حاشية العدوي على كفاية الطالب الربانيصفحات 400-439
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بَابٌ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ

صفحات 400-439

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى خُسُوفِ الْقَمَرِ فَقَالَ: (وَلَيْسَ فِي صَلَاةِ خُسُوفِ الْقَمَرِ جَمَاعَةٌ) عَلَى الْمَشْهُورِ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ أَنَّ النَّهْيَ عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا الْجَمْعُ فَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَجْمَعْ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ، وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ وَاللَّخْمِيُّ وَهُوَ أَبْيَنُ.
وَقَوْلُهُ: (وَلْيُصَلِّ النَّاسُ عِنْدَ ذَلِكَ) أَيْ عِنْدَ خُسُوفِ الْقَمَرِ (أَفْذَاذًا) بِذَالَيْنِ مُجْتَمِعَتَيْنِ أَيْ فُرَادَى فِي مَنَازِلِهِمْ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَقَوْلُهُ: (وَالْقِرَاءَةُ فِيهَا جَهْرًا) تَكْرَارٌ وَرَفَعَ بِقَوْلِهِ: (كَسَائِرِ رُكُوعِ النَّوَافِلِ) مَا يُتَوَهَّم فِي قَوْلِهِ: وَلْيُصَلِّ النَّاسُ إلَخْ.
لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى هَيْئَةِ النَّوَافِلِ رَكْعَتَيْنِ غَيْرِ نِيَّةٍ تَخُصُّهُمَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى صِفَةِ خُسُوفِ الشَّمْسِ (وَلَيْسَ فِي إثْرِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَيَفْتَحُهُمَا أَيْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ (صَلَاةِ خُسُوفِ الشَّمْسِ وَلَا قَبْلَهَا خُطْبَةٌ) بِضَمِّ الْخَاءِ (مَرْتَبَةٌ) لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ نَقَلُوا صِفَةَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ فِيهَا، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَثْنَى عَلَيْهِ» فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ أَتَى بِكَلَامٍ مَنْظُومٍ فِيهِ حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى وَصَلَاةٌ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَوْعِظَةٌ عَلَى سَبِيلِ مَا يُؤْتَى بِهِ فِي الْخُطْبَةِ.
وَظَاهِرُ

[حاشية العدوي]

بِرُكُوعَيْنِ وَقِيَامَيْنِ.
وَظَاهِرُ سَنَدٍ أَنَّ الْفَاتِحَةَ سُنَّةٌ فِي الْأَوَّلِ وَفَرْضٌ فِي الثَّانِي، وَظَاهِرُ الْمَوَّاقِ.
وَابْنُ نَاجِي فَرْضِيَّتُهَا قَطْعًا فِي أَوَّلِ كُلِّ قِيَامٍ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ، وَالْخِلَافُ فِي فَرْضِيَّتِهَا وَسُنِّيَّتِهَا فِي كُلِّ قِيَامٍ ثَانٍ، وَلَوْ انْجَلَتْ كُلُّهَا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ هَلْ تُصَلَّى عَلَى هَيْئَتِهَا بِرُكُوعَيْنِ وَقِيَامَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ أَوْ إنَّمَا تُصَلَّى كَالنَّوَافِلِ بِقِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَاحِدٍ وَسَجْدَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ؟ قَوْلَانِ، وَأَمَّا لَوْ انْجَلَى بَعْضُهَا أَتَمَّهَا عَلَى سُنِّيَّتِهَا بِاتِّفَاقٍ كَمَا لَوْ انْجَلَى بَعْضُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ إذَا انْجَلَتْ بَعْدَ تَمَامِ شَطْرِهَا، وَأَمَّا إذَا انْجَلَتْ قَبْلَ تَمَامِ الشَّطْرِ فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا كَالنَّوَافِلِ عَلَى الرَّاجِحِ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ بِالْقَطْعِ.

[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِي صَلَاةِ خُسُوفِ الْقَمَرِ جَمَاعَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ] مُقَابِلُهُ قَوْلُ أَشْهَبَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ ابْنِ نَاجِي [قَوْلُهُ: إنَّ النَّهْيَ عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ] أَيْ فَهُوَ حَرَامٌ كَمَا أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَلَكِنْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْجَمْعَ لَهَا مَكْرُوهٌ لَا حَرَامٌ [قَوْلُهُ: وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ] ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ] مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ تَكْرَارٌ خَبَرٌ [قَوْلُهُ: أَيْ فُرَادَى إلَخْ] وَهُوَ الْأَفْضَلُ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَعْرُوفِ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَمُقَابِلُهُ مَا لِمَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ أَفْذَاذًا فِي الْمَسْجِدِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَيْ فُرَادَى فَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَ أَشْهَبَ وَغَيْرِهِ مُعَنْوَنًا فِيهِ بِالْمَشْهُورِ [قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ] أَمَّا الطَّرَفُ الْأَوَّلُ أَعْنِي قَوْلَهُ: وَلْيُصَلِّ فَمُسَلَّمٌ أَنَّهُ تَكْرَارٌ، وَأَمَّا الطَّرَفُ الثَّانِي أَعْنِي قَوْلَهُ: وَالْقِرَاءَةُ فِيهَا جَهْرًا فَلَا تَكْرَارَ، نَعَمْ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا لَيْلِيَّةً أَنْ تَكُونَ جَهْرًا وَلَمْ أَجِدْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ أَعْنِي الْقِرَاءَةَ فِيهَا جَهْرًا مِنْ شُرُوحِ تت، وَلَا مِنْ شُرُوحِ التَّحْقِيقِ وَلَعَلَّ نَصْبَ جَهْرًا عَلَى أَنَّهَا خَبَرٌ لَكَانَ مَحْذُوفَةٍ، وَالتَّقْدِيرُ: وَالْقِرَاءَةُ تَكُونُ فِيهَا جَهْرًا.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ] أَيْ أَنَّ قَوْلَهُ وَلْيُصَلِّ إلَخْ مُحْتَمِلٌ لِأَمْرَيْنِ، أَوَّلُهُمَا مُرَادٌ، وَالثَّانِي غَيْرُ مُرَادٍ، فَأَتَى بِقَوْلِهِ كَسَائِرِ إلَخْ تَنْصِيصًا عَلَى الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الْمُرَادُ وَنَفْيًا لِلثَّانِي الَّذِي هُوَ غَيْرُ الْمُرَادِ [قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ تَخُصُّهَا] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ عَدَمُ افْتِقَارِهَا لِنِيَّةٍ تَخُصُّهَا كَسَائِرِ النَّوَافِلِ بِخِلَافِ خُسُوفِ الشَّمْسِ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ النَّدْبِ يَحْصُلُ بِرَكْعَتَيْنِ فَقَطْ وَكَذَا يُنْدَبُ أَنْ تُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى تَنْجَلِيَ.
تَتِمَّةٌ: وَقْتُهَا اللَّيْلُ كُلُّهُ فَإِنْ طَلَعَ مَكْسُوفًا بُدِئَ بِالْمَغْرِبِ وَيَفُوتُ فِعْلُهَا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا تُفْعَلُ بَعْدَهُ وَلَوْ مَعَ تَعَمُّدِ التَّأْخِيرِ، وَأَوْلَى إذَا لَمْ يُخْسَفْ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ وَكَذَا لَوْ خُسِفَ لَيْلًا وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى غَابَ فَلَا يُصَلِّي.
[قَوْلُهُ: خُطْبَةٌ مُرَتَّبَةٌ] أَيْ بِحَيْثُ يَجْلِسُ فِي أَوَّلِهَا وَفِي وَسَطِهَا [قَوْلُهُ: فَخَطَبَ النَّاسَ] أَيْ لِلنَّاسِ [قَوْلُهُ: بِمَا

قَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعِظَ النَّاسَ) بِمَا يَأْتِي (وَيُذَكِّرَهُمْ) بِمَا مَضَى يُخَالِفُ مَا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْخُطْبَةِ إلَّا الْوَعْظُ وَالتَّذْكِيرُ، أُجِيبَ: بِأَنَّهُ يَعْنِي بِالْخُطْبَةِ الْمَنْفِيَّةِ الَّتِي يَجْلِسُ فِي أَوَّلِهَا وَفِي وَسَطِهَا، وَبِقَوْلِهِ: وَلَا بَأْسَ إلَخْ الْوَعْظَ وَالتَّذْكِيرَ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبِ الْخُطْبَةِ، وَاسْتَعْمَلَ لَا بَأْسَ هُنَا فِيمَا فَعَلَهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوَعْظِ.

[حاشية العدوي]

يَأْتِي] يُحْتَمَلُ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ الْمَصَائِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تَحْدُثُ بِسَبَبِ الْمَعَاصِي، أَوْ الْمُرَادُ بِمَا يَأْتِي أَيْ مَا هُوَ مُحَقَّقٌ إتْيَانُهُ مِنْ أَهْوَالِ الْآخِرَةِ، وَالْأَنْسَبُ الْأَوَّلُ وَقَدْ جَعَلَ بَيْنَ الْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ فَرْقًا وَقِيلَ إنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ.

[18 - بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ] (بَابٌ فِي) بَيَانِ حُكْمِ (صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ) وَبَيَانِ الْوَقْتِ الَّذِي تُفْعَلُ فِيهِ، وَبَيَانِ الْمَحَلِّ الَّذِي تُفْعَلُ فِيهِ، وَبَيْنَ صِفَتِهَا، وَالِاسْتِسْقَاءُ لُغَةً طَلَبُ السَّقْيِ وَشَرْعًا طَلَبُ السَّقْيِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِقَحْطٍ نَزَلَ بِهِمْ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ) أَيْ حُكْمُهَا أَنَّهَا (سُنَّةٌ تُقَامُ) أَيْ تُفْعَلُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَلَا تُتْرَكُ خِلَافًا لِمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهَا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ، وَرُبَّمَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهَا بِدْعَةٌ، وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» (يَخْرُجُ) أَيْ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ (الْإِمَامُ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ (وَالنَّاسُ) . وَظَاهِرُهَا الْعُمُومُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ قَسَّمُوا مَنْ يَخْرُجُ لَهَا وَمَنْ لَا يَخْرُجُ لَهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَخْرُجُ لَهَا بِاتِّفَاقٍ وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ الْأَحْرَارُ الْمُكَلَّفُونَ وَالْمُتَجَالَّاتُ الْمُسِنَّاتُ مِنْ النِّسَاءِ وَالصَّبِيَّانِ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ

[حاشية العدوي]

[بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ]

[قَوْلُهُ: حُكْمِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ] وَهُوَ السُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ، قَالَ تت: يَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِهَا قَوْلُهُ فِي آخِرَ الْكِتَابِ كَالْعِيدَيْنِ [قَوْلُهُ: وَبَيَانِ الْوَقْتِ الَّذِي تُفْعَلُ فِيهِ] وَهُوَ مِنْ ضَحْوَةٍ إلَى زَوَالِ الشَّمْسِ [قَوْلُهُ: وَبَيَانِ الْمَحَلِّ الَّذِي تُفْعَلُ فِيهِ] وَهُوَ الصَّحْرَاءُ [قَوْلُهُ: طَلَبُ السَّقْيِ] أَيْ مُطْلَقُ طَلَبِ السَّقْيِ كَانَ مِنْ اللَّهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: لِقَحْطٍ نَزَلَ بِهِمْ] الْقَحْطُ احْتِبَاسُ الْمَطَرِ أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِهِ أَيْ كَتَخَلُّفِ نَهْرٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْقَحْطِ الْمَحَلَّ وَالْجَدْبِ فَيَشْمَلُ تَخَلُّفَ النَّهْرِ أَيْضًا وَالْمَحَلُّ لِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْحَاءِ هُوَ اجْتِيَاحُ الزَّرْعِ، وَالْجَدْبُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة ضِدُّ الْخِصْبِ بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَيَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: أَوْ غَيْرِهِ الْحَاجَةَ إلَى الشُّرْبِ لِأَنْفُسِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ فِي سَفَرٍ فِي صَحْرَاءَ أَوْ فِي سَفِينَةٍ، وَمَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَقْسَامِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِسْقَاءَ يَكُونُ لِأَرْبَعٍ هَذَانِ الْقِسْمَانِ، وَالثَّالِثُ اسْتِسْقَاءُ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلٍّ وَلَا حَاجَةٍ إلَى الشُّرْبِ، وَقَدْ أَتَاهُمْ مِنْ الْغَيْثِ مَا إنْ اقْتَصَرُوا عَلَيْهِ كَانُوا دُونَ السَّعَةِ فَلَهُمْ أَنْ يَسْتَسْقُوا وَيَسْأَلُونَ اللَّهَ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ.
وَالرَّابِعُ اسْتِسْقَاءُ مَنْ كَانَ فِي خِصْبٍ لِمَنْ كَانَ فِي مَحَلٍّ وَجَدْبٍ، وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ فِي الْحُكْمِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ الْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ حُكْمُهُمَا السُّنِّيَّةُ، وَالثَّالِثُ الْإِبَاحَةُ وَالرَّابِع النَّدْبُ.
[قَوْلُهُ: سُنَّةٌ تُقَامُ] أَيْ عَيْنًا أَيْ تَتَأَكَّدُ أَنْ تُصَلَّى، وَانْظُرْ لِمَ لَمْ يَقُلْ وَاجِبَةٌ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ [قَوْلُهُ: خِلَافًا لَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ] قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ.
أَشَارَ بِقَوْلِهِ سُنَّةٌ تُقَامُ إلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلِ بِأَنَّهَا بِدْعَةٌ لَا تُصَلَّى فَلِذَا أَكَّدَ قَوْلَهُ: سُنَّةٌ بِقَوْلِهِ تُقَامُ وَلَمْ يَذْكُرْ مِثْلَ ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ السُّنَنِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهَا [قَوْلُهُ: وَرُبَّمَا نُقِلَ عَنْهُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً فَهِيَ بِدْعَةٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ: وَرُبَّمَا نُقِلَ إلَخْ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبِدْعَةِ أَنَّهَا أَمْرٌ مُحَرَّمٌ، وَعَدَمُ الْمَشْرُوعِيَّةِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُحَرَّمِ، أَوْ أَنَّ الْمُغَايِرَةَ بِاعْتِبَارِ الْعِنْوَانِ [قَوْلُهُ: فَاسْتَسْقَى إلَخْ] طَلَبَ السُّقْيَا مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالْوَاوُ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا فَلَا يُخَالِفُ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ الدُّعَاءَ بَعْدَ التَّحْوِيلِ وَبَعْدَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي [قَوْلُهُ: وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ الْأَحْرَارُ] اعْلَمْ أَنَّهَا سُنَّةُ عَيْنٍ فِي حَقِّ الذَّكَرِ الْبَالِغِ وَلَوْ عَبْدًا فَأَرَادَ بِالْمُسْلِمِينَ الذُّكُورَ.
وَقَوْلُهُ: وَالْمُتَجَالَّاتُ

الْقُرَبَ وَالْعَبِيدُ.
وَقِسْمٌ لَا يَخْرُجُ لَهَا بِاتِّفَاقٍ وَهُنَّ الشَّابَّاتُ مِنْ النِّسَاءِ الْمُفْتِنَاتِ وَالنُّفَسَاءُ وَالْحَائِضُ، وَقِسْمٌ اُخْتُلِفَ فِيهِمْ وَهُمْ الصِّبْيَانُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ الْقُرَبَ وَالْبَهَائِمُ وَالشَّابَّاتُ غَيْرُ الْمُفَتَّنَاتِ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ، وَالْمَشْهُورُ فِيمَا عَدَا أَهْلَ الذِّمَّةِ لَا يَخْرُجُونَ وَأَمَّا هُمْ فَالْمَشْهُورُ يَخْرُجُونَ مَعَ النَّاسِ لَا قَبْلَهُمْ وَلَا بَعْدَهُمْ وَيَكُونُونَ عَلَى جَانِبٍ وَلَا يَنْفَرِدُونَ بِيَوْمٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ النَّاسَ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى بِالتَّوْبَةِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ وَتَحَالُلِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ لِأَنَّ الذُّنُوبَ سَبَبُ الْمَصَائِبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30] وَسَبَبُ مَنْعِ الْإِجَابَةِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «وَيَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ» . وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَبْلَ الِاسْتِسْقَاءِ، وَيَخْرُجُونَ فِي ثِيَابِ الذِّلَّةِ وَالْمِهْنَةِ وَعَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُكَبِّرُ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَيْهَا.

وَقَوْلُهُ: (كَمَا يَخْرُجُ لِلْعِيدَيْنِ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ فِيهِ لِلْمُصَلَّى، أَيْ يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ إلَى الْمُصَلَّى كَمَا يَخْرُجُ لِلْعِيدَيْنِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: (ضَحْوَةً) بَيَانًا لِوَقْتِ الْخُرُوجِ لَا تَكْرَارًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَا فِي كَمَا ظَرْفَيْهِ أَيْ يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ فِي وَقْتِ

[حاشية العدوي]

أَيْ يَخْرُجْنَ نَدْبًا.
[قَوْلُهُ: وَالصِّبْيَانُ الَّذِينَ إلَخْ] يَخْرُجُونَ نَدْبًا وَقَوْلُهُ: وَالْعَبِيدُ، الْعَبْدُ إمَّا ذَكَرٌ أَوْ غَيْرُهُ وَحُكْمُهُ كَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: وَهُنَّ الشَّابَّاتُ إلَخْ] خُرُوجُهُنَّ حَرَامٌ [قَوْلُهُ: وَالنُّفَسَاءُ وَالْحَائِضُ] ظَاهِرُ اللَّخْمِيِّ حُرْمَةُ خُرُوجِهِمَا؛ لِأَنَّهُ عَبَّرَ بِالْمَنْعِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْكَرَاهَةَ الشَّدِيدَةَ وَالْمُرَادُ حَالَ جَرَيَانِ الدَّمِ عَلَيْهِنَّ وَكَذَا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ.
عَبْدُ الْحَقِّ: بَلْ هِيَ الْآنَ أَشَدُّ فِي الْمَنْعِ لِقُدْرَتِهَا عَلَى الِاغْتِسَالِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ عَجَّ أَنَّ الْجُنُبَ يَخْرُجُ إنْ كَانَ فَرْضُهُ التَّيَمُّمَ أَوْ وَجَدَ مَا يَغْتَسِلُ بِهِ [قَوْلُهُ: لَا يَخْرُجُونَ] الظَّاهِرُ أَنَّ خُرُوجَهُمْ مَكْرُوهٌ بَلْ صَرَّحَ اللَّخْمِيُّ بِكَرَاهَةِ خُرُوجِ الشَّابَّةِ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا هُمْ فَالْمَشْهُورُ يَخْرُجُونَ إلَخْ] مُلَخَّصُهُ أَنَّ فِي خُرُوجِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَعَدَمِ خُرُوجِهِمْ قَوْلَيْنِ، فَأَبَاحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ خُرُوجَهُمْ وَكَرِهَ مَنَعَهُمْ، وَمَنَعَهُ أَشْهَبُ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهَلْ يَنْفَرِدُونَ بِيَوْمٍ أَوْ يَخْرُجُونَ مَعَ النَّاسِ وَيَكُونُونَ أَيْ نَدْبًا عَلَى جَانِبِ خَشْيَةِ أَنْ يَسْبِق قَدْرٌ بِسَقْيِهِمْ فَيُفْتَتَنُ بِذَلِكَ ضُعَفَاءُ الْمُسْلِمِينَ، فِيهِ خِلَافٌ أَيْضًا.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بَأْسَ بِانْفِرَادِهِمْ بِيَوْمٍ وَمَنَعَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَقَوْلُهُ: لَا يَنْفَرِدُونَ بِيَوْمٍ أَيْ يُكْرَهُ، أَرَادَ بِالْيَوْمِ مُطْلَقَ الزَّمَنِ، وَلَوْ قَالَ: وَلَا يَنْفَرِدُونَ بِزَمَنٍ لَكَانَ أَوْضَحَ [قَوْلُهُ: وَرَدُّ الْمَظَالِمِ] تَقَدَّمَ مَا فِيهِ مِنْ أَنَّهُ هَلْ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ [قَوْلُهُ: مِنْ بَعْضِ] أَيْ مِنْ ذُنُوبِ بَعْضٍ [قَوْلُهُ: كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ] بَيَّنَهُ الْفَاكِهَانِيُّ بِقَوْلِهِ: «الْعَبْدُ الْأَشْعَثُ الْأَغْبَرُ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمَهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسَهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ» . [قَوْلُهُ: وَيَأْمُرُهُمْ] أَيْ نَدْبًا بِالصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ أَيْ لَعَلَّهُمْ إذَا أَطْعَمُوا فُقَرَاءَهُمْ أَطْعَمَهُمْ اللَّهُ فَإِنَّ الْجَمِيعَ فُقَرَاءُ اللَّهِ، وَعَطْفُ الْإِحْسَانِ عَلَى مَا قَبْلَهُ مُرَادِفٌ وَقَوْلُهُ: بِالصَّدَقَةِ أَرَادَ بِهَا التَّصَدُّقَ أَوْ أَنَّ الْعِبَارَةَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ بِإِعْطَاءِ الصَّدَقَةِ، وَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ رَدٌّ عَلَى خَلِيلٍ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ لَا يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ.
تَنْبِيهٌ: اُخْتُلِفَ هَلْ امْتِثَالُ أَمْرِهِ وَاجِبٌ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ وَلَوْ فِي الْمَكْرُوهِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ، أَوْ إنَّمَا تَجِبُ فِي طَاعَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ خَبَرِ إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ انْتَهَى [قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
. . إلَخْ] وَلَا يَأْمُرُ الْإِمَامُ بِالصِّيَامِ فَلَيْسَ الْأَمْرُ بِهِ مِنْ طَرِيقَتِهَا وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ حَبِيبٍ [قَوْلُهُ: وَيَخْرُجُونَ فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ وَالْمِهْنَةِ] أَيْ مَا يُمْتَهَنُ مِنْ الثِّيَابِ، وَعَطْفُهُ عَلَى الْبِذْلَةِ تَفْسِيرٌ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْمِصْبَاحِ.
قَالَ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي الْمُمْتَهَنِ لِحَالِ لَابِسِهِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ] أَيْ الْمَهَابَةُ وَالرَّزَانَةُ.
وَقَوْلُهُ: وَالْوَقَارُ بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ، وَهُنَاكَ وَجْهٌ آخَرُ رَاجِعْهُ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْعَزِيَّةَ [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُكَبِّرُ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَيْهَا] وَمُقَابِلُهُ مَا لِأَبِي بَشِيرٍ مِنْ التَّكْبِيرِ

[قَوْلُهُ: يَخْرُجُ لَهَا الْإِمَامُ إلَى الْمُصَلَّى إلَخْ] أَيْ فِي غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ

خُرُوجِهِ لِلْعِيدَيْنِ.
وَيَكُونُ قَوْلُهُ؟ ضَحْوَةً تَكْرَارًا، وَعَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ فَلَيْسَ التَّشْبِيهُ فِي الصِّفَةِ لِأَنَّ خُرُوجَهُمْ لِلْعِيدَيْنِ يَكُونُ بِإِظْهَارِ الزِّينَةِ وَهُنَا بِإِظْهَارِ الذِّلَّةِ وَالْفَاقَةِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ؟ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تُصَلَّى ضَحْوَةً، زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَى الزَّوَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ تَفْسِيرٌ فَإِذَا وَصَلَ الْإِمَامُ إلَى الْمُصَلَّى (فَ) إنَّهُ (يُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ) فَقَطْ بِاتِّفَاقِ مَنْ يَقُولُ بِمَشْرُوعِيَّتِهَا، وَيَجُوزُ التَّنَفُّلُ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ (وَيَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ) اتِّفَاقًا لِمَا صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (بِ) أُمِّ الْقُرْآنِ وَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] وَنَحْوِهَا، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ (وَبِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) وَنَحْوِهَا وَرُوِيَ قَوْلُهُ: (وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْنِ) بِالْيَاءِ وَالصَّوَابُ سَجْدَتَانِ بِالْأَلِفِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَوَجْهُ النَّصْبِ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ التَّقْدِيرُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ (وَ) رُوِيَ قَوْلُهُ: (رَكْعَةً وَاحِدَةً) بِالنَّصْبِ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَنْصُوبٍ، وَبِالرَّفْعِ وَلَا وَجْهَ لَهُ.
وَيَعْنِي بِالرَّكْعَةِ الرُّكُوعَ وَإِنَّمَا أَكَّدَهَا بِوَاحِدَةٍ احْتِرَازًا مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ (وَ) إذَا فَرَغَ مِنْ سُجُودِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (يَتَشَهَّدُ وَ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ (يُسَلِّمُ ثُمَّ) إذَا سَلَّمَ فَإِنَّهُ (يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ بِوَجْهِهِ) وَهُوَ عَلَى الْأَرْضِ لَا يَرْقَى مِنْبَرًا عَلَى الْمَشْهُورِ (فَ) إذَا اسْتَقْبَلَهُمْ (يَجْلِسُ جَلْسَةً) بِفَتْحِ الْجِيمِ لِيَأْخُذَ النَّاسُ أَمْكِنَتَهُمْ (فَإِذَا اطْمَأَنَّ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَإِنْ شِئْت قُلْت: اطْمِينَ بِالْيَاءِ ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ (النَّاسُ) فِي أَمَاكِنِهِمْ (قَامَ) الْإِمَامُ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ حَالَةَ كَوْنِهِ (مُتَوَكِّئًا عَلَى قَوْسٍ) عَرَبِيٍّ (أَوْ عَصًا فَخَطَبَ ثُمَّ جَلَسَ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ) أُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْخُطْبَةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَنَّ الْخُطْبَةَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ

[حاشية العدوي]

فَيَسْتَسْقُونَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَا يُصَلُّونَ فِيهِ الْعِيدَ ذَكَرَ ذَلِكَ عَجَّ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تُصَلَّى ضَحْوَةً إلَخْ] مُقَابِلُهُ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بَأْسَ بِالِاسْتِسْقَاءِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ، وَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَلَيْسَ مِنْ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ، وَحَمَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى الدُّعَاءِ لَا الْبُرُوزِ لِلْمُصَلَّى.
[قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ تَفْسِيرٌ] أَيْ لِلْمَذْهَبِ وَيَكُونُ تَكَلَّمَ عَلَى الِابْتِدَاءِ فَقَطْ، وَيُحْتَمَلُ الْخِلَافُ كَمَا ذَكَرَ تت ذَلِكَ [قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ التَّنَفُّلُ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا إلَخْ] وَنَقَلَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ كَرَاهَةَ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى صَلَاةِ الْعِيدِ لِفَرْقِ أَنَّ الِاسْتِسْقَاءَ يُقْصَدُ فِيهِ التَّقَرُّبُ، وَتَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ بِالْحَسَنَاتِ لِتُرْفَعَ الْعُقُوبَاتُ بِخِلَافِ الْعِيدِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: وَنَحْوِهَا] فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَذَا زَادَ تت وَنَحْوِهَا بَعْدَ سَبِّحْ وَبَعْدَ الشَّمْسِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا خَصَّ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ بِهِمَا فِيهِمَا.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَنْصُوبٍ] أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ سَجْدَتَيْنِ لَكِنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ بِتَقْدِيرٍ وَيَفْعَلُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْنِ وَرَكْعَةً وَاحِدَةً أَيْ رُكُوعًا وَاحِدًا [قَوْلُهُ: وَبِالرَّفْعِ وَلَا وَجْهَ لَهُ] لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ مَا يُعْطَفُ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: يَسْتَقْبِلُ النَّاسَ] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: لَا يَرْقَى مِنْبَرًا] فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يُمْنَعُ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمَنْعِ الْكَرَاهَةُ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ الْمِنْبَرِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ يُطْلَبُ فِيهَا التَّوَاضُعُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَأَجَازَ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنْ يَخْطُبَ وَيَسْتَسْقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَشْهَبَ [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْجِيمِ] لِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَرَّةُ [قَوْلُهُ: عَلَى قَوْسٍ] أَيْ أَوْ سَيْفٍ لِئَلَّا يَعْبَثَ بِلِحْيَتِهِ أَوْ لِيَعْتَمِدَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَانِ، وَالْقَوْسُ قِيلَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ [قَوْلُهُ: عَرَبِيٍّ] أَيْ لِأَنَّهَا طَوِيلَةٌ لَا الرُّومِيَّةُ لِأَنَّهَا قَصِيرَةٌ [قَوْلُهُ: فَخَطَبَ] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ] أَيْ الْخُطْبَةَ الثَّانِيَةَ لَكِنْ يُبَدَّلُ التَّكْبِيرَ بِالِاسْتِغْفَارِ وَيَدْعُو فِي خُطْبَتِهِ بِكَشْفِ مَا نَزَلَ بِهِمْ، وَلَا يَدْعُو لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ [قَوْلُهُ: أَنَّ الْخُطْبَةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ] وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: يَخْطُبُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْخُطْبَةَ شَرْطٌ فِي الْجُمُعَةِ فَنَاسَبَ التَّقَدُّمُ، وَهُنَا لَوْ أَسْقَطَهَا لَمْ تَفْسُدْ الصَّلَاةُ إجْمَاعًا [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ] قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: لَا يَجْلِسُ فِي أَوَّلِهَا.

مِثْلُ خُطْبَةِ الْعِيدِ يَجْلِسُ فِيهَا أَوَّلًا وَثَانِيًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ذَلِكَ وَلَا حَدَّ لِلْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَلَكِنَّهُ وَسَطٌ.
(فَإِذَا فَرَغَ) الْإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ (اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) مَكَانَهُ (فَحَوَّلَ رِدَاءَهُ) تَفَاؤُلًا بِتَحْوِيلِ حَالِهِمْ مِنْ الشِّدَّةِ إلَى الرَّخَاءِ، وَصِفَةُ التَّحْوِيلِ أَنْ (يَجْعَلَ مَا عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ عَلَى) مَنْكِبِهِ (الْأَيْسَرِ عَلَى) مَنْكِبِهِ (الْأَيْمَنِ) لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - (وَلَا يَقْلِبُ ذَلِكَ) أَيْ رِدَاءَهُ.
سَنَدٌ: لِأَنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَلْبُهُ وَلَا عَنْ أَحَدٍ بَعْدَهُ.
وَفِي الْجَلَّابِ: إنْ شَاءَ قَلَبَهُ فَجَعَلَ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ.
ابْنُ بَشِيرٍ: وَأَسْفَلَهُ مِمَّا يَلِي الظَّهْرَ يَعْنِي بَاطِنَهُ، وَأَعْلَاهُ مِمَّا يَلِي السَّمَاءَ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَا يَتَأَتَّى جَعْلُ مَا عَلَى يَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ إلَّا مَعَ تَغْيِيرِ ظَاهِرِهِ بَاطِنًا وَبَاطِنِهِ ظَاهِرًا.
فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَسْفَلُ عِنْدَ ابْنِ الْجَلَّابِ مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ مِنْهُ وَأَعْلَاهُ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ اهـ. (وَلْيَفْعَلْ النَّاسُ) الذُّكُورُ دُونَ النِّسَاءِ (مِثْلَهُ) أَيْ مِثْلَ الْإِمَامِ إنْ كَانُوا أَصْحَابَ أَرْدِيَةٍ فَيُحَوِّلُونَ أَرْدِيَتَهُمْ وَيَدْعُونَ وَهُمْ جُلُوسٌ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَإِنَّهُ يُحَوِّلُ (وَهُوَ قَائِمٌ وَهُمْ قُعُودٌ ثُمَّ يَدْعُو كَذَلِكَ) وَهُوَ قَائِمٌ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ جَهْرًا، وَيَكُونُ الدُّعَاءَ بَيْنَ الطُّولِ وَالْقِصَرِ.
وَمِنْ دُعَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ اسْقِ عَبْدَك وَبَهْمَتَك وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ وَأَحْيِ بَلَدَك الْمَيِّتَ» وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَرُبَ مِنْهُ أَنْ يُؤَمِّنَ عَلَى دُعَائِهِ وَيَرْفَعَ يَدَيْهِ وَبُطُونَهُمَا إلَى الْأَرْضِ، وَرُوِيَ إلَى السَّمَاءِ (ثُمَّ) إذَا فَرَغَ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ مِنْ الدُّعَاءِ (يَنْصَرِفُ وَيَنْصَرِفُونَ) عَلَى الْمَشْهُورِ.

(وَلَا يُكَبِّرُ فِيهَا) أَيْ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ (وَلَا فِي) صَلَاةِ (الْخُسُوفِ غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَ) تَكْبِيرَةِ (الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ) وَكَذَا لَا يُكَبِّرُ فِي الْخُطْبَةِ، وَلَكِنْ يُكْثِرُ فِيهَا مِنْ الِاسْتِغْفَارِ بَدَلَ

[حاشية العدوي]

تَنْبِيهٌ: اسْتِمَاعُ الْخُطْبَتَيْنِ مَنْدُوبٌ.
وَكُلُّ مَنْ حَضَرَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَجْلِسُ وَلَا يُصَلِّي، وَبَعْدُ الْخُطْبَةِ يُخَيَّرُ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا صَارَتْ نَافِلَةً كَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا حَدَّ لِلْجُلُوسِ إلَخْ] كَذَا قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْجُلُوسُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ عَلَى قَدْرِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ انْتَهَى.
وَكَلَامُ ابْنِ عُمَرَ هُوَ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَيْهِ بَدَلَ قَوْلِ الْأَقْفَهْسِيِّ [قَوْلُهُ: اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: أَنْ يَجْعَلَ مَا عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ إلَخْ] ظَاهِرُهُ الْبُدَاءَةُ بِالْأَيْمَنِ.
وَفِي الطِّرَازِ يَبْدَأُ بِيَمِينِهِ فِي الْعَمَلِ فَيَأْخُذُ مَا عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ وَيُمِرُّهُ مِنْ وَرَائِهِ لِيَضَعَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ، وَمَا عَلَى الْأَيْمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ قَالَهُ مَالِكٌ، وَهِيَ الْأَوْلَى لِاسْتِمْتَاعِهَا بِوَضْعِ الرِّدَاءِ عَلَيْهِمَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُقَلِّبُ ذَلِكَ] أَيْ بِأَنْ يَجْعَلَ الْحَاشِيَةَ السُّفْلَى مِنْ فَوْقٍ وَالْعُلْيَا مِنْ أَسْفَلَ لَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّشَاؤُمِ نَظَرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر: 74] [قَوْلُهُ: ابْنُ بَشِيرٍ] عَلَى هَذَا لَيْسَ كَلَامُ الْجَلَّابِ مُخَالِفًا لِلْمُصَنَّفِ.
[قَوْلُهُ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَسْفَلُ إلَخْ] الْأَوْلَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إلَخْ لِيُفِيدَ أَنَّهُ احْتِمَالٌ آخَرُ، وَعَلَيْهِ فَالْمُخَالَفَةُ ظَاهِرَةٌ [قَوْلُهُ: مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ] وَهُوَ الْمُقْعَدَةُ [قَوْلُهُ: دُونَ النِّسَاءِ] فَإِنَّهُنَّ لَا يُحَوِّلْنَ.
[قَوْلُهُ: إنْ كَانُوا أَصْحَابَ أَرِدْيَةً] وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ بَرَانِسُ فَلَا تُحَوَّلُ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ يَدْعُو] صَرِيحُ هَذَا أَنَّ الدُّعَاءَ مِنْهُمْ وَمِنْهُ بَعْدَ التَّحْوِيلِ وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ [قَوْلُهُ: يَنْصَرِفُ وَيَنْصَرِفُونَ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقِيلَ: يَرْجِعُ مُسْتَقْبِلًا لِلنَّاسِ يُذَكِّرُهُمْ وَيَدْعُو وَيُؤْمِنُونَ عَلَى دُعَائِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ.

[قَوْلُهُ: غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ إلَخْ] أَيْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنَّهُ يَقُولُ: يُكَبِّرُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعًا وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا كَصَلَاةِ الْعِيدِ.
[قَوْلُهُ: وَتَكْبِيرَةِ الْخَفْضِ] أَيْ الَّتِي لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَقَوْلُهُ: وَالرَّفْعِ أَيْ الرَّفْعِ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ الَّتِي هِيَ مَعْرُودَةٌ بِتَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ، فَالْعِبَارَةُ جَامِعَةٌ لِجَمِيعِ التَّكْبِيرِ.
[قَوْلُهُ: وَلَكِنْ يُكْثِرُ فِيهَا مِنْ الِاسْتِغْفَارِ] فَيَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إلَيْهِ بَدَلَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَيُكَبِّرُ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَتَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: 10] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: 12] .

التَّكْبِيرِ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ (وَ) كَذَا (لَا أَذَانَ فِيهَا) أَيْ فِي صَلَاةِ اسْتِسْقَاءٍ (وَلَا إقَامَةَ) وَفِي غَالِبِ النُّسَخِ فِيهِمَا أَيْ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَصَلَاةِ الْخُسُوفِ وَفِيهَا تَكْرَارٌ بِالنِّسْبَةِ لِصَلَاةِ الْخُسُوفِ لِأَنَّهُ قَدَّمَهُ هُنَاكَ.

[حاشية العدوي]

خَاتِمَةٌ: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى طَلَبِ السَّقْي، وَأَمَّا طَلَبُ الِاسْتِصْحَاءِ إذَا كَثُرَ عَلَى النَّاسِ الشِّتَاءُ فَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِالدُّعَاءِ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ وَلَا خُطْبَةٍ.
قُلْت: وَمِمَّا وَرَدَ فِي رَفْعِ الْمَطَرِ إذَا كَثُرَ وَخِيفَ مِنْهُ الضَّرَرُ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالْآجَامِ وَالظِّرَابِ وَالْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ» وَقَوْلُهُ: الْآكَامِ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ وَيُرْوَى بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ جَمْعُ أَكَمَةٍ وَهِيَ الرَّابِيَةُ أَيْ التَّلُّ، وَالْآجَامُ مِثْلُهَا.
وَالْأَجَمَةُ مِنْ الْقَصَبِ وَالظِّرَابُ بِكَسْرِ الظَّاءِ وَهِيَ الرَّوَابِي الْكِبَارُ وَالْجِبَالُ الصِّغَارُ جَمْعُ ظَرِبٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ.

[19 - بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْتَضَرِ] وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى ثُلُثِ الرِّسَالَةِ ثُمَّ ابْتَدَأَ الثُّلُثَ الثَّانِيَ بِالْكَلَامِ عَلَى الْجَنَائِزِ فَقَالَ: (بَابُ مَا) أَيْ فِي بَيَانِ الَّذِي (يُفْعَلُ بِالْمُحْتَضَرِ) بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا، الْمَيِّتِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ أَجَلَهُ حَضَرَهُ (وَفِي) بَيَانِ كَيْفِيَّةِ (غُسْلِ الْمَيِّتِ) وَمِنْ يُغَسِّلُهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَ) فِي بَيَانِ (كَفَنِهِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِهَا أَيْ وَفِي بَيَانِ عَدَدِهَا يُكَفَّنُ فِيهِ الْمَيِّتُ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(وَ) فِي بَيَانِ (تَحْنِيطِهِ) وَتَحْنِيطِ كَفَنِهِ (وَ) فِي بَيَانِ (حَمْلِهِ) تَرْجَمَ لَهُ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْبَابِ (وَ) بَيَانِ كَيْفِيَّةِ (دَفْنِهِ) أَيْ وَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ وَمَا يُوضَعُ فِيهِ، وَبَدَأَ بِمَا صَدَّرَ بِهِ فِي التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالْمُحْتَضَرِ) حِينَ يَغْلِبُ عَلَيْهِ وَيُوقَنُ بِمَوْتِهِ، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ إشْخَاصُ بَصَرِهِ وَلَا يُسْتَقْبَلُ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ، وَالْمُسْتَحَبُّ فِي صِفَةِ الِاسْتِقْبَالِ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ وَصَدْرُهُ إلَى الْقِبْلَةِ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (إغْمَاضُهُ) أَيْ تَغْلِيقُ عَيْنَيْهِ (إذَا قَضَى) نَحْبَهُ، وَيُقَالُ عِنْدَ ذَلِكَ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -

[حاشية العدوي]

[بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْتَضَرِ وَالْمَيِّت]

بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْتَضَرِ قَوْلُهُ: سُمِّيَ بِذَلِكَ هَذِهِ الْعِلَّةُ تُنَاسِبُ الْفَتْحَ وَفِي زَرُّوقٍ وَالْمِصْبَاحِ: بِفَتْحِ الضَّادِ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْكَسْرَ أَوْ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ حَضَرَتْهُ لِنَزْعِ رُوحِهِ قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ، أَوْ لِحُضُورِ أَهْلِهِ غَالِبًا أَوْ لِحُضُورِ الشَّيَاطِينِ لِفِتْنَتِهِ، وَهَذِهِ الْعِلَلُ كُلُّهَا تُنَاسِبُ الْفَتْحَ الَّذِي هُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ، وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ أَيْ قَامَ بِهِ الِاحْتِضَارُ، وَالْأَجَلُ لَهُ إطْلَاقَانِ مُدَّةُ الْحَيَاةِ وَانْتِهَاءُ تِلْكَ الْمُدَّةِ، فَإِنْ أُرِيدَ الثَّانِي فَلَا تَقْدِيرَ، وَإِنْ أُرِيدَ الْأَوَّلُ فَيَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرٍ أَيْ آخِرِ أَجَلِهِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي غُسْلِ الْمَيِّتِ] لَمْ يُضْمَرْ بِأَنْ يَقُولَ: وَفِي غُسْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُغَسَّلُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يُسَمَّى مُحْتَضَرًا إلَّا عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ.
[قَوْلُهُ: وَنَحْوَ ذَلِكَ] أَيْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْغُسْلِ كَكَوْنِهِ يَعْصِرُ بَطْنَهُ رِفْقًا.
[قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِهَا] فَأَمَّا الْفَتْحُ فَهُوَ مَا يُكَفَّنُ بِهِ الْمَيِّتُ، وَأَمَّا السُّكُونُ فَهُوَ إدْرَاجُ الْمَيِّتِ فِي الْكَفَنِ أَيْ فِي بَيَانِ حُكْمِ كَفَنِهِ [قَوْلُهُ: أَيْ وَفِي بَيَانِ عَدَدِ إلَخْ] رَاجِعٌ لِلْفَتْحِ [قَوْلُهُ: وَنَحْوَ ذَلِكَ] أَيْ مِمَّا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَمَّصَ وَيُعَمَّمَ [قَوْلُهُ: وَتَحْنِيطِهِ إلَخْ] أَيْ حُكْمُ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: تَرْجَمَ لَهُ إلَخْ] وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْحَمْلَ الَّذِي تَرْجَمَ لَهُ هُوَ قَوْلُهُ: وَلَا يُتْبَعُ الْمَيِّتُ بِمِجْمَرٍ وَلَيْسَ هَذَا حَقِيقَةَ الْحَمْلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَكَتَ عَنْهُ لِأَجْلِ الدَّفْنِ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْحَمْلَ.
[قَوْلُهُ: كَيْفِيَّةِ دَفْنِهِ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقَصْدَ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ الدَّفْنِ لَا نَفْسُ الدَّفْنِ.
[قَوْلُهُ: وَمَا يُوضَعُ فِيهِ] أَيْ مِنْ اللَّبِنِ.
[قَوْلُهُ: حِينَ يَغْلِبُ عَلَيْهِ] أَيْ حِينَ يَغْلِبُ الْحَالُ عَلَيْهِ وَتَظْهَرُ عَلَامَاتُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ وَيُوقِنُ بِمَوْتِهِ عَطْفٌ لَازِمٌ.
[قَوْلُهُ: إشْخَاصُ بَصَرِهِ] يُقَالُ: أَشْخَصَ الرَّجُلُ بَصَرَهُ إذَا فَتْحَ عَيْنَيْهِ لَا يَطُوفُ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يُسْتَقْبَلُ أَيْ عَلَى طَرِيقِ الْكَرَاهَةِ فِيمَا يَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يُجْعَلَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ] كَمَا يُنْدَبُ أَنْ يُوضَعَ فِي قَبْرِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلًا، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا أَمْكَنَ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَعَلَى ظَهْرِهِ، وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ وَضْعِهِ لِلْغُسْلِ فَيُسْتَحَبُّ وَضْعُهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ لِيَبْدَأَ بِغُسْلِ الْجَنْبِ الْأَيْمَنِ.
[قَوْلُهُ: وَصَدْرُهُ إلَى الْقِبْلَةِ] عِبَارَةُ تت وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَهِيَ أَحْسَنُ.
[قَوْلُهُ: إذَا قَضَى نَحْبَهُ] النَّحْبُ النَّذْرُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلَّ حَيٍّ لَا بُدَّ أَنْ يَمُوتَ فَكَأَنَّهُ نَذْرٌ لَازِمٌ، فَإِذَا مَاتَ قَضَى نَحْبَهُ أَيْ نَذْرَهُ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ مَاتَ، بِالْفِعْلِ جَزْمًا وَلِذَلِكَ أَتَى بِإِذَا

وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ.

وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا شَدُّ لَحْيَيْهِ بِعِصَابَةٍ وَتَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ بِرِفْقٍ وَرَفْعُهُ عَنْ الْأَرْضِ وَسَتْرُهُ بِثَوْبٍ وَوَضْعُ سَيْفٍ وَنَحْوِهِ عَلَى بَطْنِهِ وَتَلْقِينُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَيُلَقَّنُ) أَيْ بِأَنْ يُقَالَ عِنْدَهُ (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (عِنْدَ الْمَوْتِ) وَلَا يُقَالُ لَهُ: قُلْ لِأَنَّهُ قَدْ يَقُولُ لَا لِلشَّيْطَانِ عِنْدَ قَوْلِهِ لَهُ مُتْ عَلَى دِينِ كَذَا فَيُسَاءُ بِهِ الظَّنُّ.
(وَإِنْ قُدِرَ عَلَى أَنْ يَكُونَ) جَسَدُهُ (طَاهِرًا وَمَا

[حاشية العدوي]

الْمُفِيدَةِ لِلتَّحْقِيقِ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ إغْمَاضُهُ لِأَنَّ فَتْحَ عَيْنَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ يُقَبِّحُ مَنْظَرَهُ كَمَا أَنَّ فَتْحَ فِيهِ كَذَلِكَ، وَمِنْ عَلَامَاتِ تَحَقُّقِ الْمَوْتِ انْقِطَاعُ نَفْسِهِ وَانْفِرَاجُ شَفَتَيْهِ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَتَوَلَّى إغْمَاضَهُ مَنْ هُوَ أَرْفَقُ بِهِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، وَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يُغَمَّضْ وَانْفَتَحَتْ عَيْنَاهُ وَشَفَتَاهُ يَجْذِبُ شَخْصٌ عَضُدَيْهِ وَآخَرُ إبْهَامَيْ رِجْلَيْهِ فَإِنَّهُمَا يَنْغَلِقَانِ.
[قَوْلُهُ: وَيُقَالُ عِنْدَ ذَلِكَ] أَيْ نَدْبًا أَيْ عِنْدَ الْإِغْمَاضِ.
[قَوْلُهُ: بِاسْمِ اللَّهِ] أَيْ إغْمَاضِي كَائِنٌ بِسْمِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: وَعَلَى سُنَّةِ أَيْ وَكَائِنٌ ذَلِكَ الْإِغْمَاضُ عَلَى سُنَّةِ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ إلَخْ خَتَمَ بِالسَّلَامِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَحَمْدِ اللَّهَ لِتَعُودَ بَرَكَتُهُمَا عَلَى الْمَيِّتِ.
وَقَوْلُهُ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَيْ عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ الَّتِي مِنْهَا التَّوْفِيقُ لَمَا ذَكَرَ أَوْ عَلَى مَا ذَكَرَ.
[قَوْلُهُ: لِمِثْلِ هَذَا] أَيْ الْحَالِ، وَهُوَ الْمَوْتُ أَيْ لِهَذَا وَمِثْلِهِ.
[قَوْلُهُ: وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ] أَيْ هَذَا الْمَوْتُ مَوْعُودٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فِيهِ.

[قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا إلَخْ] أَيْ وَيُنْدَبُ أَنْ يَشُدَّ لَحْيَيْهِ الْأَسْفَلَ مَعَ الْأَعْلَى بِعِصَابَةٍ عَرِيضَةٍ وَيَرْبِطَهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ لِئَلَّا يَسْتَرْخِيَ لَحْيَاهُ فَيُفْتَحَ فَاهُ فَيَدْخُلَ الْهَوَامُّ مِنْهُ إلَى جَوْفِهِ وَيَقْبُحَ بِذَلِكَ مَنْظَرُهُ، وَهَذَا أَيْضًا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْمَوْتِ.
[قَوْلُهُ: وَتَلْيِينِ مَفَاصِلِهِ بِرِفْقٍ] أَيْ عَقِبَ مَوْتِهِ، فَيَرُدُّ ذِرَاعَيْهِ لِعَضُدَيْهِ وَيَمُدُّهُمَا وَيَرُدُّ فَخِذَيْهِ إلَى بَطْنِهِ وَيَمُدُّهُمَا وَرَجُلَيْهِ إلَى فَخِذَيْهِ ثُمَّ يَمُدُّهُمَا.
[قَوْلُهُ: وَرَفْعُهُ عَنْ الْأَرْضِ] أَيْ بِأَنْ يُجْعَلَ عَلَى سَرِيرٍ خَوْفَ إسْرَاعِ الْهَوَامِّ فَيَحْصُلَ لَهُ التَّشْوِيهُ، وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِحِفْظِهِ قَبْلَ الدَّفْنِ.
[قَوْلُهُ: وَسَتْرُهُ بِثَوْبٍ] أَيْ وَنُدِبَ سَتْرُهُ بِثَوْبٍ زِيَادَةً عَلَى مَا فِيهِ حَالَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا قَوِيًّا مِنْ الْمَرَضِ فَيَظُنُّ مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ مَا لَا يَجُوزُ.
[قَوْلُهُ: وَوَضْعُ سَيْفٍ وَنَحْوِهِ] أَيْ مِنْ حَدِيدٍ خَوْفَ انْتِفَاخِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَطِينٌ مَبْلُولٌ كَذَا قَالَهُ بَهْرَامُ، وَانْظُرْ مَا وَجْهُ هَذَا التَّرْتِيبِ قَالَ الشَّيْخُ حُلُولُو: نَدْبُ تَلْيِينِ الْمَفَاصِلِ وَالرَّفْعِ عَنْ الْأَرْضِ وَوَضْعِ الثَّقِيلِ لَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَصْحَابِ وَهِيَ مَنْصُوصَةٌ لِلشَّافِعِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: وَتَلْقِينُهُ] أَيْ الْمُحْتَضَرُ الَّذِي لَمْ يَمُتْ بِالْفِعْلِ، وَأَمَّا الْأُمُورُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فَهِيَ لِمَنْ مَاتَ بِالْفِعْلِ.
[قَوْلُهُ: بِأَنْ يُقَالَ عِنْدَهُ] أَيْ بِأَنْ يَقُولَ الْجَالِسُ عِنْدَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ.
[قَوْلُهُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ] أَيْ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ أَشْهَدُ، وَقَدَّرَ الشَّارِحُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ جَمْعِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مَعَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؛ إذْ الْعَبْدُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا إلَّا بِهِمَا.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ الْمَوْتِ] أَيْ عِنْدَ ظُهُورِ عَلَامَاتِ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا نُدِبَ التَّلْقِينُ لِيَتَذَكَّرَهُمَا بِقَلْبِهِ فَيَمُوتَ وَهُوَ مُعْتَرِفٌ بِهِمَا فِي ضَمِيرِهِ وَلَا يُكْثِرُ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَالَهَا مَرَّةً ثُمَّ تَكَلَّمَ أُعِيدَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ تُرِكَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُلَقِّنَهُ أَهْلُ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ غَيْرَ وَارِثِهِ مِمَّنْ لَهُ بِهِ مَحَبَّةٌ وَإِلَّا فَأَرْأَفُهُمْ بِهِ.
[قَوْلُهُ: لِلشَّيْطَانِ] لِأَنَّهُ يَأْتِيهِ عَلَى صِفَةِ مَنْ تَقَدَّمَ مَوْتُهُ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إلَيْهِ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَإِذَا قَالَهَا الْمُحْتَضَرُ لَا تُعَادُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ فَتُعَادُ عَلَيْهِ لِتَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ.
تَنْبِيهٌ: يُلَقَّنُ الْمُحْتَضَرُ وَلَوْ صَبِيًّا مُمَيَّزًا وَمُلَازَمَةُ الْمُحْتَضَرِ تَجِبُ عَلَى أَقَارِبِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى أَصْحَابِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى جِيرَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَعَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ قُدِرَ] بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَالْمَعْنَى أَنْ يُنْدَبُ لَنَا أَنْ نَجْعَلَ مَا فَوْقَهُ وَمَا تَحْتَهُ وَجَسَدَهُ طَاهِرًا إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: جَسَدُهُ] لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ اسْمَ كَانَ مَحْذُوفٌ بَلْ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ اسْمَهَا ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ وَالتَّقْدِيرُ أَيْ جَسَدُهُ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى حَسَنٌ] أَيْ وَلَيْسَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلَى

عَلَيْهِ) وَاَلَّذِي تَحْتَهُ (طَاهِرًا فَهُوَ أَحْسَنُ) بِمَعْنَى حَسَنٍ.

(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَبَهُ حَائِضٌ وَلَا جُنُبٌ) بِإِغْمَاضٍ وَلَا غَيْرِهِ إذَا كَانَ ثَمَّ غَيْرُهُمَا أَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَيْرُهُمَا فَهُمَا كَغَيْرِهِمَا (وَأَرْخَصَ) بِمَعْنَى اسْتَحَبَّ (بَعْضُ الْعُلَمَاءِ) هُوَ ابْنُ حَبِيبٍ (فِي الْقِرَاءَةِ عِنْدَ رَأْسِهِ) أَوْ رِجْلَيْهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (بِسُورَةِ يس) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يُقْرَأُ عِنْدَ رَأْسِهِ سُورَةُ يس إلَّا هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ» (وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ (عِنْدَ مَالِكٍ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - (أَمْرًا مَعْمُولًا بِهِ) وَإِنَّمَا هُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُ، وَكَذَا يُكْرَهُ عِنْدَهُ تَلْقِينُهُ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ.

(وَلَا بَأْسَ بِالْبُكَاءِ) بِمَعْنَى يُبَاحُ الْبُكَاءُ (بِالدُّمُوعِ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ الِاحْتِضَارِ (وَحَسُنَ التَّعَزِّي) وَهُوَ تَقْوِيَةُ النَّفْسِ عَلَى الصَّبْرِ بِمَا نَزَلَ بِهَا (وَالتَّصَبُّرُ) وَهُوَ

[حاشية العدوي]

بَابِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ عَلَى بَابِهِ لَاقْتَضَى أَنَّ فِي عَدَمِ ذَلِكَ حَسَنًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَعِلَّةُ ذَلِكَ حُضُورُ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صِيغَةُ أَفْعَلَ عَلَى بَابِهَا اسْتِعْمَالًا لِلُّغَةِ الشَّاذَّةِ فِي قَوْلِ الْعَرَبِ: الْعَسَلُ أَحْلَى مِنْ الْخَلِّ.

[قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَبَهُ حَائِضٌ وَلَا جُنُبٌ] ع: حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى تَرْكِ الْمُزَاوَلَةِ فِي الْإِغْمَاضِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمَا نَجَاسَةُ أَيْدِيهِمَا، أَيْ وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ حَلِّ شَارِحِنَا، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى تَرْكِ حُضُورِهِمَا لِمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ حَائِضٌ أَوْ جُنُبٌ» وَكَذَا يُنْدَبُ أَنْ لَا يَقْرَبَهُ كَلْبٌ وَلَا تِمْثَالٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ تَكْرَهُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَكَذَا الصَّبِيُّ الَّذِي يَعُبُّ وَلَا يَكُفُّ إذَا نُهِيَ، وَنُدِبَ أَنْ يُحْضَرَ عِنْدَهُ طِيبٌ وَحُضُورُ أَحْسَنِ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ خَلْقًا وَخُلُقًا وَدِينًا، وَكَثْرَةُ الدُّعَاءِ لَهُ وَلِلْحَاضِرَيْنِ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ، وَنُدِبَ إبْعَادُ النِّسَاءِ لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ وَإِظْهَارُ التَّجَلُّدِ لِمَنْ حَضَرَ مِنْ الرِّجَالِ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى اسْتَحَبَّ] وَالْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِهِ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ قَدْ تَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: هُوَ ابْنُ حَبِيبٍ] وَكَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ الْكِتَابِ، فَالْمُرَادُ بِهِ ابْنُ حَبِيبٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ رَجُلَيْهِ إلَخْ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ عِنْدَ رَأْسِهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَقْفَهْسِيُّ.
[قَوْلُهُ: سُورَةِ يَس] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ سُورَةٍ هِيَ يَس.
[قَوْلُهُ: يَقْرَأُ عِنْدَ رَأْسِهِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يَدُلُّ لِظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ تَكُونُ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَإِنْ قُلْت: قَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يَس» فَهَذَا هُوَ الصَّارِفُ عَنْ ظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ قُلْت: يُخَالِفُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا هَوَّنَ اللَّهُ إلَخْ] وَرَدَ «إذَا قُرِئَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ يَس بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى عَبْدِي الْمَوْتَ» . [قَوْلُهُ: أَيْ مَا ذُكِرَ] جَوَابُ عَمَّا يُقَالُ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولُ وَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ أَيْ الْقِرَاءَةُ.
[قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا هُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُ] لَا خُصُوصِيَّةَ لَيْسَ بِالذِّكْرِ بَلْ يُكْرَهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ يَس أَوْ غَيْرِهَا عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ عَلَى قَبْرِهِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا فُعِلَتْ عَلَى وَجْهِ السُّنِّيَّةِ، وَأَمَّا لَوْ فُعِلَتْ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ بِهَا وَرَجَاءَ بَرَكَتِهَا فَلَا أَقُولُ هَذَا هُوَ الَّذِي يَقْصِدُهُ النَّاسُ بِالْقُرْآنِ، فَلَا يَنْبَغِي كَرَاهَةُ ذَلِكَ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَتَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا.

[قَوْلُهُ: أَيْ حِينَ الِاحْتِضَارِ] أَيْ وَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ: أَيْ حِينَ يُحْتَضَرُ الْمَيِّتُ؛ لِأَنَّ التَّنْوِينَ عِوَضٌ مِنْ الْجُمْلَةِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ] تَفْسِيرٌ لَحُسْنِ التَّعَزِّي لَا التَّعَزِّي لِأَنَّ التَّعَزِّيَ التَّقَوِّي مُطْلَقًا وَالتَّقَوِّي عَلَى الصَّبْرِ بِمَا نَزَلَ بِالنَّفْسِ أَيْ عَلَى مَا نَزَلَ بِالنَّفْسِ حُسْنٌ فَالْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ وَحُسْنُ التَّعَزِّي مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ أَيْ التَّعَزِّي الْحَسَنُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُنَاسِبَ حَذْفُ حَسَنٍ، وَيَقُولُ: وَالتَّعَزِّي وَالتَّصَبُّرُ أَجْمَلُ أَيْ أَحْسَنُ لِأَنَّهُ عَلَى عِبَارَتِهِ يَلْغُو الْأَخْبَارَ بِقَوْلِهِ: أَجْمَلُ أَيْ أَحْسَنُ.
[قَوْلُهُ: وَالتَّصَبُّرُ] عَطْفٌ عَلَى حُسْنِ التَّعَزِّي مِنْ عِطْفِ الْمُغَايِرِ، لِأَنَّ التَّعَزِّيَ هُوَ تَقْوِيَةُ النَّفْسِ عَلَى الصَّبْرِ بِحَيْثُ يُرَسَّخُ فِيهَا، وَأَمَّا الْحَمْلُ عَلَى الصَّبْرِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ

حَمْلُ النَّفْسِ عَلَى الصَّبْرِ (أَجْمَلُ) أَيْ أَحْسَنُ (لِمَنْ اسْتَطَاعَ) وَيُسْتَعَانُ عَلَى ذَلِكَ بِالنَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ عَلَى أَجْرِ الْمَصَائِبِ.

(وَيُنْهَى) بِمَعْنَى وَنُهِيَ (عَنْ الصُّرَاخِ وَالنِّيَاحَةِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي الصَّحِيحَيْنِ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: «أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ وَصَلَقَ وَخَرَقَ» . الْحَالِقَةُ هِيَ: الَّتِي تَحْلِقُ شَعْرَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، وَالصَّالِقَةُ هِيَ: الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالنَّدْبِ وَالنِّيَاحَةِ، وَالْخَارِقَةُ هِيَ: الَّتِي تَخْرِقُ ثَوْبَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «النَّائِحَةُ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» .

[حاشية العدوي]

رُسُوخٌ.
[قَوْلُهُ: أَيْ أَحْسَنُ] أَيْ مِنْ الْبُكَاءِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْبُكَاءَ لَا حُسْنَ فِيهِ فَأَفْعَلُ التَّفْضِيلُ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ.
[قَوْلُهُ: وَيُسْتَعَانُ عَلَى ذَلِكَ بِالنَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ] أَيْ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي شَأْنِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155] إلَى آخِرَ الْآيَةِ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَقَالَ مَعَهُ اللَّهُمَّ أَجُرْنِي عَلَى مُصِيبَتِي وَأَعْقِبْنِي خَيْرًا مِنْهَا فَعَلَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ» ، فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَ التَّصَبُّرُ أَحْسَنَ فَلِمَ أَهْمَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَكَى عَلَى وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ خِلَافَ الْأَفْضَلِ بِالنِّسْبَةِ لَنَا لِلتَّشْرِيعِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لَهُ إمَّا وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ.

[قَوْلُهُ: وَيُنْهَى بِمَعْنَى وَنُهِيَ] لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ سَبَقَ نَهْيَ تَحْرِيمٍ حَيْثُ اسْتَلْزَمَ أَمْرًا مُحَرَّمًا، وَهُوَ مَا كَانَ بِصَوْتٍ مَعَ قَوْلٍ قَبِيحٍ عِنْدَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ، وَأَمَّا مَا كَانَ بِصَوْتٍ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ قَبِيحٍ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا بَعْدَهُ.
[قَوْلُهُ: الصُّرَاخِ] فِي الصِّحَاحِ بِضَبْطٍ بِالْقَلَمِ فِي نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ الصُّرَاخُ بِضَمِّ الصَّادُ.
[قَوْلُهُ: وَالنِّيَاحَةِ] فِي الْقَسْطَلَّانِيِّ وَالنِّيَاحَةُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالنَّدْبِ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعُ، وَقَيَّدَهُ غَيْرُهُ بِالْكَلَامِ الْمُسْجَعِ اهـ. فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
[قَوْلُهُ: لَيْسَ مِنَّا] أَيْ مِنْ أَهْلِ سُنَّتِنَا وَلَا مِنْ الْمُهْتَدِينَ بِهَدْيِنَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ خُرُوجَهُ عَنْ الدِّينِ لِأَنَّ الْمَعَاصِيَ لَا يُكَفَّرُ بِهَا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ نَعَمْ يُكَفِّرُ بِاعْتِقَادِ حِلِّهَا.
وَعَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ كَرِهَ الْخَوْضَ فِي تَأْوِيلِهِ وَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُمْسِكَ عَنْهُ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي النُّفُوسِ وَأَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ.
[قَوْلُهُ: ضَرَبَ الْخُدُودَ] إنَّمَا خَصَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخُدُودَ بِالضَّرْبِ دُونَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّهُ الْوَاقِعُ مِنْهُنَّ، وَلِأَنَّ أَشْرَفَ مَا فِي الْإِنْسَانِ الْوَجْهُ فَلَا يَجُوزُ امْتِهَانُهُ وَإِهَانَتُهُ بِضَرْبٍ وَلَا تَشْوِيهٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُشِينُهُ، وَإِنَّمَا جَمَعَ الْخُدُودَ وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا خَدَّانِ لِأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ بَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: 130] وَقَالَتْ الْعَرَبُ: شَابَتْ مَفَارِقُهُ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا مَفْرِقٌ وَاحِدٌ، فَكَأَنَّهُمْ سَمَّوْا كُلَّ مَوْضِعٍ مِنْ الْمَفْرِقِ مَفْرِقًا وَهَذَا إذَا جَعَلْنَا مِنْ وَاقِعَةً عَلَى مُفْرَدٍ، فَإِنْ جَعَلْنَاهَا وَاقِعَةً عَلَى جَمْعٍ فَلَا إشْكَالَ، وَالْمُرَادُ بِشَقِّ الْجُيُوبِ إفْسَادُهَا بِالْقَطْعِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَإِنَّمَا حُرِّمَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ السُّخْطِ وَعَدَمِ إظْهَارِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ مَعَ مَا فِي شَقِّ الْجُيُوبِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ.
وَقَالَ فِي الْعُدَّةِ: وَإِنَّمَا جَمَعَ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا خَدَّانِ فَقَطْ بِاعْتِبَارِ إرَادَةِ الْجَمْعِ، وَالْجُيُوبُ بِضَمِّ الْجِيمِ جَمْعُ جَيْبٍ مِنْ جَابَهُ أَيْ قَطَعَهُ وَهُوَ مَا يُفْتَحُ مِنْ الثَّوْبِ لِتَدْخُلَ فِيهِ الرَّأْسُ لِلُبْسِهِ.
[قَوْلُهُ: وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ] هِيَ زَمَانُ الْفَتْرَةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِأَنْ قَالَ فِي بُكَائِهِ مَا يَقُولُونَ مِمَّا لَا يَجُوزُ شَرْعًا كَوَا جَمَلَاهُ وَاعْضُدَاهُ ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَسْطَلَّانِيُّ.
[قَوْلُهُ: بِالنَّدْبِ إلَخْ] هُوَ تَعْدَادُ الْمَحَاسِنِ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ.
وَقَوْلُهُ: وَالنِّيَاحَةُ تَقَدَّمَ أَنَّهَا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالنَّدْبِ، فَيُؤَوَّلُ الْكَلَامُ إلَى أَنَّ الْمَعْنَى تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِالنَّدْبِ وَلَا مَعْنَى لَهُ، فَالظَّاهِرُ أَنْ يُرْتَكَبَ التَّجْرِيدُ فَيُرَادَ مِنْهَا النَّدْبُ، وَيَكُونُ الْعَطْفُ مُرَادِفًا، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى هِيَ الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِتَعْدَادِ الْمَحَاسِنِ.
[قَوْلُهُ: قَبْلَ مَوْتِهَا] أَيْ قَبْلَ حُضُورِ مَوْتِهَا، وَقَيَّدَ بِهِ إيذَانًا بِأَنَّ شَرْطَ التَّوْبَةِ أَنْ يَتُوبَ وَهُوَ يُؤَمِّلُ الْبَقَاءَ وَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْعَمَلِ ذَكَرَهُ التُّورْبَشْتِيُّ.
[قَوْلُهُ: تُقَامُ] أَيْ تُحْشَرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا تُقَامُ حَقِيقَةً عَلَى تِلْكَ الْحَالِ بَيْنَ أَهْلِ النَّارِ، وَالْمَوْقِفُ جَزَاءٌ عَلَى قِيَامِهَا فِي النِّيَاحَةِ.
[قَوْلُهُ: «سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ» ] السِّرْبَالُ الْقَمِيصُ وَالْقَطِرَانُ دُهْنٌ يُدْهَنُ بِهِ الْجَمَلُ الْأَجْرَبُ فَيُحْرَقُ

وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُحْتَضَرِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَيِّتِ وَبَدَأَ بِالْغُسْلِ فَقَالَ: (وَلَيْسَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ) غَيْرِ شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ عِنْدَ مَالِكٍ (حَدٌّ وَلَكِنْ) الْمَقْصُودُ عِنْدَهُ أَنَّهُ (يُنْقَى) اعْتَرَضَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ التَّحْدِيدِ بِقَوْلِهِ: (وَيُغَسَّلُ وِتْرًا) فَإِنَّهُ تَحْدِيدٌ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ التَّحْدِيدَ هُوَ الَّذِي لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ، وَالْوِتْرُ يَكُونُ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، وَكَوْنُ الْغُسْلِ وِتْرًا مُسْتَحَبٌّ وَحُكْمُ الْغُسْلِ عَلَى مَا قَالَ الشَّيْخُ فِي بَابِ جُمَلِ السُّنِّيَّةُ وَشُهِرَ، وَقِيلَ: وَاجِبٌ، وَصُحِّحَ وَهُوَ تَعَبُّدٌ لَا لِلنَّظَافَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَإِنَّمَا يَحْتَاج التَّعَبُّدُ إلَى نِيَّةٍ إذَا كَانَ مِمَّا يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ (بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) مُتَعَلِّقٌ بِيُغْسَلُ.
ك: مَعْنَاهُ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُذَابَ السِّدْرُ الْمَسْحُوقُ بِالْمَاءِ ثُمَّ يُعْرَكُ بَدَنُ الْمَيِّتِ وَيُدَلَّكُ بِهِ.
ج: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ كَالْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُفْعَلُ بِهِ كَذَلِكَ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ

[حاشية العدوي]

بِحِدَّتِهِ وَحَرَارَتِهِ فَيَشْتَمِلُ عَلَى لَذْعِ الْقَطِرَانِ وَحُرْقَتِهِ وَإِسْرَاعِ النَّارِ فِي الْجِلْدِ وَقَوْلُهُ: وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ أَيْ يَصِيرُ جِلْدُهَا أَجْرَبَ حَتَّى يَكُونَ جِلْدُهَا كَقَمِيصٍ عَلَى أَعْضَائِهَا وَالدِّرْعُ قَمِيصُ النِّسَاءِ اهـ.

[قَوْلُهُ: غَيْرَ شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ] الْأَوْلَى، أَنْ يَقُولَ: الَّذِي يَطْلُبُ تَغْسِيلَهُ كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُ احْتِرَازًا عَنْ شَهِيدِ الْمُعْتَرَكِ وَعَنْ الْكَافِرِ وَعَنْ السَّقَطِ وَعَمَّنْ وُجِدَ دُون جَلَّهُ، فَلَا يُغَسَّلُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بَلْ يَحْرُمُ تَغْسِيلُ الْكَافِرِ وَشَهِيدِ الْحَرْبِ وَيُكْرَهُ تَغْسِيلُ السِّقْطِ وَمَنْ وُجِدَ دُونَ جُلِّهِ، فَمَنْ وُجِدَ نِصْفُهُ وَرَأْسُهُ بَلْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ وَدُونَ ثُلُثَيْهِ وَلَوْ مَعَ الرَّأْسِ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
وَيَكْفِي فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ الْإِسْلَامُ الْحُكْمِيُّ فَيَدْخُلُ الْمَحْكُومُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِإِسْلَامِ سَابِيهِ أَوْ أَبِيهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلْغُسْلِ شُرُوطًا اسْتِقْرَارُ الْحَيَاةِ، وَعَدَمُ الشَّهَادَةِ فِي الْحَرْبِ، وَوُجُودُ كُلِّ الْمَيِّتِ أَوْ جُلِّهِ، وَإِسْلَامُهُ وَلَوْ حُكْمًا.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ مَالِكٍ] أَيْ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَمُقَابِلُهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَصْحَابُهُ مِنْ أَنَّ أَكْثَرَهُ ثَلَاثٌ.
[قَوْلُهُ: أُجِيبَ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُثْبَتَ غَيْرُ الْمَنْفِيِّ، فَالْمَنْفِيُّ الْحَدُّ الْوَاجِبُ الْمُقَيَّدُ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، وَالْمُثْبَتُ لَيْسَ فِيهِ تَقْيِيدٌ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ؛ لِأَنَّ الْوِتْرَ يَشْمَلُ الثَّلَاثَةَ وَالْخَمْسَةَ.
[قَوْلُهُ: يَكُونُ ثَلَاثًا] فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَوْ سَبْعًا فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْإِنْقَاءُ بِالسَّابِعَةِ فَلَا إيتَارَ وَإِنَّمَا يَطْلُبُ الْإِنْقَاءَ.
[قَوْلُهُ: وَكَوْنُ الْغُسْلِ وِتْرًا مُسْتَحَبٌّ] أَيْ مَا عَدَا الْوَاحِدَ فَلَا نَدْبَ فِيهِ فَالِاثْنَانِ أَفْضَلُ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ وَاجِبٌ] أَيْ كِفَائِيٌّ وَصُحِّحَ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقِيلَ: لِلنَّظَافَةِ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ مَعَهُ مُسْلِمٌ وَلَا امْرَأَةٌ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ وَمَعَهُ ذِمِّيٌّ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ تَعَبُّدٌ لَا يُغَسِّلُهُ الذِّمِّيُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لِلنَّظَافَةِ يُغَسِّلُهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ صِفَةَ ذَلِكَ الْغُسْلِ كَالْغُسْلِ فِي الْجَنَابَةِ، الْإِجْزَاءُ كَالْإِجْزَاءِ وَالْكَمَالُ كَالْكَمَالِ إلَّا مَا يَخْتَصُّ بِهِ غُسْلُ الْمَيِّتِ مِنْ التَّكْرَارِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ الْمَاءُ وَجَبَ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: بِمَاءٍ وَسِدْرٍ] أَيْ وَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَهُوَ وَرَقُ النَّبْقُ، وَأَطْلَقَ فِي الْمَاءِ فَيَدْخُلُ مَاءُ زَمْزَمَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَانَ فِي أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ بِهِ مَيِّتٌ، وَطَلَبُ السِّدْرِ تَفَاؤُلًا بِسِدْرَةِ الْمُنْتَهَى.
[قَوْلُهُ: بِالْمَاءِ] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يُذَابُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُطْحَنُ وَيُذَابُ فِي الْمَاءِ ثُمَّ يُعْرَكُ بِهِ بَدَنُ الْمَيِّتِ أَيْ يُدَلَّكُ بِهِ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَيُدَلَّكُ بِهِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَيْ يُعْرَكُ بِهِ بَعْدَ خَضْخَضَتِهِ حَتَّى تَبْدُوَ لَهُ رَغْوَةٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ مَسْحُوقًا فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إذَابَةٌ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ أَنْ يُخْلَطَ السِّدْرُ الْمَسْحُوقُ بِالْمَاءِ.
[قَوْلُهُ: فِي كُلِّ غَسْلَةٍ] أَيْ مَا عَدَا الْأَخِيرَةَ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضٌ أَيْ وَلَا بُدَّ عَلَى كَلَامِ هَذَا الشَّارِحِ مِنْ صَبِّ مَاءِ الْقَرَاحِ بَعْدَ دَلْكِهِ، وَهَذَا إذَا خَلَطَ السِّدْرَ بِالْمَاءِ كَمَا هُوَ نَصُّ كَلَامِهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَخْلِطْهُ بِهِ بِأَنْ وَضَعَهُ عَلَى جَسَدِهِ وَعَرَّكَ بِهِ ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْمَاءُ.
ثَانِيًا لِأَنَّ صَبَّ الْمَاءِ عَلَى الْجَسَدِ بَعْدَ وَضْعِ السِّدْرِ عَلَيْهِ، وَحُكْمُهُ لَا يُضِيفُهُ وَإِنَّمَا يُضِيفُهُ خَلْطُهُ بِالْمَاءِ لِأَنَّ الْمَاءَ الطَّهُورَ إذَا وَرَدَ عَلَى الْعُضْوِ طَهُورًا لَا يَضُرُّ إضَافَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُخْتَصَرِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ إلَى أَنَّهُ يُغَسَّلُ أَوَّلًا بِالْمَاءِ الْقِرَاحِ لِلتَّطْهِيرِ ثُمَّ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ لِلتَّنْظِيفِ،

(وَيُجْعَلُ فِي) الْغَسْلَةِ (الْأَخِيرَةِ) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (كَافُورٌ) لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَامَ غَيْرُهُ مِنْ الطِّيبِ مَقَامَهُ، وَيَقُومُ مَقَامَ السِّدْرِ عِنْدَ عَدَمِهِ الْأُشْنَانُ وَنَحْوُهُ.

(وَإِذَا جُرِّدَ) الْمَيِّتُ لِلْغُسْلِ (تُسْتَرُ عَوْرَتُهُ) وَهِيَ السَّوْأَتَانِ خَاصَّةً عَلَى مَا فَهِمَ اللَّخْمِيُّ الْمُدَوَّنَةَ وُجُوبًا وَلَوْ كَانَ الْغَاسِلُ زَوْجًا أَوْ سَيِّدًا لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «لَا تُبِنْ فَخِذَك وَلَا تَنْظُرُ إلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» . (وَلَا تُقَلَّمُ أَظْفَارُهُ وَلَا يُحْلَقُ شَعْرُهُ) فَإِنْ فُعِلَ بِهِ هَذَا كُرِهَ وَضُمَّ مَعَهُ فِي

[حاشية العدوي]

وَلِذَا لَا يَضُرّ كَوْنُ ذَلِكَ الْمَاءِ مُضَافًا؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ الْوَاجِبَ حَصَلَ بِالْمَاءِ الْقِرَاحِ وَجُعِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ أَيْ فِي أَثْنَاءِ الْغُسْلِ لَا فِي ابْتِدَائِهِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِهِ إنْ قُلْنَا إنَّ الْغُسْلَ لِلْعِبَادَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ بِالْمَاءِ الْقِرَاحِ يُبْدَأُ بِهِ ثُمَّ يُضَافُ السِّدْرُ إلَى الْمَاءِ فِيمَا بَعْدُ، وَنَسَبَ عَجَّ تِلْكَ الطَّرِيقَةَ لِلْجُمْهُورِ فَقَالَ: الْغَسْلَةُ الْأُولَى عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِالْمَاءِ الْقِرَاحِ لِلتَّطْهِيرِ، وَالثَّانِيَةُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ لِلتَّنْظِيفِ، وَالثَّالِثَةُ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ لِلتَّطَيُّبِ.
[قَوْلُهُ: قَوْلُهُ وَيَجْعَلُ إلَخْ] مَعْنَاهُ أَنْ يَخْلِطَ الْكَافُورَ بِالْمَاءِ وَيَغْسِلَ بِهِ بَدَنَ الْمَيِّتِ بِخِلَافِ غَسْلَةِ السِّدْرِ عَلَى مَا ذَهَبَ لِلتَّطْيِيبِ.
[قَوْلُهُ: وَيَجْعَلُ إلَخْ] مَعْنَاهُ أَنْ يُخْلَطَ الْكَافُورُ بِالْمَاءِ وَيَغْسِلُ بِهِ بَدَنَ الْمَيِّتِ بِخِلَافِ غَسْلَةِ السِّدْرِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّارِحُ فَإِنَّهَا صَبُّ الْمَاءِ بَعْدَ عَرَكَ الْمَيِّتِ بِهِ مَخْلُوطًا بِمَاءٍ قَلِيلٍ، أَيْ أَوْ بِلَا مَاءٍ أَصْلًا عَلَى مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُضِيفُ الْمَاءَ.
[قَوْلُهُ: لَأَمْرِهِ إلَخْ] وَلِأَنَّهُ يَشُدُّ جَسَدَ الْمَيِّتِ وَيَحْفَظُهُ عَنْ مُسَارَعَةِ الْفِنَاءِ، وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ أَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي لَا تَبْلَى أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ قَالَهُ عَجَّ.
[قَوْلُهُ: الْأُشْنَانُ] بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَالْكَسْرُ لُغَةٌ مُعَرَّبٌ، وَيُقَالُ لَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ: الْحَرَضُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْغَاسُولُ.
وَقَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ كَالنَّطْرُونَ كَمَا مَثَّلَ بِهِ الْفَاكِهَانِيُّ.

[قَوْلُهُ: عَلَى مَا فَهِمَ اللَّخْمِيُّ الْمُدَوَّنَةَ] أَيْ أَنَّ اللَّخْمِيَّ فَهِمَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَوْرَةِ السَّوْأَتَانِ خَاصَّةً، وَضَعَّفَ ذَلِكَ الْفَهْمَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ قَائِلًا، لَيْسَ فِي الْكِتَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بَلْ لَوْ قِيلَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَيْ الَّذِي هُوَ السَّتْرُ مِنْ السُّرَّةِ لِلرُّكْبَةِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ لِأَنَّهُ قَالَ بِأَثَرِهِ: وَيُفْضِي بِيَدَيْهِ إلَى فَرْجِهِ إنْ احْتَاجَ، وَلَوْ كَانَتْ الْعَوْرَةُ نَفْسَ الْفَرْجِ لَمَا ذَكَرَ الْفَرْجَ بِلَفْظٍ آخَرَ اهـ. وَلِأَجْلِ ذَلِكَ مَرَّ الْعَلَامَةُ خَلِيلٌ عَلَى كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَنَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ أَشْهَبَ سَتْرَ وَجْهِهِ وَصَدْرِهِ أَيْ خَشْيَةَ تَغَيُّرِهِمَا فَيُسَاءُ بِهِ الظَّنُّ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ قَدْ عَرَفْتهَا وَعَرَفْت الرَّاجِحَ مِنْهَا.
[قَوْلُهُ: وُجُوبًا] أَيْ سَتْرٌ وُجُوبًا.
وَقَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْغَاسِلُ زَوْجًا إلَخْ.
ذَهَبَ ابْنُ نَاجِي إلَى أَنَّ سَتْرَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ مُسْتَحَبٌّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مُعِينٌ فَيَجِبُ اتِّفَاقًا، أَيْ وَمِثْلُ الزَّوْجِ السَّيِّدُ وَكَلَامُ الشَّيْخِ يُفِيدُ تَرْجِيحَ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي.
[قَوْلُهُ: لَا تُبِنْ] بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ، أَيْ لَا تُظْهِرُهُ لِغَيْرِك.
وَقَوْلُهُ: وَلَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ فَإِنَّهُ عَامٌّ حَتَّى فِي الزَّوْجَيْنِ هَذَا مُرَادُهُ.
وَأَقُولُ فِي ذَلِكَ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ فَخِذُ حَيٍّ مَخْصُوصٌ قَطْعًا بِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، فَلَا مَانِعَ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى سُنَنِهِ قَوْلُهُ وَلَا مَيِّتٍ بِأَنْ تَقُولَ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا يُفِيدُ سَتْرَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ لَا خُصُوصَ السَّوْأَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَ.
تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا تُبِنْ بِتَاءٍ وَبَاءٍ وَنُونٍ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ مِنْ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا تَبْرُزُ بِرَاءٍ وَزَايٍ مُعْجَمَةٍ، وَنَسَبَهُ لِابْنِ مَاجَهْ فَرَاجَعْت ابْنَ مَاجَهْ فَوَجَدْته كَمَا قَالَ أَيْ بِرَاءٍ وَزَايٍ، وَاَلَّذِي قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ فُعِلَ بِهِ هَذَا كُرِهَ] وَكَذَا يُكْرَهُ لِلْمَرِيضِ فِعْلُ ذَلِكَ إذَا قَصَدَ بِهِ الْمَوْتَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لَا إنْ قَصْدَ بِهِ الْإِرَاحَةَ بِإِزَالَةِ نَحْوِ الظُّفْرِ وَالشَّعْرِ فَلَا كَرَاهَةَ، وَكَذَا يُكْرَهُ أَنْ تُنْكَأَ قُرُوحُهُ، وَإِنَّمَا يُزَالُ مَا سَالَ عَنْهَا بِخِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَ السَّائِلُ دُونَ دِرْهَمٍ قَصْدًا لِلنَّظَافَةِ.
[قَوْلُهُ: وَضَمَّ مَعَهُ] أَيْ وُجُوبًا.
وَقِيلَ نَدْبًا، وَعِبَارَةُ تت هُنَا أَفْيَدُ وَنَصُّهَا.

كَفَنِهِ (وَيُعْصَرُ بَطْنُهُ) اسْتِحْبَابًا قَبْلَ الْغُسْلِ إنْ اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ (عَصْرًا رَفِيقًا) مَخَافَةَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ يُلَطِّخُ الْكَفَنَ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي النَّظَافَةِ (وَإِنْ وُضِّئَ) الْمَيِّتُ (وُضُوءَ الصَّلَاةِ فَ) هُوَ (حَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبُّ، وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ لِأَنَّهُ فِعْلٌ فِي الْغَيْرِ، وَهَلْ يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهُ مَعَ تَكْرَارِ الْغُسْلِ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ وَقَوْلُهُ: (وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ: فَحَسَنٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ بِهِ حِينَ أَمَرَ بِغُسْلِ ابْنَتِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -» ، وَلَوْ خَرَجَتْ مِنْهُ نَجَاسَةٌ بَعْدَ الْغُسْلِ أُزِيلَتْ وَلَا يُعَادُ غُسْلُهُ وَلَا وُضُوءُهُ بَلْ يُغْسَلُ الْمَحَلُّ فَقَطْ.

(وَيُقْلَبُ الْمَيِّتُ لِجَنْبِهِ فِي الْغُسْلِ أَحْسَنُ) مِنْ جُلُوسِهِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِنْقَاءِ وَأَرْفَقُ بِالْمَيِّتِ، فَيُجْعَلُ أَوَّلًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيُغْسَلُ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ تَفَاؤُلًا، ثُمَّ يُجْعَلُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيُغْسَلُ شِقُّهُ الْأَيْسَرُ وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ، فَإِنْ ابْتَدَأَ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ وَأَنْقَى أَجْزَأَهُ (وَإِنْ أُجْلِسَ) فِي الْغُسْلِ (فَذَلِكَ) الْجُلُوسُ (وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ عَبْدُ الْوَهَّابِ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ فِي مُنَاوَلَةِ غُسْلِهِ.

(وَلَا بَأْسَ بِغُسْلِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ) وَلَا بَأْسَ هُنَا لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ إذَا مَاتَ الْحَيُّ مُقَدَّمٌ فِي غُسْلِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ وَيُقْضَى لَهُ بِهِ عِنْدَ مُنَازَعَةِ الْأَوْلِيَاءِ لَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ وَلَوْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْغُسْلِ وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ أَنَّ عَلِيًّا غَسَّلَ فَاطِمَةَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ

[حاشية العدوي]

تَتِمَّةٌ: لَوْ قُصَّتْ أَظْفَارُهُ أَوْ حُلِقَ شَعْرُهُ أَوْ سَقَطَ شَيْءٌ مِنْ جَسَدِهِ جُعِلَ مَعَهُ فِي أَكْفَانِهِ.
[قَوْلُهُ: إنْ اُحْتِيجَ إلَخْ] بِأَنْ يَظُنَّ أَنَّ شَيْئًا مُتَهَيِّئٌ لِلْخُرُوجِ.
وَقَوْلُهُ: مَخَافَةَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ وُضِّئَ الْمَيِّتُ] أَيْ بَعْدَ إزَالَةِ الْأَذَى كَالْجُنُبِ وَيَتَعَهَّدُ أَسْنَانَهُ وَأَنْفَهُ بِخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ لِإِزَالَةِ مَا يُكْرَهُ رِيحُهُ وَيُمِيلُ رَأْسَهُ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ قَالَ تت: اُخْتُلِفَ هَلْ هُوَ كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ يُغْسَلُ كُلُّ عُضْوٍ ثَلَاثًا أَوْ مَرَّةً؟ قَوْلَانِ، وَأَشَارَ لِلْأَوَّلِ وَدَفَعَ الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ: وُضُوءَ الصَّلَاةِ اهـ. وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّهُ مَرَّةً مَرَّةً فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: وَهَلْ يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهُ إلَخْ] الرَّاجِحُ عَدَمُ التَّكْرَارِ.
[قَوْلُهُ: تَكْرَارِ] ذَكَرَ تت أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ بِالِاسْتِحْبَابِ وَالْوُجُوبِ، فَأَشَارَ لِلْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ فَحَسَنٌ وَلِدَفْعِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَأَيْضًا الْوَاجِبُ حَسَنٌ.
[قَوْلُهُ: حِينَ أَمَرَ بِغُسْلِ ابْنَتِهِ] أَيْ أُمِّ كُلْثُومٍ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ خَرَجَتْ مِنْهُ نَجَاسَةٌ بَعْدَ الْغُسْلِ أُزِيلَتْ] وَكَذَا لَوْ وَطِئَ شَخْصٌ مَيِّتَةً بَعْدَ غُسْلِهَا وَوُضُوئِهَا لَا تُطْلَبُ بِإِعَادَتِهِمَا وَيُلْغَزُ بِذَلِكَ، فَيُقَالُ: امْرَأَةٌ وُطِئَتْ بَعْدَ وُضُوئِهَا وَغُسْلِهَا وَلَمْ يَبْطُلْ ذَلِكَ.

[قَوْلُهُ: وَيُقَلِّبُ إلَخْ] أَيْ وَيُحَوَّلُ الْمَيِّتُ لِجَنْبِهِ، وَقَوْلُهُ: أَحْسَنُ خَبَرُ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ فَهُوَ أَحْسَنُ أَيْ الْقَلْبُ أَحْسَنُ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: فَيُجْعَلُ أَوَّلًا عَلَى شِقِّهِ] وَلَا يُقَلِّبُهُ عَلَى ظُهْرِهِ وَلَا بَطْنِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ تَشْوِيهٌ لَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُقْلَبُ ظَهْرًا وَبَطْنًا وَلَا يُجْلَسُ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْجَنَابَةِ أَنَّهُ يُغَسَّلُ الشِّقُّ الْأَيْمَنُ إلَى الرُّكْبَتَيْنِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ لِلشِّقِّ الْأَيْسَرِ إلَى الرُّكْبَتَيْنِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ يُكْمِلُ الشِّقَّ الْأَيْمَنَ ثُمَّ يُكْمِلُ الْأَيْسَرَ فَلْيَفْعَلْ هُنَا كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ أَجْلَسَ] هَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ: أَحْسَنُ أَيْ مِنْ إجْلَاسِهِ أَوْ قَلْبِهِ عَلَى ظَهْرِهِ.
وَقَوْلُهُ الشَّارِحِ: أَيْ جَائِزٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ الْغَاسِلُ مِنْ وُقُوفِهِ عَلَى الدِّكَّةِ وَيَجْعَلُ الْمَيِّتَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ بَلْ الْمَطْلُوبُ وُقُوفُهُ بِالْأَرْضِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ عَبْدِ الْوَهَّابِ] أَيْ فَعِنْدَهُ الْإِجْلَاسُ أَحْسَنُ.
[قَوْلُهُ: فِي مُنَاوَلَةِ] أَيْ تَحْصِيلِ غُسْلِهِ.

[قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ إلَخْ] أَيْ فَيُنْدَبُ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْأَخْذُ بِحَقِّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَيُّ مُحْرِمًا فَيُنْهَى عَنْ التَّغْسِيلِ كَرَاهَةً، فَإِنْ فَعَلَ أَهْدَى إنْ أَمْدَى، وَالْمُرَادُ الزَّوْجَانِ الصَّحِيحَا النِّكَاحِ وَلَوْ بِفَوَاتِ الْفَاسِدِ، وَيَشْمَلُ مَا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَمَا بَعْدَهُ وَمَا لَوْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا بَعْدَ مَوْتِهَا أَوْ تَزَوَّجَتْ هِيَ غَيْرَهُ أَوْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبٌ يُوجِبُ خِيَارَهُ.
[قَوْلُهُ: مُقَدَّمٌ فِي غُسْلِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ] بَلْ وَعَلَى مَنْ أَوْصَاهُ الْمَيِّتُ أَيْضًا وَيُنْدَبُ لَهُ الْأَخْذُ بِحَقِّهِ كَمَا قَرَّرْنَا.
[قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْغُسْلِ] أَيْ بِخِلَافِ الْمَوْلَى مِنْهَا وَالْمَظَاهِرُ مِنْهَا

غَسَّلَتْهُ زَوْجَتُهُ.
وَفِي حُكْمِ الزَّوْجَيْنِ السَّيِّدُ وَأَمَتُهُ وَمُدَبَّرَتُهُ وَأُمُّ وَلَدِهِ وَلَا يُقْضَى لِهَؤُلَاءِ اتِّفَاقًا.

(وَالْمَرْأَةُ) الْمُسْلِمَةُ (تَمُوتُ فِي السَّفَرِ لَا نِسَاءَ) مُسْلِمَاتٍ (مَعَهَا وَلَا مَحْرَمَ) لَهَا (مِنْ الرِّجَالِ) وَإِنَّمَا مَعَهَا رِجَالٌ أَجَانِبُ (فَلْيُيَمِّمْ رَجُلٌ) مِنْهُمْ (وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) إلَى الْكُوعَيْنِ فَقَطْ لِأَنَّهُمَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ فَيُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِمَا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ بِخِلَافِ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَقَيَّدْنَا بِفَقَطْ احْتِرَازًا مِمَّا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ فَعَوْرَةٌ لَا يَجُوزُ كَشْفُهُ وَلَا لَمْسُهُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ آخِرَ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ النَّظَرُ إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَقَيَّدْنَا النِّسَاءَ بِالْمُسْلِمَاتِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَ مَعَهَا كِتَابِيَّةٌ فَإِنَّهَا لَا تُغَسِّلُهَا عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ، وَقِيلَ: تُعَلَّمُ الْغُسْلَ وَيُحْتَاطُ لَهَا بِالتَّيَمُّمِ (وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا يَمَّمَ النِّسَاءُ) الْأَجَانِبُ (وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ لِمِرْفَقَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ) مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ (يُغَسِّلُهُ وَلَا امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ فَإِنْ كَانَتْ) مَعَ الرَّجُلِ الْمَيِّتِ

[حاشية العدوي]

فَلَهُمَا التَّغْسِيلُ بِالْقَضَاءِ، وَالْكِتَابِيَّةُ تُغَسِّلُ زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ بِحَضْرَةِ مُسْلِمٍ عَارِفٍ بِصِفَةِ الْغُسْلِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ.
[قَوْلُهُ: أَنَّ عَلِيًّا إلَخْ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُحْتَجُّ بِفِعْلِ الصَّحَابَةِ.
[قَوْلُهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ غَسَّلَتْهُ زَوْجَتُهُ] وَهِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَلَوْ مَاتَ الزَّوْجُ وَتَعَدَّدَتْ زَوْجَاتُهُ وَطَلَبْنَ التَّغْسِيلَ اسْتَظْهَرَ عَجَّ الْقُرْعَةَ، وَاسْتَظْهَرَ الشَّيْخُ اشْتَرَاك الْجَمِيعِ فِي الْمُبَاشَرَةِ لَاشْتِرَاكِ الْجَمِيعِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَالْقُرْعَةُ إنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْفِعْلِ قُلْت: وَبِقَوْلِ الشَّيْخِ أَقُولُ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَتُهُ] أَيْ الْقَنِّ أَفَادَ اقْتِصَارُ الشَّارِحِ مَا ذَكَرَ أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ وَالْمُبَعَّضَةَ وَالْمُعْتَقَةَ لِأَجَلٍ وَالْمُشْتَرَكَةَ لَا يَحِلُّ لِلْحَيِّ مِنْهُنَّ تَغْسِيلُهُ لِحُرْمَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِنَّ، وَكَذَا أَمَةُ الْمَدْيُونِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِمَنْعِهِ مِنْ وَطْئِهَا لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، لَكِنْ قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي مَنْعِهَا مِنْ تَغْسِيلِهِ نَظَرٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ إبَاحَةَ الْوَطْءِ لِلْمَوْتِ بِرِقٍّ تُبِيحُ الْغُسْلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَيُقَدَّمُ السَّيِّدُ عَلَى أَوْلِيَاءِ أَمَتِهِ بِالْقَضَاءِ بِخِلَافِ الْأَمَةِ فَلَا يُقْضَى لَهَا بِالتَّقَدُّمِ عَلَى أَوْلِيَاءِ سَيِّدِهَا، وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ: وَلَا يُقْضَى لِهَؤُلَاءِ أَيْ الْأَمَةِ وَالْمُدَبِّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ السَّيِّدُ؛ لِأَنَّهُ يُقْضَى لَهُ كَمَا قُرِّرَ.

[قَوْلُهُ: تَمُوتُ فِي السَّفَرِ] أَيْ وَفِي الْحَضَرِ، وَلَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ وَإِنَّمَا خَصَّ السَّفَرَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ شَأْنَهُ عَدَمُ الْوِجْدَانِ.
[قَوْلُهُ: لَا نِسَاءَ مَعَهَا] لَا أَقَارِبَ وَلَا أُجَانِبَ [قَوْلُهُ: مُسْلِمَاتٍ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَقَيَّدْنَا النِّسَاءَ بِالْمُسْلِمَاتِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَ مَعَهَا كِتَابِيَّةٌ فَإِنَّهَا لَا تُغَسِّلُهَا عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ، وَقِيلَ: تُعَلَّمُ الْغُسْلَ وَتُغَسِّلُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَلَا مَحْرَمَ لَهَا مِنْ الرِّجَالِ] لَا بِالنَّسَبِ وَلَا بِالرَّضَاعِ وَلَا بِالصِّهْرِ.
[قَوْلُهُ: فَلْيُيَمَّمْ رَجُلٌ إلَخْ] قَالَ الشَّيْخُ الزَّرْقَانِيُّ: وَإِنَّمَا جَازَ مَسُّهُمَا لِلْأَجْنَبِيِّ دُون الْحَيَاةِ لِنُدُورِ اللَّذَّةِ هُنَا، وَلَا يُتَمِّمُ الْمُصَلِّي إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ تَيَمُّمِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ وَقْتُ دُخُولِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا لَمْسُهُ] ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ لَمْسُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مِنْ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الزَّرْقَانِيِّ وَلِمَا سَيَأْتِي.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ إلَخْ] ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا إلَخْ] فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ حَيْثُ جَازَ لَهَا أَنْ تُيَمِّمَ الرَّجُلَ الْأَجْنَبِيَّ إلَى مِرْفَقَيْهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُيَمِّمَهَا إلَى مِرْفَقَيْهَا مَعَ شِدَّةِ مَيْلِ النِّسَاءِ إلَى الرَّجُلِ؟ فَالْجَوَابُ شِدَّةُ حَيَاءِ الْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ، وَيَضْعُفُ مَيْلُ النِّسَاءِ لِلرَّجُلِ الْمَيِّتِ أَوْ أَنَّ عَوْرَةَ الْأَجْنَبِيِّ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ كُلًّا إذَا يَمَّمَ غَيْرَهُ يَمَسُّ وَجْهَهُ.
وَتَوَقَّفَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ حَيْثُ قَالَ: وَانْظُرْ كَيْفَ جَازَ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ لَمْسَ وَجْهِ الْآخَرِ بِيَدِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَقَدْ عَلِمْت الْجَوَابَ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ.
[قَوْلُهُ: وَيَدَيْهِ لِمِرْفَقَيْهِ] قَالَ عَجَّ: وَيَنْبَغِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْغُسْلِ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ لِلْمِرْفَقَيْنِ وَاجِبٌ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا يُفِيدُهُ النَّقْلُ، وَرَدَّ عَلَى ابْنِ فُجْلَةَ فِي جَعْلِهِ مِنْ الْكُوعَيْنِ إلَيْهِمَا سُنَّةً.
تَنْبِيهٌ: إذَا يَمَّمَتْهُ وَصَلَّتْ عَلَيْهِ ثُمَّ وُجِدَ رَجُلٌ يُغَسِّلُهُ لَمْ يَعُدْ لِعَدَمِ تَكَرُّرِهَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أُعِيدَ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ بَلْ قَوْلًا وَاحِدًا، وَيَنْبَغِي عَدَمُ الْإِعَادَةِ إذَا جَاءَ الرَّجُلُ حَالَ صَلَاتِهِ.

(امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ) نَسَبًا أَوْ صِهْرًا (غَسَّلَتْهُ وَسَتَرَتْ عَوْرَتَهُ) فَقَطْ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ، وَصُحِّحَ لِأَنَّ جَسَدَهُ عَلَيْهِنَّ غَيْرُ مَمْنُوعٍ، وَالتَّأْوِيلُ الْآخَرُ تَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِهِ (وَإِنْ كَانَ مَعَ) الْمَرْأَةِ (الْمَيِّتَةِ) فِي السَّفَرِ (ذُو مُحْرِمٍ) مِنْ مَحَارِمِهَا وَلَمْ تَكُنْ مَعَهَا امْرَأَةٌ (غَسَّلَهَا) مَحْرَمُهَا عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ (مِنْ فَوْقِ ثَوْبٍ يَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِهَا) وَصُورَةُ غُسْلِهَا أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ صَبًّا وَلَا يُبَاشِرُ جَسَدهَا بِيَدِهِ مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ وَلَا مِنْ تَحْتِهِ.

وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الْغُسْلِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى التَّكْفِينِ فَقَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَفَّنَ الْمَيِّتُ) غَيْرُ شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ (فِي وِتْرٍ) (ثَلَاثَةَ أَثْوَابٍ أَوْ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ: امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ] وَلَوْ كَافِرَةً [قَوْلُهُ: نَسَبًا أَوْ صِهْرًا] أَيْ أَوْ رَضَاعًا، وَيُقَدَّمُ مُحَرَّمُ النَّسَبِ عَلَى مُحَرَّمِ الرِّضَاعِ، ثُمَّ مُحَرَّمُ الرَّضَاعِ عَلَى مُحَرَّمِ الصُّهَارَةِ عِنْدَ التَّعَارُضِ.
[قَوْلُهُ: وَصَحَّحَ] أَيْ فَهُوَ الرَّاجِحُ [قَوْلُهُ: لِأَنَّ جَسَدَهُ عَلَيْهِنَّ غَيْرُ مَمْنُوعٍ] أَيْ مِنْ حَيْثُ الرُّؤْيَةُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَرَى مِنْ مُحْرِمِهَا مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرَ فَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي الْمَسِّ لَا فِي الرُّؤْيَةِ فَقَطْ، وَالْجَوَابُ كَمَا تَقَدَّمَ فَجُوِّزَ هُنَا لِلضَّرُورَةِ فَقِيسَ الْمَسُّ عَلَى النَّظَرِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَالتَّأْوِيلُ الْآخَرُ تَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِهِ] ظَاهِرُهُ وَلَوْ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَعَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ تُلْصِقَ الثَّوْبَ بِالْجَسَدِ وَتُحَرِّكَهُ فَتُغَسِّلَ مَا بِهِ اهـ. وَأَمَّا عَلَى الرَّاجِحِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّهَا تَسْتُرُ عَوْرَتَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهَا فَقَطْ مِنْ مُبَاشَرَةِ مَا عَدَاهَا مِنْ جَسَدِهِ.
[قَوْلُهُ: ذُو مَحْرَمٍ] وَلَوْ لِصِهْرٍ.
[قَوْلُهُ: عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ] يُفِيدُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ خِلَافٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ: إنَّ الْمَحْرَمَ لَا يُغَسِّلُهَا بَلْ يُيَمِّمُهَا.
[قَوْلُهُ: مِنْ فَوْقِ ثَوْبٍ يَسْتُرُ] بِأَنْ يَجْعَلَ الْغَاسِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ مِنْ السَّقْفِ إلَى أَسْفَلَ بِحَيْثُ يَصِيرُ نَظَرُهُ إلَى الثَّوْبِ لَا إلَى جَسَدِهَا، وَيَصُبُّ الْمَاءَ مِنْ تَحْتِ ذَلِكَ الثَّوْبِ وَيَجْعَلُ خِرْقَةً عَلَى يَدِهِ غَلِيظَةً، فَكَمَا لَا يَنْظُرُ إلَى جَسَدِهَا لَا يُبَاشِرُ بِيَدِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَحْرَمِ مُبَاشَرَةُ جَمِيعِ جَسَدِ الْمَرْأَةِ الْمَحْرَمِ بَعْدَ تَعْلِيقِ الثَّوْبِ الْمَانِعِ مِنْ نَظَرِهِ إلَى جَسَدِهَا وَبَعْدَ خِرْقَةٍ غَلِيظَةٍ عَلَى يَدِهِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ إذَا غَسَّلَتْ مَحْرَمَهَا الذَّكَرَ مُبَاشَرَةُ جَمِيعِ جَسَدِهِ حَيْثُ لَفَّتْ عَلَى يَدِهَا خِرْقَةً كَثِيفَةً، وَأَمَّا مِنْ غَيْرِ خِرْقَةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهَا مُبَاشَرَةُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ سِتْرُهُ وَهُوَ الْعَوْرَةُ فَقَطْ أَوْ جَمِيعُ الْجَسَدِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، وَحُكْمُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ الَّذِي لَا مَحْرَمَ لَهُ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَلَا سَيِّدًا ذَكَرًا أَنَّهُ يَشْتَرِي لَهُ جَارِيَةً مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ تَرْجِعُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَلَا تُورَثُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَوَّلًا وُصُولٌ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُيَمَّمُ وَيُدْفَنُ، وَيَنْبَغِي إذَا يَمَّمَهُ رَجُلٌ أَنْ يُيَمِّمَهُ إلَى كُوعَيْهِ احْتِيَاطًا، وَإِنْ يَمَّمَتْهُ امْرَأَةٌ يَمَّمَتْهُ إلَى مِرْفَقَيْهِ بِالْأَوْلَى مِنْ الرَّجُلِ، وَلَوْ يَمَّمَتْ النِّسَاءُ الْمَيِّتَ الذَّكَرَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ غَسَّلَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ قَالَهُ عَجَّ.
وَلَوْ يَمَّمَ الْمَيِّتَ لِعَدَمِ الْمَاءِ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ غُسِّلَ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِلَّا فَلَا كَذَا قَالَ الطِّخِّيخِيُّ.
قَالَ الشَّيْخُ: وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ كَانَ مَعَ النِّسْيَانِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ خَلِيلٍ لَا فِيهَا إلَّا نَاسِيَهُ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بِانْحِطَاطِ رُتْبَةِ أَمْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَعَ طَلَبِ الْإِسْرَاعِ بِدَفْنِ الْأَمْوَاتِ، وَلَوْ تَعَذَّرَ التَّغْسِيلُ وَالتَّيَمُّمُ لِدَفْنٍ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ عَلَى مَا ارْتَضَاهُ عَجَّ.
وَصُلِّيَ عَلَيْهِ عِنْدَ اللَّقَانِيِّ.
[قَوْلُهُ: مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ] أَيْ وَلَا يُبَاشِرُ بِيَدِهِ لَا مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ، وَلَا مِنْ تَحْتِهِ أَمَّا مِنْ تَحْتِهِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا مِنْ فَوْقِهِ فَيُفْرَضُ فِي ثَوْبٍ مَرْفُوعٍ يُمْكِنُ الْمُبَاشَرَةُ مِنْ فَوْقِهِ.

[قَوْلُهُ: ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ] قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ لِلرَّجُلِ وَخِمَارٌ لِلْمَرْأَةِ، وَالْأُزْرَةُ فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ، وَلَا فَضْلَ فِي الْوَاحِدَةِ فَأَقَلُّ مَرَاتِبِ الْوِتْرِ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ شَفْعًا لِزِيَادَةِ السَّتْرِ، وَالثَّلَاثَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ لِمَا فِي الثَّلَاثَةِ مِنْ السَّتْرِ وَالْوِتْرِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ خَمْسَةٌ وَهِيَ الْقَمِيصُ وَالْعِمَامَةُ لِلرَّجُلِ أَوْ الْخِمَارُ لِلْمَرْأَةِ، وَالْأُزْرَةُ وَلِفَافَتَانِ يُدْرِجُ فِيهِمَا الْمَيِّتَ، وَتُجْعَلُ الْعُلْيَا أَوْسَعَ مِنْ السُّفْلَى، وَالْخَمْسَةُ أَفْضَلُ مِنْ السِّتَّةِ وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ عَلَى خَمْسَةٍ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ سَبْعَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ فَيُزَادُ لَهُمَا عَلَى الْخَمْسَةِ

خَمْسَةَ أَوْ سَبْعَةَ) تَكَلَّمَ عَلَى الْمُسْتَحَبِّ وَسَكَتَ عَنْ الْوَاجِبِ وَهُوَ ثَوْبٌ سَاتِرٌ لِجَمِيعِ جَسَدِهِ، وَقِيلَ: الْوَاجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَقَطْ وَشُهِرَ وَظَاهِرُ مَا قَالَ الشَّيْخُ: أَنَّ اسْتِحْبَابَ السَّبْعَةِ عَامٌّ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ اخْتِصَاصُ اسْتِحْبَابِ التَّسْبِيعِ بِالْمَرْأَةِ وَكَرَاهَةِ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ لِلرِّجَالِ، وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي الْكَفَنِ الْوِتْرُ خَشِيَ أَنْ يُتَوَهَّم أَنَّ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلَى مَا يُلَفُّ فِيهِ دَفَعَ ذَلِكَ الْإِيهَامَ فَقَالَ: (وَمَا جُعِلَ لَهُ) أَيْ لِلْمَيِّتِ (مِنْ وَزْرَةٍ) صَوَابُهُ مِنْ أُزْرَةٍ (وَقَمِيصٍ وَعِمَامَةٍ فَذَلِكَ مَحْسُوبٌ فِي عَدَدِ الْأَثْوَابِ الْوِتْرِ) الْمُسْتَحَبِّ.
ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوِتْرِ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ «كُفِّنَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ» بِفَتْحِ السِّينِ يَعْنِي: بَيْضَاءَ مِنْ قَوْلِهِمْ سَحَلْت الشَّيْءَ إذَا قَصَّرْته نِسْبَةً إلَى سَحُولٍ قَرْيَةٍ بِالْيَمَنِ (أُدْرِجَ) أَيْ لُفَّ (فِيهَا إدْرَاجًا) أَيْ لَفًّا (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَمَّصَ الْمَيِّتُ وَيُعَمَّمَ) اسْتَعْمَلَ لَا بَأْسَ هُنَا فِيمَا فَعَلَهُ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ، فَقَدْ نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَالْعِمَامَةُ إنَّمَا تُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ وَيُتْرَكُ مِنْهَا قَدْرُ الذِّرَاعِ ذُؤَابَةٌ تُطْرَحُ عَلَى وَجْهِهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تُعَمَّمُ

[حاشية العدوي]

السَّابِقَةِ لِفَافَتَانِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ ثَوْبٌ سَاتِرٌ إلَخْ] هُوَ الرَّاجِحُ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الذَّكَرِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَجِبُ سَتْرُ جَمِيعِ جَسَدِهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَأَمَّا التَّكْفِينُ وَهُوَ إدْرَاجُ الْمَيِّتِ فِي الْكَفَنِ فَوَاجِبٌ اتِّفَاقًا كَمُوَارَاتِهِ فِي التُّرَابِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْوَاجِبُ] ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: صَوَابُهُ مِنْ أُزْرَةٍ] بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا مَا يُؤْتَزَرُ بِهِ، وَهِيَ تَحْتَ الْقَمِيصِ أَوْ سِرْوَالٌ بَدَلَهَا وَهُوَ أَسْتَرُ.
[قَوْلُهُ: فَذَلِكَ] أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الثَّلَاثِ مَحْسُوبٌ إلَخْ.
قَدْ عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْخِرَقَ وَالْعَصَائِبَ الَّتِي تُشَدُّ عَلَى الْوَسَطِ أَوْ غَيْرِهِ لَا يُحْسَبُ شَيْءٌ مِنْهَا لَا مِنْ الثَّلَاثِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا.
[قَوْلُهُ: الْمُسْتَحَبُّ] أَيْ التَّكْفِينُ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ كُفِّنَ إلَخْ] الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُفِّنَّ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» اهـ. وَقَوْلُهُ: يَمَانِيَةٌ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ نِسْبَةً إلَى الْيُمْنِ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ كُرْسُفٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ أَيْ قُطْنٌ.
قَالَ الْبَغَوِيّ: وَثَوْبُ الْقُطْنِ أَوْلَى.
وَقَوْلُهُ: لَيْسَ فِيهِنَّ أَيْ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَثْوَابِ قَمِيصٌ إلَخْ.
أَيْ لَيْسَ مَوْجُودًا أَصْلًا بَلْ هِيَ الثَّلَاثَةُ فَقَطْ.
كَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ إمَامُنَا: إنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَثْوَابِ خَارِجَةٌ عَنْ الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ فَيَكُونُ الْجَمِيعُ خَمْسَةً.
وَقَوْلُهُ: بِيضٌ جَمْعُ أَبْيَضُ وَزْنُهُ فُعُلٌ بِضَمِّ الْفَاءِ كَأَحْمَر وَحُمْرٌ، أُبْدِلَتْ الضَّمَّةُ كَسْرَةً لِتَسْلَمَ الْيَاءُ مِنْ قَلْبِهَا وَاوًا لِوُقُوعِهَا بَعْدِ ضَمَّةٍ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ الَّتِي كُفِّنَّ فِيهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَزْرَةُ.
[قَوْلُهُ: بِفَتْحِ السِّينِ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّهُ يُقْرَأُ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا، فَالْفَتْحُ مَنْسُوبٌ إلَى السَّحُولِ وَهُوَ الْقِصَارُ؛ لِأَنَّهُ يَسْحَلُهَا أَيْ يَغْسِلُهَا أَوْ إلَى سُحُولٍ وَهِيَ قَرْيَةٌ بِالْيُمْنِ، وَالضَّمُّ جَمْعُ سَحْلٍ وَهُوَ الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ كَذَا فِي التَّحْقِيقِ، وَكَذَا ذَكَرَ الْقَسْطَلَّانِيُّ الْفَتْحَ بِوَجْهَيْهِ إذَا انْتَقَشَ فِي ذِهْنِك هَذَا فَقَوْلُ الشَّارِحِ سَحَلْت الشَّيْءَ أَيْ قَصَّرْته يُنَاسِبُ الْفَتْحَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوْلَى فِيهِ.
فَقَوْلُهُ: بَعْدَ نِسْبَةٍ إلَخْ لَا يُلَائِمُهُ لِأَنَّهُ نَاظِرٌ لِلْوَجْهِ الثَّانِي فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: بِيضًا لَا يُنَاسِبُ إلَّا الضَّمَّ فَفِي الْعِبَارَةِ قَلَقٌ ظَاهِرٌ مِمَّا ذَكَرْنَا وَأَيْضًا يُفِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ سَحُولِيَّةٌ تَأْكِيدٌ لِأَنَّهُ فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ بِيضٌ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِفَتْحِ السِّينِ نِسْبَةً إمَّا إلَى السَّحُولِ الَّذِي هُوَ الْقِصَارُ أَوْ إلَى سُحُولٌ الَّتِي هِيَ قَرْيَةٌ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْقِصَرَ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الْبَيَاضُ عُرْفًا وَيَكُونُ تَفْسِيرًا بِلَازِمِ نِسْبَتِهَا إلَى الْقِصَارِ، وَأَنَّ شَأْنَ تِلْكَ الثِّيَابِ الَّتِي تُجْلَبُ مِنْ تِلْكَ الْقَرْيَةِ الْبَيَاضُ.
[قَوْلُهُ: أُدْرِجَ فِيهِ إدْرَاجًا] وَصِفَةُ الْإِدْرَاجِ أَنْ يُبْسَطَ الْوَافِيَةُ أَوَّلًا وَيُجْعَلَ عَلَيْهَا الْحَنُوطُ، ثُمَّ تُجْعَلُ الَّتِي تَلِيهَا فِي الْقَصْرِ عَلَيْهَا، وَيُجْعَلُ عَلَيْهَا الْحَنُوطُ ثُمَّ يُوضَعُ الْمَيِّتُ عَلَيْهَا بَعْدَمَا يُجَفَّفُ بِخِرْقَةٍ، وَيُلْبَسُ الْوَزْرَةُ وَالْقَمِيصُ.
[قَوْلُهُ: لَا بَأْسَ هُنَا فِيمَا فَعَلَهُ إلَخْ] بِهِ يُعْرَفُ أَنَّهُ لَا تَكْرَارَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ أَفَادَ أَوَّلًا أَنَّهُمَا مَحْسُوبَانِ فِي الْعَدِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْحُكْمَ.
وَأَفَادَ الْحُكْمَ هُنَا بِقَوْلِهِ لَا بَأْسَ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: فَقَدْ نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ] أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ الْقَمِيصِ

وَإِنَّمَا يُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهَا خِمَارٌ يُتْرَكُ مِنْهُ ذُؤَابَةٌ تُطْرَحُ عَلَى وَجْهِهَا، وَأَفْضَلُ الْكَفَنِ الْأَبْيَضُ وَيُكْرَهُ الْمُعَصْفَرُ وَنَحْوُهُ إذَا أَمْكَن غَيْرُهُ، وَالْكَفَنُ وَالْحَنُوطُ وَمَؤُونَةُ الدَّفْنِ يُقَدَّمُ عَلَى الدَّيْنِ غَيْرِ الْمُرْتَهَنِ وَالْوَصِيَّةِ.

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْحَنُوطِ فَقَالَ: (وَيَنْبَغِي) بِمَعْنَى وَيُسْتَحَبُّ (أَنْ يُحَنَّطَ) الْمَيِّتُ اتِّفَاقًا إنْ كَانَ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَمُعْتَدَّةٍ وَعَلَى الْمَشْهُورِ إنْ كَانَ مُحْرِمًا أَوْ مُعْتَدَّةً، وَيَلِي ذَلِكَ مِنْهُمَا غَيْرُ مُحْرِمٍ وَمُعْتَدَّةٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُنَشَّفَ جَسَدُهُ بِخِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ قَبْلَ أَنْ يُحَنَّطَ وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا أَنْ تُجَمَّرَ ثِيَابُهُ وِتْرًا.
ثُمَّ بَيَّنَ مَوْضِعَ الْحَنُوطِ فَقَالَ: (وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ مَا يُتَطَيَّبُ بِهِ مِنْ مِسْكٍ وَعَنْبَرٍ وَكَافُورٍ (بَيْنَ أَكْفَانِهِ وَفِي جَسَدِهِ وَمَوَاضِعِ السُّجُودِ مِنْهُ) الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَأَطْرَافِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُجْعَلُ شَيْءٌ مِنْ الْحَنُوطِ فَوْقَ الْأَثْوَابِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ سَرَفٌ.

[حاشية العدوي]

وَالتَّعْمِيمِ، أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَحَبٌّ لَا أَنَّهُمَا مُسْتَحَبٌّ وَاحِدٌ.
وَأَفَادَ ذَلِكَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْعَلَامَةِ خَلِيلٍ وَكَذَا يُسْتَحَبُّ عَذْبَةٌ فِي الْعِمَامَةِ وَلَا يَخْتَصُّ اسْتِحْبَابُ الْعَذْبَةِ بِالْمَيِّتِ؛ إذْ الْحَيُّ كَذَلِكَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: صَارَتْ الْعَذْبَةُ الْيَوْمَ شِعَارَ قَوْمٍ يُسَمَّوْنَ الصُّوفِيَّةَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَهَا الْآنَ إلَّا مَنْ كَانَ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ وَإِلَّا كَانَ كَاذِبًا قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَهَلْ يُخَيَّطُ الْقَمِيصُ وَيُجْعَلُ لَهُ أَكْمَامٌ أَمْ لَا؟ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ مَحَلُّ السُّنَّةِ اهـ. [قَوْلُهُ: ذُؤَابَةٌ] بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ وَالْهَمْزِ، وَالْمُرَادُ أَنْ تَكُونَ كَالْخِمَارِ مُتَّسَعًا بِحَيْثُ يَسْتُرُ وَجْهَهَا كَمَا يَسْتُرُ رَأْسَهَا وَرَقَبَتَهَا.
[قَوْلُهُ: وَأَفْضَلُ الْكَفَنِ الْأَبْيَضُ] مِنْ الْقُطْنِ أَوْ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنُ أَفْضَلُ مِنْ الْكَتَّانِ؛ لِأَنَّهُ أَسْتُرُ وَكُفِّنَّ فِيهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. [قَوْلُهُ: وَنَحْوَهُ] أَيْ نَحْوَ الْمُعَصْفَرِ مِنْ الْأَخْضَرِ وَكُلِّ لَوْنٍ خَالَفَ الْبَيَاضَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ إمْكَانِ الْغَيْرِ وَإِلَّا فَلَا.
وَقَوْلُنَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا كَانَ فِي صَبْغِهِ طِيبٌ كَالْمَصْبُوغِ بِالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَهُوَ نَبْتٌ بِالْيُمْنِ أَصْفَرُ فَإِنَّهُ جَائِزٌ.
[قَوْلُهُ: وَمَئُونَةُ الدَّفْنِ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَمُؤَنُ تَجْهِيزِهِ كَغُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَحَمْلِهِ وَإِقْبَارِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: يُقَدَّمُ إلَخْ، فَإِذَا أُخْرِجَتْ مُؤَنُ التَّجْهِيزِ تُخْرَجُ الدُّيُونُ كَانَتْ بِضَامِنٍ أَمْ لَا لِأَنَّهَا تَحِلُّ بِمَوْتِ الْمَضْمُونِ، فَإِذَا أَخْرَجَ الدُّيُونَ تَخْرُجُ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ بَاقِي مَالِهِ، وَمَحَلُّ تَقَدُّمِ مُؤَنِ التَّجْهِيزِ عَلَى الدُّيُونِ مَا لَمْ تَكُنْ بِرَهْنٍ قَدْ حَازَهُ الْمُرْتَهِنُ وَإِلَّا قُدِّمَ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ عَلَى مُؤَنِ التَّجْهِيزِ فِي ذَلِكَ الرَّهْنِ.

[قَوْلُهُ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ إنْ كَانَ مَحْرَمًا إلَخْ] أَيْ لِانْقِطَاعِ تَكْلِيفِهِمَا بِالْمَوْتِ وَلِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
[قَوْلُهُ: وَيَلِي ذَلِكَ مِنْهُمَا غَيْرُ مَحْرَمٍ وَمُعْتَدَّةٍ] لِبَقَاءِ التَّكْلِيفِ أَيْ حَيْثُ وُجِدَ غَيْرُهُمَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ وَإِلَّا تَوَلَّيَاهُ وَاحْتَالَا فِي عَدَمِ مَسِّهِ.
[قَوْلُهُ: تُجَمَّرَ ثِيَابُهُ وِتْرًا] أَيْ تُبَخَّرُ وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا بِالْعُودِ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عُبُوقُ الرَّائِحَةِ.
[قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى الْأَصْلِ] وَمُقَابِلُهُ الضَّمُّ [قَوْلُهُ: مِنْ مِسْكٍ وَعَنْبَرٍ وَكَافُورٍ] أَيْ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ أَيْ وَلَكِنَّ الْكَافُورَ أَفْضَلُ، فَكَوْنُهُ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ مَنْدُوبٌ، وَبِالْكَافُورِ مَنْدُوبٌ ثَانٍ؛ لِأَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ طِيبًا يَشُدُّ الْأَعْضَاءَ وَيَمْنَعُ مِنْ سُرْعَةِ التَّغَيُّرِ كَمَا ذَكَرَهُ الدَّفَرِيُّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ.
[قَوْلُهُ: بَيْنَ أَكْفَانِهِ] أَيْ فَوْقَ كُلِّ لِفَافَةٍ مَا عَدَا الْعُلْيَا.
[قَوْلُهُ: وَفِي جَسَدِهِ] كَعَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَأَنْفِهِ وَفَمِهِ وَمَخْرَجَيْهِ بِأَنْ يَذَرَ مِنْهُ عَلَى بِقُطْنٍ وَيُصْلِقَ عَلَى عَيْنَيْهِ وَفِي أُذُنَيْهِ وَأَنْفِهِ وَمَخْرَجِهِ مِنْ غَيْرِ إدْخَالٍ فِيهَا.
[قَوْلُهُ: وَمَوَاضِعُ السُّجُودِ] أَيْ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ قُطْنٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَنُوطَ يُجْعَلُ فِي مَسَاجِدِهِ وَمَرَافِقِهِ مِنْ غَيْرِ قُطْنٍ وَبِقُطْنٍ فِي حَوَاسِّهِ وَمَا بَقِيَ مِنْ مَنَافِذِهِ، أَيْ مَا عَدَا حَاسَّةَ اللَّمْسِ فَلَيْسَتْ دَاخِلَةً هُنَا، وَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَطْفَ وَمَوَاضِعُ السُّجُودِ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْجَسَدِ مَا عَدَا مَوَاضِعَ السُّجُودِ، وَإِنْ شِئْت جَعَلْته مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِ.
تَنْبِيهٌ: بَعْدَ جَعْلِهِ فِي الْكَفَنِ يُلَفُّ الْكَفَنُ عَلَيْهِ وَيُرْبَطُ الْكَفَنُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ، وَقِيلَ: يُخَاطُ وَيُحَلُّ عِنْدَ الدَّفْنِ.

(وَلَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ فِي الْمُعْتَرَكِ) وَهُوَ مَنْ مَاتَ بِسَيْفِ الْقِتَالِ مَعَ الْكُفَّارِ فِي وَقْتِ قِيَامِ الْقِتَالِ.
(وَ) كَذَلِكَ (لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَلَوْ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَظَاهِرٌ أَيْضًا وَلَوْ لَمْ يُقَاتِلْ نَائِمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ نَائِمٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا وَلَوْ كَانَ جُنُبًا، وَشَهَرَهُ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ.
ابْنُ شَاسٍ: فَإِنْ رُفِعَ مِنْ الْمُعْتَرَكِ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَالْمَشْهُورُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَبْقَ فِيهِ إلَّا مَا يَكُونُ مِنْ غَمْرَةِ الْمَوْتِ وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ (وَ) كَمَا أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ (يُدْفَنُ بِثِيَابِهِ) وَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا شَيْءٌ، فَإِنْ قَصُرَتْ ثِيَابُهُ عَنْ السِّتْرِ زِيدَ عَلَيْهَا مَا يَسْتُرُهُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا دُونَ ذَلِكَ غُطِّيَ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ وَإِنَّمَا لَمْ يُغَسَّلْ الشَّهِيدُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «زَمِّلُوهُمْ بِثِيَابِهِمْ اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» وَإِنَّمَا لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ لِمَا قِيلَ لِمَالِكٍ أَبَلَغَك «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ فَكَبَّرَ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً» قَالَ: لَا وَلَا أَنَّهُ صَلَّى عَلَى أَحَدٍ مِنْ الشُّهَدَاءِ.
وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: فِي الْمُعْتَرَكِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الشُّهَدَاءِ كَالْمَطْعُونِ وَالْغَرِيقِ وَالْمَبْطُونِ وَالْحَرِيقِ فَإِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُكَفَّنُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ.

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ: وَلَا يُغَسَّلُ إلَخْ] أَيْ يَحْرُمُ تَغْسِيلُهُ سَوَاءٌ قَاتَلَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ أَوْ لِلْغَنِيمَةِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ مَاتَ بِسَيْفِ الْقِتَالِ] أَيْ الْمُهَيَّأِ بِالْفِعْلِ لِلْقِتَالِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُودُ قِتَالٍ بِالْفِعْلِ فَلِذَلِكَ احْتَاجَ لِقَوْلِهِ: فِي وَقْتِ قِيَامِ الْقِتَالِ.
وَقَوْلُهُ: مَعَ الْكُفَّارِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ الْقِتَالُ وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ بِسَيْفِ إلَخْ إذْ مِثْلُهُ مَنْ دَاسَتْهُ الْخَيْلُ أَوْ سَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ أَوْ حَمَلَ عَلَى الْعَدُوِّ فَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ أَوْ سَقَطَ مِنْ شَاهِقٍ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ إلَخْ] وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ: إذَا كَانَ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّ دَرَجَتَهُ انْحَطَّتْ عَنْ الشَّهِيدِ الَّذِي دَخَلَ بِلَادَ الْعَدُوِّ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ جُنُبًا] وَالْمُقَابِلُ يَقُولُ إذَا كَانَ جُنُبًا يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ رُفِعَ مِنْ الْمُعْتَرَكِ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ] أَيْ فِي أَهْلِهِ أَوْ فِي أَيْدِي الرِّجَالِ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ حِينَ الرَّفْعِ مَنْفُوذَ الْمَقَاتِلِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَبْقَ فِيهِ إلَخْ] أَيْ سَوَاءٌ أُنْفِذَتْ مُقَاتِلُهُ أَمْ لَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى كَانَ مَغْمُورًا لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ أُنْفِذَتْ مُقَاتِلُهُ أَمْ لَا، وَمَتَى رُفِعَ حَيًّا غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ مَنْفُوذَ الْمُقَاتِلِ أَمْ لَا.
هَذَا مُحَصَّلُ ذَلِكَ الْقَوْلِ عَلَى مَا يُسْتَفَادُ مِنْ بَعْضِ شُرُوحِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ، وَلَكِنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ مَنْفُوذَهَا لَا يُغَسَّلُ رُفِعَ مَغْمُورًا أَمْ لَا وَكَذَا غَيْرُ مَنْفُوذِهَا وَهُوَ مَغْمُورٌ.
تَنْبِيهٌ: سُمِّيَ الشَّهِيدُ شَهِيدًا لِأَنَّ رُوحَهُ شَهِدَتْ دَارَ السَّلَامِ وَدَخَلَهَا قَبْلَ الْقِيَامَةِ بِخِلَافِ رُوحِ غَيْرِهِ لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ صَاحِبِهَا وَهُوَ بَعْدَ الْقِيَامَةِ.
[قَوْلُهُ: يُدْفَنُ بِثِيَابِهِ] أَيْ مَصْحُوبَةً بِخُفٍّ وَقَلَنْسُوَةٍ وَهِيَ الطَّرْبُوشُ وَمِنْطَقَةٍ قَلَّ ثَمَنُهَا وَأَنْ تَكُونَ مُبَاحَةً، وَخَاتَمٌ قَلَّ ثَمَنُ فَصِّهِ إلَّا الدِّرْعَ وَالسِّلَاحَ وَالْقِلَّةُ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِ فِي نَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُزَادُ] مُرُورٌ عَلَى الرَّاجِحِ إذَا اُخْتُلِفَ هَلْ تُمْنَعُ الزِّيَادَةُ أَوْ لَا بَأْسَ بِهَا؟ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الطِّرَازِ.
قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ قَالَهُ الشَّيْخُ سَالِمٌ، وَجَزَمَ اللَّقَانِيُّ بِحُرْمَةِ الزِّيَادَةِ حَيْثُ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهَا.
[قَوْلُهُ: زِيدَ عَلَيْهَا] أَيْ وُجُوبًا كَمَا أَنَّهُ يُكَفَّنُ إذَا وُجِدَ عُرْيَانًا.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا دُونَ ذَلِكَ] أَيْ دُونَ مَا يَسْتُرُهُ أَيْ أَنَّنَا لَمْ نَجِدْ مَا يَسْتُرُهُ فَنَسْتُرُهُ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ، هَذَا إذَا وَجَدْنَا مَا يَسْتُرُ بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَقَطْ، فَلَوْ وَجَدْنَا أَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ غَطَّى مَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى صَدْرِهِ كَذَا ذَكَرَ بَعْضٌ.
[قَوْلُهُ: زَمِّلُوهُمْ] أَيْ لُفُّوهُمْ [قَوْلُهُ: «اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ» ] كَانَ فِي الْجَسَدِ أَوْ فِي الثَّوْبِ.
وَقَوْلُهُ: وَالرِّيحُ أَيْ وَرَائِحَةُ الدَّمِ عِنْدَ اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ رِيحِ الْمِسْكِ فِي الرِّضَا فَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُزَالُ ذَلِكَ، [قَوْلُهُ: وَلَا أَنَّهُ] أَيْ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ [قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِهِ] أَيْ وَهُوَ شَهِيدُ الْآخِرَةِ.

(فَائِدَةٌ) فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى النَّاسُ عَلَيْهِ أَفْذَاذًا لَا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ» . قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَهَذَا أَمْرٌ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ وَاخْتُلِفَ فِي تَعْلِيلِهِ فَقِيلَ: هُوَ مِنْ بَابِ التَّعَبُّدِ الَّذِي يَعْسُرُ تَعَقُّلُ مَعْنَاهُ، وَقِيلَ: لِيُبَاشِرَ كُلُّ وَاحِدٍ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ مِنْهُ إلَيْهِ.
قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: صَلَّى النَّاسُ إلَخْ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ الْمُعْتَادَةُ وَإِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَأْتُونَ فَيَدْعُونَ وَيَتَرَحَّمُونَ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَوَجْهُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ شَهِيدٍ وَالشَّهِيدُ يُغْنِيهِ فَضْلُهُ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى قَالَ: وَإِنَّمَا فَارَقَ الشَّهِيدَ فِي الْغُسْلِ لِأَنَّ الشَّهِيدَ حُذِرَ مِنْ تَغْسِيلِهِ إزَالَةُ الدَّمِ عَنْهُ وَهُوَ مَطْلُوبٌ بَقَاؤُهُ وَتَطَيُّبُهُ وَلِأَنَّهُ عِنْوَانُ شَهَادَتِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَلَيْسَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا تُكْرَهُ إزَالَتُهُ عَنْهُ فَافْتَرَقَا انْتَهَى.

(وَيُصَلَّى عَلَى قَاتِلِ نَفْسَهُ) زَادَ فِي الْكِتَابِ وَإِثْمُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً.
(وَ) كَذَلِكَ (يُصَلَّى عَلَى مَنْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ فِي حَدٍّ) وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ الْقَتْلُ كَتَارِكِ الصَّلَاةِ وَالْمُحَارِبِ وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ (أَوْ) قَتَلَهُ الْإِمَامُ فِي (قَوَدٍ) كَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ (وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ فِي حَدٍّ أَوْ قَوَدٍ (الْإِمَامُ) وَلَا أَهْلُ الْفَضْلِ، وَهَذَا النَّهْيُ نَهْيُ كَرَاهَةٍ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ عَلَى مَاعِزٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَنَى بِهِ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ» وَإِنَّمَا نُهُوا عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ رَدْعًا لِغَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ إذَا رَأَوْا الْأَئِمَّةَ وَأَهْلَ الْفَضْلِ امْتَنَعُوا مِنْ

[حاشية العدوي]

فَائِدَةٌ: نَقَلَ نُورُ الدِّينِ الزِّيَادِيُّ أَنَّ السُّؤَالَ عَامٌّ فِي كُلِّ مُكَلَّفٍ وَلَوْ شَهِيدَ الْحَرْبِ، وَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ عَدَمِ سُؤَالِ الشُّهَدَاءِ وَنَحْوِهِمْ عَلَى عَدَمِ الْفِتْنَةِ فِي الْقَبْرِ خِلَافًا لِلسُّيُوطِيِّ.
[قَوْلُهُ: جَلَالُ الدِّينِ] أَيْ السُّيُوطِيّ.
[قَوْلُهُ: مِنْهُ] أَيْ نَاشِئَةً مِنْ الْمُصَلِّي مُنْتَهِيَةً لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ يُبَاشِرُ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ إلَخْ] الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: وَعَلَى هَذَا فَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ وَهُوَ الصَّوَابُ، فَقَدْ قَالَ عِيَاضٌ: الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ صَلَاةً حَقِيقَةً لَا مُجَرَّدَ الدُّعَاءِ فَقَطْ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مُجَرَّدُ الدُّعَاءِ فَقَطْ، فَقَوْلُهُ وَيَتَرَحَّمُونَ أَيْ بِالدُّعَاءِ بِلَفْظِ الصَّلَاةِ لَا بِلَفْظِ الرَّحْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
[قَوْلُهُ: فَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَوْدُ التَّشْرِيفُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَعَ أَنَّ الْكَامِلَ يَقْبَلُ زِيَادَةَ التَّكَمُّلِ.
[قَوْلُهُ: حُذِّرَ مِنْ تَغْسِيلِهِ] أَيْ مُنِعَ مِنْ تَغْسِيلِهِ.
وَقَوْلُهُ: إزَالَةُ أَيْ: كَرَاهَةُ إزَالَةِ، وَهُوَ إمَّا فَاعِلُ حُذِّرَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ أَوْ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ، وَيَكُونُ حُذِّرَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
وَقَوْلُهُ: وَتَطَيُّبُهُ عِبَارَةُ التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ لِطِيبِهِ وَهِيَ أَصْوَبُ.
[قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ عِنْوَانُ] أَيْ عَلَامَةُ شَهَادَتِهِ، وَقَوْلُهُ فِي الْآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِعَلَامَةُ.

[قَوْلُهُ: كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً] أَيْ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ أَهْلُ الْفَضْلِ فِي الْخَطَأِ لَا الْعَمْدِ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ تت، وَظَاهِرُ مَا لِلشَّارِحِ.
[قَوْلُهُ: كَتَارِكِ الصَّلَاةِ] أَيْ كَسَلًا.
وَقَوْلُهُ: وَالْمُحَارِبُ أَيْ قَاطِعُ الطَّرِيقِ.
وَقَوْلُهُ: وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ أَيْ كَلَائِطٍ وَزَانِ مُحْصَنَيْنِ.
[قَوْلُهُ: مَاعِزٍ] اعْتَرَفَ بِالزِّنَا [قَوْلُهُ: وَعَنَّا بِهِ] أَيْ وَرَضِيَ عَنَّا بِسَبَبِهِ أَيْ بِسَبَبِ التَّوَسُّلِ بِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يَنْهَ] أَيْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ إلَخْ لَا يُنْتِجُ كَوْنَهُ نَهْيَ كَرَاهَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا نُهُوا] أَيْ الْإِمَامُ وَأَهْلُ الْفَضْلِ.
تَنْبِيهٌ: مُقْتَضَى الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ قُتِلَ فِي تَعْزِيرٍ أَوْ فِي حَدٍّ غَيْرِ الْقَتْلِ لَا تُكْرَهُ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَلَا مَنْ فِي حُكْمِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِالْمَعَاصِي، وَإِلَّا كُرِهَ وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ مِنْ الْإِمَامِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى عَدَمِ

الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ لَمْ تَدْخُلَا تَحْتَ التَّرْجَمَةِ عَلَى مَا قِيلَ إحْدَاهُمَا قَوْلُهُ: (وَلَا يُتْبَعُ الْمَيِّتُ بِمِجْمَرٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِهَا اسْمٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ الْجَمْرُ، فَيُقَالُ: أَجْمَرْت النَّارَ مِجْمَرًا وَيُنْشَدُ هَذَا الْبَيْتُ بِالْوَجْهَيْنِ: لَا تَصْطَلِي النَّارَ إلَّا مِجْمَرًا أَرِجًا ... قَدْ كَسَّرَتْ مِنْ يَلَنْجُوجٍ لَهُ وَقَصَا قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ، فَمُرَادُ الشَّيْخِ أَنَّهُ لَا يُتْبَعُ بِمِجْمَرٍ فِيهَا نَارٌ لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ وَالْأُخْرَى قَوْلُهُ: (وَالْمَشْيُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ) لِلرِّجَالِ (أَفْضَلُ) مِنْ الْمَشْيِ خَلْفَهَا وَإِذَا رَكِبُوا فَيُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا خَلْفَهَا، وَدَلِيلُ هَذَا التَّفْصِيلِ وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَقَدْ نَقَلْنَاهُ فِي الْأَصْلِ، وَقَيَّدْنَا بِالرِّجَالِ احْتِرَازًا مِنْ النِّسَاءِ فَإِنَّ الْأَفْضَلَ فِي حَقِّهِنَّ التَّأَخُّرُ خَلْفَ الرُّكْبَانِ.

، ثُمَّ

[حاشية العدوي]

صَلَاتِهِ تَرْكُ الصَّلَاةِ جُمْلَةً عَلَى مَنْ ذَكَرَ، وَإِلَّا وَجَبَتْ صَلَاةُ مَنْ ذَكَرَ لِوُجُوبِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى كُلِّ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ.

[قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْمِيمِ إلَخْ] فِي الْقَامُوسِ أَنَّ الْمِجْمَرَ بِالْكَسْرِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ الْجَمْرُ وَالْعُودُ نَفْسُهُ، وَكَذَا الْمُجْمَرُ بِالضَّمِّ فِيهِمَا فَقَدْ حُكِيَ الضَّمُّ وَلَمْ يَحْكِ الْفَتْحَ.
[قَوْلُهُ: أَجْمَرْتُ النَّارَ] بِضَمِّ التَّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَالنَّارَ مَفْعُولٌ.
وَقَوْلُهُ: مِجْمَرًا مَنْصُوبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ أَجْمَرْت النَّارَ فِي مِجْمَرٍ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ لِلْآلَةِ الَّتِي لِلْجَمْرِ.
[قَوْلُهُ: وَيُنْشَدُ هَذَا الْبَيْتَ بِالْوَجْهَيْنِ] أَيْ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ هَذَا مَدْلُولُهُ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ فِي الصِّحَاحِ الْكَسْرُ وَالضَّمُّ فَإِنَّهُ قَالَ: الْمِجْمَرُ بِالْكَسْرِ اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ الْجَمْرُ وَبِالضَّمِّ الَّذِي هُيِّئَ لَهُ الْجَمْرُ، وَيُنْشَدُ هَذَا الْبَيْتُ بِالْوَجْهَيْنِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ، فَالْوَجْهَانِ الْكَسْرُ وَالضَّمُّ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَ، وَلَعَلَّ الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا تَسْتَدْفِئُ الْمَحْبُوبَةُ بِالنَّارِ إلَّا فِي مِجْمَرٍ عَلَى الْكَسْرِ.
وَقَوْلُهُ: أَرِجًا أَيْ فَاحَتْ رَائِحَتُهُ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنْ عُودِ الْبَخُورِ.
وَقَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: أَرِجَ الْمَكَانُ أَرَجًا فَهُوَ أَرِجٌ مِثْلُ تَعِبَ تَعَبًا فَهُوَ تَعِبٌ إذَا فَاحَتْ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ أَوْ لَا تَصْطَلِي النَّارَ إلَّا إذَا كَانَتْ مُجْمَرًا أَيْ ذَاتَ مُجْمَرٍ أَيْ ذَاتَ عُودِ بَخُورٍ أَرِجًا أَيْ فَاحَتْ رَائِحَتُهُ عَلَى الضَّمِّ.
وَقَوْلُهُ: قَدْ كَسَرَتْ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ كَمَا رَأَيْته مَضْبُوطًا بِشَكْلِ الْقَلَمِ فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ نُسَخِ الصِّحَاحِ وَفِي خَطِّ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، فَيَكُونُ الْفَاعِلُ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلَى الْمَحْبُوبَةِ.
وَقَوْلُهُ: وَقْصًا مَفْعُولُهُ، وَالْيَلَنْجُوجُ عُودُ الْبَخُورِ، وَالْوَقْصُ كِسَارُ الْعُودِ يُلْقَى عَلَى النَّارِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ، أَيْ قَدْ كَسَرَتْ تِلْكَ الْمَحْبُوبَةُ مِنْ الْيَلَنْجُوجِ وَقْصًا أَيْ كِسَارًا لَهُ أَيْ لِعُودِ الْبَخُورِ، فَلَهُ حَالٌ مِنْ: وَقَصًا مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ أَيْ كِسَارًا مَنْسُوبَةً لَهُ مِنْ نِسْبَةِ الْجُزْءِ لِلْكُلِّ أَوْ اللَّامِ بِمَعْنَى مِنْ وَحِينَئِذٍ فَفِيهِ مَجَازُ الْأَوَّلِ، فَإِنْ قُلْت عَلَى قِرَاءَةِ مُجْمَرًا بِالضَّمِّ مُرَادًا مِنْهُ الْعُودُ نَفْسُهُ يَكُون الْأَصْلُ قَدْ كَسَرَتْ مِنْهُ فَلِمَ عَدَلَ عَنْهُ؟ قُلْت: إشَارَةً إلَى أَنَّهُ كَمَا يُسَمَّى مُجْمَرًا يُسَمَّى يَلَنْجُوجًا هَذَا مَا ظَهَرَ لَلذِّهْنِ الْفَاتِرِ وَالْفَهْمِ الْقَاصِرِ.
[قَوْلُهُ: فَمُرَادُ الشَّيْخِ إلَخْ] أَيْ لَا حَقِيقَتُهَا الَّتِي هِيَ آلَةُ مَا يُجْعَلُ فِيهِ الْجَمْرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ جَمْرٌ.
[قَوْلُهُ: لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَخْ] أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفَاؤُلِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ فَكَرَاهَةٌ ثَانِيَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَشْيُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ] أَيْ فِي حَالِ الذَّهَابِ إلَى الصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ أَفْضَلُ مِنْ الْمَشْيِ خَلْفَهَا، وَإِذَا رَكِبُوا أَيْ لَوْ وَقَعَ وَنَزَلَ أَنَّهُمْ رَكِبُوا إلَخْ أَيْ ارْتَكَبُوا الْمَكْرُوهَ؛ لِأَنَّهُ يُنْدَبُ الْمَشْيُ فَالْمَاشِي الْمُتَقَدِّمُ مُحَصِّلٌ لِفَضِيلَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ نَقَلْنَاهُ فِي الْأَصْلِ إلَخْ] قَدْ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ فَقَالَ مَا نَصُّهُ: أَقُولُ: نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى أَنَّ الْمَشْيَ فِي الْجِنَازَةِ فَضِيلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَكَوْنُهُ أَمَامَهَا فَضِيلَةٌ أُخْرَى، دَلِيلُ الْأَوَّلِ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جِنَازَةٍ فَرَأَى نَاسًا رُكْبَانًا فَقَالَ: أَلَّا تَسْتَحْيُونَ إنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ» . وَدَلِيلُ الثَّانِي مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ

انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى صِفَةِ الدَّفْنِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى حُكْمِهِ هُنَا، وَنَصَّ آخِرَ الْكِتَابِ عَلَى أَنَّهُ فَرْضٌ فَقَالَ: (وَيُجْعَلُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ) سَوَاءٌ كَانَ لَحْدًا أَوْ شَقًّا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) إلَى الْقِبْلَةِ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْمَجَالِسِ وَتُمَدُّ يَدُهُ الْيُمْنَى عَلَى جَسَدِهِ وَيُعْدَلُ رَأْسَهُ بِالتُّرَابِ وَرِجْلَاهُ بِرِفْقٍ وَيُجْعَلُ التُّرَابُ خَلْفَهُ وَأَمَامَهُ لِئَلَّا يَنْقَلِبَ، وَيَحُلُّ عُقَدَ كَفَنِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ جَعْلِهِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَعَلَى ظُهْرِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَعَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ وَإِذَا خُولِفَ بِهِ الْوَجْهُ الْمَطْلُوبُ فِي دَفْنِهِ كَمَا إذَا جُعِلَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ وَلَمْ يَطُلْ فَإِنَّهُ يُتَدَارَكُ وَيُحَوَّلُ عَنْ حَالِهِ، وَالطُّولُ يَكُونُ بِالْفَرَاغِ مِنْ دَفْنِهِ فَإِنْ لَمْ يُوَارُوهُ أَوْ أَلْقَوْا عَلَيْهِ يَسِيرًا مِنْ التُّرَابِ فَلْيُحَوَّلْ إلَى مَا يَنْبَغِي.
(وَ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ وَضِعَ الْمَيِّتِ فِي لَحْدِهِ (يُنْصَبُ عَلَيْهِ اللَّبِنُ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْبَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ جَمْعُ لَبِنَةٍ وَهُوَ مَا يُعْمَلُ مِنْ طِينٍ وَتِبْنٍ، وَرُبَّمَا عُمِلَ بِدُونِهِ وَهُوَ أَفْضَلُ مَا يُسَدُّ بِهِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْحَدَ ابْنَهُ إبْرَاهِيمَ وَنَصَبَ اللَّبِنَ عَلَى لَحْدِهِ» ، وَيُسْتَحَبُّ سَدُّ الْخَلَلِ الَّذِي بَيْنَ اللَّبِنِ لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ فِي ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (وَيَقُولُ) وَاضِعُ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ أَوْ مَنْ حَضَرَ دَفْنَهُ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ نَصْبِ اللَّبِنِ عَلَيْهِ (اللَّهُمَّ إنَّ صَاحِبَنَا) الْمُرَادُ بِهِ هُنَا جِنْسُ

[حاشية العدوي]

حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ» ، ثُمَّ قَالَ: وَنَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلرَّاكِبِ التَّأَخُّرُ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ» . [قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْأَفْضَلَ فِي حَقِّهِنَّ التَّأَخُّرُ خَلْفَ الرُّكْبَانِ] أَطْلَقَ فِي النِّسَاءِ، وَالْحُكْمُ فِي خُرُوجِهِنَّ أَنَّ الْمُتَجَالَّاتِ كَالرِّجَالِ يُطْلَبُ مِنْهُنَّ الْخُرُوجُ لِتَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ قَرِيبٍ وَأَجْنَبِيٍّ، وَأَمَّا النِّسَاءُ الْمُفَتِّنَاتُ فَلَا يَحِلُّ خُرُوجُهُنَّ، وَلَوْ لِجِنَازَةِ ابْنٍ أَوْ زَوْجٍ، وَأَمَّا الشَّابَّةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُفْتِنَةٍ فَتَخْرُجُ لِجِنَازَةِ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهَا فَقْدُهُ كَابْنِهَا وَزَوْجِهَا وَأَخِيهَا وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْأَفْضَلَ إلَخْ] وَانْظُرْ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمَيِّتِ إلَّا النِّسَاءُ فَقَطْ.

[قَوْلُهُ: وَيُجْعَلُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ مَيِّتُ الْبَحْرِ إنْ لَمْ يَرْجُ الْبَرَّ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُرْمَى عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَهَلْ يُثْقَلُ بِشَيْءٍ فِي رَجُلَيْهِ أَوْ لَا قَوْلَانِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ إلَخْ] يُفْهِمُ أَنَّ مَجْمُوعَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْجَعْلِ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ مَعَ كَوْنِهِ إلَى الْقِبْلَةِ مُسْتَحَبٌّ وَاحِدٌ، وَكَذَا ظَاهِرُ خَلِيلٍ حَيْثُ قَالَ: وَضَجَعَ فِيهِ عَلَى أَيْمَنَ مُقْبِلًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا مُسْتَحَبَّانِ وَحَرَّرَ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا] أَيْ الْقِبْلَةَ أَشْرَفُ الْمَجَالِسِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَجَالِسَ جَمْعُ مَجْلِسٍ وَهُوَ مَحَلُّ الْجُلُوسِ وَهُوَ لَمْ يَكُنْ جَالِسًا فِيهَا بَلْ هُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهَا فَجَعْلُهُ جَالِسًا فِيهَا تَسَامُحٌ.
[قَوْلُهُ: وَتُمَدُّ يَدُهُ] أَيْ نَدْبًا.
وَقَوْلُهُ: عَلَى جَسَدِهِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجْعَلُهَا فَوْقَ الْجَسَدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُرَادٍ بَلْ الْمُرَادُ إلَى جَسَدِهِ أَيْ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْأَرْضِ مَضْمُومَةٌ إلَى جَسَدِهِ، فَعَلَى بِمَعْنَى إلَى.
وَقَوْلُهُ: وَيَعْدِلُ إلَخْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ آخَرُ.
وَقَوْلُهُ: وَرِجْلَاهُ أَيْ بِالتُّرَابِ.
[قَوْلُهُ: وَيُجْعَلُ التُّرَابُ خَلْفَهُ وَأَمَامَهُ لِئَلَّا يَنْقَلِبُ] شَامِلٌ لِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ مَا ضَرَّهُ.
[قَوْلُهُ: وَيُحَلُّ عُقَدُ كَفَنِهِ] أَيْ نَدْبًا.
[قَوْلُهُ: بِالْفَرَاغِ مِنْ دَفْنِهِ] أَيْ أَوْ بِوَضْعِ كَثِيرٍ بِحَيْثُ يَعْسُرُ إزَالَتُهُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ أَلْقَوْا عَلَيْهِ يَسِيرًا مِنْ التُّرَابِ] لَعَلَّ الْيَسِيرَ مَا لَا مَشَقَّةَ فِي إزَالَتِهِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ] وَمُقَابِلُهُ كَسْرُ اللَّامِ وَفَتْحُ الْبَاءِ.
[قَوْلُهُ: وَرُبَّمَا عَمِلَ بِدُونِهِ] أَيْ التِّبْنِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ أَفْضَلُ مَا يُسَدُّ بِهِ] أَيْ مِنْ لَوْحٍ وَقُرْمُودٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُنْدَبُ سَدُّهُ بِاللَّبِنِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَبِالْأَلْوَاحِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَبِقُرْمُودٍ وَهُوَ شَيْءٌ يُجْعَلُ مِنْ الطِّينِ عَلَى هَيْئَةِ وُجُوهِ الْخَيْلِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَآجُرُّ الطُّوبِ الْمُحَرَّقِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَحَجَرٌ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَقَصَبٌ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَيُسَدُّ اللَّحْدُ بِالتُّرَابِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ بِالتَّابُوتِ أَيْ فِي الْخَشَبَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالسِّحْلِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: أَلْحَدَ إلَخْ] لَعَلَّ الْمَعْنَى أَيْ أَمَرَ بِذَلِكَ، وَرُبَّمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ أَيْ سَدِّ الْخَلَلِ الَّذِي بَيْنَ اللَّبِنِ، وَيُكْرَهُ كَمَا فِي كَبِيرِ الْخَرْشِيِّ جَعَلَ مُضْرِبَةً تَحْتَ أَوْ مِخَدَّةٍ تَحْتَ رَأْسِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ السَّلَفِ، وَمَا رُوِيَ

الْمَيِّتِ لِيَدْخُلَ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا أَبًا أَوْ ابْنًا أَوْ غَيْرَهُمَا (قَدْ نَزَلَ بِك) أَيْ اسْتَضَافَك (وَخَلَّفَ) أَيْ نَبَذَ (الدُّنْيَا) الْمُرَادُ بِهَا أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَوَلَدُهُ (وَرَاءَ ظَهْرِهِ) وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخِرَةِ (وَافْتَقَرَ إلَى مَا عِنْدَكَ) وَهِيَ رَحْمَتُك وَهُوَ الْآنَ أَشَدُّ افْتِقَارًا إلَيْهَا (اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ) أَيْ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ (مَنْطِقَهُ) أَيْ كَلَامَهُ (وَلَا تَبْتَلِهِ) أَيْ لَا تَخْتَبِرْهُ (فِي قَبْرِهِ بِمَا) أَيْ بِشَيْءٍ (لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ وَأَلْحِقْهُ بِنَبِيِّهِ) أَيْ اجْعَلْهُ فِي جِوَارِ نَبِيِّهِ (مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) .

(وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقُبُورِ) ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَصْلِ (وَ) كَذَا يُكْرَهُ (تَجْصِيصُهَا) أَيْ تَبْيِيضُهَا بِالْجِصِّ وَهُوَ الْجِبْسُ لِمَا فِي مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ» .

(وَلَا يُغَسِّلُ الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْكَافِرَ) لِأَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ إلَّا مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي غُسْلِهِ.
(وَ) كَمَا أَنَّهُ لَا يُغَسِّلُهُ (لَا يُدْخِلُهُ قَبْرَهُ) لِأَنَّ بِالْمَوْتِ سَقَطَ بِرُّهُ اللَّهُمَّ (إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَضِيعَ) إذَا تَرَكَهُ (فَلِيُوَارِهِ) أَيْ يَلُفُّهُ بِثَوْبِهِ وَيَدْفِنُهُ وَلَا

[حاشية العدوي]

مِنْ جَعْلِ قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالْأَثْبَتُ أَنَّهَا أُخْرِجَتْ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: اسْتَضَافَك] أَيْ طَلَبَ مِنْك أَنْ تُضِيفَهُ أَيْ تُنْزِلَهُ وَتُقَرِّبَهُ، هَذَا إذَا جَعَلْنَا السِّينَ وَالتَّاءَ لِلطَّلَبِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ النُّزُولَ حَاصِلٌ بِالْفِعْلِ فَيَكُونُ الطَّلَبُ مُتَوَجِّهًا إلَى التَّقْرِيبِ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مَا ذُكِرَ لِلطَّلَبِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ نَزَلَ عِنْدَك ضَيْفًا.
[قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِهَا إلَخْ] لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ إذْ يَصِحُّ أَنْ يُرَادُ بِهَا مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْفَرَاغِ الَّذِي بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ.
[قَوْلُهُ: وَأَقْبَلَ عَلَى الْآخِرَةِ] ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَعَ أَنَّهُ فِيهَا.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْآنَ أَشَدُّ إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يُفَسِّرَ افْتَقَرَ بِأَشَدَّ افْتِقَارًا.
[قَوْلُهُ: أَيْ كَلَامُهُ] أَيْ فَأَرَادَ بِالْمَنْطِقِ الْمَنْطُوقَ بِهِ الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ أَيْ ثَبَتَ كَلَامُهُ أَيْ بِحَيْثُ يُجِيبُ حِينَ السُّؤَالِ بِقَوْلِهِ: رَبِّي اللَّهُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ إلَخْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَحَلَّ النُّطْقِ بِحَيْثُ يُجِيبُ بِمَا ذَكَرَ فَالْمَآلُ وَاحِدٌ.
[قَوْلُهُ: لَا تَخْتَبِرْهُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الِاخْتِبَارَ هُوَ الِامْتِحَانُ، وَالْوَارِدُ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ السُّؤَالُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ دُعَاءً بِأَنْ يُلَطِّفَ بِهِ فِي السُّؤَالِ أَيْ بِحَيْثُ يُسْأَلُ بِرِفْقٍ، فَمَصْدُوقُ الشَّيْءِ السُّؤَالُ الَّذِي بِعُنْفٍ أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ بِالِاخْتِبَارِ لَازِمَهُ مِنْ الْمَشَقَّاتِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ اجْعَلْهُ فِي جِوَارِ] أَيْ فِي الْبَرْزَخِ بِأَنْ تَكُونَ رُوحُهُ مُجَاوِرَةً لِرُوحِهِ، وَفِي الْجَنَّةِ بِأَنْ تَكُونَ بِجِوَارِهِ بِذَاتِهِ.
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الدُّعَاءَ لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ لَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ دُونَ غَيْرِهِ إذْ قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى سَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّهُمَّ تَقَبَّلْهُ بِأَحْسَنِ قَبُولٍ.

[قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقُبُورِ] أَيْ كَقُبَّةٍ أَوْ بَيْتٍ أَوْ سَقْفٍ وَكَذَا حَوَالَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفْضِيلِ عَلَى النَّاسِ.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا] أَيْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ مُطْلَقًا أَيْ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ.
وَقَوْلُهُ: بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ خُلَاصَتُهُ أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَ بِأَرْضِ مَوَاتٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ حَيْثُ لَا يَأْوِي إلَيْهِ أَهْل الْفَسَادُ، وَجُرِّدَ عَنْ قَصْدِ الْمُبَاهَاةِ وَلَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّمْيِيزُ وَإِلَّا حُرِّمَ فِيمَا عَدَا الْأَخِيرَ، وَجَازَ فِي الْأَخِيرِ كَمَا يُحَرَّمُ فِي الْأَرْضِ الْمُحْبَسَةِ مُطْلَقًا كَالْقَرَافَةِ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يَأْمُرَ بِهَدْمِهَا.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا يُكْرَهُ تَجْصِيصُهَا] مَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّمْيِيزُ وَإِلَّا جَازَ كَمَا يَجُوزُ وَضْعُ حَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ عُودٍ عَلَى الْقَبْرِ لِيُعْرَفَ بِهِ إذَا لَمْ يُنْقَشْ فِي ذَلِكَ اسْمٌ أَوْ تَارِيخُ مَوْتٍ، وَإِلَّا كُرِهَ وَإِنْ بُوهِيَ بِهِ حَرُمَ هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا، وَإِلَّا فَالْحُرْمَةُ كَمَا يَنْبَغِي.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ] أَيْ نَهْيَ كَرَاهَةٍ أَوْ تَحْرِيمٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ يَقْعُدَ عَلَيْهِ] أَيْ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ لِأَنَّ ذَلِكَ امْتِهَانٌ لِصَاحِبِهِ.
قَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ أَوْ غَيْرُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ لِلْحُرْمَةِ، وَأَمَّا الْجُلُوسُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ فَيُكْرَهُ.

[قَوْلُهُ: وَلَا يُغَسِّلُ الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْكَافِرَ] النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ وَأَوْلَى غَيْرُ أَبِيهِ.
[قَوْلُهُ: لَا يُدْخِلُهُ قَبْرَهُ] أَيْ بَلْ يُوكِلُهُ إلَى أَهْلِ دِينِهِ يَلُونَهُ وَالْإِدْخَالُ مَكْرُوهٌ فِيمَا يَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَضِيعَ] أَيْ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَدْفِنُهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ فَلْيَلُفَّهُ بِثَوْبِهِ وَيَدْفِنْهُ.
[قَوْلُهُ: فَلِيُوَارِهِ] أَيْ وُجُوبًا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْأَبِ بَلْ وُجُوبُ الْمُوَارَاةِ عِنْدَ خَوْفِ الضَّيْعَةِ عَامٌّ حَتَّى فِي الْأَجْنَبِيِّ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَإِنَّمَا أُمِرَ بِمُوَارَاتِهِ لِأَنَّ الْمَعَرَّةَ إلَخْ غَيْرُ ظَاهِرٍ، لِأَنَّهُ

يَسْتَقْبِلُ بِهِ قِبْلَتَنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا وَلَا قِبْلَتَهُمْ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَعْظِيمًا لَهَا وَإِنَّمَا أُمِرَ بِمُوَارَاتِهِ لِأَنَّ الْمَعَرَّةَ تَلْحَقُهُ فِي تَرْكِهِ بِغَيْرِ دَفْنٍ.

(وَاللَّحْدُ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا مَعَ إسْكَانِ الْحَاءِ (أَحَبُّ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ) مِنْ الشَّقِّ بِفَتْحِ الشِّينِ (وَهُوَ) أَيْ اللَّحْدُ (أَنْ يُحْفَرَ لِلْمَيِّتِ تَحْتَ الْجَرْفِ فِي حَائِطِ قِبْلَةِ الْقَبْرِ وَذَلِكَ) أَيْ كَوْنُ اللَّحْدِ أَفْضَلَ (إذَا كَانَتْ) حَائِطُ قِبْلَةِ الْقَبْرِ (تُرْبَةً صُلْبَةً لَا تَتَهَيَّلُ) أَيْ لَا تَسِيلُ كَأَرْضِ الرَّمَلِ.
(وَ) لَا (تَتَقَطَّعُ) أَيْ لَا تَسْقُطُ جَذْوَةً جَذْوَةً، أَمَّا إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ فَالشَّقُّ أَفْضَلُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ الْإِلْحَادُ الْمَفْهُومُ.
وَمِنْ السِّيَاقِ (فُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَفَسَّرَ اللَّحْدَ وَلَمْ يُفَسِّرْ الشَّقَّ وَهُوَ أَنْ يُحْفَرَ لَهُ حُفْرَةً كَالنَّهْرِ وَيُبْنَى جَانِبَاهَا بِاللَّبِنِ أَوْ غَيْرِهِ، وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا شَقٌّ يُوضَعُ الْمَيِّتُ فِيهِ وَيُسَقَّفُ عَلَيْهِ وَيُرْفَعُ السَّقْفُ قَلِيلًا بِحَيْثُ لَا يَمَسُّ الْمَيِّتَ، وَيُجْعَلُ فِي شُقُوقِهِ قِطَعُ اللَّبِنِ وَيُوضَعُ عَلَيْهِ التُّرَابُ.

[حاشية العدوي]

يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا خَافَ الضَّيْعَةَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لَا تَجِبُ مُوَارَاتُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَسْتَقْبِلُ] أَيْ يُحَرَّمُ فِيمَا يَظْهَرُ.

[قَوْلُهُ: أَحَبُّ] أَيْ فَالشَّقُّ مَحْبُوبٌ جَائِزٌ أَيْ خِلَافُ الْأَوْلَى فَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلَى بَابِهِ، وَقِيلَ: الشَّقُّ مَكْرُوهٌ فَأَفْعَلُ التَّفْضِيلُ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ وَإِنَّمَا كَانَ اللَّحْدُ أَحَبَّ لِخَبَرِ «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَهُ لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ثُمَّ أَقُولُ: وَأَيُّ دَاعٍ إلَى قَوْلِهِ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ.
[قَوْلُهُ: جَذْوَةً جَذْوَةً] أَيْ قِطْعَةً قِطْعَةً.
[قَوْلُهُ: فَالشَّقُّ أَفْضَلُ] وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
[قَوْلُهُ: أَيْ الْإِلْحَادُ إلَخْ] وَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ وَفُعِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ فِعْلًا مُمَاثِلًا لِلْإِلْحَادِ السَّابِقِ، وَالْفِعْلُ الْمُمَاثِلُ لِلْإِلْحَادِ السَّابِقِ إلْحَادٌ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى وَأُلْحِدَ بِرَسُولِ اللَّهِ إلْحَادًا مُمَاثِلًا لِلْإِلْحَادِ السَّابِقِ فَالْمُغَايَرَةُ بِالْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ أَنْ يَحْفِرَ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُحْفَرُ فِي أَسْفَلِ الْقَبْرِ أَضْيَقَ مِنْ أَعْلَاهُ بِقَدْرِ مَا يَسَعُ الْمَيِّتَ.
[قَوْلُهُ: وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا شَقٌّ] لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِأَنَّ الشَّقَّ هُوَ عَيْنُ الْحُفْرَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: يُحْفَرُ حُفْرَةً كَالنَّهْرِ، وَالنَّهْرُ اسْمٌ لِلْمَكَانِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ لَا الْمَاءُ.

[20 - بَابٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ] (بَابٌ فِي) بَيَانِ صِفَةِ (الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ) جَمْعُ جِنَازَةٍ.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَمَذْهَبُ الْخَلِيلِ أَنَّ الْجِنَازَةَ بِالْكَسْرِ خَشَبُ سَرِيرِ الْمَوْتَى، وَبِالْفَتْحِ الْمَيِّتُ وَعَكَسَ الْأَصْمَعِيُّ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُمَا لُغَتَانِ.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْجِنَازَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ الْمَيِّتُ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: وَالْجِنَازَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ النَّعْشُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ وَلَا يُقَالُ دُونَ مَيِّتٍ جِنَازَةٌ وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ جَنَزَ إذَا ثَقُلَ.
(وَ) فِي بَيَانِ (الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ) وَحُكْمِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَلَى مَا قَالَ آخِرَ الْكِتَابِ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَيُصَلَّى عَلَيْهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إلَّا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا فَإِنَّهَا تُكْرَهُ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَى الْمَيِّتِ التَّغَيُّرُ فَلَا يُكْرَهُ.

وَيُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ مُسْلِمٍ حَاضِرٍ تَقَدَّمَ اسْتِقْرَارُ حَيَاتِهِ لَيْسَ بِشَهِيدِ مَعْرَكَةٍ وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَلَا مَنْ فُقِدَ أَكْثَرُهُ، فَإِذَا فُقِدَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ سَقَطَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَكَذَا الْغُسْلُ فَإِنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ.

وَالْأَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالْمُوصَى لَهُ بِالصَّلَاةِ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَلِيِّ إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْخَيْرِ تُرْجَى بَرَكَةُ

[حاشية العدوي]

[بَابٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ]

ِ [قَوْلُهُ: جَمْعُ جِنَازَةٍ] أَيْ الْمَيِّتِ لَا الصَّلَاةِ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: وَعَكَسَ الْأَصْمَعِيُّ] بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ نِسْبَةً لِجَدِّهِ أَصْمَعَ الْبَاهِلِيِّ ثُمَّ الْبَصْرِيِّ، هُوَ الْإِمَامُ فِي اللُّغَةِ وَالْأَخْبَارِ رَوَى عَنْ الْكِبَارِ، أَجْمَعُوا عَلَى تَوْثِيقِهِ، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ أَوْ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ عَنْ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ اهـ. ذَكَرَهُ الْمُنَاوِيُّ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ إلَخْ] هُوَ يَرْجِعُ لِكَلَامِ الْأَصْمَعِيِّ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَمْ يَنُصَّ الشَّارِحُ عَلَى حُكْمِ الْفَتْحِ فَتَحْتَمِلُ الْمُخَالَفَةَ وَالْمُوَافَقَةَ.
وَقَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ مُغَايِرٌ إذْ قَدْ اشْتَرَطَ قَيْدًا وَهُوَ قَوْلُهُ إذَا كَانَ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَاشْتِقَاقُهَا] وَقَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: جَنَزْت الشَّيْءَ أَجْنِزُهُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ سَتَرْته، وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ الْجِنَازَةِ، وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ يُنَاسِبُ كَوْنَهُ اسْمًا لِلْمَيِّتِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي بَيَانِ الدُّعَاءِ] مِنْ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ وَهُوَ جَائِزٌ، وَأَبْرَزَ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَنَائِزِ الْمَيِّتُ وَأَنَّ الصَّلَاةَ إنَّمَا هِيَ عَلَى الْمَيِّتِ وَحْدَهُ، وَأَفْرَدَ الْمَيِّتَ إشَارَةً إلَى أَنَّ أَلْ فِي الْجَنَائِزِ لِلْجِنْسِ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا تُكْرَهُ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ] الْحَقُّ أَنَّهَا تُمْنَعُ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَتُكْرَهُ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ وَتُعَادُ فِي الْأُولَى مَا لَمْ تُدْفَنْ، وَلَا إعَادَةَ فِي الثَّانِيَةِ مُطْلَقًا وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهَا التَّغَيُّرُ وَإِلَّا جَازَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا بِلَا خِلَافٍ.

[قَوْلُهُ: مُسْلِمٍ] أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا [قَوْلُهُ: حَاضِرٍ] أَيْ لَا غَائِبٍ فَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: تَقَدَّمَ اسْتِقْرَارُ حَيَاتِهِ] خَرَجَ السِّقْطُ الَّذِي لَمْ يَسْتَهِلَّ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ أَيْ يُكْرَهُ، وَلَوْ تَحَرَّكَ أَوْ عَطَسَ أَوْ بَالَ أَوْ رَضَعَ إلَّا أَنْ يُكْثِرَ الرَّضَاعَ بِحَيْثُ يَقُولُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ: إنَّهُ لَا يَقَعُ مِثْلُهُ إلَّا مِمَّنْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ.
[قَوْلُهُ: لَيْسَ بِشَهِيدِ مَعْرَكَةٍ] وَأَمَّا هُوَ فَيَحْرُمُ تَغْسِيلُهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ] أَيْ يُكْرَهُ [قَوْلُهُ: وَلَا مَنْ فُقِدَ أَكْثَرُهُ] ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ نِصْفُهُ يُغَسَّلُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَمَا دُونَ ثُلُثَيْ الْجَسَدِ لَا يُغَسَّلُ، وَالْجَسَدُ مَا عَدَا الرَّأْسِ فَإِذَا وُجِدَ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثَيْنِ وَزَادَ عَلَى النِّصْفِ وَمَعَهُ الرَّأْسُ فَلَا يُغَسَّلُ، وَأَوْلَى إذَا وُجِدَ النِّصْفُ وَمَعَهُ الرَّأْسُ أَوْ لَا.

[قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ] أَيْ وَالْأَحَقُّ بِالصَّلَاةِ إمَامًا عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ

دُعَائِهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ الْمَيِّتِ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَلِيِّ فَلَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ.

وَأَرْكَانُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ خَمْسَةٌ: الْقِيَامُ فَإِنْ صَلَّوْا قُعُودًا لَمْ تَجُزْ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا، الثَّانِي وَالثَّالِثُ: التَّحْرِيمُ وَالسَّلَامُ.
الرَّابِعُ: الدُّعَاءُ، وَالْخَامِسُ: التَّكْبِيرُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (وَالتَّكْبِيرُ عَلَى الْجِنَازَةِ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ نَاسِيًا وَذَكَرَ بِالْقُرْبِ رَجَعَ بِنِيَّةٍ فَقَطْ وَلَا يُكَبِّرُ، وَإِنْ زَادَ الْإِمَامُ خَامِسَةً سَلَّمَ الْمَأْمُومُ وَلَا يَنْتَظِرُهُ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ هَارُونَ بِمَا إذَا قَامَ الْإِمَامُ لِخَامِسَةٍ سَهْوًا فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يُسَلِّمُوا بِسَلَامِهِ وَإِذَا ابْتَدَأَ التَّكْبِيرَ فَإِنَّهُ (يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي أُولَاهُنَّ وَإِنْ رَفَعَ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فَلَا بَأْسَ) مَا ذَكَرَهُ أَحَدُ أَقْوَالٍ أَرْبَعَةٍ وَهُوَ لِأَشْهَبَ، قَالَ: يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْأُولَى وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْبَاقِي إنْ شَاءَ رَفَعَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرْفَعْ.
ثَانِيهَا: أَنَّهُ يَرْفَعُ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ وَهُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
ثَالِثُهَا: فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا.
يَرْفَعُ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَقَطْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَاخْتَارَهُ التُّونِسِيُّ.
رَابِعُهَا: لَا يَرْفَعُ فِي الْأُولَى وَلَا فِي غَيْرِهَا.
التَّوْضِيحُ: وَهُوَ أَشْهَرُ مِنْ الرَّفْعِ فِي

[حاشية العدوي]

وَلِيِّهِ وَصِيٌّ أَوْصَاهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْمَيِّتِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ يَشْفَعُ لَهُ هُنَاكَ أَيْ وَيُقْضَى لَهُ بِهِ.
[قَوْلُهُ: تُرْجَى بَرَكَةُ دُعَائِهِ] لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ صَرَّحَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، أَيْ أَوْصَاهُ لِرَجَاءِ بَرَكَةِ دُعَائِهِ فَقَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ إلَخْ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، وَقَوْلُهُ: بَيْنَهُ أَيْ بَيْنَ الْمَيِّتِ.

[قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا] وَدَلِيلُ الْوُجُوبِ مَفْهُومٌ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: 84] بِنَاءً عَلَى أَنَّ الَّذِي يُفِيدُهُ الْمَفْهُومُ ضِدُّ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ وَهُوَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لَا نَقِيضُ الْحُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَهُوَ عَدَمُ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
[قَوْلُهُ: التَّحْرِيمُ] الْمُرَادُ الْإِحْرَامُ بِمَعْنَى النِّيَّةِ.
[قَوْلُهُ: لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] وَذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ أَنَّ «آخِرَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ فِيهَا أَرْبَعًا» . [قَوْلُهُ: وَذَكَرَ بِالْقُرْبِ] وَأَمَّا لَوْ طَالَ الْأَمْرُ فَتَبْطُلُ وَتُعَادُ الصَّلَاةُ مَا لَمْ يُدْفَنْ، فَإِنْ دُفِنَ فَيُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُكَبِّرُ] لِئَلَّا يَلْزَمَ الزِّيَادَةَ فِي عَدَدِهِ، فَإِنْ كَبَّرَ حَسِبَهُ مِنْ الْأَرْبَعِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ زَادَ الْإِمَامُ خَامِسَةً إلَخْ] زَادَهَا عَمْدًا أَوْ يَرَاهَا مَذْهَبًا أَوْ سَهْوًا فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يُسَلِّمُ قَبْلَهُ وَلَا يَنْتَظِرُهُ، وَصَلَاتُهُمْ كَصَلَاتِهِ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ فِيهَا لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الرَّكَعَاتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَأَيْضًا الْخَامِسَةُ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ زَائِدَةٌ إجْمَاعًا وَالزِّيَادَةُ هُنَا قِيلَ بِهَا لِلِاخْتِلَافِ فِي تَكْبِيرَاتِهَا مِنْ ثَلَاثٍ إلَى تِسْعٍ، وَإِنْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ زَمَنَ الْفَارُوقِ عَلَى أَرْبَعٍ، فَإِنْ انْتَظَرَ فَيَنْبَغِي عَدَمُ الْبُطْلَانِ كَذَا فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يَنْتَظِرُهُ إلَخْ وَأَمَّا لَوْ نَقَصَ فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ حَيْثُ كَانَ سَهْوًا وَلَا يُكَلِّمُونَهُ بَلْ يُسَبِّحُونَ كَمَا قَالَ سَحْنُونٌ، فَإِنْ لَمْ يَتَنَبَّهْ فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ بِتَكْبِيرَةٍ وَصَلَاتُهُمْ صَحِيحَةٌ دُونَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا عَلَى كَلَامِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُمْ يُكَلِّمُونَهُ فَإِنْ لَمْ يَتَنَبَّهْ وَتَرَكَهُمْ كَبَّرُوا وَصَحَّتْ صَلَاتُهُمْ إنْ تَنَبَّهَ عَنْ قُرْبٍ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ تَبَعًا لِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الصَّغِيرُ رَادًّا عَلَى عِبَارَةِ عَبْدِ الْبَاقِي.
فَإِنْ نَقَصَ عَمْدًا وَهُوَ يَرَاهُ مَذْهَبًا لَمْ يَتْبَعُوهُ وَأَتَوْا بِتَمَامِ الْأَرْبَعِ، وَانْظُرْ إذَا نَقَصَ عَمْدًا دُونَ تَقْلِيدٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَبْطُلُ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ أَتَوْا بِرَابِعَةٍ لِبُطْلَانِهَا عَلَى الْإِمَامِ وَانْظُرْ إذَا لَمْ يَعْلَمْ هَلْ نَقَصَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْمِلُ عَلَى مَا إذَا نَقَصَ سَهْوًا [قَوْلُهُ: وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ] وَقَالَ أَشْهَبُ: يَسْكُتُ فَإِذَا كَبَّرَ الْخَامِسَةَ سَلَّمَ بِسَلَامِهِ [قَوْلُهُ: وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ هَارُونَ إلَخْ] مَا ذَكَرَهُ ابْنُ هَارُونَ غَيْرُ ظَاهِرٍ.
قَالَ الْمَوَّاقُ: سُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ الْإِمَامُ مِمَّنْ يُكَبِّرُ خَمْسًا فَلْيَقْطَعْ الْمَأْمُومُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ وَلَا يَتْبَعْهُ فِي الْخَامِسَةِ اهـ. وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُكَبِّرُ خَمْسًا لَكِنَّهُ سَهَا فَكَبَّرَ خَمْسًا أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقْطَعُ وَلَكِنَّهُ يَسْكُتُ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ سَلَّمَ بِسَلَامِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ وَأَشْهَبُ: وَبِهَذَا يَحْسُنُ الْجَمْعُ بَيْنَ إطْلَاقَاتِهِمْ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ وَعَلَى هَذَا فَلَا اعْتِرَاضَ.
[قَوْلُهُ: يَرْفَعُ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَقَطْ إلَخْ] وَأَمَّا الرَّفْعُ فِي غَيْرِهَا فَهُوَ خِلَافُ الْأُولَى كَمَا فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمُعْتَمَدُ.
وَسَكَتَ عَنْ الرَّابِعِ فَلَمْ يُبَيِّنْهُ وَهُوَ مَا ذَكَرَ الْفَاكِهَانِيُّ عَنْ

الْجَمِيعِ وَلِهَذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي مُخْتَصَرِهِ.

وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الدُّعَاءَ أَحَدُ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَتُعَادُ الصَّلَاةُ لِتَرْكِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي الدُّعَاءِ بَعْدَ الرَّابِعَةِ فَأَثْبَتَهُ سَحْنُونٌ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ التَّكْبِيرَاتِ وَخَالَفَهُ سَائِرُ الْأَصْحَابِ قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ الْقِرَاءَةِ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَاتِ الْأَرْبَعَ أُقِيمَتْ مَقَامَ الرَّكَعَاتِ الْأَرْبَعِ.
ج: هَذَا الَّذِي أَعْرِفُهُ فِي الْمَذْهَبِ يَعْنِي مِنْ حِكَايَةِ الْقَوْلَيْنِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ التَّخْيِيرُ حَيْثُ قَالَ: (وَإِنْ شَاءَ دَعَا بَعْدَ الْأَرْبَعِ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ مَكَانَهُ) فَيَكُونُ قَوْلًا ثَالِثًا وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ.

(وَيَقِفُ الْإِمَامُ) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (فِي) الصَّلَاةِ عَلَى (الرَّجُلِ عِنْدَ وَسَطِهِ) بِفَتْحِ السِّينِ (وَ) يَقِفُ الْإِمَامُ (فِي) الصَّلَاةِ عَلَى (الْمَرْأَةِ) (عِنْدَ مَنْكِبَيْهَا) تَثْنِيَةُ مَنْكِبٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِ وَهُوَ مَجْمَعُ عَظْمِ الْكَتِفِ وَالْعَضُدِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّفْصِيلِ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَأَجَابُوا عَمَّا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ فَقَامَ عَلَى وَسَطِهَا» بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعْصُومٌ مِمَّا يُتَوَهَّمُ فِي غَيْرِهِ.

(وَالسَّلَامُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ) عَلَى الْمَشْهُورِ (خَفِيَّةٌ) وَفِي نُسْخَةٍ خَفِيفَةٌ بِفَاءَيْنِ بَيْنَهُمَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ، وَيَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ فَلَا

[حاشية العدوي]

مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ أَصْلًا لَا فِي الْأُولَى وَلَا فِي غَيْرِهَا.

[قَوْلُهُ: وَخَالَفَهُ سَائِرُ الْأَصْحَابِ] وَلِذَا شَهَّرَ كَلَامَ الْأَصْحَابِ وَرَجَّحَ عج الْقَوْلِ بِالدُّعَاءِ بَعْدَ الرَّابِعَةِ فَجَعَلَهُ رُكْنًا عَلَى الْمَذْهَبِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّكْبِيرَاتِ الْأَرْبَعَ] أَيْ مَجْمُوعَهَا أَيْ الْهَيْئَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ مِنْ التَّكْبِيرَاتِ الْأَرْبَعِ مَعَ مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ الدُّعَاءِ بِمَنْزِلَةِ رَكَعَاتٍ أَرْبَعٍ، وَلَا قِرَاءَةَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ فَلَا دُعَاءَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ بِمَنْزِلَةِ رَكْعَةٍ لُوحِظَتْ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ الدُّعَاءِ وَإِلَّا لَزِمَ فِي الْأَوَّلِ عَدَمُ الدُّعَاءِ بَعْدَ غَيْرِ الرَّابِعَةِ، وَفِي الثَّانِي الدُّعَاءُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ، وَلِأَجْلِ الِالْتِفَاتِ لِلْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ عَدَلَ الشَّارِحُ عَنْ أَنْ يَقُولَ لِأَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ بِمَنْزِلَةِ كُلِّ رَكْعَةٍ إلَى مَا قَالَ، وَخُلَاصَةُ مَذْهَبِ سَائِرِ الْأَصْحَابِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْوَارِدِ نَظَرًا لِتِلْكَ الْعِلَّةِ.
تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى النِّيَّةِ وَهِيَ أَحَدُ الْأَرْكَانِ وَصِفَتُهَا أَنْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ الصَّلَاةَ عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ مَعَ اسْتِحْضَارِ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَا يَضُرُّ إنْ غَفَلَ عَنْ هَذَا الْأَخِيرِ وَتَصِحُّ، كَمَا تَصِحُّ لَوْ صَلَّى عَلَيْهَا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهَا أُنْثَى فَوُجِدَتْ ذَكَرًا وَبِالْعَكْسِ، أَوْ أَنَّهَا فُلَانٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا غَيْرُهُ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الشَّخْصُ الْحَاضِرُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ فِي النَّعْشِ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَاعْتَقَدَ أَنَّ مَا فِيهِ وَاحِدٌ، فَإِنَّهَا تُعَادُ عَلَى الْجَمِيعِ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَإِلَّا أُعِيدَتْ عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي نَوَاهُ.
وَلَوْ نَوَى وَاحِدًا بِعَيْنِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَلَيْسَ فِيهِمَا أَوْ فِيهِمْ مَنْ عَيَّنَهُ فَإِنَّهَا تُعَادُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَلَوْ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ فِي النَّعْشِ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ جَمَاعَةٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ صَحَّتْ لِأَنَّ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ بَعْضُ الْجَمَاعَةِ.

[قَوْلُهُ: وَيَقِفُ الْإِمَامُ] وَمِثْلُهُ الْمُنْفَرِدُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَقِفُ الرَّجُلُ عِنْدَ مَنْكِبَيْ الْمَرْأَةِ أَيْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتَذَكَّرَ أَنْ لَوْ وَقَفَ عِنْدَ وَسَطِهَا وَعِنْدَ وَسَطِ الرَّجُلِ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إمَامًا أَوْ فَذًّا، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ إذَا صَلَّتْ عَلَى امْرَأَةٍ فَتَقِفُ حَيْثُ شَاءَتْ وَأَمَّا عَلَى الرَّجُلِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا كَذَلِكَ، وَالتَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهَا تَقِفُ عِنْدَ مَنْكِبَيْهِ، وَأَمَّا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ إذَا صَلَّى عَلَى مِثْلِهِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَقِفُ عِنْدَ مَنْكِبَيْهِ وَكَذَا لَوْ صَلَّى عَلَى ذَكَرٍ مُحَقَّقٍ أَوْ أُنْثَى مُحَقَّقَةٍ وَصَلَّى عَلَيْهِ ذَكَرٌ مُحَقَّقٌ أَوْ أُنْثَى مُحَقَّقَةٌ وَحُرِّرَ.
[قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّفْصِيلِ] وَمُقَابِلُ الْمَعْرُوفِ مَا رَوَاهُ ابْنُ غَانِمٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقِفُ أَيْضًا عِنْدَ وَسَطِ الْمَرْأَةِ كَالرَّجُلِ.
وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: حَيْثُ وَقَفَ الْإِمَامُ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَازَ.
[قَوْلُهُ: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ إلَخْ] قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لِأَنَّهُ يَسْتُرُهَا عَنْ النَّاسِ.
[قَوْلُهُ: وَسَطِهَا] أَيْ عِنْدَ وَسَطِهَا

[قَوْلُهُ: تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا رَوَى أَشْهَبُ أَنَّ الْإِمَامَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَرَوَى ابْنُ غَانِمٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمَأْمُومَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ يَرُدُّ

يُمَطِّطُ وَلَا يَجْهَرُ كُلَّ الْجَهْرِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: (لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ) يُخَالِفُ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُسَلِّمُ إمَامُ الْجِنَازَةِ وَاحِدَةً يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه، وَيُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ وَاحِدَةً يُسْمِعُ نَفْسَهُ فَقَطْ، وَإِنْ أَسْمَعَ مَنْ يَلِيه فَلَا بَأْسَ بِهِ وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ.

(وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ) الْمُسْلِمِ (قِيرَاطٌ مِنْ الْأَجْرِ وَقِيرَاطٌ فِي حُضُورِ دَفْنِهِ وَذَلِكَ) الْقِيرَاطُ (فِي التَّمْثِيلِ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ثَوَابًا) الْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا الْجَبَلُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَتَصَدَّقَ بِهِ كَانَ ثَوَابُهُ مِثْلَ ثَوَابِ هَذَا الْقِيرَاطِ، أَرَادَ بِذَلِكَ بَيَانَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحِ: «مَنْ اتَّبَعَ جِنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ» . ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ قِيرَاطَ الصَّلَاةِ لَمْ يَحْصُلْ إلَّا بِتَمَامِ الصَّلَاةِ، وَقِيرَاطُ الدَّفْنِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِتَمَامِ الدَّفْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَحْصُلُ بِوَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ، وَانْظُرْ إذَا تَعَدَّدَتْ الْمَوْتَى فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهَا هَلْ يَتَعَدَّدُ الْقِيرَاطُ بِتَعَدُّدِهِمْ أَمْ لَا؟ الْجُزُولِيُّ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا.
وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ: يَتَعَدَّدُ الْجُزُولِيُّ لَا أَدْرِي مِنْ

[حاشية العدوي]

بِالثَّانِيَةِ عَلَى الْإِمَامِ، وَفِي الْوَاضِحَةِ لَا يَرُدُّ عَلَى الْإِمَامِ إلَّا مَنْ سَمِعَهُ فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَمْطُطْ] مُحْتَرَزُ خَفِيفَةٍ، وَقَوْلُهُ: لَا يَجْهَرُ كُلَّ الْجَهْرِ مُحْتَرَزُ خَفِيَّةٍ أَيْ فَالْمُرَادُ بِكَوْنِهَا خَفِيَّةً أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ كُلَّ الْجَهْرِ.
وَقَوْلُهُ: وَظَاهِرُ إلَخْ وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ أَنَّ الْمُدَوَّنَةَ حَكَمَتْ بِأَنَّ الْإِمَامَ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه، وَالْمَتْنُ يَقْتَضِي خِلَافَهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: خَفِيَّةٌ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ خَفِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ كُلَّ الْجَهْرِ، فَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَجْهَرُ وَهُوَ يُصَدَّقُ بِسَمَاعِ نَفْسِهِ وَمَنْ يَلِيه فَلَا يَكُونُ مُخَالَفَةً، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِجَوَابٍ آخَرَ بِأَنَّ قَوْلَهُ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ رَاجِعٌ لِوَاحِدَةٍ لَا لِقَوْلِهِ خَفِيَّةً، وَقَوْلُهُ: خَفِيفَةٌ عَائِدٌ عَلَى الْمَأْمُومِ فَقَطْ وَلَكِنْ لَا قَرِينَةَ فِي اللَّفْظِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ أَسْمَعَ مَنْ يَلِيه فَلَا بَأْسَ] بِمَعْنَى خِلَافِ الْأُولَى فِيمَا يَظْهَرُ [قَوْلُهُ: وَمَشَى إلَخْ] أَيْ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه.

[قَوْلُهُ: الْمَعْنَى إلَخْ] وَقِيلَ مَعْنَى الْمُمَاثَلَةِ لَوْ جُعِلَ هَذَا الْجَبَلُ فِي كِفَّةٍ وَجُعِلَ الْقِيرَاطُ فِي كِفَّةٍ مُقَابِلَةٍ لَهَا لَسَاوَاهَا، وَأُحُدٌ جَبَلٌ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ قَالَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ هَذَا الْجَبَلَ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» . وَخَصَّهُ بِالتَّمْثِيلِ إمَّا لِذَلِكَ وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ الْجِبَالِ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَ إلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ وَتَتَّصِلُ بِهِ الْجِبَالُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ] أَيْ أَوْ فِضَّةٍ [قَوْلُهُ: «مَنْ اتَّبَعَ» ] قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ: بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ «تَبِعَ» بِغَيْرِ أَلِفٍ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ.
وَقَوْلُهُ: «إيمَانًا وَاحْتِسَابًا» أَيْ مُؤْمِنًا أَيْ مُصَدِّقًا بِالْأَجْرِ مُحْتَسِبًا أَيْ لَا مُكَافَأَةً وَلَا مَخَافَةً.
وَقَوْلُهُ: حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا بِفَتْحِ اللَّامِ فِي الْيُونِينِيَّةِ وَفِي هَامِشِهَا بِكَسْرِهَا، وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ فِي الْفِعْلَيْنِ أَوْ الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَالْجَارُ وَالْمَجْرُورُ فِيهِمَا نَائِبٌ عَنْ الْفَاعِلِ.
[قَوْلُهُ: بِقِيرَاطَيْنِ] مُثَنَّى قِيرَاطٍ وَهُوَ اسْمٌ لِمِقْدَارٍ مِنْ الثَّوَابِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ «كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ» بِضَمَّتَيْنِ، سُمِّيَ بِهِ لِتَوَحُّدِهِ وَانْقِطَاعِهِ عَنْ جِبَالٍ أُخْرَى هُنَاكَ اهـ. تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ حُصُولُ ثَوَابِ قِيرَاطِ الصَّلَاةِ وَقِيرَاطِ الدَّفْنِ وَلَوْ لَمْ يَتَّبِعْهَا فِي الطَّرِيقِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الثَّانِي لِقَوْلِهَا: وَجَائِزٌ أَنْ يَسْبِقَ وَيَنْتَظِرَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ عَلَى الِاتِّبَاعِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَثَوَابُ مَنْ اتَّبَعَهَا وَلَازَمَهَا أَعْظَمُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ ثَوَابَ كُلٍّ مِنْ الدَّفْنِ أَوْ الصَّلَاةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْآخَرِ.
[قَوْلُهُ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا] لَعَلَّ هَذَا فِي بَعْضِ تَقَايِيدِهِ وَإِلَّا وَقَعَ لَهُ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ قَالَ: هَلْ يَحْصُلُ بِهِ لِلْمُصَلِّي مِنْ الْقَرَارِيطِ بِعَدَدِهِمْ؟ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو عِمْرَانَ: يَحْصُلُ لَهُ بِكُلِّ مَيِّتٍ قِيرَاطٌ وَاحِدٌ اهـ. أَعْنِي لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ انْتَفَعَ بِدُعَائِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ مِثْلُ هَذَا فِيمَا إذَا حَضَرَ دَفْنَ جَمَاعَةٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ كَذَا فِي عج.
تَتِمَّةٌ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ رَهْبَةً أَوْ مُكَافَأَةً أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْأَجْرُ الْمَذْكُورُ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ

أَيْنَ أَخَذَهُ مِنْ الرِّسَالَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا.

(وَيُقَالُ فِي الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ غَيْرُ شَيْءٍ مَحْدُودٍ) أَيْ مُعَيَّنٌ مُؤَقَّتٌ؛ لِأَنَّ الْأَدْعِيَةَ الْمَرْوِيَّةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ، وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ دُعَاءٌ مُعَيَّنٌ، وَتَعَقَّبَ بِأَنَّ مَالِكًا فِي الْمُوَطَّأِ اسْتَحَبَّ دُعَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَهُوَ: اللَّهُمَّ إنَّهُمْ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَحْدَك لَا شَرِيكَ لَك وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك وَرَسُولُك وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ: (وَذَلِكَ) أَيْ مَا وَرَدَ مِنْ الدُّعَاءِ (كُلُّهُ وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ فَقُلْ مَا شِئْت مِنْهُ (وَمِنْ مُسْتَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ) أَيْ الدُّعَاءِ (أَنْ يُكَبِّرَ ثُمَّ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ وَأَحْيَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى لَهُ الْعَظَمَةُ وَالْكِبْرِيَاءُ) هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ (وَالْمُلْكُ) عِبَارَةٌ عَنْ الْخَلْقِ وَالتَّصَرُّفِ وَالْهِدَايَةِ وَالْإِضْلَالِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ (وَالْقُدْرَةُ) قِيلَ هِيَ بِمَعْنَى الْمُلْكِ (وَالسَّنَاءُ) بِالْمَدِّ الْعُلُوُّ وَالرِّفْعَةُ فِي الْمَنْزِلَةِ لَا فِي الْجِهَةِ وَالْمَكَانِ، وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الضِّيَاءِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) هَذَا عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ.
وَنُبِّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ قُدْرَتَهُ لَيْسَتْ فِيمَا ظَهَرَ خَاصَّةً بَلْ فِيمَا ظَهَرَ وَبَطَنَ وَمَا وُجِدَ وَمَا لَمْ يُوجَدْ (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى

[حاشية العدوي]

حَيْثُ قَالَ: حُضُورُ الْجِنَازَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ رَغْبَةٌ وَرَهْبَةٌ وَمُكَافَأَةٌ الْأَجْرُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الْأَخِيرَيْنِ، وَلِلْبَرْزَلِيِّ فِي الْمُكَافَأَةِ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي نَقْصِ الْأَجْرِ مِنْ الْقِيرَاطِ كَوْنُ الْإِنْسَانِ إنَّمَا يَتَّبِعُ الْجِنَازَةَ لِأَجْلِ أَقَارِبِهَا؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَفِيهِ صِلَةُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، فَيَكُونُ أَعْظَمَ أَجْرًا بَلْ فِيهِ أَجْرَانِ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا يُنَافِي إيمَانًا وَاحْتِسَابًا الْوَاقِعُ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ صِلَةَ الْحَيِّ تَكُونُ احْتِسَابًا أَوْ مُدَارَاةً لَا لِأَجْلِ دُنْيَاهُ وَكِلَاهُمَا مِنْ عَمَلِ الْآخِرَةِ.

[قَوْلُهُ: أَيْ مُعَيَّنٍ] أَيْ بِحَيْثُ لَا يَتَجَاوَزُهُ إلَى غَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ: مُؤَقَّتٍ أَيْ بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ لَكِنَّ الْمُتَوَهَّمَ إنَّمَا هُوَ الْأَوَّلُ فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: لَا يُسْتَحَبُّ إلَخْ] أُجِيبَ عَنْ التَّخَالُفِ الْحَاصِلِ بَيْنَ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَمِنْ مُسْتَحْسَنِ إلَخْ.
وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ بَشِيرٍ بِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ وَالْمُسْتَحْسَنَ مَا أُخِذَ مِنْ الْقَوَاعِدِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا مَطْلُوبٌ لَكِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
[قَوْلُهُ: أَيْ جَائِزٌ] أَيْ مَأْذُونٌ فِيهِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأَدْعِيَةِ أَحْسَنَ مِنْ بَعْضٍ، فَلَا يُخَالِفَ قَوْلَهُ بَعْدُ: وَمِنْ مُسْتَحْسَنِ.
[قَوْلَهُ: مُسْتَحْسَنِ مَا قِيلَ] يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إضَافَةُ مُسْتَحْسَنٍ إلَى مَا بَعْدَهُ لِلْبَيَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ حَقِيقِيَّةً فَيُفِيدُ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا لَيْسَ مُسْتَحْسَنًا.
[قَوْلُهُ: أَنْ يُكَبِّرَ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَمِنْ مُسْتَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ عَقِبَ التَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ خَاصٌّ بِمَا يَقُولُهُ فِي الدُّعَاءِ لَا بِالتَّكْبِيرِ إذْ التَّكْبِيرُ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ يَقُولَ] الْأَوْلَى الْفَاءُ بَدَلَ ثُمَّ.
[قَوْلُهُ: أَمَاتَ وَأَحْيَا] أَمَاتَ مَنْ أَرَادَ إمَاتَتَهُ وَأَحْيَا مَنْ أَرَادَ بَقَاءَهُ.
[قَوْلُهُ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى] فِي الْآخِرَةِ [قَوْلُهُ: وَالتَّصَرُّفِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْخَلْقَ وَالْإِضْلَالَ وَغَيْرَهُمَا مِمَّا ذَكَرَ مِنْ أَفْرَادِ التَّصَرُّفِ فَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يُوَسِّطَهُ بَيْنَهُمَا.
[قَوْلُهُ: وَالْهِدَايَةِ] أَيْ خَلَقَ الِاهْتِدَاءَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَالْإِضْلَالِ.
[قَوْلُهُ: وَالثَّوَابِ] أَيْ الْإِثَابَةُ لِأَجْلِ مُنَاسَبَةِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ: وَالْعِقَابِ أَيْ الْمُعَاقَبَةِ.
[قَوْلُهُ: هِيَ بِمَعْنَى الْمُلْكِ] غَيْرُ ظَاهِرٍ فَالْأَوْلَى إبْقَاؤُهَا عَلَى حَقِيقَتِهَا الَّتِي هِيَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَهَا تَعَلُّقٌ بِكُلِّ مُمْكِنٍ إيجَادًا وَإِعْدَامًا.
[قَوْلُهُ: وَالرِّفْعَةُ] عَطْفُ مُرَادِفٍ [قَوْلُهُ: فِي الْمَنْزِلَةِ] أَيْ الرُّتْبَةِ وَعَطْفُ الْمَكَانِ عَلَى الْجِهَةِ مُغَايِرٌ؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ الْفَرَاغُ الَّذِي يَحُلُّ فِيهِ الشَّخْصُ وَالْجِهَةَ الْفَرَاغُ الَّذِي حَوْلَهُ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ.
[قَوْلُهُ: هَذَا عَامٌّ إلَخْ] لَا حَاجَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِشَيْءٍ مَشِيءٌ بِمَعْنَى مُرَادٍ.
[قَوْلُهُ: فِيمَا ظَهَرَ] أَيْ لَنَا: وَقَوْلُهُ: وَبَطَنَ أَيْ خَفِيَ عَنَّا كَاَلَّذِي فَوْقَ السَّمَاءِ.
[قَوْلُهُ: وَمَا لَمْ يُوجَدْ] الْآنَ وَيُوجَدُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا يَكُونُ إلَّا بِقُدْرَتِهِ تَعَالَى.

مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْت وَرَحِمْت وَبَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ) أَيْ مَحْمُودٌ مَجِيدٌ أَيْ كَرِيمٌ (اللَّهُمَّ) أَيْ يَا اللَّهُ (إنَّهُ) أَيْ هَذَا الْمَيِّتُ (عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك أَنْتَ خَلَقْته) أَيْ أَخْرَجْته مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ (وَرَزَقْته) مِنْ يَوْمِ خَلَقْته إلَى يَوْمِ أَمَتَّهُ (وَأَنْتَ أَمَتَّهُ) الْآنَ فِي الدُّنْيَا (وَأَنْتَ تُحْيِيهِ) فِي الْآخِرَةِ (وَأَنْتَ أَعْلَمُ) أَيْ عَالِمٌ (بِسِرِّهِ) مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَعَلَانِيَتِهِ) وَهِيَ أَحْرَى (جِئْنَاك شُفَعَاءَ) أَيْ نَطْلُبُ (لَهُ) الشَّفَاعَةَ (فَشَفِّعْنَا) أَيْ اقْبَلْ شَفَاعَتَنَا (فِيهِ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَجِيرُ) أَيْ نَطْلُبُ مِنْك الْإِجَارَةَ لَهُ وَالْأَمْنَ مِنْ عَذَابِك (بِحَبْلِ) أَيْ بِعَهْدِ (جِوَارِك) بِكَسْرِ الْجِيمِ عَلَى الْأَفْصَحِ أَيْ أَمَانِك (لَهُ إنَّك ذُو وَفَاءٍ وَذِمَّةٍ) أَيْ صَاحِبُ عَهْدٍ وَوَفَاءٍ (اللَّهُمَّ قِه) أَيْ نَجِّهِ (مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ) أَيْ مِمَّا يَنْشَأُ عَنْ السُّؤَالِ فِي الْقَبْرِ وَهُوَ عَدَمُ الثَّبَاتِ (وَ) قِه (مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) أَيْ اُسْتُرْ ذُنُوبَهُ وَلَا تُؤَاخِذْهُ بِهَا (وَارْحَمْهُ) أَيْ أَنْعِمْ عَلَيْهِ (وَاعْفُ عَنْهُ) أَيْ ضَعْ عَنْهُ ذُنُوبَهُ (وَعَافِهِ) أَيْ أَذْهِبْ عَنْهُ مَا يَكْرَهُ (وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ) . ك: رُوِّينَاهُ بِسُكُونِ الزَّايِ وَهُوَ مَا يُهَيَّأُ لِلنَّزِيلِ.
وَقَالَ ق: نُزُلَهُ أَيْ حُلُولُهُ فِي قَبْرِهِ بِأَنْ يَرَى مَا يَرْضَاهُ وَيَسُرُّهُ مِنْ الْعَمَلِ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ: وَارْحَمْ مُحَمَّدًا إلَخْ] يُشِيرُ إلَى أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ اخْتِصَارًا اسْتَغْنَى الْمُصَنِّفُ عَنْ ذِكْرِهِ بِقَوْلِهِ بَعْدُ وَرَحِمْت وَبَارَكْت فَتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: وَرَحِمْت إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ بِإِسْقَاطِ وَرَحِمْت وَإِسْقَاطِ فِي الْعَالَمِينَ كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ اهـ. قَالَ تت: هَذَا وَلَمْ يَأْتِ فِي طَرِيقٍ صَحِيحٍ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا اهـ. وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْأَفْضَلَ تَرْكُ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا، وَيُفِيدُ أَنَّ وَرَحِمْت وَارِدٌ فِي طَرِيقٍ صَحِيحٍ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: إنَّهُ عَبْدُك إلَخْ] ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مِنْ زِنًا، وَقِيلَ: يُقْتَصَرُ فِي وَلَدِ الزِّنَا عَلَى قَوْلِهِ إنَّهُ عَبْدُك، وَاخْتُلِفَ فِي نِدَائِهِ فِي الْآخِرَةِ فَقِيلَ: يُنَادَى بِاسْمِ أَبِيهِ وَقِيلَ بِاسْمِ أُمِّهِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مِنْ يَوْمِ خَلَقْته] أَيْ أَتْمَمْت خَلْقَهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ عَالِمٌ] أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ مِنْهُ، وَالتَّأْوِيلُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: اقْبَلْ شَفَاعَتَنَا] ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ التَّعْبِيرُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَوْ كَانَ الْمُصَلِّي أَدْنَى مِنْ الْمَيِّتِ وَهُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي.
وَقِيلَ: إنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُصَلِّي مُسَاوِيًا أَوْ أَرْفَعَ رُتْبَةً، وَأَمَّا الْأَدْنَى فَإِنَّمَا يَقُولُ: جِئْنَا مَعَ الشُّفَعَاءِ.
[قَوْلُهُ: وَالْأَمْنَ] الْمُنَاسِبُ وَالْأَمَانَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْنَ صِفَةُ الْمُؤْمِنِ بِالْفَتْحِ وَالْمَطْلُوبُ صِفَةُ الْمُؤْمِنِ بِالْكَسْرِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ بِعَهْدِ إلَخْ] فَفِي الْعِبَارَةِ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ أَيْ نَطْلُبُ الْإِجَارَةَ فِي حَالِ كَوْنِنَا مُتَمَسِّكِينَ بِوَعْدِ أَمَانِك أَيْ بِوَعْدِك لَهُ بِالْأَمَانِ أَيْ بِالْمَغْفِرَةِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْأَفْصَحِ] وَمُقَابِلُهُ الضَّمُّ.
[قَوْلُهُ: أَيْ أَمَانِك] تَفْسِيرٌ لِجِوَارِك.
[قَوْلُهُ: أَيْ صَاحِبُ عَهْدٍ] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ ذِمَّةً وَالْوَاوُ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا فَلَا يُنَافِي أَنَّ الذِّمَّةَ الَّتِي هِيَ الْعَهْدُ سَابِقَةٌ عَلَى الْوَفَاءِ، أَيْ وَقَدْ وَعَدَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَنْ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ وَلَمْ يُشْرِكْ بِالرَّحْمَةِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ كَمَا قَالَ فِي التَّحْقِيقِ أَيْ الَّتِي هُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] وَحَيْثُ عَلَّقَ بِالْمَشِيئَةِ فَيَظْهَرُ السُّؤَالُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مَا يَنْشَأُ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّ الْفِتْنَةَ نَفْسُ السُّؤَالِ وَالسُّؤَالُ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَيَكُونُ طَلَبُ النَّجَاةِ لَيْسَ مِنْهُ بَلْ مِمَّا يَنْشَأُ عَنْهُ وَهُوَ عَدَمُ الثَّبَاتِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تُؤَاخِذْهُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَهُوَ مُرُورٌ عَلَى غَيْرِ الرَّاجِحِ، إذْ الرَّاجِحُ أَنَّ الْغُفْرَانَ مَعْنَاهُ الْمَحْوُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ أَنْعِمْ عَلَيْهِ] أَيْ بِنِعَمٍ زَائِدَةٍ عَلَى الْغُفْرَانِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّحْلِيَةِ وَالْغُفْرَانِ مِنْ بَابِ التَّخْلِيَةِ بِالْخَاءِ وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّحْلِيَةِ بِالْحَاءِ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْمُنَاسِبُ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُقَدِّمَ قَوْلَهُ: وَاعْفُ عَنْهُ وَعَافِهِ عَلَى قَوْلِهِ وَارْحَمْهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى اغْفِرْ لَهُ.
[قَوْلُهُ: لِلنَّزِيلِ] أَيْ لِلضَّيْفِ ثُمَّ أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى التَّجَوُّزُ فِي الْعِبَارَةِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، فَالْمُرَادُ أَكْرِمْهُ فِي نُزُلِهِ فِيمَا يُهَيَّأُ لَهُ وَكَذَا يُقَالُ فِي كَلَامِ الْأَقْفَهْسِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَيَسِّرْهُ] عَطْفٌ لَازِمٌ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ أَيْ مِنْ ثَوَابِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالْمُنَاسِبُ حَذْفُ قَوْلِهِ مِنْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الدُّعَاءُ بِالْإِكْرَامِ تَفَضُّلًا مِنْهُ

الصَّالِحِ (وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا فَبِالْفَتْحِ الدُّخُولُ وَمَوْضِعُ الدُّخُولِ، وَبِالضَّمِّ الْإِدْخَالُ (وَاغْسِلْهُ بِمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْغُسْلِ هُنَا عَلَى ظَاهِرِهِ بَلْ هُوَ اسْتِعَارَةٌ لِلطَّهَارَةِ الْعَظِيمَةِ مِنْ الذُّنُوبِ (وَ) كَأَنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ (نَقِّهِ) أَيْ طَهِّرْهُ تَنْقِيَةً عَظِيمَةً (مِنْ الْخَطَايَا) أَيْ الذُّنُوبِ (كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ) أَيْ الْأَوْسَاخِ (وَأَبْدِلْهُ) أَيْ عَوِّضْهُ (دَارًا) وَهِيَ الْجَنَّةُ (خَيْرًا مِنْ دَارِهِ) وَهِيَ الدُّنْيَا (وَ) وَأَبْدِلْهُ (أَهْلًا) أَيْ قَرَابَةً فِي الْآخِرَةِ يُوَالُونَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ (خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ) أَيْ مِنْ قَرَابَتِهِ (وَ) أَبْدِلْهُ (زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا) أَيْ ذَا إحْسَانٍ (فَزِدْ) أَيْ فَضَاعِفْ لَهُ فِي ثَوَابِ (إحْسَانِهِ) اللَّهُمَّ (وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ) أَيْ اُعْفُ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ.
(اللَّهُمَّ إنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِك) اسْتَضَافَك.
(وَ) الْحَالُ أَنَّك (أَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ) وَإِنَّهُ (فَقِيرٌ) أَيْ أَشَدُّ افْتِقَارًا (إلَى رَحْمَتِك) الْآنَ (وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ) أَيْ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ (مَنْطِقَهُ) أَيْ كَلَامَهُ (وَلَا تَبْتَلِهِ) أَيْ لَا تَخْتَبِرْهُ (فِي قَبْرِهِ بِمَا) أَيْ بِشَيْءٍ (لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ) أَيْ أَجْرَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (وَلَا تَفْتِنَّا) أَيْ لَا تُشْغِلْنَا بِسِوَاك (بَعْدَهُ) فَإِنَّ كُلَّ مَا يُشْغِلُ عَنْك فَهُوَ فِتْنَةٌ (تَقُولُ هَذَا) أَيْ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ مِنْ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى

[حاشية العدوي]

تَعَالَى وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ.
[قَوْلُهُ: فَبِالْفَتْحِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرٍ فِي الْمُصَنَّفِ، وَتَقْدِيرِ " وَوَسِّعْ " بِمُلَاصِقٍ مَوْضِعَ الدُّخُولِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُلَاصِقَ لِمَوْضِعِ الدُّخُولِ مَوْضِعُ الِاسْتِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ الْمَطْلُوبُ تَوْسِعَتُهُ وَكَذَا يُقَالُ عَلَى الضَّمِّ.
وَقَوْلُهُ: وَمَوْضِعُ الدُّخُولِ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرٍ مُضَافٍ وَالتَّقْدِيرُ وَوَسِّعْ مُلَاصِقُ مَوْضِعٍ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: بِالْغُسْلِ] الْمُنَاسِبُ الْإِغْسَالُ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ أَغَسَلَهُ، وَقَوْلُهُ: بَلْ هُوَ اسْتِعَارَةٌ لِلطَّهَارَةِ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ بَلْ هُوَ اسْتِعَارَةٌ لِلتَّطْهِيرِ، فَشَبَّهَ التَّطْهِيرَ بِالْإِغْسَالِ وَاسْتَعَارَ اسْمَهُ لَهُ وَاشْتَقَّ مِنْهُ اغْسِلْ بِمَعْنَى طَهِّرْ.
وَقَوْلُهُ: بِمَاءٍ وَثَلْجٍ تَرْشِيحٌ.
فَائِدَةٌ: قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: الثَّلْجُ أَنْقَى مِنْ الْمَاءِ، وَالْبَرَدُ أَنْقَى مِنْ الثَّلْجِ فَارْتَكَبَ طَرِيقَ التَّرَقِّي.
[قَوْلُهُ: وَكَأَنَّهُ يَقُولُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ لَفْظَ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا بِيَدِي وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا إلَخْ.
وَحِينَئِذٍ فَالْوَاوُ الدَّاخِلَةُ عَلَى كَأَنَّهُ وَاوُ الْمُصَنِّفِ الَّتِي مَدْخُولُهَا نَقِّهِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَكَأَنَّهُ يَقُولُ إلَخْ إشَارَةً إلَى أَنَّ عَطْفَ وَنَقِّهِ عَلَى مَا قَبْلَهُ تَفْسِيرٌ.
[قَوْلُهُ: تَنْقِيَةً عَظِيمَةً] اُسْتُفِيدَ هَذَا مِنْ كَوْنِهَا أَيْ الطَّهَارَةِ بِتِلْكَ الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ أَبْلَغُ مَا يَكُونُ فِي الْإِنْقَاءِ.
[قَوْلُهُ: كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ] إنَّمَا مَثَّلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ أَثَرُ الْغُسْلِ وَهَذَا تَمْثِيلٌ بِالنَّظَرِ لِحَالِ الْمَخْلُوقِ، وَإِلَّا فَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ وَلَوْلَا وُرُودُ ذَلِكَ مِنْ الشَّارِعِ لَمَا جَازَتْ.
[قَوْلُهُ: أَيْ قَرَابَةً] أَيْ صَحَابَةً، فَقَوْلُهُ: يُوَالُونَهُ: أَيْ يُصَاحِبُونَهُ وَصْفٌ كَاشِفٌ.
[قَوْلُهُ: وَأَبْدِلْهُ زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ.
. . إلَخْ] أَرَادَ بِالزَّوْجِ الْجِنْسَ الصَّادِقَ بِمُتَعَدَّدٍ أَيْ عَوِّضْهُ الْآنَ زَوْجَاتٍ مِنْ الْحُورِ أَوْ مِمَّنْ مَضَى مِنْ الْآدَمِيَّاتِ الصَّالِحَاتِ أَحْسَنَ مِنْ زَوْجِهِ الَّذِي تَرَكَهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا أَوْ بِصَدَدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْوَاقِعِ لَهُ زَوْجَةٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَتَّعُ بِهِنَّ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ.
وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنْ تَكُونَ زَوْجَتُهُ الَّتِي مَاتَ عَنْهَا قَدْ تَكُونُ لَهُ.
[قَوْلُهُ: إحْسَانٍ] أَيْ طَاعَةٍ [قَوْلُهُ: وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ] الضَّمِيرُ فِي بِهِ رَاجِعٌ إلَى مَوْصُوفِ أَيْ وَأَنْتَ خَيْرُ مُضِيفٍ أَوْ كَرِيمٍ مَنْزُولٍ بِهِ، أَيْ أَنْتَ خَيْرُ مَنْ يُنْزَلُ بِهِ وَلَا يَصِحُّ جَعْلُ الضَّمِيرِ لِلَّهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَنْتَ يَا اللَّهُ خَيْرٌ مِنْ اللَّهِ هَكَذَا كُنْت قُلْته وَنَازَعَنِي بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ لِتَصْرِيحِ بَعْضِ أَئِمَّتِهِمْ بِكَوْنِ الضَّمِيرِ عَائِدًا عَلَى لِلَّهِ.
فَقُلْت: هَذَا لَا يَصِحُّ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَدْت عج صَرَّحَ بِمَا قُلْته فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
[قَوْلُهُ: إلَى رَحْمَتِك] أَرَادَ بِهَا الْغُفْرَانَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ.
[قَوْلُهُ: بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ] أَيْ لَا تَجْعَلْ نِهَايَةَ الِاخْتِبَارِ بِالسُّؤَالِ شَيْئًا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ وَهُوَ عَدَمُ الْجَوَابِ، بَلْ اجْعَلْ لَهُ قُدْرَةً عَلَى الْجَوَابِ أَوْ أَنَّ مَصْدُوقَ الشَّيْءِ كَوْنُ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ بِعُنْفٍ.
[قَوْلُهُ: مِنْ

وَالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى قَوْلِهِ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ (بِإِثْرِ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) بَعْضُهُمْ هَذَا عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، إذْ لَا يَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ وَإِنَّمَا يَقُولُ بَعْدَهَا مَا سَيَذْكُرُهُ الْآنَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَامٌّ يَقُولُهُ بِإِثْرِ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ حَتَّى الرَّابِعَةِ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَتَقُولُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ) يُرِيدُ إنْ شِئْت يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّخْيِيرِ فِي قَوْلِهِ إنْ شَاءَ دَعَا بَعْدَ الرَّابِعَةِ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا) أَيْ اُسْتُرْ ذُنُوبَ مَنْ عَاشَ مِنَّا وَمَنْ مَاتَ أَيْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (وَحَاضِرِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا إنَّك تَعْلَمُ مُتَقَلَّبَنَا) أَيْ تَصَرُّفَاتِنَا فِي جَمِيعِ أُمُورِنَا (وَ) تَعْلَمُ (مَثْوَانَا) أَيْ إقَامَتَنَا فِي أَحَدِ الدَّارَيْنِ (وَ) اغْفِرْ (لِوَالِدَيْنَا وَلِمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ وَ) اغْفِرْ (لِلْمُسْلِمِينَ وَلِلْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته) أَيْ أَبْقَيْته (مِنَّا فَأَحْيِهِ) أَيْ أَبْقِهِ (عَلَى الْإِيمَانِ) أَيْ الْكَامِلِ حَتَّى تُمِيتَهُ عَلَيْهِ (وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ) وَهُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
وَانْظُرْ لِمَ خَصَّ الْأَحْيَاءَ بِالْإِيمَانِ وَالْإِمَاتَةَ بِالْإِسْلَامِ (وَأَسْعِدْنَا بِلِقَائِك) أَيْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ (وَطَيَّبْنَا) أَيْ طَهِّرْنَا (لِلْمَوْتِ) بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ (وَطَيِّبْهُ لَنَا

[حاشية العدوي]

الثَّنَاءِ] الثَّنَاءُ وَالصَّلَاةُ مَنْدُوبَانِ وَالدُّعَاءُ وَاجِبٌ وَلَوْ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ وَحْدَهُ، وَإِلَّا لَقَالَ وَيَزِيدُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ.
[قَوْلُهُ: يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مَا تَقَدَّمَ إلَخْ] كَذَا فِيمَا بِيَدِي مِنْ النُّسَخِ وَهُوَ غَيْرُ صَوَابٍ، فَالصَّوَابُ حَذْفُ لَفْظَةِ قَوْلِهِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ لَفْظَةِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ فِي التَّحْقِيقِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّخْيِيرِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: صَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا إلَخْ] قَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَعْنِي بِالصَّغِيرِ صَغِيرَ الْمُكَلَّفِينَ وَبِالْكَبِيرِ أَكْبَرَ الْمُكَلَّفِينَ فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ صَحِيحًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَادَ الصِّغَارَ لَا تُكْتَبُ عَلَيْهِمْ السَّيِّئَاتُ.
[قَوْلُهُ: إنَّك تَعْلَمُ إلَخْ] أَيْ وَحَيْثُ كُنْت الْعَالِمَ بِذَلِكَ فَأَنْتَ الَّذِي لَك الْغُفْرَانُ فَنَسْأَلُك إيَّاهُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ تَصَرُّفَاتِنَا] إشَارَةً إلَى أَنَّ مُتَقَلَّبَ بِمَعْنَى التَّقَلُّبِ أَيْ التَّصَرُّفِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ إقَامَتَنَا إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَثْوَى الْمَنْزِلُ الَّذِي هُوَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ لَا الْإِقَامَةَ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْعِبَارَةَ فِيهَا حَذْفُ الْمَفْعُولِ، وَأَنَّ مَثْوَى مَنْصُوبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ وَالْبَاعِثُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ تَعَلُّقَ الْعِلْمِ بِالْإِقَامَةِ أَيْ بِزَمَنِهَا أَوْ بِكَمِّيَّتِهَا أَبْلَغُ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِنَفْسِ الْمَثْوَى.
[قَوْلُهُ: فِي أَحَدِ الدَّارَيْنِ] الْمُرَادُ أَحَدٌ مُعَيَّنٌ الَّذِي هُوَ الدُّنْيَا لِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ مُتَقَلَّبَنَا الَّذِي هُوَ التَّصَرُّفُ فِيهَا.
وَقَالَ تت: وَمَثْوَانَا أَيْ إقَامَتُنَا فِي كِلْتَا الدَّارَيْنِ.
وَفِي تَفْسِيرِهِ بِأَحَدِهِمَا نَظَرٌ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: وَلِمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ] الْمُرَادُ بِهِمْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ.
[قَوْلُهُ: وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَاحِدٌ وَهُمْ الْأَشْخَاصُ الْمُوَحِّدُونَ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي تَرَادُفِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَعَدَمِهِ، أَمَّا التَّرَادُفُ فَظَاهِرٌ عَدَمُهُ، فَبِأَنْ يُرَادَ مِنْ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ الْقَلْبِيُّ وَمِنْ الْإِسْلَامِ الِامْتِثَالُ الظَّاهِرِيُّ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْإِذْعَانِ الْبَاطِنِيِّ.
[قَوْلُهُ: فَأَحْيِهِ] مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الْعِلَّةِ وَهُوَ الْيَاءُ.
[قَوْلُهُ: فَتَوَفَّهُ] بِضَمِّ الْهَاءِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الْعِلَّةِ وَهُوَ الْأَلِفُ.
[قَوْلُهُ: وَانْظُرْ لِمَ خَصَّ إلَخْ] قَدْ يُقَالُ إنَّهُ حَيْثُ أُرِيدَ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ الْمُحْتَوِي عَلَى التَّصْدِيقِ وَالْقَوْلِ وَالْأَعْمَالِ، وَقَدْ طَلَبَ الشَّارِعُ أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ الشَّخْصُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ نَاسَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ الدُّعَاءُ فِيهَا، وَلَمَّا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْإِسْلَامِ الشَّهَادَتَيْنِ وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» نَاسَبَ الدُّعَاءَ بِالْوَفَاةِ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ] لَمَّا كَانَ اللُّقِيُّ لَا يَلِيقُ بِالْبَارِي؛ لِأَنَّهُ الِاسْتِقْبَالُ أَوْ الْمُصَادَفَةُ وَالْجَنَّةُ دَارُ الرَّبِّ وَدُخُولُ الدَّارِ يَسْتَلْزِمُ عُرْفًا فِي الْجُمْلَةِ لُقِيَّ رَبِّهَا فَسَّرَ اللُّقِيَّ بِمَلْزُومِهِ، وَهُوَ دُخُولُ الْجَنَّةِ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُفَسِّرَهُ بِرُؤْيَتِهِ.
[قَوْلُهُ: بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ] أَيْ الصَّادِقَةِ وَرَدَ مَرْفُوعًا وَهِيَ أَنْ

وَاجْعَلْ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَوْتِ (رَاحَتَنَا وَمَسَرَّتَنَا) بِحُصُولِ مَا يُرْضِي وَيَسُرُّ (ثُمَّ تُسَلِّمُ) كَمَا تُسَلِّمُ مِنْ الصَّلَاةِ (وَإِنْ كَانَتْ) الْجِنَازَةُ (امْرَأَةً قُلْت اللَّهُمَّ إنَّهَا أَمَتُك ثُمَّ تَتَمَادَى بِذِكْرِهَا عَلَى التَّأْنِيثِ) فَتَقُولُ وَبِنْتُ أَمَتِك وَبِنْتُ عَبْدِك أَنْتَ خَلَقَتْهَا وَرَزَقَتْهَا إلَخْ (غَيْرَ أَنَّك لَا تَقُولُ وَأَبْدِلْهَا زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ زَوْجًا فِي الْجَنَّةِ لِزَوْجِهَا فِي الدُّنْيَا) وَإِنَّمَا أَتَى بِقَدْ الدَّالَّةِ عَلَى التَّوَقُّعِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهَا زَوْجٌ فِي الدُّنْيَا وَتَكُونَ لِغَيْرِهِ.

(وَنِسَاءُ الْجَنَّةِ مَقْصُورَاتٌ) أَيْ مَحْبُوسَاتٌ (عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ لَا يَبْغِينَ بِهِمْ بَدَلًا وَالرَّجُلُ قَدْ يَكُونُ لَهُ زَوْجَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي الْجَنَّةِ) ق: وَانْظُرْ هَلْ مِنْ الْآدَمِيَّاتِ أَوْ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ؟ قُلْت: رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: يُزَوَّجُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَرْبَعَةَ آلَافِ بِكْرٍ وَثَمَانِيَةَ آلَافِ أَيِّمٍ وَمِائَةَ حَوْرَاءَ» الْحَدِيثُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَلَا يَكُونُ لِلْمَرْأَةِ أَزْوَاجٌ) فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّ

[حاشية العدوي]

يَتُوبَ ثُمَّ لَا يَعُودَ إلَى الذَّنْبِ كَمَا لَا يَعُودُ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَنَصُوحٌ فَعُولٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ.
[قَوْلُهُ: وَيَسُرُّ] عَطْفُ لَازِمٍ [قَوْلُهُ: ثُمَّ تُسَلِّمُ] أَيْ وُجُوبًا وَقَوْلُهُ: كَمَا تُسَلِّمُ مِنْ الصَّلَاةِ أَيْ بِقَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ.
تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الدُّعَاءِ لَا عَمَلَ عَلَيْهِ لِطُولِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ نَاجِي، بَلْ الْعَمَلُ وَالْأَحْسَنُ مَا اسْتَحَبَّهُ مَالِكٌ مِنْ دُعَاءِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
[قَوْلُهُ: قُلْت اللَّهُمَّ] أَيْ بَعْدَ الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: الدَّالَّةِ عَلَى التَّوَقُّعِ] أَيْ عَلَى شَيْءٍ يُتَوَقَّعُ حُصُولُهُ لَا مَجْزُومٌ بِحُصُولِهِ، فَصَحَّ قَوْلُهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهَا زَوْجٌ إلَخْ.
فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ إذَا كَانَ لَهَا أَزْوَاجٌ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ تَكُونُ لَهُ فَقِيلَ لِلَّذِي افْتَضَّهَا.
وَقِيلَ لِلْأَخِيرِ وَقِيلَ لِأَحْسَنِهِمْ خُلُقًا، وَقِيلَ تُخَيَّرُ وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فِيهَا.
وَهَذَا إنْ مَاتَتْ وَلَمْ تَكُنْ فِي عِصْمَةِ وَاحِدٍ وَإِلَّا فَهِيَ لِمَنْ مَاتَتْ فِي عِصْمَتِهِ قَوْلًا وَاحِدًا كَمَا قَالَ عج.
تَنْبِيهٌ: لَوْ لَمْ تَعْلَمْ الْمَيِّتَ هَلْ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فَتَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ حَضَرَ كَمَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ هَلْ هُوَ وَاحِدٌ أَوْ مُتَعَدِّدٌ وَيَقُولُ فِي الدُّعَاءِ عَلَى اثْنَيْنِ: اللَّهُمَّ إنَّهُمَا عَبْدَاك أَوْ أَمَتَاك إلَى آخِرِهِ.
وَفِي الْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ: اللَّهُمَّ إنَّهُمْ عَبِيدُك وَأَبْنَاءُ عَبِيدِك إلَخْ.
وَفِي الْجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ: اللَّهُمَّ إنَّهُنَّ إمَاؤُك وَبَنَاتُ إمَائِك وَبَنَاتُ عَبِيدِك إلَخْ.
وَإِذَا اجْتَمَعَ مُذَكَّرٌ وَمُؤَنَّثٌ غُلِّبَ الْمُذَكَّرُ.

[قَوْلُهُ: أَيْ مَحْبُوسَاتٌ] أَيْ بِحَيْثُ لَا تُفَارِقُ زَوْجَةٌ زَوْجَهَا وَتُعْطَى لِغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: لَا يَبْغِينَ بِهِمْ بَدَلًا] أَيْ لَا يَرْضَيْنَ بِهِمْ بَدَلًا فَأَفْضَلُ خِصَالِ الْمَرْأَةِ حُبُّهَا لِزَوْجِهَا وَهِيَ صِفَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ مَا حَاصِلُهُ: وَأَتَى الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ هَذَا الْحَبْسَ إكْرَاهٌ أَيْ لَا يُحْبِبْنَ غَيْرَهُمْ مِنْ غَيْرِ جَبْرٍ وَلَا إكْرَاهٍ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا هَمَّ فِيهَا وَلَا إكْرَاهَ وَلَا حَزَنَ، إلَّا الْفَرَحُ الدَّائِمُ.
[قَوْلُهُ: وَالرَّجُلُ إلَخْ] لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ نِسَاءَ الْجَنَّةِ مَقْصُورَاتٌ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ كَانَ مَظِنَّةَ سُؤَالِ تَقْدِيرِهِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ فَهَلْ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: هَلْ مِنْ الْآدَمِيَّاتِ أَوْ مِنْ الْحُورِ إلَخْ] أَوْ مَانِعَةُ خُلُوٍّ فَتُجَوِّزُ الْجَمْعَ فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى الْأَقْفَهْسِيِّ بِأَنَّهُ بَقِيَ احْتِمَالٌ ثَالِثٌ بِأَنْ يَكُنْ مِنْهُمَا.
[قَوْلُهُ: قُلْت إلَخْ] أَيْ قُلْت وَرَدَ أَنَّ الزَّوْجَاتِ الْكَثِيرَاتِ مِنْهُمَا مَعًا.
[قَوْلُهُ: مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إلَخْ] صِفَةٌ لِقَوْلِهِ كُلُّ رَجُلٍ وَهُوَ مُرْتَبِطٌ مَعْنًى بِقَوْلِهِ يُزَوَّجُ.
[قَوْلُهُ: أَرْبَعَةَ آلَافِ بِكْرٍ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي أَكْثَرِيَّةِ نِسَاءِ الدُّنْيَا فِي الْجَنَّةِ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ: «اطَّلَعْت عَلَى الْجَنَّةِ فَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا الرِّجَالَ، وَاطَّلَعْت عَلَى النَّارِ فَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ» . وَأُجِيبَ بِحَمْلِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ يُزَوَّجُ كُلُّ رَجُلٍ عَلَى الْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ أَيْ بَعْضِ الرِّجَالِ.
[قَوْلُهُ: أَيِّمٍ] أَيْ ثَيِّبٍ بِقَرِينَةِ الْمُقَابَلَةِ وَإِنْ كَانَ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْأَيِّمُ كَكَيِّسٍ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا.
[قَوْلُهُ: الْحَدِيثُ] يُفِيدُ أَنَّ لَهُ بَقِيَّةً وَهُوَ كَذَلِكَ، وَبَقِيَّتُهُ فَيَجْتَمِعْنَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ فَيَقُلْنَ

اجْتِمَاعَ جَمَاعَةٍ مِنْ الرِّجَالِ عَلَى فَرْجٍ وَاحِدٍ فِي الدُّنْيَا مِمَّا تَنْفِرُ مِنْهُ النُّفُوسُ، وَأُخِذَ مِنْ هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً مِنْ مَحَارِمِهِ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.

(وَلَا بَأْسَ) بِمَعْنًى وَيَجُوزُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ (أَنْ تُجْمَعَ الْجَنَائِزُ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ) عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِلْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: إنَّهَا لَا تُجْمَعُ وَيُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ وَحْدَهُ، ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى هَيْئَةِ وَضْعِ الْجَنَائِزِ إذَا اجْتَمَعَتْ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا.
وَذَكَرَ لِذَلِكَ هَيْئَتَيْنِ أَشَارَ إلَى الْأُولَى بِقَوْلِهِ: (وَيَلِي الْإِمَامَ) بِالنَّصْبِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى جَمَاعَةِ الْمَوْتَى (الرِّجَالُ) بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ نَصْبُهُ، وَرَفْعُ الْإِمَامِ (إنْ كَانَ فِيهِمْ نِسَاءٌ وَإِنْ كَانُوا) أَيْ الْجَنَائِزُ (رِجَالًا جُعِلَ أَفْضَلُهُمْ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَجُعِلَ مِنْ دُونِهِ النِّسَاءُ وَ) جُعِلَ (الصِّبْيَانُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ إلَى الْقِبْلَةِ) مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَقْدِيمِ النِّسَاءِ عَلَى الصِّبْيَانِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ، وَهُوَ أَنَّ الذُّكُورَ الْأَحْرَارَ الْبَالِغِينَ يَكُونُونَ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ ثُمَّ الذُّكُورُ الْأَحْرَارُ الصِّغَارُ ثُمَّ الْخُنْثَى ثُمَّ الْأَرِقَّاءُ الذُّكُورُ ثُمَّ النِّسَاءُ الْأَحْرَارُ ثُمَّ صِغَارُهُنَّ ثُمَّ أَرِقَّاؤُهُنَّ، وَالْهَيْئَةُ الثَّانِيَةُ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يُجْعَلُوا) أَيْ الْجَنَائِزُ (صَفًّا وَاحِدًا وَيُقَرَّبُ إلَى الْإِمَامِ أَفْضَلُهُمْ) هَذَا إذَا كَانُوا كُلُّهُمْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَرِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ أَوْ صِبْيَانٍ، وَأَمَّا إنْ كَانُوا رِجَالًا وَنِسَاءً وَصِبْيَانًا فَيُقَدَّمُ إلَى الْإِمَامِ صَفُّ الرِّجَالِ ثُمَّ صَفُّ الصِّبْيَانِ ثُمَّ صَفُّ النِّسَاءِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ تَرْجِيحُ الْهَيْئَةِ الْأُولَى لِابْتِدَائِهِ بِهَا،

[حاشية العدوي]

بِأَصْوَاتٍ حِسَانٍ لَمْ تَسْمَعْ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهِنَّ نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَبِيدُ، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَيْبَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ، طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وَكُنَّا لَهُ.
[قَوْلُهُ: وَاَللَّهُ أَعْلَمُ] كَأَنَّهُ أَتَى بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إشَارَةً إلَى عَدَمِ الْجَزْمِ بِصِحَّتِهِ.
[قَوْلُهُ: وَأُخِذَ مِنْ هَذَا إلَخْ] أَيْ مِنْ التَّعْلِيلِ أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ إلَخْ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدَارِ تَكْلِيفٍ، وَرُدَّ بِأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ دَارَ تَكْلِيفٍ فَهِيَ دَارُ تَشْرِيفٍ، فَلَا يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ بِنَحْوِ أُمِّهِ وَأُخْتِهِ لِكَرَاهَةِ النُّفُوسِ ذَلِكَ.

[قَوْلُهُ: بِمَعْنًى وَيَجُوزُ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ يُسْتَحَبُّ.
[قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْحَسَنِ] وَهَلْ الصَّلَاةُ بَاطِلَةٌ عَلَى كَلَامِ الْحَسَنِ.
[قَوْلُهُ: إنْ كَانَ فِيهِمْ نِسَاءٌ] أَيْ فَقَطْ أَيْ وَإِنْ كَانُوا رِجَالًا وَنِسَاءً وَصِبْيَانًا فَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ كَانُوا رِجَالًا إلَخْ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ الْخُنْثَى ثُمَّ الْأَرِقَّاءُ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ الْأَرِقَّاءُ الذُّكُورُ مُقَدَّمُونَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَرَاتِبَ عِشْرُونَ وَالشَّارِحُ لَمْ يَسْتَوْفِهَا وَلَمْ يَمْشِ عَلَى الْمَرْضِيِّ مِنْهَا فِيمَا قَالَهُ وَالْمَرْضِيُّ مَا سَنَذْكُرُهُ وَهُوَ أَنْ تَقُولَ: يَلِي الْإِمَامَ الْأَحْرَارُ الذُّكُورُ الْبَالِغُونَ، ثُمَّ الْأَحْرَارُ الذُّكُورُ الصِّغَارُ، ثُمَّ الْعَبِيدُ الْبَالِغُونَ، ثُمَّ الْعَبِيدُ الصِّغَارُ، ثُمَّ الْخَصِيُّ الْحُرُّ الْبَالِغُ، ثُمَّ الْخَصِيُّ الْحُرُّ الصَّغِيرُ، ثُمَّ الْخَصِيُّ الْعَبْدُ الْكَبِيرُ، ثُمَّ الْخَصِيُّ الْعَبْدُ الصَّغِيرُ، ثُمَّ الْمَجْبُوبُ الْحُرُّ الرَّجُلُ، فَمَجْبُوبٌ حُرٌّ طِفْلٌ، فَمَجْبُوبٌ عَبْدٌ رَجُلٌ، فَمَجْبُوبٌ عَبْدٌ طِفْلٌ، ثُمَّ الْخَنَاثَى الْأَحْرَارُ الصِّغَارُ، ثُمَّ الْخَنَاثَى الْعَبِيدُ الْكِبَارُ، ثُمَّ الْخَنَاثَى الْعَبِيدُ الصِّغَارُ، ثُمَّ الْحُرَّةُ الْبَالِغَةُ، ثُمَّ الصَّغِيرَةُ، ثُمَّ الْأَمَةُ الْبَالِغَةُ، ثُمَّ الصَّغِيرَةُ.
[قَوْلُهُ: هَذَا إذَا كَانُوا كُلُّهُمْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ] كَرِجَالٍ فَقَطْ تَفَاوَتُوا بِالْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّيَّةِ أَوْ بِالْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَالسِّنِّ، وَفِي ذَلِكَ طَرِيقَتَانِ طَرِيقَةُ بَهْرَامَ تَبَعًا لِلتَّوْضِيحِ وَهِيَ أَنَّهُ يُجْعَلُ الْفَاضِلُ أَمَامَ الْإِمَامِ ثُمَّ يُجْعَلُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ مَفْضُولُ الْأَفْضَلِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ يُجْعَلُ عَنْ يَسَارِهِ.
الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ أَرْجَحُ أَنْ يُصَفُّوا صَفًّا وَاحِدًا مِنْ جِهَةِ يَمِينِ الْإِمَامِ وَشِمَالِهِ، فَيُجْعَلُ الْأَفْضَلُ أَمَامَ الْإِمَامِ وَمَفْضُولُهُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، وَمَفْضُولُ الْمَفْضُولِ عَنْ يَسَارِهِ، وَهَكَذَا وِفَاقًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَنْ وَافَقَهُ.
[قَوْلُهُ: فَيُقَدَّمُ إلَى الْإِمَامِ صَفُّ الرِّجَالِ إلَخْ] أَيْ فَيُجْعَلُ الرِّجَالُ صَفًّا مِنْ جِهَةِ يَمِينِ الْإِمَامِ وَجِهَةِ أَمَامِهِ وَجِهَةِ شِمَالِهِ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ كَذَلِكَ، ثُمَّ النِّسَاءُ كَذَلِكَ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ.
وَفِيهِ طَرِيقَتَانِ أُخْرَيَانِ الْأُولَى: أَنْ يُجْعَلَ صَفُّ الرِّجَالِ مِنْ الْإِمَامِ لِلْقِبْلَةِ، وَيُجْعَلَ أَمَامَ الْإِمَامِ صَفُّ الصِّبْيَانِ كَذَلِكَ عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ، وَصَفُّ النِّسَاءِ كَذَلِكَ عَلَى يَسَارِهِ.

وَلِقَوْلِهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهَا تُشْعِرُ فِي الْغَالِبِ بِالتَّمْرِيضِ.

وَلَمَّا كَانَ وَضْعُ الْجَنَائِزِ إذَا اجْتَمَعَتْ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا مُخَالِفًا لِوَضْعِهَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ إذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ لِذَلِكَ أَتَى الشَّيْخُ بِأَدَاةِ الْفَضْلِ فَقَالَ: (وَأَمَّا دَفْنُ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ فَيُجْعَلُ أَفْضَلُهُمْ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ) لِمَا فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَعْمِقُوا وَأَحْسِنُوا وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ جَوَازُ دَفْنِ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ مُطْلَقًا لِلضَّرُورَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُكْرَهُ إذَا كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَيَجُوزُ إذَا كَانَ لِضَرُورَةٍ مِثْلُ ضِيقِ الْمَكَانِ أَوْ تَعَذُّرِ مَنْ يَحْفِرُ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ فَيُجْعَلُ بَيْنَهُمْ حَاجِزٌ مِنْ التُّرَابِ.

(وَمَنْ دُفِنَ) مِنْ أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ (وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَوُرِيَ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ) عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِحَدِيثِ الْمِسْكِينَةِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
الْقَرَافِيُّ: وَهُوَ أَحْسَنُ.
وَأَمَّا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى قَبْرِ الْمِسْكِينَةِ»

[حاشية العدوي]

الثَّانِيَةُ: أَنْ يُجْعَلَ الْأَصْنَافُ صَفًّا وَاحِدًا مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ وَتَأْتِي الطَّرِيقَتَانِ الْمُتَقَدِّمَتَانِ فِي الصَّفِّ الْوَاحِدِ طَرِيقَةُ بَهْرَامَ الْمَرْجُوحَةُ وَالثَّانِيَةُ الرَّاجِحَةُ.
تَتِمَّةٌ: يُقَدَّمُ لِلْإِمَامِ الْأَعْلَمُ ثُمَّ الْأَفْضَلُ ثُمَّ الْأَسَنُّ، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ خَلِيلٍ تَقْدِيمُ الرَّجُلِ وَلَوْ كَانَ مَنْ بَعْدَهُ أَعْلَمَ مِنْهُ وَأَعْبَدَ وَأَسَنَّ أَوْ كَانَ فِيهِ بَعْضُ ذَلِكَ دُونَ مَنْ قَبْلَهُ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الطِّفْلِ وَالْعَبْدِ.
وَيُقَدَّمُ عَالِمٌ عَلَى شَرِيفٍ عَامِّيٍّ لِظُهُورِ مَزِيَّةِ الْعِلْمِ وَقُدِّمَ حَافِظُ قُرْآنٍ عَلَى شَرِيفٍ عَامِّيٍّ وَمُحَدِّثٌ عَلَى فَقِيهٍ وَمُفَسِّرٌ عَلَى مُحَدِّثٍ فِيمَا يَظْهَرُ لِشَرَفِ كُلِّ عَالِمٍ بِشَرَفِ مَعْلُومِهِ.
قَالَ الشَّارِحُ: فَإِنْ وَقَعَ التَّسَاوِي فَالْقُرْعَةُ، وَيُقَدَّمُ مِنْ الصِّبْيَانِ عَلَى غَيْرِهِ مَنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَشَيْئًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، ثُمَّ مَنْ يُحَافِظُ مِنْهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ الْأَسَنُّ اهـ.

[قَوْلُهُ: إذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ] أَيْ فَيُكْرَهُ إذَا كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَإِنْ كَانُوا مَحَارِمَ، وَكَمَا يَجُوزُ جَمْعُ الْأَمْوَاتِ فِي الْقَبْرِ لِلضَّرُورَةِ وَلَوْ أَجَانِبَ يَجُوزُ جَمْعُهُمْ فِي كَفَنٍ لِلضَّرُورَةِ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهَا.
وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ جَوَازِ جَمْعِ الْأَمْوَاتِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ لِضَرُورَةٍ وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهَا، مَحَلُّهُ إذَا كَانَ حَصَلَ دَفْنُهُمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا لَوْ أَرَدْنَا دَفْنَ مَيِّتٍ عَلَى آخَرَ بَعْدَ تَمَامِ دَفْنِهِ فَيَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الْقَبْرَ حَبْسٌ لَا يُمْشَى عَلَيْهِ وَلَا يُنْبَشُ مَا دَامَ بِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَلَا يَحْرُمُ.
[قَوْلُهُ: لِمَا فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ] أَيْ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيَّ وَابْنِ مَاجَهْ.
[قَوْلُهُ: «احْفِرُوا» ] مِنْ بَابِ ضَرَبَ فَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ.
وَقَوْلُهُ: «وَأَوْسِعُوا» مِنْ أَوْسَعَ فَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ قَطْعٍ.
وَقَوْلُهُ: «وَأَعْمِقُوا» مِنْ أَعْمَقَ فَهَمْزَتُهُ هَمْزُهُ قَطْعٍ أَيْضًا، وَالْمُرَادُ بِهِ بِقَدْرِ مَا يَحْرُسُهُ مِنْ السِّبَاعِ.
قَالَ مَالِكٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَكُونَ الْحُفْرَةُ مُقْتَصِدَةً لَا عَمِيقَةً جِدًّا وَلَا قَرِيبَةً مِنْ أَعْلَى الْأَرْضِ جِدًّا.
وَقَوْلُهُ: «وَأَحْسِنُوا» مِنْ أَحْسَنَ فَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ قَطْعٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِتْقَانُ أَيْ أَتْقِنُوا فِيمَا ذُكِرَ أَيْ مِنْ التَّوْسِعَةِ وَالْعُمْقِ فَلَا تُوَسِّعُوا كَثِيرًا وَلَا تُعَمِّقُوا كَثِيرًا.
وَقَوْلُهُ: «وَادْفِنُوا» مِنْ بَابِ ضَرَبَ فَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ.
وَقَوْلُهُ: «الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ» الظَّاهِرُ وَمَا قَارَبَ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: «وَقَدِّمُوا» ، سِيَاقُ الْكَلَامِ فِي التَّقْدِيمِ مِنْ حَيْثُ الْإِيلَاءُ لِلْقِبْلَةِ، وَكَذَا يُنْدَبُ التَّقْدِيمُ فِي الْإِقْبَارِ، وَالْحَدِيثُ شَامِلٌ لَهُ.
[قَوْلُهُ: «أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» ] فَمَنْ يَحْفَظُ الْكُلَّ يُقَدَّمُ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْهُ أَيْ الْكُلَّ، وَاَلَّذِي يَحْفَظُ النِّصْفَ يُقَدَّمُ عَلَى مَنْ يَحْفَظُ أَقَلَّ مِنْهُ وَهَكَذَا.
[قَوْلُهُ: أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ] أَيْ كَتَعَذُّرِ آلَةِ الْحَفْرِ [قَوْلُهُ: وَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ] أَيْ سَوَاءٌ كَانَ لِضَرُورَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
[قَوْلُهُ: فَيَجْعَلُ بَيْنَهُمْ حَاجِزًا] أَيْ يُنْدَبُ مُتَأَكِّدًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ.

[قَوْلُهُ: وَمَنْ دُفِنَ] أَيْ بَعْدَ الْغُسْلِ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ دُفِنَ قَبْلَ غُسْلِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ وَيَجِبُ إخْرَاجُهُ لِلْغُسْلِ إلَّا أَنْ يُخْشَى تَغَيُّرُهُ فَيَسْقُطُ لِتَلَازُمِهِمَا.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ] ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ عَدَمُ الصَّلَاةِ عَمْدًا.
[قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ الْمِسْكِينَةِ] هُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَ عَنْهَا فَقِيلَ لَهُ قَدْ

فَذَلِكَ خَاصٌّ بِهَا أَوْ؛ لِأَنَّهُ وَعَدَهَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَحَيْثُ قُلْنَا بِالصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ فَقِيلَ: يُصَلَّى مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ تَغَيَّرَ وَتَمَزَّقَ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يُجَاوِزْ شَهْرَيْنِ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: وُورِيَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوَارَ يُخْرَجْ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ.

(وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ قَدْ صُلِّيَ عَلَيْهِ) عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ عَلَى مَا فِي الْمُخْتَصَرِ.

(وَيُصَلَّى عَلَى أَكْثَرِ الْجَسَدِ) كَالثُّلُثَيْنِ فَأَكْثَرَ بَعْدَ تَغْسِيلِهِ وَتَكْفِينِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْجُلِّ حُكْمُ الْكُلِّ، وَيَنْوِي بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ الْمَيِّتَ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى نِصْفِ الْجَسَدِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُهُمْ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ (وَاخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مِثْلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ) أَطْلَقَ الْمِثْلَ عَلَى الشَّيْءِ نَفْسِهِ فَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا حَيًّا.
وَقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: يُصَلَّى عَلَى الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَيَنْوِي بِذَلِكَ الْمَيِّتَ، وَاتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْأَطْرَافِ مِثْلُ الْأُصْبُعِ وَالظُّفْرِ وَالشَّعْرِ قَالَهُ ع، وَفِي ك: أَنَّ الْأُصْبُعَ فِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ.

[حاشية العدوي]

مَاتَتْ قَالَ: فَهَلَّا آذَنْتُمُونِي فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهِ» اهـ. كَلَامُ ابْنِ مَاجَهْ.
وَقَوْلُهُ: تَقُمُّ بِقَافٍ مَضْمُومَةٍ أَيْ تَجْمَعُ الْقُمَامَةَ وَهِيَ الْكُنَاسَةُ، وَتِلْكَ الْمَرْأَةُ هِيَ أُمُّ مِحْجَنٍ.
[قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ تَغَيَّرَ وَتَمَزَّقَ] مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ تَغَيَّرَ وَتَمَزَّقَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَوْ مَعَ ظَنِّ الْبَقَاءِ أَوْ الشَّكِّ فِيهِ، وَاَلَّذِي قَالَهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ مَتَى ظُنَّ الْبَقَاءُ أَوْ شُكَّ فِيهِ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ أَيْ عِنْدَ خَشْيَةِ التَّغَيُّرِ، وَأَمَّا لَوْ تُيُقِّنَ ذَهَابُهُ وَلَوْ بِأَكْلِ السَّبُعِ فَإِنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَفِي نَصِّ ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ نَقْلًا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُهُ قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرٌ.
[قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوَارَ إلَخْ] مُفَادُهُ أَنَّهُ مَتَى وَوُرِيَ لَا يُخْرَجُ وَيُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَجِبُ إخْرَاجُهُ وَلَوْ تَمَّ دَفْنُهُ إلَّا أَنْ يُخْشَى تَغَيُّرُهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَالْفَوَاتُ الَّذِي يَمْنَعُ خُرُوجَ الْمَيِّتِ مِنْ قَبْرِهِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ خَشْيَةَ تَغَيُّرِهِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ وَعِيسَى.

[قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ إلَخْ] أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُرِيدُ الصَّلَاةِ ثَانِيًا هُوَ الَّذِي صَلَّى أَوَّلًا أَوْ غَيْرَهُ، وَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ صُوَرٍ تِسْعٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ أَوَّلًا إمَّا فَذٌّ أَوْ مُتَعَدِّدٌ بِغَيْرِ إمَامٍ.
أَوْ بِهِ، وَالْمُصَلِّي ثَانِيًا كَذَلِكَ فَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا أَوَّلًا بِإِمَامٍ كُرِهَتْ إعَادَتُهَا لِفَذٍّ وَمُتَعَدِّدٍ بِإِمَامٍ وَغَيْرِهِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ وَمَتَى صَلَّى عَلَيْهَا فَذًّا أَوْ مُتَعَدِّدًا بِغَيْرِ إمَامٍ كُرِهَتْ إعَادَتُهَا لِفَذٍّ وَمُتَعَدِّدٍ بِغَيْرِ إمَامٍ لَا بِإِمَامٍ فَيُنْدَبُ، وَهَذِهِ سِتَّةٌ مُضَافَةٌ لِلثَّلَاثَةِ قَبْلَهَا.
[قَوْلُهُ: عَلَى مَا فِي الْمُخْتَصَرِ] أَيْ لَا يُصَلَّى عَلَى مَا فِي الْمُخْتَصَرِ مُفَادُهُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ خِلَافٍ قُلْت: وَهُوَ كَذَلِكَ فَقَدْ نُسِبَ لِمَالِكٍ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى مَنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ.

[قَوْلُهُ: وَيَنْوِي بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ الْمَيِّتَ] أَيْ جَمِيعَهُ مَا حَضَرَ مِنْهُ وَمَا غَابَ كَمَا حَقَّقَهُ بَعْضٌ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلَّى عَلَى نِصْفِ الْجَسَدِ] هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ ضَعِيفٌ، بَلْ وَلَوْ زَادَ عَلَى النِّصْفِ وَكَانَ دُونَ الثُّلُثَيْنِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَوْ مَعَ الرَّأْسِ أَيْ لِأَدَائِهِ إلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ، وَاغْتُفِرَ غَيْبَةُ الْيَسِيرِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ.
[قَوْلُهُ: فَذَكَرَ إلَخْ] مَعْطُوفٌ عَلَى أَطْلَقَ.
[قَوْلُهُ: لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ] أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: وَيَنْوِي بِذَلِكَ الْمَيِّتَ] أَيْ وَيَنْوِي بِالصَّلَاةِ الْمَيِّتَ لَا خُصُوصَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، أَيْ وَيُغَلِّبُ كَوْنَ صَاحِبِهَا مَيِّتًا، وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَهَا حَيٌّ لَا يُصَلِّي قَطْعًا.
[قَوْلُهُ: وَالشَّعْرِ إلَخْ] جَعْلُهُ مِنْ الْأَطْرَافِ تَسْمَحُ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْهَا الْأَعْضَاءُ.

[21 - بَابٌ فِي الدُّعَاءِ لِلطِّفْلِ] (بَابٌ فِي الدُّعَاءِ) أَيْ فِي بَيَانِ مَا يُدْعَى بِهِ (لِلطِّفْلِ) أَرَادَ بِهِ الْعُمُومَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: يُقَالُ لِلذَّكَرِ طِفْلٌ وَالْأُنْثَى طِفْلَةٌ وَحَدُّهُ سَنَةٌ فَأَقَلُّ وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ دُونَ الْبُلُوغِ (وَ) فِي بَيَانِ (الصَّلَاةِ عَلَيْهِ) أَرَادَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَمَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ مِنْ الْأَطْفَالِ (وَ) فِي بَيَانِ (غُسْلِهِ) أَرَادَ بِهِ بَيَانَ مَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ لَا يُغَسِّلُهُ، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا هَذَا وَمَا قَبْلَهُ بِالْإِرَادَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا مَا يُعْطِيهِ ظَاهِرُ لَفْظِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَ هَذَا الْبَابَ عَمَّا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَحْكَامًا تَخْتَصُّ بِالطِّفْلِ مِنْ الِاسْتِهْلَالِ وَغُسْلِ الصَّغِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَقَدْ ابْتَدَأَ الدُّعَاءَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (تُثْنِي عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَتُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ) مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (ثُمَّ تَقُولُ: اللَّهُمَّ) أَيْ يَا اللَّهُ (إنَّهُ) أَيْ الطِّفْلَ أَوْ الْمَيِّتَ (عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك) وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلُهُ وَمَا قَبْلَهُ وَابْنُ عَبْدَيْك (أَنْتَ خَلَقْته) أَيْ أَنْشَأْته (وَرَزَقْته وَأَنْتَ أَمَتَّهُ) فِي الدُّنْيَا (وَأَنْتَ تُحْيِيهِ) فِي الْآخِرَةِ (اللَّهُمَّ فَاجْعَلْهُ لِوَالِدِيهِ) ك: رُوِّينَاهُ بِكَسْرِ الدَّالِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ، وَلِذَا قِيلَ: وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَلَوْ كَانَ بِالْفَتْحِ لَقَالَ مَوَازِينَهُمَا إلَخْ.
(سَلَفًا) أَيْ مُتَقَدِّمًا (وَذُخْرًا) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ مُدَّخَرًا فِي الْآخِرَةِ وَالِادِّخَارُ فِي الدُّنْيَا بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ (وَفَرَطًا) بِمَعْنَى سَلَفًا (وَأَجْرًا) عَظِيمًا (وَثَقِّلْ بِهِ) أَيْ بِأَجْرِ مُصِيبَتِهِ (مَوَازِينَهُمْ) أَيْ مَوْزُونَاتِهِمْ (وَأَعْظِمْ) أَيْ كَثِّرْ (بِهِ) أَيْ بِأَجْرِ مُصِيبَتِهِ (أُجُورَهُمْ وَلَا تَحْرِمْنَا وَإِيَّاهُمْ أَجْرَهُ) أَيْ أَجْرَ شُهُودِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (وَلَا تَفْتِنَّا وَإِيَّاهُمْ بَعْدَهُ) بِمَا يُشْغِلُنَا عَنْك (اللَّهُمَّ أَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ)

[حاشية العدوي]

[بَابٌ فِي الدُّعَاءِ لِلطِّفْلِ]

[بَابٌ فِي الدُّعَاءِ لِلطِّفْلِ] [قَوْلُهُ: وَحَدُّهُ سَنَةٌ] أَيْ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ [قَوْلُهُ: عَلَى دُونِ الْبُلُوغِ] أَيْ مَجَازًا لِلْمُشَابَهَةِ بَيْنَهُمَا [قَوْلُهُ: وَغُسْلِ الصَّغِيرِ] أَيْ مِنْ حَيْثُ الَّذِي يُبَاشِرُ تَغْسِيلَهُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي قَصَدَهُ [قَوْلُهُ: وَنَحْوِ ذَلِكَ] أَيْ مِنْ نَحْوِ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى مَنْ اسْتَهَلَّ صَارِخًا وَغَيْرِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: تُثْنِي عَلَى اللَّهِ] أَيْ تَحْمَدُ بِأَنْ تَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَعْنَى تَبَارَكَ تَزَايَدَ خَيْرُهُ، وَمَعْنَى تَعَالَى تَعَاظَمَ.
[قَوْلُهُ: وَابْنُ عَبْدِك] ظَاهِرُهُ عَامٌّ فِي وَلَدِ الزِّنَا وَوَلَدِ الْمُلَاعِنَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَقِيلَ: إنَّمَا يُقَالُ هَذَا فِي الثَّابِتِ النَّسَبِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيُقَالُ فِيهِ إنَّهُ عَبْدُك وَابْنُ أَمَتِك.
[قَوْلُهُ: بَدَلُهُ] أَيْ بَدَلُ وَابْنُ أَمَتِك وَقَوْلُهُ: وَمَا قَبْلَهُ أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ وَابْنُ عَبْدِك.
[قَوْلُهُ: وَرَزَقْته] تَقُولُ وَلَوْ مَاتَ عَقِبَ الِاسْتِهْلَالِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ رَزَقَهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ.
[قَوْلُهُ: فَاجْعَلْهُ إلَخْ] الْفَاءُ زَائِدَةٌ.
[قَوْلُهُ: فَيَدْخُلُ فِيهِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ سَلَفًا إلَخْ إنَّمَا يَظْهَرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَالِدَيْنِ دِنْيّة، فَالْأَوْلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْجَمْعِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدَةِ.
[قَوْلُهُ: وَذُخْرًا] هُوَ عَيْنُ قَوْلِهِ سَلَفًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى سَلَفًا مُتَقَدِّمًا، وَمَعْنَى ذُخْرًا مُتَقَدِّمًا، وَقَوْلُهُ أَجْرًا عَظِيمًا أَيْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُ مَوْتِهِ مُصِيبَةً.
[قَوْلُهُ: أَيْ مَوْزُونَاتِهِمْ] لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِالثِّقَلِ الْمَوْزُونُ أَيْ بِحَيْثُ تُرَجَّحُ حَسَنَاتُهُمْ عَلَى سَيِّئَاتِهِمْ.
[قَوْلُهُ: وَأَعْظِمْ إلَخْ] لَا يَلْزَمُ مِنْ التَّكْثِيرِ التَّثْقِيلُ وَلَا مِنْ التَّثْقِيلِ التَّكْثِيرُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ أَجْرَ شُهُودِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْوَالِدَانِ حَيَّيْنِ وَصَلَّيَا وَيَجُوزُ أَنْ تَقُولَ أَجْرَ مُصِيبَتِهِ.
[قَوْلُهُ: بِصَالِحِ] أَيْ بِالصَّالِحِ مِنْ سَلَفٍ إلَخْ.
فَهُوَ دُعَاءٌ بِرِفْعَةِ الْمَرْتَبَةِ بِأَنْ يُلْحِقَهُ بِالصَّالِحِ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ الصَّالِحُ وَغَيْرُ الصَّالِحِ فِي كَفَالَةِ

أَوْلَادِ (الْمُؤْمِنِينَ فِي كَفَالَةِ) أَيْ حَضَانَةِ (أَبِينَا إبْرَاهِيمَ) الْخَلِيلِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ (وَأَبْدِلْهُ دَارًا) أَيْ فِي الْآخِرَةِ (خَيْرًا مِنْ دَارِهِ) أَيْ فِي الدُّنْيَا.
(وَ) أَبْدِلْهُ (أَهْلًا) أَيْ: قَرَابَةً فِي الْآخِرَةِ (خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ) أَيْ مِنْ قَرَابَتِهِ فِي الدُّنْيَا بِجِوَارِهِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ يُؤَانِسُونَهُ، (وَعَافِهِ) أَيْ نَجِّهِ (مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ) وَهِيَ عَدَمُ الثَّبَاتِ لِسُؤَالِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ وَضَمَّةِ الْقَبْرِ إذْ لَا بُدَّ مِنْهَا لِكُلِّ أَحَدٍ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا مُؤْمِنًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، لَكِنَّ ضَمَّهَا لِلْمُؤْمِنِ ضَمُّ شَفَقَةٍ كَضَمَّةِ الْوَالِدَةِ الشَّفُوقَةِ لِوَلَدِهَا وَتَقُولُ: مَرْحَبًا بِمَنْ كُنْت أُحِبُّهُ وَهُوَ عَلَى ظَهْرِي فَكَيْفَ الْآنَ وَهُوَ فِي بَطْنِي، وَضَمَّةُ الْكَافِرِ

[حاشية العدوي]

إبْرَاهِيمَ.
[قَوْلُهُ: سَلَفِ أَوْلَادِ إلَخْ] مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَيْ بِأَوْلَادِ الْمُؤْمِنِينَ السَّالِفِينَ أَيْ الَّذِينَ مَاتُوا، وَهَلْ أَرَادَ مُؤْمِنِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوْ مُؤْمِنِي كُلِّ أُمَّةٍ.
[قَوْلُهُ: فِي كَفَالَةِ أَيْ حَضَانَةِ إلَخْ] . وَذَلِكَ لِأَنَّ «نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ شَيْخًا فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ وَحَوْلَهُ صِبْيَانٌ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُوك إبْرَاهِيمُ وَهَؤُلَاءِ أَوْلَادُ الْمُؤْمِنِينَ» ، وَالتَّقْيِيدُ بِأَوْلَادِ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُنَافِي أَنَّ غَيْرَهُمْ فِي كَفَالَتِهِ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى دُخُولِ أَوْلَادِ غَيْرِهِمْ الْجَنَّةَ.
وَقَالَ فِي التَّحْقِيقِ: يُمْكِنُ أَنَّ أَوْلَادَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسُوا مُسَاوِينَ لِأَوْلَادِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَعَلَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ.
[قَوْلُهُ: أَبِينَا إبْرَاهِيمَ] قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيُّ: مَعْنَى إبْرَاهِيمَ بِالْفَارِسِيَّةِ أَبٌ رَحِيمٌ وَذَلِكَ لِرَحْمَتِهِ بِالْأَطْفَالِ، وَلِذَلِكَ جُعِلَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ كَافِلَيْنِ لِأَطْفَالِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغَارًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ انْتَهَى.
فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْأُبُوَّةِ الَّتِي أَشَارَ لَهَا شَارِحُنَا بِقَوْلِهِ أَبِينَا تِلْكَ الْأُبُوَّةُ مِنْ حَيْثُ الشَّفَقَةُ إذْ كُنَّ صِغَارًا؛ لِأَنَّهُ جَدٌّ لِمَنْ كَانَ مَوْجُودًا مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ كُلِّهِمْ.
تَنْبِيهٌ: يَقُولُ ذَلِكَ الدُّعَاءَ وَلَوْ كَانَ الْمُصَلِّي أَبًا أَوْ أُمًّا لِلطِّفْلِ؛ لِأَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ هُوَ الْمَأْثُورُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَاجْعَلْهُ لِوَالِدَيْهِ سَلَفًا فَيَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِالْمُسْلِمِ الْأَصْلِيِّ، وَأَمَّا مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ أَوْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِلسَّابِي فَلَا يَقُولُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ وَيُسْقِطُ أَبَاهُمْ.
[قَوْلُهُ: وَأَبْدِلْهُ دَارًا أَيْ فِي الْآخِرَةِ] أَيْ وَهِيَ الْجَنَّةُ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا دُعَاءٌ بِمَا هُوَ حَاصِلٌ، فَالدُّعَاءُ بِهِ مَحْضُ تَعَبُّدٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَدْعُوُّ بِهِ مَوْضِعٌ مُرْتَفِعٌ فِي الْجَنَّةِ.
وَقَوْلُهُ: خَيْرًا مِنْ دَارِهِ فِي الدُّنْيَا لَا يَخْفَى أَنَّ الْجَنَّةَ أَوْ الْمَوْضِعَ الْمُرْتَفِعَ خَيْرٌ مِنْ دَارِهِ فِي الدُّنْيَا.
[قَوْلُهُ: وَأَبْدِلْهُ أَهْلًا] أَيْ قَرَابَةً فِي الْآخِرَةِ إلَخْ.
لَا يَخْفَى أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ فِي كَفَالَةِ إبْرَاهِيمَ فَقَدْ أُبْدِلَ أَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ.
وَالْجَوَابُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ قَرَابَةٌ أُخْرَى زِيَادَةٌ عَنْ تِلْكَ الْقَرَابَةِ، وَتِلْكَ الْقَرَابَةُ الزَّائِدَةُ الْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ.
[قَوْلُهُ: بِجِوَارِهِ] أَيْ تِلْكَ الْقَرَابَةُ بِجِوَارِهِ.
وَقَوْلُهُ: بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ أَيْ تِلْكَ الْقَرَابَةُ مُصَوَّرَةٌ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ عَدَمُ الثَّبَاتِ] تَفْسِيرٌ لِلشَّيْءِ بِمَا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ السُّؤَالُ، وَيَتَسَبَّبُ عَنْهُ عَدَمُ الثَّبَاتِ وَقَوْلُهُ: لِلسُّؤَالِ أَيْ لِأَجْلِ السُّؤَالِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الطِّفْلَ يُسْأَلُ وَأَنَّهُ قَابِلٌ لِلِافْتِتَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي السُّؤَالِ.
وَأَمَّا الِافْتِتَانُ فَمُشْكِلٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ قَابِلٌ لَهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ نَظَرًا لِكَوْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ أَنْ يُعَذِّبَ الطِّفْلَ عَقْلًا وَإِنْ امْتَنَعَ شَرْعًا.
وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ بَعْدُ: وَعَافِهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ.
[قَوْلُهُ: وَضَمَّةِ الْقَبْرِ] مَعْطُوفٌ عَلَى عَدَمِ الثَّبَاتِ، وَالْمُرَادُ ضَمَّةٌ عَلَى وَجْهِ مُنْكَرٍ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
[قَوْلُهُ: لَكِنَّ ضَمَّتَهَا لِلْمُؤْمِنِ إلَخْ] أَيْ الْمُؤْمِنِ الطَّائِعِ وَسَكَتَ عَنْ الْمُؤْمِنِ غَيْرِهِ.
تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَيْ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ دُعَاءُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِنْ كَانَ يَكْفِي مُطْلَقُ الدُّعَاءِ بَلْ لَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ اُعْفُ عَنْهُ كَفَى وَإِنْ صَغِيرًا.
وَالْحُكْمُ فِي اجْتِمَاعِ الْكِبَارِ وَالْأَطْفَالِ تَقْدِيمُ الدُّعَاءِ لِلْكِبَارِ عَلَى الْأَطْفَالِ أَوْ يَجْمَعُهُمْ فِي دُعَاءٍ وَاحِدٍ وَيَقُولُ عَقِبَ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ الْأَوْلَادَ سَلَفًا لِوَالِدَيْهِمْ وَفَرَطًا وَأَجْرًا فَتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: مَرْحَبًا] أَيْ نَزَلْت مَكَانًا رَحْبًا أَيْ وَاسِعًا.
[قَوْلُهُ: بِمَنْ كُنْت أُحِبُّهُ] هَذَا يُفِيدُ أَنَّ سَبَبَ الْحَيَاةِ مَوْجُودٌ فِيهَا أَيْ كَغَيْرِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ.

ضَمَّةُ عَذَابٍ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ وَتَقُولُ: لَا مَرْحَبًا بِمَنْ كُنْت أُبْغِضُهُ وَهُوَ عَلَى ظَهْرِي فَكَيْفَ الْآنَ وَهُوَ فِي بَطْنِي (وَ) عَافِهِ (مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ تَقُولُ ذَلِكَ) أَيْ كُلَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إلَى هُنَا (فِي كُلِّ) أَيْ بَعْدَ كُلِّ (تَكْبِيرَةٍ) مَا عَدَا الرَّابِعَةِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَبَعْدَهَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ (وَتَقُولُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ) إنْ شِئْت (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَسْلَافِنَا وَأَفْرَاطِنَا) هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ (وَ) اغْفِرْ (لِمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ) الْكَامِلِ (وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ) يَعْنِي شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ (وَاغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ تَفْرُغَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ (تُسَلِّمُ) كَتَسْلِيمِك مِنْ الصَّلَاةِ.

(وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ صَارِخًا) وَلَا يُغَسَّلُ وَلَوْ تَحَرَّكَ أَوْ بَالَ أَوْ عَطَسَ أَوْ رَضَعَ يَسِيرًا، وَهَذَا النَّهْيُ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ، أَمَّا مَنْ اسْتَهَلَّ فَلَهُ حُكْمُ الْحَيَاةِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَإِنْ مَاتَ بِالْفَوْرِ بِلَا خِلَافٍ (وَ) مِنْ أَحْكَامِ مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ أَنَّهُ (لَا يَرِثُ) مَنْ تَقَدَّمَهُ بِالْمَوْتِ (وَلَا يُورَثُ) مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ وُهِبَ لَهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ فَرْعُ ثُبُوتِ الْحَيَاةِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُدْفَنَ السِّقْطُ) بِتَثْلِيثِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ مَا تُسْقِطُهُ الْمَرْأَةُ قَبْلَ تَمَامِ خَلْقِهِ (فِي الدُّورِ) خَوْفًا مِنْ أَنْ تُهْدَمَ الدَّارُ فَتُنْبَشَ عِظَامُهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى بَيْعِهَا فَيَدْخُلُ الْحَبْسُ فِي الْبَيْعِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عَيْبًا فِي الدَّارِ بِخِلَافِ دَفْنِ الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ عَيْبٌ بِهَا.

(وَلَا بَأْسَ) بِمَعْنًى وَيُبَاحُ (أَنْ يُغَسِّلَ النِّسَاءُ) الْأَجَانِبُ (الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ ابْنَ سِتِّ سِنِينَ أَوْ سَبْعٍ) أَيْ سَبْعِ سِنِينَ وَثَمَانِ سِنِينَ وَلَا يُغَسِّلْنَهُ إذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، وَيُغَسِّلْنَهُ بِحُضُورِ الرِّجَالِ وَلَا يَسْتُرْنَ عَوْرَتَهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُنَّ أَنْ يَنْظُرْنَ إلَى بَدَنِهِ.

(وَلَا يُغَسِّلُ الرِّجَالُ الصَّبِيَّةَ) وَهَذَا النَّهْيُ عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ اتِّفَاقًا إنْ كَانَ مِمَّنْ

[حاشية العدوي]

قَوْلُهُ: حَتَّى تَخْتَلِفَ إلَخْ] الْمُرَادُ بِالِاخْتِلَافِ عَدَمُ اسْتِقْرَارِهَا فِي مَوْضِعِهَا.
[قَوْلُهُ: اغْفِرْ لِأَسْلَافِنَا إلَخْ] أَيْ مَنْ سَبَقَنَا بِالْمَوْتِ مِنْ آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَأَقَارِبِنَا.
وَقَوْلُهُ: مَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ.

[قَوْلُهُ: أَوْ رَضَعَ يَسِيرًا] أَيْ لَا كَثِيرًا فَهُوَ عَلَامَةُ الْحَيَاةِ وَغُسِلَ دَمُ السِّقْطِ نَدْبًا وَلُفَّ بِخِرْقَةٍ وُورِيَ وُجُوبًا فِيهِمَا وَلَا يُسْأَلُ وَلَا يُبْعَثُ وَلَا يَشْفَعُ إنْ لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ.
[قَوْلُهُ: فَلَهُ حُكْمُ الْحَيَاةِ] الْوَاضِحُ أَنْ يَقُولَ فَلَهُ حُكْمُ الْأَحْيَاءِ.
[قَوْلُهُ: مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ إلَخْ] التَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِإِخْرَاجِ الْغُرَّةِ فَتُورَثُ عَنْهُ، وَإِنْ نَزَلَ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً؛ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ عَنْ ذَاتِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُورَثُ مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ إلَى مُتَصَدِّقِهِ أَوْ وَاهِبِهِ.
[قَوْلُهُ: مَا تُسْقِطُهُ الْمَرْأَةُ إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: مَنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا وَلَوْ تَمَّتْ خِلْقَتُهُ.
[قَوْلُهُ: فَيَدْخُلُ الْحَبْسُ إلَخْ] ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ قَبْرَ السِّقْطِ لَيْسَ بِحَبْسٍ بِخِلَافِ الْمُسْتَهِلِّ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْكَبِيرِ فَقَبْرُهُ حَبْسٌ.

[قَوْلُهُ: النِّسَاءُ] الْمُرَادُ الْجِنْسُ فَيَصْدُقُ بِالْوَاحِدِ.
وَقَوْلُهُ: الْأَجَانِبُ أَيْ وَالْمَحَارِمُ أَحْرَى.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يُغَسِّلْنَهُ أَيْ لَا يَجُوزُ.
[قَوْلُهُ: بِحُضُورِ الرِّجَالِ] أَيْ جِنْسِ الرِّجَالِ فَيَصْدُقُ بِالْوَاحِدِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْنَى وَلَوْ مَعَ حُضُورِ الرِّجَالِ أَوْ تَبْقَى الْعِبَارَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَيُفْرَضُ فِي نِسَاءٍ غَيْرِ عَارِفَاتٍ بِحُكْمِ الْغُسْلِ إذْ لَوْ كُنَّ عَارِفَاتٍ لَمْ يُحْتَجْ لِحُضُورِ الرَّجُلِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَسْتُرْنَ] أَيْ وَلَا يُكَلَّفْنَ بِسَتْرِ عَوْرَتِهِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يَجُوزُ] عِلَّةٌ لَهُ، وَلَا يَخْفَى عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ لِتِلْكَ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ جَوَازَ تَغْسِيلِهِ يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ مَسِّ عَوْرَتِهِ فَالنَّظَرُ أَوْلَى.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ النَّظَرِ التَّغْسِيلُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ زَادَ عَلَى الثَّمَانِ وَلَمْ يُرَاهِقْ لَا يَجُوزُ تَغْسِيلُهُ وَمَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ النَّظَرُ لَهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَاهِقَ لَا تَنْظُرُ لَهُ وَلَا تُغَسِّلُهُ وَالْمُجَاوِزُ لِلثَّمَانِ وَدُونَ الْمُرَاهِقِ تَنْظُرُ لِعَوْرَتِهِ وَلَا تُغَسِّلُهُ؛ لِأَنَّ التَّغْسِيلَ فِيهِ جَسٌّ، وَابْنُ ثَمَانٍ فَأَقَلُّ تَنْظُرُ إلَى عَوْرَتِهِ وَتُغَسِّلُهُ.

[قَوْلُهُ: وَلَا يُغَسِّلُ الرِّجَالُ الصَّبِيَّةَ] كَمَا لَا يَجُوزُ نَظَرُهُمْ لَهَا فَقَدْ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَإِذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ إلَى حَدٍّ تَأْخُذُهَا الْعَيْنُ وَتُشْتَهَى سُتِرَتْ عَوْرَتُهَا انْتَهَى.
وَمَثَلُ الْبَالِغِ فِي ذَلِكَ الْمُرَاهِقُ فَقَدْ قَالَ عج: وَأَمَّا نَظَرُ الْمُرَاهِقِ لِعَوْرَةِ غَيْرِ الْبَالِغَةِ فَيَجْرِي

تُشْتَهَى كَبِنْتِ سِتِّ سِنِينَ أَوْ سَبْعٍ، وَيُغَسِّلُونَهَا إنْ كَانَتْ رَضِيعَةً اتِّفَاقًا (وَاخْتُلِفَ فِيهِ) أَيْ فِي غُسْلِهَا (إنْ كَانَتْ) غَيْرَ رَضِيعَةٍ وَكَانَتْ (مِمَّنْ لَمْ تَبْلُغْ أَنْ تُشْتَهَى) كَبِنْتِ ثَلَاثِ سِنِينَ فَأَجَازَهُ أَشْهَبُ قِيَاسًا عَلَى غُسْلِ النِّسَاءِ ابْنَ ثَلَاثِ سِنِينَ وَأَرْبَعٍ وَخَمْسٍ، وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْأُنُوثَةِ مَظِنَّةُ الشَّهْوَةِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (وَالْأَوَّلُ) أَيْ تَرْكُ الْغُسْلِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُغَسَّلُ إلَخْ (أَحَبُّ إلَيْنَا) ع: ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَامٌّ فِي الْمَحْرَمِ وَغَيْرِهِ وَهَذَا قَوْلٌ، وَقِيلَ: هَذَا فِي الْأَجَانِبِ وَأَمَّا ذُو الْمَحْرَمِ فَيَجُوزُ لَهُ غَسْلُهَا وَيُسْتَحَبُّ لَهُ سِتْرُهَا، وَأَمَّا الْأَجْنَبِيُّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهَاوَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ أَيْضًا وَهُوَ الصَّوْمُ فَقَالَ:.

[حاشية العدوي]

عَلَى نَظَرِ الْبَالِغِ لِعَوْرَةِ غَيْرِ الْبَالِغَةِ.
[قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ رَضِيعَةً] أَيْ أَوْ مَا قَارَبَهَا، وَالْمُرَادُ بِهَا مَنْ لَمْ تَبْلُغْ ثَلَاثًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: كَبِنْتِ ثَلَاثِ سِنِينَ.
[قَوْلُهُ: فَأَجَازَهُ أَشْهَبُ إلَخْ] ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: أَحَبُّ إلَيْنَا لِلْوُجُوبِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا قَوْلٌ] ظَاهِرُ خَلِيلٍ وَمَنْ شَرَحَهُ اعْتِمَادُ هَذَا الْقَوْلِ.
[قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ سِتْرُهَا] وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ عَلَى هَذَا أَنْ يَلُفَّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْأَجْنَبِيُّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَأَمَّا الْأَجْنَبِيُّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُغَسِّلَهَا أَيْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا الرُّؤْيَةُ مِنْ غَيْرِ تَغْسِيلٍ فَيَجُوزُ قَطْعًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ وَأَوْلَى الْمُرَاهِقُ أَنْ يَنْظُرَ لِعَوْرَةِ مَنْ لَمْ تُشْتَهَ وكَانَتْ بِنْتَ ثَلَاثِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّغْسِيلُ.

فصول الكتاب · 3 فصل · 596 صفحة
جارٍ التحميل