أَيْ اتِّبَاعُهُمْ وَاجِبٌ فَإِنْ أَطَاعَ بِظَاهِرِهِ دُونَ بَاطِنِهِ فَإِنَّهُ عَاصٍ وَلَيْسَ بِمُطِيعٍ (وَ) كَذَلِكَ (الِاسْتِغْفَارُ) أَيْ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ (لَهُمْ) وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10] وَلِأَنَّهُمْ
[حاشية العدوي]
خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ.
فَإِنْ قُلْت: مَا نُكْتَتُهُ؟ قُلْت: نُكْتَتُهُ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ تَقْلِيدُهُمْ أَيْضًا فِي ذَلِكَ خِلَافًا لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي قَوْلِهِمْ وَفِعْلِهِمْ النَّاشِئِ عَنْ اجْتِهَادِهِمْ، فَذَهَبَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمَنْ وَافَقَهُ إلَى وُجُوبِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ لِلصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ، وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إلَى عَدَمِ جَوَازِهِ وَلَا نِزَاعَ فِي تَقْلِيدِ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَيْ إذَا عَرَفَ تَفْصِيلَ مَذْهَبِهِمْ كَتَقْلِيدِهِ بَقِيَّةَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ وَكَذَا الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: أَوْ فِعْلُهُمْ الَّذِي تَلَقَّوْهُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا خِلَافَ بَيْنَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي وُجُوبِ اتِّبَاعِهِمْ فِيهِ لِلْمُجْتَهِدِ وَالْمُقَلِّدِ وَكَذَا لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ وُجُوبِ اتِّبَاعِ مَا تَأَوَّلَهُ التَّابِعُونَ وَاسْتَنْبَطُوهُ لِلْمُجْتَهِدِ فَمَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ مِمَّا يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى مَا تَلَقَّوْهُ عَنْ الصَّحَابَةِ لَا عَلَى مَا كَانَ مِنْ اجْتِهَادٍ وَاسْتِنْبَاطٍ مِنْهُمْ هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي عج.
[قَوْلُهُ: وَفِيمَا تَأَوَّلُوهُ] لَا يَخْفَى أَنَّ التَّأْوِيلَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ فَعَطْفُ الِاسْتِنْبَاطِ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ اسْتِخْرَاجُ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِكَوْنِهِ مُتَأَوَّلًا هُوَ اللَّفْظُ وَلَيْسَ الِاتِّبَاعُ فِيهِ بَلْ الِاتِّبَاعُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ، فَنَخْرُجُ مِنْ وَرْطَةِ ذَلِكَ بِأَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ وَالتَّقْدِيرُ وَفِي مَعْنَى اللَّفْظِ الَّذِي تَأَوَّلُوهُ أَيْ صَرَفُوهُ عَنْ ظَاهِرِهِ، أَيْ الْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِذَلِكَ الصَّرْفِ.
[قَوْلُهُ: عَنْ اجْتِهَادِهِمْ] الِاجْتِهَادُ بَذْلُ الْوُسْعِ فِي تَحْصِيلِ الْحُكْمِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ حَالَةَ كَوْنِ الْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلُوهُ وَاسْتَنْبَطُوهُ نَاشِئًا عَنْ اجْتِهَادِهِمْ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ مُؤَكَّدَةٌ.
[قَوْلُهُ: أَيْ اتِّبَاعُهُمْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاقْتِفَاءِ الِاتِّبَاعُ، وَأَنَّ إسْنَادَ الِاقْتِفَاءِ إلَى الْآثَارِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ وَحَقِيقَتُهُ إسْنَادُهُ لَهُمْ لَا لِآثَارِهِمْ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ: وَاقْتِفَاءٌ إلَخْ عَيْنُ مَا قَبْلَهُ فَهُوَ تَأْكِيدٌ لَهُ، وَبَعْضُ الْأَشْيَاخِ فَرَّقَ بِأَنَّ الِاتِّبَاعَ يَصْدُقُ وَلَوْ بِبَعْضِ الْوُجُوهِ، وَالِاقْتِفَاءُ الِاتِّبَاعُ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ.
[قَوْلُهُ: وَاجِبٌ] لَمْ يَقُلْ وَكَذَلِكَ اقْتِفَاءُ إلَخْ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا يَأْتِي لِلتَّفَنُّنِ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ الِاسْتِغْفَارُ] يَأْتِي مَا تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: لَهُمْ] أَيْ لِلسَّلَفِ الصَّالِحِ لَكِنْ لَا بِقَيْدِ الصَّحَابَةِ بَلْ الْأَعَمُّ أَيْ مَنْ سَلَفَنَا بِالْإِيمَانِ مُطْلَقًا فَفِي الْعِبَارَةِ اسْتِخْدَامٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ اسْتَعْمَلَ أَوَّلًا السَّلَفَ الصَّالِحَ فِي مَعْنًى وَهُوَ الصَّحَابَةُ وَأَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى آخَرَ أَفَادَهُ عج - رَحِمَهُ اللَّهُ -[قَوْلُهُ: وَاجِبٌ] تَصْرِيحٌ بِمَضْمُونِ قَوْلِهِ كَذَلِكَ قَالَ عج، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ كَالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْحَمْدِ لِلَّهِ، وَهَلْ لَا بُدَّ فِي الْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ ذَلِكَ مِنْ النِّيَّةِ أَوْ يَكْفِي الْإِتْيَانُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ؟ وَقَدْ ذَكَرَ السَّنُوسِيُّ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ عُهْدَةِ الشَّهَادَتَيْنِ إلَّا مَعَ فِعْلِهِمَا بِالنِّيَّةِ فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ يَنْوِي بِذَكَرِهِمَا الْوُجُوبَ، فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَهُوَ عَاصٍ وَإِيمَانُهُ صَحِيحٌ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاجِبَ مَا يُفِيدُ مَعْنَى لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لَا خُصُوصَ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ عَلَى مَا مَرَّ فِي مَبْحَثِ الْإِيمَانِ اهـ. وَكَلَامُ عج هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِ وَاجِبًا أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ.
[قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى] دَلِيلٌ لِوُجُوبِ الِاسْتِغْفَارِ، وَفِيهِ أَمْرَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَمْرٌ بِأَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِمَنْ قَبْلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ الْوُجُوبُ، بَلْ إنَّمَا فِيهَا دُعَاءُ مَنْ بَعْدَهُمْ لَهُمْ بِأَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ.
الثَّانِي: أَنَّ الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ فِي الْآيَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ لِسَبْقِهِمَا فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: 8] ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِمْ الْأَنْصَارَ بِقَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ [الحشر: 9] ثُمَّ قَالَ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: 10] فَاللَّفْظُ خَاصٌّ بِهِمْ.
[قَوْلُهُ: وَلِإِخْوَانِنَا] أَيْ فِي الدِّينِ.
[قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُمْ
وَضَّحُوا لَنَا السَّبِيلَ فَجَزَاهُمْ اللَّهُ عَنَّا أَحْسَنَ جَزَاءٍ.
(وَ) كَذَلِكَ (تَرْكُ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ فِي الدِّينِ) وَاجِبٌ، وَالْمُرَادُ جَحْدُ الْحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ وَدَفْعُهُ بِالْبَاطِلِ، وَالْجِدَالُ مُنَاظَرَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْبَسْطِ مَعَهُمْ وَالطَّعْنِ فِي الصَّحَابَةُ وَإِيقَاعِ الشُّبْهَةِ فِي الْقَلْبِ.
قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّ هَذَا الْجِدَالَ لَيْسَ مِنْ الدِّينِ
[حاشية العدوي]
وَضَّحُوا لَنَا السَّبِيلَ] هَذِهِ الْعِلَّةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ سَلَفَ مِنْ الْأُمَّةِ، وَوَضَّحَ الطَّرِيقَ فَيَشْمَلُ الصَّحَابَةَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلَا يَشْمَلُ مَنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ تَوْضِيحٌ مِمَّنْ ذُكِرَ فَلَا يُفِيدُ الْمُدَّعَى الَّذِي هُوَ وُجُوبُ طَلَبِ الِاسْتِغْفَارِ لِلسَّلَفِ الصَّالِحِ الْمُتَبَادَرِ مِنْهُ الْإِطْلَاقُ، فَإِنْ قُلْت: لَا يُنْتِجُ كَوْنُهُمْ وَضَّحُوا السَّبِيلَ وُجُوبَ الِاسْتِغْفَارِ، قُلْت: يُنْتِجُ بِشَهَادَةِ مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: إذَا لَمْ تَشْكُرْ مَنْ هِيَ عَلَى يَدِهِ لَمْ تَشْكُرْنِي إنْ حُمِلَ خُصُوصُ الشُّكْرِ عَلَى الدُّعَاءِ لَهُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ تَأْثَمُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ شُكْرَ الْمُنْعِمِ وَاجِبٌ.
[قَوْلُهُ: الْمِرَاءِ] بِالْمَدِّ كَمَا فِي اللَّقَانِيِّ وَنُسْخَةٌ مُعْتَمَدَةٌ مِنْ الصِّحَاحِ.
[قَوْلُهُ: فِي الدِّينِ] اُحْتُرِزَ بِذَلِكَ مِمَّا إذَا كَانَ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُمَا جَائِزَانِ فِي أَحْوَالِهَا كَمَا ذَكَرَهُ اللَّقَانِيُّ عَنْ بَعْضِ شُرَّاحِ هَذَا الْمَتْنِ، وَتَأَمَّلْ ذَلِكَ مَعَ تَفْسِيرِ الشَّارِحِ الْآتِي ذِكْرُهُ [قَوْلُهُ: وَالْمِرَاءُ] جَحْدُ الْحَقِّ إلَخْ هَذَا مَعْنَاهُ اصْطِلَاحًا، وَأَمَّا مَعْنَاهُ لُغَةً فَهُوَ الِاسْتِخْرَاجُ مِنْ مَرَيْتُ الْفَرَسَ إذَا اسْتَخْرَجْتُ مَا عِنْدَهَا مِنْ الْجَرْيِ أَوْ غَيْرِهِ، فَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَمَارِيَيْنِ يَمْرِي مَا عِنْدَ صَاحِبِهِ أَيْ يَسْتَخْرِجُ، هَكَذَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمِرَاءَ بِتَفْسِيرِهِ لَيْسَ فِيهِ اسْتِخْرَاجٌ؛ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ: جَحْدُ الْحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ وَلَيْسَ اسْتِخْرَاجًا حِينَئِذٍ، فَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالِاصْطِلَاحِيِّ، وَكَذَلِكَ لَا يَخْفَى أَنَّهُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ لَا يَكُونُ حَرَامًا فَتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: جَحْدُ الْحَقِّ] أَيْ إنْكَارُ الْحَقِّ.
وَقَوْلُهُ: بَعْدَ ظُهُورِهِ لَا حَاجَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: فِي إنْكَارِ الْحَقِّ جَحْدٌ إلَّا بَعْدَ الظُّهُورِ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ، فَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا.
[قَوْلُهُ: وَدَفْعُهُ] لَازِمٌ لِمَا قَبْلَهُ أَوْ عَيْنَهُ وَقَوْلُهُ: بِالْبَاطِلِ تَأْكِيدٌ.
[قَوْلُهُ: وَالْجِدَالُ مُنَاظَرَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَرَامٌ لِمَا ذَكَرَهُ وَهُوَ التَّأْدِيَةُ لِلطَّعْنِ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ، لَكِنَّ هَذَا إذَا كَانَتْ التَّأْدِيَةُ الْمَذْكُورَةُ يُجْزَمُ بِهَا أَوْ يُظَنُّ، وَانْظُرْ فِي حَالَةِ الشَّكِّ، وَالظَّاهِرُ الْحُرْمَةُ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ بَيْنَ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ التَّبَايُنَ عَلَى كَلَامِهِ وَأَنَّهُمَا حَرَامَانِ وَلَيْسَ لَهُمَا حَالَةٌ جَائِزَةٌ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْبَسْطِ مَعَهُمْ] أَيْ يُؤَدِّي إلَى تَوْسِعَةِ الْكَلَامِ مَعَهُمْ وَهِيَ مُضِرَّةٌ [قَوْلُهُ: وَالطَّعْنِ فِي الصَّحَابَةِ] أَيْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لَا فِي كُلِّهَا.
[قَوْلُهُ: وَإِيقَاعِ الشُّبْهَةِ فِي الْقَلْبِ] الشُّبْهَةُ مَا يُظَنُّ دَلِيلًا وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ، أَيْ فَيُعْتَقَدُ حَقِيقَتُهَا فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ صِحَّةُ دَعْوَاهُمْ عِنْدَ النَّاشِئَةِ مِنْ تِلْكَ الشُّبْهَةِ.
[قَوْلُهُ: إنَّ هَذَا الْجِدَالَ] الْمُشَارَ إلَيْهِ مُنَاظَرَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ عَبْدِ الْوَهَّابِ [قَوْلُهُ: لَيْسَ مِنْ الدِّينِ] أَيْ بَلْ مَا يُنَافِي الدِّينَ كَمَا تَبَيَّنَ مِمَّا تَقَرَّرَ [قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْجِدَالِ] أَيْ لَا بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ بَلْ بِمَعْنًى آخَرَ ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ حَيْثُ قَالَ: الْجِدَالُ مُقَابَلَةُ الْحُجَّةِ بِالْحُجَّةِ، وَعَلَيْهِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ لَا لِإِظْهَارِ حَقٍّ فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَإِنْ كَانَ لِإِظْهَارِ حَقٍّ فَهُوَ مَحْمُودٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125] وَخُلَاصَةُ الْمَقَامِ أَنَّ بَيْنَ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ التَّبَايُنَ عَلَى مَا فُسِّرَ أَوَّلًا وَلَا يَكُونَانِ إلَّا حَرَامَيْنِ، وَعَلَى كَلَامِ ابْنِ الْأَثِيرِ الَّذِي يُشِيرُ لَهُ الشَّارِحُ هُنَا تَارَةً وَيَكُونُ حَرَامًا وَتَارَةً يَكُونُ غَيْرَ حَرَامٍ بَلْ مَحْمُودٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْجِدَالَ تَارَةً يَكُونُ حَرَامًا إنْ اسْتَلْزَمَ مَفْسَدَةً، وَتَارَةً مَنْدُوبًا أَوْ وَاجِبًا إنْ اسْتَلْزَمَ مَصْلَحَةً بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ، وَتَارَةً مُبَاحًا إنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْهُمَا، وَفَسَّرَ تت الْجِدَالَ بِأَنَّهُ تَفَاوُضٌ يَجْرِي بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا لِتَحْقِيقِ حَقٍّ أَوْ إبْطَالِ بَاطِلٍ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فَقِيلَ: الْمِرَاءُ هُوَ نَفْسُ الْجِدَالِ الْمُفَسَّرِ بِمَا ذُكِرَ، وَقِيلَ: الْمِرَاءُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَالْجِدَالُ مَعَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ.
أَقُولُ: وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فِي كَلَامِ تت يَكُونَانِ بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ مُتَرَادِفَيْنِ وَإِنْ اخْتَلَفَا بِحَسَبِ الْمَنَاظِرِ مَعَهُ.
فِي شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْجِدَالِ إظْهَارَ الْحَقِّ دُونَ التَّعَنُّتِ وَالْعِنَادِ وَالْإِظْهَارُ عَلَى الْخَصْمِ وَنِسْبَةُ شَرَفِ الْعِلْمِ لِنَفْسِهِ فَذَاكَ جَائِزٌ، وَقِيلَ: مَنْدُوبٌ، وَلِلْمُذَاكَرَةِ الْجَائِزَةِ آدَابٌ مِنْهَا تَجَنُّبُ الِاضْطِرَابِ مَا عَدَا اللِّسَانِ مِنْ الْجَوَارِحِ، وَالِاعْتِدَالُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ وَخَفْضِهِ وَحُسْنُ الْإِصْغَاءِ إلَى كَلَامِ صَاحِبِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ الْكَلَامَ مُنَاوَبَةً لَا مُنَاهَبَةً، وَالثَّبَاتُ عَلَى الدَّعْوَى إنْ كَانَ مُجِيبًا، وَالْإِصْرَارُ عَلَى السُّؤَالِ إنْ كَانَ سَائِلًا وَالِاحْتِرَازُ عَنْ التَّعَنُّتِ وَالتَّعَصُّبِ وَالضَّحِكِ وَاللَّجَاجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ
(وَ) كَذَلِكَ (تَرْكُ كُلِّ مَا أَحْدَثَهُ الْمُحْدِثُونَ) وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ
[حاشية العدوي]
وَأَقُولُ أَيْضًا: وَعَلَى كَلَامِ تت لَا يَكُونَانِ حَرَامَيْنِ أَيْ إلَّا إذَا صَاحَبَهُمَا وَجْهٌ مُحَرِّمٌ كَإِظْهَارِ شَرَفِ الْعِلْمِ لِنَفْسِهِ وَالْجَهْلِ لِغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: إبْطَالُ حَقٍّ] مَثَلًا فَيَكُونُ حَرَامًا [قَوْلُهُ: دُونَ التَّعَنُّتِ] التَّعَنُّتُ إدْخَالُ الْأَذَى كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: إظْهَارُ الْحَقِّ أَيْ فَإِنْ قَصَدَ التَّعَنُّتَ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا ذُكِرَ فَيَحْرُمُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ إظْهَارِ الْحَقِّ أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ مُتَجَاوِزَ التَّعَنُّتِ إلَخْ.
أَيْ لَمْ يَكُنْ مُصَاحِبًا بِمَا ذُكِرَ، وَأَمَّا لَوْ صَاحَبَ إظْهَارَ الْحَقِّ وَاحِدٌ مِمَّا ذُكِرَ فَيَحْرُمُ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْأَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ حُرْمَةِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ عَنْ إظْهَارِ الْحَقِّ بِالْأَوْلَى فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَالْعِنَادِ] الْعِنَادُ ارْتِكَابُ الْخِلَافِ وَالْعِصْيَانِ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ أَيْضًا فَهُوَ يَرْجِعُ لِلْأَوَّلِ.
[قَوْلُهُ: وَالْإِظْهَارُ عَلَى الْخَصْمِ] أَيْ الِاسْتِعْلَاءُ عَلَيْهِ، أَيْ فَإِذَا كَانَ لِوَاحِدٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا يَكُونُ جَائِزًا بَلْ حَرَامًا.
[قَوْلُهُ: وَنِسْبَةُ شَرَفِ الْعِلْمِ لِنَفْسِهِ] أَيْ وَتَجْهِيلُ غَيْرِهِ أَوْ نِسْبَةُ شَرَفِ الْعِلْمِ لِنَفْسِهِ مَعَ كِبْرٍ أَوْ رِيَاءٍ.
[قَوْلُهُ: فَذَاكَ جَائِزٌ] لَا يَخْفَى بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ مَعَ هَذَا الْقَصْدِ بَلْ رُبَّمَا يُقَالُ: لَا وَجْهَ لَهُ أَصْلًا فَلَا وَجْهَ لِكَوْنِهِ يُقَدِّمُهُ بَلْ لَا وَجْهَ لِذِكْرِهِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الْقَوْلُ الثَّانِي الَّذِي هُوَ النَّدْبُ وَقَدْ يَجِبُ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ، وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ وَجْهٍ لَهُ بِأَنَّ مَقَامَ الْمُنَاظَرَةِ خَطَرٌ فَهُوَ وَإِنْ قَصَدَ ذَلِكَ الْمَقْصِدَ رُبَّمَا غَلَبَ عَلَيْهِ الِاتِّصَافُ بِوَجْهٍ مُحَرِّمٍ كَمَحَبَّةِ غَلَبَتِهِ عَلَى خَصْمِهِ لَا إظْهَارِ الْحَقِّ حَيْثُ كَانَ.
[قَوْلُهُ: وَالْجَائِزَةِ] أَيْ الْمَأْذُونِ فِيهَا فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ؛ لِأَنَّهَا وَسِيلَةٌ لِلْوُقُوفِ عَلَى الصَّوَابِ وَزِيَادَةِ الْعِلْمِ.
[قَوْلُهُ: آدَابٌ] الظَّاهِرُ أَنَّهَا آدَابٌ شَرْعِيَّةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الثَّوَابُ وَالْآدَابُ جَمْعُ أَدَبٍ، وَأَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْوَاجِبَ كَمَا يَظْهَرُ مِمَّا سَيَأْتِي.
[قَوْلُهُ: مِنْهَا إلَخْ] أَيْ وَمِنْهَا أَلَّا يَتَكَلَّمَ فِيمَا لَمْ يَقَعْ لَهُ عِلْمُهُ وَلَا بِمَوْضِعٍ يَهَابُهُ وَلَا جَمَاعَةً تَشْهَدُ بِالزُّورِ لِخَصْمِهِ وَيَرُدُّونَ كَلَامَهُ.
[قَوْلُهُ: مَا عَدَا اللِّسَانَ] أَيْ مَا عَدَا اضْطِرَابَ اللِّسَانِ أَيْ تَحَرُّكَهُ، وَقَوْلُهُ: مِنْ الْجَوَارِحِ مُتَعَلِّقٌ بِالِاضْطِرَابِ أَيْ تَجَنُّبُ الِاضْطِرَابِ مِنْ الْجَوَارِحِ مَا عَدَا اللِّسَانِ.
[قَوْلُهُ: وَحُسْنُ الْإِصْغَاءِ إلَخْ] أَيْ وَالْإِصْغَاءُ الْحَسَنُ إلَى كَلَامِ إلَخْ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَصْفٌ مُخَصِّصٌ؛ لِأَنَّ مِنْ الْإِصْغَاءِ مَا لَيْسَ بِحَسَنٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: مُنَاوَبَةً أَيْ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً.
[قَوْلُهُ: لَا مُنَاهَبَةً] أَيْ بِحَيْثُ يَتَكَلَّمُ مَا اسْتَطَاعَ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ إلَّا هُوَ.
[قَوْلُهُ: وَالثَّبَاتُ عَلَى الدَّعْوَى] أَيْ إنَّ هَذَا الْمُجِيبَ لِسَائِلِهِ يَثْبُتُ عَلَى دَعْوَاهُ الْأُولَى الَّتِي نَاقَشَهُ السَّائِلُ أَيْ الْبَاحِثُ فِي دَلِيلِهَا فَلَا يَنْتَقِلُ لِدَعْوَى أُخْرَى.
[قَوْلُهُ: وَالْإِصْرَارُ عَلَى السُّؤَالِ] أَيْ إذَا كَانَ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ وَحَصَلَ مِنْ صَاحِبِهِ الْجَوَابُ عَنْهُ فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْ سُؤَالِهِ، وَيَقُولُ: لَمْ أَسْأَلْ بِهَذَا.
[قَوْلُهُ: التَّعَنُّتُ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَتَعَنُّتُهُ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْأَذَى اهـ. أَيْ يَتَحَرَّزُ مِنْ كَوْنِهِ يُدْخِلُ عَلَى مَنَاظِرِهِ الْأَذَى مِمَّنْ نِسْبَةُ الْخَطَأِ إلَيْهِ وَتَكَلُّمِهِ بِالْفُحْشِ.
[قَوْلُهُ: وَالتَّعَصُّبِ] أَيْ نُصْرَةُ كَلَامِهِ.
[قَوْلُهُ: وَاللَّجَاجِ] فِي الْمِصْبَاحِ مَا يُفِيدُ أَنَّ مَعْنَاهُ الْمُلَازَمَةُ وَالْمُوَاظَبَةُ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ كَثْرَةُ السُّؤَالِ بِكُلِّ مَا يَبْدُو؛ لِأَنَّ التَّكَلُّمَ بِكُلِّ مَا يَبْدُو يُورِثُ السَّآمَةَ وَيُحِيلُ الطِّبَاعَ، بَلْ إذَا سَأَلَ يَكُونُ بِشَيْءٍ لَهُ صِحَّةٌ وَوَجْهٌ يُقْبَلُ عِنْدَ الْحَاضِرِينَ.
[قَوْلُهُ: وَنَحْوِ ذَلِكَ] أَيْ مِنْ قَصْدِ الْمُغَالَبَةِ وَالِانْتِقَامِ وَالرِّيَاءِ وَالْمُبَاهَاةِ.
[قَوْلُهُ: وَاجِبٌ إلَخْ] تَصْرِيحٌ بِمَضْمُونٍ قَوْلِهِ: كَذَلِكَ، وَكَلَامُ الشَّارِحِ هَذَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّ الْبِدْعَةَ مَا
أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ هُنَا لَا يُعَارِضُهُ مَا يَأْتِي فِي الْأَقْضِيَةِ، تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ؛ لِأَنَّ مَا هُنَاكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا اسْتَنَدَ إلَى كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ، وَمَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَى وَاحِدٍ مِنْهَا (وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا) وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى مَا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَتَعْتَقِدُهُ الْقُلُوبُ.
وَأَمَّا مَا تَعْمَلُهُ الْجَوَارِحُ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ فَشَرَعَ فِي بَيَانِهِ فَقَالَ:
[حاشية العدوي]
لَمْ يَقَعْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَلَّ الشَّرْعُ عَلَى حُرْمَتِهِ، وَقِيلَ: هِيَ مَا لَمْ يَقَعْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَوَاءٌ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى حُرْمَتِهِ أَوْ وُجُوبِهِ أَوْ نَدْبِهِ أَوْ كَرَاهَتِهِ أَوْ إبَاحَتِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَنْ قَالَ إنَّ الْبِدْعَةَ تَعْتَرِيهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ كَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْقَرَافِيِّ وَغَيْرُهُمَا وَهَذَا أَقْرَبُ لِمَعْنَاهَا لُغَةً؛ لِأَنَّهَا فِي اللُّغَةِ مَا فُعِلَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، فَالْأَحْسَنُ لِشَارِحِنَا أَنْ يَذْهَبَ لِهَذَا الْقَوْلِ وَيُقَدِّرَ بَدَلَ قَوْلِهِ: وَاجِبٌ مَطْلُوبٌ، وَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْبِدْعَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْمَكْرُوهَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى، فَالْبِدْعَةُ الْمُحَرَّمَةُ كَمَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ، وَالْبِدْعَةُ الْوَاجِبَةُ كَتَدْوِينِ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ خِيفَ عَلَيْهَا الضَّيَاعُ، وَالْبِدْعَةُ الْمَنْدُوبَةُ كَإِحْدَاثِ الرُّبُطِ وَالْمَدَارِسِ، وَالْبِدْعَةُ الْمَكْرُوهَةُ كَأَذَانِ جَمَاعَةٍ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ، وَالْبِدْعَةُ الْمُبَاحَةُ كَالتَّوَغُّلِ فِي لَذِيذِ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالْأَكْلِ بِالْمَعَالِقِ.
[قَوْلُهُ: فَهُوَ رَدٌّ] أَيْ مَرْدُودٌ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى إحْدَاثِ أَمْرٍ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ أَوْ خِلَافِ الْأَوْلَى.
[قَوْلُهُ: تَحْدُثُ إلَخْ] بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ مَا يَأْتِي أَوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ كَتَحْلِيفٍ عَلَى مُصْحَفٍ أَوْ بِالطَّلَاقِ لِكَوْنِهِ يَتَهَاوَنُ فِي الْحَلِفِ بِاَللَّهِ أَيْ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ كَاذِبًا، وَلَوْ حَلَفَ بِمُصْحَفٍ أَوْ بِطَلَاقٍ لَا يَجْتَرِئُ عَلَى ذَلِكَ كَاذِبًا.
[قَوْلُهُ: مَا اسْتَنَدَ إلَى كِتَابٍ إلَخْ] أَيْ بِأَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مَنْصُوصًا فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ مَقِيسًا عَلَى حُكْمٍ فِي سُنَّةٍ أَوْ كِتَابٍ أَوْ ثَابِتًا بِإِجْمَاعٍ هَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ، إلَّا أَنَّ فِيهِ نَظَرًا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِتِلْكَ الْمَثَابَةِ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ؛ لِأَنَّ مَا يَأْتِي مَحْمُولٌ عَلَى مُحْدَثٍ لَا تَأْبَاهُ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ، وَمَا هُنَا عَلَى مَا تَأْبَاهُ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ.
[قَوْلُهُ: نَبِيُّهُ] فِيهِ أَنَّ الرِّسَالَةَ أَشْرَفُ مِنْ النُّبُوَّةِ فَالْمُنَاسِبُ الْوَصْفُ بِهَا، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْقُرْآنَ حَيْثُ قَالَ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 56] إلَخْ.
وَإِنْ وَرَدَ السُّؤَالُ بَعْدُ فِي حِكْمَةِ اخْتِيَارِهِ فِي الْآيَةِ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَى آلِهِ] أَيْ أَتْبَاعِهِ، فَعَطْفُ مَا بَعْدَهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ وَالنُّكْتَةُ ظَاهِرَةٌ وَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرُ الصَّحْبِ.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى مَا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ] أَيْ كَالشَّهَادَتَيْنِ، وَقَوْلُهُ: وَتَعْتَقِدُهُ الْقُلُوبُ أَيْ مِنْ الْأَحْكَامِ الِاعْتِقَادِيَّةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا وُجُوبُ تَرْكِ كُلِّ مَا أَحْدَثَهُ إلَخْ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ فَإِذَا خَطَرَ ذَلِكَ بِالْبَالِ فَيَجِبُ عَلَيْك اعْتِقَادُهُ دُونَ اعْتِقَادِ ضِدِّهِ.
بَابُ مَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ
(بَابٌ) أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ (مَا) أَيْ الشَّيْءِ الَّذِي (يَجِبُ مِنْهُ) أَيْ بِسَبَبِهِ (الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَبِضَمِّ الْوَاوِ الْفِعْلُ وَهُوَ لُغَةً الْحُسْنُ وَالنَّظَافَةُ.
وَشَرْعًا تَطْهِيرُ أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ بِالْمَاءِ لِتَنْظُفَ وَتَحْسُنَ وَيُرْفَعَ عَنْهَا حُكْمُ الْحَدَثِ لِتُسْتَبَاحَ بِهِ الْعِبَادَةُ الْمَمْنُوعَةُ، قِيلَ: وَبِفَتْحِهَا اسْمٌ لِلْمَاءِ هَلْ هُوَ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الْمَاءِ أَوْ لَهُ بَعْدَ كَوْنِهِ مُعَدًّا لِلْوُضُوءِ أَوْ بَعْدَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي الْعِبَادَاتِ فِيهِ نَظَرٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ أَنَّهُ بِفَتْحِ
[حاشية العدوي]
[بَابُ مَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ]
بَابُ فِيمَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ
أَيْ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: فِي بَيَانِ مَا] أَيْ تَبْيِينِهِ [قَوْلُهُ: أَيْ بِسَبَبِهِ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مِنْ بِمَعْنَى الْبَاءِ الَّتِي لِلسَّبَبِيَّةِ وَأَرَادَ بِهِ السَّبَبَ لُغَةً حَتَّى يَشْمَلَ الْأَحْدَاثَ، وَلَوْ جَعَلَ مِنْ لِلتَّعْلِيلِ بِحَيْثُ يَقُولُ: أَيْ مِنْ أَجْلِهِ لَصَحَّ [قَوْلُهُ: بِضَمِّ الْوَاوِ الْفِعْلُ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ قِيلَ: بِضَمِّ الْوَاوِ الْفِعْلُ، وَبِفَتْحِهَا اسْمٌ لِلْمَاءِ فَيُقَدِّمَ لَفْظَةَ قِيلَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ يُفِيدُ أَنَّ الْفَتْحَ هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فَقَطْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، أَيْ وَقِيلَ: إنَّهُ بِالضَّمِّ اسْمٌ لِلْمَاءِ وَبِالْفَتْحِ اسْمٌ لِلْفِعْلِ، وَقِيلَ: مُتَرَادِفَانِ وَأَرَادَ بِالْفِعْلِ نَفْسَ الْهَيْئَةِ الْمَفْعُولَةِ لِلشَّخْصِ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ لُغَةً الْحُسْنُ وَالنَّظَافَةُ] فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْحُسْنَ وَالنَّظَافَةَ مَعْنًى لِلْوَضَاءَةِ الَّتِي الْوُضُوءُ مُشْتَقٌّ مِنْهَا لَا أَنَّهُمَا مَعْنَى الْوُضُوءِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا كَلَامُ الْمِصْبَاحِ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ تت: مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ النَّظَافَةُ وَالْحُسْنُ.
[قَوْلُهُ: بِالْمَاءِ] هَذَا الْقَيْدُ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ حَيْثُ كَانَ الْمُرَادُ بِالْأَعْضَاءِ الْمَخْصُوصَةِ الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ وَالرَّأْسَ وَالرِّجْلَيْنِ [قَوْلُهُ: لِتَنْظُفَ وَتَحْسُنَ إلَخْ] اللَّامُ بِالنَّظَرِ لِلنَّظَافَةِ وَالْحُسْنِ لِلْعَاقِبَةِ لَا لِلتَّعْلِيلِ، وَبِالنَّظَرِ لِقَوْلِهِ: وَيُرْفَعَ إلَخْ لِلتَّعْلِيلِ فَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي حَقِيقَتِهَا وَمَجَازِهَا لَا لِلتَّعْلِيلِ فَقَطْ الَّذِي هُوَ الْحَقِيقَةُ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ مِنْ الْبَاعِثِ النَّظَافَةَ وَالْحُسْنَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْبَاعِثُ شَرْعًا إنَّمَا هُوَ الرَّفْعُ فَقَطْ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ تت: تَطْهِيرُ أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ بِالْمَاءِ لِرَفْعِ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا لِاسْتِبَاحَةِ الْعِبَادَةِ اهـ.
بَقِيَ أَمْرٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الشَّارِحِ وتت يُفِيدُ أَنَّ الْوُضُوءَ لِغَيْرِ اسْتِبَاحَةِ الْعِبَادَةِ كَزِيَارَةِ الْأَوْلِيَاءِ لَيْسَ بِوُضُوءٍ شَرْعًا، وَهُوَ خِلَافُ إطْلَاقَاتِهِمْ عَلَيْهِ وُضُوءًا شَرْعًا كَمَا يُفِيدُهُ عج.
قُلْت: وَلَا يَخْفَى أَنَّ النِّيَّةَ وَالدَّلْكَ وَالْفَوْرَ مِنْ أَجْزَاءِ الْوُضُوءِ.
وَالتَّعْرِيفُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا إلَّا بِاللُّزُومِ وَهِيَ غَيْرُ كَافِيَةٍ، فَلَوْ قَالَ: تَطْهِيرُ أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ بِالْمَاءِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ لَكَانَ أَشْمَلَ، وَعَطْفُ الْحُسْنِ عَلَى النَّظَافَةِ مِنْ عَطْفِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ [قَوْلُهُ: حُكْمُ الْحَدَثِ إلَخْ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ إنْ أُرِيدَ بِالْحَدَثِ الْوَصْفُ الْقَائِمُ بِالْأَعْضَاءِ قِيَامَ الْأَوْصَافِ الْحِسِّيَّةِ أَوْ الْمَنْعُ الْمُتَرَتِّبُ أَوْ عَلَى مَعْنَى اللَّازِمِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الْخَارِجُ أَوْ الْخُرُوجُ.
[قَوْلُهُ: لِتُسْتَبَاحَ بِهِ إلَخْ] أَيْ بِالرَّفْعِ أَوْ التَّطْهِيرِ الْمُعَلَّلِ بِعِلَّتِهِ الَّتِي هِيَ الرَّفْعُ، وَالتَّاءُ وَالسِّينُ زَائِدَتَانِ وَقَوْلُهُ: الْمَمْنُوعَةُ أَيْ الْمَمْنُوعُ مِنْهَا فَهُوَ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، وَلَوْ حُذِفَ بِهِ مَا ضَرَّهُ.
[قَوْلُهُ: لِمُطْلَقِ الْمَاءِ] أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُعَدًّا أَوْ لَا مُسْتَعْمَلًا أَوْ لَا.
[قَوْلُهُ: لِلْوُضُوءِ] بِضَمِّ الْوَاوِ [قَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي الْعِبَادَاتِ] الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ تَصْدُقُ بِالْغُسْلِ فَيَقْتَضِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُغْتَسَلَ بِهِ يُسَمَّى وَضُوءًا بِالْفَتْحِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى وَأَلْ لِلْجِنْسِ فَيَصْدُقُ بِعِبَادَةٍ وَاحِدَةٍ.
الْعَيْنِ اسْمٌ لِلْفِعْلِ، وَبِضَمِّهَا اسْمٌ لِلْمَاءِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ الْغُسْلُ بِالضَّمِّ الْفِعْلُ وَبِالْفَتْحِ اسْمٌ لِلْمَاءِ عَلَى الْأَشْهَرِ دَلَّ عَلَى وُجُوبِهِمَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ.
قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] .
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: 43] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي وُجُوبِهِمَا.
وَلِوُجُوبِهِمَا شُرُوطٌ، الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ، وَارْتِفَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَدُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَبُلُوغُ الدَّعْوَةِ، وَكَوْنُ الْمُكَلَّفِ غَيْرَ سَاهٍ وَلَا نَائِمٍ وَلَا غَافِلٍ، وَوُجُودُ مَا يَكْفِيهِ مِنْ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَإِمْكَانُ الْفِعْلِ احْتِرَازًا مِنْ الْمَطْلُوبِ وَشَبَهِهِ.
[حاشية العدوي]
[قَوْلُهُ: فِيهِ نَظَرٌ] أَيْ تَرَدُّدٌ وَهَذَا الْكَلَامُ لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ، ثُمَّ رَجَّحَ الثَّالِثَ بِأَنَّهُ الْحَقِيقَةُ كَذَا فِي تت وَالتَّحْقِيقُ وَمُقْتَضَى التَّرْجِيحِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّرَدُّدِ الْخِلَافُ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: فِيهِ خِلَافٌ، وَكَتَبَ بَعْضُ الطَّلَبَةِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِمْ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: لَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ إلَخْ] نَفَى الْعِلْمَ تَحَرِّيًا لِلْمُصَدِّقِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخِلَافَ مَوْجُودٌ.
[قَوْلُهُ: وَفِي الذَّخِيرَةِ] هَذَا مُقَابِلٌ لِمَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَسَكَتَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ الْكَسْرِ فَنُبَيِّنُهُ فَنَقُولُ: وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَهُوَ مَا يُغْسَلُ بِهِ كَالْخَطْمِيِّ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَالْفَتْحُ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، نَبْتٌ بِالْعِرَاقِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ يَعْمَلُ عَمَلَ الصَّابُونِ.
قَالَهُ فِي النَّهْرِ شَارِحُ الْكَنْزِ وَفِي الْمِصْبَاحِ مُشَدَّدُ الْيَاءِ.
[قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: 6] إلَخْ] دَلِيلٌ عَلَيْهِمَا مَعًا [قَوْلُهُ: وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: 43] إلَخْ] دَلِيلٌ أَيْضًا لَهُمَا مَعًا، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ بِالْمَفْهُومِ أَيْ مَفْهُومِ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَإِنَّ مَفْهُومَهُ إذَا وَجَدُوا مَاءً فَلَا يَكْفِي التَّيَمُّمُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْوُضُوءِ.
[قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا﴾ [النساء: 43] إلَخْ] كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يُنْسَخَ حِلُّ الْخَمْرِ [قَوْلُهُ: ﴿إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: 43]] أَيْ مُسَافِرِينَ فَاقْرَبُوهَا بِالتَّيَمُّمِ لِفَقْدِ الْمَاءِ.
[قَوْلُهُ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَخْ] وَلَمْ يَذْكُرْ دَلِيلًا مِنْ السُّنَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْل، وَنَذْكُرُهُ فَنَقُولُ: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» كَمَا ذَكَرَهُ شَارِحُ الْمُوَطَّإِ.
[قَوْلُهُ: وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ] ، أَيْ وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَلَهُ لَفْظٌ آخَرُ، وَهُوَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» . [قَوْلُهُ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي وُجُوبِهِمَا] فَمَنْ جَحَدَهُ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَهُوَ كَافِرٌ يُسْتَتَابُ.
قَالَ فِي التَّحْقِيقِ، وَهُوَ وَاجِبٌ لِلصَّلَاةِ لَا لِنَفْسِهِ اهـ.
قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْغُسْلَ كَذَلِكَ
قَوْلُهُ: وَلِوُجُوبِهِمَا شُرُوطٌ] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ مِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ، وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ فَقَطْ، وَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ فِيهِمَا.
[قَوْلُهُ: الْإِسْلَامُ] هُوَ شَرْطُ صِحَّةٍ فَقَطْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لَا شَرْطُ وُجُوبٍ كَمَا أَرَادَ، وَبَقِيَ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ اثْنَانِ عَدَمُ الْمُنَافِي، وَأَلَّا يَكُونَ عَلَى الْأَعْضَاءِ حَائِلٌ.
[قَوْلُهُ: وَالْبُلُوغُ] شَرْطُ وُجُوبٍ فَقَطْ [قَوْلُهُ: وَالْعَقْلُ وَارْتِفَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ] شَرْطُ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ [قَوْلُهُ: وَدُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ] شَرْطُ وُجُوبٍ فَقَطْ [قَوْلُهُ: وَبُلُوغُ الدَّعْوَةِ] شَرْطٌ فِيهِمَا [قَوْلُهُ: وَكَوْنُ الْمُكَلَّفِ غَيْرَ سَاهٍ وَلَا نَائِمٍ وَلَا غَافِلٍ] شَرْطٌ فِيهِمَا، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَضُمَّ الْغَفْلَةَ لِلسَّهْوِ فَيَقُولَ: وَكَوْنُ الْمُكَلَّفِ غَيْرَ نَائِمٍ وَلَا غَافِلٍ وَلَا سَاهٍ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: سَهَا عَنْهُ يَسْهُو سَهْوًا غَفَلَ قَلْبُهُ حَتَّى زَالَ عَنْهُ فَلَمْ يَتَذَكَّرْهُ اهـ.
وَفَرَّقُوا بَيْنَ السَّاهِي وَالنَّاسِي بِأَنَّ السَّاهِيَ قَدْ زَالَ الْمُدْرَكُ بِفَتْحِ الرَّاءِ عَنْ مُدْرِكَتِهِ دُونَ حَافِظَتِهِ، وَالنَّاسِي عَنْ الْأَمْرَيْنِ مَعًا.
[قَوْلُهُ: وَوُجُودُ مَا يَكْفِيهِ] شَرْطُ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ [قَوْلُهُ: وَإِمْكَانُ الْفِعْلِ إلَخْ] شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ، وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْفِعْلُ لَصَحَّ وَبَقِيَ مِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ وَاحِدٌ، وَهُوَ تَيَقُّنُ الْحَدَثِ أَوْ الشَّكُّ فِيهِ فَشُرُوطُ الْوُجُوبِ أَرْبَعَةٌ وَشُرُوطُ الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ ذَكَرَهَا كُلَّهَا [قَوْلُهُ: وَشَبَهُهُ] أَيْ كَالْمَرِيضِ وَالْمُكْرَهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ الْوُجُوبِ مَا تُعَمَّرُ بِهِ الذِّمَّةُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَحْصِيلُهُ وَشَرْطُ الصِّحَّةِ مَا تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ وَيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ
[شُرُوطٌ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ]
وَاَلَّذِي يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ شَيْئَانِ أَسْبَابٌ وَسَتَأْتِي، وَأَحْدَاثٌ جَمْعُ حَدَثٍ وَهُوَ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِنَفْسِهِ وَبَدَأَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فَقَالَ: (الْوُضُوءُ يَجِبُ) وُجُوبَ الْفَرَائِضِ (لِمَا) أَيْ لِأَجْلِ الشَّيْءِ الَّذِي (يَخْرُجُ) مُعْتَادًا عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ (مِنْ أَحَدِ الْمَخْرَجَيْنِ) الْمُعْتَادَيْنِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ، وَقَيَّدْنَا بِ (مُعْتَادًا) لِنَحْتَرِزَ عَمَّا يَخْرُجُ غَيْرَ مُعْتَادٍ كَالْحَصَى وَالدُّودِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ، وَلَوْ بِبِلَّةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَبِوَفْقِ الْعَادَةِ لِنَحْتَرِزَ عَمَّا يَخْرُجُ لِعِلَّةٍ كَالسَّلَسِ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ، وَبِالْمُعْتَادِينَ لِنَحْتَرِزَ عَمَّا يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِهِمَا كَدَمِ الْفِصَادَةِ وَالْحِجَامَةِ وَالْقَيْءِ الْمُتَغَيِّرِ عَنْ حَالَةِ الطَّعَامِ، وَالْحَدَثِ الْخَارِجِ مِنْ فَتْقٍ تَحْتَ الْمَعِدَةِ إنْ لَمْ يَنْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْخَارِجِ مِنْ
[حاشية العدوي]
تَحْصِيلُهُ، هَذَا عِنْدَ الِانْفِرَادِ، وَأَمَّا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ فَيُرَادُ بِشَرْطِ الْوُجُودِ مَا يَتَوَقَّفُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ، وَشَرْطِ الصِّحَّةِ مَا تَتَوَقَّفُ الصِّحَّةُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ إمْكَانِ الِاجْتِمَاعِ
[مَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ]
[قَوْلُهُ: شَيْئَانِ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ الرِّدَّةُ وَالشَّكُّ فِي الْحَدَثِ وَالرَّفْضُ فَلَيْسَتْ مِنْ الْأَحْدَاثِ وَلَا مِنْ الْأَسْبَابِ،.
وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ مَيَّارَةُ بِقَوْلِهِ: وَالظَّاهِرُ رُجُوعُ الرِّدَّةِ وَالرَّفْضِ فِي الْمَعْنَى إلَى الْأَحْدَاثِ وَالْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ مُحْبِطَةٌ لِلْعَمَلِ الَّذِي مِنْ جُمْلَتِهِ الْوُضُوءُ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ، وَكَذَا الرَّفْضُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ الْوَاقِعُ كَأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ، وَقِيلَ: وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا الشَّكُّ فِي الْحَدَثِ لِمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَالشَّكُّ فِي السَّابِقِ مِنْ الْحَدَثِ وَالطَّهَارَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَلَبَ فِيهِمَا احْتِمَالُ الْحَدَثِ احْتِيَاطًا فَالنَّقْضُ بِالشَّكِّ مِنْ النَّقْضِ بِالْحَدَثِ حَقِيقَةً اهـ.
[قَوْلُهُ: وُجُوبَ الْفَرَائِضِ] أَيْ لَا وُجُوبَ السُّنَنِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْوُجُوبَ يُضَافُ لِلْفَرَائِضِ لِلسُّنَنِ فَمَعْنَى الْأَوَّلِ تَحَتُّمُهَا أَيْ الْفَرَائِضِ وَلُزُومُهَا بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ الْعِقَابُ عَلَى تَرْكِهَا، وَمَعْنَى الثَّانِي تَأْكِيدُهَا أَيْ السُّنَنِ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْأَوَّلِ مَجَازٌ فِي الثَّانِي، فَإِنْ قُلْت قَضِيَّةُ التَّقْيِيدِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، وَإِلَّا لَمَا اُحْتِيجَ إلَى التَّقَيُّدِ قُلْت: إنَّمَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ لِكَوْنِ الْمُصَنِّفِ يَسْتَعْمِلُ كَثِيرًا الْوُجُوبَ فِي تَأَكُّدِ السُّنَنِ [قَوْلُهُ: مُعْتَادًا] هَذَا قَيْدٌ، وَقَوْلُهُ: عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ قَيْدٌ آخَرُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
[قَوْلُهُ: الْمُعْتَادَيْنِ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ صِفَةً مَحْذُوفَةً مَفْهُومَةً عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَلْ فِي الْمَخْرَجَيْنِ لِلْعَهْدِ، وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ الِاعْتِرَاضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ أَخَلَّ بِقَيْدٍ وَهُوَ تَقْيِيدُ الْمَخْرَجَيْنِ بِالِاعْتِيَادِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: غَيْرَ مُعْتَادٍ] حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي يَخْرُجُ [قَوْلُهُ: كَالْحَصَى وَالدُّودِ إلَخْ] أَيْ الْمُتَخَلِّقِ فِي الْبَطْنِ، وَأَمَّا لَوْ ابْتَلَعَهُ ثُمَّ خَرَجَ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ عَلَى الرَّاجِحِ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ إلَخْ] تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ لِنَحْتَرِزَ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَلَوْ بِبَلَّةٍ] أَيْ شَيْءٍ مِنْ الْعَذِرَةِ وَالْبَوْلِ كَانَتْ قَدْرَهُ أَوْ أَكْثَرَ كَمَا أَفَادَهُ عج: وَتَوَقَّفَ تِلْمِيذُهُ فِي شَرْحِ الْعِزِّيَّةِ حَيْثُ قَالَ: وَحَرَّرَهُ نَقْلًا وَيَجِبُ عَلَيْهِ غُسْلُ ذَلِكَ إنْ كَثُرَ، وَلَمْ يَأْتِ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً وَإِلَّا فَلَا [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: لَا يَنْقُضُ، وَلِقَوْلِهِ: وَلَوْ بِبَلَّةٍ وَإِنْ كَانَتْ قَضِيَّةُ الْمُبَالَغَةِ رُجُوعَهُ لَهَا فَقَطْ، فَرَدَّ بِالْأَوَّلِ عَلَى ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْحَصَى وَالدُّودَ يَنْقُضَانِ اعْتِبَارًا بِالْمَخْرَجِ، وَالْمَشْهُورُ يُعْتَبَرُ الْخَارِجُ وَبِالثَّانِي عَلَى ابْنِ نَافِعٍ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ إنْ خَرَجَ مُبْتَلًّا نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا، وَمِثْلُ الْحَصَى وَالدُّودِ الدَّمُ وَالْقَيْحُ إذَا خَرَجَا مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ فَلَا نَقْضَ أَيْضًا بِشَرْطِ عَدَمِ الْبَلَّةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْحَصَى وَالدُّودِ أَنَّ حُصُولَ الْفَضْلَةِ مَعَ الْحَصَى وَالدُّودِ شَأْنُهُ ذَلِكَ فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُمَا فِي عَدَمِ النَّقْضِ، وَلَا كَذَلِكَ الدَّمُ وَالْقَيْحُ وَلَا نَقْضَ بِمَا ذُكِرَ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ.
[قَوْلُهُ: كَالسَّلَسِ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ] هُوَ مَا إذَا لَازَمَ كُلَّ الزَّمَنِ أَوْ جُلَّهُ أَوْ نِصْفَهُ، فَفِي الْأَوَّلِ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ وَلَا يُسْتَحَبُّ.
وَفِي الْأَخِيرَيْنِ يُسْتَحَبُّ وَلَا يَجِبُ إلَّا أَنْ يَشُقَّ فَلَا يُسْتَحَبُّ أَيْضًا، وَاحْتُرِزَ بِهِ أَيْ بِالْغَالِبِ عَمَّا إذَا لَازَمَ أَقَلَّ الزَّمَنِ فَيَجِبُ الْوُضُوءُ، وَهَلْ الْمُرَادُ بِالزَّمَنِ أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا أَوْ أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ فَقَطْ؟ قَوْلَانِ سَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
[قَوْلُهُ: وَالْقَيْءِ الْمُتَغَيِّرِ إلَخْ] أَيْ فَلَا يَنْقُضُ وَهُوَ نَجِسٌ، وَلَوْ لَمْ يُشَابِهْ أَحَدَ أَوْصَافِ الْعَذِرَةِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ فَتْقٍ تَحْتَ الْمَعِدَةِ] بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ فِي الْأَفْصَحِ وَبِفَتْحٍ أَوْ كَسْرٍ فَسُكُونٍ وَبِكَسْرِ أَوَّلَيْهِ قَالَ
الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ.
أَمَّا إذَا انْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَهُوَ كَالْخَارِجِ مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَالْخَارِجُ الْمُعْتَادُ مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ ثَمَانِيَةُ أَشْيَاءَ: سِتَّةٌ مِنْ الْقُبُلِ الْبَوْلُ وَالْوَدْيُ وَالْمَذْيُ وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَالْمَنِيُّ كَذَلِكَ، وَالْهَادِي وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ مِنْ الْحَامِلِ عِنْدَ وَضْعِ الْحَمْلِ أَوْ السِّقْطِ، وَاثْنَانِ مِنْ الدُّبُرِ الْغَائِطُ وَالرِّيحُ، وَقَدْ ذَكَرَهَا كُلَّهَا الشَّيْخُ مَا عَدَا الْهَادِيَ وَالْمَنِيَّ وَقَدْ شَرَعَ فِي بَيَانِهَا، فَقَالَ: (مِنْ بَوْلٍ) وَهُوَ مِنْ الْقُبُلِ (أَوْ غَائِطٍ) وَحَقِيقَتُهُ الْمُنْخَفِضُ مِنْ الْأَرْضِ سُمِّيَ بِهِ الْفَضْلَةَ الْخَارِجَةَ مِنْ الدُّبُرِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا قَرُبَ مِنْهُ، (أَوْ رِيحٍ) الْمُرَادُ بِهِ الْخَارِجُ مِنْ الدُّبُرِ سَوَاءٌ كَانَ بِصَوْتٍ أَوْ بِغَيْرِهِ احْتِرَازًا مِنْ الْخَارِجِ مِنْ الذَّكَرِ أَوْ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ.
وَقَوْلُهُ (أَوْ لِمَا) مَعْطُوفٌ عَلَى مَا أَيْ وَيَجِبُ الْوُضُوءُ أَيْضًا لِلشَّيْءِ الَّذِي (يَخْرُجُ مِنْ الذَّكَرِ مِنْ مَذْيٍ) ابْنُ الْعَرَبِيِّ: بِسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْفِعْلُ، وَبِكَسْرِهَا الِاسْمُ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّشْدِيدُ فِيهِ أَحْسَنَ
[حاشية العدوي]
ابْنُ حَجَرٍ، وَهِيَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالصَّدْرِ فَالْمُنْخَسِفُ مِنْهَا أَيْ الْمَعِدَةِ وَالسُّرَّةِ لِمَا تَحْتَهَا هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقِيلَ: السُّرَّةُ مِنْ الْمَعِدَةِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ] أَيْ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَتْ تَحْتَ الْمَعِدَةِ وَلَمْ يَنْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ يَصْدُقُ بِصُورَتَيْنِ بِأَنْ لَا يَنْسَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْ انْسَدَّ أَحَدُهُمَا، وَالرَّاجِحُ عَدَمُ النَّقْضِ وَكَذَا الْقَوْلَانِ، وَالرَّاجِحُ الْعَدَمُ فِيمَا إذَا كَانَتْ فَوْقَهَا أَوْ فِيهَا مُطْلَقًا أَيْ، وَلَوْ انْسَدَّا أَيْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لَا دَائِمًا، وَأَمَّا إذَا انْسَدَّا دَائِمًا فَالنَّقْضُ كَمَا قَالَ عج.
وَقَالَ أَيْضًا: وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَيْ خَلِيلٍ يَصْدُقُ فِيمَا إذَا انْسَدَّ أَحَدُهُمَا مِمَّا إذَا كَانَ الْخَارِجُ مِنْ الْمُنْفَتِحِ مَا يَخْرُجُ مِمَّا انْسَدَّ أَمْ لَا، وَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْحَلْقِ فَيَنْقُضُ إذَا انْقَطَعَ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ وَانْسَدَّ دَائِمًا وَإِلَّا فَلَا، تَسَاوَى الْخَارِجُ مِنْ كُلٍّ أَوْ غَلَبَ أَحَدُهُمَا فَصُوَرُهُ أَرْبَعٌ.
[قَوْلُهُ: وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ إلَخْ] دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ هُوَ مَا زَادَ عَلَى أَيَّامِ الْحَيْضِ الْمُعْتَادَةِ وَأَيَّامِ الِاسْتِظْهَارِ [قَوْلُهُ: فِي بَعْضِ الصَّوْمِ] أَرَادَ بِهِ مَا إذَا لَازَمَ أَقَلَّ الزَّمَنِ، وَأَمَّا إذَا لَازَمَ الْكُلَّ أَوْ الْجُلَّ أَوْ النِّصْفَ فَلَا نَقْضَ، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ فِي الْأَخِيرَيْنِ إلَّا أَنْ يَشُقَّ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَنِيُّ كَذَلِكَ] أَيْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَهُوَ مَا إذَا خَرَجَ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ، وَلَازَمَ أَقَلَّ الزَّمَنِ، وَأَمَّا إذَا لَازَمَ كُلَّهُ أَوْ جُلَّهُ أَوْ نِصْفَهُ فَلَا نَقْضَ، وَمِنْهُ أَيْضًا مَا إذَا نَزَلَ فِي مَاءٍ حَارٍّ مَثَلًا وَأَمْنَى فَإِنَّهُ يَنْقُضُ وُضُوءَهُ وَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: وَالْهَادِي إلَخْ] أَيْ إذَا تَوَضَّأَتْ الْمَرْأَةُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا الْهَادِي فَيَنْقُضُ وُضُوءُهَا هَذَا مُرَادُهُ، إلَّا أَنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى عَدَمِ النَّقْضِ، فَيَكُونُ هُوَ الْمَشْهُورُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ مَا كَثُرَ قَائِلُهُ [قَوْلُهُ: أَوْ السِّقْطِ] مَعْطُوفٌ عَلَى الْحَمْلِ، فَأَرَادَ بِوَضْعِ الْحَمْلِ مَا تُعُورِفَ مِنْ الْوَضْعِ فِي وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ [قَوْله: سُمِّيَ بِهِ الْفَضْلَةَ] فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ يُسَمَّى بِاسْمِهِ الْفَضْلَةَ [قَوْلُهُ: بِمَا قَرُبَ مِنْهُ] فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ أَيْضًا وَالتَّقْدِيرُ بِاسْمِ مَا قَرُبَ مِنْهُ الَّذِي هُوَ مَحَلُّهُ، أَيْ فَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَحَلِّهِ فَهُوَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ عَلَاقَتُهُ الْمَحَلِّيَّةُ، وَهَذَا كُلُّهُ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ الْآنَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِيهَا.
[قَوْلُهُ: مَعْطُوفٌ عَلَى مَا] فِيهِ مُسَامَحَةٌ وَالْأَوْلَى عَلَى لِمَا كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا مُسَامَحَةَ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: بِسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْفِعْلُ] أَيْ الَّذِي هُوَ خُرُوجُ الْمَاءِ الْمَعْرُوفِ وَفِعْلُهُ مَذَى مِنْ بَابِ رَمَى كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ [قَوْلُهُ: وَبِكَسْرِهَا الِاسْمُ] أَيْ الَّذِي هُوَ الْمَاءُ الرَّقِيقُ، وَفِي كَلَامِهِ شَيْءٌ إذْ هُوَ بِالسُّكُونِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ يُطْلَقُ عَلَى الِاسْمِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ إلَخْ] فِيهِ شَيْءٌ أَيْضًا إذْ مَعَ الْكَسْرِ وَجْهَانِ التَّشْدِيدُ كَمَا قَالَ، وَالتَّخْفِيفُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْمِصْبَاحِ لَا بِالتَّشْدِيدِ فَقَطْ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِهِ، وَعَلَى هَذَا التَّخْفِيفِ يُعْرَبُ إعْرَابَ الْمَنْقُوصِ فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ الَّذِي بِمَعْنَى الِاسْمِ لَهُ لُغَاتٌ ثَلَاثٌ سُكُونُ الدَّالِ وَكَسْرُهَا مَعَ التَّثْقِيلِ وَكَسْرُهَا مَعَ التَّخْفِيفِ، فَقَوْلُهُ: يَكُونُ التَّشْدِيدُ أَحْسَنَ لَا وَجْهَ لِلْحُسْنِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ فِيهِ التَّخْفِيفَ عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَنْ يَقُولَ صَوَابًا، وَذَكَرَ شَارِحُ الْمُوَطَّإِ مَا يُفِيدُ التَّرْتِيبَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: بِفَتْحِ
لِأَنَّ الِاسْمَ هُوَ الَّذِي يُوصَفُ بِالْخُرُوجِ لَا الْفِعْلَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَنْقُضُ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ نَذْكُرُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا أَعَادَ يَخْرُجُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (مَعَ غَسْلِ الذَّكَرِ كُلِّهِ مِنْهُ) دَلِيلُهُ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَمَرَ الْمِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الرَّجُلِ إذَا دَنَا مِنْ أَهْلِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ الْمِقْدَادُ: فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» . " وَلَفْظُ الْفَرْجِ فِي الْحَدِيثِ ظَاهِرٌ فِي جُمْلَةِ الذَّكَرِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّضْحِ فِيهِ الْغَسْلُ وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مُصَرَّحًا بِهِ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَوْ صَرِيحُهُ أَنَّ الْمَاءَ مُتَعَيِّنٌ وَلَا يُجْزِي فِيهِ الْحِجَارَةُ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ تَرَكَ غَسْلَهُ كُلِّهِ قَوْلَانِ، وَفِي افْتِقَارِ الْغَسْلِ الْمَذْكُورِ إلَى نِيَّةٍ قَوْلَانِ، اسْتَظْهَرَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ الِافْتِقَارَ لِظُهُورِ التَّعَبُّدِ، وَعَلَيْهِ إذَا غَسَلَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ
[حاشية العدوي]
الْمِيمِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ عَلَى الْأَفْصَحِ، ثُمَّ بِكَسْرِ الذَّالِ وَشَدِّ الْيَاءِ ثُمَّ الْكَسْرِ مَعَ التَّخْفِيفِ [قَوْلُهُ: بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ الْمَذْيُ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ يَنْقُضُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الَّذِي خَرَجَ بِلَا لَذَّةٍ فَهُوَ الَّذِي فِيهِ التَّفْصِيلُ [قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا أَعَادَ يَخْرُجُ] وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَإِنَّمَا أَعَادَ لِمَا يَخْرُجُ إلَخْ [قَوْلُهُ: لِيُرَتِّبَ] فِيهِ شَيْءٌ إذْ لَوْ قَالَ أَوْ مَذْيٍ مَعَ غَسْلِ الذَّكَرِ كُلِّهِ مِنْهُ لَاسْتَقَامَ [قَوْلُهُ: مَعَ غَسْلِ الذَّكَرِ إلَخْ] قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ بَعْضِهِمْ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ غَسْلُ الذَّكَرِ مُقَارِنًا لِلْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ تَعَبُّدًا أَشْبَهَ بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ اهـ.
[قَوْلُهُ: إنَّ عَلِيًّا إلَخْ] لَمْ يُبَاشِرْ السُّؤَالَ بِنَفْسِهِ اسْتِحْيَاءً لِكَوْنِهِ مُتَزَوِّجًا بِابْنَتِهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ شَارِحُ الْحَدِيثِ [قَوْلُهُ: إذَا دَنَا إلَخْ] أَيْ قَرُبَ بِمُلَاعَبَةٍ أَوْ لَمْسٍ، وَقَوْلُهُ: مِنْ أَهْلِهِ أَيْ حَلِيلَتِهِ كَمَا قَالَهُ شَارِحُ الْحَدِيثِ [قَوْلُهُ: «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ» ] الْمُشَارُ إلَيْهِ عَائِدٌ عَلَى الْمَذْيِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ نَضْحَ الْفَرْجِ يَتَرَتَّبُ عَلَى وِجْدَانِ الْمَذْيِ مُطْلَقًا حَصَلَ قُرْبٌ أَمْ لَا، لَكِنْ بِقَيْدِهِ الْمَعْلُومِ كَمَا يَتَبَيَّنُ.
[قَوْلُهُ: فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ] مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَمِنْ بَابِ نَفَعَ قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ فَيَصِحُّ قِرَاءَتُهُ بِكَسْرِ الضَّادِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَبِفَتْحِهَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ نَفَعَ.
[قَوْلُهُ: «وَلْيَتَوَضَّأْ» إلَخْ] لِمَا كَانَ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى قَوْلِهِ: فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ الِاكْتِفَاءُ بِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ أَتَى بِهِ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَقَالَ شَارِحُ الْحَدِيثِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَلْيَتَوَضَّأْ أَيْ كَمَا يَتَوَضَّأُ إذَا قَامَ لَهَا لَا أَنَّهُ يَجِبُ الْوُضُوءُ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ كَمَا قَالَ بِهِ قَوْمٌ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: وَفِي قَوْلِهِ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ قَطْعُ احْتِمَالِ حَمْلِ الْمُتَوَضِّئِ عَلَى الْوَضَاءَةِ الْحَاصِلَةِ بِغَسْلِ الْفَرْجِ فَإِنَّ غَسْلَ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ قَدْ يُسَمَّى وُضُوءًا أَيْ وَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِمَا قَبْلَهُ.
[قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالنَّضْحِ فِيهِ الْغَسْلُ] أَيْ لَا الرَّشُّ وَلَا الْبَلُّ فَلَا يَكْفِيَانِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْغَسْلِ الَّذِي هُوَ الْبَلُّ مَعَ الدَّلْكِ هَذَا حَقِيقَةُ الْغَسْلِ عِنْدَنَا، وَانْظُرْ هَلْ ذَلِكَ مُسَلَّمٌ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ اللَّفْظِ فَلْيُحَرَّرْ
[قَوْلُهُ: وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ] أَيْ وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّضْحِ الْغَسْلُ أَيْ لَا مَا ذُكِرَ مِنْ الْبَلِّ وَالرَّشِّ الَّذِي ذَكَرَهُمَا صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ تَفْسِيرًا لَهُ [قَوْلُهُ: وَيَتَوَضَّأُ] لَمْ يَزِدْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ كَمَا يُعْلَمُ بِالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: أَوْ صَرِيحُهُ] أَيْ بَلْ صَرِيحُهُ فَأَوْ لِلْإِضْرَابِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلشَّكِّ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ الْإِجْزَاءُ بِهَا [قَوْلُهُ: مَنْ تَرَكَ غَسْلَهُ كُلَّهُ] التَّرْكُ مُتَسَلِّطٌ عَلَى الْقَيْدِ فَقَطْ أَيْ فَيَكُونُ غَسْلُ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي فِيهِ الْقَوْلَانِ [قَوْلُهُ: قَوْلَانِ] أَيْ بِنِيَّةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا، وَالْقَوْلَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ كُلِّهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ عج [قَوْلُهُ: الْغَسْلِ الْمَذْكُورِ] أَيْ الَّذِي هُوَ غَسْلُهُ كُلِّهِ أَيْ مَنْ يَقُولُ بِغَسْلِهِ كُلِّهِ يَخْتَلِفُ فَبَعْضٌ يَقُولُ: تَجِبُ النِّيَّةُ لِظُهُورِ التَّعَبُّدِ أَيْ مِنْ حَيْثُ إيجَابُ غَسْلِهِ كُلِّهِ، وَبَعْضٌ لَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْرِيرُ تت.
وَأَفَادَهُ عج أَيْضًا بِقَوْلِهِ: وَهَلْ يَفْتَقِرُ الْغَسْلُ لِنِيَّةٍ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ وَظَاهِرُ كَلَامِ خ فِي مُخْتَصَرِهِ أَنَّهُمَا مُفَرَّعَانِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ غَسْلِهِ كُلِّهِ.
[قَوْلُهُ: اسْتَظْهَرَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ إلَخْ] أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَصَاحِبُهُمَا هُوَ الْعَلَّامَةُ
يُعِيدُ الصَّلَاةَ وَعَلَى مُقَابِلِهِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَيَّنَ صِفَتَهُ عِنْدَ اعْتِدَالِ الطَّبِيعَةِ وَصِفَةَ خُرُوجِهِ فَقَالَ: (وَهُوَ) أَيْ الْمَذْيُ (مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ يَخْرُجُ عِنْدَ اللَّذَّةِ بِالْإِنْعَاظِ) أَيْ قِيَامِ الذَّكَرِ (عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ أَوْ التَّذْكَارِ) بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ التَّفَكُّرِ، وَأُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ لَا وُضُوءَ فِيهِ، وَأُخِذَ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْإِنْعَاظَ مِنْ غَيْرِ لَذَّةٍ لَا وُضُوءَ فِيهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ إذَا تَفَكَّرَ وَالْتَذَّ فِي قَلْبِهِ وَلَمْ يُنْعِظْ لِذَلِكَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ
[حاشية العدوي]
خَلِيلٌ.
[قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ إذَا غَسَلَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ يُعِيدُ الصَّلَاةَ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ قَضِيَّتُهُ أَنَّ مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ يَتَّفِقُ عَلَى الْبُطْلَانِ عِنْدَ تَرْكِ النِّيَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ اخْتَلَفُوا عِنْدَ تَرْكِ النِّيَّةِ، أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ غَسَلَهُ كُلَّهُ فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ بِالْبُطْلَانِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ بِالصِّحَّةِ مُرَاعَاةً لِلْآخَرِ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَظَاهِرُ خَلِيلٍ كَانَ التَّرْكَ عَمْدًا أَمْ لَا، وَالْقَوْلَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى الْبَعْضِ كَانَ تَارِكًا لِلْبَعْضِ الْآخَرِ عَمْدًا أَمْ لَا مَعَ نِيَّةٍ أَمْ لَا فَيَجُوزُ الْعَمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ الْقَوْلَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مَشْهُورًا فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالْمَشْهُورِ، وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالضَّعِيفِ وَلَوْ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى الْبُطْلَانِ فِي تَرْكِ الْغَسْلِ رَأْسًا وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا غَسَلَ بَعْضَهُ وَصَلَّى، وَقُلْنَا بِعَدَمِ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يَغْسِلُهُ لِمَا يَسْتَقْبِلُ، وَهَلْ يُعِيدُ صَلَاتَهُ فِي الْوَقْتِ أَوْ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ قَوْلَانِ.
تَنْبِيهٌ:
عَرَفْت حَالَ الرَّجُلِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ إذَا أَمْذَتْ فَإِنَّهَا تَغْسِلُ مَحَلَّ الْأَذَى فَقَطْ.
قَالَ عج: بِلَا نِيَّةٍ لِمَا عَرَفْت أَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا هِيَ مُتَفَرِّعَةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ غَسْلِ جَمِيعِهِ اهـ. فَمَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ هُوَ يُخَالِفُ ذَلِكَ غَيْرَ مُنَاسِبٍ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ بَيَّنَ صِفَتَهُ] أَيْ بِقَوْلِهِ وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ [قَوْلُهُ: عِنْدَ اعْتِدَالِ الطَّبِيعَةِ] الطَّبِيعَةُ مِزَاجُ الْإِنْسَانِ الْمُرَكَّبِ مِنْ الْأَخْلَاطِ قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ، أَيْ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي هِيَ الصَّفْرَاءُ وَالْبَلْغَمُ وَالدَّمُ وَالسَّوْدَاءُ، أَيْ فَلَمْ يَغْلِبْ أَحَدُهَا عَلَى غَيْرِهِ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالِاعْتِدَالِ.
[قَوْلُهُ: وَصِفَةَ خُرُوجِهِ] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ صِفَتَهُ قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ يَخْرُجُ عِنْدَ اللَّذَّةِ بِالْإِنْعَاظِ هَذَا مُرَادُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. ثُمَّ أَقُولُ وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا إذْ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ صِفَةِ نَفْسِ الْخُرُوجِ.
[قَوْلُهُ: عِنْدَ اللَّذَّةِ] أَيْ اللَّذَّةِ الْمُعْتَادَةِ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ تِلْكَ الصِّفَةَ اتِّكَالًا عَلَى الْمَوْقِفِ، وَاللَّذَّةُ الِانْتِعَاشُ الْبَاطِنِيُّ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الِانْتِعَاشُ الظَّاهِرِيُّ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.
[قَوْلُهُ: بِالْإِنْعَاظِ] الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَوْ الْمُصَاحَبَةِ، وَالْأَوْلَى إسْقَاطُ ذَلِكَ الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى خُرُوجِهِ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ حَصَلَ إنْعَاظٌ أَمْ لَا [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ التَّاءِ] قَالَ عج: لَيْسَ لَنَا مَصْدَرٌ عَلَى تِفْعَالٍ بِالْكَسْرِ غَيْرَ تِلْقَاءٍ وَتِبْيَانٍ [قَوْلُهُ: بِغَيْرِ لَذَّةٍ] أَيْ لِغَيْرِ لَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ يَصْدُقُ بِغَيْرِ لَذَّةٍ أَصْلًا أَوْ لَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، كَمَا إذَا حَكَّ لِجَرَبٍ فَأَمْذَى بِالْتِذَاذِهِ مِنْهُ [قَوْلُهُ: وَلَا وُضُوءَ فِيهِ] ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مِنْ السَّلَسِ فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُهُ، فَإِنْ لَازَمَ كُلَّ الزَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَهُ أَوْ نِصْفَهُ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَازَمَ أَقَلَّهُ لَزِمَهُ الْوُضُوءُ، وَكَمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ فِي الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الذَّكَرِ لَكِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ حَيْثُ اُسْتُحِبَّ الْوُضُوءُ فِيمَا إذَا لَازَمَ الْأَكْثَرَ أَوْ النِّصْفَ، وَيَحْصُلُ النَّدْبُ بِالْحَجَرِ فِيمَا يَظْهَرُ فَلَا حَاجَةَ لِتَرَدُّدِ عج، وَكَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ فِي الْأَخِيرَةِ يَجِبُ إزَالَتُهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مُسْتَنْكِحٍ بِأَنْ لَمْ يَأْتِ كُلَّ يَوْمٍ وَيَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ، وَأَمَّا إذَا اسْتَنْكَحَهُ بِأَنْ أَتَى كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً فَلَا يَجِبُ إزَالَتُهُ لَا بِحَجَرٍ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَلَكِنْ يُنْدَبُ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا وَيَكْفِي الْحَجَرُ فِيمَا يَظْهَرُ.
[قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ لَذَّةٍ] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَلَوْ كَانَ بِلَذَّةٍ حَيْثُ لَا يَخْرُجُ مَذْيٌ أَوْ غَيْرُهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَا وُضُوءَ فِيهِ] وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ مِنْ أَنَّ الْإِنْعَاظَ الْبَيِّنَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَالْخِلَافُ كَمَا يُفِيدُهُ الْبَاجِيُّ وَابْنُ شَاسٍ فِي الْإِنْعَاظِ الْكَامِلِ فَلَا خِلَافَ فِي
الْمَعْرُوفُ، وَكَذَلِكَ إذَا الْتَذَّ بِالنَّظَرِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ مَذْيٍ.
(وَأَمَّا الْوَدْيُ) بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ، ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَمَنْ رَوَاهُ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ فَقَدْ صَحَّفَ وَلَك فِيهِ وَجْهَانِ، وَدِيٌّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَإِنْ شِئْت خَفَّفْتهَا (فَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ خَاثِرٌ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ أَيْ ثَخِينٌ (يَخْرُجُ) غَالِبًا (بِإِثْرِ الْبَوْلِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَبِفَتْحِهِمَا (يَجِبُ مِنْهُ مَا يَجِبُ مِنْ الْبَوْلِ) وَهُوَ الْوُضُوءُ لِمُعْتَادِهِ وَالِاسْتِبْرَاءُ مِنْهُ، وَهُوَ اسْتِفْرَاغُ مَا فِي الْمَخْرَجِ بِالسَّلْتِ وَالنَّتْرِ الْخَفِيفَيْنِ وَغَسْلِ مَحَلِّهِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِ (غَالِبًا) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ بَوْلٍ أَوْ يَخْرُجُ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ، وَلِمُخَالَفَتِهِ لِلْمَذْيِ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَفِي الصِّفَةِ أَتَى بِأَمَّا الْفَاصِلَةِ الدَّالَّةِ عَلَى مُخَالَفَةِ مَا قَبْلَهَا لِمَا بَعْدَهَا.
، وَلَمَّا ذَكَرَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْقُبُلِ وَكَانَ الْمَنِيُّ مِنْ جُمْلَتِهِ وَكَانَ مُوجِبًا لِلْوُضُوءِ فَقَطْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، ذَكَرَهُ بَيْنَ مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ اسْتِطْرَادًا، وَأَتَى بِأَمَّا لِمُخَالَفَتِهِ لِلْمَذْيِ وَالْوَدْيِ فِي الصِّفَةِ فَقَالَ: (وَأَمَّا الْمَنِيُّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (فَهُوَ الْمَاءُ الدَّافِقُ) بِمَعْنَى الْمَدْفُوقِ أَيْ الْمَصْبُوبِ (الَّذِي يَخْرُجُ) دَفْعَةً بَعْدَ دَفْعَةٍ (عِنْدَ اللَّذَّةِ الْكُبْرَى) بِالْجِمَاعِ غَالِبًا (رَائِحَتُهُ) إذَا كَانَ رَطْبًا مِنْ
[حاشية العدوي]
نَفْيِ الْوُضُوءِ عَمَّنْ لَمْ يُكْمِلْ إنْعَاظُهُ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يُنْعِظْ] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَلَوْ أَنْعَظَ حَيْثُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَمُفَادُهُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمُلْتَذِّ، وَأَمَّا التَّذَكُّرُ وَحْدَهُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ اتِّفَاقًا [قَوْلُهُ: الْمَشْهُورُ] أَيْ خِلَافًا لِابْنِ بُكَيْرٍ الْإِبْيَانِيِّ.
[قَوْلُهُ: الْمَعْرُوفُ] أَيْ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ.
أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مَشْهُورًا كَوْنُهُ مَعْرُوفًا فِيهِ فَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا.
[قَوْلُهُ: بِالنَّظَرِ] الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ
[قَوْلُهُ: فَقَدْ صَحَّفَ] أَيْ غَيْرُهُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ الْمِصْبَاحِ، وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الشُّيُوخِ مَا قَالَهُ بِأَنَّ صَاحِبَ الْمَطَالِعِ نَقَلَ أَنَّهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ صَحِيحٍ مَا نَقَلَهُ عج فِي حَاشِيَتِهِ فَتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ] أَيْ وَكَسْرِ الدَّالِ [قَوْلُهُ: وَإِنْ شِئْت خَفَّفْتهَا] أَيْ مَعَ سُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ كَمَا فِي مَيَّارَةَ، وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ تُؤْذِنُ بِأَنَّ التَّشْدِيدَ أَشْهَرُ وَلَكِنَّ الْمُنَاسِبَ لِلتَّعْبِيرِ بِ (وَجْهَانِ) أَنْ يَقُولَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا [قَوْلُهُ: يَخْرُجُ بِإِثْرِ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ وَنَحْوَهُ مِنْ الِاسْتِجْمَارِ وَجَبَ بِالْبَوْلِ، فَلَا يَظْهَرُ لَهُ حُكْمٌ إلَّا إذَا خَرَجَ وَحْدَهُ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْوُضُوءُ إلَخْ] أَيْ الَّذِي يَجِبُ مِنْ الْبَوْلِ هُوَ الْوُضُوءُ لِمُعْتَادِهِ أَيْ الْبَوْلِ كَمَا يُفِيدُهُ زَرُّوقٌ، أَيْ بِأَنْ لَا يَخْرُجَ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ [قَوْلُهُ: بِالسَّلْتِ] أَيْ مَدِّهِ وَسَحْبِهِ بِأَنْ يَجْعَلَهُ بَيْنَ سَبَّابَتِهِ وَإِبْهَامِ يُسْرَاهُ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَصَابِعِهَا، وَيُمِرُّهُمَا مِنْ أَصْلِهِ إلَى الْكَمَرَةِ أَيْ رَأْسِ الذَّكَرِ [قَوْلُهُ: وَالنَّتْرِ] أَيْ الْجَذْبِ وَهُوَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ السَّاكِنَةِ وَالرَّاءِ [قَوْلُهُ: الْخَفِيفَيْنِ] فَلَا يَسْلِتُهُ وَلَا يَنْتُرُهُ بِقُوَّةٍ؛ لِأَنَّهُ كَالضَّرْعِ، فَإِذَا سَلَتَ أَوْ نَتَرَ بِقُوَّةٍ أَعْطَى النَّدَاوَةَ فَيَتَسَبَّبُ عَدَمُ التَّنْظِيفِ.
[قَوْلُهُ: وَغَسْلُ مَحَلِّهِ] أَيْ أَوْ الِاسْتِجْمَارُ بِالْحَجَرِ فَلَا يَتَعَيَّنُ الْغَسْلُ بِالْمَاءِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ بَوْلٍ] كَأَنْ يَخْرُجَ عِنْدَ حَمْلِ شَيْءٍ ثَقِيلٍ أَيْ وَحُكْمُهُ ظَاهِرٌ [قَوْلُهُ: أَوْ يَخْرُجُ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ] وَلَا يَظْهَرُ لَهُ حُكْمٌ [قَوْلُهُ: فِي بَعْضِ هَذِهِ الْوُجُوهِ] أَيْ فَيُخَالِفُهُ فِي غَسْلِ مَحَلِّهِ فَقَطْ
[قَوْلُهُ: وَكَانَ مُوجِبًا لِلْوُضُوءِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ] هَذَا الْبَعْضُ غَيْرُ صُورَةِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ صُورَةَ الْمُصَنِّفِ يَجِبُ فِيهَا الْغَسْلُ، وَالْبَعْضُ الْمَذْكُورُ هُوَ مَا إذَا أَنْزَلَ فِي يَقَظَةٍ بِغَيْرِ لَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ السَّلَسِ أَوْ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ، وَفَارَقَ أَكْثَرَ الزَّمَنِ [قَوْلُهُ: فِي الصِّفَةِ] بَلْ وَفِي الْحُكْمِ [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْمَدْفُوقِ] أَيْ فَاسْمُ الْفَاعِلِ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ أَوْ أَنَّهُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّفْقَ صَبٌّ فِيهِ دَفْعٌ وَالدَّفْقُ إنَّمَا هُوَ لِصَاحِبِهِ، وَعَنْ بَعْضٍ أَنَّهُ يُقَالُ: دَفَقْت الْمَاءَ صَبَبْته وَدَفَقَ بِنَفْسِهِ انْصَبَّ اهـ.
فَعَلَيْهِ لَا حَاجَةَ لِجَعْلِهِ اسْمَ مَفْعُولٍ أَوْ مَجَازًا عَقْلِيًّا بِأَنْ يُجْعَلَ مِنْ الثَّانِي الَّذِي هُوَ دَفَقَ بِنَفْسِهِ انْصَبَّ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الدَّافِقُ بِمَعْنَى الْمُنْصَبِّ.
[قَوْلُهُ: بِالْجِمَاعِ] أَيْ اللَّذَّةِ الْكَائِنَةِ بِالْجِمَاعِ أَيْ بِسَبَبِهِ أَوْ مَعَهُ [قَوْلُهُ: غَالِبًا] أَيْ لِأَنَّ اللَّذَّةَ
صَحِيحِ الْمِزَاجِ (كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَفِيهِ لُغَةٌ الطَّلْحُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ حَمْلِ النَّخْلَةِ يَسْقُطُ عَنْهُ غُبَارٌ، وَتَقْيِيدُنَا بِ (رَطْبًا) احْتِرَازًا مِنْ الْيَابِسِ فَإِنَّهُ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِفُصُوصِ الْبَيْضِ، وَبِصَحِيحِ الْمِزَاجِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَ مَرِيضًا فَإِنَّهُ قَدْ يَتَغَيَّرُ مَنِيُّهُ، وَتَخْتَلِفُ رَائِحَتُهُ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ لَوْ انْتَبَهَ فَوَجَدَ بَلَلًا رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ، هَذَا صِفَةُ مَنِيِّ الرَّجُلِ (وَ) أَمَّا (مَاءُ الْمَرْأَةِ) يَعْنِي مَنِيَّهَا فَصِفَتُهُ (مَاءٌ رَقِيقٌ أَصْفَرُ) وَحُكْمُهُ أَنَّهُ (يَجِبُ مِنْهُ) إذَا بَرَزَ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ وَالصِّحَّةِ لَا عَلَى وَجْهِ الْمَرَضِ وَالسَّلَسِ.
(الطُّهْرُ) أَيْ الْغُسْلُ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ بُرُوزُهُ بَلْ يَكْفِي فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا إحْسَاسُهَا بِهِ، وَقَوْلُهُ: (فَيَجِبُ مِنْ هَذَا) أَيْ مِنْ مَاءِ الْمَرْأَةِ (طُهْرُ جَمِيعِ) ظَاهِرِ (الْجَسَدِ) تَكْرَارًا مَعَ مَا تَقَدَّمَ، وَمَعَ مَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ: وَيَجِبُ الطُّهْرُ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ خُرُوجِ الْمَاءِ الدَّافِقِ فِي نَوْمٍ أَوْ يَقَظَةٍ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، فَإِنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ الْحُكْمَ بِالْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ؟ قِيلَ: لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ امْرَأَةً لَا يَجِبُ عَلَيْهَا غُسْلٌ مِنْ مَنِيِّهَا، وَأَمَّا الْغُسْلُ مِنْ مَنِيِّ الرَّجُلِ فَمَعْرُوفٌ غَيْرُ مُتَوَهَّمٍ، وَقَوْلُهُ: (كَمَا يَجِبُ) غُسْلُ جَمِيعِ ظَاهِرِ الْجَسَدِ (مِنْ طُهْرِ) أَيْ انْقِطَاعِ (الْحَيْضَةِ) أَيْ الْحَيْضِ، تَشْبِيهٌ لِإِفَادَةِ الْحُكْمِ فَإِنْ قِيلَ: لَا يُقَاسُ إلَّا مَا لَيْسَ مَنْصُوصًا
[حاشية العدوي]
الْكُبْرَى قَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ جِمَاعٍ كَأَنْ يَلْمِسَ امْرَأَةً فَيُمْنِيَ، وَخِلَافُ اللَّذَّةِ الْكُبْرَى اللَّذَّةُ الصُّغْرَى وَهِيَ الَّتِي يَكُونُ مَعَهَا الْمَذْيُ [قَوْلُهُ: الْمِزَاجِ] بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ الطَّبِيعَةِ مِنْ مَزَجَ الشَّيْءَ بِمَعْنَى خَلَطَهُ [قَوْلُهُ: كَرَائِحَةِ الطَّلْعِ] أَيْ كَرَائِحَةِ غُبَارِ الطَّلْعِ كَمَا فِي تت وَغَيْرِهِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ أَوَّلُ حَمْلِ النَّخْلَةِ] يُنَافِيهِ مَا نَقَلَ تت عَنْ التَّادَلِيِّ حَيْثُ قَالَ: أَيْ مِنْ فَحْلِ النَّخْلِ دُونَ إنَاثِهَا اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا مُخَالَفَةَ بِجَعْلِ التَّاءِ فِي النَّخْلَةِ لِلْوَحْدَةِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْمِصْبَاحِ النَّخْلُ اسْمُ جَمْعٍ الْوَاحِدَةُ نَخْلَةٌ [قَوْلُهُ: يَسْقُطُ عَنْهُ غُبَارٌ] قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الرَّائِحَةَ الْمُرَادَةَ رَائِحَةُ ذَلِكَ الْغُبَارِ لَا رَائِحَةُ نَفْسِ الطَّلْعِ [قَوْلُهُ: أَشْبَهُ شَيْءٍ] أَيْ أَشْبَهُ الْأَشْيَاءِ بِفُصُوصِ الْبَيْضِ، أَيْ أَنَّهُ اشْتَرَكَ مَعَ غَيْرِهِ فِي الْمُشَابَهَةِ بِفُصُوصِ الْبَيْضِ إلَّا أَنَّهُ أَعْظَمُهَا شَبَهًا بِهَا، وَالْمُرَادُ الْبَيْضُ الْمَشْوِيُّ كَمَا فِي خَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ، وَهُوَ جَمْعُ فَصٍّ بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ بَيَاضُ الْبَيْضِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي مَتْنِ الْمِنْهَاجِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَنَّهُ إذَا يَبِسَ تُشْبِهُ رَائِحَتُهُ رَائِحَةَ الْبَيْضِ عِنْدَ يُبْسِهِ اهـ.
فَإِنْ أَرَادَ بِالْيُبْسِ الشَّيْءَ اتَّفَقَ الْكَلَامَانِ.
[قَوْلُهُ: وَتَخْتَلِفُ رَائِحَتُهُ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَقُلْنَا ذَلِكَ لِمُنَاسَبَتِهِ لِلْمَقَامِ فَإِنَّنَا فِي شَأْنِ الرَّائِحَةِ لَا غَيْرِهَا مِنْ الْأَوْصَافِ [قَوْلُهُ: وَفَائِدَةُ ذَلِكَ] أَيْ تَبْيِينِ الرَّائِحَةِ [قَوْلُهُ: لَوْ انْتَبَهَ إلَخْ] جَوَابُ لَوْ مَحْذُوفٌ أَيْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنِيٌّ [قَوْلُهُ: يَعْنِي فِيهَا] لَمَّا كَانَ تَفْسِيرُ الْمَاءِ بِالْمَنِيِّ فِيهِ نَوْعُ خَفَاءٍ قَالَ يَعْنِي [قَوْلُهُ: فَصِفَتُهُ] عَبَّرَ بِهِ نَظَرًا لِلرِّقَّةِ وَالصُّفْرَةِ الدَّالِّ عَلَيْهِمَا رَقِيقٌ أَصْفَرُ، وَإِلَّا فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ فَهُوَ مَاءٌ رَقِيقٌ؛ لِأَنَّ بَيَانٌ لَهُ لَا لِصِفَتِهِ، وَرَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ طَلْعِ الْأُنْثَى مِنْ النَّخْلِ وَطَعْمُهُ مَالِحٌ بِخِلَافِ مَنِيِّ الرَّجُلِ فَإِنَّهُ مُرٌّ [قَوْلُهُ: عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ] اُحْتُرِزَ عَمَّا إذَا بَرَزَ عَلَى وَجْهِ السَّلَسِ [قَوْلُهُ: وَالصِّحَّةِ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يُشْتَرَطُ بُرُوزُهُ] ضَعِيفٌ وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا خَرَجَ مَنِيُّهَا فِي الْيَقَظَةِ، وَأَمَّا فِي النَّوْمِ فَلَا بُدَّ مِنْ بُرُوزِهِ بِاتِّفَاقٍ [قَوْلُهُ: جَمِيعِ ظَاهِرِ الْجَسَدِ] احْتِرَازٌ مِنْ دَاخِلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَالْعَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهَا فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ بِخِلَافِ بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ [قَوْلُهُ: تَكْرَارًا مَعَ مَا تَقَدَّمَ] أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ يَجِبُ مِنْهُ الطُّهْرُ هَذَا ظَاهِرٌ.
[قَوْلُهُ: وَمَعَ مَا يَأْتِي] لَيْسَ بِظَاهِرٍ إذْ التَّكْرَارُ إنَّمَا يُنْسَبُ لِلثَّانِي، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ الْآتِي هُوَ التَّكْرَارُ مَعَ هَذَا [قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ إلَخْ] هَذَا الْإِيرَادُ بِحَسَبِ حِلِّهِ وَإِلَّا فَقَدْ حَلَّ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِالتَّعْمِيمِ، فَقَالَ: أَيْ يَجِبُ مِنْ أَجْلِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ الطُّهْرُ إلَخْ.
فَلَا يَرِدُ سُؤَالٌ وَعَلَى هَذَا فَالْإِشَارَةُ كَمَا أَفَادَ ذَلِكَ عج مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ الشَّيْءِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، أَوْ فِي الْبَعِيدِ إذْ اللَّفْظُ عَرَضٌ يَزُولُ بِانْقِضَائِهِ فَهُوَ بَعِيدٌ وَالْبَعِيدُ تَحْتَهُ صُورَتَانِ بَعِيدٌ جِدًّا وَبَعِيدٌ لَا جِدًّا اهـ.
[قَوْلُهُ: غَيْرُ مُتَوَهَّمٍ] أَيْ نَفْيُهُ أَوْ غَيْرُ مُتَوَهَّمٍ ثُبُوتُهُ بَلْ ثُبُوتُهُ مَجْزُومٌ بِهِ لَا مُتَوَهَّمٌ فَقَطْ [قَوْلُهُ: أَيْ الْحَيْضِ إلَخْ]
عَلَيْهِ، وَالْغُسْلُ مِنْ الْمَنِيِّ وَالْحَيْضِ كِلَاهُمَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ، أَحَدُهَا لَوْ عَلَيْهِ نَقْتَصِرُ: أَنَّ الْغُسْلَ مِنْ الْحَيْضِ أَشْهَرُ مِنْ الْغُسْلِ مِنْ الْمَنِيِّ، وَلِذَا «أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ حِينَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْمَرْأَةُ تَرَى فِي الْمَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ أَتَغْتَسِلُ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَمْ فَلْتَغْتَسِلْ فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أُفٍّ لَك، وَهَلْ تَرَى ذَلِكَ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: تَرِبَتْ يَمِينُكِ وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ» .
ثُمَّ أَشَارَ إلَى خَاتِمَةِ السُّنَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنْ الْإِحْدَاثِ بِقَوْلِهِ (وَأَمَّا دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ) وَهُوَ سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ زَمَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ مِنْ عِرْقِ فَمِهِ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ يُسَمَّى الْعَاذِلَ بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، (فَيَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ) إذَا كَانَ انْقِطَاعُهُ أَكْثَرَ مِنْ إتْيَانِهِ، أَمَّا إذَا كَانَ إتْيَانُهُ أَكْثَرَ مِنْ انْقِطَاعِهِ أَوْ تَسَاوَى الْأَمْرَانِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ.
(وَ)
[حاشية العدوي]
أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَيْضَةِ مَا تَقَدَّمَهَا طُهْرٌ فَاصِلٌ وَتَأَخَّرَهَا طُهْرٌ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ الْحَيْضُ مُطْلَقًا تَقَدَّمَهُ طُهْرٌ فَاصِلٌ أَوْ لَا تَأَخَّرَهُ طُهْرٌ فَاصِلٌ أَوْ لَا [قَوْلُهُ: تَشْبِيهٌ لِإِفَادَةِ الْحُكْمِ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ التَّشْبِيهِ؛ لِأَنَّ اللَّامَ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ أَنَّ التَّشْبِيهَ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ إفَادَةِ الْحُكْمِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ فَيَجِبُ إلَخْ فَالْأَحْسَنُ عِبَارَةُ تت حَيْثُ قَالَ: يُحْتَمَلُ التَّشْبِيهُ فِي الْحُكْمِ اهـ.
أَيْ أَنَّ حُكْمَ هَذَا الْمَعْلُومُ مِمَّا تَقَدَّمَ كَحُكْمِ هَذَا أَيْ نَظِيرِهِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْغُسْلُ مِنْ طُهْرِ الْحَيْضَةِ مُشَبَّهًا بِهَا؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ [قَوْلُهُ: فَإِنْ قِيلَ إلَخْ] فِي إيرَادِ السُّؤَالِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ مِنْ الْمُجْتَهِدِ وَالْمُصَنِّفُ نَاقِلٌ لَا قَائِسٌ [قَوْلُهُ: وَالْغُسْلُ إلَخْ] الْأَوْلَى فِي التَّعْبِيرِ وَالْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ كَالْحَيْضِ فَلَا مُوجِبَ لِقِيَاسِ الْغُسْلِ عَلَى الْحَيْضِ إذَا عَلِمْت مَا قَرَرْنَاهُ لَك فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ يَقُولَ: فَإِنْ قِيلَ كُلٌّ مِنْهُمَا وَارِدٌ عَنْ الْإِمَامِ فَلِمَ شَبَّهَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ [قَوْلُهُ: أَحَدُهُمَا إلَخْ] نَذْكُرُ الْوَجْهَيْنِ الْآخَرَيْنِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَنَقُولُ الثَّانِي: أَنَّ الْغُسْلَ مِنْ الْحَيْضِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالْغُسْلَ مِنْ مَنِيِّ الْمَرْأَةِ إنَّمَا هُوَ بِالسُّنَّةِ الثَّالِثُ أَنَّ الْحَيْضَ أَقْوَى مِنْ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَالْجَنَابَةُ لَا تَمْنَعُ إلَّا بَعْضَهَا [قَوْلُهُ: أُمُّ سُلَيْمٍ] هِيَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهَا فَقِيلَ اسْمُهَا سَهْلَةُ وَقِيلَ رُمَيْلَةُ وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ [قَوْلُهُ: أُفٍّ لَك] كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الِاحْتِقَارِ وَالِاسْتِقْذَارِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْإِنْكَارُ، وَأَصْلُ الْأُفِّ وَسَخُ الْأَظْفَارِ، وَفِي أُفٍّ عَشْرُ لُغَاتٍ أُفِّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مَعَ كَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّهَا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وَبِالتَّنْوِينِ فَهَذِهِ سِتُّ لُغَاتٍ، وَالسَّابِعَةُ إفَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَالثَّامِنَةُ أُفْ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَالتَّاسِعَةُ أُفِّي بِضَمِّ الْهَمْزَة وَبِالْيَاءِ وَأُفِّهْ اهـ.
[قَوْلُهُ: ذَلِكَ الْمَرْأَةُ] الْكَافُ مَكْسُورَةٌ لِأَنَّهَا لِخِطَابِ الْمُؤَنَّثِ [قَوْلُهُ: تَرِبَتْ يَمِينُك] أَيْ الْتَصَقَتْ بِالتُّرَابِ كِنَايَةً عَنْ افْتِقَارِهَا، وَلَمْ يَقْصِدْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الدُّعَاءَ عَلَيْهَا كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ.
وَقَالَ بَعْضٌ: هُوَ دُعَاءٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَأَى الْحَاجَةَ خَيْرًا لَهَا، وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ [قَوْلُهُ: وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ] أَيْ أَنَّ شَبَهَ الْوَلَدِ لِأُمِّهِ إنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ خُلِقَ مِنْ مَائِهَا وَمِنْ مَاءِ أَبِيهِ وَكَأَنَّهُ فَهِمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ أَنَّهَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَرْأَةِ مَنِيٌّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْوَلَدَ مُتَوَلِّدٌ مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ وَمَاءِ الْمَرْأَةِ، فَأَيُّهُمَا غَلَبَ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ إلَى أَنْ قَالَ: وَيُقَالُ شَبَهُ وَشِبْهُ لُغَتَانِ إحْدَاهُمَا بِكَسْرِ الشِّينِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ وَالثَّانِيَةُ بِفَتْحِهِمَا قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ سَيَلَانُ الدَّمِ إلَخْ] مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَيْ وَهُوَ الدَّمُ السَّائِلُ، وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ [قَوْلُهُ: فَمِهِ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ] قَالَ النَّوَوِيُّ: فَمُهُ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ دُونَ قَعْرِهِ يُسَمَّى الْعَاذِلَ، وَدَمُ الْحَيْضِ يَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ الرَّحِمِ اهـ. وَذَكَرَ فِي الْمِصْبَاحِ فِيهِ لُغَةً أُخْرَى بِالرَّاءِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يُقَالُ: اللَّامُ هِيَ الْأَصْلُ وَلِهَذَا يَقْتَصِرُ كَثِيرٌ عَلَى إيرَادِهِ اهـ. [قَوْلُهُ: بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ] وَحَكَى ابْنُ سِيدَهْ إهْمَالَهَا [قَوْلُهُ: إذَا كَانَ انْقِطَاعُهُ أَكْثَرَ مِنْ إتْيَانِهِ] أَيْ فِي الزَّمَنِ الزَّائِدِ عَلَى أَيَّامِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِظْهَارِ، وَلَمَّا كَانَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَنَافٍ حَيْثُ حَكَمَ أَوَّلًا بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَحَكَمَ ثَانِيًا بِاسْتِحْبَابِهِ أَصْلَحَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: إذَا كَانَ انْقِطَاعُهُ
لَكِنْ (يُسْتَحَبُّ لَهَا) أَيْ لِلْمُسْتَحَاضَةِ، ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهِيَ الَّتِي لَا يَرْقَأُ دَمُهَا يَعْنِي لَا يَنْقَطِعُ (وَلِسَلِسِ الْبَوْلِ) بِكَسْرِ اللَّامِ الَّتِي بَيْنَ السِّينَيْنِ اسْمُ فَاعِلٍ صِفَةٌ لِلرَّجُلِ، وَبِفَتْحِهَا اسْمٌ لِلْخَارِجِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ لِصَاحِبِ سَلَسِ الْبَوْلِ.
ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مَعْنَاهُ أَنْ يَكْثُرَ بَوْلُ الْإِنْسَانِ بِلَا حُرْقَةٍ، (أَنْ يَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ) وَيَكُونُ مُتَّصِلًا بِالصَّلَاةِ.
وَفِي اسْتِحْبَابِ غَسْلِ فَرْجِهِمَا قَوْلَانِ وَأَمَّا إنْ لَازَمَ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ أَوْ سَلَسُ الْبَوْلِ وَلَمْ يُفَارِقْ فَلَا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّهُ حَرَجٌ، وَلَا يُسْتَحَبُّ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْوُضُوءِ مَعَ سَيَلَانِ النَّجَاسَةِ، وَهَلْ تُعْتَبَرُ كَثْرَةُ الْمُلَازَمَةِ وَقِلَّتُهَا بِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ أَوْ مُطْلَقًا؟ قَوْلَانِ، وَحَيْثُ قُلْنَا بِسُقُوطِ الْوُضُوءِ عَنْ صَاحِبِ السَّلَسِ فَهَلْ يَكُونُ
[حاشية العدوي]
أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يَجِبُ الْوُضُوءُ، ثُمَّ أَفَادَ أَنَّ الِاسْتِحْبَابَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَهُوَ مُلَازَمَةُ النِّصْفِ أَوْ الْأَكْثَرِ بِقَوْلِهِ: أَمَّا إذَا إلَخْ [قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا كَانَ إتْيَانُهُ إلَخْ] تَرَكَ مَا إذَا لَازَمَ الْكُلَّ؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ الْحَالَةِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ مِنْهَا الْوُضُوءُ وَعِنْدَ مُلَازَمَةِ كُلِّ الزَّمَنِ يَنْتَفِي الِاسْتِحْبَابُ [قَوْلُهُ: لَا يَرْقَأُ] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَرَقَأَ الدَّمُ وَالدَّمْعُ رَقْئًا مَهْمُوزًا مِنْ بَابِ نَفَعَ وَرُقُوءًا عَلَى فُعُولٍ انْقَطَعَ بَعْدَ جَرَيَانِهِ اهـ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي لَا يَنْقَطِعُ] أَيْ بَعْدَ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِظْهَارِ فَيَصْدُقُ بِمُلَازَمَةِ كُلِّ الزَّمَنِ وَبِمُفَارَقَةِ أَكْثَرِهِ اللَّذَيْنِ لَيْسَا مُرَادَيْنِ، وَبِمُلَازَمَةِ الْجُلِّ أَوْ النِّصْفِ فَيُوَافِقُ قَوْلَ النَّوَوِيِّ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَالِاسْتِحَاضَةُ أَنْ يَسِيلَ الدَّمُ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِهِ الْمُعْتَادَةِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَلِسَلِسِ الْبَوْلِ إلَخْ] لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْبَوْلِ بِالذِّكْرِ بَلْ سَلِسُ كُلِّ حَدَثٍ بَوْلًا أَوْ رِيحًا أَوْ مَنِيًّا فَالْجَمِيعُ سَوَاءٌ فِي عَدَمِ النَّقْضِ بِاَلَّذِي خَرَجَ مِنْهَا، وَلَازَمَ وَلَوْ نِصْفَ الزَّمَنِ حَيْثُ عَجَزَ عَنْ رَفْعِهِ بِتَدَاوٍ أَوْ تَسَرٍّ أَوْ تَزْوِيجٍ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَاقِضًا إلَّا فِي مُدَّةِ تَدَاوِيهِ [قَوْلُهُ: اسْمُ فَاعِلٍ] فَهُوَ مِنْ بَابِ تَعِبَ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ [قَوْلُهُ: وَبِفَتْحِهَا اسْمٌ لِلْخَارِجِ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى الْفَتْحِ يَكُونُ مِنْ إضَافَةِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ لَا بَيَانِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْبَيَانِيَّةَ هِيَ الَّتِي يَكُونُ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ.
[قَوْلُهُ: بِلَا حُرْقَةٍ] اسْمٌ مِنْ الِاحْتِرَاقِ وَهِيَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ يَكْثُرُ بَوْلُهُ بِحَيْثُ لَا يَرَى احْتِرَاقًا أَيْ حَرَارَةً؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الِاحْتِرَاقِ تَكُونُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى إمْسَاكِ الْبَوْلِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ هَذَا صَادِقٌ بِالْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنْ كَانَ حَدِيثُنَا فِي الَّذِي يُسْتَحَبُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ هُوَ الْمُلَازِمُ لِلْجُلِّ وَالنِّصْفِ.
[قَوْلُهُ: وَيَكُونُ مُتَّصِلًا بِالصَّلَاةِ إلَخْ] ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ كَوْنَهُ مُتَّصِلًا بِالصَّلَاةِ مِنْ تَمَامِ الْمُسْتَحَبِّ أَيْ أَنَّ هَذَا الِاسْتِحْبَابَ إنَّمَا يَحْصُلُ إذَا اتَّصَلَ بِالصَّلَاةِ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَصِلْهُ لَمْ يَحْصُلْ الِاسْتِحْبَابُ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْوُضُوءَ فِي ذَاتِهِ مُسْتَحَبٌّ، وَكَوْنُهُ مُتَّصِلًا بِالصَّلَاةِ مُسْتَحَبٌّ آخَرُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَفِي اسْتِحْبَابِ غَسْلِ إلَخْ] أَيْ فَصَاحِبُ الطِّرَازِ يَقُولُ بِالِاسْتِحْبَابِ، وَسَحْنُونٌ يَقُولُ بِعَدَمِهِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ أَخَفُّ مِنْ الْحَدَثِ [قَوْلُهُ: وَلَا يُسْتَحَبُّ إلَخْ] وَكَذَا إذَا شَقَّ فِي حَالَتَيْ الِاسْتِحْبَابِ لَا نَدْبَ، وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ مَحَلُّهَا مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ صَاحِبُ السَّلَسِ خُرُوجَ الْبَوْلِ أَوْ الْمَذْيِ مَثَلًا فَإِنْ تَعَمَّدَ بِأَنْ لَاعَبَ زَوْجَتَهُ فَأَمْذَى فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَيَدْخُلُ فِي الْمُلَازَمَةِ حُكْمَا مَا إذَا كَانَ إذَا تَوَضَّأَ أَحْدَثَ وَإِذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ وَتَيَمَّمَ فَلَا فَإِنَّ وُضُوءَهُ حِينَئِذٍ لَا يَنْتَقِضُ بِذَلِكَ أَفَادَهُ عج.
[قَوْلُهُ: بِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ] وَهِيَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ ثَانِيَ يَوْمٍ، وَأَمَّا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ فَلَيْسَ وَقْتَ صَلَاةٍ، وَاعْتَمَدَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ هَذَا الْقَوْلَ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا فَرَضْنَا أَنَّ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ مِائَتَانِ وَسِتُّونَ دَرَجَةً، وَغَيْرَ وَقْتِهَا مِائَةُ دَرَجَةٍ فَأَتَاهُ فِيهَا، وَفِي مِائَةِ دَرَجَةٍ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَنْقُضُ لِمُفَارَقَتِهِ أَكْثَرَ الزَّمَنِ، وَعَلَى الثَّانِي وَهُوَ الْإِطْلَاقُ لَا يَنْقُضُ لِمُلَازَمَتِهِ أَكْثَرَ الزَّمَنِ، وَالْخِلَافُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الْإِتْيَانُ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مُنْضَبِطًا بِأَنْ يَأْتِيَهُ فِي إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ أَوْ يُؤَخِّرُ، فَإِذَا كَانَ يَأْتِيهِ فِيهِ وَقْتَ الظُّهْرِ كُلَّهُ فَيُؤَخِّرُهَا لِوَقْتِ الْعَصْرِ، وَإِذَا كَانَ يَأْتِيهِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ كُلِّهِ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُهَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورِيَّ يَكُونُ
ذَلِكَ رُخْصَةً لِمَنْ نَزَلَ بِهِ لَا يَتَعَدَّاهُ أَوْ سُقُوطِ ذَلِكَ بِجَعْلِ الْخَارِجِ كَالْعَدَمِ فِيهِ؟ قَوْلَانِ، مَشْهُورُهُمَا الْكَرَاهَةُ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا جَوَازُ إمَامَتِهِ لِغَيْرِهِ صَحِيحًا كَانَ أَوْ غَيْرَ صَحِيحٍ، وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَحْدَاثِ.
، وَأَمَّا الْأَسْبَابُ فَجَمْعُ سَبَبٍ وَهُوَ لُغَةً الْحَبْلُ وَاصْطِلَاحًا مَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنْ بِمَا يُؤَدِّي إلَى الْحَدَثِ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ثَلَاثَةٌ: زَوَالُ الْعَقْلِ وَلَمْسُ مَنْ تُشْتَهَى وَمَسُّ الذَّكَرِ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (وَيَجِبُ الْوُضُوءُ) وُجُوبَ الْفَرَائِضِ (مِنْ زَوَالِ) بِمَعْنَى اسْتِتَارِ (الْعَقْلِ) وَاسْتِتَارُهُ يَكُونُ بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا إمَّا (بِ) سَبَبِ (نَوْمٍ مُسْتَثْقَلٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ، وَهُوَ الَّذِي يُخَالِطُ الْقَلْبَ، وَيُذْهِبُ الْعَقْلَ وَلَا يَشْعُرُ صَاحِبُهُ بِمَا فَعَلَ، وَهُوَ إمَّا طَوِيلٌ فَيَنْقُضُ اتِّفَاقًا أَوْ قَصِيرٌ فَيَنْقُضُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: مُسْتَثْقَلٍ أَنَّ الْخَفِيفَ الَّذِي يَشْعُرُ صَاحِبُهُ بِأَدْنَى سَبَبٍ لَا يَنْقُضُ، وَهُوَ كَذَلِكَ مُطْلَقًا قَصِيرًا كَانَ أَوْ طَوِيلًا لِمَا فِي مُسْلِمٍ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ كَذَا حَمَلَ عِيَاضٌ الْحَدِيثَ عَلَى الْخَفِيفِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ مِنْ الطَّوِيلِ الْوُضُوءُ.
ثَانِيهَا:
[حاشية العدوي]
قَبْلَ الْمُخْتَارِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمَغْرِبِ مَعَ الْعِشَاءِ كَذَا ظَهَرَ لِلْمَنُوفِيِّ.
[قَوْلُهُ: مَشْهُورُهُمَا الْكَرَاهَةُ] هَذَا الْحِلُّ غَيْرُ مُنَاسِبٍ، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: قَوْلَانِ يَنْبَنِي عَلَيْهِمَا صِحَّةُ إمَامَتِهِ لِغَيْرِهِ وَعَدَمُ صِحَّتِهَا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ فَالْمَشْهُورُ الْكَرَاهَةُ أَيْ كَرَاهَةُ إمَامَتِهِ لِغَيْرِهِ وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْجَوَازَ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ تَرْكُ الْإِمَامَةِ حِينَ وَجَدَ سَلَسَ الْمَذْيِ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْإِمَامَةِ الْكُبْرَى، هَذَا مُحَصَّلُ مَا أَفَادَهُ التَّوْضِيحُ وَالدَّفَرِيُّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَالدَّفَرِيُّ أَصْرَحُ فِي الْمُرَادِ
[قَوْلُهُ: وَهُوَ لُغَةً الْحَبْلُ إلَخْ] قَالَ تَعَالَى ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: 15] أَيْ بِحَبْلٍ إلَى سَقْفِ بَيْتِهِ وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْعِلْمِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: 84] أَيْ عِلْمًا [قَوْلُهُ: وَلَكِنْ بِمَا يُؤَدِّي] أَيْ مُصَوَّرٌ بِمَا يُؤَدِّي [قَوْلُهُ: عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ] اُنْظُرْ هَلْ لَهُ مَفْهُومٌ فَيَكُونَ الْمُرَادُ لَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ [قَوْلُهُ: وُجُوبَ الْفَرَائِضِ] بِمَعْنَى مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَيَتَرَتَّبُ الْعِقَابُ عَلَى تَرْكِهِ لَا وُجُوبَ السُّنَنِ بِمَعْنَى تَأَكُّدِهَا.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى اسْتِتَارِ] أَيْ لَا بِمَعْنَى ذَهَابِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، إذْ لَوْ ذَهَبَ لَمْ يَعُدْ إذْ الْفَرْضُ فِي إنْسَانٍ يَلْحَقُهُ مَا ذُكِرَ مِنْ نَحْوِ نَوْمٍ أَوْ إغْمَاءٍ ثُمَّ يَعُودُ لَهُ عَقْلُهُ فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ [قَوْلُهُ: إمَّا بِسَبَبِ إلَخْ] لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ إمَّا فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: أَوَّلُهَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ بِنَوْمٍ إلَخْ [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْقَافِ] اسْمُ مَفْعُولٍ أَيْ بِسَبَبِ نَوْمٍ يَعُدُّهُ أَهْلُ الْعُرْفِ ثَقِيلًا [قَوْلُهُ: يُخَالِطُ الْقَلْبَ] أَرَادَ بِهِ الْعَقْلَ فَقَوْلُهُ: وَيُذْهِبُ الْعَقْلَ مِنْ الْإِظْهَارِ فِي مَوْضِعِ الْإِضْمَارِ نُكْتَتُهُ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْقَلْبَ يُطْلَقُ مُرَادًا بِهِ الْعَقْلُ، وَلَمَّا كَانَ الذَّهَابُ فَرْعَ الْمُخَالَطَةِ قَدَّمَ الْمُخَالَطَةَ عَلَى الذَّهَابِ وَفِي الْعَقْلِ تَفَاسِيرُ فَمِنْهَا مَا قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ نُورٌ يُقْذَفُ فِي الْقَلْبِ فَيَسْتَعِدُّ لِلْإِدْرَاكَاتِ.
[قَوْلُهُ: وَلَا يَشْعُرُ صَاحِبُهُ بِمَا فُعِلَ] يُقْرَأُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ كَانَ فَعَلَهُ أَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ، فَمِنْ الْأَوَّلِ مَا إذَا سَقَطَ لُعَابُهُ أَوْ حَبْوَتُهُ بِيَدِهِ أَوْ الْكُرَّاسُ مِنْ يَدِهِ، وَلَمْ يَشْعُرْ لَا إنْ لَمْ يَسْقُطْ أَوْ سَقَطَ وَشَعَرَ، وَقَيَّدْنَا الْحَبْوَةَ بِالْيَدِ لَا إنْ كَانَتْ الْحَبْوَةَ الْمَعْلُومَةَ فَهُوَ كَالْمُسْتَنِدِ وَمِنْ الْأَوَّلِ أَيْضًا سُقُوطُهُ وَهُوَ قَائِمٌ، أَوْ لَمْ يَسْقُطْ إلَّا أَنَّهُ مُسْتَنِدٌ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ سَقَطَ، لَا إنْ لَمْ يَسْقُطْ فَلَيْسَ بِثَقِيلٍ وَيُنْقَضُ بِالثَّقِيلِ، وَلَوْ سَدَّ مَخْرَجَهُ سَدًّا مُحْكَمًا إنْ دَامَ لَا إنْ لَمْ يَدُمْ، وَجَزَمَ الْغَرْنَاطِيُّ بِعَدَمِ النَّقْضِ وَلَوْ مَعَ الدَّوَامِ، وَالْمُرَادُ بِسَدِّهِ كَمَا قَرَّرَ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَضُمَّ شَيْئًا وَيُلْصِقَهُ بِدُبُرِهِ وَيَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ انْفِتَاحَ الدُّبُرِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ يُدْخِلُ شَيْئًا فِي دُبُرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَقِيلَ: لَا [قَوْلُهُ: كَذَا حَمَلَ إلَخْ] فَإِنْ قُلْت: عِيَاضٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْحَاكِمِينَ بِعَدَمِ النَّقْضِ بِالْخَفِيفِ فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِالْحَدِيثِ بِحَمْلِهِ؟ قُلْت الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ النَّقْضِ مُطْلَقًا خَفِيفًا أَوْ ثَقِيلًا فَحَمَلَهُ عِيَاضٌ عَلَى الْخَفِيفِ فَقَطْ فَخَرَجَ الثَّقِيلُ، فَخُلَاصَةُ حَمْلِهِ إخْرَاجُ الثَّقِيلِ لَا عَدَمُ النَّقْضِ بِالْخَفِيفِ الَّذِي هُوَ الْمُدَّعَى بَلْ هُوَ أَيْ عَدَمُ
أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (أَوْ إغْمَاءٍ) قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ.
ثَالِثُهَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ سُكْرٍ) ظَاهِرُهُ سُكْرٌ بِحَرَامٍ أَوْ حَلَالٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، رَابِعُهَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ تَخَبُّطِ جُنُونٍ) إنَّمَا وَجَبَ الْوُضُوءُ مِنْهُ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ بِالنَّوْمِ مَعَ كَوْنِهِ أَخَفَّ حَالًا مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ يَزُولُ بِيَسِيرِ الِانْتِبَاهِ كَانَ وُجُوبُهُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَدْخَلُ فِي اسْتِتَارِ الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ.
(تَنْبِيهَانِ)
الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
الثَّانِي: الْمَشْهُورُ أَنَّ فِقْدَانَ الْعَقْلِ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى.
، وَالسَّبَبُ الثَّانِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ الْمُلَامَسَةِ) وَهُوَ مَا دُونَ الْجِمَاعِ عَلَى مَا فَسَّرَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: 43] (لِ) أَجْلِ قَصْدِ الـ (لَّذَّةِ) وَجَدَهَا أَوْ لَا أَوْ لِوُجُودِ اللَّذَّةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَانَ
[حاشية العدوي]
النَّقْضِ بِالْخَفِيفِ أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَى شُمُولِ الْحَدِيثِ لَهُ فَصَحَّ الِاسْتِدْلَال فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: أَوْ إغْمَاءٍ إلَخْ] الْإِغْمَاءُ مَرَضٌ فِي الرَّأْسِ [قَوْلُهُ: سُكْرٍ بِحَرَامٍ أَوْ حَلَالٍ] أَيْ كَمَنْ شَرِبَ لَبَنًا مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيْرُ مُسْكِرٍ فَسَكِرَ مِنْهُ [قَوْلُهُ: أَوْ تَخَبُّطِ جُنُونٍ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ حَذْفُ تَخَبُّطٍ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ يَكُونُ بِالْجُنُونِ وَالتَّخَبُّطُ مُصَاحِبٌ لِزَوَالِ الْعَقْلِ لَا أَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ، وَلَا فَرْقَ فِي الْجُنُونِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ طَبْعًا أَوْ مِنْ الْجِنِّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ فِي جُنُونٍ يَتَقَطَّعُ لَا إنْ كَانَ مُطْبِقًا فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ [قَوْلُهُ: إنَّمَا وَجَبَ الْوُضُوءُ مِنْهُ إلَخْ] أَيْ فَهَذِهِ الْأُمُورُ مَقِيسَةٌ عَلَى النَّوْمِ كَمَا أَفَادَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ النَّصَّ عَنْ الشَّارِعِ إنَّمَا جَاءَ فِي النَّوْمِ وَقِيسَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا أَدْخَلُ فِي اسْتِتَارِ الْعَقْلِ] أَيْ وَلِذَلِكَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ طَوِيلِهَا وَقَصِيرِهَا وَلَا بَيْنَ ثَقِيلِهَا وَخَفِيفِهَا، وَلِذَلِكَ حَكَمَ بِزَوَالِ التَّكْلِيفِ مَعَهَا بِخِلَافِ النَّوْمِ فَصَاحِبُهُ مُخَاطَبٌ، وَإِنْ رُفِعَ الْإِثْمُ عَنْهُ، وَاسْتَعْمَلَ الِاسْتِتَارَ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ فَبِالنِّسْبَةِ لِلْعَقْلِ فِي حَقِيقَتِهِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلتَّمْيِيزِ فِي مَجَازِهِ وَهُوَ زَوَالُهُ [قَوْلُهُ: وَالتَّمْيِيزِ] مِنْ عَطْفِ الشَّيْءِ عَلَى آلَتِهِ [قَوْلُهُ: لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ] أَيْ بَلْ يُسْتَحَبُّ [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ وَمُقَابِلُ ذَلِكَ لِابْنِ نَافِعٍ وَهُوَ وُجُوبُ الْوُضُوءِ، وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا كَانَ قَاعِدًا وَحَصَلَ لَهُ ذَلِكَ لِهَمٍّ أَوْ سُرُورٍ، وَأَمَّا إذَا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ اتِّفَاقًا كَمَا أَفَادَهُ ح وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ شَيْخُنَا، ثُمَّ أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ النَّقْضِ مَوْجُودَةٌ وَهِيَ غَيْبُوبَةُ الْعَقْلِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ النَّوْمِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِكُلِّ مُنْصِفٍ، وَأَمَّا مَنْ اسْتَغْرَقَهُ الْوَجْدُ فِي حُبِّ اللَّهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ يَقِظُ الْقَلْبِ أَيْ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَقْلُهُ.
[قَوْلُهُ: الْمَشْهُورُ أَنَّ فِقْدَانَ الْعَقْلِ إلَخْ] خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ الْقَائِلِ قَلَّمَا جُنَّ إنْسَانٌ إلَّا وَأَنْزَلَ
[قَوْلُهُ: مِنْ الْمُلَامَسَةِ إلَخْ] الْمُرَادُ اللَّمْسُ وَهُوَ مُلَاقَاةُ جِسْمٍ لِجِسْمٍ عَلَى جِهَةِ الِاخْتِبَارِ، وَالْمَسُّ هُوَ الِالْتِقَاءُ مُطْلَقًا وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ اللَّمْسُ نَاقِضًا عِنْدَنَا إلَّا مَعَ قَصْدِ اللَّذَّةِ أَوْ وُجُودِهَا حَسُنَ التَّعْبِيرُ عِنْدَنَا بِاللَّمْسِ، وَلَمَّا كَانَ لَمْسُ الذَّكَرِ نَاقِضًا مُطْلَقًا حَسُنَ التَّعْبِيرُ بِالْمَسِّ وَشَمَلَ كَلَامُهُ لَمْسَ الْأَمْرَدِ إذَا قُصِدَ بِمُلَامَسَتِهِ اللَّذَّةُ كَمَا أَفَادَهُ تت، وَيُفْهَمُ مِنْ الزَّرْقَانِيِّ عَلَى خَلِيلٍ أَنَّ مِثْلَهُ ذُو اللِّحْيَةِ النَّابِتَةِ عَنْ قُرْبٍ حَيْثُ كَانَ مِمَّنْ يَتَلَذَّذُ بِهِ عَادَةً.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ مَا دُونَ الْجِمَاعِ عَلَى مَا فَسَّرَ بِهِ إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ كُلَّ الصَّحَابَةِ لَا يُوَافِقُونَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُرَادُ جَامَعْتُمُوهُنَّ أَيْ فَفَسَّرَ الْمُلَامَسَةَ بِالْجِمَاعِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ يَصْدُقُ بِالْقُبْلَةِ فَهُوَ غَيْرُ نَافِعٍ.
[قَوْلُهُ: لِأَجْلِ قَصْدِ اللَّذَّةِ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ جَعَلَ مَنْطُوقَ الْمُصَنِّفِ قَصْدَ اللَّذَّةِ مُطْلَقًا مَعَهُ وِجْدَانٌ أَمْ لَا، فَيَكُونُ سَوْقُهُ مَسْأَلَةَ الْوُجُودِ فَقَطْ بِقَوْلِهِ أَوْ لِوُجُودِ اللَّذَّةِ لِأَجْلِ كَوْنِهَا مَفْهُومَةً بِطَرِيقِ الْأَوْلَوِيَّةِ مِنْ الْقَصْدِ الْمُجَرَّدِ عَنْ اللَّذَّةِ لَا اعْتِرَاضًا عَلَى الْمُصَنِّفِ بِكَوْنِهِ أَخَلَّ بِهَا، وَأَقُولُ بِحَمْدِ اللَّهِ: لَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مُحْتَوٍ عَلَى الصُّوَرِ الثَّلَاثِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَيَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ الْمُلَامَسَةِ لِلَّذَّةِ صَادِقٌ مِنْ حَيْثُ قَصْدُهَا أَوْ
اللَّامِسُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، كَانَ الْمَلْمُوسُ ظُفْرًا أَوْ شَعْرًا، كَانَتْ الْمُلَامَسَةُ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ ثَوْبٍ، عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَأَبْقَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ خَفِيفًا، وَقَيَّدَ ابْنُ نَاجِي كَلَامَ الشَّيْخِ إذَا كَانَ اللَّامِسُ رَجُلًا بِمَا إذَا كَانَ الْمَلْمُوسُ مِمَّنْ يُلْتَذُّ بِلَمْسِهِ عَادَةً احْتِرَازًا مِنْ الصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُلْتَذُّ بِلَمْسِهَا عَادَةً، وَكَذَا الْمَحْرَمُ لِقِيَامِ الْمَانِعِ الْعَادِي.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: هَذَا كُلُّهُ فِي اللَّامِسِ، وَأَمَّا الْمَلْمُوسُ فَإِنْ بَلَغَ وَالْتَذَّ تَوَضَّأَ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقْصِدْ اللَّذَّةَ فَيَصِيرُ لَامِسًا قَوْلُهُ: (وَالْمُبَاشَرَةُ بِالْجَسَدِ لِلَّذَّةِ) حَشْوٌ.
(وَ) كَذَلِكَ يَجِبُ الْوُضُوءُ
[حاشية العدوي]
وُجُودُهَا أَوْ هُمَا مَعًا، وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَتْ اللَّامُ مُتَعَلِّقَةً بِيَجِبُ، وَكَذَا لَوْ عُلِّقَتْ بِالْمُلَامَسَةِ، وَتَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْقَصْدِ لِلْعِلَّةِ وَبِاعْتِبَارِ الْوِجْدَانِ لِلْعَاقِبَةِ فَيَكُونُ مِنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، وَمِنْ الْقَصْدِ حُكْمًا قَصْدُهُ بِاللَّمْسِ الِاخْتِبَارَ هَلْ يَحْصُلُ لَهُ لَذَّةٌ أَمْ لَا، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى قَصْدِهَا فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ لَا إنْ قَصَدَ لَمْسًا بِدُونِ اخْتِبَارٍ فَلَا نَقْضَ إلَّا بِوُجُودِهَا.
[قَوْلُهُ: أَوْ لِوُجُودِ اللَّذَّةِ إلَخْ] وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْوِجْدَانُ حَالَ اللَّمْسِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا نَقْضَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَاللَّذَّةِ بِالتَّفَكُّرِ.
[قَوْلُهُ: كَانَ اللَّامِسُ رَجُلًا] أَيْ بَالِغًا، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ وَلَوْ جَامَعَ زَوْجَتَهُ [قَوْلُهُ: أَوْ امْرَأَةً] أَيْ بَالِغَةً، وَالْمَلْمُوسُ لَهَا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى عَلَى مَا فِي ح. فَقَدْ قَالَ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي لَمْسِ الْمَرْأَةِ لِمِثْلِهَا وَالظَّاهِرُ النَّقْضُ اهـ.
أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ الْمَلْمُوسُ لِلْمَرْأَةِ مِمَّنْ يُلْتَذُّ بِهِ عَادَةً وَإِلَّا فَلَا.
[قَوْلُهُ: كَانَ الْمَلْمُوسُ ظُفْرًا أَوْ شَعْرًا] أَيْ الْمُتَّصِلَيْنِ، وَأَمَّا الْمُنْفَصِلَانِ فَلَا نَقْضَ وَلَوْ قَصَدَ وَوَجَدَ وَمِثْلُهُمَا فِي التَّفْضِيلِ السِّنُّ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي اللَّمْسِ هُنَا كَوْنُهُ بِعُضْوٍ أَصْلِيٍّ أَوْ زَائِدٍ لَهُ إحْسَاسٌ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الذَّكَرِ، فَمَتَى حَصَلَ اللَّمْسُ هُنَا بِعُضْوٍ وَلَوْ زَائِدًا لَا إحْسَاسَ لَهُ وَانْضَمَّ لِذَلِكَ قَصْدٌ أَوْ وِجْدَانٌ نَقَضَ، وَإِنْ كَانَ يَبْعُدُ الثَّانِي هَكَذَا ذَكَرُوا أَقُولُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَا إذَا لَمَسَ بِظُفْرِهِ ظُفْرًا أَوْ شَعْرًا فَيَنْقُضُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَأَبْقَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ] سَوَاءٌ كَانَ الثَّوْبُ خَفِيفًا أَوْ كَثِيفًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا قَالَ اللَّقَانِيُّ، وَلِذَلِكَ اسْتَظْهَرَهُ الْبِسَاطِيُّ وَقَالَ شَيْخُ الشَّارِحِ الشَّيْخُ عَلِيٌّ السَّنْهُورِيُّ: إنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ التَّقْيِيدُ بِالْخَفِيفِ الَّذِي هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ الَّذِي هُوَ عُمْدَةُ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ الْبَرْمُونِيُّ: وَالْقَائِلُ بِالْإِطْلَاقِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ عَلَى نَحْوِ الْقَبَاءِ، وَأَمَّا إذَا وُضِعَ عَلَى الْكَثِيفِ جِدًّا نَحْوَ الطَّرْحَةِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ اهـ.
وَاَلَّذِي يُفِيدُهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ خِلَافَهُ كَمَا قَالَ عج، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ: خَفِيفٌ وَكَثِيفٌ لَا جِدًّا وَكَثِيفٌ جِدًّا فَالْأَوَّلَانِ حُكْمُهُمَا وَاحِدٌ عَلَى الرَّاجِحِ عَلَى مَا عَلِمْت، وَأَمَّا الْأَخِيرُ فَالنَّقْضُ فِي الْقَصْدِ دُونَ الْوِجْدَانِ، وَكَلَامُ ابْنِ مَرْزُوقٍ هَذَا يُعْلَمُ تَرْجِيحُهُ مِنْ قَوْلِنَا وَلَا يُعْتَبَرُ فِي اللَّمْسِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ خَفِيفًا] أَيْ وَهُوَ الَّذِي يُحِسُّ اللَّامِسُ فِيهِ بِرُطُوبَةِ الْجَسَدِ بِخِلَافِ الْكَثِيفِ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ ضَمٌّ وَلَا قَبْضٌ وَإِلَّا فَالنَّقْضُ اتِّفَاقًا حَيْثُ قَصَدَ لَذَّةً، أَوْ وَجَدَهَا قَالَهُ ح [قَوْلُهُ: إذَا كَانَ اللَّامِسُ رَجُلًا] قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ اللَّامِسُ امْرَأَةً فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَلْمُوسُ مِمَّنْ يُلْتَذُّ بِهِ عَادَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُشْتَرَطُ الِالْتِذَاذُ عَادَةً.
[قَوْلُهُ: عَادَةً] أَيْ عَادَةَ النَّاسِ لِإِعَادَةِ اللَّامِسِ [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِنْ الصَّغِيرَةِ] أَيْ غَيْرِ الْمُطِيقَةِ وَمِثْلُهَا الدَّابَّةُ فَإِنَّ الْوُضُوءَ لَا يَنْتَقِضُ وَلَوْ الْتَذَّ إلَّا الِالْتِذَاذَ بِمَسِّ فَرْجِ الصَّغِيرَةِ أَوْ الدَّابَّةِ، فَالنَّقْضُ لِاخْتِلَافِ عَادَةِ النَّاسِ بِالِالْتِذَاذِ بِفَرْجِهِمَا فَإِنَّ عج وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ أَقْوَالِهِمْ أَجْسَادَ الدَّوَابِّ مِنْ اللَّذَّةِ غَيْرِ الْمُعْتَادَةِ بِغَيْرِ جَسَدِ آدَمِيَّةِ الْمَاءِ،، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَجْرِيَ فِي تَقْبِيلِ فَمِهَا مَا جَرَى فِي تَقْبِيلِ فَمِ الْإِنْسَانِ اهـ.
[قَوْلُهُ: وَكَذَا الْمَحْرَمُ] ضَعِيفٌ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ مَعَ وُجُودِ اللَّذَّةِ بَيْنَ ذَوَاتِ الْمَحْرَمِ وَغَيْرِهَا وَمَعَ الْقَصْدِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ الْفَاسِقِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْمَحْرَمِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَصْدُهَا لِلْفَاسِقِ فِي الْمَحْرَمِ نَاقِضٌ اهـ.
وَالْمُرَادُ بِالْفَاسِقِ مَنْ مِثْلُهُ يَلْتَذُّ بِمَحْرَمِهِ أَيْ ثَبَتَ فِسْقُهُ قَبْلُ لَا بِهَذَا اللَّمْسِ خِلَافًا لعج كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا [قَوْلُهُ: حَشْوٌ] يَرُدُّ مَا قَالَهُ أَبُو عُمَرَ نَاصِرُ الدِّينِ إذَا الْتَقَى الْجِسْمَانِ سُمِّيَ ذَلِكَ
مِنْ (الْقُبْلَةِ) بِضَمِّ الْقَافِ بِمَعْنَى التَّقْبِيلِ (لِلَّذَّةِ) ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى الْفَمِ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ قَصْدُ اللَّذَّةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْقُبْلَةَ عَلَى الْفَمِ تَنْقُضُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُمَا مَظِنَّةُ اللَّذَّةِ غَالِبًا مَا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ كَقُبْلَةِ صَغِيرَةٍ عَلَى قَصْدِ الرَّحْمَةِ أَوْ ذَاتِ مَحْرَمٍ عَلَى سَبِيلِ الْوَدَاعِ أَوْ الْمَوَدَّةِ، وَأَنَّ الْقُبْلَةَ عَلَى غَيْرِ الْفَمِ لَا تَنْقُضُ إلَّا بِقَصْدِ اللَّذَّةِ أَوْ وُجُودِهَا.
وَالسَّبَبُ الثَّالِثُ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَمِنْ) أَيْ وَيَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ (مَسِّ الذَّكَرِ) عَلَى الْمَشْهُورِ لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» " وَأَمَّا حَدِيثُ «هَلْ هُوَ إلَّا بَضْعَةٌ مِنْكَ» فَضَعِيفٌ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ مَسَّ الذَّكَرِ يَنْقُضُ مُطْلَقًا، أَعْنِي مَسَّ ذَكَرِ نَفْسِهِ الْمُتَّصِلِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ مَسَّهُ لَا يَنْقُضُ إلَّا إذَا مَسَّ ذَكَرَ نَفْسِهِ الْمُتَّصِلَ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا مَسُّهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا مِنْ الْكَمَرَةِ أَوْ
[حاشية العدوي]
الِالْتِقَاءُ مَسًّا، وَإِنْ كَانَ الِالْتِقَاءُ بِالْفَمِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ سُمِّيَ قُبْلَةً، وَإِذَا كَانَ بِالْجَسَدِ سُمِّيَ مُبَاشَرَةً، وَإِذَا كَانَ بِالْيَدِ سُمِّيَ لَمْسًا اهـ.
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ نَاصِرِ الدِّينِ أَنَّ الْمَسَّ أَعَمُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّمْسِ وَمِنْ الْقُبْلَةِ وَمِنْ الْمُبَاشَرَةِ قَالَهُ عج، وَأَقُولُ: وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ مُبَايِنٌ لِغَيْرِهِ، وَلِذَا قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِالْمُلَامَسَةِ بِخُصُوصِ الْيَدِ وَالْمُبَاشَرَةِ بِالْجَسَدِ اهـ.
أَيْ مَا عَدَا الْيَدَ [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى التَّقْبِيلِ] أَيْ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْقُبْلَةُ عَلَى فَمِ مَنْ يُلْتَذُّ بِهِ عَادَةً فَلَا نَقْضَ بِتَقْبِيلِ فَمِ صَغِيرَةٍ لَا يُلْتَذُّ بِهَا عَادَةً، وَلَوْ قَصَدَ وَوَجَدَ وَكَذَا لَا نَقْضَ إذَا كَانَ هُنَاكَ حَائِلٌ كَثِيفٌ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الْفَمِ] وَأَوْلَى النَّقْضُ بِالتَّقْبِيلِ عَلَى فَرْجِ مَنْ يُوطَأُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ نَصَّتْ عَلَى أَنَّ نَظَرَ الْفَرْجِ أَوْ مَسَّهُ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى قَصْدِ اللَّذَّةِ، وَأَمَّا التَّقْبِيلُ عَلَى الْخَدِّ فَيَجْرِي عَلَى الْمُلَامَسَةِ [قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ قَصْدُ اللَّذَّةِ] الْأَنْسَبُ أَنْ يَقُولَ: وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ اللَّذَّةُ وَهَذَا صَادِقٌ بِالْقَصْدِ أَوْ الْوِجْدَانِ وَأَوْلَى الْأَمْرَانِ مَعًا كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ [قَوْلُهُ: تَنْقُضُ مُطْلَقًا] قَصَدَ وَوَجَدَ أَمْ لَا، وَلَا يُشْتَرَطُ طَوْعٌ وَلَا عِلْمٌ.
فَمَنْ قُبِّلَتْ مُكْرَهَةً أَوْ غَافِلَةً فَيَنْتَقِضُ وُضُوءُهَا وَكَذَا لَوْ قُبِّلَ غَافِلًا أَوْ مُكْرَهًا.
[قَوْلُهُ: غَالِبًا] لَا حَاجَةَ لَهُ مَعَ التَّعْبِيرِ بِالْمَظِنَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَظِنَّةَ دَائِمَةٌ، وَالْغَلَبَةُ إنَّمَا هِيَ فِي الْوُجُودِ بِالْفِعْلِ فَالْأَوْلَى إسْقَاطُهُ.
[قَوْلُهُ: لِلَّذَّةِ] مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنِهِ صَارِفَةً وَاللَّامُ لِلتَّقْوِيَةِ أَيْ صَارِفَةً اللَّذَّةَ [قَوْلُهُ: كَقُبْلَةِ صَغِيرَةٍ] أَيْ صَغِيرَةٍ يُلْتَذُّ بِهَا وَكَذَا الْكَبِيرَةُ وَخَصَّ الصَّغِيرَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ شَأْنَهَا أَنْ تُرْحَمَ.
[قَوْلُهُ: أَوْ ذَاتِ مَحْرَمٍ عَلَى سَبِيلِ إلَخْ] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَالْأَجْنَبِيَّةُ كَذَلِكَ خِلَافًا لِلْبِسَاطِيِّ التَّابِعِ لَهُ الشَّارِحُ، وَمَحَلُّ عَدَمِ النَّقْضِ فِي قَصْدِ الْوَدَاعِ أَوْ الرَّحْمَةِ مَا لَمْ يَحْصُلْ الْتِذَاذٌ [قَوْلُهُ: أَوْ الْمَوَدَّةِ] أَيْ الْمَحَبَّةِ، وَهُوَ يَرْجِعُ لِلرَّحْمَةِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ عَلَى سَبِيلِ الْوَدَاعِ أَوْ الرَّحْمَةِ، وَأَفَادَ الزَّرْقَانِيُّ عَلَى خَلِيلٍ النَّقْضَ بِتَقْبِيلِ الْأَمْرَدِ أَوْ ذِي اللِّحْيَةِ الَّذِي شَأْنُهُ أَنْ يُلْتَذَّ بِهِ لَا إنْ كَانَ شَأْنُهُ عَدَمَ الِالْتِذَاذِ بِهِ فَلَا نَقْضَ.
قَالَ ح: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي لَمْسِ الْمَرْأَةِ لِمِثْلِهَا وَالظَّاهِرُ النَّقْضُ اهـ. فَيَكُونُ تَقْبِيلُهَا أَوْلَى إلَى آخِرِ كَلَامِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمَرْأَةِ الْمُقَبَّلَةِ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يُلْتَذُّ بِهَا عَادَةً.
[قَوْلُهُ: إلَّا بِقَصْدِ اللَّذَّةِ] أَيْ مَعَ قَصْدِهَا أَوْ وُجُودِهَا
[قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] أَيْ الَّذِي هُوَ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ وَاَلَّذِي رَجَعَ عَنْهُ عَدَمُ النَّقْضِ بِمَسِّهِ لِلْحَدِيثِ الْآتِي [قَوْلُهُ: «إلَّا بَضْعَةٌ مِنْك» ] بِفَتْحِ الْبَاءِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا كَمَا فِي الْقَامُوسِ، زَادَ الْعَلْقَمِيُّ وَقَدْ تُضَمُّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ طَلْقٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا تَرَى فِي رَجُلٍ مَسَّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: وَهَلْ هُوَ إلَّا بَضْعَةٌ مِنْهُ» [قَوْلُهُ: مُتَكَلَّمٌ فِيهِ] أَيْ فَقَدْ قَالُوا طَلْقٌ مِنْ الْمُرْجِئَةِ فَيَسْقُطُ حَدِيثُهُ.
[قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ إلَخْ] قَضِيَّتُهُ أَنَّ هُنَاكَ قَوْلًا مُقَابِلًا بِأَنَّهُ إذَا لَمَسَ ذَكَرَ غَيْرِهِ يَنْقُضُ كَمَسِّهِ ذَكَرَ نَفْسِهِ، وَلَمْ أَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَذَكَرَ ابْنُ نَاجِي فِي الْمَسْأَلَةِ ثَمَانِيَةَ أَقْوَالٍ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ الْقَوْلَ، ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا رَأَيْت الدَّفَرِيَّ الْمَالِكِيَّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ حَكَى عَدَمَ الْخِلَافِ فِي عَدَمِ النَّقْضِ بِمَسِّ ذَكَرِ الْغَيْرِ، أَيْ مَا لَمْ يَقْصِدْ أَوْ يَجِدْ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ [قَوْلُهُ: الْمُتَّصِلَ] اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْمُنْفَصِلِ فَلَا نَقْضَ
غَيْرِهَا الْتَذَّ أَمْ لَا، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَظَاهِرُهُ أَيْضًا مَسُّهُ بِأَيِّ عُضْوٍ كَانَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ إلَّا إذَا مَسَّهُ بِبَاطِنِ الْكَفِّ أَوْ بِبَاطِنِ الْأَصَابِعِ أَوْ بِجَانِبِهِمَا، وَلَوْ بِأُصْبُعٍ زَائِدَةٍ مُسَاوِيَةٍ لِلْأَصَابِعِ فِي التَّصَرُّفِ وَالْإِحْسَاسِ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ مَسَّ الْخُنْثَى ذَكَرَهُ يَنْقُضُ مُطْلَقًا وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ إنْ كَانَ مُشْكِلًا نَقَضَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُشْكِلٍ اُعْتُبِرَ فِي حَقِّهِ مَا حُكِمَ لَهُ بِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّهُ يَنْقُضُ إذَا مَسَّهُ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ مُطْلَقًا وَفِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ إنْ كَانَ كَثِيفًا فَلَا نَقْضَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا فَرِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا عَدَمُ النَّقْضِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَسَّ الدُّبُرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ لَا يَنْقُضُ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ
وَلَمَّا كَانَ الْخِلَافُ فِي مَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا أَقْوَى مِنْ الْخِلَافِ فِي
[حاشية العدوي]
بِمَسِّهِ، وَلَوْ الْتَذَّ بِهِ [قَوْلُهُ: الْكَمَرَةِ] الْحَشَفَةُ وَزْنًا وَمَعْنًى قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] رَاجِعٌ لِلتَّعْمِيمَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي أَوَّلُهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا يُقَابِلُ الْأَوَّلَ مَا قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ إنْ تَعَمَّدَ تَوَضَّأَ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَذَّ، وَإِنْ نَسِيَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمُقَابِلُ الثَّانِي لِابْنِ نَافِعٍ إنْ مَسَّ الْكَمَرَةَ تَوَضَّأَ وَإِلَّا فَلَا، وَمُقَابِلُ الْأَخِيرِ مَا قَالَهُ الْعِرَاقِيُّونَ: إنْ الْتَذَّ تَوَضَّأَ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَاسُّ لِذَكَرِهِ بَالِغًا فَلَا نَقْضَ بِمَسِّ صَغِيرٍ ذَكَرَهُ.
[قَوْلُهُ: بِأَيِّ عُضْوٍ] أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا تَعَمَّدَ أَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ، لَكِنْ بِشَرْطِ وُجُودِ اللَّذَّةِ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ خِلَافًا لِظَاهِرِ إطْلَاقِ شَارِحِنَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَذَّةً فَلَا نَقْضَ عِنْدَهُمْ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَ، وَمُرَادُهُ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَفَادَ هَذَا كُلَّهُ الدَّفَرِيُّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ.
[قَوْلُهُ: إلَّا إذَا مَسَّهُ بِبَاطِنِ إلَخْ] فَلَا نَقْضَ بِمَسِّ ظُفْرٍ وَحْدَهُ طَالَ أَمْ لَا [قَوْلُهُ: أَوْ بِجَانِبِهِمَا] وَدَخَلَ رَأْسُ الْأَصَابِعِ فَإِنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْجَنْبِ [قَوْلُهُ: مُسَاوِيَةٍ لِلْأَصَابِعِ] سَوَاءٌ كَانَتْ الْمُسَاوَاةُ مُحَقَّقَةً أَوْ مَشْكُوكًا فِيهَا فَالشَّكُّ فِي الْمُسَاوَاةِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْمُسَاوَاةِ الْمَذْكُورَةِ دَرَجَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَكَذَا خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ تَبَعًا لِابْنِ رُشْدٍ وَكَذَا فِي بَعْضِ شُرَّاحِهِ، وَظَهَرَ لِلشَّيْخِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي شَرْحِهِ أَنَّ الزَّائِدَ الَّذِي فِيهِ إحْسَاسٌ كَغَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ غَيْرَهُ قَائِلًا عَلَى مَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ جَزْمِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِنَقْضِ وُضُوءِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ بِمَسِّ ذَكَرِهِ إلَخْ.
وَلَمْ يَظْهَرْ لِي مَا قَالَهُ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْمُسَاوَاةِ لَكِنَّ الْمُرَادَ مُسَاوَاتُهَا لِغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ بِجَانِبِهَا مِنْ الْأَصَابِعِ لَا مُطْلَقُ الْأَصَابِعِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْقَانِيُّ عَلَى الْعِزِّيَّةِ، أَيْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ لِلْأَصَابِعِ أَيْ جِنْسِ الْأَصَابِعِ الْمُتَحَقِّقِ فِي وَاحِدٍ، وَالظَّاهِرُ أَيْضًا كَمَا قَالَهُ الزَّرْقَانِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ الزَّائِدَةُ عَلَى مَا اُعْتِيدَ مِنْ الْأَصَابِعِ فِي مَحَلِّهَا الْمَخْصُوصِ لَهَا عَادَةً، وَلَوْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ، فَإِذَا كَانَ فِي الْمَحَلِّ الْمُعْتَادِ لِلْأَصَابِعِ أَرْبَعَةٌ مَثَلًا أَوْ أَقَلُّ، وَكَانَ وَاحِدٌ بَعِيدًا مُتَمَيِّزًا عَنْهَا بِحَيْثُ يُقَالُ لَهُ: إنَّهُ زَائِدٌ فَيُعْطَى حُكْمَ الزَّائِدِ، وَنُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِحْسَاسِ فِي الْأَصَابِعِ الْأَصْلِيَّةِ قَالَ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ: وَيَنْتَقِضُ أَيْضًا بِمَسِّ ذَكَرِهِ الزَّائِدِ أَيْضًا، وَلَا يُشْتَرَطُ إحْسَاسٌ فِيهِ انْتَهَى.
وَصَرَّحَ الشَّيْخُ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْيَدَ الشَّلَّاءَ لَا نَقْضَ بِالْمَسِّ بِهَا، وَانْظُرْ مَسَّهُ بِكَفٍّ بِمَنْكِبٍ أَوْ بِيَدٍ زَائِدَةٍ هَلْ يَجْرِي فِيهِ ذَلِكَ أَوْ يَجْرِي عَلَى مَسْأَلَةِ غَسْلِهِ فِي الْوُضُوءِ فَمَا يَجِبُ غَسْلُهُ يَجْرِي الْمَسُّ بِهِ عَلَى الْمَسِّ بِالْيَدِ الْأَصْلِيَّةِ وَمَا لَا فَلَا.
[قَوْلُهُ: الْخُنْثَى] هُوَ الَّذِي لَهُ آلَةُ الرِّجَالِ وَآلَةُ النِّسَاءِ [قَوْلُهُ: مُطْلَقًا] أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُشْكِلًا أَمْ لَا، وَانْظُرْ هَلْ هُنَاكَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ مُوَافِقٌ لِذَلِكَ الظَّاهِرِ [قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي فِي الْمُخْتَصَرِ إلَخْ] أَيْ وَهُوَ الصَّوَابُ [قَوْلُهُ: اُعْتُبِرَ إلَخْ] فَإِنْ حُكِمَ لَهُ بِالذُّكُورَةِ نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا [قَوْلُهُ: فَلَا نَقْضَ قَوْلًا وَاحِدًا] فِيهِ نَظَرٌ بَلْ فِيهِ الْخِلَافُ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ نَاجِي وَاخْتُلِفَ إذَا مَسَّهُ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
ثَالِثُهَا إنْ كَانَ خَفِيفًا نَقَضَ وَإِلَّا فَلَا اهـ.
[قَوْلُهُ: فَرِوَايَتَانِ] فَرُوِيَ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ.
[قَوْلُهُ: أَشْهَرُهُمَا عَدَمُ النَّقْضِ] قَالَ بَعْضٌ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ الْخَفِيفِ مَا كَانَ وُجُودُهُ كَالْعَدَمِ [قَوْلُهُ: إنْ مَسَّ الدُّبُرَ إلَخْ] أَيْ دُبُرَ نَفْسِهِ وَكَذَا الْأُنْثَيَيْنِ، وَأَمَّا دُبُرُ الْغَيْرِ وَأُنْثَيَاهُ فَيَجْرِي عَلَى الْمُلَامَسَةِ فِي الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَخَرَّجَ حَمْدِيسٌ الدُّبُرَ عَلَى فَرْجِ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ
مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَاخْتُلِفَ فِي مَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا فِي إيجَابِ الْوُضُوءِ بِذَلِكَ) عَلَى ثَلَاثِ رِوَايَاتٍ، إحْدَاهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ ` وَصَحَّحَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ: عَدَمُ النَّقْضِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «إذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ.
ثَانِيهَا: النَّقْضُ وَاسْتَظْهَرَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ لِحَدِيثِ: «مَنْ أَفْضَى بِيَدِهِ إلَى فَرْجِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ» ؛ لِأَنَّ الْفَرْجَ لُغَةً الْعَوْرَةُ فَيَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَفَرْجِ الْمَرْأَةِ.
ثَالِثُهَا: لَا نَقْضَ إذَا مَسَّتْ ظَاهِرَهُ، وَالنَّقْضُ إنْ قَبَضَتْ عَلَيْهِ أَوْ أَلْطَفَتْ، وَالْإِلْطَافُ أَنْ تُدْخِلَ يَدَيْهَا بَيْنَ شُفْرَيْهَا وَهَذَا آخِرُ الْكَلَامِ عَلَى مَا ذَكَرَ مِمَّا يَجِبُ مِنْهُ الْوُضُوءُ
وَأَمَّا مَا يَجِبُ مِنْهُ الْغُسْلُ فَخَمْسَةٌ عَلَى مَا ذَكَرَ: الْأَوَّلُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَجِبُ الطُّهْرُ) أَيْ الْغُسْلُ (مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ خُرُوجِ الْمَاءِ) أَيْ الْمَنِيِّ (الدَّافِقِ) بِمَعْنَى الْمَدْفُوقِ أَيْ الْمَصْبُوبِ دَفْعَةً بَعْدَ دَفْعَةٍ (لِ) أَجْلِ حُصُولِ الـ (لَّذَّةِ) ، ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُعْتَادَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ سَحْنُونَ وَابْنِ شَعْبَانَ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إلَّا إذَا كَانَتْ مُعْتَادَهُ، أَمَّا إذَا خَرَجَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ أَوْ لِلَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ كَمَنْ حَكَّ لِجَرَبٍ فَأَنْزَلَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ، وَإِذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الْغُسْلِ فَهَلْ يَجِبُ الْوُضُوءُ أَوْ يُسْتَحَبُّ؟ قَوْلَانِ.
نَسَبَ بَهْرَامُ الْأَوَّلَ لِظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ هَذَا الْخَارِجَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْكُبْرَى، فَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْكُبْرَى فَلَا أَقَلَّ مِنْ الصُّغْرَى، وَخُرُوجُ الْمَنِيِّ لِلَّذَّةِ مُوجِبٌ الْغُسْلَ سَوَاءٌ حَصَلَ (فِي
[حاشية العدوي]
ضَعِيفٌ، وَقَضِيَّةُ الشَّارِحِ أَنَّ فِي مَسِّ الْأُنْثَيَيْنِ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ، وَفِي كَلَامِ بَهْرَامَ مَا يُفِيدُ أَنَّ عَدَمَ النَّقْضِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إلَّا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لِانْدِرَاجِهِمَا فِي مَعْنَى الْفَرْجِ عِنْدَهُ
[قَوْلُهُ: عَدَمُ النَّقْضِ] أَيْ مُطْلَقًا قَبَضَتْ عَلَيْهِ أَمْ لَا أَلْطَفَتْ أَمْ لَا، وَمَا عَدَا ذَلِكَ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ [قَوْلُهُ: وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ] اللَّقَبُ هُوَ الِاسْمُ الْجَامِدُ لَا الصِّفَةُ، أَيْ فَمَفْهُومُ الصِّفَةِ وَهِيَ مَا دَلَّ عَلَى ذَاتٍ وَصِفَةٍ كَالْعِلْمِ مُعْتَبَرٌ وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ لَا يُعْتَبَرُ [قَوْلُهُ: ثَالِثُهَا إلَخْ] اُخْتُلِفَ هَلْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ عَلَى ظَاهِرِهَا فَيَكُونُ خِلَافًا أَوْ الثَّالِثُ تَفْسِيرًا لِلْأَوَّلَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ النَّقْضِ مُطْلَقًا [قَوْلُهُ: إذَا مَسَّتْ ظَاهِرَهُ] أَيْ بِدُونِ قَبْضٍ [قَوْلُهُ: يَدَيْهَا] بِالتَّثْنِيَةِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالتَّحْقِيقِ وَفِي نُسْخَةٍ يَدَهَا بِالْإِفْرَادِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْمَوَّاقِ وَالتَّثْنِيَةُ أَحْسَنُ لِإِفَادَتِهَا إذَا كَانَتْ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ لَا نَقْضَ بِالْأَوْلَى، وَفِي بَهْرَامَ إصْبَعَيْهَا، وَالظَّاهِرُ كَمَا فِي الزَّرْقَانِيُّ تَعْيِينُهُ فِي الْمُقَابِلِ لِلْمُعْتَمَدِ إذْ مَا قَبْلَهُ يُوهِمُ أَنَّ إدْخَالَ أُصْبُعٍ أَوْ أُصْبُعَيْنِ لَا يَنْقُضُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ فِيمَا يَظْهَرُ
[مَا يَجِبُ مِنْهُ الْغُسْلُ]
[قَوْلُهُ: عَلَى مَا ذَكَرَ] بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ فَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ، وَبِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فَلَا حَذْفَ [قَوْلُهُ: فَخَمْسَةٌ عَلَى مَا ذَكَرَ] إشَارَةٌ لِلْمُنَاقَشَةِ فِي الِاسْتِحَاضَةِ.
[قَوْلُهُ: بِمَعْنَى الْمَدْفُوقِ] تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ.
[قَوْلُهُ: الْمَصْبُوبِ دَفْعَةً إلَخْ] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ الْمَدْفُوقِ [قَوْلُهُ: لِأَجْلِ حُصُولِ اللَّذَّةِ إلَخْ] تَعْلِيلٌ لِلْخُرُوجِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ فِيمَا سَيَأْتِي، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْ خُرُوجِهِ اللَّذَّةُ.
[قَوْلُهُ: إلَّا إذَا كَانَتْ مُعْتَادَةً إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا فِي الْيَقَظَةِ، وَأَمَّا فِي النَّوْمِ فَلَا تُشْتَرَطُ اللَّذَّةُ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهَا مُعْتَادَةً، فَمَنْ انْتَبَهَ فَوَجَدَ بَلَلًا جَزَمَ أَوْ ظَنَّ أَوْ شَكَّ أَنَّهُ مَنِيٌّ حَيْثُ كَانَ شَكُّهُ بَيْنَ الْمَنِيِّ وَبَيْنَ وَاحِدٍ فَقَطْ كَمَذْيٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، فَلَوْ دَارَ شَكُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اثْنَيْنِ غَيْرِهِ كَمَذْيٍ وَبَوْلٍ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ.
[قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا خَرَجَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ] كَأَنْ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ فَأَمْنَى أَوْ ضُرِبَ فَأَمْنَى [قَوْلُهُ: كَمَنْ حَكَّ لِجَرَبٍ إلَخْ] مِثَالٌ لِلَّذَّةِ غَيْرِ الْمُعْتَادَةِ، وَمِثْلُهُ لَوْ هَزَّتْهُ دَابَّةٌ أَوْ نَزَلَ فِي مَاءٍ حَارٍّ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا أَنْ يُحِسَّ بِمَبَادِئِ اللَّذَّةِ وَيَسْتَدِيمَهَا بِهَزِّ الدَّابَّةِ فَيُمْنِيَ فَيَجِبَ عَلَيْهِ قَالَ عج: وَهَذَا وَاضِحٌ إذَا تَمَادَى اخْتِيَارًا، وَأَمَّا إذَا اضْطَرَّ إلَى التَّمَادِي كَمَا إذَا عَجَزَ عَنْ النُّزُولِ عَنْ الدَّابَّةِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْجِمَاعِ أَوْ لَا حَرَّرَهُ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: فَهَلْ يَجِبُ الْوُضُوءُ إلَخْ] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: فَلَا أَقَلَّ مِنْ الصُّغْرَى] أَيْ فَلَا أَقَلَّ مِنْ الصُّغْرَى يُؤَثِّرُ فِيهِ أَيْ لَيْسَ هُنَاكَ أَقَلُّ مِنْ الصُّغْرَى فَيُؤَثِّرُ فِيهِ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَثَّرُ فِيهِ الصُّغْرَى [قَوْلُهُ: وَخُرُوجُ الْمَنِيِّ لِلَّذَّةِ] أَيْ الْمُعْتَادَةِ تَقَدَّمَ أَنَّ
نَوْمٍ أَوْ يَقَظَةٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَلَا يَجُوزُ سُكُونُهَا ضِدُّ النَّوْمِ (مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ) وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْ خُرُوجِهِ لِلَّذَّةِ أَنْ تَكُونَ اللَّذَّةُ مُقَارِنَةً لِلْخُرُوجِ، فَقَدْ يَجِبُ الْغُسْلُ لِخُرُوجِهِ بَعْدَ ذَهَابِ اللَّذَّةِ، مِثْلُ أَنْ يُجَامِعَ فَيَلْتَذَّ، وَلَمْ يُنْزِلْ ثُمَّ يَخْرُجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ، أَوْ يَلْتَذَّ بِغَيْرِ جِمَاعٍ ثُمَّ يَخْرُجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ بَعْدَ ذَهَابِهَا جُمْلَةً، وَلَمْ يَغْتَسِلْ عِنْدَ اللَّذَّةِ.
وَوُجُوبُ الْغُسْلِ فِي الْأُولَى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَلَوْ خَرَجَ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْغُسْلِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْغُسْلُ.
ثَانِيًا: لِأَنَّهُ قَدْ اغْتَسَلَ لِجَنَابَتِهِ وَالْجَنَابَةُ الْوَاحِدَةُ لَا يَتَكَرَّرُ الْغُسْلُ لَهَا، وَهَلْ يَجِبُ الْوُضُوءُ أَوْ يُسْتَحَبُّ؟ الْقَوْلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ.
وَالْمُوجِبُ الثَّانِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ انْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضَةِ) ع: صَوَابُهُ دَمُ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ أَعَمُّ مِنْ الْحَيْضَةِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَةَ إنَّمَا تُطْلَقُ إذَا تَقَدَّمَهَا طُهْرٌ فَاصِلٌ وَتَأَخَّرَهَا طُهْرٌ فَاصِلٌ، وَالْحَيْضُ شَرْعًا هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ بِنَفْسِهِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ الْمُمْكِنِ حَمْلُهَا عَادَةً غَيْرَ زَائِدَةٍ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَلَا وِلَادَةٍ، اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: خَرَجَ بِنَفْسِهِ مِنْ الْخَارِجِ بِجُرْحٍ وَنَحْوِهِ وَمِنْ الْفَرْجِ مِنْ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ الْفَرْجِ كَالدُّبُرِ، وَبِالْمُمْكِنِ حَمْلُهَا عَادَةً مِنْ الْخَارِجِ مِنْ الصَّغِيرَةِ كَبِنْتِ سَبْعِ سِنِينَ وَالْيَائِسَةِ كَبِنْتِ سَبْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسِينَ وَبِغَيْرِ زَائِدٍ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ
[حاشية العدوي]
النَّوْمَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ اللَّذَّةُ الْمُعْتَادَةُ [قَوْلُهُ: مِنْ خُرُوجِهِ] أَيْ مِنْ أَجْلِ خُرُوجِهِ [قَوْلُهُ: لِلَّذَّةِ] أَيْ خُرُوجِهِ لِأَجْلِ اللَّذَّةِ [قَوْلُهُ: أَنْ تَكُونَ إلَخْ] الْأَفْصَحُ أَنْ يَقُولَ: أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ مُقَارِنًا لِلَّذَّةِ [قَوْلُهُ: لِخُرُوجِهِ] أَيْ لِأَجْلِ خُرُوجِهِ.
[قَوْلُهُ: بَعْدَ ذَهَابِ اللَّذَّةِ] أَيْ الْخُرُوجِ الْكَائِنِ بَعْدَ ذَهَابِ اللَّذَّةِ [قَوْلُهُ: مِثْلُ أَنْ يُجَامِعَ فَيَلْتَذَّ إلَخْ] تَمْثِيلٌ لِلْخُرُوجِ الَّذِي أَوْجَبَ الْغُسْلَ بَعْدَ ذَهَابِ اللَّذَّةِ أَيْ الْحَاصِلَةِ بِالْجِمَاعِ هَذَا مُفَادُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الَّذِي أَوْجَبَ الْغُسْلَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الْجِمَاعُ [قَوْلُهُ: فَيَلْتَذَّ] هَذَا لَازِمٌ لِلْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَا ذَكَرَ وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ لَمْ يَلْتَذَّ [قَوْلُهُ: ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ] أَيْ وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ بَعْدَ أَنْ اغْتَسَلَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ، قُلْت: وَمِنْ ذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ الْمُوجِبَ لِلْغُسْلِ الْجِمَاعُ.
[قَوْلُهُ: وَلَمْ يَغْتَسِلْ عِنْدَ اللَّذَّةِ] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ وَلَوْ اغْتَسَلَ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْغُسْلِ إذْ لَمْ يَحْصُلْ حِينَئِذٍ مَا يُوجِبُهُ فَهُوَ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ اغْتَسَلَ إلَخْ] مُفَادُهُ أَنَّ الْخُرُوجَ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ أَصْلًا كَمَا قَرَّرْنَا.
[قَوْلُهُ: وَهَلْ يَجِبُ الْوُضُوءُ إلَخْ] الْمُعْتَمَدُ الْوُجُوبُ
[قَوْلُهُ: صَوَابُهُ دَمُ الْحَيْضِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِمَا تَقَدَّمَ لَهُ بِأَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِالْحَيْضَةِ الْحَيْضَ [قَوْلُهُ: إذَا تَقَدَّمَهَا إلَخْ] فَأَوَّلُ دَمٍ خَرَجَ مِنْهَا لَا يُقَالُ فِيهِ حَيْضَةٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِيهِ حَيْضٌ وَكَذَا آخِرُ دَمٍ [قَوْلُهُ: وَالْحَيْضُ] شَرْعًا وَأَمَّا لُغَةً فَهُوَ السَّيَلَانُ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَاضَ الْوَادِي إذَا سَالَ، وَأَلْ فِي الْحَيْضِ لِلْحَقِيقَةِ وَالطَّبِيعَةِ [قَوْلُهُ: الدَّمُ] وَمِثْلُهُ الصَّرَّةُ وَالْكُدْرَةُ وَسَيَأْتِيَانِ [قَوْلُهُ: بِجُرْحٍ] أَيْ فِي الْفَرْجِ، وَأَمَّا فِي الْجَسَدِ فَلَا يُتَوَهَّمُ [قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ] أَيْ كَالْخَارِجِ بِدَوَاءٍ قَبْلَ وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ، وَفِيهِ يَكُونُ حَيْضًا مَعَ كَرَاهَةِ ذَلِكَ كَذَا ذَكَرَ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ.
وَقَدْ سُئِلَ الْمَنُوفِيُّ عَنْ امْرَأَةٍ عَالَجَتْ دَمَ الْحَيْضِ حَتَّى أَتَاهَا هَلْ تَبْرَأُ بِهِ مِنْ الْعِدَّةِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ، وَتَوَقَّفَ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ قَالَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ: وَإِنَّمَا قَالَ الظَّاهِرُ لِاحْتِمَالِ أَنَّ اسْتِعْجَالَهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْحَيْضِ كَإِسْهَالِ الْبَطْنِ اهـ.
أَيْ لِأَنَّ إسْهَالَ الْبَطْنِ لَا يُخْرِجُ الشَّيْءَ عَنْ كَوْنِهِ خَارِجًا مُعْتَادًا، وَبَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِقَوْلِهِ: الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّمِ بَيِّنٌ فَإِنَّ الْحَدَثَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي مَفْهُومِهِ خُرُوجُهُ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ الْحَيْضِ، وَاسْتَظْهَرَ عج أَنَّهَا تَتْرُكُهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ حَيْضٌ وَتَقْضِيهِمَا لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ غَيْرَ حَيْضٍ.
[قَوْلُهُ: كَبِنْتِ سَبْعِ إلَخْ] ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّ بِنْتَ ثَمَانٍ يُحْكَمُ بِأَنَّ دَمَهَا حَيْضٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ مُنْتَهَى الصِّغَرِ تِسْعٌ، وَهَلْ أَوَّلُهَا أَوْ وَسَطُهَا أَوْ آخِرُهَا أَقْوَالٌ، فَالْمُرَاهَقَةُ وَمَا فَوْقَهَا إلَى خَمْسِينَ حَيْضٌ قَطْعًا، وَمَا دُونَهَا إلَى تِسْعٍ الْخَارِجُ حَيْضٌ حَيْثُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا أَيْ لَمْ يَقْطَعْ النِّسَاءُ بِعَدَمِهِ بِأَنْ قَطَعْنَ بِإِمْكَانِ حَمْلِهَا أَوْ شَكَكْنَ فِي كَوْنِهِ حَيْضًا، فَإِنْ قَطَعْنَ بِعَدَمِهِ فَلَيْسَ دَمَ حَيْضٍ كَبِنْتِ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ إلَى تِسْعٍ.
[قَوْلُهُ: كَبِنْتِ سَبْعِينَ] وَهَذِهِ
يَوْمًا مِمَّا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ اسْتِحَاضَةً وَبِغَيْرِ مَرَضٍ مِنْ الْخَارِجِ بِسَبَبِ مَرَضٍ غَيْرِ الِاسْتِحَاضَةِ وَبِلَا وِلَادَةٍ مِنْ دَمِ النِّفَاسِ، وَدَلِيلُ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] وَفِي الْمُوَطَّإِ «مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي.» "
وَالْمُوجِبُ الثَّالِثُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (أَوْ) دَمِ (الِاسْتِحَاضَةِ) ع: اُنْظُرْ كَيْفَ أَوْجَبَ الْغُسْلَ مِنْ انْقِطَاعِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ عَنْ مَالِكٍ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَنَحْوُهُ فِي ك.
وَقَالَ ج: اُخْتُلِفَ فِي انْقِطَاعِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، فَقِيلَ: لَا أَثَرَ لَهُ، وَقِيلَ: تَطْهُرُ مِنْهُ اسْتِحْبَابًا، وَإِلَيْهِ رَجَعَ مَالِكٌ، وَالْقَوْلَانِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَقِيلَ: إنَّهَا تَغْتَسِلُ مِنْهُ وُجُوبًا عَلَى ظَاهِرِ نَقْلِ الْبَاجِيِّ.
قَالَ مَالِكٌ: مَرَّةً تَغْتَسِلُ وَمَرَّةً لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهَا،
[حاشية العدوي]
لَا تَحْتَاجُ لِسُؤَالِ النِّسَاءِ، وَأَمَّا بِنْتُ خَمْسِينَ إلَى السَّبْعِينَ فَالْخَارِجُ مِنْهَا حَيْضٌ إنْ قَطَعَتْ النِّسَاءُ أَوْ شَكَكْنَ فِي كَوْنِهِ حَيْضًا، فَإِنْ قَطَعْنَ بِعَدَمِهِ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ لَنَا خَمْسَةَ أَحْوَالٍ دُونَ التِّسْعِ لَيْسَ بِحَيْضٍ قَطْعًا وَالتِّسْعُ إلَى الْمُرَاهَقَةِ يُسْأَلُ النِّسَاءُ وَمِنْ الْمُرَاهَقَةِ إلَى الْخَمْسِينَ حَيْضٌ قَطْعًا، وَمِنْ الْخَمْسِينَ يُسْأَلُ النِّسَاءُ وَمِنْ السَّبْعِينَ إلَى مَا فَوْقُ لَيْسَ بِحَيْضٍ قَطْعًا [قَوْلُهُ: وَقِيلَ خَمْسِينَ] ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: مِمَّا زَادَ عَلَى ذَلِكَ] وَكَذَا مَا زَادَ عَلَى عَادَتِهَا وَأَيَّامِ الِاسْتِظْهَارِ فَهَذِهِ الصُّورَةُ تَرُدُّ عَلَى التَّعْرِيفِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّ حَيْضَ الْحَامِلِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ هَذَا حَدٌّ لِلْغَالِبِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ [قَوْلُهُ: غَيْرِ الِاسْتِحَاضَةِ] لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ كَمَا ذَكَرُوا هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَيْ بَعْدَ أَيَّامِ عَادَتِهَا وَالِاسْتِظْهَارِ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ نَاشِئٌ عَنْ خَلَلٍ فِي الْبَدَنِ الَّذِي هُوَ مَرَضٌ فِيهِ، فَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ هُوَ الدَّمُ الْمَذْكُورُ النَّاشِئُ عَنْ مَرَضٍ، فَقَدْ قَالَ زَرُّوقٌ: وَالِاسْتِحَاضَةُ الدَّمُ الْجَارِي عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ عِلَّةٍ انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ أَيُّ مَرَضٍ كَانَ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ غَيْرِ الِاسْتِحَاضَةِ فَالْمُنَاسِبُ إسْقَاطُهُ وَهُوَ تَابِعٌ فِي ذَلِكَ لِلْفَاكِهَانِيِّ، وَمُوَافِقٌ لِمَا فِي التَّتَّائِيِّ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَبِلَا وِلَادَةٍ مِنْ دَمِ النِّفَاسِ] قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هُوَ زِيَادَةُ بَيَانٍ وَإِلَّا فَهُوَ خَارِجٌ بِقَوْلِهِ بِنَفْسِهِ [قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222]] قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: فَعَلَى التَّشْدِيدِ يَغْتَسِلْنَ وَأَصْلُهُ يَتَطَهَّرْنَ وَعَلَى التَّخْفِيفِ يَنْقَطِعُ دَمُهُنَّ انْتَهَى.
إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالْمُنَاسِبُ لِكَلَامِ الشَّارِحِ قِرَاءَةُ التَّشْدِيدِ [قَوْلُهُ: بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ] بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَاسْمُهُ قَيْسُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى [قَوْلُهُ: «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ» ] فَقَدْ قَالَتْ: «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت: إنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنْ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي»
[قَوْلُهُ: أَوْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ] الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ دَمٍ هُوَ الِاسْتِحَاضَةُ فَإِذَا كَانَ الْحَالُ مَا ذَكَرَ فَلَا مُوجِبَ لِتَقْدِيرِ الشَّارِحِ إلَّا مُجَارَاةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ [قَوْلُهُ: وَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ إلَخْ] سَيَأْتِي رَدُّهُ كَمَا فِي كَلَامِ ابْنِ نَاجِي [قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ فِي الْفَاكِهَانِيِّ] أَيْ نَحْوُ الْمَنْقُولِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الْفَاكِهَانِيِّ [قَوْلُهُ: فَقِيلَ لَا أَثَرَ لَهُ] أَيْ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُسْتَحَبُّ لَهَا الْغُسْلُ؛ لِأَنَّهَا طَاهِرٌ، وَلَيْسَ ثَمَّ مُوجِبٌ وَلِأَنَّهُ دَمُ عِلَّةٍ وَفَسَادٍ فَأَشْبَهَ الْخَارِجَ مِنْ الدُّبُرِ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ تَطْهُرُ مِنْهُ اسْتِحْبَابًا] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا أَشَارَ لَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: لَا بِاسْتِحَاضَةٍ وَنُدِبَ لِانْقِطَاعِهِ انْتَهَى.
[قَوْلُهُ: وَإِلَيْهِ رَجَعَ مَالِكٌ] أَيْ كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا لَا تَغْتَسِلُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَطَّابُ وَعَلَّلَ الِاسْتِحْبَابَ بِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ دَمٍ غَالِبًا [قَوْلُهُ: قَالَ مَالِكٌ] مَعْمُولٌ لِنَقْلٍ إنْ أَرَادَ بِهِ الْمَصْدَرَ وَبَدَلٌ مِنْهُ إنْ أَرَادَ بِهِ الْمَنْقُولَ يَدُلُّ عَلَى مَا قَرَّرْنَا كَلَامُ زَرُّوقٍ [قَوْلُهُ: قَالَ مَالِكٌ مَرَّةً تَغْتَسِلُ إلَخْ] فَظَاهِرُ هَذَا الْوُجُوبِ [قَوْلُهُ: وَمَرَّةً لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهَا] يَحْتَمِلُ نَفْيَ الْوُجُوبِ فَلَا يُنَافِي الِاسْتِحْبَابَ الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَيُحْتَمَلُ لَيْسَ عَلَيْهَا ذَلِكَ لَا وُجُوبًا وَلَا اسْتِحْبَابًا فَيَكُونُ عَيْنَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ [قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ذَلِكَ وَاسِعٌ إذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَى الشَّيْخِ فِي قَوْلِهِ: إنَّ الْغُسْلَ وَاجِبٌ
وَالْمُوجِبُ الرَّابِعُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ) انْقِطَاعِ دَمِ (النِّفَاسِ) بِكَسْرِ النُّونِ وَهُوَ لُغَةً وِلَادَةُ الْمَرْأَةِ لَا نَفْسُ الدَّمِ، وَشَرْعًا الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ الْفَرْجِ لِأَجْلِ الْوِلَادَةِ عَلَى جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالْعَادَةِ، فَاحْتُرِزَ بِالْخَارِجِ مِنْ الْفَرْجِ عَنْ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِأَجْلِ الْوِلَادَةِ عَنْ الْخَارِجِ لِغَيْرِهَا كَدَمِ الْحَيْضِ وَالْجُرْحِ وَبِجِهَةِ الصِّحَّةِ وَالْعَادَةِ عَنْ الْخَارِجِ فِيمَا زَادَ عَلَى مُدَّةِ النِّفَاسِ وَهُوَ سِتُّونَ يَوْمًا، وَدَلِيلُ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْهُ الْإِجْمَاعُ.
ك: دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ أَحْمَرُ رَقِيقٌ وَدَمُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ أَسْوَدُ كَدِرٌ.
وَالْمُوجِبُ الْخَامِسُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ بِمَغِيبِ الْحَشَفَةِ) وَهِيَ رَأْسُ الذَّكَرِ وَهِيَ الْكَمَرَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّيهَا الْفَيْشَةَ وَالْفَيْشَلَةَ يُرِيدُ أَنَّ تَغْيِيبَهَا كُلِّهَا أَوْ قَدْرِهَا مِنْ عَسِيبِ الْمَقْطُوعِ الْحَشَفَةُ مِنْ الْبَالِغِ بِانْتِشَارٍ أَوْ غَيْرِهِ لَفَّ
[حاشية العدوي]
ذَلِكَ وَاسِعٌ] أَيْ جَائِزٌ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ أَيْ فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا.
[قَوْلُهُ: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَى الشَّيْخِ] هَذَا آخِرُ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي أَيْ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ قَالَ قَوْلًا مَنْقُولًا فِي الْمَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ يَأْتِي الِاعْتِرَاضُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ ضَعِيفًا
[قَوْلُهُ: وَالْمُوجِبُ الرَّابِعُ إلَخْ] قَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا جَافًّا لَا غُسْلَ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلٌ وَاسْتُظْهِرَ مُقَابِلُهُ وَهُوَ وُجُوبُ الْغُسْلِ، فَالْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يُشِيرَ إلَيْهِ [قَوْلُهُ: دَمِ النِّفَاسِ الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ قَوْلُهُ: وِلَادَةُ الْمَرْأَةِ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا دَمٌ أَمْ لَا قَوْلُهُ: وَشَرْعًا الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ الْفَرْجِ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَيْهِ تَكُونُ الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ، وَلَوْ عَطَفَ النِّفَاسَ عَلَى خُرُوجِ الْمَاءِ إلَخْ، وَفَسَّرُوا النِّفَاسَ بِتَنَفُّسِ الْمَرْأَةِ بِالْوَلَدِ، ثُمَّ يُفَصِّلُونَ فِي ذَلِكَ الدَّمَ عَلَى تَقْدِيرِ خُرُوجِهِ بَيْنَ أَنْ يُلَازِمَ سِتِّينَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَكَانَ مُنَاسِبًا لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَكَانَتْ الْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِمْ دَمِ النِّفَاسِ حَقِيقَةً، وَأَفَادَ الْغُسْلَ مِنْ الْوِلَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا دَمٌ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لِأَجْلِ الْوِلَادَةِ] بَعْدَهَا اتِّفَاقًا أَوْ مَعَهَا عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ أَوْ قَبْلَهَا لِأَجْلِهَا عَلَى قَوْلٍ مَرْجُوحٍ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ حَيْضٌ قَالَ عج: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي كَوْنِهِ لِأَجْلِ الْوِلَادَةِ أَمْ لَا لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا رَأَتْ قَبْلَ الْوِلَادَةِ دَمًا وَتَمَادَى بِهَا حَتَّى زَادَ عَلَى الْحَدِّ الْمُعْتَادِ لَهَا، وَصَارَتْ مُسْتَحَاضَةً ثُمَّ وَلَدَتْ فَهَلْ يَكُونُ نِفَاسًا أَوْ اسْتِحَاضَةً؟ أَوْ نَقُولُ إنَّهَا إذَا رَأَتْ دَمًا قَبْلَ الْوِلَادَةِ لِأَجْلِ الْوِلَادَةِ، فَعَلَى الْمَرْجُوحِ تَحْسُبُ السِّتِّينَ مِنْ مَبْدَأِ خُرُوجِهِ وَعَلَى الرَّاجِحِ تَحْسُبُهَا مِنْ الْخُرُوجِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الدَّمُ دَمَ حَيْضٍ.
تَنْبِيهٌ:
الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ نَفْسُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَأَمَّا انْقِطَاعُهُمَا فَشَرْطُ صِحَّةٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْحَيْضَ سَبَبٌ بَعِيدٌ وَالِانْقِطَاعَ سَبَبٌ قَرِيبٌ.
[قَوْلُهُ: وَالْعَادَةِ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: وَدَلِيلُ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْهُ الْإِجْمَاعُ] لَمْ يَقُلْ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ لِعَدَمِ نَصٍّ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِوُجُوبِهِ [قَوْلُهُ: كَدِرٌ] أَيْ لَيْسَ لَهُ صَفَاءٌ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ، فَإِذَا كَانَ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَلَا يَدُلُّ خُرُوجُهُ عَلَى رَاحَةِ الْبَدَنِ، وَحَيْثُ كَانَ دَمُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ فَيَدُلُّ خُرُوجُهُ عَلَى رَاحَةِ الْبَدَنِ
[قَوْلُهُ: الْفَيْشَةَ] رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ مَظْنُونٍ بِهَا الصِّحَّةُ بِالضَّبْطِ بِالْقَلَمِ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَأَمَّا الْفَيْشَلَةُ فَهِيَ بِسُكُونِ الْيَاءِ كَمَا رَأَيْته بِضَبْطٍ فِي الْقَامُوسِ، وَذَكَرَ فِي كُتُبِ النَّحْوِ أَنَّ الْفَيْشَةَ الَّتِي هِيَ الْكَمَرَةُ زِيدَتْ اللَّامُ فِيهَا فَقِيلَ لَهَا الْفَيْشَلَةُ [قَوْلُهُ: يُرِيدُ أَنَّ تَغْيِيبَهَا كُلِّهَا] أَيْ فِي مَحَلِّ الِافْتِضَاضِ أَوْ فِي مَحَلِّ الْبَوْلِ، فَلَوْ غَيَّبَهَا بَيْنَ الشُّفْرَيْنِ أَوْ فِي هَوَاءِ الْفَرْجِ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ لِعَدَمِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ.
وَقَالَ: كُلُّهَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ تَغْيِيبَ بَعْضِهَا وَلَوْ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَغْوٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّغْيِيبُ مِنْ ذَكَرٍ مُحَقَّقٍ أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِتَغْيِيبِ حَشَفَتِهِ قِيَاسًا عَلَى مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ [قَوْلُهُ: مِنْ عَسِيبِ] الْمَقْطُوعِ الْعَسِيبُ مَا عَدَا الْحَشَفَةَ مِنْ قَصَبَةِ الذَّكَرِ وَيُعْتَبَرُ قَدْرُ
عَلَيْهَا خِرْقَةً أَمْ لَا (فِي الْفَرْجِ) سَوَاءٌ كَانَ فَرْجَ آدَمِيَّةٍ أَوْ بَهِيمَةٍ حَيَّةٍ أَوْ مَيِّتَةٍ أَوْ فِي الدُّبُرِ مِنْ الذَّكَرِ وَغَيْرِهِ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ (إنْ لَمْ يُنْزِلْ) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَمُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» ". وَهَذَا الْحَدِيثُ نَاسِخٌ لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أُعْجِلْت أَوْ أُقْحِطَتْ فَلَا غُسْلَ» ".
وَلِمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» ثُمَّ اسْتَطْرَدَ ذِكْرَ أَشْيَاءَ يُوجِبُهَا مَغِيبُ الْحَشَفَةِ فَقَالَ: (وَمَغِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ) يُوجِبُ نَحْوَ سِتِّينَ حُكْمًا ذَكَرَ الشَّيْخُ مِنْهَا سَبْعَةً.
أَحَدُهَا: مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنَّهُ (يُوجِبُ الْغُسْلَ) أَعَادَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ
[حاشية العدوي]
حَشَفَةِ مَنْ قُطِعَتْ حَشَفَتُهُ إنْ عُرِفَتْ، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ اُحْتِيطَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَاعَى حَشَفَةُ مُمَاثِلِهِ خِلْقَةً كَمَا قَالَ عج: أَقُولُ وَيَجْرِي هَذَا الِاسْتِظْهَارُ فِيمَنْ لَمْ تُخْلَقْ لَهُ حَشَفَةٌ إذْ لَا مَفْهُومَ لِعَسِيبٍ إلَخْ.
بَلْ مِثْلُهُ مَنْ لَمْ تُخْلَقْ لَهُ حَشَفَةٌ أَوْ خُلِقَتْ لَهُ وَلَمْ تُقْطَعْ وَثَنَى ذَكَرَهُ وَأَدْخَلَ مِنْهُ قَدْرَهَا، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضٌ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ طُولُهَا لَوْ انْفَرَدَ لَا طُولُهَا مَثْنِيًّا، فَلَوْ تَعَدَّدَتْ الْحَشَفَةُ فِي ذَكَرٍ وَاحِدٍ فَالظَّاهِرُ الْوُجُوبُ احْتِيَاطًا.
[قَوْلُهُ: مِنْ الْبَالِغِ] لَا مِنْ الصَّبِيِّ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى مَوْطُوءَتِهِ الْبَالِغَةِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ وَلَوْ مُرَاهِقًا عَلَى مَا قَالَهُ عج، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يُنْدَبُ لَهَا، وَكَذَا لَا وُجُوبَ عَلَيْهِ، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْغُسْلُ فَقَطْ حَيْثُ بَلَغَ سِنَّ مَنْ يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ، وَأَوْلَى الْمُرَاهِقُ حَيْثُ وَطِئَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُطِيقَةً أَوْ كَبِيرَةً أَوْ وَطِئَهُ غَيْرُهُ، وَيُنْدَبُ لِلصَّغِيرَةِ الَّتِي وَطِئَهَا الْبَالِغُ حَيْثُ كَانَتْ تُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ، وَاشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ مِنْ الْفَاعِلِ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الْمَرْأَةِ خَاصٌّ بِالْآدَمِيِّ، فَمَنْ أَدْخَلَتْ ذَكَرَ بَهِيمَةٍ غَيْرِ بَالِغَةٍ فِي فَرْجِهَا وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ حَيْثُ كَانَتْ الْمَرْأَةُ بَالِغَةً وَإِنْ لَمْ تُنْزِلْ.
[قَوْلُهُ: لَفَّ عَلَيْهَا خِرْقَةً] أَيْ خَفِيفَةً لَا كَثِيفَةً فَلَا يَجِبُ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ إنْزَالٌ فَيَجِبُ الْغُسْلُ لَهُ، وَالْخَفِيفَةُ مَا يَحْصُلُ مَعَهَا اللَّذَّةُ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ [قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ فَرْجَ آدَمِيَّةٍ] وَلَوْ فَرْجَ خُنْثَى مُشْكِلٍ.
[قَوْلُهُ: حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً] أَيْ كَانَتْ الْآدَمِيَّةُ أَوْ الْبَهِيمَةُ حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً بِشَرْطِ الطَّاقَةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ إنْزَالٌ وَلَا يُعَادُ غُسْلُ الْمَيِّتَةِ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ، فَإِنْ قُلْت هُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ حِينَ غُسِّلَ أَوْ لَا؟
قُلْنَا: إنَّهُ تَعَبُّدٌ، وَلَوْ غَيَّبَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ آدَمِيٍّ مَيِّتٍ أَوْ ذَكَرَ بَهِيمَةٍ مَيِّتَةٍ فَإِنْ أَنْزَلَتْ وَجَبَ الْغُسْلُ لِلْإِنْزَالِ لَا لِلتَّغْيِيبِ، فَإِنْ لَمْ تُنْزِلْ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ يُنْقَضُ وُضُوءُهَا اُنْظُرْ عج.
وَتُعْتَبَرُ الطَّاقَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُغَيِّبِ وَالْمُغَيَّبِ فِيهِ فَرُبَّ مُطِيقَةٍ أَوْ مُطِيقٍ حَشَفَةَ شَخْصٍ لِصِغَرِهَا دُونَ حَشَفَةِ آخَرَ لِكِبَرِهَا.
[قَوْلُهُ: أَوْ فِي الدُّبُرِ] أَيْ بِشَرْطِ الطَّاقَةِ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَفْعُولِ فِي دُبُرِهِ حَيْثُ كَانَ بَالِغًا لِحَمْلِهِ عَلَى الْفَاعِلِ فِي الْحَدِّ وَالْغُسْلُ أَحْرَى.
قَالَ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ: وَظَاهِرُ قَوْلِ خَلِيلٍ فِي فَرْجٍ شُمُولُهُ لِفَرْجِ نَفْسِهِ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَنَظَرَ فِي الثُّقْبَةِ فَقَالَ: وَانْظُرْ فِي حُكْمِ إغَابَتِهَا فِي الثُّقْبَةِ حُكْمُ إغَابَتِهَا فِي الْفَرْجِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ لَا [قَوْلُهُ: وَغَيْرِهِ] أَيْ الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ [قَوْلُهُ: إذَا «جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ» ] الْمُرَادُ نَوَاحِي الْفَرْجِ الْأَرْبَعُ، وَقِيلَ الْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ، وَقِيلَ: الرِّجْلَانِ وَالْفَخِذَانِ، وَقِيلَ: الرِّجْلَانِ وَالشُّفْرَانِ [قَوْلُهُ: ثُمَّ جَهَدَهَا] بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْهَاءِ إذَا بَلَغَ جُهْدَهُ كِنَايَةً عَنْ مُعَالَجَةِ الْإِيلَاجِ أَيْ جَامَعَهَا، وَإِنَّمَا كَنَّى بِذَلِكَ لِلتَّنَزُّهِ عَمَّا يَفْحُشُ ذِكْرُهُ صَرِيحًا.
[قَوْلُهُ: إذَا أُعْجِلْت أَوْ أُقْحِطَتْ] بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِمَا أَيْ إذَا أَعْجَلَك شَيْءٌ عَنْ الْإِنْزَالِ فَلَمْ تُنْزِلْ، وَمَعْنَى الثَّانِي إذَا فَتَرَ الْمَنِيُّ، وَلَمْ يَنْزِلْ مِنْ أَقْحَطْ النَّاسِ إذَا لَمْ يُمْطِرُوا كَمَا فِي النِّهَايَةِ [قَوْلُهُ: وَلِمَا رُوِيَ] أَيْ وَنَاسِخٌ لِمَا رُوِيَ إلَخْ [قَوْلُهُ: «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» ] أَيْ إنَّمَا الْغُسْلُ بِالْمَاءِ مِنْ أَجْلِ الْمَاءِ، أَيْ فَمُفَادُهُ أَنَّهُ إذَا جَامَعَ وَلَمْ يُنْزِلْ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ الصَّوَابَ حَمْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى النَّوْمِ كَمَا حَمَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ النَّسْخِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي الْمَاءَيْنِ فَهُوَ مُطْلَقٌ فِي الْحَالَيْنِ النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ، فَحَمْلُهُ عَلَى النَّوْمِ تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ النَّسْخِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ.
[قَوْلُهُ: أَعَادَهُ لِيُرَتِّبَ إلَخْ] الْأَوْلَى أَعَادَهُ لِجَمْعِ النَّظَائِرِ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى
مَا بَعْدَهُ.
(وَ) ثَانِيهَا: أَنَّهُ (يُوجِبُ الْحَدَّ) أَيْ حَدَّ الزِّنَا، عَلَى الزَّانِي وَحَدَّ اللِّوَاطِ عَلَى اللَّائِطِ بِشَرْطِهِ الْمَذْكُورِ فِي بَابِهِ.
(وَ) ثَالِثُهَا: أَنَّهُ (يُوجِبُ الصَّدَاقَ) بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ.
ج: يُرِيدُ كَمَالَ الصَّدَاقِ، وَإِلَّا فَالنِّصْفُ حَاصِلٌ بِالْعَقْدِ، وَهَذَا إذَا كَانَا بَالِغَيْنِ أَوْ كَانَ الزَّوْجُ بَالِغًا وَالْمَرْأَةُ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا (وَ) رَابِعُهَا: أَنَّهُ (يُحَصِّنُ الزَّوْجَيْنِ) وَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ بِشُرُوطٍ تُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَ)
خَامِسُهَا: أَنَّهُ (يُحِلُّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا لِلَّذِي طَلَّقَهَا) وَهُوَ حُرٌّ، وَأَمَّا مُطَلَّقَةُ الْعَبْدِ فَيُحِلُّهَا إذَا طَلَّقَهَا ثِنْتَيْنِ، وَلِذَلِكَ شُرُوطٌ تُذْكَرُ فِي مَحَلِّهَا (وَ)
سَادِسُهَا: أَنَّهُ (يُفْسِدُ الْحَجَّ) فَرْضًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا عَمْدًا كَانَ أَوْ نِسْيَانًا إذَا وَقَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَيَتَمَادَى عَلَى حَجِّهِ وَيَقْضِيهِ مِنْ قَابِلٍ وَيُهْدِي.
(وَ) سَابِعُهَا: أَنَّهُ (يُفْسِدُ الصَّوْمَ) فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا عَمْدًا كَانَ أَوْ نِسْيَانًا وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ فِي الْفَرْضِ إنْ تَعَمَّدَ، وَإِلَّا فَالْقَضَاءُ فَقَطْ كَمُتَعَمِّدٍ ذَلِكَ فِي النَّفْلِ
وَلَمَّا ذَكَرَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ انْقِطَاعَ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ انْتَقَلَ يُبَيِّنُ مَا يُعْلَمُ بِهِ انْقِطَاعُهُ فَقَالَ: (إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تَطَهَّرَتْ وَكَذَلِكَ إذَا رَأَتْ الْجُفُوفَ
[حاشية العدوي]
ذِكْرِهِ [قَوْلُهُ: يُوجِبُ الْحَدَّ] أَيْ حَدَّ الزِّنَا عَلَى الزَّانِي إلَخْ.
أَيْ الطَّائِعِ اتِّفَاقًا وَالْمُكْرَهِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ، يُرِيدُ وَلَوْ لَمْ يَنْتَشِرْ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ، هَذَا إنْ لَمْ يَلُفَّ عَلَى حَشَفَتِهِ خِرْقَةً كَثِيفَةً، وَإِلَّا فَلَا قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْغُسْلِ بَلْ أَوْلَى، وَأَمَّا بِحَائِلٍ خَفِيفٍ فَهَلْ يُقَالُ لَا حَدَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالْمُشَبَّهَاتِ.
[قَوْلُهُ: وَحَدَّ اللِّوَاطِ إلَخْ] هُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي دُبُرِ الذَّكَرِ وَحَدُّهُ الرَّجْمُ مُطْلَقًا حَيْثُ كَانَ بَالِغًا، وَأَمَّا فِي دُبُرِ أُنْثَى غَيْرِ زَوْجَتِهِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الزِّنَا فَيُجْلَدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْصَنًا فَيُرْجَمَ، وَأَمَّا فِي دُبُرِ زَوْجَتِهِ فَيُؤَدَّبَ.
[قَوْلُهُ: بِشَرْطِهِ إلَخْ] أَيْ وَهُوَ الْبُلُوغُ وَالطَّوْعُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ كَمَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى الزَّانِي وَعَلَى اللَّائِطِ يُوجِبُهُ عَلَى الْمَزْنِيِّ بِهَا وَعَلَى الْمَلُوطِ فِيهِ [قَوْلُهُ: وَوَجَبَ الصَّدَاقُ] وَلَوْ بِغَيْرِ انْتِشَارٍ وَلَوْ فِي دُبُرِهَا أَوْ زَمَنِ حَيْضِهَا، وَكَمَا يُوجِبُ الصَّدَاقَ عَلَى الزَّوْجِ يُوجِبُهُ عَلَى الْوَاطِئِ الْغَالِطِ بِغَيْرِ الْعَالِمَةِ، وَكَذَا عَلَى الْمُتَعَمِّدِ لِوَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ حَيْثُ لَا عِلْمَ عِنْدَهَا أَوْ أَكْرَهَهَا وَيَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ بِتَعَدُّدِ الْوَطَآتِ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ.
وَفِي الْأُولَى إذَا تَعَدَّدَتْ الشُّبْهَةُ كَمَا إذَا ظَنَّهَا فِي الْأُولَى زَوْجَتَهُ وَفِي الثَّانِيَةِ أَمَتَهُ، وَأَمَّا إذَا اتَّحَدَتْ فَعَلَيْهِ مَهْرٌ وَاحِدٌ كَمَا إذَا وَطِئَهَا أَوَّلًا يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ فَاطِمَةَ وَثَانِيًا زَوْجَتَهُ زَيْنَبَ وَهَكَذَا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا كَانَ بِالتَّزْوِيجِ نَوْعٌ، وَمَا كَانَ بِالْمِلْكِ نَوْعٌ آخَرُ، وَأَمَّا لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً طَائِعَةً عَالِمَةً فَلَا صَدَاقَ لَهَا.
[قَوْلُهُ: وَهَذَا إذْ كَانَا بَالِغَيْنِ إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ نَقْلًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ: وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ بَالِغًا وَالْمَوْطُوءَةُ غَيْرَ بَالِغَةٍ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا فَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَرَجٌ، وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ غَيْرَ بَالِغٍ فَلَا صَدَاقَ لَهَا كَامِلًا، وَإِنَّمَا لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ خَاصَّةً اهـ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ] غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الِانْتِشَارِ [قَوْلُهُ: بِشُرُوطٍ] أَنْ يَكُونَا حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَاقِلَيْنِ بَالِغَيْنِ إنْ صَحَّ نِكَاحُهُمَا اللَّازِمُ كَمَا سَيَأْتِي [قَوْلُهُ: وَيُحِلُّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا] أَيْ بِشَرْطِ الِانْتِشَارِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الِانْتِشَارُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَأَمَّا تَحْصِينُ الزَّوْجَيْنِ وَحِلُّ الْمُطَلَّقَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الِانْتِشَارِ.
قَالَ عج: وَانْظُرْ هَلْ يَحْصُلُ تَحْصِينُ الزَّوْجَيْنِ وَحِلُّ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا بِتَغْيِيبِهَا مَلْفُوفًا عَلَيْهِ حَائِلٌ كَثِيفٌ أَوْ لَا يَحْصُلُ بِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَانْظُرْ هَلْ الْحَائِلُ الْخَفِيفُ كَالْكَشْفِ أَوْ يُقَالُ: إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي تَكْمِيلِ الصَّدَاقِ وَنَحْوِهِ اهـ.
الْمُرَادُ مِنْهُ [قَوْلُهُ: فِي يَوْمِ النَّحْرِ] أَيْ أَوْ قَبْلَهُ بِأَنْ وَقَعَ لَيْلَةَ مُزْدَلِفَةَ [قَوْلُهُ: وَيُفْسِدُ الصَّوْمَ] أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: فِي الْفَرْضِ] هَذَا مَخْصُوصٌ بِرَمَضَانَ الْحَاضِرِ، وَأَمَّا قَضَاؤُهُ فَلَيْسَ فِيهِ كَفَّارَةٌ فِي الْعَمْدِ إنَّمَا فِيهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ [قَوْلُهُ: كَمُتَعَمِّدٍ إلَخْ] أَيْ مُتَعَمِّدِ الْجِمَاعِ فِي النَّفْلِ فَيَجِبُ قَضَاؤُهُ لَا إنْ كَانَ نَاسِيًا فَلَا
[قَوْله: انْتَقَلَ يُبَيِّنُ مَا يُعْلَمُ بِهِ انْقِطَاعُهُ إلَخْ] ظَاهِرُهُ انْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ مَعَ أَنَّ مَا سَيَأْتِي إنَّمَا ذَكَرُوهُ عَلَامَةً لِانْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ كَمَا هُوَ بَيِّنٌ وَعِبَارَةُ تت سَالِمَةٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَلَمَّا قَدَّمَ وُجُوبَ
تَطَهَّرَتْ) عِيَاضٌ الْقَصَّةُ بِفَتْحِ الْقَافِ مَاءٌ أَبْيَضُ يَكُونُ آخِرَ الْحَيْضِ، وَبِهِ تَسْتَبِينُ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ، وَسُمِّيَتْ قَصَّةً لِشَبَهِهَا بِالْقَصَّةِ، وَهُوَ الْجِيرُ لِبَيَاضِهَا، وَالْجُفُوفُ وَالْجَفَافُ بِفَتْحِ الْجِيمِ مَصْدَرَانِ مِنْ جَفَّ الشَّيْءُ يَجِفُّ جُفُوفًا وَجَفَافًا وَهُوَ أَنْ تُدْخِلَ الْمَرْأَةُ الْخِرْقَةَ أَوْ الْقُطْنَةَ فِي فَرْجِهَا فَتُخْرِجَهَا جَافَّةً لَا بَلَلَ عَلَيْهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَهُوَ قَوْلُ الدَّاوُدِيِّ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْقَصَّةُ أَبْلَغُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: الْجُفُوفُ أَبْلَغُ وَثَمَرَةُ هَذَا الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي الْمُعْتَادَةِ لِإِحْدَى الْعَلَامَتَيْنِ، فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْقَصَّةُ أَبْلَغُ إذَا رَأَتْ مُعْتَادَةُ الْقَصَّةِ الْجُفُوفَ أَوَّلًا تَنْتَظِرُ الْقَصَّةَ مَا لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ، وَإِذَا رَأَتْ الْقَصَّةَ أَوَّلًا تَنْتَظِرُ الْجُفُوفَ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ إذَا رَأَتْ مُعْتَادَةُ الْقَصَّةِ الْجُفُوفَ أَوَّلًا تَنْتَظِرُ الْقَصَّةَ، وَإِذَا رَأَتْ الْقَصَّةَ أَوَّلًا تَنْتَظِرُ الْجُفُوفَ مَا لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ، وَعَلَى قَوْلِ الدَّاوُدِيِّ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ: إذَا رَأَتْ إحْدَى الْعَلَامَتَيْنِ عَمِلْت عَلَيْهَا وَلَا تَنْتَظِرُ الْأُخْرَى، وَاخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ فَنَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تَطْهُرُ إلَّا بِالْجُفُوفِ، وَنَقَلَ الْمَازِرِيُّ عَنْهُ أَنَّهَا إذَا رَأَتْ الْجُفُوفَ طَهُرَتْ، وَلَمْ يَقُلْ إذَا رَأَتْ الْقَصَّةَ تَنْتَظِرُ الْجُفُوفَ قَلِيلًا خَلِيلٌ: وَمَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ وَاضِحٌ إنْ كَانَتْ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ كَمَا ذَكَرْنَا أَنَّهَا رَأَتْ الْجُفُوفَ وَلَمْ تَرَ الْقَصَّةَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَهُ الْبَاجِيُّ أَنَّهَا رَأَتْ الْقَصَّةَ تَنْتَظِرُ الْجُفُوفَ فَإِيرَادُ الْبَاجِيِّ صَحِيحٌ، وَهُوَ أَنَّ
[حاشية العدوي]
الْغُسْلِ بِانْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ شَرَعَ فِي بَيَانِ عَلَامَةِ انْقِطَاعِهِ، فَقَالَ إلَخْ وَيَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ عِيَاضٍ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
[قَوْلُهُ: تَسْتَبِينُ إلَخْ] أَيْ تَظْهَرُ [قَوْلُهُ: بَرَاءَةُ الرَّحِمِ] أَيْ مِنْ الْحَيْضِ [قَوْلُهُ: وَسُمِّيَتْ قَصَّةً] الْأَوْضَحُ وَسُمِّيَ أَيْ الْمَاءُ الْمَذْكُورُ قَصَّةً لِشَبَهِهِ إلَخْ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْجِيرُ] أَيْ أَنَّ الْقَصَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ الْجِيرِ، فَحَاصِلُهُ كَمَا يُفِيدُهُ الْمِصْبَاحُ أَنَّ الْقَصَّةَ حَقِيقَةٌ فِي الْجِيرِ، وَأُطْلِقَتْ مَجَازًا عَلَى الْمَاءِ الْمَذْكُورِ، وَالْعَلَاقَةُ الْمُشَابَهَةُ هَذَا بِحَسَبِ الْأَصْلِ، وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ صَارَتْ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً فِي الْمَاءِ الْمَذْكُورِ.
[قَوْلُهُ: مِنْ جَفَّ إلَخْ] مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَفِي لُغَةِ بَنِي أَسَدٍ مِنْ بَابِ تَعِبَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
[قَوْلُهُ: لَا بَلَلَ عَلَيْهَا] أَيْ مِنْ الدَّمِ فَخُرُوجُهَا مُبْتَلَّةً مِنْ رُطُوبَةِ الْفَرْجِ لَا يَضُرُّ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ قَوْلُ الدَّاوُدِيِّ] هُوَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُدِيُّ الْأَسَدِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ بِالْمَغْرِبِ بِطَرَابُلُسَ الْمَغْرِبِ تُوُفِّيَ بِتِلِمْسَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.
[قَوْلُهُ: الْقَصَّةُ أَبْلَغُ] أَيْ أَقْطَعُ لِلشَّكِّ وَأَحْصَلُ لِلْيَقِينِ فِي الطُّهْرِ مِنْ الْجُفُوفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ بَعْدَهَا دَمٌ، وَالْجُفُوفُ قَدْ يُوجَدُ بَعْدَهُ، وَأَبْلَغِيَّةُ الْقَصَّةِ لَا تَتَقَيَّدُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِمُعْتَادَتِهَا فَقَطْ بَلْ هِيَ أَبْلَغُ لِمُعْتَادَتِهَا وَلِمُعْتَادَةِ الْجُفُوفِ وَلِمُعْتَادَتِهِمْ امَعًا.
[قَوْلُهُ: إذَا رَأَتْ مُعْتَادَةُ الْقَصَّةِ الْجُفُوفَ] وَكَذَلِكَ مُعْتَادَتُهُمَا [قَوْلُهُ: تَنْتَظِرُ الْقَصَّةَ] أَيْ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ [قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ] أَيْ الْمُخْتَارُ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَنْتَظِرُ مَا لَمْ تَخَفْ خُرُوجَ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ فَتَتَلَخَّصُ أَنَّهَا تُوقِعُهَا فِي بَقِيَّةٍ مِنْهُ بِحَيْثُ يُطَابِقُ فَرَاغُهَا آخَرَ، وَأَمَّا مُعْتَادَةُ الْجُفُوفِ فَقَطْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا رَأَتْهُ أَوَّلًا طَهُرَتْ وَلَا تَنْتَظِرُ الْقَصَّةَ، وَإِذَا رَأَتْ الْقَصَّةَ أَوَّلًا لَا تَنْتَظِرُهُ فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَإِذَا رَأَتْ الْقَصَّةَ أَوَّلًا لَا تَنْتَظِرُ الْجُفُوفَ أَيْ مُطْلَقًا اعْتَادَتْهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا.
[قَوْلُهُ: إذَا رَأَتْ مُعْتَادَةُ الْقَصَّةِ الْجُفُوفَ أَوَّلًا.
. . إلَخْ] وَأَوْلَى مُعْتَادَتُهُمَا مَعًا أَوْ مُعْتَادَةُ الْجُفُوفِ [قَوْلُهُ: وَإِذَا رَأَتْ الْقَصَّةَ أَوَّلًا] وَأَوْلَى فِي الِانْتِظَارِ إذَا اعْتَادَتْهُمَا أَوْ الْجُفُوفَ فَقَطْ وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
[قَوْلُهُ: وَنَقَلَ الْمَازِرِيُّ عَنْهُ إلَخْ] مُحَصَّلُ نَقْلِ الْمَازِرِيِّ أَنَّهَا إذَا رَأَتْ الْجُفُوفَ أَوْ الْقَصَّةَ طَهُرَتْ كَمَا فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ [قَوْلُهُ: قَلِيلًا] الْمُرَادُ بِهِ زَمَنٌ سَابِقٌ عَلَى آخِرِ الْوَقْتِ الَّذِي تُوقِعُ الصَّلَاةَ فِيهِ.
[قَوْلُهُ: وَاضِحٌ وَإِنْ كَانَتْ إلَخْ] أَيْ فَإِذَا كَانَتْ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ هَكَذَا فَيُفِيدُ أَنَّهَا إذَا رَأَتْ الْقَصَّةَ أَوَّلًا لَا تَنْتَظِرُ الْجُفُوفَ، أَيْ وَأَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ هَكَذَا بِأَنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهَا لَا تَطْهُرُ إلَّا بِالْجُفُوفِ، وَلَوْ رَأَتْ الْقَصَّةَ أَوَّلًا فَلَيْسَ بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي إيرَادُ الْبَاجِيِّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعَلَّامَةَ خَلِيلًا لَمْ يَجْزِمْ بِمُرَادِ الْمَازِرِيِّ وَقَدْ عَلِمْت مُرَادَهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ شُرَّاحِ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: أَنَّهَا رَأَتْ الْجُفُوفَ وَلَمْ تَرَ الْقَصَّةَ] أَيْ فَتَطْهُرُ بِرُؤْيَتِهَا الْجُفُوفَ أَوَّلًا، فَإِنْ قُلْت
ابْنَ الْقَاسِمِ مَالَ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (مَكَانَهَا) أَنَّهَا إذَا رَأَتْ إحْدَى الْعَلَامَتَيْنِ يُحْكَمُ لَهَا سَاعَتَئِذٍ بِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ فَلَا تَنْتَظِرُ الْعَلَامَةَ الثَّانِيَةَ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ بِقَوْلِهِ: (رَأَتْهُ) أَيْ الطُّهْرَ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ تَطَهَّرَتْ (بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ) بَعْدَ (يَوْمَيْنِ أَوْ) بَعْدَ (سَاعَةٍ ثُمَّ إنْ عَاوَدَهَا) بَعْدَ أَنْ رَأَتْ الطُّهْرَ (دَمٌ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ دَفْعَةً (أَوْ رَأَتْ صُفْرَةً) بِضَمِّ الصَّادِ شَيْءٌ كَالصَّدِيدِ تَعْلُوهُ صُفْرَةٌ، وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَلْوَانِ الدِّمَاءِ الْقَوِيَّةِ وَالضَّعِيفَةِ (أَوْ) رَأَتْ (كُدْرَةً) بِضَمِّ الْكَافِّ شَيْءٌ كَدِرٌ لَيْسَ عَلَى أَلْوَانِ الدِّمَاءِ (تَرَكَتْ الصَّلَاةَ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حَيْضٌ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ
[حاشية العدوي]
إنَّ طَرِيقَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْقَصَّةَ أَبْلَغُ فَقَضِيَّتُهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَنْتَظِرُهَا إذَا رَأَتْ الْجُفُوفَ أَوَّلًا قُلْت: هِيَ لَمْ يَتَقَرَّرْ لَهَا عَادَةٌ إذْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَادَتُهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ الْجُفُوفَ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: فَإِيرَادُ الْبَاجِيِّ صَحِيحٌ إلَخْ] ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى كَوْنِ الْقَصَّةِ أَبْلَغَ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُهُ أَنَّهَا تَطْهُرُ بِهَا وَلَا تَنْتَظِرُ الْجُفُوفَ، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ مَذْهَبِهِ إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْجُفُوفَ أَبْلَغُ الَّذِي هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَأَمَّا عَلَى كَلَامِ الْمَازِرِيِّ الْقَائِلِ بِأَنَّهَا إذَا رَأَتْ الْجُفُوفَ طَهُرَتْ وَلَا تَنْتَظِرُ الْقَصَّةَ مَعَ كَوْنِهَا أَبْلَغَ أَنَّ الْمُبْتَدِئَةَ لَمْ يَتَقَرَّرْ لَهَا عَادَةٌ لِجَوَازِ أَلَّا يَكُونَ لَهَا قَصَّةٌ فَلَا تَتْرُكُ الْمُحَقِّقَ لِلشُّكُوكِ وَالْمُعْتَمَدُ، نَقْلُ الْمَازِرِيِّ وَالْبَاجِيِّ هُوَ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ خَلَفٍ الْبَاجِيُّ مَاتَ بِجُدَّةِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ بَاجَةَ بِالْأَنْدَلُسِ.
[قَوْلُهُ: أَنَّهَا إذَا رَأَتْ إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ مَكَانَهَا رَاجِعٌ لِلطَّرَفَيْنِ أَعْنِي رُؤْيَةَ الْقَصَّةِ وَرُؤْيَةَ الْجُفُوفِ، فَهُوَ مَحْذُوفٌ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي أَوْ مِنْ الثَّانِي لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِالْأُولَى فَتَدَبَّرْ، ثُمَّ أَقُولُ هَذَا الْحِلُّ يَتَمَشَّى عَلَى قَوْلِ الدَّاوُدِيِّ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ وَيُمْكِنُ تَمْشِيَتُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَنْ يُقَالَ: إذَا رَأَتْ الْجُفُوفَ طَهَّرَتْ مَكَانَهَا أَيْ إذَا اعْتَادَتْهُ فَقَطْ كَمَا إذَا اعْتَادَتْهُمَا أَوْ الْقَصَّةَ فَقَطْ، وَضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ بِحَيْثُ تَخَافُ خُرُوجَ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ أَوْ طَلَبَ زَوْجُهَا مُوَاقَعَتَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
[قَوْلُهُ: سَاعَتَئِذٍ] أَيْ إذَا رَأَتْ إحْدَى الْعَلَامَتَيْنِ وَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ أَيْ سَاعَةَ هِيَ وَقْتُ الرُّؤْيَةِ
[قَوْلُهُ: لَا حَدَّ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ] أَيْ بِاعْتِبَارِ الزَّمَنِ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ الْمِقْدَارِ فَلَهُ أَقَلُّ وَهُوَ الدُّفْعَةُ، وَأَمَّا أَكْثَرُهُ فَيَنْعَكِسُ فَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ بِاعْتِبَارِ الْمِقْدَارِ، وَلَهُ حَدٌّ بِاعْتِبَارِ الزَّمَنِ وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
[قَوْلُهُ: أَيْ الطُّهْرَ إلَخْ] فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى مُتَقَدِّمٍ مَعْنًى عَلَى حَدِّ ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8] [قَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَ سَاعَةٍ] يُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ السَّاعَةُ الْفَلَكِيَّةُ فَتَكُونُ أَوْ مَانِعَةَ جَمْعٍ، تُجَوِّزُ الْخُلُوَّ فِي نِصْفِ السَّاعَةِ مَثَلًا، وَعَلَيْهِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: يَوْمَيْنِ أَوْ يَوْمٍ أَوْ سَاعَةٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ عَدَمُ الطُّهْرِ مَعَ قِلَّةِ الزَّمَنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ السَّاعَةَ الزَّمَانِيَّةَ، وَعَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ دُفْعَةً] بِضَمِّ الدَّالِ الدُّفْقَةُ وَبِفَتْحِ الدَّالِ الْمَرَّةُ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، فَتَحْسُبُ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَوْمَ حَيْضٍ، فَإِذَا تَمَّتْ عَادَتُهَا وَاسْتِظْهَارُهَا تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي كُلَّمَا انْقَطَعَ كَمَا سَيَأْتِي؛ لِأَنَّ الدُّفْعَةَ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ لَا أَثَرَ لَهَا مِنْ حَيْثُ الصَّلَاةُ، وَلَهَا أَثَرَ مِنْ حَيْثُ الْعَدُّ لِعَادَتِهَا وَاسْتِظْهَارِهَا.
[قَوْلُهُ: شَيْءٌ كَالصَّدِيدِ تَعْلُوهُ صُفْرَةٌ] هَذَا كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ الصُّفْرَةُ دَمٌ أَصْفَرُ مِثْلُ الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ اللَّحْمُ، وَالْكُدْرَةُ دَمٌ أَصْفَرُ خَاثِرٌ اهـ. ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ قَوْلِهِ: تَعْلُوهُ صُفْرَةٌ أَنَّهُ وَجْهُ الشَّبَهِ فَيَقْتَضِي أَنَّ الصَّدِيدَ لَوْنُهُ الصُّفْرَةُ، وَهُوَ يُخَالِفُ قَوْلَ الْفِيشِيِّ عَلَى الْعِزِّيَّةِ إنَّ الصَّدِيدَ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ مُخْتَلِطٌ بِدَمٍ، وَكَذَا فِي عِبَارَةِ بَعْضِ كُتُبِ اللُّغَةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ لَوْنَ الصَّدِيدِ الْبَيَاضُ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ التَّشْبِيهَ بِالصَّدِيدِ بِالنَّظَرِ لِحَالَتِهِ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ؛ لِأَنَّ الْأَبْيَضَ الْمُخْتَلِطَ بِالدَّمِ يَنْقَلِبُ لَوْنُهُ لِلصُّفْرَةِ فَتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَلْوَانِ الدِّمَاءِ] إنْ قُلْت كَيْفَ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ الْمُفِيدُ؛ لِأَنَّ الصُّفْرَةَ دَمٌ أَصْفَرُ، فَإِذَا كَانَتْ عِبَارَةُ عَنْ دَمٍ مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ أَصْفَرَ فَقَدْ أَتَتْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَلْوَانِ الدِّمَاءِ، قُلْت: يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَلْوَانِ الدِّمَاءِ لَعَلَّهُ أَرَادَ نَوْعًا مِنْ الدِّمَاءِ وَهُوَ الْأَحْمَرُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حَيْضٌ] أَيْ فَالْحَيْضُ لَهُ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ، وَمَحَلُّ كَوْنِهِ حَيْضًا إذَا أَتَاهَا قَبْلَ طُهْرٍ تَامٍّ وَكَانَ انْقِطَاعُهُ أَوَّلًا قَبْلَ تَمَامِ عَادَتِهَا أَوْ
التَّسْوِيَةُ بَيْنَ بَابَيْ الْعِدَّةِ وَالْعِبَادَاتِ فِي أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلَّ الْحَيْضِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَتَأْوِيلُ أَبِي عِمْرَانَ وَابْنِ رُشْدٍ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ، وَنَصَّ الْمَازِرِيُّ عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ التَّحْدِيدُ وَإِسْنَادُ الْحُكْمِ إلَى مَا يَقُولُ النِّسَاءُ أَنَّهُ حَيْضٌ.
(ثُمَّ إذَا انْقَطَعَ) الدَّمُ (عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْمَرْأَةِ الَّتِي عَاوَدَهَا الدَّمُ بَعْدَ الطُّهْرِ بِيَوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيْنِ أَوْ بِسَاعَةٍ (اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ) وَلَا تَنْتَظِرُ هَلْ يَأْتِيهَا دَمٌ آخَرُ أَمْ لَا، وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْمُلَفِّقَةِ وَهِيَ الَّتِي تَقَطَّعَ طُهْرُهَا أَيْ تَخَلَّلَهُ دَمٌ فَصَارَتْ تَحِيضُ قَبْلَ تَمَامِ الطُّهْرِ الْفَاصِلِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهَا صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ تَقَطَّعَ طُهْرٌ لَفَّقَتْ أَيَّامَ الدَّمِ فَقَطْ عَلَى تَفْصِيلِهَا ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وَتَغْتَسِلُ كُلَّمَا انْقَطَعَ، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي وَتُوطَأُ.
بَهْرَامُ: تَقَطَّعَ تَخَلَّلَهُ دَمٌ ضَمَّتْ أَيَّامَ الدَّمِ
[حاشية العدوي]
بَعْدَهَا وَقَبْلَ الِاسْتِظْهَارِ أَوْ قَبْلَ تَمَامِهِ حَتَّى تَتِمَّ مُدَّةُ الِاسْتِظْهَارِ فَتَكُونَ اسْتِحَاضَةً، وَأَمَّا إذَا أَتَى بَعْدَ طُهْرٍ تَامٍّ، وَكَانَ انْقِطَاعُهُ بَعْدَ مَا تَمَادَى بِهَا عَادَتُهَا وَأَيَّامُ الِاسْتِظْهَارِ فَإِنَّهَا تَكُونُ اسْتِحَاضَةً [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ التَّسْوِيَةُ إلَخْ] فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا بَابُ الْعِبَادَةِ فَقَطْ لِقَوْلِهِ تَرَكَتْ الصَّلَاةَ [قَوْلُهُ: لَا حَدَّ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ] أَيْ بِاعْتِبَارِ الزَّمَنِ وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ، وَمَا بَعْدَهُ هُوَ الرَّاجِحُ.
[قَوْلُهُ: وَتَأْوِيلُ] أَيْ وَمُتَعَلِّقُ تَأْوِيلٍ، وَقَوْلُهُ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ أَيْ لِلْمُدَوَّنَةِ فَعَلَى بِمَعْنَى اللَّامِ [قَوْلُهُ: التَّحْدِيدُ] أَيْ بِأَنَّهُ يَوْمٌ أَوْ بَعْضُهُ [قَوْلُهُ: وَإِسْنَادُ الْحُكْمِ] أَيْ وَالِاعْتِمَادُ فِي حُكْمِنَا بِأَنَّهُ حَيْضٌ إلَى قَوْلِ النِّسَاءِ إنَّهُ حَيْضٌ فَمَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ إنَّهُ يُرْجَعُ لِلنِّسَاءِ الْعَارِفَاتِ فِي قَدْرِ الْحَيْضِ فِي بَابِ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ هَلْ هُوَ يَوْمٌ أَيْ هَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَتَمَادَى بِهَا الدَّمُ يَوْمًا مَثَلًا أَوْ يُكْتَفَى بِبَعْضِ يَوْمٍ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى السَّاعَةِ الْفَلَكِيَّةِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ وَمِثْلُهُ الْيَوْمَانِ، ثُمَّ انْقَطَعَ فَإِنْ قَالَ النِّسَاءُ إنَّ مِثْلَ ذَلِكَ حَيْضٌ أَجْزَأَتْهَا، وَإِنَّمَا رُجِعَ فِي قَدْرِ الْحَيْضِ لِلنِّسَاءِ لِاخْتِلَافِ الْحَيْضِ فِي النِّسَاءِ بِالنَّظَرِ لِلْبُلْدَانِ، فَقَدْ تَعُدُّ الْعَارِفَاتُ الْيَوْمَ أَوْ الْيَوْمَيْنِ حَيْضًا بِاعْتِبَارِ بَلَدِهِنَّ، وَقَدْ تَعُدُّ عَارِفَاتٌ أُخَرُ أَقَلَّ مِمَّا ذُكِرَ حَيْضًا بِاعْتِبَارِ بَلَدِهِنَّ، وَظَهَرَ مِنْ تَقْرِيرِنَا هَذَا أَنَّ الْيَوْمَيْنِ كَالْيَوْمِ فِي الرُّجُوعِ لِلنِّسَاءِ الْعَارِفَاتِ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ إذَا رَأَتْ الدَّمَ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ انْقَطَعَ فَإِنْ قَالَتْ النِّسَاءُ إنْ، مِثْلُ ذَلِكَ حَيْضَةٌ أَجْزَأَتْهَا اهـ.
وَيَظْهَرُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى يَوْمَيْنِ حَيْضٌ قَطْعًا وَلَا يُرْجَعُ فِيهِ لِلنِّسَاءِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِيمَا ذُكِرَ جَهَالَةً فِي الْجُمْلَةِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - التَّحْدِيدُ أَيْ تَحْدِيدٌ مَنْظُورٌ فِيهِ لِقَوْلِ النِّسَاءِ لَا أَنَّهُ تَحْدِيدٌ مُعَيَّنٌ شَرْعِيٌّ لَا يَتَجَاوَزُ، أَوْ تَحْدِيدٌ شَرْعِيٌّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ سَاعَةٍ فَلَكِيَّةٍ وَهُوَ صَادِقٌ بِكَوْنِهِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ فَتَدَبَّرْ.
تَنْبِيهٌ قَالَ سَنَدٌ: الْفَرْقُ بَيْنَ بَابِ الْعِبَادَةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعِدَّةِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ وَهِيَ لَا تَحْصُلُ بِالدُّفْعَةِ، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ احْتِيَاطٌ لِلْأَنْسَابِ وَإِبَاحَةٌ لِلْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ فَشُدِّدَ فِيهَا احْتِيَاطًا، وَالْأَنْسَابُ وَالْفَرْجُ آكِدٌ مِنْ الْعِبَادَةِ لِاجْتِمَاعِ حَقِّ الرَّبِّ وَالْعَبْدِ فِيهِمَا بِخِلَافِ الْعِبَادَةِ فَإِنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إلَخْ] ظَرْفٌ لِلطُّهْرِ أَيْ طُهْرٌ غَيْرُ تَامٍّ، فَالْيَوْمُ وَالْيَوْمَانِ وَالسَّاعَةُ هُنَا ظَرْفٌ لِلطُّهْرِ بِخِلَافِهِمَا فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ سَابِقًا فَهُمَا ظَرْفَانِ لِلْحَيْضِ [قَوْلُهُ: اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ] إنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ لَا يَعُودُ وَقْتَ الصَّلَاةِ بَلْ بَعْدَهُ أَوْ شَكَتْ فِي ذَلِكَ فَإِنْ عَلِمَتْ بِعَوْدِهِ فِي وَقْتِهَا وَلَوْ الضَّرُورِيَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا غُسْلٌ، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ فِي هَذَا الْفَرْضِ جَهْلًا أَوْ عَمْدًا وَصَلَّتْ، وَلَمْ يَأْتِهَا فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَهَلْ تَعْتَدُّ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ لِكَشْفِ الْغَيْبِ أَنَّهَا صَلَّتْهَا وَهِيَ طَاهِرَةٌ أَمْ لَا نَظَرًا إلَى أَنَّهَا صَلَّتْهَا وَهِيَ حَائِضٌ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ جَزَمَتْ بِالنِّيَّةِ فَإِنْ تَرَدَّدَتْ لَمْ تَعْتَدَّ بِهَا كَمَا فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ [قَوْلُهُ: فَصَارَتْ تَحِيضُ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ إسْقَاطُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّلْفِيقَ ثَابِتٌ لَهَا وَلَوْ بِمَجِيءِ الْحَيْضِ مَرَّةً قَبْلَ تَمَامِ الطُّهْرِ، وَلَمْ تَكُنْ صَيْرُورَةٌ إذْ ذَاكَ [قَوْلُهُ: الْفَاصِلِ] صِفَةٌ لِلتَّمَامِ أَيْ الْفَاصِلِ فَصْلًا مُعْتَدًّا بِهِ [قَوْلُهُ: عَلَى تَفْصِيلِهَا] أَيْ مِنْ كَوْنِهَا مُعْتَادَةً أَوْ مُبْتَدِئَةً [قَوْلُهُ: وَتَغْتَسِلُ كُلَّمَا انْقَطَعَ] أَيْ فِي أَيَّامِ التَّلْفِيقِ [قَوْلُهُ: ضَمَّتْ أَيَّامَ الدَّمِ] تَفْسِيرٌ لِلَفَّقْت [قَوْلُهُ: فَإِنْ حَصَلَ مِنْهَا إلَخْ] تَوْضِيحُهُ أَنْ تَقُولَ إنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً فَتُلَفِّقُ
بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ فَإِنْ حَصَلَ مِنْهَا مَا يَحْكُمُ بِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْحَيْضِ صَارَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَاضَةً، وَتَغْتَسِلُ كُلَّمَا انْقَطَعَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدْرِي هَلْ يُعَاوِدُهَا دَمٌ أَمْ لَا، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي وَتُوطَأُ وَلَا فَرْقَ عَلَى مَا ذَكَرَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ أَيَّامُ الدَّمِ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ مُسَاوِيَةً وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: (وَلَكِنَّ ذَلِكَ) أَيْ الدَّمَ الْمُتَخَلِّلَ (كُلَّهُ كَدَمٍ وَاحِدٍ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ) أَنَّهَا تُلَفِّقُ أَيَّامَ الدَّمِ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ حَتَّى تَنْتَهِيَ لِمَا هُوَ حُكْمُهَا مِنْ عَادَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً فِي بَقِيَّةِ عُمْرِهَا.
وَقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: كَذَلِكَ إنْ كَانَ الدَّمُ أَكْثَرَ وَإِلَّا جَمَعَتْ أَيَّامَ الطُّهْرِ طُهْرًا وَأَيَّامَ الْحَيْضِ حَيْضًا حَقِيقَةً فَتَكُونُ طَاهِرًا حَائِضًا عَلَى قَوْلِهِمَا، وَلَوْ بَقِيَتْ كَذَلِكَ طُولَ عُمْرِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهَا تَكُونُ حَائِضًا طَاهِرًا فِي الْعِبَادَةِ أَبَدًا بِخِلَافِ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ طَاهِرًا فِيهِمَا (حَتَّى يَبْعُدَ مَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ) بُعْدًا بَيِّنًا بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا زَمَنُ أَقَلِّ الطُّهْرِ، وَهُوَ (مِثْلُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ) عَلَى قَوْلٍ (أَوْ عَشَرَةٍ) أَيْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ عَلَى آخَرَ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا
[حاشية العدوي]
عَادَتَهَا وَاسْتِظْهَارَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدِئَةً لَفَّقَتْ نِصْفَ شَهْرٍ، فَالْمُرَادُ بِالْأَكْثَرِ هُوَ الْقَدْرُ الْمُتَحَصِّلُ مِنْ أَيَّامِ عَادَتِهَا وَاسْتِظْهَارِهَا الْمُخْتَلِفِ، ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النِّسَاءِ، فَلَيْسَ لِلْأَكْثَرِيَّةِ حَدٌّ مُعَيَّنٌ مُطَّرِدٌ فِي النِّسَاءِ [قَوْلُهُ: وَتَغْتَسِلُ كُلَّمَا انْقَطَعَ إلَخْ] أَيْ الَّذِي هُوَ زَمَنُ التَّلْفِيقِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَا تَدْرِي] أَيْ فَتَرَجَّحَ جَانِبُ عَدَمِ الْعَوْدِ [قَوْلُهُ: هَلْ يُعَاوِدُهَا] أَيْ فِي الْوَقْتِ وَمِنْ بَابِ أَوْلَى إذَا عَلِمَتْ بِأَنَّهُ لَا يَأْتِيهَا، فَإِذَا عَلِمَتْ بِأَنَّهُ يَأْتِيهَا فِي الْوَقْتِ وَلَوْ الضَّرُورِيَّ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا غُسْلٌ كَمَا تَقَدَّمَ لَنَا.
[قَوْلُهُ: بَيْنَ أَنْ تَكُونَ أَيَّامُ الدَّمِ أَكْثَرَ] كَأَنْ تَحِيضَ يَوْمَيْنِ وَتَطْهُرَ يَوْمًا.
[قَوْلُهُ: أَوْ أَقَلَّ] كَأَنْ تَحِيضَ يَوْمًا وَتَطْهُرَ يَوْمَيْنِ وَالْمُسَاوَاةُ ظَاهِرَةٌ [قَوْلُهُ: وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ إلَخْ] قَصَدَ بِذَلِكَ دَفْعَ مَا يَرِدُ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَدَمٍ مِنْ أَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ الَّتِي هِيَ الْأَطْهَارُ لِأَنَّهَا الْمَنْظُورُ إلَيْهَا مَعَ وَصْفِ الِالْتِفَاتِ لِلدَّمِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُعْقَلُ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْأَطْهَارُ الَّتِي بَيْنَ الدِّمَاءِ، وَالطُّهْرُ الَّذِي بَيْنَ الدِّمَاءِ لَا يُعْتَبَرُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ تَصِيرُ مُسْتَحَاضَةً، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ التَّشْبِيهَ مِنْ حَيْثُ تَلْفِيقُ الْعَادَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَصِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَاضَةً فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ] مُتَعَلِّقٌ بِالْمُشَبَّهِ وَالتَّقْدِيرُ وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ كَدَمٍ وَاحِدٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي وَظَاهِرُ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: مِنْ عَادَةٍ] هَذَا فِي الَّتِي عَادَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
[قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِهَا] وَهُوَ الْخُلُوُّ مِنْ الْعَادَةِ الَّذِي هُوَ حَالُ الْمُبْتَدِئَةِ، وَالْعَادَةُ الَّتِي هِيَ دُونَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَأَيَّامُ الِاسْتِظْهَارِ [قَوْلُهُ: ثُمَّ تَكُونَ مُسْتَحَاضَةً] أَيْ فَإِذَا اجْتَمَعَ مِنْ أَيَّامِ الدَّمِ قَدْرُ عَادَتِهَا وَالِاسْتِظْهَارِ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي تت وَتَعْتَدُّ عِدَّةَ الْمُسْتَحَاضَةِ.
[قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ إلَخْ] الْأَوْلَى ذِكْرُهُ عَقِبَ قَوْلِهِ وَلَا فَرْقَ عَلَى مَا ذَكَرَ [قَوْلُهُ: وَابْنُ الْمَاجِشُونِ] هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، وَالْمَاجِشُونَ أَبُو سَلَمَةَ وَالْمَاجِشُونُ الْوَرْدُ بِالْفَارِسِيَّةِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِحُمْرَةٍ فِي وَجْهِهِ، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ ضَرِيرَ الْبَصَرِ، وَيُقَالُ إنَّهُ عَمِيَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَقَوْلُهُمْ: الْمَذْكُورُ ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: وَإِلَّا جَمَعَتْ إلَخْ] تَحْتَهُ صُورَتَانِ مَا إذَا كَانَتْ أَيَّامُ الطُّهْرِ أَكْثَرَ أَوْ مُسَاوِيَةً وَالْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِجَعَلَتْ أَيْ فَتَكُونُ فِي يَوْمِ الطُّهْرِ طَاهِرًا حَقِيقَةً يَطَؤُهَا زَوْجُهَا، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي، وَفِي يَوْمِ الْحَيْضِ حَائِضًا حَقِيقَةً يُحَرَّمُ مَا ذُكِرَ مِنْ الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ.
[قَوْلُهُ: حَائِضًا طَاهِرًا إلَخْ] أَيْ حَيْثُ قَالَ: كَدَمٍ وَاحِدٍ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ، فَيَقْتَضِي أَنَّهَا فِي يَوْمِ الدَّمِ حَائِضٌ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ، وَفِي يَوْمِ انْقِطَاعِهِ طَاهِرٌ عَلَى الدَّوَامِ وَهَذَا الظَّاهِرُ ضَعِيفٌ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ طَاهِرًا] أَيْ بِحَيْثُ تَعُدُّ الْحَيْضَ الثَّانِيَ حَيْضًا مُسْتَقِلًّا تَحْتَسِبُ بِهِ فِي عِدَّتِهَا أَيْ فَالْمُرَادُ بِالطَّهَارَةِ الْمَنْفِيَّةِ طَهَارَةٌ مُعْتَبَرَةٌ يُعَدُّ الدَّمُ الْآتِي دَمًا مُسْتَقِلًّا تَحْتَسِبُ بِهِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا طَاهِرٌ مِنْ حَيْثُ الْعِبَادَةُ [قَوْلُهُ: مِثْلُ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ] مِثْلُ زَائِدَةٌ [قَوْلُهُ: عَلَى قَوْلٍ] هُوَ لِسَحْنُونٍ [قَوْلُهُ: عَلَى آخَرَ] هُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ [قَوْلُهُ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا] وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْلَمَةَ
[قَوْلُهُ: وَصُورَةُ ذَلِكَ] أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ
(فَ) إذَا بَعُدَ مَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ (يَكُونَ) الثَّانِي مِنْهُمَا (حَيْضًا مُؤْتَنَفًا) أَيْ مُبْتَدَأً يُعْتَدُّ بِهِ وَحْدَهُ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ
وَصُورَةُ ذَلِكَ فِي الْعِدَّةِ إذَا حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهَا الدَّمُ فَإِنَّهَا تُضِيفُ الدَّمَ الثَّانِيَ إلَى الْأَوَّلِ وَلَا تَعْتَدُّ بِذَلِكَ الطُّهْرِ حَتَّى يَكُونَ طُهْرًا فَاصِلًا.
ع: وَصُورَتُهُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ عَوِيصٌ؛ لِأَنَّهَا بِنَفْسِ مَا تَرَى أَوَّلَ الدَّمِ خَرَجَتْ مِنْ الْمُوَاضَعَةِ، وَإِذَا رَأَتْهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَقَدْ بَرِئَ رَحِمُهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لِسَيِّدِهَا وَطْؤُهَا فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَقُولَ فَائِدَتُهُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ أَنَّهَا حَاضَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ، ثُمَّ طَهُرَتْ ثُمَّ بَاعَهَا فِي الطُّهْرِ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ طُهْرِهَا إلَّا يَوْمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، ثُمَّ أَتَاهَا الدَّمُ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ هَذَا الدَّمُ مِنْ
[حاشية العدوي]
قَوْلِهِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَدَمٍ وَاحِدٍ فِي الْعِدَّةِ [قَوْلُهُ: فِي الْعِدَّةِ] أَيْ بِحَسَبِ مَا كَانَتْ تَعْتَقِدُ مِنْ أَنَّ عِدَّتَهَا بِالْأَقْرَاءِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا صَارَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَاضَةً كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ لَا تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ [قَوْلُهُ: ثُمَّ طَهُرَتْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً] الْمُرَادُ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ شَهْرٍ [قَوْلُهُ: ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهَا الدَّمُ] أَيْ قَبْلَ تَمَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ طُهْرِهَا [قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا تُضِيفُ الدَّمَ الثَّانِيَ إلَى الْأَوَّلِ] أَيْ مَا تُكْمِلُ بِهِ عَادَتَهَا وَالِاسْتِظْهَارَ، ثُمَّ تَصِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَاضَةً، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الطُّهْرُ الَّذِي لَمْ يَتِمَّ بَعْدَ تَمَامِ عَادَتِهَا وَالِاسْتِظْهَارِ فَمَا أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الدَّمِ يَكُونُ اسْتِحَاضَةً [قَوْلُهُ: لَا تَعْتَدُّ بِذَلِكَ الطُّهْرِ] أَيْ بِحَيْثُ لَا تَكُونُ مُطَلَّقَةً فِي الْحَيْضِ بَلْ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُطَلَّقَةِ فِي الْحَيْضِ يُجْبَرُ زَوْجُهَا عَلَى الرَّجْعَةِ.
[قَوْلُهُ: حَتَّى يَكُونَ طُهْرًا فَاصِلًا] أَيْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنْ حَصَلَ ذَلِكَ الْقَدْرُ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا فِي حَيْضٍ [قَوْلُهُ: الِاسْتِبْرَاءِ] الْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْمُوَاضَعَةَ وَسَيَأْتِي الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
[قَوْلُهُ: عَوِيصٌ] بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالصَّادِ أَيْ صَعْبٌ تَصْوِيرُهُ أَيْ خَفِيٌّ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْقَامُوسِ.
[قَوْلُهُ: خَرَجَتْ مِنْ الْمُوَاضَعَةِ] حَاصِلُهُ أَنَّ الْجَارِيَةَ الْمُبْتَاعَةَ إنْ كَانَتْ عَلِيَّةً مُطْلَقًا أَوْ وَخْشًا أَقَرَّ الْبَائِعُ بِوَطْئِهَا، فَإِنَّهَا تَتَوَاضَعُ أَيْ تُجْعَلُ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ وَلَا تَخْرُجُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَتَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي إلَّا بِرُؤْيَةِ الدَّمِ، وَإِنْ كَانَتْ وَخْشًا وَلَمْ يُقِرَّ الْبَائِعُ بِوَطْئِهَا فَإِنَّهَا تَسْتَبْرِئُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِحَيْضَةٍ وَلَا يَقْرَبُهَا إلَّا بَعْدَ تِلْكَ الْحَيْضَةِ وَتَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ: خَرَجَتْ مِنْ الْمُوَاضَعَةِ نَاظِرٌ لِلْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ: وَإِذَا رَأَتْهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي نَاظِرٌ لِلثَّانِي.
[قَوْلُهُ: فَإِذَا طَهُرَتْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ] الْمُرَادُ طَهُرَتْ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ بَعْضِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ رَاجِعٌ لِمَسْأَلَةِ الْمُوَاضَعَةِ وَمَسْأَلَةِ الِاسْتِبْرَاءِ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَحِلُّ لِسَيِّدِهَا وَطْؤُهَا] أَيْ فَمُقْتَضَى عَقِبَ الطُّهْرِ أَنَّهَا لَا تُلَفِّقُ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى التَّلْفِيقِ عَدَمُ الْحِلِّيَّةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ يَأْتِي الْحَيْضُ قَبْلَ تَمَامِ الطُّهْرِ.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَحِلُّ لِسَيِّدِهَا] أَيْ الْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا أَيْ فِي الصُّورَتَيْنِ صُورَةِ الْمُوَاضَعَةِ وَصُورَةِ الِاسْتِبْرَاءِ [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ تَقُولَ إلَخْ] هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ، وَتَمَامُهُ قَوْلُهُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطُهْرٍ.
[قَوْلُهُ: فِي الِاسْتِبْرَاءِ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِبْرَاءَ يَتَعَلَّقُ بِالْبَائِعِ وَحْدَهُ، فَهُوَ غَيْرُ الْمُوَاضَعَةِ الَّتِي تَكُونُ الْجَارِيَةُ فِيهَا عِنْدَ الْأَمِينِ وَغَيْرُ الِاسْتِبْرَاءِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فَإِذَا رَأَتْهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُشْتَرِي.
[قَوْلُهُ: حَاضَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ] أَيْ الْحَيْضُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَصْدِ الْبَيْعِ، أَوْ اتِّفَاقِيٌّ إذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ فَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ قَبْلَ الْبَيْعِ إذَا كَانَ وَطْءُ الْجَارِيَةِ عَلَى مَا بَيَّنَ فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ.
[قَوْلُهُ: ثُمَّ طَهُرَتْ] أَيْ قَبْلَ تَمَامِ عَادَتِهَا، وَأَمَّا بَعْدَ تَمَامِ عَادَتِهَا وَقَبْلَ الِاسْتِظْهَارِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ تَمَامِهِ فَهَلْ هُوَ كَذَلِكَ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بَعْدَ تَمَامِهِ فَقَدْ تَمَّ الْأَمْرُ فَمَا أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ فَلَا تَسْتَبْرِئُ بِالْقُرْءِ.
[قَوْلُهُ: فَلَمْ يَبْقَ مِنْ طُهْرِهَا] أَيْ الطُّهْرِ الْمُعْتَبَرِ وَهُوَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
[قَوْله: إلَّا يَوْمَانِ] أَوْ ثَلَاثَةٌ مَثَلًا [قَوْلُهُ: ثُمَّ أَتَاهَا الدَّمُ] أَيْ قَبْلَ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ، وَالْمُرَادُ أَتَاهَا الدَّمُ قَبْلَ مُضِيِّ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
[قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ] أَيْ لِلْبَائِعِ هَذَا الدَّمُ مِنْ تَتِمَّةِ الْأَوَّلِ فَأَنْتَ بِعْتهَا قَبْلَ تَحَقُّقِ الْوَاجِبِ عَلَيْك، وَهُوَ إمَّا مُضِيُّ حَيْضَتِهَا وَاسْتِظْهَارِهَا أَوْ مُضِيُّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَائِضًا فِي الْمُبْتَدِئَةِ وَالْمُعْتَادَةِ ذَلِكَ الْقَدْرُ، أَوْ قَبْلَهُ أَيْ قَبْلَ مَا ذُكِرَ لَكِنْ تَمْضِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا طَاهِرًا
الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِطُهْرٍ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حُكْمِ الْمُسْتَحَاضَةِ فَقَالَ: (وَمَنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ بَلَغَتْ) أَيْ مَكَثَتْ (خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) هَذَا إذَا كَانَتْ مُبْتَدَأَةً؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فِي حَقِّهَا (ثُمَّ هِيَ) بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُحْكَمُ لَهَا بِأَنَّهَا (مُسْتَحَاضَةٌ) مُمَيِّزَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ، وَثَمَرَةُ ذَلِكَ أَنَّهَا تَطْهُرُ أَيْ تَغْتَسِلُ، ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ مُمَيِّزَةً أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ، وَاَلَّذِي فِي الْجَوَاهِرِ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ إنْ كَانَتْ تُمَيِّزُ مَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ، وَإِنْ لَمْ تُمَيِّزْ فَغُسْلُهَا عِنْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِالِاسْتِحَاضَةِ
[حاشية العدوي]
وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَوْ بِيعَتْ بَعْدَ حَيْضَتِهَا فِي طُهْرٍ عَقِبَهُ مَثَلًا بِدُونِ اسْتِظْهَارٍ، ثُمَّ جَاءَهَا الدَّمُ قَبْلَ تَمَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنَّهَا تَضُمُّ هَذَا الدَّمَ لِلْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَادَتُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَحَاضَتْهَا، وَلَمْ تَكُنْ مُبْتَدِئَةً تَحِيضُ ذَلِكَ الْقَدْرَ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا الْوَاجِبِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ وَطِئَهَا كَمَا قُلْنَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: فَيُقَالُ لَهُ عَائِدٌ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ قَرِيبًا، أَيْ يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي: هَذَا الدَّمُ مِنْ تَتِمَّةِ الْأَوَّلِ الْوَاجِبِ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ بَيْعِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا تَكْتَفِ بِهِ فِي حِلِّيَّةِ وَطْءِ الْجَارِيَةِ لَك بَلْ لَا بُدَّ لَك مِنْ اسْتِبْرَاءٍ آخَرَ، أَيْ فَتَتَوَاضَعُ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ وَلَا تَخْرُجُ مِنْ ضَمَانِ بَائِعِهَا حَتَّى تَرَى الدَّمَ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا كَانَ وَطِئَ الْجَارِيَةَ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِبْرَاءٍ قَبْلَ الْبَيْعِ وَلَا يَعْتَمِدُ الْمُشْتَرِي مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِبْرَاءِ لَا بَلْ مِنْ مُوَاضَعَةٍ بَعْدَ الْبَيْعِ لِأَجْلِ حِلِّيَّةِ الْوَطْءِ لَهُ، نَعَمْ يَجُوزُ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى وَضْعِ الْجَارِيَةِ عِنْدَ أَمِينٍ لِتَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً، فَتُجْزِئُ عَنْ الْحَيْضَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْبَائِعِ وَالْحَيْضَةِ الْمُوجِبَةِ لِحِلْيَةِ وَطْءِ الْمُشْتَرِي لَهَا كَانَتْ الْحَيْضَةُ قَبْلَ الْبَيْعِ أَوْ بَعْدَهُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَصْدُرْ مِنْ الْبَائِعِ وَطْءٌ لِلْجَارِيَةِ وَتَيَقَّنَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا، ثُمَّ بَاعَهَا فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ فَتَتَوَاضَعُ تَحْتَ أَمِينٍ، وَلَا تَخْرُجُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ حَتَّى تَرَى الدَّمَ، وَيَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا بَعْدَ الطُّهْرِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَتَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ بِالِاسْتِبْرَاءِ عَلَى تَفْصِيلِهِ الْمَذْكُورِ فِي مَحَلِّهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَفَادَهُ كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ إلَّا فِي صُورَةٍ لَا تَلْفِيقَ فِيهَا بِأَنْ تَمْضِيَ مُدَّةُ الْحَيْضِ وَالِاسْتِظْهَارِ أَوَّلًا، وَلَكِنْ تَمْضِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا طَاهِرًا بَعِيدًا غَايَةَ الْبُعْدِ يَتَوَقَّفُ عَلَى نَصٍّ صَرِيحٍ بِذَلِكَ
فَالظَّاهِرُ مَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ فَائِدَةَ ذَلِكَ تَظْهَرُ فِي السَّيِّدِ إذَا أَرَادَ بَيْعَهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ إذَا انْقَطَعَ قَبْلَ حُصُولِ مَا يَكْفِي فِي الِاسْتِبْرَاءِ، وَهُوَ يَوْمٌ أَوْ بَعْضُهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا حَتَّى يُعَاوِدَهَا وَيَمْضِيَ مَا هُوَ كَافٍ فِي الِاسْتِبْرَاءِ، وَأَمَّا لَوْ انْقَطَعَ الدَّمُ أَوَّلًا بَعْدَ حُصُولِ مَا يَكْفِي فِي الِاسْتِبْرَاءِ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمَذْكُورُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: يُحْكَمُ لَهَا بِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ] أَيْ ابْتِدَاءً [قَوْلُهُ: مُمَيِّزَةً كَانَتْ إلَخْ] لَيْسَ الْمُرَادُ كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ الْعِبَارَةِ مُمَيِّزَةً عَقِبَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الَّتِي حُكِمَ لَهَا أَيْ لِلْمُبْتَدِئَةِ بِأَنَّهَا دَمُ حَيْضٍ، بَلْ الْمُرَادُ مُمَيِّزَةً عَقِبَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الْمُعْتَبَرَةِ أَيَّامَ اسْتِحَاضَةٍ لَا حَيْضٍ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ الَّذِي مِنْهُ أَيَّامُ الِاسْتِحَاضَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
[قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ إلَخْ] يَتَبَادَرُ مِنْ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِالْغُسْلِ عَقِبَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ الْمَعْدُودَةِ أَيَّامَ حَيْضٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مُمَيِّزَةً عَقِبَهَا أَمْ لَا كَالْعِبَارَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا ذَكَرَ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتَصِيرُ طَاهِرًا أَبَدًا، وَظَاهِرُهُ أَيْ ظَاهِرُ كَوْنِهَا طَاهِرًا أَبَدًا سَوَاءٌ كَانَتْ مُمَيِّزَةً عَقِبَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الْمُعْتَبَرَةِ أَيَّامَ اسْتِحَاضَةٍ فَهَذَا التَّعْمِيمُ عَيْنُ الْأَوَّلِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ فَلَا حَاجَةَ لَهُ، وَهَذَا الظَّاهِرُ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ كَلَامُ الْجَوَاهِرِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ تُمَيِّزُ مَا بَيْنَ الدَّمَيْنِ] أَيْ بِرَائِحَةٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ رِقَّةٍ أَوْ ثِخَنٍ لَا بِكَثْرَةٍ أَوْ قِلَّةٍ؛ لِأَنَّهُمَا تَابِعَانِ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَلَا بِصُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ كَمَا فِي الشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيِّ، وَأَرَادَ بِالدَّمَيْنِ الدَّمَ الْحَاصِلَ بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الَّتِي هِيَ أَيَّامُ الْحَيْضِ، وَالدَّمَ الْآتِيَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ الْحَاصِلُ بَعْدَ أَيَّامِ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ قَبْلَ تَمَامِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الَّتِي اُعْتُبِرَتْ طُهْرًا هُنَا لَغْوٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ اسْتَمَرَّ بَعْدَ أَيَّامِ الْحَيْضِ الَّتِي هِيَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ تَغَيَّرَ بِكَثْرَةٍ أَوْ قِلَّةٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ الشَّيْخِ أَحْمَدَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مَيَّزَتْ أَنَّهُمَا حَيْضٌ فَهُوَ دَمُ
مُجْزٍ وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي كَوْنِ غُسْلِهَا هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ وَالْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِحَاضَةِ وَصِفَةِ دَمِهَا.
(وَ) مِنْ ثَمَرَتِهِ أَيْضًا أَنَّهَا (تَصُومُ وَتُصَلِّي وَيَأْتِيهَا) أَيْ يَطَؤُهَا (زَوْجُهَا) ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا حِينَئِذٍ حُكْمُ الطَّاهِرِ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَقَيَّدْنَا كَلَامَهُ بِقَوْلِنَا إذَا كَانَتْ مُبْتَدَأَةً احْتِرَازًا مِنْ الْمُعْتَادَةِ فَإِنَّ فِيهَا تَفْصِيلًا؛ لِأَنَّهَا إمَّا أَنْ تَخْتَلِفَ عَادَتُهَا أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفْ اسْتَظْهَرَتْ عَلَى عَادَتِهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَا لَمْ تُجَاوِزْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ اسْتَظْهَرَتْ عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا مِثْلُ أَنْ تَحِيضَ فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَفِي بَعْضِهَا خَمْسَةً اسْتَظْهَرَتْ عَلَى الْعَشَرَةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الْحَائِضِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النُّفَسَاءِ فَقَالَ (وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ النُّفَسَاءِ) بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ عَلَى وَزْنِ عُشَرَاءَ وَنُفَسَاءَ عَلَى وَزْنِ حَمْرَاءَ، وَنُفَسَاءَ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْفَاءِ جَمِيعًا الْمَرْأَةُ الَّتِي وَلَدَتْ، وَالنِّفَاسُ بِكَسْرِ النُّونِ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ لُغَةً، وَشَرْعًا وَيُعْرَفُ انْقِطَاعُهُ بِمَا يُعْرَفُ بِهِ انْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ مِنْ الْقَصَّةِ وَالْجُفُوفِ، وَإِذَا تَحَقَّقَ انْقِطَاعُهُ بِمَا ذُكِرَ فَإِنْ كَانَ (بِقُرْبِ الْوِلَادَةِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا خُرُوجُ الْوَلَدِ (اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ) وَتَنْوِي بِغُسْلِهَا الطُّهْرَ مِنْ الدَّمِ، فَلَوْ نَوَتْ الطُّهْرَ مِنْ خُرُوجِ الْوَلَدِ لَمْ يُجْزِهَا وَتُعِيدُ كُلَّ مَا صَلَّتْ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا وَفِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا إذَا وَلَدَتْ
[حاشية العدوي]
اسْتِحَاضَةٍ وَلَوْ طُولَ عُمْرِهَا، وَإِنْ تَغَيَّرَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رَائِحَةٍ أَوْ لَوْنٍ غَيْرِ الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ أَوْ تَغَيَّرَ بِالرِّقَّةِ وَالثِّخَنِ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَعْدُودَةٍ بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ الْمُعْتَبَرَةِ أَيَّامَ الْحَيْضِ، فَيَكُونُ دَمَ حَيْضٍ فَتَمْكُثُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَائِضًا ثُمَّ تَغْتَسِلُ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَصُومُ وَتُصَلِّي، وَبَعْدَ ذَلِكَ الدَّمُ اسْتِحَاضَةٌ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ تُمَيِّزْ] أَيْ بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الْمُعَدَّةِ اسْتِحَاضَةً بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الْمُعَدَّةِ حَيْضًا كَمَا وَضَّحْنَاهُ فَإِنَّهَا تَمْكُثُ مُسْتَحَاضَةً أَبَدًا.
[قَوْلُهُ: فَغُسْلُهَا عِنْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهَا] أَيْ غُسْلُهَا أَوَّلًا عَقِبَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الْأُوَلِ الَّتِي عُدَّتْ حَائِضًا فِيهِنَّ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي كَوْنِ غُسْلِهَا] أَيْ غُسْلِ الْمُسْتَحَاضَةِ إذَا انْقَطَعَ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ [قَوْلُهُ: هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ] تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ [قَوْلُهُ: وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا] أَيْ يَطَؤُهَا زَوْجُهَا [قَوْلُهُ: لِأَنَّ حُكْمَهَا حِينَئِذٍ حُكْمُ الطَّاهِرِ] أَيْ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهَا دَمٌ أَصْلًا فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا طَاهِرٌ حَقِيقَةً [قَوْلُهُ: اسْتَظْهَرَتْ عَلَى عَادَتِهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ] فَإِذَا كَانَتْ عَادَتُهَا عَشَرَةً مَثَلًا اسْتَظْهَرَتْ بِثَلَاثَةٍ، وَثَلَاثَةَ عَشَرَ اسْتَظْهَرَتْ بِيَوْمَيْنِ، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ اسْتَظْهَرَتْ بِيَوْمٍ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ لَا تَسْتَظْهِرُ بِشَيْءٍ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: مَا لَمْ تُجَاوِزْ وَحَيْثُ اسْتَظْهَرَتْ بِثَلَاثِهِ أَيَّامٍ مَثَلًا فَتَصِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَاضَةً فَإِنْ لَمْ تُمَيِّزْ أَبَدًا أَوْ مَيَّزَتْ بِقِلَّةٍ أَوْ كَثْرَةٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ كُدْرَةٍ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ بَقِيَّةَ عُمْرِهَا، وَإِنْ مَيَّزَتْ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا الَّتِي هِيَ أَيَّامُ الِاسْتِحَاضَةِ بِثِخَنٍ أَوْ رِقَّةٍ أَوْ رَائِحَةٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَتَكُونُ حَائِضًا فَتَمْكُثُ عَادَتَهَا دُونَ اسْتِظْهَارٍ إنْ انْتَقَلَ بَعْدَ أَيَّامِ الْعَادَةِ إلَى صِفَةِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَإِلَّا اسْتَظْهَرَتْ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ هَذَا مُحَصَّلُ مَا ذَكَرُوهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
[قَوْلُهُ: عَلَى أَكْثَرِ عَادَتِهَا] أَيْ زَمَنًا كَمَا أَفَادَهُ تَمْثِيلُهُ لَا وُقُوعًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْأَكْثَرُ سَابِقًا أَوْ مُتَأَخِّرًا وَمُدَّةُ الِاسْتِظْهَارِ تَصِيرُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ
[قَوْلُهُ: نُفَسَاءُ عَلَى وَزْنِ عُشَرَاءَ] الْجَمْعُ نِفَاسٌ بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا هُوَ فُعَلَاءُ، وَيُجْمَعُ عَلَى فَعَالٍ غَيْرُ نُفَسَاءَ وَعُشَرَاءَ، وَيُجْمَعَانِ عَلَى نُفَسَاوَاتٍ وَعُشَرَاوَاتٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا وَفَتْحِ ثَانِيهِمَا قَالَهُ الْحَطَّابُ [قَوْلُهُ: بِفَتْحِ النُّونِ وَالْفَاءِ] ظَاهِرُهُ بِدُونِ مَدٍّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ بِالْمَدِّ [قَوْلُهُ: بِقُرْبِ الْوِلَادَةِ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ كَالْحَيْضِ أَيْ بِاعْتِبَارِ الزَّمَنِ، وَلَهُ أَقَلُّ بِاعْتِبَارِ الْخَارِجِ وَهُوَ الدُّفْعَةُ مِثْلُ الْحَيْضِ [قَوْلُهُ: وَتَنْوِي بِغُسْلِهِ إلَخْ] وَكَذَا إذَا نَوَتْ النِّفَاسَ وَأَطْلَقَتْ كَفَاهَا ذَلِكَ قَالَهُ عج، ثُمَّ إنَّ عج - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَحَثَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ: وَفِيهِ بَحْثٌ إذْ نِيَّتُهَا الْمُعْتَبَرَةُ إنَّمَا هِيَ رَفْعُ الْحَدَثِ وَنَحْوِهِ كَمَا يُفِيدُهُ مَا مَرَّ فِي الْجَنَابَةِ: اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ وَنَوَتْ رَفْعَ الْحَدَثِ مِنْ خُرُوجِ الدَّمِ اهـ. [قَوْلُهُ: فَلَوْ نَوَتْ الطُّهْرَ مِنْ خُرُوجِ إلَخْ] وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النِّفَاسَ هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ لِلْوَلَدِ، فَلَوْ نَوَتْ الطُّهْرَ مِنْ خُرُوجِ الْوَلَدِ فَقَدْ نَوَتْ الطُّهْرَ مِنْ غَيْرِ النِّفَاسِ قَالَهُ عج،
وَلَدًا جَافًّا لَا غُسْلَ عَلَيْهَا، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ وَمُقَابِلُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ كَانَ إلَى آخِرِهِ أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّ النِّفَاسِ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَمَّا أَكْثَرُهُ فَلَهُ حَدٌّ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ تَمَادَى بِهَا) أَيْ بِالنُّفَسَاءِ (الدَّمُ جَلَسَتْ سِتِّينَ لَيْلَةً) عَلَى الْمَشْهُورِ (ثُمَّ) إنْ اسْتَمَرَّ بَعْدَ السِّتِّينَ أَوْ انْقَطَعَ ثُمَّ عَاوَدَهَا قَبْلَ مِقْدَارِ الطُّهْرِ لَا تَسْتَظْهِرُ وَاغْتَسَلَتْ وَ (كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً) ع: وَظَاهِرُ قَوْلِهِ (تُصَلِّي وَتَصُومُ وَتُوطَأُ) سَوَاءٌ كَانَتْ تُمَيِّزُ أَمْ لَا، فَإِنْ جَهِلَتْ الْحُكْمَ، وَجَلَسَتْ شَهْرًا مَثَلًا مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ قَضَتْ مَا فَاتَهَا مِنْ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ لَهَا الْإِعَادَةُ، أَمَّا إنْ انْقَطَعَ الدَّمُ بَعْدَ السِّتِّينَ وَعَاوَدَهَا بَعْدَ مِقْدَارِ الطُّهْرِ فَهُوَ دَمُ الْحَيْضِ
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِمَا يَكُونَانِ بِهِ فَقَالَ:
[حاشية العدوي]
وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ إلَّا إذَا كَانَ مَعَ الْوَلَدِ دَمٌ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا يَقُولُهُ الشَّارِحُ فَيُجْزِئُ، وَلَوْ نَوَتْ بِغُسْلِهَا الْوَلَدَ كَانَ مَعَ الْوَلَدِ دَمٌ أَمْ لَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْوَلَدِ دَمٌ نَوَتْ الْغُسْلَ مِنْ الدَّمِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا تَلَاعُبٌ فَلَا يُجْزِئُ [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَخْ] كَلَامُهُ هَذَا يَقْتَضِي وُجُودَ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَكَلَامُ بَهْرَامَ يُفِيدُ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ.
[قَوْلُهُ: سِتِّينَ لَيْلَةً] أَيْ مَعَ يَوْمِ اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ فَحَاصِلُهُ أَنَّهَا تَمْكُثُ سِتِّينَ يَوْمًا، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَأَكْثَرُهُ سِتُّونَ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ أَنَّهَا تَسْأَلُ النِّسَاءَ [قَوْلُهُ: أَوْ انْقَطَعَ] أَيْ بَعْدَ السِّتِّينَ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى اسْتَمَرَّ، فَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ شَامِلٌ لَهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ قَاصِرٌ عَلَى الصُّورَةِ الْأُولَى فَهِيَ مَدْلُولَةٌ لَهُ فَقَطْ.
[قَوْلُهُ: قَبْلَ مِقْدَارِ الطُّهْرِ] أَيْ قَبْلَ مُضِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا [قَوْلُهُ: لَا تَسْتَظْهِرُ] رَاجِعٌ لِلطَّرَفَيْنِ أَعْنِي الِاسْتِمْرَارَ بَعْدَ السِّتِّينَ أَوْ الِانْقِطَاعَ الْمَذْكُورَ [قَوْلُهُ: وَاغْتَسَلَتْ] أَيْ عِنْدَ تَمَامِ السِّتِّينَ [قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَتْ تُمَيِّزُ أَمْ لَا] هَذَا كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: وَظَاهِرُ قَوْلِهِ تُصَلِّي سَوَاءٌ كَانَتْ تُمَيِّزُ أَمْ لَا اهـ.
أَيْ كَانَتْ تُمَيِّزُ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ السِّتِّينَ أَمْ لَا، هَذَا مَعْنَاهُ وَهَذَا ضَعِيفٌ.
وَالرَّاجِحُ مَا أَفَادَهُ زَرُّوقٌ وَهُوَ أَنَّهَا إنْ مَيَّزَتْ يَكُونُ ذَلِكَ حَيْضًا كَمَا إذَا انْقَطَعَ عِنْدَ السِّتِّينَ وَأَتَاهَا بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَنَصُّ زَرُّوقٍ قَوْلُهُ تُصَلِّي إلَخْ يَعْنِي كَمُسْتَحَاضَةِ الْحَيْضِ مَا لَمْ تُمَيِّزْ اهـ.
[قَوْلُهُ: فَإِنْ جَهِلَتْ الْحُكْمَ] هَذَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا وَنِهَايَتُهُ قَوْلُهُ وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ لَهَا الْإِعَادَةُ [قَوْلُهُ: وَجَلَسَتْ شَهْرًا] أَيْ بَعْدَ السِّتِّينَ [قَوْلُهُ: قَضَتْ مَا فَاتَهَا مِنْ الصَّلَاةِ] هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَوْلُهُ: وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ لَهَا الْإِعَادَةُ ضَعِيفٌ، وَانْظُرْ مَا وَجْهُ ذَلِكَ الْقَوْلِ فَإِنْ كَانَ قَوْلٌ بِأَنَّهَا تَمْكُثُ تِسْعِينَ مَثَلًا إذَا اسْتَمَرَّ لَا أَزِيدُ وَلَمْ أَرَهُ، فَالْحُكْمُ بِالِاسْتِحْبَابِ مُرَاعَاةً لَهُ ظَهَرَ لَهُ وَجْهٌ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لَهُ.
قَالَ الْحَطَّابُ: وَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ إذَا انْقَطَعَ دَمُ النِّفَاسِ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ اهـ. نَعَمْ لِمَالِكٍ أَنَّهُ يُرْجَعُ لِلنِّسَاءِ لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ النِّسَاءِ لِقِصَرِ أَعْمَارِهِنَّ وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِنَّ، وَقَدْ سُئِلْنَ قَدِيمًا فَقُلْنَ مِنْ السِّتِّينَ إلَى السَّبْعِينَ حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَحَكَى الْبَاجِيُّ عَنْهُ أَنَّ أَقْصَاهُ سِتُّونَ أَوْ سَبْعُونَ انْتَهَى.
خَاتِمَةٌ:
إذَا انْقَطَعَ دَمُ النِّفَاسِ فَإِنَّهَا تُلَفِّقُ السِّتِّينَ يَوْمًا مُبْتَدِئَةً أَوْ مُعْتَادَةً فَلَيْسَتْ كَالْحَائِضِ، وَمَحَلُّ التَّلْفِيقِ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الدَّمَيْنِ طُهْرٌ تَامٌّ وَإِلَّا كَانَ الثَّانِي حَيْضًا.
بَابُ طَهَارَةِ الْمَاءِ
(بَابٌ) أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ اشْتِرَاطِ (طَهَارَةِ الْمَاءِ) أَيْ طَهُورِيَّتِهِ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَبَيَانِ صِفَتِهِ وَصِفَةِ مَا لَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِمَا.
(وَ) فِي بَيَانِ اشْتِرَاطِ طَهَارَةِ (الثَّوْبِ وَ) فِي بَيَانِ طَهَارَةِ (الْبُقْعَةِ) لِلصَّلَاةِ (وَ) فِي بَيَانِ (مَا يُجْزِئُ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ) وَغَيْرِ ذَلِكَ وَافْتَتَحَ الْبَابَ بِقَوْلِهِ: ( «وَالْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ» وَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ، وَمُنَاجَاةُ الْمُصَلِّي رَبَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ إحْضَارِ الْقَلْبِ وَالْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَمَا افْتَتَحَ بِهِ لَيْسَ دَاخِلًا تَحْتَ
[حاشية العدوي]
[بَابُ طَهَارَةِ الْمَاءِ]
[قَوْلُهُ: طَهَارَةِ الْمَاءِ] الطَّهَارَةُ مَصْدَرُ طَهُرَ بِضَمِّ الْهَاءِ أَوْ فَتْحِهَا لُغَةً النَّظَافَةُ وَالنَّزَاهَةُ مِنْ الْأَدْنَاسِ، وَشَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا جَوَازَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ أَوْ لَهُ، وَالتَّكَلُّمُ عَلَيْهِ شَهِيرٌ فَلَا نُطِيلُ بِذِكْرِهِ [قَوْلُهُ: طَهُورِيَّتِهِ] اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ الْقَصْدُ بَيَانَ صِفَةِ الْمَاءِ مِنْ طَهَارَتِهِ الَّتِي تُوجِبُ لَهُ جَوَازَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ بَيَانُ طَهُورِيَّتِهِ الَّتِي هِيَ مِنْ خَوَاصِّهِ، وَهِيَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا كَوْنَهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمُزَالُ بِهِ نَجَاسَتُهُ طَاهِرًا أَيْ بِحَيْثُ يَصِيرُ الثَّوْبُ مَثَلًا الَّذِي أُزِيلَ بِالْمَاءِ نَجَاسَتُهُ طَاهِرًا، أَوَّلَ الشَّارِحُ الْعِبَارَةَ بِقَوْلِهِ: أَيْ طَهُورِيَّتِهِ، فَإِنْ قُلْت: هَلَّا عَبَّرَ بِالْمَقْصُودِ الَّذِي هُوَ الطَّهُورِيَّةُ، وَيَكُونُ فِي غُنْيَةٍ عَنْ التَّأْوِيلِ؟ قُلْت: قَالَ بَعْضٌ: وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِطَهَارَةٍ لِأَجْلِ الْمَعَاطِيفِ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ وَالْمَكَانَ إنَّمَا يُوصَفَانِ بِالطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ الطَّهُورِيَّةَ مِنْ خَوَاصِّ الْمَاءِ اهـ.
[قَوْلُهُ: لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ] أَيْ لِأَجْلِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِاشْتِرَاطِ وَفِيهِ قُصُورٌ فَإِنَّهَا مُشْتَرَطَةٌ أَيْضًا فِي زَوَالِ النَّجَاسَةِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِمَا لِكَوْنِهِمَا الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِمَا [قَوْلُهُ: وَبَيَانِ صِفَتِهِ] أَيْ صِفَةِ الْمَاءِ الْمَوْصُوفِ بِالطَّهُورِيَّةِ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ: فِيمَا سَيَأْتِي، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ إلَخْ [قَوْلُهُ: وَفِي بَيَانِ طَهَارَةِ الْبُقْعَةِ] أَيْ اشْتِرَاطِ فَقَدْ حَذَفَهُ مِنْ هُنَا لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، وَرَتَّبَ بَيْنَ الثَّوْبِ وَالْبُقْعَةِ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْبُقْعَةِ [قَوْلُهُ: فِي الصَّلَاةِ] مُتَعَلِّقٌ بِاشْتِرَاطِ الْمَحْذُوفِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِي الصَّلَاةِ مَحْذُوفٌ مِنْ هُنَا لِدَلَالَةِ الْأَخِيرِ عَلَيْهِ، أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ، وَفِي بَيَانِ مَا يُجْزِئُ إلَخْ لَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّرَهُ فِي الثَّوْبِ فَيَقُولَ: هَكَذَا طَهَارَةُ الثَّوْبِ فِي الصَّلَاةِ وَالْبُقْعَةِ فِي الصَّلَاةِ، أَيْ إنَّ اشْتِرَاطَ طَهَارَةِ كُلٍّ مِنْ الثَّوْبِ وَالْبُقْعَةِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ، وَسَكَتَ عَنْ الْبَدَنِ اكْتِفَاءً بِمَا ذَكَرَهُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ التَّلَطُّخَ بِالنَّجَاسَةِ مَكْرُوهٌ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْخَمْرِ، وَأَمَّا هُوَ فَالتَّلَطُّخُ بِهِ حَرَامٌ كَمَا لَا يَخْفَى، وَكَانَ اللَّائِقُ ذِكْرَ طَهَارَةِ الثَّوْبِ وَالْبُقْعَةِ، وَمَا يُجْزِئُ مِنْ اللِّبَاسِ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ شُرُوطِهَا فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَهُوَ بَعْضُ حَدِيثٍ إلَخْ] وَنَصُّ الْمُوَطَّإِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَقَدْ عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ فَقَالَ إنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلْيَنْظُرْ بِمَا يُنَاجِيهِ وَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ» .
[قَوْلُهُ: عَنْ إحْضَارِ الْقَلْبِ] الْمُنَاسِبُ حُضُورُ الْقَلْبِ، وَأَرَادَ بِالْقَلْبِ النَّفْسَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُدْرِكَ إنَّمَا هُوَ النَّفْسُ وَتَقَدَّمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَطْلَقَهُ عَلَيْهَا.
[قَوْلُهُ: وَالْخُشُوعُ إلَخْ] عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَعَدَمُ الْخُشُوعِ سَبَبُهُ الْخَوَاطِرُ، وَهِيَ تَارَةً تَكُونُ مِنْ قِبَلِ النَّفْسِ وَتَارَةً بِإِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ، وَيُقَالُ لِلَّذِي مِنْ قِبَلِ النَّفْسِ هَاجِسٌ، وَاَلَّذِي مِنْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ وَسْوَاسٌ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي قَمْعِ النُّفُوسِ وَحُكْمُ الْخُشُوعِ الْوُجُوبُ فِي جُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ، وَقِيلَ مَعْنَى مُنَاجَاةِ
التَّرْجَمَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (فَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (أَنْ يَتَأَهَّبَ) أَيْ يَسْتَعِدَّ (لِذَلِكَ) أَيْ الصَّلَاةِ، وَمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمُنَاجَاةِ (بِالْوُضُوءِ أَوْ بِالطُّهْرِ) أَيْ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ لِعِظَمِ شَرَفِهَا مُسْتَحِقَّةٌ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا، وَتَشْرِيفُهَا وَتَعْظِيمُهَا الْوُضُوءُ أَوْ الطُّهْرُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ الطُّهْرَ بِقَوْلِهِ: (إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الطُّهْرُ) أَيْ الْغُسْلُ بِأَحَدِ مُوجِبَاتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعْدَادَ بِالْغُسْلِ لَا يَكُونُ إلَّا إذَا وَجَبَ، وَالِاسْتِعْدَادَ بِالْوُضُوءِ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ وُجُوبٍ إذْ يُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُهُ لِكُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ بَعْدَ أَنْ صَلَّى بِهِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَلْ رُبَّمَا كَانَ بِدْعَةً (وَيَكُونُ ذَلِكَ) الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ (بِمَاءٍ طَاهِرٍ غَيْرِ مَشُوبٍ) أَيْ غَيْرِ مَخْلُوطٍ (بِنَجَاسَةٍ) غَيَّرَتْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَا بِمَا قَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ) يَعْنِي أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ (لِشَيْءٍ خَالَطَهُ مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ أَوْ طَاهِرٍ) تَكْرَارٌ بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ وَكَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ
[حاشية العدوي]
الرَّبِّ مُسَارَرْتُهُ أَيْ تَحَدُّثُهُ مَعَهُ أَيْ بِقَوْلِهِ إيَّاكَ نَعْبُدُ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ] أَيْ وُجُوبًا بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ، وَنَدْبًا بِالنِّسْبَةِ لِمَا احْتَوَتْ أَوْ وُجُوبًا فَقَطْ بِالنَّظَرِ لِلْمَجْمُوعِ، [قَوْلُهُ: أَيْ لِلصَّلَاةِ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَدْلُولَ اللَّفْظِ إنَّمَا الْمَدْلُولُ مَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمُنَاجَاةِ؛ لِأَنَّهُ الْمَحْكُومُ بِهِ عَلَى الْمُصَلِّي فِي قَوْلِهِ وَالْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ] أَيْ الصَّلَاةَ وَمَا احْتَوَتْ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْت الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ الْحَالَتَانِ قُلْت لَمَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ مُحْتَوِيَةً عَلَى الْمُنَاجَاةِ عُدَّتْ حَالَةً وَاحِدَةً.
[قَوْلُهُ: لِعِظَمِ شَرَفِهَا] أَمَّا الْمُنَاجَاةُ فَظَاهِرَةٌ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا خِدْمَةٌ لِلرَّبِّ.
[قَوْلُهُ: وَتَعْظِيمُهَا] الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَنْ عَطْفِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ.
[قَوْلُهُ: الْوُضُوءُ] أَيْ بِالْوُضُوءِ إلَخْ، فَفِي الْعِبَارَةِ مُبَالَغَةٌ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهَا جُمْلَةٌ مُعَرَّفَةُ الطَّرَفَيْنِ، فَتُفِيدُ الْحَصْرَ وَهُوَ إضَافِيٌّ، أَيْ لَا عَدَمُهُمَا فَلَا يُنَافِي أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ تَعْظِيمِهَا إزَالَةَ النَّجَاسَةِ عَنْ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ أَيْضًا الطَّهَارَةُ الْبَاطِنَةُ مِنْ الْحَسَدِ وَالْكِبْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَطَهَّرَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَلَا يَكُونَ كَمَنْ بَنَى دَارًا حَسَّنَ ظَاهِرَهَا وَتَرَكَ بَاطِنَهَا مَمْلُوءًا بِالنَّجَاسَةِ، وَإِنَّمَا تَرَكَ الْبَاطِنَةَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ.
[قَوْلُهُ: لِأَنَّ الِاسْتِعْدَادَ بِالْغُسْلِ] أَيْ الَّذِي تَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ فَأَرَادَ الْوُضُوءَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مُصَاحِبًا لِطُهْرٍ.
[قَوْلُهُ: لِكُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ] لَا مَفْهُومَ لِفَرْضٍ، بَلْ وَمِثْلُهُ صَلَاةُ النَّفْلِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، أَيْ لَا لِغَيْرِهَا كَمَسِّ مُصْحَفٍ وَلَوْ صَلَّى بِهِ فَرْضًا [قَوْلُهُ: بَعْدَ أَنْ صَلَّى بِهِ] أَيْ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا وَلَا مَفْهُومَ لَهُ، إذْ مِثْلُ الصَّلَاةِ بِهِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطَّهَارَةِ كَطَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ [قَوْلُهُ: وَلَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ] أَيْ وَلَا يُسَنُّ [قَوْلُهُ: لِكُلِّ صَلَاةٍ] أَيْ لَا نَقُولُ بِالسُّنِّيَّةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْجُمُعَةَ يُسَنُّ الْغُسْلُ لَهَا وَلَا يَرِدُ غُسْلُ الْعِيدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ [قَوْلُهُ: بَلْ رُبَّمَا كَانَ بِدْعَةً] رُبَّ لِلتَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: وَالْغُسْلُ] الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ لِيُوَافِقَ مَا تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ أَفْرَدَ اسْمَ الْإِشَارَةِ [قَوْلُهُ: بِمَاءٍ طَاهِرٍ] الْأَوْلَى طَهُورٍ [قَوْلُهُ: أَيْ غَيْرِ مَخْلُوطٍ] أَيْ لِأَنَّك تَقُولُ شُبْت اللَّبَنَ بِالْمَاءِ أَشُوبُهُ، فَهُوَ مَشُوبٌ أَيْ مَخْلُوطٌ وَهُوَ تَوْضِيحٌ لِلْمَاءِ الطَّهُورِ، لَا أَنَّهُ قَيْدٌ لَهُ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ الْمَاءَ الطَّهُورَ قَدْ يَكُونُ مَشُوبًا بِمَا ذُكِرَ وَغَيْرَ مَشُوبٍ.
[قَوْلُهُ: غَيَّرَتْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ] أَيْ تَحْقِيقًا أَوْ غَلَبَةَ ظَنٍّ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَقْوَ الظَّنُّ فَلَا يَضُرُّ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضٌ وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ أَنَّهُ يَضُرُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَنَخُصُّ هَذَا بِمَا عَدَا الْقَلِيلَ لِقَوْلِهِ فِيمَا سَيَأْتِي وَقَلِيلُ الْمَاءِ إلَخْ.
[قَوْلُهُ: وَلَا بِمَا إلَخْ] مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ وَالتَّقْدِيرُ فَلَا يَصِحُّ بِمَا شَابَتْهُ نَجَاسَةٌ غَيَّرَتْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ وَلَا بِمَا.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي أَوْ طَعْمُهُ] إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُرِدْ قَصْرَ التَّغَيُّرِ عَلَى اللَّوْنِ وَحْدَهُ، [قَوْلُهُ: لِشَيْءٍ خَالَطَهُ] اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ لِأَجْلِ شَيْءٍ خَالَطَهُ أَيْ مَازَجَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَقُولُ أَيْ مُفَارِقٌ غَالِبًا مَازَجَ الْمَاءَ وَتَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ فَإِنَّهُ يَسْلُبُ طَهُورِيَّتَهُ، وَمَفْهُومُ خَالَطَ أَمْرَانِ مُجَاوِرٌ غَيْرُ مُلَاصِقٍ وَمُجَاوِرٌ مُلَاصِقٌ فَأَمَّا الْمُجَاوِرُ الْمُلَاصِقُ فَحُكْمُهُ كَالْمُمَازِجِ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا، وَيُمْكِنُ شُمُولُ الْمُصَنِّفِ لَهَا بِأَنْ يُرَادَ بِالْمُخَالِطِ الْمُلَابِسُ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُلَاصِقِ فَلَا يَضُرُّ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا لَوْ فَرَضْنَا أَوْ رِيحًا فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: نَجِسٍ] كَالْبَوْلِ
قَوْلُهُ: (إلَّا غَيَّرَتْ لَوْنَهُ الْأَرْضُ الَّتِي هُوَ) أَيْ الْمَاءُ (بِهَا) أَيْ بِالْأَرْضِ حَالَ اتِّصَالِهِ بِهَا وَمُلَازَمَتِهِ لَهَا (مِنْ سَبَخَةٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ، وَهِيَ أَرْضٌ ذَاتُ مِلْحٍ وَرَشْحٍ مُلَازِمٍ (أَوْ حَمْأَةٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَهِيَ طِينٌ أَسْوَدُ مُنْتِنٌ (وَنَحْوِهِمَا) كَالْمِلْحِ وَالْكِبْرِيتِ مِمَّا يَكُونُ قَرَارًا لَهُ فَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا هُوَ قَرَارٌ لَهُ فَغَيَّرَهُ كَإِلْقَاءِ رِيحٍ لَمْ يَضُرَّ اتِّفَاقًا، وَالتُّرَابُ وَالْمِلْحُ الْمَطْرُوحُ فِيهِ قَصْدًا لَا يَضُرُّ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَمَاءُ السَّمَاءِ) الْمُرَادُ
[حاشية العدوي]
قَوْلُهُ: أَوْ طَاهِرٍ] كَاللَّبَنِ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْقَطِرَانُ يَكُونُ دِبَاغًا لِلْقِرْبَةِ، فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دِبَاغًا فَيَضُرُّ تَغَيُّرُ الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ، لَا الرِّيحِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ مُسَافِرٍ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ الْقَطِرَانُ فِي أَسْفَلِ الْمَاءِ أَوْ أَعْلَاهُ.
[قَوْلُهُ: تَكْرَارٌ بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ] ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ غَيْرِ مَشُوبٍ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِالْمَخْلُوطِ بِالنَّجَاسَةِ الْمُغَيِّرَةِ فَهُوَ تَكْرَارٌ بِحَسَبِهِ، فَالتَّكْرَارُ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ طَرَفٍ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ أَوْ طَاهِرٍ فَلَيْسَ بِتَكْرَارٍ إذْ تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ كَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ غَيْرَ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ إنَّمَا يُنَاسِبُ الطَّرَفَ الَّذِي لَيْسَ تَكْرَارٌ بِحَسَبِهِ الَّذِي هُوَ طَاهِرٌ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: إلَّا مَا غَيَّرَتْ إلَخْ] اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ طَاهِرًا مُنْقَطِعًا إنْ أُرِيدَ بِهِ الْمُخَالِطُ الْحَالُّ وَمُتَّصِلًا إنْ أُرِيدَ بِهِ الْمُلَابِسُ.
[قَوْلُهُ: لَوْنَهُ] لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْ الْمُقَرِّ غَالِبًا.
[قَوْلُهُ: الَّتِي هُوَ بِهَا] لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ مِثْلُهُ تَغَيُّرُهُ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ بِهَا [قَوْلُهُ: حَالَ اتِّصَالِهِ] سَيَأْتِي يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ عَلَى مَا تَبَيَّنَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ الَّتِي هُوَ بِهَا قَيْدٌ، وَقَوْلُهُ وَحَالَ قَيْدٌ آخَرُ [قَوْلُهُ: وَمُلَازَمَتِهِ] عَيَّنَ الَّذِي قَبْلَهُ [قَوْلُهُ: وَالْمُوَحَّدَةِ] أَيْ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ [قَوْلُهُ: ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ] أَيْ فَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ أَتَى لَفْظَ سَبَخَةٍ بِفَتْحِ الْأَحْرُفِ الثَّلَاثَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَارِحُنَا وَهُوَ تَابِعٌ فِيهِ لِمُخْتَصَرِ الْعَيْنِ وَكَذَا رِوَايَةُ الْفَاكِهَانِيِّ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَصَدَّرَ تت، بِأَنَّهَا بِكَسْرِ الْبَاءِ أَقُولُ: وَفِي عِبَارَتِهِ بَحْثٌ عَنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلتَّعْبِيرِ بِثُمَّ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ التَّاءِ لَا يَكُونُ إلَّا مَفْتُوحًا، وَيُجَابُ عَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ قَصَدَ الْإِيضَاحَ [قَوْلُهُ: وَهِيَ] أَيْ السَّبَخَةُ وَقَوْلُهُ وَرَشْحٍ أَيْ الْمِلْحِ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ الْعِبَارَةِ وَقَضِيَّةُ الْوَصْفِ بِقَوْلِهِ مُلَازِمٍ، أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ عَدَمُ لُزُومِهِ لَا يُقَالُ لَهَا سَبَخَةٌ، وَانْظُرْهُ ثُمَّ أَقُولُ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُغَيِّرَ نَفْسُ الْأَرْضِ، مَعَ أَنَّ الْمُغَيِّرَ مَا حَلَّ فِيهَا مِنْ الْمِلْحِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ بَلْ الْمُتَعَيَّنُ وَمُفَادُهُ أَنَّ ذَاتَ الْأَرْضِ لَيْسَتْ مِلْحًا بَلْ تَرْشَحُ مِلْحًا، هَذَا وَاَلَّذِي فِي الْمِصْبَاحِ أَرْضٌ سَبَخَةٌ أَيْ مَلِحَةً، وَفِي أَبِي الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ وَالسَّبَخَةُ الْمَالِحَةُ أَيْ الَّتِي لَا تُنْبِتُ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا أَحْسَنُ مِنْ كَلَامِ شَارِحِنَا، [قَوْلُهُ: مُنْتِنٌ] هَذَا النَّتْنُ ذَاتِيٌّ لَا مِنْ شَيْءٍ طَارِئٍ.
[قَوْلُهُ: كَالْمِلْحِ] لَا حَاجَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ الْمُشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ مِنْ سَبَخَةٍ، وَكَذَا إذَا تَغَيَّرَ بِالْجِيرِ أَوْ الْفَخَّارِ وَجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، وَلَوْ صُنِعَتْ وَكَذَلِكَ بِالْحَدِيدِ وَصَدَئِهِ، [قَوْلُهُ: فَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ] مُحْتَرِزُ قَوْلِهِ حَالَ اتِّصَالِهِ بِهَا أَيْ فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ حَالَ اتِّصَالِهِ بِهَا، هَذَا إذَا أُرِيدَ مِمَّا هُوَ قَرَارٌ لَهُ بِالْفِعْلِ، فَلَوْ أُرِيدَ مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ قَرَارًا لَهُ كَانَ قَرَارًا لَهُ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا فَيَكُونَ مُحْتَرِزًا لِلْقَيْدَيْنِ مَعًا [قَوْلُهُ: وَالتُّرَابُ إلَخْ] تَخْصِيصُهُ ذَلِكَ بِالتُّرَابِ وَالْمِلْحِ يُوهِمُ أَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يُشَارِكُهُمَا فِي الْخِلَافِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْخِلَافُ جَارٍ فِي الْمَغْرَةِ وَالْكِبْرِيتِ وَنَحْوِهِمَا كَالتُّرَابِ كَمَا فِي بَهْرَامَ وَأَجَابَ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ، بِأَنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِ أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ إلَى الْمَاءِ، وَأَبْعَدِهَا وَهُوَ الْمِلْحُ لِكَوْنِهِمَا طَرَفَيْ غَايَةٍ لِيُعْلَمَ مَا بَيْنَهُمَا بِالْقِيَاسِ، فَأَلْ فِي الْمِلْحِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، أَيْ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمِلْحِ كَانَ أَصْلُهُ مَاءً وَجَمَدَ أَوْ صُنِعَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَتُرَابٍ بِنَارٍ أَوْ حِجَارَةٍ مِنْ مَعْدِنِهِ، نَعَمْ يَخْرُجُ مِنْهُ مَا كَانَ مَصْنُوعًا مِنْ أَرَاكٍ فَيَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ كَمَا ذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ.
[قَوْلُهُ: قَصْدًا] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التُّرَابَ أَوْ غَيْرَهُ لَوْ أَلْقَتْهُ الرِّيحُ مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ بَهْرَامُ، [قَوْلُهُ: لَا يَضُرُّ] أَيْ عِنْدَ التَّغَيُّرِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمُقَابِلُهُ لِلْمَازِرِيِّ أَنَّ الْمَطْرُوحَ
بِهِ الْمَطَرُ وَالنَّدَى وَالثَّلْجُ وَالْبَرَدُ وَنَحْوُهُ ذَابَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِعِلَاجٍ، (وَمَاءُ الْعُيُونِ وَمَاءُ الْآبَارِ) حَتَّى مَاءِ زَمْزَمَ (وَمَاءُ الْبَحْرِ) الْعَذْبُ وَالْمَالِحُ (طَيِّبٌ) فِي ذَاتِهِ لِكُلِّ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ (طَاهِرٌ) فِي نَفْسِهِ مَا دَامَ غَيْرَ مُخَالَطٍ بِنَجِسٍ (مُطَهِّرٌ لِ) غَيْرِهِ كَا (لنَّجَاسَاتِ) وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْأَحْدَاثِ مَا دَامَ بَاقِيًا عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ لَمْ يُغَيِّرْهُ شَيْءٌ مِمَّا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِيمَا تَقَدَّمَ لِيُنَبِّهَ عَلَى مَا فِي بَعْضِهَا مِنْ الْخِلَافِ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَاءِ الْآبَارِ وَالْعُيُونِ وَعَنْ ابْنِ شَعْبَانَ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ كَرَاهَةُ الْوُضُوءِ
[حاشية العدوي]
قَصْدًا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ لِانْفِكَاكِ الْمَاءِ عَنْهُ
[قَوْلُهُ: وَالثَّلْجُ] هُوَ مَاءٌ يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَنْعَقِدُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، ثُمَّ يَذُوبُ بَعْدَ جُمُودِهِ.
[قَوْلُهُ: وَالْبَرَدُ] بِفَتْحَتَيْنِ شَيْءٌ يَنْزِلُ مِنْ السَّحَابِ يُشْبِهُ الْحَصَا قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ، [قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ] أَيْ كَالْجَلِيدِ مَا يَسْقُطُ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ النَّدَى فَيَجْمُدُ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ [قَوْلُهُ: وَمَاءُ الْآبَارِ] وَلَوْ آبَارَ ثَمُودَ فَيَصِحُّ الْوُضُوءُ بِمَائِهَا وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ عَذْبٌ، كَذَا قَالَ عج إلَّا أَنَّ شَارِحَ الْحُدُودِ جَزَمَ بِالْبُطْلَانِ فَيَقْدَحُ فِي قَوْلِ عج [قَوْلُهُ: حَتَّى مَاءِ زَمْزَمَ] أَيْ خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَانَ فِي أَنَّهُ لَا تُزَالُ بِهِ نَجَاسَةٌ وَلَا يُغَسَّلُ بِهِ مَيِّتٌ إكْرَامًا لَهُ كَذَا صَرَّحَ بِذَلِكَ تت، وَعِبَارَةُ ابْنِ شَعْبَانَ مُحْتَمِلَةٌ لِلْمَنْعِ وَالْكَرَاهَةِ، فَإِنْ حُمِلَتْ عَلَى الْمَنْعِ كَانَ مُخَالِفًا لِلْمَذْهَبِ، وَإِنْ حُمِلَتْ عَلَى الْكَرَاهَةِ كَانَ مُوَافِقًا لِلْمَذْهَبِ، فِي كَرَاهَةِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِهِ، وَأَفَادَ الْحَطَّابُ، أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ بِهِ إذَا كَانَ طَاهِرَ الْأَعْضَاءِ، بَلْ صَرَّحَ ابْنُ حَبِيبٍ بِاسْتِحْبَابِ مَا ذُكِرَ أَيْ مِنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَحَاصِلُ هَذِهِ الْغَايَةِ الَّتِي فِي كَلَامِ شَارِحِنَا إنَّمَا هِيَ لِلرَّدِّ عَلَى ابْنِ شَعْبَانَ عَلَى حَمْلِ عِبَارَتِهِ عَلَى الْحُرْمَةِ فِي خُصُوصِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، أَوْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ إذَا كَانَ عَلَى الْأَعْضَاءِ نَجَاسَةٌ.
[قَوْلُهُ: الْعَذْبُ وَالْمَالِحُ] وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَالِحُ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ التَّغْيِيرِ إذْ طَعْمُهُ مُرٌّ مَالِحٌ وَرِيحُهُ مُنْتِنٌ.
[قَوْلُهُ: طَيِّبٌ طَاهِرٌ إلَخْ] قَالَ تت: وَحَذْفُ طَاهِرٍ طَيِّبٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ السَّابِقَةِ، لِدَلَالَةِ هَذَا عَلَيْهِ اهـ، أَوْ أَنَّهُ لَا حَذْفَ لِكَوْنِ الْمُبْتَدَأِ وَاحِدًا، وَإِنْ اخْتَلَفَ بِالْإِضَافَةِ.
[قَوْلُهُ: طَيِّبٌ فِي ذَاتِهِ إلَخْ] أَيْ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ [قَوْلُهُ: لِكُلِّ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ] أَيْ عَادَةً أَوْ عِبَادَةً فَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ تَفْصِيلٌ لَهُ، فَأَشَارَ بِطَاهِرٍ إلَى الْعَادَاتِ وَأَشَارَ بِمُطَهِّرٍ إلَى الْعِبَادَاتِ، هَذَا مُرَادُ شَارِحِنَا وَقِيلَ إنَّ الطَّاهِرَ مُرَادِفٌ لِلطَّيِّبِ فَهُوَ تَفْسِيرٌ لَهُ [قَوْلُهُ: فِي نَفْسِهِ] أَيْ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ [قَوْلُهُ: مَا دَامَ غَيْرَ مُخَالَطٍ بِنَجِسٍ] أَيْ أَصْلًا، وَلَا نَقُولُ أَوْ خَالَطَ وَلَمْ يُغَيَّرْ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِيهِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ مِنْ حَيْثُ الْعَادَاتُ فَقَطْ، وَالشَّيْءُ إذَا نُظِرَ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ يَتَحَقَّقُ فِي مَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ مَتَى أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ وَلَوْ قَلِيلَةً نَجَّسَتْهُ وَلَا يُعْتَبَرُ تَغَيُّرًا.
[قَوْلُهُ: كَالنَّجَاسَاتِ] أَيْ كَمَحَلِّ النَّجَاسَاتِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُطَهَّرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ الْمَحَلُّ لَا عَيْنُ النَّجَاسَةِ.
[قَوْلُهُ: وَمَا فِي مَعْنَاهَا إلَخْ] إنْ قُلْت لِمَ سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْأَحْدَاثِ، حَتَّى احْتَاجَ الشَّارِحُ إلَى زِيَادَتِهَا قُلْت إنَّمَا ذَكَرَ تَطْهِيرَهُ لِلنَّجَاسَاتِ لِلْخِلَافِ فِيهَا، فَقَدْ قِيلَ إنَّهَا تُطَهَّرُ بِالْمُضَافِ، وَأَمَّا رَفْعُهُ لِلْحَدَثِ فَبِاتِّفَاقٍ فَلِذَلِكَ سَكَتَ عَنْهُ.
[قَوْلُهُ: أَصْلِ خِلْقَتِهِ] إضَافَةُ أَصْلٍ إلَى الْخِلْقَةِ لِلْبَيَانِ [قَوْلُهُ: لَمْ يُغَيِّرْهُ شَيْءٌ مِمَّا يَنْفَكُّ إلَخْ] صَادِقٌ بِأَنْ لَا يُغَيَّرَ أَصْلًا أَوْ يُغَيَّرَ بِمَا لَا يَنْفَكُّ، وَمِمَّا لَا يَنْفَكُّ تَغَيُّرُ النَّدَى بِالْبِرْسِيمِ يُجْمَعُ مِنْ فَوْقِهِ فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُتَغَيِّرِ بِقَرَارِهِ.
[قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِيمَا تَقَدَّمَ] أَيْ فِي قَوْلِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ إلَخْ فَتَأَمَّلْ.
[قَوْلُهُ: لِيُنَبِّهَ عَلَى مَا فِي بَعْضِهَا مِنْ الْخِلَافِ] لَا يَخْفَى أَنَّ الْخِلَافَ إذَا كَانَ فِي الْبَعْضِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَاءِ السَّمَاءِ خِلَافٌ، وَكَذَا مَاءُ الْبَحْرِ، عَلَى مَا أَفَادَتْهُ عِبَارَتُهُ مِنْ ذِكْرِهِ مَوْضِعَ الْخِلَافِ فَلَا يُعْقَلُ مِنْ كَلَامِهِ تَنْبِيهٌ عَلَى خِلَافٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا عَلَى مَا أَفَادَتْهُ عِبَارَتُهُ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ فِي مَاءِ الْبَحْرِ التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْهُ [قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِمَاءِ الْآبَارِ إلَخْ] أَيْ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48] وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر: 21] [قَوْلُهُ: وَعَنْ ابْنِ شَعْبَانَ] هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ شَعْبَانَ
بِمَاءِ زَمْزَمَ، وَدَلِيلُ مَا قَالَ الشَّيْخُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43] وَهَذَا وَاجِدٌ لِلْمَاءِ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَلَمَّا ذَكَرَ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِشَيْءٍ خَالَطَهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مُغَيِّرِهِ، وَبَدَأَ بِالْمُغَيِّرِ إذَا كَانَ طَاهِرًا فَقَالَ: (وَمَا غُيِّرَ لَوْنُهُ) أَيْ لَوْنُ الْمَاءِ يَعْنِي أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ (بِشَيْءٍ طَاهِرٍ) مِمَّا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا كَالْعَجِينِ (حَلَّ) أَيْ وَقَعَ (فِيهِ فَذَلِكَ الْمَاءُ طَاهِرٌ) فِي نَفْسِهِ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعَادَاتِ دُونَ الْعِبَادَاتِ (غَيْرُ مُطَهِّرٍ) لِغَيْرِهِ لَا يُسْتَعْمَلُ (فِي وُضُوءٍ أَوْ طُهْرٍ) أَيْ غُسْلٍ اتِّفَاقًا (أَوْ) فِي (زَوَالِ نَجَاسَةٍ) فَمَنْ اسْتَنْجَى بِهِ أَعَادَ الِاسْتِنْجَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ إلَّا عَيْنُ النَّجَاسَةِ دُونَ حُكْمِهَا، وَلَوْ أُزِيلَ بِهِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، ثُمَّ لَاقَى مَحَلُّهَا وَهُوَ مَبْلُولٌ مَحَلًّا آخَرَ لَمْ يَتَنَجَّسْ عَلَى الصَّحِيحِ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْمُتَغَيِّرِ بِالنَّجِسِ فَقَالَ: (وَمَا غَيَّرَتْهُ النَّجَاسَةُ) كَالْعَذِرَةِ سَوَاءٌ كَانَ التَّغَيُّرُ فِي طَعْمِهِ أَوْ لَوْنِهِ أَوْ رِيحِهِ قَلِيلًا كَانَ الْمَاءُ أَوْ كَثِيرًا كَانَتْ لَهُ مَادَّةٌ أَمْ لَا (فَلَيْسَ بِطَاهِرٍ) فِي نَفْسِهِ فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعِبَادَاتِ (وَلَا مُطَهِّرٍ لِغَيْرِهِ) فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْعِبَادَاتِ أَيْضًا هَذَا إذَا تَحَقَّقَ نَجَاسَتُهُ أَوْ أَخْبَرَهُ الْوَاحِدُ الْعَدْلُ بِنَجَاسَتِهِ، وَكَانَ عَلَى
[حاشية العدوي]
كَانَ أَرْأَسَ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ بِمِصْرَ فِي وَقْتِهِ وَأَحْفَظَهُمْ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ، كَانَ وَاسِعَ الرِّوَايَةِ كَثِيرَ الْحَدِيثِ شَيْخَ الْفَتْوَى حَافِظَ الْبَلَدِ، وَكَانَ يَلْحَنُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَصِيرَةٌ بِالْعَرَبِيَّةِ مَعَ غَزَارَةِ عِلْمِهِ قَالَهُ فِي الدِّيبَاجِ [قَوْلُهُ: كَرَاهَةُ الْوُضُوءِ بِمَاءِ زَمْزَمَ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ، أَيْ لِأَنَّهُ طَعَامٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - هُوَ طَعَامٌ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ خِلَافُهُ إلَّا فِي زَوَالِ النَّجَاسَةِ، فَيُجَلُّ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ فِيهَا وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ طَهَّرَ اهـ، أَقُولُ وَفِي الْكَلَامِ بَحْثٌ أَمَّا
أَوَّلًا فَإِنَّ خِلَافَ ابْنِ شَعْبَانَ كَمَا تَقَدَّمَ إنَّمَا هُوَ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ، لَا فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ إذَا كَانَ طَاهِرَ الْأَعْضَاءِ، وَأَمَّا
ثَانِيًا فَلِأَنَّ مُقْتَضَى كَوْنِهِ طَعَامًا أَنَّهُ يُحَرَّمُ لَا يُكْرَهُ الَّتِي تَنْصَرِفُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِلتَّنْزِيهِ
وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا يَصِحُّ التَّطْهِيرُ بِهِ، وَالْكَرَاهَةُ وَعَدَمُهَا شَيْءٌ آخَرُ، فَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ الذِّكْرُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى خِلَافِهِ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَدَلِيلُ مَا قَالَ الشَّيْخُ] أَيْ فِي مَحَلِّ الِاتِّفَاقِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ مَحَلُّ اتِّفَاقٍ عَلَى مُفَادِ كَلَامِهِ [قَوْلُهُ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ] أَيْ الْبَحْرُ الْمَالِحُ كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ.
قَالَ وَسُمِّيَ بَحْرًا لِعُمْقِهِ وَاتِّسَاعِهِ.
[قَوْلُهُ: يَعْنِي أَوْ طَعْمُهُ إلَخْ] قَالَ تت: وَلَعَلَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى اللَّوْنِ لِاسْتِلْزَامِهِ تَغَيُّرَ الرِّيحِ وَالطَّعْمِ غَالِبًا اهـ.
[قَوْلُهُ: يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ] تَفْرِيعٌ عَلَى كَوْنِهِ طَاهِرًا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَقَّقُ تَفْرِيعُهُ عَلَيْهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاءَ الطَّهُورَ طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْعِبَادَاتِ إلَّا أَنَّهُ أَيْ الِاسْتِعْمَالَ فِي الْعِبَادَاتِ لَيْسَ لَازِمًا تَفْرِيعُهُ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى كَوْنِهِ طَاهِرًا فِي نَفْسِهِ لِوُجُودِهِ فِي مَاءِ الْعَجِينِ، وَلَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمَالُ فِي الْعِبَادَاتِ، [قَوْلُهُ: فِي وُضُوءٍ أَوْ طُهْرٍ أَيْ غُسْلٍ] وَلَوْ كَانَ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ غَيْرَ وَاجِبَيْنِ.
[قَوْلُهُ: أَوْ فِي زَوَالِ نَجَاسَةٍ] أَيْ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ إلَّا عَيْنُ النَّجَاسَةِ] قَدْ يُقَالُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أُزِيلَتْ بِهِ الْعَيْنُ، بَلْ كَثُرَتْ بِالنَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُضَافَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَالطَّعَامِ يُنَجَّسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ فَقَوْلُهُ لَمْ يَتَنَجَّسْ، أَيْ مُلَاقِي مَحَلِّهَا مُشْكِلٌ غَايَةَ الْإِشْكَالِ، وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ، بِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُضَافَ لَيْسَ حُكْمُهُ حُكْمَ الطَّعَامِ، وَإِنَّمَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُطْلَقِ فَهُوَ مَشْهُورٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ.
[قَوْلُهُ: عَلَى الصَّحِيحِ] وَمُقَابِلُهُ مَا لِلْقَابِسِيِّ مِنْ أَنَّهُ يُنَجَّسُ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لَوْ دَهَنَ الدَّلْوَ الْجَدِيدَ بِالزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ أَيْ وَاسْتَنْجَى مِنْهُ، فَيُعِيدُ الِاسْتِنْجَاءُ دُونَ غَسْلِ ثِيَابِهِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَمَعَ غَسْلِهَا عَلَى الثَّانِي.
[قَوْلُهُ: هَذَا إذَا تَحَقَّقَ نَجَاسَتَهُ] أَيْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ، وَمِثْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ إذَا ظَنَّ ذَلِكَ كَمَا يُفِيدُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّهُ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ وُجُودُ نَجَاسَةٍ كَثِيرَةٍ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ تَغَيُّرٌ [قَوْلُهُ: الْوَاحِدُ] لَا مَفْهُومَ لَهُ، بَلْ وَالْأَكْثَرُ قَالَهُ النَّاصِرُ كَانَ مِنْ الْإِنْسِ أَوْ الْجِنِّ.
[قَوْلُهُ: الْعَدْلُ] أَيْ عَدْلُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ غَيْرُ الْفَاسِقِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى حُرًّا كَانَ
مَذْهَبِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَبَيَّنَ وَجْهَ النَّجَاسَةِ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهَا فَلَا يُعْمَلُ عَلَى قَوْلِهِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ غَيَّرَتْهُ أَنَّهَا إنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ يَكُونُ طَاهِرًا مُطَهِّرًا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ (وَقَلِيلُ الْمَاءِ) كَآنِيَةِ الْوُضُوءِ لِلْمُتَوَضِّئِ وَآنِيَةِ الْغُسْلِ لِلْمُغْتَسِلِ (يُنَجِّسُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ) وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ طَهُورٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ
وَقَدْ تَبَرَّعَ فِي هَذَا الْبَابِ بِمَسْأَلَةٍ كَانَ حَقُّهَا أَنْ تُذْكَرَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ وَهِيَ قَوْلُهُ: (وَقِلَّةُ الْمَاءِ مَعَ إحْكَامِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ إتْقَانِ (الْغُسْلِ) وَتَعْمِيمِهِ فِي الْعُضْوِ الْمَغْسُولِ (سُنَّةٌ) قِيلَ أَرَادَ بِهَا الْمُسْتَحَبَّ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهَا ضِدَّ الْبِدْعَةِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ: (وَالسَّرَفُ مِنْهُ) أَيْ الْإِكْثَارُ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ (غُلُوٌّ) أَيْ زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ (وَبِدْعَةٌ) أَيْ مُحْدَثٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَهِيَ حَرَامٌ،
[حاشية العدوي]
أَوْ عَبْدًا [قَوْلُهُ: وَكَانَ عَلَى مَذْهَبِهِ] أَيْ بِأَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لَهُ فِي الْحُكْمِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَلَوْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ فِي الْمَذْهَبِ ذَكَرَهُ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ وَارْتَضَاهُ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
[قَوْلُهُ: فَلَا يَعْمَلُ عَلَى قَوْلِهِ] أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمَازِرِيَّ قَالَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ أَيْ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِخَبَرِهِ مُشْتَبَهًا وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، أَنَّهُ لَا يُنْدَبُ لَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ، فَإِنْ قُلْت لِمَ اسْتَحَبَّ تَرْكَهُ مَعَ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّهُ إذَا شَكَّ فِي مُغَيِّرِهِ هَلْ يَضُرُّ يَكُونُ طَهُورًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ قُلْت إنَّمَا اسْتَحَبَّ تَرْكَهُ هُنَا؛ لِأَنَّ شَأْنَ خَبَرِ الْمُخْبِرِ، أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنْ الشَّكِّ قَالَهُ عج: وَسَكَتَ الشَّارِحُ عَمَّا إذَا أُخْبِرَ بِطَهَارَتِهِ أَوْ طَهُورِيَّتِهِ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يُقْبَلُ، وَلَوْ كَانَ كَافِرًا وَصَبِيًّا؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ عَلَى هَذَا وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْهُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ مَا يُوجِبُ الشَّكَّ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ خَبَرَهُ إنْ بَيَّنَ وَجْهًا أَوْ اتَّفَقَا مَذْهَبًا قَالَهُ عج أَيْضًا.
[قَوْلُهُ: وَآنِيَةِ الْغُسْلِ لِلْمُغْتَسِلِ] لَا مَفْهُومَ لِلْمُغْتَسِلِ بَلْ هِيَ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَوَضِّئِ أَيْضًا [قَوْلُهُ: لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ] أَيْ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَجِسًا [قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ] أَيْ اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ الْمَاءِ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ بِحُلُولِ النَّجَاسَةِ فِيهِ مَكْرُوهٌ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، أَيْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ النَّجَاسَةُ فَوْقَ الْقَطْرَةِ وَيُرْجَعُ فِي مِقْدَارِهَا لِلْعُرْفِ، وَأَنْ لَا تَكُونَ لَهُ مَادَّةٌ كَبِئْرٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ جَارِيًا، فَلَوْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ أَوْ كَانَتْ قَطْرَةً أَوْ كَانَ لَهُ مَادَّةٌ كَبِئْرٍ أَوْ جَارِيًا فَلَا كَرَاهَةَ فَلَوْ تَغَيَّرَ فَهُوَ نَجِسٌ، وَقَوْلُنَا بِحُلُولِ النَّجَاسَةِ مَفْهُومُهُ لَوْ كَانَ الْحَالُ طَاهِرًا فَلَا كَرَاهَةَ أَيْ مَعَ عَدَمِ التَّغَيُّرِ وَالْأَسْلَمُ الطَّهُورِيَّةُ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ تَوَضَّأَ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، لَا أَبَدًا وَلَا فِي الْوَقْتِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ عَلَى خِلَافِ الْمَشْهُورِ مُرَاعَاةً لَهُ أَيْ لِلْمَشْهُورِ.
[قَوْلُهُ: كَانَ حَقُّهَا إلَخْ] يُنَافِي قَوْلَهُ تَبَرَّعَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ ذِكْرُهَا هُنَا مُخَالِفًا لِلْمَطْلُوبِ يَكُونُ مُرْتَكِبًا أَمْرًا غَيْرَ لَائِقٍ فَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّعًا، لِأَنَّ الْمُتَبَرِّعَ مَحْمُودٌ وَهَذَا خِلَافُهُ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ فَتَدَبَّرْ.
[قَوْلُهُ: وَقِلَّةُ الْمَاءِ] أَيْ تَقْلِيلُهُ فِي حَالِ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، لِأَنَّ التَّكْلِيفَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ [قَوْلُهُ: أَيْ إتْقَانِ الْغَسْلِ] أَيْ تَيَقُّنِ الْغَسْلِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَكْفِي [قَوْلُهُ: الْغَسْلِ] بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَهُوَ صَبُّ الْمَاءِ مَعَ الدَّلْكِ.
[قَوْلُهُ: وَتَعْمِيمِهِ] أَيْ الْغَسْلِ [قَوْلُهُ: فِي الْعُضْوِ] أَرَادَ بِهِ جِنْسَ الْعُضْوِ فَيَصْدُقُ بِكُلِّهِ كَمَا فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَهُ حَقُّهَا أَنْ تُذْكَرَ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْبَابَيْنِ يَشْتَرِكَانِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى فَذِكْرُهُ فِي أَحَدِهِمَا ذِكْرٌ لِلْآخَرِ مَعَهُ.
[قَوْلُهُ: قِيلَ أَرَادَ بِهَا الْمُسْتَحَبَّ] أَيْ قَالَ بَعْضُهُمْ أَيْ فَلَمْ يُرِدْ بِهَا حَقِيقَتَهَا، وَلَمْ يَقْصِدْ التَّضْعِيفَ بِالتَّعْبِيرِ بِقِيلَ بَلْ قَصَدَ مُجَرَّدَ حِكَايَةِ قَوْلِ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: وَقِيلَ أَرَادَ بِهَا ضِدَّ الْبِدْعَةِ] أَيْ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ سُنَّةٌ أَيْ وَاجِبَةٌ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبِدْعَةَ مَا يَدُلُّ الشَّرْعُ عَلَى النَّهْيِ عَنْهُ جَزْمًا.
قَالَ عج: وَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا تَكُونُ إلَّا مُحَرَّمَةً، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِحَدِيثِ «وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ هُوَ الْمُوَافِقُ إلَخْ أَيْ مَعَ مُلَاحَظَةِ أَنَّ
وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ فِي النَّوَادِرِ: وَالْقَصْدُ فِي الْمَاءِ مُسْتَحَبٌّ وَالسَّرَفُ مِنْهُ مَكْرُوهٌ، وَعَلَيْهِ مَشَى صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ فَالْمُرَادُ بِالْبِدْعَةِ فِي كَلَامِهِ هُنَا الْكَرَاهَةُ، وَإِنَّمَا كَرِهَ الْإِسْرَافَ فِي الْمَاءِ مَخَافَةَ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى كَثْرَةِ صَبِّ الْمَاءِ وَيَتْرُكَ التَّدْلِيكَ، وَأُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَمْسُوحَ لَا يَطْلُبُ أَحْكَامَهُ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ فَلَا تُطْلَبُ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاقْتِصَادِ فِي الْمَاءِ بِقَوْلِهِ: ( «وَقَدْ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمُدٍّ» وَهُوَ وَزْنُ رِطْلٍ
[حاشية العدوي]
الْبِدْعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا حَرَامًا، بِدَلِيلِ بَقِيَّةِ كَلَامِهِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُوَافِقُ] أَيْ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَيْسَ بِمُوَافِقٍ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ بِمَعْنَى الْمُسْتَحَبِّ لَا تُقَابِلُ الْبِدْعَةَ [قَوْلُهُ: وَالسَّرَفُ مِنْهُ] الْأَحْسَنُ أَنْ لَوْ قَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَادَّةَ تَتَعَدَّى بِفِي وَإِنْ كَانَ الْإِكْثَارُ الَّذِي هُوَ مَعْنَاهَا لَا يَتَعَدَّى بِفِي.
[قَوْلُهُ: الْإِكْثَارُ مِنْ إلَخْ] الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ، وَالْإِكْثَارُ لِصَبٍّ لِتَكُونَ اللَّامُ لِلتَّقْوِيَةِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: 32] أَفَادَ ذَلِكَ الْمِصْبَاحُ قَالَ وَقَوْلُ النَّاسِ أَكْثَرْت مِنْ الْأَكْلِ وَنَحْوِهِ يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلْبَيَانِ عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ، وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ أَكْثَرْت الْفِعْلَ مِنْ الْأَكْلِ، وَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ اهـ.
[قَوْلُهُ: فِي الْوُضُوءِ] الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ فِي الْغَسْلِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ لِيَشْمَلَ الْغُسْلَ بِضَمِّ الْغَيْنِ، [قَوْلُهُ: زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ] أَيْ زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَوْ فِي بِمَعْنَى عَلَى أَيْ زِيَادَةٌ عَلَى الدِّينِ.
[قَوْلُهُ: وَبِدْعَةٌ] عَطْفُ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ أَوْ تَفْسِيرٍ [قَوْلُهُ: أَيْ مُحْدَثٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ] كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَحَيْثُ كَانَ بِدْعَةٌ مُقَابِلًا، لِقَوْلِهِ سُنَّةٌ فَلَا دَاعِيَ لِقَوْلِهِ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ، أَيْ مُحْدَثَةٌ بِالتَّاءِ، وَالْمُنَاسِبُ إسْقَاطُ تِلْكَ التَّاءِ؛ لِأَنَّ الْبِدْعَةَ هِيَ الْأَمْرُ الْمُحْدَثُ فَلَا تُؤْخَذُ التَّاءُ فِي التَّفْسِيرِ.
[قَوْلُهُ: وَهِيَ حَرَامٌ] أَيْ وَالْبِدْعَةُ حَرَامٌ إشَارَةً إلَى قِيَاسٍ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنْ تَقُولَ السَّرَفُ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ حَرَامٌ يَنْتِجُ السَّرَفُ حَرَامٌ، ثُمَّ أَقُولُ وَفِي كَلَامِهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ الْحُرْمَةُ لِصِدْقِهَا بِالْكَرَاهَةِ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُفَسِّرَ الْبِدْعَةَ بِقَوْلِهِ أَيْ مَنْهِيًّا عَنْهُ نَهْيًا جَازِمًا لِيَكُونَ مَارًّا عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ فِي الْبِدْعَةِ، إحْدَاهُمَا مَا ذَكَرْنَا وَالثَّانِيَةُ مَا لَمْ يَقَعْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى تَعْتَرِيهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ كَمَا أَفَادَهُ عج.
[قَوْلُهُ: الظَّاهِرُ] الْمُنَاسِبُ حَذْفُ ظَاهِرٍ [قَوْلُهُ: وَالْقَصْدُ] ضِدُّ الْإِفْرَاطِ أَيْ التَّقْلِيلُ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ وَاجِبَيْنِ أَمْ لَا.
[قَوْلُهُ: وَالسَّرَفُ مِنْهُ] أَيْ مِنْ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِمَا وَاحْتَرَزْنَا بِذَلِكَ عَنْ السَّرَفِ فِي غَيْرِهِمَا كَغَسْلِ الثَّوْبِ أَوْ الْإِنَاءِ لِزِيَادَةِ التَّنْظِيفِ أَوْ فِي الْوُضُوءِ لِزِيَادَةِ الْغَسَلَاتِ فِيهِ، لِنَحْوِ تَبَرُّدٍ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشَّارِحِ بَعْدُ، وَإِنَّمَا كُرِهَ إلَخْ [قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ مَشَى صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ] أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ [قَوْلُهُ: فَالْمُرَادُ بِالْبِدْعَةِ إلَخْ] أَيْ فَإِذَا كَانَ الْأَوَّلُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَيَكُونُ هُوَ الْمُعْتَمَدَ فَيَحْمِلُ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ فَيُقَالُ فِي تَوْجِيهِهِ فَالْمُرَادُ أَيْ فَيَكُونُ ذَاهِبًا إلَى تَفْسِيرِهَا بِالْمَعْنَى الثَّانِي، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا فِي الْمَقَامِ الْكَرَاهَةُ الَّتِي هِيَ أَحَدُ الْأَحْكَامِ.
[قَوْلُهُ: الْكَرَاهَةُ] أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَاءُ مِلْكَ الْغَيْرِ وَإِلَّا حُرِّمَ.
[قَوْلُهُ: مَخَافَةَ أَنْ يَتَّكِلَ إلَخْ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي قَصْرَ كَرَاهَةِ الْإِسْرَافِ عَلَى طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْأَوْضِيَةِ وَالِاغْتِسَالَاتِ الْمَطْلُوبَةِ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ الْوُجُوبِ، وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي الْإِسْرَافِ فِي زَوَالِ النَّجَاسَةِ وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ، حَيْثُ قَالَ وَإِنَّمَا كَانَ السَّرَفُ غُلُوًّا وَبِدْعَةً؛ لِأَنَّهُ إسْرَافٌ فِي عِبَادَةٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي الشَّرْعِ التَّقْلِيلُ فِي ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ عج، إنَّهُ يَشْمَلُ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ.
[قَوْلُهُ: عَلَى كَثْرَةِ صَبِّ الْمَاءِ] الْمُنَاسِبُ فِي الْمَقَامِ أَنْ يُضْمِرَ فَيَقُولَ مَخَافَةَ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِسْرَافَ هُوَ كَثْرَةُ صَبِّ الْمَاءِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَظْهَرَ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْإِسْرَافَ عِبَارَةٌ عَنْ كَثْرَةِ صَبِّ الْمَاءِ.
[قَوْلُهُ: فَلَا تُطْلَبُ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ] فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ عَيْنَ الْحُكْمِ فِي الْمُبَالَغَةِ هَلْ هُوَ الْكَرَاهَةُ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى وَالظَّاهِرُ الْكَرَاهَةُ، وَحَرَّرَ ثُمَّ أَقُولُ إنَّ مُفَادَ هَذَا أَنَّ مَعْنَى الْأَحْكَامِ الْمُبَالَغَةُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُفَسَّرُ بِالْمُبَالَغَةِ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْإِتْيَانُ بِالْأَمْرِ الْمَطْلُوبِ عَلَى وَجْهِ الْيَقِينِ.
[قَوْلُهُ: وَقَدْ تَوَضَّأَ] أَيْ