صَلَاتُهُ وَصِفَتُهُ مُخْتَلِفَةٌ لِأَنَّك إمَّا أَنْ تَكُونَ إمَامًا أَوْ فَذًّا أَوْ مَأْمُومًا وَإِلَى الْأَوَّلَيْنِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِك تَقْصِدُ بِهَا قُبَالَةَ وَجْهِك وَتَتَيَامَنُ بِرَأْسِك قَلِيلًا هَكَذَا يَفْعَلُ الْإِمَامُ وَالرَّجُلُ وَحْدَهُ) وَيَجْهَرَانِ بِهِ إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ يُسْتَحَبُّ لَهُ جَزْمُهُ، وَجَزْمُ الْإِحْرَامِ لِئَلَّا يَسْبِقَهُ الْمَأْمُومُ فِيهِمَا.
وَفِي كَلَامِهِ إشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: عَنْ يَمِينِك أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ بِالْيُمْنَى وَظَاهِرَ قَوْلِهِ: تَقْصِدُ بِهَا قُبَالَةَ وَجْهِك إلَى آخِرِهِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْقِبْلَةِ أَجَابَ عَنْهُ.
ع: بِأَنَّ الْأَخِيرَ يُفَسِّرُ الْأَوَّلَ فَكَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ حِينَ قَالَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِك كَيْفَ يُسَلِّمُ بِهَا عَنْ يَمِينِهِ، فَقَالَ: تَقْصِدُ بِهَا قُبَالَةَ وَجْهِك وَتَتَيَامَنُ بِرَأْسِك قَلِيلًا فَهُوَ يَبْدَأُ بِهَا إلَى وَيَخْتِمُ بِهَا مَعَ التَّيَامُنِ اهـ.
وَالتَّيَامُنُ بِقَدْرِ مَا تَرَى صَفْحَةَ وَجْهِك سُنَّةً عَلَى مَا قَالَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ، وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَاحْتَرَزَ بِقَلِيلٍ مِنْ أَنْ يَتَحَوَّلَ جِدًّا، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى يَمِينِهِ وَلَمْ يُسَلِّمْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى يَسَارِهِ وَلَمْ يُسَلِّمْ أُخْرَى حَتَّى تَكَلَّمَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا إمَامًا أَوْ فَذًّا وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ سَلَامِهِمَا.
(وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَ) صِفَةُ سَلَامِهِ أَنَّهُ (يُسَلِّمُ
[حاشية العدوي]
وَبِالثَّانِيَةِ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَالْفَذُّ يَنْوِي بِهَا التَّحْلِيلَ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ وَالسَّلَامُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ نَدْبًا وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ حَيْثُ اشْتَرَطَ مَعَهَا نِيَّةَ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ قَوْلًا وَاحِدًا أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ مُتَعَدِّدٌ وَيَقَعُ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ فَاحْتَاجَتْ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لِمُصَاحَبَتِهَا النِّيَّةَ لِيَحْصُلَ التَّمْيِيزَ، وَأَيْضًا ضَعُفَ أَمْرُ التَّسْلِيمِ وَعَظُمَتْ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ يَكْتَفِي بِكُلِّ مُنَافٍ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: وَيَجْهَرَانِ بِهِ] اعْلَمْ أَنَّهُ يُسَنُّ الْجَهْرُ بِتَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ لِكُلِّ مُصَلٍّ إمَامًا أَوْ فَذًّا أَوْ مَأْمُومًا، وَأَمَّا تَسْلِيمَةُ غَيْرِهِ وَلَا تَتَصَوَّرُ إلَّا مِنْ الْمَأْمُومِ فَالْأَفْضَلُ فِيهَا السِّرُّ وَهَذَا فِي الرَّجُلِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ مَنْ يَحْصُلُ بِجَهْرِهِ التَّخْلِيطُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَجَهْرُهَا أَنْ تُسْمِعَ نَفْسَهَا، وَيَنْدُبُ الْجَهْرُ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فِي حَقِّ كُلِّ مُصَلٍّ كَغَيْرِهَا لِلْإِمَامِ بِخِلَافِ الْمَأْمُومِ فَالْأَفْضَلُ لَهُ السِّرُّ كَالْفَذِّ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ يُسْتَحَبُّ لَهُ جَزْمُهُ وَجَزْمُ الْإِحْرَامِ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهِ فَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَكَةِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْإِسْرَاعُ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ لِئَلَّا يَسْبِقَهُ الْمَأْمُومُ لَا تَرْكُ الْحَرَكَةِ، اهـ الْمُرَادُ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: بِالْيُمْنَى] أَيْ فِي الْجِهَةِ الْيُمْنَى وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ بِالْقِبْلَةِ.
1 -
[قَوْلُهُ: فَهُوَ يَبْدَأُ بِهَا إلَى الْقِبْلَةِ] أَيْ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ وَيَخْتِمُ بِهَا مَعَ التَّيَامُنِ، أَيْ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ، أَيْ التَّيَامُنُ عِنْدَ النُّطْقِ بِالْكَافِ وَالْمِيمِ وَانْظُرْ هَلْ الْبَدْءُ لِلْقِبْلَةِ وَالْخَتْمُ مَعَ التَّيَامُنِ مِنْ مَنْدُوبٍ وَاحِدٍ أَوْ كُلِّ وَاحِدٍ مَنْدُوبٌ.
[قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ إلَخْ] هُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: مِنْ أَنْ يَتَحَوَّلَ جِدًّا] أَيْ الْفَرْضُ أَنَّهُ أَبْتَدَأَ السَّلَامَ إلَى الْقِبْلَةِ وَإِذَا تَحَوَّلَ جِدًّا فَهَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يُسَلِّمْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ أَجْزَأَهُ] أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ مَنْدُوبًا وَهَلْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا أَوْ خِلَافَ الْأَوْلَى وَإِنَّمَا طُلِبَ مِنْ الْإِمَامِ وَالْفَذِّ الِابْتِدَاءُ بِهَا إلَى الْقِبْلَةِ لِأَنَّهُمَا مَأْمُورَانِ بِالِاسْتِقْبَالِ فِي سَائِرِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَالسَّلَامُ مِنْ جُمْلَةِ أَرْكَانِهَا، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ نُدِبَ انْحِرَافُهُ فِي أَثْنَائِهِ إلَى جِهَةِ يَمِينِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ الِانْحِرَافُ دَلِيلًا لِنَحْوِ الْأَصَمِّ عَلَى خُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى يَسَارِهِ] أَيْ قَاصِدًا التَّحْلِيلَ وَقَوْلُهُ حَتَّى تَكَلَّمَ وَأَوْلَى إنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَقَوْلُهُ وَلَمْ يُسَلِّمْ أُخْرَى لَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ قَصَدَ التَّحْلِيلَ، فَسَوَاءٌ سَلَّمَ أَوْ لَا، تَكَلَّمَ أَوْ لَا، الْتِفَاتٌ إلَى ذَلِكَ لِخُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ] أَيْ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ التَّيَامُنَ وَهُوَ فَضِيلَةٌ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا حَكَاهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ مِنْ الْبُطْلَانِ قَالَ: وَلَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ التَّيَامُنَ.
[قَوْلُهُ: إمَامًا أَوْ فَذًّا] وَمِثْلُهُمَا الْمَأْمُومُ فِي ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ وَأَمَّا لَوْ سَلَّمَ الْمَأْمُومُ عَلَى الْيَسَارِ لِلْفَضْلِ عَمْدًا وَنِيَّتُهُ الْعَوْدِ لِلْأُولَى أَوْ سَاهِيًا يَظُنُّ أَنَّهُ سَلَّمَ الْأُولَى، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَرَى أَنَّ تَسْلِيمَةَ الْيَسَارِ فَضِيلَةٌ لَا تُخْرِجُ مِنْ الصَّلَاةِ، فَطَالَ الْأَمْرُ قَبْلَ عَوْدِهِ إلَى تَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ بَطَلَتْ فَإِنْ لَمْ يَطُلْ فَلَا بُطْلَانَ لِأَنَّهُ لَيْسَ التَّسْلِيمُ لِلْفَضِيلَةِ
تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً يَتَيَامَنُ بِهَا قَلِيلًا وَيَرُدُّ أُخْرَى عَلَى الْإِمَامِ قُبَالَتَهُ) أَيْ قُبَالَةَ الْإِمَامِ وَهُوَ سُنَّةٌ (يُشِيرُ بِهَا إلَيْهِ) بِقَلْبِهِ وَقِيلَ: بِرَأْسِهِ إنْ كَانَ أَمَامُهُ وَإِنْ كَانَ خَلْفَهُ أَوْ عَلَى يَمِينِهِ أَوْ عَلَى يَسَارِهِ تَرَكَ الْإِشَارَةَ بِرَأْسِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ (وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ كَانَ سَلَّمَ عَلَيْهِ عَلَى يَسَارِهِ) إنْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ أَحَدٌ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ لَمْ يَرُدَّ عَلَى يَسَارِهِ شَيْئًا) بِأَنْ لَا يَكُونَ عَلَى يَسَارِهِ أَحَدٌ أَوْ يَكُونَ عَلَى يَسَارِهِ مَسْبُوقٌ.
بَهْرَام: وَهَلْ يَرُدُّ الْمَسْبُوقُ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى مَنْ كَانَ سَلَّمَ عَلَى يَسَارِهِ إذَا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ لَا يَرُدُّ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ رِوَايَتَانِ، اخْتَارَ ابْنُ الْقَاسِمِ الرَّدَّ.
وَلَوْ انْصَرَفَ مِنْ عَلَى يَسَارِهِ وَلَمَّا ذَكَرَ مِنْ صِفَةِ الصَّلَاةِ التَّشَهُّدَ وَكَانَ مَحَلُّهُ الْجُلُوسَ، أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ مَوْضِعَ يَدَيْهِ فِي جُلُوسِهِ لَهُ وَكَيْف يَضَعُهُمَا وَالْإِشَارَةُ بِالسَّبَّابَةِ وَتَحْرِيكُهَا وَمَا يَعْتَقِدُهُ بِذَلِكَ فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ:.
الْأَوَّلُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَجْعَلُ يَدَيْهِ فِي تَشَهُّدَيْهِ) وَفِي نُسْخَةٍ تَشَهُّدِهِ (عَلَى فَخْذَيْهِ) يُرِيدُ أَوْ رُكْبَتَيْهِ وَهَذَا الْجَعْلُ مُسْتَحَبٌّ.
وَالثَّانِي شَيْئَانِ لِأَنَّ كَيْفِيَّةَ وَضْعِ الْيُسْرَى
[حاشية العدوي]
عَلَى الْيَسَارِ كَالْكَلَامِ الْأَجْنَبِيِّ قَبْلَ تَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ، لِأَنَّهُ لَمَّا فَعَلَهُ مَعَ قَصْدِ الْإِتْيَانِ بِتَسْلِيمَةِ التَّحْلِيلِ عَقِبَهُ صَارَ كَمَنْ قَدَّمَ فَضِيلَةً عَلَى فَرْضٍ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْمَأْمُومُ] أَيْ الَّذِي أَدْرَكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ.
[قَوْلُهُ: يَتَيَامَنُ بِهَا قَلِيلًا] أَيْ يُوقِعُ جَمِيعَهَا عَلَى جِهَةِ يَمِينِهِ وَلَا يَسْتَقْبِلَ بِهَا، أَيْ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْإِمَامِ وَالْفَذِّ عَلَى الرَّاجِحِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمَأْمُومَ كَهُمَا وَالْفَرْقُ عَلَى الرَّاجِحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا أَنَّ سَلَامَهُمَا وَرَدَّهُمَا فِي الصَّلَاةِ بِكُلِّ اعْتِبَارٍ فَاسْتَقْبَلَا فِي أَوَّلِهِ الْقِبْلَةَ كَسَائِرِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَقَدْ سَلَّمَ إمَامُهُ وَهُوَ تَبَعٌ لَهُ فَهُوَ فِي مَعْنَى مَنْ انْتَقَضَتْ صَلَاتُهُ.
[قَوْلُهُ: وَيَرُدُّ أُخْرَى] أَيْ وَيُسَنُّ أَنْ يَرُدَّ أُخْرَى.
[قَوْلُهُ: قُبَالَتَهُ] أَيْ يُوقِعُهَا إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَلَا يَتَيَامَنُ وَلَا يَتَيَاسَرُ بِهَا.
[قَوْلُهُ: بِقَلْبِهِ] أَيْ لَا بِرَأْسِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامُ أَمَامَهُ أَوْ كَانَ خَلْفَهُ أَوْ عَلَى يَمِينِهِ أَوْ عَلَى يَسَارِهِ، وَيُجْزِئُهُ فِي تَسْلِيمَةِ الرَّدِّ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَعَلَيْك السَّلَامُ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ بِرَأْسِهِ إنْ كَانَ أَمَامَهُ] هَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ وَظَاهِرُ ذَلِكَ الْقَوْلِ الِاكْتِفَاءُ بِالْإِشَارَةِ بِالرَّأْسِ مِنْ غَيْرِ نِيَّتِهِ كَمَا قَالَهُ عج.
وَقَالَ أَيْضًا وَمَحَلُّ الْخِلَافِ حَيْثُ كَانَ أَمَامَهُ فَإِنْ كَانَ خَلْفَهُ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ فَإِنَّهُ بِقَلْبِهِ اتِّفَاقًا أَيْ يَنْوِي الْإِشَارَةَ إلَيْهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَيَرُدَّ] أَيْ الْمَأْمُومُ، أَيْ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَرُدَّ.
[قَوْلُهُ: عَلَى يَسَارِهِ] أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الَّذِي سَلَّمَ عَلَيْهِ كَائِنًا عَلَى يَسَارِهِ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ عَلَى يَسَارِهِ إلَّا إذَا سَلَّمَ الَّذِي عَلَى يَسَارِهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَوْ فَرَضَ أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ لِذُهُولِهِ عَنْ السَّلَامِ مَثَلًا أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: بِأَنْ لَا يَكُونَ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَامِلًا لِصُورَتَيْنِ أَنْ لَا يَكُونَ بِيَسَارِهِ أَحَدٌ أَوْ يَكُونَ عَلَى يَسَارِهِ مَسْبُوقٌ وَلَا يَصِحُّ بَلْ مَا مَدْلُولُهُ إلَّا صُورَةً وَاحِدَةً وَهِيَ الْأُولَى الَّتِي هِيَ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى يَسَارِهِ أَحَدٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ أَوْ يَكُونُ عَلَى يَسَارِهِ مَسْبُوقٌ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْمُصَنِّفِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: أَوْ يَكُونَ عَلَى يَسَارِهِ مَسْبُوقٌ] أَيْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمَسْبُوقُ أَدْرَكَ رَكْعَةً وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ شَرْطَ الرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ أَدْرَكَ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ، فَمَنْ لَمْ يُحَصِّلْ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ لَا يَرُدُّ عَلَى إمَامِهِ وَلَا عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ وَمَنْ عَلَى يَمِينِهِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ، وَبَقِيَ شَرْطٌ لِرَدِّ الْمَأْمُومِ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ سَلَّمَ قَبْلَ الْمَأْمُومِ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ السَّابِقُ بِالسَّلَامِ هُوَ الْمَأْمُومَ كَأَهْلِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فَإِنَّهُمْ لَا يَرُدُّونَ عَلَى الْإِمَامِ وَيُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: اخْتَارَ ابْنُ الْقَاسِمِ الرَّدَّ] أَيْ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: فِي جُلُوسِهِ لَهُ] أَيْ لِلتَّشَهُّدِ.
[قَوْلُهُ: وَكَيْفَ يَضَعُهُمَا] أَيْ جَوَابُ كَيْفَ يَضَعُهُمَا.
[قَوْلُهُ: وَيَجْعَلُ يَدَيْهِ] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: فِي تَشَهُّدَيْهِ] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَمِثْلُهُمَا فِي حَالِ الدُّعَاءِ أَيْضًا إلَى السَّلَامِ.
[قَوْلُهُ: وَفِي نُسْخَةِ تَشَهُّدِهِ] يُرَادُ الْجِنْسُ وَهِيَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ مَا فِيهِ تَشَهُّدٌ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى فَخْذَيْهِ إلَخْ] تَثْنِيَةُ فَخْذٍ وَهُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْبَةِ وَالْوَرِكِ وَكَذَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ.
وَفِي التَّتَّائِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَى فَخْذَيْهِ وَهُمَا قَرِيبَتَانِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ.
[قَوْلُهُ: يُرِيدُ أَوْ رُكْبَتَيْهِ
تُخَالِفُ وَضْعَ الْيُمْنَى وَسَيَأْتِي.
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ وَضْعِ الْيُمْنَى فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَقْبِضُ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُمْنَى وَيَبْسُطُ) أَيْ يَمُدُّ (السَّبَّابَةَ) وَهِيَ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَتَسَابُّونَ بِهَا، وَتُسَمَّى أَيْضًا الدَّاعِيَةَ لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا عِنْدَ الدُّعَاءِ وَالْمُسَبِّحَةَ لِأَنَّهُ يُسَبَّحُ بِهَا وَمِذَبَّةً لِلشَّيْطَانِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَمُدُّ الْإِبْهَامَ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الطِّرَازِ الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَبْضُ الْيُمْنَى إلَّا الْمُسَبِّحَةَ فَيَبْسُطُهَا دَلِيلُهُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ يَمُدُّهُ مَعَ السَّبَّابَةِ بَهْرَامُ: وَيَجْعَلُهُ تَحْتَ السَّبَّابَةِ وَدَلِيلُهُ مَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -.
تَنْبِيهٌ:
ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ كَالْمُخْتَصَرِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْقَبْضَ الْمَذْكُورَ خَاصٌّ بِجُلُوسِ التَّشَهُّدِ، وَأَمَّا فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَيَضَعُهُمَا مَبْسُوطَتَيْنِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَابْنِ الْجَلَّابِ أَنَّهُ عَامٌّ فِي الْجُلُوسَيْنِ.
ق: وَمَا قَالَاهُ لَا يُوجَدُ فِي الْمَذْهَبِ مَنْصُوصًا وَالثَّالِثُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (يُشِيرُ بِهَا) أَيْ السَّبَّابَةِ الْإِشَارَةَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْبَسْطِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ الْمَدُّ، وَالْإِشَارَةُ النَّصْبُ حَتَّى كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَطْعَنَ شَخْصًا أَمَامَهُ وَاحْتُرِزَ بِهِ مِنْ أَنْ يَبْسُطَ وَلَا يُشِيرَ وَبِقَوْلِهِ:
[حاشية العدوي]
إلَخْ] مَرْدُودٌ إذْ لَا يُنْدَبُ وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ، بَلْ يُنْدَبُ وَضْعُهُمَا بِقُرْبِهِمَا كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْفَاكِهَانِيُّ وَكَذَا قَالَ الْقَرَافِيُّ عَلَى فَخْذَيْهِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ.
[قَوْلُهُ: كَانُوا يَتَسَابُّونَ بِهَا] أَيْ يُشِيرُونَ بِهَا عِنْدَ السَّبِّ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا عِنْدَ الدُّعَاءِ] أَيْ دُعَاءِ الْمَوْلَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي طَلَبِ حَاجَةٍ مَعَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الدُّعَاءِ فَإِنْ قُلْت: مِنْ أَيْنَ لَك ذَلِكَ، قُلْت: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي بَعْضِ تَآلِيفِهِ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ كَشْفُ الْيَدَيْنِ.
وَقَالَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ مَا نَصُّهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَتُكْرَهُ الْإِشَارَةُ فِيهِ بِإِصْبَعَيْنِ وَإِنَّمَا يُشِيرُ بِسَبَّابَةِ يَدِهِ الْيُمْنَى، اهـ لَفْظُهُ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُسَبَّحُ بِهَا] أَيْ عِنْدَ الشَّهَادَتَيْنِ كَذَا قَالَ عج، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ يُشَارُ بِهَا إلَى التَّسْبِيحِ أَيْ التَّنْزِيهِ عَنْ الشَّرِيكِ عِنْدَ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَعِبَارَةُ الْخَرَشِيِّ فِي كَبِيرِهِ سُمِّيَتْ سَبَّابَةً لِإِشَارَةِ الْعَرَبِ بِهَا لِلسَّبِّ وَمُسَبِّحَةً لِلْإِشَارَةِ بِهَا لِلتَّوْحِيدِ.
[قَوْلُهُ: وَمُذِبَّةً لِلشَّيْطَانِ] فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ مُذِبَّةٌ لِلشَّيْطَانِ لَا يَسْهُو أَحَدُكُمْ مَا دَامَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ اهـ. وَمُذِبَّةٌ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مُشَدَّدَةٍ آخِرُهُ تَاءٌ، أَيْ مُطْرِدَةٌ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ.
[قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يُمَدُّ الْإِبْهَامُ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَإِذَا قُلْنَا: يَقْبِضُ الْإِبْهَامَ فَقِيلَ: يَجْعَلُ طَرَفَهَا عَلَى الْأُنْمُلَةِ السُّفْلَى مِنْ الْأُصْبُعِ الْوُسْطَى وَقِيلَ: يَجْعَلُهُ دُونَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ فَعَلَى هَذَا يَعْطِفُهُ جِدًّا اهـ.
[قَوْلُهُ: دَلِيلُهُ مَا فِي الْمُوَطَّأِ إلَخْ] وَنَصُّ الْمُوَطَّأِ «كَانَ أَيْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخْذِهِ الْيُمْنَى وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ» اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْكُلُّ الْمَجْمُوعِيُّ وَأَنَّ الْإِبْهَامَ مَمْدُودَةٌ كَالسَّبَّابَةِ فَلَا تُخَالِفُ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ وَنَصُّهُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَعَدَ يَدْعُو وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخْذِهِ الْيُمْنَى وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخْذِهِ الْيُسْرَى وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةَ، وَوَضَعَ إبْهَامَهُ عَلَى أُصْبُعِهِ الْوُسْطَى» اهـ. فَقَوْلُهُ وَدَلِيلُهُ، أَيْ دَلِيلُ كَوْنِهِ يُمِدُّهُ مَعَ السَّبَّابَةِ [قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الَّذِي فِيهِ أَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ بِتَمَامِهَا مُسْتَحَبَّةٌ فَإِنَّهُ قَالَ وَعَقْدُهُ يُمْنَاهُ بِتَشَهُّدَيْهِ مَادًّا السَّبَّابَةَ وَالْإِبْهَامَ [قَوْلُهُ: وَيَجْعَلُهُ تَحْتَ السَّبَّابَةِ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُ أَنَّهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى هَيْئَةِ التِّسْعَةِ وَالْعِشْرِينَ فَيَكُونُ الْخِنْصَرُ وَالْبِنْصِرُ وَالْوُسْطَى أَطْرَافَهُنَّ عَلَى اللَّحْمَةِ الَّتِي تَحْتَ الْإِبْهَامِ وَيَبْسُطُ الْمُسَبِّحَةَ وَيَجْعَلُ جَنْبَهَا إلَى السَّمَاءِ وَيُمِدُّ الْإِبْهَامَ بِجَنْبِهَا عَلَى الْوُسْطَى فَقَبْضُ الثَّلَاثَةِ وَوَضْعُ أَطْرَافِهِنَّ عَلَى اللَّحْمَةِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ هُوَ قَبْضُ تِسْعَةٍ وَمَدُّ السَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ هُوَ الْعِشْرُونَ.
[قَوْلُهُ: عَامٌّ فِي الْجُلُوسَيْنِ] أَيْ جُلُوسِ التَّشَهُّدِ وَالْجُلُوسِ الَّذِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ كَمَا أَفَادَهُ عج.
[قَوْلُهُ: صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْبَسْطِ] فَالْبَسْطُ الْمَدُّ
(وَقَدْ نَصَبَ حَرْفَهَا) أَيْ جَنْبَهَا (إلَى وَجْهِهِ) أَيْ قُبَالَةَ وَجْهِهِ (احْتِرَازًا) مِنْ أَنْ يَبْسُطَهَا وَبَاطِنُهَا إلَى الْأَرْضِ وَظَاهِرُهَا إلَى وَجْهِهِ وَبِالْعَكْسِ.
وَالرَّابِعُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَاخْتُلِفَ فِي تَحْرِيكِهَا) فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُحَرِّكُهَا.
وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ: لَا يُحَرِّكُهَا، وَإِذَا قُلْنَا يُحَرِّكُهَا فَهَلْ فِي جَمِيعِ التَّشَهُّدِ أَوْ عِنْدَ الشَّهَادَتَيْنِ فَقَطْ قَوْلَانِ اقْتَصَرَ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى الْأَوَّلِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فَهَلْ يَمِينًا وَشِمَالًا أَوْ أَعْلَى وَأَسْفَلَ قَوْلَانِ وَالْخَامِسُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَقِيلَ يُعْتَقَدُ بِالْإِشَارَةِ بِهَا) أَيْ بِنَصْبِهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ (أَنَّ اللَّهَ إلَهٌ وَاحِدٌ وَ) قِيلَ (يَتَأَوَّلُ) أَيْ يَعْتَقِدُ (مَنْ يُحَرِّكُهَا أَنَّهَا مَقْمَعَةٌ) أَيْ مَطْرَدَةٌ (لِلشَّيْطَانِ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْمِقْمَعَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ إذَا جَعَلْتهَا مَحَلًّا لِقَمْعِهِ وَإِنْ جَعَلْتهَا آلَةً لِقَمْعِهِ قُلْت مِقْمَعَةً بِكَسْرِ الْمِيمِ (وَأَحْسَبُ) أَيْ أَظُنُّ (تَأْوِيلَ) أَيْ مَعْنَى (ذَلِكَ) التَّحْرِيكِ (أَنْ يَذْكُرَ بِذَلِكَ) التَّحْرِيكِ (مِنْ أَمْرِ) أَيْ شَأْنِ (الصَّلَاةِ مَا يَمْنَعُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ) تَعَالَى (عَنْ السَّهْوِ) وَهُوَ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ (فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ.
(وَ) مَا يَمْنَعُهُ عَنْ (الشُّغْلِ عَنْهَا) وَهُوَ مَا يُشْغَلُ بِهِ قَلْبُهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى كَيْفِيَّةِ وَضْعِ
[حاشية العدوي]
وَالْإِشَارَةُ زَائِدَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَهِيَ تَتَضَمَّنُ الْبَسْطُ وَالْبَسْطُ لَا يَتَضَمَّنُهَا.
[قَوْلُهُ: فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ] يُحَرِّكُهَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَوْلُ ابْنِ مُزَيْنٍ ضَعِيفٌ هُوَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُزَيْنٍ أَصْلُهُ مِنْ طُلَيْطِلَةَ وَانْتَقَلَ إلَى قُرْطُبَةَ وَدَخَلَ الْعِرَاقَ وَسَمِعَ مِنْ الْقَعْنَبِيِّ وَسَمِعَ بِمِصْرَ مِنْ أَصْبَغَ بْنِ الْفَرَجِ تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: فَهَلْ فِي جَمْعِ التَّشَهُّدِ] أَيْ مِنْ مَبْدَأِ التَّحِيَّاتِ إلَى رَسُولِهِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُحَرِّكُهَا فِيمَا زَادَ عَلَى التَّشَهُّدِ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ، وَقَوْلُهُ اقْتَصَرَ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى الْأَوَّلِ، أَيْ فِي جَمِيعِ التَّشَهُّدِ الَّذِي آخِرُهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، هَذَا صَرِيحُ حِلِّ بَعْضِ الشُّرَّاحِ لِكَلَامِ خَلِيلٍ، وَلَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَشْيَاخِ أَنَّهُ يُحَرِّكُهَا لِآخِرِ الدُّعَاءِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ بِنَصْبِهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ] قَالَ عج بَعْدَ نَفْلِ كَلَامِهِ قُلْت: وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ بِنَصْبِهَا سِوَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا فِي تَحْرِيكِهَا فَذَكَرَ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ قَوْلَيْنِ وَعَلَى هَذَا فَلَمْ يَذْكُرْ مُقَابِلَ قَوْلِهِ فَقِيلَ: يَعْتَقِدُ بِالْإِشَارَةِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَاحِدٌ] أَيْ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْمِيمِ] أَيْ الْأُولَى كَمَا فِي عج فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمِقْمَعَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى إذَا جَعَلْتهَا مَحَلًّا لِقَمْعِهِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: قُلْت مِقْمَعَةً إلَخْ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ قَمَعْته قَمْعًا أَذْلَلْته وَقَمَعْته ضَرَبْته بِالْمِقْمَعَةِ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى وَهِيَ خَشَبَةٌ يُضْرَبُ بِهَا الْإِنْسَانُ عَلَى رَأْسِهِ لِيُذَلَّ وَيُهَانَ اهـ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مَعْنَى ذَلِكَ] لَمَّا كَانَتْ حَقِيقَةُ التَّأْوِيلِ الَّتِي هِيَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ غَيْرَ صَحِيحَةٍ فَسَّرَهُ بِمَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ، أَيْ مَعْنَى ذَلِكَ أَيْ عِلَّةُ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يَذْكُرَ] أَيْ تَذْكُرُهُ أَيْ اسْتِحْضَارُهُ.
[قَوْلُهُ: بِذَلِكَ التَّحْرِيكِ] أَيْ فَالْإِشَارَةُ عَائِدَةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ وَقِيلَ عَلَى الْإِشَارَةِ وَقِيلَ عَلَيْهِمَا مَعًا.
قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَهُوَ الَّذِي تَأَوَّلَهُ الْمُؤَلِّفُ.
[قَوْلُهُ: مَا يَمْنَعُهُ] أَيْ شَيْئًا يَمْنَعُهُ وَهَذَا الشَّيْءُ كَوْنُهُ فِي صَلَاةٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ عِبَارَةِ تت الْآتِيَةِ.
[قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ] يُحْتَمَلُ عَوْدُهُ لِقَوْلِهِ وَأَحْسَبُ تَأْوِيلَ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ لِقَوْلِهِ مَا يَمْنَعُهُ وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْأَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ] فَسَّرَ السَّهْوَ بِمَا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ لَا بِحَقِيقَتِهِ وَلَوْ فَسَّرَهُ بِهَا لَصَحَّ.
[قَوْلُهُ: وَمَا يَمْنَعُهُ] أَيْ كَوْنُهُ فِي صَلَاةٍ.
[قَوْلُهُ: عَنْ الشُّغْلِ عَنْهَا] أَيْ عَنْ الِاشْتِغَالِ عَنْهَا وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ، أَيْ عَنْ الِاشْتِغَالِ عَنْهَا بِأَمْرٍ، وَقَوْلُهُ: وَهُوَ لَيْسَ بَيَانًا لِمَا وَلَا بَيَانًا لِلشُّغْلِ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ بَلْ هُوَ عَائِدٌ عَلَى الْمَحْذُوفِ الْمَذْكُورِ أَوْ عَائِدٌ عَلَى مَا يُشْغَلُ بِهِ الْمَفْهُومُ مِنْ الشُّغْلِ كَحِسَابِ الْعَدَدِ مَثَلًا، إذْ هُوَ أَمْرٌ شَأْنُهُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِهِ قَلْبُهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: قَلْبُهُ] لَا مَفْهُومَ لَهُ فَلَا يُنَافِي اشْتِغَالُ الْجَوَارِحِ مَعَهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ [قَوْلُهُ: خَارِجَ الصَّلَاةِ] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يُشْغَلُ إلَخْ.
قَالَ تت وَإِنَّمَا خُصَّتْ السَّبَّابَةُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ عِرْقًا مِنْهَا يَتَّصِلُ بِالْقَلْبِ، فَإِذَا تَحَرَّكَتْ تَحَرَّكَ الْقَلْبُ وَعَلِمَ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا فِي تَرْكِ السَّهْوِ.
قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ وَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَ فِي صَلَاتِهِ مَا يَمْنَعُهُ وَيَحْفَظُهُ عَنْ السَّهْوِ كَالْخَاتَمِ يَكُونُ فِي أُصْبُعٍ فَإِذَا
الْيُسْرَى بِقَوْلِهِ: (وَيَبْسُطُ) أَيْ يَمُدُّ (يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخْذِهِ الْأَيْسَرِ وَلَا يُحَرِّكُهَا) أَيْ السَّبَّابَةَ (وَلَا يُشِيرُ بِهَا) . ج: بَسْطُ الْيَدِ الْيُسْرَى مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ مَدُّهَا، وَهَلْ التَّحْرِيكُ مُرَادِفٌ لِلْإِشَارَةِ أَوْ مُغَايِرٌ؟ قَوْلَانِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ الْمُغَايِرَةُ لِعَطْفِهِ الْإِشَارَةَ عَلَى التَّحْرِيكِ.
(وَيُسْتَحَبُّ الذِّكْرُ بِأَثَرِ الصَّلَوَاتِ) الْمَفْرُوضَاتِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بِنَافِلَةٍ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَنَّ «رَجُلًا صَلَّى الْفَرِيضَةَ فَقَامَ يَتَنَفَّلُ فَجَذَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَجْلَسَهُ، وَقَالَ لَهُ: لَا تُصَلِّ النَّافِلَةَ بِأَثَرِ الْفَرِيضَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَصَبْت يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَصَابَ اللَّهُ بِك» وَالذِّكْرُ الْمَذْكُورُ يَكُونُ بِالْأَلْفَاظِ الْمَسْمُوعَةِ مِنْ الشَّارِعِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا أَنَّهُ (يُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) تَسْبِيحَةً.
(وَيَحْمَدُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) تَحْمِيدَةً (وَيُكَبِّرُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) تَكْبِيرَةً (وَيَخْتِمُ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ع: هَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ بِتَرْكِ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ.
وَيُرْوَى هُنَا لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ انْتَهَى.
وَقَدَّمَ التَّحْمِيدَ عَلَى التَّكْبِيرِ وَعَكَسَ فِي بَابِ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ كَذَلِكَ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِثْلُ مَا هُنَا، وَفِي الْمُوَطَّأِ مِثْلُ مَا فِي بَابِ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً مَجْمُوعَةً لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاوِ لَا بِثُمَّ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ عَرَفَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ اخْتَارَ أَنْ يَقُولَهَا مُفَرَّقَةً فَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ كَذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَيَخْتِمُ ذَلِكَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَخْ (وَيُسْتَحَبُّ بِإِثْرِ صَلَاةِ الصُّبْحِ
[حاشية العدوي]
صَلَّى رَكْعَةً يَنْزِعُهُ وَيَجْعَلُهُ فِي أُخْرَى.
[قَوْلُهُ: أَيْ السَّبَّابَةَ] الْأَوْلَى عِبَارَةُ تت حَيْثُ قَالَ، أَيْ سَبَّابَتَهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ ضَمِيرَ يُحَرِّكُهَا إنَّمَا يَرْجِعُ لِلْيُسْرَى لِأَنَّهَا الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُشِيرُ بِهَا] وَلَوْ قُطِعَتْ يُمْنَاهُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ مُغَايِرٌ إلَخْ] الظَّاهِرُ الْمُغَايَرَةُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ بِأَثَرِ الصَّلَوَاتِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَهُ بِأَثَرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ وَالذِّكْرِ بِفَاصِلٍ، فَلَوْ حَصَلَ فَاصِلٌ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ مُعْرِضًا عَنْ الْإِتْيَانِ بِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ، وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُعْرِضًا عَنْ الْإِتْيَانِ بِهِ فَإِنْ كَانَ مَعَ النِّسْيَانِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَمْدًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الطَّرِيقَةُ الْمَشْرُوعَةُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ إلَّا أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ، أَيْ يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ تَسْبِيحٍ مُطْلَقٍ وَتَحْمِيدٍ وَتَكْبِيرٍ، كَذَلِكَ هَذَا إذَا كَانَ تَأْخِيرُهُ لَا لِذِكْرٍ مَشْرُوعٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ أَخَّرَهُ لِسَبَبِ الْإِتْيَانِ بِمَا شَرَعَ أَيْضًا عَقِبَ الصَّلَوَاتِ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ ثَلَاثًا.
وَقَوْلُهُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ فِي تَأْخِيرِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ إلَخْ، وَإِنَّمَا الْمُضِرُّ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ غَيْرِ مَشْرُوعٍ كَحَاجَةِ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا شُرِعَ مِنْ الْأَذْكَارِ قَالَهُ عج.
[قَوْلُهُ: أَصَابَ اللَّهُ بِك] أَيْ أَوْقَعَ اللَّهُ الصَّوَابَ مُلْتَبِسًا بِك أَيْ عَلَى يَدَيْك.
[قَوْلُهُ: مِنْهَا إلَخْ] أَيْ وَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: يُسَبِّحُ اللَّهَ] أَيْ بِمَدِّ الْجَلَالَةِ مَدًّا طَبِيعِيًّا.
[قَوْلُهُ: لَهُ الْمُلْكُ] أَيْ اسْتِحْقَاقُ التَّصَرُّفِ فِي سَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ] أَيْ مُشِيءٌ وَلَا يَكُونُ إلَّا مُمَكَّنًا فَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُقَالَ هَذَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى.
[قَوْلُهُ: وَيُرْوَى] هَذَا مُقَابِلَ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ] أَيْ فَيُؤْخَذُ مِنْ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ كَمَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ [قَوْلُهُ: وَفِي الْمُوَطَّأِ إلَخْ] وَلَفْظُ الْمُوَطَّأِ «مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ دُبْرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَخْتِمُ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» . [قَوْلُهُ: وَمِنْهُمْ مَنْ اخْتَارَ إلَخْ] قَالَ الشَّيْخُ وَأَقُولُ فَيُسْتَفَادُ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ وَقَالَ تت، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَذْكُرَ الثَّلَاثَةَ جُمْلَةً أَوْ كُلَّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ.
[قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَالْأَحْوَطُ الْجَمْعُ بَيْنَ
التَّمَادِي فِي الذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ) .
ع: يَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنَّ الذِّكْرَ خِلَافُ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِالذِّكْرِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَفْسِيرُ الذِّكْرِ مَا بَعْدَهُ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ وَهُوَ الِاسْتِغْفَارُ إلَخْ (إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ قُرْبَ طُلُوعِهَا) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ تَامَّةً تَامَّةً» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَعَلَى هَذَا مَضَى عَمَلُ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، كَانُوا يُثَابِرُونَ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالذِّكْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى آخِرِ وَقْتِهَا.
وَقَوْلُهُ: (وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ يُسْتَحَبُّ (وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ) طُلُوعِ (الْفَجْرِ) قَدْ أُخِذَ مِنْهُ بَيَانُ وَقْتِهَا فَلَا تُجْزِئُ إذَا رَكَعَهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَوْ بِالْإِحْرَامِ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَتْ تَابِعَةً لِفَرِيضَةِ الْفَجْرِ، فَتَعَلَّقَتْ بِوَقْتِ الْمَتْبُوعِ وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ حُكْمُهَا، وَقَدْ حُكِيَ فِيهَا فِي بَابِ جُمَلٍ مِنْ الْفَرَائِضِ قَوْلَيْنِ: الرَّغِيبَةُ وَالسُّنِّيَّةُ، وَصَدَّرَ بِالْأَوَّلِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ، وَصَحَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ الْحَاجِبِ.
الثَّانِي: وَلَا بُدَّ أَنْ يَنْوِيَ بِهِمَا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لِيَمْتَازَا عَنْ النَّوَافِلِ، فَإِنْ صَلَّاهُمَا بِغَيْرِ نِيَّةِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لَمْ تَجْزِيَاهُ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ (يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْهُمَا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (بِأُمِّ الْقُرْآنِ) فَقَطْ (يُسِرُّهَا) لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ وَمُسْلِمٍ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -
[حاشية العدوي]
الرِّوَايَاتِ يُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيَحْمَدُ كَذَلِكَ وَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَيَخْتِمُ بِقَوْلِهِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ اهـ.
[قَوْلُهُ: قَالَ بَعْضُهُمْ إلَخْ] قَالَ ابْنُ نَاجِي وَيَظْهَرُ أَنَّ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَهُ هَذَا الشَّرَفُ لِأَنَّهُ مِنْ أَشْرَفِ الْأَذْكَارِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ وَرَأَى بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ لِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وَالِاسْتِغْفَارِ، وَاخْتَلَفَ الْأَشْيَاخُ هَلْ تَعَلُّمُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَوْلَى أَوْ الِاسْتِغْفَارُ؟ التَّادَلِيُّ وَبِالْأَوَّلِ كَانَ يُفْتِي بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ لِقِلَّةِ الْحَامِلِينَ لَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَبِهَذَا الْقَوْلِ أَقُولُ لِخَبَرِ، «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» . [قَوْلُهُ: إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْغَايَةَ بِإِلَى خَارِجَةٌ وَتَعْبِيرَ الْحَدِيثِ بِحَتَّى يُفِيدَ الدُّخُولَ فَتَكُونُ إلَى فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى حَتَّى، أَيْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتَرْتَفِعَ قَدْرَ رُمْحٍ.
[قَوْلُهُ: الْفَجْرِ] أَيْ الصُّبْحِ.
[قَوْلُهُ: فِي جَمَاعَةٍ] ظَاهِرُهُ وَلَوْ فِي بَيْتِهِ.
[قَوْلُهُ: حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ قَاصِرٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيَحْتَاجُ قَوْلُهُ أَوْ قُرْبُ طُلُوعِهَا لِدَلِيلٍ كَمَا لَا يَخْفَى.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ] أَيْ رَكْعَتَيْ الضُّحَى.
[قَوْلُهُ: تَامَّةً تَامَّةً] كَذَا فِي النُّسَخِ تَامَّةً تَامَّةً مَرَّتَيْنِ، وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي التِّرْمِذِيِّ ذِكْرَ تَامَّةٍ ثَلَاثًا، وَكَذَا فِي تت وَالْقَصْدُ التَّأْكِيدُ وَحَذْفُ هَذَا الْوَصْفِ مِنْ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ لِدَلَالَةِ الثَّانِي.
[قَوْلُهُ: يُثَابِرُونَ] أَيْ يُدَاوِمُونَ.
[قَوْلُهُ: مُسْتَغْنًى عَنْهُ] اعْلَمْ أَنَّ فِي تت الْجَوَابَ وَنَصُّهُ وَنَبَّهَ بِهِ عَلَى خِلَافِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَإِلَّا فَهُوَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا وَيُسْتَحَبُّ.
فَائِدَةٌ:
قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيُكْرَهُ النَّوْمُ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَالْكَلَامُ أَحْرَى وَعِلَّةُ ذَلِكَ الشَّرَفُ وَهَذَا لِمَنْ لَمْ يَقُمْ اللَّيْلَ وَأَمَّا مَنْ سَهِرَ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ اهـ.
[قَوْلُهُ: فَلَا تُجْزِئُ إذَا رَكَعَهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ] أَيْ تَحْقِيقًا تَحَرَّى أَمْ لَا وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا تَحَرَّى وَأَوْقَعَهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ فَعَلَهَا بَعْدُ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ فَلَا إعَادَةَ وَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَوْقَعَهَا قَبْلُ فَيُعِيدُهَا، وَإِنْ أَحْرَمَ مَعَ الشَّكِّ بِدُونِ تَحَرٍّ فَلَا تُجْزِي وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْإِحْرَامَ وَقَعَ بَعْدَ دُخُولِهِ.
[قَوْلُهُ: وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَفَاوُتُ الصَّوَابِ فَإِنَّ ثَوَابَ السُّنَّةِ أَكْثَرُ مِنْ الرَّغِيبَةِ وَالنَّافِلَةِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ] الِاسْتِحْبَابُ مُنْصَبٌّ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ.
[قَوْلُهُ: يُسِرُّهَا] أَيْ نَدْبًا [قَوْلُهُ: شَيْخُنَا وَهَذَا
قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَيُخَفِّفُ حَتَّى أَقُولَ هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَمْ لَا؟» وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: يَقْرَأُ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ لِمَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَرَأَ فِيهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] » . شَيْخُنَا: وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ دَلِيلِ الْمَشْهُورِ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ نَصٌّ، وَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ.
وَالنَّصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الظَّاهِرِ وَصَلَاتُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ.
وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَلَمْ يَكُنْ رَكَعَهُمَا فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْفَرِيضَةُ تَرَكَهُمَا وَدَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يَرْكَعُهُمَا بَعْدَ الشَّمْسِ فَإِنَّ وَقْتَهُمَا مُمْتَدٌّ إلَى الزَّوَالِ، وَلَا يُقْضَى شَيْءٌ مِنْ النَّوَافِلِ غَيْرَهُمَا، وَإِذَا نَامَ عَنْ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ صَلَّاهُمَا بَعْدُ وَمَنْ نَسِيَهُمَا حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ أَوْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَا يَرْكَعُهُمَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَإِنْ وَجَدَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ وَلَمْ يَرْكَعْهُمَا أَحْرَمَ وَجَلَسَ حَتَّى يُسَلِّمَ، وَيَبْنِيَ عَلَى إحْرَامِهِ ثُمَّ يَرْكَعَهُمَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الصُّبْحِ انْتَقَلَ يُبَيِّنُ صِفَةَ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَقَالَ: (وَالْقِرَاءَةُ فِي الظُّهْرِ بِنَحْوِ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ مِنْ الطِّوَالِ أَوْ دُونَ ذَلِكَ قَلِيلًا) قَاعِدَةُ الشَّيْخِ عَلَى مَا قَالَهُ ج: أَنَّهُ إذَا أَتَى بِأَوْفَى كَلَامِهِ تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قِيلَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَالْقِرَاءَةُ فِي الظُّهْرِ بِنَحْوِ الْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ مِنْ الطِّوَالِ فِي قَوْلٍ وَهُوَ لِأَشْهَبَ وَابْنِ حَبِيبٍ، وَدُونَ ذَلِكَ فِي قَوْلٍ وَهُوَ لِمَالِكٍ وَيَحْيَى.
(وَلَا يَجْهَرُ فِيهَا) أَيْ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ (بِشَيْءٍ مِنْ الْقِرَاءَةِ) لَا بِالْفَاتِحَةِ وَلَا بِمَا زَادَ عَلَيْهَا (وَ) إنَّمَا (يَقْرَأُ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ سِرًّا وَ) يَقْرَأُ (فِي الْأَخِيرَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَحْدَهَا سِرًّا) وَهُوَ تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ وَلَا يَجْهَرُ (وَيَتَشَهَّدُ فِي الْجِلْسَةِ الْأُولَى قَوْلُهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا قَبْلُ بِقَوْلِهِ: وَمِمَّا يَزِيدُهُ إلَخْ مَحَلُّهَا التَّشَهُّدُ الثَّانِي فِيمَا فِيهِ تَشَهُّدَانِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا الْأَوَّلِ
[حاشية العدوي]
أَظْهَرُ إلَخْ] قَالَ الشَّيْخُ: وَأَقُولُ يَنْبَغِي عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي الْإِسْرَاعُ بِقِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ وَالسُّورَةِ عَمَلًا بِالرِّوَايَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَصَلَاتُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ] وَأَمَّا فِي الْبَيْتِ فَخِلَافُ الْأَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ [قَوْلُهُ: وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ إلَخْ] أَيْ وَأَمَّا مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَلَمْ يَدْخُلْهُ فَوَجَدَ الصَّلَاةَ قَدْ أُقِيمَتْ فَإِنَّهُ يَرْكَعُهُمَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِ رِحَابِهِ مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى ذَكَرَهُ تت.
[قَوْلُهُ: تَرَكَهُمَا وَدَخَلَ] أَيْ وَلَا يَفْعَلُهُمَا بَعْدَ الْإِقَامَةِ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ يُطَوِّلُ بِحَيْثُ يُحْرِمُ مَعَهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ لِفِعْلِهِمَا بِخِلَافِ الْوَتْرِ تُقَامُ صَلَاةُ الصُّبْحِ عَلَى مَنْ هِيَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ لِيَرْكَعَهَا حَيْثُ لَمْ يَخْشَ فَوَاتَ رَكْعَةٍ مَعَ الْإِمَامِ، وَمِثْلُ الْمَأْمُومِ الْإِمَامُ إذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ عَلَيْهِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ بِالصُّبْحِ وَلَا يَسْكُتُ الْمُؤَذِّنُ بِخِلَافِ الْوَتْرِ فَإِنَّهُ يَسْكُتُ الْمُؤَذِّنُ حَتَّى يَفْعَلَهَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْفَجْرَ يَقْضِي بَعْدَ الصُّبْحِ بِخِلَافِ الْوَتْرِ.
[قَوْلُهُ: فِي قَوْلٍ وَهُوَ لِأَشْهَبَ] يَعْنِي أَنَّ أَشْهَبَ يَقُولُ بِتَسَاوِيهِمَا فِي الْقِرَاءَةِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ لِمَالِكٍ] أَيْ أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ: إنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ فِي الظُّهْرِ دُونَ الْمَقْرُوءِ فِي الصُّبْحِ قَلِيلًا أَيْ قَرِيبًا مِنْهُ.
وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ فَإِذَا قَرَأَتْ مَثَلًا بِالْفَتْحِ فِي الصُّبْحِ تَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِنَحْوِ الْجُمُعَةِ أَوْ الصَّفِّ، وَلَا تَفْهَمُ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِيهَا مِنْ أَوَاسِطِ الْمُفَصَّلِ وَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ قَوْلًا ثَالِثًا بِالتَّخْيِيرِ.
[قَوْلُهُ: سِرًّا] أَيْ عَلَى جِهَةِ السُّنَّةِ، وَذَكَرَ الْمَوَّاقُ أَنَّ السِّرَّ جَمِيعَهُ فِي مَحَلِّهِ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا أَنَّهُ فِي كُلّ رَكْعَةٍ سُنَّةٌ، وَيَأْتِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ وَقِيلَ: إنَّ الْإِسْرَارَ فِي الْفَاتِحَةِ وَحْدَهَا سُنَّةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَمِثْلُهَا السُّورَةُ إلَّا أَنَّهَا مُؤَكَّدَةٌ فِي الْفَاتِحَةِ وَخَفِيفَةٌ فِي السُّورَةِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ تَكْرَارٌ إلَخْ] أَيْ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ تت بِجَوَابٍ سَهْلٍ فَقَالَ: وَلَمَا فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ لَا يَجْهَرُ أَنَّهُ يَقْرَأُ سِرًّا وَلَكِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْمَفْهُومُ صَرَّحَ بِهِ، فَقَالَ: وَيَقْرَأُ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ سِرًّا، وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ فَلَا تَكْرَارَ فِي كَلَامِهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ فَلَا يَنْبَغِي الدُّعَاءُ فِي الْأُولَى كَمَا هُوَ رِوَايَةُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ
فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ التَّشَهُّدِ إلَى الْحَدِّ الْمَذْكُورِ (يَقُومُ) إلَى الثَّالِثَةِ (فَلَا يُكَبِّرُ) عِنْدَ شُرُوعِهِ فِي الْقِيَامِ بَلْ (حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا) عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ لِلْعَمَلِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ رُكْنٍ وَإِنَّمَا انْتَقَلَ عَنْ سُنَّةٍ إلَى فَرْضٍ فَالْفَرْضُ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ التَّكْبِيرُ فِيهِ وَلِأَنَّ الْقَائِمَ إلَى الثَّالِثَةِ كَالْمُسْتَفْتِحِ لِصَلَاةٍ جَدِيدَةٍ (هَكَذَا يَفْعَلُ الْإِمَامُ وَالرَّجُلُ وَحْدَهُ وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَ) لَا يَقُومُ إلَّا (بَعْدَ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ) وَيَفْرُغَ مِنْهُ فَحِينَئِذٍ (يَقُومُ الْمَأْمُومُ أَيْضًا فَإِذَا) قَامَ و (اسْتَوَى قَائِمًا كَبَّرَ) لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْإِمَامِ وَمُقْتَدٍ بِهِ، فَسَبِيلُ أَفْعَالِهِ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ أَفْعَالِهِ وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْمَوْضِعِ وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَسْبِقُونِي بِرُكُوعٍ وَلَا سُجُودٍ» فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ.
(وَيَفْعَلُ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَاةِ مِنْ صِفَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) وَالرَّفْعُ مِنْهُمَا وَالِاعْتِدَالُ وَالطُّمَأْنِينَةُ (وَالْجُلُوسِ) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى الْيَدَيْنِ فِي الْقِيَامِ (نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي) صَلَاةِ (الصُّبْحِ) دَلِيلُهُ «فِعْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَتَعْلِيمُهُ النَّاسَ» وَلَا خِلَافَ فِيهِ (وَيَتَنَفَّلُ بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَأَشَارَ إلَى حُكْمِهِ وَعَدَدِهِ فَقَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ هُوَ الْمَذْهَبُ فِي كُلِّ نَافِلَةٍ (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ) أَيْ لِلْمُصَلِّي (مِثْلُ ذَلِكَ) التَّنَفُّلِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ أَنْ
[حاشية العدوي]
يَجُوزُ الدُّعَاءُ فِيهِ كَالثَّانِي وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ نَافِعٍ وَغَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ] وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ مِنْ أَنَّهُ يُكَبِّرُ حَالَةَ الْقِيَامِ [قَوْلُهُ: هَكَذَا يَفْعَلُ إلَخْ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: وَيَتَشَهَّدُ إلَى قَوْلِهِ وَرَسُولُهُ فَالتَّحْدِيدُ فِي التَّشَهُّدِ إنَّمَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْفَذِّ وَالْإِمَامِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَإِنَّمَا يَقُومُ بَعْدَ اسْتِوَاءِ الْإِمَامِ وَتَكْبِيرِهِ سَوَاءً بَلَغَ فِي التَّشَهُّدِ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ أَوْ كَانَ قَبْلَهُ بِلَا تَحْدِيدٍ فِي حَقِّهِ فَهَذِهِ فَائِدَةُ الِاسْتِئْنَافِ.
[قَوْلُهُ: فَسَبِيلُ أَفْعَالِهِ] أَيْ طَرِيقُ أَفْعَالِهِ [قَوْلُهُ: وَلَا خِلَافَ فِيهِ] أَيْ فِيمَا ذَكَرَ أَيْ مِنْ كَوْنِ مَا ذَكَرَهُ فَعَلَهُ وَعَلَّمَهُ النَّاسَ.
[قَوْلُهُ: وَعَدَدُهُ] أَيْ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ الْمَخْصُوصُ، وَأَمَّا مُطْلَقُ ثَوَابٍ فَيَحْصُلُ وَلَوْ بِرَكْعَتَيْنِ [قَوْلُهُ: مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ] وَأَوْلَى مَنْ حَافَظَ عَلَى أَكْثَرَ إذْ التَّنَفُّلُ بَعْدَهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِعَدَدٍ [قَوْلُهُ: حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ] أَيْ فَتَكُونُ الْمُدَاوَمَةُ الْمَذْكُورَةُ سَبَبًا فِي عَدَمِ ارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ فَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ جَسَدُهُ عَلَى النَّارِ.
[قَوْلُهُ: وَأَصْحَابُ السُّنَنِ] أَيْ الْأَرْبَعَةُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ أَيْ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُد، فَإِنْ قُلْت حَيْثُ وَرَدَ الْحَثُّ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلُ وَأَرْبَعٍ بَعْدُ فَلِمَ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى التَّنَفُّلِ بَعْدُ؟ قُلْت: تَنْبِيهًا عَلَى الْمُخَالَفَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَصْرِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَهَا فَقَطْ ذَكَرَهُ تت.
[قَوْلُهُ: حَسَنٌ صَحِيحٌ] اعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ إمَّا أَنْ يَكُونَ فَرْدًا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَرْدًا فَإِطْلَاقُ الصِّحَّةِ وَالْحَسَنِ عَلَيْهِ يَكُونُ لِتَرَدُّدِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِي حَالَةِ نَاقِلِهِ هَلْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُ الصِّحَّةِ أَوْ قَصَّرَ عَنْهَا فَهُوَ صَحِيحٌ بِحَسْبِ الْأَوَّلِ حَسَنٌ بِحَسْبِ الثَّانِي، غَايَتُهُ أَنَّهُ حَذَفَ مِنْهُ حَرْفَ التَّرَدُّدِ لِأَنَّ حَقَّهُ أَنْ يَقُولَ: حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَرْدًا فَالْإِطْلَاقُ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ إسْنَادَيْنِ أَحَدُهُمَا صَحِيحٌ وَالْآخَرُ حَسَنٌ.
[قَوْلُهُ: غَرِيبٌ] الْغَرِيبُ حَدِيثٌ يَنْفَرِدُ رَاوِيه بِرِوَايَتِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُجْمَعُ حَدِيثُهُ، وَلَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الزُّهْرِيِّ فِي رِوَايَتِهِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ، حَسَنٌ صَحِيحٌ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ التَّرَدُّدِ وَكَأَنَّهُ قَالَ: حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ لَمَّا وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ غَرِيبًا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
[قَوْلُهُ: هُوَ الْمَذْهَبُ فِي كُلِّ نَافِلَةٍ] الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ فِي مَذْهَبِنَا خِلَافًا وَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الرَّاجِحُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي ابْنِ نَاجِي الْمُفِيدُ أَنَّهُ اتِّفَاقٌ فِي الْمَذْهَبِ
يَتَنَفَّلَ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ (قَبْلَ صَلَاةِ الْعَصْرِ) لِمَا صَحَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» (وَيَفْعَلُ فِي) صَلَاةِ (الْعَصْرِ كَمَا وَصَفْنَا فِي صِفَةِ الظُّهْرِ سَوَاءً) لَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ شَيْءٌ (إلَّا أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ بِالْقِصَارِ مِنْ السُّوَرِ مِثْلُ وَالضُّحَى وَإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ وَنَحْوَهُمَا) وَلَمَّا كَانَتْ صِفَةُ الْقِرَاءَةِ فِي الْمَغْرِبِ مُخَالِفَةً لِصِفَةِ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى السِّرِّ وَالْجَهْرِ أَتَى بِأَمَّا الْفَاصِلَةِ فَقَالَ: (وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْهَا) فَقَطْ وَيُسِرُّ فِي الثَّالِثَةِ وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ.
(وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُمَا) أَيْ الْأُولَيَيْنِ (بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنْ السُّوَرِ الْقِصَارِ) لِأَنَّ الْعَمَلَ اسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ، وَمَا رُوِيَ بِخِلَافِهِ فَمُؤَوَّلٌ.
(وَ) يَقْرَأُ (فِي الثَّالِثَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ) بِسُكُونِ الطَّاءِ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى حَسْبَ، وَإِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الدَّهْرِ فَهِيَ مَضْمُومَةُ الطَّاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا يَقُولُهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَقْرَأُ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ سُورَةً (وَ) إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ (يَتَشَهَّدُ) وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو (وَ) بَعْدَ ذَلِكَ (يُسَلِّمُ) عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
(وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ الذِّكْرِ عَقِبَهَا (بِرَكْعَتَيْنِ) «لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -» ذَلِكَ (وَمَا زَادَ) عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ (فَهُوَ خَيْرٌ) لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7] (وَإِنْ تَنَفَّلَ) بَعْدَهَا
[حاشية العدوي]
لِأَنَّهُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُنَا [قَوْلُهُ: رَحِمَ اللَّهُ إلَخْ] جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى، أَيْ اللَّهُمَّ ارْحَمْ إلَخْ.
وَدُعَاؤُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَجَابٌ [قَوْلُهُ: بِالْقِصَارِ مِنْ السُّوَرِ] فَلَوْ افْتَتَحَهَا بِسُورَةٍ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ تَرَكَهَا وَقَرَأَ قَصِيرَةً.
[قَوْلُهُ: وَمَا رُوِيَ بِخِلَافِهِ فَمُؤَوَّلٌ] أَيْ فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالْأَعْرَافِ» ، فَأُوِّلَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ مَنْ خَلْفَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِيَضُرَّهُمْ وَإِلَّا فَاَلَّذِي اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ التَّخْفِيفُ أَشَارَ لِذَلِكَ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا] أَيْ قَطُّ بِمَعْنَى حَسْبَ، أَيْ وَالْفَاءُ لِتَزْيِينِ اللَّفْظِ وَحَاصِلُ مَا فِيهِ أَنَّ قَطُّ بِمَعْنَى حَسْبِ مَفْتُوحَةَ الْقَافِ سَاكِنَةَ الطَّاءِ فَهِيَ مَبْنِيَّةٌ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى حَرْفَيْنِ وَحَسْبُ مُعْرَبَةً.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الدَّهْرِ] أَيْ الزَّمَنِ الْمَاضِي [قَوْلُهُ: مَضْمُومَةُ الطَّاءِ] أَيْ مَعَ التَّشْدِيدِ تَقُولُ: مَا فَعَلْته قَطُّ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي، وَقَوْلُ الْعَامَّةِ لَا أَفْعَلُهُ قَطُّ لَحْنٌ كَمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَطُّ مَضْمُومَةُ الطَّاءِ مُشَدَّدَةٌ تَخْتَصُّ بِالنَّفْيِ تَقُولُ: مَا فَعَلْته قَطُّ مُشْتَقَّةٌ مِنْ قَطَطْته أَيْ قَطَعْته، فَمَعْنَى قَطُّ مَا فَعَلْته فِيمَا انْقَطَعَ مِنْ عُمْرِي لِأَنَّ الْمَاضِيَ مُنْقَطِعٌ عَنْ الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، وَبُنِيَتْ لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى مُذْ وَإِلَى إذْ الْمَعْنَى مُذْ أَنْ خُلِقَتْ إلَى الْآنَ، وَعَلَى حَرَكَةٍ لِئَلَّا يَلْتَقِي سَاكِنَانِ، وَكَانَتْ الضَّمَّةُ تَشْبِيهًا بِالْغَايَاتِ، وَقَدْ تُكْسَرُ عَلَى أَصْلِ الْتِقَاءِ السَّاكِنِينَ، وَقَدْ تَتْبَعُ قَافُهُ طَاءَه فِي الضَّمِّ، وَقَدْ تُخَفَّفُ طَاؤُهُ مَعَ ضَمِّهَا أَوْ إسْكَانِهَا ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ [قَوْلُهُ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ احْتِرَازٌ إلَخْ] يُفِيدُ أَنَّ هُنَاكَ احْتِمَالًا آخَرَ وَهُوَ كَذَلِكَ أَشَارَ لَهُ فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا رُوِيَ أَنَّ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَرَأَ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ و ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8] فَقَدْ قَالَ الْبَاجِيُّ: وَلَعَلَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَقْصِدْ بِقِرَاءَةِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ تُضَمَّ الْقِرَاءَةُ إلَى الْفَاتِحَةِ فِي ثَالِثَةِ الْمَغْرِبِ، بَلْ ذَكَرَهَا عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ بِهَا تَبَرُّكًا بِلَفْظِ الْقُرْآنِ فِي دُعَائِهِ اهـ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا فَعَلَهُ لَمَّا ظَهَرْت الرِّدَّةُ فِي زَمَنِهِ فَكَانَ يَدْعُو بِهَذِهِ الْآيَةِ.
[قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ إلَخْ] أَيْ عَلَى جِهَةِ الْآكَدِيَّةِ لِقَوْلِهِ: وَمَا زَادَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ فَهُوَ خَيْرٌ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ تَنَفَّلَ بَعْدَهَا] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى آكَدِيَّةِ بَعْضِ ذَلِكَ الزَّائِدِ، وَهُوَ هَذَا الْقَدْرُ الْمُعَيَّنُ فَهُوَ حِينَئِذٍ مِنْ الْمَحْدُودِ، فَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى قَوْلِهِ: وَمَا زَادَ إلَخْ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ ذِكْرُ الْمَحْدُودِ أَوَّلًا ثُمَّ يَعْقُبُهُ بِقَوْلِهِ: وَمَا زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ.
وَيُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَمَا زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ أَنَّ التَّحْدِيدَ غَيْرُ شَرْطٍ إلَّا فِي الثَّوَابِ الْمُرَتَّبِ عَلَى
(بِسِتِّ رَكَعَاتٍ فَحَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ عَدَلْنَ لَهُ عِبَادَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً» . رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَفِي مُعْجَمَاتِ الطَّبَرَانِيِّ مَرْفُوعًا: «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» .
(وَالتَّنَفُّلُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مُرَغَّبٌ فِيهِ) قَالَ الْغَزَالِيُّ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] فَقَالَ: الصَّلَاةُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ ثُمَّ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ فَإِنَّهَا تُذْهِبُ بِمِلَاغَاتِ النَّهَارِ وَتُهَذِّبُ آخِرَهُ» . الْمُلَاغَاتُ جَمْعُ مُلْغَاةٍ مِنْ اللَّغْوِ أَيْ تَطْرَحُ مَا عَلَى الْعَبْدِ مِنْ الْبَاطِلِ وَاللَّهْوِ (وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ) أَيْ غَيْرُ مَا ذَكَرَ مِنْ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ قَصِيرَةٍ وَبِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ سِرًّا فِي الثَّالِثَةِ (مِنْ شَأْنِهَا) أَيْ مِنْ صِفَتِهَا كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ وَالتَّكْبِيرِ فِي الِانْحِطَاطِ مِنْ الرُّكُوعِ وَتَمْكِينِ الْيَدَيْنِ مِنْ الرُّكْبَتَيْنِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فَحُكْمُهَا فِيهِ (كَمَا) أَيْ مِثْلُ الَّذِي (تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي غَيْرِهَا) مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَمَا بَعْدَهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ.
(وَأَمَّا الْعِشَاءُ الْأَخِيرَةُ) ع: هَذَا مِنْ لَحْنِ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ ثَمَّ عِشَاءً أُولَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: لَا تُسَمَّى الْمَغْرِبُ عِشَاءً لَا لُغَةً وَلَا شَرْعًا وَقَوْلُ مَالِكٍ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ تَغْلِيبٌ (وَهِيَ الْعَتَمَةُ وَاسْمُ الْعِشَاءِ أَخُصُّ بِهَا وَأَوْلَى) مِنْ تَسْمِيَتِهَا بِالْعَتَمَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي الْأَوْقَاتِ (فَيَجْهَرُ فِي الْأَوَّلِيَّيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْهُمَا هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَجَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ (وَقِرَاءَتُهَا) أَيْ السُّورَةِ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ (أَطْوَلُ قَلِيلًا مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي) صَلَاةِ (الْعَصْرِ وَ) يَقْرَأُ (فِي الْأَخِيرَتَيْنِ) مِنْ الْعِشَاءِ (بِأُمِّ الْقُرْآنِ) فَقَطْ (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سِرًّا ثُمَّ يَفْعَلُ فِي سَائِرِهَا كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْوَصْفِ) فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ.
وَهُنَا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى صِفَةِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ فَمَنْ صَلَّاهَا عَلَى مَا وَصَفَ فَقَدْ صَلَّاهَا عَلَى أَكْمَلِ الْهَيْئَاتِ وَقَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ (وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ) مُكَرَّرٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْأَوْقَاتِ.
وَلَمَّا قَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى صِفَةِ الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَأَنَّ
[حاشية العدوي]
ذَلِكَ الْعَدَدِ.
[قَوْلُهُ: فَلَمْ يَتَكَلَّمْ بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ] أَيْ بِحَرَامٍ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ، وَالظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مِثْلَهُ الْمُبَاحُ إذَا كَثُرَ.
[قَوْلُهُ: عَدُلْنَ لَهُ عِبَادَةً] الَّذِي فِي تت عَنْ صَحِيحِ بْنِ خُزَيْمَةَ عَدُلْنَ بِعِبَادَةٍ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: ثِنْتَيْ عَشْرَةَ إلَخْ] قَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ عِبَادَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ] أَيْ رَغْوَتِهِ [قَوْلُهُ: تَتَجَافَى بِهِمْ إلَخْ] أَيْ تَرْتَفِعُ وَتَتَنَحَّى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ الْفُرُشِ وَمَوَاضِعِ النَّوْمِ.
[قَوْلُهُ: بِمُلَاغَاتٍ إلَخْ] بِضَمِّ الْمِيمِ كَمَا رَأَيْته مَضْبُوطًا بِخَطِّ بَعْضِ شُيُوخِنَا وَسَمِعْته مِنْ لَفْظِهِ.
[قَوْلُهُ: وَتُهَذِّبُ آخِرَهُ] أَيْ تُصَفِّي آخِرَهُ أَيْ بِذَهَابِ جَمِيعِ اللَّهْوِ وَالْبَاطِلِ [قَوْلُهُ: وَاللَّهْوُ] عَيْنُ مَا قَبْلَهُ أَيْ تَطْرَحُ مَا اقْتَرَفَهُ مِنْ مَكْرُوهٍ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا بِحَيْثُ لَا يُلَامُ عَلَيْهِ أَوْ لَا يَجُرُّهُ إلَى فِعْلٍ مُحَرَّمٍ أَوْ مِنْ ذَنْبٍ صَغِيرٍ إلَى كَبِيرَةٍ، أَوْ يَكُونُ سَبَبًا فِي الْعَفْوِ عَنْ كَبِيرَةٍ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ مَعْلُومٌ أَنَّ الْكَبِيرَةَ لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةَ أَوْ عَفْوَ اللَّهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَقَوْلُ مَالِكٍ إلَخْ] نِسْبَةُ التَّثْنِيَةِ لِمَالِكٍ وَالْجَوَابُ عَنْهُ بِالتَّغْلِيبِ قُصُورٌ مَعَ كَوْنِ التَّثْنِيَةِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ الْغَزَالِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَأَوْلَى] تَفْسِيرُ [قَوْلِهِ: فَيَجْهَرُ] فَإِنْ خَالَفَ وَأَسَرَّ أَعَادَ الْقِرَاءَةَ عَلَى سُنَنِهَا إنْ لَمْ يَضَعْ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ إنْ أَعَادَ الْفَاتِحَةَ لَا السُّورَةَ فَقَطْ إلَّا فِي رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ فَاتَ التَّدَارُكُ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ إنْ كَانَ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ فِي السُّورَةِ فِي رَكْعَتَيْنِ [قَوْلُهُ: أَطْوَلُ قَلِيلًا] أَيْ فَيَقْرَأُ فِيهَا مِنْ الْمُتَوَسِّطَاتِ، وَإِنَّمَا سَكَتَ عَنْ الْمَغْرِبِ مَعَ أَنَّ الْمَغْرِبَ أَقْرَبُ لَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ فِيهَا الْقِرَاءَةَ وَإِنَّمَا عَيَّنَ الْقِرَاءَةَ فِي الْعَصْرِ.
[قَوْلُهُ: كَمَا تَقَدَّمَ] أَيْ فِعْلًا مُمَاثِلًا لِمَا تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ الْحَدِيثُ بَعْدَهَا] أَيْ بَعْدَ فِعْلِهَا احْتِرَازًا مِنْ الْحَدِيثِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا وَقَبْلَ فِعْلِهَا، فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ.
وَكَذَا يُكْرَهُ السَّهَرُ بِلَا كَلَامٍ خَوْفَ تَفْوِيتِ الصُّبْحِ وَقِيَامُ اللَّيْلِ كُلِّهِ لِمَنْ يُصَلِّي الصُّبْحَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ مَكْرُوهٌ اتِّفَاقًا
مِنْهَا مَا يَجْهَرُ بِهِ وَمِنْهَا مَا يُسِرُّ بِهِ شَرَعَ يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَقَالَ: (وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي يُسِرُّ بِهَا فِي الصَّلَاةِ كُلُّهَا) بِالرَّفْعِ تَأْكِيدٌ لِلْقِرَاءَةِ (هِيَ بِتَحْرِيكِ اللِّسَانِ) هَذَا أَدْنَى السِّرِّ وَأَعْلَاهُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ فَقَطْ، وَاحْتُرِزَ بِتَحْرِيكِ اللِّسَانِ مِنْ أَنْ يَقْرَأَ فِي الصَّلَاةِ بِقَلْبِهِ فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ.
(وَ) اُحْتُرِزَ (بِالتَّكَلُّمِ بِالْقُرْآنِ) أَيْ بِالْعِبَارَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْقُرْآنِ مِنْ أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا بِغَيْرِهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ (وَأَمَّا الْجَهْرُ فَ) أَقَلُّهُ (أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه) وَأَعْلَاهُ لَا حَدَّ لَهُ ك: وَانْظُرْ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ (إنْ كَانَ وَحْدَهُ) وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَحْتَرِزُ بِهِ مِنْ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ خَلْفَهُ غَالِبًا وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ السِّرِّ وَالْجَهْرِ فَهُوَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ.
(وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَهِيَ دُونَ الرَّجُلِ فِي الْجَهْرِ) وَهِيَ أَنْ تُسْمِعَ نَفْسَهَا خَاصَّةً كَالتَّلْبِيَةِ فَيَكُونُ أَعْلَى جَهْرِهَا وَأَدْنَاهُ وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا يَسْتَوِي فِي حَقِّهَا
[حاشية العدوي]
قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ إذَا قَامَ طَوِيلًا بِحَيْثُ يُصَلِّي الصُّبْحَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: هَذَا أَدْنَى السِّرِّ] بُحِثَ فِيهِ بِأَنَّ الْأَدْنَى هُوَ مَا لَمْ تَكْثُرْ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ، وَالْأَعْلَى مَا كَثُرَتْ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ فَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ أَعْلَى السِّرِّ حَرَكَةُ اللِّسَانِ فَقَطْ وَأَدْنَاهُ سَمَاعُ نَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ] وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَأَجْرَاهُ عَلَى قَلْبِهِ لَا يَحْنَثُ أَوْ حَلَفَ لَيَقْرَأَنَّهُ لَا يَبَرُّ بِهِ [قَوْلُهُ: أَيْ بِالْعِبَارَةِ الدَّالَّةِ إلَخْ] أَرَادَ بِالْعِبَارَةِ اللَّفْظَ الْحَادِثَ الَّذِي يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِنَا، وَأَرَادَ بِالْقُرْآنِ الصِّفَةُ الْقَدِيمَةُ الْقَائِمَةُ بِهِ جَلَّ وَعَلَا فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهَا قُرْآنٌ أَيْضًا وَلَكِنْ لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ التَّكَلُّفِ إذْ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْقُرْآنِ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ اللَّفْظَ الْحَادِثَ، وَالْمَعْنَى عَلَيْهِ بِالتَّكَلُّمِ بِاللَّفْظِ الْحَادِثِ وَهَذَا لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا تَبْطُلُ] إمَّا لِأَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ أَوْ لِأَجْلِ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ.
أَقُولُ: لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ بَلْ الْمُنَاسِبُ أَنْ يُعَلِّلَ الْبُطْلَانَ بِالْمُخَالَفَةِ لِفِعْلِ الْمُصْطَفَى.
وَقَوْلُهُ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» نُسِخَ أَوْ لَا غُيِّرَ وَبُدِّلَ أَوْ لَا وَالتَّغْيِيرُ مُرَادِفٌ لِلتَّبْدِيلِ [قَوْلٌ: وَمَنْ يَلِيه] يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَسْمَعُهُ [قَوْلُهُ: غَالِبًا] أَيْ إنَّ الْغَالِبَ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَمَنْ خَلْفَهُ، وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ لَا يَسْمَعُهُ مَنْ خَلْفَهُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِهَذَا الْكَلَامِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مَقَامِ مَا يُطْلَبُ إمَّا فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ يَحْتَرِزُ عَنْ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَمَنْ خَلْفَهُ، فَلَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَنْ خَلْفَهُ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ وَحَصَلَتْ السُّنَّةُ بِسَمَاعِهِ مَنْ يَلِيه، بَلْ لَوْ أَسْمَعَ الْإِمَامُ وَالْفَذُّ نَفْسَهُ وَزَادَ وَلَكِنْ لَمْ يَحْصُلْ إسْمَاعُ مَنْ يَلِيه فَإِنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ سُجُودٌ كَمَا ذَكَرُوهُ، عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ سَابِقًا أَقَلُّهُ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ الْجَهْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِمَامِ وَهُوَ مُنَافٍ لِمَا قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ الَّذِي هُوَ ظَاهِرٌ.
وَنَصُّهُ وَإِنَّمَا سَكَتَ عَنْ الْإِمَامِ لِأَنَّ فِي جَهْرِهِ أَدْنَى وَأَعْلَى، فَأَدْنَاهُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه وَأَعْلَاهُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَمَنْ خَلْفَهُ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ فِي حَقِّهِ.
وَأَمَّا الْفَذُّ فَلَا يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِ الزَّائِدِ عَلَى أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ.
وَقَالَ ق: إنْ كَانَ وَحْدَهُ اُحْتُرِزَ بِهِ مِمَّنْ يَقْرَبُ مِنْهُ مُصَلٍّ آخَرَ، فَحُكْمُهُ فِي جَهْرِهِ حُكْمُ الْمَرْأَةِ انْتَهَى وَنَحْوُهَا لِلزَّنَاتِيِّ فِي شَرْحِهِ.
تَنْبِيهٌ:
مَحَلُّ طَلَبِ الْجَهْرِ كَمَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ حَيْثُ كَانَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَخْلِيطُ الْغَيْرِ وَإِلَّا نُهِيَ عَمَّا يَحْصُلُ بِهِ التَّخْلِيطُ وَلَوْ أَدَّى إلَى إسْقَاطِ السُّنَّةِ لِأَنَّهُ لَا يَرْتَكِبُ مَحْرَمٌ لِتَحْصِيلِ السُّنَّةِ.
[وَقَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْفَرْقِ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ لِلَّفْظِ الْمَتْنِ أَنْ يَقُولَ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْجَهْرِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ.
[قَوْلُهُ: كَالتَّلْبِيَةِ] أَيْ فَتُسْمِعُ نَفْسَهَا خَاصَّةً بِالتَّلْبِيَةِ.
[قَوْلُهُ: فَيَكُونُ أَعْلَى جَهْرِهَا وَأَدْنَاهُ وَاحِدًا] أَيْ وَهُوَ إسْمَاعُ نَفْسِهَا فَقَطْ، لَكِنْ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ تَقْدِيرَ الشَّارِحِ الْأَقَلِّيَّةُ يُؤْذِنُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: وَالْمَرْأَةُ إلَى آخِرِهِ فِي الْأَقَلِّ فَلَا يَظْهَرُ تَفْرِيعٌ قَوْلُهُ: فَيَكُونُ
السِّرُّ وَالْجَهْرُ، أَيْ مَعَ سِرِّ الرَّجُلِ إذْ أَعْلَاهُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَوَجْهُ مَا ذَكَرَ أَنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ وَرُبَّمَا كَانَ فِتْنَةً وَلِذَلِكَ لَا تُؤَذِّنُ اتِّفَاقًا، وَجَازَ بَيْعُهَا وَشِرَاؤُهَا لِلضَّرُورَةِ (وَهِيَ) أَيْ الْمَرْأَةُ (فِي هَيْئَةِ الصَّلَاةِ مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الرَّجُلِ (غَيْرَ أَنَّهَا تَنْضَمُّ وَلَا تَفْرُجُ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَهُوَ تَفْسِيرٌ تَنْضَمُّ فَكَانَ تَرْكُ الْوَاوِ أَوْلَى فَيَصِيرُ هَكَذَا غَيْرَ أَنَّهَا تَنْضَمُّ لَا تَفْرُجُ (فَخْذَيْهَا وَلَا عَضُدَيْهَا) . وَقَوْلُهُ: (وَتَكُونُ مُنْضَمَّةً مُنْزَوِيَةً) تَكْرَارٌ لِأَنَّ الِانْضِمَامَ هُوَ الِانْزِوَاءُ وَإِنَّمَا تَفْعَلُ ذَلِكَ مَخَافَةَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالرَّجُلِ، وَكَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ: أَيْنَ تَكُونُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ؟ فَقَالَ: (فِي جُلُوسِهَا وَسُجُودِهَا وَأَمْرِهَا) أَيْ شَأْنِهَا (كُلِّهِ) وَمَا ذَكَرَهُ رِوَايَةَ ابْنِ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّهُ سَاوَى بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الْهَيْئَةِ (ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ (يُصَلِّيَ) الْعِشَاءَ يُصَلِّيَ بَعْدَهَا (الشَّفْعَ) رَكْعَتَيْنِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَخُصَّهُمَا بِنِيَّةٍ أَوْ يَكْتَفِي بِأَيِّ رَكْعَتَيْنِ كَانَتَا؟ قَوْلَانِ، ظَاهِرُهُمَا الثَّانِي لِمَا صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ فَوَاتَ الصُّبْحِ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» . (ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْ الشَّفْعِ يُصَلِّيَ (الْوَتْرَ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا وَبِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقٍ وَهُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ آكَدُ السُّنَنِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالْأَفْضَلُ كَمَا سَيَأْتِي أَنْ
[حاشية العدوي]
أَعْلَى جَهْرِهَا إلَخْ عَلَى مَا قَبْلَهُ [قَوْلُهُ: يَسْتَوِي فِي حَقِّهَا السِّرُّ] أَيْ أَعْلَى السِّرِّ لَا أَدْنَاهُ الَّذِي هُوَ حَرَكَةُ اللِّسَانِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مَعَ سِرِّ الرَّجُلِ] أَيْ مَعَ أَعْلَى سِرِّهِ بِدَلِيلِ التَّعْلِيقِ وَهُوَ فِي مَحَلِّ الْحَالِ أَيْ حَالَ كَوْنِهِمَا أَيْ السِّرِّ وَالْجَهْرِ مُصَاحِبَيْنِ لِسِرِّ الرَّجُلِ أَيْ مُصَاحَبَةَ مُسَاوَاةٍ، أَيْ أَنَّ أَعْلَى سِرِّهَا وَجَهْرِهَا يُسَاوَيَانِ أَعْلَى سِرِّ الرَّجُلِ فَالْمُسَاوَاةُ الْأُولَى بَيْنَ أَعْلَى سِرِّ الْمَرْأَةِ وَجَهْرِهَا وَالْمُسَاوَاةُ الثَّانِيَةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ أَعْلَى سِرِّ الرَّجُلِ.
[قَوْلُهُ: أَنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ] نُوقِشَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَوْرَةً لَمَا سُمِعَ الْحَدِيثُ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِنَّ، وَيَحْرُمُ الْكَلَامُ مَعَ النِّسَاءِ الْأَجَانِبِ بِدُونِ ضَرُورَةٍ رَاجِعْ حَاشِيَةَ الزَّرْقَانِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَلِذَلِكَ لَا تُؤَذِّنُ اتِّفَاقًا] إمَّا حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ قَوْلَانِ تَقَدَّمَا.
قَالَ الشَّيْخُ؛ وَالظَّاهِرُ اسْتِوَاءُ حَالَتِهَا فِي الْخَلْوَةِ وَالْجَلْوَةِ لِأَنَّهَا لَا يُؤْمَنُ مِنْ طُرُوِّ أَحَدٍ عَلَيْهَا.
[قَوْلُهُ: وَجَازَ بَيْعُهَا وَشِرَاؤُهَا] أَيْ الْمُؤَدِّي لِلْمُحَادِثَةِ مَعَهَا لِلضَّرُورَةِ أَيْ أَنَّ الْبَيْعَ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَبِيعَ سِلْعَةً لَا لِضَرُورَةٍ حَدثَتْ لَهَا.
[قَوْلُهُ: فَكَانَ تَرْكُ الْوَاوِ أَوْلَى] وَيُجَابُ بِأَنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ وَتَكُونُ إلَخْ] أَيْ قَوْلُهُ ذَلِكَ كُلَّهُ تَكْرَارٌ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الِانْضِمَامَ] جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الْمُكَرَّرَ هُوَ قَوْلُهُ: وَتَكُونُ مُنْضَمَّةً لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ غَيْرَ أَنَّهَا تَنْضَمُّ، وَأَمَّا الِانْزِوَاءُ فَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ فَلَيْسَ بِتَكْرَارٍ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الِانْزِوَاءَ هُوَ الِانْضِمَامُ فَكَانَ أَيْضًا تَكْرَارٌ، فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْأَحْسَنُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ: فَالِانْزِوَاءُ هُوَ الِانْضِمَامُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: مَخَافَةُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا] أَيْ مِنْ الرِّيحِ.
وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالرَّجُلِ أَيْ فِي الِاسْتِمْسَاكِ أَيْ بَلْ عِنْدَهَا رَخَاوَةٌ فَلَوْ فَرَّجَتْ بَيْنَ فَخْذَيْهَا لَرُبَّمَا خَرَجَ مِنْهَا رِيحٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: مَخَافَةُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا لِأَنَّهَا مُهَيَّأَةٌ لِلْحَدَثِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمْرُهَا كُلُّهُ] يَدْخُلُ فِيهِ الرُّكُوعُ فَلَا تَجْنَحُ كَالرَّجُلِ [قَوْله: وَهُوَ خِلَافٌ إلَخْ] الرَّاجِحُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الَّذِي هُوَ رِوَايَةُ ابْنِ زِيَادَةٍ، وَكَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ ضَعِيفٌ كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ خَلِيلٍ وَشُرَّاحِهِ.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُمَا الثَّانِي] لَا مَعْنَى لِذَلِكَ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ فِي التَّحْقِيقِ الظَّاهِرُ مِنْهُمَا الثَّانِي.
[قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا إلَخْ] وَأَمَّا بِالْمُثَلَّثَةِ مَعَ كَسْرِ الْوَاوِ فَالْفِرَاشُ لِلْوَطْءِ وَمَعَ فَتْحِهَا مَاءُ الْفَحْلِ يَجْتَمِعُ فِي رَحِمِ النَّاقَةِ إذَا أَكْثَرَ الْفَحْلُ ضِرَابَهَا وَلَمْ تُلَقَّحْ ذَكَرَهُ تت.
[قَوْلُهُ: آكَدُ السُّنَنِ] " أَلْ " لِلْجِنْسِ أَيْ آكَدُ جِنْسِ السُّنَنِ فَإِنَّهَا آكَدُ مِنْ الْعِيدِ، وَالْعِيدُ آكَدُ مِنْ الْكُسُوفِ، وَالْكُسُوفُ آكَدُ مِنْ الِاسْتِسْقَاءِ.
وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهَا لِلْجِنْسِ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ آكَدُ مِنْ الْوَتْرِ كَمَا أَنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ كَذَلِكَ وَهُمَا أَيْضًا آكَدُ مِنْ الْعُمْرَةِ كَمَا أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ آكَدُ مِنْهَا أَيْضًا.
وَانْظُرْ مَا بَيْنَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ بِوُجُوبِهِ.
[قَوْلُهُ: وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ إلَخْ] مَحَطُّ الْأَفْضَلِيَّةِ قَوْلُهُ عَقِيبَ
يَكُونَ رَكْعَةً وَاحِدَةً عَقِيبَ شَفْعٍ.
وَاخْتُلِفَ هَلْ الشَّفْعُ شَرْطُ كَمَالٍ أَوْ شَرْطُ صِحَّةٍ؟ قَوْلَانِ، ظَاهِرُ الْجَوَاهِرِ وَابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَصَرَّحَ الْبَاجِيُّ بِمَشْهُورِيَّةِ الثَّانِي.
وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي الْمَعْذُورِ كَالْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى رَكْعَةِ الْوَتْرِ أَمْ لَا؟ وَأَمَّا الْمُقِيمُ الَّذِي لَا عُذْرَ لَهُ فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي كَرَاهَةِ اقْتِصَارِهِ عَلَى الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ، فَإِنْ أَوْتَرَ بِغَيْرِ شَفْعٍ فَقَالَ أَشْهَبُ: يُعِيدُ وَتْرَهُ بِإِثْرِ شَفْعٍ مَا لَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ.
وَإِذَا قُلْنَا لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ شَفْعٍ فَهَلْ يَلْزَمُ اتِّصَالُهُ بِالْوَتْرِ أَوْ يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ؟ قَوْلَانِ، وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ وَهُوَ الَّذِي يُعَضِّدُهُ ظَاهِرُ الْآثَارِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (جَهْرًا وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ فِي نَوَافِلِ اللَّيْلِ الْإِجْهَارُ وَفِي نَوَافِلِ النَّهَارِ الْإِسْرَارُ وَإِنْ جَهَرَ فِي النَّهَارِ فِي تَنَفُّلِهِ فَذَلِكَ وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِي كَرَاهَتِهِ قَوْلَيْنِ (وَأَقَلُّ الشَّفْعِ رَكْعَتَانِ) .
وَأَمَّا أَكْثَرُهُ فَلَا حَدَّ لَهُ (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى) مِنْهُ (بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] وَفِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الشَّفْعِ رَكَعَ ثُمَّ رَفْعَ رَأْسَهُ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَجْلِسُ.
(وَيَتَشَهَّدُ وَ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ (يُسَلِّمُ ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ يُسَلِّمَ يَقُومُ فَ (يُصَلِّي الْوَتْرَ رَكْعَةً) وَهَذَا الْفَصْلُ يُسْتَحَبُّ
[حاشية العدوي]
شَفْعٍ أَيْ فَكَوْنُهُ عَقِيبَ شَفْعٍ مَنْدُوبٌ أَيْ فَيَكُونُ الشَّفْعُ شَرْطَ كَمَالٍ وَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَاخْتُلِفَ هَلْ الشَّفْعُ شَرْطُ كَمَالٍ أَوْ أَنَّ مَحَطَّ الْأَفْضَلِيَّةِ قَوْلُهُ وَاحِدَةٌ فَيَكُونُ إشَارَةٌ إلَى أَفْضَلِيَّةِ فَصْلِ الْوَتْرِ عَنْ الشَّفْعِ وَهُوَ أَقْرَبُ.
[قَوْلُهُ: أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَشْهُورُ] وَهُوَ الرَّاجِحُ [قَوْلُهُ: هَلْ يَجُوزُ إلَخْ] أَيْ فَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّهُ شَرْطُ كَمَالٍ يَجُوزُ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى رَكْعَةِ الْوَتْرِ أَيْ جَوَازًا مُسْتَوَى الطَّرَفَيْنِ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَأَمَّا الصَّحِيحُ فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا أَنَّهُ شَرْطُ صِحَّةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ أَيْ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصِرَ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عِبَادَةٍ بَاطِلَةٍ مَفْقُودَةِ الشَّرْطِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي كَرَاهَةٍ إلَخْ] ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ وَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ مَعَ أَنَّهُ عَلَى جَعْلِهِ شَرْطُ صِحَّةٍ تَكُونُ الصَّلَاةُ بَاطِلَةً، وَيَحْرُمُ الْقُدُومُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عِبَادَةٍ مَفْقُودَةِ الشَّرْطِ لَا أَنَّهُ يُكْرَهُ فَقَطْ فَفِي الْعِبَارَةِ شَيْءٌ.
[قَوْلُهُ: فَقَالَ أَشْهَبُ يُعِيدُ وَتْرَهُ] أَيْ عَلَى طَرِيقِ السُّنَّةِ إنْ كَانَ أَشْهَبُ يَقُولُ: بِأَنَّ تَقَدُّمَ الشَّفْعِ شَرْطُ صِحَّةٍ أَوْ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ إنْ كَانَ أَشْهَبُ يَقُولُ: إنَّهُ شَرْطُ كَمَالٍ لِأَنَّ مَذْهَبَ أَشْهَبَ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَنَا، هَكَذَا كَتَبْت ثُمَّ رَأَيْت عج يُفِيدُهُ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا قُلْنَا لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ شَفْعٍ] أَيْ أَنَّ تَقَدَّمَهُ شَرْطُ صِحَّةٍ أَيْ وَأَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّ تَقَدُّمَ الشَّفْعِ شَرْطٌ كَمَال فَإِنَّهُ يُنْدَبُ الِاتِّصَالُ، فَلَوْ طَالَ الْفَصْلُ اُسْتُحِبَّ إعَادَةُ الشَّفْعِ أَفَادَ ذَلِكَ بَعْضُ الشَّرْحِ.
[قَوْلُهُ: فَهَلْ يَلْزَمُ اتِّصَالُهُ بِالْوَتْرِ] أَرَادَ بِالِاتِّصَالِ مَا يَشْمَلُ الْفَصْلَ الْيَسِيرَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَيَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ [قَوْلُهُ: الْأَوَّلُ أَحْوَطُ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ] الْمَفْهُومُ مِنْ عِبَارَةِ التَّحْقِيقِ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْخِلَافِ أَيْ مَنْ يَقُولُ: بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ تَخُصُّهُ فَتَأَمَّلْ، وَبَعْدَ هَذَا فَالرَّاجِحُ الْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ جَوَازُ التَّفْرِقَةِ الْمَذْكُورَةِ فَتَدَبَّرْ.
تَنْبِيهٌ:
الْوَقْتُ الِاخْتِيَارِيُّ لِلْوَتْرِ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ وَشَفَقٍ لِلْفَجْرِ وَضَرُورِيَّةٍ مِنْهُ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ عَقْدِ رَكْعَةٍ مِنْهَا، وَفِعْلُهُ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنْ حَيْضٍ وَنَحْوِهِ مَكْرُوهٌ.
[قَوْلُهُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ جَهْرًا] لَكِنْ يَتَأَكَّدُ نَدْبُ الْجَهْرِ فِي الْوَتْرِ [قَوْلُهُ: أَيْ جَائِزٌ] أَيْ خِلَافُ الْأَوْلَى لَا أَنَّهُ جَائِزٌ مُسْتَوَى الطَّرَفَيْنِ، وَرَجَّحَ اللَّخْمِيُّ هَذَا الْقَوْلَ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي تَفَهُّمِ الْقَارِئِ وَسَكَتَ عَنْ الْإِسْرَارِ فِي نَوَافِلِ اللَّيْلِ وَالْحُكْمُ أَنَّهُ جَائِزٌ بِمَعْنَى خِلَافِ الْأَوْلَى كَمَا يُفِيدُهُ تت [قَوْلُهُ: وَأَقَلُّ الشَّفْعِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ نِيَّةٌ تَخُصُّهُ.
[قَوْلُهُ:
لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ (يَقْرَأُ فِيهَا) أَيْ فِي رَكْعَةِ الْوَتْرِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] والمُعَوِّذَتَيْن) بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ أَنَّ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - سُئِلَتْ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يُوتِرُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَتْ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1] . وَفِي الثَّانِيَةِ بِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] وَفِي الثَّالِثَةِ بِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ» . (وَإِنْ زَادَ مِنْ الْأَشْفَاعِ) جَمْعُ شَفْعٍ وَهُوَ الزَّوْجُ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ ابْتِدَاءً أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ (جَعَلَ آخِرَ ذَلِكَ الْوَتْرَ) عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ (وَ) لِمَا رُوِيَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ» أَيْ فِي اللَّيْلِ (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ وَقِيلَ) كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ (عَشْرَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ) الرِّوَايَتَانِ فِي الصَّحِيحِ، وَقِيَامُ اللَّيْلِ وَاجِبٌ فِي حَقِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمُسْتَحَبٌّ فِي حَقِّنَا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ وَهُوَ قُرْبَةٌ لَكُمْ إلَى رَبِّكُمْ وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ وَمُنْهَاةٌ عَنْ الْإِثْمِ» . (وَأَفْضَلُ اللَّيْلِ آخِرُهُ فِي الْقِيَامِ) أَيْ لِأَجْلِ التَّهَجُّدِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَتْبَاعِهِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ مِنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيه مَنْ يَسْتَغْفِرنِي فَأَغْفِرُ لَهُ» . وَمَعْنَى يَنْزِلُ رَبُّنَا أَيْ أَمْرُهُ وَرَحْمَتُهُ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ آخِرَ اللَّيْلِ
[حاشية العدوي]
وَالْمَذْهَبُ إلَخْ] مُقَابِلُهُ يَقُولُ بِعَدَمِ التَّحْدِيدِ وَهُمَا لِمَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يَقْرَأُ فِيهِ الْمُتَهَجِّدُ مِنْ تَمَامِ حِزْبِهِ وَغَيْرِهِ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " وَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ كَانَ لَهُ حِزْبٌ أَوْ لَا [قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ] لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا الْمُحْصَنَتَيْنِ مِمَّا يُؤْذِي [قَوْلُهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يُوتِرُ] إطْلَاقُ الْوَتْرِ عَلَى الثَّلَاثَةِ مَجَازٌ لِأَنَّ الْوَتْرَ عِنْدَنَا رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ.
[قَوْلُهُ: قَالَتْ كَانَ يَقْرَأُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَيْسَ مُطَابِقًا لِظَاهِرِ لَفْظِ السُّؤَالِ، لِأَنَّ ظَاهِرَهُ هَلْ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَعَلَّهَا فَهِمَتْ أَنَّ مُرَادَ السَّائِلِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَقْرَأُ الْمُصْطَفَى فِي وَتْرِهِ فَتَأَمَّلْ وَرَاجِعْ.
[قَوْلُهُ: قَوْلُهُ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ] أَيْ فَالْأَمْرُ فِيهِ لِلنَّدْبِ [قَوْلُهُ: الرِّوَايَتَانِ فِي الصَّحِيحِ.] أَيْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ مَعَ التَّنَافِي؟ فَالْجَوَابُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَعْدَ الْوُضُوءِ فَتَارَةٌ اعْتَبَرَتْهُمَا مِنْ الْوَرْدِ فَجَعَلَتْهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَتَارَةٌ لَمْ تَعْتَبِرْهُمَا لِأَنَّهُمَا لِلْوُضُوءِ وَلِحَلِّ عُقَدِ الشَّيْطَانِ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي عَشْرَ رَكَعَاتٍ» . [قَوْلُهُ: عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ] يَعْنِي التَّهَجُّدَ فِيهِ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ] أَيْ عَادَتُهُمْ وَشَأْنُهُمْ [قَوْلُهُ: قَبْلَكُمْ] أَيْ هِيَ عَادَةٌ قَدِيمَةٌ وَاظَبَ عَلَيْهَا الْكُمَّلُ السَّابِقُونَ [قَوْلُهُ: وَمَكْفَرَةٍ] عَلَى وَزْنِ مَفْعَلَةٍ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ، أَيْ مَكْفَرَةٌ وَنَظِيرُهَا مَطْهَرَةٌ وَمَرْضَاةٌ أَفَادَهُ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ لِلتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ.
[قَوْلُهُ: آخِرُهُ فِي الْقِيَامِ] وَهُوَ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ.
[قَوْلُهُ: أَيْ لِأَجْلِ التَّهَجُّدِ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْقِيَامَ بِمَعْنَى التَّهَجُّدِ وَفِي بِمَعْنَى اللَّامِ الَّتِي لِلتَّعْلِيلِ [قَوْلُهُ: عِنْدَ مَالِكٍ وَأَتْبَاعِهِ] أَيْ وَجَمِيعُ أَتْبَاعِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ تت، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَوْسَطُهُ لِخَبَرِ «أَنَّ دَاوُد كَانَ يَنَامُ نِصْفَهُ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ» . [قَوْلُهُ: الْأَخِيرُ] بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِثُلُثٍ، وَتَخْصِيصُهُ بِاللَّيْلِ بِالثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنْهُ لِأَنَّهُ وَقْتُ التَّهَجُّدِ وَغَفْلَةُ النَّاسِ لِمَنْ يَتَعَرَّضُ لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ النِّيَّةُ خَالِصَةً وَالرَّغْبَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَافِرَةً وَذَلِكَ مَظِنَّةُ الْقَبُولِ وَالْإِجَابَةِ.
[قَوْلُهُ: فَأَسْتَجِيبَ لَهُ] بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ وَبِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، أَيْ فَأَنَا أَسْتَجِيبُ لَهُ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي أُعْطِيه فَأَغْفِرُ لَهُ، وَلَيْسَتْ السِّينُ لِلطَّلَبِ بَلْ أَسْتَجِيبُ بِمَعْنَى أُجِيبُ وَالثَّلَاثَةُ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَالسُّؤَالُ إمَّا بِمَعْنَى وَاحِدٍ فَذَكَرَهَا لِلتَّوْكِيدِ وَإِمَّا لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ لِرَفْعِ الْمَضَارِّ أَوْ جَلْبِ الْمَسَارِ وَهَذَا إمَّا دُنْيَوِيٌّ أَوْ دِينِيٌّ، فَفِي الِاسْتِغْفَارِ إشَارَةٌ إلَى الْأَوَّلِ، وَفِي السُّؤَالِ إشَارَةٌ إلَى الثَّانِي، وَفِي الدُّعَاءِ إشَارَةٌ إلَى الثَّالِثِ اهـ.
[قَوْلُهُ: أَيْ أَمْرَهُ وَرَحْمَتَهُ] لِأَنَّ الْمَجِيءَ الْحَقِيقِيَّ يَسْتَحِيلُ عَلَى اللَّهِ
أَفْضَلُ (فَمَنْ أَخَّرَ تَنَفُّلَهُ وَوَتْرَهُ إلَى آخِرِهِ فَذَلِكَ أَفْضَلُ إلَّا مَنْ الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْتَبِهَ فَلْيُقَدِّمْ وَتْرَهُ مَعَ مَا يُرِيدُ مِنْ النَّوَافِلِ أَوَّلَ اللَّيْلِ) لِمَا فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ وَذَلِكَ أَفْضَلُ» (ثُمَّ إنْ شَاءَ) أَيْ الَّذِي الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْتَبِهَ إذَا قَدَّمَ وَتْرَهُ وَنَفْلَهُ.
(إذَا اسْتَيْقَظَ فِي آخِرِهِ) أَيْ فِي آخِرِ اللَّيْلِ (تَنَفَّلَ مَا شَاءَ مِنْهَا) أَيْ مِنْ النَّوَافِلِ لِأَنَّ تَقَدُّمَ الْوَتْرِ لَا يَمْنَعُ مِنْ اسْتِئْنَافِ صَلَاةٍ بَعْدَهُ، وَالْأَفْضَلُ فِي التَّنَفُّلِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنْ يَكُونَ (مَثْنَى مَثْنَى) أَيْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» (وَ) بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ تَنَفُّلِهِ (لَا يُعِيدُ الْوَتْرَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا وَتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ غَيْرُهُ.
(وَمَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ) أَيْ اسْتَغْرَقَهُ النَّوْمُ (عَنْ حِزْبِهِ) أَيْ وِرْدِهِ فَلَمْ يَفْعَلْهُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَيُبَاحُ (لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَأَوَّلِ الْإِسْفَارِ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يَعْنِي اشْتِهَارَ الضَّوْءِ يُقَالُ: أَسْفَرَ الصُّبْحُ إذَا اشْتَهَرَ ضَوْءُهُ كَمَا يُقَالُ فِي الْمَرْأَةِ سَفَرَتْ إذَا كَشَفَتْ عَنْ وَجْهِهَا إلَّا أَنَّ هَذَا ثُلَاثِيٌّ.
وَقَالَ ع. عَنْ بَعْضِهِمْ فِي مَعْنَى كَلَامِهِ: إنَّ مَا بَيْنَ وَقْتِ انْتِبَاهِهِ وَهُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَأَوَّلِ الْإِسْفَارِ يَعْنِي الْإِسْفَارَ الَّذِي تَتَرَاءَى فِيهِ الْوُجُوهُ، فَعَلَى هَذَا يُصَلِّي وِرْدَهُ وَوَتْرُهُ إلَى الْإِسْفَارِ ثُمَّ يُصَلِّي
[حاشية العدوي]
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
[قَوْلُهُ: إلَّا مِنْ الْغَالِبِ إلَخْ] الْحَاصِلُ أَنَّ تَأْخِيرَ الْوَتْرِ مَنْدُوبٌ فِي صُورَتَيْنِ أَنْ تَكُونَ عَادَتُهُ الِانْتِبَاهَ آخِرَ اللَّيْلِ أَوْ تَسْتَوِي حَالَتَاهُ، وَتَقْدِيمُهُ مَنْدُوبٌ فِي صُورَةً وَاحِدَةً وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَغْلَبَ أَحْوَالِهِ النَّوْمُ إلَى الصُّبْحِ.
[قَوْلُهُ: يَرْفَعُهُ] أَيْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[قَوْلُهُ: مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ] أَيْ بِأَنْ ظَنَّ عَدَمَ الْقِيَامِ.
وَقَوْلُهُ: وَمَنْ طَمِعَ أَيْ بِأَنْ رَجَا ذَلِكَ وَحَمَلَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ مَا إذَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ عِنْدَهُ [قَوْلُهُ: مَشْهُودَةٌ] أَيْ يَشْهَدُهَا مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ كَمَا أَفَادَهُ مَنْ كَتَبَ عَلَى مُسْلِمٍ [قَوْلُهُ: ثُمَّ إنْ شَاءَ إلَخْ] الْإِتْيَانُ بِثُمَّ بِدُونِ الِالْتِفَاتِ إلَى قَوْلِهِ إذَا اسْتَيْقَظَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ بَدَا لَهُ نِيَّةُ النَّفْلِ أَنْ يَفْصِلَ نَفْلَهُ عَنْ وَتْرِهِ فَيَتَرَبَّصُ قَلِيلًا، وَيُكْرَهُ أَنْ يُوقِعَ النَّفَلَ عَقِبَ الْوَتْرِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَيَكْفِي الْفَصْلُ وَلَوْ بِالْمَجِيءِ إلَى الْبَيْتِ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْوَتْرِ.
[قَوْلُهُ: تَنَفَّلَ مَا شَاءَ] أَيْ نَدْبًا، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا حَدَثَتْ لَهُ نِيَّةُ النَّفْلِ بَعْدَ الْوَتْرِ أَوْ فِيهَا لَا إنْ حَدَثَتْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْوَتْرِ فَلَا يَكُونُ تَنَفُّلُهُ بَعْدَهُ جَائِزًا بَلْ مَكْرُوهًا [قَوْلُهُ: مَثْنَى مَثْنَى إلَخْ] قَالَ الْأُجْهُورِيُّ وَيُكْرَهُ التَّنَفُّلُ بِأَرْبَعٍ اهـ.
[قَوْلُهُ: لَا يُعِيدُ الْوَتْرَ] أَيْ حَيْثُ وَقَعَ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ وَشَفَقٍ، أَيْ يُكْرَهُ لَهُ إعَادَةُ الْوَتْرِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا وَتْرَانِ» إلَخْ وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ مِنْ اللَّيْلِ وَتْرًا» لِأَنَّ النَّهْيَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَمْرِ عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا [قَوْلُهُ: وَحَسَّنَهُ] أَيْ التِّرْمِذِيُّ كَمَا رَأَيْته فِي التِّرْمِذِيِّ [قَوْلُهُ: وَمَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ إلَخْ] وَأُلْحِقَ بِهِ مَنْ حَصَلَ لَهُ إغْمَاءٌ أَوْ جُنُونٌ أَوْ حَيْضٌ وَزَالَ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، لَا إنْ تَعَمَّدَ تَأَخُّرَهُ فَلَا يُصَلِّيه وَلَوْ كَانَ يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ مَعَ الْفَجْرِ وَالصُّبْحِ قَبْلَ الْإِسْفَارِ، وَهَلْ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْفَاكِهَانِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَوْ الْوُجُوبِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ.
وَالْغَلَبَةُ شَرْطٌ فَلَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ اخْتِيَارًا، وَظَاهِرُ قَوْلِ الشَّارِحِ فَيُبَاحُ فَالظَّاهِرُ لِي الْأَوَّلُ إذْ النَّفَلُ بَعْدَ الْفَجْرِ لَيْسَ بِحَرَامٍ بَلْ مَكْرُوهٌ [قَوْلُهُ: فَيُبَاحُ لَهُ إلَخْ] أَيْ فَيُؤْذَنُ لَهُ لَا أَنَّهُ مُسْتَوَى الطَّرَفَيْنِ لِأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ [قَوْلُهُ: وَأَوَّلُ الْإِسْفَارِ] أَيْ فَشَرْطُ الْفِعْلِ أَنْ لَا يَخْشَى إسْفَارًا أَيْ وَأَنْ يَكُونَ نَامَ عَنْهُ غَلَبَةً عَلَى مَا قَرَّرْنَا، وَأَنْ لَا يَخْشَى فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ، فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ تَرَكَهُ وَصَلَّى الصُّبْحَ بَعْدَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ لِأَنَّهُمَا يَفْعَلَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
[قَوْلُهُ: اشْتِهَارُ الضَّوْءِ] أَيْ ظُهُورُهُ [قَوْلُهُ: إنَّ مَا بَيْنَ وَقْتِ انْتِبَاهِهِ] خَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ أَيْ وَقْتٍ لِلْوِرْدِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ] أَفَادَ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَبَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: مَا بَيْنَهُ عَائِدٌ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ الْمَقَامِ، وَيَكُونُ الْكَلَامُ مَحْمُولًا عَلَى مَنْ
الصُّبْحَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَكُونُ فِعْلُهُ فِيمَا بَعْدَ الْإِسْفَارِ، وَمَا حَدَّدَ بِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ خِلَافَ مَا حَدَّدَ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّهُ حَدَّدَ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ انْتَهَى.
وَهُوَ أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ فِعْلُ الْوَرْدِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، وَعَلَيْهِ مَشَى صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ بِشُرُوطٍ نَقَلْنَاهَا فِي الْأَصْلِ (ثُمَّ) إذَا صَلَّى مَنْ غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ عَنْ حِزْبِهِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ (يُوتِرُ) لِأَنَّ لَهُ وَقْتَيْنِ اخْتِيَارِيٌّ وَهُوَ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الصَّحِيحَةِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَضَرُورِيٌّ وَهُوَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَ) بَعْدَ ذَلِكَ (يُصَلِّي الصُّبْحَ) هَذَا إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ إلَّا
[حاشية العدوي]
اسْتَمَرَّ نَائِمًا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَيَكُونُ الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ سَاكِتًا عَمَّا إذَا انْتَبَهَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ تَمَامَ وِرْدِهِ.
أَقُولُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ مُغَايِرًا وَكَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ اسْتَيْقَظَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِزَمَنٍ قَلِيلٍ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ جَمِيعَ الْحِزْبِ بَلْ بَعْضَهُ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ ذَلِكَ الْبَعْضَ فِيمَا بَيْنَ وَقْتِ الِانْتِبَاهِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالْبَعْضُ الْبَاقِي فِيمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَأَوَّلِ الْإِسْفَارِ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي الْإِسْفَارَ الَّذِي إلَخْ] أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ حَقِيقَةُ الْإِسْفَارِ لَا التَّخْصِيصُ لِأَنَّ الْإِسْفَارَ وَاحِدٌ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ يُصَلِّي الصُّبْحَ بَعْدَ ذَلِكَ] أَيْ بَعْدَ الْإِسْفَارِ.
وَقَوْلُهُ: فَيَكُونُ فِعْلُهُ فِيمَا بَعْدَ الْإِسْفَارِ أَيْ فِيمَا بَعْدَ دُخُولِ الْإِسْفَارِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهَا لَا ضَرُورِيَّ لَهَا، وَأَمَّا عَلَى أَنَّ لَهَا ضَرُورِيًّا فَلَا بُدَّ مِنْ صَلَاتِهَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عَلَيْهَا مِنْ وَتْرٍ وَفَجْرٍ قَبْلَ الْإِسْفَارِ كَمَا فِي عج.
وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَلَامُهُ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّهَا لَا ضَرُورِيَّ لَهَا فَلَا يُلْحِقُ الْوَتْرَ بِالْوِرْدِ فِي الْفِعْلِ قَبْلَ الْإِسْفَارِ، بَلْ وَلَوْ فِي الْإِسْفَارِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ يُصَلِّي وِرْدَهُ وَوَتْرَهُ لَا يَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ حَدَّدَ إلَخْ] نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ مَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ تَرَكَهُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ انْتَهَى.
لَكِنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ وَلَوْ فَاتَهُ الْوَرْدُ اخْتِيَارًا.
[قَوْلُهُ: إلَى أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ] أَيْ وَلَوْ كَانَ فِعْلُهُ الْحِزْبَ بَعْدَ الْإِسْفَارِ وَوَفَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الَّذِي قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ انْتَبَهَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَيْ أَوْ بَعْدَهُ لَكِنْ بِزَمَنٍ يَسَعُ الْوِرْدَ وَالشَّفْعَ وَالْوَتْرَ وَالْفَجْرَ وَالصُّبْحَ قَبْلَ الْإِسْفَارِ، وَاَلَّذِي قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ انْتَبَهَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَأَوَّلِ الْإِسْفَارِ بِحَيْثُ يُدْرِكُ الْحِزْبَ وَالشَّفْعَ وَالْوَتْرَ وَالْفَجْرَ وَالصُّبْحَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، عَلَى أَنَّهُ لَا ضَرُورِيَّ لِلصُّبْحِ أَوْ انْتَبَهَ قَبْلَ الْإِسْفَارِ عَلَى أَنَّ لَهَا ضَرُورِيًّا.
أَقُولُ: وَالتَّحْقِيقُ كَلَامُ الرِّسَالَةِ الْمُوَافِقُ لَهُ خَلِيلٌ مِنْ أَنَّ الرَّاجِحَ كَلَامُ الرِّسَالَةِ وَالْحِزْبُ لَا يُفْعَلُ بَعْدَ الْإِسْفَارِ خِلَافًا لِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ مَشَى صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ مُوَافِقٌ لِلرِّسَالَةِ فَإِنَّهُ قَالَ قَبْلَ إسْفَارٍ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: بِشُرُوطٍ إلَخْ] هِيَ أَنْ يَكُونَ نَوْمُهُ غَلَبَهُ وَأَنْ يَكُونَ عَادَتُهُ الِانْتِبَاهَ آخِرَ اللَّيْلِ، وَأَنْ يَكُونَ وَحْدَهُ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا خَافَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الصَّحِيحَةِ] أَيْ وَشَفَقٍ احْتِرَازًا مِمَّنْ قَدِمَ الْعِشَاءَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّي الْوَتْرَ إلَّا بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَتْرَ لَا يَصِحُّ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَلَوْ سَهْوًا وَلَا بَعْدَ عِشَاءٍ فَاسِدَةٍ أَوْ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَقَبْلَ الشَّفَقِ كَلَيْلَةِ الْجَمْعِ لِلْمَطَرِ.
[قَوْلُهُ: إلَى أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ] أَيْ وَلَوْ بَعْدَ دُخُولِ الْإِسْفَارِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] خِلَافًا لِلْقَائِلِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي الْوَتْرَ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ حَكَاهُ التَّتَّائِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَبَعْدَ ذَلِكَ يُصَلِّي الصُّبْحَ] أَيْ وَيَتْرُكُ الْفَجْرَ فَيُصَلِّيه بَعْدَ حَلِّ النَّافِلَةِ.
[قَوْلُهُ: لِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ] أَيْ أَوْ أَرْبَعٍ عَلَى الرَّاجِحِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: وَاخْتُلِفَ إذَا اتَّسَعَ لِأَرْبَعٍ هَلْ يَأْتِي بِالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَلَوْ فَاتَتْ رَكْعَةٌ مِنْ الصُّبْحِ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ فِي الْمُوَازِيَةِ أَوْ يَتْرُكُ الشَّفْعَ
لِرَكْعَتَيْنِ تَرَكَ الْوَتْرَ وَصَلَّى الصُّبْحَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِلَى ضَرُورِيِّهِ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَقْضِي الْوَتْرَ مَنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الصُّبْحَ) نَحْوُهُ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَإِنْ نَسِيَ الْوَتْرَ وَتَذَكَّرَهُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْقَطْعُ عَلَى الْمَشْهُورِ إنْ كَانَ فَذًّا، ثُمَّ يُصَلِّي الْوَتْرَ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ صَلَاةَ الصُّبْحِ، وَاسْتَظْهَرَ مُقَابِلَهُ لِئَلَّا يَقْطَعَ الْأَقْوَى لِلْأَضْعَفِ وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا اُسْتُحِبَّ لَهُ التَّمَادِي.
وَفِي الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ: الْقَطْعُ وَعَدَمُهُ، وَعَلَى الْقَطْعِ فَهَلْ يَسْتَخْلِفُ قِيَاسًا عَلَى الْحَدَثِ أَوْ لَا قِيَاسًا عَلَى مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً فِي صَلَاةٍ قَالَهُ ع، وَعَلَيْهِ فَهَلْ يَقْطَعُ الْمَأْمُومُ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ، وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً فَإِنْ عَقَدَهَا تَمَادَى فَذًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
وَقَالَ ع: الْخِلَافَةُ فِي الْقَطْعِ أَوْ التَّمَادِي إذَا كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا، أَمَّا إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ فَإِنَّهُ يَتَمَادَى مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ.
.
(وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ) وَيُرْوَى مَسْجِدًا (وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ
[حاشية العدوي]
وَهُوَ الْجَارِي عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ.
[قَوْلُهُ: تَرَكَ الْوَتْرَ وَصَلَّى الصُّبْحَ] وَمُقَابَلَةُ قَوْلِ أَصْبَغَ: يُصَلِّي الْوَتْرَ رَكْعَةً وَرَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ الشَّمْسِ وَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ الْوَقْتُ إلَّا لِرَكْعَةٍ تَعَيَّنَ الصُّبْحُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ اتَّسَعَ لِخَمْسٍ أَوْ سِتٍّ صَلَّى الشَّفْعَ وَالْوَتْرَ وَالصُّبْحَ وَتَرَكَ الْفَجْرَ، وَإِنْ اتَّسَعَ لِسَبْعٍ صَلَّى الْجَمِيعَ، وَمُرَادُ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِالْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ تَحَرُّزًا عَنْ الِاخْتِيَارِيِّ فَإِنَّهُ لَا يُرَاعِي فِيهِ هَذَا التَّفْصِيلُ فَيُصَلِّي هَذِهِ وَلَوْ أَدَّى إلَى أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ بَعْدَ الْإِسْفَارِ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِأَنَّ وَقْتَهَا الِاخْتِيَارِيَّ لِلطُّلُوعِ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَإِلَى ضَرُورِيِّهِ أَيْ إلَى انْقِضَاءِ ضَرُورِيِّهِ، وَإِذَا تَأَمَّلْت فِي الْكَلَامِ لَا تَجِدُ ذِكْرُ هَذَا الْكَلَامِ مُنَاسِبًا لِأَنَّهُ قَدْ فَرَضَ الْكَلَامَ فِيمَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ وَأَنَّهُ يَفْعَلُهُ قَبْلَ الْإِسْفَارِ فَصَارَ الْإِسْفَارُ خَالِيًا مِنْ صَلَاةِ الْحِزْبِ فِيهِ فَيَتَأَتَّى لَهُ فِعْلُ الْجَمِيعِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ إيرَادُ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ هُنَا فَهَذِهِ التَّفَاصِيلُ تُفْرَضُ فِي إنْسَانٍ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ مَثَلًا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؟ فَيُقَالُ: إنَّ الْوَقْتَ تَارَةً يَسَعُ كَذَا وَتَارَةٌ يَسَعُ كَذَا إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ: وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْوَتْرَ وَنَامَ عَنْهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَقَدْ بَقِيَ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِقْدَارَ مَا يُدْرِكُ فِيهِ الصُّبْحَ وَهُوَ رَكْعَتَانِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ صَلَاةَ الصُّبْحِ] أَيْ بَعْدَ أَنْ يُعِيدَ الْفَجْرَ بَعْدَ الْوَتْرِ، وَأَوْلَى لَوْ تَذَكَّرَ الْوَتْرَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصُّبْحِ فَيُصَلِّي الْوَتْرَ ثُمَّ يُعِيدُ الْفَجْرَ، وَكَذَا إذَا صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ ذَكَرَ صَلَاةَ فَرْضٍ تَقَدَّمَ عَلَى الصُّبْحِ لِكَوْنِهَا يَسِيرَةً فَإِنَّهُ بَعْدَ الْفَائِتَةِ يُعِيدُ الْفَجْرَ، وَإِنْ ذَكَرَ الْوَتْرَ فِي الْفَجْرِ فَقَوْلَانِ بِالْقَطْعِ وَعَدَمِهِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي الْقَطْعُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَقْطَعُ الصُّبْحَ فَأَوْلَى هِيَ.
[قَوْلُهُ: وَاسْتَظْهَرَ مُقَابِلَهُ] الْمُتَبَادَرُ مِنْ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ عَدَمُ اسْتِحْبَابِ الْقَطْعِ وَهُوَ يُصَدِّقُ بِجَوَازِ الْقَطْعِ وَكَرَاهَتِهِ وَحُرْمَتِهِ، وَعِبَارَةُ الْمَبْسُوطِ لَا يَقْطَعُ وَيَتَبَادَرُ مِنْهَا الْحُرْمَةُ وَهَذَا الِاسْتِظْهَارُ لِلَّخْمِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. [قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا اُسْتُحِبَّ لَهُ التَّمَادِي] أَيْ وَلَوْ أَيْقَنَ أَنَّهُ إنْ قَطَعَ وَصَلَّاهَا أَدْرَكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ خِلَافًا لِسَنَدٍ وَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ مِنْ اسْتِحْبَابِ التَّمَادِي مِثْلَهُ فِي بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ قَائِلًا عَلَى مَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ مُقْتَضَى كَوْنِهِ مِنْ مَسَاجِينِ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَجِبُ التَّمَادِي لَكِنَّ الْفِقْهَ مُتَّبَعٌ.
[قَوْلُهُ: وَفِي الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ الْقَطْعُ] أَيْ نَدْبُ الْقَطْعِ وَقَوْلُهُ: وَعَدَمُهُ أَيْ عَدَمُ النَّدْبِ الصَّادِقِ بِالْجَوَازِ الَّذِي هُوَ الْمُرَادُ هُنَا كَذَا فِي صَرِيحِ بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ قُلْت: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي تَرْجِيحُ الرِّوَايَةِ بِالْقَطْعِ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً] الرَّاجِحُ أَنَّ ذَلِكَ مُطْلَقًا عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا، وَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ تَبِعَ فِيهِ ابْنُ زَرْقُونٍ.
[قَوْلُهُ: فَهَلْ يَقْطَعُ الْمَأْمُومُ] أَيْ أَوْ لَا يَقْطَعُ بَلْ يَسْتَخْلِفُ وَيُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ اقْتَصَرَ الْأُجْهُورِيُّ عَلَى الِاسْتِخْلَافِ، وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يُسْفِرْ الْوَقْتُ جِدًّا أَيْ بِحَيْثُ يَخْشَى أَنْ يُوقِعَ الصُّبْحَ أَوْ رَكْعَةً مِنْهَا فِي الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ كَذَا فِي بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ، وَقَضِيَّةُ مَا تَقَدَّمَ وَلَوْ أَسْفَرَ حَيْثُ كَانَ يُوقِعُ الصُّبْحَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ التَّذَكُّرِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا وَالتَّذَكُّرُ فِيهَا فَنَقُولُ: إذَا كَانَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِهَا يُصَلِّي الْوَتْرَ وَلَوْ أَدَّى لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الضَّرُورِيِّ، وَإِذَا كَانَ بَعْدَ أَنْ تَلَبَّسَ بِهَا يَقْطَعُ مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى فِعْلِ الصُّبْحِ فِي وَقْتِهَا الضَّرُورِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ دَخَلَ
فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ) تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ عَلَى جِهَةِ الْفَضِيلَةِ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُمَا سُنَّةٌ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِصِيغَةِ النَّهْيِ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ وَلِلْبُخَارِيِّ: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ» بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَهَذَا الْأَمْرُ عَلَى جِهَةِ الْفَضِيلَةِ لَا الْوُجُوبِ، وَالنَّهْيِ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ لَا التَّحْرِيمِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْأَمْرِ بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بَيْنَ مَسْجِدِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهِ إلَّا مَسْجِدَ مَكَّةَ، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ فِيهِ بِالطَّوَافِ وَمَسْجِدَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ فِي أَنَّهُ يَبْدَأُ فِيهِ بِالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ الرُّكُوعِ.
وَقَوْلُهُ الْآخَرُ يَبْدَأُ بِالرُّكُوعِ قَبْلَ السَّلَامِ وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيُشْتَرَطُ فِي فِعْلِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ شَرْطٌ وَهُوَ (إنْ كَانَ وَقْتٌ) بِالرَّفْعِ، وَيُرْوَى وَقْتًا عَلَى تَقْدِيرِ إنْ كَانَ وَقْتُهُ وَقْتًا (يَجُوزُ فِيهِ الرُّكُوعُ) وَاحْتُرِزَ بِهِ مِمَّا إذَا دَخَلَ فِي وَقْتِ نَهْيٍ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا، وَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ لَا يَرْكَعُ (وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَرْكَعْ الْفَجْرَ) أَيْ سُنَّتَهُ خَارِجَهُ (أَجْزَأَهُ) بِمَعْنَى كَفَاهُ (لِذَلِكَ) أَيْ عَنْ رَكْعَتَيْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ (رَكْعَتَا الْفَجْرِ) وَلَا يَرْكَعُ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ قَبْلَهُمَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ يَرْكَعُهُمَا ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَائِلًا لِأَنَّ الْعِبَادَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَقُومُ مَقَامَ اثْنَتَيْنِ،
[حاشية العدوي]
الْمَسْجِدَ إلَخْ] اُنْظُرْ هَلْ الْمُرَادُ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ مَسْجِدٍ لُغَةً فَيَشْمَلُ مَا يَتَّخِذُهُ مَنْ لَا مَسْجِدَ لَهُمْ مِنْ بَيْتٍ وَغَيْرِهِ، وَمَنْ اتَّخَذَ مَسْجِدًا فِي بَيْتِهِ أَوْ الْمَسْجِدَ الْمَعْرُوفَ كَذَا نَظَرَ الْجُزُولِيُّ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَجْلِسُ] أَيْ يُكْرَهُ الْجُلُوسُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلَا تَسْقُطُ بِالْجُلُوسِ، فَلَوْ كَثُرَ دُخُولُهُ بِأَنْ زَادَ عَلَى مَرَّةٍ كَفَتْهُ الْأُولَى إنْ قَرُبَ رُجُوعُهُ لَهُ عُرْفًا وَإِلَّا طَلَبَ بِهَا ثَانِيًا، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُخَاطَبُ بِهَا الْمَارُّ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالُوا لَوْ صَلَّاهَا لَكَانَتْ مِنْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ الْفَضِيلَةِ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَبْدَأُ فِيهِ بِالطَّوَافِ] أَيْ لِمَنْ طَلَب بِهِ وَلَوْ نَدْبًا أَوْ أَرَادَهُ آفَاقِيًّا فِيهِمَا أَوْ لَا أَوْ لَمْ يُرِدْهُ وَهُوَ آفَاقِيٌّ، فَهَذِهِ خَمْسُ صُوَرٍ فَإِنْ كَانَ مَكِّيًّا وَلَمْ يُطْلَبْ بِطَوَافٍ وَلَمْ يُرِدْهُ بَلْ دَخَلَهُ لِلصَّلَاةِ أَوْ لِمُشَاهَدَةِ الْبَيْتِ فَتَحِيَّتُهُ رَكْعَتَانِ فِي هَذِهِ السَّادِسَةِ إنْ كَانَ وَقْتٌ تَحِلُّ فِيهِ النَّافِلَةُ، وَإِلَّا جَلَسَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ.
[قَوْلُهُ: وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ التَّحِيَّةَ حَقُّ اللَّهِ وَالسَّلَامُ حَقُّ آدَمِيٍّ.
وَالْأَوَّلُ آكَدُ مِنْ الثَّانِي وَذَكَرَ فِي سِفْرِ السَّعَادَةِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ ابْتَدَأَ بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ عَلَى الْحَاضِرِينَ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْعِبَادِ» اهـ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَرْكَعُ] أَيْ وُجُوبًا فِي وَقْتِ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ وَخُطْبَةِ الْجُمُعَةُ، وَنَدْبًا فِيمَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَوْ رَكَعَ لِقَطْعٍ وُجُوبًا فِي وَقْتِ الْمَنْعِ وَنَدْبًا فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ أَحْرَمَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ثُمَّ تَذَكَّرَ، وَعَلِمَ فِيهَا بِأَنَّهُ وَقْتُ نَهْيٍ إلَّا مَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَحْرَمَ جَهْلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا يَقْطَعُ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِي أَمْرِ الدَّاخِلِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ بِالنَّفْلِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَمَا ذَكَرَ مِنْ الْقَطْعِ فَهُوَ مُطْلَقُ عَقْدِ رَكْعَةٍ أَمْ لَا مَا لَمْ يَتِمَّ الرَّكْعَتَيْنِ فَلَا، وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْمَارَّ أَوْ الدَّاخِلَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ فِي وَقْتِ نَهْيٍ لَا يُطْلَبُ بِالتَّحِيَّةِ وَإِنَّمَا يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَقُولَ: أَرْبَعَ مَرَّاتٍ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَتَأَدَّتْ التَّحِيَّةُ بِفَرْضٍ وَأَوْلَى بِسُنَّةٍ وَرَغِيبَةٍ أَيْ سَقَطَ عَنْهُ الطَّلَبُ، وَحُصُولُ الثَّوَابِ عِنْدَ نِيَّةِ الْفَرْضِ وَالتَّحِيَّةِ أَوْ نِيَابَةِ الْفَرْضِ عَنْهَا فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ سُقُوطِ الطَّلَبِ حُصُولُ الثَّوَابِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ سُنَّتُهُ] أَيْ طَرِيقَتُهُ فَيُصَدِّقُ بِالرَّغِيبَةِ الَّتِي هِيَ الْمُرَادُ هُنَا.
[قَوْلُهُ: أَجْزَأَهُ لِذَلِكَ رَكْعَتَا الْفَجْرِ إلَخْ] اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا الْوَقْتَ لَا يُطْلَبُ فِيهِ تَحِيَّةٌ، وَالْإِجْزَاءُ عَنْ الشَّيْءِ فَرْعُ الطَّلَبِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِطَلَبِ التَّحِيَّةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ.
[قَوْلُهُ: وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ] ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَرْكَعُ] هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: أَوْ بِنِيَّةِ الْإِعَادَةِ
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْمَقْصُودَ افْتِتَاحُ دُخُولِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةٍ سُنَّةً كَانَتْ أَوْ فَرْضًا لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسَاجِدِ وَالْبُيُوتِ (وَإِنْ رَكَعَ الْفَجْرَ) أَيْ سُنَّتَهُ (فِي بَيْتِهِ) أَوْ غَيْرِهِ (ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ) وَوَجَدَ الصَّلَاةَ لَمْ تَقُمْ (فَاخْتُلِفَ فِيهِ) أَيْ فِي حُكْمِ مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ بَعْدَ رَكْعِ سُنَّةِ الْفَجْرِ خَارِجَهُ (فَقِيلَ: يَرْكَعُ) رَكْعَتَيْنِ (وَقِيلَ: لَا يَرْكَعُ) بَلْ يَجْلِسُ مِنْ غَيْرِ رُكُوعٍ وَهُمَا رِوَايَتَانِ مَشْهُورَتَانِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ عَلَى الثَّانِيَةِ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأُولَى.
ابْنُ شَاسٍ: وَإِذَا قُلْنَا يَرْكَعُ فَهَلْ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ أَوْ بِنِيَّةِ إعَادَةِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ؟ قَوْلَانِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَلَمْ يَرْكَعْ إلَخْ مُوَهِّمًا لِجَوَازِ صَلَاةِ التَّحِيَّةِ لِقَوْلِهِ: أَجْزَأَهُ نَفَاهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا صَلَاةَ نَافِلَةً بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَا الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ) يَعْنِي حَتَّى تَرْتَفِعَ وَتَذْهَبَ مِنْهَا الْحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ لَا بِنَفْسِ طُلُوعِهَا وَكَلَامُهُ مُحْتَمِلٌ لِلْكَرَاهَةِ وَالْمَنْعِ.
[حاشية العدوي]
إلَخْ] هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ [قَوْلُهُ: وَلَا صَلَاةَ نَافِلَةً] جَائِزَةٌ فَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وَلَا نَافِيَةٌ لِلْجِنْسِ، وَنَافِلَةٌ نَعْتٌ مُفْرَدٌ تَابِعٌ لِمُفْرَدٍ فَيَجُوزُ فِيهِ الْفَتْحُ لِتَرَكُّبِهِ مَعَ اسْمِهَا وَالنَّصْبُ تَبَعًا لِمَحَلِّ صَلَاةٍ وَالرَّفْعُ تَبَعًا لِلَا مَعَ اسْمِهَا لِأَنَّ مَحَلَّهَا رَفْعٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَأَرَادَ بِالنَّافِلَةِ مَا قَابَلَ الْفَرْضَ.
[قَوْلُهُ: إلَّا رَكْعَتَا الْفَجْرِ] أَيْ وَالْوِرْدُ لِنَائِمٍ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالشَّفْعُ وَالْوَتْرُ مُطْلَقًا وَكَالْجِنَازَةِ الَّتِي لَمْ يُخْشَ تَغَيُّرُهَا وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ فَيُفْعَلَانِ قَبْلَ الْإِسْفَارِ فَفِعْلُهُمَا فِيهِ مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا الَّتِي يُخْشَى عَلَيْهَا التَّغَيُّرِ فَلَا تَحْرُمُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا وَقْتَ الْمَنْعِ وَلَا يُكْرَهُ وَقْتَ الْكَرَاهَةِ، وَحَاصِلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ مَتَى خَشِيَ تَغَيُّرَهَا لَا نَهْيَ وَلَا إعَادَةَ دُفِنَتْ أَوَّلًا وَقْتَ مَنْعٍ أَوْ كَرَاهَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَخْشَ التَّغَيُّرَ فَلَا إعَادَةَ إنْ صَلَّى عَلَيْهَا بِوَقْتِ كَرَاهَةٍ دُفِنَتْ أَوَّلًا وَكَذَا بِوَقْتِ مَنْعِ إنْ دُفِنَتْ وَإِلَّا أُعِيدَتْ.
[قَوْلُهُ: إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ] فَإِذَا أُخِذَتْ فِي الطُّلُوعِ حُرِّمَتْ النَّافِلَةُ الشَّامِلَةُ لِلْجِنَازَةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَالنَّفَلُ الْمَنْذُورُ رَعْيًا لِأَصْلِهِ وَالْمُفْسِدُ حَتَّى يَتَكَامَلَ طُلُوعُهَا فَتَعُودُ الْكَرَاهَةُ حَتَّى تَرْتَفِعَ قَدْرَ رُمْحٍ مِنْ رِمَاحِ الْعَرَبِ الَّذِي قَدْرَهُ اثْنَا عَشْرَ شِبْرًا بِالشِّبْرِ الْوَسَطِ.
[قَوْلُهُ: وَكَلَامُهُ] أَيْ قَوْلُهُ: وَلَا صَلَاةَ نَافِلَةَ إلَخْ.
وَلَكِنَّ الْمُرَادَ الْكَرَاهَةُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الطُّلُوعِ وَالْحُرْمَةُ فِي وَقْتِهِ.
10 - بَابٌ فِي الْإِمَامَةِ وَفِي بَيَانِ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ وَمَنْ يَصِحُّ الِائْتِمَامُ بِهِ وَمَنْ لَا يَصِحُّ الِائْتِمَامُ بِهِ وَمَنْ تُكْرَهُ إمَامَتُهُ وَمَنْ لَا تُكْرَهُ إمَامَتُهُ (وَ) فِي بَيَانِ (حُكْمِ الْإِمَامِ) مِنْ أَنَّهُ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ يَقُومُ مَقَامَ الْجَمَاعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (الْمَأْمُومِ) مِنْ أَنَّهُ يَقْرَأُ مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا يُسِرُّ فِيهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَبَدَأَ بِبَيَانِ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ فَقَالَ: (وَيَؤُمُّ النَّاسَ أَفْضَلُهُمْ) أَيْ أَكْثَرُهُمْ فَضْلًا مِنْ حَيْثُ الدِّيَانَةُ (وَأَفْقَهُهُمْ) أَيْ أَكْثَرُهُمْ فِقْهًا.
ع: اُنْظُرْ لِأَيِّ شَيْءٍ قَدَّمَ الصِّفَةَ الْمَفْضُولَةَ عَلَى الْفَاضِلَةِ إذْ فَضِيلَةُ الْفَقِيهِ أَعْلَى مِنْ فَضِيلَةِ الصَّالِحِ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَنْ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ فَقَالَ: (وَلَا تَؤُمُّ الْمَرْأَةُ فِي فَرِيضَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ لَا رِجَالًا وَلَا نِسَاءً) فَإِنْ ائْتَمَّ بِهَا أَحَدٌ أَعَادَ أَبَدًا عَلَى الْمَذْهَبِ فَالذُّكُورَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْإِمَامَةِ، وَلِصِحَّتِهَا شُرُوطٌ أُخَرٌ وَهِيَ الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْعِلْمُ بِمَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ قِرَاءَةً وَفِقْهًا، وَالْعَدَالَةُ
[حاشية العدوي]
[بَابٌ فِي الْإِمَامَةِ]
[قَوْلُهُ: الْإِمَامَةُ] هِيَ فِي اللُّغَةِ مُطْلَقُ التَّقَدُّمِ وَاصْطِلَاحًا صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا كَوْنُهُ مَتْبُوعًا لَا تَابِعًا.
[قَوْلُهُ: فِي بَيَانِ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ] هُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَيَؤُمُّ النَّاسَ أَفْضَلُهُمْ وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يَصِحُّ الِائْتِمَامُ بِهِ، أَيْ بِالْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا تَؤُمُّ الْمَرْأَةُ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ أَنَّ إمَامَةَ الذَّكَرِ صَحِيحَةٌ وَقَوْلُهُ: وَمَنْ لَا يَصِحُّ هُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَلَا تَؤُمُّ الْمَرْأَةُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمَنْ تُكْرَهُ إمَامَتُهُ إلَخْ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ.
[قَوْلُهُ: وَغَيْرُ ذَلِكَ] أَيْ مِنْ كَوْنِهِ يَجْمَعُ وَحْدَهُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ، وَقَوْلُهُ: بَعْدُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كَوْنِهِ يَقِفُ عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ إنْ كَانَ وَحْدَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: أَيْ أَكْثَرُهُمْ فَضْلًا] يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ وَاشْتَرَكُوا فِي الْفَضْلِ وَتَسَاوَوْا فِي الْفِقْهِ وَزَادَ أَحَدُهُمْ فِي الْفَضْلِ فَيُقَدَّمُ ذَلِكَ الزَّائِدُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ الدِّيَانَةُ] أَيْ لَا مِنْ حَيْثُ الْفِقْهُ وَقَوْلُهُ، أَيْ أَكْثَرُهُمْ فِقْهًا إشَارَةٌ إلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى اشْتَرَكُوا فِي الْفِقْهِ وَزَادَ أَحَدُهُمْ فِيهِ فَيُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ زَادَ عَنْهُ ذَلِكَ الْغَيْرُ فِي الْفَضْلِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى إذَا اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي الْفَضْلِ وَالْفِقْهِ.
وَفِيهِمْ مَنْ زَادَ عَلَيْهِمْ فِيهِمَا وَلَمْ يُسَاوِهِ أَحَدٌ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ سَاوَاهُ فِي أَحَدٍ فَيُنْدَبُ تَقْدِيمُ ذَلِكَ الزَّائِدِ الْمَذْكُورِ، هَذَا إذَا كَانَ أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلَى بَابِهِ كَمَا قَرَّرَ الشَّارِحُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ، أَيْ فَأَفْضَلُهُمْ فَقِيهُهُمْ أَيْ فَيُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ فَيَجِبُ تَقْدِيمُ ذَلِكَ الْفَقِيهِ عَلَى غَيْرِهِ.
وَيُنْدَبُ تَقْدِيمُ الْفَاضِلِ عَلَى غَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ إمَامَةِ الْفَاسِقِ، أَيْ فَمُفَادُهُ أَنَّهُمْ لَوْ اشْتَرَكُوا فِي الْفَضْلِ وَالْفِقْهِ وَبَعْضُهُمْ زَادَ فِي الْفَضْلِ وَآخَرُ زَادَ فِي الْفِقْهِ أَنْ يُقَدَّمَ الزَّائِدُ فِي الْفَضْلِ مَعَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الزَّائِدُ فِي الْفِقْهِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْوَاوَ لَا تُرَتِّبُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تَؤُمُّ الْمَرْأَةُ] وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ.
[قَوْلُهُ: أَعَادَ أَبَدًا] أَيْ سَوَاءً كَانَ مِثْلَهَا أَمْ لَا وَصَلَاةُ الْمَرْأَةِ وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ صَحِيحَةٌ وَلَوْ نَوَتْ الْإِمَامَةَ.
وَقَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ مَا قَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ الْأَنْدَلُسِيُّ مَنْ أَمَّتْهُ مِنْ النِّسَاءِ أَعَدْنَ فِي الْوَقْتِ وَرَوَى ابْنُ أَيْمَنَ تَؤُمُّ أَمْثَالَهَا مِنْ النِّسَاءِ.
[قَوْلُهُ: فَالذُّكُورَةُ] أَيْ الْمُحَقَّقَةُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْجِنِّيُّ وَالْمَلَكُ فَيَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِمَا كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، لِأَنَّ الصَّحِيحَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرْسِلَ إلَى الْمَلَائِكَةِ» . [قَوْلُهُ: وَهِيَ الْإِسْلَامُ] فَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْكَافِرِ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ وَلَوْ تَحَقَّقَ مِنْهُ فِيهَا نُطْقٌ
وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْأَرْكَانِ وَالِاتِّفَاقُ فِي الْمُقْتَدَى فِيهِ، وَمُوَافَقَةُ مَذْهَبِ الْمَأْمُومِ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْوَاجِبَاتِ، وَالْإِقَامَةُ فِي
[حاشية العدوي]
بِالشَّهَادَتَيْنِ وَإِنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ مِنْهَا جُزْءٌ فِي حَالَةِ الْكُفْرِ.
[قَوْلُهُ: وَالْبُلُوغُ] فَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الصَّبِيِّ لِلْبَالِغِ فِي الْفَرْضِ لِأَنَّ الصَّبِيَّ مُتَنَفِّلٌ وَلَا يَصِحُّ فَرْضٌ خَلْفَ نَفْلٍ، وَأَمَّا فِي النَّفْلِ فَتَصِحُّ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ ابْتِدَاءً وَإِمَامَتُهُ لِمِثْلِهِ جَائِزَةٌ وَلَا يَتَعَرَّضُ فِي صَلَاتِهِ لِفَرْضٍ وَلَا نَفْلٍ، فَإِنْ تَعَرَّضَ لِلنَّفْلِ لَمْ تَبْطُلْ وَكَذَا لِلْفَرْضِ خِلَافًا لِاسْتِظْهَارِ بَعْضِهِمْ الْبُطْلَانَ.
[قَوْلُهُ: وَالْعَقْلُ] فَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْمَجْنُونِ وَلَوْ مُتَقَطِّعًا وَلَوْ فِي حَالِ صَحْوِهِ.
تَنْبِيهٌ:
فِي عَدِّ هَذَا وَالْإِسْلَامِ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ نَظَرٌ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَالْأَحْسَنُ أَنْ لَا يُعَدُّ مِنْ شُرُوطِ الْإِمَامَةِ إلَّا مَا كَانَ خَاصًّا بِهَا وَهَذَانِ الشَّرْطَانِ فِي مُطْلَقِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَا خَاصَّيْنِ بِالْإِمَامَةِ.
[قَوْلُهُ: وَالْعِلْمُ إلَخْ] فَالْجَاهِلُ بِالْقِرَاءَةِ أَوْ الْفِقْهِ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمُقْتَدِي الْعَالِمِ بِهِ وَأَمَّا الْأُمِّيُّ الَّذِي لَا يَقْرَأُ بِمِثْلِهِ فَتَصِحُّ عِنْدَ فَقْدِ الْإِمَامِ الْقَارِئِ لَا عِنْدَ وُجُودِهِ وَلَوْ طَرَأَ فِيهَا وُجُودُ قَارِئٍ لَمْ يَقْطَعْ وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ الْمَذْكُورِ مَعْرِفَةُ فَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا وَفَضَائِلِهَا وَيَكْفِي مَعْرِفَةُ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ وَلَوْ حُكْمًا كَمَنْ أَخَذَ صِفَةَ الصَّلَاةِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَوْ مِنْ عَالِمٍ فَإِنَّهَا تَصِحُّ خَلْفَهُ وَلَوْ لَمْ يُمَيِّزْ فَرْضًا مِنْ سُنَّةٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ صِحَّةَ الِائْتِمَامِ فَرْعٌ عَنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَالْأَظْهَرُ صِحَّةُ صَلَاةِ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا كُلُّهَا فَرَائِضُ إذَا سَلَمَتْ مِمَّا يُفْسِدُهَا فَتَكُونُ إمَامَتُهُ صَحِيحَةً.
[قَوْلُهُ: وَالْعَدَالَةُ] يُرَادُ بِهَا عَدَمُ الْفِسْقِ الْمُتَعَلِّقِ بِالصَّلَاةِ، فَالْفَاسِقُ فِسْقًا مُتَعَلِّقًا بِهَا كَمَنْ يَقْصِدُ بِإِمَامَتِهِ الْكِبْرَ أَوْ يَقْرَأُ عَمْدًا بِالشَّاذِّ الْمُخَالِفِ لِلرَّسْمِ الْعُثْمَانِيِّ أَوْ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ إمَامَتُهُ بَاطِلَةٌ بِخِلَافِ فَاسِقِ الْجَارِحَةِ كَمَنْ يَزْنِي فَتُكْرَهُ إمَامَتُهُ فَقَطْ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ وَمَا فِي الشَّيْخِ خَلِيلٌ مِنْ بُطْلَانِهَا بِفَاسِقٍ الْجَارِحَةِ ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْأَرْكَانِ] أَيْ فَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْعَاجِزِ عَنْ بَعْضِهَا فِي الْفَرْضِ لِلْقَادِرِ مُطْلَقًا كَالنَّفْلِ إنْ أَتَى بِهِ الْقَادِرُ مِنْ قِيَامٍ لَا مِنْ جُلُوسٍ فَيَصِحُّ مَا لَمْ يَتَمَاثَلَا فِي الْعَجْزِ عَنْ رُكْنٍ مُعَيَّنٍ فَيَصِحُّ اقْتِدَاءُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَإِلَّا فَلَا كَمَا إذَا عَجَزَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْقِيَامِ وَالْآخَرُ عَنْ الْجُلُوسِ فَإِنْ عَرَضَ لِلْإِمَامِ عَجْزٌ فِي صَلَاتِهِ اسْتَخْلَفَ وَيَرْجِعُ هُوَ إلَى الصَّفِّ مَأْمُومًا.
[قَوْلُهُ: وَالِاتِّفَاقُ فِي الْمُقْتَدَى فِيهِ] أَيْ شَخْصًا وَوَصْفًا وَزَمَانًا فَلَا يَصِحُّ ظُهْرٌ خَلْفَ عَصْرٍ وَلَا عَكْسُهُ، وَلَا أَدَاءٌ خَلْفَ قَضَاءٍ وَلَا عَكْسُهُ، وَلَا ظُهْرُ سَبْتٍ خَلْفَ ظُهْرِ أَحَدٍ وَلَا عَكْسُهُ، وَلَوْ كَانَ عَدَمُ التَّسَاوِي عَلَى الِاحْتِمَالِ فَلَا يَقْتَدِي أَحَدُ شَخْصَيْنِ بِصَاحِبِهِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا شَاكٌّ فِي ظُهْرِ الْخَمِيسِ لِأَنَّ صَلَاةَ كُلٍّ تَحْتَمِلُ الْفَرْضِيَّةَ وَالنَّفْلِيَّةَ.
[قَوْلُهُ: وَمُوَافَقَةُ مَذْهَبِ الْمَأْمُومِ] فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ يُسْقِطُ الْقِرَاءَةَ مِنْ الْأَخِيرَتَيْنِ أَوْ يَتْرُكُ الرَّفْعَ مِنْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ مَثَلًا، ذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ فِي الذَّخِيرَةِ وَفَرَّعَ عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ مَا ذُكِرَ وَلَكِنَّ اشْتِرَاطَهُ يُنَافِي صِحَّةَ الِاقْتِدَاءِ بِمُخَالَفَةٍ فِي الْفُرُوعِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَحَلَّ صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِالْمُخَالَفِ مُقَيَّدَةٌ بِأَنْ لَا يُسْقِطَ شَيْئًا مِنْ الْأَرْكَانِ.
بَلْ كَانَ يَأْتِي بِهَا كُلَّهَا وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يَقُولُ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا وَالْمَأْمُومُ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا، فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمَالِكِيِّ الَّذِي يُوجِبُ الدَّلْكَ وَمَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ بِمَنْ لَا يُوجِبُهُمَا إذَا لَمْ يَتَدَلَّكْ وَلَمْ يَمْسَحْ جَمِيعَ الرَّأْسِ.
هَكَذَا جَزَمَ سَنَدٌ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ وَهُوَ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ، وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْعَوْفِيُّ وَهُوَ أَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَالْعِبْرَةُ فِيهِ بِمَذْهَبِ الْإِمَامِ وَلَا تَضُرُّ فِيهِ الْمُخَالَفَةُ وَمَا كَانَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ فَالْعِبْرَةُ فِيهِ بِمَذْهَبِ الْمَأْمُومِ فَيَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمَالِكِيِّ الَّذِي يُوجِبُ الدَّلْكَ بِمَنْ لَا يُوجِبُهُ وَلَا يَتَدَلَّكَ، وَمَنْ يُوجِبُ مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ بِمَنْ يَكْتَفِي بِمَسْحِ بَعْضِهِ وَمَسَحَ بَعْضَهُ فَقَطْ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، فَالْعِبْرَةُ فِيهِ بِمَذْهَبِ الْإِمَامِ، وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ مُفْتَرِضٍ بِمُتَنَفِّلٍ أَوْ بِمُعِيدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مُسَاوَاةٌ فِي شَخْصِ الصَّلَاةِ وَوَصَفَهَا لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَرْجِعُ لِشَرْطِ صِفَةِ الِاقْتِدَاءِ فَالْعِبْرَةُ فِيهِ بِمَذْهَبِ الْمَأْمُومِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْعَوْفِيِّ صِحَّةُ اقْتِدَاءِ مَنْ يُوجِبُ الرَّفْعَ مِنْ الرُّكُوعِ بِمَنْ لَا يُوجِبُهُ
الْجُمُعَةُ وَالْحُرِّيَّةُ فِيهَا وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا، وَبَقِيَّةُ شُرُوطِ الْكَمَالِ فِي الْكَبِيرِ مَشْرُوحَةٌ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ حُكْمَ الْمَأْمُومِ مَعَ الْإِمَامِ فَقَالَ: (وَيَقْرَأُ) أَيْ الْمَأْمُومُ (مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا يُسِرُّ فِيهِ) وَيُرْوَى بِهِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّ تَرْكَ قِرَاءَتِهِ ذَرِيعَةٌ إلَى التَّفْكِيرِ وَالْوَسْوَسَةِ (وَلَا يَقْرَأُ مَعَهُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ) عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ، ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ لَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَنْصُوصِ، فَإِنْ قَرَأَ مَعَهُ فَبِئْسَ مَا صَنَعَ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجَاهِدَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ فَسَمِعَ قِرَاءَةَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى» ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204] وَرَوَيْنَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الْخُطْبَةِ اهـ. (وَمَنْ أَدْرَكَ) مِنْ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ مَعَ الْإِمَامِ (رَكْعَةً فَأَكْثَرَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ) وَلَفْظُ الْمُوَطَّأِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» وَلَفْظُ الْبَيْهَقِيّ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْإِمَامُ صُلْبَهُ» ، وَمَعْنَى أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ أَدْرَكَ حُكْمَهَا وَفَضْلَهَا، أَمَّا مَعْنَى أَدْرَكَ حُكْمَهَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْإِمَامِ مِنْ السُّجُودِ لِلسَّهْوِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَمَعْنَى أَدْرَكَ فَضْلَهَا
[حاشية العدوي]
وَلَمْ يَأْتِ بِهِ.
[قَوْلُهُ: وَالْإِقَامَةُ فِي الْجُمُعَةِ إلَخْ] فَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْمُسَافِرِ، إلَّا الْخَلِيفَةُ وَالْمُرَادُ بِالْمُسَافِرِ الْخَارِجُ عَنْ بَلَدِ الْجُمُعَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ كَفَرْسَخٍ لَا يَصِحُّ أَنْ يَخْطُبَ فِيهَا إلَّا إذَا نَوَى إقَامَةً تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ.
[قَوْلُهُ: وَالْحُرِّيَّةُ] فَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْعَبْدِ فِيهَا وَتُعَادُ جُمُعَةٌ إنْ أَمْكَنَ وَإِنَّمَا لَمْ تَصِحَّ إمَامَةُ الْمُسَافِرِ وَالْعَبْدِ فِي الْجُمُعَةِ لِسُقُوطِهِمَا عَنْهُمَا، فَالِاقْتِدَاءُ بِهِمَا يُشْبِهُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْجُمُعَةِ فَيَصِحُّ.
[قَوْلُهُ: وَبَقِيَّةُ شُرُوطِ الْكَمَالِ] مِنْهَا السَّلَامَةُ مِنْ النَّقْصِ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ فَيُكْرَهُ إمَامَةُ الْأَقْطَعِ وَالْأَشَلِّ وَلَوْ بِمِثْلِهِ لَكِنَّ هَذَا ضَعِيفٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمَا وَكَذَا يُكْرَهُ إمَامَةُ صَاحِبِ السَّلَسِ لِلصَّحِيحِ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَيَرْوِي بِهِ] أَيْ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى فِي.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَقْرَأُ مَعَهُ] أَيْ يُكْرَهُ بَلْ يُنْدَبُ الْإِنْصَاتُ وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ هَذَا مَا لَمْ يُرَاعِ الْخِلَافَةَ وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ لَهُ الْقِرَاءَةُ.
[قَوْلُهُ: فَبِئْسَ مَا صَنَعَ] أَيْ فَقَدْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا.
[قَوْلُهُ: فَاسْتَمِعُوا] الْأَمْرُ هُنَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ.
[قَوْلُهُ: فَنَزَلَ] ظَاهِرُهُ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ السَّمَاعِ نَزَلَتْ الْآيَةُ.
[قَوْلُهُ: أَنَّهُ قَالَ فِي الْخُطْبَةِ] وَعَلَى هَذَا فَتَسْمِيَةُ الْخُطْبَةِ قُرْآنًا تَجُوزُ حَيْثُ اسْتَعْمَلَ اسْمَ الْجُزْءِ فِي الْكُلِّ وَهَلْ وُرُودُهَا فِي الْخُطْبَةِ لِكَوْنِ أَحَدٍ تَكَلَّمَ مُحْتَمَلٌ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ] أَيْ طَرِيقٍ آخَرَ.
[قَوْلُهُ: وَفِي الْخُطْبَةِ إلَخْ] فَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَتَانِ عَلَى الصَّلَاةِ فَالْقِرَاءَةُ حِينَئِذٍ مُخَالِفَةٌ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَلِسَبَبِ نُزُولِهَا وَعَلَى رِوَايَةٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْخُطْبَةِ فَقَطْ فَيَأْتِي مَا يَتَقَرَّرُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ] وَأَوْلَى غَيْرُهَا مِمَّا كَانَ يَشْرَعُ جَمَاعَةٌ كَالْعِيدَيْنِ.
[قَوْلُهُ: مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً] وَأَوْلَى أَكْثَرُ وَقَوْلُهُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ، أَيْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ الْمَفْعُولَةَ مَعَ الْإِمَامِ أَيْ حُكْمَهَا وَفَضْلَهَا.
[قَوْلُهُ: قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْإِمَامُ صُلْبَهُ] أَيْ وَإِدْرَاكُ الرَّكْعَةِ يَكُونُ بِالِانْحِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْإِمَامُ صُلْبَهُ، أَيْ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ مِنْ رُكُوعِهِ وَلَوْ لَمْ يَطْمَئِنَّ إلَّا بَعْدَ رَفْعِ الْإِمَامِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُدْرِكَ سَجْدَتَيْهَا قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامَةِ، فَإِنْ زُوحِمَ عَنْهَا أَوْ نَعَسَ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ فَيَأْتِي بِهِمَا.
وَاخْتُلِفَ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَأَقُولُ الْأَظْهَرُ مِنْهُمَا الْحُصُولُ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ أَدْرَكَهَا، أَيْ أَدْرَكَهَا قَبْلُ إلَخْ أَيْ صَارَ عَلَى يَقِينٍ بِمُجَرَّدِ إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ مِنْ إدْرَاكِ حُكْمِهَا وَفَضْلِهَا.
[قَوْلُهُ: وَغَيْرُ ذَلِكَ] فَلَا يَقْتَدِي بِهِ غَيْرُهُ وَلَا يُعِيدُهُ فِي جَمَاعَةٍ وَيُسَلِّمُ عَلَى إمَامِهِ، وَعَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً لَا يَحْصُلُ لَهُ حُكْمُهَا فَيُعِيدُ فِي جَمَاعَةٍ وَلَا يُسَلِّمُ عَلَى إمَامِهِ وَلَا عَلَى مَنْ عَلَى يَسَارِهِ وَيَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ وَلَا يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُهَا الْمَذْكُورُ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ مَا أَدْرَكَهُ مِنْ تَشَهُّدٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ
أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مِثْلُ ثَوَابِ مَنْ حَضَرَهَا مَعَ الْإِمَامِ مِنْ أَوَّلِهَا كَامِلَةً وَهُوَ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً وَهَذَا إذَا فَاتَهُ بَقِيَّتُهَا اضْطِرَارًا لَا اخْتِيَارًا، أَمَّا إذَا فَاتَهُ ذَلِكَ عَنْ اخْتِيَارٍ وَتَفْرِيطٍ فَلَا يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ إلَّا بِإِدْرَاكِ الصَّلَاةِ كُلِّهَا.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ، وَإِدْرَاكُ الرَّكْعَةِ مَعَ الْإِمَامِ يَكُونُ بِوَضْعِ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ مُطْمَئِنًّا مُوقِنًا أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، فَلَوْ شَكَّ هَلْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ أَوْ بَعْدَ قَطَعَ وَاسْتَأْنَفَ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا مُوقِنًا إلَخْ لِأَنَّ عَقْدَ الرَّكْعَةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِرَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ إلَّا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ تَأْتِي، وَحُكْمُ الْمَسْبُوقِ الَّذِي أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً فَأَكْثَرُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَكُونُ قَاضِيًا فِي الْقَوْلِ بَانِيًا فِي الْفِعْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (فَلْيَقْضِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ مَا) أَيْ الَّذِي (فَاتَهُ) قَبْلَ
[حاشية العدوي]
دُونَ الرَّكْعَةِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ] اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَفِي لَفْظٍ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَالْمُرَادُ بِالْجُزْءِ وَالدَّرَجَةِ الصَّلَاةُ وَجَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ حَتَّى لَا يَتَنَافَيَا بِأَنَّ الْجُزْءَ أَكْبَرُ مِنْ الدَّرَجَةِ أَوْ بِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ نَبِيَّهُ أَوَّلًا بِالْقَلِيلِ، ثُمَّ تَفَضَّلَ بِالزِّيَادَةِ فَأَخْبَرَ بِهَا ثَانِيًا، وَيُسْتَفَادُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ بِثَمَانٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً وَاحِدَةً كَصَلَاةِ الْفَذِّ وَسَبْعٍ وَعِشْرِينَ لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى رِوَايَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا إذَا فَاتَهُ بَقِيَّتُهَا إلَخْ] هَذَا التَّفْصِيلُ يَجْرِي فِيمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ، وَكَذَا فِيمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الثُّلَاثِيَّةِ قَالَهُ عج فِي شَرْحِهِ عَلَى خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إلَخْ] وَارْتَضَاهُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ قَالَ، وَيَدُلُّ لِمَا قُلْنَا أَنَّ إدْرَاكَ رَكْعَةٍ مِنْ الِاخْتِيَارِيِّ بِمَنْزِلَةِ إدْرَاكِ جَمِيعِ الصَّلَاةِ فِي نَفْيِ الْإِثْمِ وَلَوْ أَخَّرَ اخْتِيَارًا، وَأَيْضًا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ مَنْ فَاتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ اخْتِيَارًا يُعِيدُ لِتَحْصِيلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ هَذَا مَا ظَهَرَ لَنَا اهـ.
كَلَامُهُ قُلْت وَعَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَيْفِيَّةَ فِي الَّتِي تَفُوتُهُ اضْطِرَارًا أَعْظَمُ مِنْ الْكَيْفِيَّةِ فِي الَّتِي تَفَوَّقَتْهُ اخْتِيَارًا، وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ فِي التَّحْقِيقِ وَارْتَضَاهُ عج عَدَمُ الْحُصُولِ وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الصَّغِيرُ.
[قَوْلُهُ: يَكُونُ بِوَضْعٍ إلَخْ] لَا يُشْتَرَطُ الْوَضْعُ وَالْمُرَادُ أَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ لَوْ أَرَادَ وَضْعَ يَدَيْهِ قُرْبَ رُكْبَتَيْهِ لَأَمْكَنَهُ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: مُطْمَئِنًّا] هَذَا مَا لِابْنِ الْحَاجِبِ وَاَلَّذِي لِابْنِ عَرَفَةَ وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ تَمْكِينُ الْيَدَيْنِ مِنْ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ يَطْمَئِنَّ مَعَهُ.
[قَوْلُهُ: فَلَوْ شَكَّ هَلْ رَفَعَ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ الدُّخُولَ مَعَ الْإِمَامِ تَارَةً يَعْتَقِدُ الْإِدْرَاكَ أَوْ عَدَمَهُ أَوْ يَظُنُّ الْإِدْرَاكَ أَوْ عَدَمَهُ أَوْ يَشُكُّ وَبَعْدَ تَارَةٍ يَتَحَقَّقُ الْإِدْرَاكُ أَوْ عَدَمُهُ إلَخْ، فَهَذِهِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ صُورَةً مِنْ ضَرْبِ خَمْسَةٍ فِي خَمْسَةٍ، فَإِذَا شَكَّ فِي الْإِدْرَاكِ بِأَقْسَامِهِ الثَّلَاثَةِ فِي أَحْوَالِ الدُّخُولِ الْخَمْسَةِ، وَهِيَ خَمْسَةَ عَشْرَ فَإِنَّهُ يُلْغِي تِلْكَ الرَّكْعَةِ وَلَا تَبْطُلُ بِرَفْعِهِ مَعَهُ وَلَوْ عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا، فَإِذَا جَزَمَ بِالْإِدْرَاكِ اعْتَبِرْهَا بِأَحْوَالِ الدُّخُولِ الْخَمْسَةِ، فَإِذَا تَحَقَّقَ عَدَمُ الْإِدْرَاكِ فَيَرْفَعُ مَعَ الْإِمَامِ إذَا كَانَ حِينَ الْإِحْرَامِ اعْتَقَدَ الْإِدْرَاكَ أَوْ ظَنَّهُ أَوْ شَكَّهُ، فَلَوْ تَرَكَهُ وَخَرَّ سَاجِدًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ حِينَ الْإِحْرَامِ تَيَقَّنَ أَوْ ظَنَّ عَدَمَ الْإِدْرَاكِ فَهَذَا يَخِرُّ سَاجِدًا وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ رَفَعَ عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا لَا نَاسِيًا إذْ تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ قَطْعٌ إذْ لَا قَطْعَ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ قَطْعَ مَعْنَاهَا قَطْعُ النَّظَرِ عَنْ الرَّكْعَةِ الَّتِي شَكَّ فِيهَا وَاسْتَأْنَفَ غَيْرَهَا وَعَلَى هَذَا فَلَا اعْتِرَاضَ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ عَقْدَ الرَّكْعَةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِرَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ إلَخْ] فَفَوَاتُ إدْرَاكِهَا بِرَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ أَشْهَبَ عَقْدُهَا وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ تَأْتِي] أَيْ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَشْهَبَ فِيهَا كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي تت.
[قَوْلُهُ: قَاضِيًا فِي الْقَوْلِ] الْقَضَاءُ جَعَلَ مَا فَاتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ مَعَ الْإِمَامِ أَوَّلُ صَلَاتِهِ وَمَا أَدْرَكَهُ آخِرَهَا، وَالْبِنَاءُ عَكْسُهُ وَهُوَ جَعَلَ مَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ أَوَّلَهَا وَمَا فَاتَهُ آخِرَهَا.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ طَرِيقَانِ آخَرَانِ.
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَاضٍ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالثَّانِي بِأَنَّ فِيهِمَا، وَيَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي
دُخُولِهِ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ الْقَوْلِ (عَلَى نَحْوِ مَا فَعَلَ الْإِمَامُ فِي الْقِرَاءَةِ) وَنَحْوِهَا فَمَا قَرَأَ الْإِمَامُ فِيهِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ قَرَأَ فِيهِ مِثْلَهُ، وَمَا جَهَرَ فِيهِ الْإِمَامُ جَهَرَ فِيهِ وَمَا أَسَرَّ فِيهِ أَسَرَّ فِيهِ.
وَنَحْوُ الْقِرَاءَةِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ كَالْفَذِّ وَالتَّكْبِيرِ لِلْقِيَامِ، فَإِنْ جَلَسَ فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ لَهُ فِيهِ الْجُلُوسُ لَوْ انْفَرَدَ بِأَنْ يُدْرِكَهُ فِي رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَقُومُ بِتَكْبِيرٍ، وَإِنْ جَلَسَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ لَهُ فِيهِ الْجُلُوسُ لَوْ انْفَرَدَ بِأَنْ يُدْرِكَ مَعَهُ رَكْعَةً أَوْ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فَإِنَّهُ يَقُومُ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
وَفِيهَا أَيْضًا أَنَّ مُدْرِكَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ يَقُومُ بِتَكْبِيرٍ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ وَهُوَ تَنَاقُضٌ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ التَّنَاقُضَ نَقَلْنَاهُ فِي التَّكْبِيرِ.
(وَأَمَّا) الثَّانِي وَهُوَ الْبِنَاءُ (فِي) الْفِعْلِ كَ (الْقِيَامُ وَالْجُلُوسُ فَفِعْلُهُ) فِيهِ (كَفِعْلِ الْبَانِي الْمُصَلِّي وَحْدَهُ) فِي كَلَامِهِ إشْكَالٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَحَالَ مَجْهُولًا عَلَى مَجْهُولٍ، إذْ الْبَانِي لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ وَهُوَ الَّذِي يُصَلِّي صَلَاتَهُ إلَى آخِرِهَا، ثُمَّ يَذْكُرُ مَا يُفْسِدُ لَهُ بَعْضَهَا وَصُوَرُهُ ثَلَاثٌ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَذْكُرَ مَا يُفْسِدُ لَهُ رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ بِتَرْكِ سَجْدَةٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَوَجْهُ الْعَمَلِ فِي الْبَانِي أَنْ يَجْعَلَ مَا صَحَّ عِنْدَهُ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ فَيَبْنِي عَلَيْهِ وَيَأْتِي بِمَا فَسَدَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا يَفْعَلُ فِي ابْتِدَاءِ صَلَاتِهِ، فَإِذَا مَا أَفْسَدَ لَهُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنْ الْعِشَاءِ مِثْلًا فَإِنَّهُ يَأْتِي بِأُمِّ الْقُرْآنِ خَاصَّةً وَيَسْجُدُ
[حاشية العدوي]
الْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا، فَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً مِنْهَا فَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّ مَا أَدْرَكَهُ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ إذَا سَلَّمَ إمَامَهُ قَامَ وَأَتَى بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ وَجَلَسَ ثُمَّ قَامَ فَأَتَى بِالْأُخْرَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَا أَدْرَكَ هُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ الَّذِي هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَيَأْتِي بِالرَّكْعَتَيْنِ مَعًا مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ بَيْنَهُمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ فِي كِلَيْهِمَا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْفَرْقِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ وَيَجْلِسُ ثُمَّ بِالْأُخْرَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ اهـ.
[قَوْلُهُ: فِي الْقِرَاءَةِ وَنَحْوِهَا إلَخْ] الْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَقْوَالِ الْقِرَاءَةُ وَصِفَتُهَا مِنْ سِرٍّ أَوْ جَهْرٍ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: وَنَحْوُ الْقِرَاءَةِ سَمِعَ اللَّهُ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْقِرَاءَةُ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: فَيَجْمَعُ بَيْنَهُ إلَخْ] يُقَالُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ نَحْوُ الْقِرَاءَةِ لَاقْتَصَرَ عَلَى سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي يَقُولُهَا الْإِمَامُ بَلْ نَقُولُ: فَجَمْعُهُ لِسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مَعَ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، إنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ بَانِيًا فِيهَا وَنَزَلَتْ مَنْزِلَةُ الْفِعْلِ فَجَعَلَ مَا أَدْرَكَهُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ وَمَا فَاتَهُ آخِرَ صَلَاتِهِ وَهُوَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ مُنْفَرِدٌ، أَيْ وَشَأْنُ الْمُنْفَرِدِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ.
[قَوْلُهُ: وَالتَّكْبِيرُ لِلْقِيَامِ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا فَرْعٌ لَا دَخْلَ لَهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِبِنَاءٍ وَلَا قَضَاءٍ فَالْأَحْسَنُ عَدَمُ إدْرَاجِهِ فِي هَذَا الْبَحْثِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَقُومُ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ] لِأَنَّهُ جَلَسَ فِي مَحَلِّ جُلُوسِهِ مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ وَقَدْ يَرْفَعُ مِنْ سُجُودِهِ بِتَكْبِيرٍ جَلَسَ بِهِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لِلْقِيَامِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ قَدْ ذَكَرُوهُ وَهُوَ يُؤْذِنُ بِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ هَذَا فَرْعٌ مُسْتَقِلٌّ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ] خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ التَّكْبِيرَ، إنَّمَا هُوَ لِلِانْتِقَالِ إلَى رُكْنٍ وَذَكَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَوْلًا أَنَّهُ إذَا جَلَسَ فِي ثَانِيَتِهِ يَقُومُ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ قَالَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ قَاضٍ لِلْمَاضِيَتَيْنِ، وَاَلَّذِي شُرِعَ فِي أَوَّلِهِمَا تَكْبِيرُ الْإِحْرَامِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ.
قَالَ ذَلِكَ بَهْرَامَ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ رَاجِعٌ لِلْفَرْعَيْنِ، أَيْ مُدْرِكُ الرَّكْعَتَيْنِ وَمُدْرِكُ غَيْرِهِمَا.
[قَوْلُهُ: مُدْرِكُ التَّشَهُّدِ] لَا مَفْهُومَ لِلتَّشَهُّدِ بَلْ حَيْثُ أَدْرَكَ دُونَ رَكْعَةٍ فَإِنَّهُ يَقُومُ بِتَكْبِيرٍ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ تَنَاقُضٌ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ] بَيْنَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ التَّنَاقُضُ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ بِهِ مَانِعًا مِنْ تَكْبِيرِ مَنْ جَلَسَ عَلَى وَاحِدَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ وَهُوَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ التَّكْبِيرَ الَّذِي كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُومَ بِهِ قَدْ جَلَسَ بِهِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُدْرِكْ مِنْ الصَّلَاةِ مَا يُعْتَدُّ بِهِ صَارَ كَمَنْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ فَلِذَلِكَ أَمَرَ بِتَكْبِيرٍ فِي أَوَّلِهَا.
[قَوْلُهُ: أَحَالَ مَجْهُولًا] وَهُوَ فِعْلُ الْمَسْبُوقِ وَقَوْلُهُ عَلَى مَجْهُولٍ وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ الَّذِي تَبَيَّنَ بُطْلَانُ بَعْضِ صَلَاتِهِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى نَحْوِ مَا يَفْعَلُ فِي ابْتِدَاءِ صَلَاتِهِ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ عَلَى نَحْوِ مَا يَفْعَلُ فِي انْتِهَاءِ صَلَاتِهِ كَمَا يَتَّضِحُ
قَبْلَ السَّلَامِ لِأَنَّهُ نَقْصُ السُّورَةِ، وَالْجُلُوسُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ جَلَسَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ عَلَى وَاحِدَةٍ فَقَطْ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَزَادَ الرَّكْعَةُ الْمُلْغَاةُ وَيُوَازِي هَذَا أَيْ يُقَابِلُهُ مِنْ حَالِ الْمُدْرِكِ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَةُ الْأُولَى فَيَأْتِي بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا لِأَنَّ الْإِمَامَ فَعَلَ كَذَلِكَ.
وَيُخَالِفُهُ فِي الْجُلُوسِ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهَا وَجَلَسَ هُوَ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا رَابِعَةٌ لَهُ، وَبَقِيَّةُ الْوُجُوهِ مَذْكُورَةٌ فِي الْأَصْلِ (وَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ) صَلَاةً مَفْرُوضَةً فِي غَيْرِ أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَلَمْ يَكُنْ إمَامًا رَاتِبًا وَلَمْ تَقُمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ (فَ) إنَّهُ يُسْتَحَبُّ (لَهُ أَنْ يُعِيدَ) مَا صَلَّى (فِي الْجَمَاعَةِ) وَهُوَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَيُعِيدُ بِنِيَّةِ التَّفْوِيضِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
ك: وَلَا بُدَّ مَعَ التَّفْوِيضِ مِنْ نِيَّةِ
[حاشية العدوي]
لَك ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: فَإِذَا ذَكَرَ مَا أَفْسَدَ لَهُ الرَّكْعَةَ إلَخْ] أَيْ تَذَكَّرَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ.
[قَوْلُهُ: وَيُوَازِي هَذَا] أَيْ يُقَابِلُ وَيَصِحُّ أَنْ تَقُولَ وَيُؤَازِي بِأَنْ تُبْدِلَ الْوَاوَ هَمْزَةً كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ.
[قَوْلُهُ: فَيَأْتِي بِأُمِّ الْقُرْآنِ] لَا دَخْلَ لِذَلِكَ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِأَنَّهُ مَقَامُ الْبِنَاءِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ مَقَامِ الْقَضَاءِ.
[قَوْلُهُ: وَجَلَسَ هُوَ عَلَيْهَا] فَهُوَ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ بِأَنَّ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا آخِرَ صَلَاتِهِ.
[قَوْلُهُ: وَبَقِيَّةُ الْوُجُوهِ إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ ذَكَرَ الْبَانِي مَا يُفْسِدُ لَهُ رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِأُمِّ الْقُرْآنِ خَاصَّةً وَتَكُونُ صَلَاتُهُ كُلُّهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، لِأَنَّهُ نَقَّصَ السُّورَتَيْنِ وَنَقَّصَ أَيْضًا الْجُلُوسَ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ ظَهَرَ الْأَمْرُ أَنَّ جُلُوسَهُ كَانَ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ وَيُوَازِيه مِنْ حَالِ الْمُدْرِكِ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَتَانِ فَيَأْتِي فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا لِأَنَّ الْإِمَامَ كَذَلِكَ قَرَأَ فِيهِمَا وَوَافَقَ الْإِمَامَ أَيْضًا فِي جُلُوسِهِ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ الْإِمَامَ كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا وَيَجْلِسُ هُوَ أَيْضًا عَلَيْهِمَا فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، وَإِنْ ذَكَرَ الْبَانِي مَا يُفْسِدُ لَهُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا ثَانِيَةٌ لَهُ وَيَقُومُ وَيَأْتِي بِالرَّكْعَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ خَاصَّةً وَيَسْجُدُ أَيْضًا قَبْلَ السَّلَامِ لِأَنَّهُ نَقَّصَ السُّورَةَ وَزَادَ الرَّكْعَةَ الْمُلْغَاةَ، وَيُوَازِيه حَالُ الْمُدْرِكِ إذَا فَاتَهُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فَإِنَّهُ يَقُومُ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا وَيَجْعَلُهَا مَعَ الَّتِي أَدْرَكَ وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا فَوَافَقَ فِي هَذَا فِعْلُ الْبَانِي، ثُمَّ يَقُومُ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ اهـ.
وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ أَوَّلًا وَنَقَّصَ أَيْضًا الْجُلُوسَ الْأَوَّلَ فَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ أَحَدِ الْمَسَاجِدِ إلَخْ] قَدْ يُقَالُ لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ، بِأَنْ يُقَالَ وَحْدَهُ، أَيْ حَكَمَ لَهُ الشَّارِعُ بِأَنَّهُ مِثْلُ الْمُصَلِّي وَحْدَهُ حَتَّى يَشْمَلَ مَنْ صَلَّى بِصَبِيٍّ أَوْ مَنْ أَدْرَكَ التَّشَهُّدَ وَحَتَّى يَخْرُجَ مَنْ صَلَّى فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثِ، فَذًّا مِنْ أَجْلِ كَوْنِهِ لَا يُعِيدُ فِي غَيْرِهَا جَمَاعَةً لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَحْكُمْ فِيهَا بِحُكْمِ الْوَاحِدَةِ وَيَخْرُجُ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يَكُنْ إمَامًا رَاتِبًا إلَخْ] وَأَمَّا لَوْ كَانَ إمَامًا رَاتِبًا فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ أَوْ بَعْضِهَا صَلَّى فِي وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ وَنَوَى الْإِمَامَةَ وَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِيمَا هُوَ رَاتِبٌ فِيهِ فِي الْفَضِيلَةِ وَلَهُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً، وَلَا يُعِيدُ فِي جَمَاعَةٍ وَلَا تُعَادُ بَعْدَهُ وَيُجْمِعُ وَحْدَهُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ وَلَا يُزِيدُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، وَخَالَفَ بَعْضٌ فِي ذَلِكَ، قَالَ: يَجْمَعُ بَيْنَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَبَّنَا لَك الْحَمْدُ وَسَيَأْتِي بَعْضُ ذَلِكَ فِي الشَّرْحِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ] وَلَوْ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ قَالَ عج الْإِعَادَةُ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ إنَّمَا تَكُونُ مَا دَامَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَلَا يُعِيدُ إنْ خَرَجَ وَقْتُهَا، ذَكَرَهُ سَنَدٌ وَنَحْوَهُ لِابْنِ عَرَفَةَ خِلَافًا لِلْمَشَذَّالِيِّ فِي قَوْلِهِ لَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالْوَقْتِ وَذَكَرَ سَنَدٌ أَنَّ الْفَائِتَةَ حُكْمُهَا حُكْمُ الْحَاضِرَةِ فِي طَلَبِ الْجَمَاعَةِ.
تَنْبِيهٌ:
مَحَلُّ اسْتِحْبَابِ الْإِعَادَةِ إذَا طَرَأَتْ لَهُ نِيَّةُ الْإِعَادَةِ بَعْدَ أَنْ نَوَى الْفَرْضِيَّةَ سَوَاءً طَرَأَتْ لَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا أَوْ طَرَأَتْ لَهُ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّهُ صَلَّى جَازِمًا بِأَنَّهَا فَرْضُهُ قَاصِدًا أَنْ يُعِيدَهَا لِأَجْلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ، إنْ شَاءَ أَوْ إنْ وَجَدَ جَمَاعَةً، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُصَلِّ جَازِمًا حِينَئِذٍ فَإِنَّ الْإِعَادَةَ تَجِبُ لَا تُنْدَبُ.
[قَوْلُهُ: فِي الْجَمَاعَةِ] ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْجِنِّ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ كَذَلِكَ وَيُرَشِّحُ هَذَا قَوْلُ
الْفَرْضِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَحْدَهُ أَنَّهُ لَوْ صَلَّاهَا مَعَ غَيْرِهِ لَا يُعِيدُ فِي جَمَاعَةٍ مُطْلَقًا سَوَاءً كَانَ الْغَيْرُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا وَهُوَ كَذَلِكَ مَا عَدَا الصَّبِيِّ، أَمَّا هُوَ فَإِنَّهُ يُعِيدُ مَا صَلَّى مَعَهُ لِأَنَّ صَلَاةَ الصَّبِيِّ نَافِلَةٌ، وَقَيَّدْنَا بِغَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ إذَا صَلَّى فِيهَا مُنْفَرِدًا ثُمَّ وَجَدَ جَمَاعَةً فِي غَيْرِهَا لَا يُعِيدُ، وَإِذَا وَجَدَهُمْ فِيهَا أَعَادَ مَعَهُمْ وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا فِي غَيْرِهَا ثُمَّ أَتَاهَا أَعَادَ فِيهَا مُنْفَرِدًا لِأَجْلِ فَضْلِهَا.
وَبِقَوْلِنَا: وَلَمْ تَقُمْ إلَخْ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ وَقَدْ صَلَّى وَحْدَهُ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ، وَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ لَدَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ وَالْمَقْصُودُ مِنْ إعَادَةِ الْمُنْفَرِدِ فِي الْجَمَاعَةِ (لِ) تَحْصِيلِ (الْفَضْلِ) الْوَارِدِ (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ مَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» وَالصَّلَاةُ الَّتِي تُعَادُ لِتَحْصِيلِ الْفَضِيلَةِ عَامٌّ فِي كُلِّ الْفَرِيضَةِ (إلَّا الْمَغْرِبَ وَحْدَهَا) لِأَنَّهَا إذَا أُعِيدَتْ صَارَتْ شَفْعًا وَهِيَ إنَّمَا جُعِلَتْ ثَلَاثًا لِتُوتِرَ عَدَدَ رَكَعَاتِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُعِيدُ الْعِشَاءَ وَلَوْ أَوْتَرَ وَالْمَشْهُورُ لَا يُعِيدُ إذَا أَوْتَرَ لِاجْتِمَاعِ وَتْرَيْنِ فِي لَيْلَةٍ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ سَحْنُونَ فِي أَنَّهُ يُعِيدُ الْوَتْرَ إذَا أَعَادَ الْعِشَاءَ (وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَلَا يُعِيدُهَا فِي جَمَاعَةٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ الثَّانِيَةُ أَكْثَرَ عَدَدًا أَوْ أَزْيَدَ خَيْرًا وَتَقْوَى هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: تُفَضَّلُ الْجَمَاعَةُ بِالْكَثْرَةِ وَفَضِيلَةِ الْإِمَامِ لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
[حاشية العدوي]
الْعَلَّامَةِ خ وَبَطَلَتْ بِاقْتِدَائِهِ بِمَنْ بَانَ كَافِرًا، فَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ بَانَ مُؤْمِنًا ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ جِنِّيًّا أَوْ مَلَكًا أَنَّ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ التَّتَّائِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ خَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا] لَا مَعَ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَاتِبًا وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: وَيُعِيدُ بِنِيَّةِ التَّفْوِيضِ إلَى اللَّهِ] أَيْ فِي جَعْلِهِ أَيَّهُمَا شَاءَ فَرْضُهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ مَعَ التَّفْوِيضِ مِنْ نِيَّةِ الْفَرْضِ] وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ حَيْثُ لَمْ يَنْوِ بِهَا النَّفْلِيَّةِ، لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ الْفَرْضُ بِفِعْلِهِ أَوَّلًا لَمْ تُحْمَلْ نِيَّتُهُ هُنَا عَلَى الْفَرِيضَةِ فَإِنْ تَرَكَ فِيهِ التَّفْوِيضَ وَنَوَى الْفَرِيضَةَ صَحَّتْ، وَإِنْ تَرَكَ نِيَّةَ الْفَرِيضَةِ صَحَّتْ إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ عَدَمَ الْأُولَى أَوْ فَسَادَهَا وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا، فَقَوْلُ الْفَاكِهَانِيِّ وَلَا بُدَّ إلَخْ مُرَادُهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ لِإِجْزَاءِ هَذِهِ إنْ تَبَيَّنَ عَدَمَ الْأُولَى أَوْ فَسَادَهَا.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا وَجَدَهُمْ] أَيْ الْجَمَاعَةَ فِيهَا أَيْ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا أَعَادَ مَعَهُمْ كَانَ فَاضِلًا أَوْ مَفْضُولًا وَلَا يُعِيدُ فِيهَا فَذًّا وَلَوْ فَاضِلًا.
[قَوْلُهُ: أَعَادَ فِيهَا مُنْفَرِدًا] وَأَوْلَى جَمَاعَةٌ، وَأَمَّا مَنْ صَلَّى جَمَاعَةً خَارِجَهَا ثُمَّ أَتَاهَا فَيُعِيدُ فِيهَا جَمَاعَةً لَا مُنْفَرِدًا خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ صَلَّى فِي وَاحِدٍ مِنْهَا لَا يُعِيدُ فِي غَيْرِهَا وَلَوْ فِي جَمَاعَةٍ، وَمَنْ دَخَلَ وَاحِدًا مِنْهَا بَعْدَ أَنْ صَلَّى فِي بَعْضِهَا فَذًّا فَلَهُ أَنْ يُعِيدَ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ جَمَاعَةً لَا فَذًّا وَلَوْ كَانَ مَا دَخَلَ فِيهِ أَفْضَلُ مِمَّا صَلَّى فَذًّا فِيهِ، وَأَمَّا مَنْ صَلَّى فِي غَيْرِهَا ثُمَّ دَخَلَهَا فَإِنْ كَانَ صَلَّى فِي غَيْرِهَا مُنْفَرِدًا اُسْتُحِبَّ لَهُ إعَادَتُهَا فِيهَا وَلَوْ مُنْفَرِدًا.
وَأَمَّا لَوْ صَلَّى فِي غَيْرِهَا جَمَاعَةً فَلَا يُعِيدُ فِيهَا إلَّا فِي جَمَاعَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ يُعِيدُهَا وَلَوْ فَذًّا وَهُوَ قَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ إنَّ فَذَّهَا أَفْضَلُ مِنْ جَمَاعَةِ غَيْرِهَا.
[قَوْلُهُ: إلَّا الْمَغْرِبَ] أَيْ فَإِنْ أَعَادَهَا مَعَ الْإِمَامِ قَطَعَ مَا لَمْ يَرْكَعْ، فَإِنْ رَكَعَ شَفَّعَهَا وَقَطَعَ وَعَدَّهَا نَافِلَةً وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى صَلَّى مَعَهُ ثَلَاثًا، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ أَتَى بِرَابِعَةٍ بَعْدَهَا نَافِلَةً، وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ حَتَّى سَلَّمَ مَعَ الْإِمَامِ فَلَا إعَادَةَ وَقِيلَ يُعِيدُ ذَكَرَهُ تت.
[قَوْلُهُ: عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ سَحْنُونَ] وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ اجْتِمَاعُ وَتْرَيْنِ وَلَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْمُخَالَفَةُ لِلْآخِرِ وَهُوَ «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ مِنْ اللَّيْلِ وَتْرًا» ابْنُ بَشِيرٍ وَهَذَا خِلَافٌ فِي الْإِعَادَةِ بِأَيِّ نِيَّةٍ تَكُونُ، فَإِنْ قُلْنَا بِنِيَّةِ الْفَرْضِ أَعَادَ الْوَتْرَ وَإِنْ قُلْنَا بِنِيَّةِ النَّفْلِ لَمْ يُعِدْ وَكَذَا يَنْبَغِي إذَا قِيلَ أَنَّهُ يَنْوِي الْكَمَالَ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ] أَيْ وَلَوْ مَعَ الْإِمَامِ وَحْدَهُ.
[قَوْلُهُ: فَلَا يُعِيدُهَا] أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ أَزْيَدُ خَيْرًا وَتَقْوَى] عَطْفُ التَّقْوَى تَفْسِيرٌ وَقَوْلُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، أَيْ لِأَنَّ الْفَضْلَ الَّذِي تُشْرَعُ لَهُ الْإِعَادَةُ قَدْ حَصَلَ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ
«صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى» ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: «وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً» إلَخْ زِيَادَةً فِي الْإِيضَاحِ فَقَالَ: (وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ إلَّا التَّشَهُّدَ أَوْ السُّجُودَ فَلَهُ أَنْ يُعِيدَ فِي جَمَاعَةٍ) أُخْرَى وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى إحْرَامِهِ فَذًّا أَوْ يَقْطَعَ وَيُدْرِكَ جَمَاعَةً أُخْرَى إنْ رَجَاهَا، هَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَصِلْ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَنْ صَلَّى قَبْلَ ذَلِكَ وَلَمْ يُدْرِكْ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ إلَّا هَذَا الْمِقْدَارَ فَإِنَّهُ يَشْفَعُ وَيَقْطَعُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ مُطْلَقًا سَوَاءً أَحْرَمَ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ أَوْ بِنِيَّةِ النَّفْلِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَوْقِفِ الْمَأْمُومِ مَعَ الْإِمَامِ وَجَعَلَهُ عَلَى سِتَّةِ مَرَاتِبَ الْأُولَى أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَالرَّجُلُ الْوَاحِدُ) فَقَطْ أَوْ الصَّبِيُّ الَّذِي يَعْقِلُ الصَّلَاةَ إذَا كَانَ (مَعَ الْإِمَامِ) فَإِنَّهُ (يَقُومُ عَنْ يَمِينِهِ) لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فَقُمْت عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ فَعَدَلَنِي كَذَلِكَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ إلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ» ، وَالثَّانِيَةُ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَيَقُومُ الرَّجُلَانِ فَأَكْثَرُ خَلْفَهُ) لِمَا فِي
[حاشية العدوي]
ابْتِدَاءً مَعَ الْفُضَلَاءِ، وَفِي الْجُمُوعِ الْكَثِيرَةِ أَفْضَلُ إلَّا أَنَّ هَذَا الْفَضْلَ لَا تُشْرَعُ لِأَجْلِهِ الْإِعَادَةُ.
[قَوْلُهُ: بِالْكَثْرَةِ وَفَضِيلَةُ الْإِمَامِ] الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ إلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ، أَيْ وَحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ فَلِمَنْ صَلَّى مَعَ جَمَاعَةٍ أَنْ يُعِيدَ مَعَ أَفْضَلَ مِنْهَا أَوْ صَلَّى مَعَ إمَامٍ أَنْ يُعِيدَ مَعَ أَفْضَلَ مِنْهُ، هَذَا مُرَادُهُ عَلَى مَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ وَقَدْ يَبْحَثُ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْحَثِّ عَلَى إيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ، أَوْ فِي جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ.
تَنْبِيهٌ:
قَوْلُهُ هُنَا وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً لَيْسَ مُكَرِّرًا مَعَ قَوْلِهِ أَوَّلَ الْبَابِ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ قَصَدَ بِهِ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ مُدْرِكَ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ مَعَ الْإِمَامِ يَحْصُلُ لَهُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ وَمَا هُنَا عَلَى أَنَّ مُحَصِّلَ الْفَضْلِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ لِلْفَضْلِ الْحَاصِلِ.
[قَوْلُهُ: فَلَهُ] أَيْ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ كَمَنْ صَلَّاهَا ابْتِدَاءً وَحْدَهُ وَإِنَّمَا لَمْ يَسْتَغْنِ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ هَذِهِ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِحُصُولِ الْفَضْلِ بِإِدْرَاكِ مَا دُونَ رَكْعَةٍ أَوْ لِمُجَرَّدِ دَفْعِ تَوَهُّمِ اعْتِقَادِ حُصُولِ الْفَضْلِ لَهُ.
[قَوْلُهُ: إنْ رَجَاهَا] فَإِنْ لَمْ يَرْجُهَا كَمَّلَ صَلَاتَهُ وَلَا يَقْطَعُهَا كَذَا صَرَّحُوا بِهِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَشْفَعُ] أَيْ نَدْبًا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً أَيْ سَوَاءً أَحْرَمَ بِنِيَّةِ فَرْضٍ أَوْ نَفَّلَ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَإِنَّمَا يَشْفَعُ إذَا كَانَ مِمَّا يَتَنَفَّلُ بَعْدَهَا كَمَا فِي التَّتَّائِيِّ.
قَالَ الْكَافِي مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ وَأَدْرَكَ النَّاسَ جُلُوسًا فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ فَلَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ لَيْلًا يَكُونُوا فِي آخِرِ صَلَاتِهِمْ فَإِذَا دَخَلَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ فِي آخِرِهَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ نَافِلَةً بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ اهـ. أَيْ إذَا كَانَ مِمَّا يَتَنَفَّلُ بَعْدَهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: وَيَقْطَعُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] أَيْ بَعْدَ تَمَامِ الرَّكْعَتَيْنِ أَيْ لَا يُتِمُّ الصَّلَاةَ وَمُقَابِلُهُ مَا لِمَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ إنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ حِينَ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا وَصَلَاتُهُ فِي بَيْتِهِ نَافِلَةٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّهَا وَأَمْرُهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى يَجْعَلُ فَرْضَهُ أَيَّتُهُمَا شَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَرِدْ رَفْضُ الْأُولَى أَجْزَأَتْهُ الْأُولَى وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ هَذِهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: الَّذِي يَعْقِلُ الصَّلَاةَ إلَخْ] أَيْ يَعْقِلُ أَنَّ الطَّاعَةَ يُثَابُ عَلَيْهَا أَيْ يَحْصُلُ الثَّوَابُ لِفَاعِلِهَا وَأَنَّ الْمَعْصِيَةَ يُعَاقِبُ عَلَيْهَا أَيْ يَحْصُلُ الْعِقَابُ لِفَاعِلِهَا إلَّا الصَّبِيَّ.
[قَوْلُهُ: يَقُومُ عَنْ يَمِينِهِ] أَيْ يُنْدَبُ أَنْ يَقُومَ فِي جِهَةِ يَمِينِهِ وَيُنْدَبُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُ قَلِيلًا بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ الْإِمَامُ مِنْ الْمَأْمُومِ وَتُكْرَهُ مُحَاذَاتُهُ.
[قَوْلُهُ: فَأَخَذَ بِيَدِي مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ] إنَّمَا لَمْ يُدِرْهُ مِنْ أَمَامِهِ مَعَ أَنَّهُ أَسْهَلُ لِئَلَّا يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي قَالَهُ تت.
[قَوْلُهُ: فَأَخَذَ بِيَدِي مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ] الظَّاهِرُ مِنْ ذَلِكَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْخُذْ بِيَدِ أَنَسٍ بِيَدِهِ الْيُسْرَى بَلْ إنَّمَا أَخَذَهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى أَيْ يَدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْيُمْنَى، وَقَوْلُهُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ كَذَلِكَ وَكَانَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ تَطَوُّعًا» . [قَوْلُهُ: وَيَقُومُ الرَّجُلَانِ] أَيْ يُصَلِّي
مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُصَلِّيَ فَجِئْت حَتَّى قُمْت عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَابِرُ بْنُ صَخْرٍ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا فَدَفَعْنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ» . وَالثَّالِثَةُ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ مَعَهُمَا) أَيْ مَعَ الرَّجُلَيْنِ (قَامَتْ خَلْفَهُمَا) فِي مُسْلِمٍ قَالَ.
أَنَسٌ: «صَلَّيْت أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا» ، وَالرَّابِعَةُ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا) أَيْ مَعَ الْإِمَامِ وَالْمَرْأَةِ (رَجُلٌ صَلَّى) الرَّجُلُ (عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَ) صَلَّتْ (الْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا) لِمَا فِي مُسْلِمٍ «عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ أَوْ خَالَتِهِ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا» . وَحُكْمُ جَمَاعَةِ النِّسْوَةِ مَعَ الْإِمَامِ وَالرَّجُلِ حُكْمُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ مَعَهُمَا، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ بِقَوْلِهِ: وَتَكُونُ النِّسَاءُ خَلْفَ صُفُوفِ الرِّجَالِ.
وَالْخَامِسَةُ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ صَلَّى بِزَوْجَتِهِ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْأَفْصَحُ فِيهِ زَوْجٌ كَالرَّجُلِ قَالَ تَعَالَى ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: 35] يَعْنِي أَوْ بِمَحْرَمِهِ أَوْ بِأَجْنَبِيَّةٍ مِنْهُ (قَامَتْ خَلْفَهُ) وَالسَّادِسَةُ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَالصَّبِيُّ إنْ صَلَّى مَعَ رَجُلٍ وَاحِدٍ خَلْفَ الْإِمَامِ قَامَا) أَيْ الصَّبِيُّ وَالرَّجُلُ (خَلْفَهُ) أَيْ خَلْفَ الْإِمَامِ دَلِيلُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمُ، لَكِنْ قَيَّدَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ هَذَا بِقَيْدٍ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إنْ كَانَ الصَّبِيُّ يَعْقِلُ) ثَوَابَ مَنْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ وَإِثْمَ مَنْ قَطَعَهَا (لَا يَذْهَبُ وَيَدَعُ) أَيْ يَتْرُكُ (مَنْ يَقِفُ مَعَهُ) فَإِنْ لَمْ يَعْقِلْ الصَّبِيُّ مَا ذُكِرَ قَامَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، وَيَتْرُكُ الصَّبِيَّ يَقِفُ حَيْثُ شَاءَ وَحُكْمُ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ كُلِّهَا الِاسْتِحْبَابُ، فَمَنْ خَالَفَ مَرْتَبَتَهُ وَصَلَّى فِي غَيْرِهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا تَقَدَّمَتْ إلَى مَرْتَبَةِ الرَّجُلِ أَوْ أَمَامِ الْإِمَامِ فَكَالرَّجُلِ يَتَقَدَّمُ فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَلَا صَلَاةُ مَنْ مَعَهُ إلَّا أَنْ يَلْتَذَّ بِرُؤْيَتِهَا أَوْ بِمُمَاسَّتِهَا، وَإِنْ تَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ لِعُذْرٍ كَضِيقِ الْمَسْجِدِ جَازَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ.
(وَالْإِمَامُ الرَّاتِبُ) أَيْ
[حاشية العدوي]
الرَّجُلَانِ لِيَشْمَلَ الْمُصَلِّي جَالِسًا.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ جَاءَ جَابِرُ بْنُ صَخْرٍ فَأَخَذَ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا] قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاحِدًا عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ أَنَّهُمَا يَتَأَخَّرَانِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَلَا يُؤْمَرُ الْإِمَامُ بِالتَّقَدُّمِ أَمَامَهُمَا بَلْ يَسْتَمِرُّ وَاقِفًا وَهُمَا الْمَأْمُورَانِ بِالتَّأَخُّرِ خَلْفَ الْإِمَامِ.
[قَوْلُهُ: امْرَأَةٌ مَعَهُمَا] وَمِثْلُهَا جَمَاعَةُ النِّسْوَةِ.
[قَوْلُهُ: وَيَتِيمٌ] اسْمُهُ ضُمَيْرَةُ بْنُ أَبِي ضُمَيْرَةَ بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُرِدْ مُطْلَقَ يَتِيمٍ بَلْ يَتِيمٌ مُعَيَّنٌ.
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَصَفَفْت أَنَا وَالْيَتِيمُ، وَتِلْكَ الصَّلَاةُ رَكْعَتَانِ نَافِلَةً كَمَا يُفِيدُهُ مُسْلِمٌ.
[قَوْلُهُ: وَأُمُّ سُلَيْمٍ إلَخْ] هِيَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ خَادِمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. [قَوْلُهُ: أَيْ مَعَ الْإِمَامِ وَالْمَرْأَةِ] بِقَرِينَةِ اسْمِ كَانَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ إلَّا الْإِمَامُ وَالْمَرْأَةُ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِأَنَّهُ يَعْنِي بِهِمَا الْإِمَامَ وَالْمَرْأَةَ.
[قَوْلُهُ: رَجُلٌ] وَمِثْلُهُ الصَّبِيُّ الَّذِي يَعْقِلُ الْقُرْبَةَ.
[قَوْلُهُ: صَلَّى الرَّجُلُ] أَيْ وَالصَّبِيُّ.
[قَوْلُهُ: أَوْ خَالَتِهِ] شَكٌّ وَقَوْلُهُ وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ أَيْ الَّتِي هِيَ أُمُّهُ أَوْ خَالَتُهُ.
[قَوْلُهُ: قَامَتْ خَلْفَهُ] وَلَا تَقِفُ عَلَى يَمِينِهِ فَلَوْ وَقَفَتْ بِجَنْبِهِ كُرِهَ لَهَا ذَلِكَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُشِيرَ إلَيْهَا بِالتَّأَخُّرِ، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْمُحَاذَاةِ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ مَا يُبْطِلُ الطَّهَارَةَ، وَيَنْبَغِي أَنَّ حُكْمَ الْخُنْثَى مَعَ الْإِمَامِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ رِجَالٍ كَالْأُنْثَى، وَأَمَّا مَعَ رِجَالٍ وَإِنَاثٍ فَيَقِفُ خَلْفَ الرِّجَالِ وَالْأُنْثَى الْمُحَقَّقَةُ خَلْفَهُ، هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ وَحَرَّرَهُ شَرْحُ الشَّيْخِ.
[قَوْلُهُ: فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ] أَيْ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ التَّقَدُّمُ عَلَى الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَمَثَلُ التَّقَدُّمِ لِمُحَاذَاةٍ وَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ خَوْفُ أَنْ يَطْرَأَ عَلَى الْإِمَامِ مَا لَا يَعْلَمُونَهُ مِمَّا يُبْطِلُهَا، وَكَذَلِكَ إذَا تَقَدَّمَ كُلُّ الْمَأْمُومِينَ عَلَى ظَاهِرِ نَقْلِ الْمَوَّاقُ.
وَفِي صَغِيرِ بَهْرَامَ إنْ تَقَدَّمُوا كُلُّهُمْ فَلَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا زَادَ الْحَطَّابُ عَنْ ابْنِ عَزْمٍ فِي شَرْحِهِ لِهَذَا الْكِتَابِ وَتَبْطُلُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ اهـ، وَانْظُرْ مَا الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ] أَيْ صَلَاةُ الْإِمَامِ الَّذِي تَقَدَّمَتْ الْمَرْأَةُ أَمَامَهُ وَلَا صَلَاةُ مَنْ مَعَهُ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَلْتَذَّ بِرُؤْيَتِهَا إلَخْ] ضَعِيفٌ إذْ الِالْتِذَاذُ بِرُؤْيَتِهَا مِنْ غَيْرِ مُمَاسَّةٍ وَلَا إنْزَالٍ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ.
[قَوْلُهُ: وَالْإِمَامُ الرَّاتِبُ إلَخْ] هُوَ مَنْ
الْمُنْتَصِبُ فِي مَسْجِدِ الْإِمَامَةِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ أَوْ بَعْضِهَا (إنْ صَلَّى وَحْدَهُ قَامَ مَقَامَ الْجَمَاعَةِ) فِي حُصُولِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَفِي الْحُكْمِ فَلَا يُعِيدُ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى وَلَا تُجْمَعُ الصَّلَاةُ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ مَرَّةً أُخْرَى، وَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ يُعِيدُ مَعَهُ بَعْضُهُمْ وَيَجْمَعُ وَحْدَهُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ حَاصِلَةٌ فِي حَقِّهِ، وَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَلَا يَزِيدُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ (وَيُكْرَهُ) كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ (فِي كُلِّ مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ أَنْ تُجْمَعَ فِيهِ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ) قَبْلَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ أَوْ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى التَّبَاغُضِ وَالتَّشَاجُرِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ وَإِذَايَتِهِمْ.
ق: وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ يَنْبَغِي التَّحْرِيمُ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ بَاقِيَةٌ وَلَوْ أَذِنَ الْإِمَامُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ مَنْ أَذِنَ لِرَجُلٍ أَنْ يُؤْذِيَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ.
(وَمَنْ صَلَّى صَلَاةً) مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ جَمَاعَةٍ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا (فَلَا يَؤُمُّ فِيهَا أَحَدًا) لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي الثَّانِيَةِ مُتَنَفِّلًا، الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ الْمُفْتَرِضُ بِالْمُتَنَفِّلِ وَيُعِيدُهُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ أَبَدًا جَمَاعَةً إنْ شَاءُوا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَأَفْذَاذًا عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ (وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ) فِي صَلَاتِهِ (سَجَدَ لِسَهْوِهِ فَلْيَتْبَعْهُ مَنْ
[حاشية العدوي]
أَقَامَهُ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ أَوْ الْوَاقِفُ أَوْ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ يَجُوزُ أَوْ يُكْرَهُ لِأَنَّ شَرْطَ الْوَاقِفِ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَإِنْ كُرِهَ وَكَذَلِكَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ لِوُجُوبِ اتِّبَاعِهِ وَإِنْ أَمَرَ بِمَكْرُوهٍ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ.
[قَوْلُهُ: الْمُنْتَصِبُ فِي مَسْجِدٍ] حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا فَدَخَلَ فِيهِ سَفِينَةٌ وَمَكَانٌ جَرَّتْ الْعَادَةُ بِالْجَمْعِ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: قَامَ مَقَامَ الْجَمَاعَةِ إلَخْ] أَيْ بِشَرْطِ صَلَاتِهِ فِي وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ وَانْتِظَارِ النَّاسِ عَلَى الْعَادَةِ وَنِيَّةِ الْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ جَمَاعَةً فِي مَسْجِدٍ آخَرَ، إذْ هُوَ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ فِي مَسْجِدٍ كَمَا قَالَ سَنَدٌ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ، قُلْت: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْفَذِّ فِي نَدْبِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ وَتَقْصِيرِهَا لَا كَالْإِمَامِ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ طَلَبِ التَّقْصِيرِ حِينَئِذٍ.
[قَوْلُهُ: وَلَا تُجْمَعُ الصَّلَاةُ إلَخْ] أَيْ يُكْرَهُ.
[قَوْلُهُ: يُعِيدُ مَعَهُ] أَيْ نَدْبًا وَقَوْلُهُ وَيَجْمَعُ وَحْدَهُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ، أَيْ نَدْبًا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَزِيدُ] أَيْ يُكْرَهُ فِيمَا يَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: فِي كُلِّ مَسْجِدٍ] أَيْ أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ.
[قَوْلُهُ: لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ] وَنَائِبُ الرَّاتِبِ حُكْمُهُ حُكْمُ الرَّاتِبِ.
قَالَ تت: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ رَاتِبًا فِي كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا وَالْكَرَاهَةُ إنَّمَا هِيَ فِي الَّتِي هُوَ رَاتِبٌ فِيهَا فَقَطْ اهـ.
وَأَمَّا مَا لَا رَاتِبَ لَهُ فَلَا يُكْرَهُ تَعَدُّدُ الْجَمَاعَةِ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ تُجْمَعَ الصَّلَاةُ فِيهِ مَرَّتَيْنِ] احْتِرَازًا مِنْ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ فِيهِ بَعْدَ جَمْعِ الْإِمَامِ فَلَا كَرَاهَةَ مُطْلَقًا كَقَبْلِهِ لِعُذْرٍ وَالْإِكْرَاهُ، أَيْ مَعَ الْخُرُوجِ قَبْلَ جَمْعِ الْإِمَامِ.
[قَوْلُهُ: قَبْلَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ] أَيْ مَا لَمْ يُؤَخِّرْ كَثِيرًا فَلِغَيْرِهِ أَنْ يَجْمَعَ وَلَا كَرَاهَةَ وَيُكْرَهُ لَهُ أَيْ لِلرَّاتِبِ حِينَئِذٍ الْجَمْعُ فَإِذَا لَمْ يُؤَخِّرْ كَثِيرًا فَيَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ بَعْدَ جَمْعِ غَيْرِهِ حَيْثُ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَإِلَّا كُرِهَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ مَعَهُ] ضَعِيفٌ لِمَا ذَكَرَهُ عج مِنْ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ يَحْرُمُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدٌ صَلَاةً حَالَ صَلَاةِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ لَهَا سَوَاءً صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا أَوْ جَمَاعَةً اهـ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَخْ] هَذَا أَحَدُ أَقْوَالٍ فِي الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ قَالَ تت: وَعَلَى الْكَرَاهَةِ لِأَذِيَّةِ الْإِمَامِ أَوْ لِتَطَرُّقِ أَهْلِ الْبِدَعِ أَوْ لِلتَّهَاوُنِ بِالصَّلَاةِ أَوْ لِتَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ، وَقَدْ أَمَرَ الشَّارِعُ بِالْأُلْفَةِ أَقْوَالٌ.
[قَوْلُهُ: يَنْبَغِي التَّحْرِيمُ] أَيْ إلَّا أَنَّ الْفِقْهَ لَا حُرْمَةَ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ] وَجَوَّزَهُ اللَّخْمِيُّ قَالَهُ تت.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ صَلَّى صَلَاةً مِنْ الصَّلَوَاتِ] أَيْ بِحَيْثُ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ.
[قَوْلُهُ: جَمَاعَةً إنْ شَاءُوا إلَخْ] هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ ضَعِيفٌ: قَالَ ابْنُ نَاجِي: لَمْ يَحْكِ ابْنُ بَشِيرٍ غَيْرَهُ، أَيْ غَيْرَ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ: وَهَذَا لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْأُولَى تُجْزِئُهُمْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ، فَإِذَا أَعَادُوهَا جَمَاعَةً صَارَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ كَمُعِيدٍ فِي جَمَاعَةٍ بَعْدَ أَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ فَرَاعَى فِي الْإِعَادَةِ مَذْهَبَ الْمُخَالِفِ لَا مَذْهَبَ نَفْسِهِ.
[قَوْلُهُ: وَسَجَدَ لِسَهْوِهِ] قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ تَرَكَ السُّجُودَ لِسَهْوِهِ لَا يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُؤْمَرُ بِالسُّجُودِ وَلَوْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ، فَلَوْ سَجَدَ الْمَأْمُومُ الْقَبْلِيُّ مَعَهُ وَتَرَكَهُ إمَامُهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَتَبْطُلُ صَلَاةُ إمَامِهِ إنْ كَانَ عَنْ ثَلَاثِ
لَمْ يَسْهُ مَعَهُ مِمَّنْ خَلْفَهُ) ظَاهِرُهُ لَوْ كَانَ مَسْبُوقًا وَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ تَفْصِيلٍ ذَكَرْنَاهُ فِي الْكَبِيرِ، وَالْأَصْلُ فِيمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ سَهْوٌ، وَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ الِاخْتِلَافُ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَأَقْوَالِهَا وَجَمِيعِ هَيْئَاتِهَا.
(وَلَا يَرْفَعُ أَحَدٌ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ (رَأْسَهُ) مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ (قَبْلَ الْإِمَامِ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَجْهَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي إمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ» . (وَلَا يَفْعَلُ) أَحَدٌ فِعْلًا مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ (إلَّا بَعْدَ فِعْلِهِ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاجِدًا ثُمَّ
[حاشية العدوي]
سِنِينَ وَطَالَ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَتْبَعْهُ] أَيْ وُجُوبًا.
[قَوْلُهُ: وَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ تَفْصِيلٍ ذَكَرْنَاهُ فِي الْكَبِيرِ] مَفْهُومُ لَقَبِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَنَصُّهُ الْمَسْأَلَةُ ذَاتُ تَفْصِيلٍ، وَهُوَ إنْ كَانَ أَدْرَكَ مَعَهُ الصَّلَاةَ كُلَّهَا لَزِمَهُ اتِّبَاعُهُ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ كَانَ السُّجُودُ قَبْلِيًّا أَوْ بَعْدِيًّا، وَإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا، فَلَا يَخْلُو، إمَّا أَنَّ يَعْقِدَ مَعَهُ رَكْعَةً أَوْ لَا، فَإِنْ عَقَدَ مَعَهُ رَكْعَةً وَكَانَ السُّجُودُ قَبْلِيًّا سَجَدَ مَعَهُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدِيًّا لَا يَسْجُدُ مَعَهُ وَيَنْتَظِرُهُ جَالِسًا عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، قَالُوا وَيَكُونُ سَاكِتًا وَلَا يَتَشَهَّدُ، فَإِنْ خَالَفَ وَسَجَدَ مَعَهُ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ، وَإِنْ جَهِلَ فَقَالَ عِيسَى: يُعِيدُ أَبَدًا.
قَالَ فِي الْبَيَانِ وَهُوَ الْأَقْيَسُ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ أَدْخَلَ فِي صَلَاتِهِ مَا لَيْسَ مِنْهَا وَعَذَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْجَهْلِ فَحَكَمَ لَهُ بِحُكْمِ النِّسْيَانِ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ عَلَيْهِ السُّجُودُ مَعَ الْإِمَامِ اهـ.
وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ مَعَهُ رَكْعَةً لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ سُجُودُهُ الْبَعْدِيُّ، وَأَمَّا الْقَبْلِيُّ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَتْبَعُهُ وَعَلَيْهِ إذَا خَالَفَ وَتَبِعَهُ بَطَلْت صَلَاتُهُ، اهـ. أَيْ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا لَا سَهْوًا.
[قَوْلُهُ: لِيُؤْتَمَّ بِهِ] أَيْ لِيُقْتَدَى بِهِ فِي أَحْوَالِ الصَّلَاةِ فَتَنْتَفِي الْمُقَارَنَةُ وَالْمُسَابَقَةُ وَالْمُخَالَفَةُ، كَمَا قَالَ: فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ وَالرَّفْعُ قَبْلَهُ وَالْخَفْضُ مِنْ الِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ فَيَرْجِعُ لِيَرْفَعَ بَعْدَ رَفْعِهِ وَيَخْفِضَ بَعْدَ خَفْضِهِ، قَالَهُ شَارِحُ الْحَدِيثِ أَيْ وَكَذَا مِنْ اخْتِلَافِ أَنْ لَا يَتْبَعَهُ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ مِمَّنْ خَلْفَهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَرْفَعُ] أَيْ تَحْرِيمًا فَلَوْ خَالَفَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لَهُ إنْ ظَنَّ إدْرَاكَهُ قَبْلَ الرَّفْعِ وَهَلْ الرُّجُوعُ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبٌ قَوْلَانِ اقْتَصَرَ الْمَوَّاقُ عَلَى الْوُجُوبِ وَلَوْ تَرَكَ الرُّجُوعَ لَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَهَذَا حَيْثُ أَخَذَ فَرْضَهُ مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ رَفْعِهِ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ، فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ لَا سَهْوًا وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ لَوْ زُوحِمَ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ الْخَفْضُ.
[قَوْلُهُ: أَمَا] بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ حَرْفُ اسْتِفْتَاحٍ.
[قَوْلُهُ: الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ] أَيْ مِنْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ.
[قَوْلُهُ: أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ وَجْهَهُ] أَيْ حَقِيقَةً بِأَنْ يُمْسَخَ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ وُقُوعِ الْمَسْخِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا يَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ الْأَشْرِبَةِ، أَوْ يُحَوِّلُ هَيْئَتَهُ الْحِسِّيَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيُحْشَرَ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ، أَيْ أَوْ الْمَعْنَوِيَّةِ كَالْبَلَادَةِ الْمَوْصُوفِ بِهَا الْحِمَارُ فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِلْجَاهِلِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْوَعِيدَ بِأَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ حَاصِلَةٌ فِي فَاعِلِ ذَلِكَ عِنْدَ فِعْلِهِ ذَلِكَ، كَذَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ وَأَوْ فِي قَوْلَهُ أَوْ يَجْعَلُ إلَخْ لِلشَّكِّ مِنْ الرَّاوِي.
[قَوْلُهُ: إنِّي إمَامُكُمْ] بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمُ الثَّانِيَةُ مَضْمُومَةٌ.
[قَوْلُهُ: إلَّا بَعْدَ فِعْلِهِ] أَيْ إلَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي فِعْلِهِ، أَيْ فَالْأَوْلَى أَنْ يَفْعَلَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْفِعْلِ وَيُدْرِكَهُ فِيهِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْقِيَامِ مِنْ اثْنَتَيْنِ، وَأَمَّا فِيهِ فَيُطْلَبُ مِنْهُ التَّأَخُّرُ حَتَّى يَنْتَقِلَ الْإِمَامُ قَائِمًا.
[قَوْلُهُ: لَمْ يَحْنِ] بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ النُّونِ، أَوْ لَمْ يُقَوِّسْ وَقَوْلُهُ سَاجِدًا حَالٌ وَقَوْلُهُ: لَمْ نَقَعْ بِنُونِ الْمُتَكَلِّمِ مَعَ غَيْرِهِ وَالْعَيْنُ مَرْفُوعَةٌ، وَقَوْلُهُ: سُجُودًا حَالٌ وَهُوَ جَمْعُ سَاجِدٍ، أَيْ بِحَيْثُ يَتَأَخَّرُ ابْتِدَاءُ فِعْلِهِمْ عَنْ ابْتِدَاءِ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَيَتَقَدَّمُ ابْتِدَاءُ فِعْلِهِمْ عَلَى فَرَاغِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ السُّجُودِ، كَذَا قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ: فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ وَلَا يَفْعَلُهُ إلَخْ، تَكْرَارٌ مَعَ مَا قَبْلُ.
وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:.
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مِنْ
نَقَعَ سُجُودًا بَعْدَهُ» (وَيَفْتَتِحُ) أَيْ الْمَأْمُومُ بِالتَّكْبِيرِ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ، وَمَتَى سَبَقَهُ بِهِ أَوْ سَاوَاهُ فِيهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ مَا إذَا أَحْرَمَ بَعْدَهُ وَسَلَّمَ مَعَهُ (وَيَقُومُ) الْمَأْمُومُ (مِنْ اثْنَتَيْنِ بَعْدَ قِيَامِهِ) أَيْ الْإِمَامِ مُسْتَقِلًّا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ (وَيُسَلِّمُ بَعْدَ سَلَامِهِ) عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ مَتَى سَبَقَهُ بِهِ أَوْ سَاوَاهُ فِيهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ (وَمَا سِوَى ذَلِكَ) أَيْ الِافْتِتَاحِ وَالْقِيَامِ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَالسَّلَامِ بَعْدَهُ كَالِانْحِنَاءِ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ إلَى الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ (فَوَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ (أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَهُ وَبَعْدَهُ أَحْسَنُ) أَيْ أَفْضَلُ وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى كَرَاهَةِ مُسَاوَاتِهِ فِي غَيْرِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ (وَكُلُّ سَهْوٍ سَهَاهُ الْمَأْمُومُ) فِي حَالِ قُدْوَتِهِ بِالْإِمَامِ (فَالْإِمَامُ يَحْمِلُهُ عَنْهُ) لِحَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيِّ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَيَّدْنَا بِحَالِ الْقُدْوَةِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا كَانَ مَسْبُوقًا وَسَهَا فِي قَضَائِهِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَحْمِلُهُ عَنْهُ لِأَنَّ الْقُدْوَةَ قَدْ انْقَطَعَتْ، فَحُكْمُهُ الْآنَ حُكْمُ الْمُنْفَرِدِ ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مَسَائِلُ فَقَالَ: (إلَّا رَكْعَةً أَوْ سَجْدَةً أَوْ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ أَوْ السَّلَامِ أَوْ اعْتِقَادِ نِيَّةِ الْفَرِيضَةِ) لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا فَرَائِضُ وَالْفَرَائِضُ لَا تَسْقُطُ بِالسَّهْوِ وَلَا يَجْزِي عَنْهَا السُّجُودُ.
(وَ) مِنْ فَضَائِلِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ (إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ) مِنْ الْفَرِيضَةِ (فَلَا يَثْبُتُ) فِي مَكَانِهِ (بَعْدَ سَلَامِهِ) سَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ مِمَّا يَتَنَفَّلُ بَعْدَهَا أَمْ لَا.
وَقَوْلُهُ: (وَلْيَنْصَرِفْ) تَكْرَارٌ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى لَا يَثْبُتُ ق: وَهَلْ يَنْصَرِفُ جُمْلَةً وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَوْ يَتَحَوَّلُ لَيْسَ إلَّا وَهَلْ انْصِرَافُهُ خُرُوجُهُ مِنْ الْمِحْرَابِ أَوْ تَحْوِيلُهُ يَمِينًا وَشِمَالًا؟ قَالَ مَالِكٌ: يَتَحَوَّلُ إلَى
[حاشية العدوي]
بَابِ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ، الثَّانِي أَنَّ الْأَوَّلَ نَهَى فِيهِ عَنْ السَّبْقِ، وَهَذَا نَهْيٌ عَنْ الْمُصَاحَبَةِ وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ السَّبْقَ حَرَامٌ كَالتَّأَخُّرِ عَنْهُ حَتَّى يَنْتَقِلَ إلَى رُكْنٍ آخَرَ وَالْمُصَاحَبَةُ مَكْرُوهَةٌ.
[قَوْلُهُ: أَيْ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ] أَيْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّكْبِيرِ.
[قَوْلُهُ: بَطَلَتْ صَلَاتُهُ] خَتَمَ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَهَذِهِ سِتُّ صُوَرٍ، وَإِذَا ابْتَدَأَ بَعْدَهُ إنْ خَتَمَ قَبْلَهُ بَطَلَتْ وَمَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ صَحِيحَةٌ فَالصُّوَرُ تِسْعٌ، وَمِثْلُهَا فِي الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّهُ فِي الْإِحْرَامِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ وَفِي السَّلَامِ يُقَيَّدُ بِالْعَمْدِ لَا سَهْوًا فَلَا تَبْطُلُ وَلَا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ السَّلَامِ.
تَنْبِيهٌ:
إذَا عَلِمَ أَنَّهُ أَحْرَمَ قَبْلَ إمَامِهِ وَأَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ بَعْدَهُ فَقَالَ مَالِكٌ يُكَبِّرُ وَلَا يُسَلِّمُ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ لَمْ يُكَبِّرْ لِمُخَالَفَتِهِ مَا أُمِرَ بِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونَ يُسَلِّمُ لِأَنَّهُ اخْتَلَفَ فِي صِحَّةِ الْإِحْرَامِ الْأَوَّلِ.
[قَوْلُهُ: فَوَاسِعٌ أَيْ جَائِزٌ إلَخْ] أَرَادَ بِالْجَوَازِ عَدَمَ الْحُرْمَةِ فَلَا يُنَافِي الْكَرَاهَةَ بِقَرِينَةٍ، قَوْلُهُ وَبَعْدَهُ أَحْسَنُ بِمَعْنَى مُسْتَحَبٍّ فَأَفْعَلُ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ.
[قَوْلُهُ: قُدْوَتِهِ] مُثَلَّثُ الْقَافِ كَمَا قَالَهُ تت فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ.
[قَوْلُهُ: فَالْإِمَامُ يَحْمِلُهُ عَنْهُ] أَيْ كَالتَّكْبِيرِ وَلَفْظِ التَّشَهُّدِ أَوْ زِيَادَةِ سَجْدَةٍ أَوْ رُكُوعٍ وَلَا مَفْهُومَ لِلسَّهْوِ فِي كَلَامِهِ، بَلْ يَحْمِلُ عَنْهُ بَعْضَ الْعَمْدِ كَتَرْكِ التَّكْبِيرِ أَوْ لَفْظِ التَّشَهُّدِ.
[قَوْلُهُ: اعْتِقَادَ نِيَّةٍ إلَخْ] عَرَّفُوا النِّيَّةَ بِأَنَّهَا الْعَزْمُ عَلَى الشَّيْءِ مُقْتَرِنًا بِفِعْلِهِ فَأَرَادَ الِاعْتِقَادَ ذَلِكَ الْعَزْمَ، فَإِضَافَةُ اعْتِقَادٍ إلَى مَا بَعْدَهُ لِلْبَيَانِ.
أَيْ اعْتِقَادٌ هُوَ نِيَّةُ الْفَرِيضَةِ أَيْ نِيَّةُ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ.
تَنْبِيهٌ:
قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَّا رَكْعَةً، أَيْ إلَّا كَرَكْعَةٍ أَيْ مِنْ كُلِّ مَا كَانَ فَرْضًا غَيْرَ الْفَاتِحَةِ وَلَمْ يُرِدْ الْمُصَنِّفُ الْحَصْرَ لِأَنَّ إلَّا لَا تَكُونَ لِلْحَصْرِ إلَّا إذَا سَبَقَهَا نَفْيٌ إذْ بَقِيَ الْجُلُوسُ لِلسَّلَامِ وَالرَّفْعِ وَتَرْتِيبِ الْأَدَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَذِكْرُ الْمُصَنِّفِ الرَّكْعَةَ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَحْمِلُ السَّجْدَةَ فَأَوْلَى الرَّكْعَةَ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالرَّكْعَةِ الرُّكُوعَ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ مَجَازٌ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ سَلَامِهِ] أَيْ وَلَوْ قِيلَ الذِّكْرُ الْمَطْلُوبُ عَقِبَ الْفَرِيضَةِ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَهَلْ انْصِرَافُهُ إلَخْ] الْأَوْلَى إسْقَاطُ هَلْ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَالْمُرَادُ بِانْصِرَافِهِ خُرُوجُهُ مِنْ الْمِحْرَابِ، وَالْمُرَادُ بِتَحْوِيلِهِ أَيْ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا وَرُجِّحَ هَذَا أَيْ الْقَوْلُ بِالتَّحْوِيلِ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ وَيَكْفِي تَغْيِيرُ هَيْئَتِهِ قَالَ الثَّعَالِبِيُّ: وَهَذَا هُوَ السُّنَّةُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ أَبِي جَمْرَةَ وَصَاحِبِ الْمَدْخَلِ.
أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ، وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ الِانْصِرَافِ فَقِيلَ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا مِنْ أَجْلِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا فَرَغَ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ بَعْدَهَا وَقِيلَ لِئَلَّا يُخَالِطَهُ الرِّيَاءُ وَالْعُجْبُ، الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا أَوْلَى فِي تَعْلِيلِ النَّهْيِ، وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ يَثْبُتُ بَعْدَ سَلَامِهِ قَلِيلًا لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ تَبَارَكَتْ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ انْصِرَافِ الْإِمَامِ بَعْدَ سَلَامِهِ مَسْأَلَةً فَقَالَ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّهِ) وَهُوَ دَارُهُ فِي الْحَضَرِ وَرَحْلُهُ فِي السَّفَرِ (فَذَلِكَ) يَعْنِي الْجُلُوسَ بَعْدَ سَلَامِهِ (وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ مِمَّا يَخَافُ مِنْهُ.
فَائِدَةٌ:
الْقَرَافِيُّ كَرِهَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لِأَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ الدُّعَاءَ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ جَهْرًا لِلْحَاضِرِينَ، فَيَجْتَمِعُ لِهَذَا الْإِمَامِ التَّقْدِيمُ وَشَرَفُ كَوْنِهِ يُنَصِّبُ نَفْسَهُ وَاسِطَةً بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ عِبَادِهِ فِي تَحْصِيلِ مَصَالِحِهِمْ عَلَى يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ، فَيُوشِكُ أَنْ تَعْظُمَ نَفْسُهُ وَيَفْسُدَ قَلْبُهُ وَيَعْصِي رَبَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يُطِيعُهُ، رُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يَدْعُوَ لِقَوْمِهِ بِدَعَوَاتٍ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ: لَا لِأَنِّي أَخْشَى عَلَيْك أَنْ تَشْمَخَ نَفْسُكَ حَتَّى تَصِلَ الثُّرَيَّا، وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى لِكُلٍّ مَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلدُّعَاءِ لِغَيْرِهِ اهـ. هَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى الرُّبْعِ الْأَوَّلِ مِنْ الرِّسَالَةِ.
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: فَقِيلَ لِأَنَّ إلَخْ] وَقِيلَ إنَّ الْعِلَّةَ التَّلْبِيسُ عَلَى الدَّاخِلِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ لِئَلَّا إلَخْ] فِي كَلَامِ بَعْضٍ مَا يُفِيدُ أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي الِانْصِرَافَ جُمْلَةً كَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُمَا كَانَا إذَا سَلَّمَا يَنْهَضَانِ مِنْ الْمِحْرَابِ نَهْضَةَ الْبَعِيرِ الْهَائِجِ مِنْ عِقَالِهِ.
[قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا أَوْلَى فِي تَعْلِيلِ النَّهْي] وَجْهُ الظُّهُورِ أَنَّ التَّعْلِيلَ الْأَوَّلَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: أَنْتَ السَّلَامُ] أَيْ الْمُخْتَصُّ بِالتَّنَزُّهِ عَنْ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ لَا غَيْرَك، وَقَوْلُهُ وَمِنْك السَّلَامُ، أَيْ أَنَّ غَيْرَك فِي مَعْرَضِ النُّقْصَانِ وَالْخَوْفِ مُفْتَقِرٌ إلَى جَنَابِك بِأَنْ تُؤَمِّنَهُ وَلَا مَلَاذَ لَهُ غَيْرَك فَدَلَّ عَلَى التَّخْصِيصِ بِتَقْدِيمِ الْخَبَرِ عَلَى الْمُبْتَدَإِ، وَقَوْلُهُ تَبَارَكْت تَعَظَّمْت وَتَمَجَّدْت أَوْ جِئْت بِالْبَرَكَةِ وَقَوْلُهُ يَا ذَا الْجَلَالِ أَيْ يَا ذَا الْعَظَمَةِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّهِ] أَيْ أَوْ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ وَكَذَا مَحَلُّ غَيْرِهِ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِمَحَلِّهِ.
[قَوْلُهُ أَيْ جَائِزٌ] أَيْ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ.
[قَوْلُهُ: وَالْجَمَاعَاتُ] أَيْ وَأَنْ يَكُونُوا فِي مَسْجِدٍ.
[قَوْلُهُ: جَهْرًا] أَيْ وَأَمَّا سِرًّا فَأَمْرٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ عِيَاضٌ وَعَلَى الْإِمَامِ عَشْرُ وَظَائِفَ مُرَاعَاةُ الْوَقْتِ إلَى أَنْ قَالَ وَالِاجْتِهَادُ فِي الدُّعَاءِ لَهُمْ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ فَيَجْتَمِعُ إلَخْ آتٍ فِي الدُّعَاءِ سِرًّا وَجَهْرًا وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الِاجْتِمَاعَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ مِنْ عِظَمِ النَّفْسِ إلَخْ أَظْهَرَ فِي الْجَهْرِ وَيَجْرِي مِثْلُ هَذَا فِيمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ.
[قَوْلُهُ: فَيُوشِكُ] أَيْ يَقْرَبُ.
[قَوْلُهُ: تَعَظُّمُ نَفْسِهِ إلَخْ] قَصَدَ الْإِيضَاحَ إذْ عِظَمُ النَّفْسِ فَسَادٌ لِلْقَلْبِ وَمَعْصِيَةُ الرَّبِّ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تُنَازِعُ فِيهِ الْعَوَامِلُ الْمَذْكُورَةُ.
[قَوْلُهُ: مِمَّا يُعْطِيه] أَيْ مِنْ إطَاعَتِهِ أَيْ الرَّبِّ فَمَا مَصْدَرِيَّةٌ.
[قَوْلُهُ: أَنْ تَشْمَخَ] أَيْ تَرْتَفِعَ إلَخْ وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ الْكِبْرِ.
[قَوْلُهُ: وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى إلَخْ] قَالَ ابْنُ نَاجِي قُلْت وَقَدْ اسْتَقَرَّ الْعَمَلُ عَلَى جَوَازِهِ عِنْدَنَا بِإِفْرِيقِيَةَ وَكَانَ بَعْضُ مَنْ لَقِيته يَنْصُرُهُ بِأَنَّ الدُّعَاءَ وَرَدَ الْحَثُّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] وَقَالَ: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: 77] اهـ.
وَعِبَارَةُ مَيَّارَةٍ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عِبَارَةَ الشَّارِحِ نَصُّهَا وَحَاصِلُ مَا انْفَصَلَ عَنْهُ الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْغُبْرِينِيُّ أَنَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ عَلَى نِيَّةِ أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ أَوْ فَضَائِلِهَا فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِنْ كَانَ مَعَ السَّلَامَةِ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ أَصْلِ الدُّعَاءِ وَالدُّعَاءُ عِبَادَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَضْلُهَا مِنْ الشَّرِيعَةِ مَعْلُومٌ عِظَمُهُ اهـ الْمُرَادُ مِنْهُ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الرُّبْعِ الثَّانِي فَقَالَ: [11 - بَابٌ جَامِعٌ] بِالتَّنْوِينِ وَيُرْوَى بِالْإِضَافَةِ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَقْتَضِي أَنَّهُ ذَكَرَ جَمِيعَ مَسَائِلِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ مِنْ تَرَاجِمِ الْمُوَطَّأِ وَمَعْنَاهَا هَذَا بَابٌ أَذْكُرُ فِيهِ مَسَائِلَ مُخْتَلِفَةً (فِي الصَّلَاةِ) وَاعْتُرِضَ عَلَى الشَّيْخِ بِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْبَابِ مَسَائِلَ لَيْسَتْ مِنْهُ كَقَوْلِهِ: وَمَنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ لِضَرَرٍ بِهِ أَوْ لَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ تَيَمَّمَ، أُجِيبَ بِأَنَّ أَكْثَرَ مَا ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ وَبِأَنَّهُ وَعَدَ بِمَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ وَبِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْوُضُوءِ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالصَّلَاةِ، وَابْتَدَأَ الْبَابَ بِمَسْأَلَةٍ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ طَهَارَةِ الْمَاءِ فَقَالَ: (وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ) شَيْئَانِ:
الْأَوَّلُ (الدِّرْعُ) بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ (الْخَصِيفُ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (السَّابِغُ) أَيْ الْكَامِلُ (الَّذِي يَسْتُرُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا) وَلَمَّا كَانَ الدِّرْعُ لَفْظًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ دِرْعِ الْحَدِيدِ وَغَيْرِهِ فَسَّرَهُ بِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: (وَهُوَ) أَيْ الدِّرْعُ (الْقَمِيصُ) وَهُوَ مَا يَسْلُكُ فِي الْعُنُقِ.
(وَ) الشَّيْءُ الثَّانِي (الْخِمَارُ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ ثَوْبٌ تَجْعَلُهُ الْمَرْأَةُ عَلَى رَأْسِهَا تَسْدُلُهُ عَلَى خَدَّيْهَا، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الدِّرْعِ وَهُوَ:
[حاشية العدوي]
[بَابٌ جَامِعٌ فِي الصَّلَاة]
بَابٌ جَامِعٌ [قَوْلُهُ: بِالتَّنْوِينِ] أَيْ رُوِيَ بِتَنْوِينِ بَابٍ وَرُوِيَ بِالْإِضَافَةِ، أَيْ بِإِضَافَةِ بَابٍ إلَى جَامِعٍ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ عَلَى نُسْخَةٍ فِي وَأَمَّا عَلَى إسْقَاطِهَا فَالتَّنْوِينُ وَعَدَمُهُ سِيَّانِ فِي أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْبَابَ جَمَعَ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ إلَخْ.
هَكَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ لَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى نُسْخَةِ فِي فَلَا إيهَامَ قُرِئَ بِالتَّنْوِينِ أَوْ عَدَمِهِ وَعَلَى إسْقَاطِهِ فَالْإِيهَامُ مَوْجُودٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
[قَوْلُهُ: أُجِيبَ إلَخْ] أَيْ فَقَوْلُهُ بَابٌ جَامِعٌ إلَخْ أَيْ بِحَسَبِ الْأَغْلَبِ.
[قَوْلُهُ: وَبِأَنَّهُ وَعَدَ بِمَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ] أَيْ فَكَأَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ.
[قَوْلُهُ: وَبِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْوُضُوءِ إلَخْ] فَكَأَنَّهُ قَالَ بَابٌ جَامِعٌ فِي الصَّلَاةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا فَمَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ صَلَاةٌ حَقِيقَةٌ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْوُضُوءِ صَلَاةٌ حُكْمًا، وَهَذَا الْجَوَابُ جَارٍ أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ.
[قَوْلُهُ: وَابْتَدَأَ الْبَابَ بِمَسْأَلَةِ إلَخْ] أَيْ لِلْمُنَاسِبَةِ؛ لِأَنَّ السِّتْرَ يُطْلَبُ حِينَ إرَادَةِ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَالَ تت وَكَرَّرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَعَ تَقَدُّمِهَا فِي بَابِ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَالثَّوْبِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا كَرَّرَهَا لِزِيَادَةِ صِفَةِ الْخِمَارِ، أَوْ لِأَنَّ هَذَا مَحَلُّهَا أَوْ لِيُرَتَّبَ عَلَيْهَا قَوْلَهُ وَلَا يُغَطِّي أَنْفَهُ.
[قَوْلُهُ: وَأَقَلُّ إلَخْ] يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهَا لَوْ صَلَّتْ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِهَا وَتُعِيدُ أَبَدًا وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ فِيهِ التَّفْصِيلُ الْمُتَقَدِّمُ.
[قَوْلُهُ: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ رُوِيَ بِالْخَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَمَعْنَى الْأُولَى الْكَثِيفُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ الْمَتِينُ وَمَعْنَى الثَّانِيَةِ السَّاتِرُ اهـ. فَعَلَى الثَّانِيَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ: " السَّابِغُ " تَفْسِيرًا لِلْخَصِيفِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سِتْرُهُ مِنْ حَيْثُ سُمْكِهِ فَتَتَّحِدُ النُّسْخَتَانِ.
[قَوْلُهُ: الَّذِي يَسْتُرُ ظُهُورَ إلَخْ] تَفْسِيرٌ لِلسَّابِغِ وَقَوْلُهُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا بَلْ لَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ سَتْرِ بُطُونِ قَدَمَيْهَا وَإِنْ كَانَ لَا إعَادَةَ عِنْدَ تَرْكِ سَتْرِ بَطْنِ الْقَدَمِ.
[قَوْلُهُ: تَسْدُلُهُ عَلَى خَدَّيْهَا] قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا سَتْرُ بَعْضِ خَدَّيْهَا اهـ.
أَقُولُ قَضِيَّةُ الشَّارِحِ أَنَّهَا تَسْتُرُ جَمِيعَ خَدَّيْهَا وَقَدْ عَلِمَتْ مَا قَالَهُ عج، وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلًّا مِنْ ذَلِكَ يُنَافِي مَا سَيَأْتِي لَهُ مِنْ أَنَّهُ
(الْخَصِيفُ) وَاحْتُرِزَ بِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مِنْ الْخَفِيفِ النَّسْجِ الَّذِي يَشِفُّ، فَإِنْ صَلَّتْ بِهِ أَعَادَتْ أَبَدًا فَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي الصَّلَاةِ أَنْ تَسْتُرَ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا وَشَعْرَهَا وَعُنُقَهَا وَدَلَالَيْهَا، وَيَجُوزُ أَنْ تُظْهِرَ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا فِي الصَّلَاةِ خَاصَّةً، وَالْأَصْلُ فِيمَا ذَكَرَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» يَعْنِي بَالِغًا، وَفِي رِوَايَةٍ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ عَلَيْهَا إزَارٌ؟ قَالَ: إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا» .
(وَيُجْزِئُ الرَّجُلَ فِي الصَّلَاةِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ) مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ إنْ كَانَ كَثِيفًا سَاتِرًا لِجَمِيعِ جَسَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتُرْ إلَّا عَوْرَتَهُ فَقَطْ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
وَإِنَّمَا كَرَّرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (وَلَا يُغَطِّي) الْمُصَلِّي ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (أَنْفُهُ أَوْ وَجْهَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يَضُمُّ ثِيَابَهُ أَوْ يَكْفِتُ) أَيْ يَضُمُّ (شَعْرَهُ) وَالنَّهْيُ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ كُلِّهَا نَهْيُ كَرَاهَةٍ، أَمَّا تَغْطِيَةُ الْأَنْفِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَرْأَةِ فَلِأَنَّهُ مِنْ التَّعَمُّقِ فِي الدِّينِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الرَّجُلِ فَلِلْكِبْرِ إلَّا مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ ذَلِكَ كَأَهْلِ مَسُوفَةٍ فَيُبَاحُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَرْكُهُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ لَهُمَا فَلِلتَّعَمُّقِ فِي الدِّينِ، وَأَمَّا ضَمُّ الثِّيَابِ فَإِنَّمَا يُكْرَهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ أَوْ صَوْنًا ثِيَابَهُ لِئَلَّا تَتَلَوَّثَ تُرَابًا؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرْبًا مِنْ تَرْكِ
[حاشية العدوي]
يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُظْهِرَ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا وَمَا أَطْلَقَهُ شُرَّاحُ خَلِيلٍ مِنْ جَوَازِ إظْهَارِ مَا ذَكَرَ مِنْ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَلَعَلَّ مَا هُنَا مِنْ سَتْرِ الْخَدَّيْنِ أَوْ بَعْضِهِمَا ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ صَلَّتْ بِهِ] أَيْ بِالْخَفِيفِ الَّذِي يَشِفُّ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يَصِفُ الْعَوْرَةَ فَقَطْ فَيُكْرَهُ وَتُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَالرَّجُلُ كَالْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ وَهَذَا التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا يَشِفُّ وَيَصِفُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ بَشِيرٍ وَاعْتَرَضَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهِمَا سَوَاءٌ وَهُوَ الْكَرَاهَةُ وَالْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّافِّ الَّذِي تَجِبُ الْإِعَادَةُ فِيهِ أَبَدًا هُوَ الشَّافُّ الَّذِي تَبْدُو مِنْهُ الْعَوْرَةُ دُونَ تَأَمُّلٍ، وَأَمَّا الشَّافُّ الَّذِي لَا تَبْدُو الْعَوْرَةُ مِنْهُ إلَّا بِتَأَمُّلٍ فَهُوَ يُسَاوِي الَّذِي يَصِفُ فِي الْحُكْمِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِسَاتِرِ الْبَطْنِ وَمَا حَاذَاهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَإِلَّا فَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْخِمَارُ يَشِفُّ بِحَيْثُ تَظْهَرُ مِنْهُ الرَّأْسُ بِدُونِ تَأَمُّلٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهَا تُعِيدُ أَبَدًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: ظُهُورَ قَدَمَيْهَا] تَقَدَّمَ مَا فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ أَنْ تُظْهِرَ وَجْهَهَا] وَالْمُرَادُ بِالْوَجْهِ هُنَا غَيْرَ الْمُتَقَدِّمِ تَحْدِيدُهُ فِي الْوُضُوءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا عَلَيْهَا سَتْرَ شَعْرِ رَأْسِهَا وَهَذَا يَشْمَلُ النَّابِتَ عَلَى الْجَبْهَةِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ احْتِيَاطًا.
[قَوْلُهُ: خَاصَّةً] قَيَّدَ فِي الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَقَطْ وَقَوْلُهُ فِي الصَّلَاةِ احْتِرَازًا عَنْ خَارِجِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي بَالِغًا] قَالَ الْمُنَاوِيُّ: شَارِحُ الْجَامِعِ وَخَصَّ الْحَيْضَ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يَبْلُغُ بِهِ الْإِنَاثُ لَا لِلِاحْتِرَازِ.
[قَوْلُهُ: إزَارٌ] الْمُرَادُ بِهِ مَا يُجْعَلُ فِي وَسَطٍ وَيُرْخَى إلَى الْأَسْفَلِ بِقَرِينَةٍ، قَوْلُهُ إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا إلَخْ.
[قَوْلُهُ: إذَا كَانَ كَثِيفًا] أَيْ لَا يَصِفُ الْعَوْرَةَ وَلَا يَشِفُّ وَإِلَّا كُرِهَ وَأَعَادَ فِي الْوَقْتِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَسْتُرْ إلَّا عَوْرَتَهُ فَقَطْ] لَا مَفْهُومَ لَهُ لِقَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى أَكْتَافِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلِقَوْلِهِ إنْ كَانَ كَثِيفًا سَاتِرًا لِجَمِيعِ جَسَدِهِ.
[قَوْلُهُ: التَّعَمُّقِ] أَيْ التَّشْدِيدِ فِي الدِّينِ.
[قَوْلُهُ: فَلِلْكِبْرِ] أَيْ لِمَظِنَّةِ الْكِبْرِ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ لِلْكِبْرِ حَقِيقَةً فَهُوَ حَرَامٌ.
[قَوْلُهُ: كَأَهْلِ مَسُوفَةَ] بَلَدٍ بِالْمَغْرِبِ.
[قَوْلُهُ: فَيُبَاحُ] الْمُرَادُ بِالْإِبَاحَةِ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ فَيَصْدُقُ بِخِلَافِ الْأُولَى، وَقَوْلُهُ وَيُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ فِي الصَّلَاةِ، أَيْ فَيَكُونُ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَمُضَمَّنُ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أَنَّ تَغْطِيَةَ الْأَنْفِ مَكْرُوهَةٌ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، إذَا لَمْ يَكُنْ عَادَتُهُمْ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَخِلَافُ الْأَوْلَى فِي الصَّلَاةِ وَمُسْتَوَى الطَّرَفَيْنِ فِي غَيْرِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْمُصَنِّفُ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ لَهُمَا] أَيْ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ الْكَرَاهَةَ مُطْلَقًا فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي تَغْطِيَةِ الْأَنْفِ.
[قَوْلُهُ: لِأَجْلِ الصَّلَاةِ أَوْ صَوْنًا إلَخْ] أَيْ الْبَاعِثُ عَلَى ذَلِكَ إمَّا الصَّلَاةُ أَوْ الصَّوْنُ، أَيْ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ بِدَلِيلِ بَقِيَّةِ كَلَامِهِ.
[قَوْلُهُ: ضَرْبًا] أَيْ نَوْعًا
الْخُشُوعِ، أَمَّا إذَا كَانَ فِي صَنْعَةٍ أَوْ عَمَلٍ فَحَضَرَتْهُ الصَّلَاةُ وَهُوَ كَذَلِكَ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَأَمَّا كَفْتُ الشَّعْرِ فَإِنَّمَا يُكْرَهُ إذَا قَصَدَ بِذَلِكَ عِزَّةَ شَعْرِهِ أَنْ يُلَوِّثَهُ، أَمَّا إذَا كَانَتْ عَادَتُهُ ذَلِكَ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِشُغْلٍ فَلَا كَرَاهَةَ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَحِلَّ ذَلِكَ.
(وَكُلُّ سَهْوٍ) سَهَاهُ الْإِمَامُ أَوْ الْفَذُّ أَوْ الْمَأْمُومُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ (فِي الصَّلَاةِ) الْمَفْرُوضَةِ أَوْ النَّافِلَةِ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ (بِزِيَادَةٍ) يَسِيرَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ كَالتَّكَلُّمِ سَاهِيًا أَوْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (فَلْيَسْجُدْ لَهُ) أَيْ لِلسَّهْوِ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ عَلَى مَا فِي الْمُخْتَصَرِ (سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ) .
وَقَيَّدْنَا الزِّيَادَةَ بِيَسِيرَةٍ احْتِرَازًا مِنْ الْكَثِيرَةِ فَإِنَّهَا مُبْطِلَةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ كَالْكَلَامِ نِسْيَانًا وَيَطُولُ، أَوْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مِثْلَ أَنْ يَنْسَى أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ فَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ أَوْ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، أَوْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَالْكَثِيرُ مِنْهُ فِي الرَّبَاعِيَةِ مِثْلُهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ عَلَى مَا شَهَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَمَتْبُوعُهُ.
وَفِي بُطْلَانِهَا بِنِصْفِهَا قَوْلَانِ فَقِيلَ: تَبْطُلُ وَقِيلَ لَا تَبْطُلُ.
وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.
ع: وَالْقَوْلَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ لَا
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: أَوْ عَمَلٍ] عَطْفٌ عَامٌّ عَلَى خَاصٍّ أَوْ كَانَ ذَلِكَ عَادَةَ قَوْمٍ.
[قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ] أَيْ خِلَافُ الْأَوْلَى لِقَوْلِهِ آخِرًا وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَحِلَّ ذَلِكَ كُلَّهُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَمَّا مَنْ صَلَّى مُحْتَزِمًا أَوْ جَمَعَ شَعْرَهُ أَوْ شَمَّرَ كُمَّيْهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِبَاسَهُ أَوْ كَانَ فِي عَمَلٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَ بَعْضُ أَشْيَاخِي يَحْمِلُ قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ أَوْ كَانَ فِي عَمَلٍ إذَا كَانَ يَعُودُ إلَيْهِ ثَانِيًا، أَمَّا إذَا كَانَ لَا يَعُودُ فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى عُمُومِهَا وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ لِلْمَعْنَى ذَكَرَهُ ابْنُ نَاجِي.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا كَفْتُ الشَّعْرِ] أَيْ فِي الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: إنْ قَصَدَ بِذَلِكَ عِزَّةَ شَعْرِهِ] أَيْ أَوْ قَصَدَ الصَّلَاةَ، أَيْ كَفَتْ شَعْرَهُ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِشُغْلٍ] أَيْ وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ.
[قَوْلُهُ: فَلَا كَرَاهَةَ] أَيْ الْمَنْفِيُّ هُوَ الْكَرَاهَةُ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى لِقَوْلِهِ وَالْأَفْضَلُ إلَخْ، وَتَبَيَّنَ مِنْ تَقْرِيرِنَا هَذَا أَنَّ ضَمَّ الثِّيَابِ مَعَ مَا بَعْدَهُ إنَّمَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَطْ لَا خَارِجِهَا بِخِلَافِ تَغْطِيَةِ الْأَنْفِ وَالْوَجْهِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْمٍ عَادَتُهُمْ ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ مُطْلَقًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
[سُجُود السَّهْو]
[قَوْلُهُ: وَكُلُّ سَهْوٍ] هُوَ الذُّهُولُ عَنْ الشَّيْءِ تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرٌ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ النِّسْيَانِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ الْمَأْمُومُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ] وَهُوَ فِيمَا إذَا شَرَعَ يَقْضِي مَا عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ النَّافِلَةِ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ إلَخْ] إنَّمَا قَالَ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لِلْمُخَالَفَةِ لِمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِ، أَنَّهُ لَا سُجُودَ فِي النَّافِلَةِ لَنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ» اهـ وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّافِلَةَ كَالْفَرِيضَةِ إلَّا فِي خَمْسِ مَسَائِلَ السِّرِّ وَالْجَهْرِ وَالسُّورَةُ تُغْتَفَرُ فِي النَّافِلَةِ دُونَ الْفَرِيضَةِ.
الرَّابِعَةِ إذَا عَقَدَ ثَالِثَةً بِرَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ رُكُوعِهَا كَمَّلَهَا رَابِعَةً فِي النَّافِلَةِ بِخِلَافِ الْفَرِيضَةِ: الْخَامِسَةِ إذَا نَسِيَ رُكْنًا مِنْ النَّافِلَةِ وَطَالَ أَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ مُطْلَقًا أَوْ نَافِلَةٍ وَرَكَعَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْفَرِيضَةِ فَإِنَّهُ يُعِيدُهَا.
[قَوْلُهُ: فَلْيَسْجُدْ لَهُ أَيْ لِلسَّهْوِ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ عَلَى مَا فِي الْمُخْتَصَرِ] وَفِي الطِّرَازِ وُجُوبُ الْبَعْدِيِّ قَالَهُ تت وَقَوْلُهُ سَجْدَتَيْنِ وَلَوْ تَكَرَّرَ سَهْوُهُ.
[قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ] أَيْ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ فَلَا سُجُودَ فِي سَهْوِهَا كَمَا لَا يُبْطِلُ تَعَمُّدُهَا كَمَا لَوْ كَرَّرَ السُّورَةَ وَالتَّكْبِيرَ أَوْ زَادَ سُورَةً فِي أُخْرَيَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ فَرْضًا فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ كَمَا لَوْ كَرَّرَ الْفَاتِحَةَ سَهْوًا وَلَوْ فِي رَكْعَةٍ، وَجَرَى خِلَافٌ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِتَعَمُّدِ تَكْرَارِهَا وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ.
[قَوْلُهُ: فَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ] وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ إنَّ جَمْعَهُمَا مُبْطِلٌ كَثُرَ أَمْ لَا وَقِيلَ إنْ كَثُرَ أَبْطَلَ وَإِلَّا فَلَا وَيُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ.
[قَوْلُهُ: أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ] أَيْ مُحَقَّقَاتٍ وَالْكَمَالُ هُنَا بِرَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ قَائِلًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَقْدَ الرَّكْعَةِ هُنَا بِرَفْعِ الرَّأْسِ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ فِي ثَامِنَةٍ فِي رُبَاعِيَّةٍ أَوْ سَابِعَةٍ فِي ثُلَاثِيَّةٍ أَوْ رَابِعَةٍ فِي ثُنَائِيَّةٍ أَبْطَلَ.
[قَوْلُهُ: وَمَتْبُوعُهُ] أَيْ وَمَنْ تَبِعَ ابْنَ الْحَاجِبِ مِنْ الْأَشْيَاخِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا تَبْطُلُ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: وَالْكَثِيرُ فِي الثَّانِيَةِ] أَيْ غَيْرِ السَّفَرِيَّةِ وَأَمَّا
وَاحِدَ أَشْهَرُ مِنْ الْآخَرِ، وَظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ الثَّانِي وَالْكَثِيرُ فِي الثُّنَائِيَّةِ مِثْلُهَا رَكْعَتَانِ وَلَا تَبْطُلُ بِزِيَادَةِ رَكْعَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْكَثِيرُ فِي الْمَغْرِبِ رَكْعَتَانِ عَلَى الْأَصَحِّ فَتَبْطُلُ بِزِيَادَتِهِمَا وَلَا تَبْطُلُ بِزِيَادَةِ رَكْعَةٍ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: (يَتَشَهَّدُ لَهُمَا) أَيْ لِسَجْدَتَيْ السَّهْوِ الْبَعْدِيِّ أَنَّهُ لَا يُحْرِمُ لِلسُّجُودِ الْبَعْدِيِّ، وَالْمَشْهُورُ افْتِقَارُهُ إلَى الْإِحْرَامِ وَيَكْتَفِي بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ عَنْ تَكْبِيرَةِ الْهُوِيِّ (وَ) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ التَّشَهُّدِ (يُسَلِّمُ مِنْهُمَا) أَيْ بَعْدَ السَّجْدَتَيْنِ.
(وَكُلُّ سَهْوٍ) فِي الصَّلَاةِ سَهَاهُ الْإِمَامُ أَوْ الْفَذُّ أَوْ الْمَأْمُومُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ (بِنَقْصٍ) يَعْنِي بِنَقْصِ سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ (فَلْيَسْجُدْ لَهُ) أَيْ لِلسَّهْوِ (قَبْلَ السَّلَامِ) وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا النَّقْصَ فِي كَلَامِهِ بِسُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ؛ لِأَنَّهُ سَيَنُصُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِنَقْصِ فَرْضٍ وَلَا سُنَّةٍ خَفِيفَةٍ وَلَا فَضِيلَةٍ، وَالسُّنَنُ الْمُؤَكَّدَةُ الَّتِي يَسْجُدُ لَهَا ثَمَانِيَةٌ
الْأُولَى: قِرَاءَةُ مَا زَادَ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الْفَرِيضَةِ فَيَسْجُدُ لِتَرْكِ ذَلِكَ فِيهَا لَا فِي النَّافِلَةِ عَلَى مَا فِي الْمُخْتَصَرِ.
الثَّانِيَةُ: الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْفَرِيضَةِ الْجَهْرِيَّةِ فَيَسْجُدُ لِتَرْكِهِ فِيهَا لَا فِي النَّافِلَةِ عَلَى مَا فِي الْمُخْتَصَرِ أَيْضًا بِأَنْ يَأْتِيَ بِالسِّرِّ بَدَلَهُ فِيهَا.
الثَّالِثَةُ: الْإِسْرَارُ فِي مَحَلِّهِ.
الرَّابِعَةُ: التَّكْبِيرُ سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ.
الْخَامِسَةُ: قَوْلُ سَمِعَ اللَّهِ لِمَنْ حَمِدَهُ.
السَّادِسَةُ وَالسَّابِعَةُ: التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ.
وَالْجُلُوسُ لَهُ.
الثَّامِنَةُ: التَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ، وَلَا يَسْجُدُ لِغَيْرِ هَذِهِ الثَّمَانِيَةِ.
كَذَا نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمُقَدِّمَاتِ وَذَكَرَهُ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِتَرْكِ تَكْبِيرَةٍ
[حاشية العدوي]
السَّفَرِيَّةُ فَلَا تَبْطُلُ إلَّا بِأَرْبَعٍ، مِثَالُ الثُّنَائِيَّةِ الصُّبْحُ وَالْجُمُعَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ يَوْمِهَا وَعَلَى مُقَابِلِهِ فَلَا يُبْطِلُهَا إلَّا زِيَادَةُ أَرْبَعٍ، وَالْقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَقَوْلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ مِثْلِهَا وَمُقَابِلُهُ أَنَّهَا تُجْبَرُ بِالسُّجُودِ، أَيْ فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ زِيَادَةُ الْمِثْلِ.
[قَوْلُهُ: رَكْعَتَانِ عَلَى الْأَصَحِّ] ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الثُّلَاثِيَّةَ كَالرُّبَاعِيَّةِ لَا تَبْطُلُ إلَّا بِزِيَادَةِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مُحَقَّقَاتٍ [قَوْلُهُ: يَتَشَهَّدُ لَهُمَا] أَيْ عَلَى سَبِيلِ السُّنِّيَّةِ وَيَكُونُ كَتَشَهُّدِ الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ افْتِقَارُهُ إلَى الْإِحْرَامِ] وَمُقَابِلُهُ مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ عَدَمِ افْتِقَارِهِ إلَى الْإِحْرَامِ وَالْإِحْرَامُ هُوَ النِّيَّةُ عَلَى مَا يُسْتَفَادُ مِنْ بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ، وَكَذَا فِي التَّحْقِيقِ قَالَ بَهْرَامٌ، وَإِذَا قُلْنَا بِالْإِحْرَامِ فَهَلْ يُحْرِمُ قَائِمًا وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَوْ جَالِسًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ شَبْلُونٍ نَقَلَهُ فِي الْجَوَاهِرِ، اهـ، وَالظَّاهِرُ الثَّانِي.
[قَوْلُهُ: وَيَكْتَفِي بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ] أَيْ فَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ هِيَ تَكْبِيرَةُ الْهَوِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَيُسَلِّمُ مِنْهُمَا] جَهْرًا وَجَهْرُهُ سُنَّةٌ كَالْفَرِيضَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الْبَعْدِيَّ مُحْتَوٍ عَلَى سُجُودٍ وَتَكْبِيرٍ وَتَشَهُّدٍ وَسَلَامٍ، أَمَّا التَّشَهُّدُ فَهُوَ سُنَّةٌ وَالسَّلَامُ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ فَلَا يَبْطُلُ السُّجُودُ بِتَرْكِهِ، وَالتَّكْبِيرُ يَجْرِي فِيهِ مَا جَرَى فِي تَكْبِيرَةِ الصَّلَاةِ، فَلَوْ تَرَكَ الثَّلَاثَةَ وَهِيَ الْإِحْرَامُ، أَيْ التَّكْبِيرَ وَالتَّشَهُّدَ وَالسَّلَامَ وَأَتَى بِنِيَّتِهِ، أَيْ السُّجُودِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ صَحِيحٌ كَالْبَعْضِ قَالَ الشَّيْخُ بَلْ وَلَوْ تَرَكَ الْبَعْدِيَّ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَسْجُدْ] أَيْ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ وَلَوْ كَثُرَتْ السُّنَنُ الْمَتْرُوكَةُ وَحُكْمُهُ السُّنِّيَّةُ وَقِيلَ وَاجِبٌ، وَقِيلَ إنْ كَانَ عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ فَوَاجِبٌ وَإِنْ كَانَ عَنْ اثْنَتَيْنِ فَسُنَّةٌ.
[قَوْلُهُ: بِنَقْصِ سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ] وَمَثَلًا السَّنَتَانِ الْخَفِيفَتَانِ وَسَوَاءٌ كَانَ النَّقْصُ مُحَقَّقًا أَوْ مَشْكُوكًا فِيهِ.
[قَوْلُهُ: الْإِسْرَارُ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا قَرَأَ جَهْرًا فِي مَحَلِّ السِّرِّ سَهْوًا فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَبْلَ السَّلَامِ فَكَلَامُ الشَّارِحِ وَارِدٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
[قَوْلُهُ: الرَّابِعَةُ التَّكْبِيرُ] هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ كُلَّهُ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ سُنَّةٌ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ، وَقَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لِتَرْكِ تَكْبِيرَتَيْنِ فَتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: الْخَامِسَةُ قَوْلُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ] يَجْرِي فِيهِ مَا جَرَى فِي الَّذِي قَبْلَهُ.
[قَوْلُهُ: التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ] فَإِنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى سُنَّتَيْنِ ذَاتُهُ سُنَّةٌ وَكَوْنُهُ بِاللَّفْظِ الْخَاصِّ سُنَّةٌ أُخْرَى.
[قَوْلُهُ: وَالْجُلُوسُ لَهُ] أَيْ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الْجُلُوسِ تَرْكُ التَّشَهُّدِ، فَإِنْ قُلْت لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ قَائِمًا قُلْت يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا فِعْلٌ كَثِيرٌ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَمْدًا.
[قَوْلُهُ: الثَّامِنَةُ التَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ] اُنْظُرْ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ السُّجُودُ الْقَبْلِيُّ بِتَرْكِ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ.
[قَوْلُهُ: وَتَرْكُ
وَاحِدَةٍ وَنَحْوِ قَوْلِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَتَرَكَ تَشَهُّدٍ وَاحِدٍ شَيْخُنَا وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا تَرَكَ لَفْظَهُ وَلَمْ يَتْرُكْ الْجُلُوسَ لَهُ وَأَمَّا لَوْ تَرَكَهُ بِجُلُوسِهِ لَسَجَدَ، وَالسُّجُودُ الَّذِي قَبْلَ السَّلَامِ إنَّمَا يَكُونُ (إذَا تَمَّ تَشَهُّدُهُ ثُمَّ) بَعْدَ أَنْ يَفْرَغَ مِنْ السَّجْدَتَيْنِ (يَتَشَهَّدُ) عَلَى الْمَشْهُورِ ثَانِيًا (وَيُسَلِّمُ) وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ مِنْ سُنَّةِ السَّلَامِ أَنْ يَعْقُبَ تَشَهُّدًا (وَقِيلَ لَا يُعِيدُ التَّشَهُّدَ) وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا، وَاخْتَارَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ؛ لِأَنَّ سُنَّةَ الْجُلُوسِ الْوَاحِدِ لَا يَتَكَرَّرُ فِيهِ التَّشَهُّدُ مَرَّتَيْنِ
(وَمَنْ نَقَصَ) فِي صَلَاتِهِ شَيْئًا مِنْ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ (وَ) مَعَ ذَلِكَ (زَادَ) فِيهَا شَيْئًا يَسِيرًا مِمَّا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ (سَجَدَ) لَهُ (قَبْلَ السَّلَامِ) أَيْضًا مِثْلَ أَنْ يَتْرُكَ التَّشَهُّدَ وَالْجُلُوسَ لَهُ وَيَزِيدَ سَجْدَةً، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مِنْ التَّفْصِيلِ مِنْ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلنَّقْصِ فَقَطْ أَوْ لَهُ مَعَ الزِّيَادَةِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَيَسْجُدُ لِلزِّيَادَةِ فَقَطْ بَعْدَ السَّلَامِ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ مُطْلَقًا.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بَعْدَهُ مُطْلَقًا، وَدَلِيلُنَا عَلَى الزِّيَادَةِ مَا صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى الْعَصْرَ فَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيت إلَى أَنْ قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَمَّ مَا بَقِيَ مِنْ
[حاشية العدوي]
تَشَهُّدٍ وَاحِدٍ] لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِتَرْكِ التَّشَهُّدِ الْوَاحِدِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ عج فِي شَرْحِهِ عَلَى خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: يَتَشَهَّدُ عَلَى الْمَشْهُورِ ثَانِيًا] أَيْ عَلَى طَرِيقٍ السُّنِّيَّةِ عَلَى مَا يَظْهَرُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَتْنِ وَأَشْعَرَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ كَذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يُعِيدُ التَّشَهُّدَ] ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّهُ يُعِيدُهُ اسْتِنَانًا فَلَوْ تَرَكَ إعَادَتَهُ وَلَوْ عَمْدًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَاسْتَظْهَرَ عج أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ تَشَهُّدِهِ لِلْفَرِيضَةِ وَاكْتَفَى بِتَشَهُّدِ الْفَرِيضَةِ لَصَحَّتْ صَلَاتُهُ بِالْأَوْلَى مِنْ تَرْكِ إعَادَتِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
تَنْبِيهٌ: السُّجُودُ الْقَبْلِيُّ يَحْتَاجُ أَيْضًا إلَى تَكْبِيرِ هَوِيٍّ مَعَ نِيَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَعْدِيِّ فِيمَا يَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ] لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ الْمُؤَكَّدَةِ بَلْ مَتَى اجْتَمَعَ مَعَ الزِّيَادَةِ سُنَّةٌ وَلَوْ خَفِيفَةً فَإِنَّهُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ.
[قَوْلُهُ: مِثْلَ أَنْ يَتْرُكَ التَّشَهُّدَ وَالْجُلُوسَ لَهُ] لَا مَفْهُومَ لِذَلِكَ بَلْ وَلَوْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ فَقَطْ بَلْ وَلَوْ سُنَّةً خَفِيفَةً كَمَا تَقَدَّمَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الصُّوَرَ تِسْعٌ: نَقْصٌ مُحَقَّقٌ أَوْ مَشْكُوكٌ فِيهِ، نَقْصٌ وَزِيَادَةٌ مُحَقَّقَانِ أَوْ مَشْكُوكَانِ أَوْ تَحَقَّقَ النَّقْصُ، وَشَكَّ فِي الزِّيَادَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ تَيْقَنَّ الْمُوجِبَ وَلَمْ يَدْرِ هَلْ هُوَ زِيَادَةٌ أَوْ نَقْصٌ، فَهَذِهِ صُوَرٌ سَبْعَةٌ يَسْجُدُ فِيهَا قَبْلَ السَّلَامِ زِيَادَةٌ فَقَطْ مُحَقَّقَةٌ أَوْ مَشْكُوكٌ فِيهَا بَعْدَ السَّلَامِ.
[قَوْلُهُ: فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ] اسْمُهُ الْخِرْبَاقُ بْنُ عَمْرٍو بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ الْقَافُ وَهُوَ شَامِيٌّ، هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْحِذْقِ وَالْفَهْمِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ، وَقِيلَ: اسْمُهُ عُمَيْرٌ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَهُوَ غَيْرُ ذِي الشِّمَالَيْنِ الَّذِي هُوَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ السُّيُوطِيّ: فِي حَوَاشِي الْمُوَطَّأِ وَذُو الْيَدَيْنِ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُدَّةً وَحَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلُقِّبَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ وَقِيلَ كَانَ يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ.
جَمِيعًا اهـ.
[قَوْلُهُ: أَقُصِرَتْ الصَّلَاةُ] بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ الصَّادِ عَلَى أَنَّهُ قَاصِرٌ وَبِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الصَّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ وَقَوْلُهُ أَمْ نَسِيت إلَخْ حَصْرٌ فِي الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ إمَّا مِنْ اللَّهِ وَهُوَ الْقَصْرُ أَوْ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ النِّسْيَانُ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ.
[قَوْلُهُ: إلَى أَنْ قَالَ] تَمَامُ الْحَدِيثِ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ عَقِبَ أَمْ نَسِيت «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَقَالَ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالُوا: نَعَمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَمَّ» ، وَقَوْلُهُ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، أَيْ لَمْ يَقَعْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا فِي ظَنِّي بَلْ ظَنِّي أَنِّي أَكْمَلْت الصَّلَاةَ أَرْبَعًا وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَاتٍ لِلْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَمْ تُقْصَرْ وَلَمْ أَنْسَ فَنَفَى الْأَمْرَيْنِ.
الصَّلَاةِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَهُوَ جَالِسٌ» ، وَدَلِيلُ النَّقْصِ مَا صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى الظُّهْرَ فَقَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَلَمْ يَجْلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إذَا قَضَى الصَّلَاةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ» . ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ثُمَّ غُلِّبَ النُّقْصَانُ عَلَى الزِّيَادَةِ إذَا اجْتَمَعَا.
(وَمَنْ نَسِيَ أَنْ يَسْجُدَ) سُجُودَ السَّهْوِ الْبَعْدِيَّ الَّذِي يَفْعَلُهُ (بَعْدَ السَّلَامِ) ثُمَّ تَذَكَّرَهُ (فَلْيَسْجُدْ مَتَى مَا ذَكَرَهُ وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ) أَيْ مَا بَيْنَ تَذَكُّرِهِ وَالسَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَوْ بَعْدَ شَهْرٍ؛ لِأَنَّ الْبَعْدِيَّ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ فَنَاسَبَ أَنْ يَسْجُدَ وَإِنْ بَعْدُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ وَلَوْ كَانَ فِي وَقْتِ نَهْيٍ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ إنْ تَرَتَّبَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لَا يَرْجِعُ إلَى الْجَامِعِ وَالْمَذْهَبُ عَلَى مَا قَالَ التَّادَلِيُّ يَرْجِعُ، وَظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ اخْتِصَاصُ الرُّجُوعِ بِالْقَبْلِيِّ دُونَ الْبَعْدِيِّ.
(وَإِنْ كَانَ) سُجُودُ السَّهْوِ الَّذِي نَسِيَهُ قَبْلِيًّا أَيْ يُفْعَلُ (قَبْلَ السَّلَامِ سَجَدَ) إذَا تَذَكَّرَهُ (إنْ كَانَ) تَذَكُّرُهُ لَهُ (قَرِيبًا) مِنْ انْصِرَافِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْقُرْبُ غَيْرُ مَحْدُودٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إلَى الْعُرْفِ وَكَذَلِكَ الطُّولُ فَمَا يُقَالُ قَرِيبٌ فَهُوَ قَرِيبٌ وَمَا يُقَالُ بَعِيدٌ فَهُوَ بَعِيدٌ (وَ) أَمَّا (إنْ بَعُدَ) تَذَكُّرُهُ لَهُ (ابْتَدَأَ) بِمَعْنَى أَعَادَ (صَلَاتَهُ) وُجُوبًا لِبُطْلَانِهَا (إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ)
[حاشية العدوي]
تَنْبِيهٌ: فُهِمَ مِنْ الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ السُّجُودِ لِلسَّهْوِ، وَأَنَّهُ سَجْدَتَانِ وَأَنَّهُ بَعْدَ السَّلَامِ وَأَنَّ التَّسْلِيمَ سَهْوًا لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَأَنَّ الْفَصْلَ الْيَسِيرَ بَعْدَهُ غَيْرُ مُبْطِلٍ، وَأَنَّ الْكَلَامَ لِإِصْلَاحِهَا مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ نَسِيَ أَنْ يَسْجُدَ] لَا مَفْهُومَ لِلنِّسْيَانِ وَمِثْلُهُ التَّرْكُ عَمْدًا.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ بَعْدَ شَهْرٍ] لَا مَفْهُومَ لَهُ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْبَعْدِيَّ تَرْغِيمٌ] بِخِلَافِ الْقَبْلِيِّ فَإِنَّهُ جَابِرٌ لِنَقْصِ الصَّلَاةِ، فَلِذَا طُلِبَ وُقُوعُهُ فِيهَا أَوْ عَقِبَهَا بِالْقُرْبِ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ فِي وَقْتِ نَهْيٍ] وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْقَبَلِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ، وَتَابِعٍ لَهَا وَإِنْ كَانَ كَلَامُنَا فِي الْبَعْدِيِّ، وَكَذَا الْبَعْدِيُّ حَيْثُ كَانَ مِنْ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ، وَأَمَّا لَوْ تَذَكَّرَهُ مِنْ صَلَاةٍ غَيْرِ مَفْرُوضَةٍ فِي وَقْتِ النَّهْيِ فَإِنَّهُ يُؤَخَّرُ لِحِلِّ النَّافِلَةِ كَمَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
[قَوْلُهُ: لَا يَرْجِعُ إلَى الْجَامِعِ] أَيْ إلَى الْجَامِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْجُمُعَةَ.
[قَوْلُهُ: التَّادَلِيُّ] بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ نِسْبَةً إلَى تَادَلَةَ مَحَلَّةٌ بِالْمَغْرِبِ.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ إلَخْ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ أَيْضًا ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ اعْلَمْ أَنَّ السُّجُودَ الْقِبْلِيَّ لَا بُدَّ أَنْ يُفْعَلَ فِي الْجَامِعِ الَّذِي أُدِّيَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ كَمَا لَوْ فَاتَتْهُ بِرَكْعَةٍ الْأُولَى مِنْ الْجُمُعَةِ، وَقَامَ لِقَضَائِهَا فَنَسِيَ السُّورَةَ وَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلَمْ يَطُلْ الْأَمْرُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لِلْجَامِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ.
وَأَمَّا الْبَعْدِيُّ كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا أَوْ زَادَ رَكْعَةً سَهْوًا وَنَسِيَ السُّجُودَ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ فِي أَيِّ جَامِعٍ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ اخْتِصَاصُ الرُّجُوعِ، أَيْ الرُّجُوعِ إلَى الْجَامِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا ظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ، أَيْ لِأَنَّهُ قَالَ وَبِالْجَامِعِ فِي الْجُمُعَةِ فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ فِي السُّجُودِ الْقَبْلِيِّ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ الْمَتْنِ سَوَاءٌ ذَكَرَهُ فِي صَلَاةٍ أَمْ لَا وَهَذَا لَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ، إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ فَرْضٍ فَيَذْكُرُهُ فِي فَرْضٍ أَوْ مِنْ فَرْضٍ فَيَذْكُرُهُ فِي نَفْلٍ أَوْ مِنْ نَفْلٍ فَيَذْكُرُهُ فِي نَفْلٍ أَوْ مِنْ نَفْلٍ فَيَذْكُرُهُ فِي فَرْضٍ، وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يُتِمُّ مَا هُوَ فِيهِ وَيَسْجُدُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِمَّا هُوَ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَالْقُرْبُ غَيْرُ مَحْدُودٍ عَلَى الْمَذْهَبِ] أَيْ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِعَدَمِ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ عِنْدَ أَشْهَبَ.
[قَوْلُهُ: ابْتَدَأَ بِمَعْنَى أَعَادَ صَلَاتَهُ] هَذَا حَيْثُ كَانَ مُتَرَتِّبًا عَنْ نَقْصِ ثَلَاثِ سُنَنٍ.
قَالَ تت كَالتَّحْقِيقِ كَنِسْيَانِ الْجُلُوسِ الْوَسَطِ أَوْ ثَلَاثِ تَكْبِيرَاتٍ أَوْ تَحْمِيدَاتٍ وَهَذَا إنْ كَانَ تَرْكُهُ عَلَى جِهَةِ السَّهْوِ، وَأَمَّا لَوْ تَرَكَهُ عَمْدًا لَبَطَلَتْ الصَّلَاةُ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ هَكَذَا قَالَ عج وَقَالَ السَّنْهُورِيُّ: لَا تَبْطُلُ إلَّا بِالطُّولِ وَلَوْ كَانَ التَّرْكُ عَمْدًا، وَأَقُولُ لَعَلَّ الْأَوْجُهَ كَلَامُ السَّنْهُورِيِّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ تَأْخِيرَ الْقَبَلِيِّ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَلَوْ كَانَ عَمْدًا.
قَالَهُ الشَّيْخُ وَقَدْ يَبْحَثُ فِي
السُّجُودُ الْقَبْلِيُّ تَرَتَّبَ (مِنْ نَقْصِ شَيْءٍ خَفِيفٍ كَالسُّورَةِ) الَّتِي تُقْرَأُ (مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ أَوْ التَّكْبِيرَتَيْنِ أَوْ التَّشَهُّدَيْنِ وَشَبَهِ ذَلِكَ) كَتَحْمِيدَتَيْنِ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ لَا إعَادَةَ وَلَا سُجُودَ، وَفِي الْجَلَّابِ يَسْجُدُ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْمُخْتَصَرِ فِي تَرْكِ السُّورَةِ أَوْ تَرْكِ التَّشَهُّدَيْنِ.
وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ وَكُلُّ سَهْوٍ بِنَقْصٍ إلَى آخِرِهِ صَادِقًا بِنَقْصِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ وَغَيْرِهَا شَرَعَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِغَيْرِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ مِنْ فَرِيضَةٍ وَسُنَّةٍ غَيْرِ مُؤَكَّدَةٍ وَفَضِيلَةٍ وَبَدَأَ بِالْفَرِيضَةِ فَقَالَ: (وَلَا يُجْزِئُ سُجُودُ السَّهْوِ لِنَقْصِ رَكْعَةٍ وَلَا) لِنَقْصِ (سَجْدَةٍ وَلَا لِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا أَوْ فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا وَكَذَلِكَ فِي تَرْكِ
[حاشية العدوي]
كَلَامِ الشَّيْخِ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُجَرَّدَ التَّأْخِيرِ بَعْدَ السَّلَامِ تَرْكٌ لَهُ.
[قَوْلُهُ: كَالسُّورَةِ] أَيْ أَنَّهَا سُنَّتَانِ خَفِيفَتَانِ ذَاتُهَا وَكَوْنُهَا سِرًّا أَوْ جَهْرًا أَيْ فَيَسْجُدُ لَهُمَا وَلَكِنْ إذَا تَرَكَ حَتَّى طَالَ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَهَذَا إذَا أَتَى بِالْقِيَامِ لَهَا وَإِلَّا فَتَبْطُلُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ ثَلَاثَ سُنَنٍ، وَقِيلَ لَا تَبْطُلُ وَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِالْقِيَامِ لَهَا وَرُجِّحَ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَكَلَامُ الْجُزُولِيِّ يُفِيدُ تَرْجِيحَ الْأَوَّلِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَّفَقَ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ حَيْثُ تَرَكَ السُّورَةَ فِي أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ قَالَهُ عج، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَالسُّورَةِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ لَوْ قَالَ بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ لَكَانَ أَوْضَحَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ أُمَّ الْقُرْآنِ مَتْرُوكَةٌ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَدْفُوعًا بِأَنَّ مَوْضُوعَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي نُقْصَانِ شَيْءٍ خَفِيفٍ وَمِنْ حُسْنِ سَبْكِ هَذَا الشَّارِحِ تَقْدِيرُهُ قَبْلَ مَعَ الَّتِي تُقْرَأُ، فَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمَعْنَى كَالسُّورَةِ الْمَتْرُوكَةِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ التَّشَهُّدَيْنِ] اعْلَمْ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِتَرْكِ تَشَهُّدٍ وَاحِدٍ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْمَوَّاقِ وَحِينَئِذٍ.
فَمَنْ تَرَكَ تَشَهُّدًا وَاحِدًا مَعَ الْجُلُوسِ لَهُ وَلَمْ يَسْجُدْ حَتَّى طَالَ الْأَمْرُ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ لِتَرْكِهِ السُّجُودَ الْمُتَرَتِّبَ عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ الْجُلُوسِ وَمُطْلَقِ التَّشَهُّدِ وَخُصُوصِ اللَّفْظِ، فَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ لَوْ تَرَكَ تَشَهُّدَيْنِ فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِلتَّشَهُّدِ الْوَاحِدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ خُصُوصَ اللَّفْظِ مَنْدُوبٌ، وَأَنَّهُ تَرَكَ التَّشَهُّدَيْنِ وَأَتَى بِالْجُلُوسِ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَيْسَ سُجُودُهُ إلَّا عَنْ سُنَّتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِتَرْكِ التَّشَهُّدِ الْوَاحِدِ، فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُرُورٌ عَلَى غَيْرِ الرَّاجِحِ فَتَدَبَّرْ، وَاعْتَرَضَ الْقَرَافِيُّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَائِلًا: لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْسَى التَّشَهُّدَيْنِ وَيَكُونُ السُّجُودُ لَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ سَهْوُهُ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ إلَّا بِالسَّلَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا قَبْلَهُ ظَرْفٌ لِلتَّشَهُّدِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا يُتَصَوَّرُ فِي الرَّاعِفِ الْمَسْبُوقِ بِرَكْعَةٍ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَيُدْرِكُ الثَّانِيَةَ وَتَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ فَإِنَّهُ يُطَالَبُ بِتَشَهُّدَيْنِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ لِإِمَامِهِ غَيْرِ تَشَهُّدِ السَّلَامِ، فَإِذَا تَرَكَ هَذَيْنِ التَّشَهُّدَيْنِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ وَبَقِيَّةُ مَسَائِلِ اجْتِمَاعِ الْبِنَاءِ وَالْقَضَاءِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ لَا إعَادَةَ وَلَا سُجُودَ] أَيْ مَعَ الطُّولِ إذْ هُوَ مَوْضُوعُ مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ، وَإِلَّا فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ السُّنَّتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ يَسْجُدُ لَهُمَا.
[قَوْلُهُ: وَفِي الْجَلَّابِ إلَخْ] هَذَا كَلَامٌ نَشَأَ عَنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي طَلَبِ أَصْلِ السُّجُودِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا إذَا خُوطِبَ بِالسُّجُودِ وَتَرْكُهُ حَتَّى طَالَ الْأَمْرُ، فَإِنَّهُ لَا يُخَاطَبُ بِالسُّجُودِ بَعْدُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ عَنْ سُنَّتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يُجْزِئُ سُجُودُ السَّهْوِ لِنَقْصِ رَكْعَةٍ إلَخْ] أَيْ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ تَيَقَّنَ تَرْكُهَا أَوْ شَكَّ فِيهِ حَالِ تَشَهُّدِهِ وَقَبْلَ سَلَامِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَكَيْفِيَّةُ الْإِتْيَانِ بِهَا أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا بَانِيًا عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الرَّكَعَاتِ وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ إحْدَى الْأُولَيَيْنِ.
وَيَسْجُدُ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ السَّلَامِ لِانْقِلَابِ رَكَعَاتِهِ حَيْثُ كَانَ إمَامًا أَوْ فَذًّا فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ إحْدَى الْأُولَيَيْنِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ الْإِتْيَانِ لِتِلْكَ الرَّكْعَةِ بَعْدَ السَّلَامِ لِتَمَحُّضِ الزِّيَادَةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا وَقَبْلَ سَلَامِهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ فِي السُّجُودِ الْقَبْلِيِّ وَإِلَّا فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ وَلَوْ سَلَّمَ.
[قَوْلُهُ: وَلَا لِنَقْصِ سَجْدَةٍ] أَيْ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ رَفْعٍ مِنْهُمَا وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي حَالِ قِيَامِهِ مَثَلًا أَوْ تَشَهُّدِهِ قَبْلَ سَلَامِهِ تَحَقَّقَ نَقْصُهَا أَوْ شَكَّ فِيهِ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَلَافِيهِ فِي مَحَلِّهِ وَالْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ فَيَشْمَلُ الظَّنَّ وَالشَّكَّ وَالْوَهْمَ هَذَا فِي الْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي النَّقْصِ فِيهَا كَتَحَقُّقِهِ فِي وُجُوبِ الْإِتْيَانِ بِبَدَلِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ حَيْثُ لَا اسْتِنْكَاحَ بِخِلَافِ السُّنَنِ، فَلَا يَسْجُدُ لِنَقْصِهَا إلَّا عِنْدَ تَيَقُّنِ النَّقْصِ أَوْ التَّرَدُّدِ فِيهِ عَلَى
الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ مِنْ الصُّبْحِ) لَوْ قَالَ: لِنَقْصِ فَرِيضَةٍ أَوْ رُكْنٍ لَكَانَ أَخَصْرَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ الْجَبْرِ بِالسُّجُودِ لِنَقْصِ رَكْعَةٍ أَوْ سَجْدَةٍ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ الْجَبْرِ فِي تَرْكِ الْقِرَاءَةِ يَعْنِي أُمَّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ الْجَبْرِ فِي تَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَالَ ج: هُوَ مُؤَثِّرٌ فِي الْبُطْلَانِ.
وَقَالَ ك: فِي تَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي نِصْفِ الصَّلَاةِ كَرَكْعَةٍ مِنْ الثُّنَائِيَّةِ أَوْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَشْهَرُهَا: أَنَّهُ يَتَمَادَى وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ وَيُعِيدُ.
ثَانِيهَا: يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ وَتُجْزِئُهُ.
ثَالِثُهَا: يُلْغِي مَا تَرَكَ فِيهِ الْقِرَاءَةَ وَيَأْتِي بِمِثْلِهِ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ.
وَلَمَّا بَيَّنَ حُكْمَ تَرْكِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا أَوْ فِي نِصْفِهَا انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى تَرْكِهَا فِي أَقَلِّ الصَّلَاةِ فَقَالَ: (وَاخْتُلِفَ فِي السَّهْوِ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ مِنْ غَيْرِ الصُّبْحِ كَرَكْعَةٍ مِنْ الثُّلَاثِيَّةِ أَوْ الرُّبَاعِيَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ كُلِّهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ (فَقِيلَ يُجْزِئُ فِيهِ) أَيْ فِي السَّهْوِ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ مِنْ غَيْرِ الصُّبْحِ (سُجُودُ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ) وَلَا يُلْغِيهَا وَتُجْزِئُهُ، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ فِي الْجُلِّ (وَقِيلَ يُلْغِيهَا) أَيْ الرَّكْعَةَ الَّتِي مِنْهَا قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ (وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ) بَدَلهَا وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ الْقَاسِمِ، هَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَصَحَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْقَوْلَ بِوُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: هِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ (وَقِيلَ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ وَلَا يَأْتِي بِرَكْعَةٍ) بَدَلهَا (وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ احْتِيَاطًا) ظَاهِرُهُ أَنَّ تَمَامَ الْأُولَى وَاجِبٌ، وَأَنَّ إعَادَةَ الثَّانِيَةِ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ لَا يَكُونُ إلَّا مُسْتَحَبًّا (وَهَذَا) الْقَوْلُ الثَّالِثُ (أَحْسَنُ ذَلِكَ) أَيْ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهُ أَبْرَأُ لِلذِّمَّةِ (إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) .
تَنْبِيهَانِ: مِنْ ك الْأَوَّلُ: لَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ حُكْمَ مَا إذَا تَرَكَ الْقِرَاءَةَ مِنْ أَكْثَرِ الصَّلَاةِ كَثَلَاثٍ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ وَرَكْعَتَيْنِ
[حاشية العدوي]
السَّوَاءِ لَا عِنْدَ تَوَهُّمِهِ، وَقُلْنَا قَبْلَ سَلَامِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ فِي السُّجُودِ قَبْلُ.
[قَوْلُهُ: هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ] وَهُوَ الرَّاجِحُ وَمُقَابِلُهُ مَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا أَنَّ صَلَاتَهُ تُجْزِئُهُ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ مُؤْثَرٌ فِي الْبُطْلَانِ] أَيْ التَّرْكِ فِيهِ نَقْصٌ مِنْ عِبَارَةِ ابْنِ نَاجِي وَنَصُّهُ، وَأَمَّا تَرْكُ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا أَوْ ثَلَاثٍ، فَإِنَّهُ مُؤْثَرٌ فِي الْبُطْلَانِ انْتَهَى وَظَاهِرُ عِبَارَةِ ابْنِ نَاجِي بُطْلَانُ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ لَا يَأْتِي بِبَدَلِ مَا تَرَكَ فِيهِ الْقِرَاءَةَ وَهُوَ لَا يُتِمُّ فَلْيُحْمَلْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَا يُجْبَرُ بِالسُّجُودِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُلْغِي مَا تَرَكَ فِيهِ الْقِرَاءَةَ وَيَأْتِي بِبَدَلِهِ وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ.
[قَوْلُهُ: أَشْهَرُهَا أَنَّهُ يَتَمَادَى] أَيْ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا جُمْلَةً، أَوْ فِي رَكْعَةٍ فَقَطْ أَوْ تَجِبُ فِي النِّصْفِ [قَوْلُهُ: وَيُعِيدُ] أَيْ احْتِيَاطًا أَيْ نَدْبًا.
[قَوْلُهُ: ثَالِثُهَا يُلْغِي إلَخْ] وَهُوَ الْجَارِي عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَيَكُونُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ فِي الْجُلِّ] أَوْ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا أَوْ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي رَكْعَةٍ أَوْ النِّصْفِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُلْغِيهَا] أَيْ الرَّكْعَةَ إلَخْ، فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ لِفَوَاتِ تَدَارُكِهَا وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ حَيْثُ جَلَسَ بَعْدَ رَكْعَتَيْنِ صَحِيحَتَيْنِ بِحَيْثُ قَرَأَ فِيهِمَا الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ وَإِلَّا سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ لِزِيَادَةِ الرَّكْعَةِ الْمُلْغَاةِ وَنَقْصِ الْجُلُوسِ وَالسُّورَةِ مِنْ الثَّانِيَةِ الَّتِي ظَنَّهَا ثَالِثَةً.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ احْتِيَاطًا] قَالَ عج: وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالِاحْتِيَاطِ لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَبِالْإِعَادَةِ افْتَرَقَتْ الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ الْأُولَى.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَبْرَأُ لِلذِّمَّةِ] لَا يَخْفَى أَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ أَظْهَرُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَجْعَلَهُ تَعْلِيلًا لِلِاحْتِيَاطِ كَمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ عج وَتُعَلَّلُ الْأَحْسَنِيَّةُ بِأَنَّ فِيهِ مُرَاعَاةَ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ فَسُجُودُهُ قَبْلَ السَّلَامِ وَعَدَمُ بُطْلَانِهَا رَعْيٌ لِلْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَرْضٌ فِي الْجُلِّ مَثَلًا، وَإِعَادَةُ الصَّلَاةِ رَعْيٌ لِلْقَوْلِ الثَّانِي.
[قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ] قَالَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ أَحْسَنَ الرِّوَايَاتِ عِنْدَهُ إمَّا لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِمَا قَالَهُ مِنْ الْأَحْسَنِيَّةِ أَوْ لِلتَّبَرُّكِ.