْ السَّعْيَ لَمْ يَرْقُوا وَيُوضَعُ ذَلِكَ عَلَى يَدِ أَمِينٍ وَيُعْطِي لِلسَّيِّدِ عَلَى قَدْرِ النُّجُومِ
(وَإِنْ) مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَ (لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ مَعَهُ فِي كِتَابَتِهِ) وَلَيْسَ فِي مَالِهِ وَفَاءٌ (وَرِثَهُ سَيِّدُهُ) ق: يَعْنِي بِالرِّقِّ لَا بِالْوَلَاءِ لِكَوْنِهِ مَاتَ رَقِيقًا.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ وَهِيَ فِي الْعُرْفِ الْأَمَةُ الَّتِي وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَقَالَ: (وَمَنْ أَوْلَدَ أَمَةً فَ) يُبَاحُ (لَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْهَا فِي حَيَاتِهِ) بِالْوَطْءِ وَدَوَاعِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: 30]
[حاشية العدوي]
الْأُخْرَى.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ وَفَاءٌ] سَالِبَةٌ تَصْدُقُ بِنَفْيِ الْمَوْضُوعِ فَتَصْدُقُ بِعَدَمِ الْمَالِ أَصْلًا أَيْ فَالشَّرْطُ قُدْرَتُهُمْ عَلَى السَّعْيِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبُوهُمْ تَرَكَ شَيْئًا.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّ وَلَدَهُ يَسْعَوْنَ] فَإِنْ أَدَّوْا عَتَقُوا وَإِلَّا رَقُّوا، وَلَا مَفْهُومَ لِلْوَلَدِ أَيْ مَنْ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ كَانَ وَلَدًا أَوْ غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي إعْطَاءِ مَا تَرَكَهُ مِمَّا لَا يَفِي فَلَا يُعْطَى لِأَجْنَبِيٍّ وَإِنَّمَا يُعْطَى لِوَلَدِهِ إنْ كَانَ وَحْدَهُ أَوْ أُمِّهِ إنْ كَانَتْ مَعَهُ أُمُّهُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ يَعْمَلُونَ فِيهِ] أَيْ فِي الْمَالِ أَيْ أَوْلَادُهُ يَعْمَلُونَ أَيْ وَرَثَتُهُ لَا خُصُوصُ الْوَلَدِ.
وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا أَعْطَى الْمَالَ لِأَمِينٍ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ أَمَانَةً أَيْ وَلَهُمْ قُوَّةٌ عَلَى السَّعْيِ أَيْ فَيُحَصِّلُونَ بِسَعْيِهِمْ وَلَوْ بِإِجَارَةٍ لِأَنْفُسِهِمْ مَا فِيهِ وَفَاءُ النُّجُومِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ قُوَّةٌ عَلَى السَّعْيِ كَانَتْ أَمَانَةً وَإِلَّا رَقُّوا.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِي الْمَالِ قَدْرُ إلَخْ] قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْكِتَابَةَ تَحِلُّ عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ إذَا تَرَكَ وَفَاءً وَهَذَا لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً، فَإِذَا تَرَكَ وَفَاءً حَلَّتْ بِمَوْتِهِ صِغَارًا كَانُوا أَوْ كِبَارًا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَالتَّفْصِيلُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ أَيْ وَعَجَّلَ الْمَالَ لِلسَّيِّدِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الِانْتِظَارِ حِينَئِذٍ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ أُمُّ وَلَدٍ فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أُمُّ وَلَدٍ لَهَا قُوَّةٌ وَأَمَانَةٌ دَفَعَ إلَيْهَا الْمَالَ إنْ رَجَى لَهَا قُوَّةً عَلَى السَّعْيِ فِي بَقِيَّةِ الْكِتَابَةِ قَالَهُ تت.
وَاعْتِبَارُ الْأَمَانَةِ إنَّمَا هُوَ فِي دَفْعِ الْمَالِ لَهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ لَهَا قُوَّةٌ عَلَى السَّعْيِ فِي بَقِيَّةِ الْكِتَابَةِ وَهِيَ غَيْرُ مَأْمُونَةٍ فَإِنَّ وَلَدَهُ لَا يُرَقُّونَ أَيْ بَلْ وَلَوْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا فَإِنَّهَا تَسْعَى إنْ قَوِيَتْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا قُوَّةٌ وَكَانَ فِي ثَمَنِهَا مَعَ مَا تَرَكَهُ الْمَيِّتُ أَوْ فِي ثَمَنِهَا وَحْدَهَا حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْ مَا لَا يَبْلُغُهُمْ عَلَى السَّعْيِ فَإِنَّهَا تُبَاعُ وَيُدْفَعُ ثَمَنُهَا فِي النُّجُومِ، وَانْظُرْ إذَا قَوِيَتْ عَلَى السَّعْيِ وَأَبَتْ هَلْ تُجْبَرُ عَلَيْهِ أَوْ تُبَاعُ حَيْثُ كَانَ فِي ثَمَنِهَا مَا يَبْلُغُهُمْ لِلسَّعْيِ قَالَهُ عج.
تَنْبِيهٌ: إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَلَدِ قُوَّةٌ وَأَمَانَةٌ فَإِنَّهُ يُعْطِي لِأُمِّ الْوَلَدِ عِنْدَ قُوَّتِهَا وَأَمَانَتِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ دَاخِلَةً فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ] أَيْ وَلَا غَيْرُهُ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِي مَالِهِ وَفَاءٌ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ وَلَوْ كَانَ فِي الْمَالِ وَفَاءٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمَفْهُومُ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْمَالِ وَفَاءٌ وَحُكِمَ عَلَى السَّيِّدِ بِقَبْضِهَا أَوْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِإِتْيَانِهِ بِهَا وَلَمْ يَقْبَلْهَا فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهُ وَإِلَّا وَرِثَهُ.
وَقَوْلُهُ: وَرِثَهُ فِيهِ تَجَوُّزٌ لِأَنَّهُ رِقٌّ.
[أَحْكَام أُمّ الْوَلَد]
[قَوْلُهُ: أُمُّ الْوَلَدِ] الْأُمُّ فِي اللُّغَةِ أَصْلُ الشَّيْءِ وَتُجْمَعُ عَلَى أُمَّاتٍ وَأَصْلُ أُمٍّ أُمَّهَةٌ وَلِذَلِكَ تُجْمَعُ عَلَى أُمَّهَاتٍ، وَقِيلَ الْأُمَّاتُ لِلنَّعَمِ وَالْأُمَّهَاتُ لِلنَّاسِ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ فِي الْعُرْفِ] أَيْ عُرْفِ الْفُقَهَاءِ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ يَصْدُقُ بِمَا إذَا كَانَ السَّيِّدُ رَقِيقًا فَالتَّعْرِيفُ غَيْرُ مَانِعٍ، وَأَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ فِي اللُّغَةِ فَهِيَ كُلُّ مَنْ لَهَا وَلَدٌ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي تَعْرِيفِ أُمِّ الْوَلَدِ: هِيَ الْحُرُّ حَمْلُهَا مِنْ وَطْءِ مَالِكِهَا عَلَيْهِ جَبْرًا فَتَخْرُجُ الْأَمَةُ الَّتِي أَعْتَقَ سَيِّدُهَا حَمْلَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَالْأَمَةُ الْمَمْلُوكَةُ لِأَبِي زَوْجِهَا، فَإِنَّ حَمْلَهَا إنَّمَا جَاءَتْ حُرِّيَّتُهُ مِنْ عِتْقِهِ عَلَى جَدِّهِ.
وَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ خَرَجَتَا بِقَوْلِهِ: مِنْ وَطْءِ مَالِكِهَا.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ أَوْلَدَ أَمَةً] أَيْ مِنْ الْأَحْرَارِ.
[قَوْلُهُ: بِالْوَطْءِ وَدَوَاعِيهِ] أَيْ مُقَدِّمَاتِهِ أَيْ بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعَاتِ الَّتِي تَجُوزُ فِي الزَّوْجَةِ وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ لِبَقَاءِ الْمِلْكِ عَلَيْهَا وَلَهُ أَخْذُ
«وَتَسَرَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ» (وَتُعْتَقُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ) مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ وَلَا يَرِقُّهَا دَيْنٌ كَانَ قَبْلَ حَمْلِهَا أَوْ بَعْدَهُ سَوَاءٌ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ قَتَلَتْهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَلَمْ يُرَاعُوا هُنَا عِلَّةَ الِاسْتِعْجَالِ كَمَا قَالُوا فِي الْمُدَبَّرِ يَرْجِعُ رَقِيقًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ لِأُمِّ الْوَلَدِ قَبْلَ الْقَتْلِ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ فَإِنَّهُ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ إذَا اسْتَغْرَقَهُ بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ فَإِنَّهَا لَا تُبَاعُ بِحَالٍ فِي الدَّيْنِ إلَّا فِي مَسَائِلَ اسْتَثْنَاهَا الْأَصْحَابُ نَقَلْنَاهَا فِي الْكَبِيرِ (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا) فَإِنْ وَقَعَ فَسْخٌ وَإِنْ عَتَقَهَا الْمُشْتَرِي أَوْ اتَّخَذَهَا أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مَاتَتْ فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ وَمُصِيبَتُهَا مِنْ الْبَائِعِ وَمِثْلُ الْبَيْعِ الْهِبَةُ وَالرَّهْنُ وَنَحْوُهُمَا.
[حاشية العدوي]
قِيمَتِهَا مِمَّنْ قَتَلَهَا.
[قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى] أَيْ فَعُمُومُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ وَطْءِ أُمِّ الْوَلَدِ.
وَقَوْلُهُ: وَتَسَرَّى أَيْ وَأَوْلَدَهَا إبْرَاهِيمُ وَاسْتَمَرَّ عَلَى وَطْئِهَا بَعْدَ إيلَادِهَا وَهَذَا هُوَ مَحَلُّ الدَّلِيلِ مِنْ تَسَرِّيهِ بِهَا لَا مُطْلَقُ التَّسَرِّي كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ، وَكَأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِظُهُورِهِ أَهْدَاهَا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُقَوْقِسُ وَكَانَتْ بَيْضَاءَ جَمِيلَةً وَالْقِبْطِيَّةُ نِسْبَةٌ لِلْقِبْطِ وَهُمْ أَهْلُ مِصْرَ كَمَا فِي الصِّحَاحِ
[قَوْلُهُ: وَتُعْتَقُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ] وَتُقَدَّمُ عَلَى الدَّيْنِ وَالْكَفَنِ قَالَهُ عج، وَمَحَلُّ عِتْقِهَا حَيْثُ كَانَ السَّيِّدُ حُرًّا وَغَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِلْغُرَمَاءِ حِينَ الْوَطْءِ الَّذِي مِنْهُ الْوِلَادَةُ، فَإِنْ وَطِئَ الْمُفْلِسُ أَمَتَهُ الْمَوْقُوفَةَ لِلْبَيْعِ فَحَمَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْوَطْءِ لَمْ يُمْنَعْ بَيْعُهَا بِخِلَافِ مَنْ اسْتَوْلَدَهَا قَبْلَ التَّفْلِيسِ.
[قَوْلُهُ: مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ] أَيْ مَاتَ مَوْتًا عُلِمَ مِنْ أَنْفِهِ وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يُقَالُ فِي شَأْنِ حَيَوَانٍ مَاتَ بِدُونِ سَبَبٍ مِنْ ضَرْبٍ وَغَيْرِهِ وَشَأْنُهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي التَّنَفُّسِ حَتَّى يَنْقَطِعَ فَلِذَا خُصَّ بِالْأَنْفِ وَهَلْ لَهُ فِعْلٌ وَهُوَ حَتْفٌ تَقُولُ: حَتَفَهُ اللَّهُ يَحْتِفُهُ حَتْفًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ إذَا أَمَاتَهُ، وَمَا قُلْنَاهُ مِنْ التَّفْسِيرِ فَهُوَ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ أَوْ لَا فِعْلٌ لَهُ قَوْلَانِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
[قَوْلُهُ: ثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ لِأُمِّ الْوَلَدِ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِقُرْبِهَا مِنْ الْحَرَائِرِ فِي مَنْعِ إجَارَتِهَا وَبَيْعِهَا فِي دَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ وَرَهْنِهَا وَهِبَتِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ دُونَ الْمُدَبَّرِ لِأَنَّ عِتْقَهَا لَا يَرُدُّهُ الدَّيْنُ وَلَوْ سَابِقًا.
[قَوْلُهُ: إلَّا فِي مَسَائِلَ] أَيْ سِتَّةٍ تُبَاعُ فِيهَا أُمُّ الْوَلَدِ، الْأُولَى الْأَمَةُ الْمَرْهُونَةُ يَطَؤُهَا الرَّاهِنُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ وَالْحَالُ أَنَّهُ مُعْسِرٌ فَإِنَّهَا تُبَاعُ بَعْدَ الْوَضْعِ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ لَا يُبَاعُ الثَّانِيَةُ الْأَمَةُ الْجَانِيَةُ يَطَؤُهَا سَيِّدُهَا بَعْدَ عِلْمِهِ بِجِنَايَتِهَا وَالْحَالُ أَنَّهُ عَدِيمٌ فَإِنَّهَا تُسَلَّمُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَوَلَدُهَا حُرٌّ، الثَّالِثَةُ أَمَةُ التَّرِكَةِ يَطَؤُهَا أَحَدُ الْوَرَثَةِ وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ وَالْوَاطِئُ لَهَا عَدِيمٌ وَعَالِمٌ بِالدَّيْنِ فَإِنَّهَا تُبَاعُ دُونَ وَلَدِهَا، الرَّابِعَةُ أَمَةُ الْمُفْلِسِ يَطَؤُهَا بَعْدَ وَقْفِهَا لِلْبَيْعِ وَتَحْمِلُ فَإِنَّهَا تُبَاعُ بَعْدَ الْوَضْعِ دُونَ وَلَدِهَا، الْخَامِسَةُ الْأَمَةُ الْمُشْتَرَكَةُ يَطَؤُهَا أَحَدُ الشُّرَكَاءِ مَعَ عُسْرِهِ وَتَحْمِلُ فَإِنَّهَا تُبَاعُ بَعْدَ وَضْعِهَا دُونَ وَلَدِهَا.
السَّادِسَةُ: أَمَةُ الْقِرَاضِ يَطَؤُهَا الْعَامِلُ مَعَ عُسْرِهِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ أَمَةَ الْمُكَاتَبِ وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
تُبَاعُ أُمُّ الْوَلَدِ ... فِي سِتَّةٍ فَاجْتَهِدْ
أَحْبَلَهَا رَاهِنُهَا ... أَوْ الشَّرِيكُ فَاعْدُدْ
أَوْ مُفْلِسٌ وَإِنْ جَنَتْ ... سَلِّمْ لَهُ فَسَدِّدْ
أَوْ أَحَدُ الْوُرَّاثِ أَوْ ... مُقَارَضًا فَيَعْتَدِي
وَزَادَ تت سَابِعَةً فَقَالَ:
وَأَمَةٌ سَيِّدُهَا ... مُكَاتَبٌ فَاعْتَمِدْ
[قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا] أَيْ وَلَوْ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ دَيْنٌ اسْتَدَانَهُ قَبْلَ اسْتِيلَادِهَا [قَوْلُهُ: فَإِنْ وَقَعَ فُسِخَ] أَيْ وَلَوْ أَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي اعْتَقَدَ أَنَّهَا قِنٌّ أَوْ عَلِمَ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ وَتَرْجِعُ لِسَيِّدِهَا.
[قَوْلُهُ: فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ] أَيْ فِي كُلِّ الصُّوَرِ بِالثَّمَنِ، وَمَحَلُّ رَدِّ عِتْقِ الْمُشْتَرِي لَهَا مَا لَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي اشْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ أَوْ عَلَى شَرْطِ الْعِتْقِ وَأَعْتَقَهَا، فَإِنْ اشْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ بِالشِّرَاءِ فَإِنَّهَا تَكُونُ حُرَّةً بِالشِّرَاءِ وَلَا يُرَدُّ عِتْقُهَا سَوَاءٌ عَلِمَ حِينَ الشِّرَاءِ أَنَّهَا أُمُّ
تَنْبِيهَانِ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ وَيَبْدَأُ بِالْكَفَنِ لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُرِيدُ بَعْدَ الْمُعَيَّنَاتِ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ هَذَا إذَا وَلَدَتْ فِي حَيَاتِهِ، أَمَّا إنْ مَاتَ وَتَرَكَهَا حَامِلًا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تُعْتَقُ إذْ ذَاكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ وَسَحْنُونٌ: لَا تَعْتِقُ حَتَّى تَضَعَ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ نَفَقَتُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ (وَلَا لَهُ عَلَيْهَا خِدْمَةٌ) كَثِيرَةٌ وَأَمَّا الْيَسِيرَةُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا فِيهَا كَالطَّحْنِ وَالسَّقْيِ (وَلَا غَلَّةَ) فَلَا يُؤَاجِرُهَا مِنْ غَيْرِهِ (وَلَهُ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ الْغَلَّةِ وَالْخِدْمَةِ (فِي وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ) فَيُؤَاجِرُهُ مِنْ غَيْرِهِ (وَهُوَ) أَيْ وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِهِ (بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ فِي الْعِتْقِ يُعْتَقُ بِعِتْقِهَا) هَذَا إذَا مَاتَ السَّيِّدُ وَهِيَ حَيَّةٌ، فَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَهُ فَلَا يُعْتَقُ أَوْلَادُهَا حَتَّى يَمُوتَ السَّيِّدُ (وَكُلُّ مَا أَسْقَطَتْهُ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدٌ فَهِيَ بِهِ أُمُّ وَلَدٍ) مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً وَكَذَلِكَ الدَّمُ الْمُنْعَقِدُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَلَا يَنْفَعُهُ) أَيْ السَّيِّدَ (الْعَزْلُ) وَهُوَ الْإِنْزَالُ
[حاشية العدوي]
وَلَدٍ أَوْ لَا، وَيَسْتَحِقُّ بَائِعُهَا فِي الْوَجْهَيْنِ ثَمَنَهَا وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لَهُ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ الْعِتْقِ وَأَعْتَقَهَا لَمْ يُرَدَّ عِتْقُهَا.
لَكِنْ إنْ عَلِمَ حِينَ الشِّرَاءِ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ اسْتَحَقَّ سَيِّدُهَا ثَمَنَهَا أَيْضًا لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ حِينَئِذٍ كَأَنَّهُ فَكَّهَا وَالْوَلَاءُ لِسَيِّدِهَا الْأَوَّلِ، فَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا قِنٌّ فَالثَّمَنُ لَهُ لَا لِلْبَائِعِ وَالْوَلَاءُ لِلْبَائِعِ فَإِذَا لَمْ يُعْتِقْهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَفُسِخَ الْبَيْعُ وَرُدَّتْ وَقَوْلُهُ أَوْ اتَّخَذَهَا أُمَّ وَلَدٍ فَتُرَدُّ بِالْأُولَى، ثُمَّ إنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ غَرِمَ قِيمَةَ وَلَدِهِ لِلْبَائِعِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ وَكَتَمَهُ الْبَائِعُ وَغَيْرُهُ فَهَلْ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونَ أَوْ لَا لِأَنَّهُ أَبَاحَهُ إيَّاهَا وَهُوَ لِمُطَرَّفٍ.
اللَّخْمِيُّ: وَهُوَ أَحْسَنُ خِلَافٍ وَلَوْ زَوَّجَهَا الْمُشْتَرِي مِنْ عَبْدِهِ رُدَّتْ مَعَ وَلَدِهَا وَلَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ أُمِّ الْوَلَدِ.
تَنْبِيهٌ:
وَإِذَا فُسِخَ الْبَيْعُ فِيمَا يُفْسَخُ فِيهِ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْبَائِعِ مِمَّا أَنْفَقَهُ الْمُشْتَرِي وَلَا لَهُ شَيْءٌ مِنْ قِيمَةِ خِدْمَتِهَا.
[قَوْلُهُ: قَالَ بَعْضُهُمْ يُرِيدُ بَعْدَ الْمُعَيَّنَاتِ] أَيْ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ وَيَبْدَأُ بِالْكَفَنِ بَعْدَ الْمُعَيَّنَاتِ مِنْ أُمِّ الْوَلَدِ وَغَيْرِهَا.
[قَوْلُهُ: فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَخْ] أَيْ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا احْتِرَازًا مِمَّا إذَا لَمْ يُقِرَّ بِوَطْئِهَا أَوْ ظَهَرَ حَمْلُهَا بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا تُعْتَقُ بِهِ بِخِلَافِ ظُهُورِهِ قَبْلَهُ، وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ أَيْضًا لَوْ مَاتَ لَهَا مُورِثٌ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا وَقَبْلَ وَضْعِهَا فَعَلَى الْأَوَّلِ تَرِثُهُ لَا عَلَى الثَّانِي.
[قَوْلُهُ: خِدْمَةٌ] أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهَا خِدْمَةً كَثِيرَةً بِغَيْرِ رِضَاهَا [قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْيَسِيرَةُ] هُوَ مَا نَقَصَ عَمَّا يَلْزَمُ الْأَمَةَ وَفَوْقَ مَا يَلْزَمُ الْحُرَّةَ [قَوْلُهُ: كَالطَّحْنِ إلَخْ] الْأَحْسَنُ فِي ذَلِكَ الرُّجُوعُ لِلْعُرْفِ [قَوْلُهُ: وَلَا غَلَّةَ] .
ظَاهِرُهُ وَلَوْ قَلِيلَةً وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخِدْمَةِ وَالْغَلَّةِ أَنَّ الْخِدْمَةَ يَسْتَعْمِلُهَا بِنَفْسِهِ مِنْ الطَّحْنِ وَغَيْرِهِ وَالْغَلَّةَ أَنْ يُؤَاجِرَهَا مِنْ غَيْرِهِ كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ، فَإِنْ آجَرَهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا فُسِخَتْ وَلَهَا أُجْرَةُ مِثْلِهَا عَلَى مَنْ اسْتَعْمَلَهَا وَلَهُ إجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ عَلَى قَوْلٍ وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا وَحَدُّهَا نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ وَلَا تَرِثُ وَلَا يُقْسَمُ لَهَا فِي الْمَبِيتِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مَا ذَكَرَ] أَيْ فَأَفْرَدَ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ الْخِدْمَةِ أَيْ الْكَثِيرَةِ [قَوْلُهُ: فِي وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ] أَيْ الْوَلَدِ الْحَاصِلِ لَهَا بَعْدَ حَمْلِهَا مِنْ سَيِّدِهَا، وَأَمَّا الْحَاصِلُ قَبْلَ الِاسْتِيلَادِ فَهُوَ رَقِيقٌ.
وَفِي تت التَّصْرِيحُ بِأَنَّ تَزْوِيجَ أُمِّ الْوَلَدِ لِلْغَيْرِ مَكْرُوهٌ.
[قَوْلُهُ: فَيُؤَاجِرُهُ] تَفْرِيعٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَحِينَئِذٍ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: فَيَسْتَخْدِمُهُ أَوْ يُؤَاجِرُهُ مِنْ غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ فِي الْعِتْقِ يُعْتَقُ بِعِتْقِهَا] قَالَ تت: وَلَوْ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَتَقَتْ وَكَذَا يَعْتِقُ وَلَدُهَا وَتُقْتَلُ إنْ تَعَمَّدَتْ اهـ.
قَالَ عج: وَأَمَّا خَطَأً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا وَيُلْغَزُ بِهَا فَيُقَالُ: قَتْلٌ فِي عَمْدِهِ الْقِصَاصُ وَلَا شَيْءَ فِي خَطَئِهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: مِمَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدٌ] أَيْ شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْعَارِفَاتِ [قَوْلُهُ: فَهِيَ بِهِ أُمُّ وَلَدٍ] أَيْ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا إقْرَارًا لَهَا بِوَطْئِهَا مَعَ الْإِنْزَالِ وَلَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ فِي الْمَرَضِ، فَلَوْ أَنْكَرَ الْوَطْءَ وَلَمْ تَشْهَدْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِالْإِقْرَارِ بِوَطْئِهَا وَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَا يَلْزَمُ يَمِينٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَطَأْ، كَمَا إذَا مَاتَ مِنْ غَيْرِ اعْتِرَافٍ بِالْوَطْءِ وَوُجِدَتْ أَمَتُهُ حَامِلًا فَلَا تُعْتَقُ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ زِنًا، وَكَذَا لَا يَلْزَمُهُ الْوَلَدُ إذَا قَالَ: كُنْت أَطَأُ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُثْبِتَ وِلَادَتَهَا أَوْ يُسْقِطَهَا وَلَوْ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ حَيْثُ كَانَ الْوَلَدُ مَعْدُومًا، وَأَمَّا لَوْ أَتَتْ بِهِ وَقَالَتْ: هَذَا
خَارِجَ الْفَرْجِ أَيْ لَا يَنْفَعُهُ ادِّعَاءُ الْعَزْلِ عَنْ الْأَمَةِ (إذَا أَنْكَرَ وَلَدَهَا) أَنْ يَكُونَ مِنْهُ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (أَقَرَّ بِالْوَطْءِ) لِأَنَّ الْمَاءَ قَدْ يَغْلِبُهُ وَلَوْ الْيَسِيرَ مِنْهُ (فَإِنْ ادَّعَى) السَّيِّدُ (اسْتِبْرَاءً) بِحَيْضَةٍ فَأَكْثَرَ (لَمْ يَطَأْ بَعْدَهُ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ مَا جَاءَ مِنْ وَلَدٍ) عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا يَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ يَمِينٌ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْعِتْقِ وَهُوَ شَرْعًا خُلُوصُ الرَّقَبَةِ مِنْ الرِّقِّ وَحُكْمُهُ النَّدْبُ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ لَمَّا صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِكُلِّ إرْبٍ مِنْهَا إرْبًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ وَفِي لَفْظٍ: أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ» . وَعِتْقُ الذَّكَرِ أَفْضَلُ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ.
أَوَّلُهَا: الْمُعْتِقُ بِكَسْرِ التَّاءِ وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الَّذِي لَا حَجْرَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُحَطَّ الدَّيْنُ بِمَالِهِ (وَلَا يَجُوزُ عِتْقُ) الصَّبِيِّ وَلَا الْمَجْنُونِ وَلَا
[حاشية العدوي]
الْوَلَدُ مِنْك مَعَ إقْرَارِهِ بِوَطْئِهَا وَإِنْزَالِهِ فَإِنَّهَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ وَلَوْ لَمْ تَحْصُلْ شَهَادَةٌ عَلَى الْوِلَادَةِ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ الدَّمُ الْمُنْعَقِدُ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَهُوَ الَّذِي إذَا صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْحَارُّ لَا يَذُوبُ وَمُقَابِلُهُ مَا لِأَشْهَبَ لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ بِالدَّمِ الْمُجْتَمِعِ الَّذِي إذَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْحَارُّ لَمْ يَذُبْ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَنْفَعُهُ الْعَزْلُ] وَكَذَا لَا يَنْفَعُهُ الْوَطْءُ بِدُبُرِهَا أَوْ بَيْنَ فَخْذَيْهَا إنْ أَنْزَلَ كَمَا فِي خَلِيلٍ، وَكَذَا إذَا لَمْ يُنْزِلْ فِي وَطْئِهِ إيَّاهَا وَقَدْ أَنْزَلَ قَبْلَهُ فِي غَيْرِ وَطْئِهَا وَلَمْ يَبُلْ كَمَا ذَكَرَهُ أَيْضًا فِي اللِّعَانِ قَالَهُ عج.
وَعَزْلُهُ عَنْ أَمَتِهِ جَائِزٌ إذْ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْوَطْءِ، وَأَمَّا أَمَةُ غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي وَلَدِهَا وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا.
[قَوْلُهُ: فَأَكْثَرَ] لَا حَاجَةَ لَهُ.
[قَوْلُهُ: مَا جَاءَ مِنْ وَلَدٍ] أَيْ حَيْثُ أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ، وَأَمَّا فِي حُكْمِهَا كَسِتَّةٍ إلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَأَمَّا إنْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ فِي طَوْرٍ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ إلَّا مَنْ حَمَلَتْ بِهِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي طَوْرٍ يَكُونُ عَلَيْهِ مَنْ حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْقَرَافِيُّ اهـ.
الْمُرَادُ مِنْ عج وَقَوْلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَمُقَابِلُهُ لِلْمُغِيرَةِ لَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ الِاسْتِبْرَاءَ وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ يَمِينٌ] أَيْ فِي ادِّعَائِهِ الِاسْتِبْرَاءَ
[أَحْكَام الْعِتْق وَالْوَلَاء]
[قَوْلُهُ: وَهُوَ شَرْعًا إلَخْ] وَأَمَّا لُغَةً فَهُوَ الْخُلُوصُ وَالْكَرْمُ لِخُلُوصِ الرَّقَبَةِ مِنْ الرِّقِّ، وَلِذَا سُمِّيَ الْبَيْتُ بِالْعَتِيقِ لِخُلُوصِهِ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ وَمِنْ الطُّوفَانِ.
[قَوْلُهُ: لَمَّا صَحَّ إلَخْ] أَيْ وَلِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَهُ كَفَّارَةً لِلْقَتْلِ وَصِلَةُ الرَّحِمِ أَفْضَلُ مِنْهُ لِمَا فِي مُسْلِمٍ قَالَ «رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِامْرَأَةٍ أَعْتَقَتْ رَقَبَةً: لَوْ كُنْت أَخْدَمْتِيهَا أَقَارِبَك لَكَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِك» . وَهَلْ ذَلِكَ شَامِلٌ لِلرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ حَرِّرْهُ.
[قَوْلُهُ: أَعْتَقَ اللَّهُ إلَخْ] ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ نَاقِصَ عُضْوٍ لَا يَحْجُبُ النَّارَ عَنْ الْعُضْوِ الَّذِي يُقَابِلُهُ مِنْهُ وَهُوَ مُمْكِنٌ لِأَنَّ الْأَلَمَ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَيِّ عُضْوٍ شَاءَ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ النَّارَ أَنْ تَأْكُلَ مَوْضِعَ السُّجُودِ» قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: بِكُلِّ إرْبٍ إلَخْ] أَيْ عُضْوٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
[قَوْلُهُ: حَتَّى فَرْجَهُ إلَخْ] غَيًّا بِالْفَرْجِ لِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ بِهِ فَيُتَوَهَّمُ عَدَمُ دُخُولِهِ.
[قَوْلُهُ: وَعِتْقُ الذَّكَرِ أَفْضَلُ] ثُمَّ أَعْلَى الرِّقَابِ وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَإِنْ كَانَ الْأَعْلَى ثَمَنًا كَافِرًا فَضَّلَهُ مَالِكٌ وَخَالَفَهُ أَصْبَغُ وَنُسِبَ لِلْجُمْهُورِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قِيلَ وَهُوَ الْأَقْرَبُ وَأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّيِّدَ لَا يُعْتَقُ مِنْ النَّارِ إلَّا بِعِتْقِ عَبْدَيْنِ نَصْرَانِيَّيْنِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَتْ قِيمَتُهُمَا مِثْلَ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ كَانَ كَالْمَرْأَةِ، أَمَّا إذَا تَسَاوَيَا فَالْمُسْلِمُ أَفْضَلُ بِلَا خِلَافٍ.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَإِذَا كَانَ مُسْلِمَيْنِ فَالدَّيْنُ أَفْضَلُ وَإِنْ كَانَ أَقَلُّهُمَا ثَمَنًا وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ إنَّمَا يَكُونُ الْأَعْلَى ثَمَنًا أَفْضَلَ عِنْدَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ إلَخْ] صَادِقٌ بِالْكَافِرِ إذْ يَصِحُّ عِتْقُهُ لِعَبْدِهِ الْكَافِرِ وَيَلْزَمُ إنْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ أَوْ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ بَانَ عَنْ سَيِّدِهِ وَلَمْ يُسْلِمْ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يُسْلِمْ الْعَبْدُ وَلَا بَانَ عَنْ سَيِّدِهِ فَإِنْ أَسْلَمَ سَيِّدُهُ فَيَصِحُّ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ بَلْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ لِأَنَّ عِتْقَهُ فِيهِ صَحِيحٌ غَيْرُ لَازِمٍ، وَكَذَا يَدْخُلُ فِيهِ السَّكْرَانُ بِحَرَامٍ فَيَلْزَمُهُ
الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَلَا (مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ) كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ.
ثَانِيهَا: الْمُعْتَقُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَهُوَ رَقِيقٌ قِنٌّ أَوْ مَنْ فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْ شَوَائِبِ الْحُرِّيَّةِ كَالْمُدَبَّرِ.
ثَالِثُهَا: الصِّيغَةُ وَهِيَ إمَّا صَرِيحٌ وَهُوَ مَا دَلَّ وَضْعًا عَلَى رَفْعِ الْمِلْكِ بِدُونِ احْتِمَالٍ وَلَا قَرِينَةٍ تَصْرِفُهُ عَنْ إرَادَةِ الْعِتْقِ كَفَكَكْتُ رَقَبَتَك مِنْ الرِّقِّ أَوْ حَرَّرْتهَا أَوْ أَنْتَ حُرٌّ، أَمَّا إنْ كَانَ ثَمَّ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ اللَّفْظَ عَنْ إرَادَةِ الْعِتْقِ فَلَا يَلْزَمُهُ عِتْقٌ كَقَوْلِهِ لِعَبْدِهِ مُتَعَجِّبًا مِنْ عَمَلِهِ مَثَلًا مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ لِأَنَّ مُرَادَهُ أَنْتَ حُرُّ الْفِعَالِ أَوْ كَقَوْلِهِ لِعَشَّارٍ هُوَ حُرٌّ، وَقَصَدَ بِذَلِكَ رَفْعَ الظُّلْمِ عَنْهُ دُونَ الْحُرِّيَّةِ، وَإِمَّا كِنَايَةٌ كَوَهَبْتُ لَك نَفْسَك أَوْ أَعْتَقْتُك أَوْ تَصَدَّقْت عَلَيْك بِعِتْقِك وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَنَحْوِهَا، وَأَمَّا نَحْوَ اسْقِنِي أَوْ اذْهَبْ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِهِ مُوجِبًا لِفِكَاكِ الرَّقَبَةِ مِنْ مِلْكِهِ حَتَّى تَصْحَبَهُ النِّيَّةُ
، وَلِلْعِتْقِ خَوَاصُّ مِنْهَا مَا أَشَارَ
[حاشية العدوي]
عِتْقُهُ كَطَلَاقِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ عِتْقُ الصَّبِيِّ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ السَّفِيهَ وَالْمَجْنُونَ وَالصَّبِيَّ إعْتَاقُهُمْ بَاطِلٌ وَالْمَرِيضُ وَالزَّوْجَةُ فِي زَائِدِ الثُّلُثِ وَالْمَدِينُ يَتَوَقَّفُ إعْتَاقُهُمْ عَلَى الْإِجَازَةِ حَتَّى يُرَدَّ.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَلَا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ يَفْصِلُ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ] فَإِنْ أَعْتَقَ فَإِنَّ عِتْقَهُ لَا يَنْفُذُ وَلِغَرِيمِهِ أَنْ يَرُدَّهُ كُلَّهُ إنْ اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ جَمِيعَ مَالِهِ أَوْ يَرُدَّ بَعْضَهُ إنْ اسْتَغْرَقَ بَعْضَ مَالِهِ، فَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مَثَلًا وَعِنْدَهُ عَبْدٌ يُسَاوِي عِشْرِينَ دِرْهَمًا مَثَلًا فَأَعْتَقَهُ فَلِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يَرُدَّ بَعْضَهُ وَهُوَ مَا قَابَلَ الدَّيْنَ وَيُبَاعُ مِنْ الرَّقِيقِ بِقَدْرِ الْعَشَرَةِ إنْ وَجَدَ مَنْ يَشْتَرِي ذَلِكَ وَإِلَّا بِيعَ جَمِيعُهُ، وَمَحَلُّ رَدِّ الْغَرِيمِ لِعِتْقِ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ رَبُّ الدَّيْنِ بِالْعِتْقِ وَيَرْضَى بِهِ وَلَمْ يَرُدَّهُ أَوْ يَطُولُ زَمَنُ الْعِتْقِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَيَصِحُّ الْعِتْقُ وَالطُّولُ بِأَنْ يَشْتَهِرَ بِالْحُرِّيَّةِ وَيَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُهَا بِالْمُوَارَثَةِ وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ وَمَا لَمْ يُفِدْ الْمَدِينُ مَالًا قُدِّرَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ، فَإِنَّ عِتْقَهُ يَمْضِي وَلَا يُرَدُّ وَلَوْ كَانَتْ إفَادَةُ الْمَالِ قَبْلَ نُفُوذِ الْبَيْعِ كَمَا إذَا كَانَ الْبَيْعُ عَلَى الْخِيَارِ بِأَنْ رَدَّ السُّلْطَانُ عِتْقَ الْمِدْيَانِ وَبَاعَهُ عَلَيْهِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ بَيْعَهُ عَلَى الْخِيَارِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَقَبْلَ مُضِيِّ أَيَّامِ الْخِيَارِ أَفَادَ السَّيِّدُ مَالًا فَإِنَّ عِتْقَهُ يَمْضِي وَلَا يُرَدُّ لِأَنَّ رَدَّ الْحَاكِمِ رَدُّ إيقَافٍ كَرَدِّ الْغُرَمَاءِ.
وَأَمَّا بَعْدَ نُفُوذِ الْبَيْعِ فَلَا يُرَدُّ هَذَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ السُّلْطَانَ كَمَا صَوَّرْنَا أَيْ أَوْ الْمُفْلِسَ أَوْ الْغُرَمَاءَ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ، وَأَمَّا هُوَ أَوْ هُمْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَيُرَدُّ الْبَيْعُ بَعْدَ نُفُوذِهِ أَيْضًا حَيْثُ أَفَادَ مَالًا.
وَاسْتُشْكِلَ قَوْلُنَا أَوْ يُرَدُّ بَعْضُهُ مَعَ فَرْضِ إحَاطَةِ الدَّيْنِ بِمَالِهِ، وَالْجَوَابُ أَنْ يُفْرَضَ ذَلِكَ فِي الصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ مَا إذَا كَانَ عِنْدَهُ عَبْدٌ يُسَاوِي عِشْرِينَ وَعَلَيْهِ عَشْرَةٌ وَأَعْتَقَهُ كُلَّهُ وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَشْتَرِي بَعْضَهُ أَيْ بِقَدْرِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يُبَاعُ كُلُّهُ فَهُوَ إحَاطَةٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
[قَوْلُهُ: ثَانِيهَا الْمُعْتَقُ] شَرْطُهُ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لَازِمٌ كَالْمَرْهُونِ وَالْمُسْتَأْجَرِ وَالْعَبْدِ الْجَانِي، فَإِنَّ عِتْقَهُمْ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ رَبِّ الْحَقِّ وَانْظُرْ تَفْصِيلَ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: بِدُونِ احْتِمَالٍ] أَيْ حَالَ كَوْنِ ذَلِكَ غَيْرَ مُصَاحِبٍ لِاحْتِمَالٍ وَلَا قَرِينَةٍ وَعَطْفُ الْقَرِينَةِ تَفْسِيرٌ.
[قَوْلُهُ: كَقَوْلِهِ لِعَبْدِهِ مُتَعَجِّبًا مِنْ إلَخْ] أَيْ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْعِتْقَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْتَ فِي عَمَلِك كَالْحُرِّ أَوْ عَمِلَ شَيْئًا لَمْ يُعْجِبْ سَيِّدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ أَوْ مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ جَوَابًا لِمُخَالَفَتِهِ وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْحُرِّيَّةَ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْتَ فِي مُخَالَفَتِك مِثْلُ الْحُرِّ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ قَدْ دَخَلَتْ تَحْتَ قَوْلِ الشَّارِحِ مَثَلًا.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ أُعْجِبَ مِنْ عَمَلِ عَبْدِهِ أَوْ خَالَفَهُ عِنْدَ أَمْرِهِ بِشَيْءٍ فَقَالَ: مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى وَلَا فِي الْقَضَاءِ وَلَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ كَقَوْلِهِ لِعَشَّارٍ إلَخْ] وَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ إكْرَاهِهِ عَلَى الْمَكْسِ حَتَّى ذَكَرَ حُرِّيَّتَهُ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ بِسَاطٌ وَالْبِسَاطُ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِهِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا كِنَايَةُ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّ الصِّيغَةَ إمَّا صَرِيحَةٌ أَوْ كِنَايَةٌ وَالْكِنَايَةُ إمَّا ظَاهِرَةٌ أَوْ خَفِيَّةٌ، فَالصَّرِيحَةُ هِيَ الَّتِي لَا تَنْصَرِفُ عَنْ الْعِتْقِ وَالْكِنَايَةُ الظَّاهِرَةُ هِيَ الَّتِي لَا تَنْصَرِفُ عَنْهُ إلَّا بِنِيَّةٍ كَوَهَبْتُ لَك نَفْسَك، وَالْخَفِيَّةُ هِيَ الَّتِي لَا تَنْصَرِفُ إلَيْهِ إلَّا بِنِيَّةٍ كَاذْهَبْ.
[قَوْلُهُ: أَوْ أَعْتَقْتُك] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ هِيَ مِنْ الصَّرِيحِ فَالصَّرِيحُ كُلُّ مَا فِيهِ لَفْظُ الْعِتْقِ أَوْ التَّحْرِيرِ أَوْ الْفَكِّ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ تَصَدَّقْت عَلَيْك بِعِتْقِك الظَّاهِرِ أَنَّ هَذِهِ مِنْ الصَّرِيحِ نَظَرًا لِقَوْلِهِ: بِعِتْقِك فَلَعَلَّ
إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ) كَالرُّبْعِ أَوْ الثُّلْثِ أَوْ النِّصْفِ أَوْ أَعْتَقَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ كَيَدٍ (اسْتَتَمَّ) أَيْ عَتَقَ (عَلَيْهِ) جَمِيعُهُ بِالْحُكْمِ لَا يَعْتِقُ الْبَعْضُ إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا رَشِيدًا حُرًّا لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْعَبْدُ لِمَالِكٍ وَاحِدٍ لِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ مَعَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ قُوِّمَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ أَعْتَقَ الْبَعْضَ (نَصِيبُ شَرِيكِهِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ يُقَامُ عَلَيْهِ وَعَتَقَ) عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَقُومُ عَلَيْهِ نَصِيبُ الشَّرِيكِ فَقَطْ أَوْ جَمِيعُ الْعَبْدِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَمَا ذَكَرَهُ مَحَلَّهُ إذَا كَانَ مُوسِرًا بِمَا يَحْمِلُ نَصِيبَ شَرِيكِهِ يَوْمَ الْحُكْمِ (فَإِنْ) كَانَ غَيْرَ مُوسِرٍ يَوْمَ الْحُكْمِ بِأَنْ (لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ) أَلْبَتَّةَ (بَقِيَ سَهْمُ الشَّرِيكِ رَقِيقًا) إلَّا أَنْ يُعْتِقَهُ رَبُّهُ، وَإِنْ وُجِدَ لَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَفِي بِبَعْضِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ قُوِّمَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يُوجَدُ مَعَهُ
(وَ) مِنْ الْخَوَاصِّ أَنَّ (مَنْ) كَانَ مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا رَشِيدًا غَيْرَ مِدْيَانٍ وَ (مَثَّلَ) بِالتَّشْدِيدِ عَمْدًا (بِعَبْدِهِ) الْقِنِّ أَوْ بِعَبْدِ عَبْدِهِ أَوْ مِنْ شَائِبَةِ حُرِّيَّةٍ أَوْ بِعَبْدِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ (مُثْلَةً) بِضَمِّ الْمِيمِ
[حاشية العدوي]
الشَّارِحَ نَظَرَ إلَى لَفْظِ تَصَدَّقْت فَجَعَلَهُ مِنْ الْكِنَايَةِ.
[قَوْلُهُ: بَعْضَ عَبْدِهِ] كَانَ قِنًّا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ مُعْتَقًا لِأَجَلٍ أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ مُكَاتَبًا لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ.
[قَوْلُهُ: كَالرُّبْعِ إلَخْ] أَيْ أَنْ يَقُولَ رُبْعُك حُرٌّ.
[قَوْلُهُ: كَيَدٍ] أَيْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ مُتَّصِلٍ بِالْعَبْدِ، وَاخْتُلِفَ إذَا أَعْتَقَ نَحْوَ الشَّعْرِ وَالْكَلَامِ وَالرِّيقِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى طَلَاقِ الزَّوْجَةِ بِذَلِكَ وَعَدَمِهِ.
[قَوْلُهُ: اسْتَتَمَّ] سَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا.
[قَوْلُهُ: إذَا كَانَ الْمُعْتَقُ مُسْلِمًا] وَأَمَّا إذَا كَانَ كَافِرًا وَأَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ لَا يَكْمُلُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ الْمُسْلِمِ أَوْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ أَوْ أَسْلَمَ هُوَ فَهَلْ كَذَلِكَ أَوْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ الْبَاقِي بِالْحُكْمِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَحُرِّرَ.
وَقَوْلُهُ: بَالِغًا أَيْ وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَعِتْقُهُ مِنْ أَصْلِهِ بَاطِلٌ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ تَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: قُوِّمَ عَلَيْهِ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ تَقْوِيمَ حِصَّةِ الشَّرِيكِ بِشُرُوطٍ سِتَّةٍ أَنْ يَدْفَعَ الْقِيمَةَ بِالْفِعْلِ لِشَرِيكِهِ يَوْمَ الْحُكْمِ بِالْعِتْقِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُعْتَقُ مُسْلِمًا أَوْ الْعَبْدُ فَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ وَالشَّرِيكَانِ كَفَرَةً أَوْ الْمُعْتَقُ ذِمِّيًّا وَالْعَبْدُ كَذَلِكَ فَلَا تَقْوِيمَ، وَأَنْ يَكُونَ الْعِتْقُ بِاخْتِيَارِهِ لَا إنْ وَرِثَ جُزْءًا مِنْ أَبِيهِ مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ جُزْءُ الشَّرِيكِ وَلَوْ مَلِيًّا فَلَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ حِصَّةُ شَرِيكِهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُعْتَقُ هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ الْعِتْقَ لِأَنَّهُ أَفْسَدَ الرَّقَبَةَ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ حُرًّا لِبَعْضٍ قَبْلَ الْعِتْقِ فَلَا تُقَوَّمُ عَلَيْهِ حِصَّةُ شَرِيكِهِ كَمَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَمْلِيَاءَ وَأَعْتَقَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ ابْتِدَاءً وَتَبِعَهُ الثَّانِي بِإِعْتَاقِ حِصَّتِهِ وَأَبَى الثَّالِثُ مِنْ الْعِتْقِ فَإِنَّ حِصَّتَهُ تُقَوَّمُ عَلَى الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الثَّانِي بِتَقْوِيمِهَا عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ الْمُبْتَدِئُ لِلْعِتْقِ مُعْسِرًا لَمْ تُقَوَّمْ حِصَّةُ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي إلَّا بِرِضَاهُ.
وَأَمَّا لَوْ أَعْتَقَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا وَجُهِلَ الْأَوَّلُ قُوِّمَتْ حِصَّةُ الثَّالِثِ عَلَيْهِمَا إنْ أَيْسَرَا وَإِلَّا فَعَلَى الْمُوسِرِ مِنْهُمَا.
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَقُ مُوسِرًا بِقِيمَةِ الشَّرِيكِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَمَا ذَكَرَهُ مَحَلَّهُ إلَخْ.
السَّادِسُ: أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْقِيمَةُ الَّتِي اُشْتُرِطَ يُسْرُهُ بِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا زَائِدَةً عَلَى مَا يُتْرَكُ لِلْمُفْلِسِ.
[قَوْلُهُ: بِقِيمَتِهِ يَوْمَ يُقَامُ عَلَيْهِ] اعْلَمْ أَنَّ الْقِيمَةَ مُعْتَبَرَةٌ يَوْمَ الْحُكْمِ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: يَوْمَ يُقَامُ عَلَيْهِ أَيْ إنْ وَقَعَ الْحُكْمُ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَعَتَقَ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ] أَيْ لَا بِالسِّرَايَةِ.
[قَوْلُهُ: قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ] الرَّاجِحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ يُقَوَّمُ جَمِيعُهُ بِمَالِهِ عَلَى أَنَّهُ رَقِيقٌ لَا عِتْقَ فِيهِ لِأَنَّ فِي تَقْوِيمِ الْبَعْضِ ضَرَرًا عَلَى الشَّرِيكِ، وَيُعْتَبَرُ مَالُهُ يَوْمَ يُقَامُ عَلَيْهِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْعِتْقُ، وَهَذَا إذَا عَتَقَ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ وَلَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ النَّقْصَ الْحَاصِلَ بِالتَّقْوِيمِ لِحِصَّتِهِ مُفْرَدَةً وَإِلَّا قُوِّمَتْ حِصَّةُ الشَّرِيكِ فَقَطْ عَلَى أَنَّ الْبَعْضَ حُرٌّ، وَكَذَلِكَ يُقَوَّمُ بِوَلَدِهِ الَّذِي حَدَثَ لَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ.
[قَوْلُهُ: بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَالٌ] أَيْ زِيَادَةً عَلَى مَا يُتْرَكُ لِلْمُفْلِسِ [قَوْلُهُ: قُوِّمَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يُوجَدُ مَعَهُ] وَالْمُعْسِرُ لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ وَلَوْ رَضِيَ شَرِيكُهُ بِاتِّبَاعِ ذِمَّتِهِ.
[قَوْلُهُ: وَمَثَّلَ عَمْدًا] وَيَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ التَّمْثِيلَ الْقَرَائِنُ.
[قَوْلُهُ: بِعَبْدِهِ الْقِنِّ أَوْ بِعَبْدِ عَبْدِهِ] فَالْمُرَادُ رَقِيقُهُ أَوْ رَقِيقُ رَقِيقِهِ الَّذِي يَنْتَزِعُ مَالَهُ، فَإِنْ مَثَّلَ بِرَقِيقِ مَنْ لَمْ يَنْتَزِعْ مَالَهُ كَعَبْدِ مُكَاتَبِهِ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ أَرْشُ جِنَايَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُثْلَةٌ مُفْسِدَةٌ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ] أَيْ أَوْ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِمَحْجُورِهِ.
وَأَمَّا إذَا مَثَّلَ بِرَقِيقِ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ الرَّشِيدِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَيَغْرَمُ لَهُ أَرْشَ
وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ عُقُوبَةً (بَيِّنَةً) أَيْ تَشِينُهُ (مِنْ قَطْعِ جَارِحَةٍ) كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ (وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ قَطْعِ الْجَارِحَةِ كَفَقْءِ الْعَيْنِ (عَتَقَ عَلَيْهِ) مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَهَلْ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ أَمْ لَا، فَقِيلَ: يُعَاقَبُ بِالضَّرْبِ وَالسِّجْنِ وَقِيلَ: لَا يُعَاقَبُ إلَّا بِالْعِتْقِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْعِتْقَ يَحْصُلُ بِنَفْسِ الْمُثْلَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُعْتَقُ إلَّا بِالْحُكْمِ وَقَيَّدْنَا كَلَامَهُ بِالْعَاقِلِ وَالْبَالِغِ احْتِرَازًا مِنْ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ فَإِنَّ مُثْلَتَهُمَا لَغْوٌ وَبِالْمُسْلِمِ احْتِرَازًا مِنْ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ إذَا مَثَّلَ بِعَبْدِهِ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِالرَّشِيدِ احْتِرَازًا مِنْ السَّفِيهِ إذَا مَثَّلَ بِعَبْدِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ عَلَى مَا رَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَنْهُ يَعْتِقُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَبِغَيْرِ مِدْيَانٍ احْتِرَازًا مِنْ الْمِدْيَانِ إذَا مَثَّلَ بِعَبْدِهِ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَبِعَمْدًا احْتِرَازًا مِمَّا إذَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ خَطَأً فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ الْخَطَأِ مَا إذَا ضَرَبَهُ تَأْدِيبًا أَوْ كَوَاهُ تَدَاوِيًا فَأَدَّى ذَلِكَ إلَى التَّمْثِيلِ بِهِ لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْقَصْدِ إلَى ذَلِكَ، فَلَوْ اخْتَلَفَ قَوْلُ السَّيِّدِ وَالْعَبْدِ فَقَالَ السَّيِّدُ: خَطَأً وَقَالَ الْعَبْدُ: عَمْدًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ بِيَمِينِهِ، وَأَفَادَتْ الْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ عَبْدُهُ أَنَّ مَنْ مَثَّلَ بِعَبْدِ غَيْرِهِ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ وَتَأْكِيدُهُ الْمُثْلَةَ بِقَوْلِهِ بَيِّنَةٌ يَقْتَضِي أَنَّ حَلْقَ اللِّحْيَةِ لَا يَكُونُ مُثْلَةً مُطْلَقًا.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ تَاجِرًا وَجِيهًا فَيَكُونُ مُثْلَةً
(وَ) مِنْهَا أَحَدُ (مَنْ مَلَكَ أَبَوَيْهِ) مَعًا أَوْ أَحَدَهُمَا (أَوْ) مَلَكَ (أَحَدًا مِنْ وَلَدِهِ) لِصُلْبِهِ
[حاشية العدوي]
الْجِنَايَةِ إلَّا أَنْ تَبْطُلَ مَنَافِعُهُ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَى الْأَبِ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ.
[قَوْلُهُ: مُثْلَةً] بِضَمِّ الْمِيمِ وَيُقَالُ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَبِالضَّمِّ فِيهِمَا.
[قَوْلُهُ: كَالْيَدِ] أَيْ أَوْ أُنْمُلَةٍ وَكَخِصَاءِ عَبْدٍ أَوْجَبَهُ.
وَلَوْ قَصَدَ اسْتِزَادَةَ الثَّمَنِ لِتَعْذِيبِهِ بِذَلِكَ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الرَّاجِحَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْحُكْمِ فَإِذَا لَمْ يَحْكُمْ بِعِتْقِهِ كَمَا بِمِصْرٍ فَلَا يُعْتَقُ كَمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ.
[قَوْلُهُ: كَفَقْءِ الْعَيْنِ] أَيْ أَوْ وَسْمِ وَجْهِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِالنَّارِ أَوْ قَلْعِ ظُفْرِهِ أَوْ قَطْعِ بَعْضِ أُذُنٍ.
[قَوْلُهُ: عَتَقَ عَلَيْهِ] وَهَلْ يَتْبَعُهُ مَالُهُ اقْتَصَرَ الْأَقْفَهْسِيُّ عَلَى أَنَّهُ يَتْبَعُهُ لَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ يَتْبَعُهُ فِي الْعِتْقِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يُعَاقَبُ إلَخْ] كَلَامُ تت يُفِيدُ أَنَّ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ مَنْ مَثَّلَ بِزَوْجَتِهِ لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ بَيْعِهَا وَتَزْوِيجِهَا قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَخْ] هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِنْ الذِّمِّيِّ] أَيْ إذَا مَثَّلَ بِعَبْدِهِ الذِّمِّيِّ.
وَقَوْلُهُ: عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، فَمَحَلُّ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي تت فِيمَا إذَا مَثَّلَ الذِّمِّيُّ بِعَبْدِهِ الذِّمِّيِّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْمُمَثَّلِ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا رَشِيدًا حُرًّا وَيُعْتَبَرُ إسْلَامُهُ أَوْ إسْلَامُ الْعَبْدِ فَلَا عِتْقَ عَلَى ذِمِّيٍّ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ الذِّمِّيِّ.
وَقَوْلُنَا: الذِّمِّيُّ احْتِرَازًا عَنْ الْمُعَاهَدِ فَإِنَّ مُثْلَتَهُ بِعَبْدِهِ الْمُسْلِمِ لَا تُوجِبُ عِتْقَهُ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ] عَلَى مَا رَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَكَذَا زَوْجَةٌ وَمَرِيضٌ بِزَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ أَيْ فَإِذَا مَثَّلَتْ زَوْجَةٌ أَوْ مَرِيضٌ بِزَائِدِ الثُّلُثِ عَتَقَ عَلَى الْمَرِيضِ مَحْمَلَ الثُّلُثِ لَا أَزْيَدَ إلَّا إنْ أَجَازَهُ الْوَرَثَةُ، وَكَذَا عَتَقَ عَلَى الزَّوْجَةِ مَحْمَلَ الثُّلُثِ فَقَطْ لَا أَزْيَدَ إلَّا بِرِضَا الزَّوْجِ فَإِنْ لَمْ يَرْضَ فَلَهُ رَدُّ الْجَمِيعِ، وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ تَسَلُّطٌ إلَّا عَلَى رَدِّ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْحُرِّيَّةِ وَلَيْسَ كَابْتِدَاءِ عِتْقِهَا لَهُ رَدُّ الْجَمِيعِ وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ.
[قَوْلُهُ: وَبِعَمْدٍ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ السَّيِّدَ حَيْثُ تَعَمَّدَ قَطْعَ شَيْءٍ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْمُثْلَةَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَهُ تت، فَقَوْلُ خَلِيلٍ: وَبِالْحُكْمِ جَمِيعُهُ إنْ عَمَدَ لِشَيْنٍ اللَّامُ لِلصَّيْرُورَةِ أَيْ عَمَدَ لِمَا فِيهِ شَيْنٌ أَوْ لِمَا أَوْجَبَ الشَّيْنَ سَوَاءٌ قَصَدَ الشَّيْنَ أَمْ لَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
[قَوْلُهُ: مَا إذَا ضَرَبَهُ تَأْدِيبًا أَوْ كَوَاهُ تَدَاوِيًا] وَكَذَا لَوْ ضَرَبَ رَأْسَهُ فَنَزَلَ الْمَاءُ فِي عَيْنَيْهِ فَلَا يُعْتَقُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَ رَأْسِهِ لَا مَا حَدَثَ.
[قَوْلُهُ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ بِيَمِينِهِ] وَكَذَلِكَ الزَّوْجُ إذَا مَثَّلَ بِزَوْجَتِهِ وَاخْتَلَفَا فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ بِجَامِعِ الْإِذْنِ فِي الْعَبْدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ أَوْ السَّيِّدُ مَعْرُوفًا بِالْجَرَاءَةِ وَالْأَذَى فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا وَيُؤَدَّبُ الزَّوْجُ وَيُعْتَقُ الْعَبْدُ، وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى الْعَمْدِ وَاخْتَلَفَا فِي قَصْدِ الشَّيْنِ فَالْقَوْلُ لِلسَّيِّدِ أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: لَا يَكُونُ مُثْلَةً مُطْلَقًا] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ مَلَكَ] أَيْ بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ أَوْ الْفَاسِدِ حَيْثُ فَاتَ لَا إنْ لَمْ يَفُتْ أَوْ كَانَ عَلَى خِيَارٍ وَلَمْ يَنْقُصْ أَيَّامَ الْخِيَارِ فَلَا عِتْقَ، وَمِثْلُ الْمِلْكِ بِالْبَيْعِ الْمِلْكُ بِالْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ
الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (أَوْ) مَلَكَ أَحَدًا مِنْ (وَلَدِ وَلَدِهِ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَإِنْ سَفَلَ (أَوْ مَلَكَ) أَحَدًا (مِنْ وَلَدِ بَنَاتِهِ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَإِنْ سَفَلَ (أَوْ) مَلَكَ (جَدَّهُ أَوْ جَدَّتَهُ) مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَ (أَوْ) مَلَكَ (أَخًا لِأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا عَتَقَ عَلَيْهِ) كُلُّ مَنْ ذُكِرَ بِنَفْسِ الْمِلْكِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى حُكْمٍ عَلَى الْمَشْهُورِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا اشْتَرَاهُ أَوْ وَرِثَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَلَا يَرُدُّ الْبَيْعَ وَلَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ بَلْ يُبَاعُ عَلَيْهِ الدَّيْنُ
(وَمَنْ أَعْتَقَ) أَمَةً (حَامِلًا) مِنْ تَزْوِيجٍ أَوْ زِنًا (كَانَ جَنِينُهَا حُرًّا مَعَهَا) لِأَنَّ كُلَّ وَلَدٍ حَدَثَ مِنْ غَيْرِ مِلْكِ يَمِينٍ مِنْ تَزْوِيجٍ أَوْ زِنًا فَإِنَّهُ تَابِعٌ لِأُمِّهِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُكَرَّرَةٌ مَعَ قَوْلِهِ وَكُلُّ ذَاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا
(وَلَا يُعْتَقُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ) كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ (مَنْ فِيهِ مَعْنًى مِنْ عِتْقٍ بِتَدْبِيرٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا) لِنُقْصَانِ الرَّقَبَةِ بِمَا تَشَبَّثَتْ بِهِ مِنْ عَقْدِ الْحُرِّيَّةِ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) يُعْتَقُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ (أَعْمَى وَلَا أَقْطَعُ الْيَدِ وَشَبَهُهُ) أَيْ شَبَهُ الْأَقْطَعِ لِنُقْصَانِ الرَّقَبَةِ بِالْعَيْبِ (وَ) كَذَلِكَ (لَا) يُعْتَقُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ (مَنْ هُوَ عَلَى غَيْرِ) دِينِ (الْإِسْلَامِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
[حاشية العدوي]
إنْ عَلِمَ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ بِأَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَى الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ أَوْ قِبَلَ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْطَى بِالْفَتْحِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ عَتَقَ لِعِلْمِ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ فَلَا يُبَاعُ فِي دَيْنٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَإِنْ عَتَقَ لِقَبُولِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّهُ يُبَاعُ فِيهِ وَحَيْثُ لَا قَبُولَ فَلَا يُبَاعُ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَأَمَّا مَا مَلَكَهُ بِالْإِرْثِ أَوْ الشِّرَاءِ، فَمَحَلُّ عِتْقِهِ حَيْثُ لَا دَيْنَ وَإِلَّا بِيعَ فِيهِ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الْعِتْقِ حَيْثُ كَانَ الْمَالِكُ وَالْمَمْلُوكُ مُسْلِمَيْنِ وَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَلَا نَتَعَرَّضُ لَهُمَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَيَنْبَغِي إلَّا أَنْ يَتَرَافَعَا إلَيْنَا وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمَالِكُ رَشِيدًا.
[قَوْلُهُ: أَبَوَيْهِ] أَيْ نَسَبًا احْتِرَازًا عَنْ مِلْكِ أَبَوَيْ الرَّضَاعِ أَوْ أَوْلَادِ الرَّضَاعِ فَلَا عِتْقَ.
[قَوْلُهُ: ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى] تَعْمِيمٌ فِي وَلَدِ وَلَدِهِ.
وَقَوْلُهُ: قَبْلَهُ الذَّكَرُ تَخْصِيصٌ وَتَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ وَلَدِهِ وَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ أَوْ وَلَدِ بَنَاتِهِ.
[قَوْلُهُ: كُلُّ مَنْ ذَكَرَ] أَيْ فَالْأَفْرَادُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْفَاعِلَ كُلُّ فَرْدٍ مِمَّنْ ذَكَرَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِمُلَاحَظَةِ الْكُلِّيَّةِ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِأَوْ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَحْتَاجُ إلَى حُكْمٍ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمٍ كَذَا نَقَلَ بَهْرَامُ.
[قَوْلُهُ: كَانَ جَنِينُهَا حُرًّا مَعَهَا] وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَثْنَى فِي بَيْعٍ وَلَا عِتْقٍ وَلَا رَهْنٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ فِي الرَّهْنِ.
وَأَمَّا فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ فَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي ذَلِكَ.
عج: وَهَذَا ظَاهِرٌ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَالِكِ، وَأَمَّا لَوْ اخْتَلَفَ بِأَنْ وُهِبَتْ الْأُمُّ لِشَخْصٍ وَاسْتَثْنَى الْوَاهِبُ وَلَدَهَا الَّذِي فِي بَطْنِهَا وَأَعْتَقَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَقِيلَ: يَدْخُلُ جَنِينُهَا فِي الْعِتْقِ وَيَصِيرُ حُرًّا بِمُجَرَّدِ عِتْقِهَا، وَقِيلَ: إنَّمَا يَخْرُجُ حُرًّا بَعْدَ الْوَضْعِ وَعَلَى مُعْتِقِ الْأُمِّ قِيمَتُهُ فِي الصُّورَتَيْنِ وَالْقِيمَةُ يَوْمَ الْعِتْقِ وَهُوَ إمَّا بَعْدَ الْوَضْعِ وَإِمَّا يَوْمَ حَصَلَ الْعِتْقُ، وَقِيلَ: لَا يُعْتَقُ بِعِتْقِهَا وَبَعْدَ انْفِصَالِهِ يَأْخُذُهُ مَالِكُهُ وَعَلَى عَدَمِ عِتْقِهِ أَصْلًا أَوْ بَعْدَ وَضْعِهِ تَصِيرُ حُرَّةً حَامِلَةً بِعَبْدٍ.
وَأَمَّا عَكْسُ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ عِتْقُ الْجَنِينِ فَقَطْ فَإِنَّ أُمَّهُ لَا تَتْبَعُهُ وَالْفَرْقُ كَوْنُ الْوَلَدِ كَجُزْءٍ مِنْ أُمِّهِ فَإِنْ عَتَقَ الْكُلَّ تَبِعَهُ جُزْؤُهُ وَإِنَّمَا يَصِحُّ عِتْقُ الْوَلَدِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ دُونَهَا حَيْثُ لَا دَيْنَ عَلَى سَيِّدِ أُمِّهِ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهَا وَإِلَّا رَقَّ.
حَيْثُ قَامَتْ الْغُرَمَاءُ قَبْلَ وَضْعِهِ مُطْلَقًا أَيْ وَلَوْ بَعْدَ وَضْعِهِ حَيْثُ كَانَ الدَّيْنُ سَابِقًا عَلَى عِتْقِهِ وَإِلَّا مَضَى عِتْقُهُ وَتُبَاعُ أُمُّهُ دُونَهُ بَعْدَ وَضْعِهَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُعْتَقُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ] أَيْ وَأَمَّا غَيْرُ الْوَاجِبَةِ فَيُجْزِئُ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ] دَخَلَ تَحْتَ الْكَافِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَكَفَّارَةُ فِطْرِ رَمَضَانَ.
[قَوْلُهُ: مَنْ فِيهِ إلَخْ] مَنْ نَائِبُ فَاعِلِ يُعْتَقُ وَمَنْ عَتَقَ بَيَانٌ لِمَعْنَى وَقَوْلُهُ: بِتَدْبِيرٍ الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ أَيْ عِتْقٌ حَاصِلٌ بِسَبَبِ تَدْبِيرٍ أَوْ كِتَابَةٍ، فَإِنْ قُلْت إنَّ الْعِتْقَ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا بِالْفِعْلِ قُلْت: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا بِالْفِعْلِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْحَاصِلِ بِالْفِعْلِ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِهِمَا] كَأُمِّ وَلَدٍ أَوْ مُعْتَقٍ لِأَجَلٍ أَوْ مُبَعَّضٍ كَانَ عِنْدَ الْمُكَفِّرِ أَوْ اشْتَرَاهُ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَشَبَهُهُ] أَيْ كَالْأَشَلِّ وَكُلِّ عَيْبٍ غَيْرِ خَفِيفٍ، وَأَمَّا ذَاتُ الْعَيْبِ الْخَفِيفِ فَيُجْزِئُ عِتْقُهَا كَالْأَعْوَرِ وَذَوِي مَرَضٍ خَفِيفٍ أَوْ عَرَجٍ خَفِيفٍ أَوْ ذَاهِبِ بَعْضِ أُذُنٍ أَوْ أَنْفٍ لَا جَمِيعِ كُلٍّ وَإِذَا أَعْتَقَ غَيْرُ الْمُجْزِئِ فَعِتْقُهُ لَازِمٌ وَلَا يَرْجِعُ
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فَقَيَّدَهَا بِالْإِيمَانِ وَهَذِهِ الْآيَةُ مُقَيِّدَةٌ لِلْآيَةِ الْأُخْرَى الْمُطْلَقَةِ
(وَلَا يَجُوزُ عِتْقُ الصَّبِيِّ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ (وَلَا) عِتْقُ (الْمُوَلَّى عَلَيْهِ) وَهُوَ السَّفِيهُ الَّذِي يَضَعُ الْمَالَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ج: اُخْتُلِفَ إذَا أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَمْضِي
(وَ) مِنْ خَوَاصِّ الْعِتْقِ (الْوَلَاءُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ مَمْدُودًا (لِمَنْ أَعْتَقَ) فَسَبَبُهُ زَوَالُ الْمِلْكِ بِالْحُرِّيَّةِ.
ابْنُ شَاسٍ: فَمَنْ زَالَ مِلْكُهُ بِالْحُرِّيَّةِ عَنْ رَقِيقٍ فَهُوَ مَوْلَاهُ سَوَاءٌ نَجَّزَ أَوْ عَلَّقَ أَوْ دَبَّرَ أَوْ اسْتَوْلَدَ أَوْ كَاتَبَ أَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ بِعِوَضٍ أَوْ بَاعَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ أَعْتَقَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ كَافِرًا وَالْعَبْدُ مُسْلِمًا أَوْ يَكُونُ السَّيِّدُ عَبْدًا أُعْتِقَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَالسَّيِّدُ الْكَافِرُ لَا وَلَاءَ لَهُ عَلَى عَتِيقَةِ الْمُسْلِمِ بَلْ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَعُودُ إلَيْهِ بِإِسْلَامِهِ وَالْعَبْدُ إذَا أَعْتَقَ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ الْوَلَاءُ أَبَدًا وَإِنْ عَتَقَ وَإِذَا أَعْتَقَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ثُمَّ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ السَّيِّدُ حَتَّى أُعْتِقَ الْعَبْدُ
[حاشية العدوي]
رَقِيقًا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ عِتْقُ الصَّبِيِّ] أَيْ وَلَا يَصِحُّ بَعْدَ الْوُقُوعِ كَالْمَجْنُونِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا عِتْقُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ] أَيْ لِفَقْدِ الرُّشْدِ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُوَلًّى عَلَيْهِ فَيَصِحُّ عِتْقُهُ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِجَازَةِ عِنْدَ مَالِكٍ لَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَيْهِمَا الْعَكْسُ فِي تَصَرُّفِهِ إذَا رَشَدَ بَعْدَهُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ السَّفِيهُ الَّذِي يَضَعُ الْمَالَ إلَخْ] وَلَوْ فِي شَهَوَاتٍ وَلَذَّاتٍ مُبَاحَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَمْضِي] لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهَا إلَّا الِاسْتِمْتَاعُ وَقَلِيلُ الْخِدْمَةِ كَمَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ وَيَلْزَمُهُ طَلَاقُهُ.
[قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْوَاوِ مَمْدُودًا] مِنْ الْوَلَايَةِ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا حُكْمَ الْعُصُوبَةِ عِنْدَ عَدَمِهَا.
[قَوْلُهُ: لِمَنْ أَعْتَقَ ذَكَرًا] أَوْ أُنْثَى حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا فَيَشْمَلُ مَنْ أَعْتَقَ عَنْهُ غَيْرَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَالْوَلَاءَ بِالْمُبَاشَرَةِ وَالْوَلَاءَ بِالْجَرِّ، وَعِتْقُ الْغَيْرِ يَشْمَلُ النَّاجِزَ وَلِأَجَلِ التَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ كَأَنْ يَقُولَ: أَنْتَ حُرٌّ أَوْ مُعْتَقٌ لِأَجَلٍ أَوْ مُدَبَّرٌ أَوْ مُكَاتَبٌ عَنْ فُلَانٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَقُ عَنْهُ مَيِّتًا فَالْوَلَاءُ لِوَرَثَتِهِ كَانَ الْعِتْقُ تَطَوُّعًا أَوْ وَاجِبًا كَعِتْقِهِ فِي كَفَّارَةٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ أَوْ مَنْذُورٍ أَوْ بِسَبَبِ حَلِفٍ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ قَاطَعَهُ فَأَدَّى وَخَرَجَ حُرًّا أَوْ أُعْتِقَ عَلَيْهِ لِقَرَابَةٍ أَوْ مُثْلَةٍ مَثَلًا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِمْ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ مُسْتَغْرِقُ الذِّمَّةِ بِالتَّبِعَاتِ فَإِنَّ وَلَاءَ مَنْ أَعْتَقَهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ مَاتَ وَجُهِلَتْ أَرْبَابُ التَّبِعَاتِ، فَإِنْ كَانَ حَيًّا وَكَانَ غُرَمَاؤُهُ مُعَيَّنِينَ حَجَرَ عَلَيْهِ فَإِنْ أَجَازَ غُرَمَاؤُهُ عِتْقَهُ جَازَ وَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُمْ وَإِلَّا رَدَّ وَقَسَمَ مَالَهُ بَيْنَهُمْ.
[قَوْلُهُ: فَالسَّيِّدُ الْكَافِرُ لَا وَلَاءَ لَهُ] حَاصِلُ الْفِقْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ الْمُسْلِمَ سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ مُسْلِمًا فَأَعْتَقَهُ أَوْ أَسْلَمَ عِنْدَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ فَإِنَّ الْوَلَاءَ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ لَا لِلْمُعْتَقِ الْكَافِرِ.
وَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ الْعِتْقُ نَاجِزًا أَوْ غَيْرَهُ أَوْ أَعْتَقَ عَنْهُ.
وَأَمَّا لَوْ أَعْتَقَ الْكَافِرُ عَبْدَهُ الْكَافِرَ ثُمَّ أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَإِنَّ وَلَاءَهُ يَنْتَقِلُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ عَصَبَتِهِ لِسَيِّدِهِ النَّصْرَانِيِّ، فَإِنْ أَسْلَمَ سَيِّدُهُ الَّذِي أَعْتَقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْوَلَاءَ يَعُودُ إلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِعَوْدِ الْوَلَاءِ هُنَا إنَّمَا هُوَ الْمِيرَاثُ فَقَطْ وَإِلَّا فَالْوَلَاءُ ثَابِتٌ لَا يَنْتَقِلُ لِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ، فَكَمَا لَا تَزُولُ عَنْهُ الْأُبُوَّةُ إنْ أَسْلَمَ وَلَدُهُ فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ، وَكَذَا إنْ أَسْلَمَا مَعًا أَوْ أَسْلَمَ السَّيِّدُ قَبْلَ إسْلَامِ الْعَبْدِ فَيَرِثُهُ أَيْضًا بِالْأَوْلَى.
وَأَمَّا إذَا أَعْتَقَ مُسْلِمٌ كَافِرًا فَيَكُونُ الْمِيرَاثُ لِبَيْتِ الْمَالِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ أَقَارِبُ كُفَّارٌ فَيَكُونُ الْوَلَاءُ لَهُمْ، وَيَنْبَغِي مَا لَمْ يُسْلِمْ الْعَبْدُ فَيَعُودُ الْوَلَاءُ لِلسَّيِّدِ.
[قَوْلُهُ: وَالْعَبْدُ إذَا أَعْتَقَ إلَخْ] حَاصِلُ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الرَّقِيقَ الْقِنَّ أَوْ مَنْ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ إذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ فَإِنَّهُ لَا وَلَاءَ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِسَيِّدِهِ إنْ كَانَ الْمُعْتِقُ بِالْكَسْرِ يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُ مَالِهِ، وَهُوَ الَّذِي يُحْمَلُ كَلَامُ الشَّارِحِ عَلَيْهِ كَالْمُدَبَّرِ وَالْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ إذَا لَمْ يَقْرُبْ الْأَجَلُ وَلَمْ يَمْرَضْ السَّيِّدُ وَهَذَا إذَا أَعْتَقَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَأَجَازَ.
وَأَمَّا إذَا أَعْتَقَ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ سَيِّدُهُ بِعِتْقِهِ حَتَّى أَعْتَقَهُ أَوْ عَلِمَ وَسَكَتَ فَإِنَّ الْوَلَاءَ فِي الْعَبْدِ الْأَسْفَلِ يَكُونُ لِلْعَبْدِ الَّذِي أَعْتَقَهُ لَا لِلسَّيِّدِ الْأَعْلَى، هَذَا إذَا لَمْ يَسْتَثْنِ مَالَهُ أَمَّا لَوْ اسْتَثْنَى السَّيِّدُ مَالَهُ لَكَانَ الْوَلَاءُ لِلسَّيِّدِ إنْ رَضِيَ بِعِتْقِ عَبْدِهِ فَإِنْ رَدَّهُ بَطَلَ الْعِتْقُ وَيَكُونُ الْعَبْدُ الْأَسْفَلُ رِقًّا لَهُ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَالِ السَّيِّدِ الْأَعْلَى.
وَقَوْلُنَا: إنْ كَانَ الْمُعْتِقُ بِالْكَسْرِ يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ الَّذِي حَمَلْنَا عَلَيْهِ كَلَامَ الشَّارِحِ إلَخْ احْتِرَازٌ مِمَّا إذَا كَانَ لَا يُنْتَزَعُ مَالُهُ كَمُدَبَّرٍ وَأُمِّ وَلَدٍ إذَا مَرِضَ السَّيِّدُ مَرَضًا مَخُوفًا وَكَمُعْتَقٍ لِأَجْلِ قُرْبٍ وَكَمُكَاتَبٍ لَمْ يَرُدَّهُ السَّيِّدُ وَمُعْتَقٍ بَعْضُهُ فَالْوَلَاءُ لِلْعَبْدِ مُطْلَقًا عَلِمَ السَّيِّدُ
الْمُعْتَقُ فَالْوَلَاءُ لَهُ دُونَ السَّيِّدِ انْتَهَى.
وَالْأَصْلُ فِيمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . ع: وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ الْوَلَاءُ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَقُ مِلْكًا لِلْمُعْتِقِ وَأَنْ يَعْتِقَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَأَنْ يَكُونَ الْمُعْتِقُ حُرًّا وَأَنْ يَكُونَا مُسْتَوِيَيْنِ فِي الدَّيْنِ
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ) أَيْ الْوَلَاءِ (وَلَا هِبَتُهُ) لِمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» .
(وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ رَجُلٍ) مَثَلًا (فَالْوَلَاءُ لِلرَّجُلِ) الْمُعْتَقِ عَنْهُ إذَا كَانَ حُرًّا أَمَّا إذَا كَانَ رَقِيقًا فَالْوَلَاءُ لِسَيِّدِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُعْتَقُ عَنْهُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا عَتَقَ عَنْهُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ
(وَ) إذَا أَسْلَمَ كَافِرٌ عَلَى يَدِ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ (لَا يَكُونُ الْوَلَاءُ) عَلَيْهِ (لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ وَ) إنَّمَا (هُوَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ بَرِيرَةَ: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . وَقِيلَ وَلَاؤُهُ لَهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ فَلَهُ وَلَاؤُهُ» . ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ وَجَبَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خَاصٌّ وَحَدِيثُ بَرِيرَةَ عَامٌّ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَنَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ فِي نُصْرَتِهِ وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ وَتَوَلِّي دَفْنِهِ إذَا مَاتَ
(وَوَلَاءُ مَا أَعْتَقَتْ الْمَرْأَةُ لَهَا وَ) كَذَلِكَ لَهَا (وَلَاءُ مَنْ يُجَرُّ) وَلَاؤُهُ لَهَا (مِنْ وَلَدٍ أَوْ عَبْدٍ أَعْتَقَتْهُ) ع: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مُشْكِلَاتِ الرِّسَالَةِ لَفْظًا وَمَعْنًى، فَأَمَّا لَفْظًا فَإِنَّهُ أَوْقَعَ مَا عَلَى مَنْ يَعْقِلُ وَأَدْخَلَ تَاءَ التَّأْنِيثِ عَلَى أَعْتَقَتْ.
الثَّانِي: فَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ مَا تَقَعُ عَلَى
[حاشية العدوي]
الْأَعْلَى بِعِتْقِهِ أَمْ لَا أَجَازَهُ أَمْ لَا إذْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِ، وَإِنْ صَحَّ السَّيِّدُ مِنْ مَرَضِهِ فِي الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ يَوْمَ أَعْتَقَ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ نَزْعُ مَالِهِ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إلَى سَاعَةِ وُقُوعِ الْعِتْقِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ إذَا عَجَزَ بَعْدَ عِتْقِهِ فَالْوَلَاءُ لِلسَّيِّدِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَقُ مِلْكًا لِلْمُعْتِقِ] وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ بَلْ كَانَ مِلْكًا لِغَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ الْوَلَاءُ لَهُ وَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ حَتَّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ كَوْنُ الْوَلَاءِ لَهُ أَوَّلًا إلَّا أَنْ يُفْرَضَ فِيمَا إذَا وَكَّلَهُ بِأَنْ يَعْتِقَ فَالْوَكِيلُ مُعْتِقٌ ظَاهِرًا.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ يُعْتِقَهُ عَنْ نَفْسِهِ] وَأَمَّا إنْ أَعْتَقَهُ عَنْ غَيْرِهِ فَالْوَلَاءُ لِذَلِكَ الْغَيْرِ.
وَقَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ الْمُعْتِقُ حُرًّا إلَخْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.
[قَوْلُهُ: الْوَلَاءُ لَحْمَةٌ إلَخْ] قَالَ الْأَبِيُّ: هَذَا مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَعْرِيفٌ لِحَقِيقَةِ الْوَلَاءِ فِي الشَّرْعِ وَلَا يُحَدُّ بِتَعْرِيفٍ أَتَمَّ مِنْهُ، وَاللُّحْمَةُ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: بِالضَّمِّ، وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: لُحْمَةُ الثَّوْبِ تُضَمُّ وَتُفْتَحُ، وَلُحْمَةُ الْبَازِي وَهُوَ مَا يَطْعَمُ مِمَّا يَصِيدُهُ تُضَمُّ وَتُفْتَحُ، وَاللَّحْمَةُ بِمَعْنَى الْقَرَابَةِ تُضَمُّ قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ بَيْنَ الْمُعْتَقِ نِسْبَةٌ تُشْبِهُ النَّسَبَ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ أَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا كَانَ عَلَيْهِ رِقٌّ فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ فِي نَفْسِهِ وَالْمُعْتِقُ صَيَّرَهُ مَوْجُودًا كَمَا أَنَّ الْوَلَدَ كَانَ مَعْدُومًا وَالْأَبُ تَسَبَّبَ فِي وُجُودِهِ.
[قَوْلُهُ: لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ] أَيْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ.
[قَوْلُهُ: إذَا كَانَ حُرًّا] أَيْ مُسْلِمًا، فَإِنْ كَانَ كَافِرًا يَكُونُ وَلَاءُ الَّذِي أَعْتَقَ مُسْلِمًا عَنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا وَلَاءَ لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا لِأَشْهَبَ مِنْ أَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ وَقَالَهُ اللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَسَوَاءٌ فِي قَوْلِهِمْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
[قَوْلُهُ: إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ أَيْ وَهَذَا لَمْ] يُعْتِقْهُ إنَّمَا أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ فَقَطْ، وَأَتَى فِي الْحَدِيثِ بِإِنَّمَا وَمَنْ لِرَدِّ قَوْلِ الَّذِينَ بَاعُوا بَرِيرَةَ لِعَائِشَةَ اجْعَلِي لَنَا الْوَلَاءَ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ وَلَاؤُهُ لَهُ] أَيْ أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ خَاصٌّ.
[قَوْلُهُ: وَحَدِيثُ بَرِيرَةَ عَامٌّ] أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمَفْهُومُ فَيُخَصَّصُ بِمَنْطُوقِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْتِقْ لَا وَلَاءَ لَهُ مُطْلَقًا أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ أَوْ لَا فَيُخَصَّصُ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ.
[قَوْلُهُ: وَلَاءُ مَنْ يُجَرُّ وَلَاؤُهُ لَهَا] بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ.
وَقَوْلُهُ: وَلَاؤُهُ نَائِبُ فَاعِلِ يُجَرُّ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ وَلَدٍ أَوْ عَبْدٍ بَيَانٌ لِمَنْ فَإِذَا أَعْتَقَتْ ذَكَرًا كَانَ لَهَا الْوَلَاءُ عَلَى أَوْلَادِهِ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا وَسَيَأْتِي تَتْمِيمُهُ.
[قَوْلُهُ: وَأَدْخَلَ تَاءَ
مَنْ يَعْقِلُ بِقِلَّةٍ وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمَّا كَانَتْ هِيَ الْمُعْتِقَةُ أَوَّلًا أَضَافَ لَهَا ذَلِكَ إقَامَةً لِلْمُتَسَبِّبِ مَقَامَ الْمُبَاشِرِ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَظَاهِرُهُ أَنَّ كُلَّ مَا يَلِدُ مَا أَعْتَقَتْهُ فَوَلَاؤُهُ لَهَا وَفِيهِ تَفْصِيلٌ ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَصْلِ
(وَلَا تَرِثُ) الْمَرْأَةُ مِنْ الْوَلَاءِ (مَا أَعْتَقَ غَيْرُهَا مِنْ أَبٍ أَوْ ابْنٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ) نَحْوُهُ قَوْلُهُ فِي الْفَرَائِضِ: لَا تَرِثُ النِّسَاءُ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ جَرَّهُ مَنْ أَعْتَقْنَ لِأَنَّ الْوَلَاءَ إنَّمَا يُورَثُ بِالتَّعْصِيبِ وَالنِّسَاءُ لَا حَظَّ لَهُنَّ فِيهِ
(وَمِيرَاثُ السَّائِبَةِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ) عَلَى الْمَشْهُورِ الْمُرَادُ بِهَا هُنَا أَنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ مُسَيَّبٌ أَوْ أَنْتِ سَائِبَةٌ، وَيُرِيدُ بِذَلِكَ الْعِتْقَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِحُكْمِهِ ابْتِدَاءً وَفِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورُهُ الْكَرَاهَةُ لِاسْتِعْمَالِ الْجَاهِلِيَّةِ هَذَا اللَّفْظَ فِي الْأَنْعَامِ
(وَالْوَلَاءُ لِلْأَقْعَدِ) أَيْ الْأَقْرَبِ (مِنْ عُصْبَةِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ) ع: كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: مِنْ عُصْبَةِ الْمُعْتَقِ وَتَفْسِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُ: (فَإِنْ مَاتَ الْمُعْتِقُ وَتَرَكَ
[حاشية العدوي]
التَّأْنِيثِ عَلَى أَعْتَقَتْ الثَّانِي] أَيْ فَإِدْخَالُ التَّاءِ عَلَى أَعْتَقَتْ الثَّانِي يَقْتَضِي أَنَّهَا بَاشَرَتْ عِتْقَ ذَلِكَ الْوَلَدِ أَوْ الْعَبْدِ مَعَ أَنَّهَا مَا بَاشَرَتْ إلَّا عِتْقَ وَالِدِهِ أَوْ مُعْتَقِهِ.
[قَوْلُهُ: إقَامَةً لِلْمُتَسَبِّبِ] بِكَسْرِ الْبَاءِ مَقَامَ الْمُبَاشِرِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي تَفْصِيلٍ ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَصْلِ] أَرَادَ بِالْأَصْلِ شَرْحَهُ الْكَبِيرَ وَلَا نَعْرِفُ وُجُودَهُ فِي بَلَدِنَا حَتَّى نَذْكُرَ التَّفْصِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ بِعَيْنِهِ إلَّا أَنَّ تت ذَكَرَهُ فَقَالَ مَا نَصُّهُ: وَفِيهِ تَفْصِيلٌ إنْ أُعْتِقَتْ أَمَةٌ وَكَانَتْ حَامِلًا ظَاهِرَةَ الْحَمْلِ فَوَلَاءُ الْأَمَةِ وَوَلَاءُ الْجَنِينِ لَهَا، وَمَا حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مِنْ زِنًا أَوْ مِنْ كَافِرٍ أَوْ مَنْفِيًّا لَاعَنَ فِيهِ أَبُوهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ عَبْدٍ أَوْ كَافِرٍ أَوْ مِنْ زِنًا أَوْ مِنْ لِعَانٍ فَوَلَاؤُهُ لَهَا مَا لَمْ يُسْلِمْ الْكَافِرُ أَوْ يَعْتِقْ الْعَبْدُ أَوْ يَسْتَلْحِقْ الْمُلَاعِنُ وَلَدَهُ فَإِنَّ وَلَاءَهُ يَرْجِعُ لِأَبِيهِ إنْ كَانَ حَيًّا أَوْ لِمَوَالِيهِ بَعْدَهُ، فَإِنْ انْقَرَضَ مَوَالِيهِ فَقِيلَ: يَرْجِعُ الْوَلَاءُ إلَى الْأُمِّ، وَقِيلَ: لِبَيْتِ الْمَالِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْأَبُ حُرًّا فَوَلَاءُ الْوَلَدِ لِلْأَبِ أَوْ لِمُوَالِي الْأَبِ، فَإِنْ تَنَازَعَ مَوَالِي الْأَبِ مَعَ مَوَالِي الْأُمِّ فَقَالُوا: حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَقَالَتْ الْمُعْتَقَةُ: حَمَلْت بِهِ قَبْلَ الْعِتْقِ نُظِرَ، فَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ فَهُوَ لِمَوَالِي الْأَبِ، وَإِنْ كَانَ لِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ لِمَوْلَاةِ الْأَمَةِ، وَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ فَهُوَ لِمَوْلَى الْأَبِ هَذَا فِيمَا بَاشَرَتْ الْوِلَادَةَ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى.
وَأَمَّا وَلَدُ وَلَدِهَا فَوَلَاءُ وَلَدِ الذُّكُورِ لِلْمُعْتَقَةِ سَوَاءٌ كَانُوا ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا وَوَلَدُ الْإِنَاثِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْأَوَّلِ إنْ كَانُوا مِنْ حُرٍّ فَلِمُوَالِي الْأَبِ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ كَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ زِنًا أَوْ لِعَانٍ فَوَلَاؤُهُ لَهَا مَا لَمْ يُسْلِمْ الْكَافِرُ أَوْ يَعْتِقْ الْعَبْدُ أَوْ يَسْتَلْحِقْ الْمُلَاعِنُ وَلَدَهُ فَيَرْجِعُ وَلَاؤُهُ لَهُ أَوْ لِمُوَالِي الْأَبِ اهـ. كَلَامُ تت فَتَأَمَّلْهُ تَأَمُّلًا جَيِّدًا.
[قَوْلُهُ: مَا أَعْتَقَ غَيْرَهَا] أَيْ فَإِذَا أَعْتَقَ الْأَبُ رَقَبَةً وَخَلَّفَ ابْنًا وَبِنْتًا فَوَلَاءُ تِلْكَ الرَّقَبَةِ لِلِابْنِ دُونَ الْبِنْتِ لِأَنَّهَا لَمْ تُبَاشِرْ عِتْقَهَا لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا.
[قَوْلُهُ: نَحْوَهُ قَوْلُهُ فِي الْفَرَائِضِ لَا تَرِثُ النِّسَاءُ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ جَرَّهُ مَنْ أَعْتَقْنَ] أَيْ بِوِلَادَةٍ أَوْ عِتْقٍ كَمَا سَنَذْكُرُهُ.
وَقَوْلُهُ: بِالتَّعْصِيبِ أَيْ بِسَبَبِهِ أَيْ بِسَبَبِ كَوْنِ الْوَارِثِ مِنْ عَصَبَةِ الْمُورِثِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لِمُعْتِقِهِ.
قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِهَا هُنَا احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَسْيِيبِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ.
[قَوْلُهُ: وَيُرِيدُ بِذَلِكَ الْعِتْقَ] رَاجِعٌ لِلْأَخِيرِ، وَمَا أَنْتَ حُرٌّ مُسَيَّبٌ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْعِتْقَ.
[قَوْلُهُ: وَفِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورُهُ الْكَرَاهَةُ] وَقِيلَ: بِالْمَنْعِ وَقِيلَ بِالْجَوَازِ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ الْمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِينَ إذَا قَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانَ الْمُسَيَّبُ مُسْلِمًا وَسَيِّدُهُ كَافِرًا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَا يَرْجِعُ وَلَاؤُهُ لِمَنْ سَيَّبَهُ إنْ أَسْلَمَ وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ: إنَّ الْمُعْتَقَ لَا يَدْخُلُ فِي الصُّوَرِ الَّتِي يَكُونُ الْوَلَاءُ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا قَالُوا: فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى بَنِي أَبِيهِ.
[قَوْلُهُ: لِاسْتِعْمَالِ الْجَاهِلِيَّةِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ يُنْتِجُ الْحُرْمَةَ لَا الْكَرَاهَةَ لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ حَرَامٌ قَطْعِيًّا.
[قَوْلُهُ: مِنْ عَصَبَةِ الْمَيِّتِ] الْأَوْلَى الْمُبَاشِرُ لِلْعِتْقِ.
وَقَوْلُهُ: كَانَ حَقُّهُ إلَخْ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَرُدُّهُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ يُفَسِّرُهَا قَوْلُهُ فَإِنْ تَرَكَ أَيْ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَيِّتِ الْأَوَّلِ
ابْنَيْنِ فَوَرِثَا وَلَاءَ مَوْلًى لِأَبِيهِمَا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَتَرَكَ ابْنَيْنِ رَجَعَ الْوَلَاءُ إلَى أَخِيهِ دُونَ بَنِيهِ) ك: هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ لِلْعَتِيقِ عُصْبَةٌ فَإِنَّهُمْ أَحَقُّ مِنْ الْمَوَالِي بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ (وَإِنْ مَاتَ وَاحِدٌ) مِنْ الِابْنَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ (وَتَرَكَ وَلَدًا وَ) بَعْدَ ذَلِكَ (مَاتَ أَخُوهُ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (تَرَكَ وَلَدَيْنِ فَالْوَلَاءُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا) لِتَسَاوِيهِمْ فِي الْقُرْبِ مِنْ الْمَيِّتِ الْمُعْتِقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[حاشية العدوي]
الْمُعْتَقُ أَيْ وَالْمَيِّتُ الثَّانِي ابْنُهُ، وَيُجَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ: كَانَ حَقُّهُ أَيْ أَنَّ الْأَوْضَحَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا، وَعِبَارَةُ التَّحْقِيقِ الْأَحْسَنُ لَوْ قَالَ مِنْ عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ.
[قَوْلُهُ: فَوَرِثَا وَلَاءً إلَخْ] أَطْلَقَ الْإِرْثَ هُنَا عَلَى الْوَلَاءِ وَهُوَ لَا يُورَثُ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ وَإِلَّا فَالْوَلَاءُ لَا يُورَثُ وَإِنَّمَا يُورَثُ بِهِ قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ.
[قَوْلُهُ: ك هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ إلَخْ] لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَحَالَهُ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ مَاتَ إلَخْ] الْحَاصِلُ أَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِمِيرَاثِ الْوَلَاءِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرَابَةِ الْمُعْتِقُ ثُمَّ أَوْلَادُهُ الذُّكُورُ ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ نَزَلُوا وَالْأَعْلَى يَحْجُبُ الْأَسْفَلَ، فَإِنْ عُدِمَ بَنُو الْمُعْتَقِ فَأَبُوهُ فَإِنْ عُدِمَ أَبُوهُ فَإِخْوَتُهُ الْأَشِقَّاءُ ثُمَّ الَّذِينَ لِلْأَبِ ثُمَّ بَنُو الْأَشِقَّاءِ ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ ثُمَّ بَنُوهُمْ، وَإِنْ نَزَلُوا، فَإِنْ عُدِمَتْ الْإِخْوَةُ وَبَنُوهُمْ فَجَدُّ الْمُعْتِقِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَدٌّ فَالْأَعْمَامُ وَهُمْ الْإِخْوَةُ، أَيْ أَنَّ بَعْدَ الْجَدِّ الْعَمَّ وَابْنَهُ ثُمَّ بَعْدَهُمَا أَبُو الْجَدِّ وَهَكَذَا ثُمَّ بَعْدَ انْقِرَاضِ أَقَارِبِ الْمُعْتِقِ مُعْتِقُ الْمُعْتِقِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُعْتِقُهُ انْتَقَلَ الْحُكْمُ لِعَصَبَتِهِ وَهَكَذَا.
وَأَمَّا عَصَبَةُ عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ بِكَسْرِ التَّاءِ فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْوَلَاءِ كَمَا إذَا أَعْتَقَتْ امْرَأَةٌ عَبْدًا وَلَهَا ابْنٌ مِنْ زَوْجٍ لَا يَقْرَبُ لَهَا فَإِذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ فَإِنَّ الْوَلَاءَ يَنْتَقِلُ لِوَلَدِهَا، فَإِذَا مَاتَ هَذَا الْوَلَدُ فَإِنَّ أَبَاهُ لَا يَرِثُ الْعَتِيقَ بِالْوَلَاءِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِينَ.
[قَوْلُهُ: فَالْوَلَاءُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا] لِاسْتِوَائِهِمْ فِي التَّعَدُّدِ وَلَوْ كَانَ مَعَهُمْ إنَاثٌ مِنْ جَانِبٍ أَوْ جَانِبَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ شَيْءٌ مِنْ الْوَلَاءِ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ اثْنَيْنِ وَالْآخَرُ عَنْ ثَلَاثَةٍ كَانَ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمْ أَخْمَاسًا وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ.
خَاتِمَةٌ: الْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ وَلَوْ عَلَى السَّمَاعِ الْفَاشِي مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ، وَشَهَادَةُ وَاحِدٍ وَلَوْ عَلَى الْبَتِّ لَا يَثْبُتُ بِهَا الْوَلَاءُ وَلِمُقِيمِهِ الْحَلِفُ عَلَى صِحَّةِ مَا شَهِدَ بِهِ وَيَسْتَحِقُّ الْمَالَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ مَوْتِ الْعَتِيقِ إلَّا الْمَالُ وَهُوَ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَلَكِنْ لَا يُدْفَعُ لَهُ الْمَالُ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِينَاءِ لِاحْتِمَالِ دَعْوَى شَخْصٍ آخَرَ يُقِيمُ شَاهِدَيْنِ.
بَابٌ فِي الشُّفْعَةِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ.
. . إلَخْ]
بَيَانُ (الشُّفْعَةِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَبْسِ وَالرَّهْنِ وَالْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ وَاللُّقْطَةِ وَالْغَصْبِ) فَهَذِهِ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ ذَكَرَهَا فِي الْبَابِ كَمَا ذَكَرَهَا فِي التَّرْجَمَةِ، وَزَادَ فِيهِ قَوْلَهُ: وَمَنْ اسْتَهْلَكَ عَرْضَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَضَبْطُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَبَيَانُ مَعَانِيهَا بِذِكْرِ كُلٍّ مَحَلَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَمَّا الشُّفْعَةُ فَبِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الشَّفْعِ ضِدُّ الْوَتْرِ لِأَنَّ الشَّفِيعَ بِضَمِّ الْحِصَّةِ الَّتِي يَأْخُذُهَا إلَى حِصَّتِهِ فَتَصِيرُ حِصَّتُهُ حِصَّتَيْنِ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهَا أَخْذُ الشَّرِيكِ حِصَّةَ شَرِيكِهِ جَبْرًا شِرَاءً فَأَخْذُ جِنْسٌ وَخَرَجَ بِإِضَافَتِهِ إلَى الشَّرِيكِ الْجَارُ فَإِنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ عِنْدَنَا، وَبِحِصَّتِهِ مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ كَامِلًا مِمَّا لَا شَرِكَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِيهِ، وَبِالْجَبْرِ مَا يَأْخُذُهُ بِالشِّرَاءِ الِاخْتِيَارِيِّ، وَبِالشِّرَاءِ مَا يَأْخُذُهُ بِاسْتِحْقَاقٍ وَهِيَ رُخْصَةٌ، وَالْأَصْلُ أَنْ لَا تَجُوزَ لِأَنَّ فِيهَا بَيْعَ الرَّجُلِ مُلْكَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَرْخَصَ فِيهَا
دَفْعًا لِضَرَرِ الشَّرِيكِ.
قَالَ جَابِرٌ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا يَنْقَسِمُ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأُخِذَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ حُكْمَانِ وُجُوبُ الشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ دُونَ الْجَارِ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ جَارٌ وَوُجُوبُهَا فِي الرِّبَاعِ دُونَ الْعُرُوضِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِي الْمُشَاعِ) يَعْنِي
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي الشُّفْعَةِ]
بَابُ الشُّفْعَةِ
[قَوْلُهُ: ذَكَرَهَا فِي الْبَابِ] أَيْ مَرْتَبَةً كَمَا ذَكَرَهَا فِي التَّرْجَمَةِ مَرْتَبَةً [قَوْلُهُ: وَزَادَ فِيهِ] أَيْ فِي الْبَابِ قُبَيْلَ بَابِ الْغَصْبِ لِلْمُنَاسَبَةِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْمُتَرْجَمِ لَهُ مَحْمُودَةٌ لِوُقُوعِهَا فِي آيَةِ ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: 17] وَفِي السُّنَّةِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حِينَ سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» . [قَوْلُهُ: وَضَبْطُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ] أَيْ مَا يَحْتَاجُ لِضَبْطٍ [قَوْلُهُ: بِضَمِّ الشِّينِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ] وَحُكِيَ ضَمُّهَا وَفَتْحُ الْعَيْنِ.
[قَوْلُهُ: فَتَصِيرُ حِصَّتُهُ] أَيْ الْمَمْلُوكِ وَتَسْمِيَتُهُ حِصَّةً لِلْمُشَاكَلَةِ [قَوْلُهُ: أَخْذُ الشَّرِيكِ إلَخْ] عَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: اسْتِحْقَاقُ شَرِيكٍ أَخْذَ مَبِيعِ شَرِيكِهِ بِثَمَنِهِ أَيْ طَلَبُ الشَّرِيكِ أَخْذَ مَبِيعِ شَرِيكِهِ بِثَمَنِهِ الَّذِي بَاعَ بِهِ سَوَاءٌ أَخَذَ أَوْ لَمْ يَأْخُذْ، فَالشُّفْعَةُ مَعْرُوضَةٌ لِلْأَخْذِ وَعَدَمِهِ، وَتَعْرِيفُ ابْنِ الْحَاجِبِ مُعْتَرَضٌ حَيْثُ عَبَّرَ بِالْأَخْذِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ وَهُوَ الْأَخْذُ عَلَى سَبَبِهِ وَهُوَ الِاسْتِحْقَاقُ وَالْقَرِينَةُ عَلَى هَذَا اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ يُطْلِقُونَهَا عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْأَخْذِ كَقَوْلِهِمْ: أَسْقَطَ فُلَانٌ شُفْعَتَهُ أَوْ لَا شُفْعَةَ لَهُ، وَيُنَاقَشُ أَيْضًا بِأَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ لِاقْتِضَائِهِ ثُبُوتَهَا فِي الْعَرُوضِ وَهِيَ لَا شُفْعَةَ فِيهَا.
بَقِيَ أَنَّ قَوْلَهُ حِصَّتُهُ أَيْ بِحَسَبِ الْمَالِ وَإِلَّا فَهِيَ الْآنَ حِصَّةُ شَرِيكِهِ.
[قَوْلُهُ: مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ] أَيْ مِنْ شَرِيكِهِ، وَقَوْلُهُ: مَا يَأْخُذُهُ بِاسْتِحْقَاقٍ أَيْ مِنْ شَرِيكِهِ.
[قَوْلُهُ: بَيْعُ الرَّجُلِ] أَيْ الَّذِي هُوَ الْمُشْتَرِي مِنْ شَرِيكِهِ.
[قَوْلُهُ: فَإِذَا وَقَعَتْ إلَخْ] زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ جَابِرٍ.
قَالَ: لِأَنَّ الْأَوَّلَ كَلَامٌ تَامٌّ وَالثَّانِي كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ، وَلَوْ كَانَ الثَّانِي مَرْفُوعًا لَقَالَ إذَا وَقَعَتْ اهـ.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ مِنْهُ حَتَّى يَثْبُتَ الْإِدْرَاجُ بِدَلِيلٍ أَفَادَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ جَارٌ] أَيْ إنَّمَا قُلْنَا: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْجَارَ لَا شُفْعَةَ لَهُ لِأَنَّهُ حَكَمَ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَهُوَ بَعْدَ
الْأَرْضَ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ.
ك: قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ إزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْ الشَّرِيكِ، وَخُصَّتْ بِالْعَقَارِ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْأَنْوَاعِ ضَرَرًا، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَالْأَمْتِعَةِ وَسَائِرِ الْمَنْقُولَاتِ.
وَيُشْتَرَطُ فِيمَا فِيهِ الشُّفْعَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ احْتِرَازًا عَمَّا لَا يَقْبَلُهَا أَوْ يَقْبَلُهَا بِفَسَادٍ وَضَرَرٍ كَالْحَمَّامِ.
(وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا قَدْ قُسِمَ) ع: لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «إذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» .
وَقَالَ ق: لِأَنَّ الشُّفْعَةَ شُرِعَتْ إمَّا لِضَرَرِ الْقِسْمَةِ أَوْ لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْمَقْسُومِ فَلِذَلِكَ لَمْ تَجِبْ فِيهِ شُفْعَةٌ
(وَ) كَذَا (لَا) شُفْعَةَ (لِجَارٍ) هَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ، لَكِنَّ الشَّرِيكَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجَارِ وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ وَجَوَابُهُ مَذْكُورٌ فِي الْأَصْلِ
(وَ) كَذَا (لَا) شُفْعَةَ (فِي طَرِيقٍ) خَاصٍّ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ إلَى الدَّارِ أَوْ إلَى الْجِنَانِ، وَأَمَّا الطَّرِيقُ الْعَامُّ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ق: هَذَا إذَا كَانَ الْأَصْلُ مَقْسُومًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَلَا) فِي (عَرْصَةِ دَارٍ قَدْ قُسِمَتْ بُيُوتُهَا) وَأَمَّا إذَا كَانَ الْأَصْلُ غَيْرَ مَقْسُومٍ وَبَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حِصَّتَهُ مِنْ الْأَصْلِ وَالطَّرِيقِ فَلِشَرِيكِهِ الشُّفْعَةُ فِي الْأَصْلِ وَالطَّرِيقِ بِاتِّفَاقٍ إلَى أَنْ قَالَ: وَلَا فِي عَرْصَةِ دَارٍ إلَخْ هَذَا إذَا بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَرْصَةِ وَنَصِيبَهُ مِنْ الْبُيُوتِ فَلَا شُفْعَةَ فِي الْعَرْصَةِ وَحْدَهَا لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِأَصْلٍ لَا شُفْعَةَ فِيهِ، وَسُمِّيَتْ الْعَرْصَةُ عَرْصَةً لِأَنَّ الصِّبْيَانَ يَتَعَرَّصُونَ فِيهَا.
ع: وَالْعَرْصَةُ سَاحَةُ الدَّارِ
(وَ) كَذَا (لَا) شُفْعَةَ (فِي فَحْلِ) أَيْ ذَكَرِ (نَخْلٍ أَوْ فِي بِئْرٍ إذَا قُسِمَتْ النَّخْلُ وَالْأَرْضُ) ق: يُرِيدُ إذَا بَاعَهُ مَعَ أَصْلِهِ لِلضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُ الْمُشْتَرِيَ فِيمَا اشْتَرَى بِغَيْرِ فَحْلٍ وَلَا
[حاشية العدوي]
الْقِسْمَةِ جَارٌ فَالْجَارُ لَا شُفْعَةَ لَهُ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي الْأَرْضَ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ] الظَّاهِرُ أَنَّ تَفْسِيرَ الْمُشَاعِ بِالْأَرْضِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا اصْطِلَاحٌ وَإِلَّا فَالْمُشَاعُ هُوَ الْجُزْءُ الْغَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَيَصْدُقُ بِجُزْءٍ فِي ثَوْبٍ مَثَلًا.
[قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي الْحَيَوَانِ] أَيْ إلَّا تَبَعًا كَأَنْ يَكُونَ فِي حَائِطِهِ [قَوْلُهُ: وَسَائِرِ الْمَنْقُولَاتِ] أَيْ كَالْحُبُوبِ.
[قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ فِيمَا فِيهِ الشُّفْعَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّ الشُّفْعَةَ ثَابِتَةٌ فِي الْعَقَارِ وَمَا اتَّصَلَ بِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَوَّلًا [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا عَمَّا لَا يَقْبَلُهَا إلَخْ] أَيْ لَا يَقْبَلُهَا أَصْلًا لَا بِفَسَادٍ وَلَا بِصَلَاحٍ، وَانْظُرْ أَيَّ شَيْءٍ لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَقَارِ لَا بِصَلَاحٍ وَلَا بِفَسَادٍ فَإِنْ قُلْت: يُرَادُ بِهِ النَّخْلَةُ مَثَلًا قُلْت: هِيَ دَخَلَتْ فِيمَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ بِفَسَادٍ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ] بِالتَّشْدِيدِ أَيْ ثَبَتَ مَصَارِفُهَا بِأَنْ عُيِّنَ لِكُلِّ مَقْسِمٍ مَصْرِفُهُ قَالَ الشَّيْخُ خِضْرٌ الشَّافِعِيُّ.
[قَوْلُهُ: وَإِمَّا لِضَرَرِ الْقِسْمَةِ أَوْ لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ] أَيْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سَبَبِ الشُّفْعَةِ هَلْ هُوَ ضُرُّ الشَّرِكَةِ أَوْ ضَرَرُ الْقِسْمَةِ إذَا طَلَبَهَا الْبَعْضُ وَأَبَى غَيْرُهُ، فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ أَثْبَتَهَا فِيمَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ وَغَيْرَهُ كَالْحَمَّامِ، وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي: مَنَعَهَا فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ
[قَوْلُهُ: وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ] أَيْ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ [قَوْلُهُ: وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ جَوَابُهُ إلَخْ] مِنْ جُمْلَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى إثْبَاتِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» . وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِدَارِ جَارِهِ» وَالْجَوَابُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ أَحَقُّ بِمَعُونَتِهِ وَالْعَرْضِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَيْعِ لِأَنَّ الصَّقَبَ الْقَرِيبُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَمَحْمُولٌ عَلَى الْعِوَضِ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: لَا شُفْعَةَ فِي طَرِيقٍ خَاصٍّ] سَوَاءٌ بَاعَ حِصَّتَهُ فِي الطَّرِيقِ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ مَا نَابَهُ فِي الدَّارِ وَلَوْ أَمْكَنَ قَسْمُ الطَّرِيقِ.
[قَوْلُهُ: هَذَا إذَا كَانَ الْأَصْلُ مَقْسُومًا إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لِأَنَّ قَوْلَهُ قَدْ قُسِمَتْ بُيُوتُهَا مَحْذُوفٌ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا إذَا كَانَ الْأَصْلُ غَيْرَ إلَخْ] مِنْ تَتِمَّةِ حَلِّ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا فِي طَرِيقٍ.
[قَوْلُهُ: إلَى أَنْ قَالَ] أَيْ الْأَقْفَهْسِيُّ.
[قَوْلُهُ: هَذَا إذَا بَاعَ إلَخْ] مِنْ كَلَامِ ق. [قَوْلُهُ: إذَا بَاعَ إلَخْ] أَيْ أَوْ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَرْصَةِ وَحْدَهَا وَلَوْ كَانَ يُمْكِنُ قَسْمُهُ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ أَيْ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلدَّارِ الَّتِي انْقَسَمَتْ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الصِّبْيَانَ يَتَعَرَّصُونَ فِيهَا] أَيْ يَلْعَبُونَ وَيَمْرَحُونَ فِيهَا وَتُجْمَعُ الْعَرْصَةُ عَلَى عَرَصَاتٍ.
[قَوْلُهُ: إذَا قُسِمَتْ] الظَّاهِرُ أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَفًّا وَنَشْرًا
بِئْرٍ، وَيَحْتَمِلُ إذَا بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ خَاصَّةً فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَا شُفْعَةَ إلَّا فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ: وَإِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِي الْمُشَاعِ
وَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ، أَحَدُهَا: التَّرْكُ بِصَرِيحِ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ: أَسْقَطْت شُفْعَتِي وَالْمُعْتَبَرُ فِي إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الشِّرَاءِ أَمًّا قَبْلَهُ فَكَالْعَدِمِ عَلَى الْمَنْصُوصِ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ الشَّيْءِ قَبْلَ وُجُوبِهِ.
ثَانِيهَا: مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْكِ كَرُؤْيَتِهِ لِلْمُشْتَرِي يَهْدِمُ وَيَبْنِي وَيَغْرِسُ وَهُوَ سَاكِتٌ.
ثَالِثُهَا: تَرْكُ الْقِيَامِ بِشُفْعَتِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْعَقْدِ وَحُضُورِهِ بِالْبَلَدِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُ الشَّيْخِ: (وَلَا شُفْعَةَ لِلْحَاضِرِ) يَعْنِي فِي الْبَلَدِ دُونَ الْعَقْدِ (بَعْدَ السَّنَةِ) أَمَّا إذَا حَضَرَ الْعَقْدَ وَسَكَتَ عَنْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ
[حاشية العدوي]
مُرَتَّبًا.
فَقَوْلُهُ: النَّخْلُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ فَحْلٍ.
وَقَوْلُهُ: الْأَرْضُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ مَعَ بِئْرٍ وَبَقِيَ مَا إذَا كَانَتْ الْبِئْرُ لِنَخْلٍ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ.
[قَوْلُهُ: إذَا بَاعَهُ] الضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ لِلْفَحْلِ وَالْبِئْرِ.
وَقَوْلُهُ: مَعَ أَصْلِهِ أَيْ الْأَرْضِ، وَإِنَاثِ النَّخْلِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ إنَاثَ النَّخْلِ أَصْلُ الْفَحْلِ وَالْأَرْضَ أَصْلُ الْبِئْرِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ.
[قَوْلُهُ: فِيمَا اشْتَرَى بِغَيْرِ فَحْلٍ] فِيمَا إذَا قَسَمَ النَّخْلَ الْإِنَاثَ وَبَقِيَ الْفَحْلُ وَبَاعَ حِصَّتَهُ إنَاثَ النَّخْلِ وَنَصِيبُهُ مِنْ الْفَحْلِ فَلَوْ جُوِّزَتْ الشُّفْعَةُ فِي ذَلِكَ لَصَارَ مَعَ الشَّرِيكِ الْفَحْلُ كُلُّهُ وَبَقِيَ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا هِيَ فِي الَّذِي فِيهِ الشَّرِكَةُ الَّذِي هُوَ الْفَحْلُ فَقَطْ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا بِئْرٍ فِيمَا إذَا قُسِمَتْ الْأَرْضُ بَقِيَتْ الْبِئْرُ بِلَا قِسْمَةٍ.
[قَوْلُهُ: إذَا بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ خَاصَّةً] أَيْ إذَا بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ مُتَعَلَّقِ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ خَاصَّةً، وَمُتَعَلَّقُ الْأَرْضِ الْبِئْرُ وَمُتَعَلَّقُ النَّخْلِ الْفَحْلُ.
وَقَوْلُهُ: فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ أَيْ فِي مُتَعَلَّقِ مَا ذَكَرَ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ الشُّفْعَةِ فِي الْبِئْرِ إذَا قُسِمَتْ الْأَرْضُ ظَاهِرُهُ اتَّحَدَتْ الْبِئْرُ أَوْ تَعَدَّدَتْ وَهُوَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّ الْقَسْمَ يَمْنَعُ الشُّفْعَةَ.
وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: الشُّفْعَةُ ثَابِتَةٌ وَاخْتُلِفَ هَلْ مَا فِي الْكِتَابَيْنِ خِلَافٌ وَعَلَيْهِ الْبَاجِيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْوِفَاقِ فَحَمَلَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ عَدَمِ الشُّفْعَةِ عَلَى الْبِئْرِ الْمُتَّحِدَةِ وَمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ عَلَى الْآبَارِ الْمُتَعَدِّدَةِ أَوْ تُحْمَلُ الْمُدَوَّنَةُ عَلَى بِئْرٍ لَا فِنَاءَ لَهَا، وَالْعُتْبِيَّةُ عَلَى بِئْرٍ لَهَا فِنَاءٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَا شُفْعَةَ إلَّا فِي الْأَرْضِ إلَخْ] مُرَادُهُ وَلَا شُفْعَةَ بِغَيْرِ التَّبَعِيَّةِ فَلَا يُرَدُّ أَنَّهَا تَكُونُ فِي الْحَيَوَانِ فِي كَحَائِطٍ لِأَنَّهَا فِيهِ إنَّمَا تَكُونُ تَبَعًا، وَقَوْلُهُ: وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا إلَخْ يُصَدَّقُ بِمَا إذَا كَانَا بِأَرْضٍ مُحْبَسَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ] أَيْ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الثِّمَارِ وَالْمَقَاثِئِ وَالْقُطْنِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالْقَرْعِ وَكُلِّ مَا تُجْنَى ثَمَرَتُهُ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ فَفِيهِ الشُّفْعَةُ إلَّا أَنْ تَيْبَسَ الثَّمَرَةُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا وَيَفُوزُ بِهَا الْمُشْتَرِي وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيْنَ أَنْ تُبَاعَ مَعَ أَصْلِهَا أَوْ مُنْفَرِدَةً عَنْهُ، وَلَا شُفْعَةَ فِي الْبُقُولِ وَالزَّرْعِ فَإِذَا بَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فِي الزَّرْعِ حِصَّتَهُ مِنْهُ بَعْدَ يُبْسِهِ فَلَا شُفْعَةَ لِشَرِيكِهِ سَوَاءٌ بَاعَهَا مُنْفَرِدَةً أَوْ مَعَ الْأَرْضِ، وَتَكُونُ الشُّفْعَةُ فِي الْأَرْضِ دُونَ مَا فِيهَا مِنْ الزَّرْعِ بِمَا يَنُوبُهَا مِنْ الثَّمَنِ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا قَبْلَهُ فَكَالْعَدِمِ] وَلَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيقِ الصَّرِيحِ كَإِنْ اشْتَرَيْت أَنْتَ فَقَدْ أَسْقَطْت أَنَا شُفْعَتِي وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ قَالَ لِعَبْدٍ: إنْ مَلَكْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ إنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَيَلْزَمُ مَعَ أَنَّهُ قَبْلَ الْوُجُوبِ وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي هَذَيْنِ الْحَقَّ لِلَّهِ بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ، وَأَيْضًا الشَّارِعُ مُتَشَوِّفٌ لِلْحُرِّيَّةِ وَلِلِاحْتِيَاطِ فِي النِّكَاحِ لِلْفُرُوجِ.
[قَوْلُهُ: كَرُؤْيَتِهِ لِلْمُشْتَرِي يَهْدِمُ وَيَبْنِي إلَخْ] الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ أَيْ يَهْدِمُ أَوْ يَبْنِي، وَكَذَا الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَيَغْرِسُ أَيْ يَهْدِمُ مَا لَا يُهْدَمُ أَوْ يَبْنِي مَا لَا يُبْنَى، وَأَمَّا لَوْ هَدَمَ مَا يُهْدَمُ أَوْ بَنَى مَا يُبْنَى فَلَا تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ قَالَهُ بَعْضٌ.
وَقَالَ آخَرُ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْهَدْمُ وَالْبِنَاءُ لِلْإِصْلَاحِ وَظَاهِرُهُ أَيْضًا وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ السَّنَةِ] وَلَوْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِهَا قَالَهُ أَشْهَبُ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا حَضَرَ الْعَقْدَ وَسَكَتَ] أَيْ وَكَتَبَ خَطَّهُ فِي الْوَثِيقَةِ أَيْ وَثِيقَةِ الشِّرَاءِ فَقَدْ أَخَلَّ بِذَلِكَ الْقَيْدِ، فَإِذَا حَضَرَ وَلَمْ يَكْتُبْ شَهَادَتَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ لَا يَسْقُطُ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ بَعْدَ الْعَقْدِ.
وَلَوْ ادَّعَى الْجَهْلَ بِالْحُكْمِ بِأَنْ قَالَ: أَنَا جَهِلْت وُجُوبَ الشُّفْعَةِ لِي هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ رُشْدٍ وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ.
فَقَالَتْ: وَإِذَا عَلِمَ بِالِاشْتِرَاءِ فَلَمْ يَطْلُبْ شُفْعَتَهُ سَنَةً فَلَا يَقْطَعُ ذَلِكَ شُفْعَتَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ فِي الِاشْتِرَاءِ فَلَمْ يَجْعَلْ لِكَتْبِ
شَهْرَيْنِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُسْقِطُ شُفْعَتَهُ (وَ) أَمَّا (الْغَائِبُ) غَيْبَةً بَعِيدَةً فَإِنَّهُ (عَلَى شُفْعَتِهِ وَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ) إذَا كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَبْلَ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ لَهُ عَلِمَ بِالْبَيْعِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَلَيْسَ لِلْبُعْدِ وَالْقُرْبِ حَدٌّ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّ أَحْوَالَ النَّاسِ تَخْتَلِفُ إذْ لَيْسَ الرَّجُلُ كَالْمَرْأَةِ وَلَيْسَ الضَّعِيفُ كَالْقَوِيِّ وَلَا الطَّرِيقُ الْمَأْمُونَةُ كَالْمَخُوفَةِ، وَقَيَّدْنَا بِمَا إذَا كَانَتْ إلَخْ لِأَنَّهُ إذَا سَافَرَ بَعْدَ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ إمَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَئُوبُ مِنْ سَفَرِهِ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ الْحَدِّ الْمُؤَقَّتِ فِي الشُّفْعَةِ فَإِنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يَرْجِعُ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ فَإِنَّهُ عَلَى شُفْعَتِهِ وَإِنْ عَاقَهُ عَائِقٌ وَطَالَتْ غَيْبَتُهُ هُنَالِكَ
(وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي) ك: إنْ اسْتَحَقَّهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِ الشَّفِيعِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْفَعَ فِيهَا شَيْئًا، وَيَرْجِعُ الشَّفِيعُ
[حاشية العدوي]
الشَّهَادَةِ فِي عَقْدِ الشِّرَاءِ تَأْثِيرًا، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَحِينَئِذٍ فَمَا قَارَبَ السَّنَةَ مِمَّا زَادَ عَلَيْهَا لَهُ حُكْمُهَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ.
قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَرْبَابِ الْوَثَائِقِ: وَذَلِكَ الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ، وَحُكِيَ فِي الطِّرَازِ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ.
وَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَكَلَامُ ابْنِ الْهِنْدِيِّ هُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْغَائِبُ غَيْبَةً بَعِيدَةً] احْتَرَزَ عَنْ الْقَرِيبَةِ الَّتِي لَا كُلْفَةَ عَلَيْهِ فِيهَا فَكَالْحَاضِرِ هَكَذَا قَالَ أَشْهَبُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِ خَلِيلٍ آخِرَ بَابِ الْقَضَاءِ وَالْقَرِيبُ كَالْحَاضِرِ، وَلِمَا كَتَبَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُجْهُورِيُّ بِطُرَّةِ بَهْرَامَ، وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْغَيْبَةُ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً فِيمَا ذَكَرَ، وَغِيبَةُ الشَّخْصِ الْمُشْتَرِي كَغِيبَةِ الشَّفِيعِ وَغَيْبَتُهُمَا عَنْ مَحَلِّ الشِّقْصِ غَيْبَةٌ بَعِيدَةٌ وَهُمَا بِمَكَانٍ كَحُضُورِهِمَا وَلَا نَظَرَ لِغَيْبَةِ الشِّقْصِ فِي هَذِهِ.
[قَوْلُهُ: عَلِمَ بِالْبَيْعِ] أَيْ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بَيْعَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ حَتَّى غَابَ فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَى شُفْعَتِهِ وَلَوْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ، فَإِذَا رَجَعَ بَعْدَ غِيبَتِهِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْحَاضِرِ الْعَالِمِ بِالْبَيْعِ فَتَسْقُطُ شُفْعَتُهُ بَعْدَ سَنَةٍ وَمَا قَارَبَهَا مِنْ يَوْمِ قُدُومِهِ، فَإِذَا تَنَازَعَ الشَّفِيعُ مَعَ الْمُشْتَرِي عِنْدَ الْغَيْبَةِ الطَّوِيلَةِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي لَهُ: أَنْتَ عَلِمْت بِالْبَيْعِ وَغِبْت غَيْبَةً بَعِيدَةً فَلَا شُفْعَةَ لَك، وَقَالَ الشَّفِيعُ: مَا عَلِمْت بِالْبَيْعِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَيَأْخُذُ شُفْعَتَهُ وَلَهُ سَنَةٌ مِنْ يَوْمِ الْعِلْمِ، وَأَمَّا لَوْ عَلِمَ بِالْبَيْعِ وَادَّعَى جَهْلَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ فَلَا يُعْذَرُ وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَجْهَلُونَ أَمْرَ الشُّفْعَةِ كَالْمُعْتَقَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
تَنْبِيهٌ: إنَّمَا يَكُونُ مُضِيُّ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ مُسْقِطًا لِشُفْعَةِ مَنْ حَضَرَ الْعَقْدَ إذَا كَانَ الشَّفِيعُ عَاقِلًا بَالِغًا رَشِيدًا عَالِمًا بِالْبَيْعِ وَلَا عُذْرَ لَهُ وَإِلَّا اسْتَمَرَّ عَلَى شُفْعَتِهِ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ الْعِلْمُ أَوْ يَزُولَ الْعُذْرُ فَيَنْزِلَ مَنْزِلَةَ مَنْ كَانَ حَاضِرَ الْعَقْدِ فَتَسْقُطَ شُفْعَتُهُ بَعْدَ السَّنَةِ وَمَا قَارَبَهَا.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِلْبُعْدِ وَالْقُرْبِ حَدٌّ عَلَى الصَّحِيحِ] مُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ رُشْدٍ مِنْ أَنَّ تِسْعَةَ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ بَعِيدٌ اتِّفَاقًا وَثَلَاثَةً فَمَا دُونَهَا قَرِيبٌ اتِّفَاقًا، وَاخْتَلَفُوا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ إلَى ثَمَانِيَةٍ هَلْ هُوَ مِنْ حَيِّزِ الْبَعِيدِ أَوْ الْقَرِيبِ.
[قَوْلُهُ: إمَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَئُوبُ] أَيْ لَا يَرْجِعُ.
[قَوْلُهُ: وَإِمَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يَرْجِعُ] أَيْ يَظُنُّ قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: إلَّا أَنْ يَظُنَّ الْأَوْبَةَ قَبْلَهَا فَعِيقَ وَيَحْلِفُ أَنَّهُ لَمْ يَغِبْ، إلَّا لِظَنِّهِ الرُّجُوعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَى شُفْعَتِهِ، وَمَحَلُّ حَلِفِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الْعَلَامَةُ خَلِيلٌ أَنَّ بُعْدَ الزَّمَانِ فِي غَيْبَته، وَأَمَّا إنْ جَاءَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ الْمُسْقِطَةِ بِزَمَنٍ قَرِيبٍ لَمْ يَحْلِفْ وَالْقُرْبُ وَالْبُعْدُ بِالْعُرْفِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ كَذَا فِي بَعْضِ شُرَّاحِهِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْعَائِقِ بِمُجَرَّدِهِ بَلْ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الْقَرِينَةِ.
[قَوْلُهُ: وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي] أَيْ عَلَى الْمُشْتَرِي الْمَأْخُوذِ مِنْهُ بِالشُّفْعَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا إذَا تَعَدَّدَ الْمُشْتَرِي وَأَخَذَ بِشِرَاءِ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ قَالَهُ عج، فَإِذَا تَكَرَّرَ فِي الشِّقْصِ الْبَيْعُ فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ بِأَيِّ بَيْعٍ شَاءَ وَعُهْدَتُهُ وَهِيَ ضَمَانُ الشِّقْصِ مِنْ الْعَيْبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ عَلَى مَنْ أَخَذَ بِبَيْعِهِ وَيَدْفَعُ الثَّمَنَ لِمَنْ بِيَدِهِ الشِّقْصُ، فَإِنْ اتَّفَقَ الثَّمَنَانِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَكْثَرَ كَمَا إذَا كَانَ عِشْرِينَ مَثَلًا وَالْأَخِيرُ عَشْرَةً فَإِنْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ دَفَعَ لِلْأَخِيرِ عَشْرَةً وَيَدْفَعُ الْعَشَرَةَ الْأُخْرَى لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَكْثَرَ
عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا أَعْطَاهُ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ (وَيُوقَفُ الشَّفِيعُ فَإِمَّا أَخَذَ أَوْ تَرَكَ) يَعْنِي أَنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقُومَ عَلَى الشَّفِيعِ وَيُلْزِمَهُ بِالتَّرْكِ أَوْ الْأَخْذِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ إنْ كَانَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِشَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ، فَإِنْ امْتَثَلَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ فَلَا كَلَامَ وَإِلَّا رَفَعَهُ لِلْحَاكِمِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِذَا طَلَبَ التَّأْخِيرَ لِيَخْتَارَ أَوْ لِيَأْتِيَ بِالثَّمَنِ أُخِّرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
(وَلَا تُوهَبُ الشُّفْعَةُ وَلَا تُبَاعُ) يَعْنِي لَا يَجُوزُ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَهَبَ مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ الشُّفْعَةِ لِغَيْرِ الْمُبْتَاعِ وَلَا يَبِيعَ مِنْهُ شَيْئًا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: قَدْ وَهَبْتُك شُفْعَتِي الَّتِي وَجَبَتْ لِي عِنْدَ فُلَانٍ أَوْ اشْتَرَاهَا مِنِّي بِكَذَا لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا جُعِلَتْ لِلشَّرِيكِ لِأَجْلِ إزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْهُ بِأَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ مَنْ لَا يَعْرِفُ شَرِكَتَهُ وَلَا مُعَامَلَتَهُ، وَفِي جَوَازِ بَيْعِ الشُّفْعَةِ وَهِبَتِهَا لِلْمُبْتَاعِ قَوْلَانِ:
وَإِذَا وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ لِشُرَكَاءَ فِي دَارٍ مَثَلًا (وَ) اخْتَلَفَتْ أَنْصِبَاؤُهُمْ فِيهَا فَإِنَّهَا (تُقْسَمُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِقَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ) مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ لِأَحَدٍ النِّصْفُ وَلِآخَرَ الثُّلُثُ وَلِآخَرَ السُّدُسُ فَبَاعَ صَاحِبُ النِّصْفِ نَصِيبَهُ فَإِنَّ صَاحِبَ الثُّلُثِ يَأْخُذُ ثُلُثَ الشِّقْصِ،
[حاشية العدوي]
وَقَدْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ دَفَعَ لِلْأَخِيرِ عَشْرَةً وَيَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ إنْ اسْتَحَقَّهَا أَيْ اسْتَحَقَّ السِّلْعَةَ الْمَبِيعَةَ أَحَدٌ أَيْ أَوْ ظَهَرَ بِهَا عَيْبٌ يُوجِبُ الرَّدَّ، وَمَحَلُّ كَوْنِهِ يَأْخُذُ بِأَيِّ بَيْعٍ شَاءَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِتَعَدُّدِهِ أَوْ عَلِمَ فِي غَيْبَتِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَاضِرًا عَالِمًا بِتَعَدُّدِهِ فَإِنَّمَا لَهُ الْأَخْذُ بِالْأَخِيرِ لِأَنَّ سُكُوتَهُ مَعَ عِلْمِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ رَضِيَ بِشَرِكَةِ غَيْرِ الْأَخِيرِ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ الْمُصَنِّفِ مَسْأَلَتَانِ: الْعُهْدَةُ عَلَى الْبَائِعِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَشْتَرِيَ عَامِلُ الْقِرَاضِ بِمَالِ الْقِرَاضِ شِقْصًا هُوَ شَفِيعُهُ.
وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَالِ الْقِرَاضِ شِقْصًا وَرَبُّ الْمَالِ هُوَ شَفِيعُهُ فَإِنَّ عُهْدَةَ الشَّفِيعِ فِي هَاتَيْنِ عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيهِمَا لَضَاعَ الثَّمَنُ عَلَى دَافِعِهِ.
[قَوْلُهُ: وَيُوقَفُ الشَّفِيعُ] أَيْ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَلُزُومِهِ لِأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَلَا بَعْدَهُ وَقَبْلَ لُزُومِهِ، وَظَاهِرُ تَقْرِيرِ الشَّارِحِ أَنَّهُ يُوقِفُهُ أَوَّلًا بِنَفْسِهِ وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُطَالِبُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ.
وَظَاهِرُهُ ابْتِدَاءً وَفِي كَلَامِهِمْ مَا يُؤَيِّدُهُ.
وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّرَرِ بِعَدَمِ تَصَرُّفِهِ فِي الْحِصَّةِ الَّتِي اشْتَرَاهَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّرْكُ لِيُعْلِمَ الشَّفِيعَ وَإِنَّمَا يَنْدُبُ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: فَأَمَّا أَخْذٌ أَوْ تَرْكٌ] فَإِنْ اخْتَارَ الشَّفِيعُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ وَوَجَدَ الْمُشْتَرِيَ وَهَبَ الشِّقْصَ أَوْ حَبَسَهُ، فَإِنَّ لَهُ نَقْضَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَبْسِ وَلَوْ كَانَ مَسْجِدًا، وَانْظُرْ هَلْ يَفْعَلُ بِالْإِنْقَاضِ كَيْفَ شَاءَ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّ لَهُ شَفِيعًا أَوْ لَا وَمِنْ الْهِبَةِ وَيَكُونُ الثَّمَنُ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ حَيْثُ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّ لَهُ شَفِيعًا لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لِلشِّقْصِ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ لَهُ شَفِيعًا وَوَهَبَهُ لِلْغَيْرِ فَكَأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى هِبَةِ الثَّمَنِ.
[قَوْلُهُ: بِالثَّمَنِ إلَخْ] أَيْ وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا وَيَأْخُذُهُ بِرَهْنِهِ وَضَامِنِهِ وَأُجْرَةِ دَلَّالٍ وَعَقْدِ شِرَاءٍ وَفِي الْمَكْسِ تَرَدُّدٌ [قَوْلُهُ: أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ] وَيَأْخُذُهُ أَيْضًا بِقِيمَةِ الشِّقْصِ فِي كَخُلْعٍ وَصُلْحِ عَمْدٍ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] رَاجِعٌ لِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَيْ يُوقَفُ لِلْأَخْذِ وَالتَّرْكِ بِلَا إمْهَالٍ، وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قِيَاسًا عَلَى الْمُرْتَدِّ أَيْ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ السَّنَةِ وَالشَّهْرَيْنِ فَهُوَ عِنْدَ عَدَمِ قِيَامِ الْمُشْتَرِي، فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَإِذَا طَلَبَ التَّأْخِيرَ لِيَخْتَارَ إلَخْ مُرُورٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الَّذِي قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ فَإِذَنْ فَفِي الْعِبَارَةِ شَيْءٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَبِيعُ مِنْهُ] أَيْ لَهُ [قَوْلُهُ: وَفِي جَوَازِ بَيْعِ الشُّفْعَةِ وَهِبَتِهَا لِلْمُبْتَاعِ قَوْلَانِ] الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ فِيهِ شَيْءٌ لِأَنَّ الْمَقْصِدَ مِنْ الشُّفْعَةِ الْأَخْذُ وَعَدَمُهُ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا جَعَلَ لَهُ ذَلِكَ لَدَفْعِ الضَّرَرِ، وَإِذَا بِيعَتْ كَانَ مِنْ أَكْلِ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ، وَالْمُرَادُ بِالْهِبَةِ فِي كَلَامِهِ هِبَةُ الثَّوَابِ حَتَّى يَظْهَرَ التَّعْلِيلُ كَذَا قَرَّرَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ
[قَوْلُهُ: مِثَالُ ذَلِكَ] هَذَا إذَا اخْتَلَفَتْ الْأَنْصِبَاءُ وَبِيعَ لِأَجْنَبِيٍّ.
وَأَمَّا لَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ الْأَنْصِبَاءُ فَإِنَّهَا تُقْسَمُ عَلَى الرُّءُوسِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرَكُ مِمَّا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ كَطَاحُونٍ وَمَعْصَرَةٍ عَلَى الْقَوْلِ بِالشُّفْعَةِ فَإِنَّهَا تُقْسَمُ عَلَى الرُّءُوسِ اتِّفَاقًا وَقَوْلُنَا: لِغَيْرِ الشُّرَكَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الشُّرَكَاءِ لَتَرَكَ لَهُ حِصَّتَهُ الَّتِي كَانَ يَأْخُذُهَا، لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَجْنَبِيًّا فَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ لِأَحَدِهِمْ الرُّبُعُ وَلِآخَرَ الثُّمُنُ وَلِآخَرَ الثُّمُنُ أَيْضًا وَلِآخَرَ
وَيَأْخُذُ صَاحِبُ السُّدُسِ مَا بَقِيَ وَهُوَ ثُلُثُ الْحِصَّةِ فَيَصِيرُ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثًا الدَّارِ، وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ الثُّلُثُ مِنْ جَمِيعِ الدَّارِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ: يُقْسَمُ النِّصْفُ الْمُبْتَاعُ بَيْنَ الشَّفِيعَيْنِ وَاسْتُظْهِرَ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ مُعَلَّلَةٌ بِالضَّرَرِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الشُّرَكَاءُ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَنْصِبَاؤُهُمْ
. ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَبْسِ فَقَالَ: (وَلَا تَتِمُّ هِبَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا حَبْسٌ إلَّا بِالْحِيَازَةِ) الْحَبْسُ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ فَلَا يَفْتَرِقَانِ إلَّا فِي شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْهِبَةَ تُعْتَصَرُ وَالصَّدَقَةُ لَا تُعْتَصَرُ، وَالْآخَرُ أَنَّ الْهِبَةَ يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَالصَّدَقَةُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا وَلَوْ عَلَى ابْنِهِ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ بَعْدُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ حَقِيقَتِهِمَا أَنَّ الْهِبَةَ لِلْمُوَاصَلَةِ وَالْوِدَادِ وَالصَّدَقَةَ لِابْتِغَاءِ الثَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا تَقَرَّرَ اشْتِرَاكُهُمَا فِيمَا عَدَا الْحُكْمَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَلْيَكُنْ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا وَاحِدًا وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا: فِي حُكْمِهِمَا وَهُوَ النَّدْبُ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: 90] ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: 271] إلَى غَيْرِ مَا آيَةٍ وَالسُّنَّةُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ؛ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ ثَمَرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا الطَّيِّبَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا
[حاشية العدوي]
النِّصْفُ فَبَاعَهُ لِصَاحِبِ الرُّبُعِ فَإِنَّ لِصَاحِبَيْ الثُّمُنَيْنِ أَنْ يَأْخُذَا بِالشُّفْعَةِ نِصْفَ الْمَبِيعِ وَبَاقِيهِ لِمُشْتَرِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَجْنَبِيًّا.
[بَاب الْهِبَة وَالصَّدَقَة]
[قَوْلُهُ: وَلَا تَتِمُّ هِبَةٌ] أَفْهَمَ أَنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ تَصِحُّ وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهَا وَيُقْضَى عَلَى الْفَاعِلِ بِدَفْعِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَلَيْسَ لَهُ رُجُوعٌ فِيهَا وَحِيَازَتُهَا كَالرَّهْنِ فِي مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْقَبْضِ وَلَا يَكْفِي الْإِشْهَادُ.
[قَوْلُهُ: الْهِبَةُ تُعْتَصَرُ إلَخْ] أَيْ إنَّ الْوَالِدَ إذَا وَهَبَ لِابْنِهِ هِبَةً جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَهَا.
وَأَمَّا إذَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَهُ.
[قَوْلُهُ: إنَّ الْهِبَةَ يَصِحُّ الرُّجُوعُ إلَخْ] يَعْنِي: أَنَّ عَوْدَ الْهِبَةِ إلَى مِلْكِ وَاهِبِهَا بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ جَائِزٌ.
وَأَمَّا عَوْدُ الصَّدَقَةِ إلَى مِلْكِ مَنْ يَتَصَدَّقُ بِهَا بِبَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا ذَكَرَ مَكْرُوهٌ هَذَا إذَا كَانَ الْعَوْدُ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ، وَأَمَّا إذَا عَادَتْ بِمِيرَاثٍ فَإِنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ كَمَا أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي شِرَاءِ الْعَرِيَّةِ وَالْعُمْرَى، وَكَذَا مِنْ سَبَلَ مَاءً عَلَى مَسْجِدٍ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ وَسَيَأْتِي.
[قَوْلُهُ: وَالْوِدَادَ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ هُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ الْهِبَةُ لَا لِثَوَابِ تَمْلِيكِ ذِي مَنْفَعَةٍ لِوَجْهِ الْمُعْطَى بِغَيْرِ عِوَضٍ وَالصَّدَقَةُ كَذَلِكَ لِوَجْهِ اللَّهِ بَدَلَ لِوَجْهِ الْمُعْطَى، فَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ: ذِي مَنْفَعَةٍ الْعَارِيَّةَ وَنَحْوَهَا.
وَقَوْلُهُ: لِوَجْهِ الْمُعْطِي أَخْرَجَ بِهِ الصَّدَقَةَ فَإِنَّهَا لِوَجْهِ اللَّهِ فَقَطْ أَوْ لِإِرَادَةِ الثَّوَابِ مَعَ وَجْهِ الْمُعْطِي عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ هِبَةَ الثَّوَابِ.
[قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: 90] إلَخْ] أَيْ بِالتَّسْوِيَةِ فِي الْحُقُوقِ وَتَرْكِ الظُّلْمِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90] أَيْ إلَى مَنْ أَسَاءَ إلَيْكُمْ أَوْ الْفَرْضُ وَالنَّدْبُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: 90] أَيْ وَإِعْطَاءُ ذِي الْقَرَابَةِ وَهُوَ صِلَةُ الرَّحِمِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] أَيْ حُبِّ اللَّهِ أَوْ حُبِّ الْمَالِ أَوْ حُبِّ الْإِيتَاءِ بِأَنْ يُعْطِيَهُ وَهُوَ طَيِّبُ النَّفْسِ بِإِعْطَائِهِ.
[قَوْلُهُ: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: 271]] أَيْ فَنِعْمَ شَيْئًا إبْدَاؤُهَا.
[قَوْلُهُ: إلَى غَيْرِ مَا آيَةٍ] مَا زَائِدَةٌ أَيْ إلَى غَيْرِ آيَةٍ أَيْ أَكْثَرَ مِنْ آيَةٍ.
[قَوْلُهُ: بِعَدْلِ تَمْرَةٍ] بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ وَسُكُونِ الْمِيمِ، وَالْعَدْلُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمِثْلُ وَبِالْكَسْرِ الْحِمْلُ بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ بِقِيمَةِ تَمْرَةٍ.
وَقَوْلُهُ: طَيِّبٌ أَيْ حَلَالٌ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا الطَّيِّبَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ تَأْكِيدًا لِتَقْرِيرِ الْمَطْلُوبِ فِي النَّفَقَةِ.
وَقَوْلُهُ: بِيَمِينِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَكَرَ الْيَمِينَ لِأَنَّهَا فِي الْعُرْفِ لِمَا عَزَّ وَالْأُخْرَى لِمَا هَانَ.
وَقَالَ ابْنُ اللَّبَّادِ: وَنِسْبَةُ الْأَيْدِي إلَيْهِ تَعَالَى اسْتِعَارَةٌ لِحَقَائِقِ أَنْوَارٍ عُلْوِيَّةٍ يَظْهَرُ عَنْهَا تَصَرُّفُهُ وَبَطْشُهُ بَدْءًا وَإِعَادَةً وَتِلْكَ الْأَنْوَارُ مُتَفَاوِتَةٌ فِي رُوحِ الْقُرْبِ وَعَلَى حَسَبِ تَفَاوُتِهَا وَسِعَةِ دَوَائِرهَا تَكُونُ رُتْبَةُ التَّخْصِيصِ لِمَا ظَهَرَ عَنْهَا، فَنُورُ الْفَضْلِ بِالْيَمِينِ وَنُورُ الْعَدْلِ بِالْيَدِ الْأُخْرَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَتَعَالَى عَنْ الْجَارِحَةِ.
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ يُرَبِّيهَا بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بِمُضَاعَفَةِ
يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» . وَالْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ.
الثَّانِي: فِي أَرْكَانِ الْهِبَةِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ أَوَّلُهَا: الْوَاهِبُ وَهُوَ مَنْ لَهُ التَّبَرُّعُ وَهُوَ غَيْرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَا تَصِحُّ مِنْهُ الْهِبَةُ.
ثَانِيهَا: الْمَوْهُوبُ لَهُ وَهُوَ مَنْ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ الْهِبَةَ وَلَوْ لَمْ يَدُمْ.
ثَالِثُهَا: الْمَوْهُوبُ وَهُوَ كُلُّ مَمْلُوكٍ يَقْبَلُ النَّقْلَ كَالثَّوْبِ وَالدَّارِ لَا مَا لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ كَالِاسْتِمْتَاعِ بِالزَّوْجَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ.
رَابِعُهَا: الصِّيغَةُ كَوَهَبْتُكَ وَأَعْطَيْتُك.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي شَرْطِهَا وَهُوَ الْحَوْزُ وَهُوَ شَرْطٌ فِي التَّمَامِ وَالِاسْتِقْرَارِ لَا فِي الصِّحَّةِ وَاللُّزُومِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَتِمُّ إلَخْ.
وَلَمْ يَقُلْ وَلَا تَصِحُّ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْحَوْزِ إذْنُ الْوَاهِبِ بَلْ لَوْ وَجَدَهَا سَائِبَةً فَأَخَذَهَا فَهُوَ حَوْزٌ وَفَائِدَةُ تَمَامِهَا بِالْحَوْزِ أَنَّهُ إذَا مَاتَ قَبْلَ حِيَازَتِهَا بَطَلَتْ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ مَاتَ) الْوَاهِبُ (قَبْلَ أَنْ تُحَازَ عَنْهُ فَهِيَ مِيرَاثٌ) يَرِثُهُ الْوَرَثَةُ وَتَبْطُلُ لِمَنْ جُعِلَتْ لَهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ جَادًّا فِي الطَّلَبِ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونَ وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ إذَا طَلَبَ الْهِبَةَ مِنْ الْوَاهِبِ فَامْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهَا لَهُ فَجَدَّ فِي تَحْصِيلِ الْقَبْضِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ حَتَّى مَاتَ
[حاشية العدوي]
الْأَجْرِ [قَوْلُهُ: فَلُوَّهُ] بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ الْمُهْرُ حِينَ يُفْطَمُ وَهُوَ حِينَئِذٍ يَحْتَاجُ إلَى تَرْبِيَةِ غَيْرِ الْأُمِّ وَجَمْعُهُ أَفْلَاءُ كَعَدُوٍّ وَأَعْدَاءٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ فَلْوَهُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَالْأُنْثَى فَلُوَّةٌ بِالْهَاءِ.
وَقَوْلُهُ: حَتَّى تَكُونَ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ أَيْ حَتَّى تَكُونَ التَّمْرَةُ.
وَقَوْلُهُ: مِثْلُ الْجَبَلِ أَيْ فَتَثْقُلُ فِي مِيزَاتِهِ أَوْ الْمُرَادُ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ.
[قَوْلُهُ: فِي أَرْكَانِ الْهِبَةِ وَهِيَ إلَخْ] حَيْثُ قَالَ: فَلْيَكُنْ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا وَاحِدًا فَكَيْفَ يَقُولُ الْهِبَةُ فَقَطْ هُنَا وَفِيمَا بَعْدَهَا حَيْثُ قَالَ: الْوَجْهُ الثَّالِثُ فِي شَرْطِهَا إنْ قُرِئَ مَا يَأْتِي بِالْإِفْرَادِ وَإِنْ قُرِئَ بِالتَّثْنِيَةِ صَحَّ ذَلِكَ فِيهِ وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِالْحِيَازَةِ فَإِنَّهُ جَعَلَهَا شَرْطًا فِيهِمَا وَفِي الْحَبْسِ إلَّا أَنْ يُجَابَ عَمَّا هُنَا بِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الْهِبَةِ وَتَكُونُ الصَّدَقَةُ مِثْلَهَا لِقَوْلِهِ: فَلْيَكُنْ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا وَاحِدًا وَحِينَئِذٍ فَمَا وَجْهُ جَعْلِ الْهِبَةِ أَصْلًا فِي الْكَلَامِ وَيَجْعَلُ الصَّدَقَةَ مِثْلَهَا.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ لَهُ التَّبَرُّعُ] أَيْ مَنْ لَهُ التَّبَرُّعُ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَهَبَهُ.
[قَوْلُهُ: فَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ] أَمَّا هِبَةُ الصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ وَالْمُرْتَدِّ فَبَاطِلَةٌ، وَأَمَّا هِبَةُ الْمَرِيضِ وَالزَّوْجَةِ بِأَزْيَدَ مِنْ الثُّلُثِ فَصَحِيحَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إجَازَةِ الزَّوْجِ وَالْوَرَثَةِ كَهِبَةِ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ فَصَحِيحَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إجَازَةِ الْغَرِيمِ.
[قَوْلُهُ: مَنْ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ الْهِبَةَ] وَلَوْ لَمْ يَدُمْ احْتِرَازًا عَنْ حِمَارٍ وَجَمَلٍ، وَبِقَوْلِهِ: وَلَوْ لَمْ يَدُمْ دَخَلَ عَطِيَّةُ الرَّقِيقِ لِمَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ حَيْثُ عَلِمَ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ أَوْ قَبِلَ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ.
[قَوْلُهُ: يَقْبَلُ النَّقْلَ] أَيْ فِي الْجُمْلَةِ فَيَشْمَلُ كَلْبَ الصَّيْدِ وَجِلْدَ الْأُضْحِيَّةِ وَالْأَشْيَاءَ الْمَجْهُولَةَ، وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِتَكْرَارِ الْمِثَالِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّقْلِ نَقْلُ الْمِلْكِ لَا نَقْلُ الذَّاتِ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: كَالِاسْتِمْتَاعِ بِالزَّوْجَةِ] أَيْ وَالشُّفْعَةُ وَرَقَبَةُ الْمُكَاتَبِ وَالْحَبْسِ فَلَا تَصِحُّ هِبَةُ شَيْءٍ مِنْهَا، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ كَالزَّوْجَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهِمَا شَيْءٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمِلْكِيَّةِ الْحَاصِلَةِ بِهِبَةِ مَا ذَكَرَ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: الصِّيغَةُ كَوَهَبْتُكَ إلَخْ] ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّ الصِّيغَةَ لَا تَكُونُ إلَّا لَفْظًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ نَقُولُ: كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى تَمْلِيكِ الرَّقَبَةِ لِلْمُعْطَى لَهُ وَلَوْ فِعْلًا كَدَفْعِ دِينَارٍ لِفَقِيرٍ وَكَتَحْلِيَةِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ شَرْطٌ فِي التَّمَامِ وَالِاسْتِقْرَارِ] عَطْفُ الِاسْتِقْرَارِ تَفْسِيرٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَتَهُ فِي عَطِيَّةِ غَيْرِ الِابْنِ رَفْعُ تَصَرُّفِ الْمُعْطِي فِي الْعَطِيَّةِ بِصَرْفِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ لِلْمُعْطَى لَهُ أَوْ نَائِبِهِ، وَقُلْنَا فِي عَطِيَّةِ غَيْرِ الِابْنِ احْتِرَازًا عَنْ عَطِيَّةِ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ، وَمِثْلُ الْأَبِ الْوَصِيُّ عَلَى يَتِيمٍ وَمُقَدَّمُ الْقَاضِي فَتَصِحُّ الْعَطِيَّةُ لِهَؤُلَاءِ وَلَوْ اسْتَمَرَّتْ تَحْتَ يَدِ الْمُعْطِي إلَى مَوْتِهِ أَوْ فَلَسِهِ حَيْثُ أَشْهَدَ عَلَى الْهِبَةِ وَلَوْ لَمْ يَصْرِفْ الْغَلَّةَ لَهُ وَلَا عَايَنُوا الْحِيَازَةَ وَلَا أَحْضَرَهَا لَهُمْ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ دَارَ سُكْنَاهُ وَكَانَ يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَسَيَأْتِي مُحْتَرَزُهُ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ] الْمُنَاسِبُ تَرْجِيعُ الضَّمِيرِ لِمَا يُفْهَمُ مِنْ الْمَقَامِ وَهُوَ الْمُتَبَرِّعُ بِوَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرَ مِنْ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَبْسِ لَا خُصُوصِ الْوَاهِبِ، وَيُفِيدُ ذَلِكَ مَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ فَتَدَبَّرْ.
وَمِثْلُ الْمَوْتِ إحَاطَةُ الدُّيُونِ بِمَالِهِ أَوْ جُنُونُهُ أَوْ مَرَضُهُ الْمُتَّصِلُ بِمَوْتِهِ.
[قَوْلُهُ: وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ] هُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ:
الْوَاهِبُ فَإِنَّ الْهِبَةَ لَا تَبْطُلُ، وَكَذَلِكَ إذَا جَحَدَ الْوَاهِبُ الْهِبَةَ وَأَقَامَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَيِّنَةً وَسَعَى فِي تَزْكِيَةِ شُهُودِ الْهِبَةِ فَمَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ التَّزْكِيَةِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْمَرَضِ فَذَلِكَ نَافِدٌ مِنْ الثُّلُثِ) رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ.
ع: مَعْنَاهُ إذَا وَهَبَ شَيْئًا أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ حَبَسَهُ فِي مَرَضِهِ فَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ (إنْ كَانَ لِغَيْرِ وَارِثٍ) لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ غَيْرُ جَائِزَةٍ إلَّا أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: فِي تَقْسِيمِهَا وَهُوَ ثَلَاثَةٌ، أَحَدُهَا: مَا قُيِّدَ بِنَفْيِ الثَّوَابِ وَهُوَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا مَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَالْهِبَةُ لِصِلَةِ الرَّحِمِ) وَهُوَ كُلُّ مَنْ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهُ أَنْ لَوْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ لِيَتِيمٍ (أَوْ لِفَقِيرٍ) حُكْمُهَا (كَالصَّدَقَةِ لَا رُجُوعَ) لَهُ (فِيهَا) أَمَّا مَنْعُهُ الرُّجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ لِلْفَقِيرِ فَإِنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ عَلَى طَرِيقِ الثَّوَابِ وَابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْهِبَةُ لِلرَّحِمِ جَارِيَةٌ مَجْرَى الصَّدَقَةِ وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ) مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا قَبْلَهُ وَمَعَ ذَلِكَ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، وَكَلَامُهُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ لَا يُوَافِقُ وَاحِدًا مِنْهَا
أَحَدُهَا: يَرْجِعُ فِيهَا مُطْلَقًا.
ثَانِيهَا: تَرْجِعُ إلَيْهِ بِالشِّرَاءِ دُونَ الصَّدَقَةِ.
ثَالِثُهَا: لَا تَرْجِعُ إلَيْهِ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ مِثْلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ بِجَارِيَتِهِ فَتَتْبَعُهَا نَفْسُهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِيهَا لِلضَّرُورَةِ وَيُعْطِيهِ قِيمَتَهَا وَيُمْكِنُ رُجُوعُهُ إلَى هَذَا بِأَنْ يُقَالَ يُرِيدُ الْأَمْنَ ضَرُورَةً.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا يُرَادُ بِهِ الْمَوَدَّةُ وَالْمَحَبَّةُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الِاعْتِصَارُ ارْتِجَاعُ
[حاشية العدوي]
حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ] أَيْ أَوْ فُلِّسَ أَوْ جُنَّ أَوْ مَرِضَ [قَوْلُهُ: فِي الْمَرَضِ] أَيْ الْمُتَّصِلِ بِمَوْتِهِ، وَأَمَّا لَوْ صَحَّ مِنْهُ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا صَدَرَ مِنْهُ وَلَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ كَانَتْ لِوَارِثٍ صَحِيحٍ لَازِمٍ يَجِبُ عَلَيْهِ تَنْفِيذُهُ حَيْثُ كَانَ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ وَلَا دَيْنٍ.
[قَوْلُهُ: فَذَلِكَ] أَيْ التَّبَرُّعُ الْوَاقِعُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ أَوْ الْحَبْسِ فِي الْمَرَضِ.
[قَوْلُهُ: نَافِذٌ مِنْ الثُّلُثِ] لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْوَصِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ] أَيْ فَقَوْلُهُ ذَلِكَ رَاجِعٌ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الثَّلَاثَةِ [قَوْلُهُ: غَيْرُ جَائِزَةٍ] أَيْ غَيْرُ نَافِذَةٍ أَيْ فَهِيَ بَاطِلَةٌ وَإِنْ أَجَازَ الْوَارِثُ كَانَ ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: مَا قُيِّدَ بِنَفْيِ الثَّوَابِ] أَرَادَ بِهِ الثَّوَابَ الدُّنْيَوِيَّ وَهُوَ عَرَضُهَا الْمَعْلُومُ.
[قَوْلُهُ: وَالْهِبَةُ لِصِلَةِ إلَخْ] أَيْ الْهِبَةُ لِلرَّحِمِ لِأَجْلِ صِلَتِهِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ كُلُّ مَنْ لَا يَجُوزُ إلَخْ] وَلَوْ غَنِيًّا.
[قَوْلُهُ: أَوْ لِيَتِيمٍ] أَيْ مِنْ حَيْثُ يُتْمُهُ.
وَقَوْلُهُ: لِفَقِيرٍ أَيْ مِنْ حَيْثُ فَقْرُهُ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ هِبَةَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ لِأَجْلِ صِلَةِ الرَّحِمِ أَوْ لِأَجْلِ فَقْرِهِ أَوْ لِأَجْلِ يُتْمِهِ كَمَا إذَا كَانَتْ مِنْ الْأُمِّ كَالصَّدَقَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاعْتِصَارُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ عَوْدَ الْهِبَةِ لِمَا ذُكِرَ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ مَكْرُوهٌ كَالصَّدَقَةِ فَلَا يُقْصَرُ الرَّحِمُ وَالْفَقِيرُ وَالْيَتِيمُ عَلَى خُصُوصِ الْوَلَدِ، بَلْ وَلَا يُقْصَرُ الْحُكْمُ عَلَى خُصُوصِ الرَّحِمِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ بَلْ مُطْلَقُ قَرِيبٍ لِأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ صَدَقَةٌ.
وَلَوْ صَرَّحَ فِيهَا بِلَفْظِ الْهِبَةِ لِقَوْلِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَحَدُهُمَا مَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ [قَوْلُهُ: أَمَّا مَنْعُهُ إلَخْ] يُرَادُ بِالْمَنْعِ الْحُرْمَةُ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ وَالْكَرَاهَةُ عَلَى الثَّانِي.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا] الْأُولَى فَإِنَّهُمَا أَيْ الصَّدَقَةُ أَيْ الَّتِي هِيَ الْمُشَبَّهُ بِهِ وَالْهِبَةُ الَّتِي هِيَ الْمُشَبَّهُ.
وَقَوْلُهُ: وَابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ أَيْ فَالْمُرَادُ بِالثَّوَابِ الثَّوَابُ الْأُخْرَوِيُّ.
وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ عَدَمَ طَلَبِهِ الثَّوَابَ الدُّنْيَوِيَّ وَهُوَ طَلَبُهُ الثَّوَابَ الْأُخْرَوِيَّ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا.
الْأَوَّلُ ظَاهِرٌ وَالثَّانِي وَهُوَ مَرْتَبَةُ الْكُمَّلِ الَّذِينَ لَا يَقْصِدُونَ بِأَعْمَالِهِمْ إلَّا اللَّهَ فَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدُوا الثَّوَابَ الْأُخْرَوِيَّ حَقِيقَةً إلَّا أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَهُ حُكْمًا مِنْ حَيْثُ إنَّ اللَّهَ وَعَدَ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَالْهِبَةُ لِلرَّحِمِ جَارِيَةٌ مَجْرَى الصَّدَقَةِ هَذَا لَا يَتِمُّ مَعَ تَصْدِيرِهِ بِقَوْلِهِ: أَحَدُهَا مَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ: مَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ أَيْ وَلَوْ حُكْمًا.
وَقَوْلُهُ: هُنَا عَلَى طَرِيقِ الثَّوَابِ أَيْ عَلَى طَرِيقٍ هِيَ الثَّوَابُ حَقِيقَةً، وَسَكَتَ عَنْ الْيَتِيمِ فَنَقُولُ: إنَّ الْهِبَةَ لَهُ مِنْ حَيْثُ يُتْمُهُ جَارِيَةٌ مَجْرَى الصَّدَقَةِ.
[قَوْلُهُ: بِحَسَبِ الظَّاهِرِ] أَيْ وَأَمَّا بِحَسَبِ التَّأْوِيلِ فَيُوَافِقُ كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: يُرِيدُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ [قَوْلُهُ: ثَالِثُهَا] هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ [قَوْلُهُ: وَيُعْطِيهِ قِيمَتَهَا] وَيَسْتَقْصِي فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ لِلْوَلَدِ وَيُشْهِدُ بِذَلِكَ أَيْ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَهَا بِالثَّمَنِ لَا بِالِاعْتِصَارِ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَحَبَّةُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: وَلَهُ] أَيْ لِلْأَبِ دِنْيَةً لِإِخْرَاجِ الْجَدِّ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ
الْمُعْطِي عَطِيَّتَهُ دُونَ عِوَضٍ لَا بِطَوْعِ الْمُعْطَى، وَاحْتُرِزَ بِالْهِبَةِ عَنْ الصَّدَقَةِ فَإِنَّهَا كَمَا قَدَّمْنَا لَا تُعْتَصَرُ وَقَيَّدَ اعْتِصَارَ الْأَبِ مِنْ الْكَبِيرِ بِقَوْلِهِ: (مَا لَمْ يُنْكَحْ لِذَلِكَ) أَيْ لِلْهِبَةِ (أَوْ يُدَايَنُ) لَهَا (أَوْ يُحْدِثُ فِي الْهِبَةِ حَدَثًا) مِثْلُ أَنْ يَهَبَهُ حَدِيدًا فَيَصْنَعُهُ آنِيَةً (وَ) أَمَّا (الْأُمُّ) فَإِنَّهَا لَا (تُعْتَصَرُ) إلَّا (مَا دَامَ الْأَبُ حَيًّا فَإِنْ مَاتَ لَمْ تُعْتَصَرْ) فَقَوْلُهُ: (وَلَا يُعْتَصَرُ مِنْ يَتِيمٍ) تَكْرَارٌ، وَيُسَمَّى يَتِيمًا مَا لَمْ يَبْلُغْ، فَإِذَا بَلَغَ لَمْ يُسَمَّ يَتِيمًا ثُمَّ بَيَّنَ الْجِهَةَ الَّتِي يَكُونُ الْوَلَدُ بِهَا يَتِيمًا فَقَالَ: (وَالْيَتِيمُ) فِي الْعُقَلَاءِ (مِنْ قِبَلِ الْأَبِ) وَأَمَّا فِي غَيْرِهِمْ فَمِنْ قِبَلِ الْأُمِّ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حِيَازَةِ الْأَبِ لِلِابْنِ فَقَالَ: (وَمَا) أَيْ الشَّيْءُ الَّذِي (وَهَبَهُ) الْأَبُ (لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فَحِيَازَتُهُ لَهُ
[حاشية العدوي]
يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِ وَلَدِهِ.
[قَوْلُهُ: مَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ] أَيْ لَا لِصِلَةِ الرَّحِمِ وَلَا لِفَقْرِهِ وَلَا لِقَصْدِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ بَلْ وَهَبَهُ لِوَجْهِهِ، وَالْحَبْسُ كَالصَّدَقَةِ لَا رُجُوعَ فِيهِ إلَّا بِشَرْطِ الرُّجُوعِ فَيُعْمَلُ بِهِ فِي الصَّدَقَةِ الْحَبْسِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا حِيزَتْ الْهِبَةُ أَوْ لَا.
[قَوْلُهُ: وَقَيَّدَ اعْتِصَارَ الْأَبِ مِنْ الْكَبِيرِ إلَخْ] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا.
[قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُنْكَحْ أَوْ يُدَايَنْ إلَخْ] بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِقَصْدِ الْمُنْكِحِ أَوْ رَبِّ الدَّيْنِ الَّذِي دَايَنَهُ، وَأَمَّا قَصْدُهُ هُوَ فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ وَلَكِنْ ذَكَرَ الْمَوَّاقُ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ خِلَافُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَكْفِي قَصْدُ الِابْنِ، فَلَوْ قَصَدَ ذَاتَهُ بِالْإِنْكَارِ أَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً لَا يُنْكَحُ وَلَا يُدَايَنُ الشَّخْصُ لِأَجْلِهَا فَلَا يُفَوِّتَانِ الِاعْتِصَارَ.
تَنْبِيهٌ: الْمُرَادُ بِالْإِنْكَاحِ الْعَقْدُ دَخَلَ أَوْ لَا بَقِيَ نِكَاحُهُ أَوْ زَالَ بِطَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ.
[قَوْلُهُ: أَوْ يُحْدِثُ فِي الْهِبَةِ حَدَثًا] أَيْ حَادِثًا يُنْقِصُهَا فِي ذَاتِهَا أَوْ يَزِيدُهَا فَإِنَّهَا تَفُوتُ عَلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ اعْتِصَارُهَا إلَّا أَنْ يَزُولَ النَّقْصُ أَوْ يَرْجِعَ الزَّائِدُ فَإِنَّهُ يَعُودُ الِاعْتِصَارُ، وَلَا فَرْقَ فِي النَّقْصِ بَيْنَ الْحِسِّيِّ كَهُزَالِ الْحَيَوَانِ الَّذِي كَانَ سَمِينًا وَالْمَعْنَوِيِّ كَنِسْيَانِ الْعَبْدِ صَنْعَةً، وَكَذَا تَفُوتُ الْهِبَةُ الْمِثْلِيَّةُ بِخَلْطِهَا بِمِثْلِهَا وَلَا عِبْرَةَ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْأُمُّ] أَيْ دِنْيَةً [قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا لَا تُعْتَصَرُ] أَيْ مَا وَهَبَتْهُ لِوَلَدِهَا سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا.
[قَوْلُهُ: مَا دَامَ الْأَبُ حَيًّا] أَيْ وَلَوْ مَجْنُونًا زَمَنَ الْهِبَةِ جُنُونًا مُطْبِقًا إلَّا أَنْ تَكُونَ قَصَدَتْ بِهِبَتِهَا صِلَةَ رَحِمٍ أَوْ ثَوَابَ آخِرَةٍ أَوْ لِفَقْرِهِ فَلَا تُعْتَصَرُ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ حِينَ الْهِبَةِ لَا أَبَ لَهُ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَهَا لِأَنَّهُ يَتِيمٌ وَيُعَدُّ ذَلِكَ كَالصَّدَقَةِ وَلَوْ بَلَغَ، وَأَمَّا لَوْ وَهَبَتْ لِكَبِيرٍ أَيْ بَالِغٍ فَلَهَا الِاعْتِصَارُ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ أَبٌ أَمْ لَا، وَأَمَّا لَوْ وَهَبَتْ الصَّغِيرَ ذَا الْأَبِ ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ صَغِيرًا فَفِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهَا الِاعْتِصَارُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَالْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَمُقَابِلُهُ اللَّخْمِيُّ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ بِمَعْنَى الصَّدَقَةِ حَيْثُ كَانَ لَهُ أَبٌ حِينَ الْهِبَةِ وَمَشَى عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ.
[قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ] أَيْ مَعَ قَوْلِهِ.
فَإِذَا مَاتَ لَمْ تُعْتَصَرْ وَقَدْ يُقَالُ: لَا تَكْرَارَ بِأَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ حَدَثَتْ الْهِبَةُ فِي حَيَاةِ الْأَبِ ثُمَّ يَتِمَ، وَأَمَّا هَذِهِ فَالْهِبَةُ فِي حَالَةِ الْيُتْمِ بِالْفِعْلِ، وَادَّعَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ لَا تَكْرَارَ لِأَنَّهُ كَالْعِلَّةِ لِمَا قَبْلَهُ كَأَنَّهُ قَالَ: إذْ لَا يُعْتَصَرُ مِنْ يَتِيمٍ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي غَيْرِهِمْ] أَطْلَقَ فِي الْعِبَارَةِ وَالْأَحْسَنُ عِبَارَةُ تت وَنَصُّهُ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَالْيَتِيمُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ هَذَا فِي الْآدَمِيِّ، وَأَمَّا فِي الْحَيَوَانِ فَمِنْ قِبَلِ الْأُمِّ وَمِنْ الطَّيْرِ مِنْ قَبْلِهِمَا مَعًا اهـ.
[قَوْلُهُ: وَمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ] عَبَّرَ فِي الْمُخْتَصَرِ بِمَحْجُورِهِ وَهِيَ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ مِنْ وُجُوهٍ لِشُمُولِهِ لِلسَّفِيهِ وَغَيْرِ الْوَلَدِ وَعَدَمِ شُمُولِهِ لِوَلَدِهِ الرَّقِيقِ إذْ هُوَ مَحْجُورُ السَّيِّدِ لَا مَحْجُورُ الْأَبِ، ثُمَّ إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِشْهَادِ أَيْ الْإِشْهَادُ بِأَنَّهُ وَهَبَهُ وَلَا يَتَوَقَّفُ الْأَمْرُ عَلَى الْإِشْهَادِ بِالْحِيَازَةِ وَلَا يُعْتَبَرُ صَرْفُ غَلَّةِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ لِمَنْ وَهَبَهُ لَهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْغُبْرِينِيُّ وَالرَّصَّاعُ وَابْنُ عَرَفَةَ، وَوَقَعَ لِابْنِ رُشْدٍ نَحْوُهُ وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ وَأَنَّ الْحِيَازَةَ هُنَا تَصِحُّ وَلَوْ صَرَفَ الْوَلِيُّ الْغَلَّةَ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ، وَهُنَا شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ مَا أَخَذَهُ الْوَلِيُّ مِنْ الْغَلَّةِ وَصَرَفَهُ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ هَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ الْمَحْجُورُ مُطْلَقًا أَوْ يُقَالُ: إنَّ أَخْذَهُ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِصَارِ وَكَانَ أَصْلُهُ مِمَّا يُعْتَصَرُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِهِ وَإِلَّا رَجَعَ عَلَيْهِ بِهِ،
جَائِزَةٌ) بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إذَا لَمْ يَسْكُنْ) الْأَبُ (ذَلِكَ) الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ إذَا كَانَ دَارًا (أَوْ يَلْبَسْهُ إنْ كَانَ ثَوْبًا) فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بَطَلَتْ الْهِبَةُ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ، وَالْآخَرُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ) مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: وَهَبْتُك الدَّارَ الَّتِي صِفَتُهَا كَذَا وَكَذَا، وَأَمَّا مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ فَلَا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ وَهَبْتُك دَارًا مِنْ دُورِي.
ع: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَحُوزُ لِلصَّغِيرِ إلَّا وَالِدُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَكَذَلِكَ الْأُمُّ تَحُوزُ إنْ كَانَتْ وَصِيَّةً، ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ الصَّغِيرِ زِيَادَةً فِي الْإِيضَاحِ فَقَالَ: (وَأَمَّا) الِابْنُ (الْكَبِيرُ فَلَا تَجُوزُ حِيَازَتُهُ) أَيْ حِيَازَةِ الْأَبِ (لَهُ) هَذَا إذَا كَانَ رَشِيدًا، فَإِنْ حَازَ لَهُ لَمْ تَصِحَّ حِيَازَتُهُ لَهُ، وَأَمَّا السَّفِيهُ فَتَجُوزُ حِيَازَتُهُ لَهُ
وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ) يُرِيدُ أَوْ غَيْرُهُ (فِي صَدَقَتِهِ) مَفْهُومٌ مِمَّا تَقَدَّمَ وَكَلَامُهُ مُحْتَمِلٌ لِلْكَرَاهَةِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ النَّهْيَ عِنْدَ ذَلِكَ لِلنَّدَبِ (وَلَا تَرْجِعُ) الصَّدَقَةُ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمُتَصَدِّقِ بَعْدَ الْحَوْزِ مُطْلَقًا أَعْنِي كَانَتْ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ (إلَّا) إذَا كَانَتْ (بِالْمِيرَاثِ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَمَلُّكُهَا بِهِ إذْ لَا تَسَبُّبَ مِنْهُ فِي رُجُوعِهَا وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ رُجُوعُهَا إلَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعَرِيَّةَ رُخِّصَ فِي شِرَائِهَا لِلضَّرُورَةِ وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ عَلَى الِابْنِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا لِلضَّرُورَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
تَنْبِيهٌ: ق: أُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ لِسَائِلٍ صَدَقَةً فَوَجَدَهُ قَدْ ذَهَبَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ
[حاشية العدوي]
وَقَدْ ذَكَرَ شَارِحُ الْحُدُودِ فِيمَا إذَا بَاعَ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ هَلْ يَكُونُ اعْتِصَارًا أَمْ لَا، فَقَوْلُ الشَّارِحِ بِشَرْطَيْنِ، أَيْ وَبَقِيَ ثَالِثٌ وَهُوَ شَهَادَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْهِبَةِ وَلَوْ لَمْ تَشْهَدْ بِالْحِيَازَةِ لَهُ.
وَقَوْلُهُ: الَّذِي وَهَبَهُ الْأَبُ أَيْ الرَّشِيدُ.
[قَوْلُهُ: فَحِيَازَتُهُ لَهُ جَائِزَةٌ] أَيْ مَعْمُولٌ بِهَا وَلَوْ اسْتَمَرَّتْ عِنْدَ الْأَبِ إلَى أَنْ فُلِّسَ أَوْ مَاتَ
[قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَسْكُنْ إلَخْ] وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ دَارَ سُكْنَاهُ وَاسْتَمَرَّ سَاكِنًا لِجَمِيعِهَا أَوْ أَكْثَرِهَا أَوْ اسْتَمَرَّ لَابِسًا لِمَا وَهَبَهُ حَتَّى حَصَلَ الْمَانِعُ بَطَلَتْ الْهِبَةُ، وَأَمَّا إنْ سَكَنَ الْأَقَلَّ وَأَكْرَى الْأَكْثَرَ فَلَا بُطْلَانَ، وَإِنْ سَكَنَ النِّصْفَ بَطَلَ فَقَطْ، وَأَمَّا لَوْ وَهَبَ دَارَ سُكْنَاهُ لِكِبَارِ وَلَدِهِ فَلَا يَبْطُلُ مِنْهَا إلَّا مَا سَكَنَهُ فَقَطْ وَيَصِحُّ مَا حَازَهُ الْوَلَدُ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا وَالْوَقْفُ مِثْلُ الْهِبَةِ.
[قَوْلُهُ: مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ وَهَبْتُك دَارًا مِنْ دُورِي] إنَّمَا قَالَ مِثْلَ لَيَدْخُلَ فِي ذَلِكَ مَا وَهَبَ لَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَحَازَهَا حَتَّى حَصَلَ لَهُ مَانِعٌ مِنْ مَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ فَلَسٍ بَطَلَتْ الْهِبَةُ.
وَلَوْ طُبِعَ عَلَيْهَا بِحَضْرَةِ شُهُودِهَا بِخِلَافِ لَوْ طُبِعَ عَلَيْهَا وَوَضَعَهَا عِنْدَ غَيْرِهِ إلَى مَوْتِهِ أَوْ فَلَسِهِ فَلَا تَبْطُلُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَحْجُورُ صَغِيرًا أَوْ سَفِيهًا كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ وَصِيًّا أَوْ مُقَدَّمًا مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَحُوزُ لِلصَّغِيرِ إلَّا وَالِدُهُ] وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ يَحُوزُ لَهُ الْأَخُ الْكَبِيرُ إذَا وَهَبَهُ شَيْئًا [قَوْلُهُ: وَكَذَا الْأُمُّ تَحُوزُ إنْ كَانَتْ وَصِيَّةً] أَيْ لِلْأَبِ أَوْ وَصِيَّةَ وَصِيِّهِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ وَصِيَّةً فَلَا تَصِحُّ حِيَازَتُهَا مَا وَهَبَتْهُ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ.
وَلَوْ أَشْهَدَتْ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْوَلَدِ الذَّكَرِ الْحُرِّ، وَأَمَّا مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ الرَّقِيقِ فَيَحُوزُ لَهُ سَيِّدُهُ وَلَوْ كَانَ كَبِيرًا وَمَا وَهَبَهُ لِابْنَتِهِ الْبِكْرِ فَيَحُوزُ لَهَا وَلَوْ بَلَغَتْ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا وَلَوْ تَبَيَّنَ مِنْهَا الرُّشْدَ
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا الِابْنُ الْكَبِيرُ] أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لِابْنِهِ فِي حَالِ صِغَرِهِ شَيْئًا وَاسْتَمَرَّ حَائِزًا لَهُ حَتَّى بَلَغَ رَشِيدًا وَلَمْ يَحُزْهُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ أَنَّهَا تَبْطُلُ، وَأَمَّا لَوْ بَلَغَ سَفِيهًا فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ حَائِزًا لَهُ.
وَاخْتُلِفَ لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَجُهِلَ حَالُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَاسْتَمَرَّ أَبُوهُ حَائِزًا حَتَّى مَاتَ فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى السَّفَهِ فَلَا تَبْطُلُ أَوْ عَلَى الرُّشْدِ فَتَبْطُلُ قَوْلَانِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَرْجِعُ الرَّجُلُ] قَالَ تت: وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الرُّجُوعِ وَلَوْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَمْلَاكُ، فَفِي التَّوْضِيحِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ فِي الصَّدَقَةِ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِيهَا مِمَّنْ حَصَلَتْ لَهُ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: فِي صَدَقَتِهِ] وَأَمَّا الْهِبَةُ لِوَجْهِ الْمُعْطَى لَهُ يَجُوزُ تَمَلُّكُهَا بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ.
[قَوْلُهُ: أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ لِلنَّدَبِ] أَيْ لِأَجْلِهِ وَلَوْ قَالَ لِلْكَرَاهَةِ لَكَانَ حَسَنًا.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ عَلَى الِابْنِ] وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ عَمَّرَ شَخْصًا دَارِهِ فَيَجُوزُ لَهُ شِرَاؤُهَا وَمَنْ سَبَّلَ مَاءً عَلَى غَيْرِهِ يَجُوزُ لَهُ الشُّرْبُ مِنْهُ.
كَانَ السَّائِلُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا وَيَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا جَازَ لَهُ أَكْلُهَا.
(وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ) الْمُتَصَدِّقُ (مِنْ لَبَنِ مَا) أَيْ الشَّيْءِ الَّذِي (تَصَدَّقَ بِهِ) كَالْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ وَلَا بَأْسَ هُنَا لِمَا غَيْرُهُ خَيْرٌ مِنْهُ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ (وَ) كَذَا (لَا يَشْتَرِي) الْمُتَصَدِّقُ (مَا) أَيْ الشَّيْءَ الَّذِي (تَصَدَّقَ بِهِ) لَا مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ، وَكَلَامُهُ مُحْتَمِلٌ لِلْمَنْعِ وَالْكَرَاهَةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، فَإِنْ وَقَعَ مَضَى وَعَلَى الْأَوَّلِ قِيلَ يُفْسَخُ وَقِيلَ يَمْضِي مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى بَيَانِ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الْهِبَةِ وَهُوَ مَا قُيِّدَ بِثَوَابٍ فَقَالَ: (وَالْمَوْهُوبُ) أَيْ الشَّيْءُ الَّذِي وَهَبَ لَهُ (لِ) أَجْلِ أَخْذٍ (لِعِوَضٍ) مِنْهُ (إمَّا أَثَابَ) أَيْ عَاوَضَ (الْقِيمَةَ أَوْ رَدَّ الْهِبَةَ) ق: تَعَرَّضَ هُنَا لِهِبَةِ الثَّوَابِ وَهِيَ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لِآخَرَ لِيُثِيبَهُ عَلَيْهِ وَهِيَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ بِعُضْوٍ مَجْهُولٍ وَحُكْمُهَا الْجَوَازُ، وَأَثَابَ فِعْلٌ وَالْقِيمَةُ مَفْعُولٌ وَالْفَاعِلُ مُضْمَرٌ يَعُودُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إمَّا عَاوَضَ الْقِيمَةَ عَنْ عَيْنِ الْهِبَةِ أَوْ رَدَّهَا يُرِيدُ إذَا كَانَتْ الْهِبَةُ قَائِمَةً لَمْ تَفُتْ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (فَإِنْ فَاتَتْ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَذَلِكَ) أَيْ الْإِثَابَةُ بِالْقِيمَةِ أَوْ رَدُّ الْهِبَةِ (إذَا كَانَ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ بَعْدَ هَذَا: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ وَلَا أَرَى ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَقَدْ قِيلَ: يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ هُنَا إلَخْ] أَيْ فَالشُّرْبُ إمَّا مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ] أَيْ فَهِيَ مُعَارِضَةٌ لِلْمُصَنِّفِ وَقَدْ يُقَالُ: لَا مُعَارَضَةَ كَمَا أَفَادَهُ عج بِأَنْ يُقَالَ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ فِي لَبَنٍ لَا سَمْنَ لَهُ، وَكَلَامُهَا فِي لَبَنٍ لَهُ سَمْنٌ وَوَفَّقَ بِتَوْفِيقٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا رَضِيَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَكَانَ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ رِضَاهُ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا يَشْتَرِي إلَخْ] مَحْضُ تَكْرَارٍ مَعَ قَوْلِهِ وَلَا يَرْجِعُ إلَخْ [قَوْلُهُ: مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ] أَيْ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: مَا قُيِّدَ بِثَوَابٍ] أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا.
الْأَوَّلُ ظَاهِرٌ كَمَا إذَا قَالَ: أَعْطَيْتُك هَذَا لِتُثِيبَنِيَ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي هُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فِيمَا سَيَأْتِي يُعْرَفُ ذَلِكَ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ عَاوَضَ] أَيْ دَفَعَ الْقِيمَةَ عِوَضًا أَيْ فَالْمَوْهُوبُ لَهُ مُخَيَّرٌ وَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ الْقِيمَةِ كَمَا أَنَّ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعَ فِي هِبَتِهِ حَيْثُ لَمْ تَفُتْ الْهِبَةُ وَلَمْ يَدْفَعْ لَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْقِيمَةَ، وَإِذَا أَتَى بِالْقِيمَةِ فَيَلْزَمُ الْوَاهِبَ أَخْذُهَا وَحَاصِلُ مَا فِي ذَلِكَ أَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ إذَا لَمْ يَقْبِضْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَإِنَّ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعَ فِيهَا وَلَوْ دَفَعَ لَهُ الْمَوْهُوبُ مِمَّا يُعَوِّضُ عَنْهَا قِيمَتَهَا أَوْ أَكْثَرَ، وَأَنَّهُ إذَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْوَاهِبَ قَبُولُ مَا فِيهِ وَفَاءٌ بِهَا وَلَا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ قِيمَتُهَا بِقَبْضِهَا وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِفَوْتِهَا عِنْدَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، وَهَذَا صَادِقٌ بِمَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ شَرْطَ الثَّوَابِ وَإِنَّمَا أَرَادَهُ أَوْ ذَكَرَهُ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ.
وَأَمَّا إنْ ذَكَرَهُ وَعَيَّنَهُ وَرَضِيَ الْآخَرُ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ، وَسَوَاءٌ قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ أَمْ لَا وَلِوَاهِبِ الثَّوَابِ طَلَبُ الثَّوَابِ وَلَوْ مُعَجَّلًا وَلَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ إلَى أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ عُرْسٌ إلَّا لِعَادَةٍ، وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يُحَاسِبَ الْوَاهِبَ بِمَا أَكَلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ عِنْدَ إحْضَارِ الْهِبَةِ وَلَا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ دَفْعُ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ وَلَوْ جَرَتْ بِذَلِكَ عَادَةٌ كَمَا لَا يَلْزَمُ الْوَاهِبَ قَبُولُ أَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ، وَهَلْ يُجْبَرُ الْوَاهِبُ عَلَى أَخْذِ الزَّائِدِ عَلَى قِيمَةِ هِبَتِهِ حَتَّى لَوْ حَلَفَ كُلٌّ بِالطَّلَاقِ عَلَى نَقِيضِ مَا أَرَادَ صَاحِبُهُ لَقُضِيَ بِتَحْنِيثِ الْوَاهِبِ لِأَنَّ هِبَةَ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَا يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ الزَّائِدِ قَوْلَانِ وَالْأَوَّلُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَدْخُلْهُ رِبَا الْفَضْلِ وَإِلَّا امْتَنَعَ [قَوْلُهُ: وَهِيَ أَنْ يُعْطِيَ إلَخْ] ظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِالْمُعَاطَاةِ.
وَقَوْلُهُ: وَهِيَ عَقْدٌ هَذَا تَعْرِيفٌ آخَرُ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ فِي سِلْكٍ يُؤْذِنُ بِأَنَّهُ تَعْرِيفٌ آخَرُ كَأَنْ يَقُولَ أَوْ هِيَ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: بِعِوَضٍ مَجْهُولٍ إلَخْ] هَذَا التَّعْرِيفُ غَيْرُ جَامِعٍ لِمَا إذَا وَقَعَ عَقْدُ الْهِبَةِ عَلَى ثَوَابٍ مُعَيَّنٍ.
[قَوْلُهُ: وَحُكْمُهَا الْجَوَازُ] أَيْ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ.
هِبَةُ الثَّوَابِ لَيْسَتْ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ اهـ.
أَيْ الْجَوَازُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ مَا عَدَا سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا فَإِنَّهُ خُصَّ بِأَنْ لَا يَهَبَ لِلثَّوَابِ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوهَبَ لَهُ لِيُثِيبَ قَالَهُ تت.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ فَاتَتْ] أَيْ لَا بِحَوَالَةِ سُوقٍ بَلْ بِزَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ [قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا] أَيْ يَوْمَ الْقَبْضِ
يُرَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ يُظَنُّ (أَنَّهُ) أَيْ الْوَاهِبُ (أَرَادَ) بِهِبَتِهِ (الثَّوَابَ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ) يُعْرَفُ ذَلِكَ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الْهِبَةِ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ وَهُوَ مَا لَمْ يُقَيَّدْ بِثَوَابٍ وَلَا عَدَمِهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَلَّابِ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً مُطْلَقًا وَادَّعَى أَنَّهُ وَهَبَهَا لِلثَّوَابِ نُظِرَ فِي ذَلِكَ وَحُمِلَ عَلَى الْعُرْفِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ عَلَى الْهِبَةِ صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يَطْلُبُ الثَّوَابَ عَلَى هِبَتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ أَشْكَلَ ذَلِكَ وَاحْتَمَلَ الْوَجْهَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ مَعَ يَمِينِهِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَأَلْزَمَهُ الْيَمِينُ شِرَاءً شَهِدَ الْعُرْفُ بِطَلَبِ الثَّوَابِ أَمْ لَا
(وَ) مَنْ كَانَ لَهُ وَلَدَانِ فَأَكْثَرُ وَمَعَهُ مَالٌ (يُكْرَهُ) لَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ عَلَى الْمَشْهُورِ (أَنْ يَهَبَ
[حاشية العدوي]
[قَوْلُهُ: أَيْ الْإِثَابَةُ] فَالتَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ، أَيْ الْمَذْكُورُ مَعْنًى عَلَى حَدِّ ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8] [قَوْلُهُ: يَظُنُّ] أَيْ يَظُنُّ النَّاسُ [قَوْلُهُ: يَعْرِفُ ذَلِكَ] أَيْ يَظُنُّ ذَلِكَ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ كَالْفَقِيرِ يَدْفَعُ شَيْئًا لِغَنِيٍّ بِخِلَافِ هِبَةِ الْغَنِيِّ لِفَقِيرٍ أَوْ عَالِمٍ أَوْ صَالِحٍ فَلَا يُصَدَّقُ فِي قَصْدِهِ الثَّوَابَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَظُنُّونَ فِي ذَلِكَ قَصْدَ الثَّوَابِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا لَمْ يُقَيَّدْ بِثَوَابٍ وَلَا عَدَمِهِ] فِيهِ أَنَّ الْقَسْمَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَمْ يُقَيَّدْ بِثَوَابٍ وَلَا عَدَمِهِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إذَا كَانَ يَرَى، وَلِقَوْلِ الشَّارِحِ: وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ.
[قَوْلُهُ: مُطْلَقًا] مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَهَبَا مُطْلَقًا أَيْ لَمْ يُقَيَّدْ بِثَوَابٍ وَلَا عَدَمِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَحُمِلَ عَلَى الْعُرْفِ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ نُظِرَ فِي ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ] أَيْ كَهِبَةِ فَقِيرٍ لِغَنِيٍّ وَهَذَا مِنْ أَفْرَادِ قَرِينَةِ الْحَالِ [قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْوَاهِبَ قَدْ يَكُونُ مِثْلُهُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ مِنْ سَائِرِ مَنْ يَهَبُ لَهُ، وَقَدْ يَكُونُ مِثْلُهُ لَا يَطْلُبُ ثَوَابًا أَصْلًا، وَهَذَانِ الْقِسْمَانِ مَعْلُومَانِ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ قَطْعًا وَقَدْ يَكُونُ مِثْلُهُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ مِنْ أَشْخَاصٍ دُونَ آخَرِينَ كَمَا إذَا وَهَبَ كَبِيرٌ لِمَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ مَالًا وَجَاهًا فَيَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِي هَذَا لِأَنَّهُ إنْ رُوعِيَ حَالُ الْوَاهِبِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ، وَإِنْ رُوعِيَ حَالُ الْمَوْهُوبِ لَهُ مَعَ حَالِهِ كَانَ مِثْلُهُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ حِينَئِذٍ وَلَمْ يُعَوِّلْ الشَّارِحُ إلَّا عَلَى حَالِ الْوَاهِبِ فَقَطْ، وَيُمْكِنُ دُخُولُ تِلْكَ تَحْتَ قَوْلِهِ وَإِنْ أَشْكَلَ ذَلِكَ تَأَمَّلْ قَرَّرَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ [قَوْلُهُ: فَأَلْزَمَهُ الْيَمِينُ] وَقِيلَ الْيَمِينُ عِنْدَ إشْكَالِ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَشْهَدْ الْعُرْفُ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعُرْفَ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ فَقَطْ أَوْ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدَيْنِ.
تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: إذَا اخْتَلَفَ الْوَاهِبُ مَعَ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَقَالَ الْوَاهِبُ إنَّمَا وَهَبْت لِلثَّوَابِ، وَقَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِغَيْرِ ثَوَابٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ إنْ شَهِدَ لَهُ الْعُرْفُ أَوْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، أَمَّا إنْ شَهِدَ لِلْمَوْهُوبِ وَلَوْ حُكْمًا لِقَرِينَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ اُنْظُرْ تَتِمَّتَهُ فِي شُرُوحِ خَلِيلٍ.
الثَّانِي: يُثَابُ عَنْ الشَّيْءِ مَا يَقْضِي عَنْهُ بِبَيْعٍ وَإِنْ مَعِيبًا حَيْثُ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ بِالْقِيمَةِ فَيُثَابُ عَنْ الْعَرَضِ طَعَامًا أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ عَرَضًا، وَيُثَابُ عَنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ عَرَضًا أَوْ طَعَامًا أَوْ حَيَوَانًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُثَابَ عَنْ الذَّهَبِ فِضَّةً وَلَا عَكْسُهُ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ الصَّرْفِ الْمُؤَجَّلِ، وَلَا عَنْ الْعَيْنِ مِنْ صِفَتِهَا لِمَا يَلْزَمُ مِنْ الْبَدَلِ الْمُؤَخَّرِ، وَلَا عَنْ الْحَيَوَانِ مِنْ لَحْمِ جِنْسِهِ وَلَا عَكْسُهُ، وَيُثَابُ عَنْ الطَّعَامِ عَرَضًا أَوْ دَنَانِيرَ لَا طَعَامٌ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ لِمَا يَدْخُلُهُ مِنْ رِبَا النَّسَاءِ إلَّا أَنْ يَقَعَ قَضَاءُ الطَّعَامِ عَنْ الطَّعَامِ نَاجِزًا فَيَجُوزُ بِشَرْطِ الْمُسَاوَاةِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ أَوْ مَعَ الزِّيَادَةِ عِنْدَ اخْتِلَافِهِ
[قَوْلُهُ: يُكْرَهُ لَهُ] أَيْ لِلشَّخْصِ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ أَبًا أَوْ لَا، وَلَا فَرْقَ فِي الْوَلَدِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا عَاقًّا أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ] أَيْ فِي حَالِ صِحَّتِهِ، وَأَمَّا فِي حَالِ مَرَضِهِ الْمَخُوفِ الْمُتَّصِلِ بِمَوْتِهِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهَا وَصِيَّةُ الْوَارِثِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَتْ فِي حَالِ صِحَّتِهِ وَتَأَخَّرَ حَوْزُهَا حَتَّى مَرِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا كُرِهَ مَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى عُقُوقِ الْبَاقِينَ وَحِرْمَانِهِمْ وَيُؤَدِّي إلَى تَبَاغُضِهِمْ وَالْمَطْلُوبُ الْحِرْصُ عَلَى الْمُوَاصَلَةِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ]
لِبَعْضِ وَلَدِهِ مَالَهُ كُلَّهُ) أَوْ جُلَّهُ مَا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ أَوْلَادُهُ الْآخَرُونَ فَيَمْنَعُونَهُ مِنْ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ تَعُودَ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ، وَالْأَصْلُ فِيمَا ذَكَرَ مَا فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ» (وَأَمَّا) إذَا وَهَبَ لَهُ (الشَّيْءَ) الْيَسِيرَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَالِهِ (فَذَلِكَ سَائِغٌ) أَيْ جَائِزٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَقَيَّدْنَا بِالْيَسِيرِ لِقَوْلِهِ فِي الْجَلَّابِ: وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَهَبَ مَالَهُ كُلَّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا.
قُلْت: قَالَ فِي النَّوَادِرِ: وَقَدْ فَعَلَهُ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَكَذَا يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَقْسِمَ مَالَهُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِالسَّوِيَّةِ، أَمَّا إذَا قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ فَذَلِكَ جَائِزٌ
(وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِمَالِهِ كُلِّهِ لِلَّهِ) عَزَّ وَجَلَّ وَهَذَا أَيْضًا مُقَيَّدٌ بِمَا لَمْ يَمْنَعْهُ وَلَدُهُ مِنْ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ تَعُودَ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وَمُقَيَّدٌ أَيْضًا بِمَا لَمْ يَمْرَضْ وَالْمَشْهُورُ مَا ذَكَرَ أَنَّ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ الْمَالِ جَائِزٌ بِشَرْطِهِ لَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا فَضَلَ عَنْ مُؤْنَتِهِ
(وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً) لِغَيْرِ الثَّوَابِ (فَلَمْ يَحُزْهَا الْمَوْهُوبُ) لَهُ (حَتَّى مَرِضَ
[حاشية العدوي]
وَمُقَابِلُهُ قَوْلَانِ الْحُرْمَةُ وَالْإِبَاحَةُ.
[قَوْلُهُ: وَلَدُهُ] مُفْرَدٌ مُضَافٌ يَعُمُّ فَكَأَنَّهُ قَالَ بَعْضُ أَوْلَادِهِ وَلَوْ مَرِيضًا.
[قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ] فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَيَمْضِي مَا لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ وَلَدُهُ الْآخَرُونَ فَلَهُمْ رَدُّهُ هَذَا مَعْنَاهُ، وَقَدْ نَسَبَ فِي التَّحْقِيقِ هَذَا لِلَّخْمِيِّ وَقَضِيَّةُ عَجَّ اعْتِمَادُهُ وَانْظُرْهُ.
[قَوْلُهُ: مَا فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ] صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ وَصَحِيحُ مُسْلِمٍ فَفِيهِ «عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْطَلَقَ أَبِي إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفَعَلْت هَذَا بِوَلَدِك كُلِّهِمْ؟ قَالَ: لَا قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ» . فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ اهـ.
وَبَابُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَاحِدٌ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الصَّدَقَةِ وَكَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الْهِبَةِ، وَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال إلَّا إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ الْجُلُّ وَإِلَّا فَالْحَدِيثُ مُطْلَقٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرٌ فِي الْقَوْلِ بِالْحُرْمَةِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْحُرْمَةِ.
[قَوْلُهُ: الْيَسِيرُ] أَيْ مَا عَدَا الْجُلِّ فَيَصْدُقُ بِالنِّصْفِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ جَائِزٌ] وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْحِيَازَةِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ لِلْأَبِ كَسَائِرِ الْعَطَايَا سِوَى هِبَةِ الثَّوَابِ.
[قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ فِي الْجَلَّابِ] هَذَا الِاسْتِدْلَال لَا يُوَافِقُ تَقْيِيدَهُ لِأَنَّ كَلَامَ الْجَلَّابِ فِيمَا إذَا كَانَ مَالُهُ يَسِيرًا وَوَهَبَهُ فَلَا كَرَاهَةَ، وَتَقْيِيدُهُ بِأَنَّهُ وَهَبَ لَهُ الْيَسِيرَ مِنْ مَالِهِ لَا أَنَّ مَالَهُ يَسِيرٌ وَوَهَبَهُ وَفَرْقٌ بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَ عَجَّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَلَامَ الْجَلَّابِ فِيمَا إذَا كَانَ مَالُهُ يَسِيرًا، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنْ يُقَيِّدَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ أَوْ لَا وَيُكْرَه بِمَا إذَا كَانَ يَسِيرًا ثُمَّ قَالَ: وَحَرِّرْ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ فَعَلَهُ الصِّدِّيقُ] أَيْ لِبِنْتِهِ عَائِشَةَ إلَّا أَنَّ هِبَتَهَا لَمْ تَتِمَّ لِأَنَّهُ وَهَبَهَا بَعْضَ الثِّمَارِ وَتَأَخَّرَتْ عَنْ حَوْزِهَا حَتَّى مَرِضَ أَبُوهَا مَرَضَ الْمَوْتِ فَبَطَلَتْ الْهِبَةُ لَهَا.
[قَوْلُهُ: وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ] وَسَكَتَ عَنْ عَلِيٍّ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ.
[قَوْلُهُ: بَيْنَ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ] وَأَمَّا إذَا كَانُوا كُلُّهُمْ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا وَسَوَّى بَيْنَهُمْ فَلَا كَرَاهَةَ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا أَيْضًا مُقَيَّدٌ بِمَا إلَخْ] مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَاضٍ مَا لَمْ يَمْنَعْهُ فَإِنَّهُ يُرَدُّ وَمُفَادُ عَجَّ اعْتِمَادُهُ، وَيُقَيَّدُ أَيْضًا بِأَلَّا يَجْعَلَ ذَلِكَ فِي يَمِينٍ وَلَا نَذْرٍ، وَإِمَّا إذَا كَانَ فِي يَمِينٍ أَوْ نَذْرٍ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ فَإِنَّهُ يُجْزِيهِ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ.
[قَوْلُهُ: بِمَا لَمْ يَمْرَضْ] وَأَمَّا إذَا كَانَ مَرِيضًا فَتَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ مَا ذَكَرَ إلَخْ] وَقَالَ التَّادَلِيُّ: يُرِيدُ مَعَ كَرَاهَةٍ إذْ لَا قَائِلَ بِجَوَازِهِ دُونَهَا اهـ.
وَلَعَلَّ الشَّارِحَ رَدَّهُ بِقَوْلِهِ وَالْمَشْهُورُ إلَخْ وَحَرِّرْ.
[قَوْلُهُ: جَائِزٌ بِشَرْطِهِ] مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ فَلَا يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُمَا شَرْطَانِ، ثُمَّ نَقُولُ: أَرَادَ بِالْجَوَازِ خِلَافَ الْأَوْلَى أَيْ مَا لَمْ تَكُنْ نَفْسُهُ طَيِّبَةً بِذَلِكَ رَاضِيَةً لَا تَخْشَى ضَجَرًا وَإِلَّا نُدِبَ، وَمَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ ضَيَاعُ عِيَالِهِ وَإِلَّا حَرُمَ، كَمَا إذَا كَانَ يَخْشَى اكْتِسَابَ مَالٍ حَرَامٍ بِتَصَدُّقِهِ بِكُلِّ مَالِهِ الْحَلَالِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يَخْشَى اكْتِسَابَ شُبْهَةٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ بِوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ وَنَدْبِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ بِصَدَقَتِهِ طَالِبَ عِلْمٍ وَمُنْقَطِعًا لِعِبَادَةٍ وَصَدِيقًا فِي اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقْصِدُ بِصَدَقَتِهَا أَهْلَ الْعِلْمِ وَكَذَا ابْنُ الْمُبَارَكِ.
[قَوْلُهُ: لِغَيْرِ الثَّوَابِ] أَيْ لِغَيْرِ ثَوَابِ الدُّنْيَا بَلْ لِوَجْهِ الْمُعْطِي.
[قَوْلُهُ: فَلَمْ يَحُزْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ] أَيْ وَلَمْ يَجِدَّ فِي حَوْزِهَا.
[قَوْلُهُ:
الْوَاهِبُ) مَرَضًا مَخُوفًا (أَوْ فُلِّسَ فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ مَرِضَ الْوَاهِبُ أَوْ فُلِّسَ (قَبْضُهَا) أَيْ الْهِبَةِ وَمِثْلُهَا الصَّدَقَةُ وَالْحَبْسُ، وَقَيَّدْنَا الْهِبَةَ بِغَيْرِ الثَّوَابِ لِقَوْلِ الْجَلَّابِ: وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً لِلثَّوَابِ فَمَاتَ قَبْلَ دَفْعِ الْهِبَةِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ جَائِزَةٌ لَازِمَةٌ وَلَيْسَتْ تَحْتَاجُ هِبَةُ الثَّوَابِ إلَى حِيَازَةٍ
(وَلَوْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ) أَيْ الَّذِي وُهِبَ لَهُ وَكَانَ حُرًّا قَبْلَ قَبْضِ الْهِبَةِ (كَانَ لِوَرَثَتِهِ الْقِيَامُ فِيهَا) أَيْ الْهِبَةِ (عَلَى الْوَاهِبِ الصَّحِيحِ) غَيْرِ الْمُفْلِسِ قَبِلَ مُوَرِّثُهُمْ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ، وَقَيَّدْنَا بِالْحُرِّ احْتِرَازًا مِنْ الْعَبْدِ فَإِنَّ الْقِيَامَ فِي ذَلِكَ لِسَيِّدِهِ، وَقُيِّدَ الْوَاهِبُ بِالصَّحِيحِ احْتِرَازًا عَنْ الْمَرِيضِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْحُبْسِ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْوَقْفِ وَهُوَ إعْطَاءُ الْمَنَافِعِ عَلَى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ وَحُكْمُهُ الْجَوَازُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى مَا نَقَلَ ك. ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ يَلْزَمُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ حُكْمُ حَاكِمٍ أَوْ يَخْرُجَ مَخْرَجَ الْوَصَايَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يَصِحُّ بِغَيْرِ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ وَيَلْزَمُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ إلَّا بِأَحَدِهِمَا انْتَهَى.
وَنَقَلَ بَهْرَامُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ مَنْعَ الْوَقْفِ وَعَنْ الْجُمْهُورِ الْجَوَازَ.
قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ
[حاشية العدوي]
حَتَّى مَرِضَ الْوَاهِبُ] أَيْ أَوْ جُنَّ وَاتَّصَلَ كُلٌّ بِمَوْتِهِ، وَأَمَّا لَوْ مَرِضَ الْوَاهِبُ قَبْلَ الْحَوْزِ ثُمَّ صَحَّ صِحَّةً بَيِّنَةً فَإِنَّهَا تُحَازُ وَتَتِمُّ.
[قَوْلُهُ: أَوْ فُلِّسَ] وَلَوْ بِإِحَاطَةِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ سَبَقَ عَلَى الْهِبَةِ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهَا.
[قَوْلُهُ: فَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ قَبْضُهَا] أَيْ لِبُطْلَانِهَا.
[قَوْلُهُ: جَائِزَةٌ] أَيْ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهَا مَا يَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِهَا، وَقَوْلُهُ: لَازِمَةٌ أَيْ إذَا وَقَعَتْ هِبَةُ الثَّوَابِ فِي مُقَابِلَةِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ حَاضِرًا أَوْ غَائِبٌ وَحَصَلَ الرِّضَا
[قَوْلُهُ: وَلَوْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ] أَيْ الَّذِي لَمْ يَقْصِدْ عَيْنَهُ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ قَالَ: هَذِهِ هِبَةٌ لِفُلَانٍ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَإِنْ حَصَلَ تَنَازُعٌ فِي قَصْدِ عَيْنِهِ وَعَدَمِ قَصْدِهَا فَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ لِأَحَدِهِمَا عُمِلَ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَانْظُرْ أَيَّهمَا يَقْبَلُ، وَالظَّاهِرُ لِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَاهِبِ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ قِبَلِهِ، وَمِثْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: غَيْرُ الْمُفْلِسِ] أَيْ غَيْرُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَحَاطَ الدَّيْن بِمَالِهِ قَبْلَ قَبْضِهَا فَلَيْسَ لِوَرَثَةِ الْمَوْهُوبِ قِيَامٌ.
وَقَوْلُهُ: احْتِرَازًا عَنْ الْمَرِيضِ أَيْ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ مَرِضَ أَوْ جُنَّ قَبْلَ قَبْضِهَا فَلَيْسَ لِوَرَثَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ قِيَامٌ أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أَوْ الْهِبَةِ، وَأَمَّا إنَّ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِالْوَاجِبِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَلَمْ أَجِدْ فِي ذَلِكَ جَوَابًا هَلْ يَقُومُونَ مَقَامَهُ أَمْ لَا اهـ.
[أَحْكَام الحبس]
[قَوْلُهُ: بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَحَبَسْته بِمَعْنَى وَقَفْته فَهُوَ حَبِيسٌ وَالْجَمْعُ حُبُسٌ مِثْلَ بَرِيدٍ وَبُرُدٍ، وَإِسْكَانُ الثَّانِي لِلتَّخْفِيفِ لُغَةٌ اهـ.
إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ الشَّارِحَ اقْتَصَرَ عَلَى لُغَةِ التَّخْفِيفِ وَأَنَّهُ أَتَى بِالْجَمْعِ لَا بِالْمُفْرَدِ مَعَ أَنَّهُ فِي بَيَانِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ حَيْثُ قَالَ: وَهُوَ بِمَعْنَى الْوَقْفِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ بِمَعْنَى الْوَقْفِ] مَصْدَرُ وَقَفَ الْمُجَرَّدِ عَلَى اللُّغَةِ الْفُصْحَى وَالرَّدِيئَةِ أَوْقَفَ، وَسُمِّيَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ لِأَنَّ الْعَيْنَ مَوْقُوفَةٌ وَمَحْبُوسَةٌ.
[قَوْلُهُ: إعْطَاءُ الْمَنَافِعِ] أَيْ الْجِنْسُ الْمُتَحَقِّقُ فِي وَاحِدَةٍ، هَذَا إذَا لَاحَظْت الْجَمْعَ بِاعْتِبَارِ الذَّوَاتِ الْمَوْقُوفَةِ وَإِلَّا فَأَنْتَ فِي غُنْيَةٍ عَنْ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: عَلَى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ] أَيْ سَبِيلٌ هُوَ التَّأْبِيدُ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ التَّأْبِيدُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَيَّدَ بِمُدَّةٍ ثُمَّ يَرْجِعُ مِلْكًا.
[قَوْلُهُ: وَحُكْمُهُ الْجَوَازُ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ حُكْمُهُ النَّدْبُ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْسَنِ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ وَهُوَ مِمَّا اُخْتُصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَمْ تَحْبِسْ الْجَاهِلِيَّةُ فِيمَا عَلِمْت.
[قَوْلُهُ: لَا يَصِحُّ إلَّا بِأَحَدِهِمَا] بَيَّنَ ذَلِكَ فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ: وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَى مَنْعِهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَهُوَ مِلْكٌ يُورَثُ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ أَوْ يُعَلِّقُهُ عَلَى مَوْتِهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إنْ مِتّ فَدَارِي وَقْفٌ عَلَى كَذَا، وَبَعْدُ فَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ نَظَرٌ لِأَنَّ كَلَامَهُ أَوَّلًا يُفِيدُ الِاتِّفَاقَ عَلَى الْجَوَازِ وَأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي اللُّزُومِ.
وَقَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَخْ يُفِيدُ أَنَّ
وَاَلَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ الْجَوَازُ وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَبَسَ وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ وَعَلِيَّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَغَيْرَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ دُورًا وَحَوَائِطَ
وَلَهُ أَرْكَانٌ أَرْبَعَةٌ الْوَاقِفُ وَمَا بِهِ يَكُونُ الْوَقْفُ وَإِلَيْهِمَا يُشِيرُ قَوْلُ الشَّيْخِ: (وَمَنْ حَبَسَ) وَشَرْطُ الْأَوَّلِ: أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ، وَالثَّانِي: شَيْئَانِ الصِّيغَةُ وَهِيَ وَقَفْت وَتَصَدَّقْت وَحَبَسْت أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الصِّيغَةِ عُرْفًا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْوَقْفِيَّةِ كَالْإِذْنِ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي بَنَاهُ لِلصَّلَاةِ، وَالثَّالِثُ: الْمَوْقُوفُ وَهُوَ الْعَقَارُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (دَارًا) وَكَذَا يَجُوزُ وَقْفُ الْحَيَوَانِ وَالْعَرُوضِ، وَفِي وَقْفِ الطَّعَامِ الَّذِي تَطُولُ إقَامَتُهُ كَالْقَمْحِ وَوَقْفِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ تَرَدُّدٌ.
رَابِعُهَا؛ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ:
[حاشية العدوي]
الْخِلَافَ فِي الصِّحَّةِ لَا فِي اللُّزُومِ.
[قَوْلُهُ: وَنَقَلَ بَهْرَامُ] هَذَا مُفَادُ قَوْلِهِ عَلَى مَا نَقَلَ ك.
[قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي رَأَيْنَاهُ إلَخْ] أَيْ خِلَافَ مَا نَقَلَهُ بَهْرَامُ عَنْهُمْ.
[قَوْلُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَبَسَ] أَيْ تِسْعَ حَوَائِطَ.
[قَوْلُهُ: وَعُمَرَ] لَمْ يَذْكُرْ أَبَا بَكْرٍ، وَفِي تت التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ حَبَسَ وَعُمَرُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ حَبَسُوا دُورًا وَحَوَائِطَ، وَهَلْ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ حَبَسَ دُورًا أَوْ حَوَائِطَ أَوْ الْمُرَادُ أَنَّ تَحْبِيسَهُمْ تَعَلَّقَ بِجِنْسِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَمَا بِهِ يَكُونُ الْوَقْفُ] اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الْوَقْفُ الصِّيغَةُ.
وَقَوْلُهُ: وَإِلَيْهِمَا يُشِيرُ إلَخْ الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ حَبَسَ لِلصِّيغَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ التَّحْبِيسَ فِعْلٌ مُتَجَدِّدٌ لَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَيْسَ إلَّا الصِّيغَةُ.
[قَوْلُهُ: أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ] أَيْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ، فَاَلَّذِي قِيلَ فِي الْهِبَةِ يُقَالُ هُنَا فَإِنَّ الْبَابَيْنِ وَاحِدٌ بَلْ سَائِرُ أَنْوَاعِ التَّبَرُّعَاتِ كَذَلِكَ.
قَالَ الشَّيْخُ سَالِمٌ السَّنْهُورِيُّ: وَوَقْفُ مِلْكِ الْغَيْرِ وَهِبَتُهُ وَصَدَقَتُهُ وَعِتْقُهُ بَاطِلٌ وَلَوْ أَجَازَهُ الْمَالِكُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَّا لَوْ وَقَعَ بِمَالِ الْغَيْرِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا كَالْبَيْعِ إذْ لَا يَظْهَرُ فَرْقٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْخَرَشِيُّ.
[قَوْلُهُ: وَالثَّانِي] أَيْ مَا بِهِ يَكُونُ الْوَقْفُ شَيْئَانِ.
[قَوْلُهُ: الصِّيغَةُ] هِيَ الْأَوَّلُ مِنْ الشَّيْئَيْنِ وَهِيَ مَا دَلَّ عَلَى إعْطَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَلَوْ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّأْبِيدُ بَلْ وَلَا التَّنْجِيزُ.
وَقَوْلُهُ: وَهِيَ وَقَفْت أَيْ أَنَّ صِيَغَهُ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ أَمَّا حَبَسْت وَوَقَفْت فَمُطْلَقًا وَأَمَّا تَصَدَّقْت فَلَا بُدَّ أَنْ يُقَارِنَهُ قَيْدٌ كَأَنْ يَقُولَ: لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ سَوَاءٌ كَانَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى مُعَيَّنٍ كَزَيْدٍ أَوْ عَلَى جِهَةٍ لَا تَنْقَطِعُ كَالْفُقَرَاءِ، وَأَمَّا لَوْ قَيَّدَ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَالسُّكْنَى أَوْ الِاسْتِغْلَالِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَعَلَى الْجِهَةِ الَّتِي لَا تَنْقَطِعُ كَالتَّقْيِيدِ بِلَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ كَقَوْلِهِ: دَارِي مَثَلًا صَدَقَةٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ مَثَلًا يَسْتَغِلُّونَهَا أَوْ يَسْكُنُونَهَا، وَأَمَّا عَلَى الْمُعَيَّنِ كَقَوْلِهِ: دَارِي صَدَقَةٌ عَلَى زَيْدٍ يَسْكُنُهَا أَوْ يَسْتَغِلُّهَا فَفِيهِ نَظَرٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ كَالتَّقْيِيدِ بِلَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ أَيْضًا بِالْمَعْنَى مِنْ عَجَّ.
[قَوْلُهُ: أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الصِّيغَةِ] هُوَ الشَّيْءُ الثَّانِي.
[قَوْلُهُ: عُرْفًا] الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الدَّلَالَةِ أَيْ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْوَقْفِيَّةِ فِي الْعُرْفِ.
[قَوْلُهُ: كَالْإِذْنِ فِي الصَّلَاةِ] وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ بَنَى مَسْجِدًا وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ وَلَمْ يَخُصَّ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ وَلَا فَرْضًا دُونَ نَفْلٍ.
[قَوْلُهُ: وَالثَّالِثُ الْمَوْقُوفُ وَهُوَ الْعَقَارُ] شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلْوَاقِفِ ذَاتِهِ أَوْ مَنْفَعَتُهُ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَجِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ وَكَلْبِ الصَّيْدِ وَنَحْوِهِ، وَوَقْفُ الْآبِقِ صَحِيحٌ وَيَصِحُّ وَقْفُ الْمُشَاعِ إنْ كَانَ مِمَّا يَقْبَلُ الْقَسْمَ وَيُجْبَرُ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ إنْ أَرَادَ الشَّرِيكُ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ وَبَيْعُ الْوَقْفِ لَا يَجُوزُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ لِشَرِيكِهِ الْبَيْعَ فَكَأَنَّهُ اشْتَرَطَهُ لِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْبَلُ الْقَسْمَ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا قَوْلَانِ مُرَجَّحَانِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ يُجْبَرُ الْوَاقِفُ عَلَى الْبَيْعِ إنْ أَرَادَهُ الشَّرِيكُ وَيُجْعَلُ الثَّمَنُ فِي مِثْلِهِ وَهَلْ يُجْبَرُ أَمْ لَا قَوْلَانِ مُرَجَّحَانِ.
[قَوْلُهُ: وَقْفُ الْحَيَوَانِ] أَيْ وَلَوْ رَقِيقًا.
[قَوْلُهُ: وَفِي وَقْفِ الطَّعَامِ الَّذِي تَطُولُ إقَامَتُهُ] احْتِرَازًا عَنْ طَعَامٍ لَا تَطُولُ إقَامَتُهُ بِأَنْ يَفْسُدَ بِتَأْخِيرِهِ فَلَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا أَيْ وَقْفُ الطَّعَامِ وَالنَّقْدِ عَلَى مَنْ يَسْتَلِفُهُمَا وَيَرُدُّ مِثْلَهُمَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَحَدَ التَّرَدُّدَيْنِ يَقُولُ بِالْجَوَازِ لِأَنَّهُ تَطُولُ إقَامَتُهُ وَنُزِّلَ بَدَلُ مَا انْتَفَعَ بِهِ بِمَنْزِلَةِ دَوَامِ الْعَيْنِ.
وَالثَّانِي يَقُولُ بِعَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ فِي اسْتِهْلَاكِهِ وَالْوَقْفُ إنَّمَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ وَعَدَمُ الْجَوَازِ يَحْتَمِلُ الْمَنْعَ وَالْكَرَاهَةَ هَكَذَا تَرَدَّدَ عَجَّ.
وَالْمَذْهَبُ جَوَازُ وَقْفِ مَا ذَكَرَ مِنْ الطَّعَامِ وَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ.
[قَوْلُهُ:
(فَهِيَ) أَيْ الدَّارُ (عَلَى مَا جَعَلَهَا عَلَيْهِ) وَلَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ قَبُولُهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ وَيُشْتَرَطُ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ أَهْلًا لِلْقَبُولِ وَالرَّدِّ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِذَلِكَ كَالصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ فَهُوَ كَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَفِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَامَ مَنْ يَقْبَلُ لَهُ كَمَا لَوْ وَهَبَ لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ.
وَشَرْطُهُ أَيْ الْوَقْفُ الْحَوْزُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إنْ حِيزَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ) هَذَا إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ فَإِنْ لَمْ تُحَزْ حَتَّى مَاتَ الْوَاقِفُ أَوْ فُلِّسَ بَطَلَ
[حاشية العدوي]
الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ] وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا إلَى مَنْفَعَةِ الْمَوْقُوفِ وَلَوْ لِلصَّرْفِ فِي مَصَالِحِهِ، أَيْ وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلتَّمَلُّكِ حُكْمًا كَالْمَسْجِدِ أَوْ حِسًّا كَالْآدَمِيِّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَوْلُودِ بِالْفِعْلِ وَمَنْ سَيُولَدُ وَتُوقَفُ الْغَلَّةُ إلَى أَنْ يُوجَدَ مَا لَمْ يَيْأَسْ مِنْهُ فَلَا يُوقَفُ، وَيُرَدُّ الْوَقْفُ وَالْغَلَّةُ لِمَالِكِهَا هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَحْصُلْ مَانِعٌ قَبْلَ الْوِلَادَةِ، وَأَمَّا إنْ حَصَلَ مَانِعٌ كَمَوْتِهِ فَيَبْطُلُ كَمَا قَالَ عَجَّ.
وَكَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الذِّمِّيِّ قَرِيبًا كَانَ أَوْ أَجْنَبِيًّا لِأَنَّ الْوَقْفَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَالصَّدَقَةُ عَلَيْهِ أَجْرٌ، وَالْمُرَادُ بِالذِّمِّيِّ مَا عَدَا الْحَرْبِيَّ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ لَهُ كِتَابٌ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: عَلَى مَا جَعَلَهَا عَلَيْهِ] يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ عَيْنُ الْجِهَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا لَوْ وَقَفَ دَارِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الشَّيْءَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ فِي غَالِبِ مَصْرِفِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ الْبَلَدِ غَالِبٌ فَإِنَّ غَلَّتَهَا تُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ وُجُوبُ اتِّبَاعِ شَرْطِ الْوَاقِفِ وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ أَجَازَ أَوْ كَرِهَ كَاشْتِرَاطِ وَقْفِهِ عَلَى قِرَاءَةِ سَبْعٍ جَمَاعَةً أَوْ عَلَى ضَحِيَّةٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَنْ الْوَاقِفِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمَحِلُّ وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَإِلَّا جَازَتْ مُخَالَفَتُهُ كَاشْتِرَاطِ قِرَاءَةِ دَرْسِ عِلْمٍ فِي مَحَلٍّ خَرِبٍ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ، أَوْ يَتَعَذَّرُ حُضُورُهُ مَثَلًا فَيَجُوزُ نَقْلُهُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ، وَفِعْلُهُ كَشَرْطِهِ فِي وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ كَأَنْ يُقَرِّرَ مَالِكِيًّا يَقْرَأُ فِي مَسْجِدٍ ثُمَّ يَمُوتُ فَلَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ بَعْدَهُ إنْ مَاتَ الْمَالِكِيُّ أَنْ يُقَرِّرَ غَيْرَهُ مِنْ حَنَفِيٍّ أَوْ شَافِعِيٍّ.
[قَوْلُهُ: كَالْفُقَرَاءِ] أَيْ أَوْ كَانَ عَلَى كَمَسْجِدٍ لِتَعَذُّرِ الْقَبُولِ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ] أَيْ الْقَبُولُ.
[قَوْلُهُ: وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ] أَيْ مَعَ كَوْنِهِ مُعَيَّنًا.
وَقَوْلُهُ: أَهْلًا لِلْقَبُولِ.
وَالرَّدِّ، أَيْ بِأَنْ يَكُونَ رَشِيدًا فَإِنْ رَدَّ مَا وُقِفَ عَلَيْهِ فِي حَيَاةِ الْوَاقِفِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّ الْوَقْفَ يَرْجِعُ حَبْسًا لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، عَلَى مَا قَالَ الطِّخِّيخِيُّ، وَاعْتَمَدَ عَجَّ أَنَّهُ يُجْعَلُ حَبْسًا عَلَى غَيْرِهِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَهَذَا إذَا جَعَلَهُ حَبْسًا سَوَاءٌ قَبِلَهُ مَنْ عُيِّنَ لَهُ أَمْ لَا، وَأَمَّا إنْ قَصَدَهُ بِخُصُوصِهِ فَإِنَّهُ إذَا رُدَّ عَادَ مِلْكًا لِلْمُحْبِسِ وَلَوْ أَخْبَرَ الْمُعَيَّنُ الْأَهْلَ بِأَنَّهُ وُقِفَ عَلَيْهِ كَذَا مِنْ قِبَلِ فُلَانٍ فَسَكَتَ فَهَلْ يُعَدُّ السُّكُوتُ مِنْهُ قَبُولًا أَمْ لَا قَالَهُ الْخَرَشِيُّ.
[قَوْلُهُ: فَهُوَ كَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ] أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهِ الْقَبُولُ.
[قَوْلُهُ: ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِيهِ نَظَرٌ] قَالَ عَجَّ: إنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمَنْقُولَ أَنَّ الْمُعَيَّنَ الْغَيْرَ الْأَهْلِ لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ أَصْلًا وَلَا يُقَامُ مَنْ يَقْبَلُ عَنْهُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُخْتَصَرِ، وَأَنَّ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بَحْثٌ لَهُ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فِي الْهِبَةِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَامَ] أَيْ فَيُقِيمُ السُّلْطَانُ مَنْ يَقْبَلُهُ لَهُ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ وَإِلَّا فَوَلِيُّهُ يَقْبَلُ.
[قَوْلُهُ: إنْ حِيزَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ] لَوْ قَالَ قَبْلَ كَمَوْتِهِ لَشَمِلَ بَقِيَّةَ الْمَوَانِعِ مِنْ فَلَسٍ أَوْ جُنُونٍ وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِشْهَادِ عَلَى الْحَوْزِ وَيَكْفِي الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ وَصِفَةُ الشَّهَادَةِ أَنْ يَقُولَ: الْعَدْلُ عَايَنْته تَحْتَ يَدِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ لِلْوَاقِفِ، وَلَا يَكْفِي إقْرَارُ الْوَاقِفِ بِالْحَوْزِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ.
[قَوْلُهُ: هَذَا إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ] كَانَ أَجْنَبِيًّا أَوْ وَلَدًا كَبِيرًا لِلْوَاقِفِ وَحَقِيقَةُ الْحِيَازَةِ رَفْعُ يَدِ الْوَاقِفِ عَنْ الْوَقْفِ وَتَمْكِينُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الذَّاتِ الْمَوْقُوفَةِ أَوْ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الشَّيْءِ الْمَوْقُوفِ وَبَيْنَ النَّاسِ فِي نَحْوِ الْمَسْجِدِ وَالطَّاحُونِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ تُحَزْ حَتَّى مَاتَ الْوَاقِفُ إلَخْ] الْمُرَادُ بِالْفَلَسِ هُنَا إحَاطَةُ الدَّيْنِ وَمِثْلُ الْمَوْتِ وَالتَّفْلِيسِ مَرَضُهُ الْمُتَّصِلُ بِمَوْتِهِ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا كَانَ إلَخْ] قَضِيَّتُهُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الْوَقْفِ عَلَى مُعَيَّنٍ مَعَ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَامٌّ، فَلَوْ جُعِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَامًّا وَقَالَ: إنَّ الْحَوْزَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ فَفِي الْوَقْفِ عَلَى مُعَيَّنٍ كَذَا وَفِي الْمَسْجِدِ
الْوَقْفُ إذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ مَحْجُورَةٍ، أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْمَسْجِدِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى حِيَازَةِ مُعَيَّنٍ بَلْ إذَا خَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ فِيهَا صَحَّ الْوَقْفُ، وَقَيَّدْنَا بِإِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ مَحْجُورِهِ لِقَوْلِهِ: (وَلَوْ كَانَتْ) الدَّارُ (حَبْسًا عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ) الْحُرِّ (جَازَتْ حِيَازَتُهُ لَهُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ) إذَا أُنِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ (وَلْيُكْرِهَا لَهُ) مِنْ غَيْرِهِ (وَلَا يَسْكُنُهَا فَإِنْ لَمْ يَدَعْ سُكْنَاهَا حَتَّى مَاتَ) أَوْ مَرِضَ أَوْ فُلِّسَ (بَطَلَتْ) صَوَابُهُ بَطَلَ أَيْ الْحَبْسُ، وَعَلَى إثْبَاتِ التَّاءِ يَحْتَمِلُ الْحِيَازَةَ، وَقَيَّدْنَا الصَّغِيرَ بِالْحُرِّ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَ عَبْدًا فَإِنَّ سَيِّدَهُ هُوَ الَّذِي يَحُوزُ لَهُ
(فَإِنْ انْقَرَضَ مَنْ حُبِسَتْ) الدَّارُ (عَلَيْهِ رَجَعَتْ حَبْسًا عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبِسِ) سَوَاءٌ كَانَ الْمُحْبِسُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُحْبِسِ أَخٌ شَقِيقٌ وَأَخٌ لِأَبٍ فَيَمُوتُ الشَّقِيقُ وَيَتْرُكُ ابْنًا ثُمَّ يَنْقَرِضُ مَنْ حُبِسَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لِلْأَخِ لِلْأَبِ دُونَ ابْنِ الْأَخِ الشَّقِيقِ، وَالْعِبْرَةُ فِي رُجُوعِ الْحَبْسِ عَلَى الْأَقْرَبِ إنَّمَا هُوَ (يَوْمَ الْمَرْجِعِ) لَا يَوْمَ الْحَبْسِ لِأَنَّهُ قَدْ يَصِيرُ الْبَعِيدُ يَوْمَ التَّحْبِيسِ قَرِيبًا يَوْمَ الْمَرْجِعِ كَالْمِثَالِ الْمَذْكُورِ
(وَمَنْ أَعْمَرَ رَجُلًا) مَثَلًا (حَيَاتَهُ) أَيْ حَيَاةَ الرَّجُلِ (دَارًا رَجَعَتْ بَعْدَ مَوْتِ السَّاكِنِ) وَهُوَ الرَّجُلُ (مِلْكًا لِرَبِّهَا) أَوْ لِوَارِثِهِ إنْ مَاتَ (وَكَذَلِكَ إنْ أَعْمَرَهَا عَقِبَهُ) أَيْ عَقِبَ الرَّجُلِ (فَانْقَرَضُوا) فَحَقِيقَةُ الْعُمْرَى
[حاشية العدوي]
كَذَا لَكَانَ أَوْلَى.
[قَوْلُهُ: كَالْمَسْجِدِ] وَمِثْلُهُ الْوَقْفُ عَلَى الْفُقَرَاءِ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: بَلْ إذَا خَلَّى إلَخْ] بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ تَرَكَ مَا بَيْنَ النَّاسِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا.
[قَوْلُهُ: عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ] بَلْ غَيْرُ وَلَدِهِ مِمَّنْ هُوَ فِي حِجْرِهِ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: جَازَتْ حِيَازَتُهُ لَهُ] حَاصِلُ فِقْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَيْ أَوْ السَّفِيهِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي حَوْزِ الْوَقْفِ الْحَوْزُ الْحِسِّيُّ، بَلْ يَكْفِي فِيهِ الْحَوْزُ الْحُكْمِيُّ أَيْ مِنْ الْأَبِ، وَمِثْلُ الْأَبِ الْوَصِيُّ وَالْمُقَامُ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي فَيَصِحُّ الْوَقْفُ وَلَوْ كَانَ تَحْتَ يَدِ الْحَائِزِ إلَى مَانِعٍ مِنْ الْمَوَانِعِ لَكِنَّ ذَلِكَ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ، الْأَوَّلُ أَنْ يُشْهِدَ الْوَاقِفُ عَلَى الْحَبْسِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ أَيْ يُشْهِدُ عَلَى التَّحْبِيسِ لَا عَلَى الْإِقْرَارِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَصْرِفَ الْوَاقِفُ الْغَلَّةَ فِي مَصَارِفِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فَلَوْ صَرَفَهَا فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ بَطَلَ الْوَقْفُ أَيْ ثَبَتَ أَنَّهُ صَرَفَ الْغَلَّةَ أَوْ احْتَمَلَ صَرْفَهَا أَيْ كُلَّهَا أَوْ جُلَّهَا قِيَاسًا عَلَى الْهِبَةِ فِي دَارِ السُّكْنَى.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يُكْرِيَهَا وَلَا يَسْكُنَهَا وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَلْيُكْرِهَا وَلَا يَسْكُنْهَا.
[قَوْلُهُ: إذَا أَنِسَ مِنْهُ الرُّشْدَ] أَيْ عَلِمَ مِنْهُ الرُّشْدَ أَيْ فَغَايَةُ الْحِيَازَةِ الْبُلُوغُ بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ مِنْهُ الرُّشْدَ، هَذَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ أُنْثَى فَإِلَى الدُّخُولِ بِهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَيُؤْنَسُ مِنْهَا الرُّشْدُ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْهُ الرُّشْدَ فَيَسْتَمِرُّ الْوَلِيُّ حَائِزًا لَهُ وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَقَضِيَّتُهُ عَدَمُ صِحَّةِ الْحَوْزِ مِنْ السَّفِيهِ وَالصَّغِيرِ أَوْلَى، وَالرَّاجِحُ أَنَّ حَوْزَ الصَّغِيرِ الْمُمَيَّزِ وَأَوْلَى السَّفِيهُ كَافٍ مُطْلَقًا فِيمَا وَقَفَهُ وَلِيُّهُ عَلَيْهِ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَانْظُرْ إذَا لَمْ يَكُنْ مُمَيَّزًا وَحَازَ.
[قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِهِ] وَأَمَّا لَوْ إكْرَاهًا مِنْ نَفْسِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ، فَإِنْ عَطَّلَهَا وَلَمْ يُكْرِهَا وَلَا سَكَنَهَا فَفِي الصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ قَوْلَانِ، رَجَّحَ ابْنُ عُمَرَ الْأَوَّلَ قَائِلًا فَالْإِكْرَاءُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَإِنَّمَا الشَّرْطُ أَنْ لَا يَسْكُنَهَا.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَدَعْ سُكْنَاهَا إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ دَارَ سُكْنَاهُ يَبْطُلُ الْوَقْفُ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَجْرِي عَلَى الْهِبَةِ بَيْنَ أَنْ يَسْكُنَ الْكُلَّ أَوْ الْجُلَّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ مَرِضَ] أَيْ مَرَضَ الْمَوْتِ.
وَقَوْلُهُ: يَحْتَمِلُ الْحِيَازَةَ إلَخْ وَيَحْتَمِلُ الدَّارَ أَيْ تَحْبِيسُهَا.
[قَوْلُهُ: وَقَيَّدْنَا الصَّغِيرَ بِالْحُرِّ] فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِوَلَدِهِ الْكَبِيرِ الرَّشِيدِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ حِيَازَةَ الْأُمِّ مَا حَبَسَتْهُ عَلَى وَلَدِهَا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةً.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ انْقَرَضَ مَنْ حُبِسَتْ عَلَيْهِ] أَفْهَمَ أَنَّ الْمُحْبَسَ عَلَيْهِ جِهَةٌ مُعَيَّنَةٌ كَزَيْدٍ وَذُرِّيَّتِهِ، وَأَمَّا نَحْوُ الْفُقَرَاءِ فَلَا يَتَأَتَّى انْقِطَاعُهُمْ.
[قَوْلُهُ: رَجَعَتْ حَبْسًا] وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَلَوْ كَانَ الْوَاقِفُ شَرَطَ فِي أَصْلِ وَقْفِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَ الْمَرْجِعِ إلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ لَكَانَ لَهَا جَمِيعُهُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ قَرِيبٌ يَوْمَ الْمَرْجِعِ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ وَلَا يَدْخُلُ الْمُحْبِسُ فِي الْوَقْفِ إذَا كَانَ حَيًّا وَلَوْ صَارَ فَقِيرًا.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إنْ أَعْمَرَهَا إلَخْ] أَيْ بِأَنْ قَالَ: أَعْمَرْتُ أَوْلَادَهُ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ إذَا أَعْمَرَهُ وَعَقِبَهُ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ الشَّارِحُ.
وَقَوْلُهُ: فَحَقِيقَةُ الْعُمْرَى مَأْخُوذَةٌ مِنْ
الْعُرْفِيَّةِ هِبَةُ مَنَافِعِ الْمِلْكِ مُدَّةَ عُمْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ مُدَّةَ عُمْرِهِ، وَعُمْرِ عَقِبِهِ لَا هِبَةُ الرَّقَبَةِ وَلَا يَتَعَيَّنُ التَّقْيِيدُ بِعُمْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بَلْ لَوْ قُيِّدَ بِعُمْرِ الْمُعَمِّرِ كَانَتْ عُمْرَى أَيْضًا، وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى لَفْظِ أَعْمَرْتُكَ بَلْ لَوْ قَالَ: وَهَبْت لَك غَلَّتَهَا مُدَّةَ عُمْرِي كَانَتْ عُمْرَى.
تَنْبِيهٌ: حُكْمُ الْعُمْرَى الْجَوَازُ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَلَّا تَجُوزَ لَكِنْ وَرَدَ بِهَا النَّصُّ فَهِيَ كَالْمُسْتَثْنَاةِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَوْ خَاصَّةٌ بِمَا يَطُولُ كَالدُّورِ وَالْأَرْضِينَ (بِخِلَافِ الْحَبْسِ) فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ مِلْكًا لِرَبِّهِ بَلْ حَبْسًا كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبِسِ لِأَنَّ الْحَبْسَ تَمْلِيكُ الرِّقَابِ، وَالْعُمْرَى تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ (فَإِنْ مَاتَ الْمُعَمِّرُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (يَوْمئِذٍ كَانَتْ) مَا أَعْمَرَهُ وَهِيَ الدَّارُ (لِوَرَثَتِهِ يَوْمَ مَوْتِهِ مِلْكًا) ع: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ يَوْمَئِذٍ أَنْ يَعُودَ عَلَى يَوْمِ التَّعْبِيرِ، وَيَكُونُ عَلَى هَذَا إنَّمَا مَلَكُوا الرِّقَابَ دُونَ الْمَنَافِعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى مَوْتِ الْمُعَمِّرِ فَعَلَى هَذَا يَمْلِكُونَ الرِّقَابَ وَالْمَنَافِعَ
(وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ) الْمُعَيَّنِينَ (فَنُصِيبُهُ) يُقْسَمُ (عَلَى) رُءُوسِ (مَنْ
[حاشية العدوي]
الْعُمْرِ لِوُقُوعِهِ ظَرْفًا لَهَا.
وَقَوْلُهُ: الْعُرْفِيَّةُ مَنْسُوبَةٌ لِلْعُرْفِ أَيْ عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ لَهَا مَعْنًى آخَرَ لُغَوِيًّا وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ مُفَادُ الْمِصْبَاحِ أَنَّ مَعْنَاهَا الشَّرْعِيَّ هُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: هِبَةُ مَنَافِعَ إلَخْ] هَذَا التَّعْرِيفُ نَقَلَهُ بَهْرَامُ عَنْ الْبَاجِيِّ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى الظَّرْفِ الْأَوَّلِ فَقَطْ فَقَدْ قَالَ: تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ حَيَاةَ الْمُعْطِي.
[قَوْلُهُ: هِبَةُ مَنَافِعَ] أَيْ بِدُونِ عِوَضٍ وَإِلَّا فَإِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ.
[قَوْلُهُ: مُدَّةَ عُمْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ] أَخْرَجَ الْحَبْسَ وَالْعَارِيَّةَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ مُدَّةَ عُمْرِهِ وَعُمْرِ عَقِبِهِ] وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُفَادَهُ أَنَّ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَعْمَرَهَا عَقِبَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مُفَادُهُ أَنَّهُ مَا أَعْمَرَهَا إلَّا لِلْعَقِبِ فَقَطْ، وَأَمَّا هَذِهِ الصُّورَةُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا الْمُصَنِّفُ كَابْنِ عَرَفَةَ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: كَانَتْ عُمْرَى أَيْضًا] إلَّا أَنَّهَا عُمْرَى مَجَازًا وَعَارِيَّةٌ حَقِيقَةً، وَكَلَامُ الشَّارِحِ يَقْتَضِي أَنَّهَا عُمْرَى حَقِيقَةً.
[قَوْلُهُ: بَلْ لَوْ قَالَ إلَخْ] أَيْ أَوْ سَكَّنْتُك فَلِذَلِكَ قَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَأَفَادَ أَيْ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ بِقَوْلِهِ كَأَعْمَرْتُكَ أَنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى لَفْظِ أَعْمَرْتُكَ، فَلَوْ قَالَ لَهُ: وَهَبْت لَك غَلَّتَهَا مُدَّةَ عُمُرِي كَانَتْ عُمْرَى وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ.
قَالَ: فَإِنْ قُلْت ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْعُمْرِ فَهَلْ ذَلِكَ مَقْصُودٌ أَوْ اتِّفَاقٌ قُلْت: هُوَ مَقْصُودٌ حَتَّى لَوْ قَالَ وَهَبْتُك مَنَافِعَ الدَّارِ وَلَمْ يُقَيِّدْ خَرَجَتْ إلَى بَابٍ آخَرَ.
[قَوْلُهُ: حُكْمُ الْعُمْرَى الْجَوَازُ] بَلْ النَّدْبُ كَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَهِيَ فِي الْأَرْكَانِ كَالْهِبَةِ.
[قَوْلُهُ: وَكَانَ الْقِيَاسُ أَلَّا تَجُوزَ] أَيْ لِلْجَهَالَةِ إذْ لَا يُدْرَى هَلْ يَعِيشُ الْمُعَمَّرُ بِالْفَتْحِ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ مَثَلًا فَتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: فَهِيَ كَالْمُسْتَثْنَاةِ] أَيْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَثْنَاةً بِالْفِعْلِ أَيْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِقَوْلِهِمْ هِيَ مُسْتَثْنَاةٌ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ حُكْمَهَا النَّدْبُ وَقَدْ تَعْرِضُ كَرَاهَتُهَا كَمَا إذَا أَعْمَرَهَا لِمَنْ يُخْشَى مِنْهُ فِعْلُ مَعْصِيَةٍ فِيهَا، وَقَدْ يَعْرِضُ تَحْرِيمُهَا كَمَا إذَا تَحَقَّقَ فِعْلُ الْمَعْصِيَةِ فِيهَا.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَتَعَذَّرُ عُرُوضُ وُجُوبِهَا وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ كَقَوْلِ شَخْصٍ لِمَالِكِ دَارٍ إنْ لَمْ تُعْمِرْهَا فُلَانًا قَتَلْتُكَ.
وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ فَلَا يَتَّصِفُ فِعْلُهُ بِالْوُجُوبِ.
[قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ] كَلَامُ بَعْضِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَكَذَلِكَ لَمْ يُقَيِّدْ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا خَلِيلٌ.
[قَوْلُهُ: يَوْمَ مَوْتِهِ] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: وَرَثَتُهُ أَيْ لِوَرَثَتِهِ يَوْمَ الْمَوْتِ لَا يَوْمَ الْمَرْجِعِ، فَإِذَا مَاتَ عَنْ ابْنٍ رَقِيقٍ أَوْ كَافِرٍ وَأَخٍ أَوْ عَمٍّ حُرٍّ مُسْلِمٍ وَلَمْ يَمُتْ الْمُعَمَّرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ حَتَّى عَتَقَ أَوْ أَسْلَمَ الِابْنُ فَإِنَّهَا تَكُونُ لِلْأَخِ لَا لِلِابْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا حِينَ مَوْتِهِ.
وَقَوْلُهُ: مِلْكًا مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ الْعَائِدِ عَلَى الدَّارِ لِتَأَوُّلِهِ بِالْمَمْلُوكَةِ أَوْ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ رَجَعَتْ رُجُوعَ الْمِلْكِ.
تَتِمَّةٌ: حَوْزُ الْعُمْرَى كَالْحَوْزِ فِي الْهِبَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
[قَوْلُهُ: الْمُعَيَّنِينَ] حَاصِلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَقَامِ أَنَّهُ إذَا قَالَ مَثَلًا: هَذَا وَقْفٌ عَلَى أَوْلَادِ فُلَانٍ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَلَمْ يُرَتِّبْ
بَقِيَ) مِنْ أَصْحَابِهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا تَفْصِيلٌ مَذْكُورٌ فِي الْأَصْلِ
(وَيُؤْثَرُ فِي الْحَبْسِ أَهْلُ الْحَاجَةِ بِالسُّكْنَى وَالْغَلَّةِ) مَا ذَكَرَهُ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَعَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ لَا يُفَضَّلُ ذُو الْحَاجَةِ عَلَى الْغَنِيِّ فِي الْحَبْسِ إلَّا بِشَرْطٍ مِنْ الْمُحْبِسِ، وَفَرَّقَ ابْنُ نَافِعٍ فَسَوَّى بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فِي السُّكْنَى بِخِلَافِ الْغَلَّةِ (وَمَنْ سَكَنَ) مِنْ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ (فَلَا يُخْرَجُ لِغَيْرِهِ) ج: زَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَسْكَنًا وَلَا كِرَاءَ لَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ وَلَوْ اسْتَغْنَى بَعْدَ أَنْ سَكَنَ لِأَجْلِ فَقْرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَوْ سَكَنَ ثُمَّ خَرَجَ فَإِنْ كَانَ خُرُوجَ انْقِطَاعٍ سَقَطَ حَقُّهُ وَكَانَ مَنْ سَكَنَ أَوْلَى وَإِلَّا فَلَا، وَانْظُرْ قَوْلَهُ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَصْلِ الْحَبْسِ شَرْطٌ فَيَمْضِي) أَيْ فَيَنْفُذُ هَلْ يَعُودُ عَلَى قَوْلِهِ: وَيُؤْثَرُ فِي
[حاشية العدوي]
فَإِنَّهُ يُقْسَمُ عَلَى الْجَمِيعِ عِنْدَ وُجُودِهِمْ وَلَا يُمْنَعُ وَلَدُ الْوَلَدِ بِوُجُودِ أَصْلِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرَتِّبْ، وَلِذَا يُنْتَقَضُ الْقَسْمُ بِحُدُوثِ وَلَدٍ لِأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ أَوْ لِآبَائِهِمْ كَمَا يُنْتَقَضُ بِمَوْتِ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ وَهُوَ مَا أَشَارَ لَهُ الْمُصَنِّفُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَرْعَ يَدْخُلُ فِي الْوَقْفِ مَعَ وُجُودِ أَصْلِهِ وَلَوْ صَغِيرًا فِي غَيْرِ دُورِ السُّكْنَى، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ بُيُوتَ سُكْنَى فَلَا يَسْتَحِقُّ الذَّكَرُ مَعَ أَبِيهِ إلَّا إذَا تَزَوَّجَ، وَأَمَّا الْأُنْثَى فَلَا تُعْطَى لِأَنَّهَا فِي كَفَالَةِ أَبِيهَا، وَأَمَّا إذَا قَالَ عَلَى أَوْلَادِ فُلَانٍ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَهَكَذَا فَإِنْ مَاتَ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ وَلَا يَنْتَقِلُ لِأَخِيهِ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ وَلَدٍ.
وَلَوْ قَالَ: الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا تَحْجُبُ السُّفْلَى لِأَنَّ مُرَادَ الْوَاقِفِ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ أَصْلٍ يَحْجُبُ فَرْعَ نَفْسِهِ لَا فَرْعَ غَيْرِهِ، وَإِذَا قُسِمَ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ الْمُعَيَّنِينَ فَيُعْطَى الْفَقِيرُ كَالْغَنِيِّ وَالصَّغِيرُ كَالْكَبِيرِ وَالْأُنْثَى كَالذَّكَرِ إلَّا لِشَرْطِ خِلَافِهِ فَيُعْمَلُ بِالشَّرْطِ إلَّا فِي مُرَاجَعِ الْأَحْبَاسِ فَلَا يُعْمَلُ بِالشَّرْطِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَلَا يُزَادُ الْفَقِيرُ عَلَى الْغَنِيِّ لِأَنَّ الْإِيثَارَ إنَّمَا هُوَ فِي الْوَقْفِ عَلَى مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ كَالْفُقَرَاءِ.
تَنْبِيهٌ: احْتَرَزَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ الْمُعَيَّنِينَ عَنْ غَيْرِهِمْ كَبَنِي زُهْرَةَ أَوْ الْفُقَرَاءِ فَلَا يَسْتَحِقُّ إلَّا مَنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْقِسْمَةِ لَا مَنْ مَاتَ أَوْ غَابَ قَبْلَهَا [قَوْلُهُ: يُقْسَمُ إلَخْ] قَدَّرَهُ دَفْعًا لِمَا يُقَالُ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ بَقِيَ.
[قَوْلُهُ: مَذْكُورٌ فِي الْأَصْلِ] لَمْ يَكُنْ يُبْدِي الْكَبِيرَ، وَذَكَرَ فِي التَّحْقِيقِ عَنْ ابْنِ نَاجِي أَنَّهُ إذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ تَارَةً يَكُونُ بَعْدَ الطِّيبِ فَهَذَا حَظُّهُ لِوَرَثَتِهِ اتِّفَاقًا، وَتَارَةً يَكُونُ قَبْلَ الْإِبَارِ فَلَا شَيْءَ لِوَرَثَتِهِ اتِّفَاقًا، وَتَارَةً يَكُونُ بَعْدَ الْإِبَارِ وَقَبْلَ الطِّيبِ فَقِيلَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ عَلَى مَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ اُنْظُرْ تَمَامَ الْأَقْوَالِ فِي ابْنِ نَاجِي.
وَقَوْلُهُ: فَلَا شَيْءَ لِوَرَثَتِهِ اتِّفَاقًا أَيْ وَيَكُونُ لِمَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ.
[قَوْلُهُ: وَيُؤْثِرُ] أَيْ يَجِبُ عَلَى مُتَوَلِّي الْوَقْفِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ أَنْ يُؤْثِرَ فِي قَسْمِ الْحَبْسِ أَهْلَ الْحَاجَةِ وَالْعِيَالِ عَلَى غَيْرِهِمْ بِالسُّكْنَى وَالْغَلَّةِ بِاجْتِهَادٍ لِأَنَّ قَصْدَ الْوَاقِفِ الْإِرْفَاقُ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فَقْرًا أَوْ غِنًى فَإِنَّهُ يُؤْثِرُ الْأَقْرَبَ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنِينَ فَإِنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَ الْجَمِيعِ وَلَا يُفَضِّلُ فَقِيرًا عَلَى غَنِيٍّ وَلَا أُنْثَى عَلَى ذَكَرٍ وَيُعْطِي الْحَاضِرَ وَالْغَائِبَ بِخِلَافِهِ عَلَى نَحْوِ الْفُقَرَاءِ فَلَا يُعْطِي إلَّا الْحَاضِرَ وَقْتَ الْقِسْمَةِ، وَهَلْ مَعْنَى الْإِيثَارِ التَّفْضِيلُ وَالزِّيَادَةُ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ عَلَى غَيْرِهِ فُسِّرَ بِكُلٍّ وَجَعَلَ عج الثَّانِيَ أَحْسَنَ وَعَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضٌ يُعْطِي الْمُحْتَاجَ وَلَوْ لَمْ يَفْضُلْ لِغَيْرِهِ شَيْءٌ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ] أَيْ إلَّا لِشَرْطٍ كَمَا يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ إلَخْ فَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ سَكَنَ بِوَصْفِ الْأَحْوَجِيَّةِ ثُمَّ اسْتَغْنَى فَلَا يَخْرُجُ لِغَيْرِهِ وَلَوْ مُحْتَاجًا لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالِاحْتِيَاجِ فِي الِابْتِدَاءِ لَا فِي الدَّوَامِ، وَلِأَنَّهَا لَا تُؤْمَنُ عَوْدَتُهُ فَإِنَّهُ سَبَقَ غَيْرَ الْأَحْوَجِ وَسَكَنَ أُخْرِجَ فَإِنْ تُسَاوَوْا فِي الْحَاجَةِ فَمَنْ سَبَقَ بِالسَّكَنِ فَهُوَ أَحَقُّ.
[قَوْلُهُ: خُرُوجَ انْقِطَاعٍ إلَخْ] وَمِثْلُ الِانْقِطَاعِ السَّفَرُ الْبَعِيدُ وَهُوَ الَّذِي يُظَنُّ مِنْهُ عَدَمُ الرُّجُوعِ.
[قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا] أَيْ بِأَنْ سَافَرَ قَرِيبًا لِيَرْجِعَ فَإِنَّهُ يَبْقَى عَلَى حَقِّهِ إلَى أَنْ يَعُودَ فَلَهُ أَنْ يُكْرِي مَسْكَنَهُ إلَى أَنْ يَعُودَ، وَمَجْهُولُ الْحَالِ يُحْمَلُ عَلَى الْعَوْدِ حَتَّى يَحْصُلَ الْإِيَاسُ مِنْ عَوْدِهِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْوَقْفِ عَلَى قَوْمٍ مَحْصُورِينَ كَفُقَرَاءِ الْمَغَارِبَةِ مَثَلًا أَوْ عَلَى ذُرِّيَّةِ فُلَانٍ الْفُقَرَاءِ، وَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى قَوْمٍ مَوْصُوفِينَ بِوَصْفٍ كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ ثُمَّ سَكَنَ وَاحِدٌ
الْحَبْسِ إلَخْ أَوْ يَعُودُ عَلَى قَوْلِهِ: وَمَنْ سَكَنَ إلَخْ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالشَّرْطُ أَنْ يَقُولَ: مَنْ قَدِمَ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ لَهُ أَوْ يَقُولَ إنَّمَا يَسْكُنُ السَّاكِنُ شَهْرًا وَيَخْرُجُ فَيَمْضِي كُلُّ مَا اشْتَرَطَ فِي أَصْلِ الْحَبْسِ
(وَلَا يُبَاعُ الْحَبْسُ وَإِنْ خَرِبَ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي بَقَائِهِ ضَرَرٌ أَمْ لَا، وَاسْتَثْنَى فِي الْمُخْتَصَرِ مِنْ ذَلِكَ مَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِتَوْسِعَةِ مَسْجِدٍ
(وَيُبَاعُ الْفَرَسُ الْحَبْسُ يَكْلَبُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَاللَّامِ وَالْكَلَبُ شَيْءٌ يَعْتَرِي الْخَيْلَ كَالْجُنُونِ.
(وَ) إذَا بِيعَ فَإِنَّهُ (يَجْعَلُ ثَمَنَهُ فِي) شِرَاءِ فَرَسٍ (آخَرَ) مِثْلِهِ إذَا لَحِقَ ثَمَنُهُ ذَلِكَ (أَوْ يُعَانُ بِهِ فِيهِ) بِأَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَهُ مَعَ شَيْءٍ آخَرَ إذَا لَمْ يَلْحَقْ ثَمَنُهُ ذَلِكَ فَيَشْتَرِي بِهِ فَرَسًا آخَرَ.
ج: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ وَلَا لَحِقَ ثَمَنُهُ الْفَرَسَ فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ فِي الْجِهَادِ
(وَاخْتُلِفَ فِي الْمُعَاوَضَةِ بِالرَّبْعِ) الْحَبْسِ (الْخَرِبِ بِرَبْعٍ غَيْرِ خَرِبٍ) وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ الْمُعَاوَضَةِ، وَرَخَّصَ فِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ فِي بَيْعِ رَبْعٍ دَائِرٍ وَبِئْرٍ تَعَطَّلَ وَيُعَوَّضُ بِهِ رَبْعٌ وَنَحْوُهُ وَيَكُونُ حَبْسًا
(مَطْلَبُ الرَّهْنِ) . ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الرَّهْنِ وَهُوَ لُغَةً اللُّزُومُ وَالْحَبْسُ وَاصْطِلَاحًا قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ بَدَلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ مَا يُبَاعُ أَوْ غَرَرًا.
وَلَوْ اشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ وَثِيقَةً بِحَقٍّ دَخَلَ فِي قَوْلِهِ مَنْ لَهُ
[حاشية العدوي]
لِوَصْفِهِ وَزَالَ وَصْفُهُ فَإِنَّهُ يُخْرَجُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الظَّاهِرُ] أَيْ لِقُرْبِهِ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ لَا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ رُجُوعُهُ لَهُمَا مَعًا.
[قَوْلُهُ: فِي أَصْلِ الْحَبْسِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ خَرِبَ] بِحَيْثُ صَارَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَوْ لَمْ يُرْجَ عَوْدُهُ وَكَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَنْقَاضِهِ وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْوَاقِفُ شَرَطَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بَيْعَهُ فَيَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ عَمَلًا بِالشَّرْطِ.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ إلَخْ] وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَمُقَابِلُهُ إنْ كَانَ فِي بَقَائِهِ ضَرَرٌ وَلَا يُرْجَى عَوْدُ مَنْفَعَتِهِ جَازَ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَقَائِهِ ضَرَرٌ وَيُرْجَى عَوْدُ مَنْفَعَتِهِ لَمْ يَجُزْ اتِّفَاقًا، وَإِنْ خَرِبَ وَلَمْ يُرْجَ عَوْدُ مَنْفَعَتِهِ مَنَعَهُ مَالِكٌ وَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
[قَوْلُهُ: لِتَوْسِعَةِ مَسْجِدٍ] أَيْ مَسْجِدِ الْجُمُعَةِ لَا غَيْرِهِ فَلَا يُبَاعُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمِيضَأَةِ، وَمِثْلُ تَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ تَوْسِعَةُ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَقْبَرَتِهِمْ لِأَنَّ نَفْعَ الْمَسْجِدِ وَالْمَقْبَرَةِ وَالطَّرِيقِ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِ الْوَقْفِ فَهُوَ قَرِيبٌ لِغَرَضِ الْوَاقِفِ، وَيُسْتَبْدَلُ بِالثَّمَنِ خِلَافُهُ فَإِنْ امْتَنَعَ فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
[قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْيَاءِ] مُضَارِعُ كَلِبَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَالْمَصْدَرُ كَلَبًا بِفَتْحِهَا كَمَا فِي التَّحْقِيقِ، وَمِثْلُ الْكَلَبِ الْهَرَمُ وَالْمَرَضُ وَكَذَا كُلُّ مَا تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَتُهُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهُ كَالْكَبِيرِ مِنْ الْإِنَاثِ الْمَوْقُوفَةِ لِنَسْلِهَا أَوْ لِعَمَلِهَا.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ فِي الْجِهَادِ] أَيْ فِي الْجِهَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا، فَثَمَنُ الْفَرَسِ يُفَرَّقُ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، وَثَمَنُ الْحَيَوَانِ عَلَى مَنْ وُقِفَ عَلَيْهِ، وَثَمَنُ الثَّوْبِ الْخَلَقِ عَلَى الْعُرَاةِ.
[قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ فِي الْمُعَاوَضَةِ إلَخْ] حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ بِأَنْ يُعَاوَضَ الرَّبْعُ الْخَرِبُ بِرَبْعٍ غَيْرِ خَرِبٍ فَيَدْفَعُهُ بِعَيْنِهِ فِي الرَّبْعِ الصَّحِيحِ، وَحَمَلَهُ آخَرُ عَلَى أَنَّهُ يُبَاعُ الرَّبْعُ الْخَرِبُ وَيُشْتَرَى بِقِيمَتِهِ مِثْلًا صَحِيحًا فَيَصِيرُ مَا كَانَ حَبْسًا غَيْرَ حَبْسٍ، وَمَا لَيْسَ بِحَبْسٍ حَبْسًا فَالْمُبَاعُ يَكُونُ غَيْرَ حَبْسٍ وَالْمُشْتَرَى يَكُونُ حَبْسًا قَائِلًا هُوَ الْبَيِّنُ اهـ.
تت وَالرَّبْعُ بِفَتْحِ الرَّاءِ الدَّارُ بِعَيْنِهَا حَيْثُ كَانَتْ وَجَمْعُهَا رِبَاعٌ وَرُبُوعٌ وَأَرْبَاعٌ وَأَرْبُعُ كَذَا فِي التَّنْبِيهِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: وَرَخَّصَ] مُقَابِلُ الْمَذْهَبِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَبِئْرٌ تَعَطَّلَ] أَيْ تُرِكَتْ لِهَلَاكِ أَهْلِهَا.
[قَوْلُهُ: وَيُعَوَّضُ بِهِ رَبْعٌ وَنَحْوُهُ] أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُبَاعُ رَبْعًا أَيْ أَوْ بِئْرٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُبَاعُ بِئْرًا هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
خَاتِمَةٌ: الْمِلْكُ لِلْوَاقِفِ وَلَوْ فِي الْمَسَاجِدِ، وَفَائِدَتُهُ أَنَّ لَهُ وَلِوَارِثِهِ مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ إصْلَاحَهُ وَإِذَا اُكْتُرِيَ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِأَكْثَرَ، وَأَمَّا إذَا كُرِيَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ زَمَنَ الْعَقْدِ فَلَا يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ لِأَجْلِ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا.
[مَطْلَبُ فِي الرَّهْنِ]
[قَوْلُهُ: ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الرَّهْنِ] لَمَّا كَانَ بَيْنَ الرَّهْنِ وَالْوَقْفِ مُنَاسَبَةٌ مِنْ جِهَةِ تَوَقُّفِ التَّمَامِ عَلَى الْحِيَازَةِ ذَكَرَهُ عَقِبَهُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ لُغَةً اللُّزُومُ وَالْحَبْسُ] أَيْ فَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرٌ مُفَسَّرٌ بِاللُّزُومِ وَمُفَسَّرٌ بِالْحَبْسِ، أَيْ إلَّا أَنَّ الْمَصْدَرَ الْأَوَّلَ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ وَالثَّانِي بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ بَعْدَ قَوْلِهِ: اللُّزُومُ وَالْحَبْسُ يُقَالُ هَذَا رَهْنٌ لَك
الْبَيْعُ الْمُكَلَّفُ وَالصَّبِيُّ الْمُمَيَّزُ، وَخَرَجَ الْمَجْنُونُ وَالصَّغِيرُ الْغَيْرُ الْمُمَيَّزِ، وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ: مَا يُبَاعُ الطَّاهِرُ الْمُنْتَفَعُ بِهِ الْمَقْدُورُ عَلَى تَسْلِيمِهِ الْمَعْلُومُ غَيْرُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَخَرَجَ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ وَنَحْوُهُمَا أَوْ غَرَرًا مَعْطُوفٌ عَلَى مَا كَالْآبِقِ أَيْ يَجُوزُ رَهْنُهُ وَقَوْلُهُ: وَثِيقَةً مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الرَّهْنَ إنَّمَا يُعْطَى لِلتَّوَثُّقِ بِهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَوْ عَجَزَ الرَّاهِنُ عَنْ أَدَاءِ الدَّيْنِ لَبِيعَ الرَّهْنُ وَوُفِّيَ الدَّيْنُ مِنْهُ.
وَأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ.
الْأَوَّلُ: الْعَاقِدُ وَهُوَ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْبَيْعُ.
الثَّانِي: الْمَرْهُونُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَوْفَى مِنْهُ أَوْ مِنْ ثَمَنِهِ أَوْ مِنْ مَنَافِعِهِ الدَّيْنُ الَّذِي رُهِنَ بِهِ أَوْ بَعْضُهُ.
الثَّالِثُ: الْمَرْهُونُ بِهِ وَلَهُ شَرْطَانِ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ وَأَنْ يَكُونَ لَازِمًا أَوْ صَائِرًا إلَى اللُّزُومِ كَالْجُعْلِ بَعْدَ الْعَمَلِ،
[حاشية العدوي]
أَيْ مَحْبُوسٌ دَائِمٌ لَك.
[قَوْلُهُ: دَخَلَ فِي قَوْلِهِ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ الْمُكَلَّفُ وَالصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ] فَيَصِحُّ مِنْ الْمُمَيِّزِ وَالسَّفِيهِ وَالْعَبْدِ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ وَلِيِّهِمْ، ثُمَّ إذَا تَلِفَ مَا رَهَنَاهُ قَبْلَ رِضَا وَلِيِّ كُلٍّ فَيَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ ضَمَانَ عَدَاءٍ حَيْثُ عَلِمَ بِعَدَمِ لُزُومِ رَهْنِ كُلٍّ لَا ضَمَانَ رِهَانٍ، وَرَهْنُ السَّكْرَانِ كَبَيْعِهِ وَيَلْزَمُ مِنْ مُكَلَّفٍ رَشِيدٍ كَالْبَيْعِ وَقَوْلُهُ: خَرَجَ الْمَجْنُونُ إلَخْ أَيْ فَلَا يَصِحُّ مِنْ هَذَيْنِ.
[قَوْلُهُ: الطَّاهِرُ الْمُنْتَفَعُ بِهِ] دَخَلَ فِيهِ الْمُعَارُ لِلرَّهْنِ وَالدَّيْنِ وَوَثِيقَةِ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَبَيْعُ مَا فِيهَا مِنْ الدَّيْنِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ رَهْنُ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَاصِبِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَسْقُطُ عَنْهُ ضَمَانُ الْعَدَاءِ إلَى ضَمَانِ الرِّهَانِ وَيَكْفِي فِي الصِّحَّةِ الْعَزْمُ عَلَى الرَّدِّ.
[قَوْلُهُ: أَوْ غَرَرًا] مَعْطُوفٌ عَلَى مَا أَيْ بِحَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ، أَيْ إذَا غُرِّرَ أَيْ يَجُوزُ رَهْنُهُ وَلَوْ شُرِطَ رَهْنُ الْغَرَرِ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ لِأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَدْفَعَ مَالَهُ بِغَيْرِ وَثِيقَةٍ فَجَازَ أَخْذُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ غَرَرٍ لِأَنَّهُ شَيْءٌ فِي الْجُمْلَةِ خَيْرٌ مِنْ لَا شَيْءَ، وَمِثْلُ الْآبِقِ الْبَعِيرُ الشَّارِدُ أَيْ لِخِفَّةِ غَرَرِهِمَا بِخِلَافِ مَا اشْتَدَّ غَرَرُهُ كَالْجَنِينِ فَلَا يَصِحُّ رَهْنُهُ لِقُوَّةِ الْغَرَرِ فِيهِ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْآبِقُ مَقْبُوضًا حَالَ حُصُولِ الْمَانِعِ فَإِنْ قَبَضَ قَبْلَ الْمَانِعِ ثُمَّ أَبَقَ وَحَصَلَ الْمَانِعُ حَالَ إبَاقِهِ كَانَ مُرْتَهِنُهُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ.
[قَوْلُهُ: لِلتَّوَثُّقِ] مُفَادُهُ أَنَّ وَثِيقَةً مَصْدَرٌ أَيْ وَيَكُونُ نَاصِبُهُ قَوْلُهُ: بُذِلَ وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِحَقٍّ بِمَعْنَى فِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ قَوْلِهِ: مَا يُبَاعُ أَوْ غَرَرًا وَالتَّقْدِيرُ حَالَةَ كَوْنِ مَا ذَكَرَ مُوَثَّقًا بِهِ فِي حَقٍّ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ عَمَّا بُذِلَ لَا لِلتَّوَثُّقِ بَلْ لِلتَّمَلُّكِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالِانْتِفَاعِ وَالْإِعَارَةِ وَنَحْوِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْحَقِّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا بِالْفِعْلِ أَوْ سَيُوجَدُ.
[قَوْلُهُ: الْأَوَّلُ الْعَاقِدُ] أَيْ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ وَهُوَ الْقَابِضُ لَهُ وَشَرْطُهُمَا التَّأَهُّلُ لِلْبَيْعِ صِحَّةً وَلُزُومًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَوْفَى مِنْهُ] أَيْ إذَا كَانَ الرَّهْنُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ كَمَا لَوْ كَانَ الرَّهْنُ ذَهَبًا وَالدَّيْنُ ذَهَبًا مَثَلًا إلَّا أَنَّ صِحَّةَ رَهْنِ الْمِثْلِيِّ الَّذِي مِنْ جُمْلَتِهِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ أَنْ يُطْبَعَ عَلَيْهِ طَبْعًا لَا يُقْدَرُ عَلَى فَكِّهِ غَالِبًا بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ عُلِمَ بِزَوَالِهِ حِمَايَةً لِلذَّرَائِعِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَصَدَا قَبْضَهُ عَلَى جِهَةِ السَّلَفِ وَسَمَّيَاهُ رَهْنًا، وَاشْتِرَاطُ السَّلَفِ فِي الْمُدَايِنَةِ مَمْنُوعٌ وَالتَّطَوُّعُ بِهِ هِبَةُ مِدْيَانٍ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمِثْلِيِّ وَمِنْ غَيْرِ الْمِثْلِيِّ الْحُلِيُّ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ الطَّبْعُ حَيْثُ جُعِلَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ، أَمَّا لَوْ جُعِلَ بِيَدِ أَمِينٍ فَيَصِحُّ وَلَوْ لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ، وَمَا قَرَّرْنَا مِنْ أَنَّ الطَّبْعَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الرَّهْنِ ظَاهِرُ خَلِيلٍ وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ شَرْطٌ لِجَوَازِ الرَّهْنِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ ثَمَنِهِ] كَأَنْ يَكُونَ كِتَابًا.
وَقَوْلُهُ: أَوْ مِنْ ثَمَنِ مَنَافِعِهِ كَدَارٍ وَقَوْلُهُ: أَوْ بَعْضُهُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ قَدْرَ الدَّيْنِ بَلْ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ] أَيْ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ فَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ فِي مُعَيَّنٍ وَلَا فِي مَنْفَعَتِهِ لِاسْتِحَالَةِ اسْتِيفَاءِ الْمُعَيَّنِ أَوْ مَنْفَعَتِهِ مِنْ ذَاتِ الرَّهْنِ مِثَالُ الْأَوَّلِ أَنْ يَشْتَرِيَ دَابَّةً فَيَخَافُ الْمُشْتَرِي أَنْ تُسْتَحَقَّ فَيَقُولَ لِلْبَائِعِ: أَعْطِنِي رَهْنًا عَلَى تَقْدِيرِ إذَا اُسْتُحِقَّتْ الدَّابَّةُ مِنِّي آخُذُهَا بِعَيْنِهَا مِنْ ذَاتِ الرَّهْنِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ، وَمِثَالُ الثَّانِي أَنْ يَكْتَرِيَ مِنْهُ دَابَّةً فَيَقُولُ الْمُكْتَرِي لِلْمُكْرِي: إنِّي أَخَافُ أَنْ تُسْتَحَقَّ مِنْ يَدِي أَعْطِنِي رَهْنًا، فَعَلَى تَقْدِيرِ اسْتِحْقَاقِهَا آخُذُ الْمَنَافِعَ بِعَيْنِهَا مِنْ ذَاتِ الرَّهْنِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ صَائِرًا إلَى اللُّزُومِ] كَالْجُعْلِ بَعْدَ
أَمَّا مَا كَانَ فِي أَصْلِهِ غَيْرَ لَازِمٍ وَلَا صَائِرًا لِلُّزُومِ كَنُجُومِ الْكِتَابَةِ فَلَا يَكُونُ رَهْنٌ بِهِ.
الرَّابِعُ: الصِّيغَةُ وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِيهِمَا بَلْ يَقُومُ مَقَامَهُ كُلُّ مَا شَارَكَهُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَفْهُومِ مِنْهُ.
وَحُكْمُهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَالرَّهْنُ جَائِزٌ) حَضَرًا وَسَفَرًا.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ فِي الْحَضَرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: 283] أُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا خَصَّ السَّفَرَ لِغَلَبَةِ فِقْدَانِ الْكَاتِبِ الَّذِي هُوَ الْبَيِّنَةُ فِيهِ، وَأَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَى طَعَامًا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ وَرَهَنَ فِيهِ دِرْعَهُ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ»
(وَلَا يَتِمُّ) الرَّهْنُ (إلَّا بِالْحِيَازَةِ) ظَاهِرٌ أَنَّهُ يَصِحُّ قَبْلَ الْقَبْضِ لَكِنْ لَا يَخْتَصُّ الْمُرْتَهِنُ بِهِ عَنْ الْغُرَمَاءِ إلَّا بِالْقَبْضِ.
ابْنُ الْحَاجِبُ فَإِنْ تَرَاخَى إلَى الْفَلَسِ أَوْ الْمَوْتِ بَطَلَ اتِّفَاقًا وَلَوْ كَانَ مُجِدًّا عَلَى الْأَشْهَرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّهْنِ وَالْهِبَةِ مَعَ الْجِدِّ أَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ فَلَمْ يُكْتَفْ فِيهِ بِالْجِدِّ فِي الطَّلَبِ بِخِلَافِ الْمَوْهُوبِ فَإِنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ وَاهِبِهِ (وَلَا تَنْفَعُ الشَّهَادَةُ فِي حِيَازَتِهِ إلَّا بِمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ) ع: هَذَا فِيمَا يُبَانُ وَيُنْقَلُ، وَأَمَّا إذَا رَهَنَهُ مَا لَا يُبَانُ وَلَا يُنْقَلُ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَنْفَعُ فِيهِ عَلَى إقْرَارِهِمَا وَتَرْتَفِعُ يَدُ الرَّاهِنِ عَنْهُ، فَإِذَا رَهَنَهُ مَا يُبَانُ بِهِ وَيُنْقَلُ وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى حِيَازَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الرَّاهِنِ بِعَارِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ فَإِنَّ الرَّهْنَ يَبْطُلُ
[حاشية العدوي]
الْعَمَلِ لَا كَكِتَابَةٍ وَجُعْلٍ قَبْلَ الْعَمَلِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَكُونُ رَهْنٌ بِهِ] أَيْ لَا يَصِحُّ رَهْنٌ بِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: فِيهِمَا] كَذَا فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ نُسَخِ هَذَا الشَّارِحِ، وَالْمُنَاسِبُ فِيهَا بِالْإِفْرَادِ كَمَا هُوَ فِي التَّحْقِيقِ مَنْسُوبًا إلَى الْجَوَاهِرِ أَيْ لَا يَتَعَيَّنُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الصِّيغَةِ، بَلْ يَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ كُلُّ مَا شَارَكَهُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَفْهُومِ مِنْهُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: مَا أَشَارَ] أَيْ الْجَوَازُ الَّذِي أَشَارَ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: 283]] أَيْ مُسَافِرِينَ أَوْ مُتَوَجِّهِينَ أَيْ ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ [البقرة: 283] فِي الْمَدِينَةِ ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] أَيْ فَاَلَّذِي يُسْتَوْثَقُ بِهِ رِهَانٌ إلَخْ.
أَبُو السُّعُودِ.
يَجُوزُ الرَّهْنُ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْكَاتِبِ.
[قَوْلُهُ: وَرَهَنَ فِيهِ دِرْعَهُ] أَيْ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ وَكَانَتْ تِلْكَ الدِّرْعُ الْمَرْهُونَةُ تُسَمَّى بِذَاتِ الْفُضُولِ قَالَ الشَّامِيُّ فِي سِيرَتِهِ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لَطُولِهَا وَكَانَتْ مِنْ حَدِيدٍ، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّ دِرْعَهُ لَمَرْهُونَةٌ فِي ثَلَاثِينَ صَاعًا، وَفِي رِوَايَةٍ سِتِّينَ صَاعًا شَعِيرًا رِزْقًا لِعِيَالِهِ وَكَانَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَبْعَةُ أَدْرُعٍ» .
[قَوْلُهُ: إلَّا بِالْحِيَازَةِ إلَخْ] أَيْ بِضَمِّ الرَّهْنِ لِلْمُرْتَهِنِ.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرٌ أَنَّهُ يَصِحُّ إلَخْ] أَيْ وَهُوَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَكَانَ مُجِدًّا عَلَى الْأَشْهَرِ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ مَعَ الْجِدِّ لَا تَبْطُلُ.
[قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّهْنِ.
. . إلَخْ] وَالصَّدَقَةُ كَالْهِبَةِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ وَضْعِ الرَّهْنِ تَحْتَ يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَطَلَبَ وَضْعَهُ عِنْدَ أَمِينٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ كَعَكْسِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْأَمْرِ فَيَنْظُرُ الْحَاكِمُ.
[قَوْلُهُ: إلَّا بِمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ] أَيْ لِحَوْزِ الْمُرْتَهِنِ لَهُ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ لِلرَّهْنِ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى التَّحْوِيزِ وَهُوَ تَسْلِيمُ الرَّاهِنِ الرَّهْنَ لِلْمُرْتَهِنِ وَصَيْرُورَتُهُ فِي حَوْزِهِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَدُلُّ لِلْقَوْلَيْنِ فَعَلَى هَذَا لَوْ وُجِدَتْ سِلْعَةُ الْمِدْيَانِ بِيَدِ صَاحِبِ الدَّيْنِ بَعْدَ مَوْتِ الْمِدْيَانِ أَوْ فَلَسِهِ وَادَّعَى أَنَّهَا رَهْنٌ عِنْدَهُ وَحَازَهَا قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ مِنْ غَيْرِ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ لَمْ يُصَدَّقْ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حَوْزُهُ وَلَا تَحْوِيزُهُ.
وَلَوْ شَهِدَ الْأَمِينُ الَّذِي وُضِعَ الرَّهْنُ تَحْتَ يَدِهِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَهُوَ الْحَوْزُ وَالْبَيِّنَةُ هُنَا وَلَوْ الْوَاحِدُ مَعَ الْيَمِينِ لِأَنَّهَا شَهَادَةُ مَالٍ، وَلَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ عَلَى الْحَوْزِ قَبْلَ الْمَانِعِ وَعَدْلَانِ عَلَى عَدَمِ الْحَوْزِ فَيُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ بِالْحَوْزِ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ وَتِلْكَ نَافِيَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَيَنْقُلُ] عَطْفٌ تَفْسِيرُهُ [قَوْلُهُ: فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَنْفَعُ فِيهِ عَلَى إقْرَارِهِمَا] أَيْ بِالْحِيَازَةِ كَمَا هُوَ سِيَاقُ الْكَلَامِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ: وَتَرْتَفِعُ يَدُ الرَّاهِنِ عَنْهُ أَيْ يَطْلُبُ أَنْ تَرْتَفِعَ يَدُ الرَّاهِنِ عَنْهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ قَرَارُهُمَا بِالرَّهْنِيَّةِ، وَبَعْدُ فَهَذَا الْكَلَامُ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ الْحِيَازَةَ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُبَانُ وَيُنْقَلُ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: بِعَارِيَّةٍ] أَيْ مُطْلَقَةٍ أَيْ لَمْ
قَالَهُ مَالِكٌ اهـ
. (وَضَمَانُ الرَّهْنِ) بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ (مِنْ الْمُرْتَهِنِ) بِكَسْرِ الْهَاءِ آخِذِ الرَّهْنِ مَا لَمْ يَكُنْ بِيَدِ أَمِينٍ فَإِنَّهُ مِنْ الرَّاهِنِ وَهُوَ دَافِعُ الرَّهْنِ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْمُرْتَهِنَ الضَّمَانُ (فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ) كَالْحُلِيِّ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ فَلَا يَضْمَنُ (وَلَا يَضْمَنُ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ) كَالدُّورِ وَالْحَيَوَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَلَوْ شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ نَفْيَ الضَّمَانِ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَوْ اشْتَرَطَ الرَّاهِنُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الشَّرْطُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَاقِضُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: الشَّرْطُ لَازِمٌ وَصَوَّبَهُ اللَّخْمِيُّ وَهَذَا إذَا كَانَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْعَقْدِ فَالشَّرْطُ لَازِمٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَعَلَى الضَّمَانِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ ضَاعَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَيَحْلِفُ الْمُتَّهَمُ
[حاشية العدوي]
يُقَيِّدْهَا بِزَمَنٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الرَّهْنِ، فَالْمُطْلَقَةُ هِيَ الَّتِي لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا الرَّدُّ فِي الْأَجَلِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَلَمْ يَكُنْ الْعُرْفُ فِيهَا ذَلِكَ فَمَا اُشْتُرِطَ فِيهَا الرَّدُّ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ تُقَيَّدَ بِزَمَنٍ أَوْ عَمَلٍ يَنْقَضِي قَبْلَ الْأَدَاءِ، أَوْ كَانَ الْعُرْفُ كَذَلِكَ فَهِيَ الْمُقَيَّدَةُ فَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ فَلَهُ أَخْذُهُ مِنْ الرَّاهِنِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ هِبَةٌ] أَيْ وَهَبَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ لِلرَّاهِنِ أَيْ وَهَبَ لَهُ مَنْفَعَتَهَا كَأَنْ يَكُونَ الْمُرْتَهِنُ اكْتَرَاهُ مِنْ الرَّاهِنِ ثُمَّ وَهَبَ لَهُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ كَمَا لَوْ رَدَّهَا لَهُ عَلَى طَرِيقِ الْوَدِيعَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعَلَّامَةَ خَلِيلٌ، قَدْ قَالَ: وَعَلَى الرَّدِّ أَوْ اخْتِيَارًا لَهُ أَخْذُهُ أَيْ إذَا أَعَارَهُ عَلَى الرَّدِّ أَوْ رَجَعَ لِلرَّاهِنِ بِاخْتِيَارٍ مِنْ الْمُرْتَهِنِ عَلَى طَرِيقِ الْوَدِيعَةِ أَوْ إكْرَاهٍ لَهُ فَلَهُ أَخْذُهُ فَلَا بُطْلَانَ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْبُطْلَانُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا قَامَ عَلَى الرَّاهِنِ الْغُرَمَاءُ وَالرَّهْنُ عِنْدَهُ.
[قَوْلُهُ: فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ] أَيْ فِيمَا يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ كَحُلِيٍّ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ سَفِينَةٍ فِي حَالِ جَرْيِهَا.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ] أَيْ أَوْ ضَيَاعِهِ أَيْ بِغَيْرِ سَبَبِهِ وَغَيْرِ تَفْرِيطِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَضْمَنُ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ] أَيْ مَا لَا يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ أَيْ مَا لَمْ يَدَّعِ تَلَفَ دَابَّةٍ مَثَلًا وَلَهُ جِيرَانٌ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَلَا رَأَوْهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الرَّهْنَ حِينَئِذٍ لِثُبُوتِ كَذِبِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَ الرُّفْقَةِ فِي السَّفَرِ وَادَّعَى مَوْتَ الدَّابَّةِ وَكَذَّبَهُ الْعُدُولُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، وَمِثْلُ تَكْذِيبِ الْعُدُولِ سُكُوتُهُمْ وَعَدَمُ تَصْدِيقِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِالْعُدُولِ الِاثْنَانِ فَأَكْثَرُ.
وَانْظُرْ إذَا كَذَّبَهُ عَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ.
[قَوْلُهُ: وَالْحَيَوَانُ] وَلَوْ طَيْرًا وَكَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ قَبْلَ الْحَصَادِ وَالْقَطْعِ وَكَسَفِينَةٍ فِي مِرْسَاةٍ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا خَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ ضَمَانَةٌ مِنْ رِوَايَةِ ضَمَانِ الْمَحْبُوسَةِ لِلثَّمَنِ.
[قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الشَّرْطُ بَاطِلٌ] هَذَا جَوَابُ لَوْ وَكَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي الصُّورَتَيْنِ أَيْ صُورَةِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَصُورَةِ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَوَّلِ أَعْنِي مَا يُغَابُ عَلَيْهِ إذَا اشْتَرَطَ فِيهِ عَدَمَ الضَّمَانِ وَلِذَلِكَ عَلَّلُوا اللُّزُومَ بَعْدَ الْعَقْدِ عِنْدَ الْجَمِيعِ بِقَوْلِهِمْ: لِأَنَّ تَطَوُّعَهُ بِالرَّهْنِ مَعْرُوفٌ، وَإِسْقَاطَ الضَّمَانِ مَعْرُوفٌ ثَانٍ فَهُوَ إحْسَانٌ عَلَى إحْسَانٍ فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى الضَّمَانِ] أَيْ وَعَلَى اعْتِبَارِ الضَّمَانِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ ضَاعَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ مُقَابِلَهُ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ.
أَوَّلُهُمَا: أَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَضْمَنُ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْقَبْضِ مُطْلَقًا وَرَجَّحَ الثَّانِيَ أَنَّهُ يَضْمَنُهَا يَوْمَ الْقَبْضِ إلَّا أَنْ يُرَى عِنْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ يَوْمَ رُئِيَ، وَانْظُرْ إذَا جُهِلَ يَوْمُ الضَّيَاعِ أَوْ يَوْمُ الْقَبْضِ أَوْ يَوْمُ الرُّؤْيَةِ.
[قَوْلُهُ: وَيَحْلِفُ الْمُتَّهَمُ إلَخْ] هَذَا فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: لَقَدْ ضَاعَ فَيَأْتِي بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَضِعْ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا فَرَّطْت إلَخْ الْمُرَادُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ وَاحِدٌ فَيَكْفِي وَاحِدٌ مِنْهَا يُضَمُّ لِلْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا طُلِبَ مِنْهُ الْإِتْيَانُ بِوَاحِدٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُفَرِّطًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَيَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا أَعْرِفُ مَوْضِعَهُ يَأْتِي بِهِ مَضْمُونًا لِلَّفْظَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ الْأَوَّلِ وَوَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَرَفَ مَوْضِعَهُ.
زَادَ اللَّقَانِيُّ: وَيَزِيدُ وَلَا يَظُنُّ مَوْضِعَهُ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمَعْرِفَةِ نَفْيُ الظَّنِّ وَهَذَا كُلُّهُ فِي دَعْوَى الضَّيَاعِ.
وَأَمَّا دَعْوَى التَّلَفِ فَيَحْلِفُ أَنَّهُ قَدْ تَلِفَ بِلَا دُلْسَةٍ وَالدُّلْسَةُ الْحِيلَةُ أَيْ مَا تَحَيَّلْت فِي إخْفَائِهِ، وَأَمَّا مَا يُغَابُ عَلَيْهِ الَّذِي يَضْمَنُ فِيهِ الْقِيمَةَ فَيَحْلِفُ مُتَّهَمًا أَمْ لَا فِي دَعْوَى التَّلَفِ أَنَّهُ تَلِفَ بِلَا دُلْسَةٍ، وَفِي دَعْوَى الضَّيَاعِ أَنَّهُ ضَاعَ وَلَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ وَلَا
لَقَدْ ضَاعَ وَلَا فَرَّطْت وَلَا ضَيَّعْت وَلَا تَعَدَّيْت وَلَا أَعْرِفُ مَوْضِعَهُ وَغَيْرُ الْمُتَّهَمِ لَا يَحْلِفُ إلَّا عَلَى عَدَمِ التَّفْرِيطِ خَاصَّةً لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي إخْفَائِهِ (وَثَمَرَةُ النَّخْلِ الرَّهْنُ لِلرَّاهِنِ) وَهُوَ دَافِعُ الرَّهْنِ كَانَتْ الثِّمَارُ مَوْجُودَةً أَوْ مَعْدُومَةً حِينَ الرَّهْنِ مَأْبُورَةً أَوْ لَا عَلَى الْمَشْهُورِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ، فَإِنَّهَا تَدْخُلُ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَتْ (وَكَذَلِكَ غَلَّةُ الدُّورِ) لِلرَّاهِنِ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُرْتَهِنُ ذَلِكَ فَيَكُونُ لَهُ
(وَالْوَلَدُ رَهْنٌ مَعَ الْأَمَةِ الرَّهْنِ تَلِدُهُ بَعْدَ الرَّهْنِ) وَلَوْ شَرَطَ عَدَمَ دُخُولِ الْوَلَدِ فِي الرَّهْنِ لَمْ يَجُزْ (وَلَا يَكُونُ مَالُ الْعَبْدِ رَهْنًا مَعَهُ إلَّا بِشَرْطٍ) كَانَ مَالُهُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا لِأَنَّ رَهْنَ الْغَرَرِ جَائِزٌ (وَمَا هَلَكَ بِيَدِ أَمِينٍ) مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ (فَهُوَ مِنْ الرَّاهِنِ) دُونَ الْأَمِينِ لِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْأَمِينِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْعَارِيَّةِ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ الْحَاجِبُ بِأَنَّهَا تَمْلِيكُ مَنَافِعِ الْعَيْنِ بِغَيْرِ عِوَضٍ
وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ، الْأَوَّلُ: الْمُعِيرُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلْمَنْفَعَةِ بِإِجَارَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ
[حاشية العدوي]
يَظُنُّهُ وَإِنَّمَا حَلَفَ فِيهِمَا مَعَ ضَمَانَةِ الْقِيمَةِ أَوْ الْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيِّ لِلِاتِّهَامِ عَلَى تَغْيِيبِهِ وَإِخْفَائِهِ رَغْبَةً فِيهِ، وَمُقْتَضَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِتَلَفِهِ وَلَمْ تَشْهَدْ مَعَ ذَلِكَ بِتَلَفِهِ بِغَيْرِ سَبَبِهِ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ وَيَضْمَنُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ كَإِتْيَانِهِ بِبَعْضِهِ مُحَرَّقًا وَلَا يُعْلَمُ احْتِرَاقُ مَحِلِّهِ فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ إذْ لَا يُتَّهَمُ عَلَى أَنَّهُ غَيَّبَهُ كَشَهَادَتِهَا عَلَيْهِ بِتَلَفِهِ بِسَبَبِهِ أَوْ مُجْمَلًا فَيَضْمَنُهُ، وَلَا يَحْلِفُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْحَلِفِ نَفْيُ الضَّمَانِ.
[قَوْلُهُ: وَغَيْرُ الْمُتَّهَمِ] أَيْ الَّذِي هُوَ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ الَّذِي لَا ضَمَانَ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: إلَّا عَدَمَ التَّفْرِيطِ أَيْ لِأَنَّهُ إذَا فَرَّطَ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَيَضْمَنُ.
وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي إخْفَائِهِ أَيْ فَيُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ الضَّيَاعَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَسْتَمِرُّ ضَمَانُ الْمُرْتَهِنِ وَلَوْ قُبِضَ الدَّيْنُ أَوْ وُهِبَ إلَّا أَنْ يُحْضِرَهُ لِرَبِّهِ بَعْدَ بَرَاءَتِهِ وَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى ضَاعَ فَضَمَانُهُ مِنْ رَبِّهِ سَوَاءٍ.
قَالَ: أَتْرُكُهُ عِنْدَك أَوَّلًا أَوْ دَعَاهُ لِأَخْذِهِ فَقَالَ: اُتْرُكْهُ عِنْدَك فَضَاعَ لِأَنَّهُ صَارَ فِي الْحَالَتَيْنِ كَالْوَدِيعَةِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: كَانَتْ الثَّمَرَةُ مَوْجُودَةً إلَخْ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ أَيْ مُطْلَقًا مَوْجُودَةً يَوْمَ الرَّهْنِ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ غَلَّةُ الدُّورِ لِلرَّاهِنِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ وَمِثْلُ ذَلِكَ أُجْرَةُ الْعَبْدِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُرْتَهِنُ ذَلِكَ] أَيْ إدْخَالَهُ فِي الرَّهْنِ.
[قَوْلُهُ: مَعَ الْأَمَةِ الرَّهْنُ] سَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا بِهِ أَوْ حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ الرَّهْنِ، وَمِثْلُ الْأَمَةِ سَائِرُ الْحَيَوَانِ الْمَرْهُونِ، وَمِثْلُ الْوَلَدِ فِي الدُّخُولِ فِي الرَّهْنِيَّةِ الصُّوفُ التَّامُّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصُّوفِ وَالثَّمَرَةِ أَنَّ الصُّوفَ التَّامَّ سِلْعَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فَالسُّكُوتُ عَنْهُ وَقْتَ الرَّهْنِيَّةِ دَلِيلٌ عَلَى إدْخَالِهِ فِي الرَّهْنِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: تَلِدُهُ بَعْدَ الرَّهْنِ] وَأَمَّا مَا انْفَصَلَ قَبْلَ الرَّهْنِيَّةِ فَلَا يَدْخُلُ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ شَرَطَ عَدَمَ دُخُولِ الْوَلَدِ فِي الرَّهْنِ لَمْ يَجُزْ] أَيْ وَيَكُونُ الرَّهْنُ بَاطِلًا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا بِشَرْطٍ] أَيْ إلَّا بِشَرْطِ دُخُولِهِ فِي الرَّهْنِ، وَمِثْلُ مَالِ الْعَبْدِ بَيْضُ الطَّيْرِ لَا يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ إلَّا بِشَرْطٍ.
[أَحْكَام الْعَارِيَّةِ]
[قَوْلُهُ: بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا حُكِيَ فِي تَخْفِيفِهَا وَهِيَ اسْمُ مَصْدَرٍ، وَالْمَصْدَرُ إعَارَةٌ وَالْمُرَادُ هُنَا الشَّيْءُ الْمُعَارُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ التَّعَاوُرِ الَّذِي هُوَ التَّدَاوُلُ.
[قَوْلُهُ: تَمْلِيكُ مَنَافِعِ الْعَيْنِ بِغَيْرِ عِوَضٍ] تَعَقَّبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهَا إلَّا مَصْدَرًا وَالْعُرْفُ إنَّمَا اسْتَعْمَلَهَا اسْمًا، وَاعْتَرَضَ بِكَوْنِهِ أَيْضًا غَيْرَ مَانِعٍ لِدُخُولِ أَشْيَاءَ وَلِذَلِكَ عَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهَا تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ لَا بِعِوَضٍ فَيَخْرُجُ تَمْلِيكُ الذَّوَاتِ وَتَمْلِيكُ الِانْتِفَاعِ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ فِيهَا تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الِانْتِفَاعِ.
وَقَوْلُهُ: مُؤَقَّتَةٌ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا لِتَدْخُلَ الْمُعْتَادَةُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِإِخْرَاجِ الْحَبْسِ.
فَإِنَّ الْغَالِبَ فِيهِ التَّأْبِيدُ أَوْ لِأَنَّ الْحَبْسَ فِيهِ مِلْكُ الِانْتِفَاعِ لَا الْمَنْفَعَةُ فَتَأَمَّلْ.
وَقَوْلُهُ: لَا بِعِوَضٍ خَرَجَ بِهِ الْإِجَارَةُ وَأَمَّا تَعْرِيفُهَا بِالْمَعْنَى الِاسْمِيِّ وَهُوَ مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِقَوْلِهِ: وَالْعَارِيَّةُ أَيْ مَالٌ ذُو مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ مُلِّكَتْ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
[قَوْلُهُ: مَالِكًا لِلْمَنْفَعَةِ إلَخْ] أَيْ فَإِعَارَةُ الْفُضُولِيِّ مِلْكَ الْغَيْرِ بَاطِلَةٌ كَهِبَتِهِ وَوَقْفِهِ وَسَائِرِ مَا أَخْرَجَهُ عَلَى غَيْرِ عِوَضٍ لَا عَلَى عِوَضٍ كَبَيْعِهِ فَصَحِيحٌ يَتَوَقَّفُ لُزُومُهُ عَلَى رِضَا مَالِكِهِ [قَوْلُهُ: بِإِجَارَةٍ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَلَوْ بِإِجَارَةٍ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ عَارِيَّةٍ لِأَنَّ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَ إنْ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ الْمُعِيرُ لَهُ وَلَوْ بِلِسَانِ الْحَالِ.
حَجْرٌ فَلَا تَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ وَلَا سَفِيهٍ وَلَا عَبْدٍ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
الثَّانِي: الْمُسْتَعِيرُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ عَلَيْهِ بِالْمُسْتَعَارِ فَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ.
الثَّالِثُ: الْمُسْتَعَارُ وَشَرْطُهُ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَيْنًا لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ الْمُسْتَعِيرُ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي تَبَرَّعَ الْمُعِيرُ بِهَا عَلَيْهِ فَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ الْأَطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ قَرْضًا لِأَنَّهَا لَا تُرَادُ إلَّا لِاسْتِهْلَاكِ أَعْيَانِهَا، وَالْآخَرُ أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً فَلَا تُعَارُ الْأَمَةُ لِلِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إعَارَةِ الْفُرُوجِ.
الرَّابِعُ: مَا بِهِ تَكُونُ الْإِعَارَةُ نَحْوُ أَعَرْتُك وَخُذْ هَذَا عَارِيَّةً أَوْ أَعِرْنِي فَيَقُولُ: نَعَمْ أَوْ يُومِئُ بِرَأْسِهِ.
وَحُكْمُهَا النَّدْبُ وَتَتَأَكَّدُ فِي الْقَرَابَةِ وَالْجِيرَانِ وَالْأَصْحَابِ، وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77] وَمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ وَالدَّيْنُ يُقْضَى وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» الْمِنْحَةُ الشَّاةُ الْمُسْتَعَارَةُ لِيُنْتَفَعَ بِلَبَنِهَا ج: وَمُؤَدَّاةٌ مَضْمُونَةٌ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعَارَ مِنْ صَفْوَانَ دِرْعَهُ فَقَالَ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ: لَا بَلْ عَارِيَّةً مَضْمُونَةً» .
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (وَالْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ) ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (يَضْمَنُ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ) إلَّا إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّ
[حاشية العدوي]
[قَوْلُهُ: وَلَا عَبْدٌ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ] أَيْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ بِالْأَعْوَاضِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْعَارِيَّةِ إلَّا مَا كَانَ اسْتِئْلَافًا لِلتِّجَارَةِ، وَعَارِيَّةُ الزَّوْجَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ صَحِيحَةٌ بِخِلَافِ الْمَرِيضِ فَبَاطِلَةٌ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي يُنْظَرُ لِكَوْنِهِ قَدْرَ الثُّلُثِ فَأَكْثَرَ قِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ الْمُعَارَةِ لَا قِيمَةُ ذِي الْمَنْفَعَةِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ الْمُسْلِمِ] أَيْ إعَارَةُ الْغُلَامِ الْمُسْلِمِ لِخِدْمَةِ الذِّمِّيِّ وَلَا يَرِدُ أَنَّ هِبَةَ ذَاتِ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ مَمْنُوعَةٌ ابْتِدَاءً وَمَاضِيَةٌ بَعْدَ الْوُقُوعِ لِأَنَّهُ لَمَّا أُجْبِرَ عَلَى إخْرَاجِهِ لَمْ يَسْتَقِرَّ لَهُ عَلَيْهِ مِلْكٌ بِخِلَافِ هِبَةِ مَنْفَعَتِهِ أَوْ إعَارَتِهِ فَيَغْلِبُ فِيهِ قَصْدُ الْإِذْلَالِ، وَقِيلَ: بِالصِّحَّةِ وَتُبَاعُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ الْأَطْعِمَةِ] فَإِذَا أَعَارَهُ إرْدَبًّا مِنْ الْقَمْحِ بِأَنْ قَالَ لَهُ: أَعَرْتُك هَذَا الْإِرْدَبَّ مَثَلًا فَتِلْكَ إعَارَةٌ بَاطِلَةٌ، فَلَا يَلْزَمُ الْمُعِيرَ دَفْعُ ذَلِكَ الْإِرْدَبِّ لِلْمُسْتَعِيرِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَا تُرَادُ إلَخْ] عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: فَلَا تَصِحُّ إعَارَةٌ، وَلِقَوْلِهِ: وَإِنَّمَا تَكُونُ قَرْضًا أَيْ وَحَيْثُ إنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا قَرْضًا فَيَضْمَنُهَا الْآخِذُ لَهَا وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى الْهَلَاكِ وَلَوْ وَقَعَتْ بِلَفْظِ الْعَارِيَّةِ، وَمُفَادُ هَذَا الْحَصْرِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِعَارَتُهَا لِتَزْيِينِ الْحَوَانِيتِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا تُعَارُ الْأَمَةُ لِلِاسْتِمْتَاعِ] أَيْ أَوْ الزَّوْجَةُ لِذَلِكَ، وَكَذَا لَا تُعَارُ الْأَمَةُ لِخِدْمَةِ بَالِغٍ غَيْرِ مَحْرَمٍ أَوْ لِمَنْ تُعْتَقُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ فَرْعُ الْمِلْكِ وَمِلْكُهَا لَا يَسْتَقِرُّ لِمَنْ تُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أُعِيرَتْ الْأَمَةُ أَوْ الْعَبْدُ لِمَنْ يُعْتَقَانِ عَلَيْهِ لَمْ تَصِحَّ الْعَارِيَّةُ وَيَمْلِكَانِ خِدْمَتَهُمَا تِلْكَ الْمُدَّةِ وَلَا يَمْلِكُهَا السَّيِّدُ وَلَا الْمُسْتَعِيرُ، وَأَمَّا عَارِيَّةُ الْمَرْأَةِ لِامْرَأَةٍ مِثْلِهَا أَوْ لِصَبِيٍّ أَوْ لِمَحْرَمِهَا فَإِنَّهُ جَائِزٌ.
[قَوْلُهُ: نَحْوُ أَعَرْتُك] أَيْ وَيَقْبَلُ الْآخَرُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اللَّفْظِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ كَمَا تَكُونُ بِالْقَوْلِ تَكُونُ بِالْفِعْلِ الَّذِي تُفْهَمُ مِنْهُ، ثُمَّ إنْ قُيِّدَتْ بِزَمَنٍ فَلَا إشْكَالَ فِي لُزُومِهَا لَهُ وَإِلَّا فَاللَّازِمُ مَا تُعَارُ لِمِثْلِهِ.
[قَوْلُهُ: وَحُكْمُهَا] أَيْ الْأَصْلُ النَّدْبُ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا الْوُجُوبُ كَمَنْ مَعَهُ شَيْءٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ وَطَلَبَهُ مَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ الْهَلَاكُ بِتَرْكِهِ كَكِسَاءٍ فِي زَمَنِ شِدَّةِ بَرْدٍ، وَالْحُرْمَةُ إذَا كَانَتْ تُعِينُ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَالْكَرَاهَةُ إذَا كَانَتْ تُعِينُ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ، وَالْإِبَاحَةُ إذَا أَعَارَهَا غَنِيًّا.
[قَوْلُهُ: وَتَتَأَكَّدُ فِي الْقَرَابَةِ وَالْجِيرَانِ] أَيْ وَتَتَأَكَّدُ فِيمَا قَلَّ أَيْضًا كَالْفَأْسِ وَالْقِدْرِ وَالدَّلْوِ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ، أَيْ تَتَأَكَّدُ مِنْ حَيْثُ حُكْمُهَا وَهُوَ النَّدْبُ وَلَوْ قَالَ وَيَتَأَكَّدُ أَيْ النَّدْبُ لَكَانَ أَوْضَحَ.
[قَوْلُهُ: مَضْمُونَةٌ] وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَرْدُودَةٌ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: مَرْدُودَةٌ] أَيْ يَجِبُ رَدُّهَا لِأَرْبَابِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الِاسْتِعَارَةِ، وَقَوْلُهُ: وَالدَّيْنُ يُقْضَى أَيْ يَجِبُ قَضَاؤُهُ.
وَقَوْلُهُ: «وَالزَّعِيمُ أَيْ الْكَفِيلُ أَيْ الضَّامِنُ غَارِمٌ» .
وَقَوْلُهُ: مَضْمُونَةٌ أَيْ يَضْمَنُهَا الْمُسْتَعِيرُ إذَا ادَّعَى تَلَفَهَا مَثَلًا وَكَانَتْ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ مَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ.
[قَوْلُهُ: اسْتَعَارَ مِنْ صَفْوَانَ] أَيْ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: دِرْعُهُ] قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: دِرْعُ الْحَدِيدِ مُؤَنَّثَةٌ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ الدِّرْعَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ.
[قَوْلُهُ: يَضْمَنُ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ] لَكِنْ إنْ كَانَتْ الْعَارِيَّةُ لَا تَنْقُصُ
الضَّمَانَ لِلتُّهْمَةِ وَهِيَ تَزُولُ بِالْبَيِّنَةِ (وَلَا يَضْمَنُ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ) ع: وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ مُتَّهَمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَلَوْ شَرَطَ الْمُعِيرُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ الْمُسْتَعِيرُ عَلَى الْمُعِيرِ عَدَمَ الضَّمَانِ مِمَّا فِيهِ الضَّمَانُ لَا يَنْفَعُهُ.
وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَلَهُمَا أَيْضًا يَنْفَعُهُ وَيَعْمَلُ بِالشَّرْطِ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ بَابٌ مَعْرُوفٌ، وَإِسْقَاطُ الضَّمَانِ مِنْ الْمَعْرُوفِ ثُمَّ اسْتَثْنَى مِمَّا لَا ضَمَانَ فِيهِ صُورَةً فَقَالَ: (إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى) الْمُسْتَعِيرُ فَيَضْمَنَ وَوُجُوهُ التَّعَدِّي كَثِيرَةٌ: مِنْهَا الزِّيَادَةُ فِي الْحِمْلِ وَالزِّيَادَةُ فِي الْمَسَافَةِ، وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ فِي صُورَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ وَيَكُونُ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا أَنْ يَقُولَ: تَلِفَتْ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَلَمْ يَسْمَعْ أَحَدٌ مِنْ الرُّفْقَةِ بِتَلَفِهَا.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْوَدِيعَةِ وَعَرَّفَهَا ابْنُ الْحَاجِب بِأَنَّهَا اسْتِنَابَةٌ فِي حِفْظِ الْمَالِ وَحُكْمُهَا الْإِبَاحَةُ وَيَعْرِضُ لَهَا
[حاشية العدوي]
بِالِاسْتِعْمَالِ لِقُرْبِ مُدَّتِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ غَرِمَ قِيمَتَهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَنْقُصُ بِهِ لِبُعْدِ مُدَّتِهَا غَرِمَ قِيمَتَهَا عَلَى نَقْصِهَا بِالِاسْتِعْمَالِ.
وَلَوْ تَلِفَتْ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ فَإِنْ كَانَ الْمُتْلِفُ لَهَا شَخْصٌ فَإِنَّ الْمُعَارَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ التَّلَفِ وَلَهُ مَا زَادَ عَلَى مَا تَرَتَّبَ مِنْ قِيمَتِهَا نَاقِصَةً هَكَذَا قَرَّرَ بَعْضُ أَشْيَاخِي.
وَقَالَ بَعْضُ أَشْيَاخِي: لَوْ أَخَذَ الْمُعِيرُ الْقِيمَةَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ الْمُتْلِفِ لَهَا هَلْ لِلْمُسْتَعِيرِ حَقٌّ فِيمَا زَادَتْهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ التَّلَفِ عَمَّا تَزِيدُهُ قِيمَتُهَا عَلَى مَا يَنْقُصُهَا بِالِاسْتِعْمَالِ أَمْ لَا وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ حَقَّهُ إنَّمَا هُوَ فِي الذَّاتِ وَقَدْ ذَهَبَتْ.
قَالَهُ عج: وَإِذَا ضَمِنَ الْقِيمَةَ يَوْمَ انْقِضَاءِ أَجْلِ الْعَارِيَّةِ عَلَى مَا يَنْقُصُهَا الِاسْتِعْمَالُ الْمَأْذُونُ فِيهِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ لَقَدْ ضَاعَتْ ضَيَاعًا لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى رَدِّهَا لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى إخْفَائِهَا رَغْبَةً فِي أَخْذِهَا بِقِيمَتِهَا، فَإِذَا اسْتَعْمَلَهَا فِي غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَنَقَصَتْ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ نُقْصَانِهَا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ فَإِنَّهُ يُغَرَّمُ قِيمَتَهَا مَعَ مُرَاعَاةِ نَقْصِهَا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى هَلَاكِهِ] أَيْ أَوْ تَلَفِهِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا لِأَشْهَبَ مِنْ الضَّمَانِ، وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ وَمِثْلُ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ لَوْ عَلِمَ أَنَّ التَّلَفَ بِغَيْرِ سَبَبِهِ كَسُوسٍ فِي ثَوْبٍ أَوْ قَرْضِ فَأْرٍ لَكِنْ بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّهُ مَا فَرَّطَ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَضْمَنُ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ] فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي التَّلَفِ وَفِي الضَّيَاعِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ كَدَعْوَاهُ مَوْتَ دَابَّةٍ يَوْمَ كَذَا ثُمَّ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعْمِلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ شَرَطَ الْمُسْتَعِيرُ عَلَى الْمُعِيرِ عَدَمَ الضَّمَانِ مِمَّا فِيهِ الضَّمَانُ] أَيْ لِأَنَّ الضَّمَانَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ.
[قَوْلُهُ: وَلَهُمَا أَيْضًا يَنْفَعُهُ إلَخْ] وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ، وَقِيلَ: يُفْسِدُهُ وَيَكُونُ لِلْمُعِيرِ أُجْرَةُ مَا أَعَارَهُ وَالْقَوْلَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ بَابٌ مَعْرُوفٌ] أَيْ وَإِسْقَاطُ الضَّمَانِ مِنْ الْمَعْرُوفِ.
[قَوْلُهُ: مِنْهَا الزِّيَادَةُ فِي الْحِمْلِ] هَذِهِ عِبَارَةٌ مُجْمَلَةٌ وَتَفْصِيلُهَا أَنَّهُ إذَا اسْتَعَارَ دَابَّةً لِحَمْلِ شَيْءٍ ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ زَادَ مَا تَعْطَبُ بِهِ وَعَطِبَتْ فَإِنَّ صَاحِبَهَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ أَوْ يَأْخُذُ كِرَاءَ الزَّائِدِ فَقَطْ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: كَمْ يُسَاوِي كِرَاؤُهَا فِيمَا أُعِيرَتْ لَهُ فَإِنْ قِيلَ عَشْرَةً فَيُقَالُ: كَمْ يُسَاوِي كِرَاؤُهَا فِي جَمِيع مَا حُمِلَ عَلَيْهَا مِنْ الزَّائِدِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ قِيلَ: خَمْسَةً دَفَعَ لِلْمُعِيرِ الْخَمْسَةَ الْمَذْكُورَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي فَاللَّازِمُ الْقِيمَةُ كَذَا يَظْهَرُ فَلَوْ سَلِمَتْ فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ أَوْ زَادَ مَا لَا تَعْطَبُ وَسَلِمْت أَوْ عَطِبَتْ فَلَا شَيْءَ لِلْمُعِيرِ إلَّا كِرَاءَ الزَّائِدِ.
[قَوْلُهُ: وَالزِّيَادَةُ فِي الْمَسَافَةِ] لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَعْطَبُ بِهِ أَوْ لَا حَيْثُ تَلِفَتْ، أَيْ وَمِنْهَا إذَا حَمَّلَهَا أَثْقَلَ مِمَّا اسْتَعَارَهَا لَهُ وَلَوْ أَقَلَّ قَدْرًا بِخِلَافِ مَا لَوْ تَلْفِت بِفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِيهِ أَوْ مِثْلِهِ فَلَا ضَمَان، وَجَوَازُ فِعْلِ الْمِثْلِ جَائِزٌ وَلَوْ فِي الْمَسَافَةِ عَلَى الرَّاجِحِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجَرِ الْعُدُول عَنْ الْمَسَافَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا.
وَإِنْ سَاوَتْ إلَّا بِإِذْنِ الْمُكْرِي لِمَا فِي الْعُدُولُ إلَى غَيْرِهَا مِنْ بَيْعِ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَهُوَ لَا يَجُوزُ فَتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: مِنْهَا أَنْ يَقُولَ تَلِفَتْ إلَخْ] أَيْ وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ: مَاتَتْ بِمَوْضِعِ كَذَا وَلَمْ يُوجَد لَهَا أَثَرٌ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
[أَحْكَام الْوَدِيعَة]
[قَوْلُهُ: ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْوَدِيعَةِ] مِنْ
الْوُجُوبُ كَالْخَوْفِ عَلَى الْمَالِ عِنْدَ رَبِّهِ مِنْ ظَالِمٍ، وَالتَّحْرِيمُ كَالْمَالِ الْمَغْصُوبِ يَحْرُمُ قَبُولُهُ لِأَنَّ فِي إمْسَاكِهِ إعَانَةً عَلَى عَدَمِ رَدِّهِ لِمَالِكِهِ، وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَدِّ الْأَمَانَةَ لِمَنْ ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَأَرْكَانُهَا ثَلَاثَةٌ: الْمُودِعُ بِكَسْرِ الدَّالِ وَالْمُودَعُ بِفَتْحِهَا، وَالشَّيْءُ الْمُودَعُ وَشَرْطُ الْأَوَّلَيْنِ كَالْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ فَمَنْ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يُودِعَ غَيْرَهُ، وَكُلُّ مَنْ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا لِغَيْرِهِ فِي حِفْظِ الْوَدِيعَةِ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: رَدُّ الْوَدِيعَةِ وَاجِبٌ مَهْمَا طَلَبَ الْمَالِكُ وَانْتَفَى الْعُذْرُ إلَى أَنْ قَالَ: قَالَ فِي الْكِتَابِ يُصَدَّقُ فِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ وَالْقِرَاضِ إلَيْك إلَّا أَنْ يَقْبِضَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ: (وَالْمُودَعُ) بِفَتْحِ الدَّالِ (إنْ قَالَ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ إلَيْك صُدِّقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهَا بِإِشْهَادٍ) فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِإِشْهَادٍ عَلَى رَدِّهَا لِأَنَّهُ حِينَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ لَمْ يَكْتَفِ بِأَمَانَتِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ مَقْصُودَةً لِلتَّوَثُّقِ وَبِذَلِكَ قَيَّدَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْمُدَوَّنَةَ أَمَّا إذَا دَفَعَهَا بِمَحْضَرِ شُهُودٍ وَلَمْ يُشْهِدْ
[حاشية العدوي]
الْوَدْعِ وَهُوَ التَّرْكُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3] أَيْ مَا تَرَكَ عَادَةَ إحْسَانِهِ فِي الْوَحْيِ إلَيْك وَهِيَ بِالْمَعْنَى الِاسْمِيِّ لُغَةً الْأَمَانَةِ، وَاصْطِلَاحًا مَالٌ وُكِّلَ عَلَى حِفْظِهِ وَتَعْرِيفُ ابْنِ الْحَاجِبِ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ.
[قَوْلُهُ: اسْتِنَابَةٌ إلَخْ] يَدْخُلُ إيدَاعُ ذِكْرِ الْحُقُوقِ وَيَخْرُجُ وَضْعُ الْأَبِ وَلَدَهُ عِنْدَ مَنْ يَحْفَظُهُ لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يُقَالُ لَهُ مَالٌ، وَيَخْرُجُ وَضْعُ الْأَمَةِ مُدَّةَ الْمُوَاضَعَةِ عِنْدَ أَمِينَةٍ لِأَنَّ وَضْعَهَا لَمْ يَكُنْ لِحِفْظِهَا وَإِنَّمَا هُوَ لِلْإِخْبَارِ بِحَيْضِهَا، وَظَاهِرُ التَّعْرِيفِ كَالْمُدَوَّنَةِ شُمُولُهُ لِمَا لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ كَالرِّبَاعِ لِيَحْفَظَهَا الْمُودَعُ مِمَّنْ يَتَسَوَّرُ عَلَيْهَا.
[قَوْلُهُ: وَحُكْمُهَا الْإِبَاحَةُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ سِيَاقَ مَا يَأْتِي يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْإِبَاحَةَ مِنْ حَيْثُ الْقَبُولُ أَيْ فَيُبَاحُ لِلْمُودَعِ أَنْ يَقْبَلَ الْوَدِيعَةَ، وَظَاهِرُهُ اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ لِأَنَّهُ قَضَاءُ حَاجَةٍ لَهُ نَعَمْ الْإِبَاحَةُ ظَاهِرَةٌ فِيهِ وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا الْوُجُوبُ مِنْ جَانِبِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: كَالْخَوْفِ إلَخْ] الْوُجُوبُ مُتَعَلِّقٌ بِقَبُولِهَا لَا بِفِعْلِهَا إلَّا أَنْ يُفْرَضَ فِي مَالٍ لَوْ تَرَكَهُ لَخَشِيَ ضَيَاعَهُ أَوْ ضَيَاعَ عِيَالِهِ.
وَقَوْلُهُ: يَحْرُمُ قَبُولُهُ يُفِيدُ أَنَّ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِنَفْسِ الْإِيدَاعِ بَلْ بِالْقَبُولِ مَعَ أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ أَيْضًا بِنَفْسِ الْإِيدَاعِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: حُرْمَةُ الْإِيدَاعِ لَا تُتَوَهَّمُ، وَمَحِلُّ كَوْنِهِ يَحْرُمُ قَبُولُهُ إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى جَحْدِهَا لِيَرُدَّهَا لِرَبِّهَا أَوْ لِلْفُقَرَاءِ إنْ كَانَ الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ مُسْتَغْرَقَ الذِّمَّةِ لِأَنَّ عِيَاضًا ذَكَرَ أَنَّ مَنْ قَبِلَ وَدِيعَةً مِنْ مُسْتَغْرَقِ الذِّمَّةِ ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ يَضْمَنُهَا لِلْفُقَرَاءِ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا النَّدْبُ حَيْثُ يَخْشَى مَا يُوجِبُهَا دُونَ تَحَقُّقٍ، وَكَرَاهَتُهَا حَيْثُ يَخْشَى مَا يُحَرِّمُهَا دُونَ تَحَقُّقٍ.
[قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]] «كَانَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ سَادِنَ الْكَعْبَةِ وَقَدْ أَخَذَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِفْتَاحَهَا، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَرُدَّهُ وَقَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَ فِي شَأْنِك قُرْآنٌ وَقَرَأَ عَلِيٌّ فَأَسْلَمَ، فَأَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ أَنَّهَا فِي أَوْلَادِهِ أَبَدًا» فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَتْ وَارِدَةً فِي شَأْنِ ذَلِكَ فَمَا وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ؟ قُلْنَا: الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ مِنْ عَلَامَاتِ الْإِيمَانِ وَمِنْ عَمَلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا الْخِيَانَةُ فَهِيَ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ وَعَمَلِ الْفُسَّاقِ.
[قَوْلُهُ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ لِمَنْ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» ] اعْلَمْ أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ مَنْ أَوْدَعَ عِنْدَ شَخْصٍ وَدِيعَةً أَيْ أَوْ بَاعَهُ شَيْئًا أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا أَوْ عَامَلَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ فَخَانَهُ فِيهِ أَوْ فِي بَعْضِهِ ثُمَّ إنَّ هَذَا الْخَائِنَ أَوْدَعَ وَدِيعَةً عَنْ صَاحِبِهِ الْأَوَّلِ أَوْ بَاعَ مِنْهُ أَوْ اشْتَرَى فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ هَذِهِ الْوَدِيعَةِ أَوْ مِمَّا عَامَلَهُ فِيهِ نَظِيرَ مَا ظَلَمَهُ الْأَوَّلُ فِيهِ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا تَأْخُذْ أَزْيَدَ مِنْ حَقِّك فَتَكُونَ خَائِنًا، وَأَمَّا مَنْ أَخَذَ حَقَّهُ فَلَيْسَ خَائِنًا فَإِنْ قُلْت: إنَّ الْآيَةَ وَالْحَدِيثَ مَنْطُوقُهُمَا وُجُوبُ رَدِّ الْأَمَانَةِ وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَصْلِ الْإِيدَاعِ فَأَيْنَ الْمُطَابِقَةُ بَيْنَ الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ؟ قُلْنَا: لَعَلَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ رَدَّ الْأَمَانَةِ فَرْعُ الْإِيدَاعِ، وَلَمْ يَنْهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْإِيدَاعِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ فَتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: فَمَنْ صَحَّ مِنْهُ إلَخْ] الَّذِي يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يُوَكِّلَ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ الرَّشِيدُ إلَّا الصَّغِيرَةَ فِي لَوَازِمِ الْعِصْمَةِ وَاَلَّذِي يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ هُوَ الْمُمَيِّزُ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ
عَلَيْهَا فَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ حَتَّى يَقُولَ: اشْهَدُوا بِأَنِّي اسْتَوْدَعْته كَذَا وَكَذَا، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: صُدِّقَ أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَعَزَوْا لِلْمُدَوَّنَةِ الْيَمِينَ وَعَلَيْهِ قَرَّرَ ك فَقَالَ: ك يُرِيدُ وَيَحْلِفُ كَانَ مُتَّهَمًا أَمْ لَا قَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ، وَظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ أَنَّ غَيْرَ الْمُتَّهَمِ لَا يَحْلِفُ
(وَإِنْ قَالَ) الْمُودَعُ بِفَتْحِ الدَّالِ (ذَهَبَتْ) بِمَعْنَى تَلِفَتْ الْوَدِيعَةُ (فَهُوَ مُصَدَّقٌ بِكُلِّ حَالٍ) قَبَضَهَا بِإِشْهَادٍ أَوْ لَا، وَيَحْلِفُ الْمُتَّهَمُ دُونَ غَيْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَوْلُهُ: (وَالْعَارِيَّةُ لَا يُصَدَّقُ فِي هَلَاكِهَا فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ)
[حاشية العدوي]
وَحَكَى عَلَيْهِ الِاتِّفَاقَ وَخَالَفَهُ اللَّخْمِيُّ وَقَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا رَشِيدًا، وَوَافَقَهُ الْقَرَافِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَذَكَرَهُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَعَلَيْهِ عَمَلُ بَلَدِنَا لَكِنْ يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَإِنَّهُ يَقْبَلُهَا وَلَا يَتَوَكَّلُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّ مَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْإِيدَاعِ وَالْقَبُولِ وَلَا يَلْزَمُ الْعَكْسُ.
وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالسَّفِيهُ فَلَا يُودَعَانِ وَلَا يُسْتَوْدَعَانِ، لَكِنْ إنْ أَوْدَعَاكَ شَيْئًا وَجَبَ عَلَيْكَ يَا رَشِيدُ حِفْظُهُ، وَأَمَّا إنْ أَوْدَعْت عِنْدَهُمَا فَأَتْلَفَا أَوْ فَرَّطَا لَمْ يَضْمَنَا وَإِنْ بِإِذْنِ أَهْلِهِمَا.
وَلَا يَخْفَى ظُهُورُ قَوْلِ الشَّارِحِ عَلَى قَوْلِ اللَّخْمِيِّ لَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ عَلَى مَا قَرَّرْنَا مِنْ أَنَّ الصَّبِيَّ وَالسَّفِيهَ لَا يُسْتَوْدَعَانِ.
بَقِيَ الْكَلَامُ عَلَى الصِّيغَةِ فَقِيلَ: شَرْطٌ، وَقِيلَ: رُكْنٌ وَهِيَ كُلُّ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ طَلَبُ الْحِفْظِ وَلَوْ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ بِاللَّفْظِ حَتَّى لَوْ وَضَعَ شَخْصٌ مَتَاعَهُ عِنْدَ جَالِسٍ رَشِيدٍ بَصِيرٍ سَاكِتٍ وَذَهَبَ الْوَاضِعُ لِحَاجَتِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَوْضُوعِ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ حِفْظُهُ بِحَيْثُ إنْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهِ حَتَّى ضَاعَ ضَمِنَهُ لِأَنَّ سُكُوتَهُ رِضًا مِنْهُ بِالْإِيدَاعِ عِنْدَهُ، وَأَمَّا الْأَعْمَى فَلَا بُدَّ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا حَتَّى يَضْمَنَ.
[قَوْلُهُ: حَتَّى يَقُولَ اشْهَدُوا] هَذَا بَيَانٌ لِمَعْنَى قَصْدِ التَّوَثُّقِ، وَفِي بَعْضِ التَّقَارِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَصْدِ التَّوَثُّقِ أَنْ يَقْصِدَ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ عَدَمَ قَبُولِ دَعْوَاهُ الرَّدَّ بِمُجَرَّدِهَا قَالَهُ عج وَكَذَا فِي بَعْضِ شُرَّاحِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
قُلْت: وَعَلَيْهِ فَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي كَوْنِهَا مَقْصُودَةً لِلتَّوَثُّقِ قَصْدُ الْمُودِعِ بِالْكَسْرِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى فَهْمِ الْمُودَعِ بِالْفَتْحِ أَنَّ الْمُودِعَ بِالْكَسْرِ أَشْهَدَ تِلْكَ الْبَيِّنَةَ بِقَصْدِ التَّوَثُّقِ وَأَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي قَصْدِهِ، وَفِي الْحَطَّابِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِهَا لِلتَّوَثُّقِ عِلْمُ الْمُودَعِ بِالْفَتْحِ أَنَّ الْمُودِعَ بِالْكَسْرِ قَصَدَ بِهَا التَّوَثُّقَ اهـ.
وَكَلَامُ بَعْضٍ يُؤْذِنُ بِاعْتِمَادِهِ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْبَيِّنَةُ الَّتِي أَشْهَدَهَا الْمُودَعُ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ فَكَالْعَدِمِ وَيُقْبَلُ دَعْوَاهُ الرَّدَّ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْإِشْهَادُ خَوْفَ الْمَوْتِ لِيَأْخُذَهَا مِنْ تَرِكَتِهِ أَوْ يَقُولَ الْمُودَعُ: أَخَافُ أَنْ يَقُولَ هِيَ سَلَفٌ فَأَشْهَدُ أَنَّهَا وَدِيعَةٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا التَّوَثُّقَ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ الرَّدَّ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ إلَيْكَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: رَدَدْتهَا لِوَلَدِك لَا يُصَدَّقُ لِأَنَّ دَعْوَى الرَّدِّ لِلْيَدِ الَّتِي لَمْ تَدْفَعْ لَا تَنْفَعُ، وَضَابِطُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ الْمُؤْتَمَنَةِ إذَا كَانَتْ دَعْوَى الدَّفْعِ مِنْهُ لِلْيَدِ الَّتِي اسْتَأْمَنَتْهُ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ سَوَاءٌ كَانَتْ دَعْوَى الدَّفْعِ مِنْهُ أَوْ مِنْ وَارِثِهِ عَلَى ذِي الْيَدِ الَّتِي ائْتَمَنَهُ أَوْ وَارِثِهِ، وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ الضَّمَانُ.
[قَوْلُهُ: كَانَ مُتَّهَمًا أَمْ لَا] الْمُتَّهَمُ هُوَ مَنْ يُشَارُ لَهُ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ مِنْ التَّسَاهُلِ فِي الْوَدِيعَةِ.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَمْ يَذْكُرْ حَلِفَ الْمُتَّهَمِ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي دَعْوَى التَّلَفِ، وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يَحْلِفُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ كَانَ مُتَّهَمًا أَمْ لَا كَانَتْ دَعْوَى تَحْقِيقٍ أَوْ اتِّهَامٍ، فَإِنْ نَكَلَ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ حَلَفَ الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ عِنْدَ دَعْوَى التَّحْقِيقِ كَانَ مُتَّهَمًا أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ دَعْوَى تَحْقِيقٍ غُرِّمَ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ.
[قَوْلُهُ: ذَهَبَتْ بِمَعْنَى تَلِفَتْ] أَيْ أَوْ ضَاعَتْ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنِّي، وَأَمَّا لَوْ هَلَكَتْ بِتَقْصِيرٍ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِوُجُوبِ حِفْظِهَا عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ قَبُولِهَا وَلَوْ أَذِنَ لَهُ رَبُّهَا فِي إتْلَافِهَا أَوْ كَانَ الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ صَبِيًّا أَوْ سَفِيهًا، وَنَظِيرُ ذَلِكَ فِي الضَّمَانِ مَعَ الْإِذْنِ مَنْ قَالَ لِآخَرَ: اُقْتُلْنِي أَوْ اُقْتُلْ وَلَدِي بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لَهُ: احْرِقْ ثَوْبِي أَوْ اقْطَعْ يَدِي فَلَا ضَمَانَ مَعَ الْإِذْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا ذُكِرَ وَبَيْنَ الْوَدِيعَةِ أَنَّ الْوَدِيعَةَ الْتَزَمَ حِفْظَهَا بِمُجَرَّدِ قَبُولِهَا فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْإِذْنُ.
[قَوْلُهُ: قَبَضَهَا بِإِشْهَادٍ أَوْ لَا] كَانَتْ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهَا أَوْ لَا، وَكَذَا لَوْ قَالَ لَا أَدْرِي مَتَى تَلِفَتْ أَوْ قَالَ: ضَاعَتْ مِنْ سِنِينَ وَكُنْت أَرْجُوهَا، وَلَوْ كَانَ صَاحِبُهَا حَاضِرًا فَلَا ضَمَانَ فِي ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَيَحْلِفُ الْمُتَّهَمُ دُونَ غَيْرِهِ] وَقِيلَ: يَحْلِفُ