يَأْتِي بِمِثْلِهَا، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ خُلْفَهَا وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونَ.
وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَشْتَرِطَ وَهُوَ نَصٌّ لَهُ فِي الْجُعَلِ، وَالْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ (وَمَنْ اكْتَرَى كِرَاءً مَضْمُونًا) مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: اكْرِ لِي دَابَّةً لِأَحْمِلَ عَلَيْهَا كَذَا إلَى مَوْضِعِ كَذَا (فَمَاتَتْ الدَّابَّةُ فَلْيَأْتِ بِغَيْرِهَا) ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مُسْتَحَقَّةٌ فِي الذِّمَّةِ وَلَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهَذِهِ الْعَيْنِ وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ مَاتَ الرَّاكِبُ لَمْ يَنْفَسِخْ الْكِرَاءُ) مُكَرَّرٌ كَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَلْيَكْتَرُوا مَكَانَهُ غَيْرَهُ) يَعْنِي أَنَّ مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً وَنَقَدَ كِرَاهَا ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَنْفَسِخْ الْكِرَاءُ بَلْ تُكْرِي وَرَثَتُهُ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُمْ الدَّابَّةَ لِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْقَدْرِ، وَالْحَالِ، وَلَا يُكْرُونَهَا لِمَنْ هُوَ بَادِنٌ أَعْظَمُ مِمَّنْ مَاتَ عَنْهَا.
ج، وَإِنْ مَاتَ عَنْهَا رَجُلٌ فَلَا يُكْرُونَهَا إلَّا لِرَجُلٍ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمَرْأَةَ
[حاشية العدوي]
وَلْيَأْتِ بِمِثْلِهَا إلَخْ] فَإِنْ لَمْ يَأْتِ دَفَعَ جَمِيعَ الْأَجْرِ.
وَقَوْلُهُ: وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَخْ أَيْ فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِالْخَلَفِ لَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ جَمِيعِ الْأَجْرِ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْمُعَيَّنَةِ، وَالرَّاجِحُ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا أَنَّ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ شَيْئًا وَهُوَ أَنَّ قَضِيَّتَهُ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ فِي جَوَازِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا شَرْطَ الْخَلَفِ، وَأَنَّ شَرْطَ الْخَلَفِ إنَّمَا هُوَ لِلُّزُومِ الْخَلْف وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى رِعَايَةِ الْغَنَمِ الْمُعَيَّنَةِ إلَّا إذَا شَرَطَ الْخَلَفَ وَإِلَّا فَسَدَ كَمَا تُفِيدُهُ الْمُدَوَّنَةُ وَمِثْلُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ إلَخْ.
وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمٍ مُعَيَّنَةٍ إلَّا بِشَرْطِ أَنَّ كُلَّ مَا مَاتَ مَثَلًا يُخْلِفُهُ رَبُّهُ وَإِلَّا فُسِخَ وَكَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ حَيْثُ اطَّلَعَ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُدَّةِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ كَأَنْ يَتَعَاقَدَ مَعَهُ عَلَى رِعَايَةِ عِشْرِينَ نَعْجَةً مَثَلًا فَلَا يُشْتَرَطُ الْخَلَفُ وَيَدْفَعُ رَبُّهَا جَمِيعَ الْكِرَاءِ، أَوْ يَأْتِي بِالْخَلَفِ وَقَوْلُهُ: بِمِثْلِهَا أَيْ فَلَا يَلْزَمُهُ إذَا أَتَى بِغَيْرِهِ كَأَنْ أَتَى بِمَعْزٍ لِمَا فِي رَعْيِهَا مِنْ الْمَشَقَّةِ، وَلَا يَلْزَمُهُ رَعْيُ الْأَوْلَادِ إلَّا لِعُرْفٍ، وَحَيْثُ انْتَفَى لَزِمَ رَبَّهَا الْإِتْيَانُ بِرَاعٍ لَهَا وَرَعَاهَا وُجُوبًا مَعَ الْأُمَّهَاتِ؛ لِأَنَّ رَعْيَهَا بِدُونِ أُمَّهَاتِهَا يُتْعِبُ رَاعِيَ الْأُمِّ، فَلَوْ لَمْ يُعَيِّنْ أَشْخَاصًا وَلَا عَدَدًا كَأَنْ تَرْعَى لِي غَنَمًا فَجَائِزٌ وَأَتَى لَهُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَى رَعْيِهِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ جَمِيعَ مَنْفَعَتِهِ، وَلَيْسَ لِلرَّاعِي أَنْ يَرْعَى مَعَهَا غَيْرَهَا، وَلَوْ قَدَرَ فَإِنْ فَعَلَ كَانَ الْأَجْرُ لِرَبِّ الْغَنَمِ، وَكَذَا فِي الْمُعَيَّنَةِ عِنْدَ شَرْطِ أَنْ لَا يَرْعَى مَعَهَا غَيْرَهَا وَإِلَّا فَلَهُ رَعْيُ الْغَيْرِ أَوْ بِشَرِيكٍ، وَلَا يَجُوزُ لِلرَّاعِي أَنْ يَأْتِيَ بِبَدَلِهِ حَيْثُ كَانَ مُعَيَّنًا إلَّا بِشَرْطٍ أَوْ عُرْفٍ كَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَلَا ضَمَانَ، وَلَوْ بِشَرْطٍ حَيْثُ مَاتَتْ أَوْ سُرِقَتْ إلَّا لِتَقْصِيرٍ وَقَبْلَ قَوْلِهِ بِيَمِينٍ فِيمَا إذَا ذَبَحَ مِنْهَا وَادَّعَى خَوْفَ مَوْتِهِ، وَهَذَا فِي رَاعٍ كُلِّفَ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: كِرَاءً مَضْمُونًا] هُوَ مَا قَابَلَ الْمُعَيَّنَ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْجِنْسِ، وَالنَّوْعِ، وَالذُّكُورَةِ، وَالْأُنُوثَةِ فِي الْمَضْمُونَةِ حَتَّى يَصِحَّ [قَوْلُهُ: وَلَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهَذِهِ الْعَيْنِ] إلَّا أَنَّ الْمُكْرِيَ إذَا أَتَى بِدَابَّةٍ لِلْمُكْتَرِي وَرَكِبَهَا لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ بِرُكُوبِهِ عَلَيْهَا اسْتَحَقَّ مَنْفَعَتَهَا حَتَّى لَوْ فَلَّسَ الْمُكْرِي بَعْدَ قَبْضِهَا يَكُونُ الْمُكْتَرِي أَحَقَّ بِهَا إلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالْمُعَيَّنَةِ بِرُكُوبِهِ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: كَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنَّمَا تَكَلَّمَ أَوَّلًا عَلَى الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ وَهَذِهِ فِي الْمَضْمُونَةِ [قَوْلُهُ: وَلْيَكْتَرُوا] صَوَابُهُ لِيَكْرُوا كَمَا قَالَهُ تت [قَوْلُهُ: دَابَّةً] أَيْ أَوْ سَفِينَةً [قَوْلُهُ: أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُمْ] وَهُوَ الْحَاكِمُ عِنْدَ فَقْدِهِمْ [قَوْلُهُ: لِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ] وَأَوْلَى دُونَهُ [قَوْلُهُ: وَالْحَالِ] عَطْفُ مُرَادِفٍ.
[قَوْلُهُ: هُوَ بَادِنٌ] أَيْ عَظِيمُ الْبَدَنِ لِكَثْرَةِ لَحْمِهِ، وَيَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُذَكَّرُ، وَالْمُؤَنَّثُ، وَالْجَمْعُ بُدَّنٌ مِثْلُ رَاكِعٍ وَرُكَّعٍ.
وَقَوْلُهُ: أَعْظَمُ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِبَادِنٍ أَوْ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِهِ احْتَرَزَ عَنْ بَادِنٍ مِثْلِهِ أَوْ دُونِهِ فَيَجُوزُ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ مَاتَ عَنْهَا رَجُلٌ فَلَا يَكْرُونَهَا إلَّا لِرَجُلٍ] ظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ نَحِيفَةً جِدًّا، وَالرَّجُلُ بَادِنًا جِدًّا وَانْظُرْهُ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ تَعْيِينُ الرَّاكِبِ عِنْدَ عَقْدِ الْكِرَاءِ بَلْ يَصِحُّ عَقْدُ الْكِرَاءِ مُدَّةً عَلَى حَمْلِ آدَمِيٍّ وَلَمْ يَلْزَمْهُ الثَّقِيلُ وَلَا الْمَرِيضُ وَلَا مَعْرُوفٌ بِكَثْرَةِ نَوْمٍ أَوْ بِعَقْرِ الدَّوَابِّ.
فَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى حَمْلِ آدَمِيٍّ وَأَتَى لَهُ بِامْرَأَةٍ لَزِمَهُ حَمْلُهَا حَيْثُ لَمْ تَكُنْ ثَقِيلَةً وَأَمَّا عَلَى حَمْلِ رَجُلٍ فَلَا يَلْزَمُهُ الْمَرْأَةُ بِخِلَافِ الْعَكْسِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ، وَإِنْ مَاتَ عَنْهَا رَجُلٌ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ وَقَعَ عَقْدُ الْكِرَاءِ عَلَى رَجُلٍ.
أَثْقَلُ عَلَى الْبَهِيمَةِ لِرِخْوِ عُضْوِهَا وَكَذَلِكَ الْمَيِّتُ
(وَمَنْ اكْتَرَى مَاعُونًا) كَالْفَأْسِ (أَوْ غَيْرَهُ) كَالثَّوْبِ، وَالدَّابَّةِ (فَ) أَنَّهُ (لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي هَلَاكِهِ بِيَدِهِ وَهُوَ مُصَدَّقٌ) فِي تَلَفِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى مَا اسْتَأْجَرَهُ (إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ) فَلَا يُصَدَّقُ وَيَضْمَنُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: هَلَكَتْ أَوَّلَ الشَّهْرِ ثُمَّ تُرَى بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَمَفْهُومُ بِيَدِهِ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَهُ عَنْ يَدِهِ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْغَيْرِ يَضْمَنُ.
(وَالصُّنَّاعُ) الَّذِينَ نَصَّبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلصَّنْعَةِ الَّتِي مَعَاشُهُمْ مِنْهَا كَالْخَيَّاطِينَ (ضَامِنُونَ لِمَا غَابُوا عَلَيْهِ) أَيْ ضَامِنُونَ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْقَبْضِ وَلَا أُجْرَةَ لَهُمْ فِيمَا عَمِلُوهُ فِي بُيُوتِهِمْ أَوْ حَوَانِيتِهِمْ (عَمِلُوهُ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ) وَبِهَذَا قَضَى الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا وَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ
الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ
؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَضْمَنُوا وَيُصَدَّقُوا فِيمَا يَدَّعُونَ مِنْ التَّلَفِ لَسَارَعُوا إلَى أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَاجْتَرَءُوا عَلَى أَكْلِهَا، ذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي أَنَّ مَالِكًا كَثِيرًا مَا يَبْنِي مَذْهَبَهُ عَلَى الْمَصَالِحِ وَقَدْ قَالَ: إنَّهُ يُقْتَلُ ثُلُثُ الْعَامَّةِ لِإِصْلَاحِ الثُّلُثَيْنِ.
الْمَازِرِيُّ: وَمَا قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي
[حاشية العدوي]
تَنْبِيهٌ: قَالَ تت: وَعَلَى الْمُكْرِي تَسْلِيمُ مَا الْعَادَةُ تَسْلِيمُهُ مَعَهَا مِنْ إكَافٍ وَبَرْذَعَةٍ وَحِزَامٍ وَسَرْجٍ فِي الْفَرَسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُعْتَادِ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ كَالشَّرْطِ.
[قَوْلُهُ: كَالْفَأْسِ] الْمَاعُونُ اسْمٌ جَامِعٌ لِمَنَافِعِ الْبَيْتِ كَقِدْرٍ وَفَأْسٍ وَقَصْعَةٍ وَمُنْخُلٍ وَقُفَّةٍ وَنَحْوِهَا.
[قَوْلُهُ: فِي تَلَفِهِ] أَيْ أَوْ ضَيَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقِيلَ لَا يُصَدَّقُ وَعَلَى تَصْدِيقِهِ فَهَلْ بِيَمِينٍ أَوْ لَا أَوْ يَحْلِفُ الْمُتَّهَمُ دُونَ غَيْرِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَقْوَالٌ.
تت: وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ تَرْجِيحُهُ، وَإِذَا ادَّعَى ضَيَاعَهُ قَبْلَ الِانْتِفَاعِ بِهِ تَسْقُطُ عَنْهُ الْأُجْرَةُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُصَدَّقُ، وَالْكِرَاءُ لَازِمٌ لَهُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَاهُ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: يُصَدَّقُ وَيُصَدَّقُ فِي الضَّيَاعِ كَالرَّدِّ إذَا قَبَضَهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ.
[قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَهُ عَنْ يَدِهِ] أَيْ بِأَنْ أَكْرَاهُ الْمُكْتَرِي لِغَيْرِهِ وَادَّعَى تَلَفَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ إنْ أَكْرَاهُ لِغَيْرِ أَمِينٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَكْرَاهُ لِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْأَمَانَةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يَضْمَنُ إذَا أَكْرَى لِغَيْرِ أَمِينٍ أَوْ لِمَنْ هُوَ أَثْقَلُ مِنْهُ أَوْ أَضَرُّ وَهُوَ مُسَاوٍ لَهُ فِي الثِّقَلِ أَوْ دُونَهُ أَوْ لِمَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْأَمَانَةِ، وَإِذَا أَكْرَى لِغَيْرِ أَمِينٍ فَلِرَبِّ الدَّابَّةِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُكْتَرِيَ الثَّانِيَ أَيْضًا حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ وَكَانَ التَّلَفُ بِسَبَبِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ فِي الْمُكْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ وَكَانَ غَيْرَ عَالِمٍ، وَكَذَا إنْ عَلِمَ بِالتَّعَدِّي، وَلَوْ كَانَ التَّلَفُ بِسَمَاوِيٍّ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّعَدِّي وَلَمْ يَكُنْ التَّلَفُ مِنْ سَبَبِهِ فَإِنْ عَلِمَ بِأَنَّهَا فِي يَدِ مَنْ أَكْرَاهَا بِكِرَاءٍ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي عَدَمِ الْمُكْتَرِي الْأَوَّلِ، وَأَمَّا إنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا مِلْكُهُ أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ شَيْئًا فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ بِحَالٍ، وَحُكْمُ الْإِقْدَامِ عَلَى الْإِكْرَاءِ لِلْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ الْجَوَازُ إذَا كَانَ دَارًا، وَالْمَنْعُ إذَا كَانَ ثَوْبًا وَخِلَافٌ فِي الدَّابَّةِ، وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: نَصَبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلصَّنْعَةِ] أَيْ لِعَامَّةِ النَّاسِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّانِعِ الْخَاصِّ لِجَمَاعَةٍ [قَوْلُهُ: ضَامِنُونَ لِمَا غَابُوا عَلَيْهِ] أَيْ مِنْ مَصْنُوعِهِمْ احْتِرَازًا مِنْ غَيْرِهِ كَظَرْفِ الْمَصْنُوعِ كَقُفَّةِ الطَّحْنِ وَجَفِيرِ السَّيْفِ يُدْفَعُ مَعَ السَّيْفِ ثُمَّ يَدَّعِي ضَيَاعَ مَا ذُكِرَ فَيَضْمَنُ الْقَمْحَ، وَالسَّيْفَ دُونَ الْقُفَّةِ، وَالْجَفِيرِ، وَلَوْ كَانَ الْمَصْنُوعُ يَحْتَاجُ لَهُمَا.
وَقَوْلُهُ: لَمَّا غَابُوا عَلَيْهِ أَيْ وَهُوَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الصَّنْعَةِ تَغْرِيرٌ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ، فَإِذَا دَفَعَ شَخْصٌ غُلَامَهُ لِمَنْ يُعَلِّمُهُ وَقَدْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِذَلِكَ وَغَابَ عَلَيْهِ وَادَّعَى هُرُوبَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ أَوْ كَانَ فِيهَا تَغْرِيرٌ كَثَقْبِ اللُّؤْلُؤِ وَنَقْشِ الْفُصُوصِ وَتَقْوِيمِ السُّيُوفِ وَحَرْقِ الْخُبْزِ عِنْدَ الْفَرَّانِ [قَوْلُهُ: وَلَا أُجْرَةَ لَهُمْ] أَيْ لِأَنَّهُمْ يَضْمَنُونَ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَصْنُوعٍ يَوْمَ دَفْعِهِ.
قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَيْسَ لِرَبِّهِ أَنْ يَقُولَ أَنَا أَدْفَعُ الْأُجْرَةَ وَآخُذُ قِيمَتَهُ مَعْمُولًا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إلَّا أَنْ يُقِرَّ الصَّانِعُ أَنَّهُ تَلِفَ بَعْدَ الْعَمَلِ
[قَوْلُهُ: فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا] أَيْ: سُكُوتِيًّا [قَوْلُهُ: وَاجْتَرَءُوا عَلَى أَكْلِهَا] بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ [قَوْلُهُ: أَبُو الْمَعَالِي هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْمَعَالِي] كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ جَمْعُ مَعْلَاةٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَكْسَبُ الشَّرَفِ [قَوْلُهُ: أَنَّهُ يَقْتُلُ ثُلُثَ الْعَامَّةِ إلَخْ] أَيْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَمَحَلُّهُ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ مُفْسِدُونَ بِارْتِكَابِ أَمْرٍ لَا يَحِلُّ وَلَكِنْ لَا يُوجِبُ الْقَتْلَ كَالسَّرِقَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ تَخْرِيبِ أَمَاكِنِ النَّاسِ وَلَا
عَنْ مَالِكٍ صَحِيحٌ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُمْ ضَامِنُونَ، وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَشْهَبَ خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُمْ ضَامِنُونَ، وَلَوْ شَرَطُوا عَدَمَ الضَّمَانِ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: لَمَّا غَابُوا عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَوْ عَمِلُوهُ فِي بَيْتِ رَبِّ السِّلْعَةِ أَوْ كَانَ رَبُّهَا مُلَازِمًا لَهُمْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ كَذَلِكَ (وَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الْحَمَّامِ) ج: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ الْمُكْرِي لَا حَارِسُ الثِّيَابِ، وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ إلَّا أَنْ يُفَرِّطَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ غَيْرَ ذَلِكَ وَقَرَّرَ ع وَق كَلَامَهُ بِعَكْسِ هَذَا.
وَلَفْظُ الْأَوَّلِ صَاحِبُ الْحَمَّامِ حَارِسُ الثِّيَابِ سَوَاءٌ كَانَ يَحْرُسُهَا بِأُجْرَةٍ أَوْ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، وَهَذَا إذَا سُرِقَتْ أَوْ تَلِفَتْ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا إذَا قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يَطْلُبُهَا فَظَنَنْت أَنَّهُ صَاحِبُهَا فَأَعْطَيْتهَا لَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، وَكَذَا إذَا قَالَ: رَأَيْت مَنْ أَخَذَهَا فَظَنَنْت أَنَّهُ صَاحِبُهَا وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: يَضْمَنُ صَاحِبُ الْحَمَّامِ، وَهِيَ قَوْلَةُ لِمَالِكٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ اهـ.
(وَ) كَذَا (لَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ السَّفِينَةِ) إذَا غَرِقَتْ مِنْ مَدٍّ أَوْ عِلَاجٍ أَوْ مَوْجٍ أَوْ رِيحٍ يُرِيدُ إلَّا فِيمَا حُمِلَ مِنْ الطَّعَامِ، وَالْإِدَامِ فَإِنَّهُ
[حاشية العدوي]
يَحْصُلُ انْزِجَارُهُمْ لَا بِحَبْسِهِمْ وَلَا بِضَرْبِهِمْ إلَّا بِقَتْلِ ثُلُثِهِمْ هَذَا مَحَلُّ الْجَوَازِ.
قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ لِلْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ: ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ يُخَيَّرُ فِي تَعْيِينِ الثُّلُثِ مِنْ جَمْعِ الْمُفْسِدِينَ مَعَ نَظَرِهِ بِالْمَصْلَحَةِ فِيمَنْ هُوَ أَشَدُّ فَسَادًا مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَانْظُرْ لَوْ كَانَ لَا يَحْصُلُ إصْلَاحُ الْمُفْسِدِينَ إلَّا بِقَتْلِ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ الْمُفْسِدِينَ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ ارْتِكَابِهِ صَوْنًا لِلدِّمَاءِ اهـ.
[قَوْلُهُ: خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ] كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا ضَمَانَ حِينَئِذٍ وَلَا أُجْرَةَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهَا إلَّا بِتَسْلِيمِ الْمَتَاعِ لِرَبِّهِ وَهُوَ مُنْتَفٍ هَاهُنَا [قَوْلُهُ: وَلَوْ شَرَطُوا عَدَمَ الضَّمَانِ] أَيْ وَيَفْسُدُ الْعَقْدُ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ إلَّا أَنْ يُسْقِطَهُ [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] وَهُوَ الرَّاجِحُ [قَوْلُهُ: لَوْ عَمِلُوهُ فِي بَيْتِ رَبِّ السِّلْعَةِ] أَيْ وَلَوْ بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الضَّمَانَ مَشْرُوطٌ بِالْغَيْبَةِ عَلَيْهِ وَكَوْنِهِ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ وَأَلَّا تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا ادَّعَاهُ وَأَنْ يُنَصِّبَ نَفْسَهُ لِلصَّنْعَةِ الْعَامَّةِ، وَأَلَّا يَكُونَ فِي الصَّنْعَةِ تَغْرِيرٌ، وَبَقِيَ شَرْطٌ وَهُوَ أَلَّا يَكُونَ الصَّانِعُ أَحْضَرَهُ لِرَبِّهِ مَصْنُوعًا عَلَى الصَّنْعَةِ الْمَطْلُوبَةِ، وَيَتْرُكُهُ رَبُّهُ اخْتِبَارًا فَيَضِيعُ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ حَيْثُ كَانَ الْإِحْضَارُ بَعْدَ دَفْعِ الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْوَدِيعَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَحْضَرَهُ عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ أَوْ ادَّعَاهُ لِأَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ إحْضَارٍ أَوْ أَبْقَاهُ عِنْدَهُ حَتَّى يَقْبِضَ أُجْرَتَهُ فَيَضْمَنُهُ.
[قَوْلُهُ: وَقَرَّرَ ابْنُ عُمَرَ] مَا قَرَّرَ بِهِ ابْنُ عُمَرَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْمُخْتَصَرِ، وَالْمُدَوَّنَةِ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ يَحْرُسُهَا بِأُجْرَةٍ] كَانَ الْحَارِسُ أَجْنَبِيًّا أَوْ كَانَ رَبَّ الْحَمَّامِ، وَمِثْلُ حَارِسِ الْحَمَّامِ غَيْرُهُ مِنْ حَارِسِ الْكُرُومِ، وَالدُّورِ وَغَيْرِهَا، فَالْخُفَرَاءُ فِي الْحَارِثِ، وَالْأَسْوَاقِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ كَتَبَ بِذَلِكَ حُجَّةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْتِزَامِ مَا لَا يَلْزَمُ وَهُوَ لَا يَلْزَمُ حَيْثُ لَمْ يُفَرِّطُوا وَإِلَّا ضَمِنُوا كَذَا قَالَ جَدُّ عج.
وَأَمَّا عج فَكَانَ يُقَرِّرُ مَا نَقَلَهُ تت فِي شَرْحِ خَلِيلٍ مِنْ أَنَّ الْمَصَالِحَ الْعَامَّةَ الْآنَ تَضْمِينُ الْخُفَرَاءِ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَضْمَنُ] ، وَكَذَا لَوْ رَهَنَ ثِيَابَهُ عَلَى الْأُجْرَةِ وَضَاعَتْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ ضَمَانَ الرِّهَانِ.
قَالَهُ عج، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ لَهُ الْأُجْرَةَ حَتَّى فِي حَالَةِ عَدَمِ الضَّمَانِ اهـ.
وَعَلَيْهِ فَانْظُرْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الصُّنَّاعِ حَيْثُ لَمْ يَضْمَنُوا كَمَا سَبَقَ تَأَمَّلْ، وَلَعَلَّهُ لِانْتِفَاعِ الْمُغْتَسِلِ هُنَا بِالْمَاءِ، وَمَا يُوَارِي الْعَوْرَةَ إذْ الْأُجْرَةُ إنَّمَا هِيَ فِيمَا يُقَابِلُ ذَلِكَ لَا فِي الْحِرَاسَةِ بَلْ وَلَوْ جَعَلَ لَهُ الْأُجْرَةَ عَلَى حِرَاسَتِهِ اهـ. كَذَا قَرَّرَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
تَتِمَّةٌ:
كُلُّ مَنْ قِيلَ بِضَمَانِهِ مِنْ صَانِعٍ أَوْ حَارِسٍ أَوْ مُسْتَعِيرٍ أَوْ مُدَّعًى عَلَيْهِ سَرِقَةٌ إذَا غَرِمَ قِيمَةَ مَا ضَمِنَهُ ثُمَّ وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ لَهُ لَا لِصَاحِبِهِ إلَّا أَنْ يُوجَدَ عِنْدَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَةَ مِلْكِهِ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ] أَيْ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَلَا ضَمَانَ [قَوْلُهُ: عَلَى صَاحِبِ السَّفِينَةِ] الْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ النُّوتِيَّ الَّذِي يَخْدُمُ فِيهَا أَيْ لَا يَضْمَنُ الْمَالَ وَلَا النَّفْسَ إذَا غَرِقَتْ بِفِعْلٍ سَائِغٍ وَإِلَّا ضَمِنَ الْمَالَ، وَالدِّيَةَ
يَضْمَنُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبِهِ أَوْ يَصْحَبَهُ رَبُّهُ فَلَا ضَمَانَ (وَلَا كِرَاءَ لَهُ) أَيْ لِصَاحِبِ السَّفِينَةِ (إلَّا عَلَى الْبَلَاغِ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ فِي السُّفُنِ جَارِيَةٌ مَجْرَى الْجُعْلِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْغَرَضُ الْمَطْلُوبُ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْأُجْرَةَ وَقِيلَ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِحِسَابِ مَا سَارَ.
وَاسْتُظْهِرَ؛ لِأَنَّ رَدَّ الْكِرَاءِ إلَى الْإِجَارَةِ أَوْلَى مِنْ رَدِّهِ إلَى الْجُعَلِ؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ مَعْلُومَةٌ، وَالْأُجْرَةَ مَعْلُومَةٌ فَيَكُونُ لَهُ بِحِسَابِ مَا سَارَ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الشِّرْكَةِ فَقَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالشِّرْكَةِ بِالْأَبْدَانِ) بَعْضُهُمْ لَمْ يُثْبِتْ فِيهَا إلَّا كَسْرَ الشِّينِ وَسُكُونَ الرَّاءِ.
وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ، وَهِيَ إذْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي أَنْ يَتَصَرَّفَ مَعَ نَفْسِهِ وَلَا بَأْسَ هُنَا لِلْإِبَاحَةِ دَلِيلُهَا مَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّ زُهْرَةَ بْنَ مَعْبَدٍ كَانَ يَخْرُجُ بِهِ جَدُّهُ فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ فَيَلْقَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَيَقُولَانِ لَهُ: أَشْرِكْنَا فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ دَعَا لَك بِالْبَرَكَةِ فَيُشْرِكَهُمَا فَرُبَّمَا أَصَابَ الرَّاحِلَةَ كَمَا هِيَ فَيَبْعَثُ بِهَا
[حاشية العدوي]
فِي مَالِهِ هَذَا حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُمْ وَإِلَّا قُتِلَ بِهِمْ.
[قَوْلُهُ: مِنْ مَدٍّ] أَيْ زِيَادَةِ الْبَحْرِ [قَوْلُهُ: إلَّا فِيمَا حُمِلَ إلَخْ] هَكَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ نَاجِي لَكِنَّ ظَاهِرَ الْمُؤَلِّفِ، وَالْمُدَوَّنَةِ، وَالْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ كَمَا قَالَ تت وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْغَرَضُ] أَيْ إذَا غَرِقَتْ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ وَغَرِقَ جَمِيعُ مَا فِيهَا مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ فَلَا كِرَاءَ لَوْ لِرَبِّهَا، وَأَمَّا لَوْ غَرِقَ الْبَعْضُ وَسَلِمَ الْبَعْضُ الْآخَرُ وَاسْتَأْجَرَ رَبُّهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ لِلْأَوَّلِ كِرَاءَ مَا بَقِيَ إلَى مَحَلِّ الْغَرَقِ عَلَى حَسَبِ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ لَا بِنِسْبَةِ الثَّانِي وَلَيْسَ لَهُ كِرَاءُ مَا ذَهَبَ بِالْغَرَقِ، وَأَمَّا لَوْ غَرِقَتْ بَعْدَ وُصُولِهَا إلَى الْمَحَلِّ الْمَخْصُوصِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَا تَمَكَّنَ رَبُّ الشَّيْءِ مِنْ إخْرَاجِ مَا فِيهَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ إلَخْ] مَوْضِعُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهَا غَرِقَتْ كُلُّهَا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ التَّحْقِيقِ، وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَالثَّانِي قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ
[الشَّرِكَة وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا مِنْ أَحْكَام]
[قَوْلُهُ: إذْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ] الْأَوْلَى الشَّخْصَيْنِ وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ؛ لِأَنَّ شَرِيكَيْنِ مَأْخُوذٌ مِنْ الشِّرْكَةِ، فَقَوْلُ: إذْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّخْصَيْنِ لِصَاحِبِهِ أَخْرَجَ الْوَكَالَةَ، وَالْقِرَاضَ.
وَقَوْلُهُ: مَعَ نَفْسِهِ أَخْرَجَ الْقِرَاضَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَقَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ تَصَرَّفْ فِي هَذَا الْمَالِ وَحْدَك عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لِي وَلَك بِشَرْطِ أَلَّا أَتَصَرَّفَ مَعَك، وَيَقُولُ لَهُ الْآخَرُ: تَصَرَّفْ فِي هَذَا الْمَالِ لِي وَلَك، وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا وَلَا أَتَصَرَّفُ مَعَك فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّخْصَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي أَنْ يَتَصَرَّفَ لَكِنْ لَيْسَ مَعَ نَفْسِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: زُهْرَةَ] قَالَ.
فِي التَّقْرِيبِ: بِضَمِّ أَوَّلِهِ [قَوْلُهُ: ابْنَ مَعْبَدٍ] بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَالْمُوَحَّدَةِ بَيْنَهُمَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ.
[قَوْلُهُ: جَدُّهُ] هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ.
وَقَوْلُهُ: فَيَقُولَانِ لَهُ أَيْ لِجَدِّهِ الَّذِي هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ.
وَقَوْلُهُ: أَشْرِكْنَا بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ مَفْتُوحَةٍ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ اجْعَلْنَا شَرِيكَيْنِ لَك فِي الطَّعَامِ الَّذِي اشْتَرَيْته [قَوْلُهُ: دَعَا لَك] أَيْ لِأَنَّ أُمَّهُ زَيْنَبَ بِنْتَ حُمَيْدٍ «ذَهَبَتْ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْهُ أَيْ عَاقِدْهُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: هُوَ صَغِيرٌ فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ» . فَقَوْلُهُ: بِالْبَرَكَةِ أَيْ فِي مَالِكَ وَأَحْوَالِك وَأَعْمَالِك.
وَقَوْلُهُ: فَيَشْرَكُهُمَا بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَالرَّاءِ.
وَقَوْلُهُ: أَصَابَ أَيْ مِنْ الرِّبْحِ وَرُبَّمَا يَحْتَمِلُ أَنَّهَا لِلتَّقْلِيلِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لِلتَّكْثِيرِ، وَالثَّانِي أَشْبَهُ بِالسِّيَاقِ، وَالرَّاحِلَةُ الْبَعِيرُ الْقَوِيُّ الْمُخْتَارُ لِلرُّكُوبِ الذَّكَرُ أَوْ الْأُنْثَى فَهَاؤُهَا لِلْمُبَالَغَةِ.
وَقَوْلُهُ: كَمَا هِيَ أَيْ جَمِيعُهَا، ثُمَّ يَحْتَمِلُ الْمُرَادُ نَفْسُهَا أَوْ مَحْمُولُهَا وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ شَيْءٌ كَثِيرٌ أَوْ أَنَّهُ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْبَرَكَةِ أَنَّهُ كَانَ يَحْصُلُ لَهُ أَوْ كَثِيرًا مَا يَحْصُلُ لَهُ فِي الصِّفَةِ الْوَاحِدَةِ مَا يُسَاوِي الشَّيْءَ الْكَثِيرَ جِدًّا وَهُوَ قِيمَةُ تِلْكَ الرَّاحِلَةِ أَوْ مَحْمُولِهَا بَلْ أَوْ هُمَا مَعًا، بَلْ هَذَا هُوَ الْأَكْثَرُ بِتِلْكَ الدَّعْوَةِ الصَّادِرَةِ مِنْ ذَلِكَ الْفَيْضِ الْوَاسِعِ مِنْ شَرْحِهِ الْمِشْكَاةِ لِابْنِ حَجَرٍ.
تَنْبِيهٌ:
هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الشِّرْكَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلْإِقَالَةِ، وَالتَّوْلِيَةِ لَا الشِّرْكَةِ الْمُبَوَّبِ لَهَا الْمَعْرِفَةُ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
إلَى الْمَنْزِلِ، وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى جَوَازِهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ بِالْعَقْدِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَقِيلَ: لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْخَلْطِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ مَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ أَرَادَ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الرُّجُوعُ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي أَرَادَ أَنَّ الضَّمَانَ لَا يَكُونُ مِنْهُمَا حَتَّى يَحْصُلَ الْخَلْطُ.
وَأَرْكَانُهَا ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ: الْعَاقِدَانِ وَيُشْتَرَطُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ التَّوْكِيلُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لِغَيْرِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، وَأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِمَّنْ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ مَعَ غَيْرِهِ فَكُلُّ مَنْ جَازَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ وَيَتَوَكَّلَ جَازَ لَهُ أَنْ يُشَارِكَ، وَمَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ مُشَارَكَةٌ كَالْعَبْدِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ.
الثَّانِي: الصِّيغَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ فَيَكْفِي قَوْلُهُمْ: اشْتَرَكْنَا إذَا كَانَ يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ عُرْفًا، وَكَذَا خَلْطُ الْمَالَيْنِ، وَالْعَمَلُ بِهِمَا.
الثَّالِثُ: الْمَحَلُّ وَهُوَ الْمَالُ، وَالْأَعْمَالُ
وَتَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةِ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ] أَيْ لِأَنَّهَا قَدْ يَعْرِضُ لَهَا الْوُجُوبُ مَثَلًا [قَوْلُهُ:، وَالْمَشْهُورُ إلَخْ] هَذَا ظَاهِرٌ فِي شِرْكَةِ الْأَمْوَالِ فَقَطْ [قَوْلُهُ: حَتَّى يَحْصُلَ الْخَلْطُ إلَخْ] هَذَا الْجَمْعُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ
[أَرْكَان الشَّرِكَة]
[قَوْلُهُ: وَأَرْكَانُهَا إلَخْ] أَرَادَ بِالرُّكْنِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الشَّيْءِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تِلْكَ الْأَرْكَانَ إنَّمَا هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي شِرْكَةِ الْأَمْوَالِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: مَعَ غَيْرِهِ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لِغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ لَهُ مُشَارَكَةٌ كَالْعَبْدِ] أَيْ وَلَا يَصِحُّ مُشَارَكَةُ عَبْدٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ وَلَا صَبِيٍّ وَلَا سَفِيهٍ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَوْكِيلِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ كَتَوَكُّلِهِ عَلَى إحْدَى طَرِيقَتَيْنِ مُرَجَّحَتَيْنِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْمَحْجُورِ الزَّوْجَةُ فَلَهَا أَنْ تُوَكِّلَ فِي لَوَازِمِ عِصْمَتِهَا، وَأَوْرَدَ شِرْكَةَ الْعَدُوِّ لِعَدُوِّهِ، وَشِرْكَةَ الذِّمِّيِّ لِمُسْلِمٍ لِصِحَّةِ شِرْكَتِهِمَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ مَعَ عَدَمِ صِحَّةِ تَوَكُّلِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ، وَالْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ لَكِنَّ جَوَازَهَا فِي الْأَوَّلِ بِلَا قَيْدٍ، وَفِي الثَّانِي بِقَيْدِ حُضُورِ الْمُسْلِمِ لِتَصَرُّفِ الْكَافِرِ، وَأَمَّا عِنْدَ غَيْبَتِهِ عَنْهُ وَقْتَ الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ فَلَا يَجُوزُ.
وَتَصِحُّ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَبَعْدَ ذَلِكَ إنْ حَصَلَ لِلْمُسْلِمِ شَكٌّ فِي عَمَلِ الذِّمِّيِّ بِالرِّبَا اُسْتُحِبَّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِالرِّبْحِ فَقَطْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: 279] ، وَإِنْ شَكَّ فِي عَمَلِهِ بِهِ فِي خَمْرٍ نُدِبَ لَهُ التَّصَدُّقُ بِرِبْحِهِ وَرَأْسِ الْمَالِ جَمِيعًا لِوُجُوبِ إرَاقَةِ الْخَمْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِمَالٍ حَلَالٍ، وَإِنْ تَحَقَّقَ عَمَلُهُ بِالرِّبَا وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِالرِّبْحِ فَقَطْ، وَإِنْ تَحَقَّقَ تَجْرُهُ بِخَمْرٍ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِ التَّصَدُّقُ بِرَأْسِ مَالِهِ، وَالرِّبْحِ مَعًا، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ بَيْنَ مَنْ يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ وَتَوَكُّلُهُ عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ يَجْتَمِعَانِ فِي حُرٍّ بَالِغٍ عَاقِلٍ رَشِيدٍ غَيْرِ عَدُوٍّ وَلَا كَافِرٍ، وَيَنْفَرِدُ التَّوْكِيلُ فِي عَدُوٍّ وَكَافِرٍ فَإِنَّهُمَا أَهْلُهُ دُونَ التَّوَكُّلِ، وَيَنْفَرِدُ التَّوَكُّلُ فِي مَحْجُورٍ فَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّوَكُّلِ عَلَى إحْدَى طَرِيقَتَيْنِ دُونَ التَّوْكِيلِ [قَوْلُهُ: الدَّالَّةُ عَلَى الْإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ] الشِّرْكَةُ هِيَ الْإِذْنُ فِي التَّصَرُّفِ الْمُتَقَدِّمِ، وَالصِّيغَةُ مِنْ أَرْكَانِهَا، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: الثَّانِي الصِّيغَةُ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْإِذْنُ فِي التَّصَرُّفِ إلَخْ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الشِّرْكَةِ [قَوْلُهُ: فَيَكْفِي قَوْلُهُمْ اشْتَرَكْنَا] أَيْ الَّذِي هُوَ الصِّيغَةُ، أَيْ يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: اشْتَرَكْنَا وَهِيَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى،، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَا إذَا وَقَعَ اللَّفْظُ الْمَذْكُورُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيُوَافِقُهُ الْآخَرُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ [قَوْلُهُ: إذَا كَانَ يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ] أَيْ وَهُوَ الْإِذْنُ فِي التَّصَرُّفِ الْمَذْكُورِ.
وَقَوْلُهُ، وَكَذَا خَلْطُ الْمَالَيْنِ هَذَا هُوَ الْقَائِمُ مَقَامَ الصِّيغَةِ.
وَقَوْلُهُ: وَالْعَمَلُ الظَّاهِرُ حَذْفُهُ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذُكِرَ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي جَمِيعِ الْأَقْسَامِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَالُ، وَالْأَعْمَالُ] أَيْ مَا يَقَعُ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ، وَهَذَا كَاَلَّذِي قَبْلَهُ.
تَنْبِيهٌ:
تَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الْمُفَاصَلَةَ فَلَا يُجَابُ إلَى ذَلِكَ، وَلَوْ أَرَادَ نَضُوضَ الْمَالِ بَعْدَ الْعَمَلِ فَيَنْظُرُ الْحَاكِمُ كَالْقِرَاضِ.
[أَقْسَام الشَّرِكَة]
[قَوْلُهُ: وَتَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةٍ إلَخْ] فِيهِ أَنَّ الْفُقَهَاءَ نَوَّعُوهَا إلَى شِرْكَةِ أَبْدَانٍ وَيُقَالُ لَهَا شِرْكَةُ عَمَلٍ وَشِرْكَةِ مُفَاوَضَةٍ
أَقْسَامٍ شِرْكَةُ وُجُوهٍ وَلَمْ يَذْكُرْهَا الشَّيْخُ، وَهِيَ أَنْ يَبِيعَ الْوَجِيهُ مَالَ الْخَامِلِ بِبَعْضِ رِبْحِهِ وَحُكْمُهَا الْفَسَادُ لِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِيهِ إجَارَةً، وَالْآخَرُ: أَنَّ فِيهِ تَدْلِيسًا؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَرْغَبُ فِي الشِّرَاءِ مِنْ أَمْلِيَاءِ السُّوقِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ الْأَمْلِيَاءَ إنَّمَا يَتَّجِرُونَ فِي جَيِّدِ السِّلَعِ، وَأَنَّ الْفُقَرَاءَ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ.
وَشَرِكَةُ أَمْوَالٍ تَأْتِي وَشَرِكَةُ أَبْدَانٍ، وَهِيَ جَائِزَةٌ بِشُرُوطٍ أَحَدِهَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إذَا عَمِلَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) اتَّحَدَتْ الصَّنْعَةُ أَوْ لَا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَصَرَّحَ ع بِمَشْهُورِيَّتِهِ وَأَجَازَا فِي الْعُتْبِيَّةِ تَعَدُّدَ الْمَكَانِ إنْ اتَّحَدَتْ الصَّنْعَةُ وَشَهَرَهُ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ.
ثَانِيهَا: اتِّحَادُ الْعَمَلِ أَوْ تَقَارُبُهُ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (عَمَلًا وَاحِدًا) كَخَيَّاطَيْنِ (أَوْ مُتَقَارِبًا) بِأَنْ يَتَوَقَّفَ عَمَلُ أَحَدِهِمَا عَلَى عَمَلِ الْآخَرِ كَمَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا يُجَهِّزُ الْغَزْلَ لِلنَّسْجِ، وَالْآخَرُ يَنْسِجُ، أَمَّا إذَا اخْتَلَفَتْ صَنْعَتُهُمَا.
وَلَمْ تَتَلَازَمْ كَخَيَّاطٍ وَحَدَّادٍ لَمْ تَجُزْ الشِّرْكَةُ لِلْغَرَرِ إذْ قَدْ تُتَّفَقُ صَنْعَةُ هَذَا دُونَ هَذَا فَيَأْخُذُ مِنْ صَاحِبِهِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ، ثَالِثُهَا: أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْعَمَلِ أَوْ يَتَقَارَبَا احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَ عَمَلُ أَحَدِهِمَا قَدْرَ عَمَلِ الْآخَرِ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ الشِّرْكَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا عَلَى قَدْرِ التَّفَاوُتِ فَتَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى الثُّلُثِ، وَالثُّلُثَيْنِ، فَلَوْ كَانَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ النِّصْفَ لَمْ يَجُزْ.
رَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ بِهَا التَّعَاوُنَ فَلَوْ كَانَتْ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ لَمْ يَجُزْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ الْبَيِّنِ.
خَامِسُهَا: أَنْ تَكُونَ الْآلَةُ بَيْنَهُمَا بِشِرَاءٍ أَوْ كِرَاءٍ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ نِصْفَ الْآلَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الِاشْتِرَاكِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ لِابْنِ الْقَاسِمِ.
وَأَمَّا شِرْكَةُ الْأَمْوَالِ فَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ شِرْكَةُ مُفَاوَضَةٍ
[حاشية العدوي]
وَشِرْكَةِ عَنَانٍ وَشِرْكَةِ جَبْرٍ وَشِرْكَةِ ذِمَمٍ، وَيُقَالُ لَهَا شِرْكَةُ وُجُوهٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْرِيفَ الْمُتَقَدِّمَ لَا يَشْمَلُ شِرْكَةَ الْوُجُوهِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَاعِثَ عَلَيْهَا الْوَجْهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ وَجَاهَةُ الْبَائِعِ الْمَذْكُورِ.
[قَوْلُهُ: الْخَامِلِ] هُوَ السَّاقِطُ الَّذِي لَا نَبَاهَةَ لَهُ كَذَا فَسَّرُوا،، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا لَا يُرْغَبُ فِي الشِّرَاءِ مِنْهُ لِظَنِّ أَنَّ مَتَاعَهُ غَيْرُ جَيِّدٍ.
[قَوْلُهُ: وَحُكْمُهَا الْفَسَادُ] فَإِنْ نَزَلَ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْوَجِيهِ جُعْلُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَأَمَّا مَنْ اشْتَرَى مِنْ الْوَجِيهِ فَيَنْبَغِي أَنَّ السِّلْعَةَ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً خُيِّرَ عَلَى مُقْتَضَى الْغِشِّ، وَإِنْ فَاتَتْ فَفِيهَا الْأَقَلُّ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ يُوسُفُ الزَّرْقَانِيُّ.
[قَوْلُهُ: وَالْآخَرُ أَنَّ فِيهِ تَدْلِيسًا] فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ التَّدْلِيسَ لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ.
[قَوْلُهُ: ظَنًّا مِنْهُمْ] وَلَا يُنْظَرُ لِكَوْنِهِ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: اتَّحَدَتْ الصَّنْعَةُ] هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَمَلًا وَاحِدًا.
وَقَوْلُهُ: أَمْ لَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ أَوْ مُتَقَارِبًا.
[قَوْلُهُ: إنْ اتَّحَدَتْ الصَّنْعَةُ] ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَتَّحِدْ بَلْ تَقَارَبَا تَكُونُ جَائِزَةً بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، وَوَفَّقَ الْأَشْيَاخُ بَيْنَ الْكِتَابَيْنِ بِحَمْلِ الْعُتْبِيَّةِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمَكَانَانِ بِسُوقٍ وَاحِدٍ أَوْ سُوقَيْنِ نَفَاقُهُمَا وَاحِدٌ أَوْ تَجَوُّلُ أَيْدِيهِمَا بِالْعَمَلِ فِي الْمَكَانَيْنِ جَمِيعًا أَوْ يَجْتَمِعَانِ بِمَكَانٍ عَلَى أَخْذِ الْأَعْمَالِ ثُمَّ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا طَائِفَةً مِنْ الْعَمَلِ يَذْهَبُ بِهَا لِحَانُوتِهِ يَعْمَلُ فِيهَا لِرِفْقِهِ بِهِ لِسِعَتِهِ أَوْ قُرْبِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: كَمَا إذَا كَانَ إلَخْ] أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يُجَهِّزُ الدَّقِيقَ، وَالْآخَرُ يَعْجِنُ أَنْ يَخْبِزَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ يَتَقَارَبَا] أَيْ عُرْفًا كَعَمَلِ أَحَدِهِمَا مَا يَنْقُصُ أَوْ يَزِيدُ عَنْ الثُّلُثِ يَسِيرًا، وَالْآخَرُ الثُّلُثَيْنِ كَذَلِكَ، فَإِنْ احْتَاجَا مَعَ الصَّنْعَةِ لِمَالٍ أَخْرَجَ كُلٌّ بِقَدْرِ عَمَلِهِ لَا أَزْيَدَ حَيْثُ كَانَ الْقَصْدُ الصَّنْعَةَ لَا الْمَالَ وَإِلَّا فَالنَّظَرُ لَهُ.
[قَوْلُهُ: لَمْ يَجُزْ] لَمَّا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ الْبَيِّنِ.
حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ التَّعَاوُنِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَعَمَلُ كُلٍّ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ رَفِيقِهِ.
وَقَضِيَّةُ الشَّارِحِ أَنَّ قَصْدَ التَّعَاوُنِ يَكْفِي، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بَعْدُ تَعَاوُنٌ بِالْفِعْلِ وَهُوَ خِلَافُ مَا تُفِيدُهُ الْعُتْبِيَّةُ، فَقَدْ سُئِلَ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ صَيَّادِينَ مَعَهُمْ شِبَاكٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعَالَوْا نَتَعَاوَنُ، وَمَا أَصَبْنَا فَبَيْنَنَا، فَنَصَبَ أَحَدُهُمْ شَبَكَةً فَأَخَذَ صَيْدًا وَأَبَى أَنْ يُعْطِيَ الْآخَرَيْنِ فَقَالَ ذَلِكَ لَهُ وَلَيْسَ لَهُمَا شَيْءٌ فِيمَا أَصَابَ؛ لِأَنَّهَا شِرْكَةٌ لَا تَحِلُّ.
قَالَ فِي الْبَيَانِ: لِأَنَّ شِرْكَةَ الْعَمَلِ إنَّمَا تَكُونُ فِيمَا فِيهِ تَعَاوُنٌ.
[قَوْلُهُ: أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الِاشْتِرَاكِ] أَيْ لَا تَجُوزُ ابْتِدَاءً وَتَصِحُّ بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَكَذَا الْخِلَافُ جَارٍ فِيمَا إذَا أَخْرَجَ كُلٌّ آلَةً وَأَجَّرَ كُلٌّ مِنْهُمَا نِصْفَ آلَتِهِ بِنِصْفِ آلَةِ الْآخَرِ، وَجَعَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَشْهُورَ وَيَدْخُلُ فِي الْعَمَلِ الطَّلَبُ، وَالصَّيْدُ وَقِرَاءَةُ
وَلَمْ يَذْكُرْهَا الشَّيْخُ وَحُكْمُهَا الْجَوَازُ اتِّفَاقًا، وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْغَيْبَةِ، وَالْحُضُورِ فِي الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ، وَالْكِرَاءِ، وَالِاكْتِرَاءِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ مُفَاوَضَةٌ.
الثَّانِي: شِرْكَةُ عِنَانٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ عَلَى الْأَكْثَرِ وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَتَجُوزُ الشِّرْكَةُ بِالْأَمْوَالِ) الدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ مِنْ كِلَا الْجَانِبَيْنِ إجْمَاعًا وَبِالطَّعَامِ الْمُتَّفِقِ صِفَةً وَنَوْعًا
[حاشية العدوي]
الْأَطْفَالِ إذَا كَانَ كُلٌّ يُحَفِّظُ الْقُرْآنَ، وَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا يُحَفِّظُ النِّصْفَ الْأَعْلَى، وَالْآخَرُ الْأَسْفَلَ قِيلَ: لَا يَجُوزُ وَقِيلَ: يَجُوزُ حَيْثُ وُجِدَ مَنْ يَقْرَأُ مِنْ الْأَعْلَى وَمَنْ يَقْرَأُ مِنْ الْأَسْفَلِ لِحُصُولِ التَّعَاوُنِ.
[قَوْلُهُ: مُفَاوَضَةً] بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا مِنْ تَفَاوَضَ الرَّجُلَانِ فِي الْحَدِيثِ إذَا شَرَعَا فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يَذْكُرْهَا الشَّيْخُ] فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَتَجُوزُ الشِّرْكَةُ بِالْأَمْوَالِ صَادِقٌ بِهَا كَمَا يَصْدُقُ بِالْعِنَانِ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَ إلَخْ] أَيْ ذُو أَنْ يَجْعَلَ؛ لِأَنَّ شِرْكَةَ الْمُفَاوَضَةِ مُحْتَوِيَةٌ عَلَى ذَلِكَ لَا أَنَّهَا نَفْسُ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ كَوْنِ الرِّبْحِ، وَالْخُسْرِ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ، فَمَتَى دَخَلَا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَسَدَتْ، وَأَمَّا إنْ دَخَلَا عَلَى ذَلِكَ أَوْ سَكَتَا فَلَا تَفْسُدُ قَالَ عج.
وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ: أَنْ يَجْعَلَ مَا إذَا اشْتَرَطَ كُلٌّ عَلَى صَاحِبِهِ الْمُرَاجَعَةَ فَيُقَالُ لَهَا شِرْكَةُ عِنَانٍ بَقِيَ مَا إذَا قَالَا: اشْتَرَكْنَا مُقْتَصِرَيْنِ عَلَى ذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ مِنْ شِرْكَةِ الْمُفَاوَضَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ، وَإِنْ شَرَطَا نَفْيَ الِاسْتِبْدَادِ فَعِنَانٌ، وَلَكِنْ فِي ابْنِ نَاجِي وَابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ فِي قَوْلِ: كُلُّ تَصَرُّفٌ مُقْتَصِرِينَ عَلَيْهِ قَوْلَيْنِ فِي كَوْنِهَا مُفَاوَضَةً أَمْ لَا اهـ.
وَاسْتَظْهَرَ عج الْفَسَادَ فِيمَا إذَا اُشْتُرِطَ عَلَى أَحَدِهِمَا نَفْيُ الِاسْتِبْدَادِ، وَأُطْلِقَ لِلْآخَرِ التَّصَرُّفُ وَلَا يُفْسِدُ شِرْكَةَ الْمُفَاوَضَةِ انْفِرَادُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بِمَالٍ يَعْمَلُ فِيهِ لِنَفْسِهِ عَلَى حِدَةٍ إذَا اسْتَوَيَا فِي عَمَلِ الشِّرْكَةِ.
[قَوْلُهُ: وَالْكِرَاءِ، وَالِاكْتِرَاءِ] أَيْ وَغَيْرُ ذَلِكَ كَأَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ سِلْعَةً اشْتَرَاهَا هُوَ أَوْ صَاحِبُهُ بِمَا وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مُحَابَاةً فَتَكُونُ كَالْمَعْرُوفِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا جَرَّ بِهِ نَفْعًا لِلتِّجَارَةِ وَإِلَّا لَزِمَهُ قَدْرُ حِصَّتِهِ مِنْهُ إقَالَتُهُ خَوْفَ عَدْمِ الْغَرِيمِ وَنَحْوِهِ مِنْ النَّظَرِ.
[قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْعَيْنِ عَلَى الْأَكْثَرِ] أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْثَرِ أَيْ مِنْ عِنَانِ الْفَرَسِ كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخَذَ بِعِنَانِ صَاحِبِهِ أَيْ بِلِجَامِهِ، وَبِفَتْحِهَا أَيْ الَّذِي هُوَ غَيْرُ الْأَكْثَرِ مِنْ عَنَّ يَعِنُّ إذَا عَرَضَ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: الدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ مِنْ كِلَا الْجَانِبَيْنِ] يَحْتَمِلُ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ أَيْ أَنَّ الدَّنَانِيرَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَقَطْ أَوْ الدَّرَاهِمَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَقَطْ، وَأَنْ تَكُونَ عَلَى حَقِيقَتِهَا أَيْ ذَهَبًا وَوَرِقًا مِنْ جَانِبٍ وَمِنْ الْآخَرِ كَذَلِكَ لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي كُلِّ مَا ذُكِرَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْقَدْرِ، وَالصِّفَةِ، فَيُشْتَرَطُ مُسَاوَاةُ ذَهَبِ أَحَدِهِمَا لِذَهَبِ الْآخَرِ وَزْنًا وَصَرْفًا وَقِيمَةً وَفِضَّةِ أَحَدِهِمَا لِفِضَّةِ الْآخَرِ كَذَلِكَ فَلَا تَجُوزُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِيمَا ذُكِرَ عَمِلَا عَلَى الْقِيمَةِ، وَالصَّرْفِ أَوْ لَمْ يَعْمَلَا عَلَيْهِمَا بِأَنْ عَمِلَا عَلَى الْوَزْنِ وَأَلْغَيَا مَا ذُكِرَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا وَزْنًا أَدَّى إلَى بَيْعِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ مُتَفَاضِلًا، وَتُعْتَبَرُ الْمُسَاوَاةُ وَقْتَ الْمُعَاقَدَةِ وَلَا يَضُرُّ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ ذَلِكَ.
[وَاعْلَمْ] أَنَّ الْمُرَادَ بِاتِّفَاقِ وَزْنِهِمَا وَقِيمَتِهَا وَصَرْفِهِمَا أَنْ يَكُونَ مَا أَخْرَجَهُ أَحَدُهُمَا مُتَّفِقًا فِيمَا ذُكِرَ مَعَ مَا أَخْرَجَهُ الْآخَرُ أَوْ مَعَ مَا يُقَابِلُهُ مِمَّا أَخْرَجَهُ الْآخَرُ لَا الْأَوَّلُ فَقَطْ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا مِثْقَالَيْنِ، وَالْآخَرُ عَشَرَةً وَأَخَذَ كُلٌّ قَدْرَ نَصِيبِهِ فَلَا يَجُوزُ مَعَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ، وَلَا يَضُرُّ الِاخْتِلَافُ الْيَسِيرُ الَّذِي لَا بَالَ لَهُ وَلَا يُقْصَدُ فِي الصَّرْفِ أَوْ الْقِيمَةِ لَا الْوَزْنِ سَوَاءٌ جَعَلَاهَا عَلَى وَزْنِ رَأْسِ الْمَالَيْنِ وَأَلْغَيَا مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَضْلِ أَوْ عَمِلَاهَا عَلَى فَضْلِ مَا بَيْنَ السِّكَّتَيْنِ، وَلِلَّخْمِيِّ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ الِاخْتِلَافُ الْيَسِيرُ فِيهِ أَيْضًا، وَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ إذَا اجْتَمَعَ الْيَسِيرُ فِي هَذِهِ كُلِّهَا.
تَنْبِيهٌ:
قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الصَّرْفُ تَفْسُدُ، وَإِذَا وَقَعَتْ فُسِخَتْ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ رَأْسُ مَالِهِ بِعَيْنِهِ فِي سِكَّتِهِ، وَالرِّبْحُ بِقَدْرِ وَزْنِ رَأْسِ مَالِهِ لَا عَلَى فَضْلِ السِّكَّةِ، وَكَذَا لَا تَجُوزُ بِتِبْرٍ وَمَسْكُوكٍ، وَلَوْ تَسَاوَيَا وَزْنًا إنْ كَثُرَ فَضْلُ السِّكَّةِ، وَإِنْ سَاوَتْهَا جَوْدَةُ التِّبْرِ فَقَوْلَانِ، وَكَذَا لَا تَجُوزُ بِذَهَبٍ مِنْ أَحَدِهِمَا وَوَرِقٍ مِنْ الْآخَرِ كَذَلِكَ، وَلَوْ عَجَّلَ كُلٌّ مَا أَخْرَجَهُ لِاجْتِمَاعِ الشِّرْكَةِ
عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ قِيلَ: لِأَنَّهُ بَيْعُ إطْعَامٍ قَبْلَ قَبْضِهِ إذَا بَاعَهُ لِأَجْنَبِيٍّ وَحَيْثُ قِيلَ بِالْجَوَازِ فَإِنَّمَا هُوَ (عَلَى أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ مَا أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ) مِنْهُمَا (وَ) عَلَى أَنْ يَكُونَ (الْعَمَلُ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ مَا شَرَطَا مِنْ الرِّبْحِ لِكُلِّ وَاحِدٍ) فَإِذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا مَثَلًا مِائَةً، وَالْآخَرُ مِائَتَيْنِ فَالرِّبْحُ، وَالْخُسْرَانُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ رَأْسُ الْمَالِ وَيَسْتَوِيَا فِي الرِّبْحِ) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا إلَى آخِرِهِ.
الثَّالِثُ: شِرْكَةُ مُضَارَبَةٍ وَتُسَمَّى قِرَاضًا أَيْضًا وَعَبَّرَ بِهِ فَقَالَ: (وَالْقِرَاضُ جَائِزٌ) بِشُرُوطٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ (بِالدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ) ظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَا مَغْشُوشَيْنِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَظَاهِرُهُ أَيْضًا كَانَ التَّعَامُلُ بِهِمَا بِالْعَدَدِ أَوْ بِالْوَزْنِ (وَقَدْ أُرْخِصَ فِيهِ) أَيْ فِي الْقِرَاضِ (بِنِقَارٍ) بِكَسْرِ النُّونِ بِمَعْنَى فَجَرَّاتُ (الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ) ج: اُخْتُلِفَ فِي الْقِرَاضِ بِالنِّقَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالِ: الْمَنْعُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَالْجَوَازُ وَكُلُّ هَذَا إذَا كَانَ لَا يُتَعَامَلُ بِهَا وَأَمَّا إذَا كَانَ يُتَعَامَلُ بِهَا فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ
[حاشية العدوي]
وَالصَّرْفِ فَإِنْ عَمِلَا فَلِكُلٍّ رَأْسُ مَالِهِ وَيَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ لِكُلِّ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ دِينَارٌ وَلِكُلِّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ دِرْهَمٌ وَكَذَلِكَ الْوَضِيعَةُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَكَلَامُهَا هَذَا حَيْثُ اتَّفَقَ مَا أَخْرَجَاهُ، وَكَذَا تَصِحُّ إذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا عَرْضًا، وَالْآخَرُ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، أَوْ أَخْرَجَ كُلٌّ عَرْضًا اتَّفَقَا فِي الْجِنْسِ، وَالْقِيمَةِ أَوْ اخْتَلَفَا وَيُعْتَبَرُ فِي الشِّرْكَةِ بِالْعَرْضِ كَانَ مِنْ جَانِبٍ أَوْ جَانِبَيْنِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الِاشْتِرَاكِ حَيْثُ كَانَتْ صَحِيحَةً، وَإِنْ فَسَدَتْ فَرَأْسُ مَالِ كُلٍّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا مَا بِيعَ بِهِ الْعَرْضُ إنْ عُرِفَ وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ يَوْمَ الْبَيْعِ، وَانْظُرْ إذَا لَمْ يُعْلَمْ يَوْمَ الْبَيْعِ.
[قَوْلُهُ: وَمَنَعَهُ مَالِكٌ] أَيْ مَنَعَ الْمُتَّفَقَ صِفَةً وَنَوْعًا وَقَدْرًا وَأَوْلَى عِنْدَ الِاخْتِلَافِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ] أَيْ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ بَاعَ نِصْفَ طَعَامِهِ بِنِصْفِ طَعَامِ صَاحِبِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ قَبْضٌ لِبَقَاءِ يَدِ كُلٍّ عَلَى مَا بَاعَ، فَإِذَا بَاعَاهُ لِأَجْنَبِيٍّ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ بَائِعًا لِلطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَوْ حَصَلَ خَلْطُ الطَّعَامَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَمِرُّ طَعَامُ كُلِّ وَاحِدٍ فِي ضَمَانِ بَائِعِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ مُشْتَرِيهِ وَقَبْضُهُ وَتَفْرِيغُهُ فِي وِعَاءِ الْمُشْتَرِي أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا وَهُوَ مُنْتَفٍ هَاهُنَا.
[قَوْلُهُ: فَإِذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فَإِذَا دَخَلَا عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا يَأْتِي بِرُبْعِ الْمَالِ، وَيَعْمَلُ الرُّبْعَ وَلَهُ رُبْعُ الرِّبْحِ، وَالْآخَرُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعَمَلِ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الرِّبْحِ جَازَتْ الشِّرْكَةُ، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّهَا تَفْسُدُ بِشَرْطِ التَّفَاوُتِ فِي الْعَمَلِ كَمَا تَفْسُدُ بِشَرْطِ التَّفَاوُتِ فِي الرِّبْحِ، وَإِذَا وَقَعَتْ فَاسِدَةً بِدُخُولِهِمَا عَلَى التَّفَاوُتِ فَلِكُلٍّ أَجْرُ عَمَلِهِ لِلْآخَرِ مِثَالُ ذَلِكَ لَوْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا عِشْرِينَ مِثْلًا، وَالْآخَرُ عَشَرَةً وَشَرَطَا التَّسَاوِيَ فِي الرِّبْحِ، وَالْعَمَلِ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى عَمِلَا فَإِنَّ الرِّبْحَ يُقَسَّمُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْعِشْرِينَ عَلَى صَاحِبِ الْعَشَرَةِ بِفَاضِلِ الرِّبْحِ، وَهُوَ السُّدُسُ وَيَنْزِعُهُ مِنْهُ إنْ كَانَ قَبَضَهُ لِيَكْمُلَ لَهُ الثُّلُثَانِ وَيَرْجِعَ صَاحِبُ الْعَشَرَةِ بِفَاضِلِ عَمَلِهِ وَهُوَ أَجْرُ سُدُسِ الْعَمَلِ.
وَمَفْهُومُ الِاشْتِرَاطِ أَنَّهُ لَوْ تَبَرَّعَ أَحَدُهُمَا لِشَرِيكِهِ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَمَلِ أَوْ الرُّبْعِ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ لِجَارٍ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَخْتَلِفَ إلَخْ أَيْ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ التَّفَاوُتِ فَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ التَّفَاوُتُ بِأَنْ دَخَلَا عَلَى التَّسَاوِي أَوْ سَكَتَا صَحَّتْ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
[قَوْلُهُ: شِرْكَةُ مُضَارَبَةٍ] هَذِهِ لُغَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ الَّذِي هُوَ السَّيْرُ أَوْ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَضْرِبُ فِي الرِّبْحِ بِنَصِيبٍ كَمَا قَالَهُ تت.
[قَوْلُهُ: وَتُسَمَّى قِرَاضًا أَيْضًا] بِكَسْرِ الْقَافِ مُشْتَقٌّ مِنْ الْقَرْضِ وَهُوَ الْقَطْعُ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ قَطَعَ لِلْعَامِلِ قِطْعَةً مِنْ مَالِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِقِطْعَةٍ مِنْ الرِّبْحِ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالْقِرَاضُ أَرْكَانُهُ الْعَاقِدَانِ وَهُمَا كَالْوَكِيلِ، وَالْمُوَكِّلِ، وَالْمَالُ، وَالصِّيغَةُ، وَالْجُزْءُ الْمَعْمُولُ لِلْعَامِلِ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَا مَغْشُوشِينَ] أَيْ حَيْثُ تُعُومِلَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ تُرْجَ كَالْكَامِلَةِ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ النَّقْدِ الْخَالِصِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُتَعَامَلِ بِهِ فَكَالْعَرْضِ وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ الَّذِي يُعْطَى عِنْدَ الْمُفَاصَلَةِ مِثْلُهُ مَغْشُوشًا.
[قَوْلُهُ: فَجَرَاتُ إلَخْ] وَمِثْلُهَا التِّبْرُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ] الْمُعْتَمَدُ الْمَنْعُ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا إذَا كَانَ يُتَعَامَلُ بِهَا
ذَلِكَ (وَلَا يَجُوزُ) الْقِرَاضُ (بِالْعُرُوضِ) وَلَا شَيْءٍ مِنْ الْمَكِيلَاتِ، وَالْمَوْزُونَاتِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاضَ فِي الْأَصْلِ غَرَرٌ؛ لِأَنَّهُ إجَارَةٌ مَجْهُولَةٌ إذَا كَانَ الْعَامِلُ لَا يَدْرِي كَمْ يَرْبَحُ فِي الْمَالِ فَيَعْمَلُ مِقْدَارَ الْجُزْءِ الْمُشْتَرَطِ لَهُ، وَكَذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ لَا يَدْرِي هَلْ يَرْبَحُ أَمْ لَا وَهَلْ يَرْجِعُ إلَيْهِ رَأْسُ مَالِهِ أَمْ لَا فَكَانَ ذَلِكَ غَرَرًا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ إلَّا أَنَّ الشَّارِعَ جَوَّزَهُ لِلضَّرُورَةِ إلَيْهِ وَلِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى التَّعَامُلِ بِهِ، فَيَجِبُ أَنْ يَجُوزَ مِنْهُ مِقْدَارُ مَا جَوَّزَهُ الشَّارِعُ، وَمَا عَدَاهُ مَمْنُوعٌ بِالْأَصْلِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ النِّقَارِ، وَالْعُرُوضِ أَنَّ الْعُرُوضَ لَا يُتَعَامَلُ بِأَعْيَانِهَا، وَالنِّقَارُ أَعْيَانٌ وَأَثْمَانٌ وَرُءُوسُ أَمْوَالٍ.
(وَ) إذَا امْتَنَعَ الْقِرَاضُ بِهَا فَإِنَّ الْعَامِلَ (يَكُونُ إنْ نَزَلَ) أَيْ وَقَعَ الْقِرَاضُ بِهَا (أَجِيرًا فِي بَيْعِهَا) وَيَكُونُ (عَلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ فِي الثَّمَنِ) ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا وَفِيهِ تَفْصِيلٌ لِابْنِ رُشْدٍ نَقَلْنَاهُ فِي الْأَصْلِ، وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّ لَهُ أُجْرَةَ مِثْلِهِ فِي بَيْعِ الْعُرُوضِ، وَأَمَّا عَمَلُهُ
[حاشية العدوي]
فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ] أَيْ، وَالْفَرْضُ أَنْ لَا مَسْكُوكَ وَإِلَّا مُنِعَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَالْمُرَادُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً.
وَأَمَّا بَعْدَ الْوُقُوعِ فَإِنَّهُ يَمْضِي بِالْوُقُوعِ، وَالْفُلُوسِ الْجُدُدِ كَالنِّقَارِ إنْ انْفَرَدَتْ بِالتَّعَامُلِ جَازَ جَعْلُهَا رَأْسَ مَالِ قِرَاضٍ وَإِلَّا فَلَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ بِالْعُرُوضِ] أَيْ اتِّفَاقًا.
[قَوْلُهُ: وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ الْمَكِيلَاتِ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ حَمَلَ الْعُرُوضَ عَلَى الْمُقَوَّمَاتِ وَحِينَئِذٍ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَزِيدَ الْمَعْدُودَاتِ؛ لِأَنَّ الْمِثْلِيَّ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ، وَلَوْ حَمَلَ الْعُرُوضَ عَلَى مَا عَدَا الْعَيْنَ لَشَمَلَ الْمِثْلِيَّ بِأَنْوَاعِهِ كَمَا يُفِيدُ تت.
وَكَانَ فِي غُنْيَةٍ عَنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَيَدْخُلُ فِي الْعُرُوضِ الْفُلُوسُ الْجُدُدُ حَيْثُ لَمْ تَنْفَرِدْ بِالتَّعَامُلِ بِهَا وَيَدْخُلُ الْحَدِيدُ، وَالرَّصَاصُ، وَالْوَدْعُ لَوْ انْفَرَدَتْ بِالتَّعَامُلِ.
[قَوْلُهُ: إذَا كَانَ الْعَامِلُ لَا يَدْرِي] الْأَوْلَى حَذْفُ كَانَ يَقُولُ إذْ الْعَامِلُ بَلْ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ إذْ الْعَامِلُ لَا يَدْرِي، هَلْ يَرْبَحُ أَوْ لَا وَعَلَى تَقْدِيرِ الرِّبْحِ كَمْ مِقْدَارُهُ، وَالشَّارِعُ حَقِيقَةً اللَّهُ تَعَالَى، وَالْمُصْطَفَى مَجَازٌ فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا.
[قَوْلُهُ: وَلِحَاجَةِ النَّاسِ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَقَوْلُهُ فَيَجِبُ أَيْ يَتَعَيَّنُ.
[قَوْلُهُ: مِقْدَارُ مَا جَوَّزَهُ الشَّارِعُ] وَهُوَ النَّقْدُ الْمَضْرُوبُ لَا يُقَالُ الشَّارِعُ لَمْ يُجَوِّزْهُ بِالتِّبْرِ وَلَا بِالْجُدُدِ وَلَا بِنِقَارِ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، فَلِمَاذَا رَخَّصَ فِيهَا الْجَوَابُ؟ مَا قَالَهُ الشَّارِعُ أَنَّ النِّقَارَ أَيْ، وَمَا شَابَهَهُ أَعْيَانٌ وَأَثْمَانٌ وَرُءُوسُ أَمْوَالٍ، وَالْجُدُدُ عِنْدَ انْفِرَادِ التَّعَامُلِ بِهَا كَذَلِكَ حَتَّى قِيلَ إنَّهَا مِنْ النُّقُودِ.
[قَوْلُهُ: بِالْأَصْلِ] أَيْ عَلَى الْأَصْلِ.
وَقَوْلُهُ: أَعْيَانٌ أَيْ يُتَعَامَلُ بِأَعْيَانِهَا بِحَيْثُ تَكُونُ ثَمَنًا فَمَا بَعْدَهُ تَفْسِيرٌ لَهُ.
وَقَوْلُهُ وَرُءُوسُ أَمْوَالٍ لَا يَخْفَى أَنَّ مِمَّا مَا صَدَقَاتُ رَأْسِ الْمَالِ الْمَالُ الَّذِي يُدْفَعُ لِعَامِلِ الْقِرَاضِ يَتَّجِرُ فِيهِ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ الْمُصَادَرَةُ ثُمَّ فِي الْمَقَامِ إشْكَالٌ آخَرُ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ النِّقَارَ لَا يُتَعَامَلُ بِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمَعْنَى أَنَّهَا قَدْ يُتَعَامَلُ بِهَا عَلَى فَرْضِ ضَرْبِهَا، وَهَذَا مَفْقُودٌ بِالْفَرْضِ.
[قَوْلُهُ: أَجِيرًا فِي بَيْعِهَا] أَيْ الْعُرُوضِ فَيَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ مِثْلِهِ فِي تَوَلِّيهِ بَيْعَهَا حَيْثُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ بَيْعِهَا، فَقَوْلُهُ أَجِيرًا أَيْ كَأَجِيرٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْتَأْجَرْ.
[قَوْلُهُ: وَيَكُونُ عَلَى قِرَاضِ مِثْلِهِ] أَيْ إذَا اتَّجَرَ بِالثَّمَنِ.
[قَوْلُهُ: وَفِيهِ تَفْصِيلٌ] وَهُوَ مَا نَصُّهُ يُرِيدُ إذَا كَانَ رَأْسُ مَالِ الْقِرَاضِ لِثَمَنِ الَّذِي بِيعَ بِهِ الْعُرُوض، أَمَّا إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ نَفْسَهُ أَوْ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْعَقْدِ أَوْ يَوْمَ التَّفَاضُلِ فَإِنَّهُ يَكُونُ أَجِيرًا فِي بَيْعِهَا وَيُرَدُّ إلَى إجَارَةِ مِثْلِهِ فِي الثَّمَنِ أَيْ فِي الْعَمَلِ بِهِ إذَا لَمْ يَعْثُرْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى عَمِلَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ وَيَرُدُّ الْمَالَ إلَى رَبِّهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ قِرَاضِ الْمِثْلِ وَأُجْرَةِ الْمَالِ أَنَّ قِرَاضَ الْمِثْلِ فِي الرِّبْحِ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ رِبْحٌ لَا شَيْءَ لَهُ، وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي الذِّمَّةِ فَيَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ، وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ رِبْحٌ، وَأَمَّا إذَا قَالَ لَهُ: خُذْ هَذَا الثَّوْبَ اذْهَبْ بِهِ إلَى فُلَانٍ يَبِيعُهُ، فَإِذَا بَاعَهُ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ فَخُذْ مِنْهُ وَاعْمَلْ بِهِ قِرَاضًا بَيْنِي وَبَيْنِك، أَيْ فَجَعَلَ رَأْسَ الْمَالِ ثَمَنَ الثَّوْبِ فَهُوَ جَائِزٌ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ عِبَارَتَهُ تُفِيدُ أَنَّ الَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ تَفْصِيلٌ آخَرُ مُغَايِرٌ لِتَفْصِيلِ ابْنِ رُشْدِ مَعَ أَنَّ كَلَامَ الْمُخْتَصَرِ هُوَ عَيْنُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، فَيَجْرِي فِيهِ تَقْيِيدُ ابْنِ رُشْدٍ.
وَنَصَّ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: كَفُلُوسٍ وَعَرْضٍ إنْ تَوَلَّى ذَلِكَ تَشْبِيهًا فِي الْمَنْعِ، ثُمَّ قَالَ: فَأَجْرُ مِثْلِهِ فِي تَوَلِّيهِ ثُمَّ قِرَاضُ مِثْلِهِ فِي رِبْحِهِ اهـ. فَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ: وَكَلَامُ
فِي الْقِرَاضِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ قِرَاضُ مِثْلِهِ مِنْ الرِّبْحِ إنْ كَانَ ثَمَّ رِبْحٍ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ.
ثُمَّ بَيَّنَ أُمُورًا يَسْتَبِدُّ بِهَا الْعَامِلُ دُونَ رَبِّ الْمَالِ بِقَوْلِهِ: (وَلِلْعَامِلِ) أَيْ وُجُوبًا (كِسْوَتُهُ وَطَعَامُهُ) الْمُرَادُ بِهِ نَفَقَتُهُ ذَهَابًا وَإِيَابًا بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا السَّفَرُ وَمِنْ شُرُوطِهِ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ تَنْمِيَةَ الْمَالِ، أَمَّا إذَا سَافَرَ لِزِيَارَةِ أَهْلِهِ أَوْ لِحَجٍّ أَوْ لِغَزْوٍ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ، وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ لَهُ بَالٌ وَإِلَيْهِمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إذَا سَافَرَ فِي الْمَالِ الَّذِي لَهُ بَالٌ) ظَاهِرُهُ كَانَ السَّفَرُ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا بِالنِّسْبَةِ لِلطَّعَامِ (وَ) أَمَّا الْكِسْوَةُ فَ (إنَّمَا يُكْتَسَى فِي السَّفَرِ الْبَعِيدِ) لَا الْقَرِيبِ إذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا لَا قَلِيلًا، وَحَدُّ الْقَرِيبِ مِثْلُ مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَحَدُّ الْمَالِ الْكَثِيرِ خَمْسُونَ دِينَارًا ذَهَبًا فَأَكْثَرُ (وَلَا يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ حَتَّى يَنِضَّ رَأْسُ الْمَالِ) ظَاهِرُهُ: وَلَوْ رَضِيَا
[حاشية العدوي]
الْمُؤَلِّفِ فِيمَا إذَا جَعَلَ ثَمَنَ الْعَرْضِ الْمَبِيعِ بِهِ هُوَ الْقِرَاضَ، وَأَمَّا إذَا جَعَلَ رَأْسَ الْمَالِ نَفْسَ الْعَرْضِ أَوْ قِيمَتَهُ الْآنَ أَوْ يَوْمَ الْمُفَاصَلَةِ فَلَا يَجُوزُ، وَلَوْ تَوَلَّى بَيْعَهُ غَيْرُهُ اهـ.
وَهَذَا الْكَلَامُ لَا يُنَافِي تَفْصِيلَ ابْنِ رُشْدٍ.
تَتِمَّةٌ:
كَمَا اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ نَقْدًا مَضْرُوبًا أَوْ مَا أُلْحِقَ بِهِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُسَلَّمًا وَقْتَ الْعَقْدِ مِنْ يَدِهِ فَلَا يَصِحُّ بِدَيْنٍ بِأَنْ يَقُولَ: اعْمَلْ بِالدَّيْنِ الَّذِي فِي ذِمَّتِك قِرَاضًا أَيْ وَكَذَا لَا يَصِحُّ بِرَهْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ بِأَنْ يَقُولَ: اعْمَلْ لِي قِرَاضًا بِالرَّهْنِ الَّذِي عِنْدَك أَوْ الْوَدِيعَةِ الَّتِي عِنْدَك، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْجُزْءُ مَجْهُولَ الْكَمِّيَّةِ مَعْلُومَ النِّسْبَةِ كَرُبْعِ الرِّبْحِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ رِبْحِ الْمَالِ لَا غَيْرِهِ، وَأَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْعَمَلِ عَلَى الْعَامِلِ.
وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ عَدَمَ اشْتِرَاطِ لَفْظِهِ الْخَاصَّ بَلْ رُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ صِحَّتُهَا بِالْمُعَاطَاةِ.
[قَوْلُهُ: ذَهَابًا وَإِيَابًا] أَيْ كَإِقَامَتِهِ بِالْبَلَدِ الَّتِي يَتَّجِرُ بِهَا لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ عَدَمُ الْبِنَاءِ بِزَوْجَةٍ فَإِنْ بَنَى بِهَا أَيْ أَوْ دُعِيَ لِلدُّخُولِ بِهَا فَلَيْسَ لَهُ الْإِنْفَاقُ مِنْهُ، وَأَمَّا لَوْ سَافَرَ لِلتِّجَارَةِ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ فَإِنَّ لَهُ الْإِنْفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ ذَهَابًا وَإِيَابًا وَفِي مُدَّةِ الْإِقَامَةِ لِلتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لِلتِّجَارَةِ حِينَئِذٍ.
[قَوْلُهُ: أَحَدُهُمَا السَّفَرُ] فَلَيْسَ لَهُ قَبْلَ السَّفَرِ إنْفَاقٌ أَيْ مَا لَمْ يَشْغَلْهُ التَّزَوُّدُ لِلسَّفَرِ عَنْ الْوُجُوهِ الَّتِي يُقْتَاتُ مِنْهَا وَإِلَّا فَلَهُ النَّفَقَةُ [قَوْلُهُ: لِزِيَارَةِ أَهْلِهِ إلَخْ] أَيْ فَلَا يُنْفِقُ لَا فِي ذَهَابِهِ وَلَا فِي إيَابِهِ إلَّا فِي السَّفَرِ لِبَلَدِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّمَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهُ فِي مُدَّةِ الذَّهَابِ، وَالْإِقَامَةِ لَا فِي مُدَّةِ رُجُوعِهِ لِبَلَدٍ لَيْسَ لَهُ بِهَا أَهْلٌ، وَالْفَرْقُ أَنَّ سَفَرَ الْحَجِّ أَوْ الْقُرْبَةِ الرُّجُوعُ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى كَالذَّهَابِ فَلَا يُنْفَقُ بِخِلَافِ رُجُوعِهِ مِنْ بَلَدِ الزَّوْجَةِ.
فَالْمُرَادُ بِالْأَهْلِ الزَّوْجَةُ الْمَدْخُولُ بِهَا لَا الْأَقَارِبُ، وَمِثْلُ الزَّوْجَةِ السُّرِّيَّةُ وَمِثْلُ سَفَرِ الْحَجِّ، وَالْغَزْوِ السَّفَرُ لِسَائِرِ الْقُرَبِ كَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَلَا فَرْقَ فِي سُقُوطِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْإِنْفَاقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ تَابِعَةً لِلْمَالِ أَوْ مَتْبُوعَةً، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْفَاقُ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْ يَكُونَ فِي مَالِ الْقِرَاضِ، فَإِنْ أَنْفَقَ فِي سَفَرِهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ رَجَعَ فِي مَالِ الْقِرَاضِ فَإِنْ هَلَكَ أَوْ زَادَ إنْفَاقُهُ عَلَى مَالِ الْقِرَاضِ بِطُرُوِّ حَادِثٍ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْ رَبَّهُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَنْبَغِي إذَا أَنْفَقَ سَرَفًا أَنْ يَكُونَ لَهُ الْقَدْرُ الْمُعْتَادُ وَيَلْحَقُ بِالْإِنْفَاقِ الْجَائِزِ أُجْرَةُ نَحْوِ حَجَّامٍ وَصَاحِبِ حَمَّامٍ وَجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ لَهُ التَّاجِرُ عُرْفًا لَا عَلَى وَجْهِ الْمُدَاوَاةِ، وَيَجُوزُ لَهُ إكْرَاءُ خَادِمٍ فِي السَّفَرِ مِنْ مَالٍ يَتَحَمَّلُهُ إنْ كَانَ أَهْلًا لَأَنْ يَخْدُمَهُ خَادِمٌ وَإِلَّا لَمْ يُسْتَخْدَمْ كَفِي حَضَرٍ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِعَمَلِهِ بِنَفْسِهِ فِي الْقِرَاضِ يَقْتَضِي عَدَمَ اسْتِخْدَامِهِ، وَإِنْ تَأَهَّلَ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ الْمَالُ لَمْ يُسْتَخْدَمْ.
وَأَمَّا عَدَمُ الْبِنَاءِ بِزَوْجَةٍ وَكَوْنِهِ لِغَيْرِ حَجٍّ وَغَزْوٍ وَقُرْبَةٍ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِخْدَامِ [قَوْلُهُ: إذَا سَافَرَ إلَخْ] قَالَ ابْنُ نَاجِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ إذَا اتَّجَرَ بِهِ فِي بَلَدٍ أَنَّهُ لَا يُنْفِقُ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ مَا يُنْفِقُ مِنْهُ يَسِيرًا وَهُوَ كَذَلِكَ [قَوْلُهُ: فِي الْمَالِ الَّذِي لَهُ بَالٌ] أَيْ فَلَا نَفَقَةَ فِي الْمَالِ الْيَسِيرِ، وَالْكَثْرَةِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ بِالْعُرْفِ.
قَالَ: وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ لِأَحَدٍ لِمَا تَجِبُ فِيهِ النَّفَقَةُ، وَوَقَعَ لِمَالِكٍ السَّبْعُونَ يَسِيرٌ وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ فِي الْخَمْسِينَ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى السَّفَرِ الْبَعِيدِ، وَالثَّانِي عَلَى الْقَرِيبِ.
[قَوْلُهُ: وَحَدُّ الْقَرِيبِ إلَخْ] ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِبُعْدِ السَّفَرِ بُعْدُ مَسَافَتِهِ، أَيْ وَأَمَّا لَوْ قَرُبَتْ مَسَافَتُهُ وَطَالَ لَيْسَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّ حُكْمَهُ كَذَلِكَ فَلَوْ فَسَّرَ الْبَعْدَ بِمَا تَطُولُ فِيهِ الْمُدَّةُ لَشَمِلَهَا أَيْ بِحَيْثُ يُمْتَهَنُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ.
[قَوْلُهُ: وَحَدُّ الْمَالِ الْكَثِيرِ] أَيْ فِي النَّفَقَةِ، وَالْكِسْوَةِ
بِذَلِكَ صُورَتُهُ أَنْ يَبِيعَ بَعْضَ السِّلَعِ وَيَبْقَى بَعْضُهَا وَيَكُونَ فِيهَا رَأْسُ الْمَالِ فَيَقُولُ لَهُ: نَقْتَسِمُ هَذَا الَّذِي نَضَّ فَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَهْلَكُ السِّلْعَةُ الْبَاقِيَةُ، وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى شِرْكَةِ الْمُضَارَبَةِ.
[حاشية العدوي]
خَمْسُونَ دِينَارًا إمَّا عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ صَدَقَاتِ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فَيَأْتِي عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ يُخَالِفُهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَشْتَرِطُ فِي الْكِسْوَةِ شُرُوطَ الْإِنْفَاقِ كُلِّهَا وَيُزَادُ عَلَيْهَا الْبُعْدُ بِمَعْنَى طُولِ الزَّمَنِ بِحَيْثُ يُحْتَاجُ فِيهِ لِلْكِسْوَةِ، وَإِنْ لَمْ يَبْعُدْ الْمَكَانُ الَّذِي هُوَ بِهِ [قَوْلُهُ: حَتَّى يَنِضَّ] بِكَسْرِ النُّونِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَضَّ يَنِضُّ إذَا صَارَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً.
قَالَ عج: وَكَسْرُ النُّونِ هُوَ مُقْتَضَى مَا فِي لَامِيَّةِ الْأَفْعَالِ، وَالصِّحَاحِ.
[قَوْلُهُ: وَيَكُونُ فِيهَا رَأْسُ الْمَالِ] فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَأْسُ مَالٍ فَهُوَ أَوْلَى فِي الْمَنْعِ [قَوْلُهُ: فَيَقُولُ لَهُ نَقْتَسِمُ هَذَا الَّذِي نَضَّ] أَيْ، وَالسِّلَعُ بَاقِيَةٌ عَلَى الْقِرَاضِ قَالَ فِي تَحْقِيقِ الْمَبَانِي عَقِبَ قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ قَدْ تَهْلِكُ السِّلْعَةُ أَوْ يَتَحَوَّلُ سُوقُهَا فَيُنْقَضُ رَأْسُ الْمَالِ مِنْهَا، وَيَجُوزُ أَيْ يَأْخُذُ السِّلْعَةَ فِي رَأْسِ الْمَالِ بِقِيمَتِهَا اهـ. زَادَ عج: وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَقْتَسِمَا السِّلَعَ كُلَّهَا بِقِيمَتِهَا اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُفَادَ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ رَأْسَ الْمَالِ مَا نَضَّ إذَا قُدِّرَ رَأْسُ الْمَالِ، وَمَا بَقِيَ مِنْ السِّلَعِ رِبْحًا أَرَادَ الْبَقَاءَ عَلَى الْقِرَاضِ أَوْ الْمُفَاصَلَةِ، أَوْ جَعَلَ مَا نَضَّ رِبْحًا، وَيَأْخُذُ رَبُّ الْمَالِ بَقِيَّةَ السِّلَعِ فِي رَأْسِ مَالِهِ وَيَنْفَصِلَانِ أَوْ يَقْتَسِمَانِ جَمِيعَ السِّلَعِ بِأَنْ يَأْخُذَ رَبُّ الْمَالِ جُمْلَةً مِنْهَا فِي رَأْسِ مَالِهِ وَيَجْعَلَا مَا بَقِيَ مِنْهَا رِبْحًا يَقْتَسِمَانِهِ وَيَنْفَصِلَا جَازَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ، وَمِثْلُ صُورَةِ الشَّارِحِ فِي الْمَنْعِ مَا إذَا جَعَلَا جُمْلَةً مِنْهَا فِي مُقَابَلَةِ رَأْسِ الْمَالِ وَبَقِيَّةَ السِّلَعِ رِبْحًا يَقْتَسِمَانِهِ مَعَ الْبَقَاءِ عَلَى الْقِرَاضِ.
تَنْبِيهٌ:
لَوْ نَضَّ الْمَالُ وَتَمَّ عَمَلُ الْقِرَاضِ فَإِنْ كَانَ بِبَلَدِ رَبِّ الْمَالِ فَلَيْسَ لَهُ تَحْرِيكُهُ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَلَهُ تَحْرِيكُهُ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ رَبِّ الْمَالِ وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْعَامِلِ أَيْ مَعَ يَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمَا فِي تَلَفِهِ الْمَالَ وَخُسْرِهِ وَضَيَاعِهِ إلَّا أَنْ يُكَذِّبَهُ التُّجَّارُ، وَكَذَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي رَدِّهِ لِرَبِّهِ بِيَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلتَّوَثُّقِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي رَدِّهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى رَدِّهِ، وَإِذَا حَصَلَ فِي رَأْسِ الْمَالِ خُسْرٌ وَحَصَلَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ رِبْحٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ جَبْرُ الْخُسْرِ بِالرِّبْحِ، وَلَوْ شَرَطَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ خِلَافَ ذَلِكَ مَا دَامَ الْمَالُ تَحْتَ يَدِ الْعَامِلِ لَا إنْ قَبَضَهُ رَبُّهُ بَعْدَ الْخُسْرِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ قِرَاضًا مُؤْتَنَفًا.
[بَابُ الْمُسَاقَاةِ]
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمُسَاقَاةِ] مُشْتَقَّةٌ مِنْ السَّقْيِ؛ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ عَمَلِهَا.
[قَوْلُهُ: لِتَقَارُبِهِمَا] أَيْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِي كُلِّ الْإِجَارَةِ بِجُزْءٍ مَجْهُولٍ.
[بَابُ الْمُسَاقَاةِ] ثُمَّ عَقَّبَهَا بِالْكَلَامِ عَلَى الْمُسَاقَاةِ لِتَقَارُبِهِمَا فَقَالَ: (وَالْمُسَاقَاةُ) مِنْ الْمُفَاعَلَةِ الَّتِي تَكُونُ مِنْ الْوَاحِدِ وَهُوَ قَلِيلٌ نَحْوَ سَافَرَ وَعَافَاهُ اللَّهُ، وَمَعْنَاهَا اصْطِلَاحًا أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ كَرْمَهُ أَوْ حَائِطَ نَخْلِهِ مَثَلًا لِمَنْ يَكْفِيهِ الْقِيَامَ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ السَّقْيِ وَالْعَمَلِ عَلَى أَنَّ مَا أَطْعَمَ اللَّهُ مِنْ ثَمَرِهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ أَوْ عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ الثَّمَرَةِ وَحُكْمُهَا أَنَّهَا (جَائِزَةٌ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ» وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْمُخَابَرَةِ وَهِيَ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمِنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ وَالْإِجَارَةِ بِهَا قَبْلَ طِيبِهَا وَقَبْلَ وُجُودِهَا، وَمِنْ الْإِجَارَةِ بِالْمَجْهُولِ
وَلَهَا شُرُوطٌ مِنْهَا الْعَاقِدَانِ وَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا أَهْلِيَّةُ الْإِجَارَةِ، وَمِنْهَا أَنْ
[حاشية العدوي]
بَابُ الْمُسَاقَاةِ
[قَوْلُهُ: مِنْ الْمُفَاعَلَةِ] أَيْ مِنْ صِيَغِ الْمُفَاعَلَةِ.
وَقَوْلُهُ: الَّتِي تَكُونُ مِنْ الْوَاحِدِ، ظَاهِرُ الشَّارِحِ أَنَّ هَذَا بِحَسَبِ اصْطِلَاحِ اللُّغَةِ كَمَا هُوَ بِحَسَبِ اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ وَهُوَ ظَاهِرُ الصِّحَاحِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ قَلِيلٌ] أَوْ بِاعْتِبَارِ الْعَقْدِ فَيَكُونُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْمُتَعَلَّقِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الْمُسَاقَاةُ عَنْ الْمُتَعَلِّقِ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْعَقْدُ وَلَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَتَأَمَّلْ فِي ذَلِكَ [قَوْلُهُ: وَعَافَاهُ اللَّهُ] أَيْ مِنْ الْمُعَافَاةِ وَهِيَ مِنْ اللَّهِ وَحْدَهُ [قَوْلُهُ: وَمَعْنَاهَا اصْطِلَاحًا إلَخْ] .
مُفَادُهُ أَنَّ كَوْنَهَا مِنْ صِيَغِ الْمُفَاعَلَةِ هُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَالْمُسَاقَاةُ أَنْ يُعْمِلَ رَجُلٌ رَجُلًا فِي نَخِيلٍ أَوْ كُرُومٍ لِيَقُومَ بِإِصْلَاحِهَا عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ لَهُ سَهْمٌ مَعْلُومٌ مِمَّا يَفْعَلُهُ [قَوْلُهُ: كَرْمَهُ] وِزَانُ فَلْسٍ الْعِنَبُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفُ مُضَافٍ أَيْ حَائِطُ كَرْمِهِ لِمُنَاسَبَةِ الْمَعْطُوفِ وَإِنْ كَانَ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ [قَوْلُهُ: بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ] أَيْ بِمَا يَحْتَاجُ الْكَرْمُ أَوْ الْحَائِطُ [قَوْلُهُ: وَالْعَمَلِ] عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ، وَنُكْتَةُ ذِكْرِ الْخَاصِّ وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ الِاكْتِفَاءُ بِالْعَامِّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مُعْظَمَ عَمَلِهَا السَّقْيُ أَيْ وَالْبَعْلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُسْقَى إلَّا أَنَّ مَا فِيهِ مِنْ الْمُؤَنِ يَقُومُ مَقَامَ السَّقْيِ [قَوْلُهُ: نِصْفَيْنِ] خَصَّهُ بِالذِّكْرِ وَإِنْ أَمْكَنَ دُخُولُهُ فِي قَوْلِهِ: أَوْ عَلَى جُزْءٍ إلَخْ لِأَنَّهُ الْوَارِدُ فِي قِصَّةِ خَيْبَرَ [قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ الثَّمَرَةِ] أَيْ كَثُلُثٍ أَوْ رُبْعٍ، وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ عَدَمُ شُمُولِ مُسَاقَاتِهِ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ كُلَّهَا لِلْعَامِلِ مَعَ أَنَّهَا مُسَاقَاةٌ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِالْمُسَاقَاةِ عَلَى أَنَّ كُلَّ ثَمَرَةٍ لِلْعَامِلِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَحُكْمُهَا أَنَّهَا جَائِزَةٌ] أَيْ فَالْحُكْمُ ثُبُوتُ الْجَوَازِ وَلَوْ أَبْقَى الْمُصَنِّفُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَكَانَ الْمُفَادُ أَنَّ حُكْمَهَا الْجَوَازُ وَالْمَآلُ وَاحِدٌ لِأَنَّ الْجَوَازَ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ ثُبُوتُهُ.
[قَوْلُهُ: أَهْلَ خَيْبَرَ] مَدِينَةٌ كَبِيرَةٌ ذَاتُ حُصُونٍ وَمَزَارِعَ وَنَخْلٍ كَثِيرٍ عَلَى ثَمَانِيَةِ بُرُدٍ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى جِهَةِ الشَّامِ عَلَى شَطْرٍ أَيْ نِصْفٍ.
[قَوْلُهُ: مِنْهَا] أَيْ مِنْ أَرْضِهَا بِوَاسِطَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ مِنْ ثَمَرٍ [قَوْلُهُ: الْمُخَابَرَةِ] مَأْخُوذَةٌ مِنْ خَبَرْتُ الْأَرْضَ شَقَقْتهَا لِلزِّرَاعَةِ أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ [قَوْلُهُ: وَهِيَ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا] بَحْثٌ فِيهِ بِأَنَّ الْأَرْضَ غَيْرُ مُكْتَرَاةٍ فِي الْمُسَاقَاةِ إنَّمَا الْمُكْتَرَى الْعَامِلُ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ ذَلِكَ يَتَأَتَّى فِي بَعْضِ صُوَرِهَا كَالْبَيَاضِ الْمُشْتَرَطِ عَلَى الْعَامِلِ زَرْعُهُ فَإِنَّ مِنْ شَرْطِهِ كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا [قَوْلُهُ: وَمِنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ] أَيْ بَاعَهَا بِمَنَافِعِ الْعَامِلِ [قَوْلُهُ: وَالْإِجَارَةِ بِهَا] أَيْ أَجْرُ الْعَامِلِ نَفْسِهِ بِهَا قَبْلَ طِيبِهَا بَلْ قَبْلَ وُجُودِهَا قَبْلَهُ [قَوْلُهُ: وَقَبْلَ وُجُودِهَا] أَيْ أَوْ قَبْلَ وُجُودِهَا
[قَوْلُهُ: مِنْهَا الْعَاقِدَانِ] فِيهِ تَسَامُحٌ إذْ
تَكُونَ بِلَفْظِ سَاقَيْت فَلَا تَنْعَقِدُ بِ عَامَلْتُكَ وَنَحْوِهِ، وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ فِي الْأُصُولِ الثَّابِتَةِ الَّتِي تُجْنَى ثِمَارُهَا وَيَبْقَى أَصْلُهَا كَالنَّخْلِ وَالْعِنَبِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (فِي الْأُصُولِ) وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ قَبْلَ طِيبِ الثَّمَرَةِ وَقَبْلَ جَوَازِ بَيْعِهَا لِأَنَّهُ إذَا جَازَ بَيْعُهَا لَا ضَرُورَةَ حِينَئِذٍ لِلْمُسَاقَاةِ، وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَأَقَلُّهُ إلَى الْجِذَاذِ وَإِنْ أَطْلَقَ حُمِلَ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا أَنْ يُسَاقَى عَلَى جُزْءٍ شَائِعٍ مَعْلُومٍ سَوَاءٌ كَانَ كَثِيرًا كَالثُّلُثَيْنِ أَوْ قَلِيلًا كَالرُّبْعِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (عَلَى مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْزَاءِ) وَاحْتَرَزْنَا بِالْمَشَاعِ مِنْ الْمُسَاقَاةِ عَلَى آصُعٍ أَوْ أَوْسُقٍ مَعْدُودَةٍ، وَبِالْمَعْلُومِ مِنْ الْمُسَاقَاةِ عَلَى جُزْءٍ مَجْهُولٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ثُلُثًا أَوْ نِصْفًا أَوْ نَحْوَهُ (وَ) مِنْهَا أَنْ يَكُونَ (الْعَمَلُ كُلُّهُ عَلَى الْمُسَاقَى) بِفَتْحِ الْقَافِ وَهُوَ الْعَامِلُ وَالْعَمَلُ الْقِيَامُ بِمَا تَفْتَقِرُ إلَيْهِ الثَّمَرَةُ مِنْ السَّقْيِ وَالْإِبَّارِ وَالتَّنْقِيَةِ وَالْجِذَاذِ وَإِقَامَةِ الْأَدَوَاتِ مِنْ الدِّلَاءِ وَالْمَسَاحِي وَالْأُجَرَاءِ
[حاشية العدوي]
لَيْسَ الْعَاقِدَانِ مِنْ الشُّرُوطِ بَلْ رُكْنَانِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الشَّيْءِ [قَوْلُهُ: أَهْلِيَّةُ الْإِجَارَةِ] أَيْ صِحَّةً وَلُزُومًا [قَوْلُهُ: فَلَا تَنْعَقِدُ بِ عَامَلْتُكَ] أَيْ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِلَّا فَسَحْنُونٌ يَقُولُ بِانْعِقَادِهَا بِ عَامَلْتُكَ.
قَالَ جَمْعٌ مِنْ الشُّيُوخِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يَأْتِيَ بِلَفْظِ السَّقْيِ كَقَوْلِهِ: سَاقَيْت أَوْ أَنَا مُسَاقِيك أَوْ أَعْطَيْتُك حَائِطِي مُسَاقَاةً، وَالرَّاجِحُ كَمَا قُلْنَا قَوْلُ سَحْنُونَ إنَّهُ يَنْعَقِدُ بِ عَامَلْتُكَ وَيَكْفِي فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ رَضِيت أَوْ قَبِلْت أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَلَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهَا أَصْلٌ مُسْتَقِلٌّ كَمَا لَا تَنْعَقِدُ الْإِجَارَةُ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كِفَايَةِ الْمُعَاطَاةِ فِيهَا صِحَّتُهَا بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ [قَوْلُهُ: أَنْ تَكُونَ فِي الْأُصُولِ إلَخْ] ظَاهِرُهُ عَدَمُ جَوَازِهَا فِي غَيْرِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَصِحُّ فِي الزَّرْعِ كَالْقَصَبِ وَالْبَصَلِ وَالْمَقَاثِئِ بِشُرُوطٍ، أَحَدُهَا: عَجْزُ رَبِّ الزَّرْعِ عَنْ الْقِيَامِ بِهِ.
ثَانِيهَا: أَنْ يَخَافَ عَلَيْهِ الْمَوْتَ بِتَرْكِ السَّقْيِ.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَبْرُزَ مِنْ الْأَرْضِ.
رَابِعُهَا: أَنْ لَا يَبْدُوَ صَلَاحُهُ.
وَوَقَعَ خِلَافٌ فِي نَحْوِ الْقُطْنِ وَالْوَرْدِ مِمَّا تُجْنَى ثَمَرَتُهُ وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ أَصْلُهُ فَبَعْضُهُمْ أَلْحَقَهُ بِالشَّجَرِ وَبَعْضُهُمْ بِالزَّرْعِ فَيَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ بِالشُّرُوطِ الْمَطْلُوبَةِ فِي الزَّرْعِ.
[قَوْلُهُ: وَقَبْلَ جَوَازِ إلَخْ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ تَبْلُغَ حَدَّ الْإِثْمَارِ فِي عَامِهِ كَانَ فِيهِ حَمْلٌ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا وَأَنْ لَا يَخْلُفَ الْأَصْلُ كَالْبَقْلِ وَالْقَصَبِ وَلَا ثَمَرُهُ كَالْمَوْزِ، أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا بَدَا صَلَاحُهُ أَوْ مَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِثْمَارِ أَوْ مَا يَخْلُفُ تَبَعًا وَإِلَّا جَازَ، وَالتَّبَعِيَّةُ أَنْ يَكُونَ التَّابِعُ الثُّلُثَ فَأَقَلَّ [قَوْلُهُ: وَإِنْ أُطْلِقَ حُمِلَ عَلَيْهِ] أَيْ عَلَى الْجِذَاذِ وَإِذَا كَانَ يَتَكَرَّرُ فِي الْعَامِ فَيُحْمَلُ انْتِهَاؤُهَا عَلَى الْجِذَاذِ الْأَوَّلِ إنْ تَمَيَّزَتْ الْبُطُونُ إنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ثَانٍ، وَأَمَّا مَا يُطْعِمُ بُطُونًا وَلَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ فَلَا تَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ إلَّا تَبَعًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّوْقِيتُ لَكِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا إذَا أُقِّتَتْ لَا تُؤَقَّتُ إلَّا بِالْجِذَاذِ أَيْ أَوْ بِالشُّهُورِ الْعَجَمِيَّةِ لِأَنَّ كُلَّ ثَمَرَةٍ تُجَذُّ فِي وَقْتِهَا لَا بِالشُّهُورِ الْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّهَا تَدُورُ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَمِنْهَا أَنْ تَكُونَ بِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّوْقِيتِ وَأَنَّهُ إذَا لَمْ يُؤَقَّتْ لَا يَصِحُّ مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْجِذَاذِ وَظَهَرَ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ مُحْتَرَزَ أَقَلِّهِ الشَّهْرُ الْعَجَمِيُّ وَالْأَوْلَى حَذْفُ إلَى، وَيَكُونُ وَأَقَلُّهُ أَيْ الْأَجَلِ الْمَعْلُومِ الْجِذَاذُ [قَوْلُهُ: عَلَى آصُعٍ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْآصُعَ أَوْ الْأَوْسُقَ شَائِعَةٌ.
فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: احْتَرَزَ بِذَلِكَ عَمَّا إذَا سَاقَاهُ عَلَى رُبْعٍ مِنْ نَخَلَاتٍ مُعَيَّنَةٍ [قَوْلُهُ: عَلَى جُزْءٍ مَجْهُولٍ] أَيْ بِأَنْ يَقُولَ: أُعْطِيك جُزْءًا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ النَّاسِ، وَإِذَا كَانَ الْحَائِطُ مُشْتَمِلًا عَلَى أَصْنَافِ أَوْ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي جَمِيعِهَا مُتَّفِقًا وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْجُزْءُ شَائِعًا فِي جَمِيعِ الْحَائِطِ احْتَرَزَ عَمَّا شَاعَ فِي نَخْلَةٍ أَوْ نَخَلَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ الْحَائِطِ إمَّا بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِالْوَصْفِ فَتَدْخُلُ مُسَاقَاةُ الْحَائِطِ الْغَائِبِ إنْ وُصِفَ حَيْثُ كَانَ يَصِلُ إلَيْهِ قَبْلَ كَمَالِ طِيبِهِ [قَوْلُهُ: وَالْعَمَلُ الْقِيَامُ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْعَمَلَ نَفْسُ السَّقْيِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ فَفِي الْعِبَارَةِ تَسَمُّحٌ
[قَوْلُهُ: بِمَا تَفْتَقِرُ إلَيْهِ الثَّمَرَةُ] أَيْ عُرْفًا مِمَّا ذَكَرَ وَلَا يَلْزَمُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ فَلَا بُدَّ مِنْ النَّصِّ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ [قَوْلُهُ: وَالتَّنْقِيَةِ] أَيْ تَنْقِيَةُ مَنَافِعِ الشَّجَرِ [قَوْلُهُ: الْأَدَوَاتِ] جَمْعُ أَدَاةٍ أَيْ الْآلَةِ [قَوْلُهُ: وَالْأُجَرَاءِ وَالدَّوَابِّ] مَعْطُوفَانِ عَلَى الدِّلَاءِ وَالْمَسَاحِي أَيْ عَلَيْهِ الْأُجَرَاءُ وَالدَّوَابُّ
وَالدَّوَابِّ وَنَفَقَتِهِمْ لِأَنَّ الْعِوَضَ إنَّمَا هُوَ الْعَمَلُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلَّهُ عَلَى الْعَامِلِ (وَ) مِنْهَا أَنَّ رَبَّ الْحَائِطِ (لَا يَشْتَرِطُ) بِمَعْنَى لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُسَاقَى (عَمَلًا) آخَرَ (غَيْرَ عَمَلِ الْمُسَاقَاةِ) مِثْلَ أَنْ يُسَاقِيَهُ، وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ لَهُ ثَوْبًا أَوْ يَطْحَنَ لَهُ إرْدَبًّا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالثَّمَرَةِ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ أُصُولٍ مَمْنُوعَةٍ جُوِّزَتْ لِلضَّرُورَةِ فَيُقْتَصَرُ فِيهَا عَلَى مَحَلِّ الْوُرُودِ
(وَ) كَذَا (لَا) يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ (عَمَلَ شَيْءٍ يُنْشِئُهُ) أَيْ يُحْدِثُهُ (فِي الْحَائِطِ إلَّا مَا) أَيْ شَيْئًا (لَا بَالَ) أَيْ لَا خَطَرَ (لَهُ) لِقِلَّتِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَيْهِ (مِنْ سَدِّ الْحَظِيرَةِ) بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَالَةِ (وَ) مِنْ (إصْلَاحِ الضَّفِيرَةِ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ غَيْرِ الْمُشَالَةِ، أَمَّا الْحَظِيرَةُ فَهِيَ الْحَائِطُ الْمُحِيطَةُ بِالْبُسْتَانِ (وَشَدِّ) بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُهْمَلَةِ تَرْمِيمُ بِنَائِهَا وَالْعِيدَانَ الَّتِي تُجْعَلُ بِأَعْلَاهَا مِنْ شَوْكٍ وَجَرِيدٍ يَمْنَعُ التَّسَوُّرَ عَلَيْهَا.
(وَ) أَمَّا الضَّفِيرَةُ فَ (هِيَ مُجْتَمَعُ الْمَاءِ) ثُمَّ يُفَرَّغُ كَالصِّهْرِيجِ، وَأَمَّا بِنَاؤُهَا مِنْ أَصْلِهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْشِئَ بِنَاءَهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَبْقَى بَعْدَ الثَّمَرَةِ (وَالتَّذْكِيرُ) أَيْ التَّلْقِيحُ (عَلَى الْعَامِلِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ عَلَيْهِ شِرَاءَ مَا يُلَقِّحُ بِهِ وَتَعْلِيقَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي قَوْلِ: (وَتَنْقِيَةُ مَنَاقِعِ الشَّجَرِ) جَمْعُ مَنْقَعٍ بِفَتْحِ الْقَافِ مَوْضِعٌ يَسْتَنْقِعُ فِيهِ الْمَاءُ (وَإِصْلَاحُ مَسْقَطِ الْمَاءِ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا مَوْضِعُ السُّقُوطِ (مِنْ الْغَرْبِ) وَهُوَ الدَّلْوُ
[حاشية العدوي]
إنْ لَمْ يَكُونَا فِي الْحَائِطِ [قَوْلُهُ: وَنَفَقَتِهِمْ] أَيْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ مَا ذُكِرَ مِنْ الدَّوَابِّ وَالْأُجَرَاءِ الَّذِينَ أُمِرَ بِالْإِتْيَانِ بِهِمْ، بَلْ وَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى مَا كَانَ فِي الْحَائِطِ مِنْ دَوَابَّ وَأُجَرَاءَ لِرَبِّ الْحَائِطِ، وَيُلْغَزُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَيُقَالُ: رَجُلٌ لَهُ رَقِيقٌ وَدَوَابُّ لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ شَرِكَةٌ وَنَفَقَتُهُمْ وَكِسْوَتُهُمْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ نَعَمْ لَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ إلَّا أُجْرَةُ مَا اسْتَأْجَرَهُ هُوَ، وَأَمَّا مَا كَانَ فِي الْحَائِطِ عِنْدَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ فَأُجْرَتُهُ عَلَى رَبِّهِ.
وَكَذَا لَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ أَنْ يُخْلِفَ مَا مَاتَ أَوْ مَرِضَ مِنْ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ الَّتِي فِي الْحَائِطِ يَوْمَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ، وَخَلَفُ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعِوَضَ] أَيْ عِوَضَ الثَّمَرَةِ الَّتِي يَأْخُذُهَا الْعَامِلُ [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى لَا يَجُوزُ لَهُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ يَكُونُ الْمَعْنَى وَمِنْ شُرُوطِ الْمُسَاقَاةِ عَدَمُ جَوَازِ اشْتِرَاطِ عَمَلٍ آخَرَ إلَخْ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُنَاسِبَ لِجَعْلِهِ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يُحْذَفَ قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ فَتَدَبَّرْ
[قَوْلُهُ: عَمَلًا آخَرَ غَيْرَ عَمَلِ الْمُسَاقَاةِ] أَيْ مِمَّا كَانَ خَارِجًا عَنْ الْحَائِطِ كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ الشَّارِحُ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَالٌ أَمْ لَا [قَوْلُهُ: أَنْ يَبِيعَ لَهُ ثَوْبًا] أَيْ يَكُونُ سِمْسَارًا فِي بَيْعِهِ [قَوْلُهُ: مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ أُصُولٍ مَمْنُوعَةٍ] كُلُّ وَاحِدٍ يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ الْأَوَّلُ: الْإِجَارَةُ بِالْمَجْهُولِ.
الثَّانِي: كِرَاءُ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا.
الثَّالِثُ: بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بَلْ قَبْلَ وُجُودِهَا.
الرَّابِعُ: الْغَرَرُ لِأَنَّ الْعَامِلَ لَا يَدْرِي أَتَسْلَمُ الثَّمَرَةُ أَمْ لَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ سَلَامَتِهَا لَا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ مِقْدَارُهَا [قَوْلُهُ: أَيْ يُحْدِثُهُ] أَيْ كَحَفْرِ بِئْرٍ أَوْ إنْشَاءِ عَيْنٍ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ بَالٌ [قَوْلُهُ: لَا خَطَرَ لَهُ] أَيْ لَا قَدْرَ لَهُ [قَوْلُهُ: الْمُشَالَةِ] أَيْ الْمُرْتَفِعَةِ [قَوْلُهُ: وَسَدِّ إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ عَلَيْهِمَا، وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ الْمَعْنَى يَخْتَلِفُ فَالْمَعْنَى عَلَى السِّينِ الْمُهْمَلَةِ سَدُّ الْفُرْجَةِ الْكَائِنَةِ فِي ذَاتِ الْحُفَيْرَةِ، وَعَلَى الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ إصْلَاحُ الْحُفَيْرَةِ بِالْأَحْبُلِ وَنَحْوَهَا مِمَّا يَمْسِكُ الْحَظِيرَةَ مِنْ الْحَظْرِ وَهُوَ الْمَنْعُ [قَوْلُهُ: تَرْمِيمُ بِنَائِهَا] أَيْ سَدُّ الْخَلَلِ الَّذِي فِي الْحَائِطِ، وَأَمَّا أَصْلُ الْبِنَاءِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: وَالْعِيدَانِ] عَطْفٌ عَلَى تَرْمِيمٍ، أَيْ وَجَعْلُ الْعِيدَانِ وَقَوْلُهُ: يَمْنَعُ أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ الشَّوْكِ وَالْجَرِيدِ.
وَقَوْلُهُ: التَّسَوُّرَ أَيْ الِاسْتِعْلَاءَ عَلَيْهَا [قَوْلُهُ: مُجْتَمَعُ الْمَاءِ] أَيْ مَوْضِعُ اجْتِمَاعِ الْمَاءِ [قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ أَنَّ عَلَيْهِ إلَخْ] لَيْسَ بِظَاهِرٍ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى نَفْسِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ التَّعْلِيقُ [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ فِي قَوْلٍ] وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقِيلَ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ [قَوْلُهُ: مَوْضِعٌ يَسْتَنْقِعُ فِيهِ الْمَاءُ] الْمَاءُ فَاعِلُ يَسْتَنْقِعُ أَيْ مَوْضِعٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَمَنْقَعُ الْمَاءِ بِالْفَتْحِ مُجْتَمَعُهُ وَالْمَاءُ مُسْتَنْقَعٌ فَاعِلٌ [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا] فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا فِي لَامِيَّةِ ابْنِ مَالِكٍ، وَاَلَّذِي فِيهَا الْكَسْرُ فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ تت فَإِنْ قُلْت: اسْمُ الْمَكَانِ مِنْ الَّذِي مُضَارِعُهُ بِالضَّمِّ أَوْ بِالْفَتْحِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ فَلَا
الْكَبِيرُ (وَتَنْقِيَةُ الْعَيْنِ) وَهُوَ كَنْسُهَا مِمَّا يَقَعُ فِيهَا مِنْ تُرَابٍ أَوْ وَرَقٍ (وَشَبَهِ ذَلِكَ) مِنْ عَمَلِ الْمُسَاقَاةِ أَيْ مِثْلِ الْجِذَاذِ وَالْجَرِينِ ق قَوْلُهُ: (جَائِزٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذَا وَشَبَهُهُ جَائِزٌ بَعْدَ (أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ) وَفِي كَلَامِهِ مُشَاحَّةٌ وَهِيَ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ أَوَّلًا وَالْعَمَلُ كُلُّهُ عَلَى الْمُسَاقَى الشَّامِلِ لِلتَّذْكِيرِ وَمَا بَعْدَهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَامِلِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: بَعْدَ أَنَّ التَّذْكِيرَ وَمَا بَعْدَهُ جَائِزٌ يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا بِالشَّرْطِ فَتَأَمَّلْ
وَمِنْهَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَى إخْرَاجِ مَا فِي الْحَائِطِ مِنْ الدَّوَابِّ) وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَنْبَغِي لِرَبِّ الْحَائِطِ أَنْ يُسَاقِيَهُ عَلَى أَنْ يَنْزِعَ شَيْئًا مِمَّا فِي الْحَائِطِ مِنْ الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ.
بَهْرَامُ: قَوْلُهُ وَلَا يَنْبَغِي عَلَى التَّحْرِيمِ لَا عَلَى الْكَرَاهَةِ (وَمَا مَاتَ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الدَّوَابِّ الَّتِي فِي الْحَائِطِ (فَعَلَى رَبِّهِ خَلَفُهُ) وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْعَامِلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْعَقْدَ كَانَ عَلَى عَمَلٍ فِي ذِمَّةِ صَاحِبِ الْحَائِطِ، وَلَوْ شُرِطَ خَلَفُهُمْ عَلَى الْعَامِلِ لَمْ يَجُزْ (وَ) أَمَّا (نَفَقَةُ الدَّوَابِّ) أَيْ عَلَفُهُمْ (وَ) نَفَقَةُ (الْأُجَرَاءِ) جَمْعُ أَجِيرٍ أَيْ إطْعَامُهُمْ وَكِسْوَتُهُمْ فَ (عَلَى الْعَامِلِ) عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْعَمَلَ وَجَمِيعَ الْمُؤَنِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ الَّتِي تَنْقَطِعُ بِانْقِطَاعِهَا الثَّمَرَةُ لِأَنَّ الْعِوَضَ عَلَى ذَلِكَ يَقَعُ.
وَكَذَلِكَ عَلَيْهِ خَلَفُ مَا رَثَّ مِنْ الدِّلَاءِ وَالْأَحْبُلِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا دَخَلَ عَلَى أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا حَتَّى تَهْلِكَ أَعْيَانُهَا وَأَمَدُ انْتِهَائِهَا مَعْلُومٌ بِخِلَافِ
[حاشية العدوي]
يَصِحُّ مَا يُفِيدُهُ تت.
قُلْت: مَا ذَكَرْته هُوَ الْقِيَاسُ.
وَهَذَا مِمَّا خَرَجَ عَنْ الْقِيَاسِ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي لَامِيَّةِ الْأَفْعَالِ.
قَالَ شَارِحُهَا: وَمِمَّا جَاءَ بِالْكَسْرِ فَقَطْ شُذُوذًا اسْمُ الْمَكَانِ مِنْ لَحَنَ وَسَقَطَ وَشَرَقَ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: مَوْضِعُ السُّقُوطِ] أَيْ فَقَوْلُهُ: مِنْ الْغَرْبِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ بِاعْتِبَارِ تَضَمُّنِهِ الْمَصْدَرَ، وَفِي الْحَقِيقَةِ التَّعَلُّقُ بِالْمَصْدَرِ [قَوْلُهُ: أَيْ مِثْلِ الْجِذَاذِ] أَيْ: وَرَمِّ نَحْوِ قُفَّةٍ وَتَهْيِئَةِ قَنَاةِ الْمَاءِ [قَوْلُهُ: الْجَرِينِ] هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُجَفَّفُ فِيهِ الثِّمَارُ وَجَمْعُهُ جُرُنٌ كَبَرِيدٍ وَبُرُدٍ أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ، فَحِينَئِذٍ فَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَالْوَضْعُ فِي الْجَرِينِ [قَوْلُهُ: تَقْدِيرُهُ هَذَا] أَيْ مَا قَبْلَ قَوْلِهِ: وَشَبَهُ ذَلِكَ قُلْت لَا دَاعِيَ إلَى ذَلِكَ إذْ لَوْ جَعَلَهُ خَبَرًا عَنْ الْأَوَّلِ وَحَذَفَ إخْبَارَ مَا بَعْدَهُ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ أَوْ الْعَكْسِ لَكَانَ أَوْضَحَ أَوْ الْخَبَرِ عَنْ الْجَمِيعِ بِاعْتِبَارِ تَأْوِيلِهِ بِالْمَذْكُورِ [قَوْلُهُ: أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ] فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ فَاعِلِ جَائِزٍ [قَوْلُهُ: وَفِي كَلَامِهِ مُشَاحَّةٌ] أُجِيبُ بِأَنَّهُ إنَّمَا نَصَّ عَلَى الْجَوَازِ مَعَ الِاشْتِرَاطِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ أَصَالَةً لِأَنَّ بَعْضَ الْمَسَائِلِ تَفْسُدُ بِاشْتِرَاطِ شَيْءٍ مِنْهَا فَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الشَّرْطِ لَهُ مَعَ مَا ذُكِرَ، ثُمَّ إنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ تَنْقِيَةَ الْعَيْنِ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ لَا عَلَى الْعَامِلِ [قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ بَعْدَ أَنَّ التَّذْكِيرَ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ سَابِقًا عَلَى الْعَامِلِ لَيْسَ مِنْ الْمُصَنِّفِ.
وَقَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ الْمُصَنِّفِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَالتَّذْكِيرُ مُبْتَدَأٌ وَمَا بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ جَائِزٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ
[قَوْلُهُ: مِنْ الرَّقِيقِ إلَخْ] فَإِنْ وَقَعَ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ فِي صُلْبِ عَقْدِهَا فَسَدَتْ فَإِنْ حَصَلَ عَمَلٌ وَجَبَ بِهِ مُسَاقَاةُ مِثْلِهِ، وَأَمَّا التَّبَرُّعُ بِتِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ فَلَا بَأْسَ بِهِ [قَوْلُهُ: وَمَا مَاتَ] أَيْ أَوْ مَرِضَ أَوْ أَبَقَ [قَوْلُهُ: أَيْ الدَّوَابِّ الَّتِي فِي الْحَائِطِ] أَيْ وَقَعَ الْعَقْدُ وَهِيَ فِي الْحَائِطِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعَقْدَ كَانَ عَلَى عَمَلٍ إلَخْ] أَيْ مِنْ حَيْثُ تِلْكَ الدَّوَابُّ الَّتِي وَقَعَ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ وَهِيَ فِي الْحَائِطِ [قَوْلُهُ: فَعَلَى الْعَامِلِ] اُنْظُرْ إذَا كَانَتْ إجَارَةُ الْأُجَرَاءِ الَّذِينَ فِي الْحَائِطِ قَبْلُ بِالنَّفَقَةِ هَلْ تَكُونُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ أَوْ عَلَى الْعَامِلِ لِأَنَّهَا نَفَقَةٌ اهـ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقِيلَ إنَّ نَفَقَةَ الرَّقِيقِ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ، وَأَمَّا أُجْرَةُ مَنْ كَانَ فِي الْحَائِطِ فَعَلَى رَبِّهِ كَانَ الْكِرَاءُ وَجِيبَةً أَوْ مُشَاهَرَةً، وَلَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ إلَّا أُجْرَةُ مَا اسْتَأْجَرَهُ هُوَ [قَوْلُهُ: الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ] أَيْ بِالْعَامِلِ هَذَا ظَاهِرُهُ، وَالْأَوْلَى حَذْفُ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ النَّفَقَةِ إنَّمَا عُلِمَ تَعَلُّقُهَا بِهِ مِنْ الْأَخْبَارِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: الَّتِي تَنْقَطِعُ بِانْقِطَاعِهَا الثَّمَرَةُ] أَيْ أَنَّ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ إذَا انْقَطَعَتْ انْقَطَعَتْ الثَّمَرَةُ أَيْ لَمْ تَتِمَّ قَدْ يُقَالُ: هَذَا مَوْجُودٌ فِي الْأُجَرَاءِ الَّتِي فِي الْحَائِطِ قَبْلُ فَإِنَّ الثَّمَرَةَ تَنْقَطِعُ أَيْ تَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ الْأُجَرَاءِ الْمَذْكُورِينَ مَعَ أَنَّهَا عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ.
[قَوْلُهُ: حَتَّى تَهْلِكَ أَعْيَانُهَا] أَيْ فَهُوَ دَاخِلٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْتَاجُ لِأَحْبُلٍ وَنَحْوِهَا فَتَكُونُ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْعَبْدِ
الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ
(وَعَلَيْهِ) أَيْضًا (زَرِيعَةُ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَهُوَ بَذْرُ (الْبَيَاضِ الْيَسِيرِ) أَيْ الْأَرْضِ الْخَالِيَةِ عَنْ الشَّجَرِ وَالْيَسِيرُ الثُّلُثُ فَمَا دُونَهُ (وَلَا بَأْسَ أَنْ يُلْغِي) أَيْ يَتْرُكَ (ذَلِكَ) الْبَيَاضَ الْيَسِيرَ (لِلْعَامِلِ وَهُوَ) أَيْ الْإِلْغَاءُ (أَحَلُّ) لَهُ وَكَلَامُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا بَأْسَ هُنَا لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِيَسْلَمَ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْبَيَاضَ الْيَسِيرَ يُتْرَكُ لِلْعَامِلِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَصْلِ (وَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ كَثِيرًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْخُلَ فِي مُسَاقَاةِ النَّخْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْرَ الثُّلُثِ مِنْ الْجَمِيعِ فَأَقَلَّ) ق: اُنْظُرْ كَيْفَ بَيَّنَ أَنَّ الْيَسِيرَ يَدْخُلُ فِي مُسَاقَاةِ النَّخْلِ وَأَنَّ الْكَثِيرَ لَا يَدْخُلُ، وَسَكَتَ عَنْ الْإِلْغَاءِ هَلْ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَ قَدْرَ الثُّلُثِ فَأَقَلَّ، وَيُعْرَفُ الْيَسِيرُ مِنْ الْكَثِيرِ بِأَنْ يُقَوَّمَ كِرَاءُ الْأَرْضِ عَلَى انْفِرَادِهِ وَيُقَوَّمَ الثَّمَرُ عَلَى انْفِرَادِهِ،
[حاشية العدوي]
وَالدَّابَّةِ] أَيْ فَمُدَّةُ حَيَاتِهِمَا مَجْهُولَةٌ فَلَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ عَمَلُهُمَا بِذِمَّةِ رَبِّ الْحَائِطِ لَفَسَدَتْ الْمُسَاقَاةُ
[قَوْلُهُ: وَكَسْرِ الرَّاءِ] أَيْ الْمُخَفَّفَةِ وَالتَّشْدِيدُ مِنْ لَحْنِ الْعَوَامّ حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ إدْخَالُ الْبَيَاضِ فِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ سَوَاءٌ كَانَ مُنْفَرِدًا عَلَى حِدَةٍ أَوْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ النَّخْلِ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ يَكُونَ الْجُزْءُ الْمَجْعُولُ لِلْعَامِلِ فِيهِ مُوَافِقًا لِجُزْءِ الْحَائِطِ، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ عَلَى الْعَامِلِ وَأَنْ يَكُونَ كِرَاءُ الْبَيَاضِ مُنْفَرِدًا ثُلُثَ قِيمَةِ الثَّمَرَةِ فَأَقَلَّ، فَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ فَسَدَ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ وَيُرَدُّ الْعَامِلُ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ فِي الْحَائِطِ وَإِلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ فِي الْبَيَاضِ، وَالْمُصَنِّفُ ذَكَرَ الشَّرْطَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ كَوْنَ الْبَذْرِ عَلَى الْعَامِلِ وَكِرَاءَ الْبَيَاضِ يَسِيرًا أَيْ قَدْرًا إلَخْ.
كَمَا إذَا كَانَ الْبَيَاضُ يُسَاوِي مِائَةً وَقِيمَةُ الثَّمَرَةِ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْهَا بَعْدَ إسْقَاطِ مَا أُنْفِقَ عَلَيْهَا يُسَاوِي مِائَتَيْنِ [قَوْلُهُ: الْبَيَاضُ إلَخْ] سُمِّيَ الْبَيَاضُ بَيَاضًا لِإِشْرَاقِ أَرْضِهِ بِضَوْءِ الشَّمْسِ نَهَارًا وَنُورِ الْكَوَاكِبِ لَيْلًا، وَسُمِّيَ مَا اسْتَتَرَ بِالزَّرْعِ وَالنَّخْلِ سَوَادًا لِحَجْبِهَا لَهُ عَنْ الْإِشْرَاقِ [قَوْلُهُ: لَهُ] مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي أَصْلِهِ مَجْرُورٌ بِلَا مُقَدَّرَةٍ أَيْ أُحِلَّ لَهُ أَيْ لِرَبِّ الْحَائِطِ أَوْ الْعَامِلِ مِنْ اشْتِرَاطِ إدْخَالِهِ فِي الْمُسَاقَاةِ [قَوْلُهُ: بِمَا هُوَ خَيْرٌ] أَيْ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ [قَوْلُهُ: بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ] عِبَارَةُ التَّحْقِيقِ تَنْبِيهٌ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ الْبَيَاضَ الْيَسِيرَ يُتْرَكُ لِلْعَامِلِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ رَبُّ الْحَائِطِ أَوْ الْعَامِلُ أَوْ هُمَا مَعًا أَوْ يَسْكُتَا عَنْهُ، أَمَّا إنْ اشْتَرَطَهُ رَبُّ الْحَائِطِ لِنَفْسِهِ فَلَا يَجُوزُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَمَّا إنْ اشْتَرَطَهُ الْعَامِلُ لِنَفْسِهِ فَجَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا إنْ اشْتَرَطَاهُ فَيَجُوزُ بِشُرُوطٍ، الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ عَلَى الْعَامِلِ نَصَّ عَلَيْهِ ع وَق.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَذْرُ الْبَيَاضِ عَلَى الْعَامِلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِهِ فَسَدَ الْعَمَلُ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يُرْوَ عَنْهُ أَنَّهُ دَفَعَ شَيْئًا لِأَهْلِ خَيْبَرَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْجُزْءُ الْمُشْتَرَطُ فِيهِ مُوَافِقًا لِجُزْءِ الْمُسَاقَاةِ، وَأَمَّا إذَا سَكَتَا عَنْهُ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: يُلْغَى لِلْعَامِلِ اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ وَتَأَمَّلْهُ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا الْإِلْغَاءُ لِلْعَامِلِ مَشْرُوطٌ بِالسُّكُوتِ أَوْ اشْتِرَاطِ الْعَامِلِ عِنْدَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ كَثِيرًا] بِحَيْثُ يَكُونُ كِرَاؤُهُ مُنْفَرِدًا فَوْقَ ثُلُثِ قِيمَةِ الثَّمَرَةِ [قَوْلُهُ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْخُلَ فِي مُسَاقَاةِ النَّخْلِ] أَيْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلْغَى لِلْعَامِلِ بَلْ يَبْقَى لِرَبِّهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْعَامِلُ أَيْضًا [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ] أَيْ الْبَيَاضُ لَا بِقَيْدِهِ السَّابِقِ [قَوْلُهُ: كَيْفَ بَيَّنَ] أَيْ لِمَ بَيَّنَ، أَيْ اُنْظُرْ جَوَابَ هَذَا السُّؤَالِ وَهُوَ أَنَّهُ لِمَ بَيَّنَ أَنَّ الْيَسِيرَ يَدْخُلُ فِي مُسَاقَاةِ النَّخْلِ وَالْكَثِيرُ لَا يَدْخُلُ، وَسَكَتَ عَنْ جَوَابِ السُّؤَالِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْإِلْغَاءِ وَهُوَ هَلْ يَجُوزُ إلَخْ.
فَقَوْلُهُ: هَلْ يَجُوزُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ الْإِلْغَاءِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُلْغَى ذَلِكَ إلَخْ مُفِيدٌ لِهَذَا الْجَوَابِ وَهُوَ أَنَّ جَوَازَ الْإِلْغَاءِ إذَا كَانَ يَسِيرًا فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ كَثِيرًا لَا يَجُوزُ وَهَذَا يَكْفِي فِي الْبَيَانِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: أَوْ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَ قَدْرَ الثُّلُثِ إلَخْ] وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُلَخَّصُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْبَيَاضَ الْيَسِيرَ يَجُوزُ إدْخَالُهُ فِي الْمُسَاقَاةِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَيَخْتَصُّ بِهِ الْعَامِلُ إنْ سَكَتَا عَنْهُ أَوْ اشْتَرَطَهُ، وَيَفْسُدُ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ بِاشْتِرَاطِ رَبِّهِ لَهُ إنْ كَانَ يَنَالُهُ سَقْيُ الْعَامِلِ كَمَا يَفْسُدُ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ بِإِدْخَالِ
وَيُنْسَبُ كِرَاؤُهُ مِنْ قِيمَةِ الثَّمَرَةِ بَعْدَ طَرْحِ قِيمَةِ الْمُؤْنَةِ، وَالْعَمَلُ مِثَالُ ذَلِكَ بِأَنْ يُقَالَ: كَمْ قِيمَةُ ثَمَرَةِ هَذَا النَّخْلِ عَلَى مَا اُعْتِيدَ مِنْهَا؟ فَيُقَالُ: ثَلَاثُونَ دِينَارًا فَقَالَ: بِكَمْ يُؤَاجَرُ عَلَيْهَا مَنْ يَعْمَلُ فِيهَا إلَى الْجِدَادِ؟ فَيُقَالُ: بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَتَنْقُصُهَا مِنْ الثَّلَاثِينَ تَبْقَى عِشْرُونَ ثُمَّ يُقَالُ أَيْضًا: بِكَمْ يُكْرَى هَذَا الْبَيَاضُ لِمَنْ يَعْلَمُهُ؟ فَيُقَالُ: بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَتُضِيفُهَا إلَى الْعِشْرِينَ فَتَكُونُ ثَلَاثِينَ تُنْسِيهَا مِنْهَا فَتَجِدُهَا ثُلُثًا فَتَعْلَمُ أَنَّ الْبَيَاضَ يَسِيرٌ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْبَيَاضِ عِشْرِينَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَدْخُلَ فِي مُسَاقَاةِ النَّخْلِ لِأَنَّ قِيمَتَهُ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ
، وَلَمَّا كَانَتْ الْمُغَارَسَةُ مَقِيسَةً عَلَى الْمُسَاقَاةِ عَقَّبَهَا بِهَا فَقَالَ: (وَالشَّرِكَةُ فِي الزَّرْعِ جَائِزَةٌ) وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْهَا بِالْمُزَارَعَةِ وَلِجَوَازِهَا شُرُوطٌ أَحَدُهَا: الْمُتَعَاقِدَانِ وَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا أَهْلِيَّةُ الشَّرِكَةِ وَالْإِجَارَةِ.
ثَانِيهَا: السَّلَامَةُ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَمْتَنِعُ كِرَاؤُهَا بِهِ كَالطَّعَامِ.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَقَعَ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ.
رَابِعُهَا: أَنْ يَتَسَاوَى الْعَاقِدَانِ فِي الرِّبْحِ عَلَى نِسْبَةِ مَا يَلْزَمُهُمَا.
خَامِسُهَا: خَلْطُ الْبَذْرِ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدِهِمَا.
سَادِسُهَا: أَنْ يَكُونَ مُقَابِلُ الْأَرْضِ مِنْ بَقَرٍ وَعَمَلٍ مُسَاوِيًا لِأُجْرَةِ الْأَرْضِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ كِرَاءُ الْأَرْضِ مِائَةً وَالْعَمَلُ يُسَاوِي خَمْسِينَ وَالْبَقَرُ كَذَلِكَ لِأَنَّ سُنَّةَ الشَّرِكَةِ التَّسَاوِي
، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي هَذَا الْفَصْلِ ثَمَانِيَةَ
[حاشية العدوي]
الْكَثِيرِ أَوْ اشْتِرَاطِهِ لِلْعَامِلِ أَوْ إلْغَائِهِ لَهُ بَلْ يَبْقَى لِرَبِّهِ، وَالْمُعْتَبَرُ يَسَارَتُهُ وَكَثْرَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِجَمِيعِ الثَّمَرَةِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِحِصَّةِ الْعَامِلِ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: وَيُنْسَبُ كِرَاؤُهُ مِنْ قِيمَةِ الثَّمَرَةِ] الضَّمِيرُ فِي كِرَاؤُهُ لِلْأَرْضِ بِمَعْنَى الْبَيَاضِ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ قِيمَةِ بِمَعْنَى إلَى، أَيْ إلَى قِيمَةِ الثَّمَرَةِ وَالْمُطَابِقُ لِمِثَالِهِ أَنْ يَقُولَ: وَيَعْرِفُ الْيَسِيرَ مِنْ الْكَثِيرِ بِأَنْ يُقَوِّمَ الثَّمَرَ عَلَى انْفِرَادِهِ ثُمَّ يُسْقِطَ مِنْهُ مَا لِلْعَامِلِ، ثُمَّ يُقَالُ كَمْ يُكْرَى هَذَا الْبَيَاضُ لِمَنْ يَعْمَلُهُ ثُمَّ يُضِيفُهُ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ قِيمَةِ الثَّمَرِ بَعْدَ مَا أَسْقَطَ مَا لِلْعَامِلِ، ثُمَّ يَنْسُبُ قِيمَةَ الْبَيَاضِ إلَى قِيمَةِ الثَّمَرِ وَمَا أُضِيفَ إلَيْهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: فَيُقَالُ بِعَشْرَةٍ إلَخْ] وَهِيَ قِيمَةُ الْمُؤْنَةِ وَالْعَمَلِ
[الْمُزَارَعَة وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا]
[قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَتْ الْمُغَارَسَةُ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَئِمَّتِنَا فَرَّقُوا بَيْنَ الْمُغَارَسَةِ وَالْمُزَارَعَةِ فَجَعَلُوا الْمُغَارَسَةَ عَلَى حِدَةٍ وَالْمُزَارَعَةَ عَلَى حِدَةٍ، وَمُفَادُ عج اعْتِمَادُهُ وَفِيهَا رِسَالَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِبَعْضِ عُلَمَاءِ الْمَغْرِبِ وَنَظَمَهَا عج وَشَرَحَهَا قَالَ: إنَّ الْمُغَارَسَةَ زَائِدَةٌ عَلَى الْمُزَارَعَةِ الَّتِي فِي خَلِيلٍ وَإِنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى الْمُغَارَسَةِ فَرَاجِعْهُ [قَوْلُهُ: وَالشَّرِكَةُ فِي الزَّرْعِ جَائِزَةٌ] وَعَقْدُهَا لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْبَذْرِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَرْضِ وَلَوْ لَمْ يَنْضَمَّ لِلْبَذْرِ حَرْثٌ، وَأَمَّا الْحَرْثُ بِدُونِ بَذْرٍ فَلِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الْفَسْخَ لَهُ ذَلِكَ وَمَنْ لَهُ عَمَلٌ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى صَاحِبِهِ أَوْ يَقْتَسِمَانِ الْأَرْضَ إنْ كَانَ الْعَمَلُ لَهُمَا وَالْأَرْضُ لَهُمَا وَإِنَّمَا لَمْ تَلْزَمْ بِالْعَقْدِ كَشَرِكَةِ الْأَمْوَالِ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ بِالْمَنْعِ فِيهَا مُطْلَقًا فَضَعُفَ الْأَمْرُ فِيهَا فَلَا بُدَّ فِي لُزُومِهَا مِنْ أَمْرٍ قَوِيٍّ وَهُوَ الْبَذْرُ [قَوْلُهُ: أَهْلِيَّةُ الشَّرِكَةِ وَالْإِجَارَةِ] أَيْ لِأَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا كَمَا أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ، فَأَهْلِيَّةُ الشَّرِكَةِ بِأَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ فَلَا تَصِحُّ بَيْنَ صَبِيَّيْنِ وَلَا سَفِيهَيْنِ وَلَا بَيْنَ صَبِيٍّ وَرَشِيدٍ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ وَالْإِجَارَةُ لَعَلَّ الْأَوْلَى إسْقَاطُهُ فَإِنَّ اشْتِرَاطَ شُرُوطِ الْإِجَارَةِ يَقْتَضِي صِحَّةَ مَا ذُكِرَ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: كَالطَّعَامِ] وَلَوْ لَمْ تُنْبِتْهُ كَالْعَسَلِ أَوْ بِمَا تُنْبِتُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ طَعَامًا كَقُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ إلَّا الْخَشَبَ وَنَحْوَهُ [قَوْلُهُ: أَنْ يَقَعَ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ] ظَاهِرُهُ تَعَيُّنُ هَذَا اللَّفْظِ وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ كَلَامُهُ فِي التَّحْقِيقِ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهَا رُخْصَةٌ لَا يَتَعَدَّى بِهَا عَنْ مَحَلِّهَا، قَالَ: فَلَوْ عَقَدَ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ لَمْ تَنْعَقِدْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَذَلِكَ إنْ وَقَعَ الْعَقْدُ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِلَفْظِ شَرِكَةٍ أَوْ إجَارَةٍ فَتَدَبَّرْ اهـ.
[قَوْلُهُ: خَلَطَ الْبَذْرَ إنْ كَانَ] وَلَوْ كَانَ الْخَلْطُ حُكْمًا بِأَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ الْبَذْرَ مِنْ عِنْدِهِ وَلَمْ يَخْلِطَاهُ حَتَّى وَصَلَ إلَى الْفَدَّانِ، وَيَبْذُرُ كُلُّ وَاحِدٍ بَذْرَهُ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ عَنْ بَذْرِ صَاحِبِهِ فَإِنْ تَمَيَّزَ بِأَنْ بَذَرَ كُلٌّ فِي نَاحِيَةٍ فَلَا يَصِحُّ وَلِكُلٍّ مَا نَبَتَ حَبُّهُ هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ سَحْنُونَ.
وَقَوْلُهُ الْآخَرُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْخَلْطِ لَا حِسًّا وَلَا حُكْمًا، وَعَلَيْهِ فَتَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ وَلَوْ كَانَ بَذْرُ كُلِّ وَاحِدٍ فِي نَاحِيَةٍ بِحَيْثُ صَارَ مُتَمَيِّزًا [قَوْلُهُ: سَادِسُهَا إلَخْ] هَذَا ظَاهِرٌ إذَا دَخَلَا عَلَى الْمُنَاصَفَةِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ أُجْرَةُ الْبَقَرِ وَالْعَمَلِ خَمْسِينَ مَثَلًا وَأُجْرَةُ الْأَرْضِ مِائَةً وَالْبَذْرُ عَلَى حَسَبِ كُلٍّ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ فَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ
مَسَائِلَ: أَرْبَعَةٌ جَائِزَةٌ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ وَالرَّابِعَةُ مُتَأَخِّرَةٌ وَأَرْبَعَةٌ مَمْنُوعَةٌ وَاحِدَةٌ بِالْمَفْهُومِ وَثَلَاثَةٌ بِالْمَنْطُوقِ، أَمَّا الثَّلَاثَةُ الْجَائِزَةُ فَأَشَارَ إلَى أَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ: (إذَا كَانَتْ الزَّرِيعَةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا كَانَتْ الْأَرْضُ لِأَحَدِهِمَا وَالْعَمَلُ عَلَى الْآخَرِ) قَالُوا: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: وَالزَّرِيعَةُ مِنْهُمَا إذَا تَسَاوَيَا فِي الزَّرِيعَةِ، وَأَمَّا إذَا تَفَاضَلَا فِيهَا مِثْلَ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا ثُلُثَيْ الزَّرِيعَةِ وَالْآخَرُ الثُّلُثَ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَصْلِ وَثَانِيهَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ الْعَمَلُ بَيْنَهُمَا وَاكْتَرَيَا الْأَرْضَ) يُرِيدُ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَالزَّرِيعَةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا، وَثَالِثُهَا: أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ كَانَتْ) أَيْ الْأَرْضُ (بَيْنَهُمَا) وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا.
وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الْمَمْنُوعَةُ الْمَأْخُوذَةُ بِالْمَنْطُوقِ فَأَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (أَمَّا إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا وَمِنْ عِنْدِ الْآخَرِ الْأَرْضُ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهِمَا) مَعًا (وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَجُزْ) بَيَانُ أَخْذِهَا مِنْهُ هُوَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي عَلَيْهِ يُحْتَمَلُ عَوْدُهُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا أَخْرَجَ الْبَذْرَ وَالْآخَرُ الْأَرْضَ وَالْعَمَلَ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ وَيُحْتَمَلُ عَوْدُهُ عَلَى مَخْرَجِ الْبَذْرِ فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا أَخْرَجَ الْبَذْرَ وَالْعَمَلَ وَالْآخَرُ الْأَرْضَ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ، وَقَوْلُهُ: أَوْ عَلَيْهِمَا أَيْ الْعَمَلُ عَلَيْهِمَا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَالْآخَرُ الْبَذْرَ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى الرَّابِعَةِ الْمُكَمِّلَةِ لِلْمَسَائِلِ الْجَائِزَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ كَانَا اكْتَرَيَا الْأَرْضَ) يُرِيدُ أَوْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا أَوْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا وَيُعْطِيهِ الْآخَرُ كِرَاءَ نِصْفِهِ (وَالْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ وَاحِدٍ وَعَلَى الْآخَرِ الْعَمَلُ جَازَ) ذَلِكَ (إذَا تَقَارَبَتْ قِيمَةُ ذَلِكَ) الْبَذْرِ وَالْعَمَلُ مَفْهُومُهُ إذَا لَمْ تَتَقَارَبْ لَا تَجُوزُ، وَهَذِهِ هِيَ الْمُكَمِّلَةُ لِلْأَرْبَعَةِ الْمَمْنُوعَةِ وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْجَوَازِ
[حاشية العدوي]
فَيُسْتَغْنَى عَنْهُ بِالرَّابِعِ وَتَدَبَّرْهُ.
[قَوْلُهُ: إذَا كَانَتْ الزَّرِيعَةُ إلَخْ] يُصَوِّرُ بِمَا تَقَدَّمَ لَهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةُ الْأَرْضِ مِائَةً وَأُجْرَةُ الْبَقَرِ وَالْعَمَلِ كَذَلِكَ وَالْبَذْرُ بَيْنَهُمَا مُنَاصَفَةً وَالرِّبْحُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ إذَا تَسَاوَيَا فِي الزَّرِيعَةِ أَيْ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا الْمُقْتَضَى مُسَاوَاتُهُمَا فِي الرِّبْحِ [قَوْلُهُ: وَالْعَمَلُ عَلَى الْآخَرِ] أَيْ بِشَرْطِ مُسَاوَاتِهِ لِأُجْرَةِ الْأَرْضِ فِي الْقِيمَةِ أَوْ مُقَارَبَتِهِ كَأَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْأَرْضِ تِسْعَةَ عَشَرَ وَقِيمَةُ الْعَمَلِ عِشْرِينَ أَوْ عَكْسُهُ، وَأَمَّا لَوْ تَبَاعَدَتْ فَلَا جَوَازَ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّرْعِ قَدْرَ مَا أَخْرَجَ، وَالْمُرَادُ بِالْعَمَلِ الْحَرْثُ لَا الْحَصَادُ وَالدِّرَاسُ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ.
[قَوْلُهُ: فَفِيهِ تَفْصِيلٌ إلَخْ] قَالَ: فِيهِ عَقِبَ قَوْلِهِ وَالْآخَرُ الثُّلُثُ فَيُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ ثُلُثَيْ الزَّرِيعَةِ فَذَلِكَ جَائِزٌ لِأَنَّ الثُّلُثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ صَاحِبُ الْعَمَلِ يُقَابِلُ الثُّلُثَ مِمَّا أَخْرَجَهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ وَالْعَمَلُ مُقَابِلُ الْأَرْضِ وَالثُّلُثِ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْعَمَلِ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ ثُلُثَيْ الزَّرِيعَةِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا عَلَى قَدْرِ مَا أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّرِيعَةِ فَيَجُوزُ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الزَّرِيعَةِ، وَالْعَمَلُ يُقَابِلُ الْأَرْضَ وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا أَنْصَافًا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الثُّلُثَ مُقَابِلُ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَ الْآخَرَ وَالْعَمَلَ مُقَابِلُ الْأَرْضِ فَفِيهِ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِمَا تُنْبِتُ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ.
وَقَوْلُ التَّحْقِيقِ وَالْعَمَلُ مُقَابِلُ الْأَرْضِ وَالثُّلُثُ الْبَاقِي يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا سَاوَتْ قِيمَةُ الْعَمَلِ قِيمَةَ الْأَرْضِ مَعَ الثُّلُثِ الْبَاقِي وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ.
وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الزَّرِيعَةِ الْمُرَادُ أَخْذُ كُلِّ قَدْرِ مَا أَخْرَجَ مِنْ الزَّرِيعَةِ.
وَقَوْلُهُ: وَالْعَمَلُ مُقَابِلُ الْأَرْضِ بِمَعْنَى أَنَّ الْعَامِلَ قَابَلَ الْأَرْضَ مُقَابَلَةً بِحَسَبِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ قِيمَةَ الْعَمَلِ مَثَلًا عِشْرُونَ، وَقِيمَةَ الْأَرْضِ عَشْرَةٌ وَلِرَبِّ الْعَمَلِ الثُّلُثَانِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ الْعَمَلُ بَيْنَهُمَا وَاكْتَرَيَا الْأَرْضَ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الثَّانِيَ يُصَدَّقُ بِالْمُنَاصَفَةِ وَالثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ فَتَدَبَّرْ فَقَوْلُهُ: وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا أَيْ بِحَسَبِ مَا لِكُلٍّ فَلَيْسَ الْمُرَادُ التَّسَاوِي [قَوْلُهُ: أَوْ كَانَتْ أَيْ الْأَرْضُ بَيْنَهُمَا] أَيْ مِلْكًا لِذَاتٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ.
وَقَوْلُهُ: وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا مِنْ كَوْنِ الْعَمَلِ بَيْنَهُمَا وَالزَّرِيعَةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا قُلْت: وَتُصَدَّقُ هَذِهِ بِالْمُنَاصَفَةِ وَالثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الْمَمْنُوعَةُ] أَيْ لِمَا فِيهَا مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا [قَوْلُهُ: يُحْتَمَلُ عَوْدُهُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ] وَهُوَ الْأَقْرَبُ [قَوْلُهُ: إذَا تَقَارَبَتْ قِيمَةُ ذَلِكَ الْبَذْرِ] كَمَا لَوْ كَانَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا عَشْرَةً وَالْآخَرِ
مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ أَمْ لَا
(وَلَا يُنْقَدُ) بِشَرْطٍ (فِي كِرَاءِ أَرْضٍ غَيْرِ مَأْمُونَةِ) الرَّيِّ (قَبْلَ أَنْ تُرْوَى) لِأَنَّهُ يَكُونُ تَارَةً بَيْعًا وَتَارَةً سَلَفًا، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ الْعَقْدَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ نَقْدٍ أَوْ بِنَقْدٍ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ جَائِزٌ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ غَيْرِ مَأْمُونَةٍ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَأْمُونَةَ الرَّيِّ لَجَازَ النَّقْدُ فِيهَا وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الْمُزَارَعَةِ عَقَّبَهَا بِالْجَوَائِحِ جَمْعُ جَائِحَةٍ وَهِيَ مَا لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ كَالْبَرْدِ وَالرِّيحِ
[حاشية العدوي]
أَحَدَ عَشَرَ مَثَلًا، وَأَحْرَى فِي الْجَوَازِ تَسَاوِيهِمَا قَالَهُ تت وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ خَلِيلٍ وَقَابِلُهَا مُسَاوٍ وَتَسَاوَيَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقَاسُ عَلَى هَذَا بَاقِي مَا يَزِيدُ فِيهِ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِجُزْءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ كَمَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَةً وَقِيمَةُ الْآخَرِ مِائَةً وَعَشْرَةً وَهَكَذَا قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ أَمْ لَا] أَقُولُ إنَّهُ يَتَعَيَّنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا فَرَضَ مُقَاوَمَةَ الْبَذْرِ لِلْعَمَلِ أَوْ الْقُرْبِ لَزِمَ أَنَّ الْأَرْضَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْمُنَاصَفَةِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا مُنَاصَفَةً.
تَنْبِيهٌ: يَجُوزُ أَنْ يَتَبَرَّعَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ اللَّازِمِ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَمَلِ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَوْ وَقَعَتْ فَاسِدَةً فُسِخَتْ قَبْلَ الْفَوَاتِ بِالْعَمَلِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْفَوَاتِ بِهِ فَإِنْ تَكَافَئَا عَمَلًا أَيْ وَقَعَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا فِي قَدْرِهِ فَبَيْنَهُمَا وَتَرَادُّوا غَيْرَ الْعَمَلِ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْبَذْرُ مِنْ الْآخَرِ، فَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْبَذْرِ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ بِمِثْلِ نِصْفِ بَذْرِهِ، وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْأَرْضِ عَلَى صَاحِبِ الْبَذْرِ بِأُجْرَةِ نِصْفِ أَرْضِهِ وَهَذِهِ فَاسِدَةٌ لِمُقَابَلَةِ الْأَرْضِ الْبَذْرَ، فَلَوْ كَانَ الْعَامِلُ أَحَدَهُمَا وَكَانَ لَهُ مَعَ عَمَلِهِ إمَّا أَرْضٌ وَالْبَذْرُ مِنْ الْآخَرِ أَوْ بَذْرٌ وَالْأَرْضُ مِنْ الْآخَرِ فَالزَّرْعُ يَكُونُ كُلُّهُ لِلْعَامِلِ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ لِصَاحِبِهَا وَمَكِيلَةُ الْبَذْرِ لِصَاحِبِهِ، وَعَلَيْهِ أَيْضًا أُجْرَةُ الْبَقَرِ لِصَاحِبِهِ إنْ كَانَ الْبَقَرُ مِنْ عِنْدِهِ.
وَكَذَا إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ لِكُلٍّ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ، وَالْعَمَلُ مِنْ أَحَدِهِمَا فَالزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْعَمَلِ أَمَّا إذَا لَمْ يَنْضَمَّ إلَى عَمَلِهِ شَيْءٌ مِنْ أَرْضٍ أَوْ بَذْرٍ أَوْ بَقَرٍ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْخُمَاسِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أُجْرَةُ مِثْلِهِ حَيْثُ وَقَعَتْ فَاسِدَةً، وَحَاصِلُهَا أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا الْبَذْرَ وَالْأَرْضَ وَالْبَقَرَ وَعَلَى الْآخَرِ عَمَلُ يَدِهِ فَقَطْ وَلَهُ مِنْ الزَّرْعِ جُزْءٌ كَرُبْعٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَجْزَاءِ وَتَكُونُ صَحِيحَةً إنْ وَقَعَتْ بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ لَا بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ أَوْ الْإِطْلَاقِ فَتَكُونُ إجَارَةً فَاسِدَةً، وَالْمُرَادُ بِالْعَمَلِ الْحَرْثُ لَا الْحَصَادُ وَالدِّرَاسُ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ مَتَى شُرِطَ عَلَيْهِ أَزْيَدُ مِنْ الْحَرْثِ فَسَدَتْ، وَالْعُرْفُ كَالشَّرْطِ وَأَمَّا لَوْ تَطَوَّعَ بِأَزْيَدَ مِنْ الْحَرْثِ بَعْدَ الْعَقْدِ كَالْحِفْظِ وَالسَّقْيِ وَالتَّنْقِيَةِ وَالْحَصَادِ وَنَحْوِهَا فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَهُ حِصَّةٌ مِنْ التِّبْنِ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ.
[قَوْلُهُ: غَيْرِ مَأْمُونَةِ الرَّيِّ] أَيْ كَأَرْضِ الْمَطَرِ وَأَرْضِ الْعَيْنِ الْقَلِيلَةِ الْمَاءِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَكُونُ تَارَةً بَيْعًا إلَخْ] أَيْ لِأَنَّهَا بِصَدَدِ أَنْ تُرْوَى فَيَكُونُ مَا قَبَضَهُ الْبَائِعُ ثَمَنًا، وَبِصَدَدِ أَلَّا تُرْوَى فَيَكُونُ مَا قَبَضَهُ سَلَفًا [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ] فَإِنْ قُلْت: إنَّ التَّرَدُّدَ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ مَوْجُودٌ فِي حَالَةِ النَّقْدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ قُلْت: نَعَمْ إلَّا أَنَّهُ لَا يَضُرُّ إلَّا إذَا كَانَ مَعَ الشَّرْطِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَدْخُولًا عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَأْمُونَةَ الرَّيِّ] أَيْ كَأَرْضِ النِّيلِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْبَحْرِ الشَّدِيدَةِ الِانْخِفَاضِ، وَكَأَرْضِ الْمَطَرِ فِي بِلَادِ الْمَشْرِقِ فَيَجُوزُ عَقْدُ الْكِرَاءِ فِيهَا عَلَى النَّقْدِ وَلَوْ مَعَ الشَّرْطِ كَمَا يَجُوزُ عَقْدُ كَرَائِهَا وَلَوْ طَالَتْ الْمُدَّةُ كَالثَّلَاثِينَ سَنَةً.
وَأَمَّا الَّتِي رُوِيَتْ بِالْفِعْلِ أَوْ تَحَقَّقَ رَيُّهَا وَتَمَكَّنَ الْمُكْتَرِي مِنْ زَرْعِهَا فَيَجِبُ نَقْدُ الْكِرَاءِ فِيهَا حَيْثُ لَمْ يُشْتَرَطْ تَأْجِيلُ الْكِرَاءِ وَإِلَّا عُمِلَ بِالشَّرْطِ وَالْمَغْمُورَةُ بِالْمَاءِ وَيَنْدُرُ انْكِشَافُهَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا عَلَى تَقْدِيرِ انْكِشَافِهَا وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهَا.
وَلَوْ تَطَوُّعًا، وَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ انْكِشَافُهَا عَادَةً فَلَا يَجُوزُ عَقْدُ كِرَائِهَا حَتَّى تَنْكَشِفَ بِالْفِعْلِ [قَوْلُهُ: لَجَازَ النَّقْدُ] أَيْ شَرْطُ النَّقْدِ [قَوْلُهُ: عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] وَعِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ أَرْضَ الْمَطَرِ لَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا إلَّا لِعَامٍ وَاحِدٍ قُرْبَ إبَّانِهَا، وَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهَا حَتَّى تُرْوَى، وَلَا حَاجَةَ إلَى جَلْبِ تَمَامِ كَلَامِهِ
[الْجَوَائِح]
[قَوْلُهُ: جَمْعُ جَائِحَةٍ] بِيَاءٍ بَعْدَ الْأَلِفِ ثُمَّ حَاءٍ
وَالْجَيْشِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ السَّارِقُ جَائِحَةً لِأَنَّهُ يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ لَوْ عُلِمَ بِهِ.
وَنَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ السَّارِقَ جَائِحَةٌ وَشَهَرَهُ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ أَيْضًا وَعَلَيْهِ تَكُونُ الْجَائِحَةُ الْآفَاتِ السَّمَاوِيَّةَ وَالْجَيْشَ وَالسَّارِقَ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَلَهَا شُرُوطٌ مِنْهَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ ابْتَاعَ) أَيْ اشْتَرَى (ثَمَرَةً) مِنْ أَيِّ الثِّمَارِ دُونَ أَصْلِهَا بَعْدَ الزَّهْوِ قَبْلَ كَمَالِ طِِيبِهَا (فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ فَأُجِيحَ بِبَرْدٍ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهُوَ الْحَجَرُ النَّازِلُ مَعَ الْمَطَرِ وَذَكَّرَ الْفِعْلَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى أَيْ الشَّيْءِ الْمُشْتَرَى (أَوْ) أُجِيحَ بِ (جَرَادٍ أَوْ جَلِيدٍ) وَهُوَ الْمَاءُ الْجَامِدُ فِي زَمَانِ الْبَرْدِ لَهُ لَمَعَانٌ كَالزُّجَاجِ (أَوْ) أُجِيحَ بِ (غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا ذَكَرَ كَالثَّلْجِ وَالرِّيحِ دَخَلَ فِي عِبَارَتِهِ الْجَيْشُ وَالسَّارِقُ (فَإِنْ أُجِيحَ قَدْرُ الثُّلُثِ فَأَكْثَرُ وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي قَدْرُ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَنِ) لِمَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا بَاعَ الْمَرْءُ الثَّمَرَةَ فَقَدْ وَجَبَ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ الضَّمَانُ» .
وَقَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ (وَ) أَمَّا (مَا نَقَصَ عَنْ الثُّلُثِ فَمِنْ الْمُبْتَاعِ) أُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ
[حاشية العدوي]
مُهْمَلَةٍ تَحْقِيقٌ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: مَا أَتْلَفَ مِنْ مَعْجُوزٍ عَنْ دَفْعِهِ عَادَةً قَدْرًا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ نَبَاتٍ بَعْدَ بَيْعِهِ قَوْلُهُ: مِنْ مَعْجُوزٍ مِنْ لِبَيَانِ الْجِنْسِ.
وَقَوْلُهُ قَدْرًا مَفْعُولُ أَتْلَفَ وَأَطْلَقَ فِي الْقَدْرِ حَتَّى يَعُمَّ الثِّمَارَ وَغَيْرَهَا إلَّا أَنَّ الثِّمَارَ فِيهَا شَرْطُ الثُّلُثِ وَأَطْلَقَ فِي الثَّمَرِ ظَاهِرُهُ أَيَّ تَمْرٍ كَانَ وَكَذَلِكَ النَّبَاتُ كَالْبُقُولِ وَمَا أَشْبَهَهَا وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَا تَحْدِيدَ فِي قَدْرِهَا.
[قَوْلُهُ: مَا لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ] أَيْ أَنَّ لَوْ عَلِمَ بِهِ [قَوْلُهُ: كَالْبَرْدِ] بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا أَيْ وَكَالْحَرِّ وَقَوْلُهُ: وَالْجَيْشُ أَيْ الْكَثِيرُ [قَوْلُهُ: وَشَهَرَهُ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ] فِيهِ أَنَّ صَاحِبَ الْمُخْتَصَرِ حَكَى الْخِلَافَ فَقَالَ: وَهَلْ هِيَ مَا لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ كَسَمَاوِيٍّ وَجَيْشٍ أَوْ وَسَارِقٍ خِلَافٌ [قَوْلِهِ: وَالسَّارِقُ] مَحَلُّهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ السَّارِقُ وَإِلَّا فَلَا، وَيَتْبَعُهُ الْمُشْتَرِي وَلَوْ مُعْدَمًا.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْأَظْهَرُ فِي عُدْمِهِ غَيْرُ مَرْجُوٍّ يُسْرُهُ عَنْ قُرْبِ أَنَّهُ جَائِحَةٌ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ [قَوْلُهُ: وَلَهَا شُرُوطٌ إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَلَهَا شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ أَنْ تَكُونَ مِنْ بَيْعٍ وَأَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ قَدْ بَقِيَتْ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ وَأَنْ تَكُونَ بِيعَتْ مُفْرَدَةً وَأَنْ تَكُونَ مِمَّا أُجِيحَ الثُّلُثُ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ ابْتَاعَ ثَمَرَةً اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ.
فَقَوْلُهُ هُنَا مِنْهَا مَا أَشَارَ إلَخْ وَهِيَ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ وَكَذَا الثَّالِثُ لِقَوْلِهِ فِي التَّحْقِيقِ: وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ وَهُوَ كَوْنُ الثَّمَرَةِ بِيعَتْ مُفْرَدَةً عَنْ أَصْلِهَا فَأُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ بِالْإِرَادَةِ وَهُوَ صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ مُفْرَدَةً عَنْ أَصْلِهَا، وَالْأُخْرَى أَنْ تُشْتَرَى الثَّمَرَةُ مُفْرَدَةً ثُمَّ يُشْتَرَى الْأَصْلُ اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلَمْ يَظْهَرْ لِي أَخْذُهُ مِنْ الْمُصَنِّفِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: دُونَ أَصْلِهَا] الصُّوَرُ أَرْبَعٌ مَا إذَا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ أَوَّلًا دُونَ أَصْلِهَا أَوْ اشْتَرَاهَا أَوَّلًا ثُمَّ اشْتَرَى الْأُصُولَ ثَانِيًا، فَهَاتَانِ فِيهِمَا الْجَائِحَةُ وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَاهُمَا مَعًا أَوْ الْأَصْلَ أَوَّلًا ثُمَّ اشْتَرَى الثِّمَارَ فَهَاتَانِ لَا جَائِحَةَ فِيهِمَا، فَقَوْلُ الشَّارِحِ دُونَ أَصْلِهَا أَيْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا أَوَّلًا دُونَ أَصْلِهَا فَيُصَدَّقُ بِمَا إذَا اشْتَرَى الْأَصْلَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوَّلًا [قَوْلُهُ: بَعْدَ الزَّهْوِ] أَيْ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ أَوْ بِيعَتْ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ عَلَى شَرْطِ الْجَذِّ، أَيْ وَحَصَلَتْ الْجَائِحَةُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يُجَذُّ فِيهَا عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ أَوْ حَصَلَتْ بَعْدَهَا لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ جَذِّهَا فِيهَا عَلَى عَادَتِهَا.
[قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْبَاءِ] أَيْ وَالرَّاءِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْحَجَرُ] أَيْ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْحَجَرَ لَا أَنَّهُ حَجَرٌ [قَوْلُهُ: وَأُجِيحَ بِجَرَادٍ] جَمْعُ جَرَادَةٍ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى كَالْبَقَرَةِ، سُمِّيَ جَرَادًا لِأَنَّهُ يُجَرِّدُ الْأَرْضَ بِأَكْلِ مَا عَلَيْهَا.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَاءُ الْجَامِدُ] أَيْ يَجْمُدُ بَعْدَ نُزُولِهِ [قَوْلُهُ: فَإِنْ أُجِيحَ قَدْرُ الثُّلُثِ] وَلَوْ كَانَ الثُّلُثُ مُلَفَّقًا مِنْ صَيْحَانِيٍّ وَبَرْنِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ] الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى وَضْعِ الْجَائِحَةِ بِقَيْدِ ذَهَابِ الثُّلُثِ فَمُقَابِلُهُ مَا لِلشَّافِعِيِّ مِنْ وَضْعِهَا مُطْلَقًا، وَمَا لِأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ عَدَمِ وَضْعِهَا مُطْلَقًا فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مُقَابِلَ الْكَثِيرِ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ طَائِفَتَانِ.
وَقَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ أَيْ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْمُوَطَّأِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى وَضْعِ الْجَائِحَةِ بِدُونِ قَيْدِهِ فَيَكُونُ مُقَابِلُ الْكَثِيرِ فِرْقَةً وَاحِدَةً تَقُولُ بِعَدَمِ الْوَضْعِ مُطْلَقًا وَرُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْ الْمُوَطَّأِ وَحُرِّرَ.
ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ لِوَضْعِ الْجَائِحَةِ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْعٍ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَحْضًا احْتِرَازًا مِنْ أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ مَهْرًا فَإِنَّهَا إذَا أُجِيحَتْ لَا قِيَامَ لَهَا بِذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّ النِّكَاحَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُكَارَمَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ مُشْتَرَاةً مُنْفَرِدَةً عَنْ أَصْلِهَا كَمَا قَيَّدْنَا بِهِ كَلَامَهُ احْتِرَازًا مِنْ أَنْ تَكُونَ مُشْتَرَاةً مَعَ أَصْلِهَا فَإِنَّهَا لَا جَائِحَةَ فِيهَا عَلَى الْمَشْهُورِ.
ثَانِيهَا: أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ مُبْقَاةً عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ لِيَنْتَهِيَ طِيبُهَا.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَبْلُغَ مَا أُجِيحَ الثُّلُثَ لَا أَقَلَّ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ أَنَّ الْهَوَاءَ لَا بُدَّ أَنْ يَرْمِيَ بَعْضَ الثَّمَرَةِ وَيَأْكُلَ الطَّيْرُ مِنْهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ فَقَدْ دَخَلَ الْمُبْتَاعُ عَلَى إصَابَةِ الْيَسِيرِ وَالْيَسِيرُ الْمُحَقَّقُ مَا دُونَ الثُّلُثِ، وَمُرَادُهُ بِالثُّلُثِ: ثُلُثُ الْمَكِيلَةِ لَا ثُلُثُ الْقِيمَةِ لِأَنَّ الْجَائِحَةَ فِي الثَّمَرَةِ إنَّمَا هِيَ نُقْصَانُهَا وَفَسَادُهَا لَا رُخْصُهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الثَّمَرَةَ لَوْ لَمْ تُصِبْهَا آفَةٌ سِوَى رُخْصِهَا فَإِنَّهُ لَا قِيَامَ لِلْمُشْتَرِي بِذَلِكَ فَلَا يُنْظَرُ إلَى ثُلُثِ الْقِيمَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّحْدِيدِ فِي وَضْعِ الْجَائِحَةِ بِالثُّلُثِ مَحَلَّهُ إذَا كَانَ سَبَبُ الْجَائِحَةِ غَيْرَ الْعَطَشِ، أَمَّا إذَا كَانَ سَبَبُهَا الْعَطَشَ فَلَا تَحْدِيدَ.
بَلْ يُوضَعُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا كَانَتْ تُشْرَبُ مِنْ الْعُيُونِ أَوْ مِنْ السَّمَاءِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ ثُبُوتُ الْجَائِحَةِ فِيمَا ذَكَرَ وَلَوْ اشْتَرَطَ إسْقَاطَهَا وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ قَبْلَ وُجُوبِهِ.
تَنْبِيهَانِ:
الْأَوَّلُ: لَوْ أُجِيحَ الثُّلُثُ فَأَكْثَرُ لَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ بِأَنْ يَقُولَهُ: خُذْ ثَمَنَك وَرُدَّ لِي ثَمَرِي وَكَذَا لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي إذَا أُجِيحَ النِّصْفُ فَأَكْثَرُ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: خُذْ ثَمَرَك وَارْدُدْ عَلَيَّ ثَمَنِي وَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِقَدْرِ مَا فَسَدَ إنْ كَانَ الثُّلُثَ
[حاشية العدوي]
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْعٍ] وَلَوْ مِنْ عَرِيَّتِهِ وَصُورَتُهَا أَعْرَى شَخْصًا مِنْ حَائِطِهِ ثَمَرَ نَخَلَاتٍ مُعَيَّنَةٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ وَلِمَنْ قَامَ مَقَامَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ، فَإِذَا اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِخِرْصِهَا فَأُجِيحَتْ فَإِنَّهُ يَجِبُ وَضْعُ الْجَائِحَةِ عَنْهُ مِنْ الْخِرْصِ.
[قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِنْ أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ مَهْرًا] أَيْ وَلَا مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ [قَوْلُهُ: لَا قِيَامَ لَهَا بِذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ] هَذَا خِلَافُ مَا شَهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَرَجَّحَهُ ابْنُ يُونُسَ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ أَنَّ الثَّمَرَةَ الْمَدْفُوعَةَ مَهْرًا فِيهَا الْجَائِحَةُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَالْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَمْشِيَ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: كَمَا قَيَّدْنَا بِهِ] يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْمُصَنِّفِ أَيْ صَرِيحًا وَإِنْ فُهِمَ بِالْإِرَادَةِ فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِنْ أَنْ تَكُونَ مُشْتَرَاةً مَعَ أَصْلِهَا] أَيْ أَوْ اشْتَرَى الْأَصْلَ ثُمَّ اشْتَرَى الثَّمَرَةَ فَلَا جَائِحَةَ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا لَا جَائِحَةَ فِيهَا عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقِيلَ بِثُبُوتِهَا إنْ عَظُمَ خَطَرُهَا قَالَهُ أَصْبَغُ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْجَوَاهِرِ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَا خِلَافَ فِي سُقُوطِ الْجَائِحَةِ فِيهَا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا اشْتَرَى الْأَصْلَ ثُمَّ الثَّمَرَةَ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، فَقِيلَ: بِوَضْعِ الْجَائِحَةِ وَقِيلَ بِعَدَمِهِ وَهُوَ الرَّاجِحُ [قَوْلُهُ: أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ مُبْقَاةً عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ إلَخْ] أَيْ فَإِذَا بِيعَتْ عَلَى الْجَذِّ فَلَا جَائِحَةَ فِيهَا.
حَاصِلُهُ أَنَّهُ اخْتَلَفَ فَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ فِيهَا الْجَائِحَةَ وَإِنْ بِيعَتْ عَلَى الْجَذِّ، وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يُوضَعُ إلَّا إذَا بَقِيَتْ لِيَنْتَهِيَ طَيِّبُهَا، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ سَحْنُونَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّ سَحْنُونًا أَثْبَتُ مِنْ غَيْرِهِ فَكَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ أَنْ يَمْشِيَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا الْجَارِيَةُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يُفْهَمُ مِنْ الْمُصَنِّفِ.
[قَوْلُهُ: ثُلُثُ الْمَكِيلَةِ] أَيْ فَأَكْثَرَ، وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِي التَّمَسُّكُ بِالْبَاقِي وَإِنْ قَلَّ بِخِلَافِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْجَوَائِحَ لِتَكَرُّرِهَا بَعْدَ الْمُشْتَرِي كَالدَّاخِلِ عَلَى ذَلِكَ وَلِنُدُورِ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ ذَهَابِ ثُلُثِ الْمَكِيلَةِ ذَهَابُ ثُلُثِ الْقِيمَةِ فِيمَا إذَا تَعَيَّبَتْ، وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ فَإِذَا أَذْهَبَ التَّعْيِيبُ ثُلُثَ الْقِيمَةِ وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي ثُلُثُ الثَّمَنِ [قَوْلُهُ: لَا ثُلُثُ الْقِيمَةِ] فَإِذَا كَانَ الْمُجَاحُ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الْمَكِيلَةِ فَلَا جَائِحَةَ وَلَوْ سَاوَتْ قِيمَةُ ذَلِكَ الْأَقَلِّ نِصْفَ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ [قَوْلُهُ: وَفَسَادُهَا] أَيْ تَغَيُّرُهَا وَتَعِيبُهَا وَإِنْ لَمْ تَهْلِكْ لَكِنْ فِي ذَهَابِ الْعَيْنِ يُنْظَرُ إلَى ثُلُثِ الْمَكِيلَةِ، وَفِي التَّعْيِيبِ يُنْظَرُ إلَى ثُلُثِ الْقِيمَةِ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا كَانَ سَبَبُهَا الْعَطَشَ إلَخْ] وَهَلْ يُعْتَبَرُ فِي وَضْعِ جَائِحَةِ الْعَطَشِ أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ بَقِيَتْ لِيَنْتَهِيَ طَيِّبُهَا، وَأَنْ تَكُونَ اُشْتُرِيَتْ مُفْرَدَةً أَمْ لَا، وَيَجْرِي هَذَا فِي الْبُقُولِ أَيْضًا لَكِنْ فِيمَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْإِفْرَادُ كَوَرَقِ التُّوتِ قَالَهُ عج [قَوْلُهُ: بَلْ يُوضَعُ
فَأَكْثَرَ.
الثَّانِي: لَوْ كَانَ فِي الْحَائِطِ صِنْفَانِ مَثَلًا كَبَرْنِيِّ وَصَيْحَانِيٍّ وَأُصِيبَ أَحَدُهُمَا اُعْتُبِرَ الثُّلُثُ مِنْ الْجَمِيعِ لَا مِنْ الْمُصَابِ فَقَطْ.
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ مَا لَا جَائِحَةَ فِيهِ فَقَالَ: (وَلَا جَائِحَةَ فِي الزَّرْعِ) لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ إلَّا بَعْدَ يُبْسِهِ (وَ) كَذَا (لَا) جَائِحَةَ (فِيمَا اُشْتُرِيَ بَعْدَ أَنْ يَبِسَ مِنْ الثِّمَارِ) (وَتُوضَعُ جَائِحَةُ الْبُقُولِ) كَالْبَصَلِ وَالسِّلْقِ (وَإِنْ قُلْت) عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّ غَالِبَهَا مِنْ الْعَطَشِ (وَقِيلَ لَا يُوضَعُ إلَّا) إذَا كَانَتْ (قَدْرَ الثُّلُثِ)
ثُمَّ عَقَّبَ الْجَوَائِحَ بِالْعَرَايَا وَهِيَ آخِرُ مَا ذَكَرَهُ مِمَّا شَاكَلَ الْبُيُوعَ وَهِيَ جَمْعُ عَرِيَّةٍ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مُشْتَقَّةٌ مِنْ عَرَوْتُهُ أَعْرُوهُ إذَا طَلَبْت مَعْرُوفَهُ، فَهِيَ فَعْلِيَّةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ أَيْ عَطِيَّةٌ وَهِيَ فِي الِاصْطِلَاحِ أَنْ يَمْنَحَ الرَّجُلُ الْآخَرَ ثَمَرَ نَخْلَةٍ أَوْ نَخَلَاتِ الْعَامَ وَالْعَامَيْنِ يَأْكُلُهَا هُوَ وَعِيَالُهُ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ،
[حاشية العدوي]
قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا] لِأَنَّ السَّقْيَ لَمَّا كَانَ عَلَى الْبَائِعِ أَشْبَهَ مَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ [قَوْلُهُ: وَأُصِيبَ أَحَدُهُمَا] أَيْ أَوْ أُجِيحَ بَعْضُ مَنْ كَانَ
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ إلَّا بَعْدَ يُبْسِهِ إلَخْ] فَتَأْخِيرُهُ مَحْضُ تَفْرِيطٍ مِنْ الْمُشْتَرِي فَلَا يُوضَعُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ [قَوْلُهُ: وَلَا جَائِحَةَ فِيمَا اُشْتُرِيَ بَعْدَ أَنْ يَبِسَ مِنْ الثِّمَارِ] قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا اُشْتُرِيَ قَبْلَ الْيُبْسِ فِيهِ الْجَائِحَةُ وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا اُشْتُرِيَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فِيهِ الْجَائِحَةُ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ وَفِيهِ الْجَائِحَةُ أَيَّامَ جِذَاذِهِ أَوْ تَأَخَّرَ لِعُذْرٍ لَا لِغَيْرِهِ، وَكَذَا مَا كَانَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فِيهِ الْجَائِحَةُ وَلَوْ تَنَاهَى طَيِّبُهُ وَجُذَّ فِي أَيَّامِهِ لَا إنْ تَأَخَّرَ هَذَا إذَا اشْتَرَى عَلَى التَّبْقِيَةِ، وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ عَلَى الْقَطْعِ فَفِيهِ الْجَائِحَةُ أَيَّامَ جِذَاذِهِ لَا إنْ بَقِيَ حَتَّى انْتَهَى طَيِّبُهُ [قَوْلُهُ: كَالْبَصَلِ وَالسِّلْقِ] الْحَاصِلُ أَنَّ الْبُقُولَ عِبَارَةٌ عَمَّا لَا تَطُولُ مُدَّتُهُ فِي الْأَرْضِ كَالْبَصَلِ وَالْخَسِّ وَالْجَزَرِ وَالسِّلْقِ وَالْكُزْبَرَةِ [قَوْلُهُ: وَإِنْ قُلْت] إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُجَاحُ شَيْئًا قَلِيلًا جِدًّا، وَإِنَّمَا وُضِعَتْ وَإِنْ قَلَّتْ لِعُسْرِ مَعْرِفَةِ ثُلُثِهَا لِأَنَّهَا تُقْطَعُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يُوضَعُ إلَخْ] ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّهَا تُوضَعُ مُطْلَقًا.
تَنْبِيهٌ: فِيهِ إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ بَيْعِ مُغَيَّبِ الْأَصْلِ كَالْجَزَرِ وَالْبَصَلِ، وَهَلْ يَكْفِي رُؤْيَةُ ظَاهِرِهِ لِأَنَّهُ بِرُؤْيَةِ وَرَقِهِ يُسْتَدَلُّ عَلَى مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ كِبَرٍ أَوْ صِغَرٍ عَلَى مَا هُوَ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ الْخِبْرَةِ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ النَّاصِرُ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ قَلْعِ شَيْءٍ مِنْهُ وَيَرَاهُ الْمُشْتَرِي وَهُوَ ظَاهِرُ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ.
[الْعَرَايَا]
[قَوْلُهُ: بِالْعَرَايَا] أَيْ بِبَيْعِ الْعَرَايَا [قَوْلُهُ: مِمَّا شَاكَلَ الْبُيُوعَ] قَدْ يُقَالُ: إنَّ بَيْعَهَا بَيْعُ حَقِيقَةٍ لَا مِمَّا شَاكَلَ الْبُيُوعَ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ مُسْتَثْنًى وَإِنْ أَرَادَ ذَاتَ الْعَرِيَّةِ، فَنَقُولُ: هِيَ عَطِيَّةٌ مِنْ الْعَطَايَا [قَوْلُهُ: مِنْ عَرَوْته] أَيْ مَصْدَرِ عَرَوْته أَيْ عَرْوًا إذْ هُوَ مِنْ بَابِ قَتَلَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ [قَوْلُهُ: أَيْ عَطِيَّةٌ] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: عَرِيَّةٌ بِاللَّازِمِ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ لِقَوْلِهِ إذَا طَلَبْت مَعْرُوفَهُ حَيْثُ يُرِيدُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ أَنْ يَقُولَ أَيْ طَلِيبَةً بِمَعْنَى مَطْلُوبَةٍ، وَعَرِيَّةٌ أَصْلُهَا عَرْيِوَةٌ اجْتَمَعَتْ الْوَاوُ وَالْيَاءُ وَسُبِقَتْ إحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَتُقْلَبُ الْوَاوُ يَاءً وَتُدْغَمُ الْيَاءُ فِي الْيَاءِ، وَمُفَادُهُ أَنَّ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيَّ مُطْلَقُ عَطِيَّةٍ وَالظَّاهِرُ عَطِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ.
فَفِي الْمِصْبَاحِ الْعَرِيَّةُ النَّخْلَةُ يُعْرِيهَا اصَاحِبُهَا غَيْرَهُ لِيَأْكُلَ ثَمَرَتَهَا فَيَعْرُوهَا أَيْ يَأْتِيهَا فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ، وَدَخَلَتْ الْهَاءُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا ذُهِبَ بِهَا مَذْهَبَ الْأَسْمَاءِ مِثْلَ النَّطِيحَةِ وَالْأَكِيلَةِ، فَإِذَا جِيءَ بِهَا مَعَ النَّخْلَةِ حُذِفَتْ الْهَاءُ، وَقِيلَ: نَخْلَةٌ عَرِيٌّ كَمَا يُقَالُ: امْرَأَةٌ قَتِيلٌ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَمْنَحَ الرَّجُلُ إلَخْ] مُفَادُهُ أَنَّ الْعَرِيَّةَ اصْطِلَاحًا نَفْسُ إعْطَاءِ الثَّمَرَةِ لَا نَفْسُ الثَّمَرَةِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الْمَازِرِيِّ هَلْ هِيَ هِبَةُ الثَّمَرَةِ وَهُوَ خِلَافُ الصَّوَابِ، وَالصَّوَابُ مَا عَرَّفَهَا بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ أَنَّهَا مَا مُنِحَ مِنْ ثَمَرٍ تَيَبَّسَ لِإِطْلَاقِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ بِإِضَافَةِ الْبَيْعِ لَهَا أَفَادَهُ الْأَبِيُّ [قَوْلُهُ: الرَّجُلُ] أَيْ مَثَلًا وَكَذَا مَا بَعْدَهُ [قَوْلُهُ: ثَمَرَ نَخْلَةٍ] أَيْ مِنْ جِنَانِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَعْرَى رَجُلًا ثَمَرَ نَخْلٍ آخَرَ لَكَانَتْ عَرِيَّةً بَاطِلَةً لِأَنَّ تَبَرُّعَ الْإِنْسَانِ بِمِلْكِ الْغَيْرِ بَاطِلٌ وَإِنْ أَجَازَ ذَلِكَ كَمَنْ ابْتَدَأَ عَطِيَّةً مِنْهُ بِخِلَافِ بَيْعِ مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَيَمْضِي بِإِجَازَتِهِ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ [قَوْلُهُ: ثُمَّ
وَحُكْمُهَا الرُّخْصَةُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ أُصُولٍ مَمْنُوعَةٍ مِنْ رِبَا الْفَضْلِ وَرِبَا النَّسَاءِ وَمِنْ رُجُوعِ الْإِنْسَانِ فِي هِبَتِهِ وَمِنْ الْمُزَابَنَةِ لِأَنَّهَا بَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَالْأَصْلُ فِيهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ بِمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» الشَّكُّ مِنْ شَيْخِ مَالِكٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالثَّمَرِ إلَّا أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا» وَلَهَا شُرُوطٌ، أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ بِلَفْظِ الْعَرِيَّةِ وَأُخِذَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ: (وَمَنْ أَعْرَى) فَلَوْ أَعْطَاهُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَنَحْوِهَا لَمْ يَجُزْ.
ثَانِيهَا: أَنْ تَكُونَ مِمَّا يَيْبَسُ وَيُدَّخَرُ أُخِذَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ: (ثَمَرَ نَخَلَاتٍ) وَقَوْلِهِ: (لِرَجُلٍ مِنْ جِنَانِهِ) الرَّجُلُ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ مُشْتَرِيهَا مُعْرِيَهَا أَوْ مَنْ تَنَزَّلَ مَنْزِلَتَهُ.
رَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي جُمْلَتَهَا لَا بَعْضَهَا وَأُخِذَ هَذَا مِنْ
[حاشية العدوي]
يَشْتَرِيهَا] ظَاهِرُهُ دُخُولُ حَقِيقَةِ الشِّرَاءِ فِي حَقِيقَةِ الْعَرِيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَضِيَّتُهُ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا أَعْرَاهُ عَامَيْنِ مَثَلًا يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ الْآنَ قَبْلَ وُجُودِهَا مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ بَعْدَ الزَّهْوِ كَمَا يَأْتِي، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَرَادَ الشِّرَاءَ الشَّرْعِيَّ وَلَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ.
[قَوْلُهُ: وَحُكْمُهَا الرُّخْصَةُ] أَيْ مِنْ حَيْثُ بَيْعُهَا.
وَقَوْلُهُ: أُصُولٍ أَيْ قَوَاعِدَ مَعْلُومَةٍ وَجَعْلُ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ قَوَاعِدَ تَسَامُحٌ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ إنَّمَا هِيَ الرِّبَا حَرَامٌ [قَوْلُهُ: مِنْ رِبَا الْفَضْلِ] إنْ أُرِيدَ بِالتَّفَاضُلِ تَحَقُّقُهُ نَافَى قَوْلَهُ الْآتِي وَكَانَ بِخِرْصِهَا، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ عَلَى تَقْدِيرِهَا فَهُوَ مِنْ الْمُزَابَنَةِ وَقَدْ ذَكَرَهَا بَعْدُ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُزَابَنَةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُغَالَبَةِ أَيْ الْمَنْظُورُ لَهُ الْمُغَالَبَةُ بِخِلَافِ التَّفَاضُلِ، وَعِبَارَةُ تت مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ أُصُولٍ مَمْنُوعَةٍ رِبَا الْفَضْلِ لِأَنَّهُ يَشْتَرِيهَا بِنَوْعِهَا كَيْلًا مِنْ غَيْرِ تَحَقُّقِ الْمُمَاثَلَةِ وَالشَّكُّ فِيهَا كَتَحَقُّقِ الْمُفَاضَلَةِ [قَوْلُهُ: وَمِنْ رُجُوعِ الْإِنْسَانِ فِي هِبَتِهِ] لَكِنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ مَكْرُوهٌ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ الْمُزَابَنَةِ] أَيْ الْمُغَالَبَةِ أَيْ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ وَكَانَ يَخْرُصُهَا، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ جَذَّهَا فَوَجَدَهَا أَكْثَرَ فَإِنَّهُ يَرُدُّ الزَّائِدَ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهَا مُزَابَنَةٌ ابْتِدَاءً وَإِنْ طُلِبَتْ الْمُمَاثَلَةُ بِرَدِّ الزَّائِدِ بَعْدَ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا بَيْعٌ] أَيْ بَيْعُهَا بَيْعٌ [قَوْلُهُ: أَرْخَصَ] بِهَمْزَةٍ قَبْلَ الرَّاءِ السَّاكِنَةِ مِنْ الْإِرْخَاصِ [قَوْلُهُ: بِخِرْصِهَا] أَيْ بِكَيْلِهَا [قَوْلُهُ: بِمَا دُونَ] أَيْ فِيمَا دُونَ وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ وَمُسْلِمٍ، وَاَلَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ [قَوْلُهُ: أَوْسُقٍ] جَمْعُ وَسْقٍ بِفَتْحِ الْوَاوِ عَلَى الْأَفْصَحِ وَهُوَ سِتُّونَ صَاعًا [قَوْلُهُ: الشَّكُّ مِنْ شَيْخِ مَالِكٍ] هُوَ دَاوُد بْنُ الْحُصَيْنِ هَلْ قَالَ شَيْخُهُ أَبُو سُفْيَانَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَبِسَبَبِ هَذَا الشَّكِّ اخْتَلَفَ قَوْلُ الْإِمَامِ فَقَصَرَ فِي الْمَشْهُورِ الْحُكْمَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَأَقَلَّ اتِّبَاعًا لِمَا وَجَدَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ، وَعَنْهُ أَيْضًا قَصَرَ الْجَوَازَ عَلَى أَرْبَعَةٍ فَأَقَلَّ عَمَلًا بِالْمُحَقَّقِ لِأَنَّ الْخَمْسَةَ شَكَّ فِيهَا وَالْعَرَايَا رُخْصَةٌ أَصْلُهَا الْمَنْعُ فَيُقْصَرُ الْجَوَازُ عَلَى الْمُحَقَّقِ.
تَنْبِيهٌ: صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الرُّخْصَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُعْرِي بِالْكَسْرِ وَالْمُعْرَى بِالْفَتْحِ.
[قَوْلُهُ: عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ] بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمُرَادُ الرُّطَبُ.
وَقَوْلُهُ: بِالتَّمْرِ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ الْيَابِسَةِ [قَوْلُهُ: يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا] أَيْ الْمُشْتَرُونَ الَّذِينَ صَارُوا مُلَّاكًا لِلثَّمَرَةِ أَيْ الْمُعْرَى وَعِيَالُهُ رُطَبًا بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ، وَلَيْسَ التَّقَيُّدُ بِالْأَكْلِ قَيْدًا بَلْ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ [قَوْلُهُ: وَلَهَا شُرُوطٌ] أَيْ لِبَيْعِهَا شُرُوطٌ [قَوْلُهُ: أَنْ تَكُونَ بِلَفْظِ الْعَرِيَّةِ] كَأَعَرْتُكَ وَأَنْتَ مُعْرًى لَا بِلَفْظِ الْعَطِيَّةِ أَوْ الْهِبَةِ وَالْمِنْحَةِ [قَوْلُهُ: أَنْ تَكُونَ مِمَّا يَيْبَسُ] أَيْ بِالْفِعْلِ إذَا تُرِكَتْ، وَلَا يُكْتَفَى بِيُبْسِ نَوْعِهَا وَذَلِكَ كَثَمَرِ نَخْلِ غَيْرِ مِصْرَ لَا ثَمَرِ مَا ذُكِرَ فِي أَرْضِ مِصْرَ وَلَا فِي مَوْزٍ وَلَا رُمَّانٍ وَلَا تُفَّاحٍ لِأَنَّهَا لَا تَيْبَسُ.
وَقَوْلُهُ: يُدَّخَرُ الْمُرَادُ إنَّ شَأْنَ الْيَابِسِ أَنْ يُدَّخَرَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الِادِّخَارِ بِالْفِعْلِ [قَوْلُهُ: أُخِذَ هَذَا إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ثَمَرَ النَّخْلِ قَدْ لَا يَيْبَسُ كَنَخْلِ مِصْرَ [قَوْلُهُ: مِنْ جِنَانِهِ] قَالَ ابْنُ عُمَرَ: اُنْظُرْ هَذَا هَلْ هُوَ شَرْطٌ أَمْ لَا حَتَّى لَوْ أَعْرَى لَهُ ثَمَرَ الْجِنَانِ كُلَّهُ هَلْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ أَمْ لَا وَهَذَا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الْعِلَّةِ هَلْ هِيَ الضَّرُورَةُ أَوْ كَفَّارَةُ الْمُؤْنَةِ؟ .
وَقَالَ ق: قَوْلُهُ مِنْ جِنَانِهِ ظَاهِرُهُ وَلَوْ أَعْرَى لَهُ نَخَلَاتٍ مُتَفَرِّقَةً مِنْ جِنَانِ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ شِرَاؤُهَا بِخِرْصِهَا وَفِيهِ خِلَافٌ اهـ[قَوْلُهُ: ثَالِثُهَا أَنْ يَكُونَ مُشْتَرِيهَا مُعْرِيَهَا أَوْ مَنْ تَنَزَّلَ
قَوْلِهِ: (فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا) .
خَامِسُهَا: أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إذَا أَزْهَتْ) أَيْ بَدَا صَلَاحُ مَا هِيَ فِيهِ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ غَيْرِهِ.
سَادِسُهَا: أَلَّا يَشْتَرِيَهَا إلَّا (بِخِرْصِهَا) بِكَسْرِ الْخَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ بِالْحَدِيثِ أَيْ بِكَيْلِهَا، وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: كَمْ فِي هَذِهِ النَّخْلَةِ مِنْ وَسْقٍ؟ فَيُقَالُ: كَذَا وَكَذَا وَهَلُمَّ إلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ يُقَالُ: كَمْ يَنْقُصُ ذَلِكَ إذَا جَفَّ؟ فَيُقَالُ: وَسْقٌ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي بَعْدَ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَقَلَّ جَازَ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ، وَيُعْطَى الْمُعْرِي بِالْكَسْرِ وَهُوَ وَاهِبُ الثَّمَرَةِ ذَلِكَ عِنْدَ جِذَاذِ الثَّمَرَةِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ.
سَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَى بِهِ مِنْ نَوْعِ الْعَرِيَّةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (تَمْرًا) يُرِيدُ مِنْ نَوْعِهِ إنْ صَيْحَانِيًّا فَصَيْحَانِيٌّ، وَإِنْ بَرْنِيًّا فَبَرْنِيُّ مُسَاوٍ لَهُ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ.
ثَامِنُهَا: أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مُؤَخَّرًا إلَى الْجِذَاذِ.
تَاسِعُهَا: أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ فِي ذِمَّةِ الْمُعْرِي وَإِلَيْهِمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (يُعْطِيهِ ذَلِكَ عِنْدَ الْجِذَاذِ) عَاشِرُهَا: أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ الْمُشْتَرَاةُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَأَقَلَّ وَإِلَيْهِ
[حاشية العدوي]
مَنْزِلَتَهُ] أَيْ مِنْ وَارِثٍ وَمَوْهُوبٍ وَمُشْتَرٍ لِلْأُصُولِ مَعَ الثِّمَارِ فَقَطْ، بَلْ وَإِنْ قَامَ مَقَامَهُ بِاشْتِرَاءِ بَقِيَّةِ الثَّمَرَةِ الَّتِي وَقَعَتْ الْعَرِيَّةُ فِي بَعْضِهَا فَقَطْ دُونَ أَصْلِهَا فَيَشْتَرِي مِنْ الْمُعْرَى بِالْفَتْحِ وَمَنْ تَنَزَّلَ مَنْزِلَتَهُ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا مِنْ غَاصِبِهَا [قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَى جُمْلَتُهَا لَا بَعْضُهَا] اعْلَمْ أَنَّ مِنْ شُرُوطِهَا أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ عَلَى الْبَدَلِ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِدُخُولِ الْمُعْرَى بِالْفَتْحِ وَخُرُوجِهِ عَلَيْهِ وَاطِّلَاعِهِ عَلَى مَا لَا يُرِيدُ اطِّلَاعَهُ أَوْ لِلْمَعْرُوفِ بِالرِّفْقِ بِالْمُعْرَى بِالْفَتْحِ بِكِفَايَتِهِ وَحِرَاسَتِهِ وَمُؤْنَتِهِ، فَحِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا لِغَيْرِهِمَا كَالتَّجْرِ وَبِهِ صَرَّحَ اللَّخْمِيُّ.
إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَشْتَرِيَ بَعْضَهَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ خَلِيلٌ، فَقَالَ: يَشْتَرِي بَعْضَهَا بِنَاءً عَلَى مُلَاحَظَةِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ.
نَعَمْ اخْتِلَافٌ بَيْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَاللَّخْمِيِّ فَعَلَّلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِدَفْعِ الضَّرَرِ وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ التَّعْلِيلَ بِالْمَعْرُوفِ فَكَلَامُ الشَّارِحِ آتٍ عَلَى كَلَامِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَوْ جَاءَ عَلَى طَرِيقِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ لَكَانَ أَحْسَنَ [قَوْلُهُ: يَبْدُو صَلَاحُهَا] أَيْ حِينَ الشِّرَاءِ نَصَّ عَلَى هَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَاصًّا بِالْعَرِيَّةِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ لِأَجْلِ الرُّخْصَةِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ الْبَاجِيُّ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ، وَفَسَّرَ الزَّهْوَ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ وَعَمَّمَ إشَارَةً إلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالْبَلَحِ الْمُخْتَصِّ بِالزَّهْوِ الَّذِي هُوَ الِاحْمِرَارُ أَوْ الِاصْفِرَارُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ بَدَا صَلَاحُ مَا هِيَ فِيهِ] أَيْ مَا الْعَرِيَّةُ فِيهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ بَدَا صَلَاحُ مَا عَدَاهَا مِنْ الثَّمَرِ وَلَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا هِيَ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهَا وَهُوَ تَابِعٌ لِغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَخَلِيلٍ وَمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ شُرَّاحِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بُدُوُّ صَلَاحِهَا هِيَ [قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْخَاءِ] وَأَمَّا بِفَتْحِهَا فَهُوَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ [قَوْلُهُ: أَيْ بِكَيْلِهَا] أَيْ بِقَدْرِ كَيْلِهَا أَيْ لَا بِأَقَلَّ وَلَا بِأَكْثَرَ، وَحِينَئِذٍ يَصْلُحُ جَعْلُهُ شَرْطًا وَلَيْسَ الْكَيْلُ شَرْطًا لِأَنَّ جَعْلَهُ شَرْطًا يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تُبَاعُ بِغَيْرِ خِرْصِهَا وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ إذْ يَجُوزُ شِرَاؤُهَا بِالْعَيْنِ وَالْعَرْضِ [قَوْلُهُ: وَيُعْطَى الْمُعْرَى إلَخْ] الْمُرَادُ أَنْ لَا يَدْخُلَا عَلَى شَرْطِ تَعْجِيلِهَا بَلْ دَخَلَا عَلَى التَّوْفِيَةِ عِنْدَ الْجِذَاذِ أَوْ سَكَتَا، فَالْمُضِرُّ الدُّخُولُ عَلَى شَرْطِ تَعْجِيلِهَا وَأَمَّا تَعْجِيلُهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَلَا يَضُرُّ، وَهَلْ يُجْبَرُ الْمَوْهُوبُ عَلَى الْأَخْذِ؟ أَشَارَ ابْنُ يُونُسَ إلَى أَنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي أَنَّهَا كَالْقَرْضِ أَوْ كَالْبَيْعِ اهـ. فَإِنْ وَقَعَ عَلَى شَرْطِ تَعْجِيلِهَا فُسِخَ فَإِنْ جَذَّهَا رُطَبًا رَدَّ مِثْلَهُ إنْ وَجَدَ وَإِلَّا فَقِيمَتُهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَالْجِذَاذُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ هُوَ قَطْعُ ثِمَارِ النَّخْلِ وَقَوْلُهُ ذَلِكَ أَيْ مُقَابِلُ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: وَإِلَيْهِ أَشَارَ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ مُفَادَ هَذَا أَنَّ الْإِشَارَةَ لِمَعُونَةِ الْإِرَادَةِ وَهُوَ بَعِيدٌ.
[قَوْلُهُ: إنْ صَيْحَانِيًّا إلَخْ] فَلَا يُبَاحُ صَيْحَانِيٌّ بِبَرْنِيِّ وَلَا جَيِّدٌ بِرَدِيءٍ هَذَا مَدْلُولُهُ وَفِيهِ إجْمَالٌ بَيِّنٌ ابْنُ عُمَرَ.
الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِمَا هُوَ أَطْيَبُ مِنْ نَوْعِهَا مِثْلُ أَنْ يُعْطِيَهُ فِيهَا أَعْلَى ذَلِكَ النَّوْعِ فَإِنْ كَانَ لِيَكْفِيَهُ مُؤْنَتَهَا فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا اشْتَرَاهَا لِيَدْفَعَ الضَّرَرَ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ يُعْطِيهِ الْأَدْنَى مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ أَسْلَفَ رَدِيئًا لِيَأْخُذَ طَيِّبًا اهـ.
[قَوْلُهُ: ثَامِنُهَا أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ إلَخْ] مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ يُعْطَى إلَخْ [قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ فِي ذِمَّةِ الْمُعْرِي] أَيْ لَا فِي حَائِطٍ مُعَيَّنٍ اتِّبَاعًا لِلرُّخْصَةِ، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فُسِخَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ وَإِلَيْهِمَا أَشَارَ إلَخْ
أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إنْ كَانَ فِيهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَأَقَلَّ وَلَا يَجُوزُ) لِلْمُعْرِي وَلَا لِغَيْرِهِ (شِرَاءُ أَكْثَرِ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ إلَّا بِالْعَيْنِ وَالْعَرْضِ) نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ.
[حاشية العدوي]
فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ عِنْدَ الْجِذَاذِ يَتَحَقَّقُ وَلَوْ بِالْإِعْطَاءِ مِنْ أَشْجَارٍ مُعَيَّنَةٍ [قَوْلُهُ: أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ الْمُشْتَرَاةُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ] أَيْ وَإِنْ كَانَتْ الْعَرِيَّةُ أَكْثَرَ وَهَذَا فِي الْعَرِيَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَأَمَّا لَوْ أَعْرَاهُ عَرَايَا فِي حَوَائِطَ فِي عُقُودٍ مُتَعَدِّدَةٍ فِي أَزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ لَجَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ كُلِّ حَائِطٍ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ لَا إنْ كَانَتْ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ عُقُودٍ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، فَكَعَرِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَشْتَرِي مِنْهَا إلَّا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا كُلِّهِ بَيْنَ تَعَدُّدِ الْمُعْرَى بِالْفَتْحِ وَاتِّحَادِهِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: إلَّا بِالْعَيْنِ] أَيْ يَشْتَرِيهَا كُلَّهَا بِالْعَيْنِ أَوْ الْعَرْضِ، وَأَمَّا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الْأَكْثَرِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِخِرْصِهَا وَالزَّائِدَ بِعَيْنٍ أَوْ عَرْضٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.
[38 - بَابٌ فِي الْوَصَايَا وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُعْتَقِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْوَلَاءِ] (بَابٌ فِي الْوَصَايَا وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُعْتَقِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْوَلَاءِ) ذَكَرَ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ سِتَّةَ أَشْيَاءَ لِكُلٍّ مِنْهَا حَقِيقَةٌ وَحُكْمٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ يَأْتِي فِي مَحَلِّهِ، أَمَّا الْوَصَايَا فَجَمْعُ وَصِيَّةٍ وَهِيَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ عَقْدٌ يُوجِبُ حَقًّا فِي ثُلُثِ عَاقِدِهِ يَلْزَمُ بِمَوْتِهِ أَوْ نِيَابَةً عَنْهُ بَعْدَهُ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ أَوْ مَنْدُوبَةٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَعَلَيْهِ حَمَلَ بَعْضُهُمْ
[حاشية العدوي]
[بَاب فِي الْوَصَايَا]
هُوَ أَوَّلُ الثُّلُثِ الثَّالِثِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ أَيْ بَابٌ فِي أَحْكَامِ الْوَصَايَا وَأَحْكَامِ الْمُدَبَّرِ مِنْ حَيْثُ تَدْبِيرُهُ.
وَكَذَا يُقَالُ فِي كُلٍّ مِمَّا بَعْدَهُ مَا يُنَاسِبُهُ [قَوْلُهُ: لِكُلٍّ مِنْهَا حَقِيقَةٌ وَحُكْمٌ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْوَصَايَا فَتَكَلَّمَ الشَّارِحُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَبَيَّنَ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَقِيقَةَ التَّدْبِيرِ وَالشَّارِحُ عَلَى حُكْمِهِ وَتَكَلَّمَ الشَّارِحُ عَلَى حَقِيقَةِ الْكِتَابَةِ وَالْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِهَا، وَذَكَرَ الشَّارِحُ حَقِيقَةَ أُمِّ الْوَلَدِ أَيْ تَعْرِيفَهَا وَتَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِهَا وَهُوَ إبَاحَةُ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَتَكَلَّمَ الشَّارِحُ عَلَى حَقِيقَةِ وَحُكْمِ الْعِتْقِ.
وَأَمَّا الْأَخِيرُ الَّذِي هُوَ الْوَلَاءُ فَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَهُ بِقَوْلِهِ: الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَنَقَلَ حَقِيقَتَهُ عَنْ الرَّسُولِ، وَهُوَ أَنَّ الْوَلَاءَ لُحْمَةٌ إلَخْ.
وَبِمَا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مِنْ التَّسَامُحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَقَوْلُهُ: وَغَيْرُ ذَلِكَ أَيْ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكُلٍّ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ إلَخْ] أَيْ لَا الْفُرَّاضِ، أَيْ وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْفُرَّاضِ فَهِيَ عَقْدٌ يُوجِبُ حَقًّا فِي ثُلُثِ عَاقِدِهِ فَقَطْ، فَالْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَعَمُّ مِنْ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْفُرَّاضِ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ عِنْدَ الْفُرَّاضِ قَاصِرَةٌ عَلَى الْإِيصَاءِ بِمَا فِيهِ حَقٌّ، وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَتَتَنَوَّعُ إلَى وَصِيَّةٍ نِيَابَةً عَنْ الْمُوصِي كَالْإِيصَاءِ عَلَى الْأَطْفَالِ وَعَلَى قَبْضِ الدُّيُونِ وَتَفْرِقَةِ التَّرِكَةِ، وَالنَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ بِعِتْقِ عَبْدِهِ أَوْ قَضَاءِ دَيْنِهِ، وَالْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ لَمْ يَتَكَلَّمَا عَلَى النِّيَابَةِ وَنَحْنُ نُوَضِّحُهَا فَنَقُولُ: هِيَ مَا أُوجِبَ نِيَابَةً عَنْ الْمُوصِي بَعْدَ مَوْتِهِ كَإِيصَائِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَإِذَا قَصَرَتْ الصِّيغَةُ عَمَّتْ وَإِنْ طَالَتْ خَصَّتْ فَالْأَوَّلُ كَاشْهَدُوا عَلَى أَنَّ زَيْدًا وَصِيِّي وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ وَصِيًّا عَامًّا فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ فَيُزَوِّجُ صِغَارَ بَنِيهِ لِمَصْلَحَةٍ، وَالْبَنَاتِ إذَا بَلَغْنَ وَأَذِنَّ بِالْقَوْلِ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْوَصِيُّ بِالْإِجْبَارِ أَوْ يُعَيِّنَ لَهُ الزَّوْجَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَالثَّانِي كَمَا إذَا قَالَ: وَصِيِّي عَلَى الشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ فَإِنَّهَا تَخْتَصُّ بِذَلِكَ الَّذِي سَمَّاهُ.
وَاَلَّذِي يُوَصَّى عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ الْأَبُ الرَّشِيدُ أَوْ وَصِيُّهُ أَوْصَى الْوَصِيُّ أَوْ الْحَاكِمُ.
وَكَذَا الْأُمُّ لَهَا الْإِيصَاءُ عَلَى الصَّغِيرِ بِشُرُوطٍ: قِلَّةُ الْمَالِ وَعَدَمُ وَلِيِّ الصَّغِيرِ وَأَنْ يَكُونَ الْمَالُ مَوْرُوثًا مِنْ الْأُمِّ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُوصَى لَهُ الْإِسْلَامُ وَالتَّكْلِيفُ وَالْعَدْلُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْقِيَامِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الْوَصِيُّ أَعْمَى أَوْ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا وَيَتَصَرَّفُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ عَزْلُ نَفْسِهِ بَعْدَ الْقَبُولِ وَمَوْتِ الْمُوصِي وَإِنَّمَا يَعْزِلُهُ الْفِسْقُ وَالْعَجْزُ هَذَا وَصِيُّ النَّظَرِ، وَأَمَّا لَوْ أَوْصَى عَلَى عِتْقِ عَبْدٍ أَوْ تَفْرِقَةِ ثُلُثٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ تَأَمَّلْهُ.
[قَوْلُهُ: يُوجِبُ حَقًّا فِي ثُلُثِ إلَخْ] أَخْرَجَ بِهِ مَا يُوجِبُ حَقًّا فِي رَأْسِ مَالِهِ مِمَّا عَقَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي صِحَّتِهِ، فَإِنْ قُلْت: قَوْلُهُمْ تَجِبُ إذَا كَانَ عَلَى الْمُوصِي دَيْنٌ يُعَارِضُ هَذَا إذَا لَمْ يُوجِبْ الْعَقْدُ حَقًّا فِي ثُلُثِ عَاقِدِهِ بَلْ فِي جَمِيعِ مَالِهِ.
قُلْت: أُجِيبَ بِأَنَّ الدَّيْنَ إنْ لَمْ يُعْلَمْ إلَّا بِإِقْرَارِهِ فَهُوَ وَصِيَّةٌ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا بِالْبَيِّنَةِ فَالْوَصِيَّةُ لَمْ تُوجِبْهُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ.
[قَوْلُهُ: يَلْزَمُ بِمَوْتِهِ]
قَوْلَ الشَّيْخِ: (وَيَحِقُّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا (عَلَى مَنْ لَهُ مَا) أَيْ مَالٌ (يُوصِي فِيهِ أَنْ يُعِدَّ) بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ يَسْتَعِدَّ (وَصِيَّتَهُ) وَيُحْضِرَهَا وَيُشْهِدَ عَلَيْهَا فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا فَهِيَ بَاطِلَةٌ وَلَوْ وُجِدَتْ بِخَطِّهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ: مَا وَجَدْتُمْ بِخَطِّ يَدِي فَأَنْفَذُوهُ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ
، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ صِحَّةُ وَصِيَّةِ السَّفِيهِ وَالصَّبِيِّ وَقَيَّدَ ابْنُ الْحَاجِبِ صِحَّتَهَا مِنْ الصَّبِيِّ بِالتَّمْيِيزِ.
فَقَالَ: وَتَصِحُّ مِنْ السَّفِيهِ الْمُبَذِّرِ وَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ إذَا عَقَلَ الْقُرْبَةُ، وَلَمْ يَخْلِطْ فِيهَا وَاحْتَرَزَ بِالْمُمَيِّزِ مِنْ غَيْرِهِ
[حاشية العدوي]
صِفَةٌ لِعَقْدٍ أَخْرَجَ بِهِ الْمَرْأَةَ إذَا وَهَبَتْ أَوْ الْتَزَمَتْ ثُلُثَ مَالِهَا وَلَهَا زَوْجٌ، أَوْ مَنْ الْتَزَمَ ثُلُثَ مَالِهِ لِشَخْصٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ.
[قَوْلُهُ: أَوْ نِيَابَةً عَنْهُ] اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِالنِّيَابَةِ فِعْلُ الْوَصِيِّ مَا اسْتَنَابَهُ الْأَبُ فِيهِ مِنْ التَّصَرُّفِ عَلَى أَوْلَادِهِ وَالنَّظَرِ فِي أَمْرِهِمْ كَانَتْ غَيْرَ عَقْدٍ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا اسْتِنَابَةُ الْأَبِ الْوَصِيَّ فِي التَّصَرُّفِ الْمَذْكُورِ كَانَتْ عَقْدًا.
فَقَوْلُهُ: أَوْ نِيَابَةً عَنْهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْأَوَّلِ إذْ الْمَعْنَى عَقْدٌ يُوجِبُ حَقًّا إلَخْ، وَيُوجِبُ نِيَابَةً عَنْهُ إلَخْ.
وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَهُوَ مَرْفُوعٌ بِالْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ: عَقْدٌ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّ كَوْنَ النِّيَابَةِ مَعْنَاهَا الْعَقْدُ الْخَاصُّ خِلَافُ مَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُمْ فِي الْوَكَالَةِ صَحَّتْ الْوَكَالَةُ فِي قَابِلِ النِّيَابَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلِهَذَا ذَهَبَ ابْنُ مَرْزُوقٍ إلَى نَصْبِ نِيَابَةٍ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ] أَيْ وَذَهَبَ إلَى الْوُجُوبِ الْأَقَلُّ وَهُمْ أَهْلُ الظَّاهِرِ أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ حَمَلَ بَعْضُهُمْ] أَيْ وَبَعْضُهُمْ حَمَلَهُ عَلَى الْوُجُوبِ، أَيْ وَيُحْمَلُ عَلَى الْوَصِيَّةِ الْوَاجِبَةِ كَمَا أَفَادَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ كَأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حَقٌّ وَيَخْشَى إنْ لَمْ يُوصِ ضَيَاعَهُ [قَوْلُهُ: فَتْحِ الْيَاءِ] رَاجِعٌ لِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ يَثْبُتُ فَهُوَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ قَتَلَ أَفَادَ ذَلِكَ الْمِصْبَاحُ بِقَوْلِهِ: حَقَّ الشَّيْءُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَقَتَلَ إذَا وَجَبَ وَثَبَتَ اهـ.
أَيْ فَالْفِعْلُ لَازِمٌ أُسْنِدَ لِفَاعِلِهِ وَهُوَ أَنْ يُعِدَّ.
وَقَوْلُهُ: وَضَمِّهَا رَاجِعٌ لِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَنَائِبُ الْفَاعِلِ هُوَ قَوْلُهُ أَنْ يُعِدَّ أَنْ يَثْبُتَ إعْدَادُ الْوَصِيَّةِ أَيْ أَنَّ الشَّارِعَ أَثْبَتَ إعْدَادَ الْوَصِيَّةِ عَلَى مَنْ لَهُ مَالٌ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ بِقَوْلِهِ: وَحَقَقْت الْأَمْرَ أَحُقُّهُ إذَا جَعَلْته ثَابِتًا لَازِمًا.
وَفِي لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ أَحْقَقْته بِالْأَلِفِ وَحَقَقْته بِالتَّثْقِيلِ مُبَالَغَةٌ اهـ.
وَحَاصِلُ الْمُرَادِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُنْدَبُ لِمَنْ لَهُ مَالٌ أَنْ يُوصِيَ إذْ كَانَ بِقُرْبَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ، وَقَدْ تَجِبُ إذَا كَانَ يَخْشَى بِعَدَمِهَا ضَيَاعَ الْحَقِّ عَلَى أَرْبَابِهِ وَتُحَرَّمُ بِمُحَرَّمٍ كَالنِّيَاحَةِ وَنَحْوِهَا كَالْإِيصَاءِ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَتُكْرَهُ بِمَكْرُوهٍ أَوْ فِي مَالِ فَقِيرٍ، وَتُبَاحُ إذَا كَانَتْ بِمُبَاحٍ مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ وَإِنْفَاذُهَا يَنْقَسِمُ إلَى تِلْكَ الْأَقْسَامِ أَيْ مِنْ الْمُوصِي نَفْسِهِ، وَأَمَّا مُتَوَلِّي أَمْرِ التَّرِكَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَنْفِيذُهُ حَتَّى الْمُبَاحَةِ وَالْمَكْرُوهَةِ كَالْإِيصَاءِ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى قَبْرِهِ.
[قَوْلُهُ: يُوصِي فِيهِ] أَيْ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ فِيهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ احْتَرَزَ عَنْ مَالٍ لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ فِيهِ كَأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دُيُونٌ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ لَهُ الْوَصِيَّةُ بِمَا فِيهِ قُرْبَةٌ حِينَئِذٍ إذْ قَضَاؤُهَا وَاجِبٌ لَا مُحْتَرَزُهُ مَا كَانَ قَلِيلًا مِمَّا يَأْتِي بَيَانُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ الْآتِيَ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ إلَخْ فَتَدَبَّرْهُ.
[قَوْلُهُ: بِضَمِّ الْيَاءِ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ بَعْدَ ذَلِكَ: مَاضِيهِ أَعَدَّ مِنْ الِاسْتِعْدَادِ أَيْ: يَسْتَعِدُّهَا إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ هُنَا أَيْ يُهَيِّئُ وَصِيَّتَهُ.
وَقَوْلُهُ: وَيُحْضِرُهَا إلَخْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ أَيْ يَسْتَعِدُّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْإِشْهَادِ وَإِنْ لَمْ يُحَضِّرْهَا إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً، وَلَا يَخْفَى أَيْضًا أَنَّ مُفَادَ الْمُصَنِّفِ بِحَلِّ الشَّارِحِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الطَّلَبَ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِأَصْلِ الْوَصِيَّةِ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِتَهْيِئَتِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ النَّدْبَ مُتَعَلِّقٌ بِأَصْلِ الْوَصِيَّةِ كَمَا أَفَدْنَاهُ سَابِقًا.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَقُولَ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّهَا تَصِحُّ فِي صُورَتَيْنِ إذَا أَشْهَدَ أَوْ قَالَ: مَا وَجَدْتُمْ بِخَطِّي فَأَنْفِذُوهُ حَيْثُ ثَبَتَ أَنَّهُ خَطُّهُ، وَقَالَ بِلَفْظِهِ: مَا وَجَدْتُمْ بِخَطِّي وَلَوْ كَتَبَ ذَلِكَ بِدُونِ لَفْظٍ فَلَا يُعْمَلْ بِهِ، هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ ثُبُوتِ أَنَّهُ خَطُّهُ وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا إذَا قَرَأَهَا عَلَيْهِمْ فَإِنْ أَشْهَدَ أَوْ قَالَ: أَنْفِذُوهَا صَحَّتْ وَإِلَّا فَلَا، وَمَاضِيهِ أَنْفَذَ رُبَاعِيٌّ وَيُقَالُ: نَفَّذُوهُ مِنْ نَفَّذَ مُشَدَّدًا
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ صِحَّةُ إلَخْ] إنَّمَا صَحَّتْ وَصِيَّتُهُمَا لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا لِحَقِّ أَنْفُسِهِمَا، فَلَوْ حُجِرَ عَلَيْهِمَا فِي الْوَصِيَّةِ لَكَانَ الْحَجْرُ لِحَقِّ الْغَيْرِ.
[قَوْلُهُ: الْمُبَذِّرِ] وَصْفٌ كَاشِفٌ أَيْ فَالسَّفِيهُ هُوَ مَنْ يَصْرِفُ مَالَهُ فِي الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ وَلَوْ مُبَاحَةً [قَوْلُهُ: إذَا عَقَلَ الْقُرْبَةَ] أَيْ عَقَلَ أَنَّ فَاعِلَهَا يُثَابُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ فَاعِلَهَا يُثَابُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَلْ فِي الْقُرْبَةِ لِلْعَهْدِ أَيْ
فَإِنَّ وَصِيَّتَهُ لَا تَصِحُّ اتِّفَاقًا.
وَفَسَّرَ اللَّخْمِيُّ عَدَمَ الِاخْتِلَاطِ بِأَنْ يُوصِيَ بِمَا فِيهِ قُرْبَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ صِلَةُ رَحِمٍ
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا تَحْدِيدَ لِلْمَالِ الْمُوصَى فِيهِ وَهُوَ كَذَلِكَ
وَلَهَا أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: الْأَوَّلُ الْمُوصِي وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا مُمَيِّزًا مَالِكًا مِلْكًا تَامًّا، وَاحْتَرَزَ بِهَذَا الْأَخِيرِ مِنْ مُسْتَغْرَقِ الذِّمَّةِ.
الثَّانِي: الْمُوصَى لَهُ وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ أَنْ يَمْلِكَ فَتَصِحُّ لِلْحَمْلِ الثَّابِتِ وَلِحَمْلٍ سَيَكُونُ وَاسْتَثْنَوْا مِنْ قَوْلِهِمْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ أَنْ يَمْلِكَ الْوَصِيَّةَ لِلْمَسْجِدِ وَالْقَنْطَرَةِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّهَا وَصِيَّةٌ لِمَنْ لَا يَمْلِكُ وَهِيَ صَحِيحَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ لِلْمَيِّتِ صَحِيحَةٌ بِشَرْطِ
[حاشية العدوي]
الْقُرْبَةِ الْمَعْهُودَةِ الَّتِي هِيَ الْوَصِيَّةُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ شَرْطٌ لَا بُدَّ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: وَفَسَّرَ اللَّخْمِيُّ إلَخْ] أَيْ وَفَسَّرَهُ غَيْرُهُ بِأَلَّا يُعْرَفَ مَا ابْتَدَأَ بِهِ.
[قَوْلُهُ: بِمَا فِيهِ قُرْبَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى] أَيْ غَيْرُ صِلَةِ رَحِمٍ
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ إلَخْ] وَمُقَابِلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إذَا كَانَ الْمَالُ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ لَا وَصِيَّةَ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ أَلْفًا فِيهِ الْوَصِيَّةُ.
وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: لَا وَصِيَّةَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا وَصِيَّةَ فِي ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ
[قَوْلُهُ: حُرًّا] أَيْ فَالْعَبْدُ وَلَوْ بِشَائِبَةٍ لَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ [قَوْلُهُ: مُمَيِّزًا] أَيْ فَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ لَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ، فَلَوْ ادَّعَى وَارِثُ الصَّبِيِّ أَنَّهُ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ حِينَ الْوَصِيَّةِ وَخَالَفَهُمْ الْمُوصَى لَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَرَثَةِ ذَكَرَهُ الْخَرَشِيُّ عَنْ تَقْرِيرٍ.
[قَوْلُهُ: مَالِكًا] خَرَّجَ غَيْرَ الْمَالِكِ فَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْوَكِيلِ فِي مَالِ غَيْرِهِ وَشَبَهِهِ.
[قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزَ بِهَذَا الْأَخِيرِ] وَهُوَ قَوْلُهُ مِلْكًا تَامًّا، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ مُسْتَغْرَقَ الذِّمَّةِ مَالِكٌ إلَّا أَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ، وَلَا يَظْهَرُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَالِكًا أَصْلًا إلَّا أَنْ يُرِيدَ مَالِكًا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَخَرَجَ أَيْضًا بِقَيْدِ التَّمَامِ الْمُرْتَدُّ.
[قَوْلُهُ: مِنْ مُسْتَغْرَقِ الذِّمَّةِ] أَيْ فَوَصِيَّتُهُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَإِذَا بَطَلَتْ فَلَا يَرْجِعُ مَالُهُ مِيرَاثًا بَلْ يَكُونُ فِي الْفَيْءِ إلَّا مَا ثَبَتَ كَسْبُهُ بِمَالٍ حَلَالٍ فَتَصِحُّ.
تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: مَا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَهُ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ وَصِيَّةِ الْعَبْدِ وَغَيْرِ الْمَالِكِ، وَمُسْتَغْرَقِ الذِّمَّةِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، فَقَدْ ذُكِرَ بَعْضُ مَا يُفِيدُ صِحَّتَهَا مِنْ الْعَبْدِ وَغَيْرِ الْمَالِكِ إلَّا أَنَّهَا مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ.
الثَّانِي: لَمْ يَتَكَلَّمْ الشَّارِحُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْكَافِرَ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ حَيْثُ كَانَ حُرًّا مُمَيِّزًا مَالِكًا مِلْكًا تَامًّا إلَّا إنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ لِمُسْلِمٍ لَا يَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُ كَخَمْرٍ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا إذَا أَوْصَى بِذَلِكَ لِكَافِرٍ فَإِنَّ وَصِيَّتَهُ تَصِحُّ لِأَنَّ الْكَافِرَ يَمْلِكُ ذَلِكَ، وَانْظُرْ هَلْ ثَمَرَةُ صِحَّتِهَا بِذَلِكَ لَهُ الْحُكْمُ بِهِ وَبِإِنْفَاذِهَا إنْ تَرَافَعُوا إلَيْنَا أَوْ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِذَلِكَ؟ وَأَمَّا وَصَايَا الْمُرْتَدِّ فَبَاطِلَةٌ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ حَالَ إسْلَامِهِ كَمَا فِي تت.
[قَوْلُهُ: مِمَّنْ يَتَصَوَّرُ] مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ، وَقَوْلُهُ: أَنْ يَمْلِكَ فَاعِلٌ بِهِ أَيْ مِمَّا يُمْكِنُ فِيهِ الْمِلْكُ أَوْ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وَأَرَادَ بِهِ التَّصْدِيقَ أَيْ يُصَدَّقُ بِمِلْكِهِ.
[قَوْلُهُ: فَتَصِحُّ لِلْحَمْلِ الثَّابِتِ إلَخْ] وَيَسْتَحِقُّ الْوَصِيَّةَ إنْ اسْتَهَلَّ صَارِخًا وَإِلَّا بَطَلَتْ، وَغَلَّةُ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ وُجُودِ الْمُوصَى لَهُ لِلْوَرَثَةِ إذْ الْوَلَدُ لَا يَمْلِكُ إلَّا بَعْدَ وَضْعِهِ وَتَحَقُّقِ الْحَيَاةِ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا لَا يَسْتَحِقُّ الْوَصِيَّةَ وَتُرَدُّ، وَإِذَا وَضَعَتْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ تُوَزَّعُ عَلَى عَدَدِ الْوَضْعِ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَهَذَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَّا أَنْ يَنُصَّ عَلَى التَّفْصِيلِ فَيُرْجَعُ إلَيْهِ، ثُمَّ حَيْثُ تَعَلَّقَتْ الْوَصِيَّةُ بِمَنْ يُولَدُ لَهُ مُسْتَقْبَلًا فَيَنْتَظِرُ بِهَا الْإِيَاسَ مِنْ وِلَادَتِهِ فَتَرْجِعُ بَعْدَهُ لِلْمُوصَى أَوْ لِوَارِثِهِ، وَيَدْخُلُ فِي الْمُوصَى لَهُ الذِّمِّيُّ فَالْوَصِيَّةُ تَصِحُّ لَهُ وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ قُرْبَةٌ لَا حَرْبِيٌّ.
[قَوْلُهُ: الْوَصِيَّةُ لِلْمَسْجِدِ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْمَسْجِدِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ تَصِحُّ، وَيُصْرَفُ ذَلِكَ الشَّيْءُ الْمُوصَى بِهِ فِي مَصَالِحِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ مِنْ مَرَمَّتِهِ وَحُصْرِهِ وَزَيْتِهِ كَخِدْمَتِهِ مِنْ مُؤَذِّنٍ وَإِمَامٍ وَنَحْوِهِمَا فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ فِيمَا لَمْ يَحْتَجْ لِمَا مَرَّ احْتَاجُوا أَمْ لَا هَذَا إذَا اقْتَضَى الْعُرْفُ ذَلِكَ، فَإِذَا اقْتَضَى أَنَّ الْقَصْدَ مُجَاوِرُوهُ كَالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ صُرِفَ لَهُمْ لَا لِمَرَمَّتِهِ وَحُصْرِهِ وَنَحْوِهِمَا.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَذْهَبِ] أَيْ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ: لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ.
[قَوْلُهُ: بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ الْمُوصَى
أَنْ يَعْلَمَ الْمُوصَى بِمَوْتِهِ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ صُرِفَتْ فِيهِ وَإِلَّا فَتَكُونُ لِوَرَثَتِهِ.
الثَّالِثُ: الْمُوصَى بِهِ وَهُوَ كُلُّ مَا يَصِحُّ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ الْمُوصَى لَهُ فَلَا تَصِحُّ بِخَمْرٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بَلْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَجْهُولِ كَالْحَمْلِ وَالثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا.
الرَّابِعُ: مَا بِهِ تَكُونُ الْوَصِيَّةُ وَهُوَ الْإِيجَابُ وَلَا يَتَعَيَّنُ لَهُ لَفْظٌ مَخْصُوصٌ بَلْ كُلُّ لَفْظٍ يُفْهَمُ مِنْهُ قَصْدُ الْوَصِيَّةِ مِثْلُ أَوْصَيْت أَوْ أَعْطُوهُ أَوْ جَعَلْته لَهُ، وَإِذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِمُعَيَّنٍ فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهِ لَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِذَا كَانَتْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ فَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ وَيُمْلَكُ الْمُوصَى بِهِ بِالْمَوْتِ اتِّفَاقًا إنْ قُبِلَ عَقِبَ الْمَوْتِ وَعَلَى الْأَصَحِّ إنْ تَأَخَّرَ الْقَبُولُ وَمُقَابِلُهُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا حِينَ الْقَبُولِ.
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا حَدَثَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ مِنْ غَلَّةٍ وَنَحْوِهَا، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ، وَعَلَى الثَّانِي لِوَرَثَةِ الْمُوصِي
وَانْظُرْ هَلْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: «وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» نَفْيَ الصِّحَّةِ أَوْ النَّهْيَ وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ قَالَهُ د.
قُلْت: الْمَذْهَبُ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهَا فَالْمُوصَى بِهِ مِيرَاثٌ.
ع: وَانْظُرْ هَلْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: (وَالْوَصَايَا خَارِجَةٌ مِنْ الثُّلُثِ) أَنَّ مَصْرِفَهَا إنَّمَا هُوَ فِي الثُّلُثِ أَوْ إنَّمَا أَرَادَ لَا يَجُوزُ لِلْمُوصِي أَنْ يُوصِيَ إلَّا بِالثُّلُثِ فَأَقَلَّ (وَيُرَدُّ مَا زَادَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الثُّلُثِ وَلَوْ
[حاشية العدوي]
بِمَوْتِهِ] فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ إذْ الْمَيِّتُ لَا يَصْلُحُ تَمَلُّكُهُ.
[قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَتَكُونُ لِوَرَثَتِهِ] فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ خَاصٌّ بَلْ بَيْتُ الْمَالِ بَطَلَتْ كَمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ قَالَهُ عج.
وَقَالَ الشَّيْخُ سَالِمٌ: إنَّ بَيْتَ الْمَالِ مِنْ الْوَارِثِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ كُلُّ إلَخْ] لَيْسَ هَذَا تَعْرِيفًا فَيَعْتَرِضُ بِاحْتِوَائِهِ عَلَى لَفْظَةِ كُلٍّ بَلْ ضَابِطٌ [قَوْلُهُ: فَلَا تَصِحُّ بِخَمْرٍ إلَخْ] أَيْ مِنْ مُسْلِمٍ لِمُسْلِمٍ وَأَمَّا مِنْ كَافِرٍ لِكَافِرٍ فَتَصِحُّ، وَكَذَا تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ بِشَيْءٍ لِمَنْ يُصَلِّي أَوْ يَصُومُ عَنْهُ وَتَرْجِعُ مِيرَاثًا بِخِلَافِ الْإِيصَاءِ بِالْمَكْرُوهِ كَالْإِيصَاءِ بِضَحِيَّةٍ فَلَا تَبْطُلُ، وَيَجِبُ تَنْفِيذُهَا [قَوْلُهُ: وَالثَّمَرَةُ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا] أَيْ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا تُؤَوَّلُ إلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْإِيجَابُ] قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَتَكُونُ بِالْإِيجَابِ وَلَا يَتَعَيَّنُ لَهُ لَفْظٌ مَخْصُوصٌ بَلْ كُلُّ لَفْظٍ فُهِمَ مِنْهُ قَصْدُ الْوَصِيَّةِ بِالْوَضْعِ أَوْ الْقَرِينَةِ حَصَلَ الِاكْتِفَاءُ بِهِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ هُنَا.
أَقُولُ: وَلَوْ بِلَفْظِ الْوَقْفِ كَمَا إذَا قَالَ: هُوَ وَقْفٌ بَعْدَ مَوْتِي كَمَا يُفِيدُهُ الْمِعْيَارُ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْإِيجَابِ الصِّيغَةَ الدَّالَّةَ عَلَى قَصْدِ الْوَصِيَّةِ، فَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ مَا ذُكِرَ فَالْمُرَادُ لَا يَتَعَيَّنُ لَهُ لَفْظٌ مَخْصُوصٌ يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْأَمْرُ الْكُلِّيُّ بَلْ الْإِشَارَةُ كَافِيَةٌ وَلَوْ مِنْ قَادِرٍ عَلَى الْكَلَامِ.
[قَوْلُهُ: مِثْلَ أَوْصَيْت] أَيْ أَوْصَيْت لَهُ [قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهِ لَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ] وَأَمَّا لَوْ قَبِلَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُفِيدُهُ شَيْئًا إذْ لِلْمُوصِي أَنْ يَرْجِعَ فِي وَصِيَّتِهِ مَا دَامَ حَيًّا لِأَنَّ عَقْدَ الْوَصِيَّةِ غَيْرُ لَازِمٍ حَتَّى لَوْ رَدَّ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَيَقْبَلَ بَعْدَهُ هَذَا إذَا كَانَ الْمُعَيَّنُ بَالِغًا رَشِيدًا، وَإِلَّا فَوَلِيُّهُ يَقْبَلُ لَهُ، فَلَوْ مَاتَ الْمُعَيَّنُ قَبْلَ الْقَبُولِ فَلِوَارِثِهِ الْقَبُولُ مَاتَ قَبْلَ الْعِلْمِ أَوْ بَعْدَهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْمُوصِي الْمُوصَى لَهُ بِعَيْنِهِ فَلَيْسَ لِوَارِثِهِ الْقَبُولُ، وَلَا يَحْتَاجُ الْعَبْدُ فِي قَبُولِ الْوَصِيَّةِ لَهُ إلَى إذْنِ السَّيِّدِ
[قَوْلُهُ: نَفْيَ الصِّحَّةِ أَوْ النَّهْيَ] نَفْيُ الصِّحَّةِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ، وَالنَّهْيُ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الصِّحَّةِ.
[قَوْلُهُ: قُلْت الْمَذْهَبُ إلَخْ] الْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ وَإِنْ أَجَازَهَا الْوَارِثُ كَانَتْ ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ مِنْهُ فَالْحَقُّ مَا لِلشَّيْخِ زَرُّوقٍ.
[قَوْلُهُ: أَوْ إنَّمَا أَرَادَ إلَخْ] قَالَ فِي تَحْقِيقِ الْمَبَانِي: وَاقْتَصَرَ الْأَقْفَهْسِيُّ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ فَإِنْ وَقَعَ وَأَوْصَى بِأَكْثَرَ لَمْ تَصِحَّ، قُلْت: وَلَعَلَّ وَجْهَ الِاقْتِصَارِ أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ فِيهِ إفَادَةُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا يُفِيدُ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: وَتُرَدُّ أَيْ تَبْطُلُ لَكِنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي ثُلُثِ مَالِهِ الْمَعْلُومِ لَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَلَوْ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ إنْ كَانَ فِي الْمَرَضِ فَكَالْوَصِيَّةِ وَإِلَّا فَفِي ثُلُثِ الْمَالِ الْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مُدَبَّرِ الصِّحَّةِ وَالْوَصِيَّةِ أَنَّ عَقْدَ التَّدْبِيرِ لَازِمٌ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ عَقْدُهَا مُنْحَلٌّ لَهُ الرُّجُوعُ وَلَوْ شُرِطَ
كَانَتْ الزِّيَادَةُ يَسِيرَةً (إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ) إذَا كَانُوا بَالِغِينَ رُشَدَاءَ غَيْرَ مُوَلًّى عَلَيْهِمْ عُقَلَاءَ لَا دَيْنَ عَلَيْهِمْ، وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الثُّلُثَ لَا يُرَدُّ وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُرَدُّ وَلَوْ قَصَدَ الضَّرَرَ بِذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَيُعْتَبَرُ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ يَوْمَ مَوْتِهِ لَا يَوْمَ الْوَصِيَّةِ عَلَى مَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَذْهَبِ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي الْوَصِيَّةِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الثُّلُثِ يَوْمَ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ لَا يَوْمَ الْمَوْتِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ يَسَعُهَا الثُّلُثُ يَوْمَ الْمَوْتِ فَطَرَأَ عَلَى الْمَالِ جَائِحَةٌ أَذْهَبَتْ بَعْضَهُ فَصَارَ لَا يَسَعُهَا ثُلُثُ مَا بَقِيَ كَانَ حُكْمُهَا يَوْمَ الْقِسْمَةِ حُكْمَ مَنْ أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ انْتَهَى
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يَبْدَأُ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ الثُّلُثِ فَقَالَ: (وَالْعِتْقُ بِعَيْنِهِ) سَوَاءٌ كَانَ فِي مِلْكِهِ أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ اشْتَرُوا عَبْدَ فُلَانٍ وَأَعْتِقُوهُ (مُبَدَّأٌ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْوَصَايَا بِالْمَالِ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَاهُ بِهَذَا لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَاتِ إذَا أَوْصَى بِهَا الْمَيِّتُ مُبَدَّأَةٌ عَلَى الْعِتْقِ (وَالْمُدَبَّرُ فِي) حَالِ (الصِّحَّةِ مُبَدَّأٌ عَلَى مَا) يَصْدُرُ مِنْهُ (فِي) حَالِ (الْمَرَضِ مِنْ
[حاشية العدوي]
عَدَمُهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ إلَخْ] بَالَغَ عَلَى ذَلِكَ رَدًّا لِمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ جَارِيَةٍ فَزَادَتْ قِيمَتُهَا عَلَى الثُّلُثِ زِيَادَةً يَسِيرَةً مِثْلَ الدِّينَارِ، وَنَحْوِهِ أَنَّهَا لَا تُحَرِّمُ الْعِتْقَ بِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ إلَخْ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ أَيْضًا ثُمَّ إنَّ الْوَارِثَ إذَا أَجَازَ الْوَصِيَّةَ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَدَانَ الْوَارِثُ أَوْ مَاتَ فَإِنْ حَازَ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ فَلَا حَقَّ لِغُرَمَائِهِ وَلَا لِوَرَثَتِهِ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يَحُزْهَا فَهُمْ أَحَقُّ فَالْمَدَارُ عَلَى الْحَوْزِ وَعَدَمِهِ لَا عَلَى الْقَبُولِ وَعَدَمِهِ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: إذَا كَانُوا بَالِغِينَ] أَيْ فَتَكُونُ الْإِجَازَةُ ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ مِنْهُمْ لِأَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ لَهُمْ، وَإِنْ أَجَازَ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ مَضَتْ حِصَّةُ الْمُجِيزِ وَرُدَّتْ حِصَّةُ الْمُمْتَنِعِ.
[قَوْلُهُ: غَيْرَ مُوَلًّى عَلَيْهِمْ] أَغْنَى عَنْهُ قَوْلُهُ: رُشَدَاءَ وَكَذَا قَوْلُهُ: عُقَلَاءَ.
[قَوْلُهُ: وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الثُّلُثَ لَا يُرَدُّ] بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ تَتَبَرَّعُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ فَلَهُ رَدُّ الْجَمِيعِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الزَّوْجَةَ يُمْكِنُهَا التَّبَرُّعُ بَعْدُ بِخِلَافِ الْمَرِيضِ قَدْ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ سَرِيعًا بَعْدَ الْوَصِيَّةِ فَلَا يُمْكِنُهُ الْإِيصَاءُ بَعْدَ رَدِّ الْجَمِيعِ.
[قَوْلُهُ: فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ] أَيْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَمُقَابِلُهُ ظَاهِرٌ.
[قَوْلُهُ: عَلَى مَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ إلَخْ] أَيْ يُعْتَبَرُ يَوْمُ الْمَوْتِ عَلَى مَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: لَا يَوْمَ الْوَصِيَّةِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَا يُعْتَبَرُ ثُلُثُ الْمَالِ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ وَيَوْمَ الْحَجْرِ أَوْ كَانَتْ فِي الصِّحَّةِ وَفِي الْحَالِ الَّتِي لَوْ وَهَبَ فِيهَا جَمِيعَ الْمَالِ لَزِمَهُ لِأَنَّ هَذِهِ عَطِيَّةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْهَا فِي الْحَيَاةِ، وَلَا يَصِحُّ الِالْتِفَاتُ فِيهَا إلَى يَوْمِ الْوَصِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ] فَإِنْ قُلْت: حَيْثُ ذَهَبَ الْمَالُ بِالْجَائِحَةِ فَيَذْهَبُ عَلَى الْوَرَثَةِ وَعَلَى الْمُوصَى لَهُ فَلَا يَظْهَرُ لِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا يَوْمَ التَّنْفِيذِ ثَمَرَةً لِأَنَّ الْوَارِثَ أَمِينٌ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، قُلْت: لَعَلَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ يَرَى أَنَّ الْمَالَ كُلَّهُ دَخَلَ ذِمَّةَ الْوَارِثِ بِالْمَوْتِ وَصَارَ مَا يَخُصُّ الْمُوصَى لَهُ كَالدَّيْنِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ إنَّ مَا ذَهَبَ بِالْجَائِحَةِ يَكُونُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ إنْ لَوْ قُلْنَا الْعِبْرَةُ بِيَوْمِ الْمَوْتِ.
[قَوْلُهُ: يَوْمَ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ إلَخْ] وَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ.
[قَوْلُهُ: كَانَ حُكْمُهَا يَوْمَ الْقِسْمَةِ] لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ وَصِيَّةِ الْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ
[قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ فِي مِلْكِهِ] كَأَعْتِقُوا عَبْدِي مُبَارَكًا تت.
[قَوْلُهُ: مِثْلُ إلَخْ] تَمْثِيلٌ لِقَوْلِهِ أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ أَعْنِي مِلْكَهُ أَوْ مِلْكَ غَيْرِهِ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ نَاجِزًا أَيْ عَقِبَ مَوْتِي أَوْ لِكَشَهْرٍ، وَكَذَا إذَا أَوْصَى بِعِتْقِهِ عَلَى مَالٍ فَعَجَّلَهُ أَوْ بِكِتَابَةٍ فَعَجَّلَهَا فَهَذِهِ الصُّوَرُ كُلُّهَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ لَا تَقْدِيمَ لِأَحَدِهَا عَلَى صَاحِبِهِ وَيَتَحَاصُّونَ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: بِعَيْنِهِ أَيْ الْمُعْتَقِ الرَّقِيقِ بِعَيْنِهِ احْتِرَازٌ مِمَّا إذَا قَالَ: أَعْتِقُوا عَبْدًا فَإِنَّهُ لَا يُقَدَّمُ عَلَى الْوَصَايَا بِالْمَالِ بَلْ هُوَ فِي مَرْتَبَتِهَا فَيَتَحَاصُّونَ عِنْدَ الضِّيقِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْوَصَايَا بِالْمَالِ] أَيْ بِإِخْرَاجِ الْمَالِ الَّذِي لَمْ يَتَوَجَّهْ إلَيْهِ طَلَبٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ مُرَادٌ وَكَذَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَا إذَا أَوْصَى بِعِتْقِهِ عَلَى مَالٍ أَوْ بِكِتَابَتِهِ وَلَمْ يُعَجِّلْ كُلٌّ مِنْهُمَا الْمَالَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي.
[قَوْلُهُ: إذَا أَوْصَى بِهَا الْمَيِّتُ] أَيْ وَلَمْ يَعْتَرِفْ بِحُلُولِهَا وَسَيَأْتِي مَفْهُومُهُ
عِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ وَ) الْمُدَبَّرُ فِي الصِّحَّةِ مُبَدَّأٌ أَيْضًا (عَلَى مَا فَرَّطَ فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ فَأَوْصَى بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ مُبَدَّأٌ عَلَى
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: مُبَدَّأَةٌ عَلَى الْعِتْقِ] أَيْ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ، أَيْ لِأَنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ فِي تَنْجِيزِ الْعِتْقِ إنَّمَا هُوَ فِي الْوَصِيَّةِ بِهِ، فَالزَّكَاةُ وَالْكَفَّارَةُ مُبَدَّأَتَانِ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ بِصُوَرِهِ الْمَذْكُورَةِ بَقِيَ أَنَّهُ أَجْمَلَ فِي قَوْلِهِ الزَّكَاةُ وَفِي قَوْلِهِ الْكَفَّارَةُ فَظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَلَا فَرْقَ فِي الْكَفَّارَةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ كَفَّارَةَ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ يَمِينٍ أَوْ فِطْرِ رَمَضَانَ أَوْ تَفْرِيطِ الْقَضَاءِ فِيهِ، فَإِنْ قُلْت: مَا الْمُقَدَّمُ الزَّكَاةُ أَوْ الْكَفَّارَةُ؟ قُلْنَا: الْمُقَدَّمُ الزَّكَاةُ أَيْ أَنَّ زَكَاةَ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا وَقَدْ فَرَّطَ فِيهَا حَتَّى مَاتَ، وَكَذَا زَكَاةُ الْفِطْرِ الْمَاضِيَةُ الْمُوصَى بِهَا كُلٌّ مِنْهُمَا مُقَدَّمٌ عَلَى الْكَفَّارَةِ بِأَقْسَامِهَا، نَعَمْ زَكَاةُ الْعَيْنِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى زَكَاةِ الْفِطْرِ الْمَذْكُورَةِ.
وَقَوْلُنَا: الْمَاضِيَةُ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا مَاتَ فِي زَمَنِهِ كَلَيْلَةِ الْفِطْرِ أَوْ يَوْمِهِ، فَإِنْ أَوْصَى أَوْ أَشْهَدَ فِي صِحَّتِهِ أَنَّهَا فِي زَمَنِهِ فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإِلَّا أَمَرَ الْوَرَثَةَ بِإِخْرَاجِهَا مِنْ غَيْرِ جَبْرٍ، وَقُلْنَا: الْمَاضِيَةُ الْمُوصَى بِهَا فَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا أُمِرَ وَرَثَتُهُ بِإِخْرَاجِهَا مِنْ غَيْرِ جَبْرٍ وَلَيْسَتْ الْكَفَّارَاتُ كُلُّهَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَقَتْلُ الْخَطَإِ مُقَدَّمَتَانِ عَلَى كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَفِطْرُ رَمَضَانَ وَالتَّفْرِيطُ وَكَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَقَتْلُ الْخَطَأِ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الضِّيقِ، وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى فِطْرِ رَمَضَانَ وَكَفَّارَةُ فِطْرِ رَمَضَانَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّفْرِيطِ، وَأَمَّا كَفَّارَةُ الْعَمْدِ إذَا أَوْصَى بِإِخْرَاجِهَا فَهِيَ فِي مَرْتَبَةِ الْوَصَايَا بِالْمَالِ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ: أَوْصَى بِهَا وَأَمَّا إذَا مَاتَ وَلَمْ يُوصِ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تُخْرَجُ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَخْرَجَهَا وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدُ إيضَاحٍ.
[قَوْلُهُ: وَالْمُدَبَّرُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ] وَمِثْلُهُ مَا دُبِّرَ فِي مَرَضٍ وَصَحَّ بَعْدَهُ، وَالْأَسِيرُ الْمُوصَى بِفَكِّهِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لَا فَرْقَ فِي الْأَسِيرِ بَيْنَ كَوْنِهِ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ.
وَابْنُ عَرَفَةَ: فَإِذَا دَبَّرَ اثْنَيْنِ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ فِي كَلِمَةٍ تَحَاصَّا وَإِلَّا قُدِّمَ السَّابِقُ.
[قَوْلُهُ: فِي حَالِ الْمَرَضِ مِنْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ] أَيْ أَعْتَقَ عَبْدًا فِي الْمَرَضِ أَوْ دَبَّرَ عَبْدًا فِيهِ.
وَكِلَاهُمَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ حَيْثُ كَانَا فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ وَإِلَّا بَدَأَ بِالْأَوَّلِ.
وَكَذَا مَا بَتَّلَهُ فِي الْمَرَضِ مِنْ صَدَقَةٍ وَعَطِيَّةٍ فَمُدَبَّرُ الصِّحَّةِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِمَا، وَأَمَّا هُمَا مَعَ الْمُعْتَقِ فِي الْمَرَضِ وَالْمُدَبَّرِ فِيهِ فَيُقَدَّمَانِ عَلَيْهِمَا أَيْ يُقَدَّمُ مَا بُتِّلَ فِي الْمَرَضِ مِنْ صَدَقَةٍ وَعَطِيَّةٍ عَلَى مَا بُتِّلَ فِي الْمَرَضِ مِنْ عِتْقٍ وَتَدْبِيرٍ عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِالْعَكْسِ.
[قَوْلُهُ: فَأَوْصَى بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ] أَيْ مَا فَرَّطَ فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ وَأَوْصَى بِهِ فِي ثُلُثِهِ، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَسُوقَهُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ كَأَنْ يَقُولَ: وَمَا أَوْصَى بِهِ مِمَّا فَرَّطَ فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ فِي ثُلُثِهِ مُبَدَّأٌ عَلَى الْوَصَايَا وَأَمَّا إنْ لَمْ يُوصِ فَلَا يُخْرَجُ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَخْرَجَهَا وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يُشْهِدْ فِي صِحَّتِهِ بِأَنَّ مَا فَرَّطَ فِيهِ فِي ذِمَّتِهِ فَإِنْ أَشْهَدَ بِذَلِكَ فَيُخْرَجُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ عَيْنًا أَوْ غَيْرَهَا، وَأَمَّا إنْ أَشْهَدَ فِي مَرَضِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا أَوْصَى بِهَا هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ عَامِ الْمَوْتِ، وَأَمَّا عَامُ الْمَوْتِ فَإِنْ اعْتَرَفَ بِحُلُولِهَا وَأَوْصَى فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَإِنْ فَقَدَ أَوْ الثَّانِي لَمْ يُخْرَجْ مِنْ ثُلُثٍ وَلَا مِنْ رَأْسِ مَالٍ إلَّا أَنْ تَعْلَمَ الْوَرَثَةُ عَدَمَ الْإِخْرَاجِ فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِنْ فَقَدَ الْأَوَّلَ فَمِنْ الثُّلُثِ وَيُؤْمَرُ الْوَرَثَةُ بِإِخْرَاجِهَا.
وَقَوْلُنَا: لَمْ تُخْرَجْ أَيْ لَمْ يَجِبْ إخْرَاجُهَا فَلَا يُنَافِي مَا قَالَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوصِ أُمِرَ بِذَلِكَ الْوَرَثَةُ وَلَا يُجْبَرُونَ هَذَا كُلُّهُ فِي الْعَيْنِ، وَأَمَّا فِي الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ بِاعْتِبَارِ عَامِ الْمَوْتِ فَإِنْ اعْتَرَفَ بِحُلُولِهَا أُخْرِجَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْصَى بِهَا أَوْ لَا، وَمَا قَرَّرْته هُوَ مَا لِبَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ.
وَذَكَرَ عج مَا فِيهِ نَوْعُ مُخَالَفَةٍ فَقَالَ: وَمَفْهُومُ فَرَّطَ أَنَّ زَكَاةَ عَامِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ لَيْسَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ وَحُكْمُهَا أَنَّهُ إذَا اعْتَرَفَ بِحُلُولِهَا وَعَرَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ النَّاسِ وَلَوْ وَاحِدًا وَأَوْصَى بِهَا فَإِنَّهَا تُخْرَجُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ لَمْ تُخْرَجْ مِنْ ثُلُثٍ وَلَا رَأْسِ مَالٍ، وَتُؤْمَرُ الْوَرَثَةُ بِإِخْرَاجِهَا مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ حُلُولُهَا إلَّا مِنْهُ، فَإِنْ أَوْصَى بِهَا أُخْرِجَتْ مِنْ الثُّلُثِ وَإِلَّا لَمْ تُخْرَجْ وَلَا مِنْ الثُّلُثِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَخْرَجَهَا وَهَذَا زَكَاةُ الْعَيْنِ، وَأَمَّا زَكَاةُ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ فَمَتَى اعْتَرَفَ بِحُلُولِهَا
الْوَصَايَا) فَإِنْ لَمْ يُوصَ بِهِ فَلَا يُخْرَجُ مِنْ الثُّلُثِ.
وَقَوْلُهُ: (وَمُدَبِّرُ الصِّحَّةِ مُبَدَّأٌ عَلَيْهِ) تَكْرَارٌ
(وَإِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ) عَمَّا أَوْصَى بِهِ (تَحَاصَّ أَهْلُ الْوَصَايَا الَّتِي لَا تَبْدِئَةَ فِيهَا) كَمَا يُتَحَاصُّ فِي الْعَوْلِ فِي الْفَرَائِضِ مِثْلَ أَنْ يُوصِيَ لِرَجُلٍ بِنِصْفِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِرُبْعِهِ، فَإِنَّك تَأْخُذُ مَقَامَ النِّصْفِ وَمَقَامَ الرُّبْعِ وَتَنْظُرُ مَا بَيْنَهُمَا فَتَجِدُهُمَا مُتَدَاخِلَيْنِ فَتَكْتَفِي بِالْكَثِيرِ وَهُوَ الرُّبْعُ فَتَأْخُذُ نِصْفَهُ وَرُبْعَهُ فَتَجْمَعُهُمَا فَتَكُونُ ثَلَاثَةً فَتَعْلَمُ أَنَّ الثُّلُثَ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ لِصَاحِبِ الرُّبْعِ سَهْمٌ وَلِلْآخَرِ سَهْمَانِ
(وَلِلرَّجُلِ) وَلَوْ سَفِيهًا وَكَذَا الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ (الرُّجُوعُ عَنْ وَصِيَّتِهِ مِنْ عِتْقٍ وَغَيْرِهِ) ظَاهِرُهُ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ أَوْ الرُّجُوعُ عَنْهَا فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ وَلَوْ أَشْهَدَ فِي وَصِيَّتِهِ أَنْ لَا رُجُوعَ لَهُ فِيهَا وَفِيهِ خِلَافٌ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا بَتَّ عِتْقَهُ فِي الْمَرَضِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْوَاجِبِ كَالزَّكَاةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَا وَجَبَ لَا رُجُوعَ فِيهِ.
ثُمَّ عَقَّبَ الْوَصِيَّةَ بِالتَّدْبِيرِ لِقُرْبِ حَقِيقَتِهِ مِنْهَا فَقَالَ: (وَالتَّدْبِيرُ أَنْ يَقُولَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ مُدَبَّرٌ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي) وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ قُرْبَةٌ وَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ الصِّيغَةُ وَهِيَ إمَّا صَرِيحٌ كَمِثَالَيْ الْمُصَنِّفِ، وَإِمَّا كِنَايَةٌ
[حاشية العدوي]
أُخْرِجَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْصَى بِهَا أَمْ لَا شَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي مَعْرِفَةِ حُلُولِهَا أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: مُدَبَّرُ الصِّحَّةِ مُبَدَّأٌ عَلَيْهِ] أَيْ عَلَى مَا فَرَّطَ فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ وَأَوْصَى بِهِ.
وَقَوْلُهُ: تَكْرَارُ أَيْ مَعَ قَوْلِهِ: وَعَلَى مَا فَرَّطَ فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ قَدَّرَ الشَّارِحُ فَقَالَ: وَالْمُدَبَّرُ فِي الصِّحَّةِ مُبَدَّأٌ أَيْضًا عَلَى مَا فَرَّطَ فِيهِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: فَتَعْلَمُ أَنَّ الثُّلُثَ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ] أَيْ فَيُقَسَّمُ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَهَذَا إنْ لَمْ يُجِزْ الْوَارِثُ الْوَصَايَا، وَأَمَّا إنْ أَجَازَهَا فَيَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ اثْنَيْنِ وَالْمُوصَى لَهُ بِالرُّبْعِ وَاحِدًا وَيَفْضُلُ وَاحِدٌ يَأْخُذُهُ الْوَارِثُ.
وَذَكَرَ تت مِثَالَ التَّبَايُنِ فَنَذْكُرُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ مَزِيدِ الْفَائِدَةِ فَقَالَ: قَوْلُهُ وَإِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ إلَخْ كَأَنْ يُوصِيَ لِشَخْصٍ بِنِصْفِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِثُلُثِهِ، فَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ اقْتَسَمَا الْمَالَ عَلَى النِّصْفِ وَالثُّلُثِ إلَّا أَنَّ مَقَامَ النِّصْفِ مِنْ اثْنَيْنِ وَالثُّلُثِ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَهُمَا مُتَبَايِنَانِ فَتَضْرِبُ اثْنَيْنِ فِي ثَلَاثَةٍ يَحْصُلُ سِتَّةٌ لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَانِ وَيَفْضُلُ وَاحِدٌ لِلْوَارِثِ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهَا اقْتَسَمَا الثُّلُثَ عَلَى النِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَهُمَا مُتَبَايِنَانِ وَمَقَامُهَا مِنْ سِتَّةٍ لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَانِ يَقْتَسِمَانِ الثُّلُثَ عَلَى خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَلِلرَّجُلِ الرُّجُوعُ] بِقَوْلٍ كَرَجَعْتُ عَنْهَا أَوْ أَبْطَلْتهَا أَوْ لَا تُعْطُوهُ مَا أَوْصَيْت بِهِ أَوْ فِعْلٍ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالِاسْتِيلَادِ وَحَصْدِ الزَّرْعِ وَنَسْجِ الْغَزْلِ وَصَوْغِ فِضَّةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ لِأَنَّهَا عِدَةٌ وَالْوَعْدُ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ وَإِنَّمَا يُنْدَبُ فَقَطْ.
وَقَوْلُهُ: وَلَوْ سَفِيهًا الْأَوْلَى الْمُبَالَغَةُ عَلَى الرَّشِيدِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ عِتْقٍ وَغَيْرِهِ] أَيْ أَنَّهُ إنْ أَوْصَى بِعِتْقٍ أَوْ تَدْبِيرٍ كَمَا يَشْمَلُهُ قَوْلُهُ وَغَيْرُهُ.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ إلَخْ] وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا فِي تَحْقِيقِ الْمَبَانِي عَنْ الْفَاكِهَانِيِّ وَبَهْرَامَ.
[قَوْلُهُ: وَفِيهِ خِلَافٌ] وَاَلَّذِي بِهِ الْعَمَلُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ، وَصَحَّحَ بَعْضُهُمْ الْعَمَلَ بِالشَّرْطِ [قَوْلُهُ: فِيمَا بَتَّلَ عِتْقَهُ] وَكَذَا مَا بَتَّلَهُ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ حَبْسٍ فَإِنَّهُ لَازِمٌ لَا رُجُوعَ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ أَقُولُ: وَكَوْنُ هَذَا ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ وَاضِحٍ إذْ مَا بَتَّلَ عِتْقَهُ لَا يُقَالُ فِيهِ إنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِهِ.
[قَوْلُهُ: كَالزَّكَاةِ] أَيْ وَكَالدُّيُونِ الَّتِي لَا شَاهِدَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا عَلِمْت بِاعْتِرَافِهِ وَإِيصَائِهِ بِإِخْرَاجِهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا لِاعْتِرَافِهِ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَا وَجَبَ] أَيْ وَأَوْصَى بِهِ لَا رُجُوعَ فِيهِ أَيْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّفْصِيلِ.
[التَّدْبِير وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ]
[قَوْلُهُ: ثُمَّ عَقَّبَ الْوَصِيَّةَ بِالتَّدْبِيرِ] حُكْمُ التَّدْبِيرِ الِاسْتِحْبَابُ وَالتَّدْبِيرُ عَقْدٌ يُوجِبُ عِتْقَ مَمْلُوكٍ مِنْ ثُلُثِ مَالِكِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِعَقْدٍ لَازِمٍ، فَقَوْلُهُ: بَعْدَ مَوْتِهِ يَخْرُجُ بِهِ الْمُلْتَزِمُ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ الْمُبَتَّلِ فِيهِ فَإِنَّهُ لَازِمٌ لَهُ إذَا لَمْ يَمُتْ.
وَقَوْلُهُ: بِعَقْدٍ لَازِمٍ مُتَعَلِّقٌ بِ يُوجِبُ أَخْرَجَ بِهِ الْوَصِيَّةَ.
[قَوْلُهُ: لِقُرْبِ حَقِيقَتِهِ] أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَقْدٌ يَتَعَلَّقُ بِتَنْفِيذِ قُرْبَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي] قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: مَأْخُوذٌ مِنْ إدْبَارِ الْحَيَاةِ وَدُبُرُ كُلِّ شَيْءٍ مَا وَرَاءَهُ بِسُكُونِ الْبَاءِ
كَقَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي إنْ أَرَادَ بِهِ التَّدْبِيرَ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ فَهِيَ وَصِيَّةٌ.
الثَّانِي: الْمُدَبِّرُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ وَالرُّشْدُ.
الثَّالِثُ: الْمُدَبَّرُ بِفَتْحِهَا وَهُوَ مَنْ فِيهِ شَائِبَةُ رِقٍّ مِنْ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا
(ثُمَّ) إذَا دَبَّرَ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ عَبْدَهُ (لَا يَجُوزُ لَهُ) بَعْدَ ذَلِكَ (بَيْعُهُ) فَإِنْ بِيعَ فُسِخَ بَيْعُهُ وَصَارَ مُدَبَّرًا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ هَذَا إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ عِتْقٌ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي مَضَى وَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ.
ج: قَوْلُهُ: ثُمَّ إلَخْ يُرِيدُ إلَّا فِي دَيْنٍ سَابِقٍ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْبَيْعِ بَلْ وَكَذَلِكَ هِبَتُهُ وَالصَّدَقَةُ بِهِ.
(وَلَهُ) أَيْ لِلرَّجُلِ الَّذِي دَبَّرَ عَبْدَهُ (خِدْمَتُهُ) بِمَعْنَى اسْتِخْدَامِهِ لِأَنَّهُ سَيِّدُهُ إلَى أَنْ
[حاشية العدوي]
وَضَمِّهَا، وَالْجَارِحَةُ بِالضَّمِّ لَا غَيْرُ وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ الضَّمَّ فِي غَيْرِهَا.
وَقَالَ ك: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: التَّدْبِيرُ عِتْقُ الْعَبْدِ عَنْ دُبُرِ صَاحِبِهِ اهـ. فَقَوْلُهُ: أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي مَعْنَاهُ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ إدْبَارٍ كَائِنٍ مِنِّي أَيْ بَعْدَ إدْبَارٍ كَائِنٍ مِنِّي، أَيْ أَوْ دَبَّرْتُكَ أَوْ أَنْتَ عَتِيقٌ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي مِنْ كُلِّ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ عَلَى مَوْتِهِ لَا عَلَى وَجْهِ الْوَصِيَّةِ بَلْ عَلَى وَجْهِ التَّحَتُّمِ وَاللُّزُومِ بِخِلَافِ تَقْيِيدِهِ بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ كَقَوْلِهِ: إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ سَفَرِي هَذَا فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ، فَهُوَ وَصِيَّةٌ لَا تَدْبِيرٌ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ بَعْدَ الصِّيغَةِ الصَّرِيحَةِ مَا لَمْ أُغَيِّرْ ذَلِكَ أَوْ أَرْجِعْ فَإِنَّهُ يَنْقَلِبُ وَصِيَّةً.
[قَوْلُهُ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي] أَيْ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ يَوْمَ أَمُوتُ.
[قَوْلُهُ: وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ وَالرُّشْدُ] فَخَرَجَ بِالتَّكْلِيفِ الْمَجْنُونُ وَالصَّبِيُّ وَلَوْ مُمَيِّزًا فَلَا يَلْزَمُ، وَيَصِحُّ مِنْ الْمُمَيِّزِ كَوَصِيَّتِهِ فَإِنْ قِيلَ: فَائِدَةُ الصِّحَّةِ التَّوَقُّفُ عَلَى رِضَا الْوَلِيِّ وَرَدُّهُ مَعَ أَنَّهُ هُنَا لَيْسَ لَهُ الْإِمْضَاءُ لِأَنَّ فِيهِ إتْلَافًا لِمَالِهِ فَمَا فَائِدَةُ صِحَّتِهِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ فَائِدَتَهُ فِي أَنَّهُ إذَا بَلَغَ يَكُونُ لَهُ رَدُّهُ وَإِمْضَاؤُهُ وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ: تَكْلِيفُ السَّكْرَانِ وَلَوْ طَافِحًا بِحَرَامٍ لَا بِحَلَالٍ فَلَا يَلْزَمُ الطَّافِحَ، وَخَرَجَ بِالرُّشْدِ الْعَبْدُ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِالْأَصَالَةِ وَكَذَا السَّفِيهُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَلَوْ اتَّسَعَ مَالُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ، وَكَذَا الْمُهْمِلُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ
وَأَمَّا عِنْدَ مَالِكٍ فَيَلْزَمُهُ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِجَازَةِ عِنْدَهُ وَالْمَرْأَةُ غَيْرُ ذَاتِ الزَّوْجِ كَالرَّجُلِ، وَأَمَّا ذَاتُ الزَّوْجِ إذَا دَبَّرَتْ فِيمَا زَادَ عَلَى ثُلُثِهَا فَإِنَّهُ كَذَلِكَ يَمْضِي وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهَا فِيمَا ذُكِرَ وَإِنْ لَمْ تَمْلِكْ غَيْرَ الَّذِي دَبَّرَتْهُ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى الزَّوْجِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي الرِّقِّ إلَى الْمَوْتِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ فِي التَّدْبِيرِ الْإِسْلَامُ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَدْبِيرُ الْكَافِرِ لِعَبْدِهِ الْمُسْلِمِ وَيُؤَجَّرُ لَهُ وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْكَافِرِ قَرِيبٌ مُسْلِمٌ فَيَكُونُ الْوَلَاءُ لَهُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ السَّيِّدُ فَيَرْجِعُ لَهُ الْوَلَاءُ، وَأَمَّا تَدْبِيرُ الْكَافِرِ عَبْدَهُ الْكَافِرَ فَلَا يَلْزَمُهُ وَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ فَإِذَا دَبَّرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ تَقَاوَيَاهُ فَإِنْ صَارَ لِلْمُدَبَّرِ صَارَ كُلُّهُ مُدَبَّرًا وَإِلَّا صَارَ كُلُّهُ رَقِيقًا.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ فِيهِ شَائِبَةُ رِقٍّ] أَيْ خَالِطَةُ رِقٍّ بِمَعْنَى مُخْتَلِطَةٍ أَيْ حَالَةٍ مُخْتَلِطَةٍ بِحُرِّيَّةٍ وَتِلْكَ الْحَالَةُ هِيَ الرِّقِّيَّةُ أَوْ حَالَةٌ مَخْلُوطَةٌ بِحُرِّيَّةٍ وَهِيَ الرِّقِّيَّةُ فَظَهَرَ أَنَّ الْإِضَافَةَ لِلْبَيَانِ وَأَنَّ فَاعِلَةً إمَّا بَاقِيَةٌ عَلَى أَصْلِهَا أَوْ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ، فَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقُ لِأَجَلٍ يَجُوزُ تَدْبِيرُهُمَا وَثَمَرَتُهُ ظَاهِرَةٌ فِي الْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ عَلَى تَقْدِيرِ الْمَوْتِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ، وَلَا يَظْهَرُ لَهُ ثَمَرَةٌ فِي أُمِّ الْوَلَدِ فَإِنْ قُلْت: لَا يَشْمَلُ كَلَامُهُ الْقِنَّ قُلْت: هُوَ مَفْهُومٌ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ] لَا يُقَالُ يُشْكِلُ عَلَى حُرْمَةِ الْبَيْعِ جَوَازُ الْمُقَاوَاةِ إذَا دَبَّرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حِصَّتَهُ، وَفِيهَا بَيْعُ الْمُدَبَّرِ لِأَنَّ جَوَازَ الْمُقَاوَاةِ مُسْتَثْنًى مِنْ حُرْمَةِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ مَعَ احْتِمَالِ صَيْرُورَتِهِ مُدَبَّرَ الْجَمِيعِ [قَوْلُهُ: فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي مَضَى] أَيْ إذَا نَجَزَ عِتْقَهُ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَكُونُ مَاضِيًا مَعَ الْعِتْقِ، وَكَانَ الْوَلَاءُ لِمُعْتِقِهِ أَمَّا لَوْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ مَوْتِ مُدَبِّرِهِ فَلَا يَمْضِي لِأَنَّ الْوَلَاءَ انْعَقَدَ لِمُدَبِّرِهِ، أَمَّا بِحَمْلِ الثُّلُثِ لِجَمِيعِهِ فَيُعْتَقُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضِهِ فَيُعْتَقُ بَعْضُهُ.
[قَوْلُهُ: إلَّا فِي دَيْنٍ سَابِقٍ] أَيْ عَلَى التَّدْبِيرِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَجْعَلُهُ فِي الدَّيْنِ، أَيْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَوْ فِي حَالِ حَيَاةِ السَّيِّدِ، وَأَمَّا الدَّيْنُ الْمُتَأَخِّرُ عَنْ التَّدْبِيرِ فَلَا يُبَاعُ فِيهِ الْمُدَبَّرُ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ وَيُبَاعُ فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ قَالَ عج:
وَيُبْطِلُ التَّدْبِيرَ دَيْنٌ سَبَقَا ... إنْ سَيِّدٌ حَيًّا وَإِلَّا مُطْلَقَا
وَإِنَّمَا بَطَلَ التَّدْبِيرُ بِالدَّيْنِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ مَوْتِ السَّيِّدِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُدَبَّرَ لَا يُعْتَقُ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى
يَمُوتَ فَحِينَئِذٍ يُعْتَقُ (وَلَهُ) أَيْضًا (انْتِزَاعُ مَالِهِ مَا لَمْ يَمْرَضْ) السَّيِّدُ مَرَضًا مَخُوفًا لِقُوَّةِ الرِّقِّ فِيهِ، أَمَّا إنْ كَانَ مَخُوفًا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُنْتَزَعُ لِغَيْرِهِ (وَلَهُ) أَيْضًا (وَطْؤُهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً) لِأَنَّهَا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ فَإِنْ حَمَلَتْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ
(وَلَا يَطَأُ) الْأَمَةَ (الْمُعْتَقَةَ إلَى أَجَلٍ) مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: اُخْدُمِينِي سَنَةً وَأَنْتِ حُرَّةٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَجِيءُ الْأَجَلُ قَبْلَ مَوْتِهِ فَتَخْرُجُ حُرَّةً، فَإِذَا وَطِئَهَا قَدْ تَحْمِلُ فَلَا تَخْرُجُ حُرَّةً إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ نِكَاحَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُشْبِهُ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ فَإِنْ وَطِئَهَا فَقَدْ فَعَلَ مَا لَا يَجُوزُ فَيُؤَدَّبُ عَلَى هَذَا وَلَا يُحَدُّ وَيَلْحَقُ الْوَلَدُ بِهِ وَتَسْقُطُ خِدْمَتُهَا بِذَلِكَ فَيُعَجَّلُ عِتْقُهَا حِينَئِذٍ (وَ) كَمَا أَنَّهُ لَا يَطَأُ الْأَمَةَ الْمُعْتَقَةَ إلَى أَجَلٍ (لَا يَبِيعُهَا) وَلَا يَهَبُهَا وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهَا لِأَنَّ فِيهَا عَقْدًا مِنْ عُقُودِ الْحُرِّيَّةِ (وَلَهُ) أَيْضًا (أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا فِي بَيْتِهِ) لِأَنَّهُ لِذَلِكَ أَعْتَقَهَا (وَ) لَهُ أَيْضًا أَنْ (يَنْزِعَ مَالَهَا) الَّذِي أَفَادَتْهُ بِهِبَتِهِ مِثْلًا وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِ (بِمَا) إذَا (لَمْ يَقْرُبْ الْأَجَلُ) وَلَا حَدَّ فِي الْقُرْبِ إلَّا مَا يُقَالُ قَرِيبٌ
(وَإِذَا مَاتَ) الرَّجُلُ الْمُدَبِّرُ (فَ) الْعَبْدُ (الْمُدَبَّرُ) فِي الصِّحَّةِ يَخْرُجُ (مِنْ ثُلُثِهِ) أَيْ مِنْ ثُلُثِ مَالِ السَّيِّدِ مُطْلَقًا أَعْنِي مِنْ مَالٍ عُلِمَ بِهِ وَمَالٍ
[حاشية العدوي]
اسْتِخْدَامِهِ] الْأَوْلَى: تَبْقِيَةُ الْعِبَارَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ لِأَنَّهُ عَلَى مِلْكِهِ إلَى أَنْ يَمُوتَ [قَوْلُهُ: أَمَّا إنْ كَانَ مَخُوفًا إلَخْ] هَذَا فِيمَا اسْتَفَادَهُ مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ صَدَاقٍ إنْ كَانَ الْمُدَبَّرُ أُنْثَى، وَأَمَّا مَا اسْتَفَادَهُ الْمُدَبَّرُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ أَوْ خَرَاجِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِسَيِّدِهِ انْتِزَاعُهُ وَلَوْ مَرِضَ لِأَنَّهُ مِنْ أَمْوَالِهِ، وَمِثْلُهُ مَا اسْتَفَادَهُ مِنْ نَحْوِ هِبَةٍ إذَا شَرَطَ انْتِزَاعَ مَالِهِ فِي الْمَرَضِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِهِ.
تَنْبِيهٌ: مِثْلُ الْمُدَبَّرِ فِي عَدَمِ جَوَازِ انْتِزَاعِ مَالِهِ أُمُّ الْوَلَدِ فَلَا يَجُوزُ لِسَيِّدِهَا إذَا مَرِضَ انْتِزَاعُ مَالِهَا وَالْمُعْتَقُ لِأَجَلٍ، وَقَدْ قَرُبَ الْأَجَلُ وَالْمُكَاتَبُ مُطْلَقًا وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ وَالْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا صَارَ مَدِينًا ذَكَرَ مَعْنَاهُ تت وَبَعْضُهُ بِاللَّفْظِ.
[قَوْلُهُ: وَطْؤُهَا] أَيْ النَّسَمَةِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ] أَيْ عَلَى أَصْلٍ هُوَ الْإِبَاحَةُ [قَوْلُهُ: فَإِنْ حَمَلَتْ] أَيْ وَإِذَا لَمْ تَحْمِلْ تُعْتَقُ مِنْ الثُّلُثِ وَكَمَا لَهُ انْتِزَاعُ مَالِهِ لَهُ كِتَابَتُهُ وَرَهْنُهُ عَلَى أَنْ يُبَاعَ لِلْغُرَمَاءِ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ فِي الدَّيْنِ السَّابِقِ عَلَى التَّدْبِيرِ لَا الْمُتَأَخِّرِ فَلَا، وَأَمَّا عَلَى أَنْ يُبَاعَ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ فَيَجُوزُ مُطْلَقًا.
[قَوْلُهُ: فَإِذَا وَطِئَهَا قَدْ تَحْمِلُ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ أَنْ يُقَالَ: تَخْرُجُ حُرَّةً بِالْأَقْوَى وَهُوَ مُضِيُّ الْأَجَلِ.
[قَوْلُهُ: يُشْبِهُ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ] أَيْ لِاحْتِمَالِ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ قَبْلَ مَوْتِهِ فَتَخْرُجُ حُرَّةً.
[قَوْلُهُ: فَيُؤَدَّبُ إلَخْ] وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَدَبِ فَهَلْ يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ فِي وَطْءِ الْمُكَاتَبَةِ أَمْ لَا قَالَهُ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ [قَوْلُهُ: فَيُعَجِّلُ عِتْقَهَا] اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ فَإِذَا وَطِئَهَا قَدْ تَحْمِلُ فَلَا تَخْرُجُ حُرَّةً إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّ بَيْنَهُمَا تَنَافِيًا، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ إشَارَةٌ إلَى قَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْقَوْلِ بِالتَّعْجِيلِ وَهُوَ مَا هُنَا، وَالْقَوْلِ بِعَدَمِهِ وَهُوَ مَا أَشَارَ لَهُ أَوَّلًا بَيَّنَهُ تت بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ: لَا يُعَجِّلُ لِبَقَاءِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا لَهُ إنْ جُرِحَتْ وَقِيمَتِهَا إنْ قُتِلَتْ وَلَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا سَوَاءٌ عَجَّلَ عِتْقَهَا أَوْ بَقِيَتْ إلَى أَجَلِهَا قَالَهُ تت.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لِذَلِكَ أَعْتَقَهَا] الظَّاهِرُ أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ لِذَلِكَ لَامُ الْعَاقِبَةِ وَعِبَارَةُ بَعْضٍ لِبَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْأَجَلُ [قَوْلُهُ: الَّذِي أَفَادَتْهُ بِهِبَةٍ مَثَلًا] وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ خَرَاجِهَا وَكَسْبِهَا وَأَرْشِ جِنَايَةٍ عَلَيْهَا فَلَهُ انْتِزَاعُهُ وَإِنْ قَرُبَ الْأَجَلُ [قَوْلُهُ: وَلَا حَدَّ فِي الْقُرْبِ إلَخْ] هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا تت، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْقُرْبَ كَالشَّهْرِ وَظَاهِرُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ تَرْجِيحُهُ، وَأُدْخِلَتْ الْكَافُ أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ عَلَى قَوْلٍ أَوْ شَهْرٍ عَلَى آخَرَ، وَأُقْحِمَ الْكَلَامُ عَلَى أَحْكَامِ الْمُعْتَقَةِ لِأَجَلٍ فِي خِلَالِ أَحْكَامِ الْمُدَبَّرِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُنَاسَبَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ.
[قَوْلُهُ: يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ] بِأَنْ كَانَ مَالُ السَّيِّدِ كَثِيرًا وَلَا دَيْنَ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ وَإِلَّا رَجَعَ رَقِيقًا، وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُتَأَخِّرًا عَنْ التَّدْبِيرِ وَشَرْطُ عِتْقِ الْمُدَبَّرِ أَلَّا يَقْتُلَ سَيِّدَهُ عَمْدًا عُدْوَانًا، فَإِنْ قَتَلَهُ عَمْدًا عُدْوَانًا أَيْ لَا فِي بَاغِيَةٍ فَإِنَّ تَدْبِيرَهُ يَبْطُلُ إنْ اسْتَحْيَاهُ الْوَرَثَةُ، أَمَّا لَوْ قَتَلَ سَيِّدَهُ خَطَأً فَإِنَّ تَدْبِيرَهُ لَا يَبْطُلُ وَيُعْتَقُ فِي مَالِ السَّيِّدِ الَّذِي تَرَكَهُ وَلَمْ يُعْتَقْ فِي الدِّيَةِ وَهِيَ دَيْنٌ عَلَيْهِ لَيْسَ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِنْهَا شَيْءٌ
لَمْ يُعْلَمْ بِهِ، وَالْمُدَبَّرُ فِي الْمَرَضِ يُخْرَجُ مِنْ ثُلُثِهِ مِنْ مَالٍ عُلِمَ بِهِ فَقَطْ (وَ) أَمَّا (الْمُعْتَقُ إلَى أَجَلٍ) فَإِنَّهُ يُخَالِفُ الْمُدَبَّرَ فَيُخْرَجُ (مِنْ رَأْسِ مَالِهِ)
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْكِتَابَةِ فَقَالَ: (وَالْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ) مِنْ كِتَابَتِهِ وَلَوْ قَلَّ لَمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ فِي كِتَابَتِهِ دِرْهَمٌ» وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُؤَخِّرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَنْ قَوْلِهِ: (وَالْكِتَابَةُ) وَهِيَ إعْتَاقُ الْعَبْدِ عَلَى مَالٍ مُنَجَّمٍ (جَائِزَةٌ) لَمْ يُخَالِفْ أَحَدٌ فِي جَوَازِهَا وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ أَوْ مُبَاحَةٌ أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، قَالُوا: وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ جَائِزَةٌ (عَلَى مَا رَضِيَهُ الْعَبْدُ وَالسَّيِّدُ مِنْ الْمَالِ) دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا الْكِتَابُ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] وَالسُّنَّةُ فِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ وَالْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ وَلَهَا أَرْكَانٌ أَرْبَعَةٌ، الْأَوَّلُ: السَّيِّدُ وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ وَأَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ فَخَرَجَ بِالتَّكْلِيفِ الصَّبِيُّ
[حاشية العدوي]
لِأَنَّهُ إنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ وَهُوَ مَمْلُوكٌ، وَصِفَةُ خُرُوجِهِ مِنْ الثُّلُثِ أَنَّهُ يُقَوَّمُ مَعَ مَالِهِ لِأَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ كَطُولٍ، وَالْعِبْرَةُ بِيَوْمِ النَّظَرِ لَا يَوْمِ مَوْتِ السَّيِّدِ فَيُقَالُ: كَمْ يُسَاوِي عَلَى أَنَّ لَهُ مِنْ الْمَالِ كَذَا فَتَارَةً يَحْمِلُهُ الثُّلُثُ فَيُعْتَقُ كُلُّهُ كَمَا إذَا كَانَ مَالُهُ مِائَةً وَقِيمَتُهُ مِائَةً وَتَرَكَ السَّيِّدُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَيُقَرُّ مَالُهُ بِيَدِهِ، وَتَارَةً يَحْمِلُ الثُّلُثُ بَعْضَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ يَصِيرُ حُرًّا وَيَرِقُّ بَاقِيهِ وَيُتْرَكُ مَالُهُ بِيَدِهِ مِلْكًا لَهُ لَيْسَ لِوَرَثَتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ مَالُ مُبَعِّضٍ وَالْمُبَعِّضُ لَا يُنْتَزَعُ مَالُهُ، مِثَالُهُ لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً وَمَالُهُ مِائَةً وَتَرَكَ سَيِّدُهُ مِائَةً فَإِنَّهُ يُعْتَقُ نِصْفُهُ لِأَنَّ قِيمَتَهُ بِمَالِهِ مِائَتَانِ وَثُلُثُ السَّيِّدِ مِائَةٌ وَهِيَ نِصْفُ الْمِائَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا قِيمَتُهُ بِمَالِهِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِيَوْمِ النَّظَرِ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ هَلَكَ بَعْضُ مَالِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ التَّنْفِيذِ فَإِنَّمَا يُنْظَرُ لِلْبَاقِي مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ رَأْسِ مَالِهِ] فَلَيْسَ كَالْمُدَبَّرِ وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّدْبِيرَ جَارٍ مَجْرَى الْوَصِيَّةِ فَلَا تُخْرَجُ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ، وَأَمَّا الْعِتْقُ إلَى أَجَلٍ فَهُوَ لَازِمٌ فَلِذَا خَرَجَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
[الْكِتَابَة وَمَا يَتَعَلَّق بِهَا]
[قَوْلُهُ: ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْكِتَابَةِ] عَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: عِتْقٌ عَلَى مَالٍ مُؤَجَّلٍ مِنْ الْعَبْدِ مَوْقُوفٌ عَلَى أَدَائِهِ فَيَخْرُجُ الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ مُعَجَّلٍ يَدْفَعُهُ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ لِيُعْتِقَهُ سَرِيعًا فَيُقَالُ لَهُ قِطَاعَةٌ، وَيَخْرُجُ الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ مُؤَجَّلٍ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَيَخْرُجُ الْعِتْقُ عَلَى غَيْرِ مَالٍ وَهُوَ الْعِتْقُ الْمُبَتَّلُ وَالْعِتْقُ إلَى أَجَلٍ.
[قَوْلُهُ: وَالْمُكَاتَبُ عَبْدٌ] تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ لِأَنَّهُ وَإِنْ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ بِحَيْثُ لَا يَحْجُرُ عَلَيْهِ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِتَنْمِيَةِ الْمَالِ إلَّا أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّبَرُّعِ كَالْهِبَةِ مِمَّا فِيهِ ضَيَاعُ الْمَالِ.
[قَوْلُهُ: لَمَا صَحَّ إلَخْ] فَالْمُصَنِّفُ ذَكَرَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ [قَوْلُهُ: وَكَانَ حَقُّهُ إلَخْ] أُجِيبُ بِأَنَّهُ كَالدَّلِيلِ عَلَى مَا بَعْدَهُ لِأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ» إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ إعْتَاقُ الْعَبْدِ إلَخْ] مِمَّا تَقَدَّمَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ غَيْرُ مَانِعٍ [قَوْلُهُ: وَهِيَ إعْتَاقُ إلَخْ] مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ [قَوْلُهُ: لَمْ يُخَالِفْ أَحَدٌ فِي جَوَازِهَا إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ مُفَادَ هَذَا أَنَّهُ أَرَادَ بِالْجَوَازِ الْإِذْنَ الصَّادِقَ بِالْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ] وَمَحَلُّ النَّدْبِ حَيْثُ كَانَ الْعَبْدُ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْكَسْبِ، وَأَمَّا مُكَاتَبَةُ الصَّغِيرِ وَمَنْ لَا مَالَ لَهُ فَجَائِزَةٌ مِنْ غَيْرِ نَدْبٍ بِنَاءً عَلَى جَبْرِ الرَّقِيقِ عَلَى الْكِتَابَةِ، فَإِنْ قِيلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: 33] يَقْتَضِي وُجُوبَهَا، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ صَرَفَ الْأَمْرَ عَنْ الْوُجُوبِ إلَى النَّدْبِ الرِّفْقُ بِالسَّادَةِ لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْوُجُوبِ لَتَسَلَّطَ الْعَبِيدُ عَلَى السَّادَاتِ فَيَضُرُّ بِهِمْ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ إلَخْ] أَيْ فَلَمْ يُرِدْ بِالْجَوَازِ اسْتِوَاءَ الطَّرَفَيْنِ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْإِذْنُ الْمُتَحَقِّقُ فِي النَّدْبِ أَوْ النَّدْبُ مِنْ أَوَّلِ الْأَمَلِ عَلَى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى مَا رَضِيَهُ الْعَبْدُ وَالسَّيِّدُ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْكِتَابَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ بِالْجَبْرِ وَسَبَبُ الْخِلَافِ كَوْنُ الْكِتَابَةِ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ فَلَا يُجْبَرُ أَوْ مِنْ بَابِ الْعِتْقِ فَيُجْبَرُ.
[قَوْلُهُ: إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا] قَالَ تت: اُخْتُلِفَ هَلْ الْمُرَادُ بِالْخَيْرِ الْمَالُ أَوْ الْكَسْبُ وَالْأَمَانَةُ اهـ.
[قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ إلَخْ] مَا زَائِدَةٌ أَيْ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ أَيْ فِي أَكْثَرَ مِنْ حَدِيثٍ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ الْمُكَاتَبُ إلَخْ [قَوْلُهُ: وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ وَأَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ] وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِسْلَامُ عَلَى الرَّاجِحِ لِأَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ صِحَّةُ كِتَابَةِ الْكَافِرِ لِعَبْدِهِ الْمُسْلِمِ وَيُبَاعُ عَلَيْهِ مِنْ مُسْلِمٍ كَالْكِتَابَةِ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ كِتَابَتِهِ.
[قَوْلُهُ: فَخَرَجَ
وَالْمَجْنُونُ وَبِأَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ.
الثَّانِي: الصِّيغَةُ وَهِيَ كُلُّ لَفْظٍ فُهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى نَحْوُ كَاتَبْتُك.
الثَّالِثُ: الْعِوَضُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُنَجَّمًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (مُنَجَّمًا) ك: عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا تَكُونُ حَالَّةً وَالْكِتَابَةُ عِنْدَ النَّاسِ مُنَجَّمَةٌ فَإِنْ وَقَعَتْ مُبْهَمَةً نُجِّمَتْ عَلَى الْعَبْدِ وَالتَّنْجِيمُ التَّقْدِيرُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لَهُ تُعْطِينِي فِي كُلِّ شَهْرٍ أَوْ فِي كُلِّ سَنَةٍ كَذَا عَلَى مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ.
(قَلَّتْ النُّجُومُ أَوْ كَثُرَتْ) وَفِي الْجَوَاهِرِ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: وَعُلَمَاؤُنَا النُّظَّارُ يَقُولُونَ: إنَّ الْكِتَابَةَ الْحَالَّةَ جَائِزَةٌ وَهُوَ الْقِيَاسُ.
وَصَرَّحَ ع بِمَشْهُورِيَّتِهِ.
الرَّابِعُ: الْعَبْدُ وَلَهُ شَرْطَانِ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا عَلَى الْأَدَاءِ وَأَنْ يُكَاتِبَهُ كُلَّهُ فَلَوْ كَاتَبَ نِصْفَهُ لَمْ يَصِحَّ وَكَذَا لَوْ كَاتَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَإِنْ أَذِنَ شَرِيكُهُ، وَلَوْ كَاتَبَاهُ عَلَى مَالٍ وَاحِدٍ جَازَ وَانْقَسَمَتْ عَلَى قَدْرِ مَالِهِمَا
(فَإِنْ عَجَزَ) الْمُكَاتَبُ عَنْ الْعِوَضِ (رَجَعَ) إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ (رَقِيقًا) وَلَا يُعْتَقُ مِنْهُ شَيْءٌ.
ك: وَاخْتَلَفَ هَلْ مِنْ شَرْطِهَا أَيْ الْكِتَابَةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ إذَا عَجَزْت رَجَعْت رَقِيقًا أَوْ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُوجِبُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ (وَحَلَّ لَهُ) أَيْ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ إذَا عَجَزَ (مَا أَخَذَهُ مِنْهُ) لِأَنَّهُ
[حاشية العدوي]
بِالتَّكْلِيفِ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ] فَلَا تَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا عِتْقٌ وَلَا مِنْ مَجْنُونٍ.
وَقَوْلُهُ: وَبِأَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فَلَا تَصِحُّ مِنْهُ كَذَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ، وَفِي بَعْضِ شُرُوحِ خَلِيلٍ صِحَّتُهَا مِنْ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَالزَّوْجَةِ وَالْمَرِيضِ فِي زَائِدِ الثُّلُثِ إلَّا أَنَّهَا مُتَوَقِّفَةٌ وَلَيْسَتْ بَاطِلَةً كَمَا فِي الْعِتْقِ، قُلْت: يُحْمَلُ مَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ عِتْقٌ، وَمَا فِي بَعْضِ شُرُوحِ خَلِيلٍ عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ وَتَصِحُّ مِنْ السَّكْرَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا عِتْقٌ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْحُرِّيَّةِ وَتَبْطُلُ عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ.
[قَوْلُهُ: فُهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى] وَهُوَ إعْتَاقُ الْعَبْدِ عَلَى مَالٍ [قَوْلُهُ: نَحْوِ كَاتَبْتُك] أَيْ أَوْ أَنْتَ مُكَاتَبٌ أَوْ أَنْتَ مُعْتَقٌ عَلَى كَذَا أَوْ بِعْتُك نَفْسَك بِكَذَا، وَانْظُرْ لَوْ تَرَكَ قَوْلَهُ: بِكَذَا هَلْ تَبْطُلُ الْكِتَابَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ أَوْ تَصِحُّ وَيَكُونُ لَهُ كِتَابَةُ الْمِثْلِ.
وَشَارِحُنَا سَكَتَ عَنْهُ فَظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ وَيَرْجِعُ لِكِتَابَةِ الْمِثْلِ.
[قَوْلُهُ: وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُنَجَّمًا] أَيْ يَلْزَمُ التَّنْجِيمُ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ بِغَيْرِ تَنْجِيمٍ كَانَتْ صَحِيحَةً وَتُنَجَّمُ [قَوْلُهُ: الْكِتَابَةُ عِنْدَ النَّاسِ مُنَجَّمَةٌ] الْمُرَادُ بِهِمْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ كَمَا أَفَادَهُ تت، فَإِذَا اشْتَرَطَا التَّعْجِيلَ فَيَكُونُ قُطَاعَةً لَا كِتَابَةً وَهِيَ جَائِزَةٌ [قَوْلُهُ: قَلَّتْ النُّجُومُ أَوْ كَثُرَتْ] ظَاهِرُ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ بِالنُّجُومِ اشْتِرَاطُ تَعَدُّدِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُعْتَمَدُ صِحَّةُ جَعْلِهَا نَجْمًا وَاحِدًا.
[قَوْلُهُ: وَعُلَمَاؤُنَا النُّظَّارُ] أَيْ الْحُفَّاظُ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَالنَّاظِرُ الْحَافِظُ اهـ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ هُنَا أَهْلُ الْبَحْثِ وَالرَّدِّ عَلَى الْأَخْصَامِ.
[قَوْلُهُ: إلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ الْحَالَّةَ جَائِزَةٌ] قَائِلُ ذَلِكَ يَقُولُ: إنَّهَا كَالْبَيْعِ تَقْبَلُ الْحُلُولَ وَالتَّأْجِيلَ غَيْرَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ التَّأْجِيلُ، لَكِنَّ قَضِيَّتَهُ أَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ حَالَّةً عِنْدَ غَيْرِ هَذَا الْقَائِلِ لَا تَكُونُ جَائِزَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا تَكُونُ قُطَاعَةً وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ نَاجِي نَقْلًا عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ: إنَّ قَوْلَ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِهَا حَالَّةً بَلْ عَلَى عَدَمِ صِدْقِ الْكِتَابَةِ عَلَيْهَا.
[قَوْلُهُ: وَصَرَّحَ ابْنُ عُمَرَ إلَخْ] ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا عَلَى الْأَدَاءِ] وَأَمَّا الصَّغِيرُ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْأَدَاءِ فَلِابْنِ الْقَاسِمِ لَا بَأْسَ بِكِتَابَتِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلِأَشْهَبَ يُمْنَعُ وَيُفْسَخُ إلَّا أَنْ تَفُوتَ بِالْأَدَاءِ فَكَلَامُ الشَّارِحِ آتٍ عَلَى كَلَامِ أَشْهَبَ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ يُكَاتِبَهُ كُلَّهُ] أَيْ وَمُعْتَقُ الْبَعْضِ يَجُوزُ كِتَابَةُ بَعْضِهِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى مَالٍ وَاحِدٍ] الْمُرَادُ يَعْقِدُ مَعَهُ عَقْدًا وَاحِدًا عَلَى مَالٍ وَاحِدٍ أَيْ مُتَّحِدٍ قَدْرًا وَصِفَةً وَأَجَلًا وَنَجْمًا وَاقْتِضَاءً وَإِلَّا مُنِعَ، فَإِنْ شَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يَقْتَضِيَ دُونَ صَاحِبِهِ فَسَدَ الشَّرْطُ وَكَانَ مَا أَخَذَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ مَعَ رَقَبَةِ الْعَبْدِ سَوَاءٌ قَبَضَ الْكِتَابَةَ كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا، وَلَكِنَّ الْمُمْتَنِعَ فِي اتِّحَادِ الِاقْتِضَاءِ شَرْطُ خِلَافِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ يُلْغَى كَمَا عُلِمَ.
وَفِي الْخَرَشِيِّ فَإِنْ اخْتَلَفَ الْقَدْرُ أَوْ وَاحِدٌ مِمَّا بَعْدَهُ امْتَنَعَ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ اخْتَلَفَ نَصِيبُهُمَا كَثُلُثٍ وَثُلُثَيْنِ وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ اهـ. مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ جُعِلَ لَهُ اقْتِضَاءٌ يَخُصُّهُ عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهِ، وَأَمَّا لَوْ اتَّحَدَ الِاقْتِضَاءُ وَاقْتَسَمَاهُ عَلَى حَسَبِ مَا لِكُلٍّ فَلَا بَأْسَ.
[قَوْلُهُ: رَقِيقًا] أَيْ إنْ كَانَ قَبْلَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ رَقِيقًا وَإِنْ كَانَ مُدَبَّرًا، وَكَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ: رَجَعَ لِمَا
عَبْدُهُ وَهَذَا إذَا لَمْ يُعِنْهُ أَحَدٌ عَلَى كِتَابَتِهِ، أَمَّا إنْ أَعَانَهُ أَحَدٌ ثُمَّ عَجَزَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى السَّيِّدِ (وَلَا يُعَجِّزُهُ إلَّا السُّلْطَانُ بَعْدَ التَّلَوُّمِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ التَّعْجِيزِ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى التَّعْجِيزِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى السُّلْطَانِ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ لَا بُدَّ مِنْ تَعْجِيزِ السُّلْطَانِ
(وَكُلُّ ذَاتِ رَحِمٍ) أَيْ صَاحِبَةِ وَلَدٍ مِنْ الْآدَمِيَّاتِ (فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا) إذَا كَانَ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًا، أَمَّا إنْ كَانَ مِنْ السَّيِّدِ فَهُوَ حُرٌّ بِلَا خِلَافٍ إذَا كَانَ السَّيِّدُ حُرًّا وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَهُوَ عَبْدٌ بِمَنْزِلَتِهَا فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهَا مِنْ الْعِتْقِ وَالْخِدْمَةِ وَالْبَيْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (مِنْ مُكَاتَبَةٍ أَوْ مُدَبَّرَةٍ أَوْ مُعْتَقَةٍ إلَى أَجَلٍ أَوْ مَرْهُونَةٍ) ع: وَانْظُرْ هَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ بِهَذَا الْحُكْمِ أَوْ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِ مَا ذُكِرَ كَالْمُعْتَقِ بَعْضُهَا وَالْمُوصَى بِعِتْقِهَا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ: لَا يَدْخُلُ فِي كَلَامِهِ الْمُوصَى بِعِتْقِهَا إذْ كُلُّ مَا تَلِدُهُ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ لَا
[حاشية العدوي]
كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى سَيِّدٍ] أَيْ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الصَّدَقَةَ بِأَنْ قَصَدَ فِكَاكَ الرَّقَبَةِ أَوْ لَا قَصْدَ لَهُ، وَكَذَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ بِالْفَضْلَةِ إنْ خَرَجَ حُرًّا فِيمَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ قَصَدَ بِمَا دَفَعَ الصَّدَقَةَ فَلَا يَرْجِعُ بِالْفَضْلَةِ عَلَيْهِ إنْ عَتَقَ وَلَا بِمَا قَبَضَهُ السَّيِّدُ إنْ عَجَزَ [قَوْلُهُ: وَلَا يُعَجِّزُهُ إلَّا السُّلْطَانُ إلَخْ] أَيْ بَعْدَ حُلُولِ الْكِتَابَةِ كُلِّهَا.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ التَّلَوُّمِ] أَيْ لِمَنْ يُرْجَى يُسْرُهُ.
قَالَ تت.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَتَلَوَّمُ لِمَنْ لَا يُرْجَى لَهُ مَالٌ، وَالتَّلَوُّمُ التَّرَبُّصُ وَيَخْتَلِفُ فِي قِلَّتِهِ وَكَثْرَتِهِ بِقَدْرِ مَا يُرْجَى لَهُ اهـ.
[قَوْلُهُ: إذَا امْتَنَعَ مِنْ التَّعْجِيزِ] أَيْ مَعَ سَيِّدِهِ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ لَا بُدَّ مِنْ تَعْجِيزِ السُّلْطَانِ] أَيْ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى التَّعْجِيزِ أَوْ طَلَبَهُ الْعَبْدُ وَحْدَهُ فَلَا يَحْتَاجُ لِلْحَاكِمِ، وَإِنْ طَلَبَهُ السَّيِّدُ وَحْدَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ السُّلْطَانِ فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ: صُورَتَانِ لَا يَتَوَقَّفُ فِيهِمَا التَّعْجِيزُ عَلَى رَفْعِ السُّلْطَانِ، وَصُورَتَانِ يَتَوَقَّفُ فِيهِمَا الْعَجْزُ عَلَيْهِ فَالْأُولَيَانِ مَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى التَّعْجِيزِ أَوْ طَلَبَهُ الْعَبْدُ وَلَمْ يَظْهَرْ مَالٌ، وَالْأَخِيرَتَانِ مَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى التَّعْجِيزِ وَظَهَرَ لِلْعَبْدِ مَالٌ أَوْ طَلَبَ السَّيِّدُ التَّعْجِيزَ وَأَبَى الْعَبْدُ هَذَا، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْمَشْهُورِ قَوْلُ سَحْنُونَ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ فَلَا يُعَجِّزُهُ السُّلْطَانُ وَلَوْ اتَّفَقَ مَعَ سَيِّدِهِ عَلَى التَّعْجِيزِ وَرَضِيَ الْحَاكِمُ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ غَيْرُهُ كَوَلَدِهِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَعْجِيزُ نَفْسِهِ وَيُجْبَرُ عَلَى السَّعْيِ صَاغِرًا.
تَنْبِيهٌ: إذَا عَجَّزَ نَفْسَهُ يَصِيرُ رَقِيقًا كَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلًا، وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْفَاهُ عَنْ السَّيِّدِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَخْفَاهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لِأَحَدٍ حِينَ اتِّفَاقِهِمَا.
[قَوْلُهُ: وَكُلُّ إلَخْ] إنَّمَا يَكُونُ الْوَلَدُ بِمَنْزِلَةِ، أُمِّهِ إذَا وَقَعَ عَقْدُ الْكِتَابَةِ وَمَا مَعَهَا عَلَى الْأُمِّ وَهُوَ فِي بَطْنِهَا، وَأَوْلَى الْحَادِثُ بَعْدَ الْعَقْدِ.
وَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ عَنْ أُمِّهِ قَبْلَ عَقْدِ كِتَابَتِهَا أَوْ قَبْلَ تَدْبِيرِهَا أَوْ قَبْلَ عِتْقِهَا فَلَا يَكُونُ بِمَنْزِلَتِهَا.
[قَوْلُهُ: أَيْ صَاحِبَةِ وَلَدٍ] أَيْ فَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الرَّحِمَ عَلَى الْوَلَدِ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ إشَارَةً إلَى أَنَّ ذَلِكَ الْوَلَدَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ أُمِّهِ حَالٌّ فِي الرَّحِمِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْآدَمِيَّاتِ] أَيْ وَأَمَّا ذَاتُ الرَّحِمِ غَيْرُ الْآدَمِيَّةِ فَتَارَةً يَكُونُ بِمَنْزِلَتِهَا كَنِتَاجِ حِمَارَةٍ أَوْ خِنْزِيرٍ عَلَى صُورَةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَلَا يُؤْكَلُ، وَتَارَةً لَا يَكُونُ بِمَنْزِلَتِهَا كَنِتَاجِ الْأُنْثَى مِنْ الْأَنْعَامِ مِنْ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَلَا يُجْزِئُ ضَحِيَّةً.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْعِتْقِ] أَيْ يَجْرِي عَلَيْهِ الْعِتْقُ وَالْخِدْمَةُ وَالْبَيْعُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَجْرِي عَلَيْهَا وَيَتَعَلَّقُ بِهَا لِأَنَّهُ رَقِيقٌ، هَذَا حَاصِلُهُ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا أَخْدَمَ أَمَةً حَامِلًا أَنْ يَكُونَ وَلَدُهَا مُخْدَمًا مِثْلَهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَمِثْلُ وَلَدِ الْمُخْدَمَةِ فِي كَوْنِهِ لَا يَدْخُلُ فِي الْخِدْمَةِ وَلَدُ الْمُؤَجَّرَةِ لَا يَدْخُلُ فِي الْإِجَارَةِ بَقِيَ الْمُوصَى بِذَاتِهَا لِشَخْصٍ وَهِيَ حَامِلٌ وَمِثْلُهَا الْمَوْهُوبَةُ وَالْمُتَصَدَّقُ بِهَا فَإِنَّهُ يَدْخُلُ مَعَهَا إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ سَيِّدُهَا فَلَا يَدْخُلُ مَعَهَا لِصِحَّةِ اسْتِثْنَائِهِ فِي هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعْتَقَهَا أَوْ بَاعَهَا وَهِيَ حَامِلٌ فَيَدْخُلُ مَعَهَا وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ.
[قَوْلُهُ: كَالْمُعْتَقِ بَعْضُهَا] الَّذِي ذَكَرَهُ الْحَطَّابُ فِي حَاشِيَتِهِ يُفِيدُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهَا قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ] لَك أَنْ تَقُولَ: إنَّ
يَدْخُلُ مَعَهَا وَلَا يَدْخُلُ مَعَهَا إلَّا مَا تَلِدُهُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَيَعْتِقُ مَعَهَا
(وَوَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ السَّيِّدِ) بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا أُمَّ وَلَدٍ فَهُوَ (بِمَنْزِلَتِهَا) بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، أَمَّا وَلَدُهَا مِنْ غَيْرِ السَّيِّدِ قَبْلَ صَيْرُورَتِهَا أُمَّ وَلَدٍ فَرَقِيقٌ
(وَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ إلَّا أَنْ يَنْتَزِعَهُ السَّيِّدُ) ج: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ حَقِيقَةً فَيَقُومُ مِنْ كَلَامِهِ فَرْعَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَأَ جَارِيَتَهُ إذَا مَلَكَهَا وَهُوَ كَذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُزَكِّيَ الْمَالَ الَّذِي بِيَدِهِ وَالْمَشْهُورُ لَا يُزَكِّي (فَإِنْ أَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مَالَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَزِعَهُ) اتِّفَاقًا إنْ اكْتَسَبَهُ بَعْدَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ وَعَلَى الْمَذْهَبِ إنْ اكْتَسَبَهُ قَبْلَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ (وَطْءُ مُكَاتَبَتِهِ) لِأَنَّهَا أَحْرَزَتْ نَفْسَهَا وَمَالَهَا فَإِنْ وَطِئَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَيُعَاقَبُ إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ.
قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: فَإِنْ حَمَلَتْ خُيِّرَتْ فِي التَّعْجِيزِ فَتَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ وَالْبَقَاءِ عَلَى كِتَابَتِهَا، فَإِنْ اخْتَارَتْ التَّعْجِيزَ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَإِنْ اخْتَارَتْ الْبَقَاءَ كَانَتْ مُسْتَوْلَدَةً وَمُكَاتَبَةً، ثُمَّ إنْ أَدَّتْ النُّجُومَ عَتَقَتْ وَإِلَّا عَتَقَتْ بِمَوْتِ السَّيِّدِ
(وَمَا حَدَثَ لِلْمُكَاتَبِ وَالْمُكَاتَبَةِ مِنْ وَلَدٍ) بَعْدَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ (دَخَلَ مَعَهُمَا فِي الْكِتَابَةِ وَعَتَقَ بِعِتْقِهِمَا) قَوْلُهُ: حَدَثَ لِلْمُكَاتَبِ يَعْنِي مِنْ أَمَتِهِ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ حَدَثَ لَهُ مِنْ حُرَّةٍ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي حُرِّيَّتِهَا أَوْ مِنْ أَمَةِ السَّيِّدِ فَإِنَّهُ لِلسَّيِّدِ أَوْ مِنْ أَمَةِ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ لِسَيِّدِهَا، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: حَدَثَ عَمَّا إذَا كَاتَبَهُ وَأَمَتُهُ حَامِلٌ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ مَعَهُ حَمْلُهَا إلَّا بِالشَّرْطِ
(وَتَجُوزُ كِتَابَةُ الْجَمَاعَةِ) فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ إذَا كَانُوا لِمَالِكٍ وَاحِدٍ، وَتُوَزَّعُ عَلَى قَدْرِ قُوَّتِهِمْ عَلَى
[حاشية العدوي]
مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ كُلُّ ذَاتِ رَحِمٍ إلَخْ أَيْ فِي الْعِتْقِ وَشَائِبَتِهِ، وَمُقَابِلُ ذَلِكَ فَلَا يَرِدُ وَلَدُ الْمُخْدَمَةِ وَالْمُؤَجَّرَةِ وَالْمُوصَى بِعِتْقِهَا، وَأَيْضًا إنَّمَا يَتَحَقَّقُ كَوْنُهَا مُوصًى بِعِتْقِهَا بِمَوْتِ الْمُوصِي، وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ وَلَدُ الدَّابَّةِ الْمُعَارَةِ وَنَحْوِهَا أَفَادَهُ عج.
[قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ السَّيِّدِ] أَيْ الْحُرِّ بِأَنْ كَانَ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًا أَوْ سَيِّدِ رَقِيقٍ [قَوْلُهُ: فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهَا إلَخْ] أَيْ فِي الْعِتْقِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَفِي عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِ لَا فِي الْخِدْمَةِ، فَإِنَّ لَهُ فِيهِ كَثِيرَ الْخِدْمَةِ بِخِلَافِ أُمِّهِ فَإِنَّ لَهُ فِيهَا فَوْقَ مَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ وَدُونَ مَا يَلْزَمُ الْقِنَّةَ.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ حَقِيقَةً] الصَّوَابُ أَنَّهُ يَمْلِكُ لَكِنْ مِلْكًا غَيْرَ تَامٍّ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْأَوَّلِ أَعْنِي كَوْنَهُ يَمْلِكُ جَوَازَ وَطْئِهِ لِجَارِيَتِهِ، وَعَلَى الثَّانِي وَهُوَ كَوْنُ الْمِلْكِ غَيْرَ تَامٍّ عَدَمُ وُجُوبِ تَزْكِيَتِهِ لِمَا بِيَدِهِ، وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إذَا اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَى سَيِّدِهِ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَى سَيِّدِهِ.
[قَوْلُهُ: إذَا مَلَكَهَا] أَيْ دَامَ مِلْكُهُ وَلَمْ يَنْتَزِعْهَا السَّيِّدُ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ اشْتَرَاهَا مَثَلًا وَلَمْ يَنْتَزِعْهَا السَّيِّدُ [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ لَا يُزَكِّي] أَيْ فَيُشْكِلُ الْأَمْرُ وَبِالصَّوَابِ الْمُتَقَدِّمِ لَا إشْكَالَ [قَوْلُهُ: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَزِعَهُ] لِأَنَّ مَالَ الْعَبْدِ يَتْبَعُهُ فِي الْعِتْقِ وَإِنْ كَثُرَ دُونَ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَا يَتْبَعُهُ إلَّا بِالشَّرْطِ، وَكَذَا لَا يُبَاعُ إذَا لَمْ يُعَجَّزْ وَلَوْ رَضِيَ، وَإِذَا وَقَعَ فُسِخَ إلَّا أَنْ يُعْتِقَهُ مُشْتَرِيهِ فَفِي نَقْضِ الْعِتْقِ خِلَافٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ مُكَاتَبَتِهِ] قُلْنَا: إنَّ الْكِتَابَةَ بَيْعٌ أَوْ عِتْقٌ لِأَنَّهَا أَحْرَزَتْ نَفْسَهَا.
وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ كَانَتْ مُدَّةُ الْكِتَابَةِ تَزِيدُ عَلَى أَمَدِ الْحَمْلِ الْمُعْتَادِ أَوْ غَيْرِهِ قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ وَطِئَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ] أَيْ لِلشُّبْهَةِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ] أَيْ أَوْ غَلِطَ وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَتْ بِكْرًا وَأَكْرَهَهَا فَعَلَيْهِ نَقْصُهَا وَإِلَّا فَلَا.
[قَوْلُهُ: خُيِّرَتْ فِي التَّعْجِيزِ] أَيْ إلَّا لِضُعَفَاءَ مَعَهَا أَوْ أَقْوِيَاءَ لَمْ يَرْضَوْا وَحَطَّ حِصَّتَهَا إنْ اخْتَارَتْ الْأُمُومَةَ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ اخْتَارَتْ الْبَقَاءَ إلَخْ] أَيْ وَنَفَقَةُ حَمْلِهَا عَلَى سَيِّدِهَا كَالْمَبْتُوتَةِ.
[قَوْلُهُ: وَمَا حَدَثَ إلَخْ] قَالَ تت: أَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُكَاتَبَةِ فَمُكَرَّرَةٌ مَعَ قَوْلِهِ: وَكُلُّ ذَاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا، وَيُحْتَمَلُ قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ لِلْمُكَاتَبِ وَالْمُكَاتَبَةِ أَيْ إذَا كُوتِبَا مَعًا وَحِينَئِذٍ فَلَا تَكْرَارَ وَيُرَشِّحُهُ التَّثْنِيَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ: دَخَلَ مَعَهُمَا فِي الْكِتَابَةِ وَعَتَقَ بِعِتْقِهِمَا.
قَالَ عج: الْمُرَادُ بِمَا يَحْدُثُ لِلْمُكَاتَبِ مَا يَنْشَأُ مِنْ الْحَمْلِ عَنْ مَائِهِ بَعْدَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ، قُلْت: وَسَيُشِيرُ الشَّارِحُ إلَى هَذَا.
[قَوْلُهُ: دَخَلَ إلَخْ] أَيْ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى شَرْطٍ.
وَقَوْلُهُ: وَعَتَقَ مَعْطُوفٌ عَلَى دَخَلَ [قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ حَدَثَ إلَخْ] أَيْ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ ظَهْرِ الْأَبِ إلَّا بَعْدَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ، وَكَذَا فِي جَانِبِ الْمُكَاتَبَةِ أَفَادَ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَطْنِهَا إلَّا بَعْدَ عَقْدِ كِتَابَتِهَا [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ مَعَهُ حَمْلُهَا إلَّا بِالشَّرْطِ] .
وَكَذَا وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ الَّذِي خَرَجَ
الْأَدَاءِ يَوْمَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ، وَقَيَّدْنَا بِإِذَا إلَخْ لِنَحْتَرِزَ عَمَّا إذَا كَانَ شَخْصَانِ مَثَلًا لِكُلِّ وَاحِدٍ عَبْدٌ فَأَرَادَ جَمْعَهُمَا فِي الْكِتَابَةِ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْجَزُ أَحَدُهُمَا أَوْ يَمُوتُ فَيَأْخُذُ سَيِّدُهُ مَالَ صَاحِبِهِ بَاطِلًا (وَلَا يُعْتَقُونَ إلَّا بِأَدَاءِ الْجَمِيعِ) فَعِتْقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَوْقُوفٌ عَلَى عِتْقِ الْبَاقِينَ فَلَا يُعْتَقُونَ إلَّا مُجْتَمَعِينَ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَعْتِقَ بَعْضَهُمْ إذَا كَانَ فِي بَقَائِهِ مُكَاتَبًا مَعَهُمْ مَعُونَةً لَهُمْ
(وَلَيْسَ) أَيْ لَا يَجُوزُ (لِلْمُكَاتَبِ عِتْقُ وَلَا إتْلَافُ مَالِهِ) بِغَيْرِ عِوَضٍ فِيمَا لَهُ بَالٌ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ (حَتَّى يُعْتَقَ) لِأَنَّ ذَلِكَ إضْرَارٌ لِسَيِّدِهِ، وَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى عَجْزِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِغَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا: لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ.
ج: وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُمَا
[حاشية العدوي]
مِنْ بَطْنِهَا قَبْلَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ فَلَا يَدْخُلُ إلَّا بِالشَّرْطِ، وَلَوْ تَنَازَعَ السَّيِّدُ مَعَ الْمُكَاتَبِ فَقَالَ السَّيِّدُ: انْفَصَلَ الْوَلَدُ عَنْ ظَهْرِك قَبْلَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ فَهُوَ رَقِيقٌ، وَقَالَ الْمُكَاتَبُ: إنَّمَا انْفَصَلَ مِنِّي بَعْدَ عَقْدِهَا فَإِنْ وَضَعَتْهُ أُمُّهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ أَوْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ فَالْقَوْلُ لِلسَّيِّدِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ انْفَصَلَ قَبْلَ الْكِتَابَةِ فِي الْأُولَى، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ الْأَصْلَ الرِّقِّيَّةُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ خِلَافُهَا، وَأَمَّا إذَا وَضَعَتْهُ لِسِتَّةٍ فَأَكْثَرَ فَالْقَوْلُ لِلْمُكَاتَبِ.
[قَوْلُهُ: وَتَجُوزُ كِتَابَةُ الْجَمَاعَةِ] أَيْ مِنْ الْأَرِقَّاءِ.
وَقَوْلُهُ: فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَيْ بِمَالٍ وَاحِدٍ.
[قَوْلُهُ: وَتُوَزَّعُ عَلَى قَدْرِ قُوَّتِهِمْ] فَلَا تُوَزَّعُ عَلَى حَسَبِ الرُّءُوسِ وَلَا عَلَى حَسَبِ قِيَمِ الْعَبِيدِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ يَعْجَزُ] أَفَادَ هَذَا أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ الْجَوَازِ إذَا شَرَطُوا حَمَالَةَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى أَنْ لَا حَمَالَةَ فَهِيَ جَائِزَةٌ وَيُجْعَلُ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ مَا يَنُوبُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْكِتَابَةِ.
قَالَ عج: وَإِنْ وَقَعَ عج حَمَالَةُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً، وَهَلْ يَمْضِي إنْ وَقَعَتْ مُطْلَقًا أَيْ وَتُنْقَضُ الْكِتَابَةُ عَلَيْهِمْ وَتَسْقُطُ حَمَالَةُ أَحَدِهِمْ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ إنْ أَدَّى نَجْمٌ فِيهَا خِلَافٌ، وَانْظُرْ لَوْ وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِ نَصٍّ عَلَى الْحَمَالَةِ وَلَا عَلَى عَدَمِهَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُعْتَقُونَ] لِأَنَّهُمْ حُمَلَاءُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي جُعِلَ عَلَيْهِمْ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ بِخِلَافِ حَمَالَةِ الدَّيْنِ تَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْطِ، وَالْفَرْقُ تَشَوُّفُ الشَّارِعِ لِلْحُرِّيَّةِ وَحَيْثُ كَانُوا حُمَلَاءَ فَيُؤْخَذُ مِنْ الْمَلِيءِ الْجَمِيعُ وَيَرْجِعُ عَلَى مَنْ دَفَعَهُ عَنْهُ إنْ لَمْ يَكُنْ زَوْجًا لَهُ وَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ زَوْجًا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ عَنْهُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ لِخَلِيلٍ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ شَيْءٌ بِمَوْتِ وَاحِدٍ أَوْ حُدُوثِ زَمَانَتِهِ أَوْ فَقْدِهِ أَوْ أَسْرِهِ بِخِلَافِ اسْتِحْقَاقِهِ بِرِقٍّ أَوْ حُرِّيَّةٍ فَيَسْقُطُ نَصِيبُهُ لِتَبَيُّنِ بُطْلَانِ كِتَابَتِهِ، وَالْمَالُ الَّذِي انْتَقَلَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ مَوْتِهِ مَثَلًا عَلَى السَّوَاءِ لَا عَلَى قَدْرِ قُوَّتِهِمْ وَإِنَّمَا الَّذِي عَلَى قَدْرِ قُوَّتِهِمْ إنَّمَا هُوَ الْأَصْلِيُّ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يُعْتَقُونَ إلَّا مُجْتَمِعِينَ] فَلَا يُعْتَقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إلَّا بِتَمَامِ الْجَمِيعِ هَذَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمْ مَلِيًّا، وَأَمَّا لَوْ كَانُوا كُلُّهُمْ أَمْلِيَاءَ فَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَخْذُ أَحَدِهِمْ بِمَا عَلَى جُمْلَتِهِمْ.
[قَوْلُهُ: إذَا كَانَ فِي بَقَائِهِ مُكَاتَبًا مَعَهُمْ مَعُونَةً] أَيْ بِأَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ ضَعِيفًا فَيَجُوزُ مَعَ قُوَّةِ الْبَاقِينَ، وَلَوْ لَمْ يَرْضَوْا، وَكَلَامُ الشَّارِحِ مُقَيَّدٌ بِأَنْ لَا يَرْضَى الْبَاقُونَ وَإِلَّا فَيَجُوزُ حَيْثُ كَانَ لَهُمْ قُوَّةٌ عَلَى الْأَدَاءِ وَإِلَّا فَلَا وَحَيْثُ جَازَ عِتْقُ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُمْ حِصَّتُهُ، وَحَيْثُ رَدُّوا فِيمَا لَهُمْ فِيهِ الرَّدُّ ثُمَّ عَجَزُوا صَحَّ عِتْقُهُ وَإِذَا كَانَ أَدَّى شَيْئًا مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ قَبْلَ عِتْقِهِ هَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى سَيِّدِهِ وَهُوَ الصَّوَابُ أَوْ لَا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ قَوِيًّا وَأَعْتَقَهُ فَلَا يُحَطُّ عَنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ حِصَّتِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ عِتْقٌ] أَيْ لِرَقِيقِهِ لِأَدَائِهِ إلَى عَجْزِهِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَيَصِحُّ وَالْوَلَاءُ لِلْمُكَاتَبِ، وَحَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّ الرَّقِيقَ إذَا أَعْتَقَ رَقِيقَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَأَجَازَهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتَقِ إنْ كَانَ السَّيِّدُ لَا يَنْتَزِعُ مَالَهُ وَإِلَّا فَالْوَلَاءُ لِلسَّيِّدِ، وَإِنْ أَعْتَقَ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِعِتْقِهِ حَتَّى عَتَقَ أَوْ عَلِمَ وَسَكَتَ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتَقِ لَا لِلسَّيِّدِ سَوَاءٌ كَانَ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُ مَالِهِ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: بِغَيْرِ عِوَضٍ] أَيْ وَأَمَّا بِعِوَضٍ فَلَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْمُشَارَكَةِ وَالْمُقَارَضَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَاسْتِخْلَافِ عَاقِدٍ لِأَمَتِهِ وَإِسْلَامِهِ أَوْ فِدَائِهَا إنْ جَنَتْ بِالنَّظَرِ وَإِقْرَارٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَأَمَّا الْإِقْرَارُ فِي رَقَبَتِهِ فَغَيْرُهُ مِثْلُهُ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ] أَيْ وَكَالْإِقْرَارِ بِجِنَايَةٍ خَطَأً.
[قَوْلُهُ: الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ] أَيْ مِنْ الْعِتْقِ وَالْإِتْلَافِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِغَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ
يَرْجِعَانِ إلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ فَيُحْمَلُ قَوْلُ الْغَيْرِ عَلَى إتْلَافِ الْمَالِ الْكَثِيرِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى الْيَسِيرِ وَتَقْيِيدُنَا بِمَا لَهُ بَالٌ احْتِرَازًا عَنْ الشَّيْءِ الْخَفِيفِ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِعْطَائِهِ كَكِسْرَةٍ فَإِنَّهُ جَائِزٌ كَمَا يَجُوزُ لِلْمُقَارِضِ وَالزَّوْجَةِ وَالشَّرِيكِ وَنَحْوِهِمْ.
(وَ) كَذَلِكَ (لَا يَتَزَوَّجُ) أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لِئَلَّا يَعِيبَهُ إنْ عَجَزَ (وَلَا يُسَافِرُ) أَيْ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ (السَّفَرَ الْبَعِيدَ) الَّذِي تَحِلُّ فِيهِ نُجُومُهُ قَبْلَ قُدُومِهِ (بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) ق: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ يَعُودُ عَلَى التَّزْوِيجِ وَالسَّفَرِ خَاصَّةً، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ جَازَ وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ فِي الْكِتَابَةِ أَوْ كَانَ وَأَذِنَ لَهُ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَصِحُّ إذْنُهُ
(وَإِذَا مَاتَ) الْمُكَاتَبُ (وَلَهُ وَلَدٌ) دَخَلَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ أَوْ حَدَثَ بَعْدَهَا (قَامَ) وَلَدُهُ (مَقَامَهُ) فِي أَدَاءِ الْكِتَابَةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُؤَدِّي ذَلِكَ مُنَجَّمًا بَلْ حَالًّا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَوَدَى مِنْ مَالِهِ) أَيْ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ (مَا بَقِيَ عَلَيْهِ حَالًّا) إذَا تَرَكَ قَدْرَ مَا عَلَيْهِ فَأَكْثَرَ لِأَنَّهُ بِمَوْتِهِ حَلَّتْ نُجُومُهُ لِخَرَابِ ذِمَّتِهِ بِالْمَوْتِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ تَحِلُّ بِمَوْتِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ (وَوَرِثَ مَنْ مَعَهُ مِنْ وَلَدِهِ مَا بَقِيَ) ع: ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَرِثُ مَا بَقِيَ إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي كِتَابَتِهِ مِنْ وَلَدِهِ أَوْ حَدَثُوا لَهُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ.
وَهَذَا قَوْلٌ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ يَرِثُ كُلُّ مِنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ مِمَّنْ مَعَهُ فِي
[حاشية العدوي]
أَيْ وَهُوَ رَبِيعَةُ [قَوْلُهُ: وَلَا يَتَزَوَّجُ] أَيْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ كَانَ نَظَرًا أَوْ غَيْرَ نَظَرٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يَعِيبُهُ وَلِسَيِّدِهِ رَدُّهُ وَفَسْخُهُ، وَلَا شَيْءَ لِزَوْجَتِهِ حَيْثُ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَإِنْ رَدَّهُ سَيِّدُهُ وَقَدْ دَخَلَ بِهَا فَإِنَّهُ يَفْسَخُ وَيَتْرُكُ لَهَا رُبْعَ دِينَارٍ وَلَا يَتْبَعُ بِمَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا عَتَقَ وَإِنْ كَانَ دَفَعَ لَهَا أَزْيَدَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِهِ، فَإِنْ أَجَازَ سَيِّدُهُ جَازَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ فِي الْكِتَابَةِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِرِضَاهُمْ وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا فُسِخَ تَزْوِيجُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
[قَوْلُهُ: أَيْ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ السَّفَرَ الْبَعِيدَ] أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِهِ وَإِلَّا فَلَا يُمْنَعُ لِدُخُولِهِ عَلَى ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: الَّذِي تَحِلُّ فِيهِ نُجُومُهُ] الْمُرَادُ أَنَّهُ يَحِلُّ فِيهِ نَجْمٌ قَبْلَ قُدُومِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَعِيدِ مَا يَحِلُّ فِيهِ نَجْمٌ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَحِلَّ فِيهِ نَجْمٌ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ.
تَنْبِيهٌ: مَا هُوَ مَظِنَّةُ حُلُولِ نَجْمٍ كَحُلُولِهِ بِالْفِعْلِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الشَّيْخِ دَاوُد عَلَيْهَا وَالطِّخِّيخِيِّ عَلَى خَلِيلٍ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: الضَّمِيرُ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ الضَّمِيرُ فِي سَيِّدِهِ إنَّمَا يَعُودُ عَلَى الْعَبْدِ الْمُكَاتَبِ، وَلَعَلَّ الْعِبَارَةَ وَقَوْلُهُ: بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ يَعُودُ عَلَى التَّزْوِيجِ إلَخْ.
فَتَدَبَّرْ أَيْ وَأَمَّا فِي الْعِتْقِ وَإِتْلَافِ الْمَالِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إذْنُهُ فِي ذَلِكَ لَكِنْ فِي الْعِتْقِ وَاضِحٌ وَفِي إتْلَافِ الْمَالِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ نَاجِي كَمَا فِي كَلَامِ عج التَّصْرِيحُ بِأَنَّ كَلَامَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ وَالتَّوْفِيقَ بَيْنَهُمَا بِمَا تَقَدَّمَ جَارٍ فِي الْعِتْقِ.
[قَوْلُهُ: إنْ كَانَ مِمَّنْ يَصِحُّ إذْنُهُ] وَأَمَّا لَوْ كَانَ صَغِيرًا لَفُسِخَ وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ
[قَوْلُهُ: دَخَلَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ] أَيْ بِشَرْطٍ، وَقَوْلُهُ: أَوْ حَدَثَ بَعْدَهَا وَلَا يَحْتَاجُ لِشَرْطٍ.
[قَوْلُهُ: وَوَدَى مِنْ مَالِهِ] أَيْ وُجُوبًا [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ بِمَوْتِهِ حَلَّتْ] فَالْحُلُولُ عِنْدَ وُجُودِ مَا بِهِ الْوَفَاءُ [قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ] أَيْ وَهُوَ الرَّاجِحُ يَرِثُهُ كُلُّ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ دَخَلَ بِشَرْطٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَبِأَنْ يَشْتَرِيَ الْمُكَاتَبُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ زَمَنَ كِتَابَتِهِ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَشْتَرِيَ أَبَاهُ وَوَلَدَهُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَمَنْ ابْتَاعَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَمَنْ يُعْتَقُ عَلَى الْحُرِّ بِالْمِلْكِ دَخَلَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ وَصَارَ كَمَنْ عُقِدَتْ الْكِتَابَةُ عَلَيْهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَرِثُهُ إلَّا بِشَرْطَيْنِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ وَأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ فَلَا يَرِثُهُ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ وَلَوْ مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَلَا مَنْ مَعَهُ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ، فَأَخُوهُ الَّذِي مَعَهُ يَرِثُهُ دُونَ وَلَدِهِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ وَإِنْ كَانَ فِي كِتَابَةٍ أُخْرَى فَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي كِتَابَةٍ وَاحِدَةٍ فَالْإِرْثُ مَعَهُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيُقَدَّمُ الِابْنُ عَلَى الْأَخِ وَبِنْتَانِ فِي الثُّلُثَيْنِ وَالْبَاقِي لِعَمِّهِمَا لِكَوْنِهِ مَعَهُمَا فِي كِتَابَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا فِي كِتَابَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ الثُّلُثُ لِلسَّيِّدِ وَإِنَّمَا لَمْ يَرِثْهُ مَنْ فِي كِتَابَةٍ أُخْرَى لِأَنَّ شَأْنَ الْمُتَوَارِثِينَ التَّسَاوِي حَالَ الْمَوْتِ وَهُوَ هُنَا غَيْرُ مُحَقَّقٍ لِاحْتِمَالِ أَدَاءِ أَصْحَابِ أَهْلِ الْكِتَابَتَيْنِ دُونَ