مِنْ الْمَغْرِبِ، وَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ مَشْهُورُهُمَا أَنَّهُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ وَيُعِيدُ احْتِيَاطًا.
الثَّانِي: مَحَلُّ الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ كُلِّهِ فِي تَرْكِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ إذَا فَاتَ مَوْضِعُ الْإِتْيَانِ بِهَا، أَمَّا إذَا لَمْ يَفُتْ بِأَنْ تَذَكَّرَهَا وَهُوَ قَائِمٌ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ بَعْدَ أَنْ قَرَأَ السُّورَةَ فَإِنَّهُ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ، وَفِي إعَادَةِ السُّورَةِ قَوْلَانِ اسْتَحْسَنَ اللَّخْمِيُّ الْإِعَادَةَ.
سَحْنُونٌ: وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا سُجُودَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يُبَيِّنُ مَا لَا يَسْجُدُ لَهُ مِنْ نَقْصِ سُنَّةٍ خَفِيفَةٍ وَنَقْصِ فَضِيلَةٍ فَقَالَ: (وَمَنْ سَهَا عَنْ تَكْبِيرَةٍ) سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (أَوْ عَنْ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مَرَّةً) وَاحِدَةً (أَوْ) عَنْ (الْقُنُوتِ فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ) الْأَوَّلَانِ سُنَّتَانِ وَالثَّالِثُ فَضِيلَةٌ، أَمَّا تَرْكُ السُّجُودِ عَنْ التَّكْبِيرَةِ الْوَاحِدَةِ فَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَسْجُدُ لَهَا وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ تَرْكِ السُّجُودِ لِتَرْكِ التَّحْمِيدَةِ الْوَاحِدَةِ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ تَرْكِ السُّجُودِ لِلْقُنُوتِ فَقَالَ ك: إنْ سَجَدَ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ التَّكْبِيرَةِ وَالتَّحْمِيدَةِ فَإِنَّهُ لَوْ سَجَدَ لِتَرْكِ أَحَدِهِمَا، لَمْ نَعْلَمْ مَنْ يَقُولُ بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ فَلْيُتَنَبَّهْ لِهَذَا انْتَهَى.
وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ فَقَدْ نَصَّ فِيهِ عَلَى بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ سَجَدَ لَهُمَا.
(وَمَنْ انْصَرَفَ) أَيْ خَرَجَ (مِنْ الصَّلَاةِ) بِسَلَامٍ سَهْوًا مَعَ اعْتِقَادِ الْإِتْمَامِ (ثُمَّ) بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا (ذَكَرَ) أَيْ تَذَكَّرَ يَقِينًا أَوْ شَكَّ (أَنَّهُ بَقِيَ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: مَشْهُورُهُمَا أَنَّهُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ وَيُعِيدُ احْتِيَاطًا] أَيْ نَدْبًا وَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِ عَنْ ك هُنَا وَفِيمَا مَرَّ أَنَّ تَرْكَ الْجُلِّ وَالنِّصْفِ لَا يُبْطِلُ وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ وَيُعِيدُ احْتِيَاطًا، وَأَنَّ تَرْكَ الْجَمِيعِ يُبْطِلُ وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ لِتَرْكِ الْأَقَلِّ بِقَوْلِهِ وَاخْتُلِفَ فِي السَّهْوِ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَةِ وَفِيمَا اسْتَحْسَنَهُ الْمُصَنِّفُ يُعْلَمُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي الْأَقَلِّ كَالنِّصْفِ، أَوْ الْجُلِّ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَلَا يَأْتِي بِرَكْعَةٍ وَيُعِيدُ احْتِيَاطًا، وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ رَجَّحَ الْبُطْلَانَ فِيمَا إذَا تَرَكَهَا فِي نِصْفِ صَلَاتِهِ فَيَكُونُ أَوْلَى فِيمَا إذَا تَرَكَهَا فِي الْجُلِّ، وَعِبَارَةُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ تَقْتَضِي قُوَّةَ كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا فَاتَ مَوْضِعُ الْإِتْيَانِ بِهَا] أَيْ بِأَنْ انْحَنَى هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ، أَمَّا إذَا لَمْ تَفُتْ بِأَنْ تَذَكَّرَ وَهُوَ قَائِمٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ عَقْدَ الرَّكْعَةِ بِرَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ لَا بِالِانْحِنَاءِ كَمَا هُوَ الْقَوْلُ الضَّعِيفُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ، فَالْمُنَاسِبُ الْمُعْتَمَدُ أَنْ يَقُولَ أَمَّا إذَا لَمْ يَفُتْ بِأَنْ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لِقِرَاءَتِهَا أَيْ الْفَاتِحَةِ.
[قَوْلُهُ: اسْتَحْسَنَ اللَّخْمِيُّ الْإِعَادَةَ] وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ، أَيْ إمَّا لِكَوْنِهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُنَّةً أَوْ لِكَوْنِ السُّنَّةِ لَا تَحْصُلُ إلَّا إذَا وَقَعَتْ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ أَيْ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْإِعَادَةِ وَهُوَ لِمَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَاتِ لَا يَرَى ذَلِكَ، بَلْ يَرَى أَنَّ السُّنَّةَ تَحْصُلُ بِقِرَاءَتِهَا وَقَعَتْ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ أَوْ بَعْدَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا الْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْمُسْتَنْكِحِ، وَأَمَّا هُوَ فَاتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ الْإِعَادَةِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ.
[قَوْلُهُ: وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ] أَيْ لِتِلْكَ الزِّيَادَةِ الْقَوْلِيَّةِ أَيْ إعَادَةِ السُّورَةِ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ] أَيْ فَلَا يَرَى تَرَتُّبَ السُّجُودِ عَلَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ الْقَوْلِيَّةِ وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْقِرَاءَةِ لَا يُسْجَدُ لَهَا بِدَلِيلٍ لَوْ قَرَأَ سُورَتَيْنِ اهـ.
أَيْ أَوْ قَرَأَ السُّورَةَ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ كَمَا أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: فَهُوَ الْمَشْهُورُ] وَعَلَيْهِ فَإِنْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُقْتَدِيًا بِإِمَامٍ سَجَدَ عَلَى مَذْهَبِهِ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ كَمَا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ تَرَكَ السُّجُودَ خَلْفَهُ.
[قَوْلُهُ: لِتَرْكِ التَّحْمِيدَةِ] الْمُرَادُ بِهَا سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَتَسْمِيَتُهَا تَحْمِيدَةً أَيْ ثَنَاءً تَجَوُّزٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تَتَضَمَّنُهُ.
[قَوْلُهُ: لَمْ نَعْلَمْ مَنْ يَقُولُ] ضَعِيفٌ فَقَوْلُ الشَّارِحِ اُنْظُرْ إلَخْ وَاضِحٌ، إذْ الْمَنْقُولُ كَمَا أَفَادَهُ عج أَنَّهُ إنْ سَجَدَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
[قَوْلُهُ: بِسَلَامٍ سَهْوًا إلَخْ] الْمُرَادُ سَهَا عَنْ كَوْنِهَا نَاقِصَةً فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ أَوْقَعَ السَّلَامَ عَمْدًا، وَأَمَّا إنْ سَلَّمَ سَاهِيًا عَنْ كَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ عَنْ كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا بِالسَّلَامِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ فَيَتَدَارَكُ مَا تَرَكَهُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ شَكَّ]
عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا) أَيْ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ فِيهَا كَالرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ (فَلْيَرْجِعْ) يَعْنِي يَنْوِي الرُّجُوعَ (إنْ كَانَ) تَذَكَّرَ (بِقُرْبِ ذَلِكَ) الِانْصِرَافِ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ ذَكَرَهُ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا (فَ) إذَا رَجَعَ (يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً يُحْرِمُ) يَعْنِي يَنْوِي الرُّجُوعَ (بِهَا) إلَى الصَّلَاةِ، ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَإِنْ قَرُبَ جِدًّا وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَحَيْثُ قُلْنَا يَرْجِعُ بِإِحْرَامٍ فَإِنْ ذَكَرَ وَهُوَ جَالِسٌ أَحْرَمَ وَهُوَ عَلَى حَالَتِهِ وَلَا يُطْلَبُ بِقِيَامٍ، وَإِنْ ذَكَرَ وَهُوَ قَائِمٌ فَفِي إحْرَامِهِ وَهُوَ قَائِمٌ قَوْلَانِ، وَإِنْ تَرَكَ الْإِحْرَامَ وَرَجَعَ بِنِيَّةٍ فَقَطْ فَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمُصَنِّفِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ (ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ يُكَبِّرَ التَّكْبِيرَةَ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا (يُصَلِّي مَا بَقِيَ عَلَيْهِ) مِنْ صَلَاتِهِ، إذَا سَلَّمَ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ صَلَاتَهُ تَامَّةً، أَمَّا إنْ سَلَّمَ عَالِمًا بِأَنْ صَلَاتَهُ لَمْ تَتِمَّ أَوْ شَكَّ
[حاشية العدوي]
الْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقَ التَّرَدُّدِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ] وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ السَّلَامُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَ فَلَوْ دَخَلَ لَكَانَ تَكْرَارًا.
[قَوْلُهُ: فِيهَا] مُتَعَلِّقٌ بِالْمَفْرُوضَةِ.
[قَوْلُهُ: كَالرُّكُوعِ إلَخْ] مِثْلُ ذَلِكَ الْجُلُوسِ بِقَدْرِ السَّلَامِ فَإِذَا سَلَّمَ سَاهِيًا فِي حَالِ رَفْعِهِ مِنْ السُّجُودِ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ بِقَدْرِ السَّلَامِ وَيُسَلِّمُ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي يَنْوِي الرُّجُوعَ] أَيْ لِلصَّلَاةِ أَيْ يَنْوِي تَكْمِيلَهَا ثُمَّ أَقُولُ وَالْمُنَاسِبُ حَذْفُ ذَلِكَ، أَيْ حَذْفُ قَوْلِهِ يَعْنِي يَنْوِي الرُّجُوعَ، وَيُجْعَلُ قَوْلُهُ يُكَبِّرُ إلَخْ.
تَفْسِيرًا لِلرُّجُوعِ أَيْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّجُوعِ أَنَّهُ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً يُحْرِمُ بِهَا، إذْ عَلَى حِلِّهِ لَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ يُحْرِمُ بِهَا.
[قَوْلُهُ: إنْ كَانَ تَذَكُّرُهُ بِقُرْبِ ذَلِكَ إلَخْ] أَيْ فَإِنْ طَالَ الْأَمْرُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَابْتَدَأَهَا مِنْ أَوَّلِهَا.
تَنْبِيهٌ: قَالَ تت ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُصَلِّي بِمَكَانِهِ فَوْرًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَصَلَّى بِمَكَانٍ آخَرَ بَطَلَتْ.
[قَوْلُهُ: سَوَاءٌ ذَكَرَهُ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا] سَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: فَإِذَا رَجَعَ إلَخْ] أَيْ فَإِذَا نَوَى الرُّجُوعَ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى حِلِّهِ، أَيْ فَإِذَا نَوَى تَكْمِيلَ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ فَإِذَا كَمَّلَ.
[قَوْلُهُ: وَيُحْرِمُ إلَخْ] تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ عَلَى قَضِيَّةِ حِلِّهِ.
[قَوْلُهُ: بِهَا] أَيْ مَعَهَا أَيْ يَنْوِي الرُّجُوعَ مُصَاحِبًا لِتَكْبِيرٍ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ إنْ قَرُبَ جِدًّا لَا يُحْرِمُ وَجَعَلَهُ ج ظَاهِرَ كَلَامِ الشَّيْخِ.
لِقَوْلِهِ ثُمَّ وَالْخِلَافُ فِي التَّكْبِيرِ، وَأَمَّا النِّيَّةُ فَلَا بُدَّ مِنْهَا اتِّفَاقًا وَلَوْ مَعَ الْقُرْبِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ ذَكَرَ وَهُوَ جَالِسٌ إلَخْ] هَذَا حَيْثُ فَارَقَ الصَّلَاةَ مِنْ مَحَلِّ الْجُلُوسِ، وَأَمَّا إنْ فَارَقَهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ كَأَنْ انْصَرَفَ بَعْدَمَا صَلَّى ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لِلرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ وَيُحْرِمُ مِنْهُ وَلَا يَجْلِسُ فِيمَا يَظْهَرُ قِيَاسًا عَلَى مَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُطْلَبُ بِقِيَامٍ] أَيْ لِلْإِحْرَامِ بِخُصُوصِهِ، وَهَذَا كَالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ وَهُوَ عَلَى حَالَتِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَلَى حَالَتِهِ، أَيْ مِنْ عَدَمِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ إذْ لَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِقْبَالِ.
[قَوْلُهُ: فَفِي إحْرَامِهِ وَهُوَ قَائِمٌ قَوْلَانِ] حَاصِلُهُ أَنَّ بَعْضَهُمْ وَهُمْ الْقُدَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ذَهَبَ إلَى أَنْ يُحْرِمَ مِنْ قِيَامٍ لِأَجْلِ الْفَوْرِ وَعَلَيْهِ فَهَلْ يَجْلِسُ عَقِبَيْهِ ثُمَّ يَنْهَضُ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ وَبَعْضُهُمْ وَهُوَ ابْنُ شَبْلُونٍ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَجْلِسُ؛ لِأَنَّهُ الْحَالَةُ الَّتِي فَارَقَ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَاسْتَظْهَرَ بَعْضٌ أَنَّ حُكْمَ الْجُلُوسِ الْمَذْكُورِ الْوُجُوبِ فَلَوْ أَحْرَمَ مِنْ قِيَامٍ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ يُحْرِمُ قَائِمًا وَلَا يُكَبِّرُ لِذَلِكَ الْجُلُوسِ وَإِنَّمَا يَجْلِسُ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ، فَإِذَا جَلَسَ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ ثُمَّ يَقُومُ بِالتَّكْبِيرِ الَّذِي يَفْعَلُهُ مَنْ فَارَقَ الصَّلَاةَ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَمَحَلُّ كَوْنِهِ يَجْلِسُ لِلْإِحْرَامِ، إذَا سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ، وَأَمَّا إنْ سَلَّمَ مِنْ وَاحِدَةٍ أَوْ مِنْ ثَلَاثٍ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى حَالِ رَفْعِهِ مِنْ السُّجُودِ وَيُحْرِمُ، وَلَا يَجْلِسُ إذْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَوْضِعًا لِجُلُوسِهِ، وَيَنْدُبُ لَهُ رَفْعُ يَدَيْهِ حِينَ يُحْرِمُ.
[قَوْلُهُ: فَفِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمُصَنِّفِ] أَيْ الَّذِي هُوَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمُقَابِلُهُ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ وَنَقَلَهُ تت.
عَنْ الْمُصَنِّفِ قُلْت وَيَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ التَّكْبِيرِ الْوُجُوبُ.
[قَوْلُهُ: يُصَلِّي مَا بَقِيَ عَلَيْهِ] أَيْ وَبَطَلَتْ الرَّكْعَةُ الَّتِي نَقَصَ مِنْهَا رُكُوعًا أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ مَانِعٌ مِنْ جَبْرِهَا.
[قَوْلُهُ: أَوْ شَكَّ] الْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ أَيْ سَوَاءٌ ظَهَرَ الْكَمَالُ أَوْ النُّقْصَانُ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُسْتَنْكِحِ، أَيْ وَأَمَّا
فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلَةٌ، وَهَذَا أَيْضًا إذَا كَانَ فَذًّا أَوْ كَانَ إمَامًا وَوَافَقَهُ الْمَأْمُومُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا خَالَفُوا فَإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ بِأَنَّهُ نَقَصَ مِنْ صَلَاتِهِ رَكْعَةٌ مَثَلًا رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا إنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ خِلَافَ مَا أَخْبَرَاهُ بِهِ، فَإِنْ تَيَقَّنَّ خِلَافَ مَا أَخْبَرَاهُ بِهِ فَلَا يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِمَا، وَإِنْ كَثُرَ الْمُخْبِرُونَ لَهُ جِدًّا رَجَعَ إلَيْهِمْ وَلَوْ تَيَقَّنَ خِلَافَ مَا أَخْبَرُوهُ بِهِ، وَلَا يَرْجِعُ لِقَوْلِ الْوَاحِدِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ إنْ كَانَ بِقُرْبِ ذَلِكَ زِيَادَةً لِلْإِيضَاحِ فَقَالَ: (وَإِنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ)
[حاشية العدوي]
الْمُسْتَنْكِحُ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِتْمَامِ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا أَيْضًا إلَخْ] أَيْ كَمَا قَيَّدْنَاهُ بِقَوْلِنَا إذَا سَلَّمَ عَلَى يَقِينٍ فَلْيُقَيَّدْ أَيْضًا بِمَا إذَا كَانَ فَذًّا أَوْ إمَامًا.
[قَوْلُهُ: وَوَافَقَهُ الْمَأْمُومُونَ إلَخْ] أَيْ عَلَى أَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ إلَّا أَنَّ قَضِيَّةَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ، فَإِذَا خَالَفُوهُ فَأَخْبَرُوهُ بِالتَّمَامِ وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَقَوْلُهُ وَإِنْ خَالَفُوهُ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ بِأَنَّهُ نَقْصٌ لَا يُنَاسِبُ وَسَكَتَ عَنْ الْفَذِّ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إذَا أَخْبَرَهُ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى يَقِينِ نَفْسِهِ، أَيْ حَالِ نَفْسِهِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
[قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ إلَخْ] أَيْ بِأَنْ تَيَقَّنَ صِدْقَهُمَا أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ، بَلْ يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ بِخَبَرِ وَاحِدٍ أَيْضًا وَلَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، حَيْثُ صَدَّقَهُ أَوْ شَكَّ كَمَا إذَا حَصَلَ لَهُ الشَّكُّ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ الشَّارِحِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يَرْجِعُ لِقَوْلِ الْوَاحِدِ عَلَى الْمَشْهُورِ بَلْ هُوَ خِلَافُ الصَّوَابِ وَهَذَا فَفِي غَيْرِ الْمُسْتَنْكِحِ وَكَذَا يَرْجِعُ لِخَبَرِ الْعَدْلَيْنِ إذَا أَخْبَرَاهُ بِنَقْصٍ وَهُوَ مُسْتَنْكِحٍ شَأْنُهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى الْأَكْثَرِ فَيَتْبَعَ قَوْلَهُمَا وَيَبْنِيَ عَلَى الْأَقَلِّ، فَإِنْ تَيَقَّنَ خِلَافَ مَا أَخْبَرَاهُ بِهِ، أَيْ تَيَقَّنَ الْإِتْمَامَ فَلَا يَرْجِعُ لِقَوْلِهِمَا وَلَكِنْ إذَا سَلَّمَ بِإِتْيَانٍ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِمَا أَفْذَاذًا أَوْ بِإِمَامٍ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ كَثُرَ الْمُخَبِّرُونَ لَهُ] أَيْ جِدًّا بِحَيْثُ يُفِيدُ خَبَرُهُمْ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ كَانَ مُسْتَنْكِحًا أَمْ لَا، كَانَ بَعْدَ السَّلَامِ كَمَا هُوَ الْمَوْضُوعُ أَوْ كَانَ قَبْلُ وَسَكَتَ عَمَّا إذَا أَخْبَرَاهُ بِالتَّمَامِ، وَحُكْمُهُ إذَا أَخْبَرَاهُ بِالتَّمَامِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَنْكِحٍ وَكَانَا عَدْلَيْنِ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْكَمَالِ الَّذِي أَخْبَرَاهُ بِهِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُمَا أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ، أَمَّا إنْ تَيَقَّنَ كَذِبَهُمَا رَجَعَ لِنَفْسِهِ وَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِمَا وَلَا لِأَكْثَرَ إلَّا أَنْ يَكْثُرُوا جِدًّا بِحَيْثُ يُفِيدُ خَبَرُهُمْ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ، فَيَتْرُكُ نَفْسَهُ وَيَرْجِعُ لَهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوهُ مِنْ التَّمَامِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ إنْ كَثُرُوا جِدًّا لَا يُشْتَرَطُ عَدَالَةٌ وَلَا أَنْ يَكُونُوا مَأْمُومِينَ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَرْجِعُ لِقَوْلِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ] بِتَقْرِيرِ بَهْرَامَ يُعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِيمَا إذَا أَخْبَرَ الْعَدْلُ بِالتَّمَامِ لَا بِالنُّقْصَانِ الَّذِي كَلَامُ الشَّارِحِ فِيهِ كَمَا يَتَبَيَّنُ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ يَجْتَزِي بِالْعَمَلِ الْوَاحِدِ إذَا أَخْبَرَاهُ بِالتَّمَامِ سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَنَرْجِعُ إلَى أَنَّ أَصْلَ الْكَلَامِ فَنَقُولُ قَدْ عَرَفْت مَا إذَا تَذَكَّرَ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ وَأَمَّا إنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَخِيرَةِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ رُكُوعًا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ رُكُوعًا أَتَى بِهِ قَائِمًا وَإِنْ كَانَ رَفْعًا أَتَى بِهِ مُحْدَوْدِبًا، وَسَجْدَةً أَتَى بِهَا مِنْ جُلُوسٍ وَاثْنَتَيْنِ أَتَى بِهِمَا مِنْ قِيَامٍ، فَإِنْ أَتَى بِهِمَا مِنْ جُلُوسٍ سَهْوًا سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ لِنَقْصِ الِانْحِطَاطِ لَهُمَا فَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ وَإِلَّا لَمْ يُجْبَرْ بِسُجُودِ السَّهْوِ وَيُكْرَهُ تَعَمُّدُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ زَرُّوقٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ مِنْ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ عَلَى نَحْوِ مَا قَرَّرْنَا فِيمَا إذَا كَانَ مِنْ الْأَخِيرَةِ مِنْ جُلُوسٍ أَوْ قِيَامٍ أَوْ احْدِيدَابٍ مَا لَمْ يَعْقِدْ الرَّكْعَةَ الَّتِي تَلِي رَكْعَةَ النَّقْصِ.
فَإِذَا عَقَدَهَا فَقَدْ فَاتَتْ وَقَامَتْ الَّتِي عَقَدَهَا مَقَامَهَا حَيْثُ كَانَ فَذًّا أَوْ إمَامًا وَالْعَقْدُ بِرَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ.
تَنْبِيهَانِ:
الْأَوَّلُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ يَأْتِي بِالْفَرْضِ الْمَتْرُوكِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَمْكَنَ تَدَارُكُهُ، وَأَمَّا النِّيَّةُ وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ فَلَا يُتَدَارَكَانِ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا نَسِيَا لَمْ تُوجَدْ صَلَاةٌ، فَإِذَا سَهَا عَنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ مِنْ أَوَّلِهَا، الثَّانِي النَّقْصُ الْمَشْكُوكُ كَالْمُحَقَّقِ وَالْمُرَادُ بِهِ كَمَا ذَكَرْنَا مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ، هَذَا فِي الْفَرَائِضِ حَيْثُ لَا اسْتِنْكَاحَ بِخِلَافِ السُّنَنِ فَلَا يَسْجُدُ لِنَقْصِهَا، إلَّا عِنْدَ تَيَقُّنِ النَّقْصِ أَوْ التَّرَدُّدِ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ لَا عِنْدَ التَّوَهُّمِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ التَّذَكُّرَ] وَهُوَ مَحْدُودٌ بِالْعُرْفِ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَوْلُهُ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ،
التَّذَكُّرُ عَنْ الِانْصِرَافِ (أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ ابْتَدَأَ صَلَاتَهُ) لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: (وَكَذَلِكَ مَنْ نَسِيَ السَّلَامَ) أَنَّ فِيهِ التَّفْصِيلَ الْمُتَقَدِّمَ فَيَرْجِعُ إلَى الْجُلُوسِ إنْ كَانَ بِقُرْبِ ذَلِكَ فَيُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً يُحْرِمُ بِهَا وَهُوَ جَالِسٌ وَيَتَشَهَّدُ، وَيَأْتِي بِالسَّلَامِ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ ابْتَدَأَ صَلَاتَهُ.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مَحَلُّهُ إذَا تَذَكَّرَ بَعْدَ أَنْ قَامَ مِنْ مَحَلِّهِ، أَمَّا إنْ تَذَكَّرَ بِالْقُرْبِ وَهُوَ جَالِسٌ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ سَلَّمَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ انْحَرَفَ عَنْهَا اسْتَقْبَلَهَا وَسَلَّمَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ.
(وَمَنْ لَمْ يَدْرِ مَا صَلَّى أَثَلَاثَ رَكَعَاتٍ أَمْ أَرْبَعًا) يَعْنِي وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكِحًا (بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) الَّتِي هِيَ الثَّالِثَةُ (وَصَلَّى مَا شَكَّ فِيهِ) وَهِيَ الرَّابِعَةُ فَقَوْلُهُ: (وَأَتَى بِرَابِعَةٍ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ مَا شَكَّ فِيهِ (وَسَجَدَ بَعْدَ سَلَامِهِ) عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةٍ: يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ وَمُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثْلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» .
تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ: قَيَّدْنَا كَلَامَهُ بِغَيْرِ الْمُسْتَنْكِحِ احْتِرَازًا مِنْ الْمُسْتَنْكِحِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إصْلَاحُ صَلَاتِهِ.
وَإِنَّمَا عَلَيْهِ السُّجُودُ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ.
(الثَّانِي) : رُوِيَ قَوْلُهُ أَمْ أَرْبَعًا بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ.
(وَمَنْ) كَانَ إمَامًا أَوْ فَذًّا وَ (تَكَلَّمَ) فِي صَلَاتِهِ كَلَامًا يَسِيرًا (سَاهِيًا سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ) لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ إذْ هُوَ مَعْذُورٌ فَيَنْجَبِرُ سَهْوُهُ بِالسُّجُودِ، وَقَيَّدْنَا بِالْإِمَامِ وَالْفَذِّ احْتِرَازًا مِنْ الْمَأْمُومِ فَإِنَّ الْإِمَامَ كَمَا تَقَدَّمَ يَحْمِلُ سَهْوَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فَرِيضَةً، وَبِالْيَسِيرِ احْتِرَازًا مِنْ الْكَثِيرِ فَإِنَّهُ مُبْطِلٌ، وَاحْتُرِزَ بِالسَّاهِي مِنْ الْعَامِدِ وَالْجَاهِلِ وَالْمُكْرَهِ وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ لِإِنْقَاذِ أَعْمَى مَثَلًا فَإِنَّ صَلَاتَهُمْ بَاطِلَةٌ.
(وَمَنْ لَمْ يَدْرِ أَسَلَّمَ أَوْ لَمْ يُسَلِّمْ) وَلَمْ يَقُمْ مِنْ مَقَامِهِ وَكَانَ
[حاشية العدوي]
أَيْ عِنْدَ أَشْهَبَ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَشْهَبَ وَلَوْ كَانَ الْمَسْجِدُ صَغِيرًا وَصَلَّى قُرْبَ بَابِهِ فَإِنْ صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ فَالْبُعْدُ عِنْدَهُ أَنْ يُصَلِّ الْمُصَلِّي بَعْدَ انْصِرَافِهِ إلَى مَحَلٍّ لَا يُمْكِنُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِيهِ لِمَنْ يَكُونُ فِي مَحَلِّ مَا صَلَّى، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ وَهُوَ التَّحْدِيدُ لِلْقُرْبِ وَالْبَعْدِ بِالْعُرْفِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ [قَوْلُهُ: فَيُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً يُحْرِمُ بِهَا] هَذَا إذَا فَارَقَ مَوْضِعَهُ كَمَا سَنَقُولُ، أَيْ أَوْ طَالَ طُولًا مُتَوَسِّطًا.
[قَوْلُهُ: أَوْ خَرَجَ] أَوْ لِحِكَايَةِ الْخِلَافِ.
[قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ] وَهُوَ قَوْلُهُ إنْ كَانَ بِقُرْبِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ انْحَرَفَ عَنْهَا] أَيْ مَعَ الْقُرْبِ وَالْمُرَادُ انْحِرَافٌ لَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، لَا إنْ انْحَرَفَ بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ جَامِعِ عَمْرٍو فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ وَقَوْلُهُ اسْتَقْبَلَهَا إلَخْ، أَيْ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرٍ وَلَا تَشَهُّدٍ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَقْسَامَ خَمْسَةٌ قَدْ ظَهَرَتْ مِنْ الشَّارِحِ مَعَ مَا زِدْنَاهُ.
[قَوْلُهُ: بَنِي عَلَى الْيَقِينِ] أَيْ الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ.
[قَوْلُهُ: وَصَلَّى مَا شَكَّ فِيهِ] أَيْ فِي تَرْكِهِ وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ.
[قَوْلُهُ: تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ مَا شَكَّ فِيهِ] أَيْ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا إشْكَالَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّ قَوْلَهُ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ الَّذِي هُوَ الثَّالِثَةُ وَصَلَّى مَا شَكَّ فِيهِ الَّتِي هِيَ الرَّابِعَةُ، ثُمَّ قَالَ وَأَتَى بِرَابِعَةٍ فَهِيَ رَابِعَةٌ فِي اللَّفْظِ خَامِسَةٌ فِي الْمَعْنَى.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ إلَخْ] يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَتَيَقَّنْ سَلَامَةَ الْأُولَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: رُوِيَ قَوْلُهُ] أَيْ الْمُصَنِّفِ.
[قَوْلُهُ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ] التَّقْدِيرُ أَمْ الَّذِي صَلَّاهُ أَرْبَعٌ
[وَمَنْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا] أَيْ عَنْ كَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ عَنْ كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا بِهِ.
[وَاحْتُرِزَ بِالسَّاهِي مِنْ الْعَامِدِ] أَيْ إلَّا مَا كَانَ لِإِصْلَاحِهَا فَلَا تَبْطُلُ بِهِ إلَّا أَنْ يُكْثِرَ فِي نَفْسِهِ وَالْكَثْرَةُ بِالْعُرْفِ.
[قَوْلُهُ: وَالْمُكْرَهُ] الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِكْرَاهِ عَلَى تَرْكِ الرُّكْنِ الْفِعْلِيِّ أَنَّ مَا يَتْرُكُ مِنْهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا عَجَزَ عَنْهُ وَيُؤْتَى بِبَدَلِهِ بِخِلَافِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْكَلَامِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ وَنِسْيَانِهِ أَنَّ النَّاسِيَ لَا شُعُورَ عِنْدَهُ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ لِإِنْقَاذِ أَعْمَى] وَأَمَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ لِإِجَابَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ
بِقُرْبِ تَشَهُّدِهِ (سَلَّمَ وَلَا سُجُودَ) سَهْوٍ (عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ إنْ كَانَ سَلَّمَ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَالسَّلَامُ الثَّانِي وَاقِعٌ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَلَا وَجْهَ لِلسُّجُودِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُسَلِّمْ فَقَدْ سَلَّمَ الْآنَ وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ سَهْوٌ يَسْجُدُ لَهُ، وَقَيَّدْنَا كَلَامَهُ بِقَوْلِنَا: وَلَمْ يَقُمْ مِنْ مَقَامِهِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَ قَرِيبًا، وَلَكِنْ تَحَوَّلَ مِنْ مَقَامِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِتَكْبِيرَةٍ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ لِأَنَّهُ زَادَ، وَبِقَوْلِنَا وَكَانَ بِقُرْبِ تَشَهُّدِهِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا طَالَ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ.
(وَمَنْ اسْتَنْكَحَهُ) أَيْ دَاخَلَهُ (الشَّكُّ فِي السَّهْوِ) فِي الصَّلَاةِ (فَلْيَلْهَ عَنْهُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ لَا غَيْرُ بِمَعْنَى يُضْرِبُ عَنْهُ لَا يُعَوِّلُ عَلَى مَا يَجِدُهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ إيجَابًا؛ لِأَنَّهُ بِنِيَّةٍ مِنْ الشَّيْطَانِ فَدَوَاؤُهُ الْإِلْهَاءُ فَإِذَا قَالَ لَهُ مَثَلًا: مَا صَلَّيْت إلَّا ثَلَاثًا فَيَقُولُ لَهُ: مَا صَلَّيْت إلَّا أَرْبَعًا، وَإِنَّ صَلَاتِي صَحِيحَةٌ.
وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: إنَّ الْمُوَسْوِسَ يَبْنِي عَلَى أَوَّلِ خَاطِرَيْهِ وَهُوَ لِبَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ، وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ لِأَنَّهُ فِي الْخَاطِرِ الْأَوَّلِ سَلِيمُ الذِّهْنِ وَفِيمَا بَعْدَهُ شَبِيهٌ بِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ، وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُرَجِّحُهُ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ وَيَقُولُ بِهِ وَيُوَجِّهُهُ بِأَنَّ الْمُسْتَنْكِحَ وَمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَا يَنْضَبِطُ لَهُ الْخَاطِرُ الْأَوَّلُ مِمَّا بَعْدَهُ وَالْوُجُودُ يَشْهَدُ لِذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَا إصْلَاحَ عَلَيْهِ) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ فَلْيَلْهَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْإِصْلَاحِ هُوَ الْإِلْهَاءُ (وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ بَعْدَ السَّلَامِ) اسْتِحْبَابًا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ إلَى الزِّيَادَةِ أَقْرَبُ.
ثُمَّ فَسَّرَ مَنْ اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ الَّذِي يَكْثُرُ ذَلِكَ) الشَّكِّ (مِنْهُ يَشُكُّ كَثِيرًا أَنْ يَكُونَ سَهَا وَنَقَصَ) وَفِي رِوَايَةٍ سَهَا زَادَ أَوْ نَقَصَ أَيْ سَهَا بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ.
ع: وَكَثْرَتُهُ أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وُضُوءٍ أَوْ فِي كُلِّ
[حاشية العدوي]
أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَتَيَقَّنَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا إنْ شَكَّ فِيهِ فَلَا يُجِيبُهُ فَإِنْ أَجَابَ بَطَلَتْ، وَهَلْ مُطْلَقًا أَوْ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَوْنُهُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْظَرَهُ؟ وَلَوْ أَدْخَلَ الْكَافَ عَلَى قَوْلِهِ أَعْمَى لَكَانَ أَفْضَلَ لِيَشْمَلَ الصَّغِيرَ وَالْمُصْحَفِ وَالْمَالِ وَالدَّابَّةِ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يَقُمْ مِنْ مَقَامِهِ] أَيْ وَلَمْ يَنْحَرِفْ.
[قَوْلُهُ: وَلَكِنْ تَحَوَّلَ إلَخْ] وَمِثْلُهُ لَوْ طَالَ طُولًا مُتَوَسِّطًا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِتَكْبِيرٍ فَلَوْ لَمْ يَتَحَوَّلْ إلَّا أَنَّهُ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ وَيُسَلِّمُ وَلَا يَتَشَهَّدُ وَلَا إحْرَامَ عَلَيْهِ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَلْهَ عَنْهُ] الْهَاءُ مَفْتُوحَةٌ؛ لِأَنَّهُ مُضَارِعٌ لَهَا كَعَلِمَ وَخَشِيَ وَلَمَّا دَخَلَ الْجَازِمُ حُذِفَ أَلِفُهُ وَبَقِيَتْ الْفَتْحَةُ دَلِيلًا عَلَيْهَا.
[قَوْلُهُ: إيجَابًا] أَيْ وُجُوبًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا يُفِيدُهُ عج، وَقِيلَ نَدْبًا وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَلَوْ بَنَى الْمُسْتَنْكِحُ عَلَى الْأَقَلِّ وَلَمْ يَلْهُ عَنْهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَلَوْ عَمْدًا كَمَا قَالَ الْحَطَّابُ فِي شَرْحِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْأَصْلَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْ الْمُسْتَنْكِحِ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ، فَإِذَا أَصْلَحَ فَعَلَ الْأَصْلَ [قَوْلُهُ: مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ] عَطْفُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ تَفْسِيرٌ.
[قَوْلُهُ: عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ] أَيْ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَشْهَبُ إنَّمَا يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ وَالْمُعْتَمَدُ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إلَى الزِّيَادَةِ أَقْرَبُ] أَيْ؛ لِأَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا؟ يَقْرُبُ أَنْ يَكُونَ صَلَّى خَمْسًا [قَوْلُهُ: يَشُكُّ كَثِيرًا] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ يَكْثُرُ ذَلِكَ مِنْهُ، أَيْ وَذَلِكَ بِأَنْ يَشُكَّ، وَقَوْلُهُ كَثِيرًا أَيْ زَمَنًا كَثِيرًا.
[قَوْلُهُ: سَهَا وَنَقَصَ] أَيْ سَهَا فَنَقَصَ أَيْ هَلْ نَقَصَتْ مِنْ صَلَاتِي مَا صَلَّيْت إلَّا ثَلَاثًا.
[قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ سَهَا زَادَ أَوْ نَقَصَ] صُورَتَانِ الْأُولَى يَشُكُّ هَلْ صَلَّيْت أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا، وَالثَّانِيَةُ يَشُكُّ هَلْ صَلَّى أَرْبَعًا أَوْ ثَلَاثًا لَكِنْ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ فَلْيَلْهَ عَنْهُ وَلَا إصْلَاحَ عَلَيْهِ لَا يُعْقَلُ إلَّا فِيمَا إذَا كَانَ سَهَا بِنَقْصٍ لَا إنْ كَانَ سَهَا بِزِيَادَةٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ أَنَّ الْإِلْهَاءَ بِحَيْثُ إنَّهُ لَا يَسْجُدُ اسْتِنَانًا، فَلَا يُنَافِي أَنْ يَسْجُدَ نَدْبًا.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وُضُوءٍ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُضَمُّ الشَّكُّ فِي الْوَسَائِلِ كَالْوُضُوءِ لِلشَّكِّ فِي الْمَقَاصِدِ كَالصَّلَاةِ، بَلْ كُلُّ عِبَادَةٍ تُفْرَدُ عَلَى حِدَتِهَا، فَإِذَا كَانَ شَكَّ يَوْمًا فِي الْوُضُوءِ مَثَلًا وَيَوْمًا فِي الصَّلَاةِ فَلَيْسَ بِمُسْتَنْكِحٍ خِلَافًا لِلشَّارِحِ، فَإِنَّ عِبَارَتَهُ تُوهِمُ أَنَّهُ يَكُونُ مُسْتَنْكِحًا قَالَ عج وَظَهَر لِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِي مَسْأَلَةِ الشَّكِّ مَا جَرَى فِي مَسْأَلَةِ السَّلَسِ، فَإِذَا زَادَ مِنْ إتْيَانِهِ عَلَى
صَلَاةٍ أَوْ فِي الْيَوْمِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَطْرَأْ لَهُ إلَّا بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَلَيْسَ بِمُسْتَنْكِحٍ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُوقِنُ) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ يَشُكُّ وَكَذَا قَوْلُهُ (فَلْيَسْجُدْ بَعْدَ السَّلَامِ) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ بَعْدَ السَّلَامِ.
وَقَوْلُهُ (فَقَطْ) إشَارَةٌ لِمَنْ يَقُولُ عَلَيْهِ الْإِصْلَاحُ.
(وَإِذَا أَيْقَنَ) الْمُصَلِّي (بِالسَّهْوِ) ق: يُرِيدُ عَنْ سَجْدَةٍ أَوْ رَكْعَةٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (سَجَدَ بَعْدَ إصْلَاحِ صَلَاتِهِ) أَيْ بَعْدَ إتْيَانِهِ بِمَا نَقَصَهُ.
وَقَالَ ع: وَصُورَتُهُ إذَا ذَكَرَ مَا أَفْسَدَ لَهُ رَكْعَةً فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا وَيَسْجُدُ بَعْدَمَا صَلَّاهَا.
وَهَلْ ذَلِكَ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ؟ فَنَقُولُ: يَفْتَرِقُ الْجَوَابُ فَإِنْ كَانَتْ الرَّكْعَةُ مِنْ الْأُولَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ مَعَهُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، فَالزِّيَادَةُ الرَّكْعَةُ الْمُلْغَاةُ وَالْجُلُوسُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَالنُّقْصَانُ تَرْكُ السُّورَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْتِي بِهَا بِالْبِنَاءِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَخِيرَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا الزِّيَادَةُ خَاصَّةً فَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ انْتَهَى.
(وَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ) السَّهْوُ (مِنْهُ فَهُوَ يَعْتَرِيهِ) أَيْ يُصِيبُهُ (كَثِيرًا) مِثْلَ أَنْ تَكُونَ عَادَتُهُ السَّهْوَ أَبَدًا عَنْ الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ أَوْ تَكُونَ عَادَتُهُ نِسْيَانَ السُّجُودِ (أَصْلَحَ صَلَاتَهُ وَلَمْ يَسْجُدْ لِسَهْوِهِ) سَوَاءٌ كَانَ السُّجُودُ قَبْلِيًّا أَوْ بَعْدِيًّا لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ الَّتِي تَلْحَقُهُ فِي ذَلِكَ.
(وَمَنْ قَامَ) يُرِيدُ تَزَحْزَحَ لِلْقِيَامِ (مِنْ اثْنَتَيْنِ) مِنْ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ (رَجَعَ) اتِّفَاقًا (مَا لَمْ يُفَارِقْ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ
[حاشية العدوي]
زَمَنِ انْقِطَاعِهِ أَوْ تَسَاوَيَا فَهُوَ مُسْتَنْكِحٌ وَإِلَّا فَلَا وَالْمُرَادُ بِزَمَنِ إتْيَانِهِ الْيَوْمُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ وَلَوْ مَرَّةً، فَإِذَا أَتَاهُ يَوْمًا وَانْقَطَعَ يَوْمًا وَهَكَذَا، أَوْ أَتَاهُ يَوْمَيْنِ وَيَنْقَطِعُ الثَّالِثَ وَهَكَذَا كَانَ مُسْتَنْكِحًا، وَأَمَّا لَوْ أَتَاهُ يَوْمَيْنِ وَانْقَطَعَ ثَلَاثَةً فَلَيْسَ بِمُسْتَنْكِحٍ.
[قَوْلُهُ: يُرِيدُ عَنْ سَجْدَةٍ] أَيْ لَا أَنَّهُ سَهَا بِزِيَادَةٍ وَقَوْلُهُ أَوْ رَكْعَةٍ أَرَادَ بِهَا الرُّكُوعَ.
[قَوْلُهُ: إذَا ذَكَرَ مَا أَفْسَدَ لَهُ رَكْعَةً] أَيْ بِأَنْ تَرَكَ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا وَتَذَكَّرَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ مَثَلًا.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَتْ الرَّكْعَةُ] أَيْ الَّتِي سَهَا فِيهَا عَنْ سَجْدَةٍ أَوْ رُكُوعٍ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْأُولَتَيْنِ] أَيْ إحْدَى الْأُولَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَالنُّقْصَانَ] أَيْ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَةَ انْقَلَبَتْ ثَانِيَةً.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْتِي بِهَا بِالْبِنَاءِ] أَيْ إنَّمَا يَأْتِي بِالرَّكْعَةِ مُلْتَبِسَةً بِالْبِنَاءِ، أَيْ بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ، [قَوْلُهُ: مِنْ الْأَخِيرَتَيْنِ] أَيْ مِنْ إحْدَى الْأَخِيرَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: فَهُوَ يَعْتَرِيهِ كَثِيرًا] الْفَاءُ لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا لَيْسَ فِيهِ تَوْضِيحٌ لِمَا قَبْلَهَا، فَلَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ الْعَطْفِ فَلَوْ حَذَفَ ذَلِكَ وَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَإِنْ كَثُرَ مِنْهُ لَكَانَ أَحْسَنَ.
[قَوْلُهُ: عَنْ الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ] مُحَصِّلُ كَلَامِهِ عَلَى مَا فَهِمَهُ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ مِمَّنْ شَرَحَ خَلِيلًا أَنَّهُ يَرْجِعُ لَهُ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ الْأَرْضَ وَلَوْ اسْتَقَلَّ، وَيَكُونُ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ لَهُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَقِلْ، وَبَعْضُهُمْ أَبْقَى الْقَاعِدَةَ عَلَى عُمُومِهَا، وَأَنَّهُ حَيْثُ اسْتَنْكَحَهُ السَّهْوُ عَنْ الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ حَتَّى فَارَقَ فَلَا يُطَالَبُ بِالرُّجُوعِ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ وَلَا بُطْلَانَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ تَكُونُ عَادَتُهُ نِسْيَانَ السُّجُودِ] اعْلَمْ أَنَّ إصْلَاحَ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَفُوتَ مَحَلُّ التَّدَارُكِ، الثَّانِي أَنْ لَا يَفُوتَ، مِثَالُ الْأَوَّلِ: مَنْ عَادَتِهِ السَّهْوُ عَنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ الثُّنَائِيَّةِ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ إلَّا بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَ أَنْ عَقَدَ الثَّالِثَةَ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ فِي الْأَوَّلِ وَلَا يَسْجُدُ، وَتَنْقَلِبُ الثَّالِثَةُ ثَانِيَةً فِي الثَّانِي وَلَا يَسْجُدُ عَلَى مَا يَظْهَرُ وَمِثَالُ الثَّانِي: مَا إذَا تَذَكَّرَ فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَ الثَّالِثَةَ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ يَدْخُلَانِ فِي قَوْلِهِ أَصْلَحَ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ سَوَاءٌ كَانَ السُّجُودُ قَبْلِيًّا نَاظِرٌ لِلْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا إذَا فَاتَ مَحَلُّ التَّدَارُكِ، وَقَوْلُهُ أَوْ بَعْدِيًّا نَاظِرٌ لِلثَّانِي، أَيْ وَهُوَ مَا إذَا تَذَكَّرَ قَبْلَ عَقْدِ الثَّالِثَةِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ سَجَدَ لِسَهْوِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَكَانَ سُجُودُهُ قَبْلَ السَّلَامِ فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِهِ إنْ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَمْ لَا مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ إنَّهُ يَسْجُدُ كَذَا نَظَرَ عج الظَّاهِرُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ.
[قَوْلُهُ: يُرِيدُ تَزَحْزَحَ لِلْقِيَامِ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: إنَّمَا قُلْنَا يُرِيدُ بِقَوْلِهِ تَزَحْزَحَ وَلَمْ نَبْقَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لِئَلَّا يُنَاقِضَ قَوْلَهُ بَعْدُ وَرَجَعَ إلَخْ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ انْتَهَى [قَوْلُهُ: مِنْ اثْنَتَيْنِ] أَيْ تَارِكًا لِلْجُلُوسِ وَمِنْ لَازِمِهِ تَرْكُ التَّشَهُّدِ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ جَلَسَ وَقَامَ نَاسِيًا لِلتَّشَهُّدِ فَلَا يَرْجِعُ لَهُ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ، فَإِنْ
وَرُكْبَتَيْهِ) ق: وَأَحْرَى إذَا لَمْ يُفَارِقْ الْأَرْضَ إلَّا بِيَدَيْهِ فَقَطْ أَوْ بِرُكْبَتَيْهِ خَاصَّةً أَنْ يَرْجِعَ ثُمَّ يَتَشَهَّدَ وَيُتِمَّ صَلَاتَهُ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِخِفَّةِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ تَمَادَى عَلَى الْقِيَامِ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ ثَلَاثَ سُنَنٍ عَامِدًا وَإِنْ تَمَادَى نَاسِيًا سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ.
(فَإِذَا فَارَقَهَا) أَيْ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ (تَمَادَى وَلَمْ يَرْجِعْ وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ) هَذَا صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ، الْأُولَى: أَنْ يُفَارِقَ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَلَمْ يَعْتَدِلْ قَائِمًا ثُمَّ تَذَكَّرَ بَعْدَمَا فَارَقَ الْأَرْضَ.
وَالثَّانِيَةِ: أَنْ يُفَارِقَ الْأَرْضَ وَيَعْتَدِلَ قَائِمًا، وَالْحُكْمُ فِيهِمَا وَاحِدٌ وَهُوَ مَا ذَكَرَ لَكِنَّ عَدَمَ الرُّجُوعِ فِي الْأَوَّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَلَيْهِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ رَجَعَ إلَى الْجُلُوسِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ لِتَحْقِيقِ الزِّيَادَةِ.
وَفِي الثَّانِيَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْجُلُوسِ عَامِدًا فَفِي التَّوْضِيحِ الْمَشْهُورِ الصِّحَّةُ وَعَلَيْهِ يَسْجُدُ
[حاشية العدوي]
رَجَعَ لِلتَّشَهُّدِ بَعْد نُهُوضِهِ لِلْقِيَامِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ كَمَا لَا تَبْطُلُ إذَا رَجَعَ لِلْجُلُوسِ كَمَا ذَكَرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ وَلَعَلَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّعِيفِ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِتَرْكِ التَّشَهُّدِ الْوَاحِدِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ] احْتِرَازٌ مِنْ النَّافِلَةِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ وَلَوْ اسْتَقَلَّ قَائِمًا مَا لَمْ يَعْقِدْ الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ، فَإِذَا عَقَدَهَا تَمَادَى وَأَتَى بِرَابِعَةٍ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ.
وَفِي سُجُودِهِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ قَوْلَانِ، فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ زَادَ الرَّكْعَتَيْنِ قَالَ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ نَقَصَ السَّلَامَ قَالَ: يَسْجُدُ قَبْلَهُ قَالَهُ ع، وَاقْتَصَرَ خَلِيلٌ عَلَى الثَّانِي فَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ فَإِنْ عَقَدَهَا تَمَادَى هَذَا فِي غَيْرِ النَّفْلِ الْمَحْدُودِ، وَأَمَّا الْمَحْدُودِ كَالْفَجْرِ وَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ فَإِنَّهُ لَا يُكْمِلُ شَيْئًا مِنْهَا أَرْبَعًا عِنْدَ عَقْدِ الثَّالِثَةِ مِنْهَا نِسْيَانًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَبْطُلُ بِزِيَادَةِ مِثْلِهَا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ حَدَّهُ بِاثْنَتَيْنِ فَفِعْلُهُ أَرْبَعًا يُخَالِفُ ذَلِكَ وَانْظُرْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْكُسُوفَ يَبْطُلُ بِزِيَادَةِ مِثْلِهِ، هَلْ الْمُرَادُ مِثْلُهُ فِي الصِّفَةِ وَالْعَدَدِ أَوْ فِي الْعَدَدِ فَقَطْ؟ وَانْظُرْ قَوْلَهُ وَأَتَى بِرَابِعَةٍ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ أَمْ لَا وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ كَمَا يُفِيدُهُ النَّقْلُ عَنْ الْإِمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعَنْ ابْنِ عَرَفَةَ.
وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ وَلَوْ اسْتَقَلَّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ بَطَلَتْ، فَإِنْ صَلَّى النَّافِلَةَ أَرْبَعًا وَقَامَ لِخَامِسَةٍ سَاهِيًا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَقَدَهَا أَوْ لَا وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ لِنَقْصِهِ السَّلَامَ فِي مَحَلِّهِ وَالزِّيَادَةُ وَاضِحَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ [قَوْلُهُ: رَجَعَ اتِّفَاقًا] قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ الرُّجُوعِ السُّنِّيَّةُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ تَعَمُّدَ تَرْكِ الْجُلُوسِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَعَلَى مُقَابِلِهِ الْوُجُوبُ.
[قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُفَارِقْ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ] صَادِقٌ بِسَبْعِ صُوَرٍ فَارَقَ بِيَدَيْهِ دُونَ رُكْبَتَيْهِ أَوْ بِرُكْبَتَيْهِ دُونَ يَدَيْهِ أَوْ بِيَدٍ وَرُكْبَتَيْهِ أَوْ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَةٍ أَوْ بِيَدٍ وَرُكْبَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ أَوْ رُكْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَوْلُ وَأَحْرَى إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا أَحْرَوِيَّةَ بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي الْمُصَنَّفِ [قَوْلُهُ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَرْكِ السُّنَّةِ عَمْدًا فَحُكْمُ الرُّجُوعِ الْوُجُوبُ عَلَى الْأَوَّلِ وَالسُّنَّةُ عَلَى الثَّانِي.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ تَمَادِي نَاسِيًا سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ] فَإِنْ تَرَكَ السُّجُودَ وَطَالَ زَمَنُ التَّرْكِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِتَرْكِ الْقِبْلَةِ عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ، الْجُلُوسِ وَمُطْلَقِ التَّشَهُّدِ وَخُصُوصِ اللَّفْظِ بِنَاءً عَلَى سُنِّيَّتِهِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ فِي التَّحْقِيقِ فَقَالَ: وَإِنْ تَمَادَى جَاهِلًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْعَامِدِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
[قَوْلُهُ: تَمَادَى وَلَمْ يَرْجِعْ] وَهَلْ وُجُوبًا فَالرُّجُوعُ حَرَامٌ وَرُبَّمَا يَقْتَضِيهِ نَقْلُ الْمَوَّاقِ أَوْ يُكْرَهُ كَذَا فِي بَعْضِ شُرُوحِ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: لَكِنَّ عَدَمَ الرُّجُوعِ فِي الْأُولَى] أَيْ وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ مُقَابِلُهُ قَوْلَانِ قِيلَ: يَرْجِعُ وَقِيلَ: إنْ كَانَ إلَى الْجُلُوسِ أَقْرَبَ رَجَعَ وَإِلَّا فَلَا.
[قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ رَجَعَ إلَخْ] أَيْ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ [قَوْلُهُ: لِتَحَقُّقِ الزِّيَادَةِ] أَيْ زِيَادَةِ الْقِيَامِ.
[قَوْلُهُ: فَفِي التَّوْضِيحِ الْمَشْهُورُ الصِّحَّةُ] وَالْقَوْلُ بِالْبُطْلَانِ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ حَكَاهُ ابْنُ الْجَلَّابِ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ يَسْجُدُ إلَخْ] وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ وَإِذَا رَجَعَ فَلَا يَنْهَضُ حَتَّى يَتَشَهَّدَ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ مُعْتَدٌّ بِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَيَنْقَلِبُ سُجُودُهُ الْقَبْلِيُّ بَعْدِيًّا، فَلَوْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ عَمْدًا بَعْدَ رُجُوعِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا عَلَى كَلَامِ أَشْهَبَ.
وَلَعَلَّ كَلَامَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِنَاءً عَلَى بُطْلَانِهَا بِتَعَمُّدِ تَرْكِ سُنَّةٍ خِلَافًا لِأَشْهَبَ كَذَا فِي
بَعْدِ السَّلَامِ لِتَحْقِيقِ الزِّيَادَةِ، وَإِنْ رَجَعَ جَاهِلًا فَفِي النَّوَادِرِ عَنْ سَحْنُونَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ يَتَمَادَى عَلَى صَلَاتِهِ وَيَسْجُدُ وَإِنْ رَجَعَ نَاسِيًا فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ اتِّفَاقًا.
ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا إذَا نَسِيَ صَلَاةً أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ تَذَكَّرَهَا، وَقَسَّمَ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَتَذَكَّرَهَا بَعْدَ أَنْ صَلَّى صَلَاةً حَاضِرَةً لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُهَا أَوْ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَهَا أَوْ فِيهَا، وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ ذَكَرَ صَلَاةً) نَسِيَهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى صَلَاةً وَقْتِيَّةً (صَلَّاهَا) أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهَا وَكَذَلِكَ مَنْ نَامَ عَنْهَا أَوْ تَرَكَهَا عَمْدًا لَمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا» وَاقْتِصَارُهُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى ذِكْرِ الْمَنْسِيَّةِ وَاَلَّتِي نَامَ عَنْهَا مِنْ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى الَّذِي هُوَ التَّعَمُّدُ.
ق:
وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ قَضَاءِ الْمَنْسِيَّاتِ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَقِيلَ: لَا يُقْتَلُ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ قَضَاءِ الْمَنْسِيَّاتِ فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا (مَتَى مَا ذَكَرَهَا) فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ قَضَاءَ الْفَوَائِتِ عَلَى الْفَوْرِ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إلَّا لِعُذْرٍ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي نَقْلِ الْأَكْثَرِ، وَإِذَا أَرَادَ قَضَاءَ الْمَنْسِيَّةِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُهَا.
(عَلَى نَحْوِ مَا فَاتَتْهُ) مِنْ إعْدَادِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَهَيْئَاتِهَا مِنْ إسْرَارٍ وَجَهْرٍ، وَإِنْ نَسِيَهَا
[حاشية العدوي]
بَعْضِ شُرُوحِ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ إلَخْ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ أَيْضًا بِرُجُوعِهِ وَلَوْ قَرَأَ إلَّا أَنْ يُتِمَّ الْقِرَاءَةَ وَنَظَرَ عج فِي الْقِرَاءَةِ فَقَالَ.
وَانْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِتَمَامِهَا هَلْ الْفَاتِحَةُ فَقَطْ أَوْ هِيَ وَالسُّورَةُ وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ اجْتِمَاعِ الْبِنَاءِ وَالْقَضَاءِ، فَقَدْ تَكُونُ قِرَاءَةُ الرَّكْعَةِ الَّتِي تَلِي التَّشَهُّدَ بِفَاتِحَةٍ وَسُورَةٍ.
قَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةُ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي تُقْرَأُ بَعْدَ الْقِيَامِ مِنْ اثْنَتَيْنِ اهـ.
وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ عج فَرَضَهُ فِيمَا إذَا كَانَتْ سُورَةٌ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، فَإِنْ قُلْت: لَمْ لَمْ يَرْجِعْ لِلسُّورَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الرُّكُوعِ قُلْت: أُجِيبَ بِأَنَّ الرُّكُوعَ مُتَّفَقٌ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ بِخِلَافِ قِيَامِهِ قَبْلَ التَّشَهُّدِ لِلْفَاتِحَةِ فَإِنَّهَا غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا بِكُلِّ رَكْعَةٍ بَلْ فِيهِ خِلَافٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
[نَسِيَ صَلَاةً أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ تَذَكَّرَهَا]
[قَوْلُهُ: مِنْ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى إلَخْ] قَالَ ابْنُ نَاجِي: اعْلَمْ أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَتْرُكَهَا سَهْوًا أَوْ عَمْدًا، فَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا فَالْقَضَاءُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا فَكَذَلِكَ عَلَى مَعْرُوفِ الْمَذْهَبِ اهـ.
فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُ شَارِحِنَا مِنْ التَّنْبِيهِ إلَخْ، بَلْ قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَ الْمُتَعَمَّدَ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يُقْتَلُ] مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُسْتَتَابُ وَلَا يُقْتَلُ صَرَّحَ بِهِ تت، فَمُفَادُهُ أَنَّ الِاسْتِتَابَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَتْلِ وَعَدَمِهِ، وَقَوْلُهُ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّاسِيَ اُتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي، وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُتَعَمِّدِ، وَمَا كَانَ يَصِحُّ كَلَامُهُ إلَّا لَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَقُولُ: بِأَنَّ النَّاسِيَ لَا يُطْلَبُ بِالْقَضَاءِ.
[قَوْلُهُ: فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ] أَيْ حَيْثُ تَحَقَّقَ تَرْكُهَا أَوْ ظَنَّهُ، وَأَمَّا الْمَشْكُوكُ فِي تَرْكِهَا وَعَدَمِهِ عَلَى السَّوَاءِ فَيَجِبُ قَضَاؤُهَا، وَلَكِنْ يَتَوَقَّى الْفَاعِلُ أَوْقَاتَ النَّهْيِ وُجُوبًا فِي نَهْيِ الْحُرْمَةِ وَنَدْبًا فِي نَهْيِ الْكَرَاهَةِ، وَأَمَّا الْوَهْمُ وَالتَّجْوِيزُ الْعَقْلِيُّ فَلَا يَجِبُ بِهِمَا قَضَاءٌ وَلَا يَنْدُبُ كَمَا قَالَهُ الْحَطَّابُ، وَلَا يُقَالُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ نَقْصَ الْفَرَائِضِ الْمَوْهُومِ، كَالْمُحَقَّقِ فَأَوْلَى الْفَرْضُ الْكَامِلُ الْمَوْهُومُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْفَرْضِ الْمُحَقَّقُ الْخِطَابُ بِهِ، وَمَا هُنَا لَمْ يَتَحَقَّقْ خِطَابٌ.
[قَوْلُهُ: لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إلَّا لِعُذْرٍ] أَيْ لِحَوَائِجِهِ قَالَهُ عج وَالْمُرَادُ بِحَوَائِجِهِ الْحَوَائِجُ الضَّرُورِيَّةُ، وَهِيَ مَا يَحْصُلُ فِيهَا مَعَاشُهُ، وَمَعَاشُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ اهـ.
[قَوْلُهُ: فِي نَقْلِ الْأَكْثَرِ] أَيْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ تت.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ قَدْرُ الطَّاقَةِ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِعَدَدٍ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ لَيْسَ وَقْتُ الْمَنْسِيَّةِ بِمُضَيَّقٍ بِحَيْثُ لَا يُؤَخِّرُهَا وَلَا سَاعَةً لِقَوْلِهِمْ، إنْ ذَكَرَهَا إمَامٌ تَمَادَى وَإِنَّمَا أَمَرَ بِتَعْجِيلِهَا خَوْفًا مِنْ مُعَاجَلَةِ الْمَوْتِ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهَا.
[قَوْلُهُ: مِنْ إعْدَادِ الرُّكُوعِ إلَخْ] قَالَ عج ظَاهِرُ الشَّاذِلِيِّ أَنَّ التَّطْوِيلَ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ،
سَفَرِيَّةً قَضَاهَا سَفَرِيَّةً، وَإِنْ نَسِيَهَا حَضَرِيَّةً قَضَاهَا حَضَرِيَّةً.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَقْنُتُ إنْ كَانَ صُبْحًا وَيُقِيمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ (ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَذَكَّرَهَا سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا أَوْ فَذًّا أَوْ مَأْمُومًا (أَعَادَ مَا) أَيْ الصَّلَاةَ الَّتِي (كَانَ) فَعَلَهَا (فِي وَقْتِهِ) الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى مَا الْوَاقِعَةِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَذَكَرَهُ مُرَاعَاةً لِلَّفْظِ وَهَذِهِ الْإِعَادَةِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ، وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ هُنَا الضَّرُورِيُّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَوْلُهُ: (مِمَّا صَلَّى) بَيَانٌ لِمَا وَالضَّمِيرُ فِي (بَعْدِهَا) عَائِدٌ عَلَى الْمَنْسِيَّةِ، أَيْ أَعَادَ الْحَاضِرَةَ بَعْدَ أَنْ يَقْضِيَ الْمَنْسِيَّةَ مِثَالُهُ أَنْ يَنْسَى الْمَغْرِبَ مِنْ أَمْسِهِ مَثَلًا فَيَذْكُرَهُ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الصُّبْحَ مِنْ غَدِهِ وَقَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَيُعِيدُ الصُّبْحَ وَلَا يُعِيدُ الْعِشَاءَ لِفَوَاتِ وَقْتِهَا إنْ ذَكَرَ الْمَغْرِبَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا وَلَا يُعِيدُ شَيْئًا أَصْلًا.
وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ كَثِيرَةٌ) وَسَيَأْتِي حَدُّهَا سَوَاءٌ نَسِيَهَا أَوْ نَامَ عَنْهَا أَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا (صَلَّاهَا) أَيْ قَضَاهَا (فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ: وَمَنْ ذَكَرَ صَلَاةً إلَخْ إلَّا أَنْ يُقَالَ تَكَلَّمَ أَوَّلًا عَلَى الصَّلَوَاتِ الْيَسِيرَةِ، وَتَكَلَّمَ هَاهُنَا عَلَى الْكَثِيرَةِ وَكَرَّرَ قَوْلَهُ: وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَخْ إشَارَةً لِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ لَا يُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَّا صُبْحَ يَوْمِهِ وَعِنْدَ الْغُرُوبِ إلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ، وَدَلِيلُنَا الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَقَوْلُهُ: (وَكَيْفَمَا تَيَسَّرَ لَهُ) إشَارَةٌ إلَى دَفْعِ الْمَشَقَّةِ فِي قَضَائِهَا وَذَلِكَ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وَإِنَّمَا يَقْضِي بِقَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُ مَعَ شُغْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ لِلْقَضَاءِ وَلَا تَارِكٍ شُغْلَهُ لِذَلِكَ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْقِسْمِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَتْ) أَيْ الصَّلَوَاتُ الَّتِي عَلَيْهِ (يَسِيرَةً أَقَلَّ مِنْ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) وَهِيَ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ (بَدَأَ بِهِنَّ) أَيْ قَدَّمَهُنَّ عَلَى الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ (وَإِنْ فَاتَ وَقْتُ مَا هُوَ فِي وَقْتِهِ) يَعْنِي وَإِنْ خَافَ الَّذِي عَلَيْهِ
[حاشية العدوي]
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُدْخِلُ التَّسْبِيحَ وَالتَّكْبِيرَ وَالتَّحْمِيدَ عَقِبَهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يُطْلَبُ التَّطْوِيلُ الَّذِي هُوَ مِنْ مَاهِيَّتِهَا فَأَحْرَى مَا كَانَ خَارِجًا عَنْهَا، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ عَنْ الْقَضَاءِ بِنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا إنَّمَا يَجْرِي فِيمَا إذَا بَقِيَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى كَلَامُهُ بِنَوْعِ تَغْيِيرٍ قَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ نَسِيَهَا سَفَرِيَّةً إلَخْ] وَإِذَا اخْتَلَفَ وَقْتُ الْفَوَاتِ وَوَقْتُ الْقَضَاءِ بِالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُ وَقْتَ الْقَضَاءِ وَانْظُرْ إذَا فَاتَتْ فِي الصِّحَّةِ وَكَانَ وَقْتُ الْقَضَاءِ مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى النِّيَّةِ فَقَطْ أَوْ مَعَ الْإِيمَاءِ بِالطَّرْفِ، فَهَلْ يَقْضِيهَا بِالنِّيَّةِ وَالطَّرْفِ أَوْ لَا يَقْضِي، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ، وَإِذَا كَفَى هَذَا فِي الْأَدَاءِ فَيَكْفِي فِي الْقَضَاءِ بِالْأَوْلَى.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ قَضَاءِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَذَكَّرَهَا] أَيْ وَهِيَ الْيَسِيرُ مِنْ الْفَوَائِتِ خَمْسٌ أَوْ أَرْبَعٌ، وَأَمَّا لَوْ صَلَّى حَاضِرَةً ثُمَّ ذَكَرَ فَائِتَةً كَثِيرَةً وَهِيَ سِتٌّ أَوْ خَمْسٌ، فَإِنَّ الْحَاضِرَةَ تُقَدَّمُ عَلَيْهَا عِنْدَ ذِكْرِهَا فَلَا يَتَأَتَّى إعَادَةُ الْحَاضِرَةِ بَعْدَ قَضَائِهَا.
[قَوْلُهُ: الَّتِي كَانَ فَعَلَهَا إلَخْ] فَمُفَادُهُ أَنَّ كَانَ نَاقِصَةٌ خَبَرُهَا مَحْذُوفٌ وَهُوَ فَعَلَهَا وَأَقُولُ لَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ لِجَوَازِ كَوْنِهَا تَامَّةً وَالْمَعْنَى أَعَادَ مَا ثَبَتَ وَحَصَلَ، وَقَوْلُهُ فِي وَقْتِهِ مُتَعَلِّقٌ بِأَعَادَ، أَيْ أَعَادَ مَا دَامَ الْوَقْتُ.
وَقَوْلُهُ، أَيْ أَعَادَ الْحَاضِرَةَ إلَخْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ ثُمَّ أَعَادَ إلَخْ لَا أَنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِ بَعْدَهَا أَيْ بَعْدَ أَنْ يَقْضِيَ الْمَنْسِيَّةَ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا ثُمَّ أَعَادَ إلَخْ، كَمَا قُرِّرَ بَلْ بِمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا كَائِنَةٌ بَعْدَهَا، أَيْ بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِهَا أَيْ الْمَنْسِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ الِاخْتِيَارِيُّ [قَوْلُهُ: وَيُعِيدُ الصُّبْحَ] وَإِذَا كَانَ هَذَا الْمُعِيدُ إمَامًا فَفِي إعَادَةِ مَأْمُومِهِ صَلَاتَهُ خِلَافٌ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا إعَادَةَ وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا قَرَّرَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا [قَوْلُهُ: وَذَلِكَ] أَيْ الْقَضَاءُ الْخَالِي عَنْ الْمَشَقَّةِ.
[قَوْلُهُ: مَعَ شُغْلِهِ] أَيْ الضَّرُورِيِّ أَيْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ أَيْ مِنْ حَوَائِجِ دُنْيَاهُ مِنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ وَصِغَارِ أَوْلَادِهِ الْفُقَرَاءِ وَأَبَوَيْهِ الْفُقَرَاءِ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ دَرْسُ الْعِلْمِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ وَالتَّمْرِيضُ وَإِشْرَافُ الْقَرِيبِ.
[قَوْلُهُ: بَدَأَ بِهِنَّ إلَخْ] أَيْ وُجُوبًا وَيَدْخُلُ فِي الْفَائِتَةِ الْيَسِيرَةِ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ أَوْ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ إلَّا مَا يَسَعُ الْأَخِيرَةَ فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْأُولَى، فَإِنْ خَالَفَ وَقَدَّمَ الْحَاضِرَةَ صَحَّتْ مَعَ الْإِثْمِ فِي الْعَمْدِ دُونَ النِّسْيَانِ
الْفَوَائِتُ فَوَاتَ وَقْتِ مَا هُوَ فِي وَقْتِهِ فَالضَّمِيرُ فِي وَقْتِهِ عَائِدٌ عَلَى مَا، وَهِيَ وَاقِعَةٌ عَلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى الْمُصَلِّي، وَمَا ذَكَرَهُ فِي حَدِّ الْيَسِيرِ هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ جَمَاعَةٍ وَشُهِرَ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الْيَسِيرَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْيَسِيرِ وَالْحَاضِرَةِ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ وَاجِبُ غَيْرِ شَرْطِ أَوْ وَاجِبُ شَرْطٍ؟ .
الْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَالثَّانِي رَوَاهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ سَنَدٍ، وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا خَالَفَ مَا أُمِرَ بِهِ بِأَنْ قَدَّمَ الْحَاضِرَ عَلَى الْفَائِتَةِ الْيَسِيرَةِ فَعَلَى الشَّرْطِيَّةِ يُعِيدُ الْحَاضِرَةَ أَبَدًا، وَعَلَى مُقَابِلِهِ يُعِيدُهَا مَا دَامَ الْوَقْتُ الضَّرُورِيُّ بَاقِيًا، فَفِي الظُّهْرَيْنِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَفِي الْعِشَاءَيْنِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ تَقْدِيمِ الْيَسِيرَةِ عَلَى الْحَاضِرَةِ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ إدْرَاكِ الْحَاضِرَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ دَلِيلُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: «فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» فَذَلِكَ وَقْتُهَا، وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حُكْمِ تَرْتِيبِ الْفَوَائِتِ الْيَسِيرَةِ مَعَ الْحَاضِرَةِ شَرَعَ يُبَيِّنُ حُكْمَ تَرْتِيبِ الْفَوَائِتِ الْكَثِيرَةِ مَعَ الْحَاضِرَةِ فَقَالَ: (وَإِنْ كَثُرَتْ) أَيْ الصَّلَوَاتُ الَّتِي عَلَيْهِ وَهِيَ عَلَى مَا قَالَ الشَّيْخُ خَمْسٌ فَمَا فَوْقُهَا، وَعَلَى مَا شَهَرَهُ الْمَازِرِيُّ سِتٌّ فَمَا فَوْقُ (بَدَأَ بِمَا يَخَافُ فَوَاتَ وَقْتِهِ) ق مَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ وَقْتِ الْحَاضِرَةِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْمَنْسِيَّاتِ، وَهَذَا الْقَوْلُ لِابْنِ حَبِيبٍ وَرَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَمَذْهَبُ ابْنُ الْقَاسِمِ يَبْدَأُ بِالْحَاضِرَةِ ضَاقَ الْوَقْتُ أَوْ اتَّسَعَ فَتَكُونُ الرِّسَالَةُ بِخِلَافِ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْقِسْمِ الثَّالِثِ فَقَالَ: (وَمَنْ ذَكَرَ صَلَاةً) يَعْنِي أَوْ صَلَوَاتٍ يَجِبُ تَرْتِيبُهَا مَعَ الْحَاضِرَةِ (فِي) حَالِ تَلَبُّسِهِ بِ (صَلَاةٍ) مَفْرُوضَةٍ (فَسَدَتْ هَذِهِ) أَيْ الصَّلَاةُ الَّتِي هُوَ فِيهَا (عَلَيْهِ) ج: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ الْقَطْعَ وَاجِبٌ وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَاسْتَشْكَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّ التَّرْتِيبَ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا فَيَلْزَمُ الْقَطْعُ أَوْ مُسْتَحَبًّا فَيَلْزَمُ التَّمَادِي، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقْطَعُ كَغَيْرِهِ وَهُوَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمَشْهُورُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ يَتَمَادَى وَيُعِيدُ، وَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ خِلَافٌ انْتَهَى.
وَشَهَرَ فِي الْمُخْتَصَرِ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ.
(وَمَنْ ضَحِكَ)
[حاشية العدوي]
لَا يَأْتِي هُنَا إعَادَةٌ لِخُرُوجِ الْوَقْتِ.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ سَنَدٍ] أَيْ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: أَيْ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: فَفِي الظُّهْرَيْنِ إلَخْ] وَسَكَتَ عَنْ الصُّبْحِ وَحُكْمُهُ أَنْ يُعِيدَهُ لِلطُّلُوعِ، وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُعِيدُ وَلَوْ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ أَيْ الْمُدْرِكِ فِيهِ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا فَأَكْثَرَ.
[قَوْلُهُ: هُوَ الْمَشْهُورُ] وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْحَاضِرَةِ.
[قَوْلُهُ: فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا إلَخْ] الْحَدِيثَ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا إلَخْ، وَقَوْلُهُ: فَذَلِكَ وَقْتُهَا لَيْسَ مِنْ الْحَدِيثِ خِلَافًا لِمَا يَتَبَادَرُ مِنْ الشَّارِحِ، أَقُولُ: لَا يَخْفَى ضَعْفُ الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ فِي الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ اسْتَدَلَّ بِهِ أَئِمَّةُ الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّ الْفَائِتَةَ تُقْضَى فِي كُلِّ وَقْتٍ حَتَّى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلِ لَا تُقْضَى الْفَوَائِتُ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالصُّبْحِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَوْ تَطْلُعَ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: بَدَأَ بِمَا يَخَافُ فَوَاتَ وَقْتِهِ] قَالَ تت وَالتَّقْدِيمُ هُنَا وَاجِبٌ غَيْرَ شَرْطٍ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ] أَيْ الْأَقْفَهْسِيُّ أَيْ قَبْلَ قَلِيلٍ نَحْوَ صَفْحَةٍ بِلَفْظِ الْمَذْكُورِ هُنَا.
[قَوْلُهُ: وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَبْدَأُ بِالْحَاضِرَةِ ضَاقَ إلَخْ] لَكِنْ وُجُوبًا عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَنَدْبًا عِنْدَ اتِّسَاعِهِ وَالْمُعْتَمَدُ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ ذَكَرَ إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّهُ ذَكَرَ يَسِيرَ الْفَوَائِتِ.
[قَوْلُهُ: فَسَدَتْ] بِمَعْنَى يَقْطَعُهَا لَا أَنَّهَا فَسَدَتْ بِالْفِعْلِ.
[قَوْلُهُ: أَنَّ الْقَطْعَ وَاجِبٌ] وَهَذَا الْقَوْلُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
[قَوْلُهُ: وَاسْتَشْكَلَهُ] أَيْ الْقَوْلَ بِالِاسْتِحْبَابِ [قَوْلُهُ: أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقْطَعُ كَغَيْرِهِ] أَيْ الْمَأْمُومَ الَّذِي يَذْكُرُ يَسِيرَ الْفَوَائِتِ [قَوْلُهُ: يَتَمَادَى] أَيْ مُرَاعَاةً لِحَقِّ الْإِمَامِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ خِلَافٌ] أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْيَسِيرَةِ وَالْحَاضِرَةِ وَاجِبُ شَرْطٍ.
أَيْ قَهْقَهَةً وَهُوَ الضَّحِكُ بِصَوْتٍ وَهُوَ (فِي الصَّلَاةِ أَعَادَهَا) وُجُوبًا أَبَدًا؛ لِأَنَّهَا بَطَلَتْ اتِّفَاقًا إنْ كَانَ عَمْدًا سَوَاءٌ كَانَ فَذًّا أَوْ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا، وَعَلَى الْمَشْهُورِ إنْ كَانَ سَهْوًا أَوْ غَلَبَةً.
ج: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ وَإِنْ كَانَ ضَحِكُهُ سُرُورًا بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ كَمَا إذَا قَرَأَ آيَةً فِيهَا صِفَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَضْحَكُ سُرُورًا وَبِهِ أَفْتَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ لَقِيته مِنْ الْقَرَوِيِّينَ وَالتُّونِسِيِّينَ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ فِي السَّهْوِ وَالْغَلَبَةِ يَسْتَخْلِفُ الْإِمَامُ فِيهِمَا وَيَرْجِعُ مَأْمُومًا ثُمَّ يُعِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ وُجُوبًا فِي الْوَقْتِ وَبَعْدِهِ، وَهَلْ يُعِيدُ الْمَأْمُومُ أَمْ لَا قَوْلَانِ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يُعِدْ الْوُضُوءَ) خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْقَهْقَهَةَ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ أَيْضًا كَمَا أَبْطَلَتْ الصَّلَاةَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ فَقَطْ.
وَلَمَّا كَانَ الْمَأْمُومُ يُخَالِفُ الْفَذَّ وَالْإِمَامَ فِي حَالَةٍ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَ) الَّذِي ضَحِكَ فِي صَلَاتِهِ (مَعَ إمَامٍ تَمَادَى) مَعَهُ اسْتِحْبَابًا مُرَاعَاةً لِحَقِّهِ (وَأَعَادَ) صَلَاتَهُ وُجُوبًا أَبَدًا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ كَالْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَتَمَادَى مُطْلَقًا
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَشَهَرَ فِي الْمُخْتَصَرِ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ] أَيْ فَلَا تَكُونُ الْإِعَادَةُ وَاجِبَةً بَلْ مُسْتَحَبَّةً، وَحَاصِلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ الْفَذُّ أَوْ الْإِمَامُ الْيَسِيرَ مِنْ الْفَوَائِتِ قَبْلَ عَقْدِ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَطْعُ وَقِيلَ يَنْدُبُ، فَلَوْ تَمَادَى عَلَى الْأَوَّلِ فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ، فَلَوْ عَقَدَ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا شَفَعَ اسْتِحْبَابًا وَقِيلَ وُجُوبًا وَيَتْبَعُ الْمَأْمُومُ إمَامَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرَ بَيْنَ الرُّبَاعِيَّةِ وَالثُّنَائِيَّةِ كَالْجُمُعَةِ وَالصُّبْحِ وَالْمَقْصُورَةِ.
وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْمَغْرِبَ كَغَيْرِهَا، أَيْ يَشْفَعُهَا إنْ عَقَدَ رَكْعَةً وَهُوَ غَيْرُ مُعَوِّلٍ عَلَيْهِ بَلْ يُتِمُّهَا مَغْرِبًا وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَوْ يَقْطَعُ، أَيْ لَا يَشْفَعُ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِاعْتِمَادِ أَبِي الْحَسَنِ لَهُ، فَلَوْ تَذَكَّرَ بَعْدَ أَنْ كَمَّلَ مِنْ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ تَامَّتَيْنِ بِسَجْدَتَيْهِمَا فَإِنَّهُ يُكْمِلُهَا بِنِيَّةِ الْفَرِيضَةِ، كَمَا أَنَّهُ إذَا كَمَّلَ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ الْمَغْرِبِ وَتَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ يَسِيرًا مِنْ الْفَوَائِتِ فَإِنَّهُ يُكْمِلُ أَيْضًا بِنِيَّةِ الْفَرِيضَةِ وَبَعْدَ تَكْمِيلِ الْمَغْرِبِ أَوْ غَيْرِهَا بِنِيَّةِ الْفَرِيضَةِ يُعِيدُ نَدْبًا فِي الْوَقْتِ، أَيْ بَعْدَ إتْيَانِهِ بِيَسِيرِ الْفَوَائِتِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الذَّاكِرُ لِلْيَسِيرِ مِنْ الْفَوَائِتِ الْمَأْمُومَ فَإِنَّهُ يَتَمَادَى مَعَ إمَامِهِ ثُمَّ يُنْدَبُ لَهُ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ، وَلَا فَرْقَ فِي تَمَادِي الْمَأْمُومِ وَإِعَادَةِ مَا هُوَ لَهَا فِي الْوَقْتِ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، وَيُعِيدُ جُمُعَةً إنْ أَمْكَنَهُ وَإِلَّا ظُهْرًا.
[قَوْلُهُ: قَهْقَهَةً] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ وَمَنْ ضَحِكَ تَفْسِيرُ مُرَادٍ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الضَّحِكَ يَصْدُقُ بِغَيْرِ الصَّوْتِ وَهُوَ التَّبَسُّمُ وَبِالصَّوْتِ وَهُوَ الْقَهْقَهَةُ كَمَا أَشَارَ لَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ، وَإِلَى كَوْنِهِ يُطْلَقُ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَهُوَ الضَّحِكُ بِصَوْتٍ، أَيْ إنَّ الْقَهْقَهَةَ الضَّحِكُ بِصَوْتٍ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ إنْ كَانَ سَهْوًا أَوْ غَلَبَةً] وَمُقَابِلُهُ لَا يَضُرُّ قِيَاسًا عَلَى الْكَلَامِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ ضَحِكُهُ سُرُورًا إلَخْ] وَصَوَّبَ ابْنُ نَاجِي صِحَّةَ صَلَاتِهِ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِعَدَمِ قَصْدِ اللَّعِبِ وَأَقُولُ يَرُدُّ تَعْلِيلَهُ بُطْلَانُ صَلَاةِ النَّاسِي وَالْمَغْلُوبِ، فَالصَّوَابُ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ وَخَلِيلٍ وَالْمُدَوَّنَةِ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] أَيْ وَعَلَى الْمَشْهُورِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ الْبُطْلَانِ فِي السَّهْوِ وَالْغَلَبَةِ يَسْتَخْلِفُ الْإِمَامُ فِيهِمَا، وَالْمُرَادُ بِالسَّهْوِ نِسْيَانُ كَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا نِسْيَانُ الْحُكْمِ أَوْ نِسْيَانُ كَوْنِ مَا يَفْعَلُ ضَحِكًا فَمُقْتَضَى كَلَامِ التَّوْضِيحِ أَنَّهُ كَالْعَمْدِ.
[قَوْلُهُ: وَيَرْجِعُ مَأْمُومًا] أَيْ عَلَى صَلَاةٍ بَاطِلَةٍ وَيَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا قَالَ الشَّيْخُ، وَلَعَلَّ وَجْهَ رُجُوعِهِ مَأْمُومًا مَعَ الْإِعَادَةِ أَبَدًا مُرَاعَاةَ مَنْ يَقُولُ بِالصِّحَّةِ مَعَ الْغَلَبَةِ وَالنِّسْيَانِ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَهْقَهَةِ نِسْيَانًا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ دُونَ الْكَلَامِ النِّسْيَانِ، فَالْجَوَابُ شِدَّةٌ مِنَّا فَإِنَّهَا لِلْخُشُوعِ بِخِلَافِ الْكَلَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَهِدَ عَمْدَهُ فِي الصَّلَاةِ لِإِصْلَاحِهَا.
[قَوْلُهُ: وَهَلْ يُعِيدُ الْمَأْمُومُ إلَخْ] الرَّاجِحُ عَدَمُ الْإِعَادَةِ كَمَا قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ تَكُونُ هَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ مِنْ قَاعِدَةِ كُلُّ صَلَاةٍ بَطَلَتْ عَلَى الْإِمَامِ بَطَلَتْ عَلَى الْمَأْمُومِ.
[قَوْلُهُ: تَمَادَى مَعَهُ اسْتِحْبَابًا] وَقِيلَ: وُجُوبًا، وَتَمَادِي الْمَأْمُومِ مُقَيَّدٌ بِقُيُودٍ:
الْأَوَّلُ أَنْ لَا يَقْدِر عَلَى التَّرْكِ فِي أَثْنَاءِ الضَّحِكِ بَلْ غَلَبَهُ، وَكَذَا نِسْيَانًا فَإِنْ قَدَرَ عَلَى التَّرْكِ لَمْ يَتَمَادَ.
الثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ ضَحْكَةً ابْتِدَاءً عَمْدًا وَإِلَّا لَمْ يَتَمَادَ فِي الْغَلَبَةِ وَالنِّسْيَانِ بَعْدُ.
الثَّالِثِ أَنْ لَا
سَوَاءٌ كَانَ ضَحِكُهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ غَلَبَةً وَقَيَّدَتْ الْمُدَوَّنَةُ بِمَا إذَا لَمْ يَضْحَكْ عَمْدًا وَمَشَى عَلَى هَذَا الْقَيْدِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُصَلِّي فَذًّا كَانَ أَوْ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا (فِي التَّبَسُّمِ) فِي حَالِ تَلَبُّسِهِ بِالصَّلَاةِ لَا إعَادَةَ وَلَا سُجُودَ؛ لِأَنَّ التَّبَسُّمَ إنَّمَا هُوَ تَحْرِيكُ الشَّفَتَيْنِ فَهُوَ كَحَرَكَةِ الْأَجْفَانِ أَوْ الْقَدَمَيْنِ.
(وَالنَّفْخُ فِي الصَّلَاةِ كَالْكَلَامِ) فَتَبْطُلُ بِعَمْدِهِ وَجَهْلِهِ وَلَا تَبْطُلُ بِسَهْوِهِ الْيَسِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ فَقَوْلُهُ: (وَالْعَامِدُ لِذَلِكَ) أَيْ لِلنَّفْخِ فِي الصَّلَاةِ (مُفْسِدٌ لِصَلَاتِهِ) حَشْوٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِبْطَالِ بِالنَّفْخِ أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ حَرْفَانِ، وَدَلِيلُ الْإِبْطَالِ مَا رُوِيَ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ: النَّفْخُ فِي الصَّلَاةِ كَلَامٌ» يَعْنِي فَتَبْطُلُ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ فَالظَّاهِرُ رَفْعُهُ.
فَرْعٌ: التَّنَحْنُحُ لِضَرُورَةٍ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَلَا سُجُودَ فِيهِ اتِّفَاقًا، وَلِغَيْرِ ضَرُورَةٍ قَوْلَانِ لِمَالِكٍ:.
أَحَدُهُمَا: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ، وَالْآخَرُ لَا يُبْطِلُ مُطْلَقًا وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَاخْتَارَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَاللَّخْمِيُّ لِخِفَّةِ الْأَمْرِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْأَنِينَ لِوَجَعٍ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَكَذَلِكَ الْبُكَاءُ إذَا كَانَ لِتَخَشُّعٍ.
(وَمَنْ) كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ بِالْأَدِلَّةِ الْمَنْصُوبَةِ عَلَى الْكَعْبَةِ وَكَانَ بِغَيْرِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَاجْتَهَدَ فِي جِهَةٍ غَلَبَتْ
[حاشية العدوي]
يَخَافَ بِتَمَادِيهِ خُرُوجَ الْوَقْتِ وَإِلَّا قَطَعَ.
الرَّابِعُ، أَنْ لَا يَلْزَمَ عَلَى بَقَائِهِ ضَحِكُ الْمَأْمُومِينَ أَوْ بَعْضِهِمْ وَإِلَّا قَطَعَ وَلَوْ بِظَنِّ ذَلِكَ.
الْخَامِسُ أَنْ لَا يَكُونَ جُمُعَةً وَإِلَّا فَيَقْطَعُ وَلَوْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي التَّبَسُّمِ] أَيْ لَا سُجُودَ فِي السَّهْوِ وَلَا بُطْلَانَ فِي الْعَمْدِ أَوْ الْجَهْلِ غَيْرَ أَنَّ الْعَمْدَ مَكْرُوهٌ وَإِنْ كَثُرَ أَبْطَلَهَا وَلَوْ سَهْوًا، وَأَمَّا الْمُتَوَسِّطُ فَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِعَمْدِهِ، وَحُكْمُ التَّبَسُّمِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ الْجَوَازُ وَفِيهَا الْكَرَاهَةُ إلَّا أَنْ يَكْثُرَ أَوْ يُتَوَسَّطَ فَيُحَرَّمَ، وَإِذَا شَكَّ هَلْ قَارَنَ تَبَسُّمَهُ الصَّوْتَ أَوْ لَا فَقَالَ أَصْبَغُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ فِي عَمْدِهِ وَيَسْجُدَ لِسَهْوِهِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّبَسُّمَ إنَّمَا هُوَ تَحْرِيكٌ] أَيْ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ.
[قَوْلُهُ: فِي الصَّلَاةِ] مَفْهُومُهُ أَنَّ النَّفْخَ فِي غَيْرِهَا لَيْسَ كَالْكَلَامِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَلَوْ حَلَفَ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا فَنَفَخَ فِي وَجْهِهِ لَمْ يَحْنَثْ.
[قَوْلُهُ: حَشْوٌ إلَخْ] يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى السَّهْوِ [قَوْلُهُ: أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ حَرْفَانِ] بَلْ وَلَا حَرْفٌ وَاحِدٌ، فَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ النَّفْخُ بِالْفَمِ، وَأَمَّا بِالْأَنْفِ فَلَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ وَلَا سُجُودُهُ فِي سَهْوِهِ.
قَالَ عج وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ بِأَنْ لَا يَكُونَ عَبَثًا وَإِلَّا جَرَى عَلَى الْأَحْرَى عَلَى الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ.
[قَوْلُهُ: وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ] أَيْ عَلَى الظَّاهِرِ لِأَجْلِ مُلَاءَمَتِهِ لِقَوْلِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ بِاجْتِهَادٍ أَيْ بَلْ عَنْ سَمَاعٍ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[فَرْعٌ التَّنَحْنُحُ فِي الصَّلَاةِ]
[قَوْلُهُ: وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لَكِنْ قَيَّدَهُ السَّنْهُورِيُّ بِمَا إذَا فَعَلَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالصَّلَاةِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ فَعَلَهُ عَبَثًا وَأَمَّا عَبَثًا فَتَبْطُلُ وَلَا وَجْهَ لِعَدَمِ الْبُطْلَانِ.
وَقَالَ الْحَطَّابُ ظَاهِرُ خَلِيلٍ وَلَوْ عَبَثًا.
[قَوْلُهُ: أَنَّ الْأَنِينَ لِوَجَعٍ إلَخْ] ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَصْوَاتِ الْمُلْحَقَةِ بِالْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ قَالَهُ بَهْرَامٌ وتت.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا الْبُكَاءُ إذَا كَانَ لِتَخَشُّعٍ] أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ غَلَبَةً، وَحَاصِلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبُكَاءِ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ صَوْتٍ لَا يُبْطِلُ اخْتِيَارًا أَوْ غَلَبَةِ تَخَشُّعٍ أَوْ لَا، إلَّا أَنْ يَكْثُرَ الِاخْتِيَارِيُّ فِيمَا يَظْهَرُ، وَمَا بِصَوْتٍ يُبْطِلُ كَانَ لِتَخَشُّعٍ أَوْ مُصِيبَةٍ إنْ كَانَ اخْتِيَارًا، فَإِنْ كَانَ غَلَبَةً لَا تُبْطِلُ إنْ كَانَ لِتَخَشُّعٍ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَثُرَ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ أَبْطَلَ.
[الِاجْتِهَاد فِي الْقِبْلَة]
[قَوْلُهُ: وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَمِثْلُهُ مَنْ كَانَ مُقَلِّدًا غَيْرَهُ عَدْلًا عَارِفًا أَوْ مِحْرَابٌ.
[قَوْلُهُ: وَكَانَ بِغَيْرِ مَكَّةَ إلَخْ] أَيْ فَمَنْ كَانَ بِهِمَا أَوْ بِغَيْرِهِمَا مِمَّا أَلْحَقَ بِهِمَا كَمَنْ بِجَامِعِ عَمْرٍو أَوْ بِمَسْجِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ الَّتِي صَلَّى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ خِلَافًا لَمَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ، فَلَوْ اجْتَهَدَ وَأَخْطَأَ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ فِيهَا أَوْ بَعْدَهَا انْحِرَافًا يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا أَعْمَى أَوْ بَصِيرًا، بَلْ فِي تَحْقِيقِ الْمَبَانِي أَنَّهُ مَتَى اجْتَهَدَ وَصَلَّى أَعَادَ أَبَدًا وَإِنْ كَشَفَ الْغَيْبَ أَنَّهُ صَلَّى إلَى الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْ بِمَكَّةَ فَرْضُهُ مُسَامَتَةُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ وَلَوْ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَأَنْ يَكُونَ شَيْخًا كَبِيرًا أَوْ مَرِيضًا يَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَكَانِهِ،
عَلَى ظَنِّهِ لِأَمَارَتِهَا فَصَلَّى إلَيْهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا أَنَّهُ (أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ) أَيْ جِهَةَ الْكَعْبَةِ بِاسْتِدْبَارِهَا أَوْ الِانْحِرَافِ عَنْهَا انْحِرَافًا شَدِيدًا فِي غَيْرِ قِتَالٍ جَائِزٍ (أَعَادَ) مَا صَلَّى مَا دَامَ (فِي الْوَقْتِ) الْمُخْتَارِ اسْتِحْبَابًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَصَّرَ فِي اجْتِهَادِهِ.
وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ إلَى آخِرِهِ مِمَّا لَيْسَ كَذَلِكَ كَالْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ الْجَاهِلِ فَإِنَّ فَرْضَهُمَا التَّقْلِيدُ لِمُكَلَّفٍ عَارِفٍ بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ عَدْلٍ.
(وَكَذَلِكَ مَنْ صَلَّى) نَاسِيًا (بِثَوْبٍ نَجِسٍ أَوْ) صَلَّى (عَلَى مَكَانٍ نَجِسٍ) أَوْ
[حاشية العدوي]
فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ عَلَى الرَّاجِحِ وَمَنْ بِالْمَدِينَةِ يَسْتَدِلُّ بِمِحْرَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِثْلُ ذَلِكَ يُقَالُ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا إنْ عُلِمَتْ قِبْلَتُهَا، وَمَنْ كَانَ بِجَامِعِ عَمْرٍو أَوْ بِمَحَلَّتِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ عَلَى الرَّاجِحِ وَمَنْ بِالْمَدِينَةِ يُسْتَدَلُّ بِمِحْرَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِثْلُ ذَلِكَ يُقَالُ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا إنْ عُلِمَتْ قِبْلَتُهَا وَمَنْ كَانَ بِجَامِعٍ عَمْرٍو أَوْ بِمِحْلَتِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ.
[قَوْلُهُ: وَاجْتَهَدَ إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا صَلَّى بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ فَإِنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا وَإِنْ أَصَابَ الْقِبْلَةَ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ إلَخْ] أَيْ وَأَمَّا لَوْ تَبَيَّنَ فِيهَا الْخَطَأُ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ إلَّا إذَا كَانَ أَعْمَى، وَلَوْ انْحَرَفَ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا فَيَسْتَقْبِلَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَقْبِلَا فَصَحِيحَةٌ فِي الْيَسِيرِ فِيهِمَا بَاطِلَةٌ فِي الْأَعْمَى فِي الْكَثِيرِ وَقَوْلُنَا تَبَيَّنَ، أَيْ تَحَقَّقَ أَوْ ظَنَّ، وَأَمَّا لَوْ شَكَّ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ يَتَمَادَى إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الْخَطَأُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ جِهَةِ الْكَعْبَةِ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ لَا الْعَيْنِ إلَّا إذَا كَانَ بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْعَيْنَ كَمَا قَرَرْنَا وَمِثْلُهَا مَنْ بِجِوَارِهَا مِمَّا يُمْكِنُ مَعَهُ الْمُسَامَتَةُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ الِانْحِرَافِ عَنْهَا انْحِرَافًا شَدِيدًا] أَيْ لَا يَسِيرًا [قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ قِتَالٍ] أَيْ احْتِرَازًا مِنْ حَالَةِ الْتِحَامِ الْقِتَالِ فَيُصَلِّيَ رَاجِلًا مُسْتَقْبِلًا وَغَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ.
[قَوْلُهُ: أَعَادَ فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ] ظَاهِرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَصْرِ فَقَطْ لَا فِي الظُّهْرِ، فَإِنَّهُ يُعِيدُهَا فِي مُخْتَارِهَا وَفِي بَعْضِ ضَرُورِيِّهَا وَهُوَ الِاصْفِرَارُ وَلَا فِي بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْعِشَاءَيْنِ اللَّيْلَ كُلَّهُ وَالصُّبْحَ لِلطُّلُوعِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّ فَرْضَهُمَا التَّقْلِيدُ إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا تَبَيَّنَ لَهُمَا بَعْدَ الْفَرَاغِ أَنَّهُمَا انْحَرَفَا فِي الصَّلَاةِ انْحِرَافًا كَثِيرًا لَا يُطَالِبَانِ بِالْإِعَادَةِ وَهُوَ مُسَلَّمٌ فِي الْأَعْمَى، وَأَمَّا الْبَصِيرُ الْمُقَلِّدُ غَيْرَهُ الْعَدْلَ الْعَارِفَ أَوْ الْمِحْرَابَ فَإِنَّهُ يُطْلَبُ بِالْإِعَادَةِ مِثْلُ الْمُجْتَهِدِ الْمَذْكُورِ كَمَا أَشَرْنَا لَهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ أَوْ مُقَلِّدًا مِحْرَابًا أَوْ عَارِفًا وَكَانَ بَصِيرًا وَتَبَيَّنَ الْخَطَأُ الْكَثِيرُ بَعْدَهَا فَإِنَّهُ يَنْدُبُ لَهُ الْإِعَادَةُ مَا دَامَ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ أَعْمَى مُطْلَقًا أَوْ بَصِيرًا مُنْحَرِفًا يَسِيرًا، وَتَبَيَّنَ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَلَا إعَادَةَ، وَأَمَّا مُجْتَهِدٌ عَمِيَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ وَمُقَلِّدٌ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُقَلِّدُهُ وَلَا مِحْرَابًا وَصَلَّى كُلٌّ ثُمَّ تَبَيَّنَ بَعْدَهَا خَطَؤُهُ الْكَثِيرُ فِيهَا وَأَوْلَى الْقَلِيلُ فَلَا إعَادَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
[قَوْلُهُ: لِمُكَلَّفٍ إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: احْتَرَزَ بِالْمُكَلَّفِ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَإِنَّهُمَا لَا يُقَلَّدَانِ وَبِالْعَارِفِ مِنْ الْجَاهِلِ الَّذِي لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِالْأَدِلَّةِ وَبِالْعَدْلِ مِنْ الْفَاسِقِ وَالْكَافِرِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ إجْمَاعًا، وَكَذَا يُقَلِّدَانِ الْمَحَارِيبَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مَطْعُونًا فِيهَا انْتَهَى الْمُرَادُ مِنْهُ.
تَتِمَّةٌ: هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْخَطَأُ بِغَيْرِ النِّسْيَانِ وَأَمَّا بِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ، فَمَنْ نَسِيَ مَطْلُوبِيَّةَ الِاسْتِقْبَالِ أَوْ نَسِيَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ جِهَةَ الْقِبْلَةِ هَلْ يُعِيدُ الصَّلَاةَ أَبَدًا أَوْ فِي الْوَقْتِ خِلَافٌ، وَمِثْلُ النَّاسِي الْجَاهِلُ الْقِبْلَةَ أَيْ جِهَتَهَا، وَأَمَّا الْجَاهِلُ وُجُوبَ الِاسْتِقْبَالِ فَيُعِيدُ أَبَدًا قَوْلًا وَاحِدًا، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدِ الْفَرَاغِ وَكَانَ فِي الْفَرْضِ، وَأَمَّا لَوْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ فِيهَا فَإِنَّهَا تَبْطُلُ أَوْ كَانَ فِي النَّفْلِ فَلَا إعَادَةَ وَمَحَلُّهُ أَيْضًا فِي قِبْلَةِ الِاجْتِهَادِ وَالتَّخْيِيرُ دُونَ قِبْلَةِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَا تَقَدَّمَ فَتَبْطُلُ.
فَائِدَةٌ: مِنْ جُمْلَةِ الْعَلَامَاتِ لِمَنْ كَانَ بِمِصْرَ أَنْ يَجْعَلَ الْقُطْبَ خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُسْرَى أَوْ بِالْعِرَاقِ فَخَلْفَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى،
كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ ثُمَّ تَذَكَّرَ بَعْدَ الْفَرَاغِ نَجَاسَةَ ذَلِكَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، وَالْوَقْتُ فِي الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ وَفِي الْعِشَاءَيْنِ اللَّيْلُ كُلُّهُ، وَمَنْ صَلَّى عَامِدًا أَعَادَ أَبَدًا.
(وَكَذَلِكَ مَنْ تَوَضَّأَ) نَاسِيًا (بِمَاءٍ نَجِسٍ) أَيْ مَحْكُومٍ بِنَجَاسَتِهِ عِنْدَهُ (مُخْتَلَفٍ فِي نَجَاسَتِهِ) عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَالْمَاءِ الْقَلِيلِ الَّذِي حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ يَذْكُرْ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ اسْتِحْبَابًا، وَكَذَلِكَ يُعِيدُ الْوُضُوءَ وَيَغْسِلُ مَا أَصَابَ جَسَدَهُ وَثَوْبَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ.
(وَأَمَّا مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ قَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَطَعْمُهُ) يَعْنِي أَوْ رِيحُهُ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ (أَعَادَ صَلَاتَهُ أَبَدًا وَوُضُوءَهُ) سَوَاءٌ تَوَضَّأَ بِهِ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَهَا بِوَضُوءٍ لَمْ يَجُزْ وَيُعِيدُ الِاسْتِنْجَاءَ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَذَكَرَهُ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ:
أَوَّلُهَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَرُخِّصَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ وَكَذَلِكَ فِي طِينٍ وَظُلْمَةٍ) مَا ذَكَرَ أَنَّهُ رُخْصَةٌ مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ، وَاعْتَرَضَهُ شَيْخُنَا بِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَهَا أَهُوَ الْإِبَاحَةُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى إذْ الْأَوْلَى إيقَاعُ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، أَوْ هُوَ الْأَوْلَى لِمَا فِي سُنَنِ الْأَثْرَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِي سَلَمَةَ «مِنْ السُّنَّةِ إذَا كَانَ يَوْمُ مَطَرٍ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» انْتَهَى.
وَالرُّخْصَةُ لُغَةً التَّيْسِيرُ وَشَرْعًا إبَاحَةُ الشَّيْءِ الْمَمْنُوعِ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمَانِعِ مَا ذَكَرَهُ فِي سَبَبِ الْجَمْعِ فَهُوَ
[حاشية العدوي]
أَوْ بِالشَّامِ وَرَاءَ ظَهْرِهِ أَوْ بِالْيَمَنِ أَمَامَهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمُقَلِّدُ مَنْ يُقَلِّدُهُ أَوْ تَحَيَّرَ الْمُجْتَهِدُ فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ جِهَةً تَرْكَنُ إلَيْهَا نَفْسُهُ وَيُصَلِّي.
[قَوْلُهُ: نَاسِيًا] أَيْ أَوْ مُتَذَاكِرًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهَا وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ وَكَانَتْ تِلْكَ النَّجَاسَةُ غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا، هَذَا إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ إزَالَتِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ تَذَكَّرَ بَعْدَ الْفَرَاغِ] احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا إذَا عَلِمَ بِذَلِكَ فِي أَثْنَائِهَا فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ، كَمَا لَوْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ فِيهَا وَلَكِنْ يُقَيِّدُ الْبُطْلَانُ بِمَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا وَكَانَ قَادِرًا عَلَى إزَالَتِهَا بِوُجُودِ الْمُطْلَقِ، وَاتِّسَاعِ الْوَقْتِ وَمِثْلُ وُجُودِ الْمُطْلَقِ الثَّوْبُ أَوْ الْمَكَانُ الطَّاهِرُ فَيُصَلِّي فِيهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَلَا يُكْمِلُ وَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ طَرْحِ مَا عَلَيْهِ أَوْ تَحَوُّلِهِ إلَى مَحَلٍّ طَاهِرٍ لِبُطْلَانِهَا بِمُجَرَّدِ الذِّكْرِ.
[قَوْلُهُ: وَالْوَقْتُ فِي إلَخْ] أَيْ وَفِي الصُّبْحِ لِلطُّلُوعِ
[قَوْلُهُ: نَاسِيًا] هَذَا مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ ثَابِتٌ مُطْلَقًا كَانَ عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا [قَوْلُهُ: نَجِسٌ] الْأَوْلَى مُتَنَجِّسٌ.
[قَوْلُهُ: عِنْدَهُ] أَيْ الْمُصَنِّفِ.
[قَوْلُهُ: مُخْتَلَفٌ فِي نَجَاسَتِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ] الْأَوْلَى أَنْ يَحْذِفَ قَوْلَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
[قَوْلُهُ: حَتَّى فَرَغَ] مُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ تَذَكَّرَ فِيهَا لَبَطَلَتْ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ إلَخْ] لَعَلَّ وَجْهَ الْإِعَادَةِ مَعَ أَنَّ الْمَاءَ نَجِسٌ عِنْدَهُ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِهِ وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ الَّذِي حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ مُتَنَجِّسٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَنَجِّسٍ وَعَلَيْهِ فَلَا إعَادَةَ أَصْلًا، وَقَوْلُهُ فِي الْوَقْتِ اُنْظُرْ هَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْوَقْتُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ يُعِيدُ الْوُضُوءَ] أَيْ اسْتِحْبَابًا؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِمُسْتَحَبٍّ فَيَكُونُ مُسْتَحَبًّا.
[قَوْلُهُ: وَيَغْسِلُ مَا أَصَابَ] أَيْ اسْتِحْبَابًا
[قَوْلُهُ: يَعْنِي أَوْ رِيحُهُ] وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ اعْتِبَارَهُ.
[قَوْلُهُ: وَيُعِيدُ الِاسْتِنْجَاءَ] أَيْ إذَا كَانَ اسْتَنْجَى بِهِ أَيْ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَأَمَّا مَنْ تَوَضَّأَ لَا مَفْهُومَ لَهُ فَتَدَبَّرْ.
[الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ]
[قَوْلُهُ: إذْ الْأَوْلَى إيقَاعُ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا] قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، أَيْ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ لَا جَمْعَ لَيْلَةَ الْمَطَرِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ هُوَ الْأَوْلَى] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ إلَّا أَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلسُّنِّيَّةِ وَالنَّدْبِ وَلَكِنْ جَزَمَ عج بِالنَّدْبِ أَيْ فَقَوْلُ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ السُّنَّةِ مُرَادُهُ الطَّرِيقَةِ.
[قَوْلُهُ: التَّيْسِيرُ] كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِيهِ تَسَامُحًا فَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ الْمَحَلِّيُّ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهَا لُغَةً السُّهُولَةُ.
[قَوْلُهُ: مَعَ السَّبَبِ الْمَانِعِ] أَيْ لَوْلَا وُجُودُ تِلْكَ الْمَشَقَّةِ وَالسَّبَبُ الْمَانِعُ هُنَا كَوْنُهَا يُمْكِنُ فِعْلُهَا فِي
كَذَلِكَ، أَمَّا الْمَطَرُ فَقَطْ أَيْ لَا ظُلْمَةَ مَعَهُ وَلَا طِينَ فَعَلَى الْمَشْهُورِ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ وَابِلًا لَا خَفِيفًا جِدًّا سَوَاءٌ كَانَ وَاقِعًا أَوْ مُتَوَقَّعًا، وَأَمَّا الطِّينُ مَعَ الظُّلْمَةِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّهُ سَبَبٌ لِلْجَمْعِ وَالْمُرَادُ بِالطِّينِ الْوَحْلُ وَبِالظُّلْمَةِ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ مِنْ غَيْرِ قَمَرٍ، فَلَوْ غَطَّى السَّحَابُ الْقَمَرَ فَلَيْسَ بِظُلْمَةٍ فَلَا يَجْمَعُ لِذَلِكَ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ لِلظُّلْمَةِ وَحْدَهَا وَلَا لِلطِّينِ وَحْدَهُ، أَمَّا الظُّلْمَةُ فَاتَّفَقَ الْمَذْهَبُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ لَهَا وَحْدَهَا، وَأَمَّا الطِّينُ فَكَذَلِكَ عَلَى مَا صَرَّحَ الْقَرَافِيُّ بِمَشْهُورِيَّتِهِ.
وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ، وَنَقَلَ فِي تَوْضِيحِهِ عَنْ صَاحِبِ الْعُمْدَةِ أَنَّ الْمَشْهُورَ جَوَازُ الْجَمْعِ وَنَقَلَهُ بَهْرَامُ عَنْ ك. وَاَلَّذِي رَأَيْته مِنْ كَلَامِهِ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا مِنْ شَرْحِ الرِّسَالَةِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَدَمُ الْجَمْعِ، وَظَاهِرُ قَصْرِهِ الرُّخْصَةَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ غَيْرِهِمَا وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْمَنْصُوصُ اخْتِصَاصُهُ بِالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ: (يُؤَذِّنُ لِلْمَغْرِبِ أَوَّلَ الْوَقْتِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ) عَلَى الْمَنَارِ (ثُمَّ يُؤَخِّرُ) صَلَاةَ الْمَغْرِبِ شَيْئًا (قَلِيلًا فِي) مَشْهُورِ (قَوْلِ مَالِكٍ) لِيَأْتِيَ الْمَسْجِدَ مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ ج: تَرَدَّدَ شَيْخُنَا هَلْ تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ عَلَى الْمَشْهُورِ أَمْرٌ وَاجِبٌ لَا بُدَّ مِنْهُ أَمْ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ؟ قَوْلَانِ (ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ يُؤَخِّرَ الْمَغْرِبَ قَلِيلًا (يُقِيمُ) لَهَا الصَّلَاةَ (دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَيُصَلِّيهَا) وَلَا يُطَوِّلُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
[حاشية العدوي]
وَقْتِهَا.
[قَوْلُهُ: فَعَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ وَقِيلَ بِأَنَّهُ لَا يَجْمَعُ لَهُ.
[قَوْلُهُ: وَابِلًا] وَهُوَ الْمَطَرُ الْغَزِيرُ وَهُوَ الَّذِي يَحْمِلُ أَوَاسِطَ النَّاسِ عَلَى تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ وَمِثْلُ الْمَطَرِ الثَّلْجُ وَالْبَرَدُ [قَوْلُهُ: لَا خَفِيفًا جِدًّا] أَرَادَ بِهِ مَا قَابَلَ الْوَابِلَ الْمُفَسَّرَ بِمَا ذَكَرَ.
[قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ وَاقِعًا] وَانْظُرْ هَذَا الْوَاقِعَ هَلْ حَصَلَ وَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ يَشْمَلُ الْحَاصِلَ قَبْلَهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَلَا يُنَافِي هَذَا أَنَّ الْمَطَرَ الشَّدِيدَ الْمُسَوِّغَ لِلْجَمْعِ مُبِيحٌ لِلتَّخَلُّفِ عَنْ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ التَّخَلُّفِ لَا تُنَافِي أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ إذَا لَمْ يَتَخَلَّفُوا.
[قَوْلُهُ: أَوْ مُتَوَقَّعًا] فَإِنْ قُلْت الْمَطَرُ إنَّمَا يُبِيحُ الْجَمْعَ إذَا كَثُرَ وَالْمُتَوَقَّعُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ قُلْنَا: يُمْكِنُ عِلْمُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَذَلِكَ بِالْقَرِينَةِ، ثُمَّ إذَا جَمَعَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَمْ يَحْصُلْ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعِيدَ الْوَقْتَ كَمَا ذَكَرُوا.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا الطِّينُ مَعَ الظُّلْمَةِ إلَخْ] يَبْقَى النَّظَرُ فِيمَا إذَا وَجَدَ الطِّينَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ دُونَ بَعْضٍ، فَهَلْ لِمَنْ لَمْ يُوجَدْ طِينٌ فِي طَرِيقِهِ أَنْ يَجْمَعَ تَبَعًا لِمَنْ وَجَدَ وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ مَعَهُ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُمْ يَتَأَخَّرُونَ لِدُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ وَيُصَلُّونَهَا جَمَاعَةً لَزِمَ إعَادَةُ جَمَاعَةٍ بَعْدَ الرَّاتِبِ، وَإِنْ قُلْنَا يَخْرُجُونَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلَا يَجْمَعُونَ مَعَهُمْ فَرُبَّمَا لَا يَتَيَسَّرُ لَهُمْ صَلَاتُهَا جَمَاعَةً.
[قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: يُؤَذِّنُ لِلْمَغْرِبِ] أَيْ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ [قَوْلُهُ: فِي مَشْهُورِ قَوْلِ مَالِكٍ] مُقَابِلُهُ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَالْعِشَاءَ تَلِيهَا وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ وَهْبٍ، إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُهُ فِي مَشْهُورِ قَوْلِ مَالِكٍ الْإِضَافَةُ فِيهِ لِلْبَيَانِ أَيْ فِي مَشْهُورٍ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ لِمَالِكٍ وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ وَهْبٍ؛ لِأَنَّ لِمَالِكٍ الْقَوْلَيْنِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا ظَاهِرُ اللَّفْظِ، هَذَا مَا تُفِيدُهُ عِبَارَةُ التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: لِيَأْتِيَ الْمَسْجِدَ مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ إلَخْ] زَادَ فِي التَّحْقِيقِ فَقَالَ؛ لِأَنَّهَا لَوْ صُلِّيَتْ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا لَفَاتَتْهُ الْمَغْرِبُ لِتَعَذُّرِ الْإِسْرَاعِ بِالْمَشْيِ فِي الْمَطَرِ وَالطِّينِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: أَمْ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ] هُوَ الرَّاجِحُ وَالتَّأْخِيرُ بِقَدْرِ مَا يَدْخُلُ وَقْتُ الِاشْتِرَاكِ لِاخْتِصَاصِ الْأُولَى بِثَلَاثٍ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ يُؤَخِّرُ قَلِيلًا بِقَدْرِ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ.
[قَوْلُهُ: يُقِيمُ لَهَا الصَّلَاةَ] أَيْ عَلَى طَرِيقِ السُّنِّيَّةِ، [قَوْلُهُ: دَاخِلَ الْمَسْجِدِ] وَيَجُوزُ خَارِجَهُ قَلْشَانِيٌّ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُطَوِّلُ عَلَى الْمَشْهُورِ] ؛ لِأَنَّ تَقْصِيرَهَا مَطْلُوبٌ فِي غَيْرِ هَذَا فَهَذَا أَوْلَى وَمُقَابِلُهُ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ ثُمَّ يُطِيلُ ثُمَّ يُقَدِّمُ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يُطِيلُ حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ أَوْ مَعَهُ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ وَهُوَ ضَعِيفٌ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْجَمْعِ حِينَئِذٍ لِانْصِرَافِهِمْ فِي الظُّلْمَةِ قَالَهُ بَهْرَامٌ فِي الْوَسَطِ [قَوْلُهُ:
تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَنْوِي الْجَمْعَ أَوَّلَ الْأُولَى فَإِنْ أَخَّرَهُ إلَى الثَّانِيَةِ فَقَوْلَانِ (الثَّانِي) : صَرَّحَ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ مَنْعُ التَّنَفُّلِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ (يُؤَذِّنُ لِلْعِشَاءِ) إثْرَ الْمَغْرِبِ بِلَا مُهْلَةٍ أَذَانًا لَيْسَ بِالْعَالِي (فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ) ظَاهِرُهُ حَيْثُ شَاءَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَالْمَشْهُورُ يُؤَذِّنُ فِي صَحْنِهِ.
(وَ) إذَا فَرَغَ مِنْ الْأَذَانِ (يُقِيمُ) الصَّلَاةَ (ثُمَّ يُصَلِّيهَا) الْإِمَامُ بِالنَّاسِ بِلَا مُهْلَةٍ (ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ يَفْرُغُوا مِنْ الصَّلَاةِ (وَيَنْصَرِفُونَ) إثْرَ الصَّلَاةِ بِلَا مُهْلَةٍ (وَعَلَيْهِمْ إسْفَارٌ) أَيْ شَيْءٌ مِنْ بَقِيَّةِ بَيَاضِ النَّهَارِ فَقَوْلُهُ: (قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ) تَكْرَارٌ فَلَا يَتَنَفَّلُ أَحَدٌ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْجَمْعِ وَلَا يُوتِرُ بِإِثْرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَإِنَّمَا يُوتِرُ بَعْدَ الشَّفَقِ.
وَالْمَوْضِعِ الثَّانِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَالْجَمْعُ بِعَرَفَةَ) يَوْمَ وُقُوفِ الْحَاجِّ بِهَا (بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ عِنْدَ) بِمَعْنَى بَعْدَ (الزَّوَالِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ، وَقَدْ كَرَّرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ الْحَجِّ وَفِي بَابِ جُمَلٍ، وَقَدْ عَدَّ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ هَذَا الْجَمْعَ فِي بَابِ الْحَجِّ فِي الْمُسْتَحَبَّاتِ، وَصِفَتُهُ أَنْ يَخْطُبَ الْخَطِيبُ
[حاشية العدوي]
فَقَوْلَانِ] أَيْ بِالْإِجْزَاءِ وَبِعَدَمِهِ كَمَا رَاجَعْت شَرْحَ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَمُفَادُهُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ عِنْدَ الْأُولَى وَالنِّزَاعُ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِجْزَاءِ عِنْدَ الثَّانِيَةِ عَلَى فَرْضِ أَنْ يَكُونَ نَوَى عِنْدَهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَحَلَّهَا الصَّلَاةُ الْأُولَى وَتُطْلَبُ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فَلَوْ تَرَكَهَا فَلَا بُطْلَانَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ غَيْرُ شَرْطٍ، وَأَمَّا نِيَّةُ الْإِمَامِ فِيهِمَا فَلَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ نِيَّةَ الْإِمَامَةِ بَطَلَتَا حَيْثُ تَرَكَهَا فِيهِمَا، وَأَمَّا لَوْ تَرَكَهَا فِي الثَّانِيَةِ وَأَتَى بِهَا فِي الْأُولَى فَالظَّاهِرُ صِحَّتُهَا وَتَبْطُلُ الثَّانِيَةُ وَلَا يُصَلِّيهَا إلَّا عِنْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ، وَأَمَّا تَرْكُهَا عِنْدَ الْأُولَى وَنِيَّتُهُ الْجَمْعُ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ صِحَّتَهَا مَشْرُوطَةٌ بِنِيَّةِ الْإِمَامَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَذَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ.
[قَوْلُهُ: صَرَّحَ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ إلَخْ] وَمُقَابِلُهُ الْكَرَاهَةُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ التَّحْقِيقِ وَفِي التَّوْضِيحِ تَرْجِيحُهُ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّنَفُّلَ بَيْنَهُمَا وَبَعْدَهُ مَكْرُوهٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ، فَلَوْ تَنَفَّلَ لَمْ يُمْنَعْ الْجَمْعُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى قُرْبِ دُخُولِ الشَّفَقِ وَإِلَّا مُنِعَ فِعْلَ الْعِشَاءِ قَبْلَ وَقْتِهَا الْمُحَقَّقِ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ] أَيْ مِنْ غَيْرِ مُهْلَةٍ وَلَا تَسْبِيحٍ وَلَا تَحْمِيدٍ.
[قَوْلُهُ: يُؤَذِّنُ لِلْعِشَاءِ] قَالَ بَعْضٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْأَذَانَ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي جَمَاعَةٍ تُطْلَبُ غَيْرُهَا وَلَا يَسْقُطُ طَلَبُ الْأَذَانِ فِي وَقْتِهَا بِهِ فَيُؤَذِّنُ لَهَا عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا.
[قَوْلُهُ: أَذَانًا لَيْسَ بِالْعَالِي] الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ يُؤَذِّنُ فِي صَحْنِهِ] وَمُقَابِلُهُ يُؤَذِّنُ فِي مِحْرَابِهِ وَإِنَّمَا كَانَ الْأَذَانُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ لِئَلَّا يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّ وَقْتَ الْعِشَاءِ دَخَلَ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ يُصَلِّيهَا الْإِمَامُ بِالنَّاسِ بِلَا مُهْلَةٍ] هَذَا شَرْطٌ فِي كُلِّ جَمْعٍ وَلَيْسَ خَاصًّا بِالْجَمْعِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ.
[قَوْلُهُ: يَنْصَرِفُونَ] قَالَ زَرُّوقٌ: فَلَوْ جَمَعُوا وَلَمْ يَنْصَرِفُوا حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ أَعَادُوا الْعِشَاءَ وَقِيلَ: لَا إعَادَةَ وَقِيلَ: إنْ قَعَدَ الْجُلُّ أَعَادُوا لَا الْأَقَلُّ انْتَهَى، وَهُوَ يُفِيدُ تَرْجِيحَ الْأَوَّلِ، وَرَجَّحَ ابْنُ عَرَفَةَ الثَّانِيَ قَالَ تت، فِي قَوْلِهِ يَنْصَرِفُونَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَأْتِيهِمْ غَيْرُهُمْ لَا يَجْمَعُونَ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِمْ أَسْفَارٌ] أَيْ قَلِيلٌ فَسَّرَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِنِصْفِ الْوَقْتِ قَالَهُ الْقَلْشَانِيُّ [قَوْلُهُ: فَلَا يَتَنَفَّلُ أَحَدٌ إلَخْ] قَالَ بَعْضٌ أَنْ يُمْنَعَ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ صَاحِبَ التَّوْضِيحِ رَجَّحَ الْكَرَاهَةَ فَلَوْ تَنَفَّلَ فَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ قَوْلِ زَرُّوقٌ فَلَوْ جَمَعُوا وَلَمْ يَنْصَرِفُوا إلَخْ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُومَ مِنْ مُصَلَّاهُ إذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ حَتَّى يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ ثُمَّ يَعُودَ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُوتِرُ إلَخْ] ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا بَعْدَ الشَّفَقِ كَتَرَاوِيحِ رَمَضَانَ فَفِعْلُ الْوِتْرِ حِينَئِذٍ فِعْلٌ لَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا وَتَكُونُ بَاطِلَةً فَيَكُونُ النَّهْيُ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ لَا يُوتِرُ إلَخْ لِلتَّحْرِيمِ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ عَدَّ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ الْمُخْتَصَرُ قَالَ: وَجَمَعَ إلَخْ.
قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ وَفِي تَغْيِيرِ الْمُؤَلِّفِ الْأُسْلُوبَ لِقَوْلِهِ ثُمَّ أَذَّنَ وَجَمَعَ إلَخْ، إشَارَةٌ أَنَّ حُكْمَ الْأَذَانِ وَالْجَمْعِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ إذْ الْحُكْمُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا السُّنِّيَّةُ لَا اسْتِحْبَابٌ اهـ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَخْطُبَ الْخَطِيبُ] أَيْ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ
بَعْدَ الزَّوَالِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَجْلِسَ فِي وَسَطِهِمَا ثُمَّ يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْخُطْبَةِ ثُمَّ يُقِيمَ، فَإِذَا صَلَّى الظُّهْرَ أَذَّنَ لِلْعَصْرِ وَأَقَامَ لَهَا وَصَلَّاهَا وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ أَذَانَيْنِ وَيُقِيمُ إقَامَتَيْنِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: (بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ) وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَلِكَ.
وَالْمَوْضِعِ الثَّالِثِ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَكَذَلِكَ) الْحُكْمُ (فِي جَمْعِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ) أَنَّهُ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ وَصَرَّحَ ع بِمَشْهُورِيَّتِهِ، وَقَدْ عَدَّهُ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ فِي الْمُسْتَحَبَّاتِ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: (إذَا وَصَلَ إلَيْهَا) مِمَّنْ لَا يَصِلُ إلَيْهَا لِمَرَضٍ بِهِ أَوْ بِدَايَتِهِ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ حَيْثُ غَابَ عَلَيْهِ الشَّفَقُ.
وَالْمَوْضِعُ الرَّابِعُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا جَدَّ السَّيْرُ بِالْمُسَافِرِ) سَفَرًا وَاجِبًا كَسَفَرِ الْحَجِّ الْوَاجِبِ، أَوْ مَنْدُوبًا كَسَفَرِ الْحَجِّ التَّطَوُّعِ أَوْ مُبَاحًا كَسَفَرِ التِّجَارَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ أَمْ لَا (فَلَهُ) أَيْ فَيُبَاحُ لَهُ (أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) الْمُشْتَرَكَتَيْ الْوَقْتِ وَهُمَا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ أَمَّا صِفَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُولَيَيْنِ فَيَجْمَعُ (فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ) وَهُوَ آخِرُ الْقَامَةِ الْأُولَى (وَأَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ) وَهُوَ أَوَّلُ الْقَامَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَنْوِي الْجَمْعَ فِي أَوَّلِ الْأُولَى وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَنْوِيَهُ فِي أَوَّلِ الثَّانِيَةِ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِأَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَلَا يَتَنَفَّلُ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا الْجَمْعُ يُسَمَّى الْجَمْعَ الصُّورِيَّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ
[حاشية العدوي]
يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا صَلَاتَهُمْ بِعَرَفَةَ وَوُقُوفَهُمْ بِهَا وَمَبِيتَهُمْ بِمُزْدَلِفَةَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَفِي جَعْلِهِ الْخُطْبَةَ مِنْ صِفَةِ الْجَمْعِ تَسَمُّحٌ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ الزَّوَالِ عَلَى الْمَشْهُورِ] مُقَابِلُهُ مَا حَكَاهُ التُّونِسِيُّ أَنَّ الْإِجْزَاءَ إنْ وَقَعَتْ الْخُطْبَةُ قَبْلَ الزَّوَالِ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ] أَيْ عَلَى طَرِيقِ السُّنِّيَّةِ [قَوْلُهُ: ثُمَّ يُقِيمُ] أَيْ يُقِيمُ لِلظُّهْرِ وَالْإِمَامُ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ كَالْأَذَانِ بَعْدَ فَرَاغِ خُطْبَتِهِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ رُوِيَ إلَخْ] أَيْ إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا وَجْهُ الْمَشْهُورِ.
[قَوْلُهُ: أَنَّهُ سُنَّةٌ] ظَاهِرُهُ أَنَّ التَّشْبِيهَ إنَّمَا هُوَ فِي الْحُكْمِ فَقَطْ وَهُوَ السُّنِّيَّةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُؤَذِّنُ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ عَدَّهُ إلَخْ] ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ سُنَّةٌ.
[قَوْلُهُ إذَا وَصَلَ إلَيْهَا] أَيْ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهَا.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَجْمَعُ حَيْثُ غَابَ عَلَيْهِ الشَّفَقُ] أَيْ إذَا وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَمُلَخَّصُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَقِفَ مَعَ الْإِمَامِ أَمْ لَا، فَإِذَا وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَكَانَ يُمْكِنُهُ السَّيْرُ بِسَيْرِ النَّاسِ سَارَ مَعَهُمْ أَوْ تَأَخَّرَ فَلَا يَجْمَعُ إلَّا فِي الْمُزْدَلِفَةِ، فَإِنْ تَأَخَّرَ لِعَجْزٍ جَمَعَ حَيْثُ شَاءَ عِنْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ فَإِنْ لَمْ يَقِفْ مَعَ الْإِمَامِ وَإِنَّمَا وَقَفَ وَحْدَهُ أَوْ لَمْ يَقِفْ أَصْلًا فَإِنَّهُ يُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ لِوَقْتِهَا.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا جَدَّ السَّيْرُ] إسْنَادُ الْجَدِّ لِلسَّيْرِ مَجَازٌ أَوْ إنْ جَدَّ بِمَعْنَى اشْتَدَّ وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمُصَنَّفِ، بِأَنَّ الصُّورِيَّ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ جَدُّ السَّيْرِ بِالْمُسَافِرِ، أَيْ بَرًّا وَلَا فَرْقَ فِي الْمُسَافِرِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَبَعْضُهُمْ قَيَّدَهُ بِأَنْ يَكُونَ رَجُلًا أَيْ تَحَرُّزًا عَنْ الْمَرْأَةِ فَتَجْمَع وَإِنْ لَمْ يَجِدَّ بِهَا سَيْرٌ وَلَمْ يُخْشَ فَوَاتُ أَمْرٍ بِنَاءً عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْجِدَّ فِي الصُّورِيِّ.
[قَوْلُهُ: سَفَرًا وَاجِبًا] أَيْ لَا حَرَامًا كَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَلَا مَكْرُوهًا كَصَيْدِ اللَّهْوِ [قَوْلُهُ: فَيُبَاحُ لَهُ] مُرَادُهُ بِهَا مَا يَشْمَلُ خِلَافَ الْأَوْلَى، إذْ الْأَوْلَى إيقَاعُ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا.
[قَوْلُهُ: فَيُبَاحُ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ إلَخْ] هَذَا إذَا أَدْرَكَهُ الزَّوَالُ سَائِرًا وَنَوَى النُّزُولَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَقَوْلُهُ فَيَجْمَعُ فِي إلَخْ، هَذَا جَمْعٌ صُورِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الَّذِي تُقَدَّمُ فِيهِ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ عَنْ وَقْتِهَا الْمَعْرُوفِ أَوْ تُؤَخِّرُ عَنْهُ، وَهَذَا صُلِّيَتْ فِيهِ كُلُّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا، وَسَكَتَ عَمَّا إذَا زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ سَائِرٌ وَنَوَى النُّزُولَ فِي الِاصْفِرَارِ أَوْ قَبْلَهُ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يُؤَخِّرُهُمَا وَحُكْمُ التَّأْخِيرِ الْجَوَازُ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاتَيْنِ فِي نِيَّةِ النُّزُولِ فِي الِاصْفِرَارِ، وَفِي النُّزُولِ قَبْلَهُ الْجَوَازُ بِالنِّسْبَةِ لِلظُّهْرِ وَالْوُجُوبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَصْرِ، قَالَ الشَّيْخُ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَسِوَاهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ.
[قَوْلُهُ: وَيَنْوِي الْجَمْعَ فِي أَوَّلِ الْأُولَى] فِيهِ نَظَرٌ إذْ هَذَا الْجَمْعُ لَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ كَمَا أَفَادَهُ عج [قَوْلُهُ: وَلَا يُفَرَّقُ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ كُلُّ صَلَاةٍ، أُدِّيَتْ فِي وَقْتِهَا
قَصْرُ الْإِبَاحَةِ عَلَى الْمُسَافِرِ.
وَقَدْ حَكَى ك الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ هَذَا الْجَمْعِ لِلْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّ الْجَدَّ شَرْطٌ فِي إبَاحَةِ الْجَمْعِ وَهُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِزِيَادَةٍ وَلَفْظُهَا وَلَا يَجْمَعُ الْمُسَافِرُ إلَّا أَنْ يَجِدَّ بِهِ السَّيْرُ وَيَخَافَ فَوَاتَ أَمْرٍ فَيَجْمَعُ، وَأَمَّا صِفَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَخِيرَتَيْنِ فَكَالْأُولَيَيْنِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِالتَّشْبِيهِ فَقَالَ: (وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ) هَذَا يَجْرِي عَلَى رِوَايَةِ امْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ (وَإِذَا ارْتَحَلَ) أَيْ أَرَادَ الِارْتِحَالَ (فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْأُولَى) وَنَوَى النُّزُولَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ (جَمَعَ حِينَئِذٍ) أَيْ قَبْلَ ارْتِحَالِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِيُوقِعَ أُولَاهُمَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ، وَالْأُخْرَى فِي وَقْتِهَا الضَّرُورِيِّ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهَذَا الْجَمْعُ هُوَ الْجَمْعُ الْحَقِيقِيُّ.
شَيْخُنَا: وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ ضَرُورِيَّ الْعَصْرِ مِثْلًا كَائِنٌ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا وَالْجَمْعُ الْحَقِيقِيُّ عِنْدَنَا مَا كَانَ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ وَلَا يَفْعَلُهُ إلَّا ذُو عُذْرٍ، وَأَمَّا الْجَمْعُ الصُّورِيُّ فَجَائِزٌ لِذِي الْعُذْرِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى.
وَقَيَّدْنَا يَنْوِي النُّزُولَ بَعْدَ الْغُرُوبِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا نَوَى النُّزُولَ قَبْلَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ فَإِنَّهُ لَا يَجْمَعُ بَلْ يُصَلِّي الظُّهْرَ قَبْلَ رَحِيلِهِ وَيُؤَخِّرُ الْعَصْرَ لِنُزُولِهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إيقَاعِ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا الْمُقَدَّرِ لَهَا شَرْعًا، وَإِنَّمَا قُلْنَا قَبْلَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَوَى النُّزُولَ عِنْدَ الِاصْفِرَارِ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ رَحِيلِهِ وَالْعَصْرَ إنْ شَاءَ صَلَّاهَا حِينَئِذٍ وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهَا إلَى نُزُولِهِ.
وَالْمَوْضِعِ الْخَامِسِ قَسَّمَهُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلِلْمَرِيضِ) أَيْ رُخِّصَ لَهُ (أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) الْمُشْتَرَكَتَيْ الْوَقْتِ عَلَى الْمَشْهُورِ (إذَا خَافَ
[حاشية العدوي]
فَلَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَكْثَرَ وَكَذَا قَوْلُهُ وَلَا يَتَنَفَّلُ مِنْ وَادٍ مَا قَبْلَهُ [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْجَدَّ شَرْطٌ] الْمَشْهُورُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْجَدِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْقِلُ لِذَلِكَ مَعْنًى إذْ هُوَ صُورِيٌّ وَقَدْ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ الْجَدِّ فِيهِ أَوْ عَدَمِهِ، وَاشْتِرَاطُ الْجَدِّ وَعَدَمُهُ لَا يَظْهَرُ إلَّا فِي غَيْرِ الْجَمْعِ الصُّورِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ] أَيْ أَدْرَكَهُ الْغُرُوبُ سَائِرًا فَلَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَوْ يَنْوِي النُّزُولَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمْعًا صُورِيًّا بِأَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ قُرْبَ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَيُصَلِّيَ الْعِشَاءَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ يُنَزِّلُ طُلُوعَ الْفَجْرِ هُنَا مَنْزِلَةَ الْغُرُوبِ فِي الظُّهْرَيْنِ وَالثُّلُثُ الْأَوَّلُ مَنْزِلَةَ مَا قَبْلَ الِاصْفِرَارِ وَمَا بَعْدَهُ لِلْفَجْرِ مَنْزِلَةَ الِاصْفِرَارِ، وَثَانِيهِمَا أَنْ يَنْوِيَ النُّزُولَ فِي الثُّلُثَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ أَوْ قَبْلِهِمَا، فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُهُمَا عَلَى نَمَطِ مَا تَقَدَّمَ فِي الظُّهْرَيْنِ [قَوْلُهُ: أَيْ أَرَادَ الِارْتِحَالَ] ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ نَازِلٌ بِالْمَنْهَلِ وَزَالَتْ أَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ بِهِ.
[قَوْلُهُ: جَمَعَ قَبْلَ ارْتِحَالِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ] مُقَابِلُ الْمَشْهُورِ يَقُولُ بِعَدَمِ الْجَمْعِ مُطْلَقًا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَمْ لَا، كَذَا يَظْهَرُ مِنْ نَقْلِ بَعْضِهِمْ لَا لِخِلَافٍ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَهَلْ قَوْلُهُ بَعْدَ عَلَى الْمَشْهُورِ إشَارَةٌ لِهَذَا الْخِلَافِ فَيَكُونُ تَكْرَارًا أَوْ إشَارَةً لِخِلَافٍ آخَرَ حَرِّرْ وَرَاجِعْ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا الْجَمْعُ هُوَ الْجَمْعُ الْحَقِيقِيُّ] وَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى إذْ الْأَوْلَى إيقَاعُ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْوَالَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي فِي الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ جَارِيَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي الْعِشَاءَيْنِ فَتَقُولُ مَنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ نَازِلٌ وَنَوَى النُّزُولَ بَعْدَ الْفَجْرِ فَيُصَلِّيهِمَا عِنْدَ وَقْتِ الْأُولَى جَمْعَ تَقْدِيمٍ، وَإِنْ نَوَى النُّزُولَ فِي الثُّلُثَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ قَدَّمَ الْمَغْرِبَ وَخُيِّرَ فِي الْعِشَاءِ، وَإِنْ نَوَى النُّزُولَ فِي الثُّلُثِ الْأَوَّلِ قَدَّمَ الْمَغْرِبَ وَأَخَّرَ الْعِشَاءَ وُجُوبًا.
[قَوْلُهُ: مَثَلًا] أَدْخَلَ فِي مَثَلًا الْعِشَاءَ [قَوْلُهُ: وَلَا يَفْعَلُهُ إلَّا ذُو عُذْرٍ] أَيْ مِنْ سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي [قَوْلُهُ: فَجَائِزٌ لِذَوِي الْعُذْرِ وَغَيْرِهِ] إلَّا أَنَّ ذَا الْعُذْرِ لَا تَفُوتُهُ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ.
[قَوْلُهُ: وَيُؤَخِّرُ الْعَصْرَ] أَيْ وُجُوبًا فَإِنْ قَدَّمَهَا أَجْزَأَتْ تَقْرِيرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ تُعَادَ فِي الْوَقْتِ قَالَ عج قَالَ تت، لَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ نِيَّةَ الْجَمْعِ وَفِيهَا قَوْلَانِ وَفِي شَرْطِ كَوْنِهَا فِي أُولَاهُمَا أَوْ تُجْزِئُ وَلَوْ فِي أَوَّلِ الثَّانِيَةِ قَوْلَانِ، الثَّانِيَةُ مِنْ صِفَةِ الْجَمْعِ عَدَمُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا بِأَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ اهـ الْمُرَادُ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: وَرُخِّصَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ] أَيْ نُدِبَ لَهُ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ أَنْ يَجْمَعَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ يُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ لِوَقْتِهَا، وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ الْمَشْهُورُ بِأَنَّهُ
أَنْ يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ) فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ وَالْجَمْعُ الْمَذْكُورُ عَلَى الْمَشْهُورِ يَكُونُ (فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْأُولَى) فَيَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ (عِنْدَ الزَّوَالِ وَ) بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (عِنْدَ الْغُرُوبِ) وَإِنَّمَا كَانَ يَجْمَعُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْإِغْمَاءَ سَبَبٌ يُبِيحُ الْجَمْعَ فَوَجَبَ التَّقْدِيمُ لِخَوْفِ الْفَوَاتِ، وَأَصْلُهُ الْجِدُّ فِي السَّيْرِ وَأَخَذَ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِيَجْمَع لَا يَخَافُ وَبَقِيَ عَلَيْهِ مَا إذَا خَافَ الْغَلَبَةَ عَلَى عَقْلِهِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْأُولَى، وَقَدْ نَصَّ ابْنُ الْجَلَّابِ عَلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ فَقَالَ: وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمَرِيضِ إذَا خَافَ الْغَلَبَةَ عَلَى عَقْلِهِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْأُولَى أَخَّرَهَا إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ الْأَخِيرَةِ، وَإِنْ خَافَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ الْأَخِيرَةِ قَدَّمَهَا إلَى الصَّلَاةِ الْأُولَى.
تَنْبِيهٌ: إذَا جَمَعَ أَوَّلَ الْوَقْتِ لِلْخَوْفِ عَلَى عَقْلِهِ ثُمَّ لَمْ يَذْهَبْ فَقَالَ عِيسَى: يُعِيدُ الْأَخِيرَةَ يُرِيدُ سَنَد فِي الْوَقْتِ.
وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: لَا يُعِيدُ
ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْقِسْمِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ أَرْفَقَ بِهِ لِ) أَجْلِ إسْهَالِ (بَطْنٍ بِهِ وَنَحْوُهُ) مِمَّا يَشُقُّ عَلَيْهِ مِنْ سَائِرِ الْأَمْرَاضِ الْقِيَامُ مَعَهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ (جَمَعَ) بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الْمُشْتَرَكَتَيْ الْوَقْتِ فَالظُّهْرُ وَالْعَصْرُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا (وَسَطَ وَقْتِ الظُّهْرِ وَ) الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا (عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ) عِيَاضٌ:
[حاشية العدوي]
عَلَى تَقْدِيرِ الْإِغْمَاءِ لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ فَلَا يَجْمَعُ مَا لَا يَجِبُ بَلْ يَحْرُمُ التَّقَرُّبُ بِصَلَاةٍ مِنْ الْخَمْسِ لَمْ تَجِبْ قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ وُقُوعِهِ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو لِلْجَمْعِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الثَّانِيَةِ وَحَصَلَ الشَّكُّ فِي سُقُوطِهَا فَهُوَ شَكَّ فِي الْمَانِعِ فَيُلْغَى بِخِلَافِ الشَّكِّ فِي أَصْلِ الْوُجُوبِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا خَافَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ تَحِيضَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَلَا يُطْلَبُ مِنْهَا تَقْدِيمُ الثَّانِيَةِ عِنْدَ الْأُولَى، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْحَيْضِ اسْتِغْرَاقُ الْوَقْتِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ يُمْكِنُ انْقِطَاعُهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَا يُسْقِطُ الْعِبَادَةَ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] مُتَعَلِّقٌ بِيَكُونُ أَيْ وَالْجَمْعُ الْمَذْكُورُ يَكُونُ أَوَّلَ وَقْتِ الْأُولَى عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ: الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَالثَّانِيَةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَالثَّانِيَةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ذَكَرَ هَذَا الْمُقَابِلَ تت، وَتَأَمَّلْهُ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْإِغْمَاءَ] وَمِثْلُهُ الْحُمَّى النَّافِضَةُ أَيْ الْمُرْعِدَةُ أَوْ الدَّوْخَةُ الَّتِي تَحْصُلُ لَهُ وَقْتَ الثَّانِيَةِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلِلْمَرِيضِ أَيْ مَنْ سَيَصِيرُ مَرِيضًا فَفِي عِبَارَتِهِ مَجَازُ الْأَوَّلِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: فَوَجَبَ التَّقْدِيمُ لِخَوْفِ الْفَوَاتِ] فِيهِ أُمُورٌ: الْأَوَّلُ أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ إمَّا مَنْدُوبٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ أَوْ جَائِزٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ فَوَجَبَ التَّقْدِيمُ إلَّا أَنْ يُفَسِّرَ وَجَبَ بِثَبْتِ الثَّانِي، أَنَّ الْعِلَّةَ إذَا كَانَتْ خَوْفَ الْفَوَاتِ لَا تَقْتَضِي التَّقْدِيمَ أَوَّلَ وَقْتِ الْأُولَى إذْ غَايَةُ مَا تُفِيدُ الْفِعْلُ فِي وَقْتِ الْأُولَى لَا أَوَّلِهِ فَقَطْ.
الثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَهُ لِخَوْفِ الْفَوَاتِ يُشْعِرُ بِاسْتِغْرَاقِ الْإِغْمَاءِ جَمِيعَ وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَيُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَذْهَبُ فِي آخِرِهِ لَطَلَبَ مِنْهُ التَّأْخِيرَ، وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ يُتَّجَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ اسْتِغْرَاقَهُ لِوَقْتِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا تَسْقُطُ فَمَا وَجْهُ طَلَبِهِ بِهَا وَيُقَدِّمُهَا قَبْلَ وَقْتِهَا، وَجَوَابُهُ احْتِمَالُ انْقِطَاعِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ.
[قَوْلُهُ: وَأَصْلُهُ الْجِدُّ فِي السَّيْرِ] لَعَلَّ الْمَعْنَى أَصْلُ ذَلِكَ أَيْ الَّذِي قِيسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ إبَاحَةُ الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ عِنْدَ قَصْدِ الْجَمْعِ فِي السَّيْرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ.
[قَوْلُهُ: أَنَّ الظَّرْفَ] أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ عِنْدَ الزَّوَالِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ عِنْدَ الزَّوَالِ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ أَوَّلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْأُولَى وَإِيضَاحٌ لَهُ.
[قَوْلُهُ: إذَا خَافَ الْغَلَبَةَ عَلَى عَقْلِهِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْأُولَى] أَيْ وَيَسْتَمِرُّ ذَلِكَ إلَى آخِرِ وَقْتِهَا لَا أَنَّهُ يَأْتِي فِي الْأَوَّلِ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: أَخَّرَهَا إلَى وَقْتِ] أَيْ وُجُوبًا وَأَمَّا قَوْلُهُ قَدَّمَهَا أَيْ نَدْبًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: إذَا جَمَعَ أَوَّلَ الْوَقْتِ إلَخْ] فَإِنْ لَمْ يَجْمَعْ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَحَصَلَ الْإِغْمَاءُ فِي جَمِيعِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ وَقْتِ الْأُولَى وَأَفَاقَ وَقْتَ الثَّانِيَةِ فَيُصَلِّي الْأُولَى لِبَقَاءِ وَقْتِهَا.
[قَوْلُهُ: يُرِيدُ سَنَدًا فِي الْوَقْتِ] أَيْ الِاخْتِيَارِيِّ وَالْأَرْجَحُ الضَّرُورِيُّ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ لَا يُعِيدُ] ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ] فَيُوقِعُ الْمَغْرِبَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ بِنَاءً عَلَى امْتِدَادِهِ وَالْعِشَاءَ فِي أَوَّلِ اخْتِيَارَيْهَا
اُخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ وَسْطٍ فَقِيلَ لَا يُقَالُ هُنَا وَفِي الدَّارِ إلَّا بِإِسْكَانِ السِّينِ، وَأَمَّا وَسَطٌ بِالْفَتْحِ فَمَعْنَاهُ عَدْلٌ قَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143] وَقَالَ.
ابْنُ دُرَيْدٍ: يُقَالُ وَسْطُ الدَّارِ وَوَسْطُهَا وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِوَسْطِ وَقْتِ الظُّهْرِ، فَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ نِصْفَ الْقَامَةِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْوَسْطِ النِّصْفُ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ آخِرَ الْقَامَةِ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونَ وَغَيْرِهِ فَيَجْمَعُ جَمْعًا صُورِيًّا.
وَاسْتُظْهِرَ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ لَهُ تَدْعُو إلَى قِيَامِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا، وَالضَّرُورَةُ بِإِنَّمَا هِيَ مِنْ أَجْلِ تَكْرَارِ الْحَرَكَةِ وَلِيُوَافِقَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَعِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى عُذْرَيْنِ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِقَضَاءِ الصَّلَاةِ أَحَدِهِمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَالْمُغْمَى) أَيْ الَّذِي أُغْمِيَ (عَلَيْهِ لَا يَقْضِي مَا خَرَجَ وَقْتُهُ) مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ (فِي) حَالِ (إغْمَائِهِ) قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا (وَيَقْضِي) بِمَعْنَى وَيُؤَدِّي (مَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ) مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ هُنَا الضَّرُورِيُّ وَهُوَ الْغُرُوبُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ فِي الصُّبْحِ.
وَقَوْلُهُ: (مِمَّا يُدْرَكُ مِنْهُ رَكْعَةٌ فَأَكْثَرُ مِنْ الصَّلَوَاتِ) بَيَانٌ لِلْقَدْرِ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي يَلْزَمُهُ فِيهِ أَدَاءُ مَا أَفَاقَ فِيهِ.
وَسُقُوطُ مَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ وَالْمُرَادُ بِالرَّكْعَةِ أَنْ تَكُونَ كَامِلَةً بِسَجْدَتَيْهَا بَعْدَ تَحْصِيلِ مَا يَكُونُ بِهِ أَدَاءُ الصَّلَاةِ مِنْ طَهَارَةٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ مِقْدَارُ خَمْسِ رَكَعَاتٍ بَعْدَ تَحْصِيلِ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ لَمْ يَقْضِهِمَا؛ لِأَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِمَا، وَلَوْ أَفَاقَ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ النَّهَارِ مِقْدَارُ خَمْسِ رَكَعَاتٍ قَضَاهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَفَاقَ فِي وَقْتِهِمَا، وَإِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِهِمَا مِقْدَارُ خَمْسِ رَكَعَاتٍ لَمْ يَقْضِهِمَا، وَلَوْ أَفَاقَ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ قَضَاهُمَا.
وَالْعُذْرِ الْآخَرِ أَتَى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ تَطْهُرُ) بِمَعْنَى انْقَطَعَ حَيْضُهَا فَإِنَّهَا لَا تَقْضِي مَا خَرَجَ وَقْتُهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي حَالِ حَيْضِهَا، وَتُؤَدِّي مَا تَطَهَّرَتْ فِي وَقْتِهِ مِمَّا تُدْرِكُ مِنْهُ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ، وَالْوَقْتُ الَّذِي تَطْهُرُ فِيهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا
[حاشية العدوي]
وَلِلصَّحِيحِ فِعْلُ هَذَا الْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ جَمْعًا حَقِيقِيًّا.
[قَوْلُهُ: فَقِيلَ لَا يُقَالُ إلَخْ] أَيْ فَلَا يُقَالُ هَذَا الَّذِي هُوَ لِلزَّمَانِ وَلَا يُقَالُ فِي الدَّارِ الَّذِي هُوَ لِلْمَكَانِ.
[قَوْلُهُ: يُقَالُ وَسَطَ الدَّارِ إلَخْ] الظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوَّلَ بِسُكُونِ السِّينِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَوَسَطُهَا فَبِفَتْحِ السِّينِ.
[قَوْلُهُ: وَاسْتَظْهَرَ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، [قَوْلُهُ: ظَاهِرٌ] الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلَفْظِ ظَاهِرٍ فَالْأَوْلَى حَذْفُهَا.
[بَعْض الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِقَضَاءِ الصَّلَاةِ]
[قَوْلُهُ: وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ] وَمِثْلُهُ السَّكْرَانُ بِحَلَالٍ وَأَوْلَى الْمَجْنُونُ [قَوْلُهُ: فِي حَالِ إغْمَائِهِ] أَيْ أَوْ حَالِ جُنُونِهِ أَوْ سُكْرِهِ الْحَلَالِ لِمَنْ شَرِبَ خَمْرًا يَظُنُّهُ لَبَنًا أَوْ عَسَلًا.
[قَوْلُهُ: قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا] أَيْ كَانَ الَّذِي فَاتَهُ فِي إغْمَائِهِ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا خِلَافًا لِابْنِ عُمَرَ فِي أَنَّهُ يَقْضِي مَا قَلَّ كَخَمْسِ صَلَوَاتٍ فَدُونَ وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ كَانَ إغْمَاؤُهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً يَقْضِي وَإِلَّا فَلَا.
[قَوْلُهُ: وَيُؤَدِّي إلَخْ] إنَّمَا فَسَّرَ يَقْضِي بِيُؤَدِّي؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ فِعْلُ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ، وَمَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ لَا يُقَالُ فِيهِ قَضَاءٌ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ قَصَدَ الْمُشَاكَلَةَ فَعَبَّرَ بِيَقْضِي لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَةِ الْقَضَاءِ وَهُوَ حَقِيقَةُ الْمُشَاكَلَةِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْغُرُوبُ فِي الظُّهْرِ] أَيْ نِهَايَتُهُ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ [قَوْلُهُ: الَّذِي يَلْزَمُهُ فِيهِ أَدَاءُ مَا أَفَاقَ] نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ وَيُؤَدِّي وَسُقُوطُ مَعْطُوفٌ عَلَى أَدَاءُ وَهُوَ نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ لَا يَقْضِي مَا خَرَجَ وَقْتُهُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ طَهَارَةٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ] الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إلَّا الطُّهْرُ الْحَدَثِيُّ.
[قَوْلُهُ: فَإِذَا أُغْمِيَ إلَخْ] وَإِنْ بَقِيَ لِلْغُرُوبِ مِقْدَارُ أَرْبَعٍ فَأَقَلَّ إلَى رَكْعَةٍ سَقَطَتْ الْعَصْرُ وَتَخَلَّدَتْ الظُّهْرُ فِي ذِمَّتِهِ [قَوْلُهُ: وَإِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِهِمَا مِقْدَارُ خَمْسِ رَكَعَاتٍ] ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ لِلْغُرُوبِ أَرْبَعٌ لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إذَا بَقِيَ أَرْبَعٌ حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ بَقِيَ خَمْسٌ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فَضْلَ رَكْعَةٍ عَلَى الْأَوْلَى، وَإِنْ بَقِيَ لِلْفَجْرِ مِقْدَارُ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فَأَقَلَّ سَقَطَتْ الْعِشَاءُ وَتَخَلَّدَتْ الْمَغْرِبُ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ مَا بِهِ الْإِدْرَاكُ بِهِ السُّقُوطُ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا الْحَائِضُ] وَمِثْلُهَا النُّفَسَاءُ [قَوْلُهُ: بَعْدَ طُهْرِهَا بِالْمَاءِ] حَيْثُ لَمْ تَكُنْ مِنْ
(فَإِذَا) تَطَهَّرَتْ نَهَارًا و (بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ بَعْدَ طُهْرِهَا) بِالْمَاءِ زَادَ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَلُبْسِ ثِيَابِهَا (بِغَيْرِ تَوَانٍ) أَيْ بِغَيْرِ تَأْخِيرٍ لِطُهْرِهَا وَلُبْسِ ثِيَابِهَا (خَمْسُ رَكَعَاتٍ صَلَّتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ) بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهَا تُقَدِّرُ لِلْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَتُدْرِكُ الظُّهْرَ بِرَكْعَةٍ، فَإِنْ تَذَكَّرَتْ مَنْسِيَّتَيْنِ قَبْلَ حَيْضِهَا صَلَّتْهُمَا أَوَّلًا لِلتَّرْتِيبِ ثُمَّ تَقْضِي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ؛ لِأَنَّهَا طَهُرَتْ فِي وَقْتِهِمَا، وَهَذَا التَّقْدِيرُ فِي حَقِّ الْحَاضِرَةِ، وَأَمَّا الْمُسَافِرَةُ فَإِنَّهَا تُقَدِّرُ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّهَا تَجْعَلُ لِلظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرِ رَكْعَةً (وَإِنْ) طَهُرَتْ لَيْلًا وَ (كَانَ الْبَاقِي مِنْ اللَّيْلِ) بَعْدَ طُهْرِهَا وَلُبْسِ ثِيَابِهَا بِغَيْرِ تَوَانٍ (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ صَلَّتْ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِنَاءً عَلَى التَّقْدِيرِ بِالْمَغْرِبِ فَيَكُونُ لَهَا ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ وَتَبْقَى رَكْعَةٌ لِلْعِشَاءِ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ فِي حَقِّ الْحَاضِرَةِ، وَأَمَّا الْمُسَافِرَةُ فَإِنَّهَا تُقَدِّرُ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ لِلْعِشَاءِ وَرَكْعَةٍ لِلْمَغْرِبِ.
(وَ) أَمَّا (إنْ كَانَ) الْبَاقِي (مِنْ النَّهَارِ أَوْ مِنْ اللَّيْلِ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ رَكَعَاتٍ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ وَأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي (صَلَّتْ الصَّلَاةَ الْأَخِيرَةَ) فَقَطْ وَهِيَ الْعَصْرُ فِي الْأَوَّلِ وَالْعِشَاءُ فِي الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُدْرِكْ وَهِيَ طَاهِرَةٌ إلَّا وَقْتَهَا وَهَذَا فِي حَقِّ الْحَاضِرَةِ، وَأَمَّا الْمُسَافِرَةُ فَإِنَّهَا فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ كَذَلِكَ تُصَلِّي الصَّلَاةَ الْأَخِيرَةَ فَقَطْ إنْ أَدْرَكَتْ مِنْ الْوَقْتِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، أَمَّا إنْ أَدْرَكَتْ مِنْ الْوَقْتِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ صَلَّتْ الصَّلَاتَيْنِ.
وَفِي الْمِثَالِ الثَّانِي تُصَلِّي الصَّلَاتَيْنِ إذَا أَدْرَكَتْ مِنْ الْوَقْتِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ وَقَدَّرَتْ بِالْعِشَاءِ، أَمَّا إنْ قَدَّرَتْ بِالْمَغْرِبِ صَلَّتْهَا فَقَطْ.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى مَا إذَا طَهُرَتْ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا إذَا حَاضَتْ كَذَلِكَ فَقَالَ: (وَإِنْ حَاضَتْ لِهَذَا التَّقْدِيرِ) يَعْنِي تَقْدِيرَ خَمْسِ رَكَعَاتٍ لِلنَّهَارِ وَأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لِلَّيْلِ (لَمْ تَقْضِ مَا حَاضَتْ فِي وَقْتِهِ) ظَاهِرُهُ أَخَّرَتْ ذَلِكَ نَاسِيَةً أَوْ عَامِدَةً وَهِيَ فِي الْعَمْدِ عَاصِيَةٌ، فَإِنْ حَاضَتْ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ مَا يَسَعُ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَلَمْ تَكُنْ صَلَّتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ لَمْ تَقْضِهِمَا؛ لِأَنَّهَا حَاضَتْ فِي وَقْتِهَا (وَإِنْ حَاضَتْ لِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ النَّهَارِ فَأَقَلَّ إلَى رَكْعَةٍ)
[حاشية العدوي]
أَهْلِ التَّيَمُّمِ وَإِلَّا قُدِّرَ لَهَا الطُّهْرُ بِالتُّرَابِ وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَدَّرُ الطُّهْرُ زِيَادَةً عَلَى مَا تُدْرَكُ فِيهِ الرَّكْعَةُ وَمِثْلُهَا سَائِرُ أَرْبَابِ الْأَعْذَارِ غَيْرُ الْكَافِرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: وَلُبْسِ ثِيَابِهَا] هُوَ الَّذِي زَادَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا الطُّهْرُ الْحَدَثِيُّ لَا الْخَبَثِيُّ فَلَا يُقَدَّرُ سَتْرُ عَوْرَةٍ وَلَا اسْتِقْبَالُ قِبْلَةٍ وَلَا اسْتِبْرَاءُ وَاجِبٍ، أَنْ لَوْ اُحْتِيجَ لَهُ كَمَا ذَكَرَهُ عج، وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا يُعْتَبَرُ الطُّهْرُ فِي جَانِب الْإِدْرَاكِ يُعْتَبَرُ أَيْضًا فِي جَانِبِ السُّقُوطِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ شَرَعَتْ فِي الظُّهْرِ لِظَنِّ إدْرَاكِ الصَّلَاتَيْنِ وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ صَلَّتْ الْعَصْرَ وَسَقَطَتْ الظُّهْرُ، وَتُتِمُّ مَا تَشْرَعُ فِيهِ نَافِلَةً فَتُسَلِّمُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَدْخُولٍ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ بِغَيْرِ تَأْخِيرٍ لِطُهْرِهَا] يُعْتَبَرُ زَمَنُ طُهْرِهَا عَلَى الْمُعْتَادِ لِمِثْلِهَا لَا مَعَ سُرْعَةِ الْعَجَلَةِ وَلَا مَعَ التَّسَاهُلِ فِي الْفِعْلِ وَالْهَيْئَةِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمُسَافِرَةُ فَإِنَّهَا تُقَدِّرُ بِثَلَاثٍ إلَخْ] ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي اللَّيْلَتَيْنِ بَيْنَ الْحَاضِرَةِ وَالْمُسَافِرَةِ فِي أَنَّهَا تُقَدِّرُ بِفِعْلِ رَكْعَةٍ مِنْ الْأُولَى فَحِينَئِذٍ يُقَالُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَكَانَ مِنْ اللَّيْلِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ أَيْ وَلَوْ فِي السَّفَرِ.
[قَوْلُهُ: وَقُدِّرَتْ بِالْعِشَاءِ] تَقَدَّمَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ هُوَ قَوْلُهُ أَمَّا إنْ قُدِّرَتْ بِالْمَغْرِبِ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي تَقْدِيرَ إلَخْ] عَلَى هَذَا الْحَلِّ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ الْعِبَارَةِ لَا يَكُونُ مَا سَيَأْتِي تَكْرَارًا، إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ فِي مَسْأَلَةٍ مَا إذَا حَاضَتْ لِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لِلَّيْلِ خِلَافًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَعُودَ الْإِشَارَةُ إلَى الْأَرْبَعِ تَقْدِيرَاتٍ، وَهِيَ قَوْلُهُ خَمْسُ رَكَعَاتٍ مِنْ النَّهَارِ وَأَرْبَعٌ مِنْ اللَّيْلِ وَأَقَلُّ مِنْ خَمْسٍ فِي النَّهَارِ وَأَقَلُّ مِنْ أَرْبَعٍ فِي اللَّيْلِ، فَعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا تَكْرَارًا وَيَكُونُ قَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ فِي الْعَمْدِ عَاصِيَةٌ] أَيْ؛ لِأَنَّهُ تَأْخِيرٌ لِلْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ وَهُوَ حَرَامٌ.
[قَوْلُهُ: قَضَتْ الْأُولَى فَقَطْ] وَتَسْقُطُ الثَّانِيَةُ لِحَيْضِهَا فِي وَقْتِهَا
وَلَمْ تَكُنْ صَلَّتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ (أَوْ) حَاضَتْ (لِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ) أَيْ بَقِيَ مِنْهُ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ أَنْ تُوقِعَ فِيهِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فَأَقَلَّ (إلَى رَكْعَةٍ) وَلَمْ تَكُنْ صَلَّتْ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ (قَضَتْ) الصَّلَاةَ (الْأُولَى فَقَطْ) وَهِيَ الظُّهْرُ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ وَالْمَغْرِبُ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا أَدْرَكَتْهَا وَهِيَ طَاهِرَةٌ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ (وَاخْتُلِفَ فِي حَيْضِهَا) يَعْنِي إذَا حَاضَتْ (لِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ) يَعْنِي وَالْبَاقِي مِنْهُ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ أَنْ تُوقِعَ فِيهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ (فَقِيلَ) الْحُكْمُ فِيهِ (مِثْلُ ذَلِكَ) أَيْ مِثْلَ مَا إذَا حَاضَتْ لِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ تَقْضِي الصَّلَاةَ الْأُولَى فَقَطْ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحُكْمِ وَغَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالثَّانِيَةِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْوَقْتَ إذَا ضَاقَ حَتَّى لَا يَسَعَ إلَّا إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهَا إنَّمَا هِيَ الْأَخِيرَةُ (وَقِيلَ) الْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهَا (حَاضَتْ فِي وَقْتِهِمَا فَلَا تَقْضِيهِمَا) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ الْمَذْهَبُ إذْ التَّقْدِيرُ عِنْدَهُمْ فِي مُشْتَرَكَتَيْ الْوَقْتِ بِالْأُولَى، وَوَجْهُهُ أَنَّ أَوَّلَ الصَّلَاتَيْنِ لَمَّا وَجَبَ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْأُخْرَى فِعْلًا وَجَبَ التَّقْدِيرُ بِهَا.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي حَقُّهَا أَنْ تُذْكَرَ فِي مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ فَقَالَ: (وَمَنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ) وَكَانَ غَيْرَ مُسْتَنْكِحٍ (ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ) وُجُوبًا عَلَى الْمَشْهُورِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَدَثُ الَّذِي شَكَّ فِيهِ رِيحًا أَوْ غَيْرَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّكُّ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجِهَا، وَقَيَّدْنَا بِغَيْرِ الْمُسْتَنْكِحِ تَبَعًا لِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ احْتِرَازًا مِنْ الْمُسْتَنْكِحِ الَّذِي كَثُرَتْ مِنْهُ الشُّكُوكُ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى أَوَّلِ خَاطِرٍ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ اعْتَمَدَ هَذَا وَأَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ سُقُوطُ الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى خَاطِرٍ أَلْبَتَّةَ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّعْمِيمِ فِي الْحَدَثِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ حَبِيبٍ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا خُيِّلَ إلَيْهِ أَنَّ رِيحًا خَرَجَ مِنْهُ فَلَا يَتَوَضَّأُ إلَّا أَنْ يُوقِنَ بِهِ وَإِنْ دَاخَلَهُ
[حاشية العدوي]
وَالْوَقْتُ إذَا ضَاقَ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ إدْرَاكًا وَسُقُوطًا.
[أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ]
[قَوْلُهُ: وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ] ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ مُصَاحَبَةُ الشَّكِّ لِلْيَقِينِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُعَبِّرَ بِثُمَّ بَدَلَ الْوَاوِ لِيُعْلَمَ مِنْهُ أَنَّ الشَّكَّ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْيَقِينِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ وَقِيلَ سَاقِطٌ.
[قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ الْحَدَثُ إلَخْ] الْأَوْلَى أَنَّ مُرَادَهُ بِالْحَدَثِ مُطْلَقُ النَّاقِصِ وَلَوْ سَبَبًا سِوَى الرِّدَّةِ فَلَا يَجِبُ الْوُضُوءُ بِالشَّكِّ فِيهَا لِعَدَمِ حُصُولِهَا بِالشَّكِّ، وَالشَّكُّ التَّرَدُّدُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ، فَأَوْلَى إذَا كَانَ النَّقْضُ مَظْنُونًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ مُتَوَهَّمًا فَلَا.
[قَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّكُّ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجِهَا إلَخْ] إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ فِيهَا بَعْدَ دُخُولِهِ مُتَيَقِّنَ الطَّهَارَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّمَادِي فِيهَا، وَبَعْدَ تَمَامِهَا إنْ بَانَ لَهُ الْبَقَاءُ عَلَى الطَّهَارَةِ لَمْ يَعُدْهَا، وَإِنْ بَانَ حَدَثُهُ أَوْ بَقِيَ عَلَى شَكِّهِ أَعَادَهَا وُجُوبًا.
تَنْبِيهٌ: كَمَا يَجِبُ الْوُضُوءُ فِي صُورَةِ الْمُصَنِّفِ يَجِبُ فِي عَكْسِهَا بِالْأَوْلَى وَهِيَ مَا إذَا تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الْوُضُوءِ، وَكَذَا إذَا تَيَقَّنَهُمَا وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا أَوْ شَكَّ فِيهِمَا وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا أَوْ لَا أَوْ تَيَقَّنَ الْوُضُوءَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ وَشَكَّ مَعَ ذَلِكَ هَلْ كَانَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الْوُضُوءِ، وَشَكَّ مَعَ ذَلِكَ هَلْ كَانَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى [قَوْلُهُ: عَلَى أَوَّلِ إلَخْ] أَيْ فَإِنْ سَبَقَ إلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ عَلَى طَهَارَةٍ فَلَا يُعِيدُ، وَإِنْ سَبَقَ إلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى طَهَارَةٍ أَعَادَ؛ لِأَنَّهُ فِي الْخَاطِرِ الْأَوَّلِ مُشَابِهٌ لِلْعُقَلَاءِ وَفِي الثَّانِي يُفَارِقُهُمْ.
[قَوْلُهُ: هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، [قَوْلُهُ: إذَا خُيِّلَ إلَيْهِ] الْمُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ خُطُورٍ بِالْبَالِ غَيْرِ مُسْتَنِدٍ إلَى شَيْءٍ، وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُوقِنَ لَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ وَحِينَئِذٍ فَالتَّخَيُّلُ شَامِلٌ لِلشَّكِّ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ دَاخَلَهُ] الْمُفَاعَلَةُ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا وَقَوْلُهُ بِالْحِسِّ، أَيْ بِسَبَبِ الْحِسِّ أَيْ الصَّوْتِ الْخَفِيِّ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ اسْتَنَدَ فِي شَكِّهِ لِصَوْتٍ خَفِيٍّ، وَقَوْلُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، أَيْ إلَّا أَنْ يُوقِنَ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ سَاوَى التَّخَيُّلُ الشَّكَّ فِي عَدَمِ إيجَابِ الْوُضُوءِ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ الْمُوجِبَ، فَإِنْ قُلْت قَدْ فَسَّرْت الْحِسَّ بِالصَّوْتِ الْخَفِيِّ فَمَا سَنَدُك
الشَّكُّ بِالْحِسِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَنْ شَكَّ هَلْ بَالَ أَوْ أَحْدَثَ فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْوُضُوءَ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حُكْمِ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ أَوْ مِنْ سُنَنِهِ، وَالْأَوَّلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَتْرُكَهُ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يَذْكُرَهُ بِالْقُرْبِ أَوْ بَعْدَ الطُّولِ، وَالثَّانِي كَذَلِكَ فَالْأَقْسَامُ ثَمَانِيَةٌ أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ ذَكَرَ مِنْ وُضُوئِهِ شَيْئًا مِمَّا هُوَ فَرِيضَةٌ مِنْهُ) يَعْنِي مِنْ مَغْسُولِهِ وَهُوَ الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَالرِّجْلَانِ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَمَمْسُوحِهِ وَهُوَ الرَّأْسُ (فَإِنْ كَانَ) ذِكْرُهُ لَهُ (بِالْقُرْبِ أَعَادَ) بِمَعْنَى فَعَلَ (ذَلِكَ) الْمَتْرُوكَ بِنِيَّةِ إتْمَامِ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَبِالْغُسْلِ ثَلَاثًا إنْ كَانَ مَغْسُولًا، وَبِالْمَسْحِ مَرَّةً إنْ كَانَ مَمْسُوحًا وُجُوبًا؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ (وَ) إذَا فَرَغَ مِنْ فِعْلِ الْمَتْرُوكِ أَعَادَ (مَا يَلِيهِ) ق: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعِيدُ خَاصَّةً مِثْلَ أَنْ يَنْسَى غَسْلَ وَجْهِهِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ وَيَغْسِلُ الْيَدَيْنِ خَاصَّةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُعِيدُهُ وَمَا يَلِيهِ إلَى آخِرِ الْوُضُوءِ فَقَوْلُهُ: وَمَا يَلِيهِ يَعْنِي مَعَ مَا بَعْدَهُ إلَى آخِرِ الْوُضُوءِ وَاسْتِحْبَابًا لِأَجْلِ التَّرْتِيبِ، وَاخْتَلَفَ ق فِي حَدِّ الْقُرْبِ فَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ رَاجِعٌ لِلْعُرْفِ.
ع: وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُلِّ مَا لَمْ يَرِدْ مِنْ الشَّارِعِ فِيهِ تَحْدِيدٌ وَقِيلَ: حَدُّهُ مَا لَمْ تَجِفَّ الْأَعْضَاءُ فِي الزَّمَنِ الْمُعْتَدِلِ وَالْعُضْوِ الْمُعْتَدِلِ وَالْمَكَانِ الْمُعْتَدِلِ.
ق: وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ) يَعْنِي ذِكْرَ الْمَنْسِيِّ (أَعَادَهُ) يَعْنِي فَعَلَهُ بِنِيَّةٍ اتِّفَاقًا (فَقَطْ) عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُعِيدُهُ وَمَا بَعْدَهُ كَالْقُرْبِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ أَشَارَ
[حاشية العدوي]
قُلْت الْمِصْبَاحُ.
[حُكْمِ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ أَوْ مِنْ سُنَنِهِ]
[قَوْلُهُ: وَإِنْ ذَكَرَ مِنْ وُضُوئِهِ شَيْئًا إلَخْ] نَسِيَهُ حَالَ الْوُضُوءِ أَوْ شَكَّ فِي نِسْيَانِهِ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكِحًا إذْ الْمُسْتَنْكِحُ يُطْلَبُ بِطَرْحِ الشَّكِّ، وَلَا يَغْسِلُ مَا شَكَّ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْوَجْهُ] أَيْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى فَعَلَ إلَخْ] أَيْ فَمَعْنَى الْإِعَادَةِ الْإِتْيَانُ بِهِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْهُ، وَهَلْ اسْتِعْمَالُ أَعَادَ بِمَعْنَى فِعْلِ تَجَوُّزٍ أَوَّلًا لِاسْتِعْمَالِهِ عِنْدَ الْعَرَبِ كَثِيرًا؟ قَوْلَانِ.
[قَوْلُهُ: بِنِيَّةِ إتْمَامِ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ وَإِلَّا لَمْ يُجْزِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي تت، وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ الْمَشْهُورُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ الْأُولَى مُنْسَحِبَةٌ قُلْت وَهُوَ ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: بِالْمَسْحِ مَرَّةً إلَخْ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مَرَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ تُمْسَحُ مَرَّتَيْنِ الْأُولَى فَرْضٌ وَالثَّانِيَةُ سُنَّةٌ.
[قَوْلُهُ: وُجُوبًا] أَيْ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ وَقَضِيَّةُ الْكَلَامِ أَنَّ غَسْلَهُ ثَلَاثًا وَاجِبٌ مَعَ أَنَّ الْوَاجِبَ إنَّمَا هُوَ الْأُولَى، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا الْأُولَى إلَخْ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِقَضِيَّةِ قَوْلِهِ ثَلَاثًا، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ إنَّمَا هُوَ الْمَرَّةُ.
[قَوْلُهُ: عَادَ مَا يَلِيهِ] أَيْ يَغْسِلُ مَا يَلِي الْمَتْرُوكَ الْعُضْوَ أَوْ اللَّمْعَةَ مَرَّةً إنْ كَانَ غَسَلَهُ أَوَّلًا ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ غَسَلَهُ مَرَّةً يَغْسِلُهُ مَرَّتَيْنِ، لَا يُقَالُ إذَا كَانَ فَعَلَ مَا بَعْدَهُ ثَلَاثًا فَفِعْلُهُ الْآنَ مَرَّةً يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ الْمُشَارِ لَهُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ وَهَلْ تُكْرَهُ الرَّابِعَةُ أَوْ تُمْنَعُ خِلَافٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ مَحَلُّ الْخِلَافِ حَيْثُ لَا يُطْلَبُ بِهَا لِأَجْلِ التَّرْتِيبِ وَهُنَا طُلِبَ بِهَا لِأَجْلِهِ وَوَقَعَ التَّوَقُّفُ فِيمَا يَلِي اللَّمْعَةَ، هَلْ هُوَ بَقِيَّةُ الْعُضْوِ الْمَتْرُوكِ مِنْهُ أَوْ الْعُضْوُ الَّذِي يَلِي الْعُضْوَ الْمَتْرُوكَ مِنْهُ اللَّمْعَةُ؟ وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ فَيَغْسِلُ اللَّمْعَةَ ثَلَاثًا بِنِيَّةِ إتْمَامِ الْوُضُوءِ وَيُعِيدُ الْعُضْوَ التَّالِيَ لِعُضْوِ اللَّمْعَةِ وَلَا يَغْسِلُ مَا تَرَكَ مِنْهُ اللَّمْعَةَ [قَوْلُهُ: اسْتِحْبَابًا] كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ وَفِي بَعْضِهَا اسْتِنَانًا.
[قَوْلُهُ: فَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ] أَيْ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ حَدُّهُ إلَخْ] وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَلَعَلَّهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْأَوْلَى فِي غَيْرِهَا فَلَا يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ حَدُّهُ مَا لَمْ تَجِفَّ الْأَعْضَاءُ] وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ جَفَافُ الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الْعُضْوِ الْأَخِيرِ، وَانْظُرْ لَوْ حَصَلَ الشَّكُّ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ هَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْقُرْبِ أَوْ الْبَعْدِ؟ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي التَّفْصِيلُ فَفِي الْعَمْدِ يُحْمَلُ عَلَى الْبُعْدِ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَفِي النِّسْيَانِ يُحْمَلُ عَلَى الْقُرْبِ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ أَيْضًا اهـ.
[قَوْلُهُ: ق وَهُوَ الْمَشْهُورُ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ] بِأَنْ لَمْ يَتَذَكَّرْهُ إلَّا بَعْدَ جَفَافِ الْعُضْوِ الْمَغْسُولِ آخِرًا.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي فَعَلَهُ] أَيْ ثَلَاثَةً بِنِيَّةٍ وَيُطْلَبُ مِنْ النَّاسِي أَنْ يَغْسِلَ ذَلِكَ
إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ) يَعْنِي تَرَكَ شَيْئًا مِنْ وُضُوئِهِ مِمَّا هُوَ فَرِيضَةٌ ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ وُجُوبًا (إنْ طَالَ ذَلِكَ) أَيْ تَرْكُ غَسْلِ الْعُضْوِ الْمَغْسُولِ وَمَسْحِ الْمَمْسُوحِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْفَوْرَ وَاجِبٌ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ وَهُوَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ أَنَّهُ إنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ ذَلِكَ وَلَمْ يَطُلْ أَعَادَهُ وَمَا بَعْدَهُ لِأَجْلِ التَّرْتِيبِ، فَالْعَمْدُ وَالنِّسْيَانُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْقُرْبِ وَيَفْتَرِقَانِ فِي الطُّولِ (وَإِنْ كَانَ) الَّذِي تَرَكَ شَيْئًا مِمَّا هُوَ فَرِيضَةٌ مِنْ وُضُوئِهِ (قَدْ صَلَّى) بِهَذَا الْوُضُوءِ (فِي) جَمِيعِ صُوَرِ (ذَلِكَ) الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ وَالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ (أَعَادَ صَلَاتَهُ أَبَدًا) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَلَّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ وَفِي نُسْخَةٍ (وَوُضُوءَهُ) .
وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ ذَكَرَ مِثْلَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَمَسْحِ الْأُذُنَيْنِ) الْوَاوُ فِيهِمَا بِمَعْنَى أَوْ أَيْ، وَإِنْ ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ بَعْدَ أَنْ نَسِيَهُ فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ (إنْ كَانَ) التَّذَكُّرُ لِلْمَنْسِيِّ (قَرِيبًا فَعَلَ ذَلِكَ) الْمَنْسِيَّ فَقَطْ (وَلَمْ يُعِدْ مَا بَعْدَهُ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ فِيمَا بَيْنَ الْمَسْنُونِ وَالْمَفْرُوضِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَالْقِسْمُ السَّادِسُ أَشَارَ
[حاشية العدوي]
الْمَنْسِيَّ فَوْرًا، وَلَوْ تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ الذِّكْرِ حَتَّى طَالَ فَسَدَ وُضُوءُهُ بَعْدَ التَّأْخِيرِ وَلَوْ كَانَ نَاسِيًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ الثَّانِي الْمُتَكَرِّرِ عَلَى الْمُتَعَمَّدِ، وَمُقَابِلُهُ يُعْذَرُ بِهِ فَيَفْعَلَ الْمَنْسِيَّ وَحْدَهُ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْفَوْرَ وَاجِبٌ] فَيُؤْخَذُ مِنْ الْمُصَنِّفِ فَرْضِيَّتُهُ وَهُوَ الْإِتْيَانُ بِالْوُضُوءِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ مُتَفَاحِشٍ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَوَجْهُ الْأَخْذِ أَنَّهُ أَوْجَبَ ابْتِدَاءَ الْوُضُوءِ مَعَ الْعَمْدِ فِي حَالِ الطُّولِ وَالْبِنَاءَ فِي حَالَةِ النِّسْيَانِ، وَقَوْلُنَا مَعَ الذِّكْرِ وَأَمَّا لَوْ كَانَ نَاسِيًا لَبَنَى وَإِنْ طَالَ، وَأَمَّا مَفْهُومُ الْقُدْرَةِ وَهُوَ الْعَجْزُ بِأَنْ يُعِدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ يَكْفِيهِ فَيُغْصَبَ مِنْهُ أَوْ يُرَاقَ أَوْ يَتَبَيَّنَ عَدَمُ كِفَايَتِهِ فَهُوَ كَالْعَامِدِ؛ لِأَنَّهُ يَبْنِي مَا لَمْ يَطُلْ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ نَوْعَ تَقْصِيرٍ بِعَدَمِ احْتِيَاطِهِ بِتَكْثِيرِ الْمَاءِ، وَأَمَّا مَنْ أَعَدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا يَقْطَعُ بِكِفَايَتِهِ فَأُرِيقَ مِنْهُ مَثَلًا فَهُوَ كَالنَّاسِي وَمِثْلُهُ الْمُكْرَهُ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ يَكُونُ بِمُطْلَقِ التَّخْوِيفِ بِالْأَمْرِ الْمُؤْلِمِ مِنْ ضَرْبٍ وَغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: أَعَادَهُ وَمَا بَعْدَهُ] أَيْ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِوُجُودِهَا وَإِعَادَةِ مَا بَعْدَهُ سُنَّةٌ لِأَجْلِ التَّرْتِيبِ.
تَنْبِيهٌ: لَا مَفْهُومَ لِلْوُضُوءِ بَلْ مِثْلُهُ الْغُسْلُ فِي التَّفْصِيلِ، فَإِذَا ذَكَرَ عُضْوًا أَوْ لَمْعَةً مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ فَإِنَّهُ مَعَ التَّرْكِ نِسْيَانًا أَوْ لِأَجْلِ إكْرَاهٍ مَثَلًا يَبْنِي بِنِيَّةِ إتْمَامِ الْغَسْلِ وَلَوْ مَعَ الطُّولِ، وَيَبْتَدِئُهُ حِينَئِذٍ مَعَ الْعَمْدِ وَلَكِنْ يَقْتَصِرُ عَلَى فِعْلِ الْمَتْرُوكِ وَلَوْ مِنْ الْقُرْبِ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْغُسْلِ لَا يَجِبُ وَلَا يُسَنُّ وَيَفْعَلُ الْمَتْرُوكَ مَرَّةً إلَّا الرَّأْسَ فَتُثَلَّثُ لِطَلَبِ التَّثْلِيثِ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا.
[قَوْلُهُ: أَعَادَهُ وَمَا بَعْدَهُ إلَخْ] لَكِنَّ إعَادَتَهُ وَاجِبَةٌ وَإِعَادَةَ مَا بَعْدَهُ سُنَّةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ [قَوْلُهُ: وَفِي نُسْخَةٍ وَوُضُوءَهُ] لَكِنَّ إعَادَةَ الْوُضُوءِ إنَّمَا هِيَ فِي قِسْمٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مَا إذَا تَرَكَهُ عَمْدًا وَطَالَ وَلَوْ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَهُ وَوُضُوءَهُ لَكَانَ أَحْسَنَ لِفَهْمِهِ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ وَإِنْ طَالَ، بَلْ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَغَيْرُ مُوهِمٍ لِلْعُمُومِ لَكِنَّهُ اتَّكَلَ عَلَى مَا قَدَّمَهُ قَرِيبًا.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ ذَكَرَ مِثْلَ الْمَضْمَضَةِ إلَخْ] أَيْ مِمَّا هُوَ سُنَّةٌ وَلَمْ يَنُبْ عَنْهُ غَيْرُهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ مُوقَعًا فِي مَكْرُوهٍ احْتِرَازًا مِنْ تَرْكِ فَضِيلَةٍ كَشَفْعِ غَسْلِهِ وَتَثْلِيثِهِ فَحُكْمُهُ أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ بِإِعَادَتِهَا أَصْلًا، وَقَوْلُنَا وَلَمْ يَنُبْ عَنْهُ غَيْرُهُ احْتِرَازًا عَنْ رَدِّ مَسْحِ الرَّأْسِ وَغَسْلِ الْيَدَيْنِ لِلْكُوعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ نَابَ عَنْهُمَا غَيْرُهُمَا، وَقَوْلُنَا وَلَمْ يَكُنْ فَعَلَهُ إلَخْ، احْتِرَازًا عَنْ الِاسْتِنْثَارِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي لِإِعَادَةِ الِاسْتِنْشَاقِ.
وَعَنْ تَجْدِيدِ الْمَاءِ لِلْأُذُنَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي لِتَكْرِيرِ الْمَسْحِ [قَوْلُهُ: بَعْدَ أَنْ نَسِيَهُ] وَمِثْلُ تَحَقُّقِ النِّسْيَانِ ظَنُّ التَّرْكِ كَالشَّكِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكِحًا [قَوْلُهُ: فَعَلَ ذَلِكَ الْمَنْسِيَّ] أَيْ اسْتِنَانًا حَيْثُ أَرَادَ الْبَقَاءَ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَلَوْ لَمْ يُرِدْ فِعْلَ قُرْبَةٍ لَا إنْ كَانَ مُرَادُهُ نَقْضَ طَهَارَتِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يُعِدْ مَا بَعْدَهُ] سَوَاءٌ كَانَ التَّرْكُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا قَرُبَ أَوْ بَعُدَ وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ مَفْرُوضًا فِي النِّسْيَانِ وَالْقُرْبِ، وَقَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ رَدٌّ عَلَى ابْنِ حَبِيبٍ الْقَائِلِ بِفِعْلِهَا وَبِفِعْلِ
إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ تَطَاوَلَ) ذِكْرُ مَا نَسِيَهُ مِنْ سُنَنِ وُضُوئِهِ (فَعَلَ ذَلِكَ) الْمَنْسِيَّ فَقَطْ دُونَ مَا بَعْدَهُ (مَا يُسْتَقْبَلُ) مِنْ الصَّلَوَاتِ مِثْلَ أَنْ يَذْكُرَهُ بَعْدَ مَا صَلَّى الظُّهْرَ فَإِنَّهُ يَفْعَلُهُ لِلْعَصْرِ إنْ بَقِيَ عَلَى وُضُوئِهِ.
(وَ) إذَا صَلَّى بِالْوُضُوءِ الَّذِي نَسِيَ مِنْهُ سُنَّةً (لَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى) بِهِ (قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ) الْمَتْرُوكَ نِسْيَانًا؛ لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الطَّهَارَةِ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ سُنَنِ الْوُضُوءِ وَلَوْ كَانَتْ كُلُّهَا، وَكَذَلِكَ سُنَنُ الْغُسْلِ.
ج: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ مَا صَلَّى هُوَ كَذَلِكَ وَلَوْ كَانَ عَمْدًا فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ إلَّا أَنَّ قَوْلَ الشَّيْخِ وَإِنْ ذَكَرَ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ النَّاسِيَ، فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ طَرْدِيًّا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَبَيْنِ الصَّلَاةِ احْتِمَالُ وُجُوبِ سُنَنِهَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَضَعُفَ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ لِقَوْلِهِ: «تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَك اللَّهُ» . ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَعَمِّدِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَا يُعِيدُ النَّاسِي اتِّفَاقًا وَقَدْ عُلِمَ مِنْ هَذَا حُكْمِ السَّابِعِ وَالثَّامِنِ.
(وَمَنْ صَلَّى عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ مِنْ حَصِيرٍ) أَوْ غَيْرِهِ (وَبِمَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ) وَيُرْوَى مِنْهَا (نَجَاسَةٌ)
[حاشية العدوي]
مَا بَعْدَهَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْمَفْرُوضِ وَالْمَسْنُونِ سُنَّةٌ فَعَلَيْهِ يُعِيدُ مَا بَعْدَهُ كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ نَاجِي، إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَقَوْلُ الشَّارِحِ غَيْرُ وَاجِبٍ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مَنْدُوبٌ؛ لِأَنَّ عِبَارَتَهُ تَصْدُقُ بِالسُّنِّيَّةِ، مَعَ أَنَّ التَّرْتِيبَ إذَا كَانَ سُنَّةً يَقْتَضِي فِعْلَ مَا بَعْدُ أَيْضًا كَمَا عَلِمْت مِنْ كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ.
[قَوْلُهُ: فَعَلَ ذَلِكَ الْمَنْسِيَّ فَقَطْ] أَيْ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ كَمَا قَالَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ، وَقِيلَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ وَاسْتَظْهَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ الْأَوَّلَ.
[قَوْلُهُ: مِثْلَ أَنْ يَذْكُرَهُ] مِثَالٌ لِلطُّولِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَفْعَلُهُ لِلْعَصْرِ إلَخْ] أَيْ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ الْعَصْرَ فَإِنَّهُ يُسَنُّ فِي حَقِّهِ فِعْلُ السُّنَّةِ الْمَتْرُوكَةِ، وَمِثْلُ الصَّلَاةِ الطَّوَافُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهَارَةٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَعَ الْقُرْبِ يَفْعَلُ الْمَتْرُوكَ مِنْ السُّنَنِ حَيْثُ أَرَادَ الْبَقَاءَ عَلَى طَهَارَةٍ وَلَوْ لَمْ يُرِدْ الصَّلَاةَ وَلَا غَيْرَهَا، وَمَعَ الطُّولِ فَإِنَّمَا يُسَنُّ فِعْلُهُ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ أَوْ الطَّوَافَ، وَمُفَادُ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ أَنَّ الطُّولَ هُوَ أَنْ يُصَلِّيَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ وَعَدَمَهُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ بِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الْجَلَّابِ وَنَصُّهُ: وَمَنْ تَرَكَهُمَا أَيْ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ فِي وُضُوئِهِ ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ صَلَاتِهِ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَلَمْ يُعِدْ وُضُوءَهُ، وَإِنْ تَرَكَهُمَا حَتَّى صَلَّى فَعَلَهُمَا لِمَا يَسْتَقْبِلُ لِتَقَعَ الصَّلَاةُ الْمُسْتَقْبَلَةُ كَامِلَةَ السُّنَنِ وَالْفَرَائِضِ، اهـ وَكَلَامُ عَبْدِ الْبَاقِي عَلَى خَلِيلٍ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ عَمْدًا] وَأَمَّا لَوْ كَانَ نِسْيَانًا فَلَا إعَادَةَ اتِّفَاقًا [قَوْلُهُ: فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ] وَقِيلَ يُعِيدُ الْعَامِدُ فِي الْوَقْتِ وَالنَّاسِي لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَقِيلَ: يُعِيدُ الْعَامِدُ أَبَدًا خَرَّجَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى سُنَنِ الصَّلَاةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَذَا فِي نُسْخَةٍ اطَّلَعْت عَلَيْهَا مِنْ ابْنِ نَاجِي وَلَمْ أَرَ فِيهَا الْقَوْلَ الرَّابِعَ.
[قَوْلُهُ: فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا] أَيْ فَيَكُونُ قَائِلًا بِنَدْبِ الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ الرَّاجِحُ، وَقَوْلُهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ طَرْدِيًّا أَيْ لَا مَفْهُومَ لَهُ، فَيَكُونُ قَائِلًا بِعَدَمِ الْإِعَادَةِ رَأْسًا.
[قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ] أَيْ حَيْثُ جَرَى الْخِلَافُ الْقَوِيُّ فِي سُنَنِ الصَّلَاةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ سُنَّةً عَمْدًا مِنْ سُنَنِهَا فَقِيلَ بِالْبُطْلَانِ وَقِيلَ بِعَدَمِهِ.
[قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَوَضَّأَ كَمَا أَمَرَك اللَّهُ] أَيْ وَلَمْ يَأْمُرْ إلَّا بِأَرْبَعَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَعَمِّدِ إلَخْ] هَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: مِنْ هَذَا] أَيْ مِنْ ذِكْرِ الْعَامِدِ سَوَاءٌ طَالَ أَمْ لَا إلَّا أَنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ الْعَامِدَ فِي حَالَةِ الْقُرْبِ إنَّمَا يُعْلَمُ حُكْمُهُ بِطَرِيقِ الْمُقَايَسَةِ عَلَى النَّاسِي.
[قَوْلُهُ: حُكْمُ السَّابِعِ وَالثَّامِنِ] وَهُمَا تَرْكُ الْعَامِدِ طَالَ أَمْ لَا وَالْحَاصِلُ، أَنَّ كُلًّا مِنْ الْعَامِدِ وَالنَّاسِي يَفْعَلُهَا إذَا لَمْ يُصَلِّ فَإِذَا صَلَّى فَالْعَامِدُ يَفْعَلُهَا وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ وَأَمَّا النَّاسِي فَإِنَّهُ يَفْعَلُهَا لِمَا يَسْتَقْبِلُ.
تَتِمَّةٌ: تَرَكَ الْكَلَامَ عَلَى مَا إذَا نَكَسَ بِأَنْ قَدَّمَ الْيَدَيْنِ مَثَلًا عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُنَكَّسَ يُعَادُ وَحْدَهُ إنْ
سَوَاءٌ كَانَتْ رَطْبَةً أَوْ يَابِسَةً تَحَرَّكَتْ بِحَرَكَتِهِ أَوْ لَا (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لَا بُطْلَانَ صَلَاةٍ وَلَا إعَادَتَهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا خُوطِبَ بِطَهَارَةِ بُقْعَتِهِ.
ع: ظَاهِرُ كَلَامِهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ مَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْعِمَامَةِ يَكُونُ بِطَرْفِهَا الْمَسْدُولِ نَجَاسَةٌ فَإِنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلَةٌ بِاتِّفَاقٍ، وَهَذَا إنْ تَحَرَّكَتْ النَّجَاسَةُ وَعَلَى الْمَشْهُورِ إنْ لَمْ تَتَحَرَّكْ؛ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِلنَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الْحَصِيرِ.
(وَالْمَرِيضُ إذَا كَانَ) مُقِيمًا (عَلَى فِرَاشٍ نَجِسٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْسُطَ عَلَيْهِ ثَوْبًا طَاهِرًا كَثِيفًا وَيُصَلِّي عَلَيْهِ) وَلَوْ تَحَرَّكَ النَّجِسُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَشُرِطَ فِي الْحَائِلِ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا احْتِرَازًا مِنْ النَّجِسِ، وَأَنْ يَكُونَ كَثِيفًا أَيْ صَفِيقًا احْتِرَازًا مِنْ الْخَفِيفِ الَّذِي يَشِفُّ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الصَّحِيحَ لَا يُغْتَفَرُ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ.
وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عَامٌّ لِلْمَرِيضِ وَالصَّحِيحِ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ يُونُسَ وَصَرَّحَ ق بِمَشْهُورِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّجَاسَةِ حَائِلًا طَاهِرًا.
وَقَالَ ع: وَإِنَّمَا خَصَّ الْمَرِيضَ بِالذِّكْرِ لِلْغَالِبِ أَوْ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ.
(وَصَلَاةُ الْمَرِيضِ) الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ) فِيهَا لِقِرَاءَةِ جَمِيعِ الْفَاتِحَةِ لَا مُسْتَقِلًّا وَلَا مُسْتَنِدًا لِغَيْرِ جُنُبٍ أَوْ حَائِضٍ (صَلَّى جَالِسًا) فَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَجْلِسَ مُتَرَبِّعًا فِي مَوْضِعِ الْقِيَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ (إنْ
[حاشية العدوي]
بَعُدَ الْأَمْرُ وَالْبُعْدُ مُقَدَّرٌ بِجَفَافِ الْأَعْضَاءِ الْمُعْتَدِلَةِ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ الْمُعْتَدِلَيْنِ، فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْمُنَكَّسَ وَحْدَهُ مَرَّةً اسْتِنَانًا إنْ نَكَسَ سَهْوًا، وَإِلَّا أَعَادَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ أَبَدًا أَيْ نَدْبًا فِي الْوَقْتِ وَغَيْرِهِ كَمَا نَقَلَ الْمَوَّاقُ، وَأَمَّا مَعَ الْقُرْبِ بِأَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْمَاءِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا فَإِنَّهُ يُعِيدُ الْمُنَكَّسَ ثَلَاثًا اسْتِنَانًا مَعَ تَابِعِهِ شَرْعًا لَا فِعْلًا مَرَّةً مَرَّةً نَدْبًا.
[طَهَارَة مَحِلّ الصَّلَاة]
[قَوْلُهُ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ] وَلَوْ لَمَسَتْهَا ثِيَابُهُ وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْفَرْوَةِ الَّتِي بِبَاطِنِهَا نَجَاسَةٌ وَلَوْ جِلْدَ كَلْبٍ حَيْثُ كَانَ الشَّعْرُ سَاتِرًا لِلْجِلْدِ وَلَا نَجَاسَةَ بِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا فَرْقَ] كَأَنَّهُ يَقُولُ ظَاهِرُ كَلَامِهِ كَذَا وَهَذَا الظَّاهِرُ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ إذْ لَا فَرْقَ إلَى آخِرِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا ابْتِدَاءً لَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ وَيَجُوزُ مَثَلًا.
[قَوْلُهُ: فَلَا بَأْسَ] أَيْ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ قَالَهُ تت.
[قَوْلُهُ: ثَوْبًا طَاهِرًا] غَيْرَ حَرِيرٍ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ غَيْرَهُ، وَيُشْتَرَطُ فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُفْرَشُ أَنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا عَنْ الْمُصَلِّي وَإِلَّا بَطَلَتْ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْخَفِيفِ الَّذِي يَشِفُّ] الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ يَشِفُّ بِحَيْثُ تَبْدُو النَّجَاسَةُ بِدُونِ تَأَمُّلٍ عَلَى قِيَاسِ مَا قِيلَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ بَلْ هَذَا أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ عَامٌّ لِلْمَرِيضِ وَالصَّحِيحِ] أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ أَيْ وَلَا كَرَاهَةَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا كَمَا فِي عج خِلَافًا لتت.
[صَلَاة الْمَرِيض]
[قَوْلُهُ: الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ] أَيْ الْمُقَابِلَةُ لِلسُّنَّةِ فَيَدْخُلُ فِيهَا النَّفَلُ الْمَنْذُورُ فِيهِ الْقِيَامُ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِفَرْضِيَّتِهِمَا.
[قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ] بِأَنْ عَجَزَ عَنْهُ جُمْلَةً أَوْ تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ إذَا كَانَ مَرِيضًا، وَمُلَخَّصُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ جُمْلَةً أَوْ يَخَافُ بِهِ مَرَضًا أَوْ زِيَادَتَهُ أَوْ تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ الشَّدِيدَةُ بِشَرْطِ كَوْنِهِ مَرِيضًا لَا إنْ كَانَ صَحِيحًا، فَلَا تَكُونُ الْمَشَقَّةُ الْمَذْكُورَةُ مُبِيحَةً لَهُ تَرْكَ الْقِيَامِ تَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ جَالِسًا، وَاعْلَمْ أَنَّ وُجُوبَ الْقِيَامِ اسْتِقْلَالًا إنَّمَا هُوَ فِي حَالِ فِعْلِ الْفَرْضِ كَالرُّكُوعِ وَالْإِحْرَامِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى غَيْرِ الْمَأْمُومِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَلَا، فَإِذَا اسْتَنَدَ الْمَأْمُومُ فِي حَالِ قِرَاءَتِهَا لِعِمَادٍ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ الْعِمَادُ لَسَقَطَ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ كَحَالِ قِرَاءَةِ السُّورَةِ مُطْلَقًا، أَيْ فَذًّا أَوْ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا كَمَا قَرَّرَهُ مَنْ يُدْرِكُ وَلَا تَلْتَفِتُ لِمَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ وَاغْتَرَّ بِظَاهِرِ عِبَارَةِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ، وَالِاسْتِنَادُ فِي نَحْوِ الرُّكُوعِ مُبْطِلٌ حَيْثُ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ لَا عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ فَتَبْطُلُ الرَّكْعَةُ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: لِغَيْرِ جُنُبٍ أَوْ حَائِضٍ] فَإِنْ اسْتَنَدَ لِأَحَدِهِمَا مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِمَا صَحَّتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَالْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ وَهُوَ الضَّرُورِيُّ فِي الصُّبْحِ وَالْعِشَاءَيْنِ، وَالِاخْتِيَارِيُّ فِي الْعَصْرِ وَالِاخْتِيَارِيُّ وَبَعْضُ الضَّرُورِيِّ فِي الظُّهْرِ، وَحَاصِلُهُ أَنْ تَقُولَ وَلِلِاصْفِرَارِ فِي الظُّهْرَيْنِ وَهَذَا الصَّوَابُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ الضَّرُورِيُّ وَأَطْلَقَ.
تَنْبِيهٌ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لِغَيْرِ جُنُبٍ أَوْ حَائِضٍ، أَيْ جُنُبٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مَحْرَمٍ أَوْ حَائِضٍ مَحْرَمٍ، وَأَمَّا غَيْرُ مَحْرَمٍ فَلَا يَصِحُّ
قَدَرَ عَلَى التَّرَبُّعِ) لِيُنْبِئَ جُلُوسُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَنْ الْبَدَلِيَّةِ عَنْ الْقِيَامِ، وَقِيلَ: يَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ وَاخْتَارَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُغَيِّرُ جِلْسَتِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بِأَنْ يَثْنِيَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَيَجْعَلَ بُطُونَ أَصَابِعِهَا إلَى الْأَرْضِ كَمَا فِي التَّشَهُّدِ، وَكَذَا الْأَفْضَلِ فِي حَقِّ الْمُتَنَفِّلِ جَالِسًا التَّرَبُّعُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ذَلِكَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ الْمَرِيضُ الَّذِي فَرْضُهُ الْجُلُوسُ عَلَى التَّرَبُّعِ (فَ) أَنَّهُ يَجْلِسُ (بِقَدْرِ طَاقَتِهِ) مِنْ الْجُلُوسِ (وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) الْمَرِيضُ الَّذِي فَرْضُهُ الْجُلُوسُ (عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) أَيْضًا (فَلْيُومِئْ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) بِرَأْسِهِ وَظَهْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ بِظَهْرِهِ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ بِرَأْسِهِ أَوْمَأَ بِمَا يَسْتَطِيعُ وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ إذَا أَوْمَأَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ مِنْهُ رَفَعَهُمَا عَنْهُمَا، وَإِذَا أَوْمَأَ لِلسُّجُودِ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَإِذَا رَفَعَ مِنْهُ
[حاشية العدوي]
وَلَوْ غَيْرَ جُنُبٍ وَحَائِضٍ حَيْثُ تَحَقَّقَ حُصُولُ لَذَّةٍ، أَوْ اشْتِغَالُ مَقْصِدٍ لِلصَّلَاةِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ سِوَاهَا فَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمُ ذَلِكَ أَوْ شَكَّ اسْتَنَدَ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهَا حَيْثُ لَا حَيْضَ وَلَا جَنَابَةَ وَإِلَّا كُرِهَ.
[قَوْلُهُ: فَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إمَامًا لَا لِأَصِحَّاءٍ وَلَا لِمَرْضَى وَلَوْ لِمِثْلِهِ، هَكَذَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ ضَعِيفٌ، إذْ الْمُعْتَمَدُ صِحَّةُ إمَامَتِهِ لِمِثْلِهِ.
[قَوْلُهُ: وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَجْلِسَ مُتَرَبِّعًا] أَيْ يُنْدَبُ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى الْأَوَّلِ يُغَيِّرُ جِلْسَتَهُ] أَيْ نَدْبًا وَكَذَا يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يُغَيِّرَهَا فِي حَالِ السُّجُودِ، وَفِي حَالِ التَّشَهُّدِ لِكَوْنِ الْأُولَى سُنَّةً وَالثَّانِي مَنْدُوبٌ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ الْمَرِيضُ الَّذِي فَرْضُهُ الْجُلُوسُ عَلَى التَّرَبُّعِ] بِأَنْ عَجَزَ عَنْهُ جُمْلَةً أَوْ يَلْحَقُهُ بِالتَّرَبُّعِ الْمَشَقَّةُ الْفَادِحَةُ.
[قَوْلُهُ: يَجْلِسُ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ] وَيَسْتَنِدُ لِغَيْرِ جُنُبٍ وَحَائِضٍ وَلَهُمَا أَعَادَ بِوَقْتٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ التَّرَبُّعِ وَالْجُلُوسِ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ مَنْدُوبٌ لَا وَاجِبٌ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ الْمَرِيضُ الَّذِي فَرْضُهُ الْجُلُوسُ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَيْضًا] بِأَنْ عَجَزَ عَنْهُ جُمْلَةً أَوْ تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ الشَّدِيدَةُ.
[قَوْلُهُ: فَلْيُومِئْ بِالرُّكُوعِ] أَيْ فَلْيُشِرْ لِلرُّكُوعِ فَالْبَاءُ بِمَعْنَى اللَّامِ.
[قَوْلُهُ: بِرَأْسِهِ وَظَهْرِهِ] أَيْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِيمَاءِ بِهِمَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْإِيمَاءِ بِهِمَا وَلَا يُطْلَبُ بِأَزْيَدَ، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوُسْعُ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ بِظَهْرِهِ] أَيْ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِيمَاءِ بِهِمَا وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَقِيَتْ صُورَةٌ وَهِيَ إذَا عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ وَقَدَرَ عَلَى الْإِيمَاءِ بِظَهْرِهِ، وَتَرَكَهَا الشَّارِحُ لِعَدَمِ إمْكَانِهَا عَادَةً وَإِنْ اقْتَضَتْهَا الْقِسْمَةُ الْعَقْلِيَّةُ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ بِرَأْسِهِ] أَيْ وَيَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْقُدْرَةِ بِظَهْرِهِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا.
[قَوْلُهُ: وَأَوْمَأَ بِمَا يَسْتَطِيعُ] قَضِيَّتُهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْحَاجِبِ وَالْعَيْنِ وَالْأُصْبُعِ وَغَيْرِهِمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ بَعْدَ الرَّأْسِ الْحَاجِبَ وَالْعَيْنَ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَبِإِصْبَعِهِ قِيَاسًا عَلَى مَا ذَكَرُوا فِي الْمُصَلِّي مِنْ اضْطِجَاعٍ، وَاسْتَظْهَرَهُ عج أَنَّ التَّرْتِيبَ فِيمَا ذَكَرَ وَاجِبٌ، فَإِنْ قُلْت: لِمَ قَدَّمَ مَرْتَبَةَ الْعَيْنِ أَوْ الْحَاجِبِ عَلَى الْأُصْبُعِ أَقْوَى قُلْت: لَعَلَّهُ؛ لِأَنَّ حَرَكَةَ الْحَاجِبِ وَالْعَيْنِ لَمَّا كَانَا مِنْ الرَّأْسِ أَوْ قَرِيبَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ الَّتِي لَهَا دَخْلٌ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ قُدِّمَا عَلَى الْأُصْبُعِ الَّذِي لَا دَخْلَ لِلْيَدِ الَّتِي هُوَ مِنْهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
[قَوْلُهُ: وَيَضَعُ يَدَيْهِ] اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أَوْمَأَ لِلرُّكُوعِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قِيَامٍ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ مِنْ قِيَامٍ فَلْيَمُدَّ يَدَيْهِ مُشِيرًا بِهِمَا إلَى رُكْبَتَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جُلُوسٍ أَيْ الَّذِي كَلَامُنَا فِيهِ فَيَضَعُهُمَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَاسْتَظْهَرَ عج الْوُجُوبَ فِيهِمَا، وَأَمَّا الْمُومِئُ لِلسُّجُودِ فَلَا يَخْلُو أَيْضًا إمَّا أَنْ يُومِئَ إلَيْهِ مِنْ قِيَامٍ أَوْ جُلُوسٍ، أَيْ الَّذِي كَلَامُنَا فِيهِ فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ.
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إنْ أَوْمَأَ مِنْ قِيَامٍ يُومِئُ بِيَدِهِ إلَى الْأَرْضِ وَإِنْ أَوْمَأَ لَهُ مِنْ جُلُوسٍ يَضَعُهُمَا عَلَى الْأَرْضِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ الْإِيمَاءِ بِالْيَدَيْنِ إذَا أَوْمَأَ مِنْ قِيَامٍ وَالْوَضْعُ عَلَى الْأَرْضِ إذَا أَوْمَأَ مِنْ الْجُلُوسِ، الْوُجُوبُ عَلَى قِيَاسِ مَا قَالَ عج فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي لَا يَفْعَلُ بِهِمَا شَيْئًا إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَإِذَا أَوْمَأَ إلَخْ مُرُورٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِأَرْجَحِيَّتِهِ عِنْدَهُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ:
وَضَعَهُمَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ (وَيَكُونُ سُجُودُهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ) اسْتِحْبَابًا ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيُكْرَهُ لَهُ رَفْعُ شَيْءٍ يَسْجُدُ عَلَيْهِ فَإِنْ فَعَلَ جَهْلًا لَمْ يُعِدْ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ (وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) الْمَرِيضُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا اسْتِقْلَالًا وَلَا مُسْتَنِدًا وَلَا مُتَرَبِّعًا وَلَا غَيْرَ مُتَرَبِّعٍ (صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ إيمَاءً) وَيَجْعَلُ وَجْهَهُ إلَى الْقِبْلَةِ كَمَا يُوضَعُ فِي لَحْدِهِ (وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) أَنْ يُصَلِّيَ (إلَّا مُسْتَلْقِيًا عَلَى ظَهْرِهِ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا عَلَى ظَهْرِهِ إيمَاءً وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ.
(وَلَا يُؤَخِّرُ) الْمُكَلَّفُ بِمَعْنَى لَا يَتْرُكُ (الصَّلَاةَ إذَا كَانَ فِي عَقْلِهِ وَلْيُصَلِّهَا بِقَدْرِ مَا يُطِيقُ) مِنْ قِيَامٍ وَجُلُوسٍ وَإِيمَاءٍ وَاضْطِجَاعٍ وَنَحْوِ مَا قَالَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ وَيُصَلِّي الْمَرِيضُ عَلَى قَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ، وَفِيهَا أَيْضًا يُومِئُ بِرَأْسِهِ وَلَا يَدْعُ الْإِيمَاءَ وَإِنْ كَانَ مُضْطَجِعًا وَمَعَهُ شَيْءٌ مِنْ عَقْلِهِ.
[حاشية العدوي]
وَيَكُونُ سُجُودُهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ] أَيْ يَكُونُ إيمَاؤُهُ لِلسُّجُودِ أَخْفَضَ مِنْ إيمَائِهِ لِلرُّكُوعِ اسْتِحْبَابًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ وُجُوبًا وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنَّفِ وَالْمُدَوَّنَةِ وَمَفْهُومٌ أَيْضًا مِنْ عِبَارَةِ بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ، فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ بِالِاسْتِحْبَابِ يَكُونُ ضَعِيفًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَوْنِ السُّجُودِ أَخْفَضَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوُسْعُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ فَعَلَ جَهْلًا لَمْ يُعِدْ] قَالَ الْبِسَاطِيُّ مَفْهُومُهُ لَوْ فَعَلَهُ عَمْدًا لَأَعَادَ انْتَهَى بِالْمَعْنَى، وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضٍ وَلَوْ عَمْدًا وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا نَوَى بِإِيمَائِهِ الْأَرْضَ فَإِنْ نَوَى بِهِ مَا رُفِعَ دُونَ الْأَرْضِ لَمْ يُجْزِهِ كَمَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ.
[قَوْلُهُ صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ] أَيْ نَدْبًا فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ فَعَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ أَيْضًا [قَوْلُهُ: فَعَلَ ذَلِكَ] بِأَنْ يَجْعَلَ وَجْهَهُ إلَى السَّمَاءِ وَرِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الظَّهْرِ صَلَّى مُضْطَجِعًا عَلَى بَطْنِهِ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَرِجْلَاهُ فِي دُبُرِهَا، وَحُكْمُ الِاسْتِقْبَالِ فِي تِلْكَ الْحَالَاتِ الْوُجُوبُ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَلَوْ صَلَّى لِغَيْرِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ بَطَلَتْ وَالْقُدْرَةُ تَكُونُ بِوُجُودِ مَنْ يُحَوِّلُهُ، فَلَوْ وَجَدَ مَنْ يُحَوِّلُهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ يُنْدَبُ لَهُ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْقِيَامِ اسْتِقْلَالًا وَاسْتِنَادًا وَاجِبٌ وَبَيْنَ الْقِيَامِ اسْتِنَادًا مَعَ الْجُلُوسِ اسْتِقْلَالًا مَنْدُوبٌ، وَبَيْنَ الْجُلُوسَيْنِ وَاجِبٌ كَالتَّرْتِيبِ بَيْنَ الْجُلُوسِ مُسْتَنِدًا وَبَيْنَ الِاضْطِجَاعِ بِحَالَتَيْهِ، وَالظَّهْرُ وَالتَّرْتِيبُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ النَّدْبُ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الِاضْطِجَاعِ عَلَى الْبَطْنِ الْوُجُوبُ، وَالْمُصَلِّي مِنْ اضْطِجَاعٍ يُومِئُ بِرَأْسِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ أَوْمَأَ بِعَيْنِهِ وَحَاجِبَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِأُصْبُعِهِ وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ عج: أَنَّ تَرْتِيبَ الْإِيمَاءِ بِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَاجِبٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ قَالَ عج، وَانْظُرْ أَيَّ أُصْبُعٍ هَلْ هُوَ السَّبَّابَةُ أَوْ غَيْرُهَا أَوْ يَكْفِي، أَيُّ أُصْبُعٍ مِنْ الْيَدِ وَهَلْ الْيُمْنَى أَوْ الْيُسْرَى.
قَوْلُهُ: وَإِيمَاءٌ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِيمَاءَ مُقَابِلٌ لِلْجُلُوسِ وَالِاضْطِجَاعِ مَعَ أَنَّهُ مُصَاحِبٌ لَهُمَا.
[قَوْلُهُ: وَيُصَلِّي الْمَرِيضُ عَلَى مَا يَسْتَطِيعُ] أَيْ وَلَوْ بِنِيَّةِ أَفْعَالِهَا إنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِيمَاءِ بِطَرْفٍ أَوْ غَيْرِهِ وَصِفَةُ الْإِتْيَانِ بِهَا أَنْ يَقْصِدَ أَرْكَانَهَا بِقَلْبِهِ بِأَنْ يَنْوِيَ الْإِحْرَامَ وَالْقِرَاءَةَ وَالرُّكُوعَ وَالرَّفْعَ وَالسُّجُودَ وَهَكَذَا.
تَنْبِيهٌ: لَوْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِبَعْضِ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ أَوْ أَفْعَالِهَا إلَّا بِالتَّلْقِينِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ اتِّخَاذُ مَنْ يُلَقِّنُهُ، وَلَوْ بِأُجْرَةٍ وَلَوْ زَادَتْ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُهُ فِي ثَمَنِ الْمَاءِ، فَيَقُولُ لَهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ لِلصَّلَاةِ قُلْ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَهَكَذَا وَيَقُولُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ افْعَلْ هَكَذَا إشَارَةً إلَى الرُّكُوعِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مُضْطَجِعًا] مُبَالَغَةٌ فِي قَوْلِهِ وَلَا يَدَعُ الْإِيمَاءَ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ كَوْنِ الْمُضْطَجِعِ لَا يُطْلَبُ مِنْهُ الْإِيمَاءُ، وَلَعَلَّ الْقَصْدَ وَلَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ بِالْإِيمَاءِ وَلَوْ كَانَ مُضْطَجِعًا، وَالْحَالُ أَنَّ مَعَهُ شَيْئًا مِنْ عَقْلِهِ وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ قَوْلِهِ وَيُصَلِّي الْمَرِيضُ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ مَعَهُ شَيْءٌ إلَخْ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ الْعِبَارَةِ، وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ وَيُصَلِّي مَنْ لَا
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ مَا ذَكَرَ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ أَنَّ فِي بَابِ جَامِعِ الصَّلَاةِ شَيْئًا مِنْ مَسَائِلِ التَّيَمُّمِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) الْمُخَاطَبُ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ (عَلَى مَسِّ الْمَاءِ لِضَرَرٍ بِهِ أَوْ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ) الْمَرِيضُ (مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ) أَيْ الْمَاءَ (تَيَمَّمَ) أَيْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمَرِيضُ (مَنْ يُنَاوِلُهُ تُرَابًا تَيَمَّمَ بِالْحَائِطِ إلَى جَانِبِهِ إنْ كَانَ طِينًا) أَيْ بُنِيَ بِالطِّينِ (أَوْ) بُنِيَ بِغَيْرِ طِينٍ وَلَكِنْ رُكِّبَ (عَلَيْهِ طِينٌ) وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَشْيَاءُ: أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ بِالتُّرَابِ الْمَنْقُولِ، وَأَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ بِالْحَائِطِ إلَّا مَعَ عَدَمِ التُّرَابِ، وَأَنَّ الْحَائِطَ إذَا لَمْ يَكُنْ طِينًا وَلَا عَلَيْهِ طِينٌ لَا يَتَيَمَّمُ بِهِ، وَالْمَشْهُورُ جَوَازُ تَيَمُّمِ الْمَرِيضِ فَقَطْ عَلَى الْحَائِطِ وَالْحَجَرِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ زِيَادَةً لِلْإِيضَاحِ فَقَالَ: (فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ) أَيْ الْحَائِطِ الَّتِي بِجَنْبِهِ (جِصٌّ) أَيْ جِبْسٌ (أَوْ جِيرٌ فَلَا يَتَيَمَّمُ بِهِ) أَيْ عَلَيْهِ لِدُخُولِ الصَّنْعَةِ فِي ذَلِكَ، وَفِي شَرْحِ الْغَرِيبِ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ قَوْلُهُ: جِبْسٌ صَوَابُهُ جِصٌّ، وَقَوْلُهُ: جِيرٌ صَوَابُهُ جِيَارٌ ذَكَرَهُ الزَّبِيدِيُّ فِي لَحْنِ الْعَامَّةِ انْتَهَى.
(وَالْمُسَافِرُ) الرَّاكِبُ (يَأْخُذُهُ) أَيْ يَضِيقُ عَلَيْهِ (الْوَقْتُ) الْمُخْتَارُ حَالَةَ كَوْنِهِ سَائِرًا (فِي طِينٍ خَضْخَاضٍ) وَهُوَ مَا يَخْتَلِطُ بِتُرَابٍ حَتَّى يَصِيرَ جَالِسًا، وَيَئِسَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ يَسْتَطِيعُ النُّزُولَ بِهِ لَكِنَّهُ (لَا يَجِدُ أَيْنَ يُصَلَّى) لِأَجْلِ تَلَطُّخِ ثِيَابِهِ (فَلْيَنْزِلْ عَنْ دَابَّتِهِ وَيُصَلِّي فِيهِ قَائِمًا يُومِئُ) بِالرُّكُوعِ وَبِالسُّجُودِ وَيَكُونُ إيمَاؤُهُ (بِالسُّجُودِ أَخْفَضَ مِنْ إيمَائِهِ بِالرُّكُوعِ) وَإِذَا أَوْمَأَ
[حاشية العدوي]
يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ مُتَرَبِّعًا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَعَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ مِنْ جُلُوسٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَعَلَى جَنْبِهِ أَوْ ظَهْرِهِ وَيَجْعَلُ رِجْلَيْهِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ وَيُومِئُ بِرَأْسِهِ وَلَا يَدَعُ الْإِيمَاءَ وَإِنْ كَانَ مُضْطَجِعًا انْتَهَى، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الَّذِي أَلْجَأَ إلَى التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ وَلَا يَدَعُ الْإِيمَاءَ قَوْلُ الشَّارِحِ وَمَعَهُ شَيْءٌ مِنْ عَقْلِهِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ شَيْءٍ مِنْ الْعَقْلِ مُوجِبٌ لِلصَّلَاةِ وَلَوْ بِالْإِيمَاءِ لَا الْإِيمَاءِ وَحْدَهُ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ تَبْقَى الْعِبَارَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا بِالنَّظَرِ لِعِبَارَةِ الْمُدَوَّنَةِ الْخَالِيَةِ مِنْ تِلْكَ الْجُمْلَةِ.
[لَمْ يَقْدِرْ الْمُخَاطَبُ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ لِضَرَرٍ بِهِ]
[قَوْلُهُ: أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ بِالتُّرَابِ الْمَنْقُولِ] أَيْ حَيْثُ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ نَاوَلَهُ تُرَابًا فَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ مَنْ يُنَاوِلُهُ تُرَابًا تَيَمَّمَ لِذَلِكَ التُّرَابِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ النَّقْلَ عَلَى كَلَامِهِ نَقْلُهُ مِنْ مَحَلٍّ إلَى آخَرَ لَا جَعْلُ حَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ، مَعَ أَنَّ الْخِلَافَ الْمُقَرَّرَ عِنْدَهُمْ فِي التُّرَابِ الْمَنْقُولِ، إنَّمَا هُوَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ شُرَّاحِ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ بِالْحَائِطِ إلَّا مَعَ عَدَمِ التُّرَابِ] أَيْ وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ وَالْمَذْهَبُ جَوَازُ التَّيَمُّمِ بِالْحَائِطِ مَعَ وُجُودِ التُّرَابِ لَكِنْ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ لَا يَتَيَمَّمَ بِهِ إلَّا مَعَ عَدَمِ التُّرَابِ.
قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ كَتُرَابٍ وَهُوَ الْأَفْضَلُ.
[قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَكُنْ طِينًا] أَيْ وَأَمَّا لَوْ كَانَ طِينًا أَوْ عَلَيْهِ طِينٌ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ بِهِ، هَذَا مَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِنَجَسٍ كَثِيرٍ، وَأَمَّا إنْ خُلِطَ بِهِ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَتَيَمَّمُ عَلَى نَجَاسَةٍ وَإِنْ خُلِطَ بِطَاهِرٍ كَتِبْنٍ، فَإِنْ كَانَ الْخَلْطُ بِالطَّاهِرِ أَغْلَبَ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ كَمَا فِي بَعْضِ شُرُوحِ خَلِيلٍ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ التِّبْنُ مُسَاوِيًا أَوْ أَقَلَّ أَنَّهُ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى ضَابِطِ الْكَثِيرِ مِنْ النَّجِسِ وَهَلْ يُقَالُ بِالْعُرْفِ فَلْيُحَرَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ جَوَازُ تَيَمُّمِ إلَخْ] وَكَذَا الصَّحِيحُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَى الْحَائِطِ اللَّبِنِ وَالْحَائِطِ الْحَجَرِ لِلْمَرِيضِ وَالصَّحِيحِ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ التُّرَابِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِهِ حَائِلٌ يَمْنَعُ مِنْ مُبَاشَرَتِهِ.
[قَوْلُهُ: جِبْسٌ صَوَابُهُ جِصٌّ] النُّسْخَةُ الَّتِي وَقَعَتْ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ جِبْسٌ لَا جِصٌّ وَاَلَّذِي فِي التَّتَّائِيِّ وَالْفَاكِهَانِيِّ جِصٌّ فَهِيَ الصَّوَابُ.
[قَوْلُهُ: ذَكَرَهُ الزَّبِيدِيُّ] بِفَتْحِ الزَّايِ
[كَيْفِيَّة صَلَاة الْمُسَافِر عَلَيَّ الدَّابَّة]
[قَوْلُهُ: وَالْمُسَافِرُ إلَخْ] لَا مَفْهُومَ لِلْمُسَافِرِ وَلَا لِلرَّاكِبِ.
[قَوْلُهُ: الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ] كَذَا رَأَيْته فِي شَرْحِ تت وَبَعْضِ شُرَّاحِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ، وَالْأَحْسَنُ الْوَقْتُ الَّذِي هُوَ فِيهِ اخْتِيَارِيًّا أَوْ ضَرُورِيًّا.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا يَخْتَلِطُ بِتُرَابٍ إلَخْ] فِي كَبِيرِ الْخَرَشِيِّ وَمِثْلُ الْخَضْخَاضِ الْمَاءُ وَحْدَهُ فِي النُّزُولِ وَعَدَمِهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: حَتَّى يَصِيرَ جَالِسًا] الْأَوْلَى مَا قَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الطِّينُ الرَّقِيقُ، [قَوْلُهُ: لِأَجْلِ تَلَطُّخِ ثِيَابِهِ] أَيْ أَوْ لِأَجْلِ الْغَرَقِ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى.
[قَوْلُهُ: يُومِئُ بِالرُّكُوعِ] أَيْ لِلرُّكُوعِ إلَخْ، لَكِنَّ مَحَلَّ إيمَائِهِ لِلرُّكُوعِ إذَا كَانَ الْخَضْخَاضُ آخِذًا لَهُ لِصَدْرِهِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ آخِذًا لِرُكْبَتَيْهِ
لِلرُّكُوعِ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَفَعَهُمَا عَنْهُمَا إذَا أَوْمَأَ لِلسُّجُودِ أَوْمَأَ بِيَدَيْهِ إلَى الْأَرْضِ وَيَنْوِي الْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَائِمًا وَكَذَلِكَ جُلُوسُ التَّشَهُّدِ إنَّمَا يَكُونُ قَائِمًا، وَاحْتُرِزَ بِالْخَضْخَاضِ مِنْ الْيَابِسِ فَإِنَّهُ يَنْزِلُ وَيُصَلِّي فِيهِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ وَقَوْلُنَا: يَئِسَ إلَخْ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا وَهُوَ يَسْتَطِيعُ النُّزُولَ فِيهِ لِقَوْلِهِ: (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِ) أَيْ الْخَضْخَاضِ لِخَوْفِ الْغَرَقِ (صَلَّى عَلَى دَابَّتِهِ إلَى الْقِبْلَةِ) بَعْدَ أَنْ تُوقَفَ لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ طِينٌ وَخَافَ أَنْ يَنْزِلَ مِنْ اللُّصُوصِ أَوْ السِّبَاعِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إلَى الْأَرْضِ وَيَرْفَعُ عِمَامَتَهُ عَنْ جَبْهَتِهِ إذَا أَوْمَأَ لِلسُّجُودِ، وَلَا يَسْجُدُ عَلَى سَرْجِ الدَّابَّةِ وَلَا غَيْرِهِ، وَيَكُونُ جُلُوسُهُ مُتَرَبِّعًا إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَحُكْمُ الْحَاضِرِ يَأْخُذُهُ الْوَقْتُ فِي طِينٍ
[حاشية العدوي]
مَثَلًا بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَرْكَعُ بِالْفِعْلِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ وَيَكُونُ إيمَاؤُهُ بِالسُّجُودِ، أَيْ عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ كَمَا قَرَرْنَا أَوْ النَّدْبِ كَمَا قَرَّرَ هُوَ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا أَوْمَأَ لِلسُّجُودِ أَوْمَأَ بِيَدَيْهِ] أَيْ عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ عَلَى الْيَدَيْنِ سُنَّةٌ.
[قَوْلُهُ: وَيَنْوِي الْجُلُوسَ إلَخْ] أَيْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ بِالنِّيَّةِ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ بَلْ مِثْلُهُ الْجُلُوسُ فِي حَالِ الْإِيمَاءِ لِلسُّجُودِ وَفِي حَالِ التَّشَهُّدِ وَقَوْلُهُ وَكَذَلِكَ إلَخْ إخْبَارٌ بِمَعْلُومٍ، فَلَوْ قَالَ وَكَذَا يَنْوِي الْجُلُوسَ لِلتَّشَهُّدِ لَكَانَ أَفْضَلَ، وَتَعْبِيرُهُ بِالْفِعْلِ يُفِيدُ أَنَّ تِلْكَ النِّيَّةَ وَاجِبَةٌ، وَمَا قَالَهُ مِنْ كَوْنِهِ يَنْوِي نَقْلَهُ فِي التَّحْقِيقِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَنَقَلَ عَنْ الْأَقْفَهْسِيِّ أَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ جُلُوسِهِ وَقِيَامِهِ بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّ جُلُوسَهُ وَقِيَامَهُ سَوَاءٌ اهـ.
أَيْ لَا يُطَالَبُ بِالتَّفْرِيقِ وَهُوَ الظَّاهِرُ [قَوْلُهُ: وَقَوْلُنَا يَئِسَ إلَخْ] أَرَادَ بِالْيَأْسِ غَلَبَةُ الظَّنِّ كَمَا يُقَيِّدُهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَيَبْقَى عَلَيْهِ مَا لَوْ شَكَّ وَحُكْمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ إيمَاءً وَسَطَ الْوَقْتِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ.
[قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِمَّا إذَا تَيَقَّنَ] أَرَادَ بِهِ غَلَبَةَ الظَّنِّ أَيْضًا وَهَلْ الظَّنُّ كَغَلَبَتِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ] ظَاهِرُهُ وُجُوبًا وَفِي عج أَنَّهُ مَنْدُوبٌ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَإِنْ كَانَ عج بَعْدَ ذَلِكَ يَرْتَضِي أَنَّ التَّأْخِيرَ وَاجِبٌ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ عِبَارَتِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا مَا يَأْتِي فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَكَذَا مَا نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لِخَوْفِ الْغَرَقِ إلَخْ] احْتِرَازًا مِنْ خَوْفِ تَلَطُّخِ الثِّيَابِ فَقَطْ فَلَا يُبِيحُ الصَّلَاةَ عَلَى الدَّابَّةِ، فَقَدْ قَالَ عج خَشْيَةُ تَلَطُّخِ الثِّيَابِ لَا تُوجِبُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ.
وَإِنَّمَا تُبِيحُ الصَّلَاةَ إيمَاءً بِالْأَرْضِ اهـ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ أَنْ تُوقَفَ لَهُ] قَالَ الزَّرْقَانِيُّ عَلَى خَلِيلٍ وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهَا سَائِرَةً، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وُقُوفُهَا صَلَّى عَلَيْهَا سَائِرَةً كَصَلَاةِ الْمُسَايَفِ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: اللُّصُوصِ أَوْ السِّبَاعِ إلَخْ] قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ مَا مُحَصَّلُهُ إنْ رَجَا زَوَالَ خَوْفٍ كَالسَّبُعِ قَبْلَ خُرُوجِ آخِرِ الصَّلَاةِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ اسْتِحْبَابًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَرْجُو ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ صَلَّى أَوَّلَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى شَكٍّ فِي ذَلِكَ صَلَّى وَسَطَ الْوَقْتِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ] أَيْ إلَى الْقِبْلَةِ بَعْدَ أَنْ تُوقَفَ لَهُ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ، وَكَذَلِكَ إلَخْ، فَلَوْ تَعَذَّرَ التَّوَجُّهُ إلَيْهَا فَيُصَلِّي لِغَيْرِهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْخَرَشِيُّ عَلَى خَلِيلٍ، وَقَوْلُهُ بِالرُّكُوعِ أَيْ إلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَمَحَلُّ الْإِيمَاءِ لِلرُّكُوعِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، وَإِلَّا رَكَعَ كَمَا ذَكَرَهُ عج - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
[قَوْلُهُ: وَيَرْفَعُ عِمَامَتَهُ عَنْ جَبْهَتِهِ] أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ عِمَامَتَهُ عَنْ جَبْهَتِهِ اتِّفَاقًا كَمَا يَفْعَلُ السَّاجِدُ غَيْرُ الْمُومِئِ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا كَالطَّاقَةِ وَالطَّاقَتَيْنِ فَيُكْرَهُ فَقَطْ كَمَا ذَكَرُوا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَسْجُدُ عَلَى سَرْجِ الدَّابَّةِ إلَخْ] فَلَوْ سَجَدَ وَاكْتَفَى بِهِ فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَوْ تَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ بِجَبْهَتِهِ قُرُوحٌ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: وَيَكُونُ جُلُوسُهُ مُتَرَبِّعًا] أَيْ يُنْدَبُ لَهُ ذَلِكَ وَفِي شَرْحِ عج عَلَى خَلِيلٍ فِي قَوْلِهِ إلَّا إلَخْ مَا نَصُّهُ: اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إلَّا إلَخْ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ لَا يُصَلِّي عَلَى الدَّابَّةِ إلَّا إيمَاءً أَوْ يَقْدِرُ أَنْ يُصَلِّيَ رَاكِعًا سَاجِدًا غَيْرَ قَائِمٍ، أَمَّا مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهَا قَائِمًا رَاكِعًا وَسَاجِدًا فَإِنَّ صَلَاةَ الْفَرْضِ عَلَيْهَا صَحِيحَةٌ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا وَلَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي النُّزُولِ كَمَا يُفِيدُهُ
خَضْخَاضٍ حُكْمُ الْمُسَافِرِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْمُسَافِرِ؛ لِأَنَّ الْخَضْخَاضَ غَالِبًا إنَّمَا يَكُونُ فِي السَّفَرِ.
(وَ) يَجُوزُ (لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَتَنَفَّلَ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَفَرِهِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ) دَابَّتُهُ، ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ أَحْرَمَ إلَى الْقِبْلَةِ أَمْ لَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا جَوَازُهُ لَيْلًا وَنَهَارًا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَيَكُونُ فِي جُلُوسِهِ مُتَرَبِّعًا إنْ أَمْكَنَهُ وَيَرْفَعُ الْعِمَامَةَ عَنْ وَجْهِهِ فِي السُّجُودِ، وَلَهُ ضَرْبُ الدَّابَّةِ فِي الصَّلَاةِ وَرَكْضُهَا وَضَرْبُ غَيْرِهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَلْتَفِتُ، وَاحْتُرِزَ بِالْمُسَافِرِ مِنْ الْحَاضِرِ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ عَلَى الدَّابَّةِ، وَاحْتُرِزَ بِدَابَّتِهِ عَنْ الْمَاشِي فَإِنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ فِي سَفَرِهِ مَاشِيًا وَبِحَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ مِنْ رَاكِبِ السَّفِينَةِ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ فِيهَا إلَّا إلَى الْقِبْلَةِ فَيَدُورُ مَعَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَالْأَصْلُ فِيمَا ذَكَرَ مَا صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ» ، وَيُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ تَنَفُّلِ الْمُسَافِرِ عَلَى الدَّابَّةِ شَرْطٌ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إنْ كَانَ) السَّفَرُ (سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ) احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَ السَّفَرُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَمِنْ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ.
(وَلْيُوتِرْ) الْمُسَافِرُ (عَلَى دَابَّتِهِ إنْ شَاءَ) بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِنْ شَاءَ أَوْتَرَ عَلَى الْأَرْضِ وَهُوَ
[حاشية العدوي]
كَلَامُ سَنَدٍ وَيُفِيدُهُ أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ، وَحِينَئِذٍ فَكَلَامُ سَنَدٍ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ غَيْرُ مُخْتَلِفَيْنِ، إذْ كَلَامُ سَنَدٍ فِي مَوْضُوعٍ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي مَوْضُوعٍ آخَرَ وَسَيَأْتِي تَتِمَّتُهُ.
[قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ إلَخْ] الْمُرَادُ بِالْجَوَازِ خِلَافُ الْأَوْلَى.
[قَوْلُهُ: عَلَى دَابَّتِهِ] الْمُرَادُ بِهَا مَا عَدَا السَّفِينَةِ فَيَشْمَلُ الْفَرَسَ وَالْحِمَارَ وَالْآدَمِيَّ لِمُقَابِلَتِهَا بِالسَّفِينَةِ، وَظَاهِرُهُ كَانَ رَاكِبًا عَلَى ظَهْرِهَا أَوْ فِي شُقْدُفٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَانْظُرْ هَلْ يَدْخُلُ رَاكِبُ السَّبُعِ كَذَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الرُّكُوب لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُعْتَادًا فَيَخْرُجُ الرَّاكِبُ مَقْلُوبًا أَوْ بِجَنْبِهِ.
[قَوْلُهُ: سَوَاءٌ أَحْرَمَ إلَى الْقِبْلَةِ أَمْ لَا إلَخْ] مُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ حَبِيبٍ يُوَجِّهُ الدَّابَّةَ أَوَّلًا لِلْقِبْلَةِ ثُمَّ يُحْرِمُ ثُمَّ يُصَلِّي حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ اهـ، تَحْقِيقٌ نَعَمْ يُنْدَبُ التَّوَجُّهُ لِلْقِبْلَةِ ابْتِدَاءً.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ] أَيْ خِلَافًا لِابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَا يَتَنَفَّلُ الْمُسَافِرُ نَهَارًا [قَوْلُهُ: وَيَكُونُ إلَخْ] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: وَيَرْفَعُ الْعِمَامَةَ عَنْ وَجْهِهِ] الْأَوَّلُ عَنْ جَبْهَتِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَرْجِ الدَّابَّةِ أَوْ غَيْرِهِ وَيُومِئُ لِلْأَرْضِ كَمَا نَقَلَهُ الْحَطَّابُ عَنْ اللَّخْمِيِّ خِلَافًا لِمَا فِي عَبْدِ الْبَاقِي عَلَى خَلِيلٍ [قَوْلُهُ: وَرَكْضَهَا] بِتَحْرِيكِ رِجْلَيْهِ وَلَهُ تَنْحِيَةُ وَجْهِهِ عَنْ الشَّمْسِ لِضَرَرِهَا لَهُ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَلْتَفِتُ] وَلَوْ لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَكَذَا لَا يَنْحَرِفُ وَلَوْ انْحَرَفَ إلَى غَيْرِ جِهَةِ سَفَرِهِ عَامِدًا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ بَطَلَتْ إلَّا أَنْ يَكُونَ إلَى الْقِبْلَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، وَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ كَظَنِّهِ أَنَّهَا طَرِيقُهُ أَوْ غَلَبْته دَابَّتُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا إلَى الْقِبْلَةِ فَيَدُورُ مَعَهَا] وَلَا يُصَلِّي لِجِهَةِ سَفَرِهِ وَقَوْلُهُ وَيَدُورُ مَعَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، أَيْ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَحَمَلَهَا الْمُؤَلِّفُ عَلَى ظَاهِرِهَا وَلَوْ رَكَعَ وَسَجَدَ وَتَأَوَّلَهَا ابْنُ التُّبَّانِ عَلَى مَا إذَا صَلَّى فِيهَا إيمَاءً، أَيْ لِعُذْرٍ اقْتَضَى ذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يُصَلِّي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَا مَنْعَ وَيُصَلِّي حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ، وَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ الدَّوَرَانِ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ السَّفِينَةُ كَالدَّابَّةِ يَتَنَفَّلُ عَلَيْهَا حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ مَحَلُّ مَنْعِ النَّفْلِ فِي السَّفِينَةِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ إذَا كَانَ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ لِعُذْرٍ اقْتَضَى ذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يُصَلِّي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَا مَنْعَ وَيُصَلِّي حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ وَلَوْ تَرَكَ الدَّوَرَانَ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: كَانَ يُسَبِّحُ] بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُشَدَّدَةِ، أَيْ يُصَلِّي النَّافِلَةَ وَقَوْلُهُ الرَّاحِلَةِ هِيَ النَّاقَةُ الَّتِي تَصْلُحُ؛ لَأَنْ تُرْحَلَ [قَوْلُهُ: قِبَلَ] بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ مُقَابِلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَتْ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ] أَيْ الْفَرْضَ بَلْ يُصَلِّي النَّفَلَ إيمَاءً فَلَوْ صَلَّى النَّفَلَ عَلَيْهَا قَائِمًا رَاكِعًا سَاجِدًا مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ سَحْنُونٌ وَلَا يُجْزِئُهُ لِدُخُولِهِ عَلَى الْغَرَرِ، أَيْ عَدَمِ أَمْنِهِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ وَصَلَ مَنْزِلَ إقَامَةٍ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ نَزَلَ عَنْهَا وَأَتَمَّ بِالْأَرْضِ رَاكِعًا وَسَاجِدًا وَمُسْتَقْبِلًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ بَقِيَ عَلَيْهِ تَشَهُّدُهُ فَقَطْ أَتَمَّهُ عَلَيْهَا كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُمْ كَمَّلَ بِالْأَرْضِ رَاكِعًا وَسَاجِدًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْزِلَ إقَامَةٍ خَفَّفَ الْقِرَاءَةَ
الْأَفْضَلُ، أَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ هُنَا جَوَازَ صَلَاةِ الْوِتْرِ جَالِسًا اخْتِيَارًا، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى الْمَنْعِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ أَخْذًا بِالْأَحْوَطِ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِوُجُوبِهِ.
وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْوِتْرَ يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ فِعْلُهُ عَلَى الدَّابَّةِ وَخَشِيَ أَنْ يُتَوَهَّمَ مِنْهُ جَوَازُ ذَلِكَ لَهُ فِي الْفَرْضِ رَفَعَ ذَلِكَ الْإِيهَامَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُصَلِّي) أَيْ الْمُسَافِرُ (الْفَرِيضَةَ) وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا (إلَّا بِالْأَرْضِ) دَلِيلُهُ وَمَا قَبْلَهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُ مَسْأَلَةً.
فَقَالَ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ إنْ نَزَلَ) عَنْ دَابَّتِهِ (صَلَّى جَالِسًا إيمَاءً) بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (لِ) أَجْلِ (مَرَضِهِ فَلْيُصَلِّ) الْفَرِيضَةَ (عَلَى الدَّابَّةِ بَعْدَ أَنْ تُوقَفَ لَهُ وَيَسْتَقْبِلُ بِهَا الْقِبْلَةَ) ظَاهِرُهُ كَالْمُخْتَصَرِ الْجَوَازُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ الْكَرَاهَةُ وَقُيِّدَتْ بِمَا إذَا صَلَّى حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَأَمَّا إذَا وَقَفَتْ لَهُ وَاسْتَقْبَلَ وَصَلَّى فَلَا كَرَاهَةَ، وَهَذَا التَّقْيِيدُ نَقَلَهُ ك عَنْ الشَّيْخِ ثُمَّ قَالَ: فَاَلَّذِي فِي الرِّسَالَةِ تَقْيِيدٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: إنْ نَزَلَ صَلَّى جَالِسًا إيمَاءً مِمَّا لَوْ قَدَرَ عَلَى السُّجُودِ إذَا جَلَسَ فِي الْأَرْضِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الدَّابَّةِ اتِّفَاقًا.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسْأَلَةٍ ذَاتِ خِلَافٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهِيَ الرُّعَافُ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ الدَّمُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ الْأَنْفِ فَقَالَ: (وَمَنْ رَعَفَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ عَلَى الْأَفْصَحِ فِيهِ وَفِي مُضَارِعِهِ، أَيْ خَرَجَ مِنْ أَنْفِهِ دَمٌ حَالَةَ كَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ (مَعَ الْإِمَامِ خَرَجَ فَغَسَلَ الدَّمَ) أَيْ يَخْرُجُ لِغَسْلِ الدَّمِ الَّذِي خَرَجَ مِنْ أَنْفِهِ مُمْسِكًا لِأَنْفِهِ مِنْ
[حاشية العدوي]
وَأَتَمَّ عَلَيْهَا لِيَسَارَتِهِ، وَهَلْ الْمُرَادُ بِمَنْزِلِ الْإِقَامَةِ مَا يُقِيمُ بِهِ إقَامَةً تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ أَوْ مَحَلَّ سَكَنِهِ؟ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا أَقَامَ بِهِ إقَامَةً تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ وَأَوْلَى غَيْرُهُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَقْرَبُ أَخْذًا بِالْأَحْوَطِ] بَعِيدٌ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْوِتْرَ جَالِسًا وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: الْفَرِيضَةَ] وَلَوْ بِالنَّذْرِ لِقِيَامِهَا.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا إلَّا بِالْأَرْضِ] فَلَوْ صَلَّاهَا عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ أَعَادَهَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ يُصَلِّيهَا عَلَيْهَا قَائِمًا وَرَاكِعًا وَسَاجِدًا مِنْ غَيْرِ نَقْصِ شَيْءٍ عِنْدَ سَحْنُونَ لِدُخُولِهِ عَلَى الْغَرَرِ، وَقَالَ سَنَدٌ تُجْزِئُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: صَلَّى جَالِسًا إيمَاءً بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إلَخْ] قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ لِلسُّنَنِ وَالْمَنْدُوبَاتِ، فَإِذَا تَسَاوَى حَالُهُ عَلَيْهَا وَعَلَى الْأَرْضِ فِيمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الصَّلَاةِ، وَكَانَ إذَا نَزَلَ بِالْأَرْضِ يَأْتِي بِالسُّنَنِ أَوْ بِبَعْضِهَا وَعَلَيْهَا لَا يَأْتِي بِذَلِكَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ عَلَيْهَا، وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ إذَا كَانَ يُؤَدِّيهَا عَلَى الْأَرْضِ بِالسُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ أَوْ الْخَفِيفَةِ أَوْ بِالْمَنْدُوبِ دُونَ الدَّابَّةِ فَيُسَنُّ النُّزُولُ فِي الْأَوَّلَيْنِ مُؤَكَّدَةً فِي أَوَّلِهِمَا وَخَفِيفَةً فِي ثَانِيهِمَا وَيُنْدَبُ فِي الثَّالِثِ.
[قَوْلُهُ: الْجَوَازُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ] أَمَّا الْمُصَنِّفُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمُخْتَصَرُ فَقَالَ بَعْدُ وَفِيهَا كَرَاهَةُ الْأَخِيرِ، فَأَفَادَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ كَرَاهَةٌ بَلْ الْكَرَاهَةُ إنَّمَا هِيَ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
[قَوْلُهُ: وَقُيِّدَتْ] أَيْ الْكَرَاهَةُ بِمَا إذَا صَلَّى فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَصِحُّ الْحُكْمُ بِالْكَرَاهَةِ مَعَ ذَلِكَ التَّقْيِيدِ، إذْ مُقْتَضَى الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ الْحُرْمَةُ لَا الْكَرَاهَةُ قُلْت: الْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ الْحُرْمَةُ عَلَى أَقْوَى الْقَوْلَيْنِ كَمَا يُفِيدُهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ لِخَلِيلٍ.
[الرُّعَافُ فِي الصَّلَاةِ]
[قَوْلُهُ: عَلَى الْأَفْصَحِ فِيهِ وَفِي مُضَارِعِهِ] قَدْ ذَكَرَ فِي الصِّحَاحِ لُغَاتٍ ثَلَاثًا وَهِيَ فَتْحُ الْعَيْنِ فِي الْمَاضِي وَضَمُّهَا وَفَتْحُهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالشَّاذُّ ضَمُّهَا فِيهِمَا، وَعَبَّرَ صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ بِالْقِلَّةِ فِيمَا عَبَّرَ فِيهِ الصِّحَاحُ بِالشُّذُوذِ فَانْظُرْ ذَلِكَ مَعَ كَلَامِ الشَّارِحِ.
[قَوْلُهُ: خَرَجَ فَغَسَلَ الدَّمَ] وَلَمْ يَظُنَّ دَوَامَهُ لِآخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا ظَنَّ الدَّوَامَ لِآخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا وَلَا يَخْرُجُ وَلَوْ سَائِلًا وَقَاطِرًا، حَيْثُ كَانَ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ أَوْ فِيهِ وَفَرَشَ شَيْئًا يُلَاقِي بِهِ الدَّمَ أَوْ كَانَ مُحَصَّبًا أَوْ مُتَرَّبًا لَا حَصِيرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ وَيَغْسِلُ الدَّمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ مَفْرُوشٍ أَوْ مُبَلَّطٍ يَخْشَى تَلْوِيثَهُ، وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ وُجُوبًا وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ يُتِمُّهَا، أَيْ بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ إلَّا أَنْ يَخْشَى ضَرَرًا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ تَلَطُّخَ ثِيَابِهِ الَّتِي يُفْسِدُهَا فَيُتِمُّهَا، وَلَوْ بِالْإِيمَاءِ، لَا إنْ خَشِيَ تَلَطُّخَ جَسَدِهِ أَوْ ثِيَابِهِ الَّتِي لَا يُفْسِدُهَا الْغَسْلُ فَلَا يَصِحُّ لَهُ الْإِيمَاءُ.
[قَوْلُهُ: مُمْسِكًا لِأَنْفِهِ إلَخْ] أَيْ لِئَلَّا يَتَلَطَّخَ بِهِ
أَعْلَاهُ (ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ غَسْلِ الدَّمِ (بَنَى) بِمَعْنَى يَبْنِي وَلَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ اسْتِحْبَابًا عَلَى الْمَشْهُورِ لِعَمَلِ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْأَفْضَلُ الْقَطْعُ، وَعَلَّلَ بِأَنَّ الشَّأْنَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَتَّصِلَ عَمَلُهَا وَلَا يَتَخَلَّلَهَا شُغْلٌ كَثِيرٌ وَلَا انْصِرَافٌ عَنْ الْقِبْلَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ النَّجِسَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَحَيْثُ قُلْنَا بِالْبِنَاءِ فَلَهُ سِتَّةُ شُرُوطٍ أَشَارَ إلَى اثْنَيْنِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: (مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ أَوْ يَمْشِ عَلَى نَجَاسَةٍ)
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَظَاهِرُهُ الْبُطْلَانُ إنْ تَكَلَّمَ مُطْلَقًا عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَوْ نِسْيَانًا وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَظَاهِرُهُ الْبُطْلَانُ إنْ مَشَى عَلَى نَجَاسَةٍ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ النَّجَاسَةُ رَطْبَةً أَوْ يَابِسَةً، أَمَّا إذَا كَانَتْ رَطْبَةً فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ يَابِسَةً كَالْقَشْبِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ سَحْنُونَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: لَا تَبْطُلُ.
بَهْرَامٌ: وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْعَذِرَةِ، وَأَمَّا أَرْوَاثُ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالُهَا فَإِنَّهُ يَبْنِي إذَا مَشَى عَلَيْهَا اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ الطُّرُقَاتِ لَا تَخْلُو عَنْ ذَلِكَ غَالِبًا وَيُدَلِّكُ قَدَمَيْهِ مِنْ ذَلِكَ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ مَاءً إلَى آخَرَ فَإِنْ تَجَاوَزَهُ مَعَ الْإِمْكَانِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ اتِّفَاقًا.
الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ لِغَيْرِ طَلَبِ الْمَاءِ، أَمَّا إنْ اسْتَدْبَرَهَا لِطَلَبِ الْمَاءِ فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ.
الْخَامِسُ: أَنْ يَقْطُرَ الدَّمُ أَوْ يَسِيلَ وَلَا يَتَلَطَّخَ بِهِ، أَمَّا إنْ رَشَحَ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسِيلَ أَوْ يَقْطُرَ فَلَا يَخْرُجُ لَغُسْلِهِ، وَإِنْ قَطَرَ أَوْ سَالَ وَتَلَطَّخَ بِهِ فَسَيَأْتِي حُكْمُهُمَا قَرِيبًا.
السَّادِسُ: أَنْ
[حاشية العدوي]
ثَوْبُهُ أَوْ جَسَدُهُ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَيْسَ مَسْكُهُ شَرْطًا فِي الْبِنَاءِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إنَّمَا هُوَ إرْشَادٌ إلَى مَا يُعِينُهُ عَلَى تَقْلِيلِ النَّجَاسَةِ بَلْ الشَّرْطُ التَّحَفُّظُ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ الْأَعْلَى فَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الْأَوْلَى لِئَلَّا يَحْبِسَ الدَّمَ، أَيْ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَمْسَكَهُ مِنْ أَسْفَلِهِ بَقِيَ الدَّمُ فِي دَاخِلِ الْأَنْفِ، [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى يَبْنِي] ؛ لِأَنَّ الْفَقِيهَ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ فِي أَحْكَامٍ مُسْتَقْبَلَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْأَفْضَلُ الْقَطْعُ] أَيْ وَرَجَعَ قَالَ زَرُّوقٌ وَهُوَ أَوْلَى بِالْعَامِّيِّ وَمَنْ لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِي الْعِلْمِ لِجَهْلِهِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَوْ نِسْيَانًا] وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ فِي ذَهَابِهِ أَوْ عَوْدِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لِإِصْلَاحِهَا، وَإِنَّمَا بَطَلَتْ بِالْكَلَامِ نِسْيَانًا وَإِنْ قَلَّ لِكَثْرَةِ الْمُنَافِيَاتِ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: كَالْقَشْبِ] قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ الْقَشْبُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، الْيَابِسَةُ وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الدَّمَ الزَّائِدَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ وَزِبْلِ الْكِلَابِ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ النَّجَاسَاتِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْعَذِرَةِ، أَيْ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا ذَكَرَ.
[قَوْلُهُ: فَكَذَلِكَ إلَخْ] قَالَ صَاحِبُ الْجَمْعِ هَذَا الْخِلَافُ عِنْدِي إذَا مَشَى عَلَيْهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِهَا، وَأَمَّا لَوْ تَعَمَّدَ الْمَشْيَ عَلَيْهَا لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَبْنِي إذَا مَشَى عَلَيْهَا اتِّفَاقًا] ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ وَلَوْ رَطْبَةً وَلَوْ عَامِدًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الْحَطَّابُ قُلْت: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ بِمَا إذَا وَطِئَهَا نَاسِيًا أَوْ مُضْطَرًّا لِذَلِكَ لِعُمُومِهَا وَانْتِشَارِهَا فِي الطَّرِيقِ، وَأَمَّا إنْ وَطِئَهَا عَامِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِسَعَةِ الطَّرِيقِ وَعَدَمِ عُمُومِهَا، وَإِمْكَانِ عُدُولِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَبْطُلَ صَلَاتُهُ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ الضَّرُورَةُ انْتَهَى، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَنَذْكُرُ لَك حَاصِلًا بِهِ تَمَامَ الْفَائِدَةِ فَنَقُولُ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرُورَ عَلَى النَّجَاسَةِ مَعَ الْعَمْدِ وَالِاخْتِيَارِ مُبْطِلٌ مُطْلَقًا وَلَوْ يَابِسَةً وَلَوْ أَرْوَاثَ دَوَابَّ، وَأَمَّا مَعَ الِاضْطِرَارِ فَلَا بُطْلَانَ وَلَا إعَادَةَ أَيْضًا فِي الْمُرُورِ عَلَى أَرْوَاثِ دَوَابَّ وَلَوْ رَطْبَةً، وَكَذَا فِي الْمُرُورِ عَلَى غَيْرِهَا لَا بُطْلَانَ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ هَذَا كُلِّهِ مَعَ الْعِلْمِ، وَأَمَّا مَعَ النِّسْيَانِ فَفِي نَحْوِ الْعَذِرَةِ إنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ إلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَلَا بُطْلَانَ وَتُنْدَبُ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ وَإِذَا تَذَكَّرَ فِيهَا وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ شَيْءٌ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ فَيَتَحَوَّلُ وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَأَمَّا فِي أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لَا فِي الْوَقْتِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَإِنْ تَذَكَّرَ فِيهَا فَلَا بُطْلَانَ أَيْضًا وَلَا إعَادَةَ وَيُدَلِّكُهَا كَمَا قَالَ شَارِحُنَا فَاشْدُدْ يَدَك عَلَى هَذَا الْحَاصِلِ.
[قَوْلُهُ: إنْ لَا يَتَجَاوَزُ مَاءً إلَى آخَرَ] وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ قَرِيبًا فِي نَفْسِهِ أَيْضًا وَالْقُرْبُ بِالْعُرْفِ كَمَا قَالَهُ عج، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَمْرَانِ أَنْ يَكُونَ أَقْرَبَ مِنْ غَيْرِهِ وَأَنْ يَكُونَ قَرِيبًا فِي نَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ:
يَكُونَ الرَّاعِفُ فِي جَمَاعَةٍ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا، أَمَّا الْفَذُّ فَفِي بِنَائِهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فَإِذَا اسْتَكْمَلَتْ الشُّرُوطُ.
(وَ) بَنَى فَ (لَا يَبْنِي عَلَى رَكْعَةٍ) يَعْنِي لَا يَعْتَدُّ بِرَكْعَةٍ (لَمْ تَتِمَّ بِسَجْدَتَيْهَا) وَإِنَّمَا يَعْتَدُّ بِرَكْعَةٍ تَمَّتْ بِسَجْدَتَيْهَا عَلَى مَا نَقَلَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ.
وَقَالَ ابْنُ سَلَمَةَ: يَبْنِي عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كَانَ فِي الْأُولَى أَوْ مَا بَعْدَهَا، وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ رَعَفَ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَقَبْلَ السُّجُودِ أَوْ بَعْدَ أَنْ سَجَدَ سَجْدَةً وَاحِدَةً أَلْغَى وَابْتَدَأَ الْقِرَاءَةَ، وَإِنْ رَعَفَ بَعْدَ أَنْ سَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ بَنَى عَلَيْهِمَا وَقَوْلُهُ: (وَلْيُلْغِهَا) تَكْرَارٌ زِيَادَةٌ فِي الْبَيَانِ.
وَهَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ كُلُّهُ إذَا كَانَ الدَّمُ كَثِيرًا كَمَا قَيَّدْنَا بِهِ كَلَامَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَلَا يَنْصَرِفُ لِ) غُسْلِ (دَمٍ خَفِيفٍ وَلْيَفْتِلْهُ بِأَصَابِعِهِ) يَعْنِي بِرُءُوسِ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُسْرَى الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ الْأَنَامِلُ الْفَوْقَانِيَّةُ، وَصِفَةُ الْفَتْلِ أَنْ يَلْقَاهُ أَوَّلًا بِرَأْسِ الْخِنْصَرِ وَيَفْتِلَهُ بِرَأْسِ الْإِبْهَامِ ثُمَّ بَعْدِ الْخِنْصَرِ الْبِنْصِرِ ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ السَّبَّابَةِ، فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ خَرَجَ قَالَهُ ع. وَقَالَ ق: وَانْظُرْ قَوْلَهُ (إلَّا أَنْ يَسِيلَ أَوْ يَقْطُرَ) هَلْ أَرَادَ ابْتِدَاءً فَيَكُونُ تَقْدِيرُ كَلَامِهِ وَلْيَفْتِلْهُ بِأَصَابِعِهِ إلَّا أَنْ يَسِيلَ أَوْ يَقْطُرَ فَلَا يَبْتَدِئْ فَتْلَهُ، وَلْيَنْصَرِفْ إلَى الْمَاءِ أَوْ إنَّمَا أَرَادَ إذَا سَالَ أَوْ قَطَرَ بَعْدَ أَنْ فَتَلَهُ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ إنَّمَا يَفْتِلُهُ بِأَصَابِعِهِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ بِالسَّيْلِ أَوْ الْقَطْرِ فَلَا يَفْتِلُهُ، وَيَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ وَهَلْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: أَيْضًا إلَّا أَنْ يَسِيلَ أَوْ يَقْطُرَ
[حاشية العدوي]
إمَامًا كَانَ إلَخْ] لَكِنَّ الْإِمَامَ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا فَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ اسْتَخْلَفُوا نَدْبًا، وَإِنْ شَاءُوا صَلَّوْا أَفْذَاذًا هَذَا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا فِيهَا فَيَجِبُ الِاسْتِخْلَافُ عَلَيْهِمْ لَا عَلَى الْإِمَامِ وَاسْتِخْلَافُ الْإِمَامِ بِغَيْرِ الْكَلَامِ، فَإِنْ تَكَلَّمَ بَطَلَتْ عَلَيْهِ دُونَهُمْ إنْ كَانَ سَهْوًا وَعَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْجَهْلِ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا الْفَذُّ فَفِي بِنَائِهِ قَوْلَانِ] مُنْشَؤُهُمَا هَلْ رُخْصَةُ الْبِنَاءِ لِحُرْمَةِ الصَّلَاةِ لِلْمَنْعِ مِنْ إبْطَالِ الْعَمَلِ أَوْ لِتَحْصِيلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ فَيَبْنِي عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ رَعَفَ بَعْدَ إلَخْ] فِيهِ شَيْءٌ وَذَلِكَ أَنَّ تَمَامَ الرَّكْعَةِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْجُلُوسِ إنْ كَانَ يَقُومُ مِنْهَا لِلْجُلُوسِ، وَيَكُونُ بِالْقِيَامِ إنْ كَانَ يَقُومُ مِنْهَا لِلْقِيَامِ، فَلَوْ رَكَعَ وَسَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ وَقَبْلَ الْجُلُوسِ أَوْ الْقِيَامِ رَعَفَ فَلَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ.
تَتِمَّةٌ لَطِيفَةٌ: إذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ الذَّهَابِ لِمَاءٍ قَرِيبٍ مَعَ الِاسْتِدْبَارِ وَبَعِيدٍ لَا اسْتِدْبَارَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ لِلْقَرِيبِ مَعَ الِاسْتِدْبَارِ، وَإِذَا دَارَ بَيْنَ الِاسْتِدْبَارِ وَوَطْءِ النَّجَاسَةِ الَّتِي يَبْطُلُ وَطْؤُهَا فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ الِاسْتِدْبَارَ؛ لِأَنَّهُ لِعُذْرٍ وَلَوْ وَجَدَ الْمَاءَ الْأَقْرَبَ بِشِرَاءٍ وَغَيْرَ الْأَقْرَبِ بِغَيْرِ شِرَاءٍ وَتَجَاوَزَ الْأَقْرَبَ بَطَلَتْ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَنْصَرِفُ] أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ وَقَوْلُهُ لِغَسْلِ دَمٍ خَفِيفٍ وَهُوَ الرَّاشِحُ الَّذِي يَنْبُعُ مِثْلَ الْعَرَقِ وَمِثْلُهُ الْقَاطِرُ إذَا كَانَ ثَخِينًا؛ لِأَنَّهُ يَتَأَتَّى فِيهِ الْفَتْلُ، وَأَمَّا السَّائِلُ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَرَسِّلُ وَكَذَا الْقَاطِرُ الرَّقِيقُ وَالرَّاشِحُ إذَا كَثُرَ بِحَيْثُ لَا يُذْهِبُهُ الْفَتْلُ.
[قَوْلُهُ: وَلْيَفْتِلْهُ] أَيْ إنْ كَانَ يُذْهِبُهُ الْفَتْلُ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْفَتْلَ وَاجِبٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُ قَطْعُ الصَّلَاةِ فَلَوْ قَطَعَ أَفْسَدَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ إنْ كَانَ إمَامًا.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي بِرُءُوسِ] فَفِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ أَوْ مَجَازٌ عِلَاقَتُهُ الْكُلِّيَّةُ.
[قَوْلُهُ: يَدِهِ الْيُسْرَى] أَيْ عَلَى طَرِيقِ الْأَوْلَوِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ خَرَجَ] ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا ذَكَرَ يَخْرُجُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا فَتَلَ أَنَامِلَ الْيُسْرَى الْعُلْيَا ثُمَّ زَادَ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ لِأَنَامِل الْيُسْرَى الْوُسْطَى، فَإِنْ زَادَ مَا فِيهَا تَحْقِيقًا عَلَى دِرْهَمٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَإِلَّا أَتَمَّهَا كَمَا إذَا ظَنَّ الزِّيَادَةَ أَوْ شَكَّ فِيهَا وَلَا يَنْظُرُ لِمَا فِي الْعُلْيَا وَلَوْ زَادَ مَا فِيهَا عَلَى دِرْهَمٍ، فَلَوْ انْتَقَلَ بَعْدَ تَلَطُّخِ عُلْيَا الْيُسْرَى إلَى عُلْيَا الْيُمْنَى وَزَادَ مَا فِيهَا عَلَى دِرْهَمٍ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضٌ.
[قَوْلُهُ: أَوْ إنَّمَا أَرَادَ] هَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ وَأَمَّا الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ فَهُوَ عَيْنُ قَوْلِهِ وَمَنْ رَعَفَ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَسِيلَ أَوْ يَقْطُرَ، أَيْ فَلَا يَفْتِلُهُ وَهَذَا إذَا كَانَ الْقَاطِرُ لَا يُمْكِنُ فَتْلُهُ وَإِلَّا فَتَلَهُ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ بِالسَّيْلِ أَوْ الْقَطْرِ فَلَا يَفْتِلُهُ] أَيْ وَلْيَنْصَرِفْ لِغَسْلِهِ بِالشُّرُوطِ
عَلَى الْأَرْضِ أَوْ عَلَى أَصَابِعِهِ أَوْ عَلَى ثَوْبِهِ، أَمَّا إذَا سَالَ أَوْ قَطَرَ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ وَيَغْسِلُهُ وَيَبْنِي، وَإِنْ سَالَ عَلَى ثَوْبِهِ أَوْ عَلَى أَصَابِعِهِ وَتَجَاوَزَ الْأُنْمُلَةَ الْعُلْيَا بِقَدْرٍ لَا يُعْفَى عَنْهُ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ، وَمَعْنَى يَنْصَرِفُ يَعْنِي إلَى الْمَاءِ فَيَغْسِلُهُ، وَيَبْنِي إنْ سَلِمَتْ ثِيَابُهُ وَأَصَابِعُهُ مِنْ الْقَدْرِ الَّذِي لَا يُعْفَى عَنْهُ انْتَهَى.
وَقَالَ ع: يَعْنِي بِالسَّيْلِ مَعَ الْأُصْبُعِ وَالْقَطْرِ فِي غَيْر الْأُصْبُعِ، وَالسَّيْلُ مَعْلُومٌ وَهُوَ أَنْ يَسِيلَ مِثْلُ الْخَيْطِ، وَالْقَطْرُ أَنْ يَقْطُرَ قَطْرَةً قَطْرَةً، وَلَمَّا كَانَ الْبِنَاءُ لِلرُّعَافِ تَعَبُّدِيًّا لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَخَشِيَ أَنْ يُتَوَهَّمَ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ رَفَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَبْنِي) وَيُرْوَى وَلَا يَبْنِ فَعَلَى الْأُولَى لَا نَافِيَةٌ، وَعَلَى الثَّانِيَةُ نَاهِيَةٌ وَالْفِعْلُ مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الْيَاءِ (فِي قَيْءٍ) مُطْلَقًا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا (وَلَا) يَبْنِي أَيْضًا فِي (حَدَثَ) وَلَا غَيْرِهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبِنَاءِ فِي الْجَمِيعِ جَاءَ مَا جَاءَ فِي الرُّعَافِ وَيَبْقَى مَا سِوَاهُ عَلَى أَصْلِهِ.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى حُكْمِ مَنْ رَعَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَكَانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ يَبْنِي عَلَيْهِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حُكْمِ مَنْ رَعَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ يَبْنِي عَلَيْهِ، وَذَلِكَ إمَّا أَنْ يَحْصُلَ لَهُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ أَوْ قَبْلَهُ فَالْأَوَّلُ (وَ) هُوَ (مَنْ رَعَفَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ سَلَّمَ وَانْصَرَفَ) وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ السَّلَامُ وَهُوَ حَامِلُ
[حاشية العدوي]
الْمُتَقَدِّمَةِ وَيَبْنِي عَلَى مَا فَعَلَ وَلَهُ الْقَطْعُ بِسَلَامٍ أَوْ كَلَامٍ كَالسَّائِلِ ابْتِدَاءً.
[قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا سَالَ أَوْ قَطَرَ] هَذَا صَادِقٌ بِكَوْنِهِ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ الْفَتْلِ لِكَوْنِهِ كَانَ أَوَّلًا رَاشِحًا مَثَلًا.
[قَوْلُهُ: وَيَبْنِي] أَيْ اسْتِحْبَابًا وَلَهُ الْقَطْعُ وَهَذَا إنْ لَمْ يَخْشَ تَلْوِيثَ مَسْجِدٍ وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ وَإِلَّا قَطَعَ وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ سَالَ عَلَى ثَوْبِهِ] أَيْ أَوْ قَطَرَ.
[قَوْلُهُ: تَجَاوَزَ الْأُنْمُلَةَ الْعُلْيَا] قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ كَانَ فَتَلَهُ وَسَالَ وَتَجَاوَزَ الْأُنْمُلَةَ الْعُلْيَا إلَى الْوُسْطَى بِزِيَادَةٍ فِي الْوُسْطَى لَا يُعْفَى عَنْهَا، أَيْ بِأَنْ زَادَ عَلَى دِرْهَمٍ وَأَمَّا مَا كَانَ فِي الْعُلْيَا فَلَا بُطْلَانَ وَلَوْ زَادَ عَلَى دِرْهَمٍ.
[قَوْلُهُ: لِقَدْرٍ لَا يُعْفَى عَنْهُ] أَيْ سَالَ بِقَدْرٍ لَا يُعْفَى عَنْهُ وَتَجَاوَزَ بِقَدْرٍ لَا يُعْفَى عَنْهُ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَقْطَعُ] الْمُرَادُ بَطَلَتْ أَيْ إذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ لَمْ يَقْطَعْ، [قَوْلُهُ: وَمَعْنَى يَنْصَرِفُ] أَيْ فِي قَوْلِنَا فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَقَوْلُنَا يَنْصَرِفُ وَأَمَّا التَّعْبِيرُ بِمَعْنَى فَلَا مَعْنَى لَهُ.
[قَوْلُهُ: فَيَغْسِلُهُ وَيَبْنِي] أَيْ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
[قَوْلُهُ: وَأَصَابِعِهِ] أَيْ يَدِهِ كَانَتْ الْأَصَابِعُ أَوْ غَيْرُهَا هَذَا إذَا قُلْنَا سَائِلًا أَوْ قَاطِرًا ابْتِدَاءً أَوْ خُصُوصُ الْأَصَابِعِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ فَتَلَهُ ابْتِدَاءً وَلَمْ يَزِدْ مَا فِي الْوُسْطَى عَلَى دِرْهَمٍ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي بِالسَّيْلِ إلَخْ] الْقَصْدُ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ سَيْلٌ إلَّا إذَا كَانَ جَارِيًا عَلَى الْأُصْبُعِ وَأَمَّا إذَا كَانَ سَاقِطًا عَلَى الْأَرْضِ فَيُقَالُ لَهُ قَاطِرٌ وَلَا يَخْفَى بَعْدَ هَذَا الْقَبْلِ فَالْمُنَاسِبُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضٌ مِنْ أَنَّهُ لَا تَقْيِيدَ أَصْلًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ آخَرُ هَذَا غَيْرُ مُقَيَّدٍ وَالسَّيْلُ إلَى آخِرِ مَا هُنَا.
[قَوْلُهُ: عَمْدًا أَوْ سَهْوًا] أَيْ فِي مُتَنَجِّسٍ خَرَجَ مِنْهُ حَالَ صَلَاتِهِ وَلَوْ قَلِيلًا وَمِثْلُهُ الطَّاهِرُ الْكَثِيرُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ بِالطَّاهِرِ بِشَرْطِ كَوْنِهِ يَسِيرًا وَخَرَجَ غَلَبَةً، فَإِذَا كَانَ نَجِسًا مُطْلَقًا أَوْ طَاهِرًا كَثِيرًا أَوْ تَعَمَّدَ إخْرَاجَهُ لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَكَذَا لَوْ تَعَمَّدَ ابْتِلَاعَهُ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ خَرَجَ غَلَبَةً، وَأَمَّا لَوْ ابْتَلَعَهُ غَلَبَةً فِي ذَلِكَ الْمَوْضُوعِ فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ قَوْلَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ وَأَمَّا سَهْوًا فَلَا وَلَا بِنَاءَ فِي رُعَافٍ مُتَكَرِّرٍ، وَلَيْسَ مِنْهُ الْحَاصِلُ فِي رُجُوعِهِ مِنْ غَسْلِ الدَّمِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي إكْمَالِ الصَّلَاةِ بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلَى صَلَاتِهِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: حَدَثَ وَلِقَوْلِهِ وَلَا غَيْرِهِمَا وَمُقَابِلُهُ مَا لِأَشْهَبَ مِنْ أَنَّهُ يَبْنِي فِي الْحَدَثِ وَمِنْ أَنَّ مَنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ أَوْ جَسَدِهِ نَجَاسَةً أَوْ أَصَابَهُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ يَبْنِي.
[قَوْلُهُ: جَاءَ مَا جَاءَ] أَيْ ثَبَتَ الَّذِي جَاءَ فِي الرُّعَافِ.
[قَوْلُهُ: سَلَّمَ وَانْصَرَفَ] فَلَوْ خَالَفَ وَخَرَجَ لِغَسْلِ الدَّمِ قَبْلَ
النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ ذَهَابٍ إلَى الْمَاءِ وَرُجُوعِهِ.
وَالثَّانِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ رَعَفَ قَبْلَ سَلَامِهِ) أَيْ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ (انْصَرَفَ) إلَى الْمَاءِ (وَغَسَلَ الدَّمَ) ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَخْرُجْ فَقَدْ تَعَمَّدَ حَمْلَ النَّجَاسَةِ فِي صَلَاتِهِ وَقَدْ بَقِيَ بَعْضُهَا (ثُمَّ رَجَعَ) لَيُسَلِّمَ (فَجَلَسَ) وَأَعَادَ التَّشَهُّدَ إنْ كَانَ قَدْ تَشَهَّدَ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ تَشَهَّدَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ (وَسَلَّمَ) وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَخْرُجُ لِغَسْلِ الدَّمِ، وَلَوْ كَانَ كُلَّمَا رَعَفَ سَلَّمَ الْإِمَامُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ إذَا لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ بِالْقُرْبِ، فَإِنْ سَلَّمَ بِالْقُرْبِ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ وَيَنْصَرِفُ وَتُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ كَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى الْبِنَاءِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يُبَيِّنُ أَيْنَ يُتِمُّ الرَّاعِفُ صَلَاتَهُ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَقَالَ: (وَلِلرَّاعِفِ) إذَا كَانَ فِي جَمَاعَةٍ (أَنْ يَبْنِيَ فِي مَنْزِلِهِ) أَيْ فِي مَكَانِهِ الَّذِي غَسَلَ فِيهِ الدَّمَ إنْ أَمْكَنَهُ، أَوْ فِي أَقْرَبِ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يُمْكِنُهُ فِيهَا الصَّلَاةُ (إذَا يَئِسَ أَنْ يُدْرِكَ بَقِيَّةَ صَلَاةِ الْإِمَامِ) ق: الْمُرَادُ بِالْيَأْسِ هُنَا غَلَبَةُ الظَّنِّ.
وَقَالَ ج: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا طَمِعَ أَنْ يُدْرِكَ شَيْئًا مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَلَوْ السَّلَامَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَقَالَ ع: ظَاهِرُ كَلَامِهِ التَّخْيِيرُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ فِي مَنْزِلِهِ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْجَامِعِ.
وَهَذَا لَا يَصِحُّ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: أَنَّهُ إذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ مَعَ الْإِمَامِ شَيْئًا وَرَجَعَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ لِلرَّاعِفِ أَنْ يَبْنِيَ فِي أَيِّ مَكَان يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ فِيهِ عَامٌّ فِي كُلِّ صَلَاةِ جَمَاعَةٍ (إلَّا فِي) صَلَاةِ (الْجُمُعَةِ) إذَا أَدْرَكَ مَعَ
[حاشية العدوي]
السَّلَامِ فَاسْتَظْهَرَ عَدَمَ الْبُطْلَانِ.
[قَوْلُهُ: وَرُجُوعِهِ] الْمُنَاسِبُ حَذْفُهُ؛ لِأَنَّ مُفَادَهُ أَنْ لَوْ أَمَرْنَاهُ بِغَسْلِ الدَّمِ قَبْلَ السَّلَامِ أَنَّهُ يُطَالَبُ بِالرُّجُوعِ مَعَ أَنَّهُ يُسَلِّمُ فِي مَوْضُوعِ الْغُسْلِ إنْ أَمْكَنَهُ، أَيْ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ أَعَادَ التَّشَهُّدَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَمُقَابِلُهُ لَا إعَادَةَ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ كَمَا رَعَفَ] الْكَافُ زَائِدَةٌ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفُ مُضَافٍ وَالتَّقْدِيرُ، وَلَوْ كَانَ سَلَّمَ الْإِمَامُ عَقِبَ رُعَافِهِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَوْ كَانَ لَمَّا رَعَفَ بِاللَّامِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ.
[قَوْلُهُ: يَحْتَاجُ مَعَهُ] أَيْ مَعَ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَقَوْلُهُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ الْبِنَاءُ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ الْبَاقِي وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْمَاضِي لَا عَلَى الْبَاقِي، وَقَوْلُهُ يَحْتَاجُ مُضَمَّنٌ مَعْنَى يَحْصُلُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تِلْكَ الْمَعِيَّةَ تُؤَوَّلُ بِالتَّعْلِيلِ وَالتَّقْدِيرُ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَحْصُلُ الْبِنَاءُ عَلَى الْمَاضِي لِأَجْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ سَلَّمَ بِالْقُرْبِ] الْمُرَادُ بِالْقُرْبِ كَمَا قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ أَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ فِي الْوَقْتِ قَبْلَ انْصِرَافِهِ اهـ.
قَالَ عج وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِانْصِرَافِ مُفَارَقَةُ مَوْضِعِهِ لَا قِيَامَهُ فَقَطْ وَقَالَ السُّودَانِيُّ لَوْ انْصَرَفَ لِغَسْلِهِ وَجَاوَزَ الصَّفَّيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فَسَمِعَ الْإِمَامَ يُسَلِّمُ، فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ وَيَذْهَبُ وَهَذَا حُكْمُ الْمَأْمُومِ، وَأَمَّا الْفَذُّ وَالْإِمَامُ فَاسْتَظْهَرَ الْحَطَّابُ أَنَّهُ إنْ حَصَلَ الرُّعَافُ لَهُ بَعْدَ أَنْ أَتَى بِمِقْدَارِ السُّنَّةِ مِنْ التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ وَالْإِمَامُ وَالْفَذُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَإِنْ رَعَفَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَسْتَخْلِفُ لَهُمْ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ التَّشَهُّدَ وَيَخْرُجُ لِغَسْلِ الدَّمِ وَيَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَأْمُومِ، وَأَمَّا الْفَذُّ فَيَخْرُجُ لِغَسْلِ الدَّمِ وَيُتِمُّ مَكَانَهُ.
[قَوْلُهُ: الْمُرَادُ بِالْيَأْسِ هُنَا غَلَبَةُ الظَّنِّ] أَيْ غَلَبَةٌ هِيَ الظَّنُّ فَيُوَافِقُ خَلِيلًا حَيْثُ قَالَ: إنْ ظَنَّ.
[قَوْلُهُ: طَمِعَ أَنْ يُدْرِكَ] بَلْ وَالشَّكُّ مِثْلُهُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ إلَخْ] مُقَابِلُهُ لِابْنِ شَعْبَانَ إنْ لَمْ يَرْجُ إدْرَاكَ رَكْعَةٍ أَتَمَّ مَكَانَهُ وَإِنَّمَا لَزِمَ الرُّجُوعُ مَعَ الشَّكِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لُزُومُ مُتَابَعَتِهِ لِلْإِمَامِ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَّا بِعِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ.
[قَوْلُهُ: إلَّا فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إذَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً] بِسَجْدَتَيْهَا وَكَذَا يَجِبُ الرُّجُوعُ عَلَى مَنْ ظَنَّ إدْرَاكَ رَكْعَةٍ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ رُجُوعِهِ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ رَكْعَةً قَبْلَ الرُّعَافِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً قَبْلَ الرُّعَافِ، وَلَا اعْتَقَدَ إدْرَاكَ رَكْعَةٍ بَعْدَ رُكُوعِهِ مَعَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بَلْ يَقْطَعُ وَيَبْتَدِئُ ظُهْرًا بِإِحْرَامٍ وَلَوْ بَنَى عَلَى إحْرَامِهِ وَصَلَّى أَرْبَعًا فَالظَّاهِرُ الصِّحَّةُ كَمَا قَالَ الْحَطَّابُ، وَمَحَلُّ ابْتِدَائِهَا ظُهْرًا حَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَإِلَّا فَعَلَ بِأَنْ كَانَ الْبَلَدُ مِصْرًا تَتَعَدَّدُ
الْإِمَامِ رَكْعَةً (فَ) إنَّهُ (لَا يَبْنِي) فِيهَا (إلَّا فِي الْجَامِعِ) مِثْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَائِلًا؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْجَامِعِ ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَوْدِهِ إلَى الْجَامِعِ حَائِلٌ أَمْ لَا هُوَ الْمَشْهُورُ، فَإِنْ مَنَعَهُ حَائِلٌ إلَى الْجَامِعِ قَبْلَ تَمَامِ صَلَاتِهِ بَطَلَتْ جُمُعَتُهُ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسْأَلَةٍ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ وَكَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنَّمَا كَرَّرَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الرُّعَافِ أَخَذَ يُفَرِّقُ بَيْنَ يَسِيرِ الدَّمِ وَكَثِيرِهِ فَقَالَ: (وَيُغْسَلُ قَلِيلُ الدَّمِ) ظَاهِرُهُ مِنْ أَيِّ دَمٍ كَانَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ (مِنْ الثَّوْبِ) يَعْنِي وَالْجَسَدِ وَالْبُقْعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلَا يَجُوزُ دُخُولُهَا مَعَهُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ: غَسْلُهُ مَنْدُوبٌ وَالْعَفْوُ عَنْهُ مُطْلَقًا كَسَائِرِ الْمَعْفُوَّاتِ فِي وُجُودِ الصَّلَاةِ وَعَدَمِهَا قَالَهُ د.
وَقَالَ ع: يُرِيدُ يَعْنِي الْمُصَنِّفَ بِالْغَسْلِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ وَكَذَا قَالَ ج، وَزَادَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وَلَا تُعَادُ الصَّلَاةُ إلَّا مِنْ كَثِيرِهِ) قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَقِيلَ: إنَّ يَسِيرَ الدَّمِ جِدًّا لَا أَثَرَ لَهُ فَلَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ انْتَهَى الْيَسَارَةُ وَالْكَثْرَةُ مُعْتَبَرَةٌ بِالْعُرْفِ، وَقِيلَ لَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَأَشَارَ مَالِكٌ فِي
[حاشية العدوي]
فِيهِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَبْنِي إلَّا فِي الْجَامِعِ] أَيْ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيهِ وَلَوْ ظَنَّ فَرَاغَ إمَامِهِ؛ لِأَنَّ الْجَامِعَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ وَلَا يُتِمُّهَا بِرِحَابِهِ وَلَوْ كَانَ ابْتَدَأَهَا بِهِ لِضِيقٍ أَوْ اتِّصَالِ صُفُوفٍ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ الْحَطَّابُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَصِحُّ إتْمَامُهَا فِي الرِّحَابِ وَقَوْلُنَا الَّذِي ابْتَدَأَهَا فِيهِ، أَيْ وَلَا يُكَلَّفُ بِمَوْضِعِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَعَ الْإِمَامِ بَلْ يَكْفِي أَيُّ مَوْضِعٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي لِكَثْرَةِ الْفِعْلِ وَكَثْرَتُهُ تُبْطِلُ وَلَوْ صَلَّى فِي جَامِعٍ غَيْرِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ مِنْهُ مِنْ تت وَعِجْ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ] وَمُقَابِلُهُ إنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَامِعِ حَائِلٌ كَسَيْلٍ مَثَلًا أَجْزَأَتْهُ مَكَانَهُ وَإِلَّا رَجَعَ لِلْجَامِعِ.
[قَوْلُهُ: بَطَلَتْ] وَهَذَا لَا يُنَافِي كَمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُضِيفَ رَكْعَةً إلَى رَكْعَةٍ لِتَصِيرَ لَهُ نَافِلَةً وَيَبْتَدِئُ ظُهْرًا بِإِحْرَامٍ.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ مِنْ أَيِّ دَمٍ كَانَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ الَّذِي أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، إنَّمَا هُوَ فِي الْعَفْوِ عَنْ الدِّرْهَمِ فَالْمَشْهُورُ يَقُولُ بِالْعَفْوِ عَنْهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْ جَسَدِ الْإِنْسَانِ أَوْ مَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ الْعَفْوُ مَقْصُورٌ عَلَى الصُّورَةِ الْأُولَى وَخَصَّ ابْنُ حَبِيبٍ الْعَفْوَ بِمَا عَدَا الْحَيْضَ وَالْمَيِّتَةَ، فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ تَعْلَمُ مُنَاسَبَةَ تِلْكَ الْعِبَارَةِ لِذَلِكَ الْمَقَامِ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ عَلَى الْغُسْلِ الْمَذْكُورِ بِالِاسْتِحْبَابِ الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ إذْ هُوَ يُؤْذِنُ بِأَنَّ هَذَا الدَّمُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ غَسْلُهُ مَنْدُوبٌ] قَالَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ غَسْلُ قَلِيلِ الدَّمِ قِيلَ وَاجِبٌ، أَيْ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ وَقِيلَ مَنْدُوبٌ لِعَدَمِ الْإِعَادَةِ بِعَدَمِ غَسْلِهِ اهـ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ وَقِيلَ غَسْلُهُ مَنْدُوبٌ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَأَنَّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ وُجُوبِ غَسْلِ قَلِيلِ الدَّمِ ضَعِيفٌ هَذَا عَلَى مَا فَهِمَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ.
[قَوْلُهُ: وَالْعَفْوُ عَنْهُ مُطْلَقًا] يَحْتَمِلُ أَنَّ تَفْسِيرَهُ فِي وُجُودِ الصَّلَاةِ وَعَدَمِهَا أَيْ فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ وَفِي حَالِ عَدَمِهَا، وَيَحْتَمِلُ مِنْ أَيِّ دَمٍ كَانَ وَيَحْتَمِلُ فِي الْجَسَدِ وَالثَّوْبِ وَالْبُقْعَةِ، وَقَوْلُهُ وَعَدَمِهَا، أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ وَتَلَطُّخِ الْبَدَنِ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّلَطُّخَ حَرَامٌ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ع بَرِيدُ يَعْنِي الْمُصَنِّفُ إلَخْ] أَيْ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَيُغْسَلُ قَلِيلُ الدَّمِ، أَيْ نَدْبًا لَا وُجُوبًا، وَنَقَصَ الشَّارِحُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ شَيْئًا إذْ هُوَ قَالَ: يَعْنِي الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: قَلِيلُ الدَّمِ مَا لَمْ يَنْدُرْ جِدًّا اهـ.
الْمُرَادُ مِنْهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِمَا سَيَأْتِي عَنْ الْمُدَوَّنَةِ [قَوْلُهُ: قَالَ وَهُوَ مَذْهَبُ إلَخْ] أَيْ أَنَّ غَسْلَ الْقَلِيلِ مُسْتَحَبٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا جِدًّا أَمْ لَا، وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ يَسِيرًا جِدًّا لَا أَثَرَ لَهُ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي التَّقْرِيرِ كَمَا يُعْلَمُ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ نَاجِي، فَقَوْلُ الشَّارِحِ أَنَّ يَسِيرَ الدَّمِ جِدًّا لَا أَثَرَ لَهُ هُوَ الْمُقَابِلُ لِمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ أَيْ أَنَّهُ مَذْهَبُهَا كَمَا هُوَ مُفَادُ عِبَارَتِهِ، وَعَرَفْت أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ فِي غَسْلِ الْقَلِيلِ لَا فِي الْكَثِيرِ، وَأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ زَرُّوقٍ الْقَائِلِ بِأَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ وُجُوبُ غَسْلِ الْقَلِيلِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ] أَيْ أَنَّ الْمَشْهُورَ الدِّرْهَمُ الْبَغْلِيُّ.
[قَوْلُهُ: وَفَسَّرَهُ ابْنُ رَاشِدٍ إلَخْ] أَيْ فَسَّرَ الدِّرْهَمَ الْبَغْلَيَّ
الْعُتْبِيَّةِ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الدِّرْهَمُ الْبَغْلِيُّ وَفَسَّرَهُ ابْنُ رَاشِدٍ فِي مَجْهُولِ الْجَلَّابِ بِالدَّائِرَةِ الَّتِي تَكُونُ بِبَاطِنِ الذِّرَاعِ مِنْ الْبَغْلِ، وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ، فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ: لَا أُجِيبُكُمْ إلَى التَّحْدِيدِ بِالدِّرْهَمِ تَحْدِيدُهُ بِذَلِكَ ضَلَالٌ إذْ الدَّرَاهِمُ تُصَغَّرُ وَتُكَبَّرُ، فَقَدْ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْعُرْفُ قَالَ ابْنُ سَابِقٍ: الْيَسِيرُ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ وَالْكَثِيرُ مَا فَوْقَهُ.
وَفِي الدِّرْهَمِ رِوَايَتَانِ انْتَهَى.
وَالْمَشْهُورُ التَّحْدِيدُ بِالدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ.
تَنْبِيهٌ: ع قَوْلُهُ وَلَا تُعَادُ إلَخْ يَعْنِي فِي الْوَقْتِ إذَا صَلَّى بِهِ نَاسِيًا، وَإِنْ صَلَّى بِهِ عَامِدًا أَعَادَ أَبَدًا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَمَّا كَانَ غَيْرُ الدَّمِ مِنْ النَّجَاسَاتِ حُكْمُهُ مُخَالِفٌ لَهُ فِي التَّفْرِقَةِ الْمَذْكُورَةِ وَخَشِيَ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ غَيْرَهُ كَذَلِكَ رَفَعَ ذَلِكَ الْإِبْهَامَ بِقَوْلِهِ: (وَقَلِيلُ كُلِّ نَجَاسَةٍ) مِنْ (غَيْرِهِ) أَيِّ الدَّمِ (وَكَثِيرُهَا سَوَاءٌ) أَيْ فِي غَسْلِ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَإِعَادَةِ الصَّلَاةِ مِنْهُ فِي الْعَمْدِ أَبَدًا.
وَفِي النِّسْيَانِ وَالْعَجْزِ فِي الْوَقْتِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الدَّمَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَلَا يَكَادُ يُتَحَفَّظُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ بَدَنَ الْإِنْسَانِ كَالْقِرْبَةِ الْمَمْلُوءَةِ دَمًا بِخِلَافِ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ إذْ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهَا فِي الْغَالِبِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسْأَلَةٍ اخْتَلَفَ الشُّرَّاحُ فِي فَهْمِهَا وَهِيَ (وَدَمُ الْبَرَاغِيثِ لَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ) ؛ لِأَنَّ غَسْلَهُ مَشَقَّةٌ وَكَثِيرُ كُلْفَةٍ إذْ لَا يَكَادُ يُفَارِقُ الْإِنْسَانَ مَعَ أَنَّ يَسِيرَ الدَّمِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ (إلَّا أَنْ يَتَفَاحَشَ) وَيَخْرُجَ عَنْ الْعَادَةِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ كَذَا قَرَّرَهُ ك. وَقَالَ ع: فِي كَلَامِهِ إشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ إلَّا أَنْ يَكْثُرَ فَيَجِبُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَعْنَاهُ
[حاشية العدوي]
زَادَ فِي التَّحْقِيقِ وَقِيلَ: الدِّرْهَمُ الْبَغْلِيُّ سِكَّةٌ قَدِيمَةٌ لِمَلِكٍ يُسَمَّى رَأْسَ الْبَغْلِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ فِي إلَخْ] هَذَا الِاخْتِلَافُ عَيْنُ مَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: لَا أُجِيبُكُمْ] هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ.
[قَوْلُهُ: تَحْدِيدُ بِذَلِكَ ضَلَالٌ] قَالَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ بَغْلِيًّا أَنَّهُ مِنْ سِكَّةٍ قَدِيمَةِ ضَرَبَهَا مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ رَأْسُ الْبَغْلِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَوَّلًا أَنَّ مَعْنَى بَغْلِيٍّ نِسْبَةٌ إلَى الْبَغْلِ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْعَلَامَةَ الَّتِي فِي ذِرَاعِ الْبَغْلِ.
[قَوْلُهُ: فَقَدْ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْعُرْفُ] أَيْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْقِلَّةُ وَالْكَثْرَةُ بِاعْتِبَارِ الْعُرْفِ لَا بِاعْتِبَارِ الدِّرْهَمِ، أَيْ الَّذِي هُوَ مِقْدَارٌ مُعِينٌ مِنْ الْفِضَّةِ وَعَلَيْهِ فَالْمَنْظُورُ لَهُ الْوَزْنُ لَا الْمَسَّاحَةُ فِيمَا يَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ سَابِقٍ] كَذَا فِي بَعْضِ نُسْخِ الشَّارِحِ الَّتِي يُظَنُّ بِهَا الصِّحَّةُ، وَكَذَا فِي ابْنِ نَاجِي وَالتَّحْقِيقُ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ شَارِحِنَا ابْنِ شَاسٍ وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
[قَوْلُهُ: الْيَسِيرُ إلَخْ] وَحَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ سَابِقٍ أَنَّهُ لَيْسَ تَحْدِيدُ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ بِالْعُرْفِ بَلْ تَحْدِيدُهُ بِالدِّرْهَمِ فَالْيَسِيرُ مَا دُونَهُ وَالْكَثِيرُ مَا فَوْقَهُ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ وَفِي الدِّرْهَمِ رِوَايَتَانِ، أَيْ قِيلَ مِنْ حَيِّزِ الْيَسِيرِ وَقِيلَ مِنْ حَيِّزِ الْكَثِيرِ [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ التَّحْدِيدُ بِالدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ] أَيْ لَا التَّحْدِيدُ بِالْعُرْفِ ثُمَّ نَقُولُ: وَالْبَغْلِيُّ مُحْتَمِلٌ لِلْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ وَالرَّاجِحُ مِنْهُمَا أَنَّ مَعْنَى الْبَغْلِيِّ أَنَّهُ يُشْبِهُ الْعَلَامَةَ الَّتِي فِي ذِرَاعِ الْبَغْلِ، وَرَجَّحَ ابْنُ مَرْزُوقٍ أَنَّ الدِّرْهَمَ مِنْ حَيِّزِ الْيَسِيرِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ بِالدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ لَا بِالْعُرْفِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْبَغْلِيِّ النِّسْبَةَ إلَى مَلِكٍ يُسَمَّى رَأْسَ الْبَغْلِ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُشْبِهُ الْعَلَامَةَ الَّتِي فِي الْبَغْلِ، وَأَنَّ الدِّرْهَمَ مِنْ حَيِّزِ الْيَسِيرِ عَلَى مَا قَرَّرَ ابْنُ مَرْزُوقٍ.
[قَوْلُهُ: إذَا صَلَّى بِهِ نَاسِيًا] أَيْ أَوْ عَاجِزًا وَقَوْلُهُ وَإِنْ صَلَّى بِهِ عَامِدًا أَيْ أَوْ جَاهِلًا أَفْصَحَ بِذَلِكَ تت [قَوْلُهُ: عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ] هَذَا يُفِيدُ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِأَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّ الدَّمَ مِنْ أَفْرَادِهَا، وَقَدْ حَكَمَ بِأَنَّهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ أَبَدًا فِي تَعَمُّدِ الصَّلَاةِ بِالْكَثِيرِ.
وَانْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِ صَاحِبِ الْبَيَانِ الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ رَفْعَ النَّجَاسَاتِ مِنْ الثِّيَابِ وَالْأَبَدَانِ سُنَّةٌ لَا فَرِيضَةٌ اهـ.
[حُكْم دَمُ الْبَرَاغِيثِ]
[قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّ يَسِيرَ الدَّمِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ] اعْلَمْ أَنَّ الْفَاكِهَانِيَّ مُصَرِّحٌ فِي شَرْحِهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّمِ الْخَرْءُ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ مَعَ أَنَّ يَسِيرَ.
. . إلَخْ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ يَسِيرَ الدَّمِ قَدْ عُفِيَ عَنْهُ وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ الْخَرْءِ، فَالْخَرْءُ كَذَلِكَ يُعْفَى عَنْهُ وَلِكَوْنِهِ لَا يَكَادُ يُفَارِقُ الْإِنْسَانَ، وَقَوْلُهُ وَقَالَ ع إلَخْ.
كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ
وَدَمُ الْبَرَاغِيثِ لَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ يَعْنِي لَا وُجُوبًا وَلَا اسْتِحْبَابًا إلَّا أَنْ يَتَفَاحَشَ فَيُسْتَحَبَّ غَسْلُهُ، وَحَدُّ التَّفَاحُشِ مَا بَلَغَ حَدًّا يَسْتَحْيِي مِنْ ظُهُورِهِ بَيْنَ أَقْرَانِهِ، وَقِيلَ: مَا بَلَغَ حَدًّا لَا يُغْتَفَرُ وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ خَرْءَ الْبَرَاغِيثِ وَسَكَتَ عَنْ غَيْرِهِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: وَكَذَلِكَ خَرْءُ الذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ فَإِنَّهُ مِثْلُ خَرْءِ الْبَرَاغِيثِ، وَقِيلَ: هُوَ لَيْسَ مِثْلَهُ، انْتَهَى وَانْظُرْ تَقْرِيرَ بَقِيَّةِ الشُّرَّاحِ فِي الْأَصْلِ.
[حاشية العدوي]
يَأْتِي عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّمِ الْخَرْءُ.
[قَوْلُهُ: فَيُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ] وَقِيلَ: يَجِبُ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ.
[قَوْلُهُ: مَا بَلَغَ حَدًّا لَا يُغْتَفَرُ] أَيْ لَا يُعْتَرَضُ بِهِ عَلَيْهِ فَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ عَيْنُ الْأَوَّلِ لَا أَنَّهُ مُقَابِلٌ لَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي الْخِلَافَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ حَيْثُ قَالَ: وَحَدُّ التَّفَاحُشِ قِيلَ بِاسْتِحْيَائِهِ فِي الْمَجَالِسِ بَيْنَ النَّاسِ وَقِيلَ: مَا لَهُ رَائِحَةٌ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّهُ خِلَافٌ فِي اللَّفْظِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ شَأْنَ الَّذِي لَهُ رَائِحَةٌ أَنَّهُ يُسْتَحَى مِنْهُ فِي الْمَجَالِسِ.
[قَوْلُهُ: وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ إلَخْ] هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّمِ الْخَرْءُ عَلَى مَا قَرَرْنَا، وَلِذَلِكَ قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ يُرِيدُ بِدَمِ الْبَرَاغِيثِ خَرْأَهَا وَأَمَّا الدَّمُ الَّذِي فِي جَوْفِهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الدَّمِ كَمَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ هُوَ لَيْسَ مِثْلَهُ] أَيْ بَلْ يُسْتَحَبُّ غَسْلُ دَمِهَا تَفَاحَشَ أَوْ لَا كَمَا وَجَدَتْهُ فِي بَعْضِ التَّقَايِيدِ، وَفِي الْخَرَشِيِّ تَرْجِيحُ هَذَا الْقَوْلِ وَنَصُّهُ وَلَا يُلْحَقُ بِهَا الْبَقُّ وَالْقَمْلُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِصَاحِبِ الْحُلَلِ
[12 - بَابٌ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ]
كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا بَابُ سُجُودِ الْقُرْآنِ بِحَذْفِ فِي وَفِي بَعْضِهَا (وَسُجُودُ الْقُرْآنِ) مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ بَابٍ وَزِيَادَةِ وَاوٍ وَهُوَ سُنَّةٌ عَلَى مَا شَهَرَهُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ، وَقِيلَ: فَضِيلَةٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ فِي حَقِّ الْقَارِئِ وَقَاصِدِ الِاسْتِمَاعِ لَا السَّامِعِ، وَيُشْتَرَطُ فِي سُجُودِ الثَّانِي ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ صَالِحًا لِلْإِمَامَةِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَمِعُ جَلَسَ لِيَتَعَلَّمَ مِنْ الْقَارِئِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْقِرَاءَةِ مِنْ الْإِدْغَامِ وَنَحْوِهِ أَوْ لِحِفْظِ ذَلِكَ الْمَقْرُوءِ.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَجْلِسَ الْقَارِئُ لِيُسْمِعَ النَّاسَ حُسْنَ قِرَاءَتِهِ.
وَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ وَلَمْ يَسْجُدْ الْقَارِئُ سَجَدَ قَاصِدُ الِاسْتِمَاعِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ سَجَدَاتِ الْقُرْآنِ (إحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً وَهِيَ الْعَزَائِمُ) أَيْ الْأَوَامِرُ بِمَعْنَى الْمَأْمُورِ بِالسُّجُودِ عِنْدَ قِرَاءَتِهَا وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ) وَهُوَ مَا كَثُرَ فِيهِ الْفَصْلُ بِالْبَسْمَلَةِ وَأَوَّلُهُ الْحُجُرَاتُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ (مِنْهَا) أَيْ الْعَزَائِمِ (شَيْءٌ) عَلَى أَنَّهُ لَا سُجُودَ فِي الَّتِي فِي النَّجْمِ وَالِانْشِقَاقِ وَالْقَلَمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ (أَوَّلُهَا فِي المص عِنْدَ قَوْلِهِ) تَعَالَى ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206] :
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ]
ِ [قَوْلُهُ: وَفِي بَعْضِهَا وَسُجُودٌ إلَخْ] هَذِهِ النُّسْخَةُ لَيْسَ فِيهَا مُنَاسَبَةٌ وَالْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِسُجُودِ التِّلَاوَةِ بَدَلَ قَوْلِهِ سُجُودِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ التِّلَاوَةَ أَخَصُّ مِنْ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ التِّلَاوَةَ لَا تَكُونُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْقِرَاءَةُ تَكُونُ فِيهَا وَالسُّجُودُ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ التِّلَاوَةِ لَا عِنْدَ مُجَرَّدِ قِرَاءَةِ كَلِمَةٍ أَوْ اثْنَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ سُنَّةٌ] قَضِيَّةُ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ الرَّاجِحُ وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَعَدَمِهَا وَالسُّجُودُ فِي الصَّلَاةِ مَطْلُوبٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ خِلَافًا لِمَنْ قَصَرَهُ عَلَى السُّنِّيَّةِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ صَالِحًا لِلْإِمَامَةِ] أَيْ بِالْفِعْلِ بِأَنْ يَكُونَ ذَكَرًا بَالِغًا عَاقِلًا مُتَوَضِّئًا فَلَا يَسْجُدُ لِسَمَاعِ قِرَاءَةِ السَّجْدَةِ مِنْ الْخُنْثَى وَلَا مِنْ الْمَرْأَةِ وَلَا مِنْ الصَّبِيِّ وَلَا مِنْ مَجْنُونٍ وَلَا غَيْرِ مُتَوَضِّئٍ، وَيَكْفِي الصَّلَاحِيَّةُ بِالْفِعْلِ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ فَيَسْجُدُ الْمُسْتَمِعُ لِقِرَاءَةِ الْعَاجِزِ عَنْ رُكْنٍ لِصَلَاحِيَّتِهِ لِإِمَامَتِهِ لِمِثْلِهِ وَأَوْلَى الْمُسْتَمِعُ لِمَكْرُوهِ الْإِمَامَةِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ.
[قَوْلُهُ: جَلَسَ لِيَتَعَلَّمَ] أَيْ لَا لِابْتِغَاءِ الثَّوَابِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ كَمَا أَنَّ السَّامِعَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَا يَسْجُدُ.
[قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَجْلِسَ الْقَارِئُ لِيُسْمِعَ النَّاسَ حُسْنَ قِرَاءَتِهِ] بَلْ جَلَسَ قَاصِدًا تِلَاوَةَ كَلَامِ اللَّهِ أَوْ قَاصِدًا إسْمَاعَ النَّاسِ، لِأَجْلِ أَنْ يَتَّعِظُوا فَيَنْزَجِرُوا عَنْ الْمَعَاصِي، فَإِذَا جَلَسَ لِيُسْمِعَ النَّاسَ حُسْنَ قِرَاءَتِهِ فَلَا يُخَاطَبُ السَّامِعُ لَهُ بِالسُّجُودِ وَإِنْ خُوطِبَ بِهِ هُوَ.
[قَوْلُهُ: سَجَدَ قَاصِدًا الِاسْتِمَاعَ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ لَا يَسْجُدُ وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَالْمُعَلِّمُ وَالْمُتَعَلِّمُ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِمَا مَحَلُّ السُّجُودِ فَيَسْجُدَانِ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
[قَوْلُهُ: أَيْ الْأَوَامِرُ] سُمِّيَتْ بِالْعَزَائِمِ لِلْحَثِّ عَلَى فِعْلِهَا خَشْيَةَ تَرْكِهَا وَهُوَ مَكْرُوهٌ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْمَأْمُورِ إلَخْ] أَيْ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ حَقِيقَتَهُ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ اسْمُ مَفْعُولٍ [قَوْلُهُ: عَلَى مَا اخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ] أَيْ وَهُوَ الْمُرْتَضَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَمُقَابِلُهُ أَقْوَالُ ق أَوْ الرَّحْمَنِ أَوْ شُورَى أَوْ الْجَاثِيَةِ أَوْ النَّجْمِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ] مُتَعَلِّقٌ بِأَشَارَ وَالْوَاضِحُ التَّعْبِيرُ بِإِلَى.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ] وَقِيلَ بِالسُّجُودِ فِي الثَّلَاثَةِ.
[قَوْلُهُ: لِيُرَتِّبَ] أَيْ لِيُعَلِّمَ الْجَاهِلَ بِأَنَّهُ آخِرُهَا [قَوْلُهُ: وَقَرَأَهَا]