حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني
- عَلَم: علي الصعيدي العدوي
- الكتاب: حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني
- المؤلف: أبو الحسن, علي بن أحمد بن مكرم الصعيدي العدوي (نسبة إلى بني عدي، بالقرب من منفلوط) (المتوفى: 1189هـ)
- المحقق: يوسف الشيخ محمد البقاعي
- الناشر: دار الفكر - بيروت
- الطبعة: بدون طبعةتاريخ النشر: 1414هـ - 1994م
- عدد الأجزاء: 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «كفاية الطالب الرباني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية العدوي» عليه
مُقَدِّمَة الْكتاب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَبَعْدُ فَيَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ لِرَحْمَةِ رَبِّهِ الْقَدِيرِ عَلِيٌّ أَبُو الْحَسَنِ الْمَالِكِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَمَشَايِخِهِ وَأَوْلَادِهِ
[حاشية العدوي]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَرِيمِ السَّتَّارِ، الْمُنْعِمِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْغَفَّارِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ نَرْجُو مِنْ الْمَوْلَى الْكَرِيمِ صُحْبَتَهُ فِي دَارِ الْقَرَارِ، مُحَمَّدٍ وَآلِهِ السَّادَةِ الْأَبْرَارِ.
(وَبَعْدُ) فَيَقُولُ الْفَقِيرُ لِرَحْمَةِ مَوْلَاهُ عَلِيٌّ الصَّعِيدِيُّ الْعَدَوِيُّ الْمَالِكِيُّ: لَمَّا أَرَادَ الْمَوْلَى جَلَّ جَلَالُهُ وَعَظُمَ شَأْنُهُ بِالْمُذَاكَرَةِ مَعَ الْإِخْوَانِ فِي كِفَايَةِ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ عَلَى رِسَالَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيِّ، وَظَهَرَ بَعْضُ تَقَايِيدَ أَرَدْت أَنْ أَجْمَعَهَا لِنَفْسِي، وَمَنْ هُوَ قَاصِرٌ مِثْلِي، جَعَلَهَا اللَّهُ خَالِصَةً لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسَبَبًا لِلْفَوْزِ بِجِنَانِ النَّعِيمِ، فَأَقُولُ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
[قَوْلُهُ: وَبَعْدُ] قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَاوَ نَائِبَةٌ عَنْ أَمَّا، وَأَمَّا نَائِبَةٌ عَنْ مَهْمَا، فَالْوَاوُ نَائِبَةُ النَّائِبِ، بِدَلِيلِ الْفَاءِ فِي حَيِّزِهَا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْفَاءُ زَائِدَةً، وَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يَقُولُ قُدِّمَ لِلْحَصْرِ وَالْوَاوُ إمَّا عَاطِفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ الْبَسْمَلَةِ أَوْ لِلِاسْتِئْنَافِ، أَيْ وَبَعْدَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْبَسْمَلَةِ، فَإِنْ قُلْت كَمَا تُطْلَبُ الْبُدَاءَةُ بِالْبَسْمَلَةِ.
تُطْلَبُ الْبُدَاءَةُ بِالْحَمْدَلَةِ.
وَلَمْ يَبْتَدِئْ ذَلِكَ الشَّرْحَ بِهَا، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: يَدَّعِي أَنَّهُ حَمِدَ لَفْظًا فَالْمَعْنَى وَبَعْدَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ أَوْ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى رِوَايَةِ ذِكْرِ اللَّهِ وَهُوَ قَدْ حَصَلَ بِالْبَسْمَلَةِ؛ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ إذَا وَرَدَ مُطْلَقٌ وَهُوَ فِي الْمَقَامِ رِوَايَةُ ذِكْرِ اللَّهِ وَمُقَيَّدَانِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْبَسْمَلَةِ وَرِوَايَةُ الْحَمْدَلَةِ فَالْعَمَلُ عَلَى الْمُطْلَقِ، وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا اتَّحَدَ الْمُقَيَّدُ وَمَا هُنَا قَدْ تَعَدَّدَ.
[قَوْلُهُ: فَيَقُولُ إلَخْ] أَصْلُهُ يَقُولُ عَلَى وَزْنِ يَنْصُرُ بِضَمِّ الْوَاوِ فَاسْتُثْقِلَتْ الضَّمَّةُ عَلَيْهَا فَنُقِلَتْ إلَى السَّاكِنِ قَبْلَهَا، وَلَا يُقَالُ: إنَّ الضَّمَّةَ عَلَى الْوَاوِ وَكَذَا الْيَاءُ إنَّمَا تَكُونُ ثَقِيلَةً إذَا تَحَرَّكَ مَا قَبْلَهَا، وَأَمَّا عِنْدَ التَّسْكِينِ فَلَا وَلِذَلِكَ أُعْرِبَ دَلْوٌ وَظَبْيٌ بِالْحَرَكَاتِ الظَّاهِرَةِ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا ظَهَرَتْ فِي الِاسْمِ لِخِفَّتِهِ، وَأَمَّا الْفِعْلُ فَثَقِيلٌ وَالثَّقِيلُ لَا يَتَحَمَّلُ مَا فِيهِ ثِقَلٌ، أَوْ أَنَّ عِلَّةَ الثِّقَلِ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا سَكَنَتْ فِي الْمَاضِي سَكَنَتْ فِي الْمُضَارِعِ لَكِنْ فِي الْمَاضِي بَعْدَ قَلْبِهَا أَلِفًا فِي الْمُضَارِعِ مَعَ بَقَائِهَا بِدُونِ قَلْبٍ [قَوْلُهُ: الْعَبْدُ] أَيْ الْمَمْلُوكُ لِمَوْلَاهُ بِسَبَبِ الْإِيجَادِ، فَهُوَ اعْتِرَافٌ بِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ بِأَمْرِهِ، وَتَوْطِئَةٌ لِلْوَصْفِ بِالْفَقِيرِ هَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ مِنْ مَعَانِي الْعَبْدِ فِيمَا يَظْهَرُ [قَوْلُهُ: الْفَقِيرُ] أَيْ دَائِمُ الْحَاجَةِ، فَهُوَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، أَوْ كَثِيرُ الِاحْتِيَاجِ فَهُوَ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ لَكِنْ فِي الثَّانِي شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ الشَّيْخَ وَغَيْرَهُ دَائِمُ الِاحْتِيَاجِ لِإِنْعَامِ رَبِّهِ لَا كَثِيرُهُ الْمُفِيدُ أَنَّهُ قَدْ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لِرَحْمَةِ] الرَّحْمَةُ رِقَّةٌ فِي الْقَلْبِ وَانْعِطَافٌ وَهِيَ مُسْتَحِيلَةٌ عَلَى الْمَوْلَى، فَأُطْلِقَ اللَّفْظُ وَأُرِيدَ لَازِمُ مَعْنَاهُ الْبَعِيدُ بِمَرْتَبَةٍ وَهُوَ نَفْسُ الْإِنْعَامِ أَوْ بِمَرْتَبَتَيْنِ وَهُوَ نَفْسُ الْمُنْعَمِ بِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهِيَ أَيْ الرَّحْمَةُ صِفَةُ فِعْلٍ أَوْ لَازِمُهُ الْقَرِيبُ وَهُوَ إرَادَةُ الْإِنْعَامِ فَتَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ، وَاللَّامُ بِمَعْنَى إلَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ عِلَّةٌ لِلْغِنَى لَا لِلْفَقْرِ؛ لِأَنَّ رَحْمَتَهُ صِفَةُ جَمَالٍ لَا يَصْدُرُ عَنْهَا الْفَقْرُ، وَآثَرَ اللَّامَ عَلَى إلَى مَعَ أَنَّ الْفَقْرَ يَتَعَدَّى بِإِلَى لِلِاخْتِصَارِ.
[قَوْلُهُ: رَبِّهِ] الرَّبُّ قِيلَ: مَصْدَرٌ
وَإِخْوَانِهِ وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا تَعْلِيقٌ لَطِيفٌ لَخَّصْتُهُ مِنْ شَرْحَيْ الْوَسَطِ وَالْكَبِيرِ عَلَى رِسَالَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيِّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
[حاشية العدوي]
بِمَعْنَى التَّرْبِيَةِ وَهِيَ تَبْلِيغُ الشَّيْءِ شَيْئًا فَشَيْئًا إلَى الْحَدِّ الَّذِي أَرَادَهُ الْمُرَبِّي، ثُمَّ وَصَفَ بِهِ الْمَوْلَى جَلَّ وَعَزَّ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ فِي حَوْزِ مَوْلَاهُ يُرَبِّيهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَقِيلَ: وَصْفٌ مَقْصُورٌ مِنْ رَابَبَ، فَيَكُونُ اسْمَ فَاعِلٍ، وَحُذِفَتْ أَلِفُهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ.
وَقِيلَ: إنَّهُ عَلَى وَزْنِ فَعَلَ فَأَصْلُهُ رَبَبَ فَيَكُونُ صِفَةً مُشَبَّهَةً [قَوْلُهُ: الْقَدِيرِ] أَيْ ذِي الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ.
وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ فَقِيرٍ وَقَدِيرٍ مِنْ الْمُحَسِّنَاتِ الْبَدِيعِيَّةِ: الطِّبَاقُ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ الْفَقْرَ يَلْزَمُهُ الْعَجْزُ [قَوْلُهُ: عَلِيٌّ] بَدَلٌ مِنْ الْعَبْدِ أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ عَلِيٌّ [قَوْلُهُ: أَبُو الْحَسَنِ] بَدَلٌ مِنْ عَلِيٍّ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ، وَقَدَّمَ الِاسْمَ عَلَى الْكُنْيَةِ وَيَجُوزُ الْعَكْسُ.
[قَوْلُهُ: الْمَالِكِيُّ] نَعْتٌ لِأَبِي الْحَسَنِ لَا نَعْتٌ لِعَلِيٍّ وَإِلَّا لَزِمَ تَقْدِيمُ الْبَدَلِ أَوْ عَطْفُ الْبَيَانِ عَلَى النَّعْتِ مَعَ أَنَّهُمَا يُؤَخَّرَانِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ التَّوَابِعَ إذَا اجْتَمَعَتْ يُقَدَّمُ النَّعْتُ فَالْبَيَانُ فَالتَّأْكِيدُ فَالْبَدَلُ فَعَطْفُ النَّسَقِ.
وَهَذَا الشَّارِحُ هُوَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ ثَلَاثًا ابْنِ خَلَفٍ، الْمَنُوفِيُّ بَلَدًا الْمِصْرِيُّ مَوْلِدًا، وُلِدَ بِالْقَاهِرَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ ثَالِثَ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ، أَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْعَامِلُ الشَّيْخُ عَلِيٌّ السَّنْهُورِيُّ، وَأَخَذَ النَّحْوَ وَغَيْرَهُ عَنْ الْكَمَالِ بْنِ أَبِي شَرِيفٍ وَغَيْرِهِ، وَلَازَمَ الْجَلَالَ السُّيُوطِيَّ وَأَخَذَ عَنْهُ.
تُوُفِّيَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ رَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ وَدُفِنَ بِالْقُرْبِ مِنْ بَابِ الْوَزِيرِ كَمَا ذَكَرَهُ الْفِيشِيُّ.
[قَوْلُهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَهُ] أَيْ سَتَرَهُ اللَّهُ بِمَحْوِ ذَنْبِهِ مِنْ الصُّحُفِ أَوْ لَا يُؤَاخِذُهُ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الصُّحُفِ إظْهَارًا لِفَضْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114] ، وَقَدَّمَ الدُّعَاءَ لِنَفْسِهِ لِحَدِيثِ: " كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَعَا بَدَأَ بِنَفْسِهِ " وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ [نوح: 28] [قَوْلُهُ: وَلِوَالِدِيهِ] أَعَادَ الْجَارَ لِقَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ: وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى.
إلَخْ وَتَرَكَهُ فِيمَا بَعْدُ إشَارَةً إلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ لِقَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ: وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِمًا.
وَالْأَنْسَبُ أَنْ يُقْرَأَ بِكَسْرِ الدَّالِ جَمْعًا لِيَشْمَلَ الْأَجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ، فَالْجَدُّ وَالِدٌ وَالْجَدَّةُ وَالِدَةٌ، فَفِيهِ تَغْلِيبُ الْوَالِدِينَ عَلَى الْوَالِدَاتِ.
[قَوْلُهُ: وَمَشَايِخِهِ] جَمْعُ شَيْخٍ وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى شُيُوخٍ وَأَشْيَاخٍ، وَالشَّيْخُ فِي الْأَصْلِ عِبَارَةٌ عَمَّنْ طَعْنٍ فِي السِّنِّ ثُمَّ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِيمَنْ بَلَغَ رُتْبَةَ أَهْلِ الْفَضْلِ وَلَوْ صَبِيًّا، وَأَرَادَ مَشَايِخَ عِلْمٍ أَوْ طَرِيقَةٍ وَقَدَّمَ الدُّعَاءَ لِوَالِدَيْهِ عَلَى الدُّعَاءِ لِمَشَايِخِهِ؛ لِأَنَّ تَرْبِيَةَ وَالِدَيْهِ سَابِقَةٌ وَإِنْ كَانَتْ تَرْبِيَةَ الْمَشَايِخِ أَقْوَى؛ لِأَنَّ تَرْبِيَةَ الْوَالِدَيْنِ لِحِفْظِ جِسْمٍ فَانٍ، وَتَرْبِيَةَ الْمَشَايِخِ لِحِفْظِ رُوحٍ بَاقِيَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَأَوْلَادِهِ] أَرَادَ بِهِمْ مَا يَشْمَلُ التَّلَامِذَةَ إنْ كَانَ لِلشَّيْخِ أَوْلَادُ نَسَبٍ وَإِلَّا فَهُمْ التَّلَامِذَةُ.
[قَوْلُهُ: وَإِخْوَانِهِ] جَمْعُ أَخٍ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: لَامَهُ مَحْذُوفَةٌ وَهِيَ وَاوٌ وَتُرَدُّ فِي التَّثْنِيَةِ عَلَى الْأَشْهَرِ، فَيُقَالُ: أَخَوَانِ، وَفِي لُغَةٍ يُسْتَعْمَلُ مَنْقُوصًا فَيُقَالُ: أَخَانِ وَجَمْعُهُ إخْوَةٌ وَإِخْوَانٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فِيهِمَا وَضَمُّهَا لُغَةٌ اهـ.
وَأَرَادَ بِهِمْ مَا يُشَارِكُهُ فِي أَبٍ أَوْ أُمٍّ أَوْ فِيهِمَا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُشَارِكٌ فِيمَا ذُكِرَ أَوْ الْأَصْحَابُ أَوْ مَا يَشْمَلُ الْمُشَارِكَ فِيمَا ذُكِرَ، وَالْأَصْحَابُ عَلَى التَّقْدِيرِ الْمَذْكُورِ وَإِنْ غَلَبَ فِي الْأَصْحَابِ كَمَا فِي الْفَتْوَى.
[قَوْلُهُ: وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
. . إلَخْ] قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نُفُوذِ الْوَعِيدِ فِي طَائِفَةٍ مِنْ الْعُصَاةِ فَيَكُونُ لَفْظُ جَمِيعٍ إمَّا مِنْ بَابِ الْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ أَيْ بَعْضُهُمْ عَلَى التَّجَوُّزِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا أَوْ الْجَمِيعِيُّ، وَيُخَصَّصُ بِمَنْ عَدَا مَنْ يُرِيدُ اللَّهُ نُفُوذَ الْوَعِيدِ فِيهِ أَوْ لَا يُخَصَّصُ بِأَنْ يُرَادَ تَعَلُّقُ الْغُفْرَانِ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْهُمْ وَلَوْ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ الذُّنُوبِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ إنَّمَا هُوَ الدُّعَاءُ بِغُفْرَانِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْعُمُومِ.
[قَوْلُهُ: هَذَا إلَخْ] مَقُولُ الْقَوْلِ وَالْإِشَارَةُ رَاجِعَةٌ لِمَا فِي الذِّهْنِ بِنَاءً عَلَى التَّحْقِيقِ، أَنَّ مُسَمَّى الْكِتَابِ الْأَلْفَاظُ
وَأَعَادَ عَلَيْنَا وَعَلَى أَحْبَابِنَا مِنْ بَرَكَاتِهِ وَنَفَعَنَا بِعُلُومِهِ وَجَعَلَنَا مِنْ الْمُتَّبِعِينَ لَهُ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَعِتْرَتِهِ آمِينَ تَلْخِيصًا حَسَنًا مُجْتَنِبًا فِيهِ التَّطْوِيلَ الْمُمِلَّ وَالِاخْتِصَارَ الْمُخِلَّ لِيَنْتَفِعَ
[حاشية العدوي]
الْمَخْصُوصَةُ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ كَانَتْ الْخُطْبَةُ مُتَقَدِّمَةً عَلَى التَّأْلِيفِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ أَعْرَاضٌ تَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهَا فَشَبَّهَهَا بِمَحْسُوسٍ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ حَاضِرٍ بِجَامِعِ التَّعَيُّنِ، وَاسْتَعَارَ لَهَا لَفْظَ هَذَا، الْمَوْضُوعُ لِلْمُشَاهِدِ الْمَحْسُوسُ عَلَى مَا هُوَ مُبَيَّنٌ اسْتِعَارَةً تَصْرِيحِيَّةً.
[قَوْلُهُ: تَعْلِيقٌ] أَيْ مُعَلَّقٌ أَيْ مَوْضُوعٌ، فَالْمَصْدَرُ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ أَوْ أَنَّ تَعْلِيقَ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الْمُؤَلَّفِ.
[قَوْلُهُ: لَطِيفٌ] قَالَ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ: اللَّطِيفُ رَقِيقُ الْقَوَامِ أَوْ كَوْنُهُ شَفَّافًا لَا يَحْجُبُ الْبَصَرَ عَنْ إدْرَاكِ مَا وَرَاءَهُ اهـ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي قَلِيلِ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ سَهْلِ الْمَأْخَذِ عَلَى الثَّانِي عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ التَّبَعِيَّةِ، أَوْ أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ الْكَافِ أَيْ كَاللَّطِيفِ، فَقَدْ شَبَّهَ قِلَّةَ الْأَلْفَاظِ أَوْ سُهُولَةَ الْمَأْخَذِ بِرِقَّةِ الْقَوَامِ أَوْ الشَّفَّافِيَّةِ، وَاسْتُعِيرَ اللُّطْفُ الَّذِي هُوَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ، وَاشْتُقَّ مِنْ اللُّطْفِ بِمَعْنَى قِلَّةِ الْأَلْفَاظِ أَوْ سُهُولَةِ الْمَأْخَذِ لَطِيفٌ بِمَعْنَى قَلِيلِ الْأَلْفَاظِ أَوْ سَهْلِ الْمَأْخَذِ هَذَا عَلَى الِاسْتِعَارَةِ.
وَأَمَّا عَلَى التَّشْبِيهِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ.
[قَوْلُهُ: لَخَّصْتُهُ] أَيْ جَمَعْتُهُ أَيْ أُلَخِّصُهُ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّأْلِيفِ أَوْ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ عَلَى أَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ، وَيُعَيِّنُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ بَعْدُ، وَاَللَّهَ أَسْأَلُهُ الْمَعُونَةَ عَلَى ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: مِنْ شَرْحَيْ الْوَسَطِ وَالْكَبِيرِ] اعْلَمْ أَنَّ لِلشَّارِحِ شُرُوحًا سِتَّةً عَلَى هَذَا الْكِتَابِ بَيَّنَهَا الْفِيشِيُّ بِقَوْلِهِ: الْأَوَّلُ غَايَةُ الْأَمَانِيِّ.
وَالثَّانِي تَحْقِيقُ الْمَبَانِي.
وَالثَّالِثُ تَوْضِيحُ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي.
وَالرَّابِعُ تَلْخِيصُ التَّحْقِيقِ.
وَالْخَامِسُ الْفَيْضُ الرَّحْمَانِيُّ.
وَالسَّادِسُ كِفَايَةُ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ وَالْكَبِيرُ هُوَ غَايَةُ الْأَمَانِيِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَسَطِ تَحْقِيقَ الْمَبَانِي كَمَا وَجَدَتْ تَقْيِيدًا يُقَيِّدُهُ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَهُ تَأْلِيفٌ عَلَى الْعَقِيدَةِ مُسْتَقِلٌّ وَتَآلِيفُ شَتَّى، وَقَوْلُهُ: عَلَى رِسَالَةِ حَالٌ إمَّا مِنْ شَرْحَيْ أَوْ مِنْ الْوَسَطِ وَالْكَبِيرِ.
قَالَ (عج) : وَسُمِّيَتْ رِسَالَةً لِلسُّلُوكِ بِهَا مَسْلَكَ الرَّسَائِلِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ النَّاسِ عَادَةً.
[قَوْلُهُ: رَحِمَهُ اللَّهُ إلَخْ] جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى أَيْ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ أَيْ أَنْعِمْ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَأَعَادَ] أَيْ أَوْصَلَ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى أَحْبَابِنَا] جَمْعُ حِبٍّ بِمَعْنَى مَحْبُوبٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ فَلَا يَشْمَلُ مَنْ يُحِبُّ الشَّارِحُ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَحْبُوبًا لَهُ لِكَوْنِهِ أَتَى بَعْدَهُ مَثَلًا.
[قَوْلُهُ: مِنْ بَرَكَاتِهِ] أَيْ شَيْءٌ مِنْ بَرَكَاتِهِ فَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَوْ بَعْضُ بَرَكَاتِهِ فَالْمَفْعُولُ مِنْ بِمَعْنَى بَعْضٍ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهَا أَسْرَارَهُ وَمَعَارِفَهُ، فَالْعِبَارَةُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ مِنْ مُمَاثِلِ أَسْرَارِهِ وَمَعَارِفِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهَا خَيْرَاتٍ تَصِلُ لِلشَّارِحِ وَأَحْبَابِهِ يَكُونُ الْمُصَنِّفُ وَاسِطَةً فِيهَا، أَوْ أَنَّ الْمَعْنَى وَأَعَادَ عَلَيْنَا شَيْئًا نَافِعًا أَجْلِ بَرَكَاتِهِ أَيْ أَسْرَارِهِ وَمَعَارِفِهِ، أَيْ مِنْ أَجْلِ التَّوَسُّلِ بِهَا فَمِنْ لِلتَّعْلِيلِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ كَمَا قُلْنَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: بِعُلُومِهِ] مُتَعَلِّقٌ بِنَفَعَ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَالْمُرَادُ الْعُلُومُ الَّتِي اسْتَفَادَهَا الشَّارِحُ مِنْ كُتُبِهِ لَا مُطْلَقُ الْعُلُومِ، فَيَكُونُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَهُ بِتِلْكَ الْعُلُومِ بِأَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَتَكُونَ سَبَبًا لِلظَّفَرِ بِالْجِنَانِ، أَوْ أَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ نَفَعَنَا بِمَا عَلَّمْنَاهُ حَالَةَ كَوْنِنَا مُتَوَسِّلِينَ لَهُ بِعُلُومِهِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ عُلُومِهِ مُطْلَقًا.
[قَوْلُهُ: فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ] أَيْ بِأَنْ نَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ وَنَفْعَلَ مِثْلَ مَا يَفْعَلُ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاتِّبَاعِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ أَنْ نَعْمَلَ بِمُقْتَضَى أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ.
1 -
[قَوْلُهُ: بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ] مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالٌ تَنَازَعَ فِيهَا الْأَفْعَالُ الْمُتَقَدِّمَةُ أَيْ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَخْ فِي حَالِ كَوْنِنَا مُتَوَسِّلِينَ بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ.
[قَوْلُهُ: وَآلِهِ] ظَاهِرُهُ وَلَوْ عُصَاةً، وَلَا مَانِعَ مِنْ التَّوَسُّلِ بِآلِهِ وَلَوْ عُصَاةً؛ لِأَنَّهُمْ بَضْعَةٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ أَقَارِبُهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَبَيْنَ الْآلِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى وَالصَّحْبِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ.
مِنْ وَجْهٍ يَجْتَمِعَانِ فِي سَيِّدِنَا عَلِيٍّ مَثَلًا، وَيَنْفَرِدُ الْآلُ فِي أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَمْ يَرَوْهُ وَالصَّحْبُ فِي أَبِي بَكْرٍ مَثَلًا.
[قَوْلُهُ: وَصَحْبِهِ] جَمْعٌ لِصَاحِبٍ بِمَعْنَى الصَّحَابِيِّ أَوْ اسْمُ جَمْعٍ لَهُ قَوْلَانِ،
بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُبْتَدِي لِقِرَاءَتِهَا وَالْمُنْتَهِي لِمُطَالَعَتِهَا، اقْتَصَرَتْ فِيهِ عَلَى حَلِّ أَلْفَاظِهَا وَذِكْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ
[حاشية العدوي]
وَالصَّحَابِيُّ مَنْ اجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُؤْمِنًا وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ، سَوَاءٌ طَالَ اجْتِمَاعُهُ بِهِ أَوْ لَمْ يَطُلْ، بِخِلَافِ التَّابِعِيِّ مَعَ الصَّحَابِيِّ فَلَا بُدَّ مِنْ طُولِ اجْتِمَاعِهِ بِالصَّحَابِيِّ حَتَّى يُسَمَّى تَابِعِيًّا.
[قَوْلُهُ: وَعِتْرَتِهِ] قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: رَوَى ثَعْلَبٌ عَنْ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّ الْعِتْرَةَ وَلَدُ الرَّجُلِ وَذُرِّيَّتُهُ وَعَقِبُهُ مِنْ صُلْبِهِ، وَلَا تَعْرِفُ الْعَرَبُ مِنْ الْعِتْرَةِ غَيْرَ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الْعِتْرَةُ وَالرَّهْطُ بِمَعْنًى، وَرَهْطُ الرَّجُلِ قَوْمُهُ وَقَبِيلَتُهُ الْأَقْرَبُونَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ تَكُونُ الْعِتْرَةُ أَخَصَّ مِنْ الْآلِ، فَالْأَنْسَبُ ذِكْرُهُ بِلَصْقِهِ وَعَلَى الثَّانِي أَعَمُّ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: آمِينَ] كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، اسْمُ فِعْلٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ بِمَعْنَى اسْتَجِبْ مُتَعَلِّقٌ بِالْجُمَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
[قَوْلُهُ: تَلْخِيصًا] مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِقَوْلِهِ لَخَّصْته.
[قَوْلُهُ: مُجْتَنِبًا] حَالٌ مِنْ فَاعِلِ لَخَّصْته، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ حَسَنًا، أَوْ أَنَّ الْحُسْنَ مِنْ جِهَةِ بَلَاغَةِ نَظْمِهِ.
[قَوْلُهُ: التَّطْوِيلُ إلَخْ] التَّطْوِيلُ كَمَا أَفَادَهُ أَهْلُ الْمَعَانِي الزِّيَادَةُ عَلَى أَصْلِ الْمَعْنَى لَا لِفَائِدَةٍ، وَلَا يَكُونُ الزَّائِدُ مُتَعَيِّنًا كَقَوْلِهِ:
وَأَلْفَى قَوْلَهَا ... كَذِبًا وَمَيْنًا
فَإِنَّ الْمَيْنَ هُوَ الْكَذِبُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الزَّائِدُ مُتَعَيِّنًا فَهُوَ الْحَشْوُ كَقَوْلِهِ:
وَأَعْلَمُ عِلْمَ ... الْيَوْمِ وَالْأَمْسِ قَبْلَهُ
فَإِنَّ قَوْلَهُ قَبْلَهُ مُتَعَيِّنٌ لِلزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ مِنْ كَوْنِهِ أَمْسِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّطْوِيلَ لُغَةً وَهُوَ كَثْرَةُ الْعِبَارَاتِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا فَائِدَةٌ.
[قَوْلُهُ: الْمُمِلَّ] أَيْ الْمُورِثَ لِلْمَلَلِ وَالسَّآمَةِ.
[قَوْلُهُ: وَالِاخْتِصَارَ] هُوَ تَقْلِيلُ الْأَلْفَاظِ، [وَقَوْلُهُ: الْمُخِلَّ] أَيْ الَّذِي يَتَعَذَّرُ مَعَهُ فَهْمُ الْمَعْنَى أَوْ يَتَعَسَّرُ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْكَلَامَ الْمَنْفِيَّ الْمُقَيَّدَ بِقَيْدٍ يَتَسَلَّطُ النَّفْيُ عَلَى ذَلِكَ الْقَيْدِ، وَالنَّفْيُ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ لَفْظُ مُجْتَنِبًا أَيْ فَالْمَنْفِيُّ هُنَا الْإِمْلَالُ وَالْخَلَلُ، فَيُفِيدُ ثُبُوتَ أَصْلِ التَّطْوِيلِ وَأَصْلِ الِاخْتِصَارِ، وَذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ ذَاكَ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ، وَأَمَّا عِنْدَ تَعَدُّدِهِ كَأَنْ يَكُونَ التَّطْوِيلُ فِي مَوْضِعٍ وَالِاخْتِصَارُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَلَا تَنَافِي فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لِيَنْتَفِعَ] عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ حَسَنًا أَوْ مُجْتَنِبًا.
[قَوْلُهُ: إنْ شَاءَ اللَّهُ] أَتَى بِهِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: 23] [قَوْلُهُ: الْمُبْتَدِي إلَخْ] هُوَ مَنْ حَصَّلَ شَيْئًا مَا مِنْ الْفَنِّ وَالْمُنْتَهِي مَنْ حَصَّلَ أَكْثَرَهُ وَصَلُحَ لِإِفَادَتِهِ.
قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا: وَمُفَادُهُ أَنَّ الَّذِي لَمْ يَشْرَعْ وَالْحَالُ أَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ لِلشُّرُوعِ أَوْ لَمْ يُحَصِّلْ لَا يُقَالُ فِيهِ مُبْتَدِئٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُبْتَدِئَ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي هَذَيْنِ، وَاَلَّذِي حَصَّلَ شَيْئًا أَيْ قَلِيلًا وَقَصَرَ النَّفْعَ عَلَى الْمُبْتَدِئِ وَالْمُنْتَهِي مَعَ أَنَّ الْمُتَوَسِّطَ كَذَلِكَ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ مَفْهُومٌ مِنْ الْمُنْتَهِي بِالْأَوْلَى، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْمُتَوَسِّطَ مَنْ حَصَّلَ نِصْفَهُ أَوْ أَكْثَرَهُ وَلَمْ يَصْلُحْ لِإِفَادَتِهِ، وَإِذَا كَانَ مَنْ حَصَّلَ أَكْثَرَهُ وَصَلُحَ لِإِفَادَتِهِ مُنْتَهِيًا فَلْيَكُنْ مَنْ حَصَّلَ كُلَّهُ وَصَلُحَ لِإِفَادَتِهِ مُنْتَهِيًا بِالْأَوْلَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ حَصَّلَ كُلَّهُ وَلَمْ يَصْلُحْ لِإِفَادَتِهِ يُقَالُ لَهُ مُتَوَسِّطٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا سُلِّمَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْصِيلِ الشَّيْءِ الصَّلَاحِيَّةُ لِلْإِفَادَةِ وَفِيهِ مَا فِيهِ.
[قَوْلُهُ: لِقِرَاءَتِهَا] اللَّامُ بِمَعْنَى فِي أَيْ فِي حَالِ قِرَاءَتِهَا، وَالْمَانِعُ مِنْ إبْقَائِهَا عَلَى أَصْلِهَا صِدْقُهُ بِاَلَّذِي حَصَّلَ الْعِلْمَ مِنْ غَيْرِهَا، وَأَرَادَ أَنْ يَبْتَدِئَ قِرَاءَتَهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ مُبْتَدِئٌ.
[قَوْلُهُ: لِمُطَالَعَتِهَا] أَيْ فِي حَالِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا، فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: طَالَعَهُ طِلَاعًا وَمُطَالَعَةً اطَّلَعَ عَلَيْهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: اقْتَصَرْت فِيهِ عَلَى حَلِّ أَلْفَاظِهَا] أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ بَيَانَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَبَيَانَ الْمَعْنَى، وَفِي الْعِبَارَةُ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ وَتَخْيِيلٌ، فَشَبَّهَ الْأَلْفَاظَ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ
مِنْ الْقُيُودِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ الْمَشْهُورِ وَمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ الرُّمُوزِ: بِمَا صُورَتُهُ: (ك) فَلِلْفَاكِهَانِيِّ وَبِمَا صُورَتُهُ (ق) فَلِلْأَقْفَهْسِيِّ وَبِمَا صُورَتُهُ (ع) فَلِابْنِ عُمَرَ وَبِمَا صُورَتُهُ (ج) فَلِابْنِ نَاجِي وَبِمَا صُورَتُهُ (د) فَلِلشَّيْخِ أَحْمَدَ زَرُّوقٍ، وَسَمَّيْته: كِفَايَةُ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ لِرِسَالَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيِّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِمَنْ رَأَى فِيهِ غَيْرَ الصَّوَابِ وَأَصْلَحَهُ وَمَنْ نَظَرَ فِيهِ وَدَعَا لِمُؤَلِّفِهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَاَللَّهَ أَسْأَلُ الْمَعُونَةَ عَلَى ذَلِكَ الَّذِي أَمَّلْنَاهُ بِمَنِّهِ
[حاشية العدوي]
حُصُولِ الْمُرَادِ مِنْهَا بِشَيْءٍ مَعْقُودٍ عَلَى مَطْلُوبٍ، وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ فِي النَّفْسِ وَالْحَلُّ قَرِينَةٌ، وَإِضَافَةُ الْأَلْفَاظِ إلَيْهَا لِلْبَيَانِ أَيْ أَلْفَاظُ هِيَ الرِّسَالَةِ إذْ يَجُوزُ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ، إذَا اخْتَلَفَ اللَّفْظُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: وَذِكْرِ] مَعْطُوفٌ عَلَى حَلِّ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْقُيُودِ] بَيَانٌ لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَأَلْ الْجِنْسِيَّةُ إذَا دَخَلَتْ عَلَى جَمْعٍ أَبْطَلَتْ جَمْعِيَّتَهُ، فَالْمُرَادُ جِنْسُ الْقُيُودِ فَيَصْدُقُ بِقَيْدٍ وَاحِدٍ أَوْ أَنَّ الْجَمْعَ بِاعْتِبَارِ مَجْمُوعِ الْكِتَابِ فَتَدَبَّرْ.
تَنْبِيهٌ: أَطْلَقَ الْمَاضِي أَعْنِي اقْتَصَرْت وَذَكَرْت وَمَا وَقَعَ إلَخْ وَأَرَادَ الْمُضَارِعَ.
[قَوْلُهُ: وَالتَّنْبِيهِ] يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلَى الْقُيُودِ وَعَلَى حَلِّ.
[قَوْلُهُ: وَمَا وَقَعَ] مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ قَوْلُهُ فَلِلْفَاكِهَانِيِّ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الرُّمُوزِ] الرُّمُوزُ جَمْعُ رَمْزٍ، وَهُوَ الْإِشَارَةُ بِعَيْنٍ أَوْ حَاجِبٍ أَوْ شَفَةٍ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَأَرَادَ بِالرَّمْزِ هُنَا الْإِشَارَةَ إلَى هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ بِأَحْرُفٍ مَخْصُوصَةٍ مُقْتَطِعَةٍ مِنْ أَسْمَائِهَا.
[قَوْلُهُ: ك] أَيْ الَّذِي هُوَ مُسَمًّى كَافٍ، وَهَكَذَا فِيمَا سَيَأْتِي.
[قَوْلُهُ: فَلِلْفَاكِهَانِيِّ] هُوَ عُمَرُ بْنُ أَبِي الْيَمَنِ عَلِيُّ بْنُ سَالِمِ بْنِ صَدَقَةَ اللَّخْمِيُّ الْمَالِكِيُّ الشَّهِيرُ بِتَاجِ الدِّينِ الْفَاكِهَانِيِّ يُكَنَّى أَبَا حَفْصٍ الْإِسْكَنْدَرِيَّ، تُوُفِّيَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَمَوْلِدُهُ بِهَا.
[قَوْلُهُ: فَلِلْأَقْفَهْسِيِّ] هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْدَادٍ الْأَقْفَهْسِيُّ الْقَاضِي جَمَالُ الدِّينِ، تَفَقَّهَ بِالشَّيْخِ خَلِيلٍ وَشَرَحَ مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ فِي ثَلَاثِ مُجَلَّدَاتٍ، تُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ، ذَكَرَهُ فِي الدُّرَرِ الْكَامِنَةِ.
[قَوْلُهُ: فَلِابْنِ عُمَرَ] هُوَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الْفَاسِيُّ كَانَ شَيْخًا صَالِحًا عَالِمًا مُحَقِّقًا عَابِدًا، تُوُفِّيَ سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ.
قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ: إنَّ تَقْيِيدَهُ وَتَقْيِيدَ الْجُزُولِيِّ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمَا لَا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ تَأْلِيفًا، وَإِنَّمَا هِيَ تَقَالِيدُ الطَّلَبَةِ.
[قَوْلُهُ: فَلِابْنِ نَاجِي] هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عِيسَى بْنُ نَاجِي أَبُو الْفَضْلِ، وَأَبُو الْقَاسِمِ شَرَحَ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ، أَخَذَ عَنْ الشَّبِيبِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ وَأَصْحَابِهِ.
فَائِدَةٌ: مَتَى قَالَ ابْنُ نَاجِي شَيْخُنَا وَأَطْلَقَهُ فَالْمُرَادُ بِهِ الْبُرْزُلِيُّ وَإِنْ قَيَّدَهُ فَأَبُو مَهْدِيٍّ، وَإِنْ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا فَهُوَ ابْنُ عَرَفَةَ.
[قَوْلُهُ: لِلشَّيْخِ أَحْمَدَ زَرُّوقٍ] جَمَعَ بَيْنَ الشَّرِيعَةِ وَالْحَقِيقَةِ، وَلِذَا وَصَفَهُ الشَّارِحُ بِالشَّيْخِ، أَخَذَ عَنْ الْعَلَّامَةِ شَيْخِ عَصْرِهِ الشَّيْخِ عَلِيٍّ السَّنْهُورِيِّ.
قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ: وَإِنَّمَا جَاءَنِي زَرُّوقٌ مِنْ جِهَةِ الْجَدِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ أَزْرَقَ الْعَيْنَيْنِ وَاكْتَسَبَ ذَلِكَ مِنْ أُمِّهِ، لَهُ تَآلِيفُ كَثِيرَةٌ كَشَرْحِ الْإِرْشَادِ وَشَرْحِ الرِّسَالَةِ وَقِطْعَةٌ عَلَى مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ، تُوُفِّيَ بِبِلَادِ طَرَابُلُسَ فِي صَفَرٍ عَامَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ.
[قَوْلُهُ: وَسَمَّيْته] مَعْطُوفٌ عَلَى لَخَّصْته أَيْ سَمَّيْت ذَلِكَ التَّعْلِيقَ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ لِلِاسْتِئْنَافِ [قَوْلُهُ: الرَّبَّانِيُّ] نِسْبَةً لِلرَّبِّ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ بِزِيَادَةِ الْأَلْفِ وَالنُّونِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى كَمَالِ الصِّفَةِ كَمَا يُقَالُ لِكَثِيرِ الشَّعْرِ شَعْرَانِيٌّ وَالرَّبَّانِيُّ هُوَ شَدِيدُ التَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ.
قَالَهُ فِي الْكَشَّافِ، وَأَرَادَ بِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ فِيمَا يَظْهَرُ، الْقَاصِدَ بِطَلَبِهِ الْعِلْمَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ يَكْفِي مَنْ كَانَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ.
[قَوْلُهُ: لِرِسَالَةِ] مُتَعَلِّقٌ بِالطَّالِبِ أَيْ الطَّالِبِ لِفَهْمِ رِسَالَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ [قَوْلُهُ: غَيْرَ الصَّوَابِ] وَهُوَ الْخَطَأُ [قَوْلُهُ: وَأَصْلَحَهُ] أَيْ بِالْكِتَابَةِ فِي أَوْرَاقٍ أَوْ عَلَى الطُّرَّةِ لَا يَمْحُوهُ مِنْ أَصْلِهِ، وَيُثْبِتُ ذَلِكَ الصَّوَابَ بَدَلَهُ لِاحْتِمَالِ
وَكَرَمِهِ إنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ.
فَأَقُولُ: وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ: افْتَتَحَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُؤَلِّفِينَ: بِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) اقْتِدَاءً بِكِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْوَارِدِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ وَعَمَلًا بِقَوْلِ
[حاشية العدوي]
أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَمْحُوُّ صَوَابًا.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ نَظَرَ فِيهِ] أَيْ بِعَيْنِ الرِّضَا لَا بِعَيْنِ السُّخْطِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ وَدَعَا إلَخْ.
[قَوْلُهُ: لِمُؤَلِّفِهِ إلَخْ] كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَدَعَا لِي؛ لِأَنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِيهِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْإِظْهَارَ لِنُكْتَةِ أَنَّ عِلَّةَ الدُّعَاءِ التَّأْلِيفُ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِمُشْتَقٍّ يُؤْذِنُ بِعِلِّيَّةِ الْمَأْخَذِ، وَهُوَ الْمَصْدَرُ.
[قَوْلُهُ: بِالْمَغْفِرَةِ] هِيَ سَتْرُ الذَّنْبِ.
[قَوْلُهُ: وَالرَّحْمَةِ] هِيَ الْإِنْعَامُ، وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ لِيُفِيدَ أَنَّ مَنْ دَعَا بِأَحَدِهِمَا يَدْخُلُ فِي الدُّعَاءِ مِنْ الْمُؤَلِّفِ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَقِيَتْ عَلَى حَالِهَا، فَتُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ إلَّا مَنْ دَعَا بِهِمَا مَعًا.
[قَوْلُهُ: وَاَللَّهَ أَسْأَلُ إلَخْ] يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْجَلَالَةِ مُبْتَدَأً وَأَسْأَلُ خَبَرًا وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، أَيْ أَسْأَلُهُ، وَفِي نُسْخَةٍ إثْبَاتُهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ.
[قَوْلُهُ: الْمَعُونَةَ] اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الْإِعَانَةِ، وَهَلْ الْمِيمُ زَائِدَةٌ فَوَزْنُهَا مَفْعَلَةٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ أَوْ أَصْلِيَّةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمَاعُونِ فَوَزْنُهَا فَعُولَةٌ؟ قَوْلَانِ أَفَادَهُمَا صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: الَّذِي أَمَّلْنَاهُ] أَيْ رَجَوْنَاهُ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ التَّعْلِيقِ مُلَخَّصًا تَلْخِيصًا حَسَنًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: بِمَنِّهِ إلَخْ] الْمَنُّ يُطْلَقُ عَلَى أَرْبَعَةِ مَعَانٍ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ: الْإِنْعَامُ، وَالِامْتِنَانُ، وَالْقَطْعُ، وَإِذْهَابُ الْقُوَّةِ.
وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا الْأَوَّلُ وَعَطْفُ الْكَرَمِ عَلَيْهِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، فَأَرَادَ بِالْكَرَمِ صِفَةَ الْفِعْلِ الَّتِي هِيَ الْإِنْعَامُ، وَالْبَاءُ بِمَعْنَى مِنْ حَالٌ مِنْ الْمَعُونَةِ أَيْ أَسْأَلُهُ الْإِعَانَةَ حَالَةَ كَوْنِ تِلْكَ الْإِعَانَةِ مِنْ إنْعَامِهِ وَكَرَمِهِ، أَيْ مِنْ أَفْرَادِهِ، فَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يُوجِبُونَ عَلَى اللَّهِ فِعْلَ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ.
[قَوْلُهُ: إنَّهُ إلَخْ] بِالْكَسْرِ اسْتِئْنَافًا لَفْظًا تَعْلِيلًا مَعْنًى وَبِالْفَتْحِ عَلَى حَذْفِ اللَّامِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى مَا يَشَاءُ] يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ مَا مَوْصُولَةً أَيْ الَّذِي يَشَاؤُهُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَشِيئَتَهُ، مُتَعَلِّقُ قُدْرَتِهِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا قَدِيمَةٌ لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا الْقُدْرَةُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى مَا يَشَاءُ] مُتَعَلِّقٌ بِقَدِيرٍ، وَقَوْلُهُ: وَبِالْإِجَابَةِ مُتَعَلِّقٌ بِجَدِيرٍ، أَيْ حَقِيقٍ.
وَلَمَّا كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَّصِفًا بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ نَاسَبَ أَنْ يُسْأَلَ إذْ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهِمَا مَعًا لَا يُسْأَلُ، وَقَدَّمَ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ مُتَفَرِّعَةٌ مَعْنًى عَلَى الْأُولَى إذْ الْإِجَابَةُ فَرْعُ الْقُدْرَةِ.
[قَوْلُهُ: فَأَقُولُ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَاَللَّهَ أَسْأَلُ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ حَسْبِي] : أَيْ مُحْتَسَبِي أَيْ كَافِيَّ وَهِيَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أَقْوَالٍ، وَمَعْمُولُهُ الَّذِي هُوَ افْتَتَحَ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ أَيْ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ هُوَ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ نِعْمَ الْوَكِيلُ جُمْلَةٌ إنْشَائِيَّةٌ وَهِيَ لَا تُعْطَفُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ: وَهُوَ حَسْبِي، فَيُقَدَّرُ مُبْتَدَأٌ لِلْخُلُوصِ مِنْ ذَلِكَ، وَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ عَلَى مِثْلِهَا أَيْ وَهُوَ نِعْمَ الْوَكِيلُ وَمَعْنَاهُ وَهُوَ مَقُولٌ فِي حَقِّهِ نِعْمَ الْوَكِيلُ، فَتَكُونُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً مُتَعَلِّقُ خَبَرِهَا جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ إنْشَائِيَّةٌ، وَإِنْ أَرَدْت تَمَامَ مَا فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ فَرَاجِعْ حَفِيدَ السَّعْدِ.
1 -
[قَوْلُهُ: افْتَتَحَ إلَخْ] مَقُولُ الْقَوْلِ أَيْ خَطًّا وَيَحْتَمِلُ وَلَفْظًا أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: كَغَيْرِهِ] حَالٌ مِنْ فَاعِلِ افْتَتَحَ أَيْ افْتَتَحَ الْمُصَنِّفُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي حَالِ كَوْنِهِ مُمَاثِلًا لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُؤَلِّفِينَ، وَلَعَلَّ فَائِدَةَ هَذِهِ الْحَالِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الِافْتِتَاحَ الْمَذْكُورَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَيْ الْفِعْلِيِّ.
[قَوْلُهُ: اقْتِدَاءً] مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ عَامِلُهُ افْتَتَحَ.
تَنْبِيهٌ: قَصَدَ بِقَوْلِهِ: اقْتِدَاءً أَنَّهُ مَبْدُوءٌ بِهَا لَفْظًا وَخَطًّا قَبْلَ الْفَاتِحَةِ، فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ حَتَّى يَحْتَاجَ لِلْجَوَابِ بِأَنَّهُ مَبْدُوءٌ بِكِتَابَتِهَا فَقَطْ؛ لِأَنَّهَا تُنْدَبُ لَفْظًا أَيْضًا فِي أَوَّلِهِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ كَمَا أَفَادَهُ ح.
[قَوْلُهُ: بِكِتَابِ اللَّهِ] مَصْدَرُ كَتَبَ سَمَاعِيٌّ إلَّا أَنَّهُ هُنَا بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ أَيْ بِمَكْتُوبِ اللَّهِ، أَوْ أَنَّ الْكِتَابَ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِيهِ، وَالْإِضَافَةُ لِلْعَهْدِ أَيْ الْمَعْهُودُ عِنْدَنَا مَعْشَرَ الْأُمَّةِ وَهُوَ الْقُرْآنُ.
[قَوْلُهُ: الْعَزِيزِ] أَيْ عَدِيمِ الْمِثَالِ، وَقِيلَ:
النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَال لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ» . وَثَبَتَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ (وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ) لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالصَّلَاةِ عَلَى
[حاشية العدوي]
هُوَ الَّذِي يَتَعَذَّرُ الْإِحَاطَةُ بِوَصْفِهِ وَيَعْسُرُ الْوُصُولُ إلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْحَاجَةَ تَشْتَدُّ إلَيْهِ، وَحَيْثُ جُعِلَتْ الْإِضَافَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لِلْعَهْدِ فَيَكُونُ لَفْظُ الْعَزِيزِ وَصْفًا مُؤَكِّدًا، وَيَصِحُّ أَنْ تُجْعَلَ إضَافَةُ كِتَابٍ لِلْجِنْسِ فَيَكُونُ الْعَزِيزُ وَصْفًا مُقَيَّدًا إذْ هُوَ وَصْفٌ خَاصٌّ بِالْقُرْآنِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ كِتَابَ اسْمٌ جَامِدٌ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ فَلَا يُنَافِي مَا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ التُّونُسِيُّ مِنْ إجْمَاعِ عُلَمَاءِ كُلِّ أُمَّةٍ عَلَى أَنَّ اللَّهَ افْتَتَحَ جَمِيعَ كُتُبِهِ بِبَسْمِ اللَّهِ.
وَيَشْهَدُ لَهُ خَبَرُ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَاتِحَةُ كُلِّ كِتَابٍ " وَحِينَئِذٍ فَنُكْتَةُ التَّخْصِيصِ أَنَّهُ أَشْرَفُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ.
[قَوْلُهُ: الْوَارِدُ إلَخْ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَرَدَ زَيْدٌ الْمَاءَ فَهُوَ وَارِدٌ، وَوَرَدَ زَيْدُ عَلَيْنَا وُرُودًا حَضَرَ، وَوَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ اهـ.
فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَنَقُولُ شَبَّهَ وُصُولَ الْقُرْآنِ إلَيْنَا بِالْوُرُودِ، وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْوُرُودِ لِلْوُصُولِ، وَاشْتُقَّ مِنْ الْوُرُودِ بِمَعْنَى الْوُصُولِ، وَارِدٌ بِمَعْنَى وَاصِلٌ.
[قَوْلُهُ: عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ] أَيْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ.
[قَوْلُهُ: وَعَمَلًا] عَبَّرَ فِي جَانِبِ الْكِتَابِ بِالِاقْتِدَاءِ، وَفِي جَانِبِ الْحَدِيثِ بِالْعَمَلِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَمْرٌ بِالِابْتِدَاءِ بِخِلَافِ الْخَبَرِ، فَفِيهِ أَمْرٌ ضِمْنًا [قَوْلُهُ: بِقَوْلِ] يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ الْمَصْدَرَ، فَقَوْلُهُ: كُلُّ أَمْرٍ إلَخْ مَعْمُولُهُ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَقُولُهُ فَقَوْلُهُ كُلُّ أَمْرٍ إلَخْ بَدَلٌ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] هُوَ إنْسَانٌ ذَكَرٌ مِنْ بَنِي آدَمَ أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ فَإِنْ أُمِرَ بِذَلِكَ فَرَسُولٌ أَيْضًا فَالنَّبِيُّ أَعَمُّ مِنْ الرَّسُولِ.
[قَوْلُهُ: كُلُّ أَمْرٍ] أَيْ كُلُّ فَرْدٍ مَنْسُوبٍ لِلْأَمْرِ ذِي الْبَالِ مِنْ نِسْبَةِ الْجُزْئِيِّ لِكُلِّيِّهِ فَالْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى اللَّازِمِ.
[قَوْلُهُ: ذِي بَالٍ] أَيْ حَالٍ يُهْتَمُّ بِهِ شَرْعًا فَيَخْرُجُ الْمَكْرُوهُ وَالْمُحَرَّمُ فَتُكْرَهُ فِي الْمَكْرُوهِ وَتَحْرُمُ فِي الْمُحَرَّمِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْبَالِ الْقَلْبُ إمَّا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِشَرَفِهِ وَعَظَمَتِهِ قَدْ مَلَكَ قَلْبَ صَاحِبِهِ لِاشْتِغَالِهِ بِهِ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ شُبِّهَ بِذِي قَلْبٍ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنْ تَقُولَ: شَبَّهَ الْأَمْرَ ذُو الْبَالِ بِإِنْسَانٍ، وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ فِي النَّفْسِ وَأُثْبِتَ لِلْمُشَبَّهِ شَيْءٌ مِنْ لَوَازِمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَهُوَ الْقَلْبُ، وَفِي ذَلِكَ الْوَصْفِ فَائِدَةٌ وَهِيَ رِعَايَةُ تَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ حَيْثُ لَا يُبْدَأُ بِهِ إلَّا فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَهَا بَالٌ.
[قَوْلُهُ: لَا يُبْدَأُ فِيهِ] مَعْنَى بَدَأَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ تَصَدَّرَهُ بِذِكْرِهِ، وَنَائِبُ الْفَاعِلِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الظَّرْفُ الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي وَهُوَ الْأَوْلَى لَا ضَمِيرَ مُسْتَتِرٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى بَدَأَ الشَّيْءَ أَنْشَأَهُ بِخِلَافِ بَدَأَ بِهِ بِمَعْنَى جَعَلَهُ أَوَّلًا كَمَا قَالَهُ الْجَعْبَرِيُّ.
[قَوْلُهُ: فَهُوَ أَقْطَعُ] مِنْ قَبِيلِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، أَيْ فَهُوَ كَالْأَقْطَعِ وَالْأَقْطَعُ هُوَ الَّذِي قُطِعَتْ يَدَاهُ أَوْ إحْدَاهُمَا، أَوْ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ كَمَا فِي: زَيْدٌ أَسَدٌ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ سَعْدِ الدِّينِ وَالْمُشَابَهَةُ مِنْ حَيْثُ قِلَّةِ الْبَرَكَةِ أَوْ عَدَمِهَا.
تَنْبِيهٌ: هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِكُبْرَى قِيَاسٍ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى طَلَبِ الِابْتِدَاءِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي هَذَا التَّأْلِيفِ، فَنَقُولُ: هَذَا التَّأْلِيفُ أَمْرٌ ذُو بَالٍ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يُطْلَبُ فِيهِ الْبُدَاءَةُ بِالْبَسْمَلَةِ يُنْتِجُ هَذَا التَّأْلِيفُ تُطْلَبُ فِيهِ الْبُدَاءَةُ بِالْبَسْمَلَةِ، أَمَّا الصُّغْرَى فَظَاهِرَةٌ وَأَمَّا الْكُبْرَى فَدَلِيلُهَا هَذَا الْحَدِيثُ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ] دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الثُّبُوتَ قَبْلَ الْبَسْمَلَةِ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ الْمُصَنِّفِ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَصَلَّى اللَّهُ إلَخْ] الصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ تَشْرِيفٌ وَزِيَادَةُ تَكْرِمَةٍ كَمَا أَفَادَهُ فِي التَّحْقِيقِ، أَيْ وَأَمَّا مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَكِ فَهِيَ الدُّعَاءُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالسَّلَامُ مَعْنَاهُ التَّحِيَّةُ وَالْإِكْرَامُ وَالسَّيِّدُ الْكَامِلُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: لِمَا نَصَّ إلَخْ] عِلَّةٌ لِثَبَتَ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ تَعْلِيلًا لِلثُّبُوتِ الْمَذْكُورِ بَلْ هُوَ تَعْلِيلٌ لِلْإِثْبَاتِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْمُعَلَّلَ هُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ الَّذِي هُوَ هُنَا الْإِثْبَاتُ، وَخُلَاصَةُ مَا فِي الْمَقَامِ أَنَّ اسْتِحْبَابَ الْبُدَاءَةِ بِالصَّلَاةِ يَتَحَقَّقُ بِالْكَتْبِ وَبِاللَّفْظِ وَعَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ يَكُونُ تَحَقَّقَ بِالْكَتْبِ وَلَا مَانِعَ أَيْضًا مِنْ أَنْ يَكُونَ بِاللَّفْظِ، وَأَمَّا عَلَى غَيْرِهِ فَقَدْ تَحَقَّقَ بِاللَّفْظِ فَقَطْ، فَقَدْ قَالَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ
النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَحَبَّةٌ لِكُلِّ مُصَنِّفٍ وَمُدَرِّسٍ وَخَطِيبٍ، وَبَيْنَ يَدَيْ كُلِّ أَمْرٍ مُهِمٍّ وَثَبَتَ فِي بَعْضِهَا أَيْضًا.
(قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيُّ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ وَهِيَ رِوَايَتُنَا وَالرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ عَدَمُ ثُبُوتِهَا وَعَلَى ثُبُوتِهَا سُؤَالَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَبَّرَ بِقَالَ وَهُوَ فِعْلٌ مَاضٍ يَحْكِي بِهِ مَا وَقَعَ، وَتَأْلِيفُ الْكِتَابِ مُسْتَقْبَلٌ لَمْ يَقَعْ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُعَبِّرَ بِيَقُولُ.
أُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا: أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْمَاضِيَ مَوْضِعَ الْمُسْتَقْبَلِ تَنْزِيلًا لَهُ
[حاشية العدوي]
إنَّ الْمُصَنِّفَ صَلَّى وَسَلَّمَ بَلْ وَتَشَهَّدَ لَفْظًا قَائِلًا إذْ حَالُهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ اهـ.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
[قَوْلُهُ: بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْبَعْضَ لَا يُخَالِفُهُ غَيْرُهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ تت: قِيلَ: لَمْ تَثْبُتْ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ، وَإِنَّمَا أَحْدَثَهَا بَنُو هَاشِمٍ ثُمَّ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى كِتَابَتِهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: يُسْتَحَبُّ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالصَّلَاةِ] أَيْ كَالْحَمْدِ لِلَّهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي التَّحْقِيقِ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفِ الْجَارِّ: أَيْ مِنْ أَنَّ بَيَانًا لِمَا نَصَّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ مَا.
[قَوْلُهُ: وَبَيْنَ يَدَيْ كُلِّ أَمْرٍ مُهِمٍّ] أَيْ قُدَّامَ كُلِّ أَمْرٍ مُهِمٍّ وَمِنْهُ خَاطِبٌ وَمُتَزَوِّجٌ وَمُزَوِّجٌ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْفَاكِهَانِيُّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِهِ بِذِي بِذِكْرِ الْبُدَاءَةِ أَوَّلًا، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَفِي كُلِّ أَمْرٍ مُهِمٍّ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِكُلِّ مُصَنِّفٍ، أَيْ أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَحَبَّةٌ فِي كُلِّ أَمْرٍ مُهِمٍّ.
تَنْبِيهٌ: زَادَ فِي التَّحْقِيقِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَبَيْنَ يَدَيْ كُلِّ أَمْرٍ مُهِمٍّ مَا نَصُّهُ: وَيَتَأَكَّدُ الْحَثُّ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعِنْدَ ذِكْرِهِ وَعِنْدَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَفِي آخِرِ الْكِتَابِ وَفِي آخِرِ الدُّعَاءِ اهـ.
وَمِنْهُ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَنَّ الْبُدَاءَةَ مُسْتَحَبَّةٌ أَيْ اسْتِحْبَابًا غَيْرَ أَكِيدٍ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا فِي آخِرِ الدَّرْسِ وَفِي آخِرِ الْخُطْبَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ آخِرِ الْكِتَابِ آخِرُ الدَّرْسِ مِنْ حَيْثُ تَأْكِيدُ الِاسْتِحْبَابِ، نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ: وَبَيْنَ يَدَيْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَمْ تَذْكُرْ الْعُلَمَاءُ الْبُدَاءَةَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ.
قَالَ عج مَا نَصُّهُ: ثُمَّ إنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا أَنَّهَا لَا تُكْرَهُ عِنْدَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا عِنْدَهَا خِلَافُ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُبَادَرَةَ بِالصَّلَاةِ أَفْضَلُ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَثَبَتَ فِي بَعْضِهَا أَيْضًا] فِي تت التَّصْرِيحُ بِأَنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي غَالِبِ النُّسَخِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْغَلَبَةِ فِي الْأَوَّلِ بَلْ قَالَ فِي الْأَوَّلِ مِثْلَ مَا قَالَ شَارِحُنَا.
[قَوْلُهُ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَخْ] إمَّا صِفَةُ فِعْلٍ بِمَعْنَى الْإِنْعَامِ أَوْ صِفَةُ ذَاتٍ بِمَعْنَى إرَادَةِ الْإِنْعَامِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الثَّانِي فَمِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِيلُ تَجَدُّدُهُ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ الدُّعَاءَ إنَّمَا يَكُونُ بِمُسْتَقْبَلٍ لَمْ يُوجَدْ فِي الْحَالِ، وَإِرَادَةُ اللَّهِ أَزَلِيَّةٌ يَسْتَحِيلُ تَجَدُّدُهَا حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهَا الدُّعَاءُ فَيَتَعَيَّنُ الْأَوَّلُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَأَرْضَاهُ] أَيْ فَعَلَ بِهِ مَا يُصَيِّرُهُ رَاضِيًا وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ قَوْلِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ اللَّهُمَّ أَنْعِمْ عَلَيْهِ بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ عَظِيمَةٍ حَتَّى يَرْضَى وَلَا يَلْتَفِتَ لِسِوَاهَا فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ رِوَايَتُنَا] أَيْ الَّتِي تَلَقَّيْنَاهَا عَنْ الْأَشْيَاخِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ [قَوْلُهُ: وَالرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ] يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ شَارِحِنَا.
وَفِي تت التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ.
ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا اطَّلَعْت عَلَى كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ فَوَجَدْته مِنْ كَلَامِهِ إلَى قَوْلِهِ: وَمَنَاقِبُهُ إلَخْ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِهِ [قَوْلُهُ: يَحْكِي بِهِ مَا وَقَعَ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: حَكَيْت الشَّيْءَ أَحْكِيهِ حِكَايَةً إذَا أَتَيْت بِمِثْلِهِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَتَى بِهَا غَيْرُك، فَأَنْتَ كَالنَّاقِلِ اهـ.
[قَوْلُهُ: فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُعَبِّرَ بِيَقُولُ] لَمْ يَقُلْ الصَّوَابُ إشَارَةً إلَى إمْكَانِ الْجَوَابِ، فَإِنْ قُلْت: أَنْ يَكُونَ مُحْتَمِلٌ لِلْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ فَالْجَوَابُ أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى الْمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ فَقَطْ تَتَحَصَّلُ بِالْقَرِينَةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ.
[قَوْلُهُ: بِأَجْوِبَةٍ] جَمْعُ قِلَّةٍ [قَوْلُهُ: مِنْهَا إلَخْ] أَيْ وَمِنْهَا أَنَّهُ صَوَّرَ فِي ذِهْنِهِ مَا يَقُولُهُ حَتَّى صَارَ كَالْمَوْجُودِ الْخَارِجِيِّ، أَوْ أَنَّ هَذَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ تَلَامِذَتِهِ.
[قَوْلُهُ: اسْتَعْمَلَ الْمَاضِيَ] أَيْ لَفْظَ الْمَاضِي،
مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ، لِأَنَّهُ لَمَّا وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ بِإِيجَادِ هَذَا التَّأْلِيفِ صَارَ كَالْمُحَقَّقِ الْمَوْجُودِ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ كَالْيَقِينِ فِي مَوَاطِنَ مِنْ الشَّرْعِ.
ثَانِيهَا: لِأَيِّ شَيْءٍ زَكَّى نَفْسَهُ وَفِيهَا تَزْكِيَةٌ وَقَدْ نَهَى الشَّرْعُ عَنْهَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: 32] أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْ بَلَغَ دَرَجَةَ التَّأْلِيفِ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صُنْعِ بَعْضِ تَلَامِذَتِهِ، وَمَنَاقِبُ الشَّيْخِ وَسِيرَتُهُ مَعْرُوفَةٌ نَقَلْنَا مِنْهَا جُمْلَةً فِي الْأَصْلِ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَلَمَّا كَانَ تَأْلِيفُ هَذَا الْكِتَابِ وَالْإِقْدَارُ
[حاشية العدوي]
وَقَوْلُهُ: مَوْضِعَ الْمُسْتَقْبَلِ أَيْ مَوْضِعَ الْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ بِالْقَرِينَةِ، وَهُوَ لَفْظُ الْمُضَارِعِ.
[قَوْلُهُ: تَنْزِيلًا لَهُ] أَيْ لِلْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ بِمَعْنَى الْحَدَثِ، فَفِي الْعِبَارَةِ اسْتِخْدَامٌ أَوْ أَنَّ الْعِبَارَةَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ لِمَدْلُولِهِ الَّذِي هُوَ الْحَدَثُ الِاسْتِقْبَالِيُّ وَهُوَ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ أَيْ لِأَجْلِ تَنْزِيلِهِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إلَخْ] عِلَّةٌ لِتِلْكَ الْعِلَّةِ، وَلَا يَخْفَى عَدَمُ ظُهُورِهِ إذْ هُوَ إنَّمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا مُسْتَقِلًّا لِلِاسْتِعْمَالِ الْمَذْكُورِ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُعَلِّلَ التَّنْزِيلَ بِقَوْلِهِ: لِرَغْبَتِهِ فِي حُصُولِهِ أَوْ أَنْ يَقْتَصِرَ فِي تَعْلِيلِ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَثِقَ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: بِإِيجَادِ هَذَا التَّأْلِيفِ] أَيْ الْمُؤَلَّفِ وَأَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِيهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إظْهَارٌ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ، وَالْأَصْلُ بِإِيجَادِهِ أَيْ إيجَادِ اللَّهِ إيَّاهُ أَوْ إيجَادِهِ هُوَ بِمَعْنَى اكْتِسَابِهِ.
[قَوْلُهُ: كَالْمُحَقَّقِ الْمَوْجُودِ إلَخْ] يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ الْمَوْجُودِ، تَفْسِيرًا لِلْمُحَقَّقِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ أَيْ كَالْمَوْجُودِ بِالْفِعْلِ الْمُحَقَّقِ، أَيْ الَّذِي لَا شَكَّ فِي وُجُودِهِ، أَيْ وَإِذَا صَارَ كَالْمُحَقَّقِ الْمَوْجُودِ فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُهُ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ] أَيْ الظَّنُّ الْغَالِبُ أَيْ الْقَوِيُّ بَلْ الظَّنُّ وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ يُجْعَلُ كَالْيَقِينِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الشَّرْعِ وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ صَارَ كَالْمُحَقَّقِ.
[قَوْلُهُ: فِي مَوَاطِنَ إلَخْ] أَيْ كَالْوُضُوءِ لَا كَالصَّلَاةِ، أَيْ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ وُضُوءَهُ بَاقٍ وَتَوَهَّمَ عَدَمَ بَقَائِهِ فَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ، وَإِذَا ظَنَّ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَتَوَهَّمَ أَنَّهُ إنَّمَا صَلَّى رَكْعَةً فَقَطْ فَيَعْمَلُ عَلَى رَكْعَةٍ فَقَطْ، وَأَقُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ مَرْجِعُهُ عِلْمُ الْبَيَانِ لَا الشَّرْعُ، فَالْمُنَاسِبُ إسْقَاطُ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ نَهَى الشَّرْعُ] أَيْ الشَّارِعُ الَّذِي هُوَ اللَّهُ حَقِيقَةً، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَجَازًا أَيْ نَهْيَ تَحْرِيمٍ، إذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْجَابِ أَوْ الرِّيَاءِ لَا عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِرَافِ بِالنِّعْمَةِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ كَمَا أَفَادَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: جَائِزٌ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11] ، وَالظَّاهِرُ الْكَرَاهَةُ إذَا انْتَفَى قَصْدُ كُلٍّ مِنْ الرِّيَاءِ وَالْإِعْجَابِ وَالِاعْتِرَافِ تَرْجِيحًا لِجَانِبٍ دَرْءِ الْمَفْسَدَةِ.
وَخُلَاصَةُ ذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ إمَّا تَحْرِيمٌ أَوْ كَرَاهَةٌ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ.
[قَوْلُهُ: بِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِمَنْ بَلَغَ دَرَجَةَ إلَخْ] أَيْ بِأَنَّ التَّكْنِيَةَ الَّتِي الْكَلَامُ فِيهَا أَوْ التَّزْكِيَةَ الْمُتَحَقِّقَةَ بِهَا وَبِغَيْرِهَا وَهُوَ أَوْلَى لِشُمُولِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَعَاظَمْ بِالْعِلْمِ» . وَمَعْنَى ذَلِكَ إذَا أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ عَظَّمَهُ لَا الْفَخْرَ عَلَى الْغَيْرِ فَإِنَّهُ مَذْمُومٌ.
وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11] . وَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَوَازِ الْإِذْنُ الْمُجَامِعُ لِلنَّدْبِ، وَإِضَافَةُ دَرَجَةٍ لِمَا بَعْدَهُ لِلْبَيَانِ أَيْ سَوَاءٌ أَلَّفَ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ دَرَجَةَ التَّدْرِيسِ عَلَى وَجْهِهَا الْمَرَضِيِّ تَسْتَلْزِمُ دَرَجَةَ التَّأْلِيفِ وَأَنَّ مَنْ بَلَغَ دَرَجَةَ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ كَالْكَرَمِ يَجُوزُ لَهُ التَّكْنِيَةُ
[قَوْلُهُ: أَوْ أَنَّ ذَلِكَ إلَخْ] أَيْ أَنَّ الَّذِي كَنَّاهُ إنَّمَا هُوَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَكَتَبُوهَا كَذَلِكَ لِاسْتِحْبَابِ مُخَاطَبَةِ أَهْلِ الْفَضْلِ بِهَا كَمَا فِي تت، وَخُلَاصَةُ ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ التَّكْنِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ صَدَرَتْ مِنْ الْمَشَايِخِ أَوْ مِنْ التَّلَامِذَةِ، وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ يَمْنَعْ أَنَّ الْآيَةَ وَارِدَةٌ عَلَى عُمُومِهَا وَالثَّانِي بِالتَّسْلِيمِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ صُنْعِ] مِنْ لِلِابْتِدَاءِ أَيْ نَاشِئًا مِنْ صُنْعِ لَا أَنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ بِاسْمِ الْمَفْعُولِ.
[قَوْلُهُ: وَمَنَاقِبُ الشَّيْخِ] جَمْعُ مَنْقَبَةٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ الْفِعْلِ الْكَرِيمِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: وَسِيرَتُهُ] أَيْ طَرِيقَتُهُ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ، وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ الْمَنْقَبَةِ لِانْفِرَادِهَا بِتَلْقِيبِهِ بِمَالِكٍ الْأَصْغَرِ مَثَلًا إذْ لَا يُقَالُ فِيهِ مَنْقَبَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِعْلًا لَهُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: مَعْرُوفَةٌ] أَيْ فَلَا يَتَأَتَّى الطَّعْنُ فِيهَا.
[قَوْلُهُ: نَقَلْنَا مِنْهَا جُمْلَةً إلَخْ] مِنْهَا كَثْرَةُ حِفْظِهِ.
وَدِيَانَتِهِ وَكَمَالُ وَرَعِهِ وَزُهْدِهِ وَصَلَهُ اللَّهُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: صِحَّةُ
عَلَيْهِ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَكَانَ شُكْرُ الْمُنْعِمِ وَاجِبًا قَالَ:
(الْحَمْدُ لِلَّهِ) أَدَاءً لِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَعَمَلًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» . وَلَا يُعَارِضُ هَذَا الْحَدِيثَ، حَدِيثُ الْبَسْمَلَةِ الْمُتَقَدِّمِ.
فَإِنَّ حَدِيثَ الْبَسْمَلَةِ حُمِلَ عَلَى ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ بِحَيْثُ لَا يَسْبِقُهُ أَمْرٌ مِنْ الْأُمُورِ، وَحَدِيثُ التَّحْمِيدِ عَلَى ابْتِدَاءِ مَا عَدَا التَّسْمِيَةَ، وَآثَرَ الِابْتِدَاءَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلَى الْفِعْلِيَّةِ
[حاشية العدوي]
الْبَدَنِ وَالسَّعَةُ فِي الْعِلْمِ وَالْمَالِ، وَمَنْ قَرَأَ كِتَابَهُ هَذَا وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ جَمِيعُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ أَوْ بَعْضُهَا، وَكَانَ يُلَقَّبُ بِخَلِيفَةِ مَالِكٍ وَبِمَالِكٍ الْأَصْغَرِ، وَكَانَ يُقَالُ فِيهِ: قُطْبُ الْمَذْهَبِ، وَكَانَ صَاحِبَ فِرَاسَةٍ فَرُبَّمَا قَالَ: حَدَّثَتْنِي نَفْسِي أَنَّ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ كَذَا وَكَذَا سُؤَالًا فَأَيُّكُمْ صَاحِبُ سُؤَالِ كَذَا فَيَقُولُ: أَنَا فَيُجِيبُهُ.
[قَوْلُهُ: فِي الْأَصْلِ] تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَخَّصَهُ مِنْ شَرْحَيْنِ الْكَبِيرِ وَالْوَسَطِ، فَهُمَا الْأَصْلُ ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ كُلًّا مِنْهُمَا، أَوْ أَحَدَهُمَا يُعْلَمُ تَحْقِيقُ ذَلِكَ بِمُرَاجَعَتِهِمَا.
[قَوْلُهُ: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ] أَيْ عَلَى نَقْلِنَا جُمْلَةً مِنْ مَنَاقِبِهِ؛ لِأَنَّهُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ حَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ أَوْ لِشَرْحِهِ الْبَرَكَةُ، أَوْ لِكَوْنِهِ تَحْصِيلَ عِلْمٍ وَهُوَ نِعْمَةٌ فَيَنْبَغِي الْحَمْدُ عَلَى تِلْكَ النِّعْمَةِ، أَوْ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى تِلْكَ الْمَنَاقِبِ وَالسِّيرَةِ فَيَكُونُ حَمْدًا عَلَى نِعْمَةٍ وَاصِلَةٍ لِلْغَيْرِ.
[قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ تَأْلِيفُ هَذَا الْكِتَابِ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ جَمْعُ نِعْمَةٍ بِمَعْنَى مُنْعَمٍ بِهِ.
[قَوْلُهُ: وَالْإِقْدَارُ عَلَيْهِ] أَيْ جَعَلَ لَهُ قُدْرَةً عَلَيْهِ، وَالْجَعْلُ يَرْجِعُ إلَى تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ الْقَدِيمَةِ بِوُجُودِ الْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ، فَهُوَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ جَمْعِ نِعْمَةٍ بِمَعْنَى إنْعَامٍ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالنِّعَمِ مَا يَشْمَلُ الْمُنْعَمَ بِهِ، وَيَكُونُ نَاظِرًا إلَى الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ التَّأْلِيفُ وَنَفْسُ الْإِنْعَامِ، وَيَكُونُ نَاظِرًا إلَى الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْإِقْدَارُ.
[قَوْلُهُ: وَكَانَ شُكْرُ الْمُنْعِمِ وَاجِبًا] أَيْ مُتَأَكِّدًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الشُّكْرُ اللِّسَانِيُّ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ لِأَنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ.
[قَوْلُهُ: أَدَاءً لِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ] أَيْ تَأَكَّدَ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: كُلُّ أَمْرٍ إلَخْ] فِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَعْمُولِيَّةِ أَوْ الْبَدَلِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: فَهُوَ أَجْذَمُ] أَيْ كَالرَّجُلِ الْأَجْذَمِ أَيْ الْأَقْطَعِ، كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ، أَوْ مَنْ قَامَ بِهِ الْجُذَامُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَمَا قِيلَ فِي أَقْطَعَ مِنْ التَّشْبِيهِ وَالِاسْتِعَارَةِ يُقَالُ فِي أَجْذَمَ.
[قَوْلُهُ: هَذَا الْحَدِيثُ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُعَارَضَةَ مُفَاعَلَةٌ تَكُونُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَيَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا الْحَدِيثُ فَاعِلًا وَحَدِيثَ مَفْعُولًا وَالْعَكْسُ، إلَّا أَنَّ الْأَنْسَبَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْبَسْمَلَةِ مُتَقَدِّمٌ اعْتِبَارًا فَتُسْنَدُ الْمُعَارَضَةُ لِلْمُتَأَخِّرِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّ حَدِيثَ إلَخْ] أَيْ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَيْنِ إذَا كَانَ ظَاهِرُهُمَا التَّعَارُضَ وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَانَ إعْمَالُهُمَا أَوْلَى مِنْ إهْمَالِهِمَا، أَوْ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا، وَهُوَ هُنَا مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: بِحَيْثُ إلَخْ] حَيْثِيَّةُ تَقْيِيدٍ أَيْ بِقَيْدٍ وَإِضَافَةِ قَيْدٍ لِمَا بَعْدَهُ لِلْبَيَانِ.
[قَوْلُهُ: وَحَدِيثُ التَّحْمِيدِ] التَّحْمِيدُ مَصْدَرُ حَمَّدَ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ أَكْثَرَ مِنْ الْحَمْدِ، وَلَيْسَ مُرَادًا فَالْأَنْسَبُ وَحَدِيثُ الْحَمْدِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الْحَمْدِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى ابْتِدَاءِ مَا عَدَا التَّسْمِيَةَ] أَيْ عَلَى ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ خَلَا جُمْلَةَ الْبَسْمَلَةِ فَإِنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ أَيْ وَمَا عَدَا قَوْلَهُ: وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ حُمِلَ عَلَى الِابْتِدَاءِ مَا عَدَا التَّسْمِيَةِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ حَدِيثَ الْبَسْمَلَةِ حُمِلَ عَلَى الِابْتِدَاءِ الْحَقِيقِيِّ وَالْحَمْدَلَةُ عَلَى الْإِضَافِيِّ وَبَيْنَهُمَا التَّبَايُنُ عَلَى تَقْرِيرِهِ، فَإِنْ قُلْت هَلَّا عُكِسَ الْأَمْرُ بِحَمْلِ حَدِيثِ الْحَمْدَلَةِ عَلَى الْحَقِيقِيِّ وَالْبَسْمَلَةِ عَلَى الْإِضَافِيِّ؟ قُلْت: إنَّمَا لَمْ يَعْكِسْ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْبَسْمَلَةِ أَقْوَى مِنْ حَدِيثِ الْحَمْدَلَةِ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْبَسْمَلَةِ صَحِيحٌ وَحَدِيثَ الْحَمْدَلَةِ حَسَنٌ كَذَا بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلِمُوَافَقَةِ كِتَابِ اللَّهِ الْوَارِدِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ سَمَّى إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ، فَالْمُرَادُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَكَأَنَّهَا أَيْ التَّسْمِيَةُ صَارَتْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِيهَا فَلَا اعْتِرَاضَ.
[قَوْلُهُ: وَآثَرَ] أَيْ فَضَّلَ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: آثَرْته بِالْمَدِّ فَضَّلْتُهُ اهـ. أَيْ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فَضَّلَهُ حَيْثُ تَلَبَّسَ بِهِ وَاتَّصَفَ بِهِ.
[قَوْلُهُ: دَلَالَةً] أَيْ لِأَجْلِ الدَّلَالَةِ عَلَى عِظَمِهَا فَهِيَ عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدَّلَالَةَ
دَلَالَةً عَلَى عِظَمِهَا حَيْثُ جُعِلَتْ مُفْتَتَحًا لِلْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.
وَالْحَمْدُ لُغَةً الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ؛ لِأَجْلِ جَمِيلٍ اخْتِيَارِيٍّ.
وَاصْطِلَاحًا فِعْلٌ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا، وَذَلِكَ الْفِعْلُ إمَّا فِعْلُ الْقَلْبِ أَعْنِي
[حاشية العدوي]
الْمَذْكُورَةَ عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ وَلَوْ قَالَ: لِعِظَمِهَا لَصَحَّ أَيْضًا وَكَانَتْ عِلَّةً بِدُونِ الْوَصْفِ بِكَوْنِهَا غَائِيَّةً.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبَاعِثَ عَلَى الشَّيْءِ عِلَّةٌ فِيهِ وَتَكُونُ غَائِيَّةً وَغَيْرَ غَائِيَّةٍ.
[قَوْلُهُ: حَيْثُ جُعِلَتْ] حَيْثِيَّةَ تَعْلِيلٍ لِقَوْلِهِ: عِظَمِهَا أَيْ إنَّمَا كَانَتْ عَظِيمَةً؛ لِأَنَّهَا جُعِلَتْ إلَخْ أَيْ؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ الَّذِي هُوَ مُنَاسِبٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي هِيَ وَصْفٌ ثَابِتٌ دَائِمٌ، وَظَهَرَ مِمَّا قَرَرْنَاهُ أَنَّ الْحَيْثِيَّةَ تَأْتِي لِلتَّعْلِيلِ، وَتَأْتِي لِلتَّقْيِيدِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَهَا مَعْنًى ثَالِثٌ وَهُوَ: أَنَّهَا تَكُونُ لِلْإِطْلَاقِ، تَقُولُ: أَكْرِمْ زَيْدًا مِنْ حَيْثُ هُوَ أَيْ عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا.
[قَوْلُهُ: مُفْتَتَحًا] أَيْ مُبْتَدَأً كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ.
[قَوْلُهُ: لُغَةً] أَيْ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ حَالٌ مِنْ الْحَمْدِ؛ لِأَنَّهُ مُضَافٌ إلَيْهِ تَقْدِيرًا، وَالْأَصْلُ وَتَفْسِيرُ الْحَمْدِ حَالَةَ كَوْنِهِ كَائِنًا فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْطُ مَوْجُودٌ؛ لِأَنَّ الْمُضَافَ مُقْتَضٍ لِلْعَمَلِ.
[قَوْلُهُ: الْوَصْفُ] أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِاللِّسَانِ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَيَشْمَلُ حَمْدَ الْمَوْلَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَيَّدَ بِاللِّسَانِ بِمَعْنَى آلَةِ النُّطْقِ وَلَوْ غَيْرَ الْمَعْهُودَةِ خَرْقًا لِلْعَادَةِ كَمَا إذَا نَطَقَتْ يَدُهُ مَثَلًا فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِقَوْلِ غَيْرِهِ هُوَ لُغَةً الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ اهـ.
[قَوْلُهُ: بِالْجَمِيلِ إلَخْ] الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمَحْمُودُ بِهِ لَا لِلسَّبَبِيَّةِ وَإِلَّا لَكَانَ الْمَحْمُودُ عَلَيْهِ مُتَكَرِّرًا مَعَ قَوْلِهِ لِأَجْلِ جَمِيلٍ إلَخْ، وَالْمَحْمُودُ بِهِ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارِيًّا كَصَبَاحَةِ الْوَجْهِ وَالْمُرَادُ الْجَمِيلُ، وَلَوْ فِي زَعْمِ الْحَامِدِ أَوْ فِي زَعْمِ الْمَحْمُودِ، لَكِنْ عَلَى زَعْمِ الْحَامِدِ يَدْخُلُ الْوَصْفُ بِالظُّلْمِ عِنْدَ اعْتِقَادِ مَنْ ذُكِرَ حُسْنُهُ بِخِلَافِ الْمَحْمُودِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارِيًّا.
وَأَرْكَانُ الْحَمْدِ خَمْسَةٌ: حَامِدٌ وَمَحْمُودٌ وَمَحْمُودٌ بِهِ وَمَحْمُودٌ عَلَيْهِ وَصِيغَةٌ.
وَالتَّعْرِيفُ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهَا، فَالْوَصْفُ يَتَضَمَّنُ وَاصِفًا وَمَوْصُوفًا أَيْ الْحَامِدَ وَالْمَحْمُودَ، وَالثَّالِثُ هُوَ قَوْلُهُ: بِالْجَمِيلِ.
وَالرَّابِعُ: هُوَ قَوْلُهُ لِأَجْلِ جَمِيلٍ اخْتِيَارِيٍّ، وَالْمَحْمُودُ بِهِ مَعْنًى فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَالٍّ عَلَيْهِ وَهِيَ الصِّيغَةُ الَّتِي هِيَ الرُّكْنُ الْخَامِسُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ عَلَى جِهَةٍ هِيَ التَّعْظِيمُ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا كَانَ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِهْزَاءِ، فَلَا يُقَالُ لَهُ حَمْدٌ، وَهُنَا سُؤَالٌ وَجَوَابٌ اُنْظُرْهُ فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْعِزِّيَّةِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَمْ يَحْذِفْ جِهَةَ إشْعَارًا بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْحَمْدِ لَيْسَ نَفْسَ التَّعْظِيمِ الظَّاهِرِيِّ الَّذِي هُوَ مُوَافَقَةُ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ، بَلْ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ طَرِيقَتُهُ وَطُرُزُهُ أَعْنِي عَدَمَ مُخَالَفَةِ الْأَرْكَانِ، وَكَذَا الْحَالُ فِي التَّعْظِيمِ الْبَاطِنِيِّ.
[قَوْلُهُ: لِأَجْلِ جَمِيلٍ إلَخْ] تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْجَمِيلُ، مُتَعَدِّيًا كَالْإِنْعَامِ عَلَى الْغَيْرِ أَوْ قَاصِرًا كَحُسْنِ خَطِّهِ.
[قَوْلُهُ: اخْتِيَارِيٌّ] أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، فَشَمَلَ الْحَمْدَ عَلَى ذَاتِ الْمَوْلَى وَصِفَاتِهِ، فَإِنَّهَا اخْتِيَارِيَّةٌ حُكْمًا، أَمَّا الذَّاتُ، فَلِأَنَّهَا مَنْشَأُ أَفْعَالٍ اخْتِيَارِيَّةٍ، وَأَمَّا الصِّفَاتُ فَمِنْ حَيْثُ إنَّ ذَاتَهُ الْمُقَدَّسَةَ اسْتَلْزَمَتْهَا اسْتِلْزَامًا لَا يَقْبَلُ الِانْفِكَاكَ، فَنَزَلَتْ تِلْكَ الصِّفَاتُ بِسَبَبِ اسْتِلْزَامِ الذَّاتِ إيَّاهَا مَنْزِلَةَ أَفْعَالٍ اخْتِيَارِيَّةٍ لَهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلًّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالذَّاتِ، الصِّفَاتُ بِالِاسْتِلْزَامِ وَالْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ بِالْإِيجَادِ.
[قَوْلُهُ: وَاصْطِلَاحًا] أَيْ اصْطِلَاحَ النَّاسِ أَيْ عُرْفَهُمْ لَا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ، إذْ لَوْ كَانَ مُرَادًا لَاخْتَصَّ الْمُتَعَلِّقُ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
[قَوْلُهُ: فِعْلٌ إلَخْ] الْمُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ وَالشَّأْنُ عَلَى اصْطِلَاحِ أَهْلِ اللُّغَةِ كَمَا ذَكَرَهُ حَفِيدُ السَّعْدِ أَيْ فَصَحَّ شُمُولُهُ لِمَا كَانَ بِاللِّسَانِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ قَوْلٌ لَا فِعْلٌ، وَلَمَّا كَانَ بِالْجَنَانِ وَهُوَ كَيْفِيَّةٌ نَفْسَانِيَّةٌ لَا فِعْلٌ قَالَهُ الشَّيْخُ يَاسِينُ.
[قَوْلُهُ: يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ إلَخْ] ظَاهِرٌ فِي اللِّسَانِ وَفِعْلِ الْجَوَارِحِ، وَأَمَّا فِعْلُ الْقَلْبِ فَهُوَ خَفِيٌّ، فَيُقَالُ: يَجُوزُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْحَامِدِ بِإِلْهَامٍ أَوْ بِقَوْلٍ مِنْ الْحَامِدِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْحَاصِلُ مِنْ الْحَامِدِ حَمْدًا وَاحِدًا وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى الْآخَرِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا] أَيْ عَلَى الْحَامِدِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ إمَّا بِفَعَلَ أَوْ بِيَشْعُرُ أَوْ بِتَعْظِيمٍ أَيْ لَا بِاعْتِبَارِهِ وَحْدَهُ بَلْ بِاعْتِبَارِ تَقْيِيدِهِ بِغَيْرِهِ [قَوْلُهُ: بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا] مَفْهُومٌ مِنْ تَعَلُّقِ تَعْظِيمٍ بِالْمُنْعِمِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِمُشْتَقٍّ يُؤْذِنُ بِعِلِّيَّةِ الْمَأْخَذِ وَهُوَ الْإِنْعَامُ
الِاعْتِقَادَ بِاتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ أَوْ فِعْلُ اللِّسَانِ، أَعْنِي ذِكْرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوْ فِعْلُ الْجَوَارِحِ وَهُوَ الْإِتْيَانُ بِأَفْعَالٍ دَالَّةٍ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الشُّكْرُ لُغَةً.
وَأَمَّا اصْطِلَاحًا: فَهُوَ صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَغَيْرِهِمَا إلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ.
وَأَعْطَاهُ لِأَجْلِهِ كَصَرْفِ النَّظَرِ إلَى مُطَالَعَةِ مَصْنُوعَاتِهِ، وَالسَّمْعِ إلَى تَلَقِّي مَا
[حاشية العدوي]
الْمُشْتَقُّ مِنْهُ لَفْظُ الْمُنْعِمِ.
[قَوْلُهُ: إمَّا فِعْلُ الْقَلْبِ] أَيْ الْعَقْلِ أَيْ عَلَى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ النَّفْسِ، إلَّا أَنَّ الْقَلْبَ آلَةُ هَذَا وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضٌ إلَى أَنَّ الْقَلْبَ يُطْلَقُ عَلَى النَّفْسِ فَلَا تَجُوزُ.
[قَوْلُهُ: أَعْنِي الِاعْتِقَادَ] سَوَاءٌ كَانَ جَازِمًا أَوْ رَاجِحًا ثَابِتًا أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ] أَرَادَ بِالْأُولَى الْأَوْصَافَ الثُّبُوتِيَّةَ كَالْعِلْمِ وَالْكَرَمِ، وَأَرَادَ بِالثَّانِيَةِ أَعْنِي الْجَلَالَ الْأَوْصَافَ السَّلْبِيَّةَ كَعَدَمِ الْبُخْلِ وَكَالْقِدَمِ وَالْبَقَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَوْلَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الصِّفَاتُ اخْتِيَارِيَّةً أَوْ لَا كَمَا ظَهَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا.
تَنْبِيهٌ: أَرَادَ بِالصِّفَاتِ الْجِنْسَ فَيَصْدُقُ بِوَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّعَدُّدُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: أَعْنِي ذِكْرَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ] أَيْ ذِكْرَ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى اتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ إلَخْ، وَمُرَادُهُ بِالذِّكْرِ حَرَكَاتُ اللِّسَانِ، النَّاشِئُ عَنْهَا اللَّفْظُ بِمَعْنَى الْمَلْفُوظِ الْمَوْصُوفِ بِكَوْنِهِ دَالًّا عَلَى الِاتِّصَافِ لَا مُقَارَنَةَ الْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ لِتِلْكَ الْحَرَكَاتِ، فَظَهَرَ أَنَّ الْمُتَحَدِّدَ ثَلَاثَهُ أُمُورٍ: الْمُقَارَنَةُ وَالْحَرَكَةُ وَالْمَلْفُوظُ وَالْمَوْصُوفُ بِكَوْنِهِ فِعْلًا لِلِّسَانِ نَفْسُ الْحَرَكَةِ لَا نَفْسُ مُقَارَنَةِ الْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ لِلْحَرَكَةِ وَلَا الْمَلْفُوظُ، فَحِينَئِذٍ يَرِدُ أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِكَوْنِهِ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ هُوَ اللَّفْظُ بِمَعْنَى الْمَلْفُوظِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الِاتِّصَافِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ لَا الذِّكْرُ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ، فَيُجَابُ بِأَنْ يُرَادَ بِالذِّكْرِ بِمَعْنَى الْمَذْكُورِ الَّذِي هُوَ الْمَلْفُوظُ وَإِضَافَتُهُ لِمَا بَعْدَهُ لِلْبَيَانِ وَتَسْمِيَتُهُ فِعْلًا لِلِّسَانِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ نَاشِئًا عَنْ فِعْلِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الْإِتْيَانُ] فِيهِ شَيْءٌ وَذَلِكَ أَنَّ فِعْلَ الْجَوَارِحِ هُوَ الْأَفْعَالُ الَّتِي هِيَ الْحَرَكَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى الِاتِّصَافِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ لَا الْإِتْيَانُ الَّذِي هُوَ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ الَّذِي هُوَ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ بِتِلْكَ الْحَرَكَاتِ، وَأَيْضًا فَالْإِتْيَانُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ هُوَ الْمُشْعِرُ بِالتَّعْظِيمِ بَلْ الْمُشْعِرُ هُوَ نَفْسُ الْحَرَكَاتِ، فَالْمُخَلِّصُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُؤَوَّلَ الْإِتْيَانُ بِمَا أَتَى بِهِ، وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِأَفْعَالِ التَّصْوِيرِ [قَوْلُهُ: بِأَفْعَالٍ إلَخْ] أَيْ جِنْسِ أَفْعَالٍ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِعْلٌ وَاحِدٌ.
[قَوْلُهُ: دَالَّةٍ عَلَى ذَلِكَ] أَيْ عَلَى اتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا إلَخْ] أَيْ فَبَيْنَ الْحَمْدِ الْعُرْفِيِّ وَالشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ التَّرَادُفُ كَانَ الْإِنْعَامُ عَلَى الشَّاكِرِ أَوْ غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَأَمَّا اصْطِلَاحًا] أَيْ اصْطِلَاحَ الشَّرْعِ لِاخْتِصَاصِ الْمُتَعَلِّقِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاصْطِلَاحَ فِي الْحَمْدِ مُغَايِرٌ لِلِاصْطِلَاحِ فِي الشُّكْرِ.
[قَوْلُهُ: صَرْفُ إلَخْ] يُحْتَمَلُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ صَرْفُهُ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ النِّعْمَةِ، وَيُحْتَمَلُ وَلَوْ فِي بَعْضِهَا وَالْأَوَّلُ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الشُّكْرُ إلَّا بِصَرْفِ اللِّسَانِ لِلشُّكْرِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءٍ مِنْ وُجُودِهِ، وَلَا خَفَاءَ فِي تَعَذُّرِ هَذَا أَوْ تَعَسُّرِهِ، وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي يَلْزَمُ عَلَيْهِ كَثْرَةُ الشَّاكِرِينَ فِينَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13] اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالصَّرْفِ هُنَا أَنَّهُ لَا يَصْرِفُهُ فِي مَعْصِيَةٍ اهـ.
وَيُجَابُ بِمَا أَفَادَهُ خُسْرٍ وَمِنْ أَنَّ الْقِلَّةَ بِاعْتِبَارِ صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَأَمَّا نَفْسُ أَفْرَادِ الشَّاكِرِينَ فَكَثِيرٌ فَلَا مُنَافَاةَ عَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي.
[قَوْلُهُ: مَا أَنْعَمَ اللَّهُ إلَخْ] مَا مَوْصُولَةٌ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، أَيْ جَمِيعُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ أَيْ الْعَبْدِ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ السَّمْعِ بَيَانٌ لِمَا.
[قَوْلُهُ: إلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ] أَيْ الَّذِي أَوْ شَيْءٌ خَلَقَهُ اللَّهُ أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَغَيْرِهِمَا لِأَجْلِ مَا، فَمَصْدُوقُ " مَا " مُطَالَعَةُ مَصْنُوعَاتِهِ مَثَلًا إلَّا أَنَّ الشَّارِحَ أَخَلَّ بِإِبْرَازِ الضَّمِيرِ؛ لِأَنَّ الصِّلَةَ أَوْ الصِّفَةَ لَمْ تَجْرِ عَلَى " مَا " كَمَا تَبَيَّنَ.
[قَوْلُهُ: وَأَعْطَاهُ] عَطْفٌ عَلَى خَلَقَ، وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْبَارِزُ مَفْعُولُهُ الثَّانِي، وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ مَحْذُوفٌ الَّذِي هُوَ الْعَبْدُ، وَتَقْدِيرُ الْعِبَارَةِ مِنْ أَوَّلِهَا: صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَغَيْرِهِمَا إلَى شَيْءٍ
يُنْبِئُ عَنْ مَرْضَاتِهِ وَالِاجْتِنَابِ عَنْ مَنْهِيَّاتِهِ، فَالنِّسْبَةُ بَيْنَ الْحَمْدَيْنِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ وَبَيْنَ الشُّكْرَيْنِ عُمُومٌ مُطْلَقٌ.
(الَّذِي) اسْمٌ مَوْصُولٌ صِفَةٌ لِلَّهِ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ.
وَجُمْلَةُ (ابْتَدَأَ الْإِنْسَانُ بِنِعْمَتِهِ) صِلَتُهُ وَالِابْتِدَاءُ مَعْنَاهُ
[حاشية العدوي]
مِنْ صِفَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ مَا ذُكِرَ مِنْ السَّمْعِ وَغَيْرِهِ، وَأَعْطَى مَا ذُكِرَ لِأَجْلِهِ أَيْ لِأَجْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ.
وَيَجُوزُ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّك تَقُولُ إلَى شَيْءٍ مِنْ صِفَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَبْدَ وَأَعْطَى الْعَبْدَ مَا ذُكِرَ مِنْ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَغَيْرِهِمَا لِأَجْلِهِ أَيْ لِأَجْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مُطَالَعَةِ الْمَصْنُوعَاتِ مَثَلًا كَمَا تَبَيَّنَ.
[قَوْلُهُ: كَصَرْفِ النَّظَرِ إلَخْ] أَيْ الْبَصَرِ.
[قَوْلُهُ: إلَى مُطَالَعَةِ إلَخْ] أَيْ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا فِي مَصْنُوعَاتِهِ مِنْ دَقَائِقِ الصُّنْعِ الْعَجَبِ وَالْحِكْمَةِ الْأَنِيقَةِ.
[قَوْلُهُ: إلَى تَلَقِّي] أَيْ سَمَاعِ.
[قَوْلُهُ: مَا يُنْبِئُ] أَيْ أَوَامِرُ وَنَوَاهٍ وَإِخْبَارَاتٌ تُخْبِرُ عَنْ مَرْضَاتِهِ، وَفِي الْعِبَارَةِ تَسَامُحٌ وَالْمُرَادُ تَدُلُّ عَلَى رِضَاءٍ أَيْ تَدُلُّ عَلَى فِعْلِ مَا يُرْضِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَالِاجْتِنَابِ] مَعْطُوفٌ عَلَى مَرْضَاتِهِ، أَيْ وَتَدُلُّ عَلَى تَرْكِ مَا لَا يُرْضِيهِ الَّذِي هُوَ الْمَنَاهِي كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَعَدَّى الِاجْتِنَابَ بِعَنْ وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ بِدَلِيلِ ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ﴾ [النساء: 31] إلَخْ، لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى التَّجَاوُزِ أَيْ وَالتَّجَاوُزُ عَنْ مَنَاهِيهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَمْعُ نَهْيٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ بِمَعْنَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
[قَوْلُهُ: فَالنِّسْبَةُ إلَخْ] هَذَا التَّفْرِيعُ قَاصِرٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ حَمْدٌ لُغَوِيٌّ وَحَمْدٌ عُرْفِيٌّ وَشُكْرٌ لُغَوِيٌّ وَشُكْرٌ عُرْفِيٌّ، فَالْحَمْدُ اللُّغَوِيُّ يُؤْخَذُ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا بَعْدَهُ فَيَتَحَصَّلُ ثَلَاثُ نِسَبٍ، ثُمَّ يُؤْخَذُ الْحَمْدُ الْعُرْفِيُّ مَعَ كُلٍّ مِنْ الِاثْنَيْنِ بَعْدَهُ فَيَتَحَصَّلُ نِسْبَتَانِ، ثُمَّ يُؤْخَذُ الشُّكْرُ اللُّغَوِيُّ مَعَ مَا بَعْدَهُ فَيَتَحَصَّلُ نِسْبَةٌ فَتَكُونُ جُمْلَةُ النِّسَبِ سِتَّةً.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّرْحُ نِسْبَتَيْنِ وَهُوَ أَنَّ بَيْنَ الْحَمْدَيْنِ عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ يَجْتَمِعَانِ فِي ثَنَاءٍ بِلِسَانٍ فِي مُقَابَلَةِ إحْسَانٍ، وَيَنْفَرِدُ الْحَمْدُ اللُّغَوِيُّ عَنْ الْحَمْدِ الِاصْطِلَاحِيِّ فِي ثَنَاءٍ بِلِسَانٍ لَا فِي مُقَابَلَةِ إحْسَانٍ كَأَنْ يَحْمَدَهُ لِكَوْنِهِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ قِرَاءَةً جَيِّدَةً، وَيَنْفَرِدُ الْحَمْدُ الِاصْطِلَاحِيُّ فِي فِعْلِ جَارِحَةٍ أَوْ قَلْبٍ فِي مُقَابَلَةِ إحْسَانٍ، وَبَيْنَ الشُّكْرَيْنِ عُمُومًا وَخُصُوصًا مُطْلَقًا فَكُلُّ شُكْرٍ اصْطِلَاحِيٍّ شُكْرٌ لُغَةً وَلَا عَكْسَ، فَإِذَا صَرَفَ جَارِحَةَ اللِّسَانِ فَقَطْ لِكَوْنِ الْمَوْلَى مُنْعِمًا فَهُوَ شُكْرٌ لُغَةً لَا اصْطِلَاحًا وَتَرَكَ أَرْبَعَةً وَنَقُولُ: بَيَانُهَا أَنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَ الْحَمْدِ اللُّغَوِيِّ وَالشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيُّ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ الْعُرْفِيَّ وَهُوَ عَيْنُ الشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ، وَبَيْنَ الْحَمْدِ اللُّغَوِيِّ وَالشُّكْرِ الِاصْطِلَاحِيِّ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْمُطْلَقُ، فَكُلُّ شُكْرٍ اصْطِلَاحِيٍّ حَمْدٌ لُغَوِيٌّ وَلَا عَكْسَ، بَيْنَ الْحَمْدِ الْعُرْفِيِّ وَالشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ التَّرَادُفُ، وَبَيْنَ الْحَمْدِ الْعُرْفِيِّ وَالشُّكْرِ الِاصْطِلَاحِيِّ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْمُطْلَقُ، فَكُلُّ شُكْرٍ اصْطِلَاحِيٍّ حَمْدٌ عُرْفِيٌّ وَلَيْسَ كُلُّ حَمْدٍ عُرْفِيٍّ شُكْرًا اصْطِلَاحِيًّا
[قَوْلُهُ: صِفَةُ اللَّهِ] أَيْ وَصْفٌ مُؤَكَّدٌ، فَإِنْ قُلْت: النَّعْتُ مُشْتَقٌّ وَالْمَوْصُولُ جَامِدٌ، قُلْت: النَّعْتُ إمَّا مُشْتَقٌّ أَوْ مُؤَوَّلٌ بِهِ، وَالْمَوْصُولُ أَيْ مَعَ مَا بَعْدَهُ مُؤَوَّلٌ بِالْمُشْتَقِّ أَيْ الْمُبْتَدِئِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ بَدَلٌ] أَيْ بَدَلٌ مُطَابِقٌ، فَإِنْ قُلْت: الْمُبْدَلُ مِنْهُ عَلَى نِيَّةِ الطَّرْحِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْجَلَالَةِ فِي نِيَّةِ الطَّرْحِ مَعَ أَنَّهُ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ، قُلْت: مَعْنَى كَوْنِ الْمُبْدَلِ مِنْهُ فِي نِيَّةِ الطَّرْحِ أَنَّ الْمَنْظُورَ لَهُ فِي الْأَخْبَارِ الْبَدَلُ لِكَوْنِهِ مُفِيدًا مَا لَمْ يُفِدْهُ الْمُبْدَلُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُبْدَلُ مِنْهُ أَقْوَى وَأَشْرَفَ مِنْ الْبَدَلِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجَلَالَةِ مَدْلُولُهُ الذَّاتُ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: بِنِعْمَتِهِ] الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ أَيْ بَدْءًا مُلَابِسًا لِإِنْعَامِهِ مِنْ مُلَابَسَةِ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ، إشَارَةً إلَى أَنْ ذَلِكَ الْبَدْءَ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا هُوَ إنْعَامٌ وَكَرَمٌ مِنْهُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَالتَّقْدِيرُ أَوْجَدَهُ بِسَبَبِ نِعْمَتِهِ، أَيْ تَعَلَّقَتْ قُدْرَتُهُ بِوُجُودِهِ بِسَبَبِ إرَادَةِ وُجُودِهِ الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ مِنْ الْمَوْلَى لَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: وَالِابْتِدَاءُ مَعْنَاهُ الِاخْتِرَاعُ] أَيْ فَمَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ ابْتَدَأَ إلَخْ.
اخْتَرَعَهُ أَيْ أَوْجَدَهُ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ مِثَالٍ، أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ابْتَدَأَ بَدَأَ بِهِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ ابْتَدَأَ أَشْيَاءَ قَبْلَهُ، فَإِنْ قُلْت: فِي الْقُرْآنِ بَدَأَ فَلِمَ عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ؟ قُلْنَا: لَيْسَ تَعَبُّدُنَا بِالْأَلْفَاظِ وَإِنَّمَا هُوَ بِالْمَعَانِي، وَابْتَدَأَ وَبَدَأَ بِمَعْنًى.
الِاخْتِرَاعُ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْإِنْسَانِ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ.
وَالْإِنْسَانُ مُشْتَقٌّ مِنْ التَّأَنُّسِ، وَقِيلَ مِنْ النِّسْيَانِ، وَالنِّعْمَةُ بِكَسْرِ النُّونِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ بِهِ، وَبِفَتْحِهَا التَّنَعُّمُ وَبِضَمِّهَا السُّرُورُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِ أَنَّ الْكَافِرَ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَوَاضِحٌ وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَلِأَنَّ مَا مِنْ نِقْمَةٍ وَعَذَابٍ إلَّا وَثَمَّ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ، فَكَانَ نِعْمَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُقَالُ إنَّهُ فِي نِعْمَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ انْتِقَامٍ وَغَضَبٍ.
وَذَهَبَ الْأَشْعَرِيُّ إلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَصِيرَهُ إلَى النَّارِ (وَصَوَّرَهُ) بِمَعْنَى وَشَكَّلَهُ عَلَى صِفَةٍ أَرَادَهَا (فِي الْأَرْحَامِ) جَمْعُ رَحِمٍ وَهُوَ مَوْضِعُ وُقُوعِ نُطْفَةِ الذَّكَرِ فِي فَرْجِ الْأُنْثَى، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِانْعِطَافِهِ وَحُنُوِّهِ عَلَى مَا فِيهِ.
وَأَفْرَدَ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: وَالْأَلِفُ إلَخْ] الْأَحْسَنُ وَأَلْ.
[قَوْلُهُ: لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ] أَيْ أَفْرَادِ الْجِنْسِ، فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ حَمَلَهُ عَلَى عِيسَى أَوْ آدَمَ لِبُعْدِهِ، وَقَوْلُهُ: وَصَوَّرَهُ فِي الْأَرْحَامِ أَيْ أَغْلَبَ الْأَفْرَادِ فَلَا يَرِدُ آدَم.
تَنْبِيهٌ: إنَّمَا خَصَّ الْإِنْسَانَ وَإِنْ كَانَ مَا مِنْ مَوْجُودٍ كَمَا قَالَ بَعْضٌ إلَّا وَلِلَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ لِأَشْرَفِيَّتِهِ عَلَى غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: مُشْتَقٌّ مِنْ التَّأَنُّسِ] ؛ لِأَنَّ أَفْرَادَهُ يَأْنَسُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَظَاهِرٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي حَصْرَ التَّأَنُّسِ فِيهِ؛ لِأَنَّا نَجِدُ الْحَيَوَانَاتِ يَتَأَنَّسُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجِنَّ كَذَلِكَ دُونَ الْمَلَكِ وَحَرِّرْهُ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ مِنْ النِّسْيَانِ] أَيْ؛ لِأَنَّهُ يَنْسَى مَا كَانَ مُتَذَكِّرًا لَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجِنَّ كَذَلِكَ، وَهَلْ الْمَلَائِكَةُ كَذَلِكَ؟ وَعِبَارَةُ تت سُمِّيَ الْإِنْسَانُ إنْسَانًا لِظُهُورِهِ وَسُمِّيَ الْجِنُّ جِنًّا لِخَفَائِهِ، وَقِيلَ: لِنِسْيَانِهِ، وَقِيلَ: لِتَأَنُّسِهِ اهـ.
وَقَالَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ: الْإِنْسَانُ مُشْتَقٌّ مِنْ الظُّهُورِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ تت.
لِقَضِيَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْ الْجِنِّ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْحَصْرُ أَيْ حَصْرُ النِّسْيَانِ وَالتَّأَنُّسِ فِي الْإِنْسَانِ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْجَرَيَانُ عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَالنِّعْمَةُ إلَخْ] مُرَادُهُ تَفْسِيرُ الْمَادَّةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ هَيْئَتِهَا؛ لِأَنَّ النِّعْمَةَ فِي الْمُصَنِّفِ بِالْكَسْرِ لَا غَيْرُ.
[قَوْلُهُ: مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى الْعَبْدِ] يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الْعَبْدُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ وَهُوَ الْإِنْسَانُ، وَأَنْ يُرَادَ عَبْدُ الْإِيجَادِ لِمَا قَالَهُ بَعْضٌ: إنَّهُ مَا مِنْ مَوْجُودٍ إلَّا وَلِلَّهِ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَبِفَتْحِهَا التَّنَعُّمُ] أَيْ التَّرَفُّهُ أَفَادَهُ الْقَامُوسُ.
[قَوْلُهُ: السُّرُورُ] حَالَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ تَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ عِنْدَ وُجُودِ مَا يَنْتَظِرُهُ.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ إلَخْ] أَيْ لِجَعْلِ أَلْ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ إنَّمَا هُوَ فِي نِعْمَةِ الْوُجُودِ فَقَطْ، فَلَا يَتَأَتَّى مَا قَالَهُ شَارِحُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ -. [قَوْلُهُ: أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَوَاضِحٌ] ؛ لِأَنَّهُ يَتَلَذَّذُ بِأَنْوَاعِ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، أَيْ أَغْلَبُ أَفْرَادِهِ فَلَا يَرِدُ الْمَرِيضُ الَّذِي أَضْنَاهُ الْمَرَضُ فَصَارَ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَنَاوُلِ مَا فِيهِ لَذَّةٌ أَوْ كُلُّ أَفْرَادِهِ، وَنَقُولُ: الْكَافِرُ الْمَذْكُورُ بِاعْتِبَارِ مَا يَعْقُبُهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَلَمِ فِي الْآخِرَةِ.
[قَوْلُهُ: وَعَذَابٍ] عَطْفٌ تَفْسِيرٍ.
[قَوْلُهُ: فَكَانَ نِعْمَةً] أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ النِّقْمَةِ وَالْعَذَابِ
[قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُقَالَ إلَخْ] أَيْ عُرْفًا أَوْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ شَرْعًا، فَالْقَوْلُ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
[قَوْلُهُ: وَغَضَبٍ] أَيْ مِنْ اللَّهِ وَعَطْفُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ مُرَادِفٌ؛ لِأَنَّ الْغَضَبَ هُوَ الِانْتِقَامُ حَيْثُ لُوحِظَ أَنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ، وَأَمَّا لَوْ فُسِّرَ بِإِرَادَةِ الِانْتِقَامِ فَيَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ.
[قَوْلُهُ: وَذَهَبَ الْأَشْعَرِيُّ] هُوَ عَلِيٌّ أَبُو الْحَسَنُ مَالِكِيُّ الْمَذْهَبِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَصِيرَهُ إلَخْ] مِنْ ذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا نَظَرَ إلَى مَا هُوَ قَاطِعًا النَّظَرَ عَمَّا يَئُولُ إلَيْهِ الْأَمْرُ، وَفِي الْآخِرَةِ نَظَرَ إلَى أَنَّهُ مَا مِنْ عَذَابٍ إلَّا وَثَمَّ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ.
وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ مُنْعَمًا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا نَظَرَ إلَى مَا يَئُولُ إلَيْهِ الْأَمْرُ، وَفِي الْآخِرَةِ نَظَرَ إلَى مَا هُوَ فِيهِ قَاطِعًا النَّظَرَ عَنْ كَوْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَهُ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا وَجَدْت ابْنَ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ مُصَرِّحًا بِأَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ فَمَنْ نَفَى كَوْنَهُ لَفْظِيًّا لَمْ يُصِبْ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى وَشَكَّلَهُ] لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ بِمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ مِنْ اللَّفْظِ غَيْرُ ذَلِكَ التَّعْبِيرِ.
[قَوْلُهُ: مَوْضِعُ وُقُوعِ نُطْفَةِ] فِي الْعِبَارَةِ حَزَازَةٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ:
الضَّمِيرَ الْبَارِزَ وَإِنْ كَانَ الْمُصَوَّرُ فِي الرَّحِمِ غَيْرَ وَاحِدٍ مُرَاعَاةً لِلَفْظِ الْإِنْسَانِ.
وَذَكَرَ الْأَرْحَامَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ مُرَاعَاةً لِلْمَعْنَى وَالْبَاءُ فِي (بِحِكْمَتِهِ) لِلْمُصَاحَبَةِ أَيْ صَوَّرَهُ مُصَاحَبًا بِحِكْمَتِهِ وَهِيَ الْإِتْقَانُ وَقِيلَ الْعِلْمُ.
وَمِنْ حِكْمَتِهِ تَعَالَى أَنْ جَعَلَ وَجْهَهُ إلَى ظَهْرِ أُمِّهِ لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِحَرِّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَجَعَلَ غِذَاءَهُ فِي سُرَّتِهِ، وَجَعَلَ أَنْفَهُ بَيْنَ فَخِذَيْهِ لِيَتَنَفَّسَ فِي فَارِغٍ.
(وَ) الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي (أَبْرَزَهُ) عَائِدٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْبَارِزُ عَلَى الْإِنْسَانِ وَالْمَجْرُورُ بِالْإِضَافَةِ فِي (إلَى رِفْقِهِ) يُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى الْإِنْسَانِ، فَمَنْ نَظَرَ إلَى رِفْقِ الْإِنْسَانِ بِهِ جَعَلَهُ عَائِدًا عَلَى الْإِنْسَانِ، وَمَنْ نَظَرَ إلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَهُ ذَلِكَ أَعَادَهُ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى أَبْرَزَ أَظْهَرَ، وَالرِّفْقُ فِي جَمِيعِ مَا
[حاشية العدوي]
وَهُوَ مَوْضِعُ وُقُوعِ، يُؤْذِنُ بِأَنَّ النُّطْفَةَ تَقَعُ فِيهِ وَهُوَ مَوْضِعُهَا.
وَقَوْلُهُ: بَعْدُ فِي فَرْجِ الْأُنْثَى مُتَعَلِّقٌ بِوُقُوعِ فَهُوَ صَرِيحٌ بِأَنَّ الْفَرْجَ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ لَا الرَّحِمَ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ مَوْضِعُ انْتِهَاءِ وُقُوعِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: سُمِّيَ] أَيْ مَوْضِعُ إلَخْ أَوْ الرَّحِمُ بِمَعْنَى الذَّاتِ، وَقَوْلُهُ: بِذَلِكَ أَيْ بِالرَّحِمِ بِمَعْنَى اللَّفْظِ لَا بِمَعْنَى الذَّاتِ، فَفِي الْعِبَارَةِ اسْتِخْدَامٌ.
[قَوْلُهُ: لِانْعِطَافِهِ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ وَحُنُوِّهِ أَنْ يَقُولَ لِعَطْفِهِ وَيُعْطَفُ عَلَيْهِ حُنُوُّهُ عَطْفَ مُرَادِفٍ أَيْ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: حَنَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى وَلَدِهَا تَحْنِي وَتَحْنُو حُنُوًّا، عَطَفَتْ وَأَشْفَقَتْ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَحُنُوِّهِ] عَطْفُ مُرَادِفٍ.
[قَوْلُهُ: مُرَاعَاةً لِلَفْظِ الْإِنْسَانِ] إذْ لَفْظُهُ وَاحِدٌ.
[قَوْلُهُ: مُرَاعَاةً لِلْمَعْنَى] ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْأَفْرَادُ كُلُّهَا؛ لِأَنَّ أَلْ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَمُرَاعَاةُ الْمَعْنَى بَعْدَ مُرَاعَاةِ اللَّفْظِ فَصِيحَةٌ لِقُوَّةِ الْمَعْنَى بِخِلَافِ الْعَكْسِ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ الْإِتْقَانُ] هُوَ الْإِتْيَانُ بِالشَّيْءِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَنَاسِبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَالْحِكْمَةُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ إلَخْ] أَخَّرَهُ لِضَعْفِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَاءَ إمَّا أَنْ تُجْعَلَ لِلْمُصَاحَبَةِ أَوْ لِلسَّبَبِيَّةِ فَيَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْعِلْمِ وَتَعَلُّقِهِ قَدِيمٌ وَالِاصْطِحَابُ يُؤْذِنُ بِالْحُدُوثِ؛ لِأَنَّ التَّصَوُّرَ حَادِثٌ، وَالْأَصْلُ تَسَاوِي الْمُقْتَرِنَيْنِ.
وَعَلَى الثَّانِي أَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ صِفَةُ تَأْثِيرٍ كَالْقُدْرَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِخِلَافِ تَفْسِيرِهَا بِالْإِتْقَانِ فَإِنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ وَهِيَ حَادِثَةٌ فَيَصِحُّ الِاصْطِحَابُ، وَلَا تُجْعَلُ الْبَاءُ عَلَيْهِ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِتْقَانَ صِفَةُ تَأْثِيرٍ كَالْقُدْرَةِ حَتَّى يَكُونَ سَبَبًا بَلْ هُوَ مُقَارِنٌ لِلتَّصَوُّرِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ حِكْمَتِهِ] أَيْ إتْقَانِهِ رُجُوعٌ لِلتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ، وَأَتَى بِمَنْ إشَارَةً إلَى أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا آخَرَ وَمِنْهُ خَلْقُ الْبَصَرِ وَجَعْلِهِ فِي أَعْلَى جَسَدِهِ لِتَكُونَ مَنْفَعَتُهُ أَعَمَّ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ أَجْفَانًا كَالْأَغْطِيَةِ تَقِيهِ مِنْ الْآفَاتِ، وَجَعَلَهَا مُتَحَرِّكَةً تَنْطَبِقُ وَتَنْفَتِحُ بِمِقْدَارِ حَاجَتِهِ، وَجَعَلَ فِي أَطْرَافِهَا شَعْرًا يَمْنَعُ لَدْغَ الذُّبَابِ وَالْهَوَامِّ إذَا نَزَلَتْ عَلَيْهَا، وَجَعَلَهَا زِينَةً لَهَا كَحِلْيَةِ مَا يُحَلَّى، وَجَعَلَ عَظْمَ الْحَاجِبِ بَارِزًا عَلَيْهَا يَقِيهَا وَيَدْفَعُ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا لَطِيفَةٌ فِي شَكْلِهَا.
[قَوْلُهُ: بِحَرِّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ] أَيْ إذَا كَانَا حَارَّيْنِ أَوْ بِبَرْدِهِمَا إذَا كَانَا بَارِدَيْنِ، أَوْ أَنَّ لَهُمَا فِي ذَاتِهِمَا حَرَارَةً.
[قَوْلُهُ: وَجَعَلَ غِذَاءَهُ فِي سُرَّتِهِ] لِقُرْبِهَا مِنْ مَعِدَتِهِ، فَلَا كُلْفَةَ عَلَيْهِ فِي الْغِذَاءِ بِخِلَافِ مَا لَوْ جُعِلَ مِنْ فَمِهِ.
[قَوْلُهُ: إلَى رِفْقِ الْإِنْسَانِ] أَيْ ارْتِفَاقِهِ، وَقَوْلُهُ: بِهِ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلرِّفْقِ الْوَاقِعِ فِي الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى الْمَنْفَعَةِ الْمُرْتَفَقِ بِهَا، فَحَاصِلُ الْمَعْنَى فَمَنْ نَظَرَ إلَى ارْتِفَاقِ الْإِنْسَانِ بِمَا يَرْتَفِقُ بِهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ جَعَلَهُ عَائِدًا عَلَى الْإِنْسَانِ.
[قَوْلُهُ: وَمَنْ نَظَرَ إلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَهُ ذَلِكَ] أَيْ خَلَقَ لَهُ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ أَعَادَهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى وَأَبْرَزَهُ إلَيَّ شَيْءٍ يَرْتَفِقُ الْإِنْسَانُ بِهِ مُضَافًا لِلْمَوْلَى عَلَى جِهَةِ الْخَلْقِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الرِّفْقَ فِي الْمُصَنِّفِ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي يَرْتَفِقُ الْإِنْسَانُ بِهَا الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ رُجُوعَ الضَّمِيرِ لِلَّهِ عَلَى هَذَا فِيهِ تَكَلُّفٌ، فَالْأَنْسَبُ جَعْلُ الضَّمِيرِ عَائِدًا عَلَى الْإِنْسَانِ فَقَطْ، وَذَهَبَ تت إلَى أَنَّ الرِّفْقَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ وَهُوَ أَحْسَنُ.
[قَوْلُهُ: أَظْهَرَ] أَيْ مِنْ الْعَدَمِ لِلْوُجُودِ، فَالرِّفْقُ لَحِقَ بِهِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ حِجْرَ أُمِّهِ وَطَنًا وَثَدْيَهَا لَهُ حُقًّا وَجَعَلَ لَبَنَهَا بَيْنَ الْمُلُوحَةِ وَالْعُذُوبَةِ إذْ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ لَسَئِمَهُ بَارِدًا فِي الصَّيْفِ سُخْنًا فِي الشِّتَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ:
يُرْتَفَقُ بِهِ.
(وَ) أَبْرَزَهُ إلَى (مَا) أَيْ الَّذِي (يَسَّرَهُ) اللَّهُ (لَهُ مِنْ رِزْقِهِ) مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ (وَعَلَّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ) وَهِيَ الشَّهَادَةُ، وَقِيلَ الْعِلْمُ النَّظَرِيُّ وَهُوَ مَا يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَقِيلَ: الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ كَالذَّوْقِ وَالشَّمِّ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَاللَّمْسِ وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 113] وَفَضْلُهُ تَعَالَى إعْطَاءُ الشَّيْءِ بِغَيْرِ عِوَضٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُعْطِي شَيْئًا رَجَاءَ الثَّوَابِ، إمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ، وَمِنْ فَضْلِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَوْجَدَهُ بَعْدَ الْعَدَمِ وَأَنْ جَعَلَهُ حَيَوَانًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ جَمَادًا، وَأَنْ جَعَلَهُ إنْسَانًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ بَهِيمَةً (وَنَبَّهَهُ بِآثَارِ صَنْعَتِهِ) أَيْ أَيْقَظَ اللَّهُ الْإِنْسَانَ وَجَعَلَ لَهُ عَقْلًا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمَصْنُوعِ صَانِعًا صَنَعَهُ، وَهَذَا التَّنْبِيهُ وَاقِعٌ فِي الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى:
[حاشية العدوي]
أَظْهَرَهُ مِنْ ضِيقٍ إلَى سَعَةٍ، أَيْ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ إلَى خَارِجِهَا.
[قَوْلُهُ: مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ] أَيْ فَالرِّزْقُ عَلَى الصَّحِيحِ عَامٌّ فِيمَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ حِينِ يُخْلَقُ إلَى أَنْ يَمُوتَ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ، وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا يَكُونُ إلَّا حَلَالًا وَهُوَ بَاطِلٌ.
[قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ إلَخْ] مَا اسْمٌ مَوْصُولٌ أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَهْلِ حَتَّى يَطْرَأَ الْعِلْمُ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ الشَّهَادَةُ] أَيْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَهُوَ مَا يَحْصُلُ بِالنَّظَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ يُدْرَكُ إنَّمَا هُوَ الْمَعْلُومُ لَا الْعِلْمُ النَّظَرِيُّ الْمَقْصُودُ تَفْسِيرُهُ، وَالنَّظَرُ تَرْتِيبُ أُمُورٍ مَعْلُومَةٍ لِتُؤَدِّيَ إلَى مَجْهُولٍ كَتَرْتِيبِ، الْعَالَمُ مُتَغَيِّرٌ، وَكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حَادِثٍ، الْمُؤَدِّي إلَى أَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ الَّذِي هُوَ الْمَجْهُولُ، وَقَوْلُهُ: وَالِاسْتِدْلَالُ هُوَ إقَامَةُ الدَّلِيلِ فَهُوَ عَطْفُ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ] هُوَ الَّذِي لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَظَرٍ وَلَا عَلَى اسْتِدْلَالٍ.
[قَوْلُهُ: كَالذَّوْقِ] قَالَ سَعْدُ الدِّينِ: الذَّوْقُ قُوَّةٌ إدْرَاكِيَّةٌ لَهَا اخْتِصَاصٌ بِإِدْرَاكِ لَطَائِفِ الْكَلَامِ وَمَعَانِيهِ انْتَهَى.
وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ كَالْعِلْمِ الْحَاصِلِ بِالذَّوْقِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْحَوَاسِّ.
[قَوْلُهُ: وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ] أَيْ وَالْعِلْمِ بِالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفَرَحِ وَالْغَمِّ وَغَيْرِهِمَا، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ أَشْيَاءُ: أَحَدُهَا مَا يَحْصُلُ بِالْحَوَاسِّ كَعِلْمِكَ بِبَيَاضِ زَيْدٍ أَوْ سَوَادِهِ مَثَلًا، ثَانِيهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الْبَاطِنِيَّةِ كَعِلْمِك بِجُوعِك أَوْ عَطَشِك وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، ثَالِثُهَا مَا كَانَ أَوَّلِيًّا كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَذْكُورٌ فِي عِلْمِ الْمِيزَانِ لَا أَنَّ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ هُوَ الذَّوْقُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
[قَوْلُهُ: بِخِلَافِ غَيْرِهِ إلَخْ] هَذَا مُشْكِلٌ بِأَهْلِ الْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا فَإِنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ ثَوَابًا لَا دُنْيَا وَلَا أُخْرَى، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَرْجُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ وَعَدَ الطَّائِعَ بِالثَّوَابِ وَوَعْدُهُ لَا يَتَخَلَّفُ فَهُوَ رَاجٍ لِلثَّوَابِ بِحَسَبِ نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ جَعَلَهُ حَيَوَانًا إلَخْ] أَيْ فَالْحَيَوَانُ أَفْضَلُ مِنْ الْجَمَادِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُرْزَقُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَيَتَلَذَّذُ.
[قَوْلُهُ: وَأَنْ جَعَلَهُ إنْسَانًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ بَهِيمَةً] فَإِنْ قُلْت: الْكَافِرُ جَعْلُهُ بَهِيمَةً أَحْسَنُ لَهُ؛ لِأَنَّ مَآلَهُ إلَى الْعَذَابِ الدَّائِمِ.
قُلْت: الْكَافِرُ هُوَ الَّذِي ضَيَّعَ نَفْسَهُ بِاخْتِيَارِهِ الْكُفْرَ الْمُوجِبَ لِلْعَذَابِ الدَّائِمِ.
[قَوْلُهُ: وَنَبَّهَهُ إلَخْ] فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ كَمَا قَالَ ابْنُ نَاجِي، وَالتَّقْدِيرُ وَنَبَّهَهُ بِآثَارِ صَنْعَتِهِ عَلَى وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: صَنْعَتِهِ] أَيْ إيجَادِهِ، فَالْآثَارُ مُتَعَلِّقُ الصَّنْعَةِ الْمُفَسَّرَةِ بِالْإِيجَادِ فَهِيَ صِفَةُ فِعْلٍ فَالْإِضَافَةُ حَقِيقَةٌ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ، أَيْ آثَارٍ هِيَ صَنْعَتُهُ أَيْ مَصْنُوعَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا وَجَدْت عج أَفَادَهُ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَيَجُوزُ وَجْهٌ ثَالِثٌ وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ عج وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّنْعَةِ الْمَصْنُوعُ وَآثَارُهُ مَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنْ بَدِيعِ الْحِكَمِ.
[قَوْلُهُ: وَجَعَلَ لَهُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ.
[قَوْلُهُ: يُسْتَدَلُّ بِهِ] أَيْ بِسَبَبِهِ لَا أَنَّهُ الدَّلِيلُ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ يُسْتَدَلُّ بِهِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ لِلْمَصْنُوعِ] أَيْ مِنْ حَيْثُ احْتِوَائِهِ عَلَى بَدِيعِ الْحِكَمِ وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ الَّذِي أَشَرْنَا لَهُ سَابِقًا وَإِلَيْهِ يُشِيرُ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ بِقَوْلِهِ: فَانْظُرْ إلَى نَفْسِك إلَخْ.
أَيْ فَإِذَا نَظَرَ فِي الْمَصْنُوعِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ
﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ (وَأَعْذَرَ) اللَّهُ (إلَيْهِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْمُرْسَلِينَ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَطَعَ عُذْرَهُ بِتَقْدِيمِ الرُّسُلِ إلَيْهِ وَهَذَا الْإِعْذَارُ وَاقِعٌ فِي الْقُرْآنِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]
وَالرُّسُلُ جَمْعُ رَسُولٍ، وَهُوَ إنْسَانٌ أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ وَأُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ.
وَالنَّبِيُّ مُخْبِرٌ بِالْغَيْبِ خَاصَّةً فَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ وَلَا يَنْعَكِسُ.
وَعِدَّةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى مَا فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مَرْفُوعًا مِائَةُ أَلْفٍ
[حاشية العدوي]
بَدَائِعِ الْحِكَمِ عَلِمَ أَنَّ وُجُودَهُ لَيْسَ مِنْ ذَاتِهِ بَلْ مِنْ صَانِعٍ أَحْكَمَهُ وَأَتْقَنَهُ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا التَّنْبِيهُ إلَخْ] فِيهِ شَيْءٌ وَذَلِكَ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ اللَّهَ نَبَّهَ الْإِنْسَانَ بِهَذِهِ الْآثَارِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَوْجَدَهَا وَجَعَلَ لَهُ عَقْلًا عَلَى أَنَّ لَهَا صَانِعًا وَاحِدًا قَدِيمًا بَاقِيًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَا أَنَّهُ نَبَّهَهُ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [الذاريات: 21] إلَخْ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَهَذَا التَّنْبِيهُ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ لَهُ فِي الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [الذاريات: 21]] أَيْ وَفِي أَنْفُسِكُمْ فِي حَالِ ابْتِدَائِهَا وَتَنَقُّلِهَا وَبَوَاطِنِهَا وَظَوَاهِرِهَا مِنْ بَدَائِعِ الْخَلْقِ مَا تَتَحَيَّرُ فِيهِ الْأَذْهَانُ ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21] نَظَرَ مُعْتَبِرٍ فَلَيْسَ قَوْلُهُ: وَفِي أَنْفُسِكُمْ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تُبْصِرُونَ بَلْ هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ أَيْ وَفِي أَنْفُسِكُمْ آيَاتٌ.
[قَوْلُهُ: وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ] أَيْ بِالْمَجِيءِ وَالذَّهَابِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ.
[قَوْلُهُ: لَآيَاتٍ] أَيْ دَلَالَاتٍ عَلَى قُدْرَتِهِ وَوُجُودِهِ وَوَحْدَتِهِ وَعِلْمِهِ، وَتَخْصِيصُ الثَّلَاثَةِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِشُمُولِهَا.
[قَوْلُهُ: الْأَلْبَابِ] أَيْ الْعُقُولِ.
[قَوْلُهُ: إلَى غَيْرِ ذَلِكَ إلَخْ] أَيْ وَانْظُرْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ إنْ أَرَدْت الزِّيَادَةَ فَلَا تَعْتَقِدْ قَصْرَ التَّنْبِيهِ عَلَى خُصُوصِ مَا ذَكَرَ.
[قَوْلُهُ: عَلَى أَلْسِنَةِ] جَمْعُ لِسَانٍ وَهُوَ تُرْجُمَانُ الْقَلْبِ يُخْبِرُ بِمَا فِيهِ، وَأَلْسِنَةٌ جَمْعُ قِلَّةٍ مُرَادٌ مِنْهُ جَمْعُ الْكَثْرَةِ؛ لِأَنَّ جَمْعَ الْقِلَّةِ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَالرُّسُلُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَارْتَضَى تت أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا اللُّغَاتُ الثَّلَاثَةُ سُرْيَانِيَّةٌ وَعِبْرَانِيَّةٌ وَعَرَبِيَّةٌ.
[قَوْلُهُ: الْمُرْسَلِينَ] جَمْعُ مُرْسَلٍ بِمَعْنَى رَسُولٍ.
[قَوْلُهُ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَطَعَ عُذْرَهُ] أَيْ فَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتْرُكْ لَهُ شَيْئًا فِي الِاعْتِذَارِ يَتَمَسَّكُ بِهِ، فَالْهَمْزَةُ فِيهِ لِلسَّلْبِ أَيْ أَزَالَ عُذْرَهُ فَلَمْ يُبْقِ لَهُ اعْتِذَارًا حَيْثُ أَرْسَلَ لَهُ الرُّسُلَ اهـ.
[قَوْلُهُ: بِتَقَدُّمِ الرُّسُلِ إلَيْهِ] أَيْ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ إلَيْهِ حَيْثُ بَيَّنُوا الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ وَالْمُتَشَابِهَ، فَمَعْنَى الْمُصَنِّفِ، وَقَطَعَ عُذْرَهُ بِشَيْءٍ وَأَرَادَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْمُرْسَلِينَ، وَذَكَرَ عج وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى بَالَغَ فِي الْمَعْذِرَةِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْمُرْسَلِينَ، وَلَيْسَ فِي الْمِصْبَاحِ وَالْقَامُوسِ مَا يُفِيدُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا الْإِعْذَارِ] أَيْ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ سَلْبِ الْعُذْرِ.
[قَوْلُهُ: وَاقِعٌ فِي الْقُرْآنِ] أَيْ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ لَهُ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: لِئَلَّا يَكُونَ إلَخْ] أَيْ لِتَنْتَفِيَ الْحُجَّةُ عَلَى اللَّهِ لِلنَّاسِ، أَيْ لَا يَبْقَى لَهُمْ حُجَّةٌ عَلَى اللَّهِ بَعْدَ إرْسَالِ الرُّسُلِ.
[قَوْلُهُ: إنْسَانٌ] أَيْ لَا جِنٌّ وَلَا مَلَكٌ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ [الرحمن: 33] إلَخْ فَالْمُرَادُ مِنْ أَحَدِكُمْ، وَهُمْ الْإِنْسُ.
[قَوْلُهُ: أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ] لَمْ يَذْكُرْ الْفَاعِلَ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْعِلْمِ بِهِ.
[قَوْلُهُ: بِشَرْعٍ] كَانَ مَعَهُ كِتَابٌ أَمْ لَا، نَاسِخٌ لِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: مُخْبَرٌ] بِفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ فَفَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ.
وَيَصِحُّ أَنْ يُقْرَأَ بِالْكَسْرِ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ بِكَوْنِهِ نَبِيًّا لِيُحْتَرَمَ.
[قَوْلُهُ: خَاصَّةً] لَيْسَ مِنْ تَمَامِ التَّعْرِيفِ وَإِلَّا لَاقْتَضَى الْمُبَايَنَةَ بَيْنَ الرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ، فَمُرَادُهُ أَنَّكَ تَقْتَصِرُ فِي تَعْرِيفِ النَّبِيِّ عَلَى قَوْلِك مُخْبَرٌ بِالْغَيْبِ وَلَا تَزِيدُ، وَأُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ كَمَا زِدْته فِي تَعْرِيفِ الرَّسُولِ أَيْ أَنَّ النَّبِيَّ مُخْبَرٌ بِالْغَيْبِ وَلَا بُدَّ سَوَاءٌ أُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَنْعَكِسُ] أَيْ لُغَوِيًّا بِحَيْثُ تَقُولُ: وَكُلُّ نَبِيٍّ رَسُولٌ بَلْ يَنْعَكِسُ مَنْطِقِيًّا وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ النَّبِيِّ رَسُولٌ.
[قَوْلُهُ: وَعِدَّةُ الْأَنْبِيَاءِ إلَخْ] الْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ عِدَّتَهُمْ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَمَا وَرَدَ فِي بَيَانِ الْعِدَّةِ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: مَرْفُوعًا] حَالٌ مِنْ مَا أَيْ حَالَةَ كَوْنِ مَا فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مَرْفُوعًا أَيْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُقَابِلُهُ الْمَوْقُوفُ فَالْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ مَا أُسْنِدَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَرِيحًا وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ حُكْمًا كَأَنْ أُسْنِدَ لِلصَّحَابِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ
وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، الرُّسُلُ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَفِي رِوَايَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ.
وَالرُّسُلُ كُلُّهُمْ عَجَمٌ إلَّا خَمْسَةً مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِسْمَاعِيلَ وَهُودًا وَصَالِحًا وَشُعَيْبًا.
وَالْوَحْيُ إلَى جَمِيعِهِمْ كَانَ فِي الْمَنَامِ إلَّا أُولُو الْعَزْمِ أَيْ الْجِدِّ وَالثَّبَاتِ، وَهُمْ عَلَى مَا فِي الْكَشَّافِ نُوحٌ صَبَرَ عَلَى أَذَى قَوْمِهِ، وَإِبْرَاهِيمُ صَبَرَ عَلَى النَّارِ وَذَبْحِ وَلَدِهِ، وَإِسْحَاقُ عَلَى الذَّبْحِ وَيَعْقُوبُ عَلَى فَقْدِ وَلَدِهِ وَذَهَابِ بَصَرِهِ، وَيُوسُفُ عَلَى
[حاشية العدوي]
لِلرَّأْيِ فِيهِ مَجَالٌ، وَالْمَوْقُوفُ مَا أُسْنِدَ لِلصَّحَابِيِّ وَلِلرَّأْيِ فِيهِ مَجَالٌ أَيْ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِاجْتِهَادِ الصَّحَابِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَالرُّسُلُ كُلُّهُمْ عَجَمٌ إلَخْ] أَيْ يَتَكَلَّمُونَ بِاللُّغَةِ الْعَجَمِيَّةِ إلَّا هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةَ يَتَكَلَّمُونَ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فَالْمُرَادُ بِالْعَجَمِيَّةِ مَا يَشْمَلُ السُّرْيَانِيَّةَ، وَالْعِبْرَانِيَّة، فَالسُّرْيَانِيُّونَ فَإِنَّهُمْ خَمْسَةٌ: إدْرِيسُ وَنُوحٌ وَلُوطٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَيُونُسُ.
وَالْعِبْرَانِيُّونَ: بَنُو إسْرَائِيلَ وَهُمْ يَعْقُوبُ وَمَنْ وَلَدَ، وَتَرَدَّدَ بَعْضُهُمْ فِي آدَمَ وَإِسْحَاقَ وَنَحْوِهِمَا، وَظَهَرَ لَهُ أَنَّ آدَمَ سُرْيَانِيٌّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ إِسْحَاقَ كَذَلِكَ، قِيلَ: إنَّ إبْرَاهِيمَ تَكَلَّمَ بِاللُّغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّة.
فَائِدَةٌ: نَقَلَ تت عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ وَلَدِ إبْرَاهِيمَ إلَّا ثَمَانِيَةً: آدَم وَشِيثُ وَإِدْرِيسُ وَنُوحٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَلُوطٌ وَيُونُسُ وَكُلُّهُمْ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ إلَّا عَشَرَةً الثَّمَانِيَةُ الْمَذْكُورَةُ وَإِبْرَاهِيمُ وَإِسْحَاقُ اهـ.
قُلْت: وَأَيُّوبُ أَيْضًا فَإِنَّهُ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْعِيصِ أَخِي يَعْقُوبَ.
[قَوْلُهُ: كَانَ فِي الْمَنَامِ] وَالسَّفِيرُ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ جِبْرِيلُ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ.
[قَوْلُهُ: الْجِدُّ] أَيْ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَمْرِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ وَبِالْكَسْرِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
[قَوْلُهُ: وَهَمَ عَلَى مَا فِي الْكَشَّافِ إلَخْ] أَيْ فَهُمْ تِسْعَةٌ وَمُقَابِلُ مَا فِي الْكَشَّافِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِنْ أَنَّهُمْ خَمْسَةٌ وَنَظَّمَهُمْ تت فَقَالَ:
مُحَمَّدٌ إبْرَاهِيمُ مُوسَى كَلِيمُهُ ... وَنُوحٌ وَعِيسَى هُمْ أُولُو الْعَزْمِ فَاعْرِفَا
قَالَ تت: وَلَمْ يَعُدَّ أَيْ صَاحِبُ الْكَشَّافِ مِنْهُمْ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْوَحْيُ إلَى جَمِيعِهِمْ كَانَ فِي الْمَنَامِ إلَّا أُولُو الْعَزْمِ الْخَمْسَةُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُوحَى إلَيْهِمْ فِي النَّوْمِ وَالْيَقِظَةِ اهـ.
[قَوْلُهُ: نُوحٌ صَبَرَ عَلَى أَذَى قَوْمِهِ] أَيْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا، وَانْظُرْ هَذَا مَعَ أَنَّ نُوحًا دَعَا عَلَى قَوْمِهِ فَلَوْ كَانَ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ لَمْ يَدْعُ عَلَى قَوْمِهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِأَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِهِ إلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ دَعَا عَلَيْهِمْ، وَالْمَقْصُودُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ أَعْنِي قَوْلَهُ صَبَرَ عَلَى أَذَى قَوْمِهِ، وَنَظِيرُهَا مِمَّا سَيَأْتِي تَحَقُّقُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ هَؤُلَاءِ أُولُو الْعَزْمِ.
[قَوْلُهُ: صَبَرَ عَلَى النَّارِ] أَيْ عَلَى الْإِلْقَاءِ فِيهَا لَا أَنَّهُ صَبَرَ عَلَى النَّارِ بِالْفِعْلِ بِحَيْثُ طُرِحَ فِيهَا وَهِيَ تُحْرِقُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا﴾ [الأنبياء: 69] [قَوْلُهُ: وَذَبْحِ وَلَدِهِ] أَيْ عَلَى الْأَمْرِ بِذَبْحِ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّ وَلَدَهُ لَمْ يُذْبَحْ.
[قَوْلُهُ: وَإِسْحَاقُ عَلَى الذَّبْحِ] أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْحَاقُ، وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَيُوَافِقُهُ حَدِيثٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَنَصُّهُ الذَّبِيحُ إِسْحَاقُ قَطُّ فِي الْإِفْرَادِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْبَزَّارِ وَابْنِ مَرْدُوَيْهِ إلَخْ وَقَاعِدَتُهُ أَنَّ قَطُّ لِلدَّارَقُطْنِيِّ.
وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا فِي حَدِيثٍ عَنْ عَائِشَةَ.
«إنَّ آدَمَ لَمَّا تِيبَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْفَجْرِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَصَارَتْ الصُّبْحَ وَفُدِيَ إِسْحَاقُ عِنْدَ الظُّهْرِ فَصَلَّى إبْرَاهِيمُ أَرْبَعًا فَصَارَتْ الظُّهْرَ، وَبُعِثَ عُزَيْرٌ فَقِيلَ لَهُ: كَمْ لَبِثْت فَقَالَ: لَبِثْت يَوْمًا فَرَأَى الشَّمْسَ فَقَالَ: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَغُفِرَ لِدَاوُدَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ فَقَامَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَجَهِدَ فَجَلَسَ فِي الثَّالِثَةِ فَصَارَتْ ثَلَاثًا، وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» اهـ.
نَقَلَ هَذَا الْحَدِيثَ الْعَلْقَمِيُّ، فَإِنْ قُلْت: فَمَا مَعْنَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ؟ قُلْت: أَفَادَ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّهُ يَكُونُ فِيهِ مَجَازٌ حَيْثُ أَطْلَقَ مَا لِأَخِي أَبِيهِ الْأَعْلَى عَلَى أَبِيهِ الْأَعْلَى، وَقِيلَ:
الْجُبِّ وَالسِّجْنِ، وَأَيُّوبُ عَلَى الضُّرِّ، وَمُوسَى قَالَ لَهُ قَوْمُهُ: إنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴿قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62] وَدَاوُد بَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَعِيسَى لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ وَقَالَ: إنَّهَا مَعْبَرَةٌ فَاعْبُرُوهَا وَلَا تَعْمُرُوهَا.
(الْخِيرَةُ) بِتَسْكِينِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِهَا صِفَةٌ لِلْمُرْسَلِينَ أَيْ الْمُخْتَارِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لِلتَّبْلِيغِ، (مِنْ خَلْقِهِ)
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَوْ نَصُّهُ يَقْتَضِي تَفْضِيلَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ
[حاشية العدوي]
إسْمَاعِيلُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ إِسْحَاقَ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا ذَكَرَهُ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ بَلْ نَسَبَهُ بَعْضٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ، فَقَالَ: وَإِسْمَاعِيلُ عَلَى الذَّبْحِ؛ لِأَنَّهُ الذَّبِيحُ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ لَا إِسْحَاقُ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَذَهَابِ بَصَرِهِ] لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ عَمِيَ كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ الْعِبَارَةِ بَلْ رَقْرَقَ الْمَاءُ فِي عَيْنَيْهِ بِحَيْثُ يَتَرَاءَى أَنَّهُ عَمِيَ، وَفِي الْوَاقِعِ لَيْسَ كَذَلِكَ [قَوْلُهُ: وَأَيُّوبُ عَلَى الضُّرِّ] أَيْ عَلَى الْمَرَضِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ.
[قَوْلُهُ: وَمُوسَى قَالَ لَهُ قَوْمُهُ إنَّا لَمُدْرَكُونَ] أَيْ لَمَّا خَرَجَ مُوسَى بِبَنِي إسْرَائِيلَ إلَى الْبَحْرِ وَخَرَجَ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ وَرَاءَهُ وَتَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ: إنَّا لَمُدْرَكُونَ أَدْرَكَنَا فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ قَالَ: كَلًّا أَيْ فَهُوَ ذُو عَزْمٍ حَيْثُ لَمْ يُبَالِ بِفِرْعَوْنَ: وَقَالَ كَلًّا.
[قَوْلُهُ: وَدَاوُد بَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ إلَخْ] عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّهُ كَانَ ذَنْبُ دَاوُد أَنَّهُ الْتَمَسَ مِنْ الرَّجُلِ الَّذِي هُوَ أُورِيَّا أَنْ يَنْزِلَ لَهُ عَنْ امْرَأَتِهِ.
قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رَغْبَةٌ فِي الدُّنْيَا وَازْدِيَادٌ فِي النِّسَاءِ وَقَدْ أَغْنَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِهَا، وَتِلْكَ الْمَرْأَةُ أُمُّ سُلَيْمَانَ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ، وَقِيلَ: خَطَبَهَا أُورِيَّا ثُمَّ دَاوُد فَآثَرَهُ أَهْلُهَا فَكَانَ ذَنْبُهُ أَنْ خَطَبَ عَلَى خُطُوبَةِ أَخِيهِ مَعَ كَثْرَةِ نِسَائِهِ، قُلْت: وَيَحِلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْعِهِ أَيْ فَهُوَ ذُو ثَبَاتٍ حَيْثُ اسْتَمَرَّ يَبْكِي عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا تِلْكَ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ.
[قَوْلُهُ: وَعِيسَى لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ] قَالَ فِي الصِّحَاحِ: اللَّبِنَةُ الَّتِي يُبْنَى عَلَيْهَا وَالْجَمْعُ لَبِنٍ، مِثْلُ كَلِمَةٍ وَكَلِمٍ.
قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: وَمِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ لِبْنَةٌ وَلِبَنٌ مِثْلُ لِبْدَةٍ وَلِبَدٍ اهـ. أَيْ فَعَزْمُ عِيسَى عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةً، أَفْصَحَ بِهِ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ لِلْعَقِيدَةِ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ إنَّهَا] أَيْ الدُّنْيَا، فَالْمَرْجِعُ إمَّا كَانَ مُتَقَدِّمًا فِي عِبَارَتِهِ أَوْ مَعْلُومًا مِنْ قَرِينَةِ الْحَالِ.
[قَوْلُهُ: مِعْبَرَةٌ] الْمِعْبَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ مَا يُعْبَرُ عَلَيْهِ مِنْ سَفِينَةٍ أَوْ قَنْطَرَةٍ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ، فَمِعْبَرَةٌ فِي كَلَامِ شَارِحِنَا بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الدُّنْيَا مَحَلُّ عُبُورٍ فِيهَا لِلْآخِرَةِ.
[قَوْلُهُ: فَاعْبُرُوهَا] أَيْ فَاذْهَبُوا مِنْهَا لِلْآخِرَةِ وَلَا تَعْمُرُوهَا؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي تَعْمِيرِ دَارٍ مَآلُهَا إلَى الْخَرَابِ، فَالصَّوَابُ السَّعْيُ إلَى الْبَاقِي الَّذِي لَا يَفْنَى.
[قَوْلُهُ: الْخِيرَةُ بِتَسْكِينِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِهَا] أَيْ وَكَسْرِ الْحَاءِ وَهَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا مَصْدَرٌ أَوْ اسْمُ مَصْدَرٍ أَوْ بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ وَبِالسُّكُونِ اسْمُ مَصْدَرٍ أَوْ بِالْعَكْسِ أَقْوَالٌ، وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ نَعْتٌ لِلْمُرْسَلِينَ إمَّا بِتَأْوِيلِهِ بِاسْمِ الْمَفْعُولِ كَمَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ حَيْثُ قَالَ: أَيْ الْمُخْتَارِينَ، أَوْ أَنَّهُمْ نَفْسُ الِاخْتِيَارِ مُبَالَغَةً، أَوْ أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ ذِي اخْتِيَارٍ عَلَى حَدِّ، زَيْدٌ عَدْلٌ.
[قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَوْ نَصِّهِ] يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَوْ لِلشَّكِّ أَيْ أَشُكُّ فِي كَوْنِهِ ظَاهِرَ كَلَامِهِ بِحَيْثُ يَحْتَمِلُ خِلَافَ الْمُتَبَادَرِ مِنْهُ أَوْ نَصًّا لَا يَحْتَمِلُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْإِضْرَابِ أَيْ بَلْ نَصُّهُ فَفُهِمَ أَوَّلًا أَنَّهُ ظَاهِرٌ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ نَصُّهُ فَأَضْرَبَ إلَيْهِ إضْرَابًا إبْطَالِيًّا.
[قَوْلُهُ: يَقْتَضِي تَفْضِيلَ الْأَنْبِيَاءِ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ تَفْضِيلُ الرُّسُلِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: أَلْسِنَةِ الْمُرْسَلِينَ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ ذَاهِبٌ إلَى اتِّحَادِ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ.
وَحَاصِلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ أَنَّ خَوَاصَّ الْآدَمِيِّينَ وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ مِنْ خَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ وَهُمْ الْأَرْبَعَةُ الْمُقَرَّبُونَ مِيكَائِيلُ وَجِبْرِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَعِزْرَائِيلُ، وَخَوَاصُّ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْبَشَرِ وَهُمْ الصَّحَابَةُ وَالْمُتَّقُونَ وَعَوَامُّ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ وَهُمْ غَيْرُ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالتَّفْضِيلُ حَيْثُ قِيلَ بِهِ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الثَّوَابِ، وَيُوَافِقُهُ مَا نُقِلَ عَنْ الْفَخْرِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي التَّفْضِيلِ بِمَعْنَى أَيُّهُمَا أَكْثَرُ ثَوَابًا عَلَى الطَّاعَاتِ اهـ.
وَفِي كَلَامِ اللَّقَانِيِّ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يُثَابُونَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ.
[قَوْلُهُ:
وَمُقَابِلُهُ لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ فَعَلَى الْأَوَّلِ مَنْ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ لِبَيَانِ الْجِنْسِ وَعَلَى الثَّانِي لِلتَّبْعِيضِ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ هَذَا الْخِلَافِ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا رَيْبٍ.
تَنْبِيهٌ: اُنْظُرْ مَا قَالَهُ هُنَا مَعَ قَوْلِهِ بَعْدُ الْبَاعِثُ الرُّسُلَ إلَيْهِمْ أَيْ عَلَى الْعِبَادِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَ يَدْخُلُ فِيهِمْ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ، وَفِي قَوْلِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْمُرْسَلِينَ تَنْبِيهٌ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْعَقْلَ يُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ، وَفَسَادُ قَوْلِ الْبَرَاهِمَةِ: أَنَّ الْعَقْلَ يُغْنِي عَنْ الرُّسُلِ، وَنَبَّهَ بِالْعَطْفِ بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: (فَهَدَى مَنْ وَفَّقَهُ بِفَضْلِهِ وَأَضَلَّ مَنْ خَذَلَهُ
[حاشية العدوي]
وَمُقَابِلُهُ] أَيْ وَهُوَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ: [قَوْلُهُ: وَاخْتَارَهُ بَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ] أَيْ كَالبَاقِلَّانِيِّ وَالرَّازِيِّ.
[قَوْلُهُ: مِنْ لِبَيَانِ الْجِنْسِ إلَخْ] أَيْ الْمُخْتَارِينَ الَّذِينَ هُمْ خَلْقُهُ هَذَا مَعْنَاهُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا خَلْقَهُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ مُبَالَغَةً أَوْ فَجَعَلَهُمْ نَفْسَ خَلْقِهِ مُبَالَغَةً يُفِيدُ تَفْضِيلَهُمْ عَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ الَّذِينَ مِنْهُمْ الْمَلَائِكَةُ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى الثَّانِي لِلتَّبْعِيضِ] أَيْ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ اللَّهُ لِلتَّبْلِيغِ وَهُمْ بَعْضُ خَلْقِهِ.
أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُفِيدُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ بَلْ يُقَالُ: إنَّ اخْتِيَارَهُمْ لِلتَّبْلِيغِ مِنْ بَيْنِ خَلْقِهِ يُؤْذِنُ بِأَفْضَلِيَّتِهِمْ عَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ.
[قَوْلُهُ: وَاسْتَثْنَوْا إلَخْ] أَيْ وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ إنَّ جِبْرِيلَ أَفْضَلُ مِنْ نَبِيِّنَا فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ بَاطِلٌ خَارِقٌ لِلْإِجْمَاعِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا رَيْبٍ] عَطْفُ مُرَادِفٍ عَلَى قَوْلِهِ شَكٍّ، وَأَرَادَ بِهِ مُطْلَقَ التَّرَدُّدِ.
[قَوْلُهُ: وَانْظُرْ مَا قَالَهُ هُنَا إلَخْ] أَيْ مِنْ قَوْلِهِ وَأَعْذَرَ إلَيْهِ أَيْ إلَى الْإِنْسَانِ إلَخْ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ الرُّسُلَ أُرْسِلَتْ لِلْإِنْسَانِ فَقَطْ فَيُنَافِي قَوْلَهُ بَعْدُ الْبَاعِثُ الرُّسُلَ إلَى الْعِبَادِ الشَّامِلَ لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَيُجَابُ بِأَنَّ أَلْ فِي الْمُرْسَلِينَ لِلْجِنْسِ أَيْ أَعْذَرَ لِلْإِنْسَانِ فَقَطْ عَلَى أَلْسِنَةِ هَذَا الْجِنْسِ الْمُتَحَقِّقِ فِي غَيْرِ نَبِيِّنَا، فَإِنَّ الْإِرْسَالَ لِلْجِنِّ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ نَبِيِّنَا.
وَقَوْلُهُ: فِيمَا يَأْتِي الْبَاعِثُ الرُّسُلَ إلَخْ، مَعْنَاهُ الْبَاعِثُ جِنْسَ الرُّسُلِ إلَى جِنْسِ الْعِبَادِ فَيَصْدُقُ بِكَوْنِ بَعْضِ الرُّسُلِ لِبَعْضِ الْعِبَادِ كَغَيْرِ نَبِيِّنَا بِالنِّسْبَةِ لِلْإِنْسِ، وَيَكُونُ بَعْضُ الرُّسُلِ لِكُلِّ الْعِبَادِ كَنَبِيِّنَا فَإِنَّهُ أُرْسِلَ لِلْكُلِّ وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ لَيْسَ فِي الْعِبَارَةِ حَصْرٌ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعِبَادَ يَدْخُلُ إلَخْ] أَشَارَ بِقَوْلِهِ: يَدْخُلُ فِيهِمْ إلَى أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا غَيْرَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ دَاخِلٌ وَهُمْ الْمَلَائِكَةُ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ خُصَّ بِالرِّسَالَةِ لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، بَلْ أَفَادَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مُرْسَلٌ لِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ السَّابِقَةِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ وَرَجَّحَهُ الْبَارِزِيُّ وَزَادَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إلَى جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ، وَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ إلَى نَفْسِهِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَلِيمِيُّ.
[قَوْلُهُ: إنَّ الْعَقْلَ يُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ] أَيْ يُدْرِكُ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ لَا أَنَّهُ الْمُحَسِّنُ وَالْمُقَبِّحُ بِذَاتِهِ وَخُلَاصَتُهُ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْمُدْرِكُ لِلْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلُ، وَنَحْنُ نَقُولُ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ إلَّا مِنْ الشَّرْعِ فَالْمُحَسِّنُ وَالْمُقَبِّحُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى بِاتِّفَاقٍ.
وَفِي ظَنِّي أَنَّ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا يُفِيدُ خِلَافَهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِعْذَارَ عِنْدَهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِرْسَالِ بَلْ هُوَ مَنُوطٌ بِالْعَقْلِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ جَاءَ مُؤَكِّدًا فِيمَا أَدْرَكَهُ الْعَقْلُ بِالضَّرُورَةِ كَحُسْنِ الصِّدْقِ النَّافِعِ وَقُبْحِ الْكَذِبِ الضَّارِّ، أَوْ بِالنَّظَرِ كَحُسْنِ الْكَذِبِ النَّافِعِ وَقُبْحِ الصِّدْقِ الضَّارِّ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، وَجَاءَ مُعِينًا لِلْعَقْلِ فِيمَا خَفِيَ عَلَيْهِ كَحُسْنِ صَوْمِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَقُبْحِ صَوْمِ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالٍ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَفَسَادِ قَوْلِ الْبَرَاهِمَةِ أَنَّ الْعَقْلَ يُغْنِي إلَخْ] أَيْ فَهُمْ يُنْكِرُونَ الرُّسُلَ فَلِذَا حُكِمَ بِكُفْرِهِمْ دُونَ الْمُعْتَزِلَةِ فَلَا يُنْكِرُونَ فَهُمْ مُسْلِمُونَ عَلَى الْأَصَحِّ [قَوْلُهُ: وَنَبَّهَ بِالْعَطْفِ بِالْفَاءِ إلَخْ] فِيهِ أَنَّ الْعَطْفَ بِالْفَاءِ قَدْ يَتَجَرَّدُ عَنْ السَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِك: جَاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو فَلَيْسَ مَلْزُومًا لِلسَّبَبِيَّةِ حَتَّى يَأْتِيَ التَّنْبِيهُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: فَهَدَى مَنْ إلَخْ] أَيْ فَأَرْشَدَ وَبَيَّنَ الطَّرِيقَ لِمَنْ وَفَّقَهُ حَالَةَ كَوْنِ تِلْكَ الْهِدَايَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ هَدَى مُلْتَبِسَةً بِفَضْلِهِ مِنْ الْتِبَاسِ الْجُزْئِيِّ بِالْكُلِّيِّ، أَوْ أَنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى مِنْ أَيْ مِنْ أَفْرَادِ فَضْلِهِ لَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ التَّوْفِيقُ مِنْ فَضْلِهِ هَذَا عَلَى مُغَايَرَةِ الْهِدَايَةِ لِلتَّوْفِيقِ،
بِعَدْلِهِ) عَلَى أَنَّ مَا قَبْلَهُ سَبَبٌ، وَكَقَوْلِك: سَهَا فَسَجَدَ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّنْبِيهَ وَالْإِعْذَارَ سَبَبٌ لِقَبُولِهِمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُمَا سَبَبٌ فِي الْغَوَايَةِ وَالْهِدَايَةِ وَالْإِرْشَادِ وَالْبَيَانِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: 3] أَيْ بَيَّنَّا لَهُ طَرِيقَيْ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.
وَقِيلَ: الْهِدَايَةُ وَالتَّوْفِيقُ لَفْظَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَالضَّلَالُ وَالْخِذْلَانُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكُفْرِ، فَهِدَايَةُ الْمُهْتَدِي مَحْضُ فَضْلٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ عِوَضًا عَنْ شَيْءٍ وَلَا سَابِقَةَ اسْتِحْقَاقٍ لِلْعَبْدِ، إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شَيْءٌ، وَالْإِضْلَالُ وَالْخِذْلَانُ عَدْلٌ مِنْهُ وَالْعَدْلُ مَا لِلْفَاعِلِ أَنْ يَفْعَلَهُ مِنْ غَيْرِ حَجْرٍ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَالِكٌ لِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَلَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِيهَا؛ وَلِهَذَا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ الظُّلْمَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46] وَتَبَيَّنَ بِهَذَا الرَّدُّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رِعَايَةُ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ، فَإِنْ قِيلَ: الْهِدَايَةُ بِمَعْنَى الْبَيَانِ عَامَّةٌ
[حاشية العدوي]
وَأَمَّا عَلَى عَدَمِهَا فَالْمَعْنَى فَهَدَى مَنْ أَرَادَ تَوْفِيقَهُ أَيْ وَفَّقَ مَنْ أَرَادَ تَوْفِيقَهُ حَالَ كَوْنِ ذَلِكَ التَّوْفِيقِ مُلْتَبِسًا بِفَضْلِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ مَا قَبْلَهُ سَبَبٌ] وَهُوَ التَّنْبِيهُ وَالْإِعْذَارُ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ التَّنْبِيهَ وَالْإِعْذَارَ سَبَبٌ] لَمْ يَقُلْ سَبَبَانِ مَعَ أَنَّهُ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَجْمُوعَهُمَا سَبَبٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ كَمَا هُوَ بَيِّنٌ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: فِي الْهِدَايَةِ] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سَبَبٌ، وَقَوْلُهُ: لِقَبُولِهِمَا أَيْ لِأَجْلِ قَبُولِهِمَا أَوْ عِنْدَ قَبُولِهِمَا.
[قَوْلُهُ: وَالْإِعْرَاضِ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ لِقَبُولِهِمَا إلَخْ أَنْ يَقُولَ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُمَا أَيْ لِأَجْلِ الْإِعْرَاضِ أَوْ عِنْدَ الْإِعْرَاضِ عَنْهُمَا فِي الْغَوَايَةِ أَيْ أَنَّ التَّنْبِيهَ وَالْإِعْذَارَ سَبَبٌ فِي الْهِدَايَةِ لِأَجَلِ قَبُولِهِمَا أَوْ عِنْدَ قَبُولِهِمَا وَسَبَبٌ فِي الْغَوَايَةِ لِأَجْلِ الْإِعْرَاضِ أَوْ عِنْدَ الْإِعْرَاضِ عَنْهُمَا.
[قَوْلُهُ: الْغَوَايَةُ] بِفَتْحِ الْغَيْنِ خِلَافُ الرُّشْدِ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: وَالْبَيَانِ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى الْإِرْشَادِ وَالْهِدَايَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى شَامِلَةٌ لِلْكَافِرِ أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنًى وَاحِدٍ] أَيْ فَهُمَا مُتَرَادِفَانِ.
[قَوْلُهُ: خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ] أَرَادَ بِالْقُدْرَةِ الْعَرَضُ الْمُقَارِنُ لِلْفِعْلِ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَيْدٍ وَالدَّاعِيَةِ إلَيْهَا.
وَقِيلَ: خَلْقُ الطَّاعَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَكُونُ مُوَفَّقًا بِهَا كَمَا أَفَادَهُ بَعْضٌ، وَالْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي مَعْنَاهَا شَرْعًا وَأَمَّا لُغَةً فَهُوَ التَّأْلِيفُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكُفْرِ] أَرَادَ بِهَا الْعَرَضُ الْمُقَارِنُ.
[قَوْلُهُ: فَهِدَايَةُ الْمُهْتَدِي] أَيْ إرْشَادُهُ وَالْبَيَانُ لَهُ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ تَوْفِيقُهُ عَلَى الثَّانِي.
[قَوْلُهُ: مَحْضُ فَضْلٍ] مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَيْ فَضْلٌ مَحْضٌ، وَقَوْلُهُ: لَيْسَ عِوَضًا تَوْضِيحٌ لِقَوْلِهِ مَحْضُ فَضْلٍ.
[قَوْلُهُ: وَلَا سَابِقَةَ اسْتِحْقَاقٍ] أَيْ وَلَا اسْتِحْقَاقٌ سَابِقٌ فَهُوَ أَيْضًا مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، وَعَطْفُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ مُغَايِرٌ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَبْدَ لَمْ يَفْعَلْ مَعَ مَوْلَاهُ شَيْئًا تَكُونُ تِلْكَ الْهِدَايَةُ عِوَضًا عَنْهُ، وَمَعْنَى الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْمَعْطُوفُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَسْتَحِقُّ عِنْدَ اللَّهِ تِلْكَ الْهِدَايَةَ لِذَاتِهِ لَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ.
[قَوْلُهُ: إذْ لَا يَجِبُ إلَخْ] عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ مَحْضُ فَضْلٍ.
[قَوْلُهُ: سُبْحَانَهُ] أَيْ أُنَزِّهُهُ تَنْزِيهًا.
[قَوْلُهُ: تَعَالَى] أَيْ ارْتَفَعَ.
[قَوْلُهُ: وَلِهَذَا] أَيْ وَلِكَوْنِهِ مَالِكًا اعْلَمْ: أَنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي تَفْسِيرِهَا مَا نَصُّهُ فَلَا أُعَذِّبُ عَبْدًا بِغَيْرِ ذَنْبٍ اهـ.
فَالْآيَةُ عَلَى هَذَا مَسُوقَةٌ بِالنَّظَرِ لِلْوَعْدِ لَا بِالنَّظَرِ لِكَوْنِهِ مَالِكًا يَتَصَرَّفُ كَيْفَ يَشَاءُ الَّذِي كَلَامُ الشَّارِحِ فِيهِ إذْ لَوْ نَظَرَ لِذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يُعَذَّبَ وَلَوْ بِدُونِ ذَنْبٍ، فَلَا يُنَاسِبُ إيرَادُ الْآيَةِ فَإِنْ قُلْت: ظَلَّامٍ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ مَعْنَاهَا كَثِيرُ الظُّلْمِ فَالنَّفْيُ مُتَسَلِّطٌ عَلَى الْقَيْدِ الَّذِي هُوَ كَثْرَةُ الظُّلْمِ فَيُفِيدُ ثُبُوتَ أَصْلِ الظُّلْمِ لَهُ وَالْغَرَضُ نَفْيًا قُلْت: أُجِيبَ بِجَوَابَيْنِ.:
الْأَوَّلُ أَنَّ ظَلَّامٍ مِنْ بَابِ النَّسَبِ كَتَمَّارٍ أَيْ ذِي تَمْرٍ، فَالْمَعْنَى وَمَا رَبُّك بِمَنْسُوبٍ لِلظُّلْمِ، الثَّانِي: أَنَّ الْمُبَالَغَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنَّفْيِ أَيْ انْتَفَى الظُّلْمُ عَنْ الْمَوْلَى انْتِفَاءً مُؤَكَّدًا وَالْإِشْكَالُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَنْفِيِّ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: رِعَايَةُ الصَّلَاحِ إلَخْ] الصَّلَاحُ مَا قَابَلَهُ فَسَادٌ كَمُقَابَلَةِ الْإِنْعَامِ بِالْعِقَابِ، وَالْأَصْلَحُ مَا قَابَلَهُ صَلَاحٌ
لِلْمُوَفَّقِ وَغَيْرِهِ، فَلِأَيِّ شَيْءٍ خَصَّهَا بِالْمُوَفَّقِ؟ قُلْت: أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُوَفَّقَ لَمَّا انْتَفَعَ بِالْهِدَايَةِ دُونَ الضَّالِّ صَارَتْ فِي حَقِّ الضَّالِّ كَالْعَدَمِ.
(وَيَسَّرَ) أَيْ هَيَّأَ (الْمُؤْمِنِينَ لِلْيُسْرَى) أَيْ لِلطَّاعَةِ، وَقِيلَ مَعْنَى يَسَّرَ هَوَّنَ عَلَيْهِمْ فِعْلَ الطَّاعَةِ بِأَنْ جَعَلَهَا فِيهِمْ مَجْبُولَةً لَهُمْ حَتَّى تَكُونَ عَلَيْهِمْ أَهْوَنَ الْأُمُورِ، وَإِنَّمَا قَالَ: الْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْمُسْلِمِينَ، لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذِكْرِ الْإِيمَانِ عِنْدَ إرَادَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ (وَشَرَحَ) بِمَعْنَى فَتَحَ وَوَسَّعَ (صُدُورَهُمْ) أَيْ قُلُوبَ
[حاشية العدوي]
كَمُقَابَلَةِ الْإِنْعَامِ بِدِينَارٍ بِالْإِنْعَامِ بِدِرْهَمٍ.
وَفِي الْمَقَامِ كَلَامٌ آخَرُ فَلَا حَاجَةَ إلَى جَلْبِهِ [قَوْلُهُ: فَلِأَيِّ شَيْءٍ إلَخْ] هَذَا بِنَاءٌ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْهِدَايَةَ بِمَعْنَى الدَّلَالَةِ، وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِالْهِدَايَةِ الْوُصُولُ بِالْفِعْلِ فَلَا يَرِدُ ذَلِكَ السُّؤَالُ وَالْأَوْلَى حَمْلُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ كَمَا فَعَلَهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْوِجُ إلَى سُؤَالٍ مَعَ مُنَاسَبَتِهِ لِقَوْلِهِ بَعْدُ وَأَضَلَّ مَنْ خَذَلَهُ بِعَدْلِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى أَضَلَّ خَلَقَ قُدْرَةَ الْمَعْصِيَةِ فِي قَلْبِ مَنْ أَرَادَ خِذْلَانَهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ عج: وَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِعَدَمِ بَيَانِ طَرِيقِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ إذْ مَنْ يَبِينُ لَهُ طَرِيقُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ لَيْسَ بِمَخْذُولٍ.
.
. [قَوْلُهُ: أَيْ هَيَّأَ إلَخْ] مِنْ هَيَّأَ الْفَرَسَ لِلرُّكُوبِ إذَا أَلْجَمَهَا كَذَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ.
[قَوْلُهُ: الْمُؤْمِنِينَ] أَيْ الْكَامِلِينَ فِي الْإِيمَانِ لِقَوْلِهِ: بَعْدُ فَآمَنُوا إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَقِيلَ مَعْنَى يَسَّرَ هَوَّنَ إلَخْ] قَالَ عج: إنَّ هَذَا أَخَصُّ مِنْ الْأَوَّلِ إذْ قَدْ يُهَيَّأُ لِلشَّخْصِ فِعْلُ الطَّاعَةِ مَعَ عُسْرِهَا عَلَيْهِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ لِي أَنَّهُ يَرْجِعُ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ التَّيْسِيرَ بِمَعْنَى التَّهْيِئَةِ بِمَعْنَى رَغْبَتِهِمْ فِي الطَّاعَةِ بِحَيْثُ يَرَوْنَهَا سَهْلَةً عَلَيْهِمْ.
[قَوْلُهُ: فِيهِمْ] أَيْ ثَابِتَةً فِيهِمْ، وَقَوْلُهُ: مَجْبُولَةً لَهُمْ أَيْ وَمَجْبُولَةً لَهُمْ إذْ حَرْفُ الْعَطْفِ يَجُوزُ حَذْفُهُ اخْتِيَارًا عَلَى التَّحْقِيقِ أَوْ حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي جَعَلَهَا أَوْ الضَّمِيرِ فِيهِمْ أَيْ مَطْبُوعَةٌ وَمَغْرُوزَةٌ فِيهِمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا عَلَى الْقَلْبِ أَيْ جَعَلَهُمْ مَجْبُولِينَ عَلَيْهَا أَيْ مَطْبُوعِينَ عَلَيْهَا.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: جَبَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى كَذَا مِنْ بَابِ قَتَلَ فَطَرَهُ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: حَتَّى تَكُونَ إلَخْ] حَتَّى تَعْلِيلِيَّةٌ فَمَدْخُولُهَا عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ إرَادَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ] أَيْ إذَا أَرَادُوا أَنْ يُفَرِّقُوا أَيْ يُمَيِّزُوا بِالتَّعْرِيفِ بَيْنَ الْخَصْلَةِ الْحَمِيدَةِ الَّتِي يَصِيرُ بِهَا الْإِنْسَانُ نَاجِيًا وَالْخَصْلَةِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الْإِنْسَانُ كَافِرًا يُعَبِّرُونَ عَنْ الْخَصْلَةِ الْحَمِيدَةِ بِالْإِيمَانِ دُونَ الْإِسْلَامِ فَلِذَلِكَ آثَرَ الْمُصَنِّفُ التَّعْبِيرَ بِالْمُؤْمِنِينَ عَلَى التَّعْبِيرِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَا يَتِمُّ إلَّا إذَا كَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ فَرْقٍ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَوْلَهُ بِذِكْرِ الْإِيمَانِ أَيْ يَذْكُرُ هَذِهِ الْمَادَّةَ فِي ضِمْنِ التَّعْبِيرِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ إرَادَةِ الْفَرْقِ بَيْنِ ذِي الْإِيمَانِ وَذِي الْكُفْرِ بِذِكْرِ أَوْصَافِ هَذَا وَأَوْصَافِ هَذَا، أَيْ إذَا أَرَادُوا أَنْ يَذْكُرُوا أَوْصَافَ هَذَا وَأَوْصَافَ هَذَا يُعَبِّرُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ بِالنَّظَرِ لِعِبَارَتِهِ.
وَأَمَّا تت فَقَدْ عَبَّرَ بِأَمْرٍ وَاضِحٍ لَا يَحْتَاجُ لِتَكَلُّفٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَعَبَّرَ بِالْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْمُسْلِمِينَ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذِكْرِ الْإِيمَانِ لِلْمُقَابَلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُفْرِ اهـ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى فَتَحَ وَوَسَّعَ] كَذَا فِي الْقَامُوسِ إلَّا أَنَّهُ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي مَجَازِهِ وَهُوَ تَهَيُّؤُ الْقُلُوبِ لِلْإِيمَانِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ قُلُوبَ إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الصُّدُورَ مَجَازٌ مِنْ اسْتِعْمَالِ اسْمِ الْمَحَلِّ وَهُوَ الصَّدْرُ عَلَى الْحَالِّ وَهُوَ الْقَلْبُ، وَأَرَادَ بِالْقَلْبِ الْعَقْلَ، إذْ هُوَ أَيْ الْقَلْبُ قَدْ يُطْلَقُ كَمَا فِي الشَّارِحِ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ وَيُرَادُ بِهِ الْعَقْلُ، كَمَا يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ اللَّحْمَةُ الصَّنَوْبَرِيَّةُ وَذَكَرَهُ تت بِقَوْلِهِ: وَالْقُلُوبُ جَمْعُ قَلْبٍ وَيَقَعُ عَلَى اللَّحْمَةِ الصَّنَوْبَرِيَّةِ وَعَلَى الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِهَا وَهُوَ الْعَقْلُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ مَحَلُّهُ، وَسُمِّيَ قَلْبًا لِتَقَلُّبِهِ بَيْنَ الْخَوَاطِرِ الْوَارِدَةِ عَلَيْهِ اهـ. وَالصَّنَوْبَرِيَّة بِفَتْحِ الصَّادِ كَمَا هُوَ مَضْبُوطٌ بِالْقَلَمِ فِي نُسْخَةٍ مِنْ الصِّحَاحِ مُعْتَمَدَةُ الضَّبْطِ.
وَقَوْلُهُ: الْمُؤْمِنِينَ أَيْ الْكَامِلِينَ فِي الْإِيمَانِ أَيْ مَنْ يَئُولُ أَمْرُهُمْ إلَى الْإِيمَانِ الْكَامِلِ، هَيَّأَ قُلُوبَهُمْ لِذَلِكَ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ وَحَمَلْنَا الْإِيمَانَ عَلَى الْكَامِلِ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: فَآمَنُوا إلَخْ فَفِي الْعِبَارَةِ مَجَازُ الْأَوَّلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا عَلَى حَقِيقَتِهِ أَيْ أَنَّ الْمُتَّصِفِينَ بِأَصْلِ الْإِيمَانِ وَعَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَكْمُلُ إيمَانُهُمْ هَيَّأَ قُلُوبَهُمْ
الْمُؤْمِنِينَ (لِلذِّكْرَى) أَيْ لِلْإِيمَانِ.
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سُئِلَ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: 22] " إذَا أَنْزَلَ اللَّهُ النُّورَ فِي الْقَلْبِ فَتَحَهُ وَوَسَّعَهُ، وَعَلَامَتُهُ الْعَمَلُ لِدَارِ الْخُلُودِ وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ "، وَعَطَفَ قَوْلَهُ وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ وَعَطَفَ قَوْلَهُ (فَآمَنُوا بِاَللَّهِ بِأَلْسِنَتِهِمْ نَاطِقِينَ وَبِقُلُوبِهِمْ مُخْلِصِينَ وَبِمَا أَتَتْهُمْ بِهِ رُسُلُهُ وَكُتُبُهُ عَامِلِينَ) لِمَجِيئِهِ مَجِيءَ الْمُسَبَّبِ عَنْ السَّبَبِ، وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالتَّقْدِيرُ وَعَامِلِينَ بِمَا أَتَتْهُمْ بِهِ رُسُلُهُ وَكُتُبُهُ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْمَجْرُورَ عَلَى الْمُتَعَلَّقِ بِهِ
[حاشية العدوي]
لِكَمَالِ الْإِيمَانِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ لِلْإِيمَانِ] اعْلَمْ أَنَّ الذِّكْرَى مَصْدَرٌ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَ الْمُرَادُ بِهِ هُنَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ الْإِيمَانُ، وَرُجِّحَ وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ شَارِحُنَا، وَقِيلَ: إنَّهُ الْمَوْعِظَةُ وَقَدْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ تت.
[قَوْلُهُ: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الزمر: 22]] يُؤْخَذُ مِنْ مُوَافَقَةِ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ لِلَفْظِ الْآيَةِ تَفْسِيرُ الذِّكْرَى بِالْإِيمَانِ أَنَّ الْإِسْلَامَ نَفْسُ الْإِيمَانِ فَيَكُونُ مُفِيدًا لِتَرَادُفِهِمَا وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: الذِّكْرَى الْإِيمَانُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ شَيْءٌ وَاحِدٌ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ [الزمر: 22] إلَخْ اهـ.
وَمَنْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ.
﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ﴾ [الزمر: 22] كَذَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ قَالَ الشِّهَابُ: أَيْ كَمَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ أَوْ كَمَنْ قَسَا قَلْبُهُ.
[قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: 22]] أَيْ ثَابِتٌ وَمُسْتَقِرٌّ عَلَى نُورٍ.
قَالَ الشِّهَابُ عَلَى الْبَيْضَاوِيِّ: وَالنُّورُ مُسْتَعَارٌ لِلْهِدَايَةِ وَالْمَعْرِفَةِ كَمَا يُسْتَعَارُ لِضِدِّهِ الظُّلْمَةُ اهـ.
وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْهِدَايَةَ وَالْمَعْرِفَةَ مُحَصَّلُ الْإِيمَانِ الَّذِي جُعِلَ مُرَادِفًا لِلْإِسْلَامِ، فَحَاصِلُهُ أَنَّ النُّورَ نَفْسُ ذَلِكَ الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ فَصَرَّحَ بِهِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ حَيْثُ كَانَ نُورًا مِنْ رَبِّهِ مَعَ أَنَّ الْمَحَلَّ لِلضَّمِيرِ.
[قَوْلُهُ: إذَا أَنْزَلَ اللَّهُ النُّورَ فِي الْقَلْبِ إلَخْ] قَالَ الشِّهَابُ: وَالْمُرَادُ بِالنُّورِ فِيهِ أَيْ فِي الْحَدِيثِ الْهِدَايَةُ وَالْيَقِينُ اهـ. أَيْ إذَا أَرَادَ اللَّهُ إنْزَالَ النُّورِ فِي الْقَلْبِ فَتَحَهُ وَوَسَّعَهُ أَيْ هَيَّأَهُ لِقَبُولِ ذَلِكَ النُّورِ، فَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَامَتُهُ] كَذَا فِي نُسْخَةٍ يُظَنُّ بِهَا الصِّحَّةُ، وَعَلَامَتُهُ بِدُونِ لَفْظِ مِنْ أَيْ عَلَامَةُ الْإِنْزَالِ الْمَأْخُوذِ مِنْ أَنْزَلَ أَوْ الْفَتْحِ الْمَأْخُوذِ مِنْ فَتَحَ، ثُمَّ أَقُولُ: وَهَذَا يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ فِي الْآيَةِ مُرَادٌ بِهِ الْإِسْلَامُ الْكَامِلُ فَيُوَافِقُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ.
[قَوْلُهُ: لِدَارِ الْخُلُودِ] أَيْ الْآخِرَةِ.
[قَوْلُهُ: وَالتَّجَافِي] أَيْ التَّبَاعُدُ.
[قَوْلُهُ: عَنْ دَارِ الْغُرُورِ] أَيْ الْبَاطِلِ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الدُّنْيَا [قَوْلُهُ: وَالِاسْتِعْدَادُ] أَيْ وَالتَّهَيُّؤُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ حُصُولِهِ [قَوْلُهُ: فَآمَنُوا] لَيْسَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا لِلْمُؤْمِنِينَ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ بَلْ لِمَنْ هَدَاهُمْ وَيَصِحُّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ بِتَكْلِيفٍ وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِالْمُؤْمِنِينَ مَنْ أَرَادَ إيمَانَهُمْ، وَلَعَلَّ الْحَامِلَ لِبَعْضِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ عَدَمُ لُزُومِ اخْتِلَافِ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ إذْ ضَمِيرُ تَعَلَّمُوا وَوَقَفُوا لِلْمُؤْمِنِينَ كَذَا ذَكَرَهُ عج [قَوْلُهُ: بِأَلْسِنَتِهِمْ] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ نَاطِقِينَ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِمْ: أَبْصَرْت بِعَيْنِي وَسَمِعْت بِأُذُنِي وَنَاطِقِينَ حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي آمَنُوا.
[قَوْلُهُ: وَبِقُلُوبِهِمْ] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ مُخْلِصِينَ أَوْ مُصَدِّقِينَ، فَالْإِخْلَاصُ هُنَا لَيْسَ بِالْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ الَّذِي فِيهِ أَقْوَالٌ فَقِيلَ إنَّهُ تَرْكُ حُبِّ الْمَدْحِ عَلَى الْعَمَلِ، وَقِيلَ: إنَّهُ تَرْكُ الشَّكِّ وَالشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ، وَقِيلَ: إنَّهُ سِرٌّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكْتُبُهُ وَلَا شَيْطَانٌ فَيُفْسِدُهُ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ جَعَلَ الْإِيمَانَ مُرَكَّبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: النُّطْقِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْعَمَلِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهَا كَلَامُهُ صَرِيحًا بِقَوْلِهِ: نَاطِقِينَ وَمُخْلِصِينَ وَعَامِلِينَ، فَلَوْ فُسِّرَ بِالْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ التَّعَرُّضُ لِلتَّصْدِيقِ صَرِيحًا.
تَنْبِيهٌ: كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ الْإِخْلَاصَ عَلَى النُّطْقِ وَإِنْ كَانَتْ الْوَاوُ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا.
[قَوْلُهُ: لِمَجِيئِهِ إلَخْ] أَيْ فَعَطَفَ قَوْلَهُ: فَآمَنُوا عَلَى قَوْلِهِ: فَهَدَى مَنْ وَفَّقَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْهِدَايَةِ مُطْلَقُ الدَّلَالَةِ فَهِيَ سَبَبٌ وَإِيمَانُهُمْ بِاَللَّهِ مُسَبَّبٌ أَفَادَهُ عج.
وَفِيهِ أَنَّ الْعَطْفَ بِالْفَاءِ لَيْسَ مُسْتَلْزِمًا لِلسَّبَبِيَّةِ [قَوْلُهُ: وَفِيهِ تَقْدِيمٌ
لِتَسْتَقِيمَ بِهِ الْفَوَاصِلُ وَهِيَ حِلْيَةُ الْكَلَامِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا وَفِي آخِرِ بَابِ مَا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ أَنَّ الْإِيمَانَ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: النُّطْقُ وَالتَّصْدِيقُ، وَالْعَمَلُ بِالْجَوَارِحِ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِهِ أَوَّلَ الْبَابِ الْمَذْكُورِ إنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَشَرْطُ كَمَالٍ لَا شَرْطُ صِحَّةٍ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقَوْلُهُ: بِأَلْسِنَتِهِمْ نَاطِقِينَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَقِّ مَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ النُّطْقُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيُجْزِيهِ عَنْ ذَلِكَ الْإِشَارَةُ (وَتَعَلَّمُوا) أَيْ الْمُؤْمِنُونَ (مَا عَلَّمَهُمْ) اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الْإِيمَانُ (وَوَقَفُوا عِنْدَ مَا حَدَّ لَهُمْ) وَهُوَ الْوَاجِبَاتُ وَالْمَنْدُوبَاتُ وَالْمُحَرَّمَاتُ وَالْمَكْرُوهَاتُ، فَالْوُقُوفُ هُنَا مَعْنَوِيٌّ وَهُوَ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الشَّيْءِ وَالْمُلَازَمَةُ لَهُ وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ، فَوَقَفُوا عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ بِالِامْتِثَالِ وَعَلَى الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ بِالِاجْتِنَابِ (وَاسْتَغْنَوْا) بِمَعْنَى اكْتَفَوْا (بِمَا أَحَلَّ
[حاشية العدوي]
وَتَأْخِيرٌ] التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ لَا فِي الْحَالِ الْأَخِيرَةِ فَقَطْ فَلَا وَجْهَ لِلتَّخْصِيصِ.
[قَوْلُهُ: الْفَوَاصِلُ] جَمْعُ فَاصِلَةٍ وَهِيَ فِي النَّثْرِ بِمَنْزِلَةِ الْقَافِيَةِ فِي الشِّعْرِ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ حِلْيَةُ الْكَلَامِ] أَيْ زِينَةُ الْكَلَامِ أَيْ يَتَزَيَّنُ الْكَلَامُ بِهَا.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ خِلَافُ إلَخْ] أَقُولُ لَا مُخَالَفَةَ فِي أَنَّ مُرَادَهُ هُنَا بِالْإِيمَانِ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ وَمَا سَيَأْتِي مُرَادُهُ بِهِ أَصْلُ الْإِيمَانِ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ] أَيْ مَا ذَكَرَهُ آخِرًا مِنْ كَوْنِهِ مُرَكَّبًا مِنْ اثْنَيْنِ فَقَطْ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَدْ عَلِمْت أَنْ لَا مُخَالَفَةَ ثُمَّ أَقُولُ: وَالْمَشْهُورُ خِلَافُ مَا ادَّعَى أَنَّهُ الْمَشْهُورُ إذْ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي يَكُونُ بِهِ نَاجِيًا مِنْ الْعَذَابِ الْمُخَلِّدِ التَّصْدِيقُ الْقَلْبِيُّ فَقَطْ وَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ، لَكِنْ بِحَيْثُ لَوْ طُلِبَ مِنْهُ النُّطْقُ لَأَتَى بِهِ وَلَمْ يَأْتِ [قَوْلُهُ: فَيُجْزِيهِ عَنْ ذَلِكَ الْإِشَارَةُ] أَيْ فَلَا لِإِشَارَةٍ قَائِمَةٍ مَقَامَ النُّطْقِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْإِيمَانِ أَيْ فَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا عِنْدَ اللَّهِ إلَّا إذَا أَتَى بِتِلْكَ الْإِشَارَةِ هُنَا عَلَى مَا ادَّعَى أَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَأَمَّا عَلَى مَا قُلْنَا إنَّهُ الْمَشْهُورُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَإِنْ لَمْ يُشِرْ نَعَمْ لَا يُعْرَفُ كَوْنُهُ انْتَقَلَ مِنْ الْكُفْرِ إلَى الْإِيمَانِ إلَّا بِالْإِشَارَةِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْإِيمَانُ] اعْتَرَضَهُ عج بِالْقُصُورِ حَيْثُ قَالَ: وَتَعَلُّمُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَلَّمَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ الْمَعْرِفَةُ وَحَقِيقَةُ الْإِيمَانِ وَشَرَائِعُ الْإِسْلَامِ.
وَاقْتَصَرَ الشَّاذِلِيُّ فِي الصَّغِيرِ عَلَى الْإِيمَانِ، فَقَالَ: مَا عَلَّمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الْإِيمَانُ اهـ.
وَفِيهِ قُصُورٌ اهـ. كَلَامُ عج، بَقِيَ بَحْثٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِيمَانَ قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: تَصْدِيقٌ وَقَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَلَيْسَ الْقَصْدُ تَعَلُّمُهَا فِيمَا يَظْهَرُ بَلْ الْقَصْدُ الِاتِّصَافُ بِهَا، فَالْوَجْهُ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: وَتَعَلَّمُوا مَجَازًا عَنْ الِاتِّصَافِ أَيْ وَاتَّصَفُوا، وَتَجَوَّزَ بِقَوْلِهِ: مَا عَلَّمَهُمْ عَنْ إيجَادِ اللَّهِ ذَلِكَ الْإِيمَانَ فِيهِمْ وَالتَّقْدِيرُ، وَاتَّصَفُوا بِالْإِيمَانِ الَّذِي أَوْجَدَهُ اللَّهُ فِيهِمْ وَيُمْكِنُ إبْقَاءُ الْكَلَامِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَيُقَدَّرُ مُضَافٌ فِي قَوْلِهِ: الْإِيمَانُ أَيْ شَرَائِعُ الْإِيمَانِ نَعَمْ يُرَادُ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِتَعَلُّمِ الْمُعَلِّمِ لَهُمْ، قُلْنَا: مَعْنَى عِبَارَتِهِ شَرَعُوا فِي تَعَلُّمِ مَا وَجَبَ تَعَلُّمُهُ عَلَيْهِمْ أَفَادَهُ عج.
[قَوْلُهُ: الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الشَّيْءِ] هُوَ مَا ذَكَرَ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ، وَالْمُلَازَمَةُ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلُ، وَالْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ مِنْ حَيْثُ التَّرْكُ، وَتَرَكَ الْمُبَاحَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَدٌّ.
[قَوْلُهُ: بِالِامْتِثَالِ] قَالَ فِي الْقَامُوسِ: امْتَثَلْت أَمْرَهُ أَطَعْتُهُ، وَالْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ أَيْ مُصَوِّرًا الْوُقُوفَ فِي جَانِبِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ بِالْإِطَاعَةِ أَيْ فِعْلُهُمَا، وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ: بِالِاجْتِنَابِ أَيْ تَرْكُهُمَا وَبِتَقْدِيرِنَا هَذَا يَنْدَفِعُ مَا قَالَ عج مُتَعَقِّبًا لِعِبَارَةِ الشَّارِحِ وَنَصِّهِ، وَهُوَ أَيْ كَلَامُ الشَّارِحِ يُفِيدُ أَنَّ مَنْ صَدَرَ عَنْهُ فِعْلُ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي لَا عَلَى وَجْهِ الْمُوَاظَبَةِ بِأَنْ عَاجَلَهُ الْمَوْتُ لَا يَكُونُ وَاقِفًا عَلَى الْحُدُودِ، وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ تُفِيدُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْوُقُوفِ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِالْعَمَلِ بِالْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابِ النَّوَاهِي، ثُمَّ قَالَ: بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّاذِلِيُّ يُقَالُ: مَا حِكْمَةُ اعْتِبَارِ الِامْتِثَالِ فِي جَانِبِ الْأَوَامِرِ دُونَ النَّوَاهِي مَعَ أَنَّ الثَّوَابَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الِامْتِثَالِ، وَالْخُرُوجُ مِنْ عُهْدَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا يَتَحَقَّقُ بِحُصُولِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الِامْتِثَالِ اهـ.
لَهُمْ) بِالنَّصِّ (عَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ) بِالنَّصِّ.
وَهُنَا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى الْخُطْبَةِ، ثُمَّ شَرَعَ يُبَيِّنُ سَبَبَ تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ فَقَالَ: (أَمَّا) كَلِمَةُ افْتِتَاحٍ وَفَصْلٍ، يَفْصِلُ بِهَا بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ غَيْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ (بَعْدُ) ظَرْفٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ (أَعَانَنَا اللَّهُ) أَيْ خَلَقَ لَنَا قُدْرَةً عَلَى الطَّاعَةِ، وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ (وَإِيَّاكَ) وَغَيْرُهُ مِمَّا سَيَأْتِي لِمَنْ سَأَلَهُ تَأْلِيفَ هَذَا الْكِتَابِ وَهُوَ الشَّيْخُ مُحْرِزٌ (عَلَى رِعَايَةِ) أَيْ حِفْظِ (وَدَائِعِهِ) وَهِيَ الْجَوَارِحُ السَّبْعَةُ بِامْتِثَالِ الْمَأْمُورَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ (وَ) أَعَانَنَا عَلَى (حِفْظِ مَا أُودِعْنَا مِنْ شَرَائِعِهِ) جَمْعُ شَرِيعَةٍ، وَهِيَ الْأَحْكَامُ
[حاشية العدوي]
تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ بِالنَّظَرِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْعُهْدَةِ لَا بِالنَّظَرِ لِلثَّوَابِ وَعَدَمِهِ، وَأَمَّا بِالنَّظَرِ لِذَلِكَ فَنَقُولُ: إنَّ مَا تَوَقَّفَتْ صِحَّتُهُ عَلَى نِيَّةٍ يُثَابُ إذَا قَصَدَ الِامْتِثَالَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا لَا إنْ قَصَدَ عَدَمَ الِامْتِثَالِ، وَأَمَّا مَا لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى نِيَّةٍ كَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَأَدَاءِ الدُّيُونِ فَيَتَوَقَّفُ حُصُولُ الثَّوَابِ فِيهِ عَلَى قَصْدِ الِامْتِثَالِ لَا إنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا أَوْ قَصَدَ عَدَمَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ بِالنَّظَرِ لِلْمَأْمُورِ.
وَأَمَّا الْمَنْهِيُّ فَثَوَابُهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةِ الِامْتِثَالِ فِي التَّرْكِ، وَأَمَّا الْخُرُوجُ مِنْ الْعُهْدَةِ فَيَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الِاجْتِنَابِ هَكَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا ذَكَرَهُ عج فَرَاجِعْهُ.
[قَوْلُهُ: وَاسْتَغْنَوْا إلَخْ] لَازِمٌ مِمَّا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَوَقَفُوا عِنْدَ مَا حَدَّ لَهُمْ.
[قَوْلُهُ: بِالنَّصِّ إلَخْ] اعْتَرَضَهُ عج بِقَوْلِهِ، وَلَوْ قَالَ بِالدَّلِيلِ بَدَلَ قَوْلِهِ بِالنَّصِّ فِيهِمَا لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ قَدْ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا النَّصُّ وَقَدْ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا غَيْرُهُ مِنْ بَاقِي الْأَدِلَّةِ أَيْ كَالْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ اهـ. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالنَّصِّ نَصُّ الْأَئِمَّةِ فَيَشْمَلُ بَاقِيَ الْأَدِلَّةِ مَا وَرَدَ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ حَتَّى لَا يَشْمَلَ.
تَتِمَّةٌ:
لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى الْعَقْلِ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ بِحِلٍّ وَلَا تَحْرِيمٍ، هَلْ يَكُونُ حَلَالًا أَوْ يُوقَفُ عَنْهُ؟ هُمَا قَوْلَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ لَكِنْ بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ لَا أَصْلِيًّا وَلَا فَرْعِيًّا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي تَحْكِيمِهِمْ الْعَقْلَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ اهـ.
سَبَب تَأْلِيف الْكتاب
[قَوْلُهُ: وَهُنَا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى الْخُطْبَةِ إلَخْ] فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ بَيَانَ سَبَبِ التَّأْلِيفِ لَيْسَ مِنْ الْخُطْبَةِ مَعَ أَنَّ الْمُتَعَارَفَ أَنَّ الْخُطْبَةَ مَا تُقَدَّمُ أَمَامَ الْمَقْصُودِ فَيَشْمَلُ سَبَبَ التَّأْلِيفِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَلَعَلَّ مُصْطَلَحَهُ أَنَّ الْخُطْبَةَ اسْمٌ لِمَا احْتَوَى عَلَى الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ [قَوْلُهُ: هَذَا الْكِتَابِ] الْإِشَارَةُ رَاجِعَةٌ إلَى مَا فِي الذِّهْنِ وَلَوْ كَانَتْ الْخُطْبَةُ مُتَأَخِّرَةً عَنْ التَّأْلِيفِ؛ لِأَنَّ مُسَمَّى الْكِتَابِ الْأَلْفَاظُ وَهِيَ أَعْرَاضٌ تَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهَا.
[قَوْلُهُ: كَلِمَةُ افْتِتَاحٍ] أَيْ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا كَلَامٌ مُفْتَتَحٌ أَيْ مُنْقَطِعٌ عَنْ الَّذِي قَبْلَهَا فَلَا يَرِدُ أَنْ يُقَالَ إنَّ قَوْلَهُ افْتِتَاحٌ يُنَافِي قَوْلَهُ فَصْلٌ؛ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا وَقَعَتْ أَوَّلًا، وَلَفْظُ فَصْلٍ يُشْعِرُ بِسَبْقِ كَلَامٍ، وَجَوَابُهُ مَا أَشَرْنَا لَهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى كَلِمَةِ افْتِتَاحٍ أَنَّ بَعْدَهَا كَلَامًا مُنْقَطِعًا عَمَّا قَبْلَهَا.
[قَوْلُهُ: أَعَانَنَا اللَّهُ إلَخْ] النُّونُ إمَّا لِلْمُتَكَلِّمِ وَمَعَهُ غَيْرُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَوْلُهُ: بَعْدُ وَإِيَّاكَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ اهْتِمَامًا بِهِ لِكَوْنِهِ السَّائِلَ أَوْ لِلْعَظَمَةِ، إشَارَةٌ إلَى جَوَازِ التَّعَاظُمِ بِالْعِلْمِ فَقَدْ جَدَّ الْأَثَرُ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَعَاظَمْ بِالْعِلْمِ» وَمَعْنَاهُ لَيْسَ مِنَّا مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهُ عَظِيمًا بِالْعِلْمِ حَيْثُ جَعَلَهُ مَحَلًّا لَهُ وَمَوْصُوفًا بِهِ وَلَمْ يَسْتَرْذِلْهُ بِحَيْثُ يَمْنَعُهُ مِنْهُ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَفْهَمَ أَنَّ مَعْنَى التَّعَاظُمِ رُؤْيَةُ النَّفْسِ مُرْتَفِعَةً عَلَى الْغَيْرِ مُحْتَقِرَةً بِهِ فَإِنَّ هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَذَا قَالَ عج.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ الشَّيْخُ مُحْرَزٌ] بِفَتْحِ الرَّاءِ قَالَهُ ابْنُ نَاجِي.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ الْجَوَارِحُ السَّبْعَةُ] السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَاللِّسَانُ وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالْبَطْنُ وَالْفَرْجُ وَجُعِلَتْ وَدَائِعَ تَشْبِيهًا لَهَا بِالْوَدَائِعِ مِنْ الْمَالِ بِجَامِعِ الْحِفْظِ مِنْ التَّلَفِ وَالضَّيَاعِ، فَاسْتِعْمَالُ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي غَيْرِ مَا جُعِلَتْ لَهُ تَلَفٌ لَهَا وَضَيَاعٌ، وَوَدَائِعُ جَمْعُ وَدِيعَةٍ فَعِيلَةٍ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ.
[قَوْلُهُ: بِامْتِثَالِ الْمَأْمُورَاتِ إلَخْ] مُتَعَلِّقٌ
بِالْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورَاتِ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ سُنَّةً أَوْ فَضِيلَةً، وَتَرْكِ الْمَنْهِيَّاتِ مُحَرَّمَةً كَانَتْ أَوْ مَكْرُوهَةً، (فَإِنَّك) جَوَابُ أَمَّا التَّقْدِيرُ أَمَّا بَعْدَ تَقْدِيمِ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنْ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّك (سَأَلْتَنِي أَنْ أَكْتُبَ لَك جُمْلَةً مُخْتَصَرَةً) وَهِيَ الْقَلِيلَةُ اللَّفْظِ الْكَثِيرَةُ الْمَعْنَى، ثُمَّ بَيَّنَ الْجُمْلَةَ بِقَوْلِهِ: (مِنْ وَاجِبِ أُمُورِ الدِّيَانَةِ) وَفِي نُسْخَةٍ الدِّيَانَاتِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ (مِمَّا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ) كَالشَّهَادَتَيْنِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ (وَ) مِمَّا (تَعْتَقِدُهُ الْقُلُوبُ) كَالْإِيمَانِ (وَ) مِمَّا (تَعْمَلُهُ الْجَوَارِحُ) كَالصَّلَاةِ
[حاشية العدوي]
بِقَوْلِهِ حِفْظِ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: وَأَعَانَنَا عَلَى حِفْظِ إلَخْ] تَفَنَّنَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي التَّعْبِيرِ دَفْعًا لِلثِّقَلِ الْحَاصِلِ بِالتَّكْرَارِ، فَعَبَّرَ بِرِعَايَةٍ فِي الْوَدَائِعِ وَبِالْحِفْظِ فِي الشَّرَائِعِ مَعَ أَنَّ مَعْنَى رِعَايَةٍ حِفْظٌ.
[قَوْلُهُ: مَا أَوْدَعَنَا إلَخْ] حَاصِلُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْجَوَارِحِ السَّبْعَةِ وَالشَّرَائِعِ مُودَعُ الْمُكَلَّفِ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهِ لَكِنْ حِفْظُ أَحَدِهِمَا يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِلتَّأْكِيدِ.
[قَوْلُهُ: جَمْعُ شَرِيعَةٍ] إلَخْ هِيَ لُغَةً الطَّرِيقَةُ وَشَرْعًا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَهِيَ الْأَحْكَامُ تَفْسِيرٌ لِلشَّرَائِعِ الَّذِي هُوَ الْجَمْعُ لَا تَفْسِيرٌ لِلْمُفْرَدِ، فَتَأَمَّلْ فِي الْمَقَامِ تَقِفْ عَلَى الْمُرَادِ، وَالْحُكْمُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ الْإِيجَابُ وَالنَّدْبُ وَالتَّحْرِيمُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ النِّسْبَةُ التَّامَّةُ كَثُبُوتِ الْوُجُوبِ لِلنِّيَّةِ فِي قَوْلِك النِّيَّةُ وَاجِبَةٌ.
[قَوْلُهُ: بِالْإِتْيَانِ] الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: جَوَابُ أَمَّا] فِيهِ أَنَّ شَرْطَ الْجَوَابِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا بِالنِّسْبَةِ لِشَرْطِهِ وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفًا وَالتَّقْدِيرُ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَائِلٌ لَك سَأَلْتنِي.
[قَوْلُهُ: مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ] مُرَادُهُ بِالْوُجُوبِ تَأَكُّدُ التَّقْدِيمِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ إلَخْ] أَيْ فَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ فَآمَنُوا بِاَللَّهِ إلَخْ، ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْأَفْعَالُ مُسْنَدَةً لِغَيْرِهِ عَزَّ وَجَلَّ.
[قَوْلُهُ: أَنْ أَكْتُبَ لَك] أَيْ أُصَنِّفَ لَك، وَعَدَلَ عَنْهُ إلَى الْكَتْبِ تَوَاضُعًا لِمَا فِي التَّعْبِيرِ بِالتَّأْلِيفِ مِنْ الْإِشْعَارِ بِالتَّعْظِيمِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، أَيْ عِنْدَ عَدَمِ قَصْدِ التَّحَدُّثِ بِنِعْمَةِ الْمَوْلَى.
[قَوْلُهُ: جُمْلَةً] أَيْ طَائِفَةً مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَقْصُودِ لِلسَّائِلِ، وَعَبَّرَ بِجُمْلَةٍ دُونَ الْجُمَلِ مَعَ أَنَّهُ الْوَاقِعُ إشْعَارًا بِقِلَّتِهَا.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ الْقَلِيلَةُ اللَّفْظُ] تَفْسِيرٌ لِلْمُخْتَصَرَةِ أَيْ فَالِاخْتِصَارُ التَّعْبِيرُ بِاللَّفْظِ الْقَلِيلِ عَنْ الْمَعْنَى الْكَثِيرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاقْتِصَارِ أَنَّ الِاخْتِصَارَ مَا ذَكَرَ وَالِاقْتِصَارُ الْإِتْيَانُ بِبَعْضِ الشَّيْءِ دُونَ بَعْضٍ، ثُمَّ يَرِدُ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّ الْجُمْلَةَ الْمَوْصُوفَةَ بِمَا ذَكَرَ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ.
وَقَوْلُهُ: الْقَلِيلَةُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لِلْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ لَفْظٌ وَلَا يَصِحُّ، وَالْجَوَابُ أَنَّ اللَّفْظَ الْمَوْصُوفَ بِالْقِلَّةِ يُرَادُ مِنْهُ أَجْزَاءُ ذَلِكَ الْمَوْصُوفِ بِالْجُمْلَةِ، فَحَصَلَ الِاخْتِلَافُ بِالْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ بَيَّنَ إلَخْ] فِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ وَاجِبٍ يَتَعَيَّنُ أَنْ يُقَدَّرَ فِيهِ أَحْكَامٌ وَالتَّقْدِيرُ مِنْ أَحْكَامِ وَاجِبِ أُمُورِ الدِّيَانَةِ، وَالْجُمْلَةُ الْمَذْكُورَةُ لَيْسَتْ نَفْسَ الْأَحْكَامِ بَلْ دَالَّةٌ عَلَى الْأَحْكَامِ، فَالْمُخَلِّصُ أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ آخَرُ أَيْ مِنْ دَالِّ أَحْكَامٍ وَاجِبٍ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: أُمُورِ] جَمْعُ أَمْرٍ بِمَعْنَى الشَّأْنِ فَيَشْمَلُ الْأَقْوَالَ وَغَيْرَهَا؛ لِأَنَّ أُمُورَ الدِّيَانَةِ الَّتِي سَيَذْكُرُهَا مِنْهَا الْقَوْلُ وَهُوَ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَمِنْهَا الِاعْتِقَادُ بِالْقَلْبِ وَمِنْهَا أَفْعَالُ الْجَوَارِحِ، وَإِضَافَةُ وَاجِبٍ إلَى أُمُورٍ مِنْ إضَافَةِ الْبَعْضِ لِلْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بَعْضُ أُمُورِ الدِّيَانَاتِ وَإِضَافَةُ أُمُورٍ إلَى الدِّيَانَةِ لِلْبَيَانِ أَيْ أُمُورٍ هِيَ الدِّيَانَةُ، وَأَلْ فِي الدِّيَانَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَطَابَقَ الْبَيَانُ الْمُبَيَّنُ، وَالدِّيَانَةُ الْعِبَادَةُ [قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ الْأَنْوَاعَ لِلْعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ الْجِنْسُ لَا الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّهَا نَفْسُهَا، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلْبَيَانِ أَيْ أَنْوَاعٍ هِيَ الْعِبَادَاتُ.
[قَوْلُهُ: مِمَّا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ] حَالٌ مِنْ وَاجِبِ أَيْ حَالَةِ كَوْنِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ بَعْضَ مَا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ اللِّسَانَ آلَةُ النُّطْقِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ فَيَكُونُ إسْنَادُ النُّطْقِ إلَى اللِّسَانِ مَجَازًا عَقْلِيًّا وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ.
[قَوْلُهُ: كَالشَّهَادَتَيْنِ] أَيْ مَا صَدَّقَهُمَا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّطْقُ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ.
[قَوْلُهُ: كَالْإِيمَانِ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِيمَانَ مُعْتَقَدٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ (وَمَا يَتَّصِلُ) مَعْطُوفٌ عَلَى وَاجِبٍ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي (بِالْوَاجِبِ) لِلْعَهْدِ، وَالْإِشَارَةُ فِي (مِنْ ذَلِكَ) عَائِدَةٌ عَلَى مَا تَعْمَلُهُ الْجَوَارِحُ، وَالْوَاجِبُ أَحَدُ أَقْسَامِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ خَمْسَةٌ: الْوَاجِبُ وَهُوَ عِنْدَنَا مُرَادِفٌ لِلْفَرْضِ وَهُوَ مَا يُمْدَحُ فَاعِلُهُ وَيُذَمُّ تَارِكُهُ، وَالْأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ الْحَرَامُ وَهُوَ مَا يُمْدَحُ تَارِكُهُ وَيُذَمُّ فَاعِلُهُ شَرْعًا،
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: كَالصَّلَاةِ] أَيْ الْهَيْئَةِ الْمَعْهُودَةِ خَارِجًا؛ لِأَنَّهَا الْمَعْمُولَةُ لِلْجَوَارِحِ
[قَوْلُهُ: وَمَا يَتَّصِلُ إلَخْ] الْمُرَادُ الِاتِّصَالُ رُتْبَةً؛ لِأَنَّ رُتْبَةَ السُّنَنِ بَعْدَ رُتْبَةِ الْوَاجِبَاتِ، وَإِنْ فُعِلَتْ قَبْلَهَا، أَوْ وَحْدَهَا كَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ.
[قَوْلُهُ: لِلْعَهْدِ] أَيْ الْخَارِجِيِّ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ فَهُوَ إظْهَارٌ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ، أَيْ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ وَنُكْتَتُهُ أَنَّهُ لَوْ أُضْمِرَ لَتُوُهِّمَ رُجُوعُهُ لِمَا تَعْمَلُهُ الْجَوَارِحُ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ ذَلِكَ حَالٌ مِنْ مَا أَوْ مِنْ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي يَتَّصِلُ أَيْ وَاَلَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الْوَاجِبُ حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ الَّذِي يَتَّصِلُ بَعْضُ مَا تَعْمَلُهُ الْجَوَارِحُ، أَوْ حَالٌ مِنْ الْوَاجِبِ أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الْوَاجِبِ مِمَّا تَعْمَلُهُ الْجَوَارِحُ، وَالِاحْتِمَالَانِ مُتَلَازِمَانِ فَإِذَا اعْتَبَرْت الْوَاجِبَ مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ فَالْمُتَّصِلُ بِهِ كَذَلِكَ، وَإِذَا اعْتَبَرْته مِمَّا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ فَالْمُتَّصِلُ بِهِ كَذَلِكَ، وَإِذَا اعْتَبَرْت الْمُتَّصِلَ بِالْوَاجِبِ مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ يَكُونُ ذَلِكَ الْوَاجِبُ مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ وَهَكَذَا.
وَإِنَّمَا قُصِرَ اسْمُ الْإِشَارَةِ عَلَى مَا تَعْمَلُهُ الْجَوَارِحُ لِكَوْنِهِ بَيَّنَ الْمُتَّصِلَ بَعْدُ بِقَوْلِهِ مِنْ السُّنَنِ مِنْ مُؤَكَّدِهَا وَنَوَافِلِهَا وَرَغَائِبِهَا؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ إنَّمَا تَتَّصِلُ بِالْوَاجِبِ مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ فَقَطْ بِخِلَافِ مَا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ الْوَاجِبَ، فَلَا يَتَّصِلُ بِهِ رَغِيبَةٌ وَمَا تَعْتَقِدُهُ الْقُلُوبُ الْوَاجِبَ لَا تَتَّصِلُ بِهِ سُنَّةٌ وَلَا رَغِيبَةٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَعْمَالَ الْجَوَارِحِ فِيهَا مَا هُوَ سُنَّةٌ وَفِيهَا مَا هُوَ رَغِيبَةٌ وَفِيهَا مَا هُوَ فَضِيلَةٌ فَيَتَّصِلُ جَمِيعُ ذَلِكَ بِالْوَاجِبِ مِنْهَا، وَمَا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ فِيهِ السُّنَّةُ كَقِرَاءَةِ مَا زَادَ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ وَالْفَضِيلَةُ كَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ بِإِثْرِ الْفَرِيضَةِ، فَالْمُتَّصِلُ بِالْوَاجِبِ فِي حَالِ كَوْنِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ مِمَّا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ السُّنَّةُ وَالْفَضِيلَةُ فَقَطْ، وَمَا تَعْتَقِدُهُ الْقُلُوبُ فِيهِ الْفَضِيلَةُ فَقَطْ أَيْ زِيَادَةٌ عَلَى الْوَاجِبِ، فَالْمُتَّصِلُ بِالْوَاجِبِ حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ مِمَّا تَعْتَقِدُهُ الْقُلُوبُ الْفَضِيلَةُ فَقَطْ كَاعْتِقَادِ فَضْلِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْفَعُ عِلْمُهُ وَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ.
[قَوْلُهُ: وَالْوَاجِبُ أَحَدُ أَقْسَامِ إلَخْ] فِيهِ تَسَامُحٌ بَلْ أَحَدُ أَقْسَامِ الْحُكْمِ الْإِيجَابُ لَا الْوَاجِبُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مُتَعَلِّقُ الْأَحْكَامِ [قَوْلُهُ: أَقْسَامُ الْأَحْكَامِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ أَقْسَامٌ هِيَ الْأَحْكَامُ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: الشَّرْعِيَّةِ] نِسْبَةٌ لِلشَّرْعِ وَفِيهِ أَنَّ الشَّرْعَ هُوَ الْأَحْكَامُ فَفِيهِ نِسْبَةُ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالشَّرْعِ الْأَدِلَّةُ مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ مَجَازًا أَوْ يُرَادُ بِهِ الشَّارِعُ كَذَلِكَ أَيْ مَجَازًا؛ وَالشَّارِعُ حَقِيقَةً اللَّهُ تَعَالَى وَمَجَازًا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ عِنْدَنَا إلَخْ] الْمُحْتَرَزُ عَنْهُ الْحَنَفِيَّةُ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يُوَافِقُونَنَا عَلَى تَرَادُفِ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ إلَّا فِي الْحَجِّ، وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَالْفَرْضُ يُغَايِرُ الْوَاجِبَ حَتَّى فِي غَيْرِ بَابِ الْحَجِّ، فَالْفَرْضُ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَالْوَاجِبُ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ هَكَذَا يَقُولُونَ.
ثُمَّ إنَّ فِي الْعِبَارَةِ اسْتِخْدَامًا حَيْثُ أَطْلَقَ الْوَاجِبَ أَوَّلًا مُرَادًا مِنْهُ الْمَعْنَى، وَأَطْلَقَهُ ثَانِيًا وَأَرَادَ بِهِ اللَّفْظَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَفَةَ إنَّمَا تَكُونُ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ فَقَطْ، أَيْ أَنَّ لَفْظَ الْوَاجِبِ يُرَادِفُ لَفْظَ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُمَا تَرَادَفَا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ] أَيْ الْوَاجِبُ بِمَعْنَى الْمَدْلُولِ الَّذِي تَرَادَفَ عَلَيْهِ اللَّفْظَانِ فَفِي الْعِبَارَةِ اسْتِخْدَامٌ.
[قَوْلُهُ: مَا يُمْدَحُ] أَيْ يَسْتَحِقُّ الْمَدْحَ وَإِنْ لَمْ يُمْدَحْ بِالْفِعْلِ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ مَدْحَ الْمَوْلَى لَهُ.
[قَوْلُهُ: فَاعِلُهُ] أَيْ اخْتِيَارًا فَالْمُكْرَهُ عَلَى إخْرَاجِ الزَّكَاةِ لَا يَسْتَحِقُّ مَدْحًا.
[قَوْلُهُ: وَيُذَمُّ تَارِكُهُ] فَفَاعِلُ الْمَكْرُوهِ لَا يُذَمُّ وَإِنْ كَانَ يُلَامُ أَيْ اخْتِيَارًا فَمَنْ تَرَكَهُ مُكْرَهًا لَا يُذَمُّ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ.
تَنْبِيهٌ: هَلْ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ وَنَحْوُهَا مِنْ كُلِّ وَاجِبٍ لَا يَتَوَقَّفُ فِعْلُهُ عَلَى نِيَّةٍ يَتَوَقَّفُ الْمَدْحُ فِيهِ عَلَى نِيَّةِ الِامْتِثَالِ كَمَا قِيلَ فِي الثَّوَابِ أَوْ لَا؟ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَحَرِّرْ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا يُمْدَحُ تَارِكُهُ] ظَاهِرُهُ وَإِنْ تَرَكَهُ غَفْلَةً عَنْهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ غَفْلَةً إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الِامْتِثَالَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مَدْحًا فِي الْأُولَى، وَأَوْلَى إذَا كَانَ خَوْفًا.
[قَوْلُهُ: شَرْعًا] هَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْكُلِّ فَلَا
وَالْمَكْرُوهُ وَهُوَ مَا فِي تَرْكِهِ ثَوَابٌ وَلَيْسَ فِي فِعْلِهِ عِقَابٌ، وَالْمَنْدُوبُ وَهُوَ مَا فِي فِعْلِهِ ثَوَابٌ وَلَيْسَ فِي تَرْكِهِ عِقَابٌ، وَالْمُبَاحُ مَا تَسَاوَى طَرَفَاهُ وَقَوْلُهُ: (مِنْ السُّنَنِ) بَيَانٌ لِمَا جَمْعُ سُنَّةٍ، وَهِيَ لُغَةً الطَّرِيقَةُ، وَاصْطِلَاحًا: مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَأَظْهَرَهُ فِي جَمَاعَةٍ وَدَاوَمَ عَلَيْهِ (مِنْ مُؤَكَّدِهَا وَنَوَافِلِهَا وَرَغَائِبِهَا) بَدَلٌ مِنْ السُّنَنِ وَالْمُؤَكَّدُ مِنْهَا مَا كَثُرَ ثَوَابُهُ كَالْوِتْرِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَالنَّوَافِلُ جَمْعُ نَافِلَةٍ وَهِيَ لُغَةً: الزِّيَادَةُ وَاصْطِلَاحًا: مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَحُدَّهُ بِحَدٍّ وَلَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْحَدُّ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ نَحْوِ الرُّكُوعِ قَبْلَ الطُّهْرِ لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُدَاوِمُ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَالرَّغَائِبُ جَمْعُ رَغِيبَةٍ وَهِيَ لُغَةً: التَّحْضِيضُ
[حاشية العدوي]
وَجْهَ لِتَرْكِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا فِي تَرْكِهِ ثَوَابٌ] يُقَالُ فِيهِ مَا قِيلَ فِي الْمُحَرَّمِ.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِي فِعْلِهِ عِقَابٌ] نَفْيُ الْعِقَابِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ اللَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ يُلَامُ.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ فِي تَرْكِهِ عِقَابٌ] لَا يَخْفَى أَيْضًا أَنَّ نَفْيَ الْعِقَابِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ اللَّوْمِ إذْ يَتَرَتَّبُ اللَّوْمُ عَلَى تَرْكِ الْمَنْدُوبِ اخْتِيَارًا.
[قَوْلُهُ: مَا تَسَاوَى طَرَفَاهُ] أَيْ أَنَّ طَرَفَ الْفِعْلِ مُسَاوٍ لِطَرَفِ التَّرْكِ، فَلَيْسَ فِي الْفِعْلِ ثَوَابٌ كَالْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَلَا عِقَابَ كَالْحَرَامِ وَلَا لَوْمَ كَالْمَكْرُوهِ، وَلَا فِي التَّرْكِ ثَوَابٌ كَالْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ وَلَا عِقَابَ كَالْوَاجِبِ وَلَا لَوْمَ كَالْمَنْدُوبِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ لُغَةً الطَّرِيقَةُ] مُحَرَّمَةً أَوْ مَكْرُوهَةً أَوْ غَيْرَهُمَا.
[قَوْلُهُ: وَأَظْهَرَهُ فِي جَمَاعَةٍ] أَيْ فَعَلَهُ فِي جَمَاعَةٍ إلَخْ.
فِي هَذَا التَّعْرِيفِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُ النَّوَافِلَ وَالرَّغَائِبَ، فَلَوْ قَالَ: مَا طُلِبَ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ لَشَمِلَ الْكُلَّ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ بَعْدُ مِنْ مُؤَكَّدِهَا بَيَانًا لِلسُّنَّةِ الْمُعَرَّفَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَدَمَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ السُّنَّةِ وَغَيْرِهَا إنَّمَا هُوَ طَرِيقَةُ الْعِرَاقِيِّينَ لَا الْمَغَارِبَةِ الْمُفَرِّقِينَ بَيْنَهُمَا، فَهَذَا التَّعْرِيفُ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ السُّنَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الرَّغِيبَةِ وَالنَّافِلَةِ [قَوْلُهُ: وَدَاوَمَ عَلَيْهِ] قَالَ عج: أَيْ فُهِمَ مِنْهُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ اهـ.
وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ دَاوَمَ عَلَيْهِ مَا فَعَلَهُ فِي جَمَاعَةٍ.
وَلَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ كَالتَّرَاوِيحِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى سُنَّةً.
[قَوْلُهُ: بَدَلٌ مِنْ السُّنَنِ] الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بَدَلُ مِنْ السُّنَنِ بِإِعَادَةِ مِنْ، فَالْبَدَلِيَّةُ مِنْ مَجْمُوعِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ لَا مِنْ الْمَجْرُورِ فَقَطْ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّهُ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ لَا بَدَلَ كُلٍّ بِاعْتِبَارِ الْمَجْمُوعِ وَإِلَّا لَوَجَبَ حَذْفُ الضَّمِيرِ مِنْ الْبَدَلِ؛ لِأَنَّ بَدَلَ الْكُلِّ لَا يَقْتَرِنُ بِالضَّمِيرِ بِخِلَافِ بَدَلِ الْبَعْضِ وَالِاشْتِمَالِ [قَوْلُهُ: مَا كَثُرَ ثَوَابُهُ] هَذَا غَيْرُ مَانِعٍ؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الرَّغِيبَةَ وَالْمَنْدُوبَاتِ الْمُؤَكَّدَةَ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا كَثُرَ ثَوَابُهُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ الَّذِي هُوَ النَّوَافِلُ وَالرَّغَائِبُ.
[قَوْلُهُ: كَالْوِتْرِ] هُوَ آكَدُ مِمَّا بَعْدَهُ.
[قَوْلُهُ: وَالْعِيدَيْنِ] يَلِيَانِ الْوِتْرَ فِي الْآكَدِيَّةِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا آكَدَ مِنْ الْآخَرِ.
[قَوْلُهُ: وَالْكُسُوفِ] يَلِي الْعِيدَيْنِ فِي الْآكَدِيَّةِ، وَأَمَّا الْخُسُوفُ فَمُسْتَحَبٌّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَالْمُنَاسِبُ إسْقَاطُهُ وَالْمُرَادُ صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَصَلَاةُ الْخُسُوفِ.
[قَوْلُهُ: وَالِاسْتِسْقَاءِ] يَلِي الْكُسُوفَ فَتَدَبَّرْ الْمَقَامَ.
[قَوْلُهُ: الزِّيَادَةُ] أَيْ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ ثُبُوتُهُ لَا الزِّيَادَةُ عَلَى مَا فُرِضَ مِنْ الْعِبَادَةِ لِقُصُورِهِ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يَحُدَّهُ] أَيْ بِعَدَدٍ أَيْ يَقْصُرْهُ عَلَى عَدَدٍ مُعَيَّنٍ بِحَيْثُ تَكُونُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ أَوْ النَّقْصُ عَنْهُ مَعُونَةً لِلثَّوَابِ عَلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا يَصْدُقُ بِالْمُدَاوَمَةِ وَلَيْسَتْ مُرَادَةً قَالَ: وَلَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْت: إنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ التَّحْدِيدِ نَفْيُ الدَّوَامِ؛ لِأَنَّ دَوَامَهُ يَسْتَلْزِمُ تَحْدِيدَهُ وَنَفْيُ اللَّازِمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْمَلْزُومِ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ وَلَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَلَمْ يَحُدَّهُ قُلْت: لَا يَسْلَمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِتَحْدِيدِهِ أَنَّهُ إذَا زَادَ عَلَيْهِ أَوْ نَقَصَ لَا ثَوَابَ لَهُ أَصْلًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ دَوَامِهِ عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ ذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا الْحَدُّ غَيْرُ جَامِعٍ إلَخْ] وَلِذَلِكَ عَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ وَاصْطِلَاحًا مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَغَّبَ فِيهِ وَلَمْ يَحُدَّهُ سَوَاءٌ الَّذِي لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ أَوْ دَاوَمَ عَلَيْهِ كَأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَبَعْدَهُ وَقَبْلَ الْعَصْرِ.
[قَوْلُهُ: كَأَنْ يُدَاوِمَ إلَخْ] أَيْ وَبَعْدَ الظُّهْرِ وَقَبْلَ الْعَصْرِ لِمَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: التَّحْضِيضُ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّحْضِيضَ هُوَ الْحَثُّ التَّامُّ عَلَى الْأَمْرِ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ، وَهُوَ
عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ وَالْحَثُّ عَلَيْهِ، وَاصْطِلَاحًا: مَا رَغَّبَ فِيهِ الشَّارِعُ وَحَدَّهُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ فِي جَمَاعَةٍ كَصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَالضَّمَائِرُ الثَّلَاثَةِ رَاجِعَةٌ لِلسُّنَنِ.
وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (وَشَيْءٍ مِنْ الْآدَابِ وَمِنْهَا) رَاجِعٌ لِلْجُمْلَةِ، وَأَرَادَ بِالْآدَابِ مَا ذَكَرَ آخِرَ الْكِتَابِ مِنْ آدَابِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، (وَجُمَلٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ) بِالْجَرِّ مَعْطُوفٌ عَلَى السُّنَنِ وَبِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ مُخْتَصَرَةٍ، قِيلَ: أَرَادَ بِأُصُولِ الْفِقْهِ أُمَّهَاتِ الْمَسَائِلِ كَمَسْأَلَةِ بُيُوعِ الْآجَالِ، فَهِيَ أَصْلٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَفَرْعٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا أُخِذَتْ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مُرَادُهُ قَوْلُهُ: (وَفُنُونِهِ) جَمْعُ فَنٍّ وَهُوَ الْفَرْعُ (عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) مُتَعَلِّقٌ بِأَكْتُبَ، وَأَرَادَ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ قَوْلَهُ، (وَ) بِ (طَرِيقَتِهِ)
[حاشية العدوي]
لَيْسَ الرَّغِيبَةَ لُغَةً إذْ هِيَ لُغَةً مَا رُغِّبَ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى فِعْلِ الْمُخَيَّرِ] الْأَوْلَى حَذْفُ هَذَا الْقَيْدِ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالرَّغِيبَةُ الْأَمْرُ الْمُرَغَّبُ فِيهِ وَالْعَطَاءُ الْكَثِيرُ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَحَدَّهُ] خَرَجَ الرُّكُوعُ قَبْلَ الظُّهْرِ وَبَعْدَهُ مَثَلًا فَإِنَّ الشَّارِعَ رَغَّبَ فِيهِ وَلَمْ يَحُدَّهُ [قَوْلُهُ: كَصَلَاةِ الْفَجْرِ] الْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنَا إلَّا رَغِيبَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِذَنْ يَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَرَغَائِبِهَا مُرَادًا مِنْهُ الْجِنْسُ الْمُتَحَقِّقُ فِي فَرْدٍ.
[قَوْلُهُ وَالضَّمَائِرُ الثَّلَاثَةُ] أَيْ الَّتِي فِي مُؤَكَّدِهَا وَنَوَافِلِهَا وَرَغَائِبِهَا.
[قَوْلُهُ: رَاجِعٌ لِلْجُمْلَةِ] غَيْرُ ظَاهِرٍ إذْ هُوَ بِصَدَدِ مَا يَكُونُ مِنْهُ الْجُمْلَةُ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ الْوَاجِبِ وَالسُّنَنِ لَا بِمَعْنَى الْوَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ الْمُضَافِ لِمَا بَعْدَهُ وَلَا بِمَعْنَى السُّنَنِ الْمُبَيَّنَةِ بِقَوْلِهِ: مِنْ مُؤَكَّدِهَا إلَخْ بَلْ بِمَعْنَى وَاجِبٍ وَسُنَّةٍ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ كَانَتْ تِلْكَ السُّنَنُ بِالْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا قَابَلَ الْمُسْتَحَبَّ أَوْ لَا وَهُوَ الْمُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ مَا سَيَأْتِي فِي الْآدَابِ بَعْضُهُ وَاجِبٌ كَرَدِّ السَّلَامِ وَبَعْضُهُ سُنَّةٌ وَبَعْضُهُ مَنْدُوبٌ، وَخُلَاصَةُ الْمَعْنَى: أَكْتُبُ لَك جُمْلَةً مُخْتَصَرَةً مِنْ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ مِنْ وَاجِبِ أُمُورِ الدِّيَانَةِ وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِهِ وَمِنْ السُّنَنِ وَمِنْ شَيْءٍ مِنْ الْآدَابِ وَمِنْ شَيْءٍ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَاتَّضَحَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَشَيْءٍ وَمَا بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: مِنْ وَاجِبٍ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّارِحِ: مَعْطُوفٌ عَلَى السُّنَنِ فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ عَطْفَهُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَتَّصِلُ بِالْوَاجِبِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَتَدَبَّرْ الْمَقَامَ.
[قَوْلُهُ: بِالنَّصْبِ إلَخْ] فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ خُرُوجُهَا عَنْ الْجُمْلَةِ مَعَ أَنَّهَا مِنْهَا، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ.
[قَوْلُهُ: قِيلَ إلَخْ] أَتَى بِصِيغَةِ التَّضْعِيفِ لِمَا قَالَهُ الطَّيَالِسِيُّ نَقْلًا عَنْ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأُصُولِ الْأَحَادِيثُ الْمُلَخَّصَةُ الْأَسَانِيدِ أَيْ الْمَحْذُوفَةُ الْأَسَانِيدِ، وَبِالْفُنُونِ الْآرَاءُ الْمَنْسُوبَةُ إلَى الْعُلَمَاءِ: قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: وَهَذَا شَاهِدٌ عَلَى خَطَأِ مَنْ فَسَّرَ أُصُولَ الْفِقْهِ بِأُمَّهَاتِ الْمَسَائِلِ اهـ.
[قَوْلُهُ: أُمَّهَاتِ الْمَسَائِلِ] أَيْ الْمَسَائِلِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي تَحْتَ كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْهَا جُمْلَةُ مَسَائِلَ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ كَمَسْأَلَةِ، تَمْثِيلٌ لِمُفْرَدِ الْمَسَائِلِ الْكُلِّيَّةِ وَدَخَلَ تَحْتَ الْكَافِ مَسْأَلَةُ الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَنَحْوِهِمَا.
[قَوْلُهُ: فَهِيَ أَصْلٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا] أَيْ؛ لِأَنَّهَا الْبَيْعُ الْمُتَكَرِّرُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ إنْ أَدَّى إلَى مُحَرَّمٍ حُرِّمَ وَإِلَّا فَلَا، وَهَذِهِ كُلِّيَّةٌ يَخْرُجُ مِنْهَا فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَفَرْعٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا أُخِذَتْ مِنْهُ] وَهُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَيَرِدُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ فِي الْمَقَامِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا جَوَابُ مَا يُقَالُ: إنَّ الرِّسَالَةَ مُؤَلَّفَةٌ فِي الْفُرُوعِ لَا فِي الْأُصُولِ فَكَيْفَ يَقُولُ وَجُمَلٌ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ؟ فَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْأَصْلِيَّةَ الَّتِي ثَبَتَتْ لَهَا نِسْبِيَّةٌ فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا فَرْعٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا أُخِذَتْ مِنْهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
[قَوْلُهُ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مُرَادُهُ إلَخْ] الْمُشَارُ إلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِأُصُولِ الْفِقْهِ أُمَّهَاتُ الْمَسَائِلِ.
[قَوْلُهُ: وَفُنُونِهِ] فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْفُرُوعُ وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ لَهَا فُرُوعٌ، وَلَا يَرِدُ أَنْ يُقَالَ هَذَا الْمَعْنَى مُتَحَقِّقٌ فِي قَوْلِ مَنْ يَقُولُ أَرَادَ بِأُصُولِ الْفِقْهِ الْأَدِلَّةَ وَبِالْفُنُونِ مَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُتَبَادَرُ مِنْ الْفُرُوعِ أَنَّ الْمُقَابِلَ لَهَا قَوَاعِدُ كُلِّيَّةٌ لَا أَدِلَّةٌ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: مَذْهَبِ إلَخْ] هُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ يُطْلَقُ مُرَادًا بِهِ الْمَكَانُ وَالزَّمَانُ وَالْحَدَثُ، ثُمَّ تُعُورِفَ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَهَبَ إلَيْهَا إمَامٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ فَيَكُونُ " مَذْهَبِ " فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى الْمَذْهُوبِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ مَذْهُوبٌ إلَيْهَا لَا فِيهَا.
[قَوْلُهُ: مُتَعَلِّقٌ بِأَكْتُبَ] أَيْ مِنْ تَعَلُّقِ الْحَالِ بِعَامِلِهَا، فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا
قَوْلَ أَصْحَابِهِ (مَعَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِهَا، مَعْنَاهُ الصُّحْبَةُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: جُمْلَةً، أَيْ سَأَلْتنِي أَنْ أَكْتُبَ لَك جُمْلَةً مُخْتَصَرَةً مُصَاحِبَةً لِ (مَا) أَيْ لِلَّذِي (سَهَّلَ) أَيْ بَيَّنَ (سَبِيلَ مَا) أَيْ طَرِيقَ الَّذِي (أَشْكَلَ) أَيْ الْتَبَسَ (مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهَذَا الْبَيَانُ مَأْخُوذٌ (مِنْ تَفْسِيرِ الرَّاسِخِينَ) أَيْ الثَّابِتِينَ فِي الْعِلْمِ.
(وَ) مِنْ (بَيَانِ الْمُتَفَقِّهِينَ) أَرَادَ بِهِمْ الْفُقَهَاءَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ كَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَإِنْ كَانَ الِاصْطِلَاحُ فِي الْمُتَفَقِّهِ الْمُتَوَسِّطِ فِي الْفِقْهِ، وَأَضَافَ التَّفْسِيرَ لِلرَّاسِخِينَ وَالْبَيَانَ لِلْمُتَفَقِّهِينَ؛ لِأَنَّ التَّفْسِيرَ أَشْرَفُ مِنْ الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ الْكَشْفُ عَنْ الْمُرَادِ مِنْ اللَّفْظِ وَالْبَيَانُ التَّعْبِيرُ عَنْ إظْهَارِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِعِبَارَةٍ مُبَيِّنَةٍ عَنْ حَقِيقَةِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَالْفَضْلُ لِكَاشِفِ الْمُرَادِ مِنْ أَصْلِهِ دُونَ الْمُعَبِّرِ عَنْهُ.
وَهُنَا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ الْجُمْلَةُ وَمَا انْضَمَّ إلَيْهَا ثُمَّ بَيَّنَ سُؤَالَ السَّائِلِ
[حاشية العدوي]
حَالٌ مِنْ الْجُمْلَةِ أَيْ حَالَ كَوْنِ تِلْكَ الْجُمْلَةِ مُشْتَمِلَةً مِنْ اشْتِمَالِ الدَّالِّ عَلَى الْمَدْلُولِ عَلَى الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَهَبَ إلَيْهَا الْإِمَامُ، أَيْ جِنْسُ الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَهَبَ إلَيْهَا الْإِمَامُ لَا كُلُّهَا لِمُشَاهَدَةِ خِلَافِهِ.
[قَوْلُهُ: وَأَرَادَ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ قَوْلَهُ] أَيْ رَأْيَهُ أَيْ الْحُكْمَ الَّذِي رَآهُ وَاعْتَقَدَهُ، وَكَذَا يُقَالُ فِي وَرَأْيِ أَصْحَابِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقَوْلِ اللَّفْظُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ حُكْمًا وَوَجْهُ كَوْنِ رَأْيِ أَصْحَابِهِ طَرِيقَتَهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى قَوَاعِدِهِ صَحَّ أَنْ يُجْعَلَ طَرِيقَةً لَهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِطَرِيقَتِهِ مَذْهَبُهُ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْمُرَادِفِ.
[قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ] قَدَّمَ الْفَتْحَ؛ لِأَنَّهُ الْفَصِيحُ.
[قَوْلُهُ: مَعْنَاهُ الصُّحْبَةُ] قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ اسْمٌ لَا ظَرْفٌ.
وَقَوْلُهُ: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ جُمْلَةً مِنْ تَعَلُّقِ الْحَالِ بِصَاحِبِهَا وَقَوْلِهِ: مُصَاحَبَةً أَيْ فَهُوَ مِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ وَإِرَادَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ فَهُوَ مَجَازٌ.
قَالَ صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ: صُحْبَةٌ هَذَا مُفَادُ عِبَارَتِهِ مَعَ أَنَّ النُّحَاةَ ذَكَرُوا أَنَّهَا اسْمٌ لِمَكَانِ الِاصْطِحَابِ أَوْ وَقْتِهِ فَهِيَ ظَرْفٌ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَهِيَ ظَرْفٌ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَكْتُبُ لَك جُمْلَةً حَالَةَ كَوْنِهَا كَائِنَةً فِي مَكَانِ الَّذِي سَهَّلَ بِمَعْنَى مُصْطَحِبَةً مَعَ الَّذِي سَهَّلَ، وَيُجَابُ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّ قَوْلَهُ مَعْنَاهُ الصُّحْبَةُ، وَقَوْلُهُ بَعْدُ مُصَاحَبَةً حَلَّ مَعْنًى.
[قَوْلُهُ: أَيْ طَرِيقُ الَّذِي أَشْكَلَ إلَخْ] الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلْإِتْيَانِ بِسَبِيلٍ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مِنْ الْمَذْهَبِ إلَخْ] حَاصِلُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْحُكْمِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ الْتِبَاسٌ بَيَّنَهُ وَذَلِكَ الْبَيَانُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَفْسِيرِ الرَّاسِخِينَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيَانِ الْمُتَفَقِّهِينَ كَابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الصَّحَابَةَ قَصَدُوا إزَالَةَ مَا أَشْكَلَ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَقَدِّمُونَ عَلَيْهِ، وَمُفَادُ كَلَامِهِ حَيْثُ رَجَعَ اسْمُ الْإِشَارَةِ لِلْمَذْهَبِ وَحْدَهُ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ مَا أَشْكَلَ مِنْ رَأْيِ أَصْحَابِهِ، وَمُفَادُ عج.
أَنَّ الْبَيَانَ تَعَلَّقَ بِهِ أَيْضًا وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ أَنَّهُ أَرَادَ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ هُنَا مَا يَشْمَلُ رَأْيَ أَصْحَابِهِ خِلَافَ مَا تَقَدَّمَ لَهُ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا الْبَيَانُ] أَيْ وَهَذَا التَّبْيِينُ مَأْخُوذٌ، فَمِنْ فِي قَوْلِهِ مِنْ تَفْسِيرِ ابْتِدَائِيَّةٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مِنْ تَفْسِيرِ حَالًا مِنْ مَا فِي قَوْلِهِ، مَا بَيْنَ أَيْ حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ الْبَيْنِ مَأْخُوذًا مِنْ تَفْسِيرِ فَتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: وَمِنْ بَيَانِ] أَيْ تَبْيِينِ.
[قَوْلُهُ: كَابْنِ الْقَاسِمِ] لِأَعْظَمِيَّتِهِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الِاصْطِلَاحُ إلَخْ] أَيْ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُتَفَقِّهِ الْمُتَوَسِّطُ فِي الْفِقْهِ، بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْكَامِلُ كَابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَدْ يُقَالُ: الْكَامِلُ فِي الْفِقْهِ هُوَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الِاصْطِلَاحُ إلَخْ] أَيْ إنَّهُمْ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ الْمُتَفَقِّهَ هُوَ الْمُتَوَسِّطُ لَا كَامِلُ الْفِقْهِ، وَلَعَلَّهُ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُشْعِرُ بِالتَّكَلُّفِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْبَيَانِ] أَيْ التَّبْيِينِ.
[قَوْلُهُ: عَنْ إظْهَارِ] الصَّوَابِ حَذَفَ إظْهَارَ؛ لِأَنَّ الْإِظْهَارَ وَصْفُ الْمُظْهَرِ وَلَيْسَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ، وَخُلَاصَةُ الْكَلَامِ أَنَّ التَّفْسِيرَ الْكَشْفُ عَنْ الْمُرَادِ مِنْ اللَّفْظِ بِعِبَارَةٍ فِيهَا خَفَاءٌ، وَالْبَيَانُ إيضَاحُ الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْ تِلْكَ الْعِبَارَةِ الْخَفِيَّةِ بِعِبَارَةٍ ظَاهِرَةٍ لِلدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى.
[قَوْلُهُ: عَنْ حَقِيقَةِ] عَنْ بِمَعْنَى اللَّامِ أَوْ ضِمْنِ مُبِينَةٌ مُفْصِحَةٌ، وَإِضَافَةُ حَقِيقَةِ لِمَا بَعْدَهُ لِلْبَيَانِ أَيْ عَنْ حَقِيقَةِ وَتِلْكَ الْحَقِيقَةُ هِيَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ.
[قَوْلُهُ: دُونَ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ] أَيْ فَقَطْ أَيْ بِدُونِ كَشْفٍ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْكَاشِفَ مُعَبِّرٌ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْكَاشِفَ جَمْعٌ بَيْنَ
بِقَوْلِهِ: (لِمَا رَغِبْتَ فِيهِ) بِفَتْحِ التَّاءِ خِطَابًا لِمُحْرِزٍ أَيْ لِمَا أَرَدْتَهُ (مِنْ تَعْلِيمِ ذَلِكَ) أَيْ الْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (لِلْوِلْدَانِ) أَيْ لِأَوْلَادِ الْمُؤْمِنِينَ ذُكُورًا وَإِنَاثًا.
وَانْظُرْ كَيْفَ شَبَّهَ تَعْلِيمَ الْجُمْلَةِ الْمَذْكُورَةِ بِتَعْلِيمِ حُرُوفِ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: (كَمَا تُعَلِّمُهُمْ حُرُوفَ الْقُرْآنِ) أَيْ الْقِرَاءَةَ الدَّالَّةَ عَلَى مَعَانِيهِ، وَالْمُشَبَّهُ بِالشَّيْءِ لَا يَقْوَى قُوَّتَهُ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ تَعْلِيمَ الْعَقَائِدِ وَمَعْرِفَةَ الشَّرَائِعِ آكَدُ مِنْ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ إنَّمَا يُتَعَلَّمُ حُرُوفُهُ دُونَ مَعَانِيهِ، وَلَا يَتَأَكَّدُ عَلَيْهِ مِنْ
[حاشية العدوي]
الْكَشْفِ وَالتَّعْبِيرِ، وَالْمُبَيِّنُ جَمْعٌ بَيْنَ الْإِيضَاحِ وَالْأَوَّلُ أَشْرَفُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا بَيَانٌ لِحَقِيقَةِ الْمَعْنَيَيْنِ فِي حَدِّ ذَاتِهِمَا لَا بِالنَّظَرِ لِخُصُوصِ الْمَقَامِ.
وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ الشَّارِحِ.
[قَوْلُهُ: مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ الْجُمْلَةُ] أَيْ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَهَبَ إلَيْهَا مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ [قَوْلُهُ: وَمَا انْضَمَّ إلَيْهَا] هُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مَعَ مَا سَهَّلَ [قَوْلُهُ: ثُمَّ بَيَّنَ سُؤَالَ السَّائِلِ] أَيْ بَيَّنَ سَبَبَ سُؤَالِ السَّائِلِ.
[قَوْلُهُ: لِمَا أَرَدْته] أَيْ فَالرَّغْبَةُ الْإِرَادَةُ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تُعُورِفَتْ فِي شِدَّةِ التَّعَلُّقِ بِالشَّيْءِ [قَوْلُهُ: أَيْ الْجُمْلَةُ] وَالتَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ لِأَوْلَادِ الْمُؤْمِنِينَ إلَخْ] وَيُلْتَحَقُ بِهِمْ جَهَلَةُ الْمُؤْمِنِينَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ مَنْ عَلَّمَ أَوْلَادَ الْكُفَّارِ الْقُرْآنَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ لِكَوْنِ تَعْلِيمِهِمْ إيَّاهُ حَرَامًا، وَهَلْ تَعْلِيمُهُمْ تِلْكَ الْجُمْلَةَ كَذَلِكَ أَوْ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِثْلَ الْقُرْآنِ وَهُوَ الظَّاهِرُ؟ نَعَمْ نَصَّ الْبُرْزُلِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيمُ أَوْلَادِ الظَّلَمَةِ وَلَا أَوْلَادِ كَتَبَةِ الْمُكُوسِ الْخَطَّ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَوَصَّلُونَ بِذَلِكَ إلَى كِتَابَةِ الْمَعْصِيَةِ وَالْمُوَصِّلُ لِلْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ.
[قَوْلُهُ: كَمَا تُعَلِّمُهُمْ حُرُوفَ الْقُرْآنِ] يُطْلَقُ الْقُرْآنُ عَلَى اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْإِعْجَازِ بِسُورَةٍ مِنْهُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالذَّاتِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا بِالْأَلْفَاظِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ النُّقُوشَ تَدُلُّ عَلَى الْأَلْفَاظِ وَالْأَلْفَاظُ تَدُلُّ عَلَى الْمَعَانِي، فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ عَلَى الْأَوَّلِ وَمِنْ إضَافَةِ الدَّالِّ لِلْمَدْلُولِ عَلَى الثَّانِي، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ أُرِيدَ مِنْ الْحُرُوفِ الْأَلْفَاظُ، فَلَوْ أُرِيدَ مِنْهَا النُّقُوشُ لَكَانَ مِنْ إضَافَةِ الدَّالِّ لِلْمَدْلُولِ عَلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: أَيْ الْقِرَاءَةَ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: كَمَا تُعَلِّمُهُمْ أَلْفَاظَهُ الدَّالَّةَ عَلَى مَعَانِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ وَصْفُ الْقَارِئِ فَلَيْسَتْ هِيَ الدَّالَّةُ عَلَى مَعَانِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَالْمُشَبَّهُ] أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْمُشَبَّهَ إلَخْ أَيْ؛ لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ أَقْوَى مِنْ الْمُشَبَّهِ، وَهُنَا الْمُشَبَّهُ أَقْوَى وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّشْبِيهَ فِي كَيْفِيَّةِ التَّعْلِيمِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّشْبِيهِ أَنْ تَعَلُّمَ الْحُرُوفِ وَاجِبٌ كَتَعْلِيمِ الْعَقَائِدِ وَالشَّرَائِعِ.
[قَوْلُهُ: وَالْإِجْمَاعُ] أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ إلَخْ.
1 -
[قَوْلُهُ: الْعَقَائِدِ] جَمْعُ عَقِيدَةٍ بِمَعْنَى مُعْتَقَدَةٍ إلَّا أَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى ذَاتِ الْقَضِيَّةِ، كَقَوْلِهِ: اللَّهُ وَاحِدٌ، وَعَلَى نِسْبَتِهَا الَّتِي هِيَ الْمُعْتَقَدَةُ [قَوْلُهُ: وَمَعْرِفَةَ الشَّرَائِعِ] الْمُنَاسِبُ إسْقَاطُ مَعْرِفَةٍ عُطِفَتْ عَلَى تَعْلِيمٍ أَوْ عَلَى الْعَقَائِدِ، أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَلِأَنَّ حَدِيثَنَا فِي التَّعْلِيمِ لَا فِي نَفْسِ الْمَعْرِفَةِ، وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَمْ تَكُنْ مُتَعَلِّقَ التَّعْلِيمِ أَيْ لَيْسَتْ مُعَلَّمَةً بَلْ نَاشِئَةً عَنْهُ بَلْ الْمُعَلَّمُ نَفْسُ الشَّرَائِعِ فِي الْأَحْكَامِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: آكَدُ مِنْ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ] أَيْ بِارْتِفَاعِهِ إلَى دَرَجَةِ الْوُجُوبِ، وَأَمَّا تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ فَلَيْسَ الْوَاجِبُ إلَّا الْفَاتِحَةُ وَيُسَنُّ كَآيَةٍ وَمَا زَادَ فَمُسْتَحَبٌّ، فَالتَّفْضِيلُ عَلَى الْقُرْآنِ بِحَسَبِ أَغْلَبِهِ وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ.
وَقَالَ عج: التَّشْبِيهُ فِي التَّعْلِيمِ لَا فِي حُكْمِهِ فَإِنَّ حُكْمَ تَعْلِيمِ الْأَوَّلِ لَيْسَ كَحُكْمِ تَعْلِيمِ الثَّانِي إذْ مَا هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ سَوَاءٌ، وَمَا هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ مِنْ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِمَّا هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَهُ الْبُرْزُلِيُّ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقُرْآنَ إنَّمَا يُتَعَلَّمُ حُرُوفُهُ] أَيْ بِحَسَبِ جَرْيِ الْعَادَةِ.
[قَوْلُهُ: دُونَ مُعَانِيهِ.] يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ تَعْلِيمُ الْمَعَانِي لَانْتَفَتْ تِلْكَ الْآكَدِيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفُرُوعَ الْفِقْهِيَّةَ لَا نُدْرِكُهَا مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ أَقُولُ: وَهَذِهِ الْعِلَّةُ لَا تُفِيدُ شَيْئًا فَالْمُنَاسِبُ إسْقَاطُهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَحَطُّ الْفَائِدَةِ قَوْلُهُ: وَلَا يَتَأَكَّدُ عَلَيْهِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَتَأَكَّدُ عَلَيْهِ] أَيْ بِالِارْتِقَاءِ إلَى دَرَجَةِ الْمَنْدُوبِ فَيَصْدُقُ بِالِارْتِقَاءِ إلَى دَرَجَةِ الْوُجُوبِ كَأُمِّ الْقُرْآنِ وَإِلَى دَرَجَةِ السُّنِّيَّةِ كَالسُّورَةِ، فَقَوْلُهُ: وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ مَعْطُوفٌ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ وَمَا ذَكَرْنَا بِالنِّسْبَةِ لِلْبَالِغِ إذْ لَا وُجُوبَ عَلَى الصَّبِيِّ، وَمَعْرِفَةُ الْعَقَائِدِ أَرْجَحُ مِنْ مَعْرِفَةِ الشَّرَائِعِ وَإِنْ
الْقُرْآنِ إلَّا أُمُّ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهَا فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ الَّتِي هِيَ سُنَّةٌ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَمُسْتَحَبٌّ وَقَوْلُهُ: (لِيَسْبِقَ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ لِأَيِّ شَيْءٍ خَصَصْت الْأَوْلَادَ؟ فَقَالَ لِكَيْ يَسْبِقَ أَيْ يُسْرِعَ (إلَى قُلُوبِهِمْ مِنْ فَهْمِ دِينِ اللَّهِ) وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ.
(وَ) يَسْبِقَ إلَى قُلُوبِهِمْ مِنْ فَهْمِ (شَرَائِعِهِ) وَهِيَ فُرُوعُ الشَّرِيعَةِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ (مَا) اسْمٌ مَوْصُولٌ فَاعِلُ يَسْبِقَ وَ (تُرْجَى لَهُمْ) أَيْ لِلْوِلْدَانِ (بَرَكَتُهُ وَتُحْمَدُ لَهُمْ عَاقِبَتُهُ) وَالرَّجَاءُ تَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِمَطْبُوعٍ يَحْصُلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَعَ الْأَخْذِ فِي عَمَلٍ مُحَصَّلٍ لَهُ، وَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ الْعَمَلِ فَهُوَ طَمَعٌ وَهُوَ قَبِيحٌ، وَالرَّجَاءُ حَسَنٌ وَالْبَرَكَةُ كَثْرَةُ الْخَيْرِ وَزِيَادَتُهُ وَعَاقِبَةُ كُلِّ شَيْءٍ آخَرَ، وَأَرَادَ بِالْعَاقِبَةِ هُنَا فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُ إذَا تَمَكَّنَ دِينُ اللَّهِ وَأَحْكَامُهُ فِي قُلُوبِ الصِّبْيَانِ ثَبَتَ ذَلِكَ بَعْدَ بُلُوغِهِمْ وَزَادَ فَهْمُهُمْ وَسَهُلَ عَلَيْهِمْ مَا يُحَاوِلُونَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُنَا ثَمَّ سُؤَالُ مُحْرِزٍ وَجَوَابُهُ وَالْفَاءُ رَابِطَةٌ لِلسُّؤَالِ بِالْجَوَابِ مِنْ قَوْلِهِ: (فَأَجَبْتُك إلَى ذَلِكَ) أَيْ إلَى سُؤَالِك
[حاشية العدوي]
اشْتَرَكَا فِي الْوُجُوبِ، وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْبُرْزُلِيِّ يُفِيدُ اسْتِوَاءَ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ [قَوْلُهُ: فَكَأَنَّهُ] أَيْ ابْنَ أَبِي زَيْدٍ قَالَ لَهُ أَيْ لِمُحْرَزٍ، وَقَوْلُهُ: فَقَالَ أَيْ مُحْرَزٌ [قَوْلُهُ: مِنْ فَهْمِ دِينِ اللَّهِ] أَيْ مَعْرِفَةِ دِينِ اللَّهِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ] أَرَادَ بِالدِّينِ الْأَحْكَامَ الِاعْتِقَادِيَّةَ، وَمُرَادُهُ بِالْإِسْلَامِ الَّذِي وَقَعَ مُضَافًا إلَيْهِ الِانْقِيَادُ الْبَاطِنِيُّ فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمُتَعَلَّقِ بِفَتْحِ اللَّامِ لِلْمُتَعَلِّقِ بِكَسْرِهَا.
[قَوْلُهُ: فُرُوعُ الشَّرِيعَةِ] أَرَادَ بِالْفُرُوعِ الْأَحْكَامَ الْفَرْعِيَّةَ وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْجُزْءِ لِلْكُلِّ حَيْثُ أُرِيدَ بِالشَّرِيعَةِ الْأَحْكَامُ مُطْلَقًا.
[قَوْلُهُ: كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ] أَيْ كَالْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِمَا.
[قَوْلُهُ: اسْمٌ مَوْصُولٌ] أَيْ أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَتُحْمَدُ] مِنْ عَطْفِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ.
[قَوْلُهُ: وَالرَّجَاءُ] أَيْ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ تُرْجَى.
[قَوْلُهُ: تَعَلُّقُ الْقَلْبِ] أَيْ الْعَقْلِ، وَالنِّسْبَةُ مَجَازِيَّةٌ وَالْحَقِيقَةُ نِسْبَةُ التَّعَلُّقِ لِلنَّفْسِ.
[قَوْلُهُ: بِمَطْمُوعٍ] أَيْ دُنْيَوِيٍّ أَوْ أُخْرَوِيٍّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ اتِّصَافَهُ بِكَوْنِهِ مَطْمُوعًا إنَّمَا هُوَ بَعْدَ التَّعَلُّقِ، فَفِي الْعِبَارَةِ مَجَازُ الْأَوَّلِ.
[قَوْلُهُ: يَحْصُلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ] أَيْ يُظَنُّ حُصُولُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا يَتَحَقَّقُ لِجَوَازِ عُرُوضِ مَانِعٍ.
[قَوْلُهُ: عَنْ الْعَمَلِ] أَيْ عَنْ الْأَخْذِ فِي الْعَمَلِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ قَبِيحٌ] أَيْ شَرْعًا إنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَطْمُوعُ وَاجِبًا وَمَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى إنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَطْمُوعُ مَنْدُوبًا أَوْ عُرْفًا إنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَطْمُوعُ دُنْيَوِيًّا.
[قَوْلُهُ: وَالرَّجَاءُ حَسَنٌ] يَأْتِي مَا تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: وَزِيَادَتُهُ] أَيْ كَيْفًا فَالْعَطْفُ مُغَايِرٌ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْبَرَكَةَ إمَّا الزِّيَادَةُ كَمًّا وَكَيْفًا أَوْ كَمَالًا كَيْفًا أَوْ كَيْفًا لَا كَمًّا.
[قَوْلُهُ: وَأَرَادَ بِالْعَاقِبَةِ هُنَا] وَهِيَ الرُّسُوخُ وَالزِّيَادَةُ إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي.
[قَوْلُهُ: فِي الدُّنْيَا] فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَأَرَادَ بِالْعَاقِبَةِ هُنَا شَيْئًا يَحْصُلُ فِي الدُّنْيَا، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ لِلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَلِمَا ذَكَرَ الشَّارِحُ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَلِمَا قَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ مِنْ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى حَالَةٍ حَسَنَةٍ لَا يُبَدَّلُ بِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا يُبَدَّلُ بِمَنْ كَانَ عَلَى حَالَةٍ سَيِّئَةٍ اهـ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إذَا تَمَكَّنَ إلَخْ] أَيْ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَطْرُقُ الْقُلُوبَ زَمَنَ خُلُوِّهَا مِنْ شَوَاغِلِ الدُّنْيَا وَهُمُومِهَا ثَبَتَ فِيهَا.
[قَوْلُهُ: وَأَحْكَامُهُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ.
[قَوْلُهُ: وَزَادَ فَهْمُهُمْ] أَيْ فِيمَا لَا يَعْلَمُونَهُ [قَوْلُهُ: مِنْ ذَلِكَ] أَيْ مِنْ دِينِ اللَّهِ وَأَحْكَامِهِ الَّتِي لَمْ يَعْلَمُوهَا، وَلَمَّا كَانَ لَا يَلْزَمُ مِنْ زِيَادَةِ الْفَهْمِ السُّهُولَةُ أَتَى بِهَا.
[قَوْلُهُ: وَجَوَابُهُ] مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ مَا يَذْكُرُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ قَوْلِهِ] حَالٌ مِنْ الْفَاءِ أَيْ الْفَاءُ حَالَةَ كَوْنِهَا مِنْ قَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ مَجِيءُ الْحَالِ مِنْ الْمُبْتَدَأِ ضَعِيفًا أَوْ أَنَّ مِنْ فِي قَوْلِهِ مِنْ قَوْلِهِ بَيَانٌ لِلْجَوَابِ، أَوْ أَنَّ مِنْ بِمَعْنَى فِي، مُتَعَلِّقٌ بِرَابِطَةٍ أَيْ رَبَطَتْ السُّؤَالَ بِالْجَوَابِ فِي قَوْلِهِ: فَأَجَبْتُك، أَوْ أَنَّ خَبَرَ جَوَابَ قَوْلِهِ مِنْ قَوْلِهِ وَمِنْ زَائِدَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ عَلَى رَأْيِ مَنْ قَالَ بِهِ، وَقَوْلُهُ: وَالْفَاءُ إلَخْ.
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ.
[قَوْلُهُ: فَأَجَبْتُك إلَخْ] السُّؤَالُ هُنَا لَيْسَ عَنْ وَاجِبٍ فَالْجَوَابُ يَكُونُ مَنْدُوبًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ السُّؤَالُ عَنْ وَاجِبٍ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ فَالْجَوَابُ فَرْضُ عَيْنٍ إنْ تَعَيَّنَ الْمُجِيبُ وَفَرْضُ كِفَايَةٍ إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ.
[قَوْلُهُ: إلَى سُؤَالِك] بِمَعْنَى
وَاللَّامُ فِي (لِمَا) لِلتَّعْلِيلِ وَمَا مَوْصُولَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ سَأَلَتْنِي فَأَجَبْتُك لِأَجْلِ الَّذِي (رَجَوْتُهُ) أَيْ طَمِعْت فِيهِ (لِنَفْسِي وَلَكَ مِنْ ثَوَابِ) أَيْ جَزَاءِ (مَنْ عَلَّمَ دِينَ اللَّهِ أَوْ دَعَا إلَيْهِ) قِيلَ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَاعٍ وَمُعَلِّمٌ؛ لِأَنَّ التَّأْلِيفَ تَعْلِيمٌ وَالتَّعْلِيمُ فِعْلٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ، فَهُوَ دَاعٍ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَقَدْ قَامَ بِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ وَمُحْرِزٌ دَاعٍ وَمُعَلِّمٌ حَقِيقَةً ثُمَّ حَثَّ عَلَى تَعْظِيمِ الْجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ: (وَاعْلَمْ أَنَّ خَيْرَ الْقُلُوبِ أَوْعَاهَا) أَيْ أَحْفَظُهَا (لِلْخَيْرِ وَأَرْجَى) أَيْ أَقْرَبُ (الْقُلُوبِ لِلْخَيْرِ مَا) أَيْ الْقَلْبُ الَّذِي (لَمْ يَسْبِقْ الشَّرُّ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْبِقْ الشَّرُّ إلَيْهِ قَبِلَ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ الْخَيْرِ أَحْسَنَ قَبُولٍ، وَإِذَا سَبَقَ إلَيْهِ اعْتِقَادُ الشَّرِّ عَظُمَتْ الْحِيلَةُ فِي إزَالَتِهِ كَالْآنِيَةِ الْجَدِيدَةِ يُجْعَلُ
[حاشية العدوي]
مَسْئُولِك [قَوْلُهُ: أَيْ طَمِعْت] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ أَيْ تَعَلَّقَ قَلْبِي بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الطَّمَعَ قَبِيحٌ.
[قَوْلُهُ: أَيْ جَزَاءِ] فَسَّرَ الثَّوَابَ بِالْجَزَاءِ لِمَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ الثَّوَابَ مِقْدَارٌ مِنْ الْجَزَاءِ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى يُعْطِيهِ لِعِبَادِهِ فِي نَظِيرِ أَعْمَالِهِمْ الْحَسَنَةِ الْمَقْبُولَةِ.
[قَوْلُهُ: مَنْ عَلَّمَ دِينَ اللَّهِ] الْمُرَادُ بِالدِّينِ مُطْلَقُ الْأَحْكَامِ، اعْتِقَادِيَّةً أَوْ فَرْعِيَّةً.
[قَوْلُهُ: قِيلَ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ] وَقِيلَ: إنَّ أَوْ تَنْوِيعِيَّةٌ فَالْمُعَلِّمُ الْمُصَنِّفُ، وَالدَّاعِي مُحْرَزٌ.
[قَوْلُهُ: وَالتَّعْلِيمُ فِعْلٌ] الْوَاوُ لِلتَّعْلِيلِ، وَفِي الْعِبَارَةِ قَضِيَّةٌ مَحْذُوفَةٌ وَالتَّقْدِيرُ وَالتَّأْلِيفُ كَذَلِكَ، وَخُلَاصَةُ ذَلِكَ قِيَاسٌ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ وَصُورَتُهُ التَّأْلِيفُ فِعْلٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ تَعْلِيمٌ فَيَنْتُجُ: التَّأْلِيفُ تَعْلِيمٌ، وَمَا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَهُ تُفِيدُهُ عِبَارَتُهُ فِي تَحْقِيقِ الْمَبَانِي.
[قَوْلُهُ: فَهُوَ دَاعٍ] مُتَفَرِّعٌ عَلَى قَضِيَّةٍ مَحْذُوفَةٍ مُرْتَبِطَةٍ بِالْقَضِيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمَحْذُوفَةِ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: التَّعْلِيمُ فِعْلٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ وَالتَّأْلِيفُ كَذَلِكَ أَيْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَتَرْتِيبُ الْعِلْمِ إلَى التَّأْلِيفِ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ التَّنَاوُلِ فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّأْلِيفِ بِدُونِ التَّنَاوُلِ، فَصَارَ الْمُصَنِّفِ: بِذَلِكَ دَاعِيًا وَإِنْ شِئْت قُلْت: وَالتَّأْلِيفُ فِعْلٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ، وَالْعِلْمُ مَحْمُودٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ لِكُلِّ أَحَدٍ وَهُوَ حَاصِلٌ مِنْ التَّأْلِيفِ فَبِهَذَا يَكُونُ الْمُصَنِّفُ دَاعِيًا.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ قَامَ بِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ] أَيْ وَقَدْ قَامَ الْمُصَنِّفُ بِالْفِعْلِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَلَّفَ فَيَكُونُ مُعَلِّمًا أَوْ وَقَدْ قَامَ الْمُصَنِّفُ بِالتَّأْلِيفِ الَّذِي وَقَعَ مَوْضُوعًا لِلْقَضِيَّةِ الْمَحْذُوفَةِ فَتَلَخَّصَ أَنَّ قَوْلَهُ: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ إلَخْ مُحْتَوٍ عَلَى دَعْوَتَيْنِ، كُلُّ وَاحِدَةٍ تَحْتَهَا طَرَفَانِ الْأُولَى مُحْرَزٌ دَاعٍ وَمُعَلِّمٌ وَهَذِهِ بِطَرَفَيْهَا ظَاهِرَةٌ وَإِلَيْهَا يُشِيرُ الشَّارِحُ آخِرَ الْعِبَارَةِ بِقَوْلِهِ: مُحْرَزٌ دَاعٍ وَمُعَلِّمٌ، وَحَقِيقَةُ الثَّانِيَةِ الْمُصَنِّفُ دَاعٍ وَمُعَلِّمٌ وَفِيهَا خَفَاءٌ مِنْ جِهَةِ الطَّرَفَيْنِ، فَبَيَّنَ الشَّارِعُ الطَّرَفَ الْأَوَّلَ الَّذِي هُوَ قَوْلُنَا: الْمُصَنِّفُ دَاعٍ بِقَوْلِهِ: فَهُوَ دَاعٍ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى بِاعْتِبَارِ تَفَرُّعِهِ عَلَى الْمَحْذُوفَةِ، وَبَيَّنَ الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ: وَالتَّعْلِيمُ فِعْلٌ، وَقَدْ قَامَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ أَلَّفَ فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُعَلِّمًا أَوْ وَقَدْ قَامَ الْمُصَنِّفُ بِالتَّأْلِيفِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مُعَلِّمًا.
وَقَوْلُهُ الْمُصَنِّفُ إظْهَارٌ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ.
[قَوْلُهُ: وَمُحْرَزٌ دَاعٍ] أَيْ دَاعٍ إلَى تَعْلِيمِ دِينِ اللَّهِ كَمَا يُفِيدُهُ تت، أَيْ إمَّا مِنْ حَيْثُ سُؤَالُهُ الْمُصَنِّفَ تَأْلِيفَ هَذَا الْكِتَابِ أَوْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ يَدْعُو الْوِلْدَانَ لِلتَّعْلِيمِ ثُمَّ يُعَلِّمُهُمْ.
تَنْبِيهٌ: تَرَجَّى الْمُصَنِّفُ وَلَمْ يَقْطَعْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ لِلْعَمَلِ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ وَالثَّوَابُ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْقَبُولِ.
[قَوْلُهُ: أَنَّ خَيْرَ] أَيْ أَحْسَنَهَا، وَقَوْلُهُ: أَوْعَاهَا لِلْخَيْرِ أَيْ ضِدُّ الشَّرِّ فَلَمْ يَتَّحِدْ الْخَيْرَانِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ اشْتَرَكَتْ فِي الْحُسْنِ وَحِفْظِ الْخَيْرِ وَأَحْسَنُهَا مَا كَانَ أَحْفَظَ لِلْخَيْرِ فَكُلٌّ مِنْ خَيْرِ الْأَوَّلِ، وَأَوْعَى أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ دُونَ خَيْرِ الثَّانِي فَلَيْسَ أَفْعَلَ تَفْضِيلٍ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّ الشَّرِّ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: أَيْ الْقَلْبُ الَّذِي إلَخْ] جَعَلَ مَا اسْمًا مَوْصُولًا وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ إذْ يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً أَيْ قَلْبٌ لَمْ يَسْبِقْ الشَّرُّ إلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: الشَّرُّ] أَيْ الْمَعْصِيَةُ.
[قَوْلُهُ: وَإِذَا سَبَقَ إلَيْهِ اعْتِقَادُ الشَّرِّ] الْمُنَاسِبُ حَذْفُ اعْتِقَادُ إذْ حُبُّ الْمَعْصِيَةِ شَرٌّ وَهُوَ لَمْ يَكُنْ مُعْتَقِدًا.
[قَوْلُهُ: يُجْعَلُ فِيهَا الْقَطِرَانُ] اقْتَصَرَ عَلَى
فِيهَا الْقَطِرَانُ فَلَا تَزُولُ مِنْهَا رَائِحَتُهَا إلَّا بَعْدَ تَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ.
(وَ) اعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ (أَوْلَى) أَيْ أَحَقَّ (مَا عُنِيَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنَى شُغِلَ (بِهِ النَّاصِحُونَ) أَيْ الْمُرْشِدُونَ لِلْخَيْرِ الْمُحَذِّرُونَ مِنْ الشَّرِّ (وَرَغِبَ فِي أَجْرِهِ الرَّاغِبُونَ) أَيْ الطَّالِبُونَ لِلْخَيْرِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا: (إيصَالُ الْخَيْرِ) أَيْ تَبْلِيغُهُ (إلَى قُلُوبِ أَوْلَادِ الْمُؤْمِنِينَ لِ) كَيْ (يَرْسَخَ) أَيْ يَثْبُتَ (فِيهَا وَ) ثَانِيهَا: (تَنْبِيهُهُمْ) أَيْ إيقَاظُهُمْ مِنْ سِنَةِ الْغَفْلَةِ وَالْجَهَالَةِ (عَلَى مَعَالِمِ الدِّيَانَةِ) ، أَرَادَ بِهَا هُنَا قَوَاعِدَ الدِّينِ.
(وَ) ثَالِثُهَا: عَلَى (حُدُودِ الشَّرِيعَةِ) وَهِيَ الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ أَحَقَّ بِمَا عُنِيَ بِهِ النَّاصِحُونَ (لِ) أَجْلِ أَنْ (يُرَاضُوا) أَوْلَادَ الْمُؤْمِنِينَ أَيْ يُذَلِّلُوا (عَلَيْهَا) مِنْ رُضْت الدَّابَّةَ أَيْ ذَلَّلْتهَا؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَثْبُتُ الدِّينُ فِي قُلُوبِهِمْ وَتَنْقَادُ إلَيْهِ طَبَائِعُهُمْ وَيُطَاوِعُونَ لِلْعَمَلِ بِذَلِكَ كَالْبَهِيمَةِ الَّتِي
[حاشية العدوي]
الْقَطِرَانِ؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ تَعَلُّقًا مِنْ غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَمَشَقَّةٍ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
[قَوْلُهُ: أَيْ أَحَقُّ] ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ ثَوَابًا [قَوْلُهُ: بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ] هَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ زُكِمَ وَنَحْوِهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي أَتَتْ عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَالْمُرَادُ بِهَا مَعْنَى الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ، لَكِنَّ الشَّارِحَ فَسَّرَهَا بِشُغِلَ الَّذِي هُوَ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ عُنِيَ فَلَا يُعْلَمْ مِنْهُ أَنَّ عُنِيَ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ بِحَسَبِ الْمَعْنَى، فَلَوْ فَسَّرَهَا بِنَحْوِ اهْتَمَّ لَكَانَ أَحْسَنَ لِإِفَادَتِهِ أَنَّهُ لَيْسَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ حَقِيقَةً فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: أَيْ الْمُرْشِدُونَ لِلْخَيْرِ إلَخْ] أَيْ فَالنُّصْحُ بِالْإِرْشَادِ لِلْخَيْرِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ الشَّرِّ، ثُمَّ أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ النُّصْحَ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ فَأَحَدُهُمَا لَا يُقَالُ لَهُ نُصْحٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ نُصْحٌ كَمَا تُفِيدُهُ عِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ أَحَدُهُمَا يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِلتَّأْكِيدِ.
[قَوْلُهُ: أَيْ الطَّالِبُونَ لِلْخَيْرِ] تَفْسِيرٌ لِلرَّاغِبِ بِحَسَبِ الْمَقَامِ، وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الرَّغْبَةَ الْإِرَادَةُ.
[قَوْلُهُ: إيصَالُ الْخَيْرِ] قَالَ تت: مَنْ عِلْمٍ وَغَيْرِهِ اهـ.
وَغَيْرُ الْعِلْمِ كَالْقُرْآنِ لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى مَا قَالَ تت أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَتَنْبِيهُهُمْ إلَخْ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ.
وَقَوْلُهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ يُؤْذِنُ بِالْمُغَايَرَةِ بِحَيْثُ يُرَادُ بِالْخَيْرِ مَا عَدَا الْأَحْكَامِ مُطْلَقًا اعْتِقَادِيَّةً أَوْ عَمَلِيَّةً فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: أَوْلَادِ الْمُؤْمِنِينَ] خَصَّ الْأَوْلَادَ بِالذِّكْرِ وَإِنْ شَارَكَهُمْ غَيْرُهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَجْلِ قَوْلِهِ لِيَرْسَخَ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: مِنْ سِنَةِ الْغَفْلَةِ إلَخْ] السِّنَةُ: مَا تَقَدَّمَ النَّوْمَ مِنْ الْفُتُورِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ، وَالْغَفْلَةُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ غَيْبَةُ الشَّيْءِ عَنْ بَالِ الْإِنْسَانِ وَعَدَمُ تَذَكُّرِهِ لَهُ، وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ فِيمَنْ تَرَكَهُ إعْرَاضًا وَإِهْمَالًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1] اهـ.
وَالْجَهَالَةُ عَدَمُ الْعِلْمِ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ، فَإِذَا تَقَرَّرَ فَنَقُولُ: إنَّ عَطْفَ الْجَهَالَةِ عَلَى مَا قَبْلَهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَإِضَافَةُ سِنَةٍ إلَى مَا بَعْدَهُ مِنْ إضَافَةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ إلَى الْمُشَبَّهِ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: أَيْ إيقَاظُهُمْ مِنْ الْجَهَالَةِ الشَّبِيهَةِ بِالسِّنَةِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: أَرَادَ بِهَا إلَخْ] الْمَعَالِمُ جَمْعُ مَعْلَمٍ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْأَثَرُ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الطَّرِيقِ وَلَيْسَ مُرَادًا، وَلِذَلِكَ قَالَ: أَرَادَ بِهَا هُنَا قَوَاعِدَ الدِّينِ هَكَذَا أَفَادَ فِي تَحْقِيقِ الْمَبَانِي.
وَقَوْلُهُ: هُنَا لَا مُحْتَرَزَ لَهُ.
[قَوْلُهُ: قَوَاعِدَ الدِّينِ] جَمْعُ قَاعِدَةٍ هِيَ أَسَاسُ الْبَيْتِ هَذَا فِي اللُّغَةِ اُسْتُعِيرَتْ لِلْعَقَائِدِ بِجَامِعِ مُطْلَقِ الِاعْتِمَادِ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الْفَرْعِيَّةَ لَا ثَبَاتَ لَهَا إلَّا بِالْأَصْلِيَّةِ أَيْ لَا تُقْبَلُ مِنْ الْمُكَلَّفِ الْأَحْكَامُ الْفَرْعِيَّةُ إلَّا إذَا قَامَ بِهِ الْأَحْكَامُ الِاعْتِقَادِيَّةُ.
وَقَوْلُهُ: الدِّينَ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الدِّيَانَةَ اسْمٌ بِمَعْنَى الدِّينِ، وَظَهَرَ مِنْ تَقْرِيرِنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَيْ بِالدِّينِ الْأَحْكَامُ الْفَرْعِيَّةُ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ قَاعِدَةً لِلْمَجْمُوعِ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ الْأَحْكَامُ] تَفْسِيرٌ لِحُدُودِ الشَّرِيعَةِ، وَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ حُدُودٌ هِيَ الشَّرِيعَةُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ رُضْت الدَّابَّةَ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: رُضْت الدَّابَّةَ رِيَاضَةً ذَلَّلْتهَا اهـ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ] الضَّمِيرُ لِلْحَالِ وَالشَّأْنِ.
[قَوْلُهُ: بِذَلِكَ] أَيْ بِمَا ذُكِرَ مِنْ إيصَالِ الْخَيْرِ إلَى قُلُوبِهِمْ وَتَنْبِيهِهِمْ عَلَى مَعَالِمِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: يُثَبِّتُ الدِّينَ] أَيْ الْأَحْكَامَ أَصْلِيَّةً أَوْ فَرْعِيَّةً، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ يُثَبِّتُ الدِّينَ فِي قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ تَنْبِيهِهِمْ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: وَتَنْقَادُ إلَخْ] الْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ عَلَى قَوْلِهِ يُثَبِّتُ؛ لِأَنَّ الثَّبَاتَ بَعْدَ الِانْقِيَادِ، وَإِنْ كَانَتْ الْوَاوُ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا أَوْ الْمُرَادُ
تُرَاضُ لِلتَّعْلِيمِ لِيَتَأَتَّى مِنْهَا الْمُرَادُ، وَإِذَا لَمْ تَتَعَلَّمْ كَانَتْ جَمُوحًا شَمُوصًا لَا تَنْقَادُ، وَقَوْلُهُ: (وَمَا عَلَيْهِمْ أَنْ تَعْتَقِدَهُ مِنْ الدِّينِ قُلُوبُهُمْ) هُوَ عَيْنُ قَوْلِهِ مَعَالِمُ الدِّيَانَةِ وَقَوْلِهِ: (وَتَعْمَلُ بِهِ جَوَارِحُهُمْ) هُوَ عَيْنُ قَوْلِهِ: حُدُودُ الشَّرِيعَةِ كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى قَوْلِهِ: وَأَوْلَى مَا عُنِيَ بِهِ النَّاصِحُونَ إلَى آخِرِهِ بِحَدِيثَيْنِ.
أَحَدُهُمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَأَنَّهُ) الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ (رُوِيَ أَنَّ تَعْلِيمَ الصِّغَارِ لِكِتَابِ اللَّهِ يُطْفِئُ غَضَبَ اللَّهِ) الْإِطْفَاءُ الْإِخْمَادُ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ رَدُّ الْعَذَابِ الْوَاقِعِ بِالْغَضَبِ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا لَازِمُهُ وَهِيَ الْإِرَادَةُ إذْ مَعْنَاهَا لُغَةً غَلَيَانُ الدَّمِ، وَهُوَ يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ
[حاشية العدوي]
تَنْقَادُ طِبَاعُهُمْ إلَى الدِّينِ مِمَّا لَمْ يَعْلَمُوهُ.
[قَوْلُهُ: لِلْعَمَلِ بِذَلِكَ] أَظْهَرَ فِي مَوْضِعِ الضَّمِيرِ وَالْأَصْلُ بِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْفَرْعِيَّةِ.
[قَوْلُهُ: لِلتَّعْلِيمِ] الْمُنَاسِبُ لِلتَّعَلُّمِ؛ لِأَنَّهُ وَصْفُ الدَّابَّةِ لَا التَّعْلِيمِ أَيْ الَّتِي تُذَلَّلُ لِتَعَلُّمِ الطَّحْنِ مَثَلًا وَقَوْلُهُ: الْمُرَادُ أَيْ الطَّحْنُ مَثَلًا.
[قَوْلُهُ: جَمُوحًا] بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ مُسْتَعْصِيَةً عَلَيْهِ فَتَغْلِبُهُ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ.
[قَوْلُهُ: شَمُوصًا] فِي الْمِصْبَاحِ مَا يُفِيدُ أَنَّ شَمُوصًا مَعْنَاهُ سَائِقًا سَوْقًا عَنِيفًا وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مِنْ أَوْصَافِ الشَّخْصِ لَا الدَّابَّةِ كَمَا هُوَ مُفَادُ الشَّارِحِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ تَسَمَّحَ فِي وَصْفِ الدَّابَّةِ بِوَصْفِ الشَّخْصِ فَأَرَادَ مِنْهُ مَا أَرَادَ مِنْ جَمُوحًا مِنْ الْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ فِيهِ وَهُوَ الِاسْتِعْصَاءُ عَلَيْهِ.
فَقَوْلُهُ: لَا تَنْقَادُ تَفْسِيرٌ لِلْمُرَادِ مِنْهُمَا أَيْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ جَمُوحًا وَشَمُوصًا أَنَّهَا لَا تَنْقَادُ.
[قَوْلُهُ: كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا إلَخْ] أَيْ بِالْمُرَادِفِ وَحَلَّهُ بَعْضٌ بِمَا يَدْفَعُ التَّكْرَارَ فَحَمَلَ قَوْلَهُ: مَعَالِمُ الدِّيَانَةِ عَلَى قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ، وَحَمَلَ مَا تَعْتَقِدُهُ مِنْ الدِّينِ قُلُوبُهُمْ عَلَى عَقَائِدِ الْإِيمَانِ، وَحَمَلَ حُدُودَ الشَّرِيعَةِ عَلَى الْمَنْهِيَّاتِ مِنْ نَحْوِ الزِّنَا وَالْقَتْلِ، وَمَا تَعْمَلُ بِهِ جَوَارِحُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهَا اهـ.
أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّكْرَارَ وَجَوَابُهُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا يَجِيءُ عَلَى جَعْلِ مَا فِي قَوْلِهِ: وَمَا عَلَيْهِمْ مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلَى مَعَالِمِ الدِّيَانَةِ، وَالتَّقْدِيرُ عَلَيْهِ وَتَنْبِيهُهُمْ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ تَعْتَقِدَهُ قُلُوبُهُمْ وَتَعْمَلَ بِهِ جَوَارِحُهُمْ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ الدِّينِ بَيَانٌ لِلشَّيْءِ فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ عَلَى قَوْلِهِ: أَنْ تَعْتَقِدَهُ أَوْ تَأْخِيرُهُ عَنْ قَوْلِهِ: قُلُوبُهُمْ، وَلَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعْتَقِدُهُ كَمَا يُوهِمُهُ تَوَسُّطُهُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَفَاعِلِهِ لِعَدَمِ ظُهُورِهِ، وَأَمَّا إذَا جُعِلَتْ اسْتِفْهَامِيَّةً وَالتَّقْدِيرُ أَيْ مَشَقَّةٌ تَلْحَقُهُمْ فِيهِ مَعَ كَبِيرِ فَائِدَتِهِ وَهِيَ الرُّسُوخُ فِي الْقَلْبِ وَالرِّيَاضَةُ وَالتَّأَنُّسُ وَحُصُولُ شَرَفِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلَا تَكْرَارَ أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ اسْتَدَلَّ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوَّلَ اسْتِدْلَالٌ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْخَيْرِ وَهُوَ الْقُرْآنُ لَا كُلُّ أَفْرَادِهِ إذْ مِنْ أَفْرَادِهِ الْعِلْمُ عَلَى مَا قَرَّرْنَا وَذَكَرَ فِي التَّحْقِيقِ أَنَّ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ: لِيَرْسَخَ فِيهَا، أَيْ تَعْلِيمُ الصِّغَارِ يُفِيدُ الرُّسُوخَ وَالثُّبُوتَ؛ لِأَنَّ تَعْلِيمَ الشَّيْءِ فِي الصِّغَرِ إلَخْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَنَّ تَعْلِيمَ الصِّغَارِ إلَخْ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ أَوْلَى مَا عُنِيَ إلَخْ أَيْ إنَّمَا كَانَ هَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ تَعْلِيمَ الصِّغَارِ يُطْفِئُ غَضَبَ اللَّهِ تَعَالَى اهـ.
[قَوْلُهُ: الْإِطْفَاءُ وَالْإِخْمَادُ] أَيْ الَّذِي هُوَ تَسْكِينُ لَهَبِ النَّارِ فَهُوَ مِنْ مُلَائِمَاتِ النَّارِ.
[قَوْلُهُ: رَدُّ الْعَذَابِ] الْمُنَاسِبُ السُّكُوتُ عَلَى قَوْلِهِ رَدُّ أَيْ فَأَرَادَ بِالْإِطْفَاءِ الرَّدَّ وَأَرَادَ بِالْغَضَبِ الْعَذَابَ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ، فَإِنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِهِ بِالْغَضَبِ سَبَبِيَّةٌ وَالْمُرَادُ رَدُّ دَوَامِ الْعَذَابِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَاقِعِ الْمُتَوَقَّعُ، وَأَلْجَأَنَا إلَى ذَلِكَ مَا تَقَرَّرَ أَنَّ رَفْعَ الْوَاقِعِ مُحَالٌ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا لَازِمُهُ] أَيْ أَنَّ الْغَضَبَ الْمُضَافَ لِلْبَارِئِ عِبَارَةٌ عَنْ إرَادَةِ الِانْتِقَامِ اللَّازِمَةِ لِمَعْنَاهُ لُغَةً الَّذِي هُوَ غَلَيَانُ الدَّمِ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ عَلَى الْبَارِئِ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْغَضَبَ الْمُضَافَ لِلْبَارِئِ عِبَارَةٌ عَنْ إرَادَةِ الِانْتِقَامِ الَّتِي هِيَ مَعْنًى مَجَازِيٌّ، ثُمَّ تَجَوَّزَ بِهَا أَيْضًا عَنْ الْعَذَابِ، أَيْ فَالْغَضَبُ فِي الْمُصَنَّفِ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَذَابِ مَجَازٌ عَنْ إرَادَةِ الِانْتِقَامِ الَّتِي هِيَ مَجَازٌ عَنْ غَلَيَانِ الدَّمِ وَعَلَاقَةُ الْأَوَّلِ السَّبَبِيَّةُ وَالثَّانِي اللُّزُومُ.
وَقَوْلُهُ: هُنَا أَيْ مِنْ حَيْثُ الْإِضَافَةُ لِلْبَارِئِ لَا مِنْ حَيْثُ الْمُرَادُ مِنْ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْغَضَبِ الْعَذَابُ وَهُوَ غَيْرُ الْإِرَادَةِ هَذَا غَايَةُ مَا يُتَكَلَّفُ فِي تَصْحِيحِ عِبَارَتِهِ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ الْإِرَادَةُ إلَخْ] هَذَا إذَا جُعِلَ صِفَةَ ذَاتٍ، وَإِنْ جُعِلَ صِفَةَ فِعْل فَيُفَسَّرُ
تَعَالَى، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ تَعْلِيمَ الصِّبْيَانِ يَرُدُّ الْعَذَابَ الْوَاقِعَ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ آبَائِهِمْ أَوْ عَمَّنْ تَسَبَّبَ فِي تَعْلِيمِهِمْ أَوْ عَنْ مُعَلِّمِهِمْ أَوْ عَنْهُمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ أَوْ عَنْ الْمَجْمُوعِ، أَوْ يَرُدُّ الْعَذَابَ عُمُومًا، وَالْحَدِيثُ الثَّانِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَأَنَّ) أَيْ وَرُوِيَ أَنَّ (تَعَلُّمَ الشَّيْءِ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ) (ع) زَادَ فِي النَّوَادِرِ: وَالتَّعَلُّمُ فِي الْكِبَرِ كَالنَّقْشِ عَلَى الْمَاءِ، قُلْت: الْحَدِيثُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «مَثَلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ فِي صِغَرِهِ كَالنَّقْشِ عَلَى الْحَجَرِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ فِي الْكِبَرِ كَاَلَّذِي يَكْتُبُ عَلَى الْمَاءِ» . وَأَنْشَدَ نِفْطَوَيْهِ: أَرَانِي أَنْسَى مَا تَعَلَّمْت فِي الْكِبَرْ ... وَلَسْت بِنَاسٍ مَا تَعَلَّمْت فِي الصِّغَرْ وَمَا الْعِلْمُ إلَّا بِالتَّعَلُّمِ فِي الصِّبَا ... وَمَا الْحِلْمُ إلَّا بِالتَّحَلُّمِ فِي الْكِبَرْ فَلَوْ فَلَقَ الْقَلْبَ الْمُعَلِّمُ فِي الصِّبَا ... لَأَلْفَى فِيهِ الْعِلْمَ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرْ وَمَا الْعِلْمُ بَعْدَ الشَّيْبِ إلَّا تَعَسُّفٌ ... إذَا كَلَّ قَلْبُ الْمَرْءِ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرْ
[حاشية العدوي]
بِالِانْتِقَامِ.
[قَوْلُهُ: الْوَاقِعَ بِإِرَادَةِ اللَّهِ] أَيْ بِسَبَبِ إرَادَةِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْغَضَبِ الَّذِي يُضَافُ لِلَّهِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ لِمَا عَلِمْته [قَوْلُهُ: عَنْ آبَائِهِمْ] ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَسَبَّبُوا فِي تَعْلِيمِهِمْ، وَقَوْلُهُ: أَوْ عَمَّنْ تَسَبَّبَ فِي تَعْلِيمِهِمْ وَلَوْ غَيْرَ آبَائِهِمْ.
[قَوْلُهُ: أَوْ عَنْ الْمَجْمُوعِ] أَيْ جُمْلَةِ مَنْ تَقَدَّمَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ يَرُدُّ الْعَذَابَ عُمُومًا] أَيْ عَنْ هَؤُلَاءِ وَعَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْخَلْقِ، وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِ الشَّارِحِ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ مُعَلَّلًا لَهُ بِمَا وَرَدَ مَعْنَاهُ: لَوْلَا صِبْيَانٌ رُضَّعٌ وَشُيُوخٌ رُكَّعٌ وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ لَصُبَّ عَلَيْكُمْ الْعَذَابُ صَبًّا.
[قَوْلُهُ: كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ] أَيْ فَكَمَا أَنَّ النَّقْشَ فِي الْحَجَرِ لَهُ أَثَرٌ ظَاهِرٌ مُسْتَمِرٌّ كَذَلِكَ التَّعْلِيمُ فِي الصِّغَرِ.
[قَوْلُهُ: كَالنَّقْشِ عَلَى الْمَاءِ] أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ أَثَرَهُ ذَاهِبٌ لَا ثَبَاتَ لَهُ.
[قَوْلُهُ: مِثْلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ إلَخْ] أَيْ مِثْلُ تَعَلُّمِ الَّذِي يَتَعَلَّمُ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ.
[قَوْلُهُ: نِفْطَوَيْهِ إلَخْ] قَالَ الدُّلَجِيُّ فِي شَرْحِ الشِّفَاءِ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الشِّفَاءِ.
قَالَ نِفْطَوَيْهِ إلَخْ مَا نَصُّهُ: نِفْطَوَيْهِ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهِ وَهُوَ وَأَمْثَالُهُ عِنْدَ النُّحَاةِ بِوَاوٍ مَفْتُوحٌ مَا قَبْلَهَا سَاكِنٌ مَا بَعْدَهَا، وَبِالْفَارِسِيَّةِ وَاوُهُ سَاكِنَةٌ مَضْمُومٌ مَا قَبْلَهَا مَفْتُوحٌ مَا بَعْدَهَا ثُمَّ هَاءٌ وَالتَّاءُ خَطَأٌ وَعَلَيْهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ اهـ. بِلَفْظِهِ قَالَ التِّلِمْسَانِيُّ عَلَى قَوْلِهِ نِفْطَوَيْهِ: هُوَ أَبُو عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَرَفَةَ الْأَزْدِيُّ النَّحْوِيُّ هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ اهـ.
[قَوْلُهُ: أَرَانِي] أَيْ أُبْصِرُ نَفْسِي.
وَقَوْلُهُ: أَنْسَى أَيْ نَاسِيًا أَيْ أُبْصِرُ نَفْسِي حَالَةَ كَوْنِي نَاسِيًا مَا تَعَلَّمْت فِي الْكِبَرْ أَوْ أَعْلَمُ نَفْسِي نَاسِيًا إلَخْ.
[قَوْلُهُ: مَا تَعَلَّمْت فِي الْكِبَرْ] لَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَإِنْ تَفَاوَتَ بِدَلِيلِ الْمَقَامِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَا عَدَا الشَّبُوبَةَ وَبِالصِّبَا الشَّبُوبَةَ، وَيَكُونُ ذِكْرُ الْأَبْيَاتِ لِلْمُنَاسَبَةِ فِي الْجُمْلَةِ، ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا وَجَدْت فِي شَرْحِ الْمُنَاوِيِّ مَا يُفِيدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ حَالَ الصِّغَرِ يَتَفَاوَتُ وَكُلَّمَا كَانَ أَنْزَلَ مِنْ الْبُلُوغِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ كَانَ التَّعَلُّمُ فِيهِ أَثْبَتُ مِمَّا كَانَ فَوْقَهُ مِمَّا كَانَ يَقْرُبُ مِنْ الْبُلُوغِ، وَلَفْظُ الْكِبَرْ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَكَذَا الرَّاءُ الْوَاقِعَةُ رَوِيًّا وَالْبُيُوتُ مِنْ الطَّوِيلِ.
[قَوْلُهُ: وَمَا الْعِلْمُ] الرَّاسِخُ أَيْ وَمَا يَكُونُ الْعِلْمُ الرَّاسِخُ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ: وَهَذَا غَالِبِيٌّ فَقَدْ تَفَقَّهَ الْقَفَّالُ وَالْقُدُورِيُّ بَعْدَ الشَّيْبِ فَفَاقَا الشَّبَابَ.
[قَوْلُهُ: وَمَا الْحِلْمُ إلَّا بِالتَّحَلُّمِ] بِاللَّامِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَالْحِلْمُ الْأَنَاةُ وَالْعَقْلُ وَالتَّحَلُّمُ تَكَلُّفُهُ كَمَا يُفِيدُهُ الْقَامُوسُ، أَيْ وَمَا الْحِلْمُ الْمُعْتَبَرُ إلَّا بِالتَّحَلُّمِ أَيْ تَكَلُّفُهُ فِي الْكِبَرِ.
وَالْمُتَكَلَّفُ فِيهِ يَأْتِي عَلَى أَبْلَغِ مَا يُمْكِنُ.
[قَوْلُهُ: لَأَلْفَى فِيهِ إلَخْ] أَيْ لَوَجَدَ فِيهِ الْعِلْمَ، وَقَوْلُهُ: كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ يُوجَدُ حِسًّا بَلْ ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ رُسُوخِهِ وَثُبُوتِهِ، وَأَرَادَ بِالنَّقْشِ الْأَثَرَ الظَّاهِرَ فِي الْحَجَرِ لَا الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ مِنْ أَوْصَافِ الشَّخْصِ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ الشَّيْبِ] الْمُرَادُ بِهِ مَا بَعْدَ الصِّبَا بِدَلِيلِ الْمُقَابَلَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالصِّبَا مَا يَشْمَلُ الشَّبُوبَةَ، وَالشَّيْبُ مَا عَدَاهَا.
[قَوْلُهُ: إلَّا تَعَسُّفٌ] الْمَعْنَى وَمَا الْعِلْمُ مُتَّصِفٌ بِحَالَةٍ مِنْ الْحَالَاتِ بَعْدَ الشَّيْبِ إلَّا لِتَعَسُّفٍ
وَمَا الْمَرْءُ إلَّا اثْنَانِ عَقْلٌ وَمَنْطِقٌ ... فَمَنْ فَاتَهُ هَذَا وَهَذَا فَقَدْ دَمَرْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَقَدْ مَثَّلْت) أَيْ بَيَّنْت (لَك) ، الْخِطَابُ لِمُحْرِزٍ وَالْإِشَارَةُ فِي (مِنْ ذَلِكَ) عَائِدَةٌ عَلَى السُّؤَالِ (مَا) أَيْ الَّذِي (يَنْتَفِعُونَ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ وَيَشْرُفُونَ بِعِلْمِهِ وَيَسْعَدُونَ بِاعْتِقَادِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ) الْأَفْعَالُ الثَّلَاثَةُ بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ، وَيَجُوزُ فِي الثَّالِثِ ضَمُّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ مِنْهُ، وَإِنْ شَاءَ اللَّهُ رَابِطَةٌ لِلْجُمَلِ الثَّلَاثِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يَنْتَفِعُونَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَيَشْرُفُونَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَيَسْعَدُونَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَجَعَلَ مُتَعَلِّقَ النَّفْعِ الْحِفْظَ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالشَّيْءِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ حِفْظِهِ، وَجَعَلَ مُتَعَلِّقَ الشَّرَفِ الْعِلْمَ؛ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ الشَّرَفُ فِي الدُّنْيَا عَلَى الْأَقْرَانِ إذْ هُوَ
[حاشية العدوي]
أَيْ ارْتِكَابِ الْمَشَقَّةِ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ.
[قَوْلُهُ: إذَا كَلَّ] أَيْ عَيَّ وَهُوَ قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ: بَعْدَ الشَّيْبِ، أَيْ لَا بَعْدَ الشَّيْبِ مُطْلَقًا بَلْ بِقَيْدِ كِلَالِ قَلْبِ الْمَرْءِ إلَخْ.
أَوْ وَصْفٌ كَاشِفٌ لِلشَّيْبِ أَيْ الشَّيْبُ الْكَائِنُ إذَا كَلَّ إلَخْ وَقَوْلُهُ: عَقْلٌ نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ إذَا كَلَّ قَلْبُ الْمَرْءِ، وَقَوْلُهُ: وَمَنْطِقٌ نَاظِرٌ لِقَوْلِهِ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ بِاللُّزُومِ أَيْ مِنْ حَيْثُ أَنْ كُلًّا لَهُمَا يَلْزَمُهُ فَوَاتُ النُّطْقِ.
[قَوْلُهُ: فَمَنْ فَاتَهُ هَذَا وَهَذَا] أَيْ مَجْمُوعُهُمَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: إذَا كَلَّ إلَخْ، وَيَحْتَمِلُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذَلِكَ أَنْ تَقُولَ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ أَيْ هَذَا أَوْ هَذَا.
[قَوْلُهُ: فَقَدْ دَمَّرَ] أَيْ هَلَكَ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ بَيَّنْت إلَخْ] أَيْ جَعَلْت لَك الْمَسَائِلَ وَاضِحَةً كَالْمِثَالِ.
[قَوْلُهُ: عَائِدَةٌ عَلَى السُّؤَالِ] وَعَلَيْهِ فَمِنْ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ بَيَّنْت لَك مَا ذُكِرَ مِنْ أَجْلِ سُؤَالِك أَوْ أَنَّ " مِنْ " بَيَانٌ " لِمَا " وَالسُّؤَالُ بِمَعْنَى الْمَسْئُولِ.
[قَوْلُهُ: بِحِفْظِهِ] قَضِيَّةُ قَوْلِ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ إلَخْ أَنَّ الْبَاءَ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَأَنَّ مُتَعَلِّقَ يَنْتَفِعُونَ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ بِسَبَبِ حِفْظِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ
1 -
[قَوْلُهُ: وَيَشْرُفُونَ] بِضَمِّ الرَّاءِ وَمَاضِيهِ شَرُفَ بِضَمِّ الرَّاءِ إذَا نَالَ الْعُلُوَّ، وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِعِلْمِهِ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْضًا كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ الْآتِي.
[قَوْلُهُ: وَيَسْعَدُونَ إلَخْ] اعْلَمْ أَنَّ السَّعَادَةَ إمَّا دُنْيَوِيَّةٌ وَإِمَّا أُخْرَوِيَّةٌ، فَالدُّنْيَوِيَّةُ امْتِثَالُ الْمَأْمُورَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمَنْهِيَّاتِ، وَالْأُخْرَوِيَّةُ التَّمَتُّعُ فِي الْجَنَّةِ إذْ تَقَرَّرَ ذَلِكَ.
فَقَوْلُهُ: بِاعْتِقَادِهِ إلَخْ الْبَاءُ فِيهِ لِلتَّصْوِيرِ بِاعْتِبَارِ السَّعَادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَلِلسَّبَبِيَّةِ بِاعْتِبَارِ السَّعَادَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَخْفَى أَنَّ مَا فِي قَوْلِهِ مَا يَنْتَفِعُونَ إنْ أُوقِعَتْ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمَسْئُولَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالِاخْتِصَارِ كَمَا يُفِيدُهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَتْنِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بِعِلْمِهِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ بِعِلْمِ مَدْلُولِهِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ: بِاعْتِقَادِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَقَوْلُهُ: بِاعْتِقَادِهِ نَاظِرٌ لِأُصُولِ الدِّينِ، وَقَوْلُهُ: بِالْعَمَلِ نَاظِرٌ لِلْفُرُوعِ وَإِنْ أُوقِعَتْ عَلَى جُمْلَةِ الْمَسَائِلِ الْمَدْلُولَةِ لِلْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ يَحْتَاجُ لِحَذْفِ مُضَافٍ فِي قَوْلِهِ بِحِفْظِهِ، أَيْ حِفْظِ دَالِّهِ وَلَا يَحْتَاجُ لَهُ فِي الْأَخِيرَيْنِ.
[قَوْلُهُ: ضَمُّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ] أَيْ مَعَ فَتْحِ الْعَيْنِ أَنْ يَرْزُقَهُمْ اللَّهُ السَّعَادَةَ بِاعْتِقَادِهِ وَتَكَفَّلَ بِتَوْضِيحِ ذَلِكَ الْمِصْبَاحُ، فَفِيهِ سَعِدَ فُلَانٌ يَسْعَدُ مِنْ بَابِ تَعِبَ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا إلَى أَنْ قَالَ: وَيُعَدَّى بِالْحَرَكَةِ فِي لُغَةٍ، فَيُقَالُ أَسْعَدَهُ اللَّهُ يُسْعِدُهُ مِنْ بَابِ نَفَعَ فَهُوَ مَسْعُودٌ، وَقُرِئَ فِي السَّبْعَةِ بِهَذِهِ اللُّغَةِ فِي قَوْلِهِ: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ إلَخْ، وَالْأَكْثَرُ أَنْ يَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ فَيُقَالُ: أَسْعَدَهُ اللَّهُ اهـ.
[قَوْلُهُ: رَابِطَةٌ لِلْجُمَلِ الثَّلَاثِ إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ هَذِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالْجُمَلِ الثَّلَاثِ وَلَيْسَ مُرَادًا فَمُرَادُهُ أَنَّهَا مَحْذُوفَةٌ مِنْ الْأَخِيرَيْنِ لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالشَّيْءِ إلَخْ] أَيْ كَالْجُمْلَةِ الْمُخْتَصَرَةِ الْمَسْئُولَةِ أَيْ الِانْتِفَاعُ الْكَامِلُ، وَإِلَّا فَقَدْ يَنْتَفِعُ بِالرِّسَالَةِ مَنْ لَمْ يَحْفَظْهَا.
[قَوْلُهُ: وَجُعِلَ مُتَعَلِّقُ الْعِلْمِ الشَّرَفَ] الْمُنَاسِبُ الَّذِي قَبْلَهُ وَاَلَّذِي بَعْدَهُ أَنْ يَقُولَ: وَجُعِلَ مُتَعَلِّقُ الشَّرَفِ وَالْعِلْمِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ بِهِ] أَيْ بِسَبَبِهِ.
[قَوْلُهُ: يَحْصُلُ الشَّرَفُ] أَيْ الْعُلُوُّ [قَوْلُهُ: فِي الدُّنْيَا إلَخْ] قَضِيَّتُهُ حَصْرُ الشَّرَفِ فِي الدُّنْيَا دُونَ الْآخِرَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الشَّرَفُ أَيْضًا فِي الْآخِرَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْأَقْرَانِ] مُرَادُهُ بِهِ مَنْ يُسَاوِيهِ فِي السِّنِّ أَوْ فِي أَوْصَافٍ غَيْرِ
أَشْرَفُ مَا يَتَزَيَّنُ بِهِ، وَجَعَلَ مُتَعَلِّقَ السَّعَادَةِ الِاعْتِقَادَ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْإِخْلَاصُ وَالْمُرَادُ بِالسَّعَادَةِ هُنَا فِي الدُّنْيَا بِامْتِثَالِ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالتَّمَتُّعِ فِي الْجَنَّةِ.
(وَقَدْ جَاءَ أَنْ يُؤْمَرُوا) أَيْ الصِّغَارُ «بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ وَيُضْرَبُوا عَلَيْهَا لِعَشْرٍ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(ع) ذَكَرَهُ دَلِيلًا عَلَى قَوْلِهِ
وَأَوْلَى مَا عُنِيَ بِهِ النَّاصِحُونَ وَكَوْنُهُمْ مَأْمُورِينَ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ، فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَكَيْفَ يُخَاطَبُ بِالصَّلَاةِ؟ قُلْت: أُجِيبَ بِأَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا يُخَاطَبُ بِالشَّرْعِ الْوَلِيُّ لِيَأْمُرَ الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ، أَوْ بِأَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ خِطَابَ تَكْلِيفٍ بَلْ خِطَابَ تَأْدِيبٍ، وَالْأَمْرُ فِي الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْوَلِيُّ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ
[حاشية العدوي]
الْعِلْمِ أَوْ فِي الْعِلْمِ مَا عَدَا هَذَا اُنْظُرْ الْمِصْبَاحَ.
[قَوْلُهُ: وَجَعَلَ مُتَعَلِّقَ السَّعَادَةِ الِاعْتِقَادَ] حَقُّهُ أَنْ يَزِيدَ وَالْعَمَلَ؛ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ السَّعَادَةِ الْأَمْرَانِ الْمَذْكُورَانِ لَا الِاعْتِقَادُ وَحْدَهُ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ السَّعَادَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ غَيْرُ الِاعْتِقَادِ مَعَ أَنَّهَا نَفْسُ الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ.
[قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْإِخْلَاصُ إلَخْ] قَالَ عج: وَتَفْسِيرُهُ بِالْإِخْلَاصِ أَيْ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ، إذْ يَجُوزُ إبْقَاؤُهُ عَلَى مَعْنَاهُ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ أَيْ الِاعْتِقَادُ فِيمَا يُطْلَبُ اعْتِقَادُهُ وَالْعَمَلُ أَيْ فِيمَا يَعْمَلُ، وَالْمُرَادُ الْعَمَلُ عَلَى وَجْهِ الْإِخْلَاصِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ السَّعَادَةُ اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ.
[قَوْلُهُ: فِي الدُّنْيَا] حَالٌ مِنْ السَّعَادَةِ، وَقَوْلُهُ: بِامْتِثَالِ إلَخْ الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ شَيْءٌ مُصَوَّرٌ بِامْتِثَالِ الْأَوَامِرِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ بِالتَّمَتُّعِ فِي الْجَنَّةِ.
[قَوْلُهُ: لِسَبْعِ سِنِينَ] أَيْ لِلدُّخُولِ فِيهَا، وَقَوْلُهُ: لِعَشْرٍ لِلدُّخُولِ فِيهَا.
[قَوْلُهُ: رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ] هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ تَأْتِي لِمَالِكٍ بِالنَّهَارِ فَيُهْدِيهَا لَهُ بِاللَّيْلِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: ابْنُ وَهْبٍ عَالِمٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ فَقِيهٌ.
[قَوْلُهُ: دَلِيلًا إلَخْ] هُوَ أَخَصُّ مِنْ الْمُدَّعَى
[قَوْلُهُ: قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ] وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ مِنْ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهَا إذَا عَرَفَ يَمِينَهُ مِنْ شِمَالِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ: يُؤْمَرُ بِهَا إذَا أَطَاقَهَا وَإِنْ لَمْ يَحْتَلِمْ اهـ.
[قَوْلُهُ: فَكَيْفَ يُخَاطَبُ بِالصَّلَاةِ] أَيْ فَكَيْفَ يُخَاطِبُهُ الشَّرْعُ بِالصَّلَاةِ.، [قَوْلُهُ: غَيْرُ مُخَاطَبٍ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ] جَوَابٌ بِالْمَنْعِ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أَمْرًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَأَنَّ كُلًّا مِنْ الصَّبِيِّ وَالْوَلِيِّ مُخَاطَبٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ أَيْ النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ، وَيَظْهَرُ أَنْ لَا ثَوَابَ لِلصَّبِيِّ عَلَى جَوَابِ الشَّارِحِ الْمَذْكُورِ إذْ الثَّوَابُ يَتْبَعُ الْأَمْرَ وَلَا أَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِالصَّبِيِّ فَلَا ثَوَابَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الصَّبِيَّ تُكْتَبُ لَهُ الْحَسَنَاتُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ الصَّحِيحُ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ أَيْ وَإِنَّمَا هُوَ مُخَاطَبٌ مِنْ جِهَةِ الْوَلِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يُخَاطَبُ إلَخْ] هَذَا إذَا كَانَ ثَمَّ وَلِيٌّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلِيٌّ تَعَلَّقَ الْأَمْرُ بِالْحَاكِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَعَلَّقَ بِجَامِعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ بِأَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ] جَوَابٌ بِالتَّسْلِيمِ أَيْ بِتَسْلِيمِ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ لَكِنْ لَا عَلَى وَجْهِ التَّكْلِيفِ بَلْ عَلَى وَجْهِ التَّأْدِيبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَإِنْ اخْتَلَفَ حَالُ الْآمِرِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّبِيِّ تَأْدِيبٌ وَلِلْوَلِيِّ تَكْلِيفٌ، وَلَا ثَوَابَ لِلصَّبِيِّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ مُخَاطَبٌ خِطَابَ تَأْدِيبٍ، وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي الْمُخَاطِبِ لَهُ فَعَلَى الْأَوَّلِ الْوَلِيُّ وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْوَلِيَّ: إمَّا أَنْ يَكُونَ خِطَابُهُ أَصَالَةً أَوْ نِيَابَةً لَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أَصَالَةً إذْ الْإِنْسَانُ لَا يُخَاطَبُ بِعَمَلِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نِيَابَةً عَنْ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيُّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ أَيْ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَعَادَ السُّؤَالُ، وَعَلَى الثَّانِي الشَّرْعُ هَذَا وَالْحَقُّ مَا قُلْنَا سَابِقًا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، وَأَنَّ الصَّبِيَّ مُخَاطَبٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَيُثَابُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْقَرَافِيُّ: الْحَقُّ أَنَّ الْبُلُوغَ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْخِطَابِ بِالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي التَّكْلِيفِ بِالْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ اهـ.
[قَوْله: مَحْمُولٌ عَلَى
مُسْتَحَبًّا وَإِنَّمَا أُمِرَ الصَّبِيُّ بِالصَّلَاةِ دُونَ الصِّيَامِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ فَالْحَاجَةُ إلَيْهَا أَشَدُّ وَالضَّرْبُ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ.
قَالَ بِهِ ابْنُ قَاسِمٍ وَهُوَ غَيْرُ مَحْدُودٍ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَاخْتُلِفَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا بَلَغُوا سَبْعَ سِنِينَ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إذَا بَلَغُوا عَشْرَ سِنِينَ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّفْرِيقِ هُنَا التَّفْرِيقُ بِالْأَثْوَابِ، وَإِنْ كَانُوا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ، وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ كَالصَّلَاةِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدَبِ قَوْلُهُ: (فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمُوا) أَيْ الصِّغَارُ (مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ) الْمُكَلَّفِينَ (مِنْ قَوْلٍ) وَهُوَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَقِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ.
(وَ) مِنْ (عَمَلٍ) وَهُوَ
[حاشية العدوي]
النَّدْبِ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ مَا لِابْنِ بَطَّالٍ مِنْ أَنَّ أَمْرَ الشَّارِعِ لِلْوَلِيِّ أَمْرُ إيجَابٍ، فَإِنْ لَمْ يَأْمُرْ الْوَلِيُّ الْأَوْلَادَ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
[قَوْلُهُ: دُونَ الصِّيَامِ] أَيْ فَلَمْ يُؤْمَرْ بِهِ فَلَا ثَوَابَ لَهُ إذْ الثَّوَابُ فِي فِعْلِ الْمَطْلُوبِ لَا فِي فِعْلِ الْمُبَاحِ وَلَا لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ، هَذَا وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ شَارِحَنَا غَايَةُ مَا أَفَادَ نَفْيَ الْأَمْرِ، وَالْجَوَازُ وَعَدَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ بَيَّنَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: وَأَمَّا الصِّيَامُ فَلَا يُنْدَبُ بَلْ يَجُوزُ عَلَى مَا يَظْهَرُ لِمَشَقَّتِهِ، وَالْوَلِيُّ لَا يَجُوزُ لَهُ إلْزَامُ الصَّبِيِّ مَا فِي فِعْلِهِ مَشَقَّةٌ.
[قَوْلُهُ: فَالْحَاجَةُ إلَيْهَا أَشَدُّ] أَيْ إلَى حِفْظِهَا أَقْوَى؛ لِأَنَّ الْمُتَكَرِّرَ شَأْنُهُ الثِّقَلُ عَلَى النَّفْسِ فَيَحْتَالُ فِي تَحْصِيلِهِ بِالْأَمْرِ بِهِ نَدْبًا قَبْلَ وَقْتِهِ لِأَجْلِ التَّمَرُّنِ وَالِاعْتِيَادِ فَلَا يَحْصُلُ ثِقَلٌ فِي وَقْتِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَالضَّرْبُ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ] أَيْ حَيْثُ ظَنَّ الْإِفَادَةَ وَإِلَّا فَيَضْرِبْ؛ لِأَنَّ الْوَسِيلَةَ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا مَقْصِدُهَا لَا تُشْرَعُ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ غَيْرُ مَحْدُودٍ] أَيْ فَالْعِبْرَةُ بِحَالِ الصِّبْيَانِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَدْ شَاهَدْت غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ الْمُعَلِّمِينَ الصُّلَحَاءَ يَضْرِبُ نَحْوَ الْعِشْرِينَ وَأَزْيَدَ اهـ.
[قَوْلُهُ غَيْرَ مُبَرِّحٍ] وَهُوَ الَّذِي لَا يَكْسِرُ عَظْمًا وَلَا يَهْشِمُ لَحْمًا وَلَا يَشِينُ جَارِحَةً، وَمَحَلُّ الضَّرْبِ عِنْدَ الْعَشْرِ إذَا دَخَلَ فِيهَا وَلَمْ يَمْتَثِلْ بِالْقَوْلِ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ إذَا بَلَغُوا عَشْرَ سِنِينَ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
[قَوْلُهُ: التَّفْرِيقُ بِالْأَثْوَابِ] ظَاهِرُهُ بِأَنْ يَكُونَ لِكُلِّ شَخْصٍ ثَوْبٌ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا لَابِسًا ثَوْبًا وَالْآخَرُ غَيْرَ لَابِسٍ لَمْ يَكْفِ فِي التَّفْرِقَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ.
كَمَا قَالَ عج، أَقُولُ: وَكَمَا هُوَ ظَاهِرُ النَّقْلِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ لَكِنْ نَقَلَ عج عَنْ بَعْضِهِمْ مَا يُفِيدُ الِاكْتِفَاءَ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ وَيُؤَيِّدُهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَمَا ذَكَرَهُ عج مِنْ أَنَّ سَبَبَ التَّفْرِيقِ مَخَافَةَ أَنْ يَأْنَسُوا بِمَا يَحْصُلُ مِنْ الِالْتِذَاذِ عِنْدَ بُلُوغِهِمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
[قَوْلُهُ: وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ] أَيْ وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْوَلِيِّ وَعَدَمُهَا يُكْرَهُ وَهُوَ أَيْضًا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْوَلِيِّ.
[قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدَبِ قَوْلُهُ فَكَذَلِكَ إلَخْ] أَيْ مِنْ حَيْثُ الْإِتْيَانُ فَيَنْبَغِي فِي التَّنْظِيرِ وَإِنْ كَانَ هَذَا مُتَعَلِّقًا بِتَعْلِيمِهِمْ لِلْفُرُوضِ لَا بِأَمْرِهِمْ بِتَحْصِيلِهَا، وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ مِنْ التَّعَلُّمِ التَّحْصِيلُ وَتَوْضِيحُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ كَالشَّهَادَتَيْنِ يُعَلَّمُونَهُ لِأَجْلِ أَنْ تَكَرَّرَ عَلَى لِسَانِهِمْ وَهُوَ التَّحْصِيلُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ وَقِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ يُعَلَّمُونَهَا لِأَجْلِ تَحْصِيلِهَا مِنْ قِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّ الْعَمَلَ كَالصَّلَاةِ يُعَلَّمُونَهَا لِأَجْلِ تَحْصِيلِهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالِاعْتِقَادَاتُ يُعَلَّمُونَهَا لِأَجْلِ كَثْرَةِ وُرُودِهَا عَلَى الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ عَمَلٌ بِالنِّسْبَةِ لَهَا، نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الصَّوْمُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يُعَلَّمُونَهُ وَلَا يُقْصَدُ تَحْصِيلُهُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَعِبَارَةُ تَحْقِيقِ الْمَبَانِي وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْحَدِيثِ عِنْدَهُ لِلنَّدْبِ عَطْفُهُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَكَذَلِكَ إلَخْ، ثُمَّ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ أَوَّلًا وَأَوْلَى مَا عُنِيَ بِهِ النَّاصِحُونَ إلَخْ بَلْ هُوَ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا.
[قَوْلُهُ: الْمُكَلَّفِينَ] إشَارَةٌ إلَى التَّخْصِيصِ فِي الْعِبَادِ لَا كُلِّ الْعِبَادِ فَإِنَّ الْفَرْضَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُكَلَّفِينَ إلَّا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مُكَلَّفُونَ مِنْ أَوَّلِ الْفِطْرَةِ قَطْعًا وَكَذَا آدَم وَحَوَّاءُ، وَأَوْلَادُ آدَمَ إنَّمَا كُلِّفُوا عِنْدَ الْبُلُوغِ وَفِي الْجِنِّ نِزَاعٌ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ جَمَاعَةَ كَمَا ذَكَرَهُ عج أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ مِنْ أَوَّلِ الْفِطْرَةِ [قَوْلُهُ: مِنْ قَوْلٍ] الْمُرَادُ بِهِ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ لَا الْمَصْدَرُ وَلَا الْمَقُولُ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ بِالْمَصْدَرِ هُوَ الَّذِي يَتَّصِفُ بِالْفَرْضِيَّةِ وَلَا عِبْرَةَ بِمَنْ يَتَوَهَّمُ خِلَافَ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ وَقَفَ عَلَى التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ شَهَادَةُ] أَيْ التَّلَفُّظُ بِاللِّسَانِ بِأَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَخْ
جَمِيعُ أَعْمَالِ الطَّاعَةِ (قَبْلَ بُلُوغِهِمْ لِ) كَيْ (يَأْتِيَ عَلَيْهِمْ الْبُلُوغُ وَقَدْ تَمَكَّنَ) أَيْ ثَبَتَ وَرَسَخَ (ذَلِكَ) أَيْ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ (مِنْ) بِمَعْنَى فِي (قُلُوبِهِمْ وَسَكَنَتْ) أَيْ مَالَتْ (إلَيْهِ أَنْفُسُهُمْ وَأَنِسَتْ) أَيْ اسْتَأْنَسَتْ (بِمَا) أَيْ بِاَلَّذِي (يَعْلَمُونَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ) الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ (جَوَارِحُهُمْ) . وَقَوْلُهُ: (وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ) وَتَعَالَى (عَلَى الْقَلْبِ عَمَلًا مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ) كَالْإِيمَانِ (وَعَلَى الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ عَمَلًا مِنْ الطَّاعَاتِ) كَالصَّلَاةِ مُكَرَّرٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ
(وَسَأُفَصِّلُ) أَيْ أُفَرِّقُ (لَك) يَعْنِي غَالِبًا، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّبْوِيبَ فِي مَوَاضِعَ (مَا) أَيْ
[حاشية العدوي]
يُشْتَرَطُ لَفْظُ أَشْهَدُ، وَالْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِالْكَافِ يَقُولُ: كَشَهَادَةِ لِيَدْخُلَ تَحْتَ الْكَافِ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَغَيْرُهَا مِنْ الْفُرُوضِ الْقَوْلِيَّةِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَقِرَاءَةُ إلَخْ] مَعْطُوفٌ عَلَى شَهَادَةِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ جَمِيعُ أَعْمَالِ الطَّاعَةِ] ظَاهِرُهُ شُمُولُهُ لِلْقَوْلِ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقْصَرَ عَلَى أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ وَالْقُلُوبِ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ، وَيُقَوِّيهِ كَمَا فِي تت قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ» وَإِضَافَةُ أَعْمَالٍ إلَى مَا بَعْدَهُ لِلْبَيَانِ، وَأَلْ فِي الطَّاعَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَتَطَابَقَ الْبَيَانُ مَعَ الْمُبَيَّنِ بِفَتْحِ الْيَاءِ [قَوْلُهُ: وَرَسَخَ:] مُرَادِفٌ لِثَبَتَ [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى فِي] رَدَّهُ عج بِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِمِنْ يُفِيدُ أَنَّهُ امْتَزَجَ بِالْقَلْبِ وَثَبَتَ فِيهِ، وَالظَّرْفِيَّةُ لَا تَقْتَضِي ذَلِكَ ثُمَّ أَقُولُ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْعَمَلِ الْقَلْبِيِّ، وَأَمَّا الْجَارِحِيُّ وَاللِّسَانِيُّ فَلَا؛ لِأَنَّ ظَرْفَهُمَا اللِّسَانُ وَالْجَوَارِحُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الرُّسُوخُ فِي الْقَلْبِ بِالنِّسْبَةِ لَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْرِفَةُ وَعَدَمُ نِسْيَانِهِمَا أَصْلًا [قَوْلُهُ: وَسَكَنَتْ] لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ.
[قَوْلُهُ: أَيْ مَالَتْ] أَيْ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلُ كَتَكْرَارِ الْقَوْلِ وَحُصُولِ الْأَعْمَالِ أَيْ تَمِيلُ لِتَكْرَارِ الْقَوْلِ وَلِعَمَلِ الْجَارِحَةِ وَكَثْرَةِ حُضُورِ الْقَلْبِيِّ كَالِاعْتِقَادِيَّاتِ.
[قَوْلُهُ: أَنْفُسُهُمْ] جَمْعُ نَفْسٍ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الرُّوحُ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
[قَوْلُهُ: وَأَنِسَتْ إلَخْ] إسْنَادُ ذَلِكَ لِلْجَوَارِحِ، مَجَازًا، وَأَرَادَ بِالْجَوَارِحِ مَا يَشْمَلُ اللِّسَانَ وَالْقَلْبَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْمُرَادُ بِأَنِسَتْ عَدَمُ تَأَلُّمِهَا أَيْ الْجَوَارِحِ مِنْ فِعْلِهِ وَإِنْ كَانَ التَّأَنُّسُ فِي الْأَصْلِ ضِدُّ الِاسْتِيحَاشِ اهـ. لَكِنْ لَا مَانِعَ مِنْ إرَادَتِهِ أَيْضًا إذْ التَّجَوُّزُ مَوْجُودٌ عَلَى كُلٍّ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: مِنْ ذَلِكَ] أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الَّذِي يَعْلَمُونَ بِهِ بَعْضُ ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ لَا يُطَالَبُونَ بِالصَّوْمِ أَصْلًا [قَوْلُهُ: عَلَى الْقَلْبِ] فِيهِ مَجَازٌ كَقَوْلِهِ: وَعَلَى الْجَوَارِحِ إذْ الْفَرْضُ إنَّمَا هُوَ عَلَى النَّفْسِ.
[قَوْلُهُ: كَالْإِيمَانِ] هُوَ التَّصْدِيقُ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ تَمْثِيلُ الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ كَيْفِيَّةٌ فَتَعَلُّقُ الْفَرْضِ بِأَسْبَابِهِ لَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ فَإِدْخَالُهُ فِي الِاعْتِقَادِ تَسَامُحٌ، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ اعْتِقَادَ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَنَحْوَهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِاعْتِقَادَ غَيْرُ التَّصْدِيقِ فَقَدْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْكُفَّارِ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ التَّصْدِيقُ الَّذِي هُوَ الْإِذْعَانُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى الْجَوَارِحِ] أَدْخَلَ فِيهَا اللِّسَانَ وَأَطْلَقَ الْعَمَلَ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْقَوْلَ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ بَيْنَ مَا يُشَارِكُ فِيهِ الْقَلْبُ وَالْجَوَارِحُ كَالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ أَوَّلًا كَقَضَاءِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ بِخِلَافِ الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ، فَلَا تَعَلُّقَ لِلْجَوَارِحِ فِيهِ بِوَجْهٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْقَلْبِ خَاصَّةً وَهُوَ ظَاهِرٌ وَمَا هُوَ خَاصٌّ بِالْجَوَارِحِ وَهُوَ مَا لَا يَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ وَمَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا مَعًا كَالصَّلَاةِ فَلَوْ جَعَلَهَا هَكَذَا لَكَانَ أَحْسَنَ.
[قَوْلُهُ: مُكَرَّرٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ] أَيْ مِنْ قَوْلِهِ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا تَكْرَارَ؛ لِأَنَّهُ تَفْصِيلٌ لِلْإِجْمَالِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: وَمِنْ عَمَلٍ لِمَا قَرَّرْنَا أَنَّهُ شَامِلٌ لِعَمَلِ الْقَلْبِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: أَيْ أُفَرِّقُ إلَخْ] ؛ لِأَنَّ التَّفْصِيلَ بِمَعْنَى التَّفْرِيقِ، وَمِنْهُ تَفْصِيلُ الثَّوْبِ أَيْ تَفْرِيقُهُ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّبْوِيبَ فِي مَوَاضِعَ] كَمَا سَيَأْتِي فِي الشُّفْعَةِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّهُ جَمَعَ جُمْلَةَ أَشْيَاءَ فِي بَابٍ وَاحِدٍ فَلَمْ يُبَوِّبْ لِكُلِّ قِسْمٍ عَلَى حِدَةٍ فَتَرَكَ التَّبْوِيبَ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَهُنَاكَ جَوَابَانِ آخَرَانِ أَوَّلُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بَابًا بَابًا أَيْ فِيمَا يَقْتَضِيهِ رَأْيُهُ ثَانِيهِمَا تَرْجَمَةً بَعْدَ تَرْجَمَةٍ